عادل باناعمة
05-08-07, 07:54 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد
فطالما أدركتني الرغبةُ في الكتابة في هذا المنتدى العامرِ ، لما وجدتُ فيه من مثاقفة أهل العلم ، ومذاكرةِ طلابه ، ولما تمتلئ به جنباتُهُ من نفيس الأقوال ، وجليل المسائل .. وكانت تحول دون تحقيق رغبتي هذه الحوائل والعوائقُ .
وقد عزمتُ أن أبتدرَ الكتابةَ مستسمحاً إخواني من العلماء وطلبةِ العلم ، راجياً أن يتقبلوا ما أخطه بقبولٍ حسنٍ ، وآملاً أن يلقى منهم تقويماً وتهذيباً وعنايةً .
وقد حملني على البدء بهذه المقالات أني وجدت أخي محمد حمدان قد طرح سؤالاً عن الطريق الأمثل لدرس العروض
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=108049
وما رأيتُ في التعليقاتِ إجابةً شافيةً ، وكنتُ قد درّستُ هذا العلم في جامعة أم القرى ، ووجدتُ أن من مشكلاتِهِ الرئيسةِ غفلةَ الطلبةِ عن ( فلسفةِ ) هذا العلم ، وآلية وضعِهِ ، فأحببت أن أضع مقدمةً لهذا العلم لا أتعرض فيها لشيء من البحور ولا الأوزانِ وإنما أحرّر فيها جملة مسائل أعتقدُ أن دارس العروض لا يحسن به أن يقتحم غماره حتى يستوعبها ويتفهّمها .
ولعل من يصبرُ نفسه على قراءة هذه المقالات يرجعُ إن شاء الله بغنمٍ وافرٍ ، وبذخيرةٍ قد لا يجدُها مسطورة على هذا النحو في غير هذا المقام .
أقول هذا ترغيباً في القراءة ليعظم أجري ، لا افتخاراً ولا ادّعاءً .. وأنّى ! وأنا من أنا في تقصيره وقلة حيلته .
المقدمة الأولى : ثمرات علم العروض
وقد بدأت بها لأن فريقاً من طلبةِ العلم لا يستشعر فضيلة هذا العلم ولا قيمته ، ويظن أن غاية ما فيه تمييز الموزون من المكسور ، وهذا على شرفهِ ثمرة واحدةٌ من ثمار العروض ، ثم أنت لا تعدم فاضلاً من طلبة العلم يحتجّ بتقصير بعض الأئمة في العروضِ فيجعله أصلاً ، وحجةً له في ترك تعلمِهِ ، وعسى أن يكون في هذه المقدمة ما يقيمُ لهذه القضية ميزانها .
فلنستعرض معاً طائفة من ثمرات هذا العلم ..
1ـ معرفة الأوزان الصحيحة من الفاسدة "
وإنما وضع الخليل العروض لئلا يخرج خارج عن الوزن كما حظر بالنحو كلام العرب لئلا يحول الناس إلى اللحن " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 41 ] .
2ـ معرفة ما يجوز مما لا يقبله الطبع السليم وعكسه
فالأول : كالضرب الثالث من الطويل إذا لم يُقبض ما قبله ، كقوله :
أقيموا بني النّعمان عنّا صدوركم *** وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا
[ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي : 24 ]
والثاني : كقول البهاء زهير :
يا من لعبت به شمولٌ *** ما ألطف هذه الشمايلْ
نشوان يهـزه دلالٌ *** كالغصن مع النسيم مايلْ
[ انظر : نهاية الراغب في شرح عروض الحاجب ، لجمال الدين الأسنوي : 78 ] .
فهذه أبيات قد لا تنبو عن الذّوق ولكنها لا تستقيم على وجه من وجوه العروض .
3ـ الأمن من تداخل البحور
و" قد وقع فيه جماعة من العرب كمرقش ومهلهل وعلقمة بن عبدة وعبيد بن الأبرص وغيرهم " [ البارع : 83 ] .
وقد ذهَبَ الغذّاميُّ إلى أنّ عبيد أخذ في قصيدته بفكرة مزْجِ البحور ، وأنّه قد اجتمع في قصيدته هذه سبعة أبحر ! [ انظر : الصوت القديم الجديد : 81 – 85 ] ، وأنّ قصيدةَ الأسود بن يعفر ( إنّا ذممنا على ما خيّلت ... سعد بن زيد وعمرو من تميمْ ) جاءت على أربعة أوزان ! [ انظر : الصوت القديم الجديد : 86 – 87 ] .
4ـ ضبط الشطرين وعدم انزياح بعض أحدهما إلى الآخر
ومثاله ما في كتاب أهدى سبيل [ ص : 11 ] :
والرزق عن قَدَرٍ لا العجز *** ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتالِ
وحق ( ينقصه ) أن تكون في الشطر الأول .
5ـ سلامة النطق بالشعر وصيانته عن التحريف
وإليك هذه الأمثلة العديدة :
1ـ " وخبرت عن شيخ من مشايخ أهل العلم والرواية وكانت له حلقة في المسجد الجامع بالرصافة أنه أنشد لامرئ القيس :
ألا إنني باك على جبل باك *** يقود بنا باكٍ ويتبعنا باكٍ ويحدو بنا باكٍ
يجعل الطويل على عشرة أجزاء ، وهذا ما قاله عربيّ ولا أنشده أعجميّ ، فأي مهجنة أقبح على الإنسان من هذه المهجنة ؟ وبكم الخرس أحسن من النطق بمثل هذا ! " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 32 ] .
2ـ " وخبرني بعض من أثق به أنه رأى بخط شيخ من أهل العلم ممن قد لزم المجالس وكتب بيده شيئا كثيرا بيت امرئ القيس :
فقال : حَلَفْتُ لها بالله حلفةَ فاجرٍ *** لناموا فما إن من حديث ولا صالِ
فجعل ( فقال ) من البيت ! وأحسب أنّ الكلام كان قبل البيت .. وهذا قبيح جداً " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
3ـ " وخبرني بعض من أثق به أن رجلا من أهل العلم أنشد :
أيها المرء لا تقولنّ شيئا *** لست تدري ماذا يُعْييك منه
وهذا مكسور لا يخرج ، وإنما هو : ماذا يعيبك منه ، من العيب " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 36 ] .
4ـ " وخبرني من أثق به أنه كان في مجلس إملاء ، فمرّ به هذا البيت :
أمن أم طلحـة طيف ألمْ *** ونحن بالاجزاع من ذي سلَمْ
وبعده :
وفيها عصيت الألى فنّدوا *** وكلُّ نصيــــحٍ بها متهمْ
قال : فرأيت بعض من كان في المجلس قد كتب : ( وفيها ) منفردا عن الشعر ، وجعل أول البيت ( عصيت الألى فندوا ) ! ولو كان هذا الرجل في شيء من العروض لم يذهب عليه هذا المقدار " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 37 ] .
6ـ ضبط الألفاظ
فربما احتمل اللفظ غير ما نطق ، فكان العروض هو المحدد للنطق الصحيح ، والضبط الصواب الذي ينبغي أن يصار إليه .
قال السيرافيّ : " ولا أحصي من الأبيات ما وجدته غُفلاً غير مضبوط ولا مشكول ولم يكن لي فيه سماع ، فاستخرجته في العروض " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
" ألا تـرى أنك لو رأيت بيتـاً من الشعر وفيه كلمة من العربيّـة لا تعرفها نحـو ( جَحْمَرِش ) و ( كَنَهْبَل ) وأنت عارف بالعروض ووزنه وأجزائه لم يجـز أن تقـول : ( جَحَمَرِش ) فتفتح الحاء وتسكّن الميم ، ولا ( كَنْهَبْل ) فتسكن النون وتفتح الهاء ؛ لأنّ الوزن يردعك ويمنعك من هذا الخطأ القبيح " . [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
ومن أمثلة هذا الأمر ما جاء في شعر حافظ إبراهيم من قوله :
" حطَمتُ اليراع فلا تعجبي*** وعفت البيان فلا تعتبي
تجد الفعل حطم ، وقواعد اللغة تجيز نطقه بتشديد الطاء وعدم التشديد ولكن تفعيلة المتقارب تحتم ترك التشديد [ في عروض الشعر العربي .. قضايا ومناقشات ، للدكتور محمد عبد المجيد الطويل : 12 ] .
وإليك مثالا آخر ذكره السيرافي ، قال رحمه الله : " تجارى رجلان بحضرتي وتناشدا قول الشاعر :
كأنّ فاها عَبَقُرٌّ باردٌ
فقال أحدهما : عَبَقّر بتشديد القاف ، وقال الآخر : عَبَقُرّ فشدد الراء ، فقطعت البيت فخرج الحرف عَبَقُرٌّ بتشديد الراء ، والبيت من الرجز ، ولم يتزن البيت بتشديد القاف ... والوزن يردعك ويمنعك من الخطأ القبيح ، ويزيل عنك الشك واللبس ، ويرشدك إلى البصيرة واليقين ، ولا تحتاج إلى ملاقاة أحد في معرفة ذلك ، بل تكون أنت المرجوع إليـك ، والحكم فيما يرد عليك " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
7ـ الصيانة من نسبة البيت إلى غير قصيدته
" وخبرني من أثق به عن رجل من جِلّة أهل العلم المتقدّمين فيه … أنه أنشد بيتا لأبي نواس وهو :
جُعلتُ فداكَ إنّ الحبس باسُ*** وقد أرسلتَ : ليس عليك باسُ
قال : فقلت له : هذا لأبي العتاهية . فقال : أوليس في أول هذاالشعر :
من ذا يكون أبا نوا*** سِكَ إذْ حبستَ أبا نواسِ ؟
قال : فقلتُ : ليس هذا الوزن من ذلك الوزن ، هذا من الكامل ، وشعر أبي العتاهيةِ من الوافر ، وقافية أحدهما مرفوعة ، وقافية الآخر مخفوضة " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 40 ] .
8ـ التمييز بين الشعر والنثر
فكثيراً ما يخلط غير البصير بالعروض بينهما .
ومن أمثلة ذلك قول السيرافي : " رأيت أيضا بخط رجل قد كتب بيده كتبا كثيرة ، وهو أيضا ممن له نية في الشكل والضبط قد كتب كلاما منثورا ظن أنه شعر متزن ، فأخرجه من الكلام وأفرده كما يفعل بالبيت من الشعر ليفصل بينه وبين الكلام ! وهو كلام ليحيى بن يعمر قاله لرجل نازعته امرأة عنده فقال له :
أإن سألتك ثمن شَكْرها وشَبْرها *** أنشأت تطلها وتضهلها ؟
... فظن هذا الرجل أن هذا الكلام بيت من الشعر فكتبه في كتابه على هذه الصورة التي كتبناها " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 36 ] .
9ـ إعانة الناقد على معرفة مبلغ اقتدار الشاعر
" إن الشاعر الكبير يغلب الوزن ولا يغلبه الوزن ، تتغير عنده وجوه القول ولا تتغير قدرته على القول " [ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقـق : 4 ] .
والناقد إذا كان بصيراً بالعروضِ كان عارفاً بالمدى الذي يسع الشاعر أن يتحرك فيه ، وبالتالي يكون أقدر على استيعاب الاختيارات المتاحة للشاعر ، وتقويم ما انتقاه منها .
10ـ التأكد من أنّ القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف ليسا بشعر
أي معرفة دراسة لا معرفة تقليد . وذلك بأن يعرض القرآن على اقراء الشعر وبحور وأضربِهِ فإذا هو لا يوافق شيئا منها .
11ـ معرفة ما يرد في التراث من مصطلحات عروضية :
فالتراث العربيّ مليء بهذه المصطلحات ، ولا سبيل إلى فهمها ، وإدراك المراد إلا بدرس العروض وتدبّره وتفهمه . [ انظر في 9 ، 10 : منهج المعهد العلمي في العروض والقافية : 7-8 ] .
ونحتاج هنا أن نشير إلى شبهات المعترضين على علم العروض والداعين لإلغائه ، وأبرز هذه الشبهات :
1ـ زهد كثير من الأئمة فيه كثعلب وقدح بعضهم فيه كالجاحظ والنظام
فقد كان ثعلبٌ لا يحسن العروضَ .
وكان الجاحظ يقولُ : إن العروض علمٌ مستبرد لا فائدة له ولا محصول *.
وذُكر أنّ الأصمعيّ ذهب إلى الخليل يطلب العروض ، ومكث فترة فلم يفلح ، حتى يئس الخليل من فلاحه ، فقال له يوما : قطّع هذا البيت :
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيعُ
فذهب الأصمعيّ ولم يرجع ، وعجب الخليل من فطنته .
والجواب أنه " لو ذهب الناس حتى يزهدوا في العلوم لأن أحمد بن يحيى لم يكن يحسنها ولا ينظر فيها لترك الناس علما كثيرا " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 29 ] .
" وغفر الله للجاحظ تصريحه بأن العروض علم مستبرد لا فائدة له ولا محصول ، إنها جَمْحة أفلتت من زَكَنِهِ وإن حملت شيئا من روح الفكاهة فيه ، لا ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد الخالص ولا سيما أن للجاحظ نفسه قولا آخر يعترف فيه بوظيفة العروض . جمحةٌ فيها من التهكم ما يشبه تهكُّمَ أستاذه النظّام إذ يقول : إنّ دوائر الخليلِ لايحتاجُ إليـها غيرُهُ ، وربما كان كلا القولين مردُّهُ إلى افتراق المذاهب وما يوقعه في النفس من هوىً ، فالنظام والجاحظ من أهل الاعتزال ، والخليلُ من أهل السنّة " [ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقق : 5 ] .
كما أنّ إخفاق الأصمعيِّ في تعلّم العروض لا يعني أن العروض " مقدور علمُهُ لفئةٍ قليلةٍ ، فما أكثر من تتهيأ لهم القدرة العروضيّة ، وإن لم يكن لهم ذكاءُ الأصمعيّ وعلمه وأدبه ؛ لأنها قدرة كأيّ قدرة غيرها ، لا يلزم أن يؤتاها عظيم الذكاء فحسب " [الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقق : 3 ] .
وعلى كل " فلا يمنعك من طلب العلم زهد من زهد فيه ، ولا جهل من رغب عنه وطعن فيه ، وقد قال علي بن أبي طالب : قيمة كل امرئ ما يحسن " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 42 ] .
والحقّ أن البليّة ليست في تهوين بعض الناس من شأن العروض مهما بلغوا من العلم والفضل ، " وإنما الضير كلّ الضير أن تكون الاستهانة سمة العصر ، وهذا هو البلاء الحاضر " . [ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقق : 6 ] .
2ـ لا يراد العروض إلا لقول الشعر ، فإن استقام الطبع استغني عنه
" وليس الأمر كذلك لأن صاحب العروض وإن قال الشعر وعلم كيف وضع الكلام ورصفه فلعمري إنه قد سلك طريقا يعرفه ووضع الكلام موضعه ، ولكن إنما يراد بالعروض معرفة الأوزان أهي صحيحة أم مكسورة ؟ ومن أي صنف هي ؟ " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
ومعنى هذا أن مستقيم الطبع إذا تعلم العروض كان بصيرا بمواضع الكلم ، وكان كالبناء الماهر الذي يبني وفق خريطة مرسومة أمامه ، فيكون ذلك أعون على إتقانه وإبداعه وتجويده .
ثم إن العروض لا يراد لقول الشعر فحسب ، بل سبقت الإشارة إلى كثير من منافعه وثماره .
3ـ ملكة السماع تغني عن العروض
وهذه شبهة متفرعة على سابقتها ، والجواب أن ثمرة العروض تظهر حين اختلاف صاحبي طبع حول نص ما ، " فإذا استمع معك غيرك فقال لما تزعم أنه شعر ليس بشعر ، ولما تزعم أنه ليس بشعر عندك هو شعر فما حجتك ؟ إن احتججت عليه بأنك تسمع قال : أنا أيضا أسمع ، وأما من زعم أنه يأخذ بالترنم والغناء فإن الترنم يكسر الشعر ، وذلك لأنه لا يقدر على المد إلا في حروف المد ، وليس في كل موضع يمد فيه من البيت حرف مد ، فإذا لم يجد حرف مد زاد حرف مد من عنده ، ولا بد من ذلك ، فالزيادة في الحروف كسر " [ الأخفش : 132 ] .
4ـ لم يحط العروض بالأبنية كلها فلم نحصر نفسنا فيه ؟
من قال ذلك فيقال له : " من أين صحّ عندك ذلك ؟ أمن جهة ِ روايةٍ وقعت إليك ؟ أم ظننته ؟ فليس بالظنّ يبطل اليقين ، ولا بالشّكوك تفسد البراهينُ . وإن كان ذلك من جهة الروايةِ فما أحسبك تعْشُرُ الخليلَ في الرواية ، ولا تتقدّمه في الدّراية … وإذا تُتُبٍّعتِ الأشعار التي نقلتْها الرّواةُ عن العرب الفصحاء لم تخرج عن الأوزان التي ذكرها الخليل ، ويشهد بعضها لبعضٍ . فكيف يمكن أن تكون الأوزانُ أكثر من هذه وقد حُدّتْ وجُمعتْ ، وأُخذ فيها بالوثيقة ؟ " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 56 ]
وحتى لو سلّمنا باحتمال فوات أبنيةٍ لم يضبطها العروض ، فإنّ منطق العلم يقتضي ألا نعتمد ونبين إلا ما عرفناه وبلغنا ، ولا تصحّ الإحالة على مجهول . فإن قال قائل : " ألست لا تدري لعل أبنية كثيرة لم تسمع بها ؟ قلت : بلى ، غير أني لا أبيّـن إلا ما سمعت ، كما أنه لو قلت : مررت بأبوك ، غيَّرْتُهُ ، وإن كنتُ لا أدري لعل هذه لغة للعرب . وكذلك يعتبر ذلك البناء الذي لم نسمع به " [ الأخفش : 127 ] .
5ـ بدأ أول شاعر ببحر أو اثنين ثم زاد من بعده فلم لا نزيد نحن ؟
" قلت : أما من بنى من العرب الذين سجيتهم العربية بناء فهو جائز ، وإن لم يكن سمعه قبل ذلك ، كما أني إذا سمعت منه لغة وهو فصيح أخذت بها ، فإذا كان ذلك البناء ممن ليست سجيته العربية لم آخذ عنه ، كما لا آخذ عنه اللغة " [ الأخفش : 128 ] .
فطالما أدركتني الرغبةُ في الكتابة في هذا المنتدى العامرِ ، لما وجدتُ فيه من مثاقفة أهل العلم ، ومذاكرةِ طلابه ، ولما تمتلئ به جنباتُهُ من نفيس الأقوال ، وجليل المسائل .. وكانت تحول دون تحقيق رغبتي هذه الحوائل والعوائقُ .
وقد عزمتُ أن أبتدرَ الكتابةَ مستسمحاً إخواني من العلماء وطلبةِ العلم ، راجياً أن يتقبلوا ما أخطه بقبولٍ حسنٍ ، وآملاً أن يلقى منهم تقويماً وتهذيباً وعنايةً .
وقد حملني على البدء بهذه المقالات أني وجدت أخي محمد حمدان قد طرح سؤالاً عن الطريق الأمثل لدرس العروض
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=108049
وما رأيتُ في التعليقاتِ إجابةً شافيةً ، وكنتُ قد درّستُ هذا العلم في جامعة أم القرى ، ووجدتُ أن من مشكلاتِهِ الرئيسةِ غفلةَ الطلبةِ عن ( فلسفةِ ) هذا العلم ، وآلية وضعِهِ ، فأحببت أن أضع مقدمةً لهذا العلم لا أتعرض فيها لشيء من البحور ولا الأوزانِ وإنما أحرّر فيها جملة مسائل أعتقدُ أن دارس العروض لا يحسن به أن يقتحم غماره حتى يستوعبها ويتفهّمها .
ولعل من يصبرُ نفسه على قراءة هذه المقالات يرجعُ إن شاء الله بغنمٍ وافرٍ ، وبذخيرةٍ قد لا يجدُها مسطورة على هذا النحو في غير هذا المقام .
أقول هذا ترغيباً في القراءة ليعظم أجري ، لا افتخاراً ولا ادّعاءً .. وأنّى ! وأنا من أنا في تقصيره وقلة حيلته .
المقدمة الأولى : ثمرات علم العروض
وقد بدأت بها لأن فريقاً من طلبةِ العلم لا يستشعر فضيلة هذا العلم ولا قيمته ، ويظن أن غاية ما فيه تمييز الموزون من المكسور ، وهذا على شرفهِ ثمرة واحدةٌ من ثمار العروض ، ثم أنت لا تعدم فاضلاً من طلبة العلم يحتجّ بتقصير بعض الأئمة في العروضِ فيجعله أصلاً ، وحجةً له في ترك تعلمِهِ ، وعسى أن يكون في هذه المقدمة ما يقيمُ لهذه القضية ميزانها .
فلنستعرض معاً طائفة من ثمرات هذا العلم ..
1ـ معرفة الأوزان الصحيحة من الفاسدة "
وإنما وضع الخليل العروض لئلا يخرج خارج عن الوزن كما حظر بالنحو كلام العرب لئلا يحول الناس إلى اللحن " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 41 ] .
2ـ معرفة ما يجوز مما لا يقبله الطبع السليم وعكسه
فالأول : كالضرب الثالث من الطويل إذا لم يُقبض ما قبله ، كقوله :
أقيموا بني النّعمان عنّا صدوركم *** وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا
[ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي : 24 ]
والثاني : كقول البهاء زهير :
يا من لعبت به شمولٌ *** ما ألطف هذه الشمايلْ
نشوان يهـزه دلالٌ *** كالغصن مع النسيم مايلْ
[ انظر : نهاية الراغب في شرح عروض الحاجب ، لجمال الدين الأسنوي : 78 ] .
فهذه أبيات قد لا تنبو عن الذّوق ولكنها لا تستقيم على وجه من وجوه العروض .
3ـ الأمن من تداخل البحور
و" قد وقع فيه جماعة من العرب كمرقش ومهلهل وعلقمة بن عبدة وعبيد بن الأبرص وغيرهم " [ البارع : 83 ] .
وقد ذهَبَ الغذّاميُّ إلى أنّ عبيد أخذ في قصيدته بفكرة مزْجِ البحور ، وأنّه قد اجتمع في قصيدته هذه سبعة أبحر ! [ انظر : الصوت القديم الجديد : 81 – 85 ] ، وأنّ قصيدةَ الأسود بن يعفر ( إنّا ذممنا على ما خيّلت ... سعد بن زيد وعمرو من تميمْ ) جاءت على أربعة أوزان ! [ انظر : الصوت القديم الجديد : 86 – 87 ] .
4ـ ضبط الشطرين وعدم انزياح بعض أحدهما إلى الآخر
ومثاله ما في كتاب أهدى سبيل [ ص : 11 ] :
والرزق عن قَدَرٍ لا العجز *** ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتالِ
وحق ( ينقصه ) أن تكون في الشطر الأول .
5ـ سلامة النطق بالشعر وصيانته عن التحريف
وإليك هذه الأمثلة العديدة :
1ـ " وخبرت عن شيخ من مشايخ أهل العلم والرواية وكانت له حلقة في المسجد الجامع بالرصافة أنه أنشد لامرئ القيس :
ألا إنني باك على جبل باك *** يقود بنا باكٍ ويتبعنا باكٍ ويحدو بنا باكٍ
يجعل الطويل على عشرة أجزاء ، وهذا ما قاله عربيّ ولا أنشده أعجميّ ، فأي مهجنة أقبح على الإنسان من هذه المهجنة ؟ وبكم الخرس أحسن من النطق بمثل هذا ! " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 32 ] .
2ـ " وخبرني بعض من أثق به أنه رأى بخط شيخ من أهل العلم ممن قد لزم المجالس وكتب بيده شيئا كثيرا بيت امرئ القيس :
فقال : حَلَفْتُ لها بالله حلفةَ فاجرٍ *** لناموا فما إن من حديث ولا صالِ
فجعل ( فقال ) من البيت ! وأحسب أنّ الكلام كان قبل البيت .. وهذا قبيح جداً " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
3ـ " وخبرني بعض من أثق به أن رجلا من أهل العلم أنشد :
أيها المرء لا تقولنّ شيئا *** لست تدري ماذا يُعْييك منه
وهذا مكسور لا يخرج ، وإنما هو : ماذا يعيبك منه ، من العيب " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 36 ] .
4ـ " وخبرني من أثق به أنه كان في مجلس إملاء ، فمرّ به هذا البيت :
أمن أم طلحـة طيف ألمْ *** ونحن بالاجزاع من ذي سلَمْ
وبعده :
وفيها عصيت الألى فنّدوا *** وكلُّ نصيــــحٍ بها متهمْ
قال : فرأيت بعض من كان في المجلس قد كتب : ( وفيها ) منفردا عن الشعر ، وجعل أول البيت ( عصيت الألى فندوا ) ! ولو كان هذا الرجل في شيء من العروض لم يذهب عليه هذا المقدار " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 37 ] .
6ـ ضبط الألفاظ
فربما احتمل اللفظ غير ما نطق ، فكان العروض هو المحدد للنطق الصحيح ، والضبط الصواب الذي ينبغي أن يصار إليه .
قال السيرافيّ : " ولا أحصي من الأبيات ما وجدته غُفلاً غير مضبوط ولا مشكول ولم يكن لي فيه سماع ، فاستخرجته في العروض " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
" ألا تـرى أنك لو رأيت بيتـاً من الشعر وفيه كلمة من العربيّـة لا تعرفها نحـو ( جَحْمَرِش ) و ( كَنَهْبَل ) وأنت عارف بالعروض ووزنه وأجزائه لم يجـز أن تقـول : ( جَحَمَرِش ) فتفتح الحاء وتسكّن الميم ، ولا ( كَنْهَبْل ) فتسكن النون وتفتح الهاء ؛ لأنّ الوزن يردعك ويمنعك من هذا الخطأ القبيح " . [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
ومن أمثلة هذا الأمر ما جاء في شعر حافظ إبراهيم من قوله :
" حطَمتُ اليراع فلا تعجبي*** وعفت البيان فلا تعتبي
تجد الفعل حطم ، وقواعد اللغة تجيز نطقه بتشديد الطاء وعدم التشديد ولكن تفعيلة المتقارب تحتم ترك التشديد [ في عروض الشعر العربي .. قضايا ومناقشات ، للدكتور محمد عبد المجيد الطويل : 12 ] .
وإليك مثالا آخر ذكره السيرافي ، قال رحمه الله : " تجارى رجلان بحضرتي وتناشدا قول الشاعر :
كأنّ فاها عَبَقُرٌّ باردٌ
فقال أحدهما : عَبَقّر بتشديد القاف ، وقال الآخر : عَبَقُرّ فشدد الراء ، فقطعت البيت فخرج الحرف عَبَقُرٌّ بتشديد الراء ، والبيت من الرجز ، ولم يتزن البيت بتشديد القاف ... والوزن يردعك ويمنعك من الخطأ القبيح ، ويزيل عنك الشك واللبس ، ويرشدك إلى البصيرة واليقين ، ولا تحتاج إلى ملاقاة أحد في معرفة ذلك ، بل تكون أنت المرجوع إليـك ، والحكم فيما يرد عليك " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
7ـ الصيانة من نسبة البيت إلى غير قصيدته
" وخبرني من أثق به عن رجل من جِلّة أهل العلم المتقدّمين فيه … أنه أنشد بيتا لأبي نواس وهو :
جُعلتُ فداكَ إنّ الحبس باسُ*** وقد أرسلتَ : ليس عليك باسُ
قال : فقلت له : هذا لأبي العتاهية . فقال : أوليس في أول هذاالشعر :
من ذا يكون أبا نوا*** سِكَ إذْ حبستَ أبا نواسِ ؟
قال : فقلتُ : ليس هذا الوزن من ذلك الوزن ، هذا من الكامل ، وشعر أبي العتاهيةِ من الوافر ، وقافية أحدهما مرفوعة ، وقافية الآخر مخفوضة " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 40 ] .
8ـ التمييز بين الشعر والنثر
فكثيراً ما يخلط غير البصير بالعروض بينهما .
ومن أمثلة ذلك قول السيرافي : " رأيت أيضا بخط رجل قد كتب بيده كتبا كثيرة ، وهو أيضا ممن له نية في الشكل والضبط قد كتب كلاما منثورا ظن أنه شعر متزن ، فأخرجه من الكلام وأفرده كما يفعل بالبيت من الشعر ليفصل بينه وبين الكلام ! وهو كلام ليحيى بن يعمر قاله لرجل نازعته امرأة عنده فقال له :
أإن سألتك ثمن شَكْرها وشَبْرها *** أنشأت تطلها وتضهلها ؟
... فظن هذا الرجل أن هذا الكلام بيت من الشعر فكتبه في كتابه على هذه الصورة التي كتبناها " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 36 ] .
9ـ إعانة الناقد على معرفة مبلغ اقتدار الشاعر
" إن الشاعر الكبير يغلب الوزن ولا يغلبه الوزن ، تتغير عنده وجوه القول ولا تتغير قدرته على القول " [ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقـق : 4 ] .
والناقد إذا كان بصيراً بالعروضِ كان عارفاً بالمدى الذي يسع الشاعر أن يتحرك فيه ، وبالتالي يكون أقدر على استيعاب الاختيارات المتاحة للشاعر ، وتقويم ما انتقاه منها .
10ـ التأكد من أنّ القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف ليسا بشعر
أي معرفة دراسة لا معرفة تقليد . وذلك بأن يعرض القرآن على اقراء الشعر وبحور وأضربِهِ فإذا هو لا يوافق شيئا منها .
11ـ معرفة ما يرد في التراث من مصطلحات عروضية :
فالتراث العربيّ مليء بهذه المصطلحات ، ولا سبيل إلى فهمها ، وإدراك المراد إلا بدرس العروض وتدبّره وتفهمه . [ انظر في 9 ، 10 : منهج المعهد العلمي في العروض والقافية : 7-8 ] .
ونحتاج هنا أن نشير إلى شبهات المعترضين على علم العروض والداعين لإلغائه ، وأبرز هذه الشبهات :
1ـ زهد كثير من الأئمة فيه كثعلب وقدح بعضهم فيه كالجاحظ والنظام
فقد كان ثعلبٌ لا يحسن العروضَ .
وكان الجاحظ يقولُ : إن العروض علمٌ مستبرد لا فائدة له ولا محصول *.
وذُكر أنّ الأصمعيّ ذهب إلى الخليل يطلب العروض ، ومكث فترة فلم يفلح ، حتى يئس الخليل من فلاحه ، فقال له يوما : قطّع هذا البيت :
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيعُ
فذهب الأصمعيّ ولم يرجع ، وعجب الخليل من فطنته .
والجواب أنه " لو ذهب الناس حتى يزهدوا في العلوم لأن أحمد بن يحيى لم يكن يحسنها ولا ينظر فيها لترك الناس علما كثيرا " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 29 ] .
" وغفر الله للجاحظ تصريحه بأن العروض علم مستبرد لا فائدة له ولا محصول ، إنها جَمْحة أفلتت من زَكَنِهِ وإن حملت شيئا من روح الفكاهة فيه ، لا ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد الخالص ولا سيما أن للجاحظ نفسه قولا آخر يعترف فيه بوظيفة العروض . جمحةٌ فيها من التهكم ما يشبه تهكُّمَ أستاذه النظّام إذ يقول : إنّ دوائر الخليلِ لايحتاجُ إليـها غيرُهُ ، وربما كان كلا القولين مردُّهُ إلى افتراق المذاهب وما يوقعه في النفس من هوىً ، فالنظام والجاحظ من أهل الاعتزال ، والخليلُ من أهل السنّة " [ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقق : 5 ] .
كما أنّ إخفاق الأصمعيِّ في تعلّم العروض لا يعني أن العروض " مقدور علمُهُ لفئةٍ قليلةٍ ، فما أكثر من تتهيأ لهم القدرة العروضيّة ، وإن لم يكن لهم ذكاءُ الأصمعيّ وعلمه وأدبه ؛ لأنها قدرة كأيّ قدرة غيرها ، لا يلزم أن يؤتاها عظيم الذكاء فحسب " [الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقق : 3 ] .
وعلى كل " فلا يمنعك من طلب العلم زهد من زهد فيه ، ولا جهل من رغب عنه وطعن فيه ، وقد قال علي بن أبي طالب : قيمة كل امرئ ما يحسن " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 42 ] .
والحقّ أن البليّة ليست في تهوين بعض الناس من شأن العروض مهما بلغوا من العلم والفضل ، " وإنما الضير كلّ الضير أن تكون الاستهانة سمة العصر ، وهذا هو البلاء الحاضر " . [ الكافي في العروض والقوافي ، للخطيب التبريزي ، مقدّمة المحقق : 6 ] .
2ـ لا يراد العروض إلا لقول الشعر ، فإن استقام الطبع استغني عنه
" وليس الأمر كذلك لأن صاحب العروض وإن قال الشعر وعلم كيف وضع الكلام ورصفه فلعمري إنه قد سلك طريقا يعرفه ووضع الكلام موضعه ، ولكن إنما يراد بالعروض معرفة الأوزان أهي صحيحة أم مكسورة ؟ ومن أي صنف هي ؟ " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 35 ] .
ومعنى هذا أن مستقيم الطبع إذا تعلم العروض كان بصيرا بمواضع الكلم ، وكان كالبناء الماهر الذي يبني وفق خريطة مرسومة أمامه ، فيكون ذلك أعون على إتقانه وإبداعه وتجويده .
ثم إن العروض لا يراد لقول الشعر فحسب ، بل سبقت الإشارة إلى كثير من منافعه وثماره .
3ـ ملكة السماع تغني عن العروض
وهذه شبهة متفرعة على سابقتها ، والجواب أن ثمرة العروض تظهر حين اختلاف صاحبي طبع حول نص ما ، " فإذا استمع معك غيرك فقال لما تزعم أنه شعر ليس بشعر ، ولما تزعم أنه ليس بشعر عندك هو شعر فما حجتك ؟ إن احتججت عليه بأنك تسمع قال : أنا أيضا أسمع ، وأما من زعم أنه يأخذ بالترنم والغناء فإن الترنم يكسر الشعر ، وذلك لأنه لا يقدر على المد إلا في حروف المد ، وليس في كل موضع يمد فيه من البيت حرف مد ، فإذا لم يجد حرف مد زاد حرف مد من عنده ، ولا بد من ذلك ، فالزيادة في الحروف كسر " [ الأخفش : 132 ] .
4ـ لم يحط العروض بالأبنية كلها فلم نحصر نفسنا فيه ؟
من قال ذلك فيقال له : " من أين صحّ عندك ذلك ؟ أمن جهة ِ روايةٍ وقعت إليك ؟ أم ظننته ؟ فليس بالظنّ يبطل اليقين ، ولا بالشّكوك تفسد البراهينُ . وإن كان ذلك من جهة الروايةِ فما أحسبك تعْشُرُ الخليلَ في الرواية ، ولا تتقدّمه في الدّراية … وإذا تُتُبٍّعتِ الأشعار التي نقلتْها الرّواةُ عن العرب الفصحاء لم تخرج عن الأوزان التي ذكرها الخليل ، ويشهد بعضها لبعضٍ . فكيف يمكن أن تكون الأوزانُ أكثر من هذه وقد حُدّتْ وجُمعتْ ، وأُخذ فيها بالوثيقة ؟ " [ كتاب صنعة الشعر ، المنسوب لأبي سعيد السيرافي : 56 ]
وحتى لو سلّمنا باحتمال فوات أبنيةٍ لم يضبطها العروض ، فإنّ منطق العلم يقتضي ألا نعتمد ونبين إلا ما عرفناه وبلغنا ، ولا تصحّ الإحالة على مجهول . فإن قال قائل : " ألست لا تدري لعل أبنية كثيرة لم تسمع بها ؟ قلت : بلى ، غير أني لا أبيّـن إلا ما سمعت ، كما أنه لو قلت : مررت بأبوك ، غيَّرْتُهُ ، وإن كنتُ لا أدري لعل هذه لغة للعرب . وكذلك يعتبر ذلك البناء الذي لم نسمع به " [ الأخفش : 127 ] .
5ـ بدأ أول شاعر ببحر أو اثنين ثم زاد من بعده فلم لا نزيد نحن ؟
" قلت : أما من بنى من العرب الذين سجيتهم العربية بناء فهو جائز ، وإن لم يكن سمعه قبل ذلك ، كما أني إذا سمعت منه لغة وهو فصيح أخذت بها ، فإذا كان ذلك البناء ممن ليست سجيته العربية لم آخذ عنه ، كما لا آخذ عنه اللغة " [ الأخفش : 128 ] .