المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب : فتح الوهاب فى بيان أحكام الصيام سؤال وجواب..نسخة معدلة


السيد العربي
04-09-07, 05:03 AM
نحو تصور إسلامى صحيح : (12)

فتح الوهاب
فى بيان أحكام الصيام
سؤال وجواب

جمع وترتيب

د / السيد العربي بن كمال
غفر الله له ووالديه وأهله أجمعين
الناشر
دار أولاد الشيخ للتراث
الجيزة – مصر



إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَسْتَعِينهُ وَنَسْتَغِفُرهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، مَن يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِل فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدهُ وَرَسُولهُ ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدي السَّاعَةِ ، وَمَن يُطِع الله وَرَسُولَه فَقَد رَشَد ، و مَنْ يَعْصِ الله ورَسُولَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضُر إِلَّا نَفْسَه وَلَا يَضُر الله شَيْئًا .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾[آل عمران: 102] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء : 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 -71].
أمَّا بَعْدُ:
فهذه بعض احكام الصيام اجتهدت فى جمعها على وجه من الدقة بغير إطالة ولا إسهاب فى عرض الخلافات - الا ما دعت الحاجة اليه – وقد حاولت تغطية معظم احكام الصيام , وقد نظمتها فى صورة سؤال وجواب ليسهل تعلمها والعمل بها , وقد جمعت المادة من مظانها كل بحسب مذهبه فضلا عن الكتب الجامعة للمذاهب على اختلاف طرقها ، وقد احيل الى المصدر الذى اورد منه النقل وقد اُخّلِّط بين النقولات من مصادر مختلفه للتتألف العبارات وتأتلف ، وقد حاولت الاختصار والاقتصار على ما يغلب على الظن انه الراجح بذكر ، وذلك بذكر الحكم وما يدل عليه من دليل مع نسبة القول الى صاحبه أو أصحابه , وقد تذكر الأقوال الاخرى للعلم والتعلم والتنبيه على انه قول معتبر ثابت موجود فى مذاهب اهل العلم , وانه من جملة أقوال السلف فى تلك المسائل المذكوره ، وحرصت على تتبع كلام اهل العلم - على اختلاف مذاهبهم – فى مظانها ومجامع أقوالهم ومذاهبهم ، بحيث اجيب على كل سؤال على السنتهم يعنى بإيراد نص كلامهم او نحوه ، حتى اربط المتعلم والقارئ بكلام اهل العلم وكلام السلف وبعبارتهم ، لانها اجمع واحسن وابين من كلامى , وقد اهتممت بتتبع الادله الصحيحه وخرجتها ما استطعت الى ذلك سبيلا ، اذكر للحديث موضع واحد فى المصدر الواحد كالبخاري مثلا وان كان للحديث فى هذا المصدر عدة مواضع ، أو مخرج فى مصادر شتى , هذا وقد أسميته " فتح الوهاب فى بيان احكام الصيام سؤال وجواب " ....وبالله تعالى السداد والتوفيق.

فصل فى تعريف الصيام وبيان حكمته

س : ما هو تعريف الصيام ؟
الجواب:
قال ابو حيان:
الصيام والصوم مصدران لصامَ ، والعرب تسمي كل ممسك صائماً ، ومنه الصوم في الكلام " إني نذرت للرحمن صوماً " أي سكوتاً في الكلام ، وصامت الريح : أمسكت عن الهبوب ، والدابة : أمسكت عن الأكل والجري.
[ تفسير البحر المحيط - (آية البقرة - 183)]

قال الصنعانى : [سبل السلام - (ج 3 / ص 292)]
الصِّيَامُ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَفِي الشَّرْعِ إمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِمَا – على وجه التعبد - مِمَّا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي النَّهَارِ - من طلوع الفجر إلى غروب الشمس - عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَيَتْبَعُ ذَلِكَ الْإِمْسَاكُ عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا فِي الصَّوْمِ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ.

قال ابن قدامة: [المغني - (ج 6 / ص 31)]
والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.... ...ويدل على ذلك قول الله تعالى :" وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) [البقرة/187] يعني بياض النهار من سواد الليل وهذا يحصل بطلوع الفجر قال ابن عبد البر في قول النبي صلى الله عليه و سلم :" إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر وهذا إجماع لم يخالف فيه الا الأعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال : هذا قول جماعة علماء المسلمين.أ.هـ

س : ما هى حكمة الصيام ؟
الجواب :
قال العلماء تتجلّى حكمة الصّوم فيما يلي :
أ - أنّ الصّوم وسيلة إلى شكر النّعمة ، إذ هو كفّ النّفس عن الأكل والشّرب والجماع ، وإنّها من أجلّ النّعم وأعلاها ، والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرّف قدرها ، إذ النّعم مجهولة ، فإذا فقدت عرفت ، فيحمله ذلك على قضاء حقّها بالشّكر ، وشكر النّعم فرضٌ عقلاً وشرعاً ، وإليه أشار الرّبّ سبحانه وتعالى بقوله في آية الصّيام : « وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » 185 البقرة.
ب - أنّ الصّوم وسيلة إلى التّقوى ، لأنّه إذا انقادت نفس للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضاة اللّه تعالى ، وخوفاً من أليم عقابه ، فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام ، فكان الصّوم سبباً لاتّقاء محارم اللّه تعالى ، وإنّه فرض ، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية الصّوم « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » 183 البقرة.
ج - أنّ في الصّوم قهر الطّبع وكسر الشّهوة ، لأنّ النّفس إذا شبعت تمنّت الشّهوات ، وإذا جاعت امتنعت عمّا تهوى ، ولذا قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « يا معشر الشّباب : من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ، فإنّه أغضّ للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم ، فإنّه له وجاء » [ البخاري - كتاب الصوم - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبه] فكان الصّوم ذريعةً إلى الامتناع عن المعاصي.
د - أنّ الصّوم موجب للرّحمة والعطف على المساكين ، فإنّ الصّائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ، ذكر مَن هذا حاله في جميع الأوقات ، فتسارع إليه الرّقّة عليه ، والرّحمة به ، بالإحسان إليه ، فينال بذلك ما عند اللّه تعالى من حسن الجزاء.
هـ - في الصّوم موافقة الفقراء ، بتحمّل ما يتحمّلون أحياناً ، وفي ذلك رفع حاله عند اللّه تعالى.
و - في الصّوم قهر للشّيطان ، فإنّ وسيلته إلى الإضلال والإغواء : الشّهوات ، وإنّما تقوى الشّهوات بالأكل والشّرب ، ولذلك جاء في حديث صفيّة رضي الله عنها قوله - عليه الصلاة والسلام - : « إنّ الشّيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم ، فضيّقوا مجاريه بالجوع » [متفق عليه من حديث صفية دون قوله " فضيقوا مجاريه بالجوع ]


فصل فى بيان فضل الصيام وحكمه

س : ما هو فضل الصيام ؟
الجواب :
وردت احاديث كثيرة تبين فضل الصيام منها:
ما اخرجه النسائى عن أبى أمامة قال : قلت يارسول الله : مرنى بأمر آخذه عنك , قال : " عليك بالصوم فإنه لا مثل له " . و فى رواية :" لا عدل له" [قال الألباني ‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 4044 في صحيح الجامع‏].
ومنها ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" [البخاري - كتاب الصوم - باب فضل الصوم]
وعنه ايضا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ قَالَ:" لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" [البخاري – كتاب التوحيد - باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته]

قال صاحب طرح التثريب: [ (ج 5 / ص 44)]
ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى:" الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ" مَعَ كَوْنِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا لَهُ وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا أَقْوَالًا :
أَحَدُهَا : أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الرِّيَاءُ كَمَا يُمْكِنُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ وَحَالُ الْمُمْسِكِ شِبَعًا أَوْ فَاقَةً كَحَالِ الْمُمْسِكِ تَقَرُّبًا وَإِنَّمَا الْقَصْدُ وَمَا يُبْطِنُهُ الْقَلْبُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ أَعْمَالٌ بَدَنِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ فَلِذَلِكَ خَصَّ الصَّوْمَ بِمَا ذَكَرَهُ دُونَهَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ .

ثَانِيهَا: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ حِكَايَتِهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَازِرِيِّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ أَنَا أَتَوَلَّى جَزَاءَهُ إذْ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ إذْ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نِيَّةٌ وَإِمْسَاكٌ فَأَنَا أُجَازِي بِهِ مِنْ التَّضْعِيفِ فِي جَزَائِهِ عَلَى مَا أُحِبُّ........ وَقَال الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ وَقِيلَ:" لِي" أَيُّ الْمُنْفَرِدِ يَعْلَمُ مِقْدَارَ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفَ حَسَنَاتِهِ كَمَا قَالَ { وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } قَالَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ اطَّلَعْت عَلَى مَقَادِيرِ أُجُورِهَا كَمَا قَالَ :" كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" ....الْحَدِيثَ ، وَالصَّوْمُ مَوْكُولٌ إلَى سَعَةِ جُودِهِ وَغَيْبِ عِلْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى :" إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ".

ثَالِثُهَا : قَالَ الْقَاضِي أَيْضًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ ( لِي ) أَيْ لَيْسَ لِلصَّائِمِ فِيهِ حَظٌّ ...... وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ " ، فَاسْتَثْنَى الصِّيَامَ مِنْ كَوْنِ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ .

رابعها : ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى إضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الصَّائِمَ عَلَى صِفَةِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهَوَاتِ.أ.هـ

قال ابن حجر فى فتح الباري ما ملخصه:
قَوْله : ( الصِّيَام جُنَّة ) وفى روايه " جُنَّة مِنْ النَّار "
وَمِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص " الصِّيَام جُنَّة كَجُنَّةِ أَحَدكُمْ مِنْ الْقِتَال " وَلِأَحْمَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " جُنَّة وَحِصْن حَصِين مِنْ النَّار "
وَمِنْ حَدِيث أَبِي عُبَيْدَة بْنِ الْجَرَّاح " الصِّيَام جُنَّة مَا لَمْ يَخْرِقهَا "
وَالْجُنَّة : بِضَمِّ الْجِيم الْوِقَايَة وَالسَّتْر . وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَات مُتَعَلَّق هَذَا السَّتْر وَأَنَّهُ مِنْ النَّار , وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ .
وَأَمَّا صَاحِب " النِّهَايَة " فَقَالَ : مَعْنَى كَوْنه جُنَّة أَيْ يَقِي صَاحِبه مَا يُؤْذِيه مِنْ الشَّهَوَات .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : جُنَّة أَيْ سُتْرَة , يَعْنِي بِحَسَبِ مَشْرُوعِيَّته , فَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُونَهُ مِمَّا يُفْسِدهُ وَيَنْقُص ثَوَابه , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ " فَإِذَا كَانَ يَوْم صَوْم أَحَدكُمْ فَلَا يَرْفُث إِلَخْ " .
وَيَصِحّ أَنْ يُرَاد أَنَّهُ سُتْرَة بِحَسَبِ فَائِدَته وَهُوَ إِضْعَاف شَهَوَات النَّفْس , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ " يَدَع شَهْوَته إِلَخْ " .
وَيَصِحّ أَنْ يُرَاد أَنَّهُ سُتْرَة بِحَسَبِ مَا يَحْصُل مِنْ الثَّوَاب وَتَضْعِيف الْحَسَنَات .
وَقَالَ عِيَاض فِي " الْإِكْمَال " : مَعْنَاهُ سُتْرَة مِنْ الْآثَام أَوْ مِنْ النَّار أَوْ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ , وَبِالْأَخِيرِ جَزَمَ النَّوَوِيّ .
وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا كَانَ الصَّوْم جُنَّة مِنْ النَّار لِأَنَّهُ إِمْسَاك عَنْ الشَّهَوَات , وَالنَّار مَحْفُوفَة بِالشَّهَوَاتِ . فَالْحَاصِل أَنَّهُ إِذَا كَفّ نَفْسه عَنْ الشَّهَوَات فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنْ النَّار فِي الْآخِرَة .
وَأَشَارَ اِبْن عَبْد الْبَرّ إِلَى تَرْجِيح الصِّيَام عَلَى غَيْره مِنْ الْعِبَادَات فَقَالَ : حَسْبك بِكَوْنِ الصِّيَام جُنَّة مِنْ النَّار فَضْلًا.أ.هـ

س : ما هو حكم الصيام ؟
الجواب:
الصيام ركن من اركان الاسلام وأحد مبانيه الخمس , قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة/183]....وفى الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" [اخرجه البخاري كتاب الايمان باب بنى الاسلام على خمس] وقد اجمع العلماء على ركنية الصيام وفرضية صوم شهر رمضان .
والصيام منه فرض ومنه تطوع... فمن الفرض صيام شهر رمضان ، الذى بين شعبان وشوال ، والتطوع له تفصيل يأتى إن شاء الله تعالى.


فصل فى بيان مراحل الصيام فى التشريع ومتى فرض


س : كيف كانت مراحل الصيام مع رسول الله  حتى فرض؟
الجواب:
قال الطحاوى: [ مشكل الآثار - (ج 1 / ص 275وما بعدها)]
وَأَمَّا أَحْوَالُ الصِّيَامِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَصَامَهَا كَذَا سِتَّةَ عَشْرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :" كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " إلَى قَوْلِهِ :" فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ " وَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ " إلَى قَوْلِهِ :" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " وَإِلَى قَوْلِهِ :" يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ " فَفَرَضَهُ اللَّهُ وَأَثْبَتَ صِيَامَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ثَبَتَ الْإِطْعَامُ لِلشَّيْخِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ صِيَامَهُ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَأْتُونَ النِّسَاءَ فَإِذَا نَامُوا امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فَجَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ صِرْمَةُ قَدْ ظَلَّ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَجَاءَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ وَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ وَقَدْ أَجْهَدَ فَقَالَ:" إنِّي أَرَاك قَدْ أُجْهِدْت فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ظَلِلْتُ يَوْمِي أَعْمَلُ فَجِئْت صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَنِمْت قَبْلَ أَنْ أَطْعَمَ وَجَاءَ عُمَرُ وَقَدْ أَصَابَ مِنْ النِّسَاءِ فَنَزَلَتْ هَذَا الْآيَةُ " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ " إلَى قَوْلِهِ :" مِنْ الْفَجْرِ " فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إلَى آخِرِهِ.
وَجَاءَ عُمَرُ فَأَتَى أَهْلَهُ فَقَالَتْ إنَّهَا نَامَتْ فَظَنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا اعْتَلَّتْ عَلَيْهِ فَوَاقَعَهَا فَأُخْبِرَ أَنَّهَا كَانَتْ نَامَتْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ فِيهِ "عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ....الْآيَةَ ". ا . هـ

قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبا، وصوم يوم عاشوراء فصاموا كذلك من الربيع إلى شهر رمضان سبعة عشر شهرا، ثم نسخ بصوم رمضان قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة والصوم، ويقال: نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام ، قال محمد بن إسحاق كانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشر ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة.[ تفسير البغوى - دار طيبه - ( البقرة - 184 )]

ملحوظه:
كان صيام عاشوراء هو الصيام الواجب قبل نزول فرضية صوم شهر رمضان يدل على ذلك ما اخرجه البخاري من حديث خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ :" أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" .[البخاري - كتاب الصوم - باب صوم الصبيان]
قال ابن حجر فى فتح الباري : وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ عَاشُورَاء كَانَ فَرْضًا قَبْل أَنْ يُفْرَض رَمَضَانُ.أ.هـ

س : متى فرض الصيام ؟
الجواب:
فرض صوم رمضان في السنة الثانية إجماعا فصام رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام تسع رمضانات إجماعا .


فصل فى بيان انواع الصيام

س : ما هى أنواع الصيام ؟
الجواب :
ينقسم الصيام من حيث الوقت والزمن الى صيام له وقت معَّين ( صوم عين) وصيام ليس له وقت وزمن معين ( صوم دَيْن )
وصوم العين إمّا بتعيين اللّه تعالى ، كصوم رمضان ، وصوم التّطوّع خارج رمضان ، لأنّ خارج رمضان متعيّن للنّفل شرعاً , وإمّا بتعيين العبد ، كالصّوم المنذور به في وقت بعينه.
وأمّا صوم الدّين ، كصوم قضاء رمضان ، وصوم كفّارة القتل والظّهار واليمين , والإفطار في رمضان ، وصوم متعة الحجّ ، وصوم فدية الحلق ، وصوم جزاء الصّيد ، وصوم النّذر المطلق عن الوقت ، وصوم اليمين ، كمن قال : واللّه لأصومنّ شهراً.

وينقسم من حيث حكمه وانشغال الذمة به الى واجب وغير واجب ومختلف فى وجوبه .
فأما الواجب: مثل صوم رمضان , صوم كفّارة القتل الخطأ ، وصوم كفّارة الظّهار ، والصّوم المنذور به ، وصوم كفّارة الجماع في نهار رمضان , صوم قضاء رمضان , الصّوم في كفّارة اليمين ، وصوم النّذر المطلق ، وصوم اليمين المطلقة , وصوم المتعة في الحجّ ، وصوم كفّارة الحلق ، وصوم جزاء الصّيد على المحرم ، قال اللّه - عزّ وجلّ - في صوم المتعة : « فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة/196]
وقال في كفّارة الحلق : « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة/196]» وقال في جزاء الصّيد : « أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ " [المائدة – 95] .
وغير الواجب (صوم التطوع) ومنه:
صوم يوم عاشوراء , صوم يوم عرفة , صوم يوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع , صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وهي الأيّام البيض , صيام ستّة أيّام من شوّال , صوم شهر شعبان , صوم شهر المحرّم , صيام ما ثبت طلبه والوعد عليه في السّنّة الشّريفة.

والمختلف فى وجوبه مثل :
قضاء ما أفسده من صوم النّفل , صوم الاعتكاف .

وينقسم من جهة اشتراط التتابع فى الاداء من عدمه الى:

صوم يشترط فيه التتابع ومنه:
صوم رمضان ، فقد أمر اللّه تعالى بصوم الشّهر بقوله سبحانه : « فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » والشّهر متتابع ، لتتابع أيّامه ، فيكون صومه متتابعا ضرورةً.
صوم كفّارة القتل الخطأ ، وصوم كفّارة الظّهار ، والصّوم المنذور به في وقت بعينه ، وصوم كفّارة الجماع في نهار رمضان.

صوم لا يجب فيه التّتابع ومنه:
قضاء رمضان ، فمذهب الجمهور عدم اشتراط التّتابع فيه ، لقوله تعالى : « فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » فإنّه ذكر الصّوم مطلقاً عن التّتابع.
ويروى عن جماعة من الصّحابة ، منهم : عليّ ، وابن عبّاس ، وأبو سعيد ، وعائشة ، رضي الله تعالى عنهم أنّهم قالوا : إن شاء تابع ، وإن شاء فرّق..... ومذهب الجمهور هو : ندب التّتابع أو استحبابه للمسارعة إلى إسقاط الفرض.
الصّوم في كفّارة اليمين ، وفي اشتراط تتابعه خلاف .
صوم المتعة في الحجّ ، وصوم كفّارة الحلق ، وصوم جزاء الصّيد ، وصوم النّذر المطلق ، وصوم اليمين المطلقة.

س : هل من الصوم ما هو محرم ؟
الجواب :
1- يوم الفطر ويوم الاضحى:
ذهب الجمهور إلى تحريم صوم يوم عيد الفطر ، ويوم عيد الأضحى.
وذلك لأنّ هذه الأيّام منع صومها كما فى حديث أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ " نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ : يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَيَوْمِ النَّحْر"ِ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ].
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ :
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ ؟ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا مُتَعَمِّدًا لِعَيْنِهِمَا .أ.هـ
2- صوم الحائض والنفساء:
ومما يحرم من الصوم صيام الحائض والنّفساء ، وصيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه.
ففى الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا" [البخارى - كتاب الصوم - بَاب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ]
وفى الحدبث عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" [مسلم – كتاب الحيض - بَاب وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ]

قال النووى فى الشرح:
هَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا تَجِب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلَاة , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم . قَالَ الْعُلَمَاء وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الصَّلَاة كَثِيرَة مُتَكَرِّرَة فَيَشُقّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْم , فَإِنَّهُ يَجِب فِي السَّنَة مَرَّة وَاحِدَة , وَرُبَّمَا كَانَ الْحَيْض يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ.أ.هـ

وقال ابن حجر فى فتح الباري:
وَمِمَّا يُفَرَّق فِيهِ بَيْن الصَّوْم وَالصَّلَاة فِي حَقّ الْحَائِض أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْل الْفَجْر وَنَوَتْ صَحَّ صَوْمهَا فِي قَوْل الْجُمْهُور وَلَا يُتَوَقَّف عَلَى الْغُسْل.

والحائض والنّفساء إذا طهرتا في أثناء النّهار ، فالراجح أنّه لا يلزمهما الإمساك ، ونقل الغزالى الاتّفاق عليه.....( قلت فيه خلاف لكن المذكور هو الاصح لكن عليها ان تستتر بالافطار)....ومما اتفقوا عليه ان صيام الحائض والنفساء - حال حيضهم – محرم وانهم ان صاموا لم يجزئهم وعليهم الاعادة وجوبا.

3- أيام التشريق:
وأيّام التّشريق لحديث نبيشة الهذليّ - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « أيّام التّشريق أيّام أكل وشرب ، وذكر اللّه - عزّ وجلّ » .[ ابو داود والنسائى - تحقيق الألباني : صحيح ]
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَيَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ " [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ ] .
وحديث أبي هريرة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن حذافة أن يطوف في أيام منى : ألا لا تصوموا هذه الأيام , فإنها أيام أكل و شرب و ذكر الله " . [أخرجه الطحاوي و أحمد ، واورده الالبانى فى الصحيحة]
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ .
قَالَ فِي ْفَتْحِ الباري : وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَأَبِي طَلْحَةَ مِنْ الصَّحَابَةِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا .
وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَنْعَ مُطْلَقًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
واستثنى المالكيّة والحنابلة في رواية : صوم أيّام التّشريق عن دم المتعة والقران
وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ].
وَلَهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى " .


4- يوم الشّكّ :
وهو يوم الثّلاثين من شعبان إذا غمّ على النّاس فلم يروا الهلال اختصّ تحريم صيامه ، لما رواه صلة بن زفر قال : كنّا عند عمّار في اليوم الّذي يشكّ فيه فأتى بشاة مصليّة ، فتنحّى بعض القوم ، فقال عمّار : من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم.

قال فى كتاب الصوم من الشرح الممتع : [(ج 1 / ص 6)]
يحرم صومه لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم : " لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه " وإن لم يكن يصوم صوماً فصام هذا اليوم الذي فيه شك فقد تقدم رمضان بيوم.

ولحديث عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - الذي علقه البخاري، ووصله أصحاب السنن: " من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلّى الله عليه وسلّم "

وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: " الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " فقوله: " أكملوا العدة ثلاثين " أمر، والأصل في الأمر الوجوب ، فإذا وجب إكمال شعبان ثلاثين يوماً حرم صوم يوم الشك.

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: " هلك المتنطعون " فإن هذا من باب التنطع في العبادة، والاحتياط لها في غير محله.أ.هـ

س: هل من الصيام ما هو مكروه ؟
الجواب :
واما الصّوم المكروه ، فيشمل ما يلي:

أ - إفراد يوم الجمعة بالصّوم:
نصّ على كراهته الجمهور ، ويدل على ذلك الحديث المتفق عليه من حديث مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرًا : " أَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ " .

وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" [البخاري -كتاب الصوم - صَوْمُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ ، إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْم الْجُمْعَة فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ]
وَلِمُسْلِمٍ : " وَلَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي ، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ " [مسلم (1930)]
وعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أَصُمْتِ أَمْسِ قَالَتْ لَا قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا قَالَتْ لَا قَالَ فَأَفْطِرِي" [البخارى (1850)]

قال ابن حجر فى فتح الباري:
قَوْله ( لَا يَصُوم أَحَدكُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ بِلَفْظِ النَّفْي وَالْمُرَاد بِهِ النَّهْي , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " لَا يَصُومَن " بِلَفْظِ النَّهْي الْمُؤَكَّدِ .
قَوْله : ( إِلَّا يَوْمًا قَبْله أَوْ بَعْده ) تَقْدِيره إِلَّا أَنْ يَصُوم يَوْمًا قَبْله...... وَلِمُسْلِمٍ عَنْ الْأَعْمَش " لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَة إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْله أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ "...... وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " لَا تَخُصُّوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَامٍ مِنْ بَيْن اللَّيَالِي , وَلَا تَخُصُّوا يَوْم الْجُمُعَة بِصِيَامٍ مِنْ بَيْن الْأَيَّام , إِلَّا أَنْ يَكُون فِي صَوْمٍ يَصُومهُ أَحَدُكُمْ " وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ اِبْن سِيرِينَ بِلَفْظِ " نَهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْم الْجُمُعَة بِصَوْمٍ "........ثم قال:
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُقَيِّد النَّهْيَ الْمُطْلَق فِي حَدِيث جَابِر وَتُؤَيِّدُ الزِّيَادَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ تَقْيِيد الْإِطْلَاق بِالْإِفْرَادِ , وَيُؤْخَذ مِنْ الِاسْتِثْنَاء جَوَازُهُ لِمَنْ صَامَ قَبْله أَوْ بَعْده أَوْ اِتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي أَيَّامٍ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِهَا كَمَنْ يَصُوم أَيَّام الْبِيضِ أَوْ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ عَرَفَةَ فَوَافَقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ صَوْمِهِ لِمَنْ نَذَرَ يَوْم قُدُوم زَيْدٍ مَثَلًا أَوْ يَوْم شِفَاء فُلَانٍ . أ.هـ

ب - صوم يوم السّبت وحده خصوصاً:
وقد ورد فيه حديث عبد اللّه بن بسر ، عن أخته ، واسمها الصّمّاء رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تصوموا يوم السّبت إلاّ فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلاّ لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه » (اللِّحَاءُ : قِشْرُ الشَّجَرِ) .
[ والحديث أخرجه أخرجه أبو داود وقال هذا حديث منسوخ و الترمذى و الدارمى وابن ماجه وغيرهم ... وقال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/118 : صحيح ] .

قال أبو عيسى هذا حديث حسن ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت .

قال الحافظ فى " بلوغ المرام " 1 / 139 : رجاله ثقات , إلا أنه مضطرب , و قد أنكره مالك . و قال أبو داود : هو منسوخ .

قال الشوكانى:
وَقَدْ جَمَعَ صَاحِبُ الْبَدْرِ الْمُنِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَقَالَ : النَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْإِفْرَادِ وَالصَّوْمِ بِاعْتِبَارِ انْضِمَامِ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَيْهِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ إذْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ صَامَ الْجُمُعَةَ أَنْ يَصُومَ السَّبْتَ بَعْدَهَا وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ .أ.هـ [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 163)]

قال الالبانى : [الصحيحه:[ 5 / 522]
و اعلم أنه قد صح النهي عن صوم يوم السبت إلا في الفرض , و لم يستثن عليه الصلاة والسلام غيره , و هذا بظاهره مخالف لما تقدم من إباحة صيامه مع صيام يوم الجمعة , فإما أن يقال بتقديم الإباحة على النهي , و إما بتقديم النهي على الإباحة , و هذا هو الأرجح عندي

ووجه الكراهة أنّه يوم تعظّمه اليهود ، ففي إفراده بالصّوم تشبّه بهم ، إلاّ أن يوافق صومه بخصوصه يوماً اعتاد صومه ، كيوم عرفة أو عاشوراء.أ.هـ

ج - صوم يوم الأحد بخصوصه:
ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ تعمّد صوم يوم الأحد بخصوصه مكروه ، إلاّ إذا وافق يوماً كان يصومه ، واستظهر ابن عابدين أنّ صوم السّبت والأحد معاً ليس فيه تشبّه باليهود والنّصارى ، لأنّه لم تتّفق طائفة منهم على تعظيمهما ، كما لو صام الأحد مع الاثنين، فإنّه تزول الكراهة ، ويستظهر من نصّ الحنابلة أنّه يكره صيام كلّ عيد لليهود والنّصارى أو يوم يفردونه بالتّعظيم إلاّ أن يوافق عادةً للصّائم.

د - إفراد يوم النّيروز بالصّوم:
يكره إفراد يوم النّيروز ، ويوم المهرجان بالصّوم ، وذلك لأنّهما يومان يعظّمهما الكفّار ، وهما عيدان للفرس ، فيكون تخصيصهما بالصّوم - دون غيرهما - موافقةً لهم في تعظيمهما ، فكره ، كيوم السّبت.
وعلى قياس هذا كلّ عيد للكفّار ، أو يوم يفردونه بالتّعظيم ونصّ ابن عابدين على أنّ الصّائم إذا قصد بصومه التّشبّه ، كانت الكراهة تحريميّةً.

لكن أخرج الترمذى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم :" كان يصوم من الشهر السبت و الأحد و الاثنين و من الشهر الآخر الثلاثاء و الأربعاء والخميس"[قال الألباني :(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 4971 في صحيح الجامع‏]‏

وفى الحديث عن أم سلمة : أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الأيام السبت و الأحد و كان يقول : " إنهما يوما عيد المشركين فأحب أن أخالفهم " .
[ قال الحافظ فى " الفتح " 4 / 235 : صححه ابن حبان .]

هـ - صوم الوصال:
ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول - إلى كراهة صوم الوصال ، وهو : أن لا يفطر بعد الغروب أصلاً ، حتّى يتّصل صوم الغد بالأمس ، فلا يفطر بين يومين....وذلك لما جاء فى الحديث عن أَبَى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:" نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا".[ البخاري - كتاب الصوم - باب التنكيل لمن اكثر الوصال ]

والنّهي وقع رفقاً ورحمةً بالصائمين، ولهذا واصل النّبيّ صلى الله عليه وسلم , وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها ، وكذا بمجرّد الشّرب لانتفاء الوصال , ولا يكره الوصال إلى السّحر عند الحنابلة ، لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :" لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ"...[ البخارى - كتاب الصوم - باب الوصال الى السحر]
ولكنّه لو واصل فقد ترك سنّةً ، وهي : تعجيل الفطر ، فترك الوصال أولى محافظةً على السّنّة.
وعند الشّافعيّة قولان - الأوّل وهو الصّحيح - بأنّ الوصال مكروه كراهة تحريم ، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ رحمه الله ، والثّاني : يكره كراهة تنزيه.

و - صوم الدّهر - صوم العمر :
جاءت النصوص الكثيرة بما يدل على كراهة صوم الدّهر ، وعلّلت الكراهة بأنّه يضعف الصّائم عن الفرائص والواجبات والكسب الّذي لا بدّ منه ، أو بأنّه يصير الصّوم طبعاً له ، ومبنى العبادة على مخالفة العادة, واستدلّ للكراهة ، بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ "[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ]
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : " قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ ؟ قَالَ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ، أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ "[ اخرجه ابو داود والنسائى والترمذى قال الالبانى : صحيح] .
قوله :" لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ " قَالَ فِي ْفَتْحِ الباري: أَيْ لَمْ يَحْصُلْ أَجْرَ الصَّوْمِ لِمُخَالَفَتِهِ وَلَمْ يُفْطِرْ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ وَإِلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ مُطْلَقًا ذَهَبَ إِسْحَاقُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ , وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : يَحْرُمُ ، وَيَدُلُّ لِلتَّحْرِيمِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ , وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا فِي الْفَتْحِ إلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِهِ !!! .

ى- يكره تخصيص رجب بالصوم :
قال أحمد وإن صامه رجل أفطر فيه يوما أو أياما بقدر ما لا يصومه كله ووجه ذلك ما روى عن أحمد عن خرشة بن الحر قال : " رأيت عمر يضرب أكف المترجبين ( الذين يخصون رجب بصيام) حتى يضعوها فى الطعام و يقول : كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية " [قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/113 :صحيح] .
وبإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه وقال : صوموا منه وأفطروا وعن ابن عباس نحوه وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان فقال ما هذا فقالوا رجب نصومه قال أجعلتم رجب رمضان فأكفأ السلال وكسر الكيزان قال أحمد : من كان يصوم السنة صامه وإلا فلا يصومه متواليا يفطر فيه ولا يشبه برمضان.أ.هـ [ المغنى – ج6 ص181]
وَحَكَى ابْنُ السُّبْكِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَرِدْ فِي اسْتِحْبَابِ صَوْمِ رَجَبٍ عَلَى الْخُصُوصِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تُرْوَى فِيهِ وَاهِيَةٌ لَا يَفْرَحُ بِهَا عَالِمٌ .

قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/114 :
وفى الحديث عن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ أَرْسَلَتْنِي أَسْمَاءُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ :" بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ وَصَوْمَ رَجَبٍ كُلِّهِ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ رَجَبٍ فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الْأَبَدَ.........." [المِيثَرَةَ : الفراش الوطئ ] [الْأُرْجُوَانِ : صبغ احمر شديد الحمرة ] [أخرجه مسلم (3855)].

و عليه يشكل قوله فى هذه الرواية : " فكيف بمن يصوم الأبد " , فقد فسروه بأنه
إنكار منه لما بلغ أسماء من تحريمه , و أخبار منه أنه يصوم رجبا كله , و أنه
يصوم الأبد . كما فى شرح مسلم للنووى , و " السراج الوهاج " لصديق حسن خان ( 2/285 ) .

فلعل التوفيق بين صومه لرجب , و كراهته لذلك , أن تحمل الكراهة على إفراد رجب بالصوم كما يفرد رمضان به , فأما صيامه فى جملة ما يصوم فليس مكروها عنده و الله أعلم .أ.هـ

فصل فى بيان الفرق بين صوم الفرض وصوم التطوع

س : ما الفرق بين صوم الفرض وصوم التطوع ؟
الجواب :
صوم الفرض هو ما كتبه الله على عباده أوكتبه العبد على نفسه على وجه الالزام الحتمى كالنذر , وتنشغل الذمة التكليفية به فلا يسقط الا بالاداء او العذر واداء البدل ان كان هناك بدل دل عليه الشرع كالفدية فى صيام رمضان.

أما التطوع عموما فهو التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من العبادات , وصوم التّطوّع هو التّقرّب إلى اللّه تعالى بما ليس بفرض من الصّوم , كصوم يوم عاشوراء , وصوم يوم عرفة , وصوم يوم الاثنين والخميس من كلّ أسبوع ,
وللصيام فرضا كان او تطوعا فضلٌ عظيم ويُجزى عليه العبد بالاجر الوفير وقد جاءت النصوص تبين ذلك منها:
ما أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ
[البخاري - كتاب الصوم - باب قول الله تعالى يريدون ان يبدلوا كلام الله]
وفى الحديث عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" من صام يوما في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام " . [ اخرجه النسائى والطبرانى فى الكبير وصححه اللبانى فى الصحيحه]

س : هل هناك انواع لصيام التطوع ؟
الجواب :
قسّم الحنفيّة صوم التّطوّع إلى مسنون ، ومندوب ، ونفل.
فالمسنون : عاشوراء مع تاسوعاء.
والمندوب : صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر ، وصوم يوم الاثنين والخميس ، وصوم ستّ من شوّال ، وكلّ صوم ثبت طلبه والوعد عليه : كصوم داود عليه السلام ، ونحوه ,
والنّفل : ما سوى ذلك ممّا لم تثبت كراهته.
وقسّم المالكيّة - أيضاً - صوم التّطوّع إلى ثلاثة أقسام :
سنّة ، ومستحبّ ، ونافلة.
فالسّنّة : صيام يوم عاشوراء.
والمستحبّ : صيام الأشهر الحرم ، وشعبان ، والعشر الأول من ذي الحجّة ، ويوم عرفة ، وستّة أيّام من شوّال ، وثلاثة أيّام من كلّ شهر ، ويوم الاثنين والخميس.
والنّافلة : كلّ صوم لغير وقت ولا سبب ، في غير الأيّام الّتي يجب صومها أو يمنع.
وعند الشّافعيّة والحنابلة : صوم التّطوّع والصّوم المسنون بمرتبة واحدة.


فصل فى بيان معنى اسم شهر الصوم وفضائله

س : لماذا سُمى شهر فريضة الصيام برمضان وما هى فضائل وخصائص هذا الشهر ؟
الجواب:

قال ابو حيان
رمضان علم على شهر الصوم ، وهو علم جنس ، ويجمع على : رمضانات وأرمضة ، وعلاقة هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمضى ، وهو : شدة الحر ، كما سمي الشهر ربيعاً من مدّة الربيع ، وجمادى من مدّة الجمود ، ويقال : رمض الصائم يرمض : احترق جوفه من شدة العطش ، ورمضت الفِصال : أحرق الرمضاء أخفافها فبركت من شدّة الحر ، وانزوت إلى ظلّ أمهاتها ، ويقال : أرمضته الرمضاء : أحرقته ، وأرمضني الأمر .
وقيل : سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب ، أي : يحرقها بالأعمال الصالحة ، وقيل : لأن القلوب تحترمَنَّ الموعظة فيه والفكرة في أمر الآخرة ، وقيل : من رمضت النصل : رققته بين حجرين ليرق ، ومنه : نصل رميض ومرموض ، عن ابن السكيت . وكانوا يرمضون أسلحتهم في هذا الشهر ليحاربوا بها في شوّال قبل دخول الأشهر الحرام ، وكان هذا الشهر في الجاهلية يسمى : ناتقاً
وإنما سموه بذلك ؛ لأنه كان ينتقهم لشدّته عليهم. [ تفسير البحر المحيط – ( البقرة – 185) ]

ويختصّ شهر رمضان عن غيره من الشّهور بجملةٍ من الخصائص والفضائل والاحكام منها:[ راجع رسالة : رمضان كيف نستقبله وكيف نغتنمه للمؤلف]

نزول القرآن وكل الكتب المنزله والصحف فيه:
نزل القرآن جملةً واحدةً من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السّماء الدّنيا ، وذلك في شهر رمضان ، وفي ليلة القدر منه على التّعيين.
ثمّ نزل مفصّلًا بحسب الوقائع في ثلاثٍ وعشرين سنةً.
قال تعالى:"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" [البقرة/185] وقوله سبحانه تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)" [القدر/1]... عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله( إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا، فكان بموقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله، بعضه في أثر بعض. [تفسير الطبري – طبعة الرساله - (سورة القدر)]

وروي عن واثلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان، ويروى في أول ليلة من رمضان، وأنزلت توراة موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة مضت من رمضان وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من شهر رمضان لست بقين بعدها"
[رواه أحمد والطبرانى - قال الألباني:‏(‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 1497 في صحيح الجامع‏].‏


اشتماله على هذه الليلة المباركة التى هى خير من الف شهر:
قال تعالى: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)" [القدر/3]... عن مجاهد قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر..... وقال آخرون منهم قتاده: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
وعن مجاهد ( ليلة القدر) : ليلة الحكم...... وقال رجل للحسن: رأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنها لليلة القدر،( فيها يُفرق كلّ أمر حكيم) ... فيها يقضي الله كلّ أجل وعمل ورزق، إلى مثلها.

وجوب صومه:
صوم رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة كما جاء في حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ " [البخاري – كتاب الايمان - باب بنى الاسلام على خمس]
ودلّ الكتاب الكريم على وجوب صومه ، كما في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (183) [البقرة/183، 184]
وقوله تعالى: " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "(185) [البقرة/185]......وفرضيّة صومه ممّا أجمعت عليه الأمّة.

فضل الصّدقة فيه:
دلّت السّنّة على أنّ الصّدقة في رمضان أفضل من غيره من الشّهور ، من ذلك حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ." [البخارى - كتاب بدء الوحي - باب بدء الوحى]

قال ابن حجرٍ فى فتح الباري:
وَمَعْنَى أَجْوَد النَّاس : أَكْثَر النَّاس جُودًا , وَالْجُود الْكَرَم , وَهُوَ مِنْ الصِّفَات الْمَحْمُودَة .... وَالتَّقْدِير : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّة كَوْنه فِي رَمَضَان أَجْوَد مِنْهُ فِي غَيْره..... وَالْجُود فِي الشَّرْع إِعْطَاء مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الصَّدَقَة . وَأَيْضًا فَرَمَضَان مَوْسِم الْخَيْرَات ; لِأَنَّ نِعَم اللَّه عَلَى عِبَاده فِيهِ زَائِدَة عَلَى غَيْره ,.... وَالريح الْمُرْسَلَة أَيْ : الْمُطْلَقَة يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْإِسْرَاع بِالْجُودِ أَسْرَع مِنْ الرِّيح , وَعَبَّرَ بِالْمُرْسَلَةِ إِشَارَة إِلَى دَوَام هُبُوبهَا بِالرَّحْمَةِ , وَإِلَى عُمُوم النَّفْع بِجُودِهِ كَمَا تَعُمّ الرِّيح الْمُرْسَلَة جَمِيع مَا تَهُبّ عَلَيْهِ.

صلاة التّراويح فيه:
أجمع المسلمون على سنّيّة قيام ليالي رمضان ، وقد ذكر النّوويّ أنّ المراد بقيام رمضان صلاة التّراويح يعني أنّه يحصل المقصود من القيام بصلاة التّراويح , وقد جاء في فضل قيام ليالي رمضان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [البخاري – كتاب الايمان - باب قيام رمضان من الايمان]

الاعتكاف فيه:
ذهب الفقهاء إلى أنّ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنّة مؤكّدة لمواظبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليه ، كما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ" [البخاري – كتاب - الاعتكاف - باب الاعتكاف فى العشر الاواخر]
وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ" [البخاري – كتاب - الاعتكاف - باب الاعتكاف فى العشر الاواخر]

قراءة القرآن الكريم في رمضان والذّكر فيه:
يستحبّ في رمضان استحبابًا مؤكّدًا مدارسة القرآن وكثرة تلاوته ، وتكون مدارسة القرآن بأن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه ، ودليل الاستحباب « أنّ جبريل كان يلقى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في كلّ ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن » وقراءة القرآن مستحبّة مطلقًا، ولكنّها في رمضان آكد.
قال ابن القيم : [زاد المعاد: طبعة الرساله - جـ2 صـ32]
وكان من هدية في شهر رمضان الإكثار من انواع العبادات فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن في رمضان وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى إنه كان ليواصل فيه احيانا ليوفر ساعات ليلة ونهاره على العبادة

مضاعفة ثواب الأعمال الصّالحة في رمضان:
تتأكّد الصّدقة في شهر رمضان ، لحديث ابن عبّاسٍ المتقدّم ; لأنّه أفضل الشّهور ; ولأنّ النّاس فيه مشغولون بالطّاعة فلا يتفرّغون لمكاسبهم ، فتكون الحاجة فيه أشدّ ، ولتضاعف الحسنات به.
قال إبراهيم النخعى: تسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحةٍ فيما سواه.

تفطير الصّائم:
من فطر صائما كان له من الاجر الكثير يبين ذلك حديث زيد ابن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا " [ اخرجه الترمذى وابن ماجه -
قال الألباني : صحيح ]

فضل العمرة في رمضان:
العمرة في رمضان أفضل من غيره من الشّهور بل تعدل فى الاجر حجه
لحديث ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ .....فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً" [مسلم - كتاب الحج - باب فضل العمرة فى رمضان]

قال النووى فى شرح مسلم:
( تَعْدِل حَجَّة ) , وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( تَقْضِي حَجَّة ) أَيْ تَقُوم مَقَامهَا فِي الثَّوَاب , لَا أَنَّهَا تَعْدِلهَا فِي كُلّ شَيْء , فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّة فَاعْتَمَرَ فِي رَمَضَان لَا تُجْزِئهُ عَنْ الْحَجَّة .
بل تعدل فى الاجر حجه مع النبي  لحديث ابن عباس يرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أقرئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرها أنها تعدل حجة معي يعني عمرة في رمضان" [ اخرجه ابو داود – وقال الالبانى حسن صحيح]

فصل فى بيان ما يثبت به دخول شهر رمضان وما على المسلمين فى ذلك

س : بما يثبت بدء شهر رمضان ؟
الجواب :
يثبت بدء شهر رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يوماً اتّفاقاً ، أو رؤية الهلال ليلة الثّلاثين ، وفي كيفية ثبوت الرّؤية خلاف بين الفقهاء.

ويعتمد في اثبات شّهر رمضان على امور:
الأوّل : رؤية الهلال.
والثّاني : إكمال عدّة شّهر شعبان ثلاثين يوما ، إن غمّ الهلال في ليلة الثّلاثين من رمضان.
ويغمّ الهلال بأن تكون السّماء مغيّمة في آخر الشّهر ، أو حال دون رؤيته قتر أو غبار، فأمّا إذا كانت السّماء مصحية فلا يتوقّف ثبوته على إكمال ثلاثين ، بل تارة يثبت بإكمال العدّة إذا لم ير الهلال ، وتارة يثبت برؤية الهلال ليلة الثّلاثين.
وتثبت الرّؤية لدى الحاكم بشهادة عدلين في غير رمضان ، أمّا في رمضان فإنّ الفقهاء اختلفوا فيه ، فذهب بعضهم إلى اشتراط عدلين ، واكتفى البعض بشهادة عدل واحد.

واختلاف الفقهاء في قبول خبر الواحد عن رؤية هلال شهر رمضان بسبب اختلافهم في كون هذه الرّؤية من باب الأخبار ، أو من باب الشّهادة.

فذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو حنيفة في رواية عنه إلى قبول خبر ثقة واحد عن رؤية هلال شهر رمضان بشرط أن يكون مسلماً ، عاقلاً ، بالغاً ، عدلاً ، سواء أكانت السّماء مصحيةً أم لا.
لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال « تراءى النّاس الهلال فأخبرت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّي رأيته فصامه وأمر النّاس بصيامه » [ اخرجه ابو داود و الدارمى و ابن حبان – قال الالبانى فى ارواء الغليل - 4/16 : صحيح].
ولأنه خبر دينيّ يشترك فيه المخبِر والمخبَر فقبل من واحد ، ولا فرق عند هؤلاء بين الرّجل والمرأة , وعند الشّافعيّة وفي قول مرجوح لدى الحنابلة لا يثبت برؤية امرأة.

وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كانت السّماء مصحيةً ، فيشترط لثبوت هلال رمضان رؤية عدد من الشّهود يقع العلم القطعيّ للقاضي بشهادتهم لتساوي النّاس في الأسباب الموصلة إلى الرّؤية ، وتفرّد واحد بالرّؤية مع مساواة غيره دليل الكذب أو الغلط في الرّؤية ، أمّا إذا كانت السّماء غير مصحية أو بها علّة ، فيقبل خبر الواحد العدل في رؤية هلال رمضان ، سواء كان رجلاً أم امرأةً غير محدود في قذف أو محدودًا تائبًا بشرط أن يكون مسلماً ، عاقلاً، بالغاً ، عدلاً ، لحديث ابن عبّاس الّذي سبق ذكره ، ولأنّ هذه العلّة تمنع التّساوي في الرّؤية لجواز أنّ قطعةً من الغيم انشقّت فظهر الهلال فرآه واحد فاستتر بالغيم من ساعته قبل أن يراه غيره.

أمّا المالكيّة فيرون أنّه لا بدّ لثبوت هلال رمضان من إتمام شعبان ثلاثين يوماً ، أو رؤية عدلين أو أكثر ، وهو قول لدى الشّافعيّة ، ورواية عن أحمد ، لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب و فيه : " فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا " [رواه أحمد و النسائى – قال الالبانى (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3811 في صحيح الجامع]‏.‏

اما فى ثبوت هلال شوال:
اتّفق جمهور الفقهاء على اشتراط رؤية عدلين في هلال شوّالٍ ، ولأنّها شهادة على هلالٍ لا يدخل بها في العبادة ، فلم تقبل فيها إلاّ شهادة اثنين كسائر الشّهود.
واختلف الفقهاء في بعض التّفصيلات.
فاشترط الحنفيّة لإثبات هلال شوّالٍ في حالة الصّحو أن يكون الشّهود جماعةً يحصل العلم للقاضي بخبرهم كما في هلال رمضان ، ولم يقبلوا في حال الغيم إلاّ شهادة رجلين ،

واشترط المالكيّة في هلال شوّالٍ الرّؤية المستفيضة أو شهادة عدلين ممّن يشهدون في الحقوق العامّة.

واشترط الشّافعيّة والحنابلة في ثبوت هلال شوّالٍ شهادة رجلين حرّين عدلين احتياطاً للفرض

وسوّى الحنابلة بين شوّالٍ وغيره من الشّهور فاشترطوا رؤية رجلين عدلين لقوله صلى الله عليه وسلم:« فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»

س : هل يثبت بدء شهر رمضان بالحساب الفلكى ؟
الجواب :
وقع الخلاف فى هذه المسأله منذ أواخر القرن الهجريّ الأوّل ،
ومن أسباب الاختلاف وجود لفظةٍ في حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه فإن غمّ عليكم فاقدروا له » [ متفق عليه] .

ففى هذا الحديث علّق النبي  بداية صيام رمضان والشّروع في الإفطار برؤية الهلال ، وأمر عند تعذّرها في حالة الغيم بالتّقدير ، فقال صلى الله عليه وسلم : « فإن غمّ عليكم فاقدروا له » ، وقد اختلفوا في المراد من هذه العبارة على قولين:

الاول: بتقدير الهلال بالحساب الفلكيّ
ونسب هذا القول إلى مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير من التّابعين وأبي العبّاس بن سريجٍ من الشّافعيّة وابن قتيبة من المحدّثين.

وقال ابن عبد البرّ : لا يصحّ عن مطرّفٍ ، ونفى نسبة ما عرف عن ابن سريجٍ إلى الشّافعيّ لأنّ المعروف عنه ما عليه الجمهور.

ونقل ابن رشدٍ عن مطرّفٍ قوله : يعتبر الهلال إذا غمّ بالنّجوم ومنازل القمر وطريق الحساب ، قال : وروي مثل ذلك عن الشّافعيّ في روايةٍ ، والمعروف له المشهور عنه أنّه لا يصام إلاّ برؤيةٍ فاشيةٍ أو شهادةٍ عادلةٍ كالّذي عليه الجمهور.

وعن مطرّفٍ أيضًا أنّ العارف بالحساب يعمل به في نفسه.

أمّا ابن سريجٍ فاعتبر قوله صلى الله عليه وسلم : « فاقدروا له » : خطاباً لمن خصّه اللّه تعالى بعلم الحساب ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : « فأكملوا العدّة » خطاباً للعامّة.

وبيّن ابن الصّلاح ما قصده ابن سريجٍ من المعرفة بالحساب فقال : معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلّة ، وأمّا معرفة الحساب فأمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد.
فمعرفة منازل القمر تدرك بأمرٍ محسوسٍ يدركه من يراقب النّجوم ، وهذا هو الّذي أراده ابن سريجٍ ، وقال به في حقّ العارف بها فيما يخصّه.
وقد اختلف النّقل عن ابن سريجٍ في حكم صيام العارف بالحساب عند ثبوت الهلال عنده ، ففي روايةٍ عنه أنّه لم يقل بوجوب ذلك عليه ، وإنّما قال بجوازه ، وفي روايةٍ أخرى عنه لزوم الصّيام في هذه الصّورة.

وقال القشيريّ : إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع من الأفق على وجهٍ يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلاً ، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السّبب الشّرعيّ ، وليس حقيقة الرّؤية مشروطةً في اللّزوم .

والمعتمد في المذهب الحنفيّ أنّ شرط وجوب الصّوم والإفطار رؤية الهلال ، وأنّه لا عبرة بقول المؤقّتين ولو عدولاً ، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشّرع ، وذهب قوم منهم إلى أنّه يجوز أن يجتهد في ذلك ، ويعمل بقول أهل الحساب.

ومنع مالك من اعتماد الحساب في إثبات الهلال ، فقال : إنّ الإمام الّذي يعتمد على الحساب لا يقتدى به ، ولا يتبع.

وبيّن أبو الوليد الباجيّ حكم صيام من اعتمد الحساب فقال : فإن فعل ذلك أحد فالّذي عندي أنّه لا يعتدّ بما صام منه على الحساب ويرجع إلى الرّؤية وإكمال العدد ، فإن اقتضى ذلك قضاء شيءٍ من صومه قضاه.

وذكر القرافيّ قولاً آخر للمالكيّة بجواز اعتماد الحساب في إثبات الأهلة.
أمّا الشّافعيّة فقال النّوويّ : قال أصحابنا وغيرهم : لا يجب صوم رمضان إلاّ بدخوله ، ويعلم دخوله برؤية الهلال ، فإن غمّ وجب استكمال شعبان ثلاثين ، ثمّ يصومون سواء كانت السّماء مصحيةً أو مغيّمةً غيماً قليلاً أو كثيراً.
وفي هذا حصر طرق إثبات هلال رمضان في الرّؤية وإكمال شعبان ثلاثين ، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب ، وقد صرّح في موضعٍ آخر برفضه ، لأنّه حدس وتخمين ورأى اعتباره في القبلة والوقت.
ولا يعتمد الحنابلة الحساب الفلكيّ في إثبات هلال رمضان ، ولو كثرت إصابته.

والقول الثانى : بالمنع من اعتبار الحساب.
وقد فسّر أصحاب هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم : « فاقدروا له » بتفسيرين

الأوّل : حمل التّقدير على إتمامهم الشّهر ثلاثين.

الثّاني : تفسير بمعنى تضييق عدد أيّام الشّهر.

التّفسير الأوّل : جاء عن عبد اللّه بن عمر أنّه يصبح مفطراً إذا كانت السّماء صاحيةً وصائماً إذا كانت مغيّمةً لأنّه يتأوّل قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أنّ المراد منه إتمام الشّهر ثلاثين.

وإلى هذا المعنى ذهب أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ وجمهور السّلف والخلف ،فحملوا عبارة :« فاقدروا له » على تمام العدد ثلاثين يوماً.

وها هو البخاريّ قد أتبع حديث عبد اللّه بن عمر فى كتاب الصوم من صحيحه – باب قول النبي اذا رايتم الهلال فصوموا - بروايةٍ أخرى عنه جاء فيها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الشّهر تسع وعشرون ليلةً فلا تصوموا حتّى تروه ، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» .
وأتبعه في نفس الباب بحديث أبي هريرة ، أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين » .

وقال ابن حجرٍ : قصد البخاريّ بذلك بيان المراد من قوله « فاقدروا له»

وأيّد ابن رشدٍ تفسير البخاريّ وعلّله بأنّ التّقدير يكون بمعنى التّمام ،
ودعم رأيه بقوله تعالى : "قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا " [الطلاق/3، 4] أي تماماً.
التّفسير الثّاني : بمعنى تضييق عدد أيّام الشّهر : فسّر القائلون به « اقدروا له » بمعنى ضيّقوا له العدد من قوله تعالى : "وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ" [الطلاق/7]، والتّضييق له أن يجعل شعبان تسعةً وعشرين يوماً.

وممّن قال بهذا الرّأي أحمد بن حنبلٍ وغيره ممّن يجوّز صوم يوم الشّكّ إن كانت السّماء مغيّمةً.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب ، الشّهر هكذا وهكذا » "يعني مرّةً تسعةً وعشرين ومرّةً ثلاثين" [البخاري - كتاب الصوم - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لانكتب ولانحسب]

قال ابن حجر فى فتح الباري:
قوله :"لانحسب"
وَالْمُرَاد بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَاب النُّجُومِ وَتَسْيِيرهَا , وَلَمْ يَكُونُوا يُعْرَفُونَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا النَّزْر الْيَسِير , فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْره بِالرُّؤْيَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَاب التَّسْيِير وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ , بَلْ ظَاهِر السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ " وَلَمْ يَقُلْ فَسَلُوا أَهْل الْحِسَاب , وَالْحِكْمَة فِيهِ كَوْنُ الْعَدَدَ عِنْدَ الْإِغْمَاءِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ فَيَرْتَفِعُ الِاخْتِلَاف وَالنِّزَاع عَنْهُمْ , وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَهْل التَّسْيِير فِي ذَلِكَ وَهُمْ الرَّوَافِضُ , وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مُوَافَقَتُهُمْ . قَالَ الْبَاجِي : وَإِجْمَاع السَّلَف الصَّالِح حُجَّة عَلَيْهِمْ . وَقَالَ اِبْن بَزِيزَةَ : وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ فَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعَ وَلَا ظَنٌّ غَالِب , مَعَ أَنَّهُ لَوْ اِرْتَبَطَ الْأَمْر بِهَا لَضَاقَ إِذْ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْقَلِيل.أ.هـ

وجمهور الفقهاء على عدم اعتبار الحساب في إثبات شهر رمضان ، بناءً على أنّنا لم نتعبّد إلاّ بالرّؤية.

قال ابن القيم: [زاد المعاد – طبعة الرساله (ج 2 / ص 36)]
وكان من هديه صلى الله عليه و سلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما صام بشهادة ابن عمر وصام مرة بشهادة أعرابي واعتمد على خبرهما ولم يكلفهما لفظ الشهادة فإن كان ذلك إخبارا فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد وإن كان شهادة فلم يكلف الشاهد لفظ الشهادة فإن لم تكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما.
وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صامه ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غم وكان يفعل كذلك فهذا فعله وهذا أمره ولا يناقض هذا قوله : " فإن غم عليكم فاقدروا له " فإن القدر : هو الحساب المقدر والمراد به الإكمال.أ.هـ

س : هل على المسلمين الاعتناء برؤية هلال شهر رمضان ؟
الجواب :
رؤية الهلال أمر يقتضيه ارتباط توقيت بعض العبادات بها ، فيشرع للمسلمين أن يجدّوا في طلبها ويتأكّد ذلك في ليلة الثّلاثين من شعبان لمعرفة دخول رمضان ، وليلة الثّلاثين من رمضان لمعرفة نهايته ودخول شوّالٍ ، وليلة الثّلاثين من ذي القعدة لمعرفة ابتداء ذي الحجّة , فهذه الأشهر الثّلاثة يتعلّق بها ركنان من أركان الإسلام هما الصّيام والحجّ ، ولتحديد عيد الفطر وعيد الأضحى.

والمقصود برؤية الهلال : مشاهدته بالعين بعد غروب شمس اليوم التّاسع والعشرين من الشّهر السّابق ممّن يعتمد خبره وتقبل شهادته فيثبت دخول الشّهر برؤيته.
وللهلال عدّة معانٍ منها : القمر في أوّل استقباله الشّمس كلّ شهرٍ قمريٍّ في اللّيلة الأولى والثّانية ، وقيل الثّالثة ، وقيل يسمّى هلالاً إلى أن يبهر ضوؤه سواد اللّيل ، وهذا لا يكون إلاّ في اللّيلة السّابعة.
ويطلق أيضاً على القمر ليلة ستٍّ وعشرين وسبعٍ وعشرين لأنّه في قدر الهلال في أوّل الشّهر.

وقد حثّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم على طلب الرّؤية لهلال رمضان ، فعن أبي هريرة قال : قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّي عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين" [ البخاري – كتاب - الصوم باب قول النبي  اذا ريتم الهلال فصوموا...]

وعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الشّهر تسع وعشرون ليلةً ، فلا تصوموا حتّى تروه فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين" [ البخارى و مسلم ( 3/123 )]
وهناك حديث يبيّن اعتناءه  بشهر شعبان لضبط دخول رمضان ، فعن عائشة رضي الله عنها تقول:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام" [ اخرجه ابو داود (2325) وقال الالبانى : صحيح]
قال الشّرّاح : أي يتكلّف في عدّ أيّام شعبان للمحافظة على صوم رمضان.
وقد اهتمّ الصّحابة رضي الله عنهم في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم برؤية هلال رمضان فكانوا يتراءونه.
عن عبد اللّه بن عمر ، قال : « تراءى النّاس الهلال فأخبرت به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فصام وأمر النّاس بصيامه » .
ويؤيد ذلك ما جاء من حديث ابى هريرة ان النبي  قال :"أحصوا هلال شعبان لرمضان و لا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم و صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما فإنها ليست تغمى عليكم العدة " [ اخرجه الدرقطنى والبيهقى ‏- وقال الألباني:(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 199 في صحيح الجامع‏].‏

وقد أوجب الحنفيّة كفاية التماس رؤية هلال رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان فإن رأوه صاموا ، وإلاّ أكملوا العدّة ثمّ صاموا ، لأنّ ما لا يحصل الواجب إلاّ به فهو واجب.
وقال الحنابلة : يستحبّ ترائي الهلال احتياطاً للصّوم وحذاراً من الاختلاف.

وبالجملة فهذه المسآله محلّ خلافٍ بين الفقهاء ، فبعضهم يقول : يستحبّ للنّاس ترائي الهلال ليلة الثّلاثين من شعبان وتطلّبه ، ليحتاطوا بذلك لصيامهم ، وليسلموا من الاختلاف ، والبعض يرى أنّ التماس هلال رمضان يجب على الكفاية ، لأنّه يتوصّل به إلى الفرض.

ويستحبّ التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان لتحديد بدئه ، ويكون ذلك بأحد أمرين
الأوّل: رؤية هلاله ، إذا كانت السّماء خاليةً ممّا يمنع الرّؤية من غيم أو غبار ونحوهما.
الثّاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً ، إذا كانت السّماء غير خالية.

س : ماذا يجب على من رأى هلال رمضان أو هلال شوال وحده ؟
الجواب:
أكثر الفقهاء على أنّ من رأى هلال رمضان وحده لزمه الصّوم ، وتجب عليه الكفّارة لو جامع فيه ، لقوله صلى الله عليه وسلم:«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » .

قال العلماء من رأى هلال رمضان وحده ، ورُدّت شهادته ، لزمه الصّوم وجوباً ، عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو مشهور مذهب أحمد ، وذلك : للآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :« فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ »...... ولحديث : « صوموا لرؤيته » .
ولأنّه تيقّن أنّه من رمضان ، فلزمه صومه ، كما لو حكم به الحاكم.

وقال أبو حنيفة : يلزمه الصّوم ، ولكن إن جامع فيه فلا كفّارة وقال عطاء والحسن وابن سيرين وأبو ثورٍ وإسحاق بن راهويه : لا يلزمه الصّوم.

والمالكيّة ألزموا من رأى الهلال وحده بإعلام الإمام برؤيته لاحتمال أن يكون غيره قد رأى أو علم فتجوز شهادتهما ، وأوجبوا على الرّائي المنفرد الصّيام ، ولو ردّ الإمام شهادته فإن أفطر فعليه القضاء والكفّارة.

قال الحنابلة إذا رأى الهلال وحده صام فإن كان عدلا صام الناس بقوله
وروي عن أحمد : أنّه لا يصوم إلاّ في جماعة من النّاس.

ومن رأى هلال شوّالٍ وحده لزمه الفطر كذلك عند أغلب الفقهاء ، لحديث " صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته " ، وقال مالك واللّيث وأحمد : لا يجوز له الأكل فيه.

وعند الجمهور لايفطر، خوف التّهمة وسدّاً للذّريعة ، وقيل : يفطر إن خفي له ذلك ، وقال أشهب : ينوي الفطر بقلبه ، وقول الجمهور الّذين منهم المالكيّة - إن أفطر فليس عليه شيء فيما بينه وبين اللّه تعالى ، فإن عثر عليه عوقب إن اتّهم ، ولا كفّارة ، كما نصّ عليه الحنفيّة ، لشبهة الرّدّ.

وقال الشّافعيّ : له أن يفطر ، لأنّه تيقّن من شوّال ، فجاز له الأكل كما لو قامت بيّنة لكن يفطر سرّاً ، بحيث لا يراه أحد ، لأنّه إذا أظهر الفطر عرّض نفسه للتّهمة ، وعقوبة السّلطان.

س : هل يجب على من رأى هلال شهر رمضان او نحوه الابلاغ عن رؤية الهلال ؟
الجواب :
إذا ثبت الهلال عند الجهة المختصّة الموثوق بها وجب إعلام النّاس للشّروع في الصّوم ، أو الإفطار وصلاة عيد الفطر ، أو صلاة عيد الأضحى وذبح الأضحيّة بالخبر كما قال القرافيّ : ثلاثة أقسامٍ رواية محضة كالأحاديث النّبويّة وشهادة محضة كإخبار الشّهود عن الحقوق على المعيّنين عند الحاكم ومركّب من شهادةٍ وروايةٍ ، وله صور أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من جهة أنّ الصّوم لا يختصّ بشخصٍ معيّنٍ بل عامّ على جميع المصر أو أهل الآفاق فهو من هذا الوجه رواية لعدم الاختصاص بمعيّنٍ ولعموم الحكم ، ومن جهة أنّه حكم يختصّ بهذا العامّ دون ما قبله وما بعده.
وإذا كانت الرّؤية في حدّ ذاتها تشبه الشّهادة والرّواية ، فإنّ الإعلام بها بعد ثبوتها لا خلاف في كونه رواية ، لذلك فإنّه يعتمد في نقلها وسائل نقل الخبر ، ويشترط في المخبر بها شروط الرّاوي المقبول الرّواية المتعارف عليها عند المحدّثين والفقهاء ، وهي : العدالة والضّبط.

والمالكيّة ألزموا من رأى الهلال وحده بإعلام الإمام برؤيته لاحتمال أن يكون غيره قد رأى أو علم فتجوز شهادتهما.

وقت الإعلام:
ثم إنّ وقت الإعلام بالنّسبة لرمضان هو ما قبل فجر اليوم الأوّل منه فإن حصل بعد ذلك وجب الإمساك وعقد نيّة الصّيام وقضاء ذلك اليوم حتّى بالنّسبة لمن بيّت الصّيام على غير جزمٍ بدخول رمضان.

س : ماذا على من رأي الهلال نهارا ؟
الجواب :
ظهور الهلال في النّهار يعتدّ به عند بعض الفقهاء للّيلة التّالية ، ويفرّق آخرون بين ظهوره قبل الزّوال فيكون للّيلة الماضية ، وبعده فيكون للّيلة التّالية.

قال ابن حزم : [المحلى – [ج 6 / ص 239وما بعدها]
مسألة وإذا رؤى الهلال قبل الزوال فهو من البارحة ويصوم الناس من حينئذ باقى يومهم ان كان أول رمضان ويفطرون ان كان آخره، فان رؤى بعد الزوال فهو لليلة المقبلة ........ وعن ابراهيم النخعي ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى الناس :"إذا رأيتموه قبل زوال الشمس فأفطروا وإذا رأيتموه بعد زوالها فلا تفطروا" ....وعن على بن ابى طالب قال رضى الله عنه قال :" إذا رأيتم الهلال من أول النهار فأفطروا وإذا رأيتموه في آخر النهار فلا تفطروا فان الشمس تزيغ عنه أو تميل عنه. أ.هـ

س:هل يمسك من علم بالهلال نهارا بقية يومه وهل يعد ذلك صياما ام ماذا عليه؟
الجواب :
قال ابن حزم : [المحلى – [ج 6 / ص 166وما بعده]
وكل من ذكرنا من ناس، أو جاهل، أو نائم فلم يعلموا بوجوب الصوم عليهم، فحكمهم كلهم هو الحكم الذى جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من استدراك النية في اليوم المذكور متى ما علموا بوجوب صومه عليهم ، وسمى عليه السلام من فعل ذلك صائما، وجعل فعله صوما,

( قلت: وهذا يعنى ان صيامه تام ولا قضاء عليه ولعل ذلك هو القول الصواب والله تعالى اعلم) وبالله تعالى التوفيق , وبه قال جماعة من السلف , كما روينا من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الكريم الجزرى:"ان قوما شهدوا على الهلال بعد ما أصبحوا، فقال عمر بن عبد العزيز: من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه"
وعن عطاء: "إذا صبح رجل مفطرا ولم يذق شيئا ثم علم برؤية الهلال أول النهار أو آخره فليصم ما بقى ولا يبدله"
ومن طريق وكيع عن ابى ميمونة عن أبى بشير عن على بن ابى طالب انه قال يوم عاشوراء: " من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليتم بقية يومه"
وروينا من طريق وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين: "ان ابن مسعود قال: من أكل اول النهار فليأكل آخره "
قال على: اختلف الناس فيمن اصبح مفطرا في أول يوم من رمضان ثم علم ان الهلال رؤى البارحة على اقوال :
منهم من قال: ينوى صوم يومه ويجزئه، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه نأخذ، وبه جاء النص الذى قدمنا .
ومنهم من قال: لا يصوم، لانه لم ينو الصيام من الليل، ولم يروا فيه قضاء، وهو قول ابن مسعود كما ذكرنا، وبه يقول داود واصحابنا.
ومنهم من قال: يأكل بقيته ويقضيه، وهو قول رويناه عن عطاء.
ومنهم من قال: يمسك فيه عما يمسك الصائم، ولا يجزئه، وعليه قضاؤه، وهو قول مالك، والشافعي وقال به أبو حنيفة فيمن أكل خاصة، دون من لم يأكل، وفيمن علم الخبر بعد الزوال فقط، اكل ولم يأكل .
وهذا أسقط الاقوال!!! لانه لا نص فيه ولا قياس، ولا نعلمه من قول صاحب، ولا يخلو هذا الامساك الذى امروه به من ان يكون صوما يجزئه ، وهم لا يقولون بهذا، اولا يكون صوما ولا يجزئه ، فمن اين وقع لهم ان يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه ولا يجزئه؟! وأيضا فانه لا يخلو من ان يكون مفطرا أو صائما: فان كان صائما فلم يقضيه اذن؟! فيصوم يومين وليس عليه الا واحد؟! وان كان مفطرا فلم امروه بعمل الصوم؟! وهذا عجب جدا! وحسبنا الله ونعم الوكيل ....أ.هـ
( قلت : ويجري مجراهم من بلغ الحلم ومن اسلم فى نهار رمضان).

قال الشوكانى : [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 39)]
وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ نَوْمِهِ لَزِمَهُ إمْسَاكُهُ وَقَضَاؤُهُ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى سُقُوطِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لِأَنَّ صَوْمَهُ إنَّمَا لَزِمَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ انْتَهَى .
وقال: قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ، كَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ.أ.هـ

( قلت : للمزيد من البيان راجع كلام الالبانى فى سؤال ما هى صفة نيه الصوم)


فصل فى بيان ان الرؤية اذا ظهرت فى مصر هل تلزم بقية الامصار؟

س : هل اذا رأى اهل بلد الهلال تلزمهم الرؤيه وحدهم أم تلزم جميع الناس ؟
الجواب :
اختلاف مطالع الهلال أمر واقعٌ بين البلاد البعيدة كاختلاف مطالع الشّمس ، لكن هل يعتبر ذلك في بدء صيام المسلمين وتوقيت عيدي الفطر والأضحى وسائر الشّهور فتختلف بينهم بدءاً ونهايةً أم لا يعتبر بذلك ، ويتوحّد المسلمون في صومهم وفي عيديهم ؟
ذهب الجمهور إلى أنّه لا عبرة باختلاف المطالع ، ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو قول عند الشّافعيّة: إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع في إثبات شهر رمضان ، فإذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلدٍ لزم الصّوم جميع المسلمين في جميع البلاد ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: « صوموا لرؤيته » وهو خطاب للأمّة كافّةً.
وهناك من قال باعتبارها ، وخاصّةً بين الأقطار البعيدة ، فقد قال الحنفيّة في هذه الحالة , بأنّه لكلّ بلدٍ رؤيتهم ، وأوجبوا على الأمصار القريبة اتّباع بعضها بعضاً ، وألزموا أهل المصر القريب في حالة اختلافهم مع مصرٍ قريبٍ منهم بصيامهم تسعةً وعشرين ، وصيام الآخرين ثلاثين اعتماداً على الرّؤية أو إتمام شعبان ثلاثين أن يقضوا اليوم الّذي أفطروه لأنّه من رمضان حسب ما ثبت عند المصر الآخر ، والمعتمد الرّاجح عند الحنفيّة أنّه لا اعتبار باختلاف المطالع , فإذا ثبت الهلال في مصرٍ لزم سائر النّاس فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب (قلت: وهو بعيد ان يصوم اهل المشرق والمغرب برؤية واحدة لان اختلاف المطالع أمر واقعٌ بين البلاد البعيدة كاختلاف مطالع الشّمس)

وقال المالكيّة بوجوب الصّوم على جميع أقطار المسلمين إذا رئي الهلال في أحدها...وقيّد بعضهم هذا التّعميم فاستثنى البلاد البعيدة كثيراً كالأندلس وخراسان.

وقال الحنابلة بعدم اعتبار اختلاف المطالع ، وألزموا جميع البلاد بالصّوم إذا رئي الهلال في بلدٍ.
واستدلّ القائلون بعدم اعتبار اختلاف المطالع بحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » ، فقد أوجب هذا الحديث الصّوم بمطلق الرّؤية لجميع المسلمين دون تقييدها بمكانٍ ، واعتبروا ما ورد في حديث ابن عبّاسٍ من اجتهاده ، وليس نقلاً عن الرّسول صلى الله عليه وسلم.

وعمل الشّافعيّة باختلاف المطالع فقالوا : إنّ لكلّ بلدٍ رؤيتهم وإنّ رؤية الهلال ببلدٍ لا يثبت بها حكمه لما بعد عنهم , كما صرّح بذلك النّوويّ.
ودليلهم الذى استدلوا به ما جاء فى الحديث عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَقُلْتُ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ فَقُلْتُ نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْتُ أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فَقَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [مسلم – كتاب الصيام - باب بيان ان لكل بلد رؤيتهم...]

قال النووى فى الشرح الشرح
وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّ الرُّؤْيَة لَا تَعُمّ النَّاس , بَلْ تَخْتَصُّ بِمَنْ قَرُبَ عَلَى مَسَافَة لَا تُقْصَر فِيهَا الصَّلَاة , وَقِيلَ : إِنْ اِتَّفَقَ الْمَطْلَع لَزِمَهُمْ , وَقِيلَ : إِنْ اِتَّفَقَ الْإِقْلِيم وَإِلَّا فَلَا , وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : تَعُمّ الرُّؤْيَة فِي مَوْضِع جَمِيع أَهْل الْأَرْض فَعَلَى هَذَا نَقُول : إِنَّمَا لَمْ يَعْمَل اِبْن عَبَّاس بِخَبَرِ كُرَيْب ; لِأَنَّهُ شَهَادَة فَلَا تَثْبُت بِوَاحِدٍ لَكِنَّ ظَاهِر حَدِيثه أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ لِهَذَا , وَإِنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّ الرُّؤْيَة لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فِي حَقِّ الْبَعِيدِ...( قلت وهذا ايضا بعيد كما سبق ذكره ).

واستدلّ القائلون بعدم اعتبار اختلاف المطالع بحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » ، فقد أوجب هذا الحديث الصّوم بمطلق الرّؤية لجميع المسلمين دون تقييدها بمكانٍ ، واعتبروا ما ورد في حديث ابن عبّاسٍ من اجتهاده ، وليس نقلاً عن الرّسول صلى الله عليه وسلم.


فصل فى بيان الموقف عند حدوث خطأ فى الرؤية أو اشتباه

س : ماذا لو حدث خطأ فى رؤية الهلال ؟
الجواب :
نعم قد ينتج عن تواصل الغيم أكثر من شهرٍ قبل رمضان أو شوّالٍ أو ذي الحجّة أو عن عدم التّحرّي في رؤية الهلال خطأ في بداية رمضان ، ويترتّب عليه إفطار يومٍ منه ، أو خطأ في بداية شوّالٍ ، ويترتّب عليه إفطار يومٍ من رمضان أو صيام يوم العيد ، أو خطأ في ذي الحجّة ، ويترتّب عليه وقوف بعرفة في غير وقته ، وهذا أخطرها
وقد استند القائلون بصحّة الوقوف في غير يومه وصحة الصيام وغيره إلى الحديث الذى اخرجه البخارى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ " [ البخارى – كتاب الصوم - بَاب شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ]

قال ابن حجر فى الشرح:
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ : فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ , فَقَالَ لَا يَكُونُ رَمَضَان وَلَا ذُو الْحِجَّةِ أَبَدًا إِلَّا ثَلَاثِينَ , وَهَذَا قَوْل مَرْدُود مُعَانِد لِلْمَوْجُودِ الْمُشَاهَدِ , وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ قَوْله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ " فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ رَمَضَان أَبَدًا ثَلَاثِينَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا ..... وَقَالَ أَبُو الْحَسَن كَانَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ يَقُولُ : لَا يَنْقُصَانِ فِي الْفَضِيلَةِ إِنْ كَانَا تِسْعَة وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ..... وَقِيلَ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا , إِنَّ جَاءَ أَحَدهمَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ جَاءَ الْآخَر ثَلَاثِينَ وَلَا بُدَّ . وَقِيلَ لَا يَنْقُصَانِ فِي ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهِمَا .... وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل إِنْ نَقَصَ رَمَضَان تَمَّ ذُو الْحِجَّةِ , وَإِنَّ نَقَصَ ذُو الْحِجَّةِ تَمَّ رَمَضَان...... وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا يَنْقُصَانِ فِي الْأَحْكَامِ..... وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ رُبَّمَا حَالَ دُونَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَانِع ..... وَأَقْرَبهَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ النَّقْصَ الْحِسِّيَّ بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ يَنْجَبِرُ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَهْرُ عِيدٍ عَظِيم فَلَا يَنْبَغِي وَصْفُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ........ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " إِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِتَعَلُّقِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ بِهِمَا , وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيّ وَقَالَ : إِنَّهُ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ . وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْهُمَا مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَام حَاصِل سَوَاء كَانَ رَمَضَان ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ , سَوَاء صَادَفَ الْوُقُوف الْيَوْم التَّاسِع أَوْ غَيْره . وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلُ تَقْصِيرٌ فِي اِبْتِغَاء الْهِلَال , وَفَائِدَة الْحَدِيثِ رَفْع مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ شَكٍّ لِمَنْ صَامَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ . وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْض الْعُلَمَاءِ إِمْكَان الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ اِجْتِهَادًا , وَلَيْسَ مُشْكِلًا لِأَنَّهُ رُبَّمَا ثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيس مَثَلًا فَوَقَفُوا يَوْم الْجُمْعَةَ , ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورًا . وَقَالَ الطِّيبِيّ : ظَاهِر سِيَاق الْحَدِيثِ بَيَان اِخْتِصَاص الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الشُّهُورِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ ثَوَاب الطَّاعَة فِي غَيْرِهِمَا يَنْقُصُ , وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَاز اِحْتِمَال وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِمَا , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ " شَهْرَا عِيدٍ " بَعْدَ قَوْلِهِ " شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ " وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ رَمَضَان وَذِي الْحِجَّةِ اِنْتَهَى .

قال ابن بطّالٍ فيما نقله عنه العينيّ : قالت طائفة من وقف بعرفة بخطأٍ شاملٍ لجميع أهل الموقف في يومٍ قبل يوم عرفة أو بعده أنّه يجزئ عنه ، وهو قول عطاء بن أبي رباحٍ والحسن البصريّ وأبي حنيفة والشّافعيّ ، واحتجّ أصحابه على جواز ذلك بصيام من التبست عليه الشّهور ، وأنّه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده.
وإلى نفس هذا الرّأي ذهب النّوويّ فقال : إنّ كلّ ما ورد في رمضان وذي الحجّة من الفضائل والأحكام حاصل سواء كان رمضان ثلاثين أو تسعاً وعشرين ، سواء صادف الوقوف اليوم التّاسع أو غيره بشرط انتفاء التّقصير في ابتغاء الهلال.
وقال ابن حجرٍ : الحديث يطمئن من صام رمضان تسعاً وعشرين أو وقف بعرفاتٍ في غير يومها اجتهاداً.
ونظراً إلى أنّ حصول النّقص في رمضان واضح ، وفي ذي الحجّة غير واضحٍ لوقوع المناسك في أوّله فقد بيّن ذلك العينيّ بقوله : قد تكون أيّام الحجّ من الإغماء والنّقصان مثل ما يكون في آخر رمضان بأن يغمّى هلال ذي القعدة ويقع فيه الغلط بزيادة يومٍ أو نقصانه فيقع عرفة في اليوم الثّامن أو العاشر منه ، فمعناه أنّ أجر الواقفين بعرفة في مثله لا ينقص عمّا لا غلط فيه.
وعن ابن القاسم أنّهم إن أخطأوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النّحر يجزيهم ، وإن قدّموا الوقوف يوم التّروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزهم.

س : ماذا على من اشتبه عليه شهر رمضان بغيره من الشهور كالمحبوس ونحوه؟
الجواب :
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من اشتبهت عليه الشّهور لا يسقط عنه صوم رمضان ، بل يجب لبقاء التّكليف وتوجّه الخطاب.
فإذا أخبره الثّقات بدخول شهر الصّوم عن مشاهدة أو علم وجب عليه العمل بخبرهم ، وإن أخبروه عن اجتهاد منهم فلا يجب عليه العمل بذلك ، بل يجتهد بنفسه في معرفة الشّهر بما يغلب على ظنّه ، ويصوم مع النّيّة ولا يقلّد مجتهداً مثله.

وإن اجتهد وصام فلا يخلو الأمر من خمسة أحوال :
الحال الأولى : استمرار الإشكال وعدم انكشافه له ، بحيث لا يعلم أنّ صومه صادف رمضان أو تقدّم أو تأخّر ، فهذا يجزئه صومه ولا إعادة عليه في قول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، والمعتمد عند المالكيّة ، لأنّه بذل وسعه ولا يكلّف بغير ذلك ، كما لو صلّى في يوم الغيم بالاجتهاد.

الحال الثّانية : أن يوافق صوم المحبوس شهر رمضان فيجزيه ذلك عند جمهور الفقهاء ، قياساً على من اجتهد في القبلة ، ووافقها .

الحال الثّالثة : إذا وافق صوم المحبوس ما بعد رمضان فيجزيه عند جماهير الفقهاء.

الحال الرّابعة : وهي وجهان :
الوجه الأوّل : إذا وافق صومه ما قبل رمضان وتبيّن له ذلك ولمّا يأت رمضان لزمه صومه إذا جاء بلا خلاف ، لتمكّنه منه في وقته.

الوجه الثّاني : إذا وافق صومه ما قبل رمضان ولم يتبيّن له ذلك إلاّ بعد انقضائه فمنهم من قال لايجزيه ومنهم من قال يجزئه عن رمضان ، كما لو اشتبه على الحجّاج يوم عرفة فوقفوا قبله ، وهو قول بعض الشّافعيّة.

الحال الخامسة : أن يوافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض ، فما وافق رمضان أو بعده أجزأه ، وما وافق قبله لم يجزئه .....والمحبوس إذا صام تطوّعاً أو نذراً فوافق رمضان لم يسقط عنه صومه في تلك السّنة ، لانعدام نيّة صوم الفريضة ، وهو مذهب الحنابلة والشّافعيّة والمالكيّة.

صوم المحبوس إذا اشتبه عليه نهار رمضان بليله:
إذا لم يعرف الأسير أو المحبوس في رمضان النّهار من اللّيل ، واستمرّت عليه الظّلمة ، فقد قال النّوويّ : هذه مسألة مهمّة قلّ من ذكرها ، وفيها ثلاثة أوجه للصّواب :
أحدها : يصوم ويقضي لأنّه عذر نادر.
الثّاني : لا يصوم ، لأنّ الجزم بالنّيّة لا يتحقّق مع جهالة الوقت.
الثّالث : يتحرّى ويصوم ولا يقضي إذا لم يظهر خطؤه فيما بعد ، وهذا هو الرّاجح.
ونقل النّوويّ وجوب القضاء على المحبوس الصّائم بالاجتهاد إذا صادف صومه اللّيل ثمّ عرف ذلك فيما بعد ، وقال : إنّ هذا ليس موضع خلاف بين العلماء ، لأنّ اللّيل ليس وقتاً للصّوم كيوم العيد.


فصل فى بيان من يجب عليهم صيام رمضان وما يشترط لصحته

س : على من يجب صيام شهر رمضان ؟
الجواب :
يجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل حرا كان او عبد , ذكرا كان او انثى بشرط ان تكون الانثي غير حائض او نفساء - وهذا شرط لصحة صيام الانثي - وان يكون قادرا على الصوم , فمن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى زواله أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا , وان يكون مقيم غير مسافر لان المسافر يباح له الفطر رخصة , ومن ابيح له الفطر لايكون الصوم عليه واجب , لكن ان صام صح منه واجزأه.
ويشترط ان يكون عالما بحكم وجوب الصيام فى رمضان ، فالجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو مشهور مذهب المالكيّة ، على إعذار حديث العهد بالإسلام ، إذا جهل الصّوم في رمضان.
قال الحنفيّة : يعذر من أسلم بدار الحرب فلم يصم ، ولم يصلّ ، ولم يزكّ بجهله بالشّرائع ، مدّة جهله ، لأنّ الخطاب إنّما يلزم بالعلم به أو بدليله ، ولم يوجد ، إذ لا دليل عنده على فرض الصّلاة والصّوم.
وقال الشّافعيّة : لو جهل تحريم الطّعام أو الوطء ، بأن كان قريب عهد بالإسلام ، أو نشأ بعيداً عن العلماء ، لم يفطر ، كما لو غلب عليه القيء.
والمعتمد عند المالكيّة : أنّ الجاهل بأحكام الصّيام لا كفّارة عليه ، وليس هو كالعامد.
ويحصل العلم - الموجب للصيام وغيره - لمن أسلم في دار الحرب بإخبار رجلين عدلين ، أو رجل مستور وامرأتين مستورتين ، أو واحد عدل ، ومن كان مقيماً في دار الإسلام ، يحصل له العلم بنشأته في دار الإسلام ، ولا عذر له بالجهل فى ذلك ، لانه من المعلوم من الدين بالضرورة.

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 160)]
فهو فرض على كل مسلم عاقل بالغ صحيح مقيم، حرا كان أوعبدا، ذكرا أو أنثى، إلا الحائض والنفساء، فلا يصومان أيام حيضهما البتة، ولا أيام نفاسهما، ويقضيان صيام تلك الايام وهذا كله فرض متيقن من جميع أهل الاسلام .ا.هـ

س : هل يجب على الصبيان غير البالغين صوم رمضان ؟
الجواب :
فى الحديث عن خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ ( الصوف) فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" وعند مُسْلِم فِي رِّوَايَة ْأُخْرَى : ( فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمْ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ ) [اخرجه البخاري ومسلم - واللفظ له - فى كتاب الصوم - باب من اكل فى عاشوراء فليكف بقية يومه]
قال ابن حجر فى فتح الباري:
وَفِي الْحَدِيث حُجَّة عَلَى مَشْرُوعِيَّة تَمْرِين الصِّبْيَان عَلَى الصِّيَام كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْل السِّنّ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ غَيْر مُكَلَّف , وَإِنَّمَا صَنَعَ لَهُمْ ذَلِكَ لِلتَّمْرِينِ.أ.هـ

قال النووى في شرح مسلم:
وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَمْرِينُ الصِّبْيَان عَلَى الطَّاعَات , وَتَعْوِيدُهُمْ الْعِبَادَاتِ , وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَة أَنَّهُمْ مَتَى أَطَاقُوا الصَّوْم وَجَبَ عَلَيْهِمْ , وَهَذَا غَلَطٌ مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح : " رُفِعَ الْقَلَم عَنْ ثَلَاثَة : عَنْ الصَّبِيّ حَتَّى يَحْتَلِمَ " , وَفِي رِوَايَة : " يَبْلُغَ " . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .أ.هـ

قال الشوكانى : [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 35 وما بعدها)]
الْحَدِيثُ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ كَانَ فَرْضًا قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ ، وَعَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَمْرُ الصِّبْيَانِ بِالصَّوْمِ لِلتَّمْرِينِ عَلَيْهِ إذَا أَطَاقُوهُ وَقَدْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ...... وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي تَحْدِيدِ السِّنِّ الَّتِي يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ عِنْدَهَا بِالصِّيَامِ ، فَقِيلَ : سَبْعُ سِنِينَ ، وَقِيلَ : عَشْرٌ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقِيلَ : اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إذَا أَطَاقَ صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تِبَاعًا لَا يَضْعَفُ فِيهِنَّ حُمِلَ عَلَى الصَّوْمِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّ الصَّبِيَّانِ , وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ أ.هـ

س : ما الذى يشترط لصحة أداء الصوم ؟
الجواب :
يشترط لصحة أداء الصوم ان يكون الصائم مسلما فلا يصح من كافر , وان يكون عاقلا فلا يصح من مجنون ولا من مغمى عليه كل وقت الصيام , وان يكون بالغا ، لانه لا تكليف إلاّ مع البلوغ ، لأنّ الغرض من التّكليف هو الامتثال ، وذلك بالإدراك والقدرة على الفعل - كما هو معلوم في الأصول - والصّبا والطّفولة عجز.
ويشترط خلوّه عمّا يفسد الصّوم كالجماع ، وتعمد استدعاء الشهوة مع انزال المنى.
ويشترط ايضا النّيّة وذلك لأنّ صوم رمضان عبادة ، فلا يجوز إلاّ بالنّيّة، كسائرالعبادات , ولحديث « إنّما الأعمال بالنّيّات » ، والإمساك قد يكون للعادة ، أو لعدم الاشتهاء ، أو للمرض ، أو للرّياضة ، فلا يتعيّن إلاّ بالنّيّة.

قال النّوويّ :
لا يصحّ الصّوم إلاّ بنيّة ، ومحلّها القلب ، ولا يشترط النّطق بها ، بلا خلاف , وعقد النية من الليل لكل يوم واجب فمن خطر بقلبه ليلا أنه صائم فقد نوى وكذا الأكل والشرب قبل الفجر بنية الصوم , ولا يضر إن أتى بعد النية بمناف للصوم.أ.هـ

ولو صام الصبي فيشترط ان يكون مميزا لانه لايصح من طفل لايميز اما المميز فيصح منه ولو كان لايجب عليه قبل البلوغ , ولذلك يجب على ولي المميز المطيق للصوم أمره به ليعتاده , ويشترط على المرأة ان تكون طاهرة من الحيض والنفاس , لكن لايشترط على الرجل طهارة فى الصيام فيصح صيام من اصبح جنبا , أو اصابته جنابة فى الصيام من احتلام , ويشترط تجنب الصائم لما يفسد الصوم كالجماع.

فصل فى بيان صفة نية الصوم وهل هناك فرق فى ذلك بين الفرض والنفل

س : ما هى صفة نيه الصوم وهل الفرض والنفل فى ذلك سواء ؟
الجواب :
لابد فى الصوم من النّيّة , وذلك لأنّ صوم رمضان عبادة ، فلا يجوز إلاّ بالنّيّة ، كسائر العبادات , ولحديث : « إنّما الأعمال بالنّيّات » .
والإمساك قد يكون للعادة ، أو لعدم الاشتهاء ، أو للمرض ، أو للرّياضة ، فلا يتعيّن إلاّ بالنّيّة ، كالقيام إلى الصّلاة والحجّ.
قال النّوويّ : لا يصحّ الصّوم إلاّ بنيّة ، ومحلّها القلب ، ولا يشترط النّطق بها ، بلا خلاف.
ومعنى النية : القصد وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه من غير تردد ، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان وأنه صائم فيه فقد نوى.

صفة النّيّة:
لابد فى النية من تحقق عدة امور لتصح ويصح بها الصوم وهى:

أوّلاً : الجزم:
أن تكون جازمةً وقد اشترط الجزم في نيّة الصّوم قطعاً للتّردّد ، حتّى لو نوى ليلة الشّكّ ، صيام غد ، إن كان من رمضان لم يجزه ، ولا يصير صائماً لعدم الجزم ، فصار كما إذا نوى أنّه إن وجد غداءً غداً يفطر ، وإن لم يجد يصوم , ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إن قال : إن كان غداً من رمضان فهو فرضي ، وإلاّ فهو نفل ، أو فأنا مفطر ، لم يصحّ صومه ، إن ظهر أنّه من رمضان ، لعدم جزمه بالنّيّة.
قال ابن قدامه : إن قال : إن كان غدا من رمضان فأنا صائم وإن كان من شوال فأنا مفطر قال ابن عقيل : لا يصح صومه لأنه لم يجزم بنية الصيام والنية اعتقاد جازم ويحتمل أن يصح لأن هذا شرط واقع والأصل بقاء رمضان. أ.هـ

ثانياً: التّعيين:
والجمهور من الفقهاء ذهبوا إلى أنّه لا بدّ من تعيين النّيّة في صوم رمضان ، وصوم الفرض والواجب ، ولا يكفي تعيين مطلق الصّوم ، ولا تعيين صوم معيّن غير رمضان , وكمال النّيّة - كما قال النّوويّ - أن ينوي صوم غد ، عن أداء فرض رمضان هذه السّنة للّه تعالى , وإنّما اشترط التّعيين في ذلك ، لأنّ الصّوم عبادة مضافة إلى وقت ، فيجب التّعيين في نيّتها، كالصّلوات الخمس ، ولأنّ التّعيين مقصود في نفسه ، فيجزئ التّعيين عن نيّة الفريضة في الفرض ، والوجوب في الواجب.

ثالثاً : التّبييت :
وهو شرط في صوم الفرض عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة
والتّبييت هو: إيقاع النّيّة في اللّيل ، ما بين غروب الشّمس إلى طلوع الفجر ، فلو قارن الغروب أو الفجر أو شكّ ، لم يصحّ , وفي قول للمالكيّة ، يصحّ لو قارنت الفجر ، كما في تكبيرة الإحرام ، لأنّ الأصل في النّيّة المقارنة للمنويّ , ويجوز أن تقدّم من أوّل اللّيل ، ولا تجوز قبل اللّيل ,

قال ابن قدامه : وإن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلا أن يستصحبها إلى جزء من الليل وهذا لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولأنه لم ينو عند ابتداء العبادة ولا قريبا منها فلم يصح كما لو نوى من الليل صوم بعد غد.

وذلك لحديث ابن عمر ، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" [سنن أبي داود (2454) – قال الالبانى : صحيح - وفى صحيح الجامع برقم ‏:‏ 6538]
واخرجه الترمذى وقال وإنما معنى هذا عند أهل العلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان أو في قضاء رمضان أو في صيام نذر إذا لم ينوه من الليل لم يجزه وأما صيام التطوع فمباح له أن ينويه بعد ما أصبح وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق.أ.هـ

( قلت: وسيأتى لذلك تفصيل وان الفرض والنفل فى التبييت من الليل سواء)

ولا تجزئ النيه بعد الفجر وتجزئ مع طلوع الفجر إن اتّفق ذلك ، وكلام القرافيّ وآخرين يفيد أنّ الأصل كونها مقارنةً للفجر ، ورخّص تقدّمها عليه للمشقّة في مقارنتها له , والصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة : أنّه لا يشترط في التّبييت النّصف الآخر من اللّيل ، لإطلاقه في الحديث ، ولأنّ تخصيص النّيّة بالنّصف الأخير يفضي إلى تفويت الصّوم ، لأنّه وقت النّوم ، وكثير من النّاس لا ينتبه فيه ، ولا يذكر الصّوم ، والشّارع إنّما رخّص في تقديم النّيّة على ابتدائه ، لحرج اعتبارها عنده ، فلا يخصّها بمحلّ لا تندفع المشقّة بتخصيصها به ، ولأنّ تخصيصها بالنّصف الأخير تحكّم من غير دليل ، بل تقرّب النّيّة من العبادة ، لمّا تعذّر اقترانها بها.

ولا يضرّ الأكل والجماع بعد النّيّة ما دام في اللّيل ، لأنّه لم يلتبس بالعبادة
والصّحيح أيضاً : أنّه لا يجب التّجديد لها إذا نام بعدها ، ثمّ تنبّه قبل الفجر

وتبييت النية من الليل لازم فى صيام الفرض.
قال ابن قدامه : ويجب تعيين النية في كل صوم واجب وهو أن يعتقد أنه يصوم غدا من رمضان أو من قضائه أو من كفارته أو نذره نص عليه أحمد في رواية الاثرم.أ.هـ
لكن الحنفيّة لم يشترطوا التّبييت في رمضان , ولم يشترطوا تبييت النّيّة في ليل رمضان ......ودليل الحنفيّة على ما ذهبوا إليه.
ما ورد في الحديث عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ :" مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا...."[البخاري - كتاب الصوم - باب صوم الصبيان]
وكان صوم عاشوراء واجباً ، ثمّ نسخ بفرض رمضان , واشترط الحنفيّة تبييت النّيّة في صوم الكفّارات والنّذور المطلقة وقضاء رمضان...وهذا من العجب!!

أمّا النّفل فيجوز صومه عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة خلافاً للمالكيّة - بنيّة قبل الزّوال ، للحديث عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ" [مسلم - كتاب الصوم - بَاب جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ...]
ولأنّ النّفل أخفّ من الفرض ، والدّليل عليه : أنّه يجوز ترك القيام في نّفل الصلاة مع القدرة ، ولا يجوز في الفرض.

ومذهب الحنابلة جواز النّيّة في النّفل ، قبل الزّوال وبعده ، واستدلّوا بحديث عائشة ، وحديث صوم يوم عاشوراء ، وأنّه قول معاذ وابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهم وأنّه لم ينقل عن أحد من الصّحابة ما يخالفه صريحاً ، والنّيّة وجدت في جزء من النّهار ، فأشبه وجودها قبل الزّوال بلحظه.

وذهب المالكيّة إلى أنّه يشترط في نيّة صوم التّطوّع التّبييت كالفرض.
لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من لم يبيّت الصّيام من اللّيل فلا صيام له » فلا تكفي النّيّة بعد الفجر ، لأنّ النّيّة : القصد ، وقصد الماضي محال عقلاً.

(قلت : وهو اعدل الاقوال واصحها واوفقها للدليل الشرعى الصريح بلا تأويل)

وقد بوب البخاري فى كتاب الصوم بَاب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فَإِنْ قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".

قال ابن حجر فى الشرح:
وَقَالَ اِبْنُ عُمَرَ" لَا يَصُومُ تَطَوُّعًا حَتَّى يُجْمِعَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ يَتَسَحَّرَ " وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّافِلَةِ " لَا يَصُومُ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَ , إِلَّا إِنْ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّبْيِيتِ " وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ : مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ أَجْزَأَهُ , وَإِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِهِ . قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَاَلَّذِي نَقَلَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْجَوَازِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ , وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ التَّفْرِقَةُ , وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صِيَامُ التَّطَوُّعِ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ.أ.هـ

قلت : وهذه المسأله قد يظنها البعض مشكله ، وان حديث صوم عاشوراء فيه دليل على ان الصائم له ان ينوى نهارا كيف شاء ، وهذا كلام بعيد جدا فضلا عن معارضته للنصوص الصحيحه المبينه للزوم تبييت النيه من الليل ، ووجدت كلاما نفيسا للشيخ الالبانى – رحمه الله – يبين هذه المسأله اسوقه هنا بتمامه مع ما فيه من الاطالة وذلك لزوم الحاجه ولزوم فك الاشكال المتصور فى هذه المسألة:

قال الألباني : [السلسلة الصحيحة (6 / 246 ) وما بعدها]:
من وجب عليه الصوم نهارا , كالمجنون يفيق , و الصبي يحتلم , و الكافر يسلم , و كمن بلغه الخبر بأن هلال رمضان رؤي البارحة , فهؤلاء يجزيهم النية من النهار حين الوجوب , و لو بعد أن أكلوا أو شربوا , فتكون هذه الحالة مستثناة من عموم قوله صلى الله عليه وسلم : " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " , و هو حديث صحيح كما حققته في " صحيح أبي داود " ( 2118 ) و إلى هذا الذي أفاده حديث الترجمة ذهب ابن حزم و ابن تيمية و الشوكاني و غيرهم من المحققين . فإن قيل : الحديث ورد في صوم عاشوراء و الدعوى أعم . قلت : نعم , و ذلك بجامع الاشتراك في الفريضة , ألست ترى أن الحنفية استدلوا به على جواز صوم رمضان بنية من النهار , مع إمكان النية في الليل طبقا لحديث أبي داود , فالاستدلال به لما قلنا أولى كما لا يخفى على أولي النهى . و لذلك قال المحقق أبو الحسن السندي في حاشيته على " ابن ماجه " ( 1 / 528 - 529 ) ما مختصره : " الأحاديث دالة على أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا , من جملتها هذا الحديث , فإن هذا الاهتمام يقتضي الافتراض . نعم الافتراض منسوخ بالاتفاق و شهادة الأحاديث على النسخ . و استدل به على جواز صوم الفرض بنية من النهار , لا يقال صوم عاشوراء منسوخ فلا يصح الاستدلال به .
لأنا نقول : دل الحديث على شيئين :
أحدهما : وجوب صوم عاشوراء .
و الثاني : أن الصوم واجب في يوم بنية من نهار , و المنسوخ هو الأول , و لا يلزم من نسخه نسخ الثاني , و لا دليل على نسخه أيضا . بقي فيه بحث : و هو أن الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلوما من الليل , و إنما علم من النهار , و حينئذ صار اعتبار النية من النهار في حقهم ضروريا , كما إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشك , فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا ضرورة " .أ.هـ
قلت : و هذا هو الحق الذي به تجتمع النصوص , و هو خلاصة ما قال ابن حزم رحمه الله في " المحلى " ( 6 / 166 ) و قال عقبه : " و به قال جماعة من السلف كما روينا من طريق ... عبد الكريم الجزري أن قوما شهدوا على الهلال بعد ما أصبح الناس , فقال عمر بن عبد العزيز : من أكل فليمسك عن الطعام , و من لم يأكل فليصم بقية يومه " . قلت : و أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 3 / 69 ) وسنده صحيح على شرط الشيخين . و هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية , فقال في "
الاختيارات العلمية " ( 4 / 63 - الكردي ) : " و يصح صوم الفرض بنية النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل , كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار , فإنه يتم بقية يومه و لا يلزمه قضاء و إن كان أكل " و تبعه على ذلك المحقق ابن القيم , و الشوكاني , فمن شاء زيادة بيان و تفصيل فليراجع " مجموع الفتاوى " لابن تيمية ( 25 / 109 و 117 - 118 ) و " زاد المعاد " لابن القيم ( 1 / 235 ) و " تهذيب السنن " له ( 3 / 328 ) و " نيل الأوطار " للشوكاني ( 4 / 167 ) . و إذا تبين ما ذكرنا , فإنه تزول مشكلة كبرى من مشاكل المسلمين اليوم , ألا و هي اختلافهم في إثبات هلال رمضان بسبب اختلاف المطالع , فإن من المعلوم أن الهلال
حين يرى في مكان فليس من الممكن أن يرى في كل مكان , كما إذا رؤي في المغرب فإنه لا يمكن أن يرى في المشرق , و إذا كان الراجح عند العلماء أن حديث " صوموا لرؤيته ... " إنما هو على عمومه , و أنه لا يصح تقييده باختلاف المطالع , لأن هذه المطالع غير محدودة و لا معينة , لا شرعا و لا قدرا , فالتقييد بمثله لا يصح , و بناء على ذلك فمن الممكن اليوم تبليغ الرؤية إلى كل البلاد الإسلامية بواسطة الإذاعة و نحوها , و حينئذ فعلى كل من بلغته الرؤية أن يصوم , و لو بلغته قبل غروب الشمس بقليل , و لا قضاء عليه , لأنه قد قام بالواجب في حدود
استطاعته , و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها , و الأمر بالقضاء لم يثبت كما سبقت الإشارة إليه , و نرى أن من الواجب على الحكومات الإسلامية أن يوحدوا يوم صيامهم و يوم فطرهم , كما يوحدون يوم حجهم , و لريثما يتفقون على ذلك , فلا نرى لشعوبهم أن يتفرقوا بينهم , فبعضهم يصوم مع دولته , و بعضهم مع الدولة الأخرى , و ذلك من باب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى كما هو مقرر في علم الأصول , و الله تعالى ولي التوفيق .أ.هـ

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 161)]
عن ابن عمر قال: "لا يصوم الا من أجمع الصيام قبل الفجر" , وعن مالك عن الزهري: أن عائشة أم المؤمنين قالت: "لا يصوم الا من أجمع الصيام قبل الفجر" , وعن ابن شهاب: أخبرني حمزة بن عبد الله ابن عمر عن أبيه قال: قالت حفصة أم المؤمنين: "لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر" , فهؤلاء ثلاثة من الصحابة رضى الله عنهم لايعرف لهم منهم مخالف أصلا، والحنيفيون والمالكيون يعظمون مثل هذا إذا خالف أهواءهم ، وقد خالفهوهم ههنا، وما نعلم أحدا قبل أبى حنيفة، ومالك قال بقولهما في هذه المسألة.أ.هـ

( قلت ومما سبق يتضح ان تبييت النيه فى الفرض والنفل سواء , ولابد من عقد النيه من الليل قبل الفجر والا فلاصيام والله تعالى اعلى واعلم)

رابعاً : تجديد النّيّة :
وتعتبر النية لكل يوم وبهذا قال أبو حنيفة و الشافعي و ابن المنذر وعن أحمد أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم جميعه وهذا مذهب مالك و إسحاق ، وقالوا هو كصلاة واحده..........والصحيح أنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته.
قال ابن عبد الحكم - من المالكيّة - : لا بدّ في الصّوم الواجب المتتابع من النّيّة كلّ يوم ، نظراً إلى أنّه كالعبادات المتعدّدة ، من حيث عدم فساد ما مضى منه بفساد ما بعده.
قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 163)]
أنهم قالوا: رمضان كصلاة واحدة , قال أبو محمد: وهذه مكابرة بالباطل ، لان الصلاة الواحدة لا يحول بين أعمالها بعمد ما ليس منها أصلا ، وصيام رمضان يحول بين كل يومين منه ليل يبطل فيه الصوم جملة ويحل فيه الاكل والشرب والجماع ، فكل يوم له حكم غير حكم اليوم , الذى قبله واليوم الذى بعده، وقد يمرض فيه أو يسافر أو تحيض ، فيبطل الصوم ، وكان بالامس صائما ويكون غدا صائما ، وانما شهر رمضان كصلوات اليوم والليلة ، يحول بين كل صلاتين ما ليس صلاة ، فلابد لكل صلاة من نية ، فكذلك لا بد لكل يوم في صومه من نية أ.هـ

وذهب الجمهور إلى تجديد النّيّة في كلّ يوم من رمضان ، من اللّيل أو قبل الزّوال - على الخلاف السّابق - وذلك : لكي يتميّز الإمساك عبادةً ، عن الإمساك عادةً أو حميةً.
ولأنّ كلّ يوم عبادة مستقلّة ، لا يرتبط بعضه ببعض ، ولا يفسد بفساد بعض ، ويتخلّلها ما ينافيها ، وهو اللّيالي الّتي يحلّ فيها ما يحرّم في النّهار ، فأشبهت القضاء ، بخلاف الحجّ وركعات الصّلاة.

خامسا:استمرار النّيّة:
اشترط الفقهاء الدّوام على النّيّة ، فلو نوى الصّيام من اللّيل ثمّ رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر لا يصير صائماً.
قال الطّحاويّ : ويشترط الدّوام عليها.
فلو نوى من اللّيل ، ثمّ رجع عن نيّته قبل طلوع الفجر ، صحّ رجوعه ولا يصير صائماً ، ولو أفطر لا شيء عليه إلاّ القضاء ، بانقطاع النّيّة بالرّجوع ، فلا كفّارة عليه في رمضان ، لشبهة خلاف من اشترط التّبييت ، إلاّ إذا جدّد النّيّة ، بأن ينوي الصّوم في وقت النّيّة ، تحصيلاً لها ، لأنّ الأولى غير معتبرة ، بسبب الرّجوع عنها.
ولا تبطل النّيّة بقوله : أصوم غداً إن شاء اللّه ، لأنّه بمعنى الاستعانة ، وطلب التّوفيق والتّيسير.
قال البهوتيّ : وكذا سائر العبادات ، لا تبطل بذكر المشيئة في نيّتها.
ولو نوى الإفطار في أثناء النّهار فمذهب الحنفيّة والشّافعيّة أنّه لا يفطر ، كما لو نوى التّكلّم في صلاته ولم يتكلّم.
وقال المالكيّة والحنابلة : يفطر ، لأنّه قطع نيّة الصّوم بنيّة الإفطار ، فكأنّه لم يأت بها ابتداءً.

س : ماذا على من نسي النية ؟
الجواب :
قال ابن حزم المحلى : [(ج 6 / ص 164وما بعدها)]
مسألة : ومن نسى ان ينوى من الليل في رمضان فأى وقت ذكر من النهار التالى لتلك الليلة سواء أكل وشرب ووطئ أولم يفعل شيئا من ذلك فانه ينوى للصوم من وقته إذا ذكر، ويمسك عما يمسك عنه الصائم، ويجزئه صومه ذلك تاما ، ولا قضا عليه ، ولو لم يبق عليه من النهار الا مقدار النية فقط ، فان لم ينو كذلك فلا صوم له ، وهو عاص لله تعالى متعمد لابطال صومه ولا يقدر على القضاء , وكذلك من جاءه الخبر بأن هلال رمضان رؤى البارحة فسواء أكل وشرب ووطئ , أولم يفعل شيئا من ذلك في أي وقت جاء الخبر من ذلك اليوم ولو في آخره كما ذكرنا , فانه ينوى الصوم ساعة صح الخبر عنده ، ويمسك عما يمسك عنه الصائم ، ويجزئه صومه ولاقضاء عليه ، فان لم يفعل فصومه باطل ، كما قلنا في التى قبلها سواء سواء , وكذلك ايضا من عليه صوم نذر معين في يوم بعينه فنسى النية وذكر بالنهار فكما قلنا ولا فرق , وكذلك من نسى النية في ليلة من ليالى الشهرين المتتابعين الواجبين ثم ذكر بالنهار، ولافرق , وكذلك من نام قبل غروب الشمس في رمضان ، أو في الشهرين المتتابعين ، أو في نذر معين فلم ينتبه إلا بعد طلوع الفجر أو في شئ من نهار ذلك اليوم ، ولو في آخره ، فكما قلنا أيضا آنفا سواء سواء، ولا فرق في شئ اصلا , فلو لم يذكر فى شئ من الوجوه التى ذكرنا ، ولا استيقظ حتى غابت الشمس: فلا اثم عليه ، ولم يصم ذلك اليوم ، برهان قولنا: قول الله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب/5]...وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). [ قال الألباني : (‏صحيح‏)‏ بلفظ‏:‏ وضع انظر حديث رقم‏:‏ 3515 في صحيح الجامع‏].‏
وكل من ذكرنا ناس أو مخطئ غير عامد، فلا جناح عليه .أ.هـ

س : ماذا على من نوى الصّيام من اللّيل ثم اصابه جنون او اغماء او تعاطى ما يغيب معه الوعى كالمسكر ونحوه ؟
الجواب :
اختلف الفقهاء فيما إذا نوى الصّيام من اللّيل ، ثمّ طرأ عليه إغماء او تعاطى ما يغيب معه العقل كالسكر ونحوه ، فإن لم يفق إلاّ بعد غروب الشّمس ، فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم صحّة صومه ، لأنّ الصّوم هو الإمساك مع النّيّة ، وفى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي " [مسلم - كتاب الصيام - باب فضل الصيام]
فأضاف ترك الطعام والشراب إليه فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه فلم يجزئه ، ولأن النية أحد ركني الصوم فلا تجزئ وحدها كالإمساك وحده ، أما النوم عادة ولا يزيل الإحساس بالكلية ومتى نبه انتبه والإغماء عارض يزيل العقل فأشبه الجنون.
قال ابن قدامه : ومن نوى من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس لم يجزه صيام ذلك اليوم ، وجملة ذلك أنه متى أغمي عليه جميع النهار فلم يفق في شيء منه لم يصح صومه. أ.هـ
( قلت : وهذا هو الراجح والله تعالى اعلم)

وذهب الحنفيّة إلى صحّة صومه ، لأنّ نيّته قد صحّت ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحّة الصّوم ، كالنّوم.
وهذا التفصيل المذكور إنما هو فيمن لم يذهب عقله , أما من ذهب عقله، فإن كان بسبب إغماء، فإنه يجب عليه القضاء.
قال ابن قدامة: وعلى المغمى القضاء بغير خلاف علمناه ، لأن مدته لا تتطاول غالباً. انتهى.
وإن كان زواله لجنون ، فلا قضاء عليه عند الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد، لأنه فاقد لشرط التكليف وهو العقل.
وقال مالك: يجب عليه القضاء متى ما عاد إليه عقله ، لأنه مرض فيندرج في قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً)...!!!

إلا أن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور: من أن المجنون لا قضاء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاثة :عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ و عن النائم حتى يستيقظ و عن الصبي حتى يحتلم " [رواه احمد وأبو داود – قال الألباني:‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏3512 في صحيح الجامع]‏.‏

قال ابن حزم : [المحلى (ج 6 / ص 226وما بعدها)]
وإذا رفع القلم عنه فهو غير مخاطب بصوم ولا بصلاة وهوغير مخاطب في حال جنونه حتى يعقل، وليس في ذلك بطلان صومه الذى لزمه قبل
جنونه ، ولا عودته عليه بعد افاقته، وكذلك المغمى، فوجب أن من جن بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرا بجنونه ، لكنه فيه غير مخاطب ، وقد كان مخاطبا به ، فان أفاق في ذلك اليوم أو في يوم بعده من أيام رمضان فانه ينوى الصوم من حينه ويكون صائما ، لانه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه ، وهكذا من جاءه الخبر برؤية الهلال......... وأما من بلغ مجنونا مطبقا فهذا لم يكن قط مخاطبا، ولا لزمته الشرائع ، ولا الاحكام ، ولم يزل مرفوعا عنه القلم ، فلا يجب عليه قضاء صوم أصلا.أ.هـ

والفرق بين الجنون والإغماء: أن الجنون يطول ، والإغماء لا يطول غالباً .
ولا خلاف بين العلماء في عدم لزوم الفدية لفاقد العقل: مغمى كان أو مجنوناً.

ملحوظه:
فاقد العقل بالإغماء فقداناً مستمراً لا قضاء عليه ، ولا كفارة لشبهه بالمجنون ،
أما من فقده باغماء يفيق بعده فعليه القضاء متى افاق , ومن المتقرر أن المغمى عليه يقضي الصوم على المذاهب الأربعة إلا قولاً في مذهب الحنابلة والشافعية.

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن رجل له مدة شهرين لم يشعر بشيء ولم يصلِّ ولم يصم رمضان فماذا يجب عليه؟
فأجاب: لا يجب عليه شيء لفقد شعوره ، ولكن إن قدر الله أن يفيق لزمه قضاء رمضان ، وإن قضى الله عليه بالموت فلا شيء عليه ، إلا أن يكون من ذوي الأعذار المستمرة كالكبير ونحوه ، ففرضه أن يطعم وليه عنه عن كل يوم مسكيناً.أ.هـ

س: ماذا على الصبى اذا بلغ فى نهار رمضان وكذالك الكافر يسلم فى نهار رمضان ؟
الجواب :
قال صاحب الجامع لأحكام الصيام : [لأبي إياس محمود بن عبد اللطيف بن محمود ( عويضة )- الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 120)]:
الصبي إذا بلغ في نهار رمضان ، والكافر إذا أسلم في نهار رمضان ، فقد دخلا في دائرة المكلَّفِين ، فوجب عليهما عندئذٍ الإمساكُ بقيةَ النهار وقضاءُ يوم بدله ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والعنبري ، وليس في هذه المسألة نصٌّ خاص ولذلك نلجأ إلى النصوص العامة ، وهذه النصوص العامة تفرض التكاليف الشرعية على الصبي إذا بلغ ، وعلى الكافر إذا أسلم ، وكون الصيام من هذه التكاليف فإن الصبي والكافر يتوجب عليهما الصيام لحظة البلوغ والإسلام ، وحيث أن التكاليف بدأت في جزء من نهار رمضان ، وأن الصبي والمجنون لم ينويا الصيام من الليل ، والنيةُ شرط لا بد منه لقبول الصيام ، فقد صار من المتوجَّبِ عليهما أن يصوما يوماً بدل.أ.هـ

قال ابن قدامة:
إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن فقال القاضي يتم صومه ولا قضاء عليه لأن نية صوم رمضان حصلت ليلا فيجزئه كالبالغ .......... فأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه وسواء كان قد صامه أو أفطره هذا قول عامة أهل العلم ......لأنه زمن مضى في حال صباه فلم يلزمه قضاء الصوم فيه كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان........... فأما اليوم الذي أسلم فيه الكافر فإنه يلزمه امساكه ويقضيه هذا المنصوص عن أحمد وبه قال الماجشون و إسحاق وقال مالك و أبو ثور و ابن المنذر لا قضاء عليه لأنه لم يدرك من زمن العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه فأشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم وقد روي ذلك عن أحمد أ.هـ [ المغنى – ج6 ص161]

( قلت : ولعل الراجح ان امثال هؤلاء ليس عليهم قضاء ، وللمزيد من البيان راجع كلام الالبانى فى سؤال : ما هى صفة نيه الصوم ؟)

س : ما حكم صيام من ينام طيلة وقت الصيام ؟
الجواب :
النائم طيلة وقت الصيام على حالين:

الحال الأولى: رجل ينام طوال النهار ولا يستيقظ ولا شك أن هذا جانٍ على نفسه، وعاصٍ لله عز وجل بتركه الصلاة في أوقاتها ، ومنقص لصومه , وما مثله إلا مثل من يبني قصراً ويهدم مصراً ، فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل ، وأن يقوم ويؤدي الصلاة في أوقاتها حسبما أمر به.
وهناك فرق بين النوم والاغماء ، فأما النوم عادة ، ولا يزيل الإحساس بالكلية ومتى نبه انتبه ، والإغماء عارض يزيل العقل فأشبه الجنون.

أما الحال الثانية: وهي حال من يقوم ويصلي الصلاة المفروضة في وقتها ومع الجماعة فهذا ليس بآثم ، لكنه فوَّت على نفسه خيراً كثيراً ، لأنه ينبغي للصائم أن يشتغل بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن الكريم حتى يجمع في صيامه عبادات شتى، والإنسان إذا عوَّد نفسه ومرنها على أعمال العبادة في حال الصيام سهل عليه ذلك ، وإذا عوَّد نفسه الكسل والخمول والراحة صار لا يألف إلا ذلك وصعبت عليه العبادات والأعمال في حال الصيام ، فلا ينبغى للصائم ان يستوعب وقت صيامه في نومه، فليحرص على العبادة من باب حسن التجاره مع الله وحتى يكون صيامه ايمانا واحتسابا.


فصل فى بيان سنن الصيام ومستحباته ومكروهاته

س : ما هى سنن الصيام ومستحباته ؟
الجواب :
سنن الصّوم ومستحبّاته كثيرة ، أهمّها :
1 – السّحور وتأخيره:
قال ابن قدامة:
والكلام في السحور على ثلاثة أشياء:

أحدها : في استحبابه ولا نعلم فيه بين العلماء خلافا وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" تسحروا فإن في السحور بركة " متفق عليه ، وعن عمرو بن العاص قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكله السحر" أخرجه مسلم و أبي داود و الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورو الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد قال : " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" [ قال الألباني:(‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3683 في صحيح الجامع ].‏

الثاني في وقته : قال أحمد يعجبني تأخير السحور لما روى زيد بن ثابت قال: " تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم كان قدر ذلك ؟ قال خمسين آية " متفق عليه ، و روى العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السحور فقال : "هلم إلى الغداء المبارك" رواه أبو داود و النسائي.[قال الألباني : ‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 7043 في صحيح الجامع]‏.‏...سماه غداء لقرب وقته منه ، ولأن المقصود بالسحور التقوي على الصوم وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم قال أبو داود قال أبو عبد الله إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه وهذا قول ابن عباس و عطاء و الأوزاعي .......فأما الجماع فلا يستحب تأخيره لأنه ليس مما يتقوى به وفيه خطر وجوب الكفارة وحصول الفطر به.

الثالث : فيما يستحر به وكل ما حصل من أكل أو شرب حصل به فضيلة السحور لقوله عليه السلام : " ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء" وروى عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " نعم سحور المؤمن التمر ".أ.هـ [رواه أبو داود قال الألباني : صحيح] [ المغنى – ج6 ص186]

2 - تعجيل الفطر:
فى الحديث عن ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر لأن اليهود و النصارى يؤخرون " [قال الألباني : ‏(‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏ :‏ 7689 في صحيح الجامع‏].‏
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَحَادِيثُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ صِحَاحٌ مُتَوَاتِرَةٌ .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ قَالَ الْحَافِظُ : صَحِيحٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ الْأَوْدِيِّ قَالَ : " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَ النَّاسِ إفْطَارًا وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا "
قال ابن قدامه:
تعجيل الفطر وفيه أمور ثلاثة:
احدها : في استحبابه وهو قول اكثر أهل العلم لما روى سهل بن سعد الساعدي " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه و قال أنس ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء " [قال الألباني :(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 4858 في صحيح الجامع‏].‏
وأخرج الطبرانى في الكبير عن أم حكيم بنت وداع قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " عجلوا الإفطار وأخروا السحور " . [ قال الألباني:(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3989 في صحيح الجامع‏]

الثاني فيما يفطر عليه ويستحبّ أن يكون الإفطار على رطبات :
فإن لم تكن فعلى تمرات ، وفي هذا ورد حديث عن أنس قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات , فإن لم تكن رطبات فتمرات , فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء " [ رواه أبو داود و الترمذي و حسنه . و هو في " صحيح أبي داود " برقم ( 2040 ) ].

وورد فيه حديث عن سلمان بن عامر الضّبّيّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :"إذا كان أحدكم صائما فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإن الماء طهور" [ ‏ابو داود والبيهقى‏ - قال الألباني:(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 746 في صحيح الجامع]‏.‏

قال الشوكانى:
وَحَدِيثَا أَنَسٍ وَسَلْمَانَ يَدُلَّانِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِفْطَارِ بِالتَّمْرِ ، فَإِنْ عُدِمَ فَبِالْمَاءِ وَلَكِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرُّطَبَ مِنْ التَّمْرِ أَوْلَى مِنْ الْيَابِسِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ إنْ وُجِدَ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الْإِفْطَارُ بِالتَّمْرِ لِأَنَّهُ حُلْوٌ ، وَكُلُّ حُلْوٍ يُقَوِّي الْبَصَرَ الَّذِي يَضْعَفُ بِالصَّوْمِ ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُنَاسِبَةِ وَبَيَانِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ .
وَقِيلَ : لِأَنَّ الْحُلْوَ يُوَافِقُ الْإِيمَانَ وَيَرِقُ الْقَلْبَ ، وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ حُلْوًا ، وَالْحُلْو لَهُ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ فَيُلْحَقُ بِهِ الْحَلَوِيَّاتُ كُلُّهَا.أ.هـ [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 91)]

والثالث الوصال : وهو أن لا يفطر بين اليومين بأكل ولا شرب وهو مكروه في قول أكثر أهل العلم لما روى ابن عمر قال : " واصل رسول الله صلى الله عليه و سلم في رمضان فواصل الناس فنهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الوصال فقالوا إنك تواصل قال : إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى " (متفق عليه) وهذا يقتضي اختصاصه بذلك ومنع إلحاق غيره به وقوله : "إني أطعم وأسقى" يحتمل أنه يريد أنه يعان على الصيام ويغنيه الله تعالى عن الشراب والطعام بمنزلة من طعم وشرب ويحتمل أنه أراد إني أطعم حقيقة وأسقى حملا للفظ على حقيقته ...............وقال أبو هريرة : " نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ويوما ثم رأوا الهلال فقال : لو تأخر لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا" (متفق عليه) فإن واصل من سحر إلى سحر جاز لما روى أبو سعيد أنه " سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر " (أخرجه البخاري) وتعجيل الفطر أفضل لما قدمناه .أ.هـ [المغنى – ج6 ص188]

3- ويستحب استعمال السواك:
قال ابن القيم : [زاد المعاد - (ج 4 / ص 293وما بعدها)]
وفي السواك عدة منافع : يطيب الفم ويشد اللثة ويقطع البلغم ويجلو البصر ويذهب بالحفر ويصح المعدة ويصفي الصوت ويعين على هضم الطعام ويسهل مجاري الكلام وينشط للقراءة والذكر والصلاة ويطرد النوم ويرضي الرب ويعجب الملائكة ويكثر الحسنات.
ويستحب كل وقت ويتأكد عند الصلاة والوضوء والإنتباه من النوم وتغيير رائحة الفم , ويستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث فيه ولحاجة الصائم إليه , ولأنه مرضاة للرب ومرضاته مطلوبة في الصوم أشد من طلبها في الفطر , ولأنه مطهرة للفم والطهور للصائم من أفضل أعماله.
وفي السنن : عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم وقال البخاري : قال ابن عمر : يستاك أول النهار وآخره , وأجمع الناس على أن الصائم يتمضمض وجوبا واستحبابا والمضمضة أبلغ من السواك , وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة , ولا هي من جنس ما شرع التعبد به , وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثا منه على الصوم لا حثا على إبقاء الرائحة , بل الصائم أحوج إلى السواك من المفطر , وأيضا فإن رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصائم
, وأيضا فإن محبته للسواك أعظم من محبته لبقاء خلوف فم الصائم
, وأيضا فإن السواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السواك عند الله يوم القيامة , بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك علامة على صيامه , ولو أزاله بالسواك كما أن الجريح يأتي يوم القيامة ولون دم جرحه لون الدم وريحه ريح المسك وهو مأمور بإزالته في الدنيا
, وأيضا فإن الخلوف لا يزول بالسواك فإن سببه قائم وهو خلو المعدة عن الطعام , وإنما يزول أثره وهو المنعقد على الأسنان واللثة , وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته ما يستحب لهم في الصيام وما يكره لهم , ولم يجعل السواك من القسم المكروه وهو يعلم أنهم يفعلونه , وقد حضهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشمول , وهم يشاهدونه يستاك وهو صائم مرارا كثيرة تفوت الإحصاء , ويعلم أنهم يقتدون به ولم يقل لهم يوما من الدهر : لا تستاكوا بعد الزوال , وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع والله أعلم.أ.هـ

وقال الألباني: [ سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 578 )] :
ومما جاء في مشروعية السواك للصائم في أي وقت شاء أول النهار أو آخره عموم قوله صلى الله عليه وسلم : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " [متفق عليه]
و في " مسند الشاميين " ( 2250 ) بإسناد يحتمل التحسين عن عبد
الرحمن بن غنم قال :سألت معاذ بن جبل أأتسوك و أنا صائم ? قال : نعم , قلت : أي النهار أتسوك ? قال: أي النهار شئت غدوة أو عشية , قلت : إن الناس يكرهونه عشية و يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لخلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ? "
فقال : سبحان الله لقد أمرهم بالسواك و هو يعلم أنه لا بد أن يكون بفي الصائم خلوف و إن استاك , و ما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا , ما في ذلك من الخير شيء , بل فيه شر , إلا من ابتلي ببلاء لا يجد منه بدا , قلت : و الغبار في سبيل الله أيضا كذلك إنما يؤجر من اضطر إليه و لا يجد عنه محيصا ? قال : نعم , فأما من ألقى نفسه في البلاء عمدا فما له في ذلك من أجر " . أ.هـ [و قال الحافظ في " التلخيص " ( ص 193 ) : إسناده جيد]
واورد أَبِو شَيْبَة مِنْ طَرِيق أَبِي حَمْزَة الْمَازِنِيِّ قَالَ " أَتَى اِبْنَ سِيرِينَ رَجُلٌ فَقَالَ : مَا تَرَى فِي السِّوَاك لِلصَّائِمِ ؟ قَالَ لَا بَأْس بِهِ . قَالَ : إِنَّهُ جَرِيدٌ وَلَهُ طَعْمٌ " قَالَ : وَالْمَاء لَهُ طَعْم وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ.أ.هـ [ أخرجه البخاري معلقا]

4- ويستحب ان سابه احد او شاتمه ان يقول انى صائم مرتين وان كان قائما يجلس:
ففى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" . [البخاري - كتاب الصوم - باب فضل الصوم]
قال ابن حجر فى الشرح:
وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق عَجْلَان مَوْلَى الْمُشْمَعِلّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " فَإِنْ سَابَّك أَحَد فَقُلْ إِنِّي صَائِم وَإِنْ كُنْت قَائِمًا فَاجْلِسْ ".... وَلِأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " فَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدكُمْ جَاهِل وَهُوَ صَائِم " وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيث عَائِشَة " وَإِنْ اِمْرُؤٌ جَهِلَ عَلَيْهِ فَلَا يَشْتُمهُ وَلَا يَسُبّهُ " وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَات كُلّهَا عَلَى أَنَّهُ يَقُول " إِنِّي صَائِم " فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا مَرَّتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ اِقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَة.أ.هـ
قال ابن تيميه: [الفتاوى الكبرى - (ج 5 / ص 376)]
وإذا شتم الصائم استحب أن يجيب بقوله إني صائم وسواء كان الصوم فرضا أو نفلا .أ.هـ
قال ابن القيم : [ زاد المعاد - (ج 2 / ص 48)]
ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب وجواب السباب فأمره أن يقول لمن سابه : إني صائم فقيل : يقوله بلسانه وهو أظهر وقيل : بقلبه تذكيرا لنفسه بالصوم وقيل : يقوله في الفرض بلسانه وفي التطوع في نفسه لأنه أبعد عن الرياء.أ.هـ

5 - ويستحب الاكثار من تلاوة القرآن:
فى الحديث عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ". [البخاري - كتاب بدء الوحي - باب بدء الوحى]

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله : ( فَيُدَارِسهُ الْقُرْآن ) قِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّ مُدَارَسَة الْقُرْآن تُجَدِّد لَهُ الْعَهْد بِمَزِيدِ غِنَى النَّفْس ........ وَفيه اسْتِحْبَاب الْإِكْثَار مِنْ الْقِرَاءَة فِي رَمَضَان وَكَوْنهَا أَفْضَل مِنْ سَائِر الْأَذْكَار , إِذْ لَوْ كَانَ الذِّكْر أَفْضَل أَوْ مُسَاوِيًا لَفَعَلَاهُ . فَإِنْ قِيلَ : الْمَقْصُود تَجْوِيد الْحِفْظ , قُلْنَا الْحِفْظ كَانَ حَاصِلًا , وَالزِّيَادَة فِيهِ تَحْصُل بِبَعْضِ الْمَجَالِس.أ.هـ

6- ويستحب كثرة الجود بالخير من القول والفعل والعطاء:
فى الحديث عند البخاري " فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".

قال ابن حجر:
وَالْجُود فِي الشَّرْع إِعْطَاء مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي , وَهُوَ أَعَمّ مِنْ الصَّدَقَة . وَأَيْضًا فَرَمَضَان مَوْسِم الْخَيْرَات ; لِأَنَّ نِعَم اللَّه عَلَى عِبَاده فِيهِ زَائِدَة عَلَى غَيْره , فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْثِر مُتَابَعَة سُنَّة اللَّه فِي عِبَاده . فَبِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْوَقْت وَالْمَنْزُول بِهِ وَالنَّازِل وَالْمُذَاكَرَة حَصَلَ الْمَزِيد فِي الْجُود.....
وَالْمُرْسَلَة أَيْ : الْمُطْلَقَة يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْإِسْرَاع بِالْجُودِ أَسْرَع مِنْ الرِّيح , وَعَبَّرَ بِالْمُرْسَلَةِ إِشَارَة إِلَى دَوَام هُبُوبهَا بِالرَّحْمَةِ , وَإِلَى عُمُوم النَّفْع بِجُودِهِ كَمَا تَعُمّ الرِّيح الْمُرْسَلَة جَمِيع مَا تَهُبّ عَلَيْهِ . وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث " لَا يُسْأَل شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ " وَثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث جَابِر " مَا سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ لَا " . وَقَالَ النَّوَوِيّ : فِي الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا الْحَثّ عَلَى الْجُود فِي كُلّ وَقْت , وَمِنْهَا الزِّيَادَة فِي رَمَضَان وَعِنْد الِاجْتِمَاع بِأَهْلِ الصَّلَاح.أ.هـ

7 - ويستحبّ أن يدعو عند الإفطار:
فقد ورد عن عبد اللّه بن عمرو رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً :« إنّ للصّائم دعوةً لا تردّ » وهذا الحديث وكل ما فى معناه مثل حديث " ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر , و الإمام العادل , و دعوة المظلوم" كلها احاديث لايصح منها شئ ولكن الصيام عبادة عظيمة والسنة الدعاء بين يدي الاعمال الصالحة ، أى بعد تمام أدائها , فمن اتم حجه امُر بقول الله تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا " [البقرة - 200] , والسنة الدعاء دبر الصلوات اى فى اخرها قبل التسليم , فكان من الخير الدعاء عند الفطر بين يدى الصيام والله الموفق للخير.

وليس هناك دعاء موقوف مأثور عن النبي , وما عرف من دعاء" اللهم لك صمت و على رزقك أفطرت... " فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم

لكن ما جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: « ذهب الظّمأ ، وابتلّت العروق ، وثبت الأجر إن شاء اللّه تعالى » [قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/39:حسن]
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَفْطَرَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي . [اورده الشوكانى فى نيل الاوطار]

9- يستحب إفطار الصائمين:
فى الحديث :" من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا" [(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 6415 في صحيح الجامع]‏.‏

س : ما هى مكروهات الصوم ؟
الجواب :
يكره للصّائم بوجه عامّ - مع الخلاف - ما يلي :

1 - ذوق شيء بلا عذر :
لما فيه من تعريض الصّوم للفساد ، ومن العذر مضغ الطّعام للولد ، إذا لم تجد الأمّ منه بدّاً ، فلا بأس به ، ويكره إذا كان لها منه بدّ ، وكذا ذوق الطّعام ، لينظر اعتداله ، لصانع الطّعام ، والمرأة حال طهوها للطعام خاصة لمن تعلم من زوجها اساءة عند عدم اعتدال الطعام.!

وليس من العذر ، ذوق اللّبن والعسل لمعرفة الجيّد منه والرّديء عند الشّراء ، فيكره ذلك ، ولابد التحرز من وصول الطعم المذاق الى الحلق فإن وجد طعم المذوق في حلقه أفطر.

2- تكره القبلة والمباشرة والمعانقة ودواعي الوطء:
كاللّمس وتكرار النّظر إن لم يأمن على نفسه وقوع مفسد ، من الإنزال أو الجماع....(تقدم الكلام على القبلة والمباشرة)

3- المبالغة في المضمضة والاستنشاق:
وذلك لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له : " بالغ في الاستنشاق إلاّ أن تكون صائماً" ، وذلك خشية فساد صومه.

ومن المكروهات الّتي عدّدها المالكيّة : فضول القول والعمل ، وإدخال كلّ رطب له طعم - في فمه - وإن مجّه ، والإكثار من النّوم في النّهار.

واخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ"....... وفى رواية اخري :" وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ" [تقدم تخريجه]
قال ابن حجر:
قَوْله : ( وَلَا يَجْهَل ): أَيْ لَا يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَفْعَال أَهْل الْجَهْل كَالصِّيَاحِ وَالسَّفَه وَنَحْو ذَلِكَ ......قَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يُفْهَم مِنْ هَذَا أَنَّ غَيْر الصَّوْم يُبَاح فِيهِ مَا ذُكِرَ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّ الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ يَتَأَكَّد بِالصَّوْمِ .
قَوْله فِيهِ ( وَلَا يَصْخَبُ ): وَالصَّخَب الْخِصَام وَالصِّيَاح , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ تَأْكِيده حَالَة الصَّوْمِ , وَإِلَّا فَغَيْرُ الصَّائِم مَنْهِيّ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا.أ.هـ

4- تأخير الفطر:
وذلك لما تقرر من فضيلة تعجيل الفطر ، وَأَيْضًا فِي تَأْخِيرِهِ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ عِنْدَ ظُهُورِ النُّجُومِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّارِعُ يَأْمُرُ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ .

5- ترك أكلة السحور:
فى الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ : " إن الله و ملائكته يصلون على المتسحرين " . [صححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " 4 / 212 ]
وَفِي رِوَايَةٍ عن انس يرفعه : " تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ ". [ انظر حديث رقم‏ :‏ 2945 في صحيح الجامع‏.‏]

قال الشوكانى:
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَدْبِيَّةِ السُّحُورِ انْتَهَى .
وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ وَاصَلُوا ، وَمِنْ مُقَوِّيَاتِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّحُورِ مَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لَأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَسَحَّرُونَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّسَحُّرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ وَلَوْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ .أ.هـ [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 93)]

قال ابن قدامة:
ويجب على الصائم أن ينزه صومه عن الكذب والغيبة والشتم قال أحمد : ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يماري ويصون صومه كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا نحفظ صومنا ولا يغتاب أحدا ولا يعمل عملا يجرح به صومه.أ.هـ [ المغنى - ج6 ص201]


فصل فى بيان مبطلات الصيام ومفسداته

س : ما هى مفسدات ومبطلات الصيام ؟
الجواب :
يفسد الصّوم ويبطل - بوجه عامّ - كلّما انتفى شرط من شروطه ، أو اختلّ أحد أركانه ، كالرّدّة ، وكطروء الحيض والنّفاس ، وفعل كلّ ما ينافيه من أكل وشرب وجماع ونحوهما ، ودخول شيء من خارج البدن إلى جوف الصّائم.
والجوف هو : الباطن ، سواء أكان ممّا يحيل الغذاء والدّواء ، أي يغيّرهما كالبطن والأمعاء، أم كان ممّا يحيل الدّواء فقط كباطن الرّأس أو الأذن ، أم كان ممّا لا يحيل شيئاً كباطن الحلق.
قال النّوويّ : جعلوا الحلق كالجوف ، في بطلان الصّوم بوصول الواصل إليه ، وقال غيره : إذا جاوز الشّيء الحلقوم أفطر.
قال : وعلى الوجهين جميعاً : باطن الدّماغ والأمعاء والمثانة ممّا يفطر الوصول إليه.أ.هـ

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 175وما بعدها)]
ويُبطل الصوم تعمُد الاكل ، أو تعمد الشرب ، أو تعمد الوطئ في الفرج، أو تعمد القئ ، وهو في كل ذلك ذاكرا لصومه ، سواء قل ما أكل أو كثر، أخرجه من بين أسنانه , أو أخذه من خارج فمه فأكله ، وهذا كله مجمع عليه إجماعا متيقنا..........وأما الريق فقل أو كثر فلا خلاف في أن تعمد ابتلاعه لا ينقض الصوم وبالله تعالى التوفيق.أ.هـ

فالذى يفسد الصوم بفعل الصائم منها أمور متفق عليها وأخرى مختلف فيها :

فأما المتفق على انه يفسد الصيام:

اولا :الاكل والشرب عمدا أو ما يدخل الجوف:

قال ابن قدامه : [المغني –- (ج 3 / ص 36)]
يفطر بالأكل والشرب بالإجماع وبدلالة الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى:" وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ " [ البقرة - 187] مد الأكل والشرب إلى تبين الفجر ثم أمر بالصيام عنهما وأما السنة فـقول النبي صلى الله عليه و سلم : " والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ". [البخاري - كتاب الصوم - باب فضل الصوم]
واجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به فأما مالا يتغذى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به.أ.هـ
ولذلك عبر العلماء على هذا الامر من مفسدات الصيام بما يدخل الجوف:

ويشترط في فساد الصّوم وابطاله بما يدخل إلى الجوف ما يلي :

1 - أن يكون الدّاخل إلى الجوف ، من المنافذ الواسعة - كما قيّده بذلك المالكيّة - والمفتوحة - كما قال الشّافعيّة - أي المخارق الطّبيعيّة الأصليّة في الجسم ، والّتي تعتبر موصّلةً للمادّة من الخارج إلى الدّاخل ، كالفم والأنف.
وقد استدلّ لذلك ، بالاتّفاق على أنّ من اغتسل في ماء ، فوجد برده في باطنه لا يفطر ، ومن طلى بطنه بدهن لا يضرّ ، لأنّ وصوله إلى الجوف بتشرّب لايضر.

2 - أن يكون الدّاخل إلى الجوف ممّا يمكن الاحتراز عنه ، كدخول المطر والثّلج بنفسه حلق الصّائم إذا لم يبتلعه بصُنعه ، فإن لم يمكن الاحترازعنه , كالذّباب يطير إلى الحلق ، وغبار الطّريق , لم يفطر إجماعاً ، ومن رفع راسه لاعلى فسقط الى حلقه قطرة ماء او نحوها.

3 - والجمهور على أنّه لا يشترط أن يكون الدّاخل إلى الجوف مغذّياً ، فيفسد الصّوم بالدّاخل إلى الجوف ، ممّا يغذّي أو لا يغذّي ، وذلك بتناول ما لا يؤكل عادةً كالتّراب والحصى ، والحبوب النّيئة ، كالقمح والشّعير والحمّص والعدس ، والثّمار الفجّة الّتي لا تؤكل قبل النّضج ، كالسّفرجل والجوز ، وكذا تناول ملح كثير دفعةً واحدةً ، أوعلى دفعات ، بتناول دفعة قليلة ، في كلّ مرّة ، أمّا في أكل نواة أو قطن أو ورق ، أو حديد أو ذهب أو فضّة ، وكذا شرب ما لا يشرب من السّوائل كالبترول ، وذلك كله سواء أكان ممّا يتغذّى به أم يتداوى به ، ولأنّ هذه المذكورات ليست غذائيّةً ، ولا في معنى الغذاء.

4 - ويشترط أن يكون الصّائم قاصداً ذاكراً لصومه ، أمّا لو كان ناسياً أنّه صائم ، فلا يفسد صومه عند الجمهور ، وذلك لما جاء فى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ". [البخاري - كتاب الايمان والنذور - باب اذا حنث ناسيا فى الايمان].
وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : "مَنْ أَكَلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ و لا كفارة " . [قال الألبانى فى "إرواء الغليل"(4/86): وإسناده حسن] .
ويستوي في ذلك الفرض والنّفل لعموم الأدلّة...( وهو الصواب الراجح)
وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْجُمْهُورُ فَقَالُوا : مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فَلَا يُفْسَدُ صَوْمُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ .
وخالف مالك في صوم رمضان فذهب إلى أنّ من نسي في رمضان ، فأكل أو شرب ، عليه القضاء ، أمّا لو نسي في غير رمضان ، فأكل أو شرب ، فإنّه يتمّ صومه ، ولا قضاء عليه.

5 - وشرط الشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة ، أن يكون الصّائم مختاراً - غير مكره - فيما يتناوله ، من طعام أو شراب أو دواء ، فلو صبّ الماء أو الدّواء في حلقه مكرهاً ، لم يفسد صومه عندهم ، لأنّه لم يفعل ولم يقصد.
ولو أكره على الإفطار ، فأكل أو شرب ، فللشّافعيّة قولان مشهوران في الفطر وعدمه , أصحّهما عدم الفطر ، وعلّلوا عدم الإفطار بأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط ، لعدم وجود الاختيار.
ومذهب الحنابلة : أنّه لا يفسد صومه قولاً واحداً ، وذلك لحديث ابن عباس ‏يرفعه:« إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » [ قال الألباني :‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 1836 في صحيح الجامع‏].‏..فإنّه عامّ.

الثانى : الجماع فى نهار رمضان:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جماع الصّائم في نهار رمضان عامداً مختاراً بأن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة في أحد السّبيلين مفطر يوجب القضاء والكفّارة ، أنزل أو لم ينزل ، وفي قول ثان للشّافعيّة لا يجب القضاء ، لأنّ الخلل انجبر بالكفّارة.
وعند الحنابلة : إذا جامع في نهار رمضان - بلا عذر - آدميّاً أو غيره حيّاً أو ميّتاً أنزل أم لا فعليه القضاء والكفّارة ، عامداً كان أو ساهياً ، أو جاهلاً أو مخطئاً ، مختاراً أو مكرهاً ، وهذا لحديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"... [البخاري - كتاب الصوم - باب اذا جامع فى رمضان ولم يكن له شئ يتصدق به]

الشرح نقلا من كلام ابن حجر فى فتح الباري (بتصرف يسير):
قَوْله : ( هَلَكْت ) :اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا لِأَنَّ الْهَلَاك وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنْ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ , وَبَالَغَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي , وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَى النَّاسِي وَهُوَ مَشْهُور قَوْل مَالِك وَالْجُمْهُور , وَعَنْ أَحْمَد وَبَعْض الْمَالِكِيَّة يَجِب عَلَى النَّاسِي , وَتَمَسَّكُوا بِتَرْكِ اِسْتِفْسَاره هَلْ كَانَ عَنْ عَمْد أَوْ نِسْيَان..... وَالْجَوَاب أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حَالُهُ بِقَوْلِهِ هَلَكْت وَاحْتَرَقْت فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ , وَأَيْضًا فَدُخُول النِّسْيَان فِي الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان فِي غَايَة الْبُعْدِ.

وفى روايه " أَصَبْت اِمْرَأَتِي ظُهْرًا فِي رَمَضَان " وَتَعْيِينُ رَمَضَان مَعْمُولٌ بِمَفْهُومِهِ , وَلِلْفَرْقِ فِي وُجُوب كَفَّارَة الْمُجَامِعِ فِي الصَّوْم بَيْن رَمَضَان وَغَيْره مِنْ الْوَاجِبَات كَالنَّذْرِ (قلت : وهذا يعنى ان هذا الحكم متعلق بمن فعل ذلك فى نهار رمضان حال صيامه لا فى غيره).
وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّ الْكَفَّارَة بِالْخِصَالِ الثَّلَاث عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقَلَهُ مِنْ أَمْرٍ بَعْدَ عَدَمِهِ لِأَمْرٍ آخَرَ وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ التَّخْيِير.

قَوْلُهُ : ( فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْسَارِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا لَا تُصْرَفُ فِي النَّفْسِ وَالْعِيَالِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِقْرَارَهَا فِي ذِمَّتِهِ إلَى حِينِ يَسَارِهِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَجَزَمَ بِهِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ .
وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ ، قَالُوا : وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْ الْمُعْسِرِ ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الْكَفَّارَةَ فِيهِمْ .

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 197)]:
وصفة الكفارة الواجبة هي كما ذكرنا في رواية جمهور أصحاب الزهري: من عتق رقبة لا يجزئه غيرها مادام يقدر عليها، فان لم يقدر عليها لزمه صوم شهرين متتابعين، فان لم يقدر عليها لزمه حينئذ اطعام ستين مسكينا...... وبقولنا يقول أبو حنيفة، والشافعي، وأبو سليمان، وأحمد وجمهور الناس .أ.هـ

وَذُكِرَ فِي حِكْمَةِ هَذِهِ الْخِصَال مِنْ الْمُنَاسَبَة أَنَّ مَنْ اِنْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْم بِالْجِمَاعِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَيَفْدِي نَفْسَهُ , وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار . وَأَمَّا الصِّيَام فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَة , وَأَمَّا كَوْنُهُ شَهْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْس فِي حِفْظِ كُلّ يَوْم مِنْ شَهْر رَمَضَان عَلَى الْوَلَاء فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْر كُلّه مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ فَكُلِّفَ بِشَهْرَيْنِ مُضَاعَفَة عَلَى سَبِيل الْمُقَابَلَة لِنَقِيضِ قَصْده . وَأَمَّا الْإِطْعَام فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ مُقَابَلَة كُلّ يَوْم بِإِطْعَامِ مِسْكَيْنِ . ثُمَّ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ جَامِعَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَقّ اللَّه وَهُوَ الصَّوْم , وَحَقّ الْأَحْرَار بِالْإِطْعَامِ , وَحَقّ الْأَرِقَّاء بِالْإِعْتَاقِ , وَحَقّ الْجَانِي بِثَوَابِ الِامْتِثَال . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَاب الْكَفَّارَة بِالْجِمَاعِ.

وَالْمُرَاد بِالْإِطْعَامِ الْإِعْطَاء لَا اِشْتِرَاط حَقِيقَة الْإِطْعَام مِنْ وَضْعِ الْمَطْعُوم فِي الْفَم بَلْ يَكْفِي الْوَضْع بَيْن يَدَيْهِ بِلَا خِلَاف , وَفِي إِطْلَاق الْإِطْعَام مَا يَدُلّ عَلَى الِاكْتِفَاء بِوُجُودِ الْإِطْعَام مِنْ غَيْر اِشْتِرَاط مُنَاوَلَة , بِخِلَافِ زَكَاة الْفَرْض فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْإِيتَاء وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْأَدَاء , وَفِي ذِكْرِ الْإِطْعَام مَا يَدُلّ عَلَى وُجُودِ طَاعِمِينِ فَيُخْرِجُ الطِّفْل الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّة , وَنَظَرَ الشَّافِعِيّ إِلَى النَّوْع فَقَالَ : يُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ , وَذَكَرَ السِّتِّينَ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا , وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 201وما بعدها)]
ومن كان فرضه الاطعام فانه لابد له من أن يطعمهم شبعهم، من أي شئ أطعمهم، وان اختلف، مثل أن يطعم بعضهم خبزا، وبعضهم تمرا، وبعضهم ثريدا، وبعضهم زبيبا، ونحو ذلك، ويجزئ في ذلك مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، إن أعطاهم حبا أو دقيقا أو تمرا أو زبيبا أو غير ذلك مما يؤكل ويكال، فان أطعمهم طعاما معمولا فيجزئه ما أشبعهم أكلة واحدة، أقل أو أكثر....... ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص ولا إجماع ....... ولا يجزئ إطعام رضيع لا يأكل الطعام، ولا إعطاؤه من ذلك، لانه لا يسمى إطعاما، فان كان يأكل كما تأكل الصبيان أجزأ إطعامه وإشباعه، وإن أكل قليلا ، لانه أطعم كما أمر....... ولا يجزئ اطعام أقل من ستين، ولا صيام أقل من شهرين، لانه خلاف ما أمر به وبالله تعالى التوفيق.أ.هـ

قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : أَضَافَ الْإِطْعَام الَّذِي هُوَ مَصْدَر أَطْعِمْ إِلَى سِتِّينَ فَلَا يَكُون ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقّ مَنْ أَطْعَمَ سِتَّة مَسَاكِينَ عَشْرَة أَيَّام مَثَلًا.

قَوْله :( خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ ) وَزَادَ اِبْن إِسْحَاق " فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِك "
وَاسْتُدِلَّ بِإِفْرَادِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَة عَلَيْهِ وَحْده دُون الْمَوْطُوءَة , وَكَذَا قَوْله فِي الْمُرَاجَعَة " هَلْ تَسْتَطِيع " وَ " هَلْ تَجِد " وَغَيْر ذَلِكَ , وَهُوَ الْأَصَحّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيَّة وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيِّ , وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر تَجِبُ الْكَفَّارَة عَلَى الْمَرْأَة أَيْضًا عَلَى اِخْتِلَافٍ وَتَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْحُرَّة وَالْأَمَة وَالْمُطَاوِعَةِ وَالْمُكْرَهَةِ وَهَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الرَّجُل عَنْهَا , وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّة بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَنْ إِعْلَام الْمَرْأَة بِوُجُوبِ الْكَفَّارَة مَعَ الْحَاجَة (قلت : هوالاصح والموافق للدليل والله تعالى اعلم)

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اِخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَة هَلْ هِيَ عَلَى الرَّجُل وَحْدَهُ عَلَى نَفْسه فَقَطْ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا أَوْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسه وَعَلَيْهَا عَنْهَا , وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَاكِت عَنْ الْمَرْأَة

سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ رَجُل جَامَعَ اِمْرَأَته فِي رَمَضَان قَالَ : عَلَيْهِمَا كَفَّارَة وَاحِدَة إِلَّا الصِّيَام , قِيلَ لَهُ فَإِنْ اِسْتَكْرَهَهَا ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصِّيَام وَحْده

و لَا رَيْب فِي حُصُول الْإِثْم عَلَى الْمُطَاوِعَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَات الْكَفَّارَة.أ.هـ ( انتهى كلام ابن حجر)

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 196)]
وأما المرأة فموطوءة ، والموطوءة غير الواطئ فالامر في سقوط الكفارة عنها على كل حال أوضح من كل واضح..أ.هـ

قال ابن قدامه:
قال أبو داود : سئل أحمد من أتى أهله في رمضان أعليها كفارة ؟ قال : ما سمعنا أن على امرأة كفارة وهذا قول الحسن وقول الشافعي ، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة ولم يأمر في المرأة بشيء مع علمه بوجود ذلك منها ولأنه حق مال يتعلق بالوطء.
[ المغنى – ج6 ص105]
ملحوظة:
ذهب بعض العلماء الى انه لايجب على المجامع الا الكفارة المذكوره , وليس عليه قضاء , ويبطل هذا الكلام ما جاء فى رواية َلِابْنِ مَاجَهْ وَأَبِي دَاوُد : " وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ " [ قال الألباني فىالإرواء ( 939 ) : صحيح ]

الثالث : تعمد القئ :
قال ابن قدامه : [المغني - (ج 6 / ص 93)]
من استقاء فعليه القضاء لأن صومه يفسد به ومن ذرعه فلا شيء عليه , وهذا قول عامة أهل العلم قال الخطابي : لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافا , وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا....ومَعْنَى اسْتَقَاءَ : تَقَيَّأَ مُسْتَدْعِيًا لِلْقَيْءِ.أ.هـ
وَقَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَيْءِ طَعَامًا ، أَوْ مُرَارًا ، أَوْ دَمًا ، فإن كان الخارج بلغماً فغير مفسد للصّوم.
فإذا ذرعه القيء :أي غلب القيء الصّائم ، فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به ، قلّ القيء أم كثر ، ويدل على ذلك ما جاء فى الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء" [ رواه الترمذى وابوداود وابن ماجه قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/65 : صحيح ] .

قال الشوكانى : [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 49)]
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ صَوْمُ مَنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَيَبْطُلُ صَوْمُ مَنْ تَعَمَّدَ إخْرَاجَهُ وَلَمْ يَغْلِبْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.أ.هـ
وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر أَيْضًا الْإِجْمَاع عَلَى تَرْكِ الْقَضَاء عَلَى مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَلَمْ يَتَعَمَّدْهُ.

الرابع : رفع النّيّة:
لأن الصوم عبادة ، فيحتاج إلى نية من بدئه إلى انتهائه ، فإن قُطعت النية قُطع الصوم .....وعند الحنابلة - وفي وجه عند الشّافعيّة - يجب القضاء بترك النّيّة دون الكفّارة ، وذلك بتعمّد رفع النّيّة نهارًا ، كأن يقول وهو صائم : رفعت نيّة صومي ، أو يقول رفعت نيّتي ، وأولى من ذلك ، رفع النّيّة في اللّيل ، كأن يكون غير ناو للصّوم ، لأنّه رفعها في محلّها فلم تقع النّيّة في محلّها.

الخامس : الردة عن الاسلام :
قال ابن قدامه:
وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ أَفْطَرَ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " [التوبة/65، 66]....وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ، كَالصَّلَاةِ.أ.هـ [المغني - (ج 6 / ص 95)]

أما المختلف فى انه يفسد الصوم فمنه:

1- الحجامة:
تعريفها: الحجامة لغة : مأخوذة من الحجم أي المصّ...
والحجامة هي شق الجلد بآلة تسمى المِحْجَم أو المِحْجَمة ، وقيام الحاجم بمصِّ الدم الخارج من الشق ، وذلك عند وفرة الدم في البدن وفَوَرانه . والغالب في الحجامة أن تكون في الرأس ، فعن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بُحَيْنةَ " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بطريق مكة وهو مُحْرِمٌ وَسَطَ رأسه" [رواه مسلم ( 2886 )] .

وقد اختلف الفقهاء ، ومِن قبلهم الصحابةُ ، في الحجامة هل تفطِّر أم لا تفطِّر ؟
والْجُمْهُور عَلَى عَدَم الْفِطْر بِهَا مُطْلَقًا ، ومن الصحابة عن أم سلمة وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري.
وذهب محمد بن سيرين والحسن البصري وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه وأبو ثور والأوزاعي والداودي من المالكية ، ومحمد بن المنذر وابن خُزيمة وابن حِبَّان من الشافعية إلى أن الحجامة تفطِّر الصائمَ الحاجمَ والمحتجمَ ، وأوجبوا عليهما القضاء ، ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم .
وقد جاء بهذا المعنى حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ " [قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/65 : صحيح - رواه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أحد عشر نفسا] .
قال الشوكانى : [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 42)]:
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ الْقَائِلُونَ بِفِطْرِ الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ لَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَهُمْ : عَلِيٌّ وَعَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ ، حَكَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ صَاحِبُ الْفَتْحِ ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّهُ يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ لَهُ ، وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ .
قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ : إنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ .أ.هـ
وسبب الخلاف الواسع فى هذا الامر ما جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ " [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ] .
وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيَّ أَنَّهُ قَالَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : " أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا إلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ " [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ]

قال الشوكانى : [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 46وما بعدها)]
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْطِرُ ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَصْلُحُ لِنَسْخِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ:
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَأَخُّرَهُ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ عَدَمِ انْتِهَاضِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .
وَإمَا ثَانِيًا: فَغَايَةُ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاقِعُ بَعْدَ عُمُومٍ يَشْمَلُهُ أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا لَهُ مِنْ الْعُمُومِ لَا رَافِعًا لِحُكْمِ الْعَامِّ .
فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِفْطَارِ ، وَلَا تُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَضْعَفُ بِهَا ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ : " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ " عَلَى الْمَجَازِ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ .أ.هـ

ملحوظه:
الحاجم الان – فى الغالب - لايتنزل عليه حكم الفطر حال العمل بالحجامه لانه لايمص بل يستخدم آلات للحجامه بدون مص.!!!

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 203)]
صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ثوبان ، وشداد ابن أوس ، ومعقل بن سنان ، وأبى هريرة ، ورافع بن خديج وغيرهم: أنه قال: (افطر الحاجم والمحجوم) فوجب الاخذ به ، الا أن يصح نسخه ، وقد ظن قوم أن الرواية عن ابن عباس: (احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم) ناسخة للخبر المذكور، وظنهم في ذلك باطل ، لانه قد يحتجم عليه السلام وهو مسافر فيفطر، وذلك مباح ، أو في صيام تطوع فيفطر، وذلك مباح.أ.هـ

2- تعمّد إنزال الْمَنِيُّ بلا جماع :
الاستمناء أواستخراج المني ، هل يُفطِّر الصائم ؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن الاستمناء وإنزال المني بفعلٍ مقصودٍ من الرجل يُفطِّر الصائم ، أما إن كان نزول المني بفعل غير مقصود ، كأن نظر الرجل إلى جسد امرأته فأنزل بغير تعمد ، أو تفكَّر فأنزل فلا يفطِّر الصائم ، ولا يفطِّر الصائمَ عندهم الاحتلامُ ولو نزل المني .
قال النووي : من قبَّل فأنزل بطل صومه ، وقال ابن قدامة في كتاب المغني : إن قبَّل فأنزل بطل صومه بلا خلاف ، وقال مالك : من باشر أو قبَّل فأَنْعَظَ (انتصب) ولم يُمْذِ ولا أنزل بطل صومه وقضى ، بل إن عدداً من الفقهاء قالوا إن الرجل إذا أمذى ، أي أنزل المذي بطل صومه !! وهو قول مالك وابن قدامة وإسحق ، وفي المقابل ذهب ابن حزم إلى أن الاستمناء وإِنزال المني بفعلٍ مقصودٍ وغيرِ مقصود لا يفطِّر الصائم .

ولو أمذى بتكرار النّظر ، فظاهر كلام أحمد لا يفطر به ، لأنّه لا نصّ في الفطر به ، ولا يمكن قياسه على إنزال المنيّ ، لمخالفته إيّاه في الأحكام ، فيبقى على الأصل....(قلت :وهو الصواب والله تعالى اعلم)

أمّا الفكر، فإنّ الإنزال به لا يفسد الصّوم عند الحنابلة ، لأنّ الفكر يدخل تحت الاختيار ، لكن جمهورالحنابلة استدلّوا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ". [البخاري - كتاب العتق - باب الخطأ والنسيان فى العتاقة والطلاق ونحوه]
ولأنّه لا نصّ في الفطر به ولا إجماع ، ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا تكرار النّظر ، لأنّه دونهما في استدعاء الشّهوة ، وإفضائه إلى الإنزال.

قلت: وهذا هو الصحيح بشرط الا يصاحب الفكر اى عمل من لمس او تفخيذ ونحو ذلك والله تعالى اعلى واعلم.

واتّفق الفقهاء على أنّه إذا حصل إنزال بالسّحاق (استمتاع المرأة بالمرأة ) فإنّه يفسد الصّوم ويجب القضاء على من أنزلت ، إذ أنّ خروج المنيّ عن شهوة بالمباشرة مفسد للصّوم ، وعمل المرأتين أيضاً كعمل الرّجال جماع فيما دون الفرج لا قضاء على واحدة منهما إلاّ إذا أنزلت ولا كفّارة مع الإنزال بلا جماع فى الفرج.

ويدل على ذلك كله ما جاء فى الحديث " يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي" [البخاري - كتاب التوحيد - باب قوله تعالى يريدون ان يبدلوا كلام الله...]
قال ابن حجر فى الفتح:
وَالْمُرَاد بِالشَّهْوَةِ فِي الْحَدِيث شَهْوَة الْجِمَاع لِعَطْفِهَا عَلَى الطَّعَام وَالشَّرَاب , .......وَفِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سُهَيْل عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ " يَدَع الطَّعَام وَالشَّرَاب مِنْ أَجْلِي , وَيَدَع لَذَّته مِنْ أَجْلِي " وَفِي رِوَايَة أَبِي قُرَّة مِنْ هَذَا الْوَجْه " يَدَع اِمْرَأَته وَشَهْوَته وَطَعَامه وَشَرَابه مِنْ أَجْلِي ".أ.هـ

وفى الحديث :"الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ". [سبق تخريجه]
قال ابن حجر فى الفتح:
قَوْله : ( فَلَا يَرْفُث ) أَيْ الصَّائِم , وَيَرْفُث بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَيَجُوز فِي مَاضِيه التَّثْلِيث , وَالْمُرَاد بِالرَّفَثِ هُنَا وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْفَاء ثُمَّ الْمُثَلَّثَة الْكَلَام الْفَاحِش , وَهُوَ يُطْلَق عَلَى هَذَا وَعَلَى الْجِمَاع وَعَلَى مُقَدِّمَاته وَعَلَى ذِكْره مَعَ النِّسَاء أَوْ مُطْلَقًا , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِمَا هُوَ أَعَمّ مِنْهَا.أ.هـ

قال ابو حيان : [تفسير البحر المحيط - ( البقرة - 184)]
وقال ابن عباس ، والزجاج ، وغيرهما : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة .أ.هـ

قلت : فهذا يبين ان استدعاء الشهوة يؤثر على الصيام بالسلب لا بالايجاب ، بمعنى انه ينقصه او يبطله كلٌ بحسبه ، فالانتشار والمذى وما شابه ينقصه ، بينما نزول المنى بشهوة يبطل الصيام لانه تمام الشهوة ، واما ما ينزل من هذه الاشياء بغير شهوة لمرض ونحوه فلا يؤثر فى الصيام .!!!

قال ابن قدامه:
ولو استمنى بيده فقد فعل محرما ولا يفسد صومه به إلا أن يُنزل ، فإن أنزل فسد صومه ، فأما إن انزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فلا شيء عليه لم يفسد صومه لأنه عن غير اختيار منه ، فأشبه ما لو دخل حلقه شيء وهو نائم ، ولو جامع في الليل فأنزل بعدما أصبح لم يفطر لأنه لم يتسبب إليه في النهار ، فأشبه ما لو أكل شيئا في الليل فذرعه القيء في النهار.أ.هـ [المغنى – جـ6 صـ84]

3- القُبلةُ والمباشرةُ :
وَمَعْنَى الْمُبَاشَرَة هَهُنَا اللَّمْس بِالْيَدِ وَهُوَ مِنْ اِلْتِقَاء الْبَشَرَتَيْنِ ، دون جماع...... والقبلة معروفه.

فى الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَه ُ".. [مسلم - كتاب الصيام - باب بيان ان القبلة فى الصوم ليست محرمه]

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ " [البخاري - كتاب الصوم - باب المباشرة للصائم]
وَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَلَاغًا " وَأَيُّكُمْ أُمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

و"إِرْبه" : مَعْنَاهُ بِالْكَسْرِ الْوَطَر وَحاجة النفس ، وَبِالْفَتْحِ "الْعُضْو" !!
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى كَلَام عَائِشَة أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكُمْ الِاحْتِرَاز عَنْ الْقُبْلَة وَلَا تَتَوَهَّمُوا مِنْ أَنْفُسكُمْ أَنَّكُمْ مِثْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِسْتِبَاحَتهَا لِأَنَّهُ يَمْلِك نَفْسه وَيَأْمَن مِنْ الْوُقُوع فِي قُبْلَة يَتَوَلَّد مِنْهَا إِنْزَال أَوْ شَهْوَة أَوْ هَيَجَان نَفْس وَنَحْو ذَلِكَ وَأَنْتُمْ لَا تَأْمَنُونَ ذَلِكَ , فَطَرِيقكُمْ الِانْكِفَاف عَنْهَا.

وَنَقَلَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْره عَنْ قَوْم تَحْرِيم المباشرة , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) الْآيَةَ . فَمَنَعَ الْمُبَاشَرَة فِي هَذِهِ الْآيَة نَهَارًا .

وَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ : إِنْ قَبَّلَ فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ بِلَا خِلَاف.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :" كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم , فجاء شاب فقال : يا رسول الله أقبل و أنا صائم ؟ قال : " لا " . فجاء شيخ فقال : أقبل و أنا صائم ؟ قال : " نعم " . قال : فنظر بعضنا إلى بعض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيخ يملك نفسه ". [ أورده الألباني في " السلسلة الصحيحة " 4 / 138]

وعن أبي هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم :"عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب" . [ أخرجه أبو داود وَسَكَتَ عَنْهُ هو وَالْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ : سَنَدُهُ جَيِّدٌ , كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ - قال الألباني : حسن صحيح].

وعن عمر بن الخطاب هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم قال أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم" . [ أخرجه أبو داود – قال الألباني : صحيح].

قال الترمذي : واختلف أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في القُبلة للصائم فرخص بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في القُبلة للشيخ ولم يُرَخِّصوا للشاب مخافةَ أن لا يَسْلَمَ له صومُه والمباشرةُ عندهم أشدُّ . وقد قال بعض أهل العلم : القُبلة تُنقِصُ الأَجر ولا تفطِّر الصائم ، ورأوا أن للصائم إذا ملك نفسه أن يُقبِّل ، وإذا لم يأمن على نفسه تَرَك القُبلة ليَسْلَمَ له صومُه وهو قول سفيان الثوري والشافعي.أ.هـ .
قال النووى فى شرح مسلم
( بَاب بَيَان أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي الصَّوْم لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّك شَهْوَتَهُ ) قَالَ الشَّافِعِيّ وَالْأَصْحَاب : الْقُبْلَة فِي الصَّوْم لَيْسَتْ مُحَرَّمَة عَلَى مَنْ لَمْ تُحَرِّك شَهْوَتَهُ , لَكِنْ الْأَوْلَى لَهُ تَرْكُهَا , وَلَا يُقَال : إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لَهُ , وَإِنَّمَا قَالُوا : إِنَّهَا خِلَاف الْأَوْلَى فِي حَقّه , مَعَ ثُبُوت أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلهَا ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْمَنُ فِي حَقّه مُجَاوَزَةُ حَدِّ الْقُبْلَة , وَيُخَاف عَلَى غَيْره مُجَاوَزَتُهَا , كَمَا قَالَتْ عَائِشَة : ( كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ ) وَأَمَّا مَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ فَهِيَ حَرَام فِي حَقّه عَلَى الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا , وَقِيلَ : مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ قَالَ بِإِبَاحَتِهَا لِلصَّائِمِ مُطْلَقًا جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد , وَكَرِهَهَا عَلَى الْإِطْلَاق مَالِك , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ : تُكْرَهُ لِلشَّابِّ دُون الشَّيْخ الْكَبِير , وَلَا خِلَاف أَنَّهَا لَا تُبْطِل الصَّوْم إِلَّا أَنْ يَنْزِل الْمَنِيّ بِالْقُبْلَةِ , وَاحْتَجُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي السُّنَن , وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت " وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ الْمَضْمَضَة مُقَدِّمَة الشُّرْب , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَا تُفْطِر , وَكَذَا الْقُبْلَة مُقَدِّمَة لِلْجِمَاعِ , فَلَا تُفْطِر.أ.هـ
وقال ابن حجر: من حرَّكت القُبلةُ شهوَته فهي حرام في حقِّه على الأصح
وقال عبد الله بن شُبْرُمة أحدُ فقهاء الكوفة إِنَّ القُبلةَ تُفطِّر ، فيما ذهب ابن حزم بَلْ بَالَغَ إلى استحباب القُبلة للصائم ، وأباح القُبلةَ والمباشرةَ مطلقاً !!

قال المباركفوري فى تحفة الاحوذى:
أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ جَازَ لَهُ التَّقْبِيلُ وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ تَرَكَهُ , وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمُوَطَّأِ : لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ إِذَا مَلَكَ نَفْسَهُ بِالْجِمَاعِ , فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَمْلِكَ نَفْسَهُ فَالْكَفُّ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْعَامَّةُ قَبْلَنَا اِنْتَهَى.أ.هـ
قال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَاَلَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ جَوَازُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُفْسِدٍ فَلَا يَلُمْ الشَّرِيعَةَ وَلَكِنْ لِيَلُمْ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ الْمُسْتَرْسِلَةَ عَلَى الْمَخَاوِفِ.أ.هـ
قلت : المتقرر هو ان الصيام عن الطعام والشراب والشهوة ، وبالتالى فيلزم الصائم الاَّ يفعل ما يجر الشهوة التى هو مطالب بتركها كما فى الحديث " يَدَع شَهْوَته....إِلَخْ " ، وبالتالى فالقبلة والمباشرة جائزة مالم تستدعى الشهوة ، كما سبق بيانه بالنصوص وكلام العلماء ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا الصَّوْمُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْقُبْلَةُ مِنْ الشَّهْوَةِ ، هذا والله تعالى اعلى واعلم.

ولخص ابن قدامة المسألة فقال:
ولا يخلو المقبل من ثلاثة أحوال :
أحدها : أن لا ينزل فلا يفسد صومه بذلك لا نعلم فيه خلافا لما روي عن عائشة : " أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لِإِرْبِهِ " رواه البخاري و مسلم - ويروي (لِإِرْبِهِ) بتحريك الراء وسكونها قال الخطابي : معناها واحد وهو حاجة النفس ووطرها وقيل بالتسكين العضو وبالفتح الحاجة وروي [ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله : صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال : أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم قلت : لا بأس به قال فمه ] رواه أبو داود شبه كان بالمضمضة من حيث أنها من مقدمات الشهوة وإن المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر وإن كان معها نزوله أفطر.

الحال الثاني : أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين ولأنه إنزال بمباشرة فأشبه الإنزال بالجماع دون الفرج.( وان لم يأخذ حكمه)

الحال الثالث : أن يمذي ، قال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر ، وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي لأنه خارج لا يوجب الغسل أشبه البول.
إذا ثبت هذا فإن المقبل إذ كان ذا شهوة مفرطة بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبل (جامع) أوأنزل لم تحل له القبلة لأنها مفسدة لصومه فحرمت كالأكل وإن كان ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك كره له التقبيل لأنه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد.أ.هـ [ المغنى - جـ6 صـ81]

4- الإكتحال:
اختلف الفقهاء في حكم الاكتحال هل هو جائز للصائم لا يُفطِّر أم هو مكروه أم هو حرام مُبْطِلٌ للصوم ؟ فذهب إلى أن الاكتحال يُبطل الصيام ابن شُبرُمة وابن أبي ليلى ، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور والأوزاعي وداود بن علي وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن شهاب الزهري إلى حكم الجواز وأنه لا يفطِّر بحالٍ ، وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وأنس ابن مالك وابن أبي أوفى من الصحابة رضوان الله عليهم .
والحق أن هذه المسألة هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى وقفة طويلة لبيانِ أن الاكتحال جائز للصائم وللصائمة وأنه لا يفطِّر بحالٍ من الأحوال إذ لم يُرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته حديثٌ واحدٌ صحيحٌ أو حسنٌ ينهى الصائم عن الاكتحال ، لا نهياً جازماً ولا نهياً غير جازم ، بل ورد حديث - وان اختلفوا فى صحته - يبين انه جائز وهو ما رواه ابن ماجه عن عائشة قالت:" اكتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم" . [قال الألباني : صحيح ، الروض النضير ( 759 )]

واخرج البخاري – تعليقا – " وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا " .
قال ابن حجر فى الفتح:
َرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَن عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِل وَهُوَ صَائِم , وَعن الْحَسَن قَالَ " لَا بَأْس بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ " .
وعَنْ الْقَعْقَاعِ بْن يَزِيدَ " سَأَلْت إِبْرَاهِيمَ أَيَكْتَحِلُ الصَّائِمُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قُلْت أَجِدُ طَعْمَ الصَّبْرِ فِي حَلْقِي . قَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ " .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَعْمَش قَالَ " مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَصْحَابنَا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصَّائِمِ , وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُرَخِّصُ أَنْ يَكْتَحِل الصَّائِم بِالصَّبْرِ".أ.هـ

وما يقال بخصوص الكُحل يقال بخصوص قطرة العين ، فالتّقطير في العين ، ودهن الأجفان ، أو وضع دواء مع الدّهن في العين لا يفسد الصّوم ، لأنّه لا ينافيه وإن وجد طعمه في حلقه ، فإنه لا دليل من الشرع على أن ذلك يفطِّر الصائم ، بل الدليل قائم على جوازها ، لأن واقعها كواقع الماء في الأغسال والوضوء ، فما يدخل العين من ماء أو دواء لا يفطِّر الصائم مطلقاً ، وما قاله بعض الفقهاء من أن قطرة العين تصل إلى الحلق هو قول متهافت لا يُؤْبَهُ به ولا يُلتفَت إليه ، ومثل قطرة العين قطرة الأذن فإنها لا تفطِّر ، لأن واقعها كواقع الماء الداخل إليها في الأغسال والوضوء ، وهو لا يفطِّر مطلقاً.

5- الاستعاط واستعمال البخور والتدخين:
الاستعاط : افتعال من السّعوط : دواء يصبّ في الأنف ، والاستعاط
وهو أن تُوضَعَ مادةٌ في الأنف وتُستنشَق ، ويسمى الدواء الذي يُستنشق السَّعوط بفتح السين.
وهو عند الفقهاء : إيصال الشّيء إلى الدّماغ أو الرئتين من الأنف.

وإنّما يفسد الاستعاط الصّوم ، بشرط أن يصل الدّواء إلى الدّماغ ، والأنف منفذ إلى الجوف ، فلو لم يصل إلى الدّماغ لم يضرّ ، بأن لم يجاوز الخيشوم ، فلو وضع دواءً في أنفه ليلاً ، وهبط نهاراً ، فلا شيء عليه.
ولو وضعه في النّهار ، ووصل إلى جوفه أفطر ، لأنّه واصل إلى جوف الصّائم باختياره فيفطّره كالواصل إلى الحلق.

وهذا كقطرة الأنف فيُنظَر ، فإن هي وصلت إلى الحلق وشربها الصائم فقد أفطر ، إما إن وصلت الفم فبصقها الصائم فلا تفطِّر ، فالأنف يختلف عن العين والأذن بكونه نافذاً إلى الفم كما هو معلوم ومعروف ، ومثله بخاخ الربو ان وجد طعمه وبلعه يفطر والا فلا ، والله تعالى اعلى واعلم.

واستعمال البخور: يكون بإيصال الدّخان إلى الحلق ، فيفطر ، أمّا شمّ رائحة البخور ونحوه بلا وصول دخانه إلى الحلق فلا يفطر ولو جاءته الرّائحة واستنشقها ، لأنّ الرّائحة لا جسم لها.
وهذا بخلاف دخان الحطب ، فإنّه لا قضاء في وصوله للحلق ، ولو تعمّد استنشاقه.
فمن أدخل بصُنعه دخاناً حلقه ، بأيّة صورة كان الإدخال ، فسد صومه ، سواء أكان دخان عنبر أم عود أم غيرهما ، ودخان التبغ ( السجائر) ، حتّى من تبخّر بعود ، فآواه إلى نفسه ، واشتمّ دخانه ، ذاكراً لصومه ، أفطر ، لإمكان التّحرّز من إدخال المفطر جوفه ودماغه.
قال بعض أهل العلم : هذا ممّا يغفل عنه كثير من النّاس ، فلينبّه له ، ولا يتوهّم أنّه كشمّ الورد والمسك ، لوضوح الفرق بين هواء تطيّب بريح المسك وشبهه ، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله.

وفى الجامع لأحكام الصيام: [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 246وما بعدها)]
إنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديماً وحديثاً أن دخول جسم في الحلق ومن ثم بلعه ، أي نزوله إلى البلعوم يفطِّر الصائم ، دون اشتراط أن يصل إلى المعدة أو إلى الرئة فنزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم ، وهذا هو مقتضى اللغة ، فاللغة تُطلِق على من بلع جسماً صلباً أنه أكله ، أو سائلاً أنه شربه ، فنزول الشيء إلى البلعوم يعتبر أكلاً له أو شرباً له ، وحيث أن الأكل والشرب يفطِّران ، فإن بلع أي شيء يفطِّر الصائم . وإنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديماً وحديثاً ، إلا من شذَّ ، أن نزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم ، سواء كان مغذياً ، أو غير مغذٍّ كحصاةٍ أو حفنة تراب .
بقي أن نعرف مواصفات هذا الجسم ، فأقول إن الجسم إن دخل كلُّه دفعةً واحدة فإنه لا خلاف في أنه يفطِّر ، كاللقمة أو كحبة الحمص أو كجرعة ماء أو دواء وهو مُجْمَعٌ عليه عند المسلمين قديماً وحديثاً ، فإذا جاء أحدهم ليحتال على الصيام ، فسحق حبةَ الحمص أو حبة الدواء ، ثم أدخل المسحوق بالتدريج في جوفه إما ببلعه مع الريق ، أو باستنشاقه مع الهواء فإنه يكون قد أفطر ، ولا تنفعه حيلته هذه ، لأن النتيجة واحدة في الحالتين ، وهي إن جسماً قد نزل إلى البلعوم ومن ثمَّ إلى الرئتين في الصدر ، أو إلى المعدة في البطن ، ولا يختلف الحال إن كان قد دخل جسماً على حاله ، أو دخل مسحوقاً فبلعه مع الريق فوصل إلى المعدة ، أو استنشقه مع الهواء ، فوصل إلى الرئتين ، وإذن فإن دخول أي جسم عن طريق البلعوم يفطِّر على أيةِ حالةٍ دخل ، لأنه في واقعه فعلٌ واحد...........

وبالتالى فما يدخل الصدر أو البطن من طريق الحلق والبلعوم يفطِّر ، لا فرق بين أن يدخل على شكل جسم محسوس أو على شكل مسحوقٍ مُذاب في الريق ، أو على شكل مادة تطير في الهواء ثم تنعقد في الداخل مادةً محسوسة ، أما الحالتان الأُوْليان فإنه لا خفاء فيهما ، ولا يحتاجان منا إلى ضرب أمثلة عليهما.
وأما الحالة الثالثة فهي ما تحتاج إلى ضرب أمثلة عليها فمنها:

أ - السَّعوط ، وهو نوع من التبغ يُسحَق ويستنشقه الشخص فيدخل في الرئتين أو كأعشاب تطحن وتستنشق للعلاج كالسعوط الهندي وما شابه
ب - دخان التبغ ، ودخان البخُّور .
ج - بخار الماء وبخار الدواء .
د - بخَّاخ الرَّبْو .
هذه الأنواع الأربعة يدخل منها من طريق الحلق والبلعوم في الرئتين في الصدر ما ينعقد أَجْراماً وأجساماً.
أما بالنسبة للسَّعوط فإنه يدخل كلُّه في الرئتين مروراً بالبلعوم حاله كحال حبة حمص أو حبة دواء تُسحَق فتدخل مع الريق الى المعدة .
وأما دخان التبغ من السجاير والغليون والنرجيلة فإنه يتشكَّل في الصدر أَجْراماً وأجساماً من القَطِران والنيكوتين وغيرهما وهي ما تشاهد بوضوح تام في ما يسميه الناس بـ (الشيشه) لدى مرور الدخان من خلالها ، وهي ما تشاهد بوضوح على الثياب إذا جرى تبخيرها بكثرة.
واتّفق الفقهاء على أنّ شرب الدّخان المعروف أثناء الصّوم يفسد الصّيام ، لأنّه من المفطرات.

وأما بخار الماء وبخار الدواء ، فإن حقيقته وواقعه أنه ماء ودواء ، فلا يصح استنشاقه وإدخاله في الداخل بحالٍ من الأحوال .

وأما بخَّاخ الربو فإن حقيقته وواقعه أنه دواء ينبعث من الإناء الموضوع فيه كرذاذ يدخل في الفم ومن ثم ينزل إلى البلعوم ، قسمٌ منه يختلط باللعاب فيدخل في المعدة ، والقسم الأكبر يدخل مع الهواء في الرئتين . فالقاعدة هي أن أي جسم إذا دخل في البلعوم فطَّر الصائم سواء دخل على حاله ، أو دخل على شكل دخان أو رذاذ أو بخار ، ثم انعقد جسماً ومادة في الداخل .

وهذا كله إن حصل بفعلٍ إراديٍّ من الإنسان ، أي قام بالاستعاط ، أو قام بالتدخين ، أو استنشق عامداً الدخان المتصاعد من البخور المشتعِل ، أو ترك الماء ، أو الدواء يغليان على النار وقام باستنشاق بخارهما للعلاج أو لغيره ، أو رشَّ بخَّاخ الربو في فمه ليدخل منه في جوفه فكل ذلك في واقعه إِدخال أجرامٍ وأجسامٍ في البلعوم ، فيُفْطِر الصائم بأي منها .

أما إن حصل كل ذلك بغير إرادةٍ من الإنسان فإنه لا يُفْطِر ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحاسب على فعلٍ لا إرادة للإنسان فيه فمن جلس إلى جوار مدخِّن أو قربَ عودِ بخُّورٍ مشتعلٍ في غرفة ، ودخل في صدره شيءٌ منه دون قصد ولا إرادة فإنه يظلُّ صائماً ولا يفطر ، وإذا كان الجو رطباً مُشْبَعاً ببخار الماء ، أو كان الحمَّام مشبعاً ببخار الماء المتصاعد من الماء الحار ، واستنشق الصائم بخار الماء هذا أو ذاك رغماً عنه ، دون إرادة ولا قصد ، فإنه لا يفطر . وقل مثل ذلك بخصوص الغبار في الجو ، وخاصةً في أيام الزوابع والعواصف الخماسينية ، فإن استنشاق الغبار آنذاك لا يفطر الصائم ، ولا يفطر إلا إذا أدخل هو بإرادةٍ منه وقصدٍ أشياءَ مما سبق.أ.هـ

س :هل المعاصى تفسد الصيام وهل من يقع فيها وهو صائم يعد مفطرا ؟
الجواب :
من أهمّ ما ينبغي أن يترفّع عنه الصّائم ويحذره : ما يحبط معه أجر صومه من المعاصي الظّاهرة والباطنة ونحوها، فيصون لسانه عن اللّغو والهذيان والكذب ، والغيبة والنّميمة ، والفحش والجفاء ، والخصومة والمراء ، ويكفّ جوارحه عن جميع الشّهوات والمحرّمات ، ويشتغل بالعبادة ، وذكر اللّه ، وتلاوة القرآن وهذا كما يقول الغزاليّ : هو سرّ الصّوم.
وقد ذهب ابن حزم الى ان المعاصى القوليه والعمليه تجعل الصوم فاسد ويصبح الصائم بالمعاصى مفطر , وجمهور العلماء على انها تنقصه لاتبطله ولايصبح العاصى بمعصيته مفطرا , وقد وردت نصوص كثيرة صحيحة تحذر من مغبة المعاصى واثرها السئ على الصيام من ذلك:

اخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" . [ كتاب الصوم - بَاب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ]
قال ابن حجر فى الشرح :
قَوْلُهُ : ( قَوْل الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ).... وَلِابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ اِبْن الْمُبَارَك " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْل الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ ".
وَالْمُرَاد بِقَوْلِ الزُّورِ : الْكَذِبُ , وَالْجَهْلِ : السَّفَهُ , وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ بِمُقْتَضَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " وَالْعَمَلُ بِهِ " فَيَعُودُ عَلَى الزُّورِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا عَلَى الْجَهْلِ أَيْ وَالْعَمَل بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ : ( فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) قَالَ اِبْن بَطَّال : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِير مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ , وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ " مَنْ بَاع الْخَمْر فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِير " أَيْ يَذْبَحْهَا , وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْم بَائِع الْخَمْر . وَأَمَّا قَوْلُهُ " فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة " فَلَا مَفْهُومَ لَهُ , فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْء..... فَالْمُرَاد رَدّ الصَّوْم الْمُتَلَبِّس بِالزُّورِ وَقَبُول السَّالِم مِنْهُ , وَقَرِيب مِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى :" لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ " [ الحج – 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَنْ يُصِيبَ رِضَاهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْقَبُول . وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لَا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ , وَمَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَاب الصِّيَام لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْم الزُّور وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْس الْجُوعِ وَالْعَطَشِ , بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَات وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ , فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِ نَظَر الْقَبُولِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَنْقُصُ الصَّوْم , , لِأَنَّ الرَّفَثَ وَالصَّخَبَ وَقَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ مِمَّا عَلِمَ النَّهْيُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَالصَّوْم مَأْمُور بِهِ مُطْلَقًا , فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُور إِذَا حَصَلَتْ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهَا فِيهِ مَشْرُوطَة فِيهِ مَعْنًى يَفْهَمُهُ , فَلَمَّا ذَكَرَتْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَبَّهَتْنَا عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا زِيَادَة قُبْحِهَا فِي الصَّوْمِ عَلَى غَيْرِهَا , وَالثَّانِي الْبَحْث عَلَى سَلَامَةِ الصَّوْمِ عَنْهَا , وَأَنَّ سَلَامَتَهُ مِنْهَا صِفَة كَمَالِ فِيهِ , وَقُوَّة الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّوْمِ , فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْمُلُ بِالسَّلَامَةِ عَنْهَا . قَالَ : فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهَا نَقَصَ..... فَيَكُونُ اِجْتِنَاب الْمُفْطِرَاتِ وَاجِبًا وَاجْتِنَابُ مَا عَدَاهَا مِنْ الْمُخَالَفَاتِ مِنْ الْمُكَمِّلَاتِ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ .أ.هـ
قال المباركفوري فى شرح الترمذى:
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الزُّورُ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ , أَيْ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ مِنْ قَوْلِ الْكُفْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ اِجْتِنَابُهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اِرْتِكَابُهَا.أ.هـ

قلت : وبالجملة فالمعاصى لاتزال بالصوم حتى تميته فيصبح جوعا وعطشا فحسب , وان كان من تلبس بالمعاصي حال صيامه لايطالب بالقضاء حكما , وكل عاقل يحافظ على عبادته وليذكر دائما ما جاء عن أبي هريرة‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" رب قائم حظه من قيامه السهر و رب صائم حظه من صيامه الجوع و العطش" [قال الألباني :‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3490 في صحيح الجامع‏].‏

قال جابر ابن عبد الله : إذا صمت فليصم سمعك ، وبصرك ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم ، وليكن عليك وقار، وسكينة يوم صيامك ، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء.

وفى الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 282)]
والصواب الرأي الذي نُسب للجمهور ، وهو أن الغِيبة وما ذُكر معها لا تفطِّر الصائم ، وأُضيف أنا إلى هذا القولِ القولَ إن الغِيبة وما ذُكر معها تُنقِص أجر الصائم وثوابَه ، ولا تُحْبِطه كلَّه كما يقول الشافعي ، وإِنَّ الصائمَ ليخسرُ من أجر الصيام وثوابه بقدر ما يرتكب من معاصٍ

أما لماذا جاءت هذه الأحاديث بعبارة ( فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ؟ فالجواب عليه هو أن القصد منها ، والله أعلم ، نهيُ الصائم نهياً شديداً ، وتحذيرُه تحذيراً قوياً من ارتكاب معاصي الغِيبة وما ذُكر معها في أثناء الصوم .
وهنا نكتة لطيفة وجليلة ينبغي لكل مسلم أن يقف عليها ويدركها .
أما هذه النكتة فهي أن الشرع عندما يأمر بعبادة من العبادات فإنه إنما يأمر بها المسلم من أجل أن يجني منها الثوابَ والأجرَ ، فإن قام المسلمٌ بارتكاب معصيةٍ في أثناء هذه العبادة ، فإنه بذلك يكون قد خرق القصد من عبادته ، ولم يتنبه للغايةِ منها ، وهو بدلاً من أن يَجْني ثواب العبادة وأجرَها يقوم بجني الآثام والسيئات ، فيلغي بفعله هذا القصد من العبادة ، ولذا جاء النص الشرعي يحذر المسلم من أن يحصد إثماً ومعصية في موسم حصاد الأجر والثواب ، ليبقى موسمُ الأجرِ والثوابِ موسمَ أجرٍ وثوابٍ فحسب.أ.هـ

س: هل يفسد الصيام ان يغتسل الصائم او يدخل الحمام ؟
الجواب :
اغتسال الصّائم ، لا يكره ، ولا بأس به حتّى للتّبرّد ، عند الحنفيّة وذلك لما روي عن عائشة وأمّ سلمة رضي الله تعالى عنهما قالتا : « نشهد على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إن كان ليصبح جنباً ، من غير احتلام ، ثمّ يغتسل ثمّ يصوم ». [( أخرجه أبو داود - قال الألباني : صحيح]

وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه دخل الحمّام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان.

وبوب البخاري فى كتاب الصوم
بَاب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ....الخ
قال أَنَسَ بْن مَالِك " إِنْ لِي أَبْزَن إِذَا وَجَدْت الْحَرَّ تَقَحَّمْت فِيهِ وَأَنَا صَائِم " وَكَأَنَّ الْأَبْزَنَ كَانَ مَلْآنَ مَاء فَكَانَ أَنَس إِذَا وَجَدَ الْحَرَّ دَخَلَ فِيهِ يَتَبَرَّدُ بِذَلِكَ .
الْأَبْزَنُ : حَجَرٌ مَنْقُور شَبَه الْحَوْض .(يشبه البانيو فى زماننا)
قال ابن حجر فى الشرح:
َقوْلُهُ : ( بَابٌ اِغْتِسَالُ الصَّائِمِ ) أَيْ بَيَانُ جَوَازِهِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ : أَطْلَقَ الِاغْتِسَالَ لِيَشْمَل الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ وَالْوَاجِبَة وَالْمُبَاحَة , وَكَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ضَعْف مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ النَّهْي عَنْ دُخُول الصَّائِمِ الْحَمَّامَ أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ , وَاعْتَمَدَهُ الْحَنَفِيَّة فَكَرِهُوا الِاغْتِسَال لِلصَّائِمِ .
قَوْله : ( وَبَلَّ اِبْن عُمَر ثَوْبًا فألقاه عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِم ) .....وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ بَلَلَ الثَّوْب إِذَا طَالَتْ إِقَامَتُهُ عَلَى الْجَسَدِ حَتَّى جَفَّ يَنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الدَّلْك بِالْمَاءِ , وَأَرَادَ الْبُخَارِيّ بِأَثَرِ اِبْن عُمَر هَذَا مُعَارَضَةَ مَا جَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِأَقْوَى مِنْهُ , فَإِنَّ وَكِيعًا رَوَى عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح عَنْ مُغِيرَةَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَه لِلصَّائِمِ بَلَّ الثِّيَابِ . قَوْله : ( وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الْحَمَّامَ وَهُوَ صَائِم ) .....وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ .أ.هـ

ولا بأس أن يصبّ الصائم الماء على رأسه من الحرّ والعطش ، لما روي عن بعض أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالعرج ، يصبّ الماء على رأسه وهو صائم ، من العطش ، أو من الحرّ ». [أخرجه ابو داود – قال الالبانى : صحيح]

س : هل يفسد صيام من أصبح جنبا من جماع قبل الفجر أو من احتلم فى نهار رمضان ؟
الجواب:
فى الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" [مسلم - كتاب الصيام - بَاب صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ]

أخرج الترمذي عن عائشة وأم سلمة زوجا النبي صلى الله عليه وسلم :"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل فيصوم" [قال الألباني : صحيح ، ابن ماجة ( 1703 )]
قال أبو عيسى حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحق وقد قال قوم من التابعين إذا أصبح جنبا يقضي ذلك اليوم والقول الأول أصح .

قال الشّوكانيّ : وإليه ذهب الجمهور ، وجزم النّوويّ بأنّه استقرّ الإجماع على ذلك ، وقال ابن دقيق العيد : إنّه صار إجماعاً أو كالإجماع.
وقد أخرج الشّيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه صلى الله عليه وسلم قال : « من أصبح جنباً فلا صوم له » وحمل على النّسخ أو الإرشاد إلى الأفضل ، وهو : أنّه يستحبّ أن يغتسل قبل الفجر ، ليكون على طهارة من أوّل الصّوم.

وإذا نام الصّائم فاحتلم لا يفسد صومه ، بل يتمّه إجماعاً ، إذا لم يفعل شيئاً يحرم عليه ويجب عليه الاغتسال.

قال ابن حزم - المحلى - (ج 6 / ص 205)
وأما الاحتلام فلا خلاف في أنه لا ينقض الصوم، إلا ممن لا يعتد به.أ.هـ

س : ماذا على من أكره على الفطر ؟
الجواب:
اكره من الاكراه والإكراه : حمل الإنسان غيره على فعل أو ترك ما لا يرضاه بالوعيد.
مذهب الحنفيّة والمالكيّة ، أنّ من أكره على الفطر فأفطر قضى.
قالوا : إذا أكره الصّائم بالقتل على الفطر ، بتناول الطّعام في شهر رمضان ، وهو صحيح مقيم ، فمرخّص له به ، والصّوم أفضل ، حتّى لو امتنع من الإفطار حتّى قتل ، يثاب عليه ، لأنّ الوجوب ثابت حالة الإكراه ، وأثر الرّخصة في الإكراه هو سقوط المأثم بالتّرك ، لا في سقوط الوجوب ، بل بقي الوجوب ثابتاً ، والتّرك حراماً ، وإذا كان الوجوب ثابتاً ، والتّرك حراماً ، كان حقّ اللّه تعالى قائماً ، فهو بالامتناع بذل نفسه لإقامة حقّ اللّه تعالى ، طلباً لمرضاته ، فكان مجاهداً في دينه ، فيثاب عليه.
وفرّق الشّافعيّة بين الإكراه على الأكل أو الشّرب ، وبين الإكراه على الوطء : فقالوا في الإكراه على الأكل : لو أكره حتّى أكل أو شرب لم يفطر ، كما لو أوجر في حلقه مكرهاً ، لأنّ الحكم الّذي ينبني على اختياره ساقط لعدم وجود الاختيار.
أمّا لو أكره على الوطء زناً ، فإنّه لا يباح بالإكراه ، فيفطر به ، بخلاف وطء زوجته..... فعلى هذا يكون الإكراه على الإفطار مطلقاً بالوطء والأكل والشّرب ، إذا فعله المكره لا يفطر به ، ولا يجب عليه القضاء إلاّ في الإكراه على الإفطار بالزّنى ، فإنّ فيه وجهاً بالإفطار والقضاء عندهم ، وهذا الإطلاق عند الشّافعيّة ، هو مذهب الحنابلة أيضاً : فلو أكره على الفعل ، أو فعل به ما أكره عليه ، بأن صبّ في حلقه ، مكرهاً أو نائماً ، كما لو أوجر المغمى عليه معالجةً ، لا يفطر ، ولا يجب عليه القضاء ، لحديث : « وما استكرهوا عليه » .

قال ابن حزم - المحلى - (ج 6 / ص 224وما بعدها):
وأما من أكره على الفطر، أو وطئت امرأة نائمة ، أو مكرهة أو مجنونة أو مغمى عليها ، أو صب في حلقه ماء وهو نائم: فصوم النائم والنائمة والمكره والمكرهة تام صحيح لا داخلة فيه ، ولا شئ عليهم ، ولا شئ على المجنونة ، والمغمى عليها ، ولا على المجنون والمغمى عليه ، لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: :« إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه »[سبق تخريجه] والنائم والنائمة مكرهان بلا شك غير مختارين لما فعل بهما ، وقال زفر: لا شئ على النائم ، والنائمة ولا قضاء كما قلنا ، سواء سواء ، وصومهما تام وهو قول الحسن بن زياد.

قال ابن قدامه:
أن المفسد للصوم من هذا كله ما كان عن عمد وقصد ، فأما ما حصل منه عن غير قصد كالغبار الذي يدخل حلقه من الطريق ، ونخل الدقيق ، والذبابة التي تدخل حلقه ، أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه أو أنفه أو حلقه ، أو يلقي في ماء فيصل إلى جوفه ، أو يسبق إلى حلقه من ماء المضمضة ، أو يصب في حلقه أو أنفه شيء كرها ، أو تداوى مأمومته أو جائفته بغي اختياره ، أو يحجم كرها أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل ، أو ما أشبه هذا فلا يفسد صومه لا نعلم فيه خلافا لأنه لا فعل له ، فلا يفطر كالاحتلام ، وأما إن اكره على شيء من ذلك بالوعيد ففعله فقال ابن عقيل : قال أصحابنا لا يفطر به أيضا لقول النبي صلى الله عليه و سلم [ عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ].أ.هـ [ المغنى – جـ 6 صـ 87]


فصل فى بيان ما لايفسد به الصيام

س: ما هى الاشياء التى لاتفسد الصيام مما يفعله الصائم أو تحدث له فى عاداته او أحواله ؟
الجواب:
من المتقرر أن العباده التى تؤدى بشروطها ، كاملة الاركان ، فلا تفسد الا بما يدل الشرع على انها تَفسد به ، وبناءً عليه فالاصل عدم فساد الصيام الا بما دل الشرع على انه يُفسده كما سبق الاعلام بمفسدات الصيام سواء المتفق عليها او المختلف فيها ، لكن هناك أمور اختلط على كثير من الناس أنها من المفسدات للصيام ، مع انها ليست كذلك لا من قريب ولا من بعيد من ذلك:

1- دخول الغبار ونحوه حلق الصّائم.
إذا دخل حلق الصّائم غبار أو ذباب أو دخان بنفسه ، بلا صنعه ، ولو كان الصّائم ذاكراً لصومه ، لم يفطر إجماعاً - كما قال ابن جزيّ - لعدم قدرته على الامتناع عنه ، ولا يمكن الاحتراز منه ، وكذلك إذا دخل الدّمع حلقه وكان قليلاً نحو القطرة أو القطرتين فإنّه لا يفسد صومه ، لأنّ التّحرّز منه غير ممكن ، وإن كان كثيراً حتّى وجد ملوحته في جميع فمه وابتلعه فسد صومه.

2- : الادّهان:
لو دهن الصّائم رأسه ، أو شاربه لا يضرّه ذلك ، وكذا لو اختضب بحنّاء ، فوجد الطّعم في حلقه لم يفسد صومه ، ولا يجب عليه القضاء ، إذ لا عبرة بما يكون من المسامّ ، وهذا قول الجمهور.
وأخرج البخارى - تعليقا - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلْيُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلًا.
قال ابن حجر :أَنَّ الْإِدْهَانَ مِنْ اللَّيْل يَقْتَضِي اِسْتِصْحَابَ أَثَرِهِ فِي النَّهارِ , وَهُوَ مِمَّا يُرَطِّبُ الدِّمَاغ وَيُقَوِّي النَّفْسَ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الِاسْتِعَانَة بِبَرْدِ الِاغْتِسَال لَحْظَةً مِنْ النَّهَار ثُمَّ يَذْهَب أَثَرُهُ.أ.هـ

3- البلل في الفم:
قال ابن قدامه:
روى عن جابر بن عبد الله قال قال عمر بن الخطاب هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم قال أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم قلت لا بأس به قال فمه " [ رواه ابو داود - قال الألباني : صحيح]
ولأن الفم في حكم الظاهر لا يبطل الصوم بالواصل إليه كالأنف والعين وإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه ، وبه قال الأوزاعي و إسحاق و الشافعي في أحد قوليه وروي ذلك عن ابن عباس.......... ولأنه وصل إلى حلقه من غير إسراف ولا قصد ما لو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد فأما إن أسرف فزاد أو بالغ في الاستنشاق فقد فعل مكروها لقول النبي صلى الله عليه و سلم :" للقيط بن صبرة : " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" ، [انظر حديث رقم‏:‏ 927 في صحيح الجامع] ولأنه يتعرض بذلك لإيصال الماء إلى حلقه فإن وصل إلى حلقه فقال أحمد : يعجبني أن يعيد الصوم.أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 36 وما بعدها)]

وهذا معناه أن البلل الّذي يبقى في الفم بعد المضمضة ، إذا ابتلعه الصّائم مع الرّيق - بشرط أن يبصق بعد مجّ الماء لاختلاط الماء بالبصاق – لايفسد الصوم ، ولا تشترط المبالغة في البصق ، لأنّ الباقي بعده مجرّد بلل ورطوبة ، لا يمكن التّحرّز عنه.

4- ابتلاع ما بين الأسنان:
ولا يفسد الصوم ابتلاع ما بين الأسنان ، إذا كان قليلاً ، لا يفسد ولا يفطر ، لأنّه تبع لريقه ، ولأنّه لا يمكن الاحتراز عنه ، بخلاف الكثير فإنّه لا يبقى بين الأسنان ، والاحتراز عنه ممكن ، والحد بين القليل والكثير هو ان الكثير هو ما يشعر به ويقدر على اخراجه.
وشرط الشّافعيّة والحنابلة ، لعدم الإفطار بابتلاع ما بين الأسنان شرطين:
أوّلهما : أن لا يقصد ابتلاعه.
والآخر : أن يعجز عن تمييزه ومجّه ، لأنّه معذور فيه غير مفرّط ، فإن قدر عليهما أفطر ، ولو كان دون الحمّصة ، لأنّه لا مشقّة في لفظه ، والتّحرّز عنه ممكن.
وهنا يلزم التنبيه على مسألة علاج الاسنان فى نهار رمضان ، كالحشو ، والتبييض ونحو ذلك ، فإذا استطاع الا يبلع شئ لم يضر ذلك صيامه ، اما اذا ابتلع من ذلك شئ ، فسد بذلك صومه....فليتنبه لذلك.

وفى الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 278)]
أما بقايا الأكل بين الأسنان ، فإنها إن بقيت في مكانها ، فلا خلاف في أنها لا تفطِّر ، ولا تفطِّر كذلك إن ازدرد الصائم شيئاً منها وكان يسيراً ، لأن الشرع عفا عن اليسير مما لا يمكن التحرُّز منه . وأما إن تجمع في فمه منها كمية وشكلت جسماً يُبلع ، أي جسماً يحتاج إدخاله في الجوف إلى عملية بلع وليس بجريانه مع الريق دون إحساس به ، فإن الواجب طرحه ولفظه ، فإن بلعه أفطر ، حاله كحال بلع حبة عدس مثلاً .
قال محمد بن المنذر : أجمعوا - يقصد علماء المسلمين - على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه ، مما لا يقدر على إخراجه . وكان أبو حنيفة يقول : إذا كان بين أسنانه لحمٌ فأكله متعمِّداً فلا قضاء عليه . وقد خالفه الجمهور لأنه معدود من الأكل . والصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور ، فإنَّ تعمُّدَ أكلِ اللحمِ العالقِ بين الأسنان ، وقد أمكن لفظُهُ ، يفطِّر الصائم.أ.هـ

5- مضغ العلك (اللبان):
اختلفوا هل يجوز للصائم أن يمضغ العلك ، فقال فريق يجوز للصائم ان يمضغ العلك بشرط أن تكون مادة العلك غير متحلِّلة ولا يتحلَّب منها شيءٌ ، وممن رُوي عنهم القول بجواز مضغ العلك : عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي وعطاء ابن أبي رباح ، [ابن أبي شيبة ( 2/453 ) ] [ البيهقي ( 4/269 )] وعن أم حبيبة زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قالت : لا يمضغ العلكَ الصائمُ . وروى ابن أبي شيبة ( 2/454 ) وعبد الرزاق عن عدد من التابعين أنهم كرهوا مضغ العلك

فمضغ العلك رخَّص فيه أكثر العلماء إن كان لا يَتَحلَّبُ منه شيء ، فإن تحلَّب منه شيء فازدرده (بلعه)، فالجمهور على أنه يفطِّر ، وهو الرأي الصحيح.

وحيث أن الفم لا يفطِّر دخولُ أيِّ شيء فيه ، وحيث أن إدخال الماء في الفم في المضمضة والتَّسوك في الفم جائزان ، فيدعمان هذا القول ، فإن القاعدة العامة تقول : إن إدخال أية مادة في الفم لا يفطِّر الصائم إلا إن بلع ما تحلَّل منها مما يمكن التحرُّزُ منه ، وذلك مثل وضع حصاة نظيفة فى الفم من شدة العطش دون ان يبلعها فليس فى ذلك شئ البته .

قال ابن قدامه:
قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد : الصائم يمضغ العلك قال : لا قال أصحابنا : العلك ضربان : أحدهما ما يتحلل منه أجزاء وهو الرديء الذي إذا مضغه يتحلل فلا يجوز مضغه إلا إن لا يبلغ ريقه فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شيء أفطر به كما لو تعمد أكله والثاني العلك القوي الذي كلما مضغه صلب وقوي فهذا يكره مضغه ولا يحرم وممن كرهه الشعبي و النخعي و محمد بن علي و قتادة و الشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأنه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش ورخصت عائشة عن مضغه وبه قال عطاء لأنه لا يصل إلى الجوف فهو كالحصاة يضعها في فيه ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه لم يفطر.أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 39)]

6- دم اللّثة والبصاق:
قال ابن قدامه : فإن سال فمه دما أو خرج إليه قلس أو قيء فازدرده (بلعه) أفطر وإن كان يسيرا ، لأن الفم في حكم الظاهر والأصل حصول الفطر بكل واصل منه لكن عفي عن الريق لعدم إمكان التحرز منه.
ولو دميت لثة الصائم ، أو خلع بعض اسنانه فى نهار رمضان ، فدخل ريقُه حلقَه مخلوطاً بالدّم ، ولم يصل إلى جوفه ، لا يفطر عند الحنفيّة ، وإن كان الدّم غالباً على الرّيق ، لأنّه لا يمكن الاحتراز منه ، فصار بمنزلة ما بين أسنانه أو ما يبقى من أثر المضمضة ، أمّا لو وصل إلى جوفه ، فإن غلب الدّم فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفّارة ، وإن غلب البصاق فلا شيء عليه ، لان اليسير معفو عنه.
ولا يفطِّر الصائم ولا الصائمة خروجُ الدم من أي عضوٍ أو جزء من البدن.

أما ابتلاع البصاق (ليونه الريق) وان جمعه فى الفم ، فلا شئ فى ذلك بشرط خلوه من مخالط محسوس.

7- ابتلاع النّخامة:
النّخامة هي : النّخاعة ، والنخامة تنزل من الرأس وهي ما يخرجه الإنسان من حلقه ، من مخرج الخاء المعجمة.
ومذهب الحنفيّة ، والمعتمد عند المالكيّة : أنّ النّخامة سواء أكانت مخاطاً نازلاً من الرّأس ، أم بلغماً صاعداً من الباطن ، بالسّعال أو التّنحنح - ما لم يفحش البلغم - لا يفطر مطلقاً.
ونصّ الحنابلة على أنّه يحرم على الصّائم بلع نخامة ، إذا حصلت في فمه ، ويفطر بها إذا بلعها ، سواء أكانت في جوفه أم صدره ، بعد أن تصل إلى فمه ، لأنّها من غير الفم ، فأشبه القيء ، ولأنّه أمكن التّحرّز منها فأشبه الدّم .

قال ابن قدامه : وإن ابتلع النخامة ففيها روايتان : إحداهما يفطر قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول إذا تنخم ثم ازدرده فقد أفطر لأن النخامة من الرأس تنزل والريق من الفم ولو تنخع من جوفه ثم ازدراه أفطر وهذا مذهب الشافعي لأنه أمكن التحرز منها أشبه الدم ولأنها من غير الفم أشبه القيء.أ.هـ

وعند الشّافعيّة هذا التّفصيل :
إن اقتلع النّخامة من الباطن ، ولفظها فلا بأس بذلك في الأصحّ ،
ولو صعدت بنفسها ، أو بسعاله ، ولفظها لم يفطر جزماً.
ولو ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم ، أفطر جزماً.
وإذا حصلت في ظاهر الفم ، يجب قطع مجراها إلى الحلق ، ومجّها ، فإن تركها مع القدرة على ذلك ، فوصلت إلى الجوف ، أفطر في الأصحّ ، لتقصيره....

( قلت : هذا التفصيل هو الاقرب للصحة والصواب والله تعالى اعلى واعلم)

من أجل هذا الخلاف ، نبّه بعض أهل العلم على أنّه ينبغي إلقاء النّخامة ، حتّى لا يفسد صومه على قول الإمام الشّافعيّ ، وليكون صومه صحيحاً بالاتّفاق لقدرته على مجّها.

8- طلوع الفجر في حالة الأكل أو الجماع:
اتّفق الفقهاء على أنّه إذا طلع الفجر وفي فيه طعام أو شراب فليلفظه ، ويصحّ صومه. فإن ابتلعه أفطر ، وكذا الحكم عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة فيمن أكل أو شرب ناسياً ثمّ تذكّر الصّوم ، صحّ صومه إن بادر إلى لفظه ، وإن سبق شيء إلى جوفه بغير اختياره ، فلا يفطر عند الحنابلة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة.

وإذا نزع ، وقطع الجماع عند طلوع الفجر في الحال فمذهب الحنفيّة والشّافعيّة - وأحد قولين للمالكيّة - لا يفسد صومه ، حتّى لو أمنى بعد النّزع ، لا شيء عليه ، وصومه صحيح ، لأنّه كالاحتلام ، كما يقول الحنفيّة ، ولتولّده من مباشرة مباحة ، كما يقول الشّافعيّة.
ومشهور مذهب المالكيّة : أنّه لو نزع عند طلوع الفجر ، وأمنى حال الطّلوع - لا قبله ولا بعده - فلا قضاء ، لأنّ الّذي بعده من النّهار والّذي قبله من اللّيل ، والنّزع ليس وطئاً.
ولو مكث بعد طلوع الفجر مجامعاً ، بطل صومه ، ولو لم يعلم بطلوعه.

ملحوظة:
أخرج أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ "
[أبو داود - كتاب الصيام - بَاب فِي الرَّجُلِ يَسْمَعُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ - انظر حديث رقم‏:‏ 607 في صحيح الجامع‏]

قال فى عون المعبود:
( النِّدَاء ) : أَيْ أَذَان الصُّبْح ( وَالْإِنَاء ) : أَيْ الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ أَوْ يَشْرَب مِنْهُ ( عَلَى يَده فَلَا يَضَعهُ ) : أَيْ الْإِنَاء ( حَتَّى يَقْضِي حَاجَته مِنْهُ ) : أَيْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا عَلَى قَوْله إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّن بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم أَوْ يَكُون مَعْنَاهُ إِنْ سَمِعَ الْأَذَان وَهُوَ يَشُكّ فِي الصُّبْح مِثْل أَنْ يَكُون السَّمَاء مُتَغَيِّمَة فَلَا يَقَع لَهُ الْعِلْم بِأَذَانِهِ أَنَّ الْفَجْر قَدْ طَلَعَ لِعِلْمِهِ أَنَّ دَلَائِل الْفَجْر مَعْدُومَة وَلَوْ ظَهَرَتْ لِلْمُؤَذِّنِ لَظَهَرَتْ لَهُ أَيْضًا , فَإِذَا عَلِمَ اِنْفِجَار الصُّبْح فأَنَّهُ مَأْمُور بِأَنْ يُمْسِك عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْط الْأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الْأَسْوَد مِنْ الْفَجْر اِنْتَهَى
وَقَالَ عَلِيّ الْقَارِي : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَتَّى يَقْضِي حَاجَته مِنْهُ " هَذَا إِذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَم الطُّلُوع . وَقَالَ اِبْن الْمَلِك : هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَم طُلُوع الصُّبْح , أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَا....وَقَالَ الْقَارِي أَيْضًا : إِنَّ إِمْكَان سُرْعَة أَكْله وَشُرْبه لِتَقَارُبِ وَقْته وَاسْتِدْرَاك حَاجَته وَاسْتِشْرَاف نَفْسه وَقُوَّة نَهِمَته وَتَوَجُّه شَهْوَته بِجَمِيعِ هِمَّته مِمَّا يَكَاد يُخَاف عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْهُ لَمَا اِمْتَنَعَ فَأَجَازَهُ الشَّارِع رَحْمَة عَلَيْهِ وَتَدْرِيجًا لَهُ بِالسُّلُوكِ وَالسَّيْر إِلَيْهِ , وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر اِنْتَهَى

9- تَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوْ الشَّيْءَ:
قال البخاري وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أَوْ الشَّيْءَ وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ بِالْمَضْمَضَةِ. [ البخاري - كتاب الصوم - بَاب اغْتِسَالِ الصَّائِمِ].
قال ابن حجر: (أَنْ يَتَطَعَّم الْقِدْرَ ) أَيْ طَعَامَ الْقَدْر أَوْ الشَّيْء , وبِلَفْظِ " لا بَأْس أَنْ يَتَطَاعَمَ الصَّائِمُ بِالشَّيْءِ " يَعْنِي الْمَرَقَةَ وَنَحْوهَا.أ.هـ
وهذا معناه :لا يُنَافِ الصَّوْمَ إِدْخَالُ الطَّعَام فِي الْفَم وَتَقْرِيبُهُ مِنْ الِازْدِرَادِ.

وفى الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 277وما بعدها)]
إن القاعدة العامة تقول : إن إدخال أية مادة في الفم لا يفطِّر الصائم إلا إن بلع ما تحلَّل منها مما يمكن التحرُّزُ منه ، أما إن لم يمكن التحرُّز منه كالقليل القليل فلا شيء فيه.
وبإقرار هذه القاعدة نقول إن تذوُّق الطعام جائز ، وإن إدخال ميزان الحرارة في الفم لقياس درجة الحرارة جائز وإن حفر الأسنان وتلبيسها جائز ولا يفطِّر الصائمَ ، ولا يُفْطِرُ الصائمُ إلا إن تسرَّب إلى حلقه شيءٌ من المواد الداخلة في فمه وبَلَعَهُ......
أما ما يضعه المريض بالقلب والجلطات من حبَةٍ تحت اللسان ، لتذوب تدريجياً كعلاجٍ للحالة عند اشتدادها ، فإن ذلك يفطِّر الصائم قولاً واحداً ، إذ لا فرق بين بلع الحبة دفعةً واحدة وبين بلعها تدريجياً . ومثلها القطرة في الفم لتُشرب كعلاج كما هو الحال في التطعيم ضد الامراض ، فإنها تفطِّر الصائم .
فما يدخل الفم لا يفطِّر الصائم ، إلا إن هو نزل إلى البلعوم ، أي تمَّ بلعُه ، فلْيحرص الصائم على صومه ، وليحذر من أن يُفْطِر وهو لا يقصد.أ.هـ

10- استعمال الطيب والعطور وشم الروائح عموما:
إن دخل في البلعومَ ما ليس له جسمٌ محسوس ، أو ما لا يتشكل منه جسمٌ محسوس فإنه لا يفطِّر وذلك كالعطور والروائح بأنواعها الزكية والكريهة فهذه العطور والروائح لا شيء في تعمُّد شمِّها

وفى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
فى جواب السؤال الثاني من الفتوى رقم (7845)
الروائح مطلقًا عطرية وغير عطرية لا تفسد الصوم في رمضان وغيره فرضًا أو نفلًا.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

وفى جواب السؤال الأول من الفتوى رقم (2691):
ثالثًا: من تطيب بأي نوع من أنواع الطيب في نهار رمضان وهو صائم لم يفسد صومه ، لكنه لا يستنشق البخور والطيب المسحوق كسحوق المسك.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

وفى جواب السؤال السادس من الفتوى رقم (6401)
ثالثًا: أما البخور فلا حرج فيه للصائم إذا لم يتسعط به وهكذا بقية الأطياب كدهن العود والورد ونحوها لا حرج فيها كما سبق وإنما يمنع من ذلك مطلقًا المحرم بحج أو عمرة إلى أن يحل من إحرامه.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

11- تعاطى الحقن الشرجية والعلاجية أوالغذائية:
قال فى الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 250وما بعدها)]
الحُقْنةُ الشرجية والتحاميل (اللبوس) الطبية الخافضة للحرارة مثلاً تفطِّر الصائم لأن التحاميل والحُقَن تصل إلى المستقيم ، ومنه تنفذ إلى الأمعاء الغليظة ، والمستقيم والأمعاء الغليظة هي من الجهاز الهضمي كما هو معلوم ، وعليه فإن رأي الإمام أحمد القائل بأن الحقنة الشرجية تفطِّر الصائم هو الرأي الصحيح .

عملية التنظيفات للمرأة ومثلها إجراء الفحص الطبي الداخلي للمرأة وما يستلزمه ذلك من إدخال أدوات وموادَّ كل ذلك لا يفطِّر الصائمة ، لأن الرحم ليس من الجهاز الهضمي ولا من الجهاز التنفسي ..... والإِفرازات الناتجة عن التهابات الجهاز التناسلي الأنثوي فإنها كلَّها لا تفطِّر .

إبرةُ الطبيب لا تفطِّر بحالٍ سواءٌ منها ما كان للعلاج بالأدوية أو ما كان للتغذية بالمواد المغذية وبالدم ، أو ما كان للتخدير ، وسواءٌ منها ما كان في الأوردة ، أو ما كان في العضل ما دامت هذه الأدوية وهذه المواد المغذية والدم بجميع مشتقاته لا تصلُ مباشرةً إلى داخل الجهاز التنفسي ، ولا إلى داخل الجهاز الهضمي .

وهنا قد تثور شبهة ، هي أن الصيام إنما هو امتناع عن الأكل والشرب ، أي امتناع عن تناول الغذاء ، فلماذا نجيز إدخال المواد المغذية في بدن الصائم بواسطة إبرة الطبيب ، ولا نعتبرها مُبْطِلة للصوم ؟ أليست هذه كتلك ؟
وللرد على هذه الشبهة أقول إن الصائم يُحْظَر عليه الأكل والشرب أي يُحظَر عليه أن يفعل ما يصح إطلاقُ اسم الأكل والشرب عليه ، فهذا هو ما جاء في النصوص ولم يأت نصٌّ واحد يأمر الصائم بالامتناع عن المُغَذِّيات أو عن التغذية ، ولذا فإن بلع حفنةِ تراب أو حباتٍ صغيرةٍ من الحصى يُفطِّر الصائم رغم أنها لا غذاء فيها ، فالعبرة هي بعملية الأكل والشرب وليس بالتغذية والغذاء ، ولا شك في أن التغذية بالمواد المغذية أو بالدم عن طريق الجلد ليست أكلاً ولا شرباً قطعاً ، فلا تفطِّر الصائم إذن .…وعليه فإني أقول إن تغذية الصائم جائزة ولا تفطِّر الصائم إن هي تمَّت بغير أكل وشرب ،أو بغير إدخال المواد المغذية في الجهاز الهضمي ، كأن تتم التغذية بهذه المواد أو بالدم بواسطة إبرة الطبيب تُغْرَزُ في الجلد مثلاً . أ.هـ

قال ابن تيمية : [(المنتقي - ص 47 )] :
فى كلامه على اختلاف اهل العلم فى الحقنة و نحوها , قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك , فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص و العام , فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله و رسوله في الصيام و يفسد الصوم بها , لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه , و لو ذكر ذلك لعلمه الصحابة و بلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه , فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثا صحيحا مسندا و لا مرسلا , علم أنه لم يذكر شيئا من ذلك .
و الذين قالوا : إن هذه الأمور تفطر , لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه
وسلم و إنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس , و أقوى ما احتجوا به قوله
صلى الله عليه وسلم : " و بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما , قالوا : فدل
ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله , و على القياس : كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة و غيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام و الغذاء أو غيره من حشو جوفه......... و نحن نعلم أنه ليس في الكتاب و السنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء فعلمنا أنها ليست مفطرة .أ.هـ


12- مداواة الجائفة والآمَّة - أو المأمومة:
قال فى الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 250وما بعدها)]
الجائفة والآمَّة - أو المأمومة - : ونعني بالجائفة الجرحَ الواصلَ إلى الجوف ، والآمَّة الجرحَ الواصلَ إلى أُمِّ الدماغ ، وهي جلدة رقيقة تحيط به . أما الآمة فإنها لا تفطِّر ، فدخول أي جسم في تجويف الجمجمة لا شيء فيه ، ولا يفطِّر الصائم بحالٍ . وأما الجائفة فيُنظر فيها : فإن هي وصلت إلى داخل الرئتين أو إلى داخل الجهاز الهضمي فإنها تفطِّر ، وأما إن هي لم تصل إلى أيٍّ من ذلك ، فإنها لا تفطِّر ، كأن تصل إلى القلب أو إلى الكبد أو إلى المثانة مثلاً .

ويجري مجراه شقُّ الصدر أو البطن وما يتبعه من إدخال الأدوات المستعملة في الجراحة يُنظَر فيه فإن كان الشقُّ يصل إلى داخل الرئتين أو إلى داخل الجهاز الهضمي فإنه يفطِّر ، وأما إن كان الشق لا يصل إلى داخل الرئتين ، ولا إلى داخل الجهاز الهضمي وبقي خارجهما ، كإجراء عملية الفتق أو زرع الكلى أو زرع بطارية في القفص الصدري لتنظيم ضربات القلب فإن كل ذلك لا يفطِّر بحال ، اللهم إلا أن يصاحب هذه العملياتِ دخولُ موادَّ أو أدواتٍ إلى الرئتين ، أو إلى الجهاز الهضمي .... وإجراء عمليات في الركبتين ، أو في الوَرِكَين ، وزرعُ أجسامٍ صلبة فيهما بدل الأعضاء التالفة وتثبيتها بالمسامير ، كل ذلك لا يفطِّر الصائم .
وباختصار أقول : إِن إدخال أيةِ مادة صلبة أو سائلة ، أو أداةٍ أو أيِّ شيء في داخل الجسم إن كان الإدخال في الجهاز التنفسي أو في الجهاز الهضمي فإنه يفطِّر ، وما عداه لا يفطِّر.أ.هـ

س : هل يصح صيام من أصبح جنبا والحائض التي طهرت ليلا ؟
الجواب:
قال ابن قدامة:
الجنب له أن يؤخر الغسل حتى يصبح ثم يغتسل ويتم صومه في قول عامة أهل العلم منهم علي و ابن مسعود و زيد و أبو الدرداء و أبو ذر و ابن عمر و ابن عباس وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والشافعي في أهل الحجاز وأبو حنيفة والثوري في أهل العراق والأوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر وإسحاق وأبو عبيد في أهل الحديث وأهل الظاهر وكان أبو هريرة يقول لا صوم له ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم ثم رجع عنه قال سعيد بن المسيب : رجع أبو هريرة عن فتياه .............وفى الحديث عن أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ " [متفق عليه]
قال الخطابي أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخ لأن الجماع كان محرما على الصائم بعد النوم فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم.

وكذلك المرأة إذا انقطع حيضها من الليل فهي صائمة إذا نوت الصوم قبل طلوع الفجر وتغتسل إذا أصبحت ، وجملة ذلك أن الحكم في المرأة إذا انقطع حيضها من الليل كالحكم في الجنب سواء ، ويشترط أن ينقطع حيضها قبل طلوع الفجر لأنه إن وجد جزء منه في النهار أفسد الصوم ويشترط أن تنوي الصوم أيضا من الليل بعد انقطاعه لأنه لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ، فتأخير الغسل منه إلى أن تصبح لا يمنع صحة الصوم كالجنابة .أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 78 وما بعدها)].


فصل فى بيان ماذا على من شك فى طلوع الفجر او دخول الليل

س: ماذا على من شك فى طلوع الفجر او دخول الغروب فأكل او جامع ؟
الجواب:
فى حال الشك فى غروب الشمس:
الحكم فيمن أفطر بظنّ الغروب ، والحال أنّ الشّمس لم تغرب ، عليه القضاء ولا كفّارة عليه ، لأنّ الأصل بقاء النّهار ، وابن نجيم فرّع هذين الحكمين على قاعدة : اليقين لا يزول بالشّكّ ، فإن شكّ في الغروب ، لم يأكل اتّفاقاً ، فإن أكل فعليه القضاء.

ويدل على ذلك ما اخرجه البخاري عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ قِيلَ لِهِشَامٍ فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا" . [البخاري - كتاب الصوم - بَاب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ]

قال ابن حجر فى فتح الباري:
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى إِيجَاب الْقَضَاء ، " قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَة وَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِك بَقِيَّة النَّهَار لِحُرْمَةِ الْوَقْت وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ" . [نقلا من عون المعبود]
وَاخْتُلِفَ عَنْ عُمَر فَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره عَنْهُ " تَرْكَ الْقَضَاء" وروي عَبْد الرَّزَّاق " نَقْضِي يَوْمًا " وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور وَفِيهِ " فَقَالَ مَنْ أَفْطَرَ مِنْكُمْ فَلْيَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ " .
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة وَالْحَنَابِلَة وَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِك بَقِيَّة النَّهَار لِحُرْمَةِ الْوَقْت وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.
وَجَاءَ تَرْكُ الْقَضَاء عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق وَأَحْمَد فِي رِوَايَة ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ لَوْ غُمَّ هِلَال رَمَضَان فَأَصْبَحُوا مُفْطِرِينَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ رَمَضَان فَالْقَضَاء وَاجِب بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
وقَوْله ( بُدٌّ مِنْ قَضَاء ) هُوَ اِسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ مَحْذُوفُ الْأَدَاةِ وَالْمَعْنَى لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرٍّ " لَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ " ...... وَفِي آخِري " فَقَالَ إِنْسَان لِهِشَامٍ أَقَضَوْا أَمْ لَا " ؟ فَقَالَ " لَا أَدْرِي " وَظَاهِر هَذِهِ الرِّوَايَة تُعَارِضُ الَّتِي قَبْلَهَا , لَكِنْ يُجْمَعُ بِأَنَّ جَزْمَهُ بِالْقَضَاءِ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ اِسْتَنَدَ فِيهِ إِلَى دَلِيل آخَر .أ.هـ

أما فى حال الشك فى طلوع الفجر :
قال ابن حزم: [المحلى - (ج 6 / ص 229وما بعدها)]
مسألة ولا يلزم صوم في رمضان ولا في غيره الا بتبين طلوع الفجر الثاني ، وأما ما لم يتبين فالاكل والشرب والجماع ، مباح كل ذلك ، كان على شك من طلوع الفجر أو على يقين من أنه لم يطلع ، فمن رأى الفجر وهو يأكل فليقذف ما في فمه من طعام وشراب ، وليصم ، ولا قضاء عليه ، ومن رأى الفجر وهو يجامع فليترك من وقته، وليصم ، ولاقضاء عليه ، سواء في كل ذلك كان طلوع الفجر بعد مدة طويلة أو قريبة ، وصومه تام ، ولو أقام عامدا فعليه الكفارة .

ومن أكل شاكا في غروب الشمس أو شرب فهو عاص لله تعالى ، مفسد لصومه ، ولا يقدر على القضاء ، فان جامع شاكا في غروب الشمس فعليه الكفارة.
برهان ذلك قول الله عزوجل:" فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة/187] ، وهذا نص ما قلنا ، لان الله تعالى أباح الوطئ والاكل والشرب إلى أن يتبين لنا الفجر، ولم يقل تعالى: حتى يطلع الفجر، ولا قال: حتى تشكوا في الفجر، فلا يحل لاحد أن يقوله ، ولا أن يوجب صوما بطلوعه ما لم يتبين للمرء ، ثم أوجب الله تعالى التزام الصوم إلى الليل.
وقال نافع: عن ابن عمر، قالت عائشة وابن عمر كان (بلا يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان بلا لا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، فانه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" [متفق عليه]

عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ان بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ، قال: وكان رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت" . [ رواه البخارى ( 1/163 ) و مسلم ( 3/129 )]

سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله عليه السلام:(لا يغرن أحدكم نداء بلال من السحور، ولا هذا البياض حتى يستطير" . [رواه مسلم ( 3/130 )]
وكذلك حديث عدى بن حاتم، وسهل بن سعد في الخيطين الاسود، والابيض، فقال عليه السلام: " انما ذلك سواد الليل وبياض النهار". [انظر حديث رقم‏:‏ 2275 في صحيح الجامع‏].‏

قال أبو محمد: فنص عليه السلام على أن ابن أم مكتوم يؤذن حتى يطلع
الفجر، وأباح الاكل إلى أذانه ، فقد صح أن الاكل مباح ما لم يتبين لمريد الصوم طلوعه.
عن أنس عن أبى بكر الصديق أنه قال: إذا نظر الرجلان إلى الفجر فشك أحدهما فليأكلا حتى يتبين لهما.

ومن طريق الحسن: أن عمر بن الخطاب كان يقول: إذا شك الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا.
عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: أحل الله الشراب ما شككت، يعنى في الفجر.
عن مكحول الازدي قال: رأيت ابن عمر أخذ دلوا من زمزم وقال لرجلين: أطلع الفجر؟ قال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لا، فشرب ابن عمر.
وعن محمد بن على بن الحسين: كل حتى يتبين لك الفجر.... وعن الحسن: كل ما امتريت
فان ذكروا رواية هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فيمن أفطر وهو يرى أنه ليل فطلعت الشمس: أنه عليه القضاء وبالرواية عن عمر بمثل ذلك: فانما هذا في الافطار عند الليل ، لا في الاكل شاكا في الفجر، وبين الامرين فرق ، ولا يحل الاكل الا بعد يقين غروب الشمس ، لان الله تعالى قال (إلى الليل) فمن أكل شاكا في مجئ الليل فقد عصى الله تعالى ، وصيامه باطل ، فان جامع فعليه الكفارة ، لانه في فرض الصيام ، ما لم يوقن الليل ، بخلاف قوله: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) لان هذا في فرض الافطار حتى يوقن بالنهار.أ.هـ

(قلت : لاحظ التفريق ولعل هذا أعدل الاقوال ، وهو محمول على من اراد التثبت من طلوع الفجر أو غروب الشمس فشك ولم يتيقن ، فقبل الفجر الاصل حل الأكل والشرب والجماع ، وقبل الغروب الاصل الصوم والامتناع عن الاكل والشرب والجماع : فليتنبه وليحتاط كل لعبادته ، وذلك كله مبنى على من شك ولم يجد طريقا لليقين الدافع للشك!!!)

قال ابن قدامه:
وإن أكل شاكا في طلوع الفجر ولم يتبين الأمر فليس عليه قضاء وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر نص عليه أحمد وهذا قول ابن عباس و عطاء و الأوزاعي و الشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق وابن عمر رضي الله عنهم ..........لأن الأصل بقاء الليل.
وإن أكل شاكا في غروب الشمس ولم يتبين فعليه القضاء لأن الأصل بقاء النهار وإن كان حين الأكل ظانا أن الشمس قد غربت أو أن الفجر لم يطلع ثم شك بعد الأكل ولم يتبين فلا قضاء عليه لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه فأشبه ما لو صلى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد صلاته .أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 77)]

ملحوظه:
اشتهر عند كثير من المسلمين ان موعد آذان الفجر - فى تقاويم اوقات الصلاة فى بعض البلدان الاسلاميه او غيرها - غير دقيق وبناءً عليه فان كثير من هؤلاء لايمسك مع هذا الاذان ويظل يأكل ويشرب عدة دقائق بعده على ان ذلك شك فى طلوع الفجر ، لكن ليعلم هؤلاء ان هذا التقويم هو الاقرب لليقين لطلوع الفجر وان العبد عليه الاحتياط للصيام حتى لايفطر وهو يظن انه صائم...والله المستعان.

فصل فى بيان الاحوال التى يباح فيها الفطر

س : ما هى الاحوال التى يباح فيها الفطر (عدم الصيام) ؟
الجواب :
يباح الفطر(عدم الصّوم) لكل من :

1- المرض:
المرض هو : كلّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصّحّة من علّة ونحوها ، ولاشك ان المرض حال مخرجة للمرء عن حال الاعتدال ، وصحة الجوارح والقوة إلى الاضطراب وضعف الجوارح واعتلالها.
قال ابن قدامة : أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة.
والأصل فيه قول اللّه تعالى : "وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ "[البقرة/185]
قال ابن عاشور:
والمريض من قام به المرض وهو انحراف المزاج عن حد الاعتدال الطبيعي بحيث تثور في الجسد حمى أو وجع أو فشل .
وقد اختلف الفقهاء في تحديد المرض الموجب للفطر ، فأما المرض الغالب الذي لا يستطيع المريض معه الصوم بحال بحيث يخشى الهلاك أو مقاربته فلا خلاف بينهم في أنه مبيح للفطر بل يوجب الفطر ، وأما المرض الذي دون ذلك فقد اختلفوا في مقداره فذهب محققو الفقهاء إلى أنه المرض الذي تحصل به مع الصيام مشقة زائدة على مشقة الصوم للصحيح من الجوع والعطش المعتادين ، بحيث يسبب له أوجاعاً أو ضعفاً منهكاً أو تعاوده به أمراض ساكنة أو يزيد في انحرافه إلى حد المرض أو يخاف تمادي المرض بسببه . وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي على تفاوت بينهم في التعبير ، وأعدل العبارات ما نقل عن مالك؛ لأن الله أطلق المرض ولم يقيده ، وقد علمنا أنه ما أباح للمريض الفطر إلاّ لأن لذلك المرض تأثيراً في الصائم .
ويكشف ضابط ذلك قول القرافي ( فى الفروق) في الفرق الرابع عشر إذ قال : «إن المشاق قسمان : قسم ضعيف لا تنفك عنه تلك العبادة كالوضوء والغسل في زمن البرد وكالصوم ، وكالمخاطرة بالنفس في الجهاد ، وقسم هو ما تنفك عنه العبادة وهذا أنواع : نوع لا تأثير له في العبادة كوجع أصبع ، فإن الصوم لا يزيد وجع الأصبع وهذا لا التفات إليه ، ونوع له تأثير شديد مع العبادة كالخوف على النفس والأعضاء والمنافع وهذا يوجب سقوط تلك العبادة ، ونوع يقرب من هذا فيوجب ما يوجبه» .
وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرض وهو الوجع والاعتلال يسوغ الفطر ولو لم يكن الصوم مؤثراً فيه شدة أو زيادة؛ لأن الله تعالى جعل المرض سبب الفطر كما جعل السفر سبب الفطر من غير أن تدعو إلى الفطر ضرورة كما في السفر ، يريدون أن العلة هي مظنة المشقة الزائدة غالباً ، قيل دخل بعضهم على ابن سيرين في نهار رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال : إنه وجعتني أصبعي هذه فأفطرت ، وعن البخاري قال : اعتللت بنيسابور علة خفيفة في رمضان فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبد الله قلت : نعم أخبرنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من أي المرض أفطر؟ قال : من أي مرض كان كما قال الله تعالى : { فمن كان منكم مريضاً } وقيل : إذا لم يقدر المريض على الصلاة قائماً أفطر ، وإنما هذه حالة خاصة تصلح مثالاً ولا تكون شرطاً ، وعزي إلى الحسن والنخعي ولا يخفى ضعفه؛ إذ أين القيام في الصلاة من الإفطار في الصيام ، وفي هذا الخلاف مجال للنظر في تحديد مدى الانحراف والمرض المسوغين إفطار الصائم .أ.هـ [ التحرير والتنوير – ( البقرة – 185)]

قال الشوكانى:
قوله : (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا) قيل : للمريض حالتان : إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة ، وإن كان يطيقه مع تضرّر ، ومشقة كان رخصتة . وبهذا قال الجمهور.أ.هـ [ تفسير فتح القدير - (البقرة - 184)]

قال النّوويّ : ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصّوم ، بل قال أصحابنا : شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصّوم مشقّة يشقّ احتمالها ، وأمّا المرض اليسير الّذي لا يلحق به مشقّة ظاهره فلم يجز له الفطر ، بلا خلاف عندنا ، خلافاً لأهل الظّاهر.

2- السفر:
قال ابن قدامه:
للمسافر أن يفطر في رمضان وغيره بدلالة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله وضع عن المسافر الصيام و شطر الصلاة " . [رواه أصحاب السنن – قال الألباني:(‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 1835 في صحيح الجامع‏].‏
وأجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة..........
وليس للمسافر أن يصوم – حال سفره - في رمضان غيره ، كالنذر والقضاء لأن الفطر أبيح رخصة وتخفيفا عنه ، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتي بالأصل ، فإن نوى صوما غير رمضان لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نواه ، هذا هو الصحيح في المذهب وهو قول أكثر العلماء.أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 33 وما بعدها)]

قال ابو حيان:
وقد اختلفوا في المسافة التي تبيح الفطر، فقال ابن عمر ، وابن عباس ، والثوري وأبو حنيفة : ثلاثة أيام . وروى البخاري أن ابن عمر ، وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد ، وهي ستة عشر فرسخاً ، وقال مالك : مسافة الفطر مسافة القصر.
(قلت : وهو أعدل الاقوال ويجمع كل المذاهب تقريبا ، وقوله تعالى :" فمنْ كان منكم مريضاً أو على سفرٍ" هذا السفر مطلق لم يُقيَّد بمسافة قصيرة ولا طويلة ، فما يطلق عليه اسم السفر فهو عُذر يجيز للصائم أن يفطر) .

وأجمعوا على أن سفر الطاعة من جهاد وحج وصلة رحم وطلب معاش ضروري مبيح للفطر ، فأما سفر التجارة والمباح ففيه خلاف.
وقال ابن عطية : والقول بالإجازة أظهر ، وكذلك سفر المعاصي مختلف فيه أيضاً ، والقول بالمنع أرجح . انتهى كلامه .أ.هـ [تفسير البحر المحيط - ( البقرة - 185)]

قال فى الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 112)]:
بقي أن نعرف متى يكون الخروج سفراً ومتى لا يكون ؟ فأقول ما يلي : إن الخروج حتى يكون سفراً يُباح معه الفطرُ ، هو أن يغادر الشخص بلده والأراضي التابعة له ، ويدخل في أراضي بلد آخر ، مهما كان طول أراضي بلده أو قصرها ، فالشخص في بلده غير مسافر ، والفلاح في أرضه التابعة لبلده غير مسافر ولو كانت أرضه تبعد عن بلده عدة أميال ، ولا يكون مسافراً إلا إذا غادر بلده وأراضي بلده ، وعندها فقط يجوز له أن يفطر ، سواء كان بالأكل أو بالشرب أو بالجماع .أ.هـ


واختلفوا هل الصوم افضل للمسافر ام الفطر ام على التخيير؟
أخرج البخاري عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :"خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنِ رَوَاحَةَ" . [البخاري – كتاب الصوم - (1809)]

وأخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ". [ البخاري - كتاب الصوم - بَاب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِفْطَارِ]

واخرج مسلم عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ". [مسلم - كتاب الصوم - بَاب التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ]
وفى روايه عند ابى داود " فَقَالَ : أَيَّ ذَلِكَ شِئْت يَا حَمْزَة " .

واخرج عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ". [البخاري - كتاب الصوم - بَاب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ]
وفى رواية عند الطحاوى :" فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاس يَشُقّ عَلَيْهِمْ الصِّيَام , فَدَعَا بِقَدَحِ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاس وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته فشَرِبَ فَأَفْطَرَ , فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ ".
قَوْلُهُ : ( فَشَرِبَ ...إلَخْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَضِيلَةَ الْفِطْرِ لَا تَخْتَصُّ بِمَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَوْ خَشِيَ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ أَوْ ظَنَّ بِهِ الرَّغْبَةَ عَنْ الرُّخْصَةِ بَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ ، لِيُتَابِعَهُ مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ ، وَيَكُونُ الْفِطْرُ فِي تِلْكَ الْحَالِ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ لِفَضِيلَةِ الْبَيَانِ.

واخرج مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ وَلَا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ". [مسلم - كتاب الصوم - بَاب جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ...]

وأخرج عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَقَالَ :" سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ". [مسلم - كتاب الصوم - بَاب جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ....]

واخرج البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" . [البخاري - كتاب الصوم - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ]

وبوب البخاري بَابٌ الصَّوْم فِي السَّفَر وَالْإِفْطَار:
قال ابن حجر: أَيْ إِبَاحَة ذَلِكَ وَتَخْيِير الْمُكَلَّف فِيهِ سَوَاء كَانَ فى رَمَضَان أَوْ غَيْره
وبوب مسلم - كتاب الصوم - بَاب جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ أَنْ يَصُومَ وَلِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ

وبوب مسلم - كتاب الصوم - بَاب التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ

وبوب البخاري - كتاب الصوم - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ

قال ابن حجر: أشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنَّ سَبَب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ , وَأَنَّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُجَرَّدًا فَقَدْ اِخْتَصَرَ الْقِصَّةَ , فَالْحَاصِل أَنَّ الصَّوْم لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْر , وَالْفِطْرُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَة أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْم , وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَشَقَّةُ يُخَيَّرُ بَيْن الصَّوْم وَالْفِطْرِ .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَر عَنْ الْفَرْض , بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَر وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ " وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ , وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَهَذَا قَوْل بَعْض أَهْل الظَّاهِر , وَحُكِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) قَالُوا ظَاهِره فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ فَالْوَاجِب عِدَّة.

وَمُقَابِل هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الصَّوْم فِي السَّفَر لَا يَجُوز إِلَّا لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسه الْهَلَاك أَوْ الْمَشَقَّة الشَّدِيدَة حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْم.

وَذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء وَمِنْهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة إِلَى أَنَّ الصَّوْم أَفْضَل لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ.

وَقَالَ كَثِير مِنْهُمْ الْفِطْر أَفْضَل عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ مُخَيَّر مُطْلَقًا .

وَقَالَ آخَرُونَ أَفْضَلهمَا أَيْسَرهمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ ) فَإِنْ كَانَ الْفِطْر أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَل فِي حَقِّهِ , وَإِنْ كَانَ الصِّيَام أَيْسَرَ كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْد ذَلِكَ فَالصَّوْم فِي حَقّه أَفْضَل وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر.

وَلَكِنْ قَدْ يَكُون الْفِطْر أَفْضَلَ لِمَنْ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْم وَتَضَرَّرَ بِهِ , وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاض عَنْ قَبُول الرُّخْصَة ...رَوَى أَحْمَد مِنْ طَرِيق أَبِي طُعْمَةَ قَالَ : قَالَ رَجُل لِابْنِ عُمَر : إِنَى أَقْوَى عَلَى الصَّوْم فِي السَّفَر , فَقَالَ لَهُ اِبْن عُمَر : مَنْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْم مِثْلُ جِبَالِ عَرَفَةَ , وَهَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنْ الرُّخْصَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".
وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : أُخِذَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّوْم فِي السَّفَر مُخْتَصَّة بِمَنْ هُوَ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَة مِمَّنْ يُجْهِدهُ الصَّوْم وَيَشُقّ عَلَيْهِ أَوْ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ الصَّوْم مِنْ وُجُوه الْقُرَب , فَيُنَزَّلُ قَوْله " لَيْسَ مِنْ الْبِرّ الصَّوْم فِي السَّفَر " عَلَى مِثْل هَذِهِ الْحَالَة .
وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب التَّمَسُّكِ بِالرُّخْصَةِ عِنْد الْحَاجَة إِلَيْهَا , وَكَرَاهَةُ تَرْكِهَا عَلَى وَجْه التَّشْدِيد وَالتَّنَطُّع. أ.هـ [فتح الباري - كتاب الصوم - بَابٌ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ : لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَر - ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر].

قال ابن قدامه :
ثم لا يخلو المسافر من ثلاثة أحوال:
أحدها : أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة الفطر له.
الثاني : أن يسافر في أثناء الشهر ليلا فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم.
الثالث : أن يسافر في أثناء يوم من رمضان فحكمه في اليوم الثاني كمن سافر ليلا وفي إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه خلاف - والصحيح أن له أن يفطر وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وداود وابن المنذر لما روى عن جعفر ابن جبر قال :" كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداه قال جعفر في حديثه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة قال اقترب قلت ألست ترى البيوت قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جعفر في حديثه فأكل" [رواه أبو داود - قال الألباني : صحيح]
وهذا يعنى أنه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره يعني أنه يجاوزها ويخرج من بين بنيانها.أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 33وما بعدها)]

وذهب الأئمّة الأربعة ، وجماهير الصّحابة والتّابعين إلى أنّ الصّوم في السّفر جائز صحيح منعقد ، وإذا صام وقع صيامه وأجزأه.

تنبيه:
من المعلوم كما قال اهل العلم أنّ السّفر لا يبيح قصراً ولا فطراً إلاّ بالنّيّة والفعل ، بخلاف الإقامة ، فإنّها توجب الصّوم والإتمام بالنّيّة دون الفعل.
وإذا لم ينو الإقامة لكنّه أقام لقضاء حاجة له ، بلا نيّة إقامة ، ولا يدري متى تنقضي ، أو كان يتوقّع انقضاءها في كلّ وقت ، فإنّه يجوز له أن يفطر ، كما يقصر الصّلاة....والخلاف عند العلماء فى المدد كالخلاف فى مدد قصر الصلاه....قال بعض الصحابة : ولو بقي على ذلك سنين.
ودليل هذا : « أنّه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصّلاة » ويلاحظ أنّ الفطر كالقصر الّذي نصّوا عليه في صلاة المسافر ، من حيث التّرخّص فى الفطر وغيره ، فإنّ المسافر له سائر رخص السّفر.!!!

3- الحمل والرضاع:
قال الشوكانى:
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ وَيُطْعِمَانِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ شَاءَتَا قَضَتَا وَلَا طَعَامَ عَلَيْهِمَا ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ
وَقَدْ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْقَضَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ .أ.هـ [ نيل الأوطار - (ج 7 / ص 114)]

وعن أنس بن مالك القشيرى أن رجل من بني عبد الله بن كعب قال أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال:" ادن فكل فقلت إني صائم فقال ادن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام والله لقد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم كلتيهما أو إحداهما فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي صلى الله عليه وسلم" . [ اخرجه الترمذى وابو داود وابن ماجه – قال الالبانى :حسن صحيح ، ابن ماجة ( 1667 )]

و أخرج أبو داود عن ابن عباس قال : " ( و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) قال : كانت رخصه للشيخ الكبير , و المرأة الكبيرة , و هما يطيقان الصيام أن يفطرا و يطعما مكان كل يوم مسكينا , و الحبلى و المرضع إذا خافتا أفطرتا و أطعمتا " - قال أبو داود : يعنى على أولادهما. [ قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/17 : صحيح] . وهذا يبين أن الحبلى إذا خشيت بسبب الحَبَل على نفسها فإن لها أن تفطر ، وأن المرضع إذا خشيت بسبب الإِرضاع على ولدها فإن لها أن تفطر ، وأما إن عدمت الخشيةُ من الحبلى والمرضع فلا يصح لهما الإفطار ، فالعام يُحمل دائماً على الخاص.

واذا افطرت فلها ان تقضى ان استطاعت ، ولها ان تفدى كالذين يطيقونه كما فى أثر ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال :" لأم ولدٍ له حُبلى أو مُرضع : أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام ، عليكِ الجزاء ، وليس عليكِ القضاء" [ رواه الدارقطنى]
وعن ابن عباس قال :" إذا خافت الحامل على نفسها , و المرضع على ولدها فى رمضان قال : يفطران و يطعمان مكان كل يوم مسكينا , و لا يقضيان صوما " . [قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/17 : و إسناده صحيح على شرط مسلم] .

قال أبو عيسى الترمذى:
والعمل على هذا عند أهل العلم و قال بعض أهل العلم الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد و قال بعضهم تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحق .أ.هـ

وقد ذهب الحسن البصري وعطاء والضحاك وإبراهيم النخعي والأوزاعي وعكرمة وأصحاب الرأي وربيعة إلى أن الحامل إذا خافت على نفسها ، والمرضع إذا خافت على ولدها ، أن تفطرا ولا إطعام عليهما ، فهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي ، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر .
(قلت : وهو الصحيح الذى دل عليه الدليل والله تعالى اعلى واعلم)
وسواء أكانت المرضع أمّاً للرّضيع ، أم كانت مستأجرةً لإرضاع غير ولدها ، في رمضان أو قبله ، فإنّ فطرها جائز ، على الظّاهر عند الحنفيّة ، وعلى المعتمد عند الشّافعيّة ، بل لو كانت متبرّعةً ولو مع وجود غيرها.

4- الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ (الهَرَم) ومن كان مشابهاً لهم:
الهرم : كالشّيخ الفاني ، وهو الّذي فنيت قوّته ، أو أشرف على الفناء ، وأصبح كلّ يوم في نقص إلى أن يموت ، والمريض الّذي لا يرجى برؤه ، وتحقّق اليأس من صحّته ، والعجوز ، وهي المرأة المسنّة.
فهؤلاء إن لم يقدروا على الصّوم فلا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يلزمهم الصّوم ، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه ، وأنّ لهم أن يفطروا ، إذا كان الصّوم يجهدهم ويشقّ عليهم مشقّةً شديدةً.

قال تعالى:" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [البقرة – 184]

وَعَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ :" وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ"
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا".. [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ] .

قال ابن عاشور:
والمطيق: هو الذي أطاق الفعل أي كان في طوقه أن يفعله ، والطاقة أقرب درجات القدرة إلى مرتبة العجز ، ولذلك يقولون فيما فوق الطاقة : هذا ما لا يطاق ، وفسرها الفراء بالجَهد بفتح الجيم وهو المشقة ، وفي بعض روايات «صحيح البخاري» عن ابن عباس قرأ : ( وعلى الذين يُطَوَّقونه فلا يطيقونه ) . وهي تفسير فيما أحسب ، وقد صدر منه نظائر من هذه القراءة ، وقيل الطاقة القدرة مطلقاً .
فعلى تفسير الإطاقة بالجَهد فالآية مراد منها الرخصة على من تشتد به مشقة الصوم في الإفطار والفِدْية ، وقد سمَّوا من هؤلاء الشيخَ الهرم والمرأةَ المرضعَ والحاملَ فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن كل يوم يفطرونه وهذا قول ابن عباس وأنس بن مالك والحسن البصري وإبراهيم النخعي وهو مذهب مالك والشافعي ، ثم من استطاع منهم القضاء قضى ومن لم يستطعه لم يقض مثل الهرم ، ويؤيد ذلك فعل السلف ، فقد كان أنس بن مالك حين هرم وبلغ عَشْراً بعد المائة يفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً .
ونلحق بالهرم والمرضع والحامل كلَّ من تلحقه مشقة أو توقُّع ضرر مثلهم وذلك يختلف باختلاف الأحوال واختلاف أزمان الصوم من اعتدال أو شدة برد أو حَر ، وباختلاف أعمال الصائم التي يعملها لاكتسابه من الصنائع كالصائغ والحدَّاد والحمامي وخدمة الأرض وسير البريد وحَمْل الأمتعة وتعبيد الطرقات.أ.هـ [التحرير والتنوير - (البقرة -184)]
قال الحنفيّة : المحترف المحتاج إلى نفقته كالخبّاز والحصّاد ، إذا علم أنّه لو اشتغل بحرفته يلحقه ضرر مبيح للفطر ، يحرم عليه الفطر قبل أن تلحقه مشقّة.
وقال أبو بكر الآجرّيّ من الحنابلة : من صنعته شاقّة ، فإن خاف بالصّوم تلفاً ، أفطر وقضى ، إن ضرّه ترك الصّنعة ، فإن لم يضرّه تركها أثم بالفطر وبتركها ، وإن لم ينتف الضّرر بتركها ، فلا إثم عليه بالفطر للعذر.

قلت : يلحق بهم من أرهقه جوع مفرط ، أو عطش شديد ، فخاف على نفسه الهلاك ، بغلبة الظّنّ ، لا بمجرّد الوهم ، أو يخاف نقصان العقل ، أو ذهاب بعض الحواسّ ، فإنّه يفطر ويقضي.

قال الشوكانى:
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ .يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ ، قال الْجُمْهُورُ: وَحُكْمُ الْإِطْعَامِ بَاقٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَطُقْ الصِّيَامَ . [نيل الاوطار – 7/116- 117].


فصل فى بيان حكم من أفطر فى نهار رمضان خطأً أو نسياناً

س : ماذا على من من نسى أنه صائم في رمضان أو غيره ؟
الجواب :
من نسى أنه صائم في صوم فرض ، أو تطوع فأكل وشرب ووطئ ، ومن ظن انه ليل - ناسيا - ففعل شيئا من ذلك فإذا به قد أصبح ، أو ظن انه قد غابت الشمس ففعل شيئا من ذلك فإذا بها لم تغرب ، فان صوم كل من ذكرنا تام ، لقول الله تعالى: " ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم" ، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"

وبوب البخاري فى كتاب الصوم:
بَاب الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ........ وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَوْ وَطِئَ رَجُلٌ اِمْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِم نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ " ,
وَعَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الْحَسَن قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا "

قلت : هنا مسألة هامه وهى هل يمكن ان ينسي الصائم انه صائم حتى يجامع ، الاكل والشرب نعم ، وهو يقع كثير لان الاكل والشرب لايستغرق الا برهة ، أما الجماع فكيف ، وعَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ اِمْرَأَتَهُ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ , قَالَ لَا يَنْسَى......فهل هذا ممكن ؟ الحقيقة انه ممكن خاصة لمن لم يتعود على احوال رمضان فى الايام الاول ولمن كان له عادة فى الجماع نهارا ، وهو وقت الصيام والله المستعان.

وفى حديث الباب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ "

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله : ( فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ) فِي رِوَايَة " فَلَا يُفْطِرْ " . قَوْله : ( فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ ) فِي رِوَايَة " فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق رَزَقَهُ اللَّهُ " وعَنْ هِشَامٍ " فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ " قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ : تَمَسَّكَ جَمِيعُ فُقَهَاء الْأَمْصَارِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ.

وَقَوْله " فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّه وَسَقَاهُ " مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّة الصَّوْم لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الْفِعْلَ الصَّادِرَ مِنْهُ مَسْلُوبُ الْإِضَافَةِ إِلَيْهِ فَلَوْ كَانَ أَفْطَرَ لَأُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ , قَالَ : وَتَعْلِيق الْحُكْمِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب لِلْغَالِبِ لِأَنَّ نِسْيَان الْجِمَاع نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا........ وَمَدَار كُلِّ ذَلِكَ عَلَى قُصُورِ حَالَةِ الْمَجَامِعِ نَاسِيًا عَنْ حَالَةِ الْآكِلِ......... فِي بَعْض طُرُقِ الْحَدِيثِ " مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْر رَمَضَان " لِأَنَّ الْفِطْر أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ , وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْل وَالشُّرْب بِالذِّكْرِ فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى لِكَوْنِهِمَا أَغْلَبَ وُقُوعًا وَلِعَدَمِ الِاسْتِغْنَاء عَنْهُمَا غَالِبًا .

قَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَهُوَ الْقِيَاسُ , فَإِنَّ الصَّوْمَ قَدْ فَاتَ رُكْنُهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَأْمُورَات , وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَأْمُورَاتِ ، قَالَ : وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِتْمَامِ , وَسَمَّى الَّذِي يُتِمُّ صَوْمًا , وَظَاهِرُهُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة فَيُتَمَسَّكُ بِهِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالصَّوْمِ هُنَا حَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ .

وَفِي الْحَدِيثِ لُطْفُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَالتَّيْسِير عَلَيْهِمْ وَرَفْعُ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ عَنْهُمَا , وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبًا فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ دِينَارٍ عَنْ مَوْلَاتِهَا أُمِّ إِسْحَاقَ أَنَّهَا " كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيد فَأَكَلْت مَعَهُ , ثُمَّ تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ صَائِمَةً , فَقَالَ لَهَا ذُو الْيَدَيْنِ : الْآنَ بَعْدَمَا شَبِعْت ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتِمِّي صَوْمَك فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللَّه إِلَيْك " وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْأَكْلِ وَكَثِيرِهِ . وَمِنْ الْمُسْتَظْرَفَاتِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : أَنَّ إِنْسَانًا جَاءَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ أَصْبَحْت صَائِمًا فَنَسِيت فَطَعِمْت , قَالَ لَا بَأْسَ . قَالَ : ثُمَّ دَخَلْت عَلَى إِنْسَانٍ فَنَسِيت وَطَعِمْت وَشَرِبْت , قَالَ . لَا بَأْسَ اللَّهُ أَطْعَمَك وَسَقَاك . ثُمَّ قَالَ : دَخَلْت عَلَى آخَرَ فَنَسِيت فَطَعِمْت , فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنْتَ إِنْسَانٌ لَمْ تَتَعَوَّدْ الصِّيَامَ .أ.هـ
وعن عبد الله بن دينار قال: "استسقى ابن عمر وهو صائم ، فقال: ألست صائما ؟ فقال: أراد الله أن يسقينى فمنعتني".

س : ماذا على من أفطر خطأً أو كان ممن يجوز له الفطر فى بقية نهار رمضان ؟
الجواب:
قال ابن قدامه:
إذا أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء .......أشبه من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع فإذا تقرر هذا فإن جامع فيه فعليه القضاء والكفارة كالذي أصبح لا ينوي الصيام أو أكل ثم جامع وإن كان جماعة قبل قيام البينة فحكمه حكم من جامع يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع على ما مضى فيه .

وكل من أفطر والصوم لازم له كالمفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو الناسي لنية الصوم ونحوهم يلزمهم الإمساك لا نعلم بينهم فيه اختلافا.

فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرا كالحائض والنفساء والمسافر والصبي والمجنون والكافر والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار فطهرت الحائض والنفساء وأقام المسافر وبلع الصبي وأفاق المجنون وأسلم الكافر وصح المريض المفطر ففيهم روايتان
إحداهما : يلزمهم الإمساك في بقية اليوم وهو قول أبي حنيفة و الثوري و الأوزاعي و الحسن بن صالح و العنبري لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك كقيام البينة بالرؤية
والثانية : لا يلزمهم الإمساك وهو قول مالك والشافعي وروي ذلك عن جابر بن زيد وروي عن ابن مسعود أنه قال : من أكل أول النهار فليأكل آخره ولأنه أبيح له فى أول النهار ظاهرا وباطنا فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر ............. ....فأما إن نوى الصوم في سفره أو مرضه أو صغره ثم زال عذره في أثناء النهار لم يجز له الفطر رواية واحدة وعليه الكفارة إن وطئ.

ولو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن أو علم المسافر أنه يقدم لم يلزمها الصيام قبل زوال عذرهما لأن سبب الرخصة موجود فيثبت حكمها كما لو لم يعلما ذلك.


فصل فى بيان الاحوال التى يحرم فيها الصوم

س : ما هى الاحوال التى يحرم فيها الصوم ؟
الجواب :
1- الحيض والنفاس:

بوب البخاري فى كتاب الحيض - بَاب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ:

قال ابن حجر:
قَوْله : ( بَاب تَرْك الْحَائِض الصَّوْم )
وَذَلِكَ أَنَّ تَرْكهَا الصَّلَاة وَاضِح مِنْ أَجْل أَنَّ الطَّهَارَة مُشْتَرَطَة فِي صِحَّة الصَّلَاة وَهِيَ غَيْر طَاهِرة , وَأَمَّا الصَّوْم فَلَا يُشْتَرَط لَهُ الطَّهَارَة فَكَانَ تَرْكهَا لَهُ تَعَبُّدًا مَحْضًا فَاحْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيص عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّلَاة .أ.هـ

قال ابن قدامه
أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم وإنهما يفطران رمضان ويقضيان وإنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم وقد قالت عائشة : كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة متفق عليه والأمر إنما هو للنبي صلى الله عليه و سلم وقال أبو سعيد : " قال النبي صلى الله عليه و سلم : أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم فذلك من نقصان دينها " رواه البخاري والحائض والنفساء سواء لان دم النفاس هو دم الحيض وحكمه حكمه ومتى وجد الحيض في جزء فسد صوم ذلك اليوم سواء وجد في أوله أو في آخره.أ.هـ [المغني - (ج 3 / ص 83)]

مسألة هامه:
تقضى الحائض الصيام ولاتقضى الصلاة:
أخرج مسلم عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ :" أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ". [مسلم - كتاب الصوم - بَاب وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ]

قال النووى:
قَوْلهَا ( فَنُؤْمَر بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلَا نُؤْمَر بِقَضَاءِ الصَّلَاة ) هَذَا الْحُكْم مُتَّفَق عَلَيْهِ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء لَا تَجِب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم فِي الْحَال , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّلَاة , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِمَا قَضَاء الصَّوْم . قَالَ الْعُلَمَاء وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الصَّلَاة كَثِيرَة مُتَكَرِّرَة فَيَشُقّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْم , فَإِنَّهُ يَجِب فِي السَّنَة مَرَّة وَاحِدَة , وَرُبَّمَا كَانَ الْحَيْض يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ أَصْحَابنَا : كُلّ صَلَاة تَفُوت فِي زَمَن الْحَيْض لَا تُقْضَى إِلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَاف.أ.هـ

2- من كان الصيام مهلك له:
وهو كل كبير زمِن هَرَم يمكن ان يموت اذا صام لضعفه الشديد ، وكذلك المريض الذى يهلك بترك الدواء ساعات معينة أو يشتد عليه مرضه فيدخل فى نوبات مرضية اشد مما هو فيها او يشرف على الموت وكل ذلك وما شابهه لايحل لهم الصوم لانهم يعسروا على انفسهم ظنا منهم ان الله كتب عليهم ذلك او ان الصيام منهم افضل وهو خالف لما جاء به الشرع من الترخيص والتخفيف والله تعالى يقول :" يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ "[البقرة/185].
وقال تعالى : "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج/78].
وقال تعالى:" وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ " [الأعراف/157]....وفي الحديث . " إن هذا الدين يسر , و لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه , فسددوا و قاربوا و أبشروا ... " [أخرجه البخاري] وما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما .

قال ابن حزم : [المحلى - (ج 6 / ص 229)]:
ومن جهده الجوع أو العطش حتى غلبه الامر ففرض عليه أن يفطر، لقول الله تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم" [النساء – 29] ولقول الله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [ البقرة – 185] وقول الله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج – 78] ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [رواه البخاري ].أ.هـ


فصل فى بيان متى يفطر الصائم

س : متى يفطر الصائم ؟
الجواب :
أخرج البخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" [البخاري - كتاب الصوم]

وأخرج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ يَا فُلَانُ قُمْ فَاجْدَحْ لَنَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَوْ أَمْسَيْتَ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا قَالَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُمْ فَشَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" [البخاري - كتاب الصوم]

وبوب علي الاحاديث - باب متى يحل فطر الصائم ؟

قال ابن حجر فى الشرح :
قَوْله : ( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا ) أَيْ مِنْ جِهَة الْمَشْرِقِ كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ , وَالْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ الظُّلْمَةِ حِسًّا ,
وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ أُمُور , لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَازِمَةً فِي الْأَصْل لَكِنَّهَا قَدْ تَكُون فِي الظَّاهِر غَيْرَ مُتَلَازِمَة , فَقَدْ يُظَنُّ إِقْبَالُ اللَّيْل مِنْ جِهَة الْمَشْرِق وَلَا يَكُون إِقْبَاله حَقِيقَةً بَلْ لِوُجُودِ أَمْرٍ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْس وَكَذَلِكَ إِدْبَار النَّهَار فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " وَغَرَبَتْ الشَّمْس " إِشَارَةً إِلَى اِشْتِرَاط تَحَقُّق الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار , وَأَنَّهُمَا بِوَاسِطَةِ غُرُوب الشَّمْس لَا بِسَبَبٍ آخَرَ .......... وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار مَعًا لِإِمْكَانِ وُجُود أَحَدهمَا مَعَ عَدَم تَحَقُّقِ الْغُرُوب قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض
قَوْله : ( فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم ) أَيْ دَخَلَ فِي وَقْت الْفِطْر ...... وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا فِي الْحُكْم لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَيْسَ طَرَفًا لِلصِّيَامِ الشَّرْعِيّ ......... وَقَدْ رَدَّ اِبْن خُزَيْمَةَ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَأَوْمَأَ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل فَقَالَ : قَوْله " فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم " لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ الْأَمْر أَيْ فَلْيُفْطِرْ الصَّائِم , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا كَانَ فِطْرُ جَمِيعِ الصُّوَّامِ وَاحِدًا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار مَعْنًى ا هـ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّل أَرْجَحُ ( انه أمر بالتعجيل بالفطر) , وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مُعْتَمِدًا لَكَانَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ فَصَامَ فَدَخَلَ اللَّيْل حَنِثَ بِمُجَرَّدِ دُخُوله وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَل شَيْئًا..... وَيُرَجِّح الْأَوَّلَ أَيْضًا رِوَايَة شُعْبَة أَيْضًا بِلَفْظِ " فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَار "
قَوْله : ( فَاجْدَحْ ) : الْجَدْح تَحْرِيك السَّوِيق وَنَحْوه بِالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَال لَهُ الْمِجْدَحُ
( المراد تجهيز واعداد ما يفطرون عليه بتقليبه )
وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا اِسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفِطْر , وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إِمْسَاك جُزْء مِنْ اللَّيْل مُطْلَقًا , بَلْ مَتَى تَحَقَّقَ غُرُوب الشَّمْس حَلَّ الْفِطْر. أ.هـ

وسئل ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عن غروب الشمس : هل يجوز للصائم أن يفطر بمجرد غروبها ؟
فأجاب : إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق ، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم ]. أ.هـ [الفتاوى الكبرى - (ج 2 / ص 469)]

قال الشوكانى:
قَالَ الْمُهَلِّبُ : وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنْ اللَّيْلِ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ ا هـ .
وَأَيْضًا فِي تَأْخِيرِهِ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يُفْطِرُونَ عِنْدَ ظُهُورِ النُّجُومِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّارِعُ يَأْمُرُ بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ بِأَنَّ مُعَجِّلَ الْإِفْطَارِ أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إلَيْهِ ، فَلَا يَرْغَبُ عَنْ الِاتِّصَافِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا مَنْ كَانَ حَظُّهُ مِنْ الدِّينِ قَلِيلًا كَمَا تَفْعَلُهُ الرَّافِضَةُ.أ.هـ
[نيل الأوطار - (ج 7 / ص 89)]

س : ماذا على من سافر من مكان قُبيل الغروب الى مكان لاتزال الشمس تشاهد فيه ؟
الجواب :
فى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
المسافر في الطائرة متى يفطر؟
س: شخصان من سكان الدمام أقلعت بهما الطائرة من مطار الظهران ضمن ركابها قبل غروب الشمس بعشر دقائق في شهر رمضان متجهة إلى جازان ، وارتفعت الطائرة بنحو تسعة وعشرين ألف قدم عن سطح الأرض، وبعد مضي خمس وثلاثين دقيقة والطائرة تحلق في سماء الرياض وبهذا التوقيت أهل الرياض يفطرون وركاب الطائرة لا يزالون يشاهدون الشمس وربما يمضي أكثر من ربع ساعة وهم لا يزالون يشاهدونها، فهل يحل لركاب الطائرة الإفطار وأمثالهم؟ أفتونا أثابكم الله.

ج: الأصل أن لكل شخص في إمساكه في الصيام وإفطاره وأوقات صلاته حكم الأرض التي هو عليها أو الجو الذي يسير فيه ، فمن غربت عليه الشمس في مطار الظهران مثلًا أفطر أو صلى المغرب وأقلعت به الطائرة متجهة إلى الغرب ورأى الشمس بعد باقية فلا يلزمه الإمساك ، ولا إعادة صلاة المغرب ؛ لأنه وقت الإفطار أو الصلاة له حكم الأرض التي هو عليها، وإن أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق واستمر معه النهار فلا يجوز له أن يفطر ولا أن يصلي المغرب حتى تغرب شمس الجو الذي يسير فيه حتى ولو مر بسماء بلد أهلها قد أفطروا وصلوا المغرب وهو في سمائها يرى الشمس، كما ورد في السؤال من حال الشخصين اللذين مرا صائمين بسماء الرياض وقت الإفطار وركاب الطائرة لا يزالون يشاهدون الشمس ، وهذا هو مقتضى الأدلة الشرعية ، قال تعالى: " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ " [البقرة – 187] وقال: " أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا " [ الإسراء – 78] وقال عليه الصلاة والسلام: « إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم » ، ولكن لو نزلوا في مكان قد غربت فيه الشمس صار لهم حكم أهل ذلك المكان في الصوم والصلاة مدة وجودهم فيه.......... وعلى أن لكل صائم حكم المكان الذي هو فيه، سواء كان على سطح الأرض أم كان على طائرة في الجو. وعليه فمن أفطر وهو في الطائرة بتوقيت بلد ما وهو يعلم أن الشمس لم تغرب فصيامه فاسد؛ لأنه أفطر قبل غروب الشمس بالنسبة له وعليه قضاء ذلك اليوم.......وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.أ.هـ [ الفتوى رقم : (2254) والفتوى رقم (1402)]


فصل فى بيان احكام قضاء رمضان لمن افطر فيه

س : ما الذى يجب على من أفطر يوما من رمضان أو أكثر ؟
الجواب :
المفطرون فى رمضان على أقسام كما سبق بيانه :

القسم الاول من اباح الشرع لهم الفطر:
وهم المريض ومن اشتد عليه الصوم لشدة حر أو فرط جوع وعطش ونحوهم ، والمسافر ، والمغمى عليه ، والشيخ والشيخه والهرم ، والحامل والمرضع.
وهؤلاء على حالين:
الاول: من لايستطيع الصوم فى رمضان ولاغيره لدوام الحال المانع من الصيام فى حقهم كالهرم (كبير السن الذى ضعف ووهنت قوته للكبر) والمريض الذى لايرجى برؤه ، فهؤلاء عليهم الفدية ولا صيام عليهم.

الثانى: من لايستطيع الصوم فى رمضان ويستطيع فى غيره كالمريض الذى مرض فى رمضان وشفى بعده ، وكالمسافر فى رمضان ويرجع مقيم فى رمضان أو بعده ، والشيخ والشيخة الذين لايطيقو صوما فى حر ويطيقوه فى برد ، ومثلهم الحامل والمرضع فى رمضان أو حوله ، ثم تصبح على غير هذا الحال بعد رمضان وتقدر على الصوم ، ومن أفطر لشدة جوع أو عطش ، فهؤلاء على ضربين:
الضرب الاول من يلزمهم الصوم اياما أخر غير التى أفطروها فى رمضان وهولاء المسافر ، والمريض الذى شفى بعد رمضان ، ومن أفطر لشدة جوع أو عطش ، ولاتصح منهم الفدية ولو دفعوا فدية لايسقط عنهم الصوم بحال وتعد فديتهم صدقة عامه ، لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184].
الضرب الثانى من لهم ان يقضوا الصيام ان استطاعوا مع تغير حالهم المُرخِص لفطرهم فى رمضان ولهم ان يفدوا ان شاءوا او أن يصوموا - بغير مشقة شديدة - وإن صاموا فهو خير لهم ، ولو أفدوا اجزأت الفدية عنهم ، وهؤلاء كالحامل والمرضع ، والشيخ والشيخه يجدوا فى انفسهم طاقة للصيام فى غير وقت رمضان
قال تعالى :" وأن تصوموا خير لكم " والخطاب للمقيمين المطيقين الصوم ، أي : خير لكم من الفطر والفدية ، أو للمريض والمسافر ، أي : خير لكم من الفطر والقضاء ، أو : لمن أبيح له الفطر من الجميع .[ قاله أبو حيان ]
وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه فهو خير له من أن يفطر ويفدي [ قاله البغوى]

القسم الثانى من وجب عليهم الفطر:
وهؤلاء كالحائض والنفساء ، فإنه يجب عليهم قضاء الصوم ، ولا تجزء عنهم فدية بحال ماداموا قد أفطروا للحيض أو النفاس فقط ( يعنى لم يدخلوا فى اى من الاقسام السابقة)

القسم الثالث من يحرم عليه الفطر:
وهم من أفطروا عمدا بغير عذر أو رخصة ، وهؤلاء على ضربين:

الضرب الاول من أفطر عمدا بالاكل والشرب ونحوه ، فهؤلاء يقضوا يوما ولا كفارة ولا فدية عليهم ، لعظيم جرمهم وفظيع صنيعهم ، لان المعلوم مما تقرر فى الشريعة أن ما له كفارة من الذنوب أهون مما ليس له كفارة مما هو من جنسه ، فمثلا القتل العمد لاكفارة له والقتل الخطأ له كفارة مما يشعر بأن القتل الخطأ أقل جرما من القتل العمد ، وهكذا هنا فالفطر العمد بالاكل والشرب لاكفارة له وعليه القضاء وذلك هو الراجح مع وجود الخلاف عند اهل المذاهب فى اثبات الكفارة على المفطر عامدا بالاكل والشرب ونحوه كما بينت انفا فى المسائل المتقدمه.
وفى الاثر عن على بن أبى طالب قال: "من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يقضه أبدا طول الدهر"
وعن ابن مسعود: " من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر وان صامه"
وعن على بن الحسين عن أبى هريرة: أن رجلا أفطر في رمضان ، فقال أبو هريرة: "لا يقبل منه صوم سنة" . [ اورد هذه الاثار ابن حزم فى المحلى]


الضرب الثانى من أفطر عامدا بالجماع - ليس الا – فهؤلاء عليهم القضاء والكفارة على الرجل دون المرأة – كما سبق بيانه – وهذا بحسب ما دل عليه الدليل.

قال ابن حزم : [ المحلى - (ج 6 / ص 185)]

ولا كفارة على من تعمد فطرا في رمضان بما لم يبح له ، إلا من وطئ في الفرج من امرأته أو أمته المباح له وطوهما إذا لم يكن صائما فقط فان هذا عليه الكفارة.... برهان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجب الكفارة إلا على واطئ امرأته عامدا .أ.هـ ( كما فى حديث من واقع امرأته فى نهار رمضان وهو صائم )

القسم الرابع من أفطر خطأً أو نسياناً أو بغير الاكل والشرب والجماع:
وهؤلاء مثل من قاء عامدا ، ومن دخل حلقه ماء أو شئ من طعام بغير نية الاكل أو الشرب ، كمن يتذوق طعاما فبالغ حتى تسرب الى حلقه ، أو تداوى بغير نية افطار بدواء من الحلق او الانف فبلغ الجوف ، ومن استنشق او تمضمض بمبالغة فتسرب الماء الى الحلق ، ونحو ذلك ، فهؤلاء ليس عليهم الا القضاء ، والفرق بين هؤلاء وبين من افطر عامدا ، ان هؤلاء لاإثم عليهم لأنهم أخطأوا ، والخطأ عذر رافع للمؤخذة وموجب – بفضل الله – للعفوا كما جاء فى الحديث :" إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه " [انظر حديث رقم‏:‏ 1731 في صحيح الجامع].‏

س : متى وكيف يقضى قضاء رمضان ؟
الجواب :
بوب البخاري فى كتاب الصوم بَاب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى :" فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ ...وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ الْإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ:" فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر".أ.هـَ

وأورد حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ :" كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ قَالَ يَحْيَى الشُّغْلُ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَابْن خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَة رضى الله عنها:" مَا قَضَيْت شَيْئًا مِمَّا يَكُون عَلَيَّ مِنْ رَمَضَان إِلَّا فِي شَعْبَان حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله : ( بَابٌ مَتَى يَقْضِي قَضَاء رَمَضَان ؟ ) أَيْ مَتَى تُصَام الْأَيَّام الَّتِي تُقْضَى عَنْ فَوَات رَمَضَان ؟ , وَمُرَاد الِاسْتِفْهَام هَلْ يَتَعَيَّن قَضَاؤُهُ مُتَتَابِعًا أَوْ يَجُوز مُتَفَرِّقًا ؟ وَهَلْ يَتَعَيَّن عَلَى الْفَوْر أَوْ يَجُوز عَلَى التَّرَاخِي ؟
لِأَنَّ ظَاهِر قَوْله تَعَالَى ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ لِصِدْقِ " أَيَّامٍ أُخَرَ " سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَتَابِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَة , وَالْقِيَاس يَقْتَضِي التَّتَابُع إِلْحَاقًا لِصِفَةِ الْقَضَاء بِصِفَةِ الْأَدَاء , وَظَاهِر صَنِيع عَائِشَة يَقْتَضِي إِيثَار الْمُبَادَرَة إِلَى الْقَضَاء لَوْلَا مَا مَنَعَهَا مِنْ الشُّغْلِ , فَيُشْعِر بِأَنَّ مَنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ التَّأْخِيرُ .
وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره عَنْ عَلِيّ وَعَائِشَة وُجُوبَ التَّتَابُع , وَلَا يَخْتَلِف الْمُجِيزُونَ لِلتَّفْرِيقِ أَنَّ التَّتَابُعَ أَوْلَى .

قَوْله : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : (لَا بَأْس أَنْ يُفَرَّق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ").......وعَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ : لَا يَضُرُّك كَيْف قَضَيْتهَا إِنَّمَا هِيَ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر فَأُحْصِهِ........وعن مُعَاذ بْن جَبَل : إِذَا أَحْصَى الْعِدَّة فَلْيَصُمْ كَيْف شَاءَ.

قَوْله : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيم إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا , وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِطْعَامًا ) ، وَفِي رِوَايَة " حَتَّى جَازَ " ، وَفِي نُسْخَة " حَانَ " ، وَمِنْ طَرِيق الْحَارِث الْعُكْلِىّ عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : إِذَا تَتَابَعَ عَلَيْهِ رَمَضَانَانِ صَامَهُمَا فَإِنْ صَحَّ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَقْضِ الْأَوَّل فَبِئْسَمَا صَنَعَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلْيَصُمْ .

قَوْله : ( وَلَمْ يَذْكُر اللَّه تَعَالَى الْإِطْعَام , إِنَّمَا قَالَ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) هَذَا مِنْ كَلَام البخاري قَالَهُ تَفَقُّهًا...... لَكِنْ إِنَّمَا يَقْوَى مَا اِحْتَجَّ بِهِ إِذَا لَمْ يَصِحّ فِي السُّنَّة دَلِيل الْإِطْعَام إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ عَدَم ذِكْرِهِ فِي الْكِتَاب أَنْ لَا يَثْبُتَ بِالسُّنَّةِ , وَلَمْ يَثْبُت فِيهِ شَيْء مَرْفُوع وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة

وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَأْخِير قَضَاء رَمَضَان مُطْلَقًا سَوَاء كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْر لِأَنَّ الزِّيَادَة كَمَا بَيَّنَّاهُ مُدْرَجَةٌ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَرْفُوعَة لَكَانَ الْجَوَاز مُقَيَّدًا بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّ لِلْحَدِيثِ حُكْمَ الرَّفْع لِأَنَّ الظَّاهِر اِطِّلَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِي أَزْوَاجه عَلَى السُّؤَال مِنْهُ عَنْ أَمْر الشَّرْع فَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا لَمْ تُوَاظِبْ عَائِشَة عَلَيْهِ , وَيُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان أَنَّهُ لَا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ.أ.هـ

قلت : خلاصة القول مما تقدم أن قضاء رمضان فى أى وقت شاء المكلف الا الايام التى يحرم صومها ، وعليه الاسراع لحسن العبودية وخشية الموت ، ولو اخر القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر فعليه القضاء ولا اطعام عليه وان قال به بعض الصحابة لكن ليس على ما قالوه دليل والله المستعان.

أما عن كيفية اداء القضاء فقد قال ابن قدامة:
وقضاء شهر رمضان متفرقا يجزئ والمتتابع أحسن ، هذا قول ابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة والحسن و سعيد بن المسيب ، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة و الثوري و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق وحكي وجوب التتابع عن علي و ابن عمر و النخعي والشعبي وقال داود : يجب ولا يشترط.
وإطلاق قول الله تعالى : "فعدة من أيام أخر" غير مقيد بالتتابع ، وأيضا قول الصحابة قال ابن عمر : إن سافر فإن شاء فرق وإن شاء تابع وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال أبو عبيدة بن الجراح في قضاء رمضان : إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه ولأنه صوم لا يتعلق بزمان بعينه فلم يجب فيه التتابع كالنذر المطلق ، والمتتابع أحسن لما فيه من موافقة الخبر والخروج من الخلاف وشبهه بالأداء والله أعلم أ.هـ [المغني - (ج 6 / ص 155)]


س : ما هو مقدار قضاء الصوم لمن يلزمه القضاء عما أفطر فى رمضان ؟
الجواب:

قال ابن قدامه :
والواجب في القضاء عن كل يوم يوم في قول عامة الفقهاء (يدل على ذلك) قول الله تعالى : " فعدة من أيام أخر " و " قال النبي صلى الله عليه و سلم في قصة المجامع " صم يوما مكانه " (رواه أبو داود) ، ولأن القضاء يكون على حسب الأداء بدليل سائر العبادات ، ولأن القضاء لا يختلف بالعذر وعدمه بدليل الصلاة والحج.أ.هـ [ المغنى - ج6 ص90]

وبالتالى فمن أفطر أيّاماً من رمضان - كالمريض والمسافر - قضى بعدّة ما فاته ، لأنّ القضاء يجب أن يكون بعدّة ما فاته ...... ومن فاته صوم رمضان كلّه ، قضى الشّهر كلّه ، سواء ابتدأه من أوّل الشّهر أو من أثنائه ، كأعداد الصّلوات الفائتة........ فالقضاء لما فات من رمضان بالعدد : فمن أفطر رمضان كلّه ، وكان ثلاثين ، وقضاه في شهر بالهلال ، وكان تسعةً وعشرين يوماً ، صام يوماً آخر. وإن فاته صوم رمضان وهو تسعة وعشرون يوماً ، وقضاه في شهر - وكان ثلاثين يوماً - فلا يلزمه صوم اليوم الأخير ، لقوله تعالى : « فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » .

ويجوز أن يقضي يوم شتاء عن يوم صيف ، ويجوز عكسه ، بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء ، وهذا لعموم الآية المذكورة وإطلاقها.

وقضاء رمضان يكون على التّراخي (لايشترط فيه الفور ولاالتتابع)، لكن الجمهور قيّدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه ، بأن يهلّ رمضان آخر ، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها : " كان يكون عليّ الصّوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان ، لمكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم " . [أخرجه البخارى ( 4/166 ـ فتح ) و مسلم ( 3/154) ].

ولا يجوز عند الجمهور تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ، من غير عذر، لحديث عائشة هذا ، فإن أخّر فعليه الفدية : إطعام مسكين لكلّ يوم ، لما روي عن ابن عبّاس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتّى أدركه رمضان آخر : عليه القضاء وإطعام مسكين لكلّ يوم ، وهذه الفدية للتّأخير.

ومذهب الحنفيّة ، وهو وجه محتمل عند الحنابلة : إطلاق التّراخي بلا قيد ، فلو جاء رمضان آخر ، ولم يقض الفائت ، قدّم صوم الأداء على القضاء ، حتّى لو نوى الصّوم عن القضاء لم يقع إلاّ عن الأداء ، ولا فدية عليه بالتّأخير إليه ، لإطلاق النّصّ ، وظاهر قوله تعالى " فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" .
والحق أن ما ذهب إليه الأحناف هو الصحيح ، وذلك أن فرض الفدية على من تأخَّر في القضاء حتى جاء رمضان آخر يحتاج إلى نصٍّ من الشرع ، ولا نصَّ هنا ، فلا يصح تشريع هذا الحكم.

وعند غير الحنفيّة يحرم التّطوّع بالصّوم قبل قضاء رمضان ، ولا يصحّ تطوّعه بالصّوم قبل قضاء ما عليه من رمضان ، بل يبدأ بالفرض حتّى يقضيه ، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض ، لأنّ الصّوم عبادة متكرّرة ، فلم يجز تأخير الأولى عن الثّانية ، كالصّلوات المفروضة.


س : ماذا على من كان عليه قضاء فلم يقض حتى مات ؟
الجواب :
قال ابن قدامة:
من مات وعليه صيام من رمضان لم يخل من حالين :
أحدهما:أن يموت قبل إمكان الصيام أما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم وحكي عن طاوس و قتادة إنهما قالا : يجب الإطعام عنه لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه

الحال الثاني : أن يموت بعد إمكان القضاء فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عائشة و ابن عباس وبه قال مالك و الليث و الأوزاعي و الثوري و الشافعي و الخزرجي و ابن علية و أبو عبيد في الصحيح عنهم وقال أبو ثور : يصام عنه وهو قول الشافعي لما روت عائشة " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من مات وعليه صيام صام عنه وليه " ( متفق عليه) وروي عن ابن عباس نحوه.ا.هـ [المغني - (ج 6 / ص 141)]


بوب البخاري فى كتاب الصوم من جامعه - بَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ.

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله : ( بَابٌ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ ) أَيْ هَلْ يُشْرَعُ قَضَاؤُهُ عَنْهُ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا شُرِعَ هَلْ يَخْتَصُّ بِصِيَامٍ دُونَ صِيَامٍ أَوْ يَعُمُّ كُلّ صِيَام ؟ وَهَلْ يَتَعَيَّن الصَّوْم أَوْ يُجْزِئُ الْإِطْعَام ؟ وَهَلْ يَخْتَصّ الْوَلِيّ بِذَلِكَ أَوْ يَصِحّ مِنْهُ وَمِنْ غَيْره ؟ وَالْخِلَاف فِي ذَلِكَ مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ.
وعَنْ الْحَسَن فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَجُمِعَ لَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَصَامُوا عَنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنْهُ , قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شَرْح الْمُهَذَّبِ " : هَذِهِ الْمَسْأَلَة لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا فِي الْمَذْهَبِ , وَقِيَاس الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ . قُلْت : لَكِنَّ الْجَوَاز مُقَيَّد بِصَوْمٍ لَمْ يَجِب فِيهِ التَّتَابُع لِفَقْدِ التَّتَابُع فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة.
وَقَوْله " صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْر تَقْدِيره فَلْيَصُمْ عَنْهُ وَلِيّه , وَلَيْسَ هَذَا الْأَمْر لِلْوُجُوبِ عِنْد الْجُمْهُور
وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة : فَأَجَازَ الصِّيَام عَنْ الْمَيِّت أَصْحَابُ الْحَدِيث.... وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَابِتَة لَا أَعْلَم خِلَافًا بَيْن أَهْل الْحَدِيث فِي صِحَّتهَا فَوَجَبَ الْعَمَل بِهَا........ وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُصَام عَنْ الْمَيِّت . وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد : لَا يُصَام عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ.
وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " وَلِيُّهُ " فَقِيلَ كُلّ قَرِيب , وَقِيلَ الْوَارِث خَاصَّة , وَقِيلَ عَصَبَتُهُ , وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَالثَّانِي قَرِيب , وَيَرُدُّ الثَّالِثَ قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ نَذْرِ أُمِّهَا . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ ؟
َقِيلَ يَخْتَصّ بِالْوَلِيِّ فَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَصُوم عَنْهُ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْحَجِّ , وَقِيلَ يَصِحُّ اِسْتِقْلَال الْأَجْنَبِيّ بِذَلِكَ وَذَكَرَ الْوَلِيّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ , وَظَاهِر صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ اِخْتِيَارُ هَذَا الْأَخِير , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ بِتَشْبِيهِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَا يَخْتَصّ بِالْقَرِيبِ.أ.هـ

قال النووى فى شرح مسلم:
وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ مَيِّت لَا نَذْر وَلَا غَيْره , حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة , وَرِوَايَة عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة , قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره : هُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء , وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ , وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ , بَلْ بَاطِلٌ , وَأَيُّ ضَرُورَةٍ إِلَيْهِ وَأَيُّ مَانِع يَمْنَع مِنْ الْعَمَل بِظَاهِرِهِ مَعَ تَظَاهُرِ الْأَحَادِيثِ , مَعَ عَدَم الْمُعَارِض لَهَا , قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابنَا : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ صَلَاةٌ فَائِتَة , وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ أَحَد فِي حَيَاته , وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الْمَيِّت . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَالْمُرَاد بِالْوَلِيِّ الْقَرِيب , سَوَاء كَانَ عَصَبَةً أَوْ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُمَا , وَلَوْ صَامَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ إِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيّ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحّ , وَلَا يَجِب عَلَى الْوَلِيّ الصَّوْم عَنْهُ , لَكِنْ يُسْتَحَبّ .
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز صَوْم الْوَلِيِّ عَنْ الْمَيِّت كَمَا ذَكَرْنَا , وَفِيهَا : قَضَاءُ الدَّيْن عَنْ الْمَيِّت , وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَيْهِ , وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهُ وَارِثٌ أَوْ غَيْره فَيَبْرَأُ بِهِ بِلَا خِلَاف.أ.هـ

(قلت : الصحيح ما شهد له الدليل وهو الصوم عن الولى بنص الحديث ، الا ان يكون من مات كان على حال قبل الموت يجوز الاطعام عنه ... والله تعالى اعلى واعلم.)


فصل فى بيان احكام الكفارة والفدية

س : ما الفارق بين الكفارة والفدية وما مقدار كل منهم ؟
الجواب :
الفدية :
لغة من فدى، وفداه: استنقذه بمال ، أو غيره ، فخلصه مما كان فيه.
افتدى فلان : قدم الفدية عن نفسه....والفِدْية والفَدَى والفِداءُ كله بمعنى.
والفدية معناها الجزاء والبدل.
وقوله عز وجل : "وفَدَيناه بذِبْح عظِيم" أَي جعلنا الذِّبح فِداء له وخَلَّصناه به من الذَّبح.
وشرعا : ما يقدم لله تعالى جزاء لتقصير في عبادة ، مثل فدية الصوم ، والحلق ، ولبس المخيط في الاحرام .... قال تعالى : " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ". [ راجع لسان العرب]

مقدار الفدية:
قال صاحب الجامع لأحكام الصيام : [الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 235وما بعدها)]:
لقد اختلف صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تحديد مقدار الفدية ورُويت عنهم روايات متباينة تذكر أن الفِدية مُدٌّ واحد ، وأنها مُدَّان اثنان ، أي نصف صاع ، وأنها أربعة أمداد ، أي صاع ، وقال الشافعي فيما حكاه عنه المزني . يطعم عن كل يوم مداً ، وقال الثوري : نصف صاع من بر ، وصاع من تمر أو زبيب ، وقال قوم : عشاء وسحور ، وقال قوم : قوت يوم ، وقال أبو حنيفة وجماعة ، يطعم عن كل يوم نصف صاع ، من بر.
وهذه الأقوال كلها اجتهادات وليست نصوصاً شرعية ، فالشرع لم يحدِّد مقدار الفدية ، أي لم يحدد مقدار ما يُطعَمُ المسكينُ ، وإنما هي اجتهادات في تحقيق مناطِ النصوص الشرعية أي مناط حكم إطعامِ مسكينٍ واحد ، فجاءت آراؤهم مختلفة متباينة ولو أن هؤلاء الصحابة والتابعين والفقهاء أدركوا عصرنا هذا لربما تغيَّرت تقديراتهُم ، فالعُرفُ وأحوالُ الناس والعصرُ الذي يُعاش فيه لها مدخل وأثر في تحديد مقدار ما يُقدَّم للمسكين الواحد من القوت ، وبالجملة فما علينا الا أن نقف عند قوله سبحانه وتعالى { فديةٌ طعامُ مسكين } وندع تحديد الفدية وما يُقدَّم للمسكين إلى الناس ، بحيث يبذلون ما يرونه كافياً لإطعام المسكين ، لا سيما وأَن تقديم المدِّ الواحدِ والمدين والأربعة أمداد من القمح أو من التمر لم يعد ينفع المسكين وإنما أصبح المقبول والمتَّبع في عصرنا الراهن تقديمُ وجباتٍ من الطعام المطبوخ التى تطعم وتشبع .أ.هـ
وظاهر الآية : أنه يجب مطلق طعام ، ويحتاج التقييد إلى دليل.

قال ابن قدامه:
ويجزئ في الكفارة ما يجزئ في الفطرة من البر والشعير ودقيقها والتمر والزبيب وفي الاقط والخبز روايتان وكذلك يخرج في السويق فإن كان قوته غير ذلك من الحبوب كال الدُّخن [الدخن : نبات عشبى حبه صغير أملس كحب السمسم ] والذرة والأرز .........لقول الله تعالى :" من أوسط ما تطعمون أهليكم" ولأن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بالإطعام مطلقا ولم يرد تقييده بشيء من الأجناس فوجب ابقاؤه على إطلاقه ولأنه أطعم المسكين من طعامه فأجزأه كما لو كان طعامه برا فأطعمه منه وهذا أظهر.أ.هـ [ المغنى – جـ 6 صـ 121]

قال ابن حزم : [المحلى (ج 6 / ص 201)]:
ومن كان فرضه الاطعام فانه لابد له من أن يطعمهم شبعهم ، من أي شئ أطعمهم ، وان اختلف ، مثل أن يطعم بعضهم خبزا، وبعضهم تمرا، وبعضهم ثريدا، وبعضهم زبيبا، ونحو ذلك، ويجزئ في ذلك مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، إن أعطاهم حبا أو دقيقا أو تمرا أو زبيبا أو غير ذلك مما يؤكل ويكال، فان أطعمهم طعاما معمولا فيجزئه ما أشبعهم أكلة واحدة ، أقل أو أكثر......... ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نص ولا إجماع، ولم يُختلف فيما دون الشبع في الاكل ولا فيما دون المد في الاعطاء أنه لا يجزئ .............. ولا يجزئ إطعام رضيع لا يأكل الطعام ، ولا إعطاؤه من ذلك ، لانه لا يسمى إطعاما، فان كان يأكل كما تأكل الصبيان أجزأ إطعامه وإشباعه ، وإن أكل قليلا ، لانه أطعم كما أمر، وبالله تعالى التوفيق .أ.هـ

ملحوظه:
قال أبو عبيد في كتاب الأموال : وأما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم فيه أَعلمه أن الصاعَ عندهم خمسةُ أرطال وثلثٌ يعرفه عالِمُهم وجاهِلُهم ، ويباع في أسواقهم. وقال أبو يوسف القاضي : فقد فسَّرنا ما في الصاع من السنن وهو كما أعلمتُك خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ ، والمُدُّ رُبُعُه ، وهو رطل وثلث ، وذلك برطلنا هذا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً.
وبتقدير ما سبق بالأوزان الحديثة نقول ما يلي : إن المد يساوي 543 غراماً ، فيكون الصاع 2175غراماً ، أي كيلو غرامين ومائةً وخمسة وسبعين غراماً .أ.هـ [الجامع لأحكام الصيام - الطبعة الثانية - (ج 1 / ص 237)]

ملحوظة:
تصح الفدية عمن يُفدى عنه مع بداية رمضان ، او وسطه ، او آخره ، او بعده ، وتصح جملة واحدة بان يجمع ثلاثين مسكين ويطعمهم جميعا ، ويصح ان يطعم مسكينا واحدا كل يوم من رمضان فدية عن كل يوم ، خلاف الكفارة.

اما الكفارة:
فمعناها: الكفارة: ما يستغفر به الآثم من صدقة ، وصوم ، ونحو ذلك ، وقيل ما كُفِّرَ به من صدقة أَو صوم أَو نحو ذلك قال بعضهم كأَنه غُطِّيَ عليه بالكَفَّارة وهذا لأنّ الغاية من الكفّارة الزّجر.
وسميت الكَفَّاراتُ كفَّاراتٍ لأَنها تُكَفِّرُ الذنوبَ أَي تسترها مثل كَفَّارة الأَيْمان وكَفَّارة الظِّهارِ والقَتْل الخطإِ وقد بينها الله تعالى في كتابه وأَمر بها عباده

وقد حددت الشريعة أنواعا من الكفارات، منها كفارة اليمين ، وكفارة الصوم وكفارة ترك بعض مناسك الحج.

والكفارة فى الصيام عقوبة وزجر، بخلاف الفدية كما سبق بيان معنى الفدية فى الصيام ، فالكفارة عقوبة لمن أفطر عمدا فى رمضان ، واختلف الفقهاء هل يلزم من افطر عامدا الكفارة سواءٌ افطر بالاكل والشرب ونحوه أم الجماع ، أم بالجماع فقط ولهم فى ذلك خلاف واسع ، لكن الدليل الشرعى دل على ان الالزام بالكفارة يلزم من افطر عامدا بالجماع فقط - كما بينت ذلك عند الكلام على الافطار بالجماع - وصفة الكفارة الواجبة هي عتق رقبة لا يجزئه غيرها مادام يقدر عليها ، فان لم يقدر عليها لزمه صوم شهرين متتابعين ، فان لم يقدر علي الصوم لزمه حينئذ اطعام ستين مسكينا ، ولا يصح اطعام مسكينا واحدا ستين مرة ، بل لابد من عدد ستين ، ومقدار ما يطعم به كل مسكين كمقدار الفدية السابق بيانه........ ولا يجزئ اطعام أقل من ستين ، ولا صيام أقل من شهرين ، لانه خلاف ما أمر به.
قال ابن قدامه:
ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء
لأنه جامع في غير رمضان فلم تلزمه كفارة كما لو جامع في صيام الكفارة ويفارق القضاء الأداء لأنه متعين بزمان محترم فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء.أ.هـ
وإن جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية قبل التكفير عن الأول لم يخل من أن يكون في يوم واحد أو في يومين فإن كان في يوم واحد فكفارة واحدة تجزئه بغير خلاف بين أهل العلم وإن كان في يومين من رمضان لا تجزئ واحدة ويلزمه كفارتان اختاره القاضي وهو قول مالك و الليث و الشافعي وابن المنذر وروي ذلك عن عطاء ومكحول لأن كل يوم عبادة منفردة فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين وكالحجتين. أ.هـ [المغني - (ج 6 / ص 123 وما بعدها)]

س:ما معنى قوله تعالى " فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " [البقرة/184]
الجواب :
التطوع : السعي في أن يكون طائعاً غير مكره أي طاع طوعاً من تلقاء نفسه.
ولا شك أن الخير هنا متطوع به فهو الزيادة من الأمر الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة ، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن يكون المراد : فمن زاد على إطعام مسكيننٍ واحد فهو خير ، وهذا قول ابن عباس ، أو أن يكون : مَن أراد الإطعام مع الصيام ، قاله ابن شهاب ، وعن مجاهد : مَن زاد في الإطعام على المُدّ وهو بعيد؛ إذ ليس المُدّ مصرحاً به في الآية ، وقد أطعم أنس بن مالك خبزاً ولحماً عن كل يوم أفطره حين شاخ .

وظاهر هذه الآية العموم في كل تطوع بخير ، وإن كانت وردت في أمر الفدية في الصوم ، وظاهر التطوع : التخيير في أمر الجواز بين الفعل والترك ، وأن الفعل أفضل . ولا خلاف في ذلك.
" وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ " معناه الصوم خير له من الفدية ، وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه فهو خير له من أن يفطر ويفدي
فقوله : " وأن تصوموا " ترغيب في الصوم وتأنيس به ، وإن كان نازلاً في إباحته لصاحب المشقة كالهَرِم ، ويحتمل أن يرجع إلى قوله : " ومن كان مريضاً " وما بعده ، فيكون تفضيلاً للصوم على الفطر إلاّ أن هذا في السفر مختلف فيه بين الأئمة. [راجع تفسير- البغوى – البحر المحيط – التحرير والتنوير] .


فصل بيان بعض الاحكام المتعلقة بصيام التطوع

س : ما معنى " لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ " ؟
الجواب :
أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" . [مسلم كتاب الصوم بَاب لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ]
وفى رواية عند الدارقطنى:" و لا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم"
و فى أخري عند البغوي : " و لا تصلوا رمضان بشيء إلا أن يوافق ... "
[أوردهم الألباني في "السلسلة الصحيحة" 2 / 103]

قال النووى فى شرح مسلم:
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُل كَانَ يَصُوم صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ ) , فِيهِ التَّصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ اِسْتِقْبَال رَمَضَان بِصَوْمِ يَوْم وَيَوْمَيْنِ , لِمَنْ لَمْ يُصَادِف عَادَة لَهُ أَوْ يَصِلهُ بِمَا قَبْله , فَإِنْ لَمْ يَصِلهُ وَلَا صَادَفَ عَادَة فَهُوَ حَرَام , هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا ; لِهَذَا الْحَدِيث وَلِلْحَدِيثِ الْآخَر فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره ( إِذَا اِنْتَصَفَ شَعْبَان فَلَا صِيَام حَتَّى يَكُون رَمَضَان ) فَإِنْ وَصَلَهُ بِمَا قَبْله أَوْ صَادَفَ عَادَة لَهُ ; فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ صَوْمَ يَوْمٍ الِاثْنَيْنِ وَنَحْوه , فَصَادَفَهُ فَصَامَهُ تَطَوُّعًا بِنِيَّةِ ذَلِكَ جَازَ , لِهَذَا الْحَدِيث , وَسَوَاء فِي النَّهْي عِنْدنَا لِمَنْ لَمْ يُصَادِف عَادَتَهُ وَلَا وَصَلَهُ يَوْم الشَّكّ وَغَيْره , فَيَوْم الشَّكّ دَاخِلٌ فِي النَّهْي ..... وَاَللَّه أَعْلَم .

س : هل من تطوع بصوم ثم لم يتمه هل يأثم وهل عليه قضاؤه ؟
الجواب :
اختلف العلماء فى ذلك فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ قضاء نفل الصّوم إذا أفسده واجب ، واستدلوا بادلة لايصح منها شيئ الا ما جاء من قولهم أنّ ما أتى به قربةً ، فيجب صيانته وحفظه عن البطلان ، وقضاؤه عند الإفساد ، لقوله تعالى : « وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ » [محمد - 33] ولا يمكن ذلك إلاّ بإتيان الباقي ، فيجب إتمامه وقضاؤه عند الإفساد ضرورةً ، فصار كالحجّ والعمرة المتطوّعين.
والشّافعيّة والحنابلة ، لا يوجبون إتمام نافلة الصّوم ، ولا يوجبون قضاءها إن فسدت، وذلك لقول عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال:"هل عندكم شيء فقلت لا قال فإني صائم" ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي إلي حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قالت يا رسول الله إنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال:" أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم " فأكل منه ثم قال:" إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها" . [والحديث اخرجه مسلم والزيادة الاخيرة اخرجها النسائى - تحقيق الألباني : حسن ، الإرواء ( 4 / 135 - 136 )]

قال النووى فى شرح مسلم:
فى الحديث التَّصْرِيحُ بِالدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّ صَوْم النَّافِلَة يَجُوز قَطْعُهُ , وَالْأَكْل فِي أَثْنَاء النَّهَار , وَيَبْطُلُ الصَّوْمُ , لِأَنَّهُ نَفْلٌ , فَهُوَ إِلَى خِيَرَة الْإِنْسَان فِي الِابْتِدَاء , وَكَذَا فِي الدَّوَام , وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ , وَلَكِنَّهُمْ كُلّهمْ وَالشَّافِعِيّ مَعَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اِسْتِحْبَاب إِتْمَامه , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك : لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ وَيَأْثَم بِذَلِكَ , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَكْحُول وَالنَّخَعِيّ , وَأَوْجَبُوا قَضَاءَهُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَلَّا قَضَاءَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَهُ بِعُذْرٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.ا.هـ

ولحديث أمّ هانئ رضي الله تعالى عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، فدعا بشراب فشرب ، ثمّ ناولها فشربت ، فقالت : يا رسول اللّه ، أما إنّي كنت صائمةً ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الصّائم المتطوّع أمين نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر » وفي رواية : « أمير نفسه » . [تحقيق الألباني : صحيح تخريج المشكاة ( 2079 ) ، صحيح أبي داود ( 2120 )]

ولحديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال : صنعت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم طعاماً ، فأتاني هو وأصحابه ، فلمّا وضع الطّعام قال رجل من القوم : إنّي صائم ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « دعاكم أخوكم ، وتكلّف لكم. ثمّ قال له : أفطر ، وصم مكانه يوماً إن شئت ». [أخرجه البيهقى قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 7/12 :حسن ].
ولأنّ القضاء يتبع المقضيّ عنه ، فإذا لم يكن واجباً ، لم يكن القضاء واجباً ، بل يستحبّ. ونصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّ من شرع في نافلة صوم لم يلزمه الإتمام ، لكن يستحبّ ، ولا كراهة ولا قضاء في قطع صوم التّطوّع مع العذر, أمّا مع عدم العذر فيكره ، لقوله تعالى : « وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ » .
ومن العذر أن يعزّ على من ضيّفه امتناعه من الأكل , وإذا أفطر فإنّه لا يثاب على ما مضى إن أفطر بغير عذر ، وإلاّ أثيب.

أما الواجب فقال ابن قدامة:
ومن دخل في واجب كقضاء رمضان أو نذر معين أو مطلق أو صيام كفارة لم يجز له الخروج منه لأن المتعين وجب عليه الدخول فيه وغير المتعين تعين بدخوله فيه فصار بمنزلة الفرض المتعين وليس في هذا خلاف بحمد الله.أ.هـ
[المغني - (ج 6 / ص 159)]

س: هل يصح التطوع بالصيام قبل صيام قضاء رمضان ؟
الجواب:
بوب البخاري فى كتاب الصوم بَاب مَتَى يُقْضَى قَضَاءُ رَمَضَانَ..............وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ.

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله : ( وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِي صَوْم الْعَشْر لَا يَصْلُح حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ ) وَفى رواية اِبْن أَبِي شَيْبَة " لَا بَأْس أَنْ يَقْضِي رَمَضَان فِي الْعَشْر " وَظَاهِر قَوْله جَوَاز التَّطَوُّع بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ رَمَضَان , إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَصُوم الدَّيْنَ أَوَّلًا لِقَوْلِهِ " لَا يَصْلُح " فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِرْشَاد إِلَى الْبُدَاءَة بِالْأَهَمِّ وَالْآكَد , وَقَدْ رَوَى عَبْد الرَّزَّاق عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ إِنَّ عَلَيَّ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَان أَفَأَصُوم الْعَشْرَ تَطَوُّعًا ؟ قَالَ : لَا , اِبْدَأْ بِحَقِّ اللَّه ثُمَّ تَطَوَّعْ مَا شِئْت . وَعَنْ عَائِشَة نَحْوه ، قَالَ وَرَوَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ نَحْوُهُ عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ , وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبّ ذَلِكَ .أ.هـ

وفى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
س: هل من صام ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان إلا أنه لم يكمل صوم رمضان، حيث قد أفطر من شهر رمضان عشرة أيام بعذر شرعي، هل يثبت له ثواب من أكمل صيام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، وكان كمن صام الدهر كله؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

ج:والذي ينبغي لمن كان عليه شيء من أيام رمضان أن يصومها أولا ثم يصوم ستة أيام من شوال؛ لأنه لا يتحقق له اتباع صيام رمضان لست من شوال إلا إذا كان قد أكمل صيامه. [ الفتوى رقم (2264)]
وفى فتوي اخري: وأما القضاء للصوم الواجب فيكون قبل صيام الست من شوال.

وفى مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: [(ج 20 / ص 6 وما بعدها)]

سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ: هل يحصل ثواب الست من شوال لمن عليه قضاء من رمضان قبل أن يصوم القضاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام ستة أيام من شوال لا يحصل ثوابها إلا إذا كان الإنسان قد استكمل صيام شهر رمضان، فمن عليه قضاء من رمضان فإنه لا يصوم ستة أيام من شوال إلا بعد قضاء رمضان، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال...» وعلى هذا نقول لمن عليه قضاء: صم القضاء أولاً، ثم صم ستة أيام من شوال، فإن انتهى شوال قبل أن يصوم الأيام الستة لم يحصل له أجرها إلا أن يكون التأخير لعذر.... وعلى هذا فلا يثبت أجر صيام ستة من شوال لمن صامها وعليه قضاء من رمضان إلا إذا قضى رمضان ثم صامها.

وسئل فضيلة الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا كان على المرأة دين من رمضان فهل يجوز أن تقدم الست على الدين أم الدين على الست؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان على المرأة قضاء من رمضان فإنها لا تصوم الستة أيام من شوال إلا بعد القضاء، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال» ومن عليها قضاء من رمضان لم تكن صامت رمضان فلا يحصل لها ثواب الأيام الست إلا بعد أن تنتهي من القضاء، فلو فرض أن القضاء استوعب جميع شوال، مثل أن تكون امرأة نفساء ولم تصم يوماً من رمضان، ثم شرعت في قضاء الصوم في شوال ولم تنته إلا بعد دخول شهر ذي القعدة ، فيحصل الاجر للعذر. أ.هـ

س : ما المقصود بإستئذان المرأة زوجها فى صيام التطوع ؟
الجواب :
اتّفق الفقهاء على أنّه ليس للمرأة أن تصوم تطوّعاً إلاّ بإذن زوجها ، لما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ" [ البخاري - كتاب الصوم - بَاب صَوْمِ الْمَرْأَةِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا تَطَوُّعًا]

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله ( لَا يَحِلّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُوم وَزَوْجهَا ) يَلْتَحِق بِهِ السَّيِّد بِالنِّسْبَةِ لِأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلّ لَهُ وَطْؤُهَا
قَوْله ( شَاهِد ) أَيْ حَاضِر . قَوْله ( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) يَعْنِي فِي غَيْر صِيَام أَيَّام رَمَضَان , وَكَذَا فِي غَيْر رَمَضَان مِنْ الْوَاجِب إِذَا تَضَيّقَ الْوَقْت..... قال الشّافعيّة : وعلمها برضاه كإذنه...... ولا تحتاج المرأة إلى إذن الزّوج إذا كان غائباً ، لمفهوم الحديث ولزوال معنى النّهي...... ومثل الغائب عند الحنفيّة : المريض ، والصّائم والمحرم بحجّ أو عمرة ، قالوا : وإذا كان الزّوج مريضاً أو صائماً أو محرماً لم يكن له منع الزّوجة من ذلك ، ولها أن تصوم وإن نهاها.

وَدَلَّتْ رِوَايَة الْبَاب عَلَى تَحْرِيم الصَّوْم الْمَذْكُور عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور ,
وَيُؤَكِّد التَّحْرِيم ثُبُوت الْخَبَر بِلَفْظِ النَّهْي

قَالَ النَّوَوِيّ فِي " شَرْح مُسْلِم " : وَسَبَب هَذَا التَّحْرِيم أَنَّ لِلزَّوْجِ حَقّ الِاسْتِمْتَاع بِهَا فِي كُلّ وَقْت , وَحَقّه وَاجِب عَلَى الْفَوْر فَلَا يَفُوتهُ بِالتَّطَوُّعِ وَلَا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي , وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهَا الصَّوْم بِغَيْرِ إِذْنه وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِمْتَاع بِهَا جَازَ وَيُفْسِد صَوْمهَا لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ الْمُسْلِم يَهَاب اِنْتَهَاك الصَّوْم بِالْإِفْسَادِ , وَلَا شَكّ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ خِلَاف ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَثْبُت دَلِيل كَرَاهَته , نَعَمْ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَمَفْهُوم الْحَدِيث فِي تَقْيِيده بِالشَّاهِدِ يَقْتَضِي جَوَاز التَّطَوُّع لَهَا إِذَا كَانَ زَوْجهَا مُسَافِرًا , فَلَوْ صَامَتْ وَقَدِمَ فِي أَثْنَاء الصِّيَام فَلَهُ إِفْسَاد صَوْمهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْر كَرَاهَة , وَفِي مَعْنَى الْغَيْبَة أَنْ يَكُون مَرِيضًا بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجِمَاع ......وَفِي الْحَدِيث أَنَّ حَقّ الزَّوْج آكَد عَلَى الْمَرْأَة مِنْ التَّطَوُّع بِالْخَيْرِ , لِأَنَّ حَقّه وَاجِب وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ مُقَدَّم عَلَى الْقِيَام بِالتَّطَوُّعِ .أ.هـ

ولو صامت المرأة بغير إذن زوجها صحّ مع الحرمة عند جمهور الفقهاء ،
لأنّ حقّ الزّوج فرض، فلا يجوز تركه لنفل.

وإذا صامت الزّوجة تطوّعاً بغير إذن زوجها فله أن يفطّرها ، وخصّ المالكيّة جواز تفطيرها بالجماع فقط ، أمّا بالأكل والشّرب فليس له ذلك ، لأنّ احتياجه إليها الموجب لتفطيرها إنّما هو من جهة الوطء.

س: ماذا على من دُعى الى طعام وهو صائم ؟
الجواب:

أخرج البخاري عَنْ نَافِعٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَهُوَ صَائِمٌ " . [البخاري - كتاب النكاح - باب إجابة الداعى فى العرس وغيره]
قال ابن حجر فى الشرح:
قوله:" إِذَا دُعِيَ أَحَدكُمْ إِلَى وَلِيمَة عُرْس فَلْيُجِبْ " وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم بِلَفْظِ " إِذَا دَعَا أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوه " وَلِمُسْلِمٍ أيضا بِلَفْظِ " مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْس أَوْ نَحْوه فَلْيُجِبْ "......وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيث بَعْض الشَّافِعِيَّة فَقَالَ بِوُجُوبِ الْإِجَابَة إِلَى الدَّعْوَة مُطْلَقًا عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْره بِشَرْطِهِ ; وَزَعَمَ اِبْن حَزْم أَنَّهُ قَوْل جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِير الصَّحَابَة أَنَّهُ قَالَ فِي وَلِيمَة الْخِتَان لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهَا ,

وَجَزَمَ بِعَدَمِ الْوُجُوب فِي غَيْر وَلِيمَة النِّكَاح الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَالْحَنَابِلَة وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة ; وَلَفْظ الشَّافِعِيّ : إِتْيَان دَعْوَة الْوَلِيمَة حَقّ , وَالْوَلِيمَة الَّتِي تُعْرَف وَلِيمَة الْعُرْس , وَكُلّ دَعْوَة دُعِيَ إِلَيْهَا رَجُل وَلِيمَة فَلَا أُرَخِّص لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا , وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّن أَنَّهُ عَاصٍ فِي تَرْكهَا كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَة الْعُرْس .

وَوَقَعَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ " فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ , وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ "...... وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " بَاب حَقّ إِجَابَة الْوَلِيمَة " أَنَّ أُبَيّ بْن كَعْب لَمَّا حَضَرَ الْوَلِيمَة وَهُوَ صَائِم أَثْنَى وَدَعَا "........ وَعِنْد أَبِي عَوَانَة : " كَانَ اِبْن عُمَر إِذَا دُعِيَ آجَابَ , فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَكَلَ , وَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا لَهُمْ وَبَرَّكَ ثُمَّ اِنْصَرَفَ ".

وَهَلْ يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يُفْطِر إِنْ كَانَ صَوْمه تَطَوُّعًا ؟ قَالَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة وَبَعْض الْحَنَابِلَة : إِنْ كَانَ يَشُقّ عَلَى صَاحِب الدَّعْوَة صَوْمه فَالْأَفْضَل الْفِطْر وَإِلَّا فَالصَّوْم , وَأَطْلَقَ الرُّويَانِيّ وَابْن الْفَرَّاء اِسْتِحْبَاب الْفِطْر , وَيَبْعُد إِطْلَاق اِسْتِحْبَاب الْفِطْر مَعَ وُجُود الْخِلَاف وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ وَقْت الْإِفْطَار قَدْ قَرُبَ ، وَيُؤْخَذ مِنْ فِعْل اِبْن عُمَر أَنَّ الصَّوْم لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْك الْإِجَابَة وَلَا سِيَّمَا مَعَ وُرُود الْأَمْر لِلصَّائِمِ بِالْحُضُورِ وَالدُّعَاء , نَعَمْ لَوْ اِعْتَذَرَ بِهِ الْمَدْعُوّ فَقَبِلَ الدَّاعِي عُذْره لِكَوْنِهِ يَشُقّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْكُل إِذَا حَضَرَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي التَّأَخُّر .

وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم " إِذَا دُعِيَ أَحَدكُمْ إِلَى طَعَام فَلْيُجِبْ , فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك "................قَالَ النَّوَوِيّ : وَتُحْمَل رِوَايَة جَابِر عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة اِبْن مَاجَهْ فِيهِ بِلَفْظِ " مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فَلْيُجِبْ , فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ " وَيَتَعَيَّن حَمْله عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا نَفْلًا , وَيَكُون فِيهِ حُجَّة لِمَنْ اِسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَخْرُج مِنْ صِيَامه لِذَلِكَ , وَيُؤَيِّدهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَط " عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ " دَعَا رَجُل إِلَى طَعَام , فَقَالَ رَجُل : إِنِّي صَائِم , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعَاكُمْ أَخَاكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ , أَفْطِرْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانه إِنْ شِئْت " [ سبق تخريجه ]....وَاللَّهُ أَعْلَم .أ.هـ

وأخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ :" أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا.."
[ البخاري - كتاب الصوم - باب من زار قوما فلم يفطر عندهم ]

ومما يستفاد من الحديث أن للصائم المتطوع إذا زار قوما , و قدموا له طعاما أن لا يفطر , و لكن يدعو لهم بخير. (ذكره الالبانى فى الصحيحة)


فصل فى بيان ما يستحب صومه من الايام

س : ما الذى يستحب صومه من الأيام ؟
الجواب :
1- إتباع رمضان بصيام ست من شوال:
بوب مسلم فى كتاب الصيام - بَاب اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعًا لِرَمَضَانَ
واور فيه عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"
قال النووى فى الشرح:
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ صَامَ رَمَضَان ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْر ) فِيهِ دَلَالَة صَرِيحَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَمُوَافِقَيْهِمْ فِي اِسْتِحْبَاب صَوْم هَذِهِ السِّتَّة , وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : يُكْرَه ذَلِكَ , قَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّإِ : مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم يَصُومهَا , قَالُوا : فَيُكْرَهُ ; لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ . وَدَلِيل الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح الصَّرِيح , وَإِذَا ثَبَتَتْ السُّنَّة لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ لَهَا , وَقَوْلهمْ : قَدْ يُظَنّ وُجُوبهَا , يُنْتَقَض بِصَوْمِ عَرَفَة وَعَاشُورَاء وَغَيْرهمَا مِنْ الصَّوْم الْمَنْدُوب . قَالَ أَصْحَابنَا : وَالْأَفْضَل أَنْ تُصَامَ السِّتَّةُ مُتَوَالِيَةً عَقِبَ يَوْم الْفِطْرِ , فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَائِل شَوَّال إِلَى أَوَاخِره حَصَلَتْ فَضِيلَة الْمُتَابَعَةُ ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال , قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْر ; لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا , فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ , وَالسِّتَّة بِشَهْرَيْنِ.أ.هـ

قَالَ أَبُو عِيسَى - الترمذى - حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ هُوَ حَسَنٌ هُوَ مِثْلُ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَيُرْوَى فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ وَيُلْحَقُ هَذَا الصِّيَامُ بِرَمَضَانَ وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ تَكُونَ سِتَّةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ إِنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُتَفَرِّقًا فَهُوَ جَائِزٌ . [الترمذى - كتاب الصوم - باب ما جاء فى صيام ستة ايام من شوال]
قال المباركفوري فى تحفة الاحوذى:
قُلْت : قَوْلُ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ صَوْمِ هَذِهِ السِّتَّةِ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ , وَلِذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ : بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ اِبْنُ الْهُمَامِ : صَوْمُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَرَاهَتُهُ , وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا اِنْتَهَى.أ.هـ

2- صيام عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين:
عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم وهذا قول وسعيد ابن المسيب والحسن ، وأما يوم عرفة فهو اليوم التاسع من ذي الحجة سمي بذلك لأن الوقوف بعرفة فيه...........وهو يوم شريف عظيم وعيد كريم وفضلة كبير وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن صيامه يكفر سنتين.

وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ " . [مسلم - كتاب الصيام - باب استحباب صيام ثلاثة ايام من كل شهر]

قال النووى فى الشرح:
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صِيَام يَوْم عَرَفَة أَحْتُسِبَ عَلَى اللَّه أَنْ يُكَفِّر السَّنَة الَّتِي قَبْلَهُ , وَالسَّنَة الَّتِي بَعْده ) مَعْنَاهُ : يُكَفِّر ذُنُوب صَائِمه فِي السَّنَتَيْنِ , قَالُوا : وَالْمُرَاد بِهَا الصَّغَائِر ، وإِنْ لَمْ تَكُنْ صَغَائِرُ يُرْجَى التَّخْفِيف مِنْ الْكَبَائِر , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُفِعَتْ دَرَجَات .أ.هـ
وعن ابن عباس قال حين صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم" . [أخرجه أبو داود (2445) قال الألباني : صحيح]

ولذلك يستحب صوم التاسع والعاشر نص عليه أحمد وهو قول إسحاق قال أحمد : فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر.
ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصومه ليتقوى على الدعاء ، وأكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة ، ولأن الصوم يضعفه ويمنعه الدعاء في هذا اليوم المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يُقصد من كل فج عميق رجاء فضل الله فيه وإجابة دعائه به ، فكان تركه أفضل...... و قال ابن عمر :" حججت مع النبي صلى الله عليه و سلم فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه" . [قال الألباني : صحيح ، أنظر صحيح أبي داود ( 2109 )]

3- صيام شهر الله المحرم:
فى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ" . [مسلم - كتاب الصيام - بَاب فَضْلِ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ]

قال النووى فى الشرح:
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْضَل الصِّيَام بَعْد رَمَضَان شَهْر اللَّه الْمُحَرَّم ) تَصْرِيح بِأَنَّهُ أَفْضَل الشُّهُور لِلصَّوْمِ , وَقَدْ سَبَقَ الْجَوَاب عَنْ إِكْثَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَوْم شَعْبَان دُون الْمُحْرِم , وَذَكَرنَا فِيهِ جَوَابَيْنِ : أَحَدهمَا : لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَلِمَ فَضْلَهُ فِي آخِر حَيَاته , وَالثَّانِي : لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِض فِيهِ أَعْذَار , مَنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.أ.هـ

4- صيام شعبان:
فى الحديث عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنْ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إلَّا شَعْبَانَ يَصِلُ بِهِ رَمَضَانَ" . [ أبو داود (2336 ) قال الألباني : صحيح]

واخرج النسائى عن عائشة :" قالت لقد كانت إحدانا تفطر في رمضان فما تقدر على أن تقضي حتى يدخل شعبان وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر ما يصوم في شعبان كان يصومه كله إلا قليلا بل كان يصومه كله" .
[قال الألباني : صحيح ، التعليق الرغيب ( 2 / 80 )]

وعن عائشة أنها قالت :" ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله " . [قال الألباني : صحيح ، ابن ماجة ( 1648 )]
وفى الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ " . [البخاري - كتاب الصوم - باب صوم شعبان]

ويبين تعليل اكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام فى شعبان ما أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ " قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَمْ أَرَك تَصُومُ مِنْ شَهْر مِنْ الشُّهُور مَا تَصُوم مِنْ شَعْبَان , قَالَ : ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان , وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ " وَنَحْوُهُ مِنْ حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَبِي يَعْلَى لَكِنْ قَالَ فِيهِ " إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ , فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِم " وَلَا تَعَارُضَ بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي النَّهْي عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم أَوْ يَوْمَيْنِ , وَكَذَا مَا جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْ صَوْم نِصْف شَعْبَانَ الثَّانِي , فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تِلْكَ الْأَيَّام فِي صِيَامٍ اِعْتَادَهُ.أ.هـ [ ذكره ابن حجر فى شرح البخاري]

قال الشوكانى:
أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ تَارَةً ، وَيَصُومُ مُعْظَمَهُ أُخْرَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ كُلَّهُ كَرَمَضَانَ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا : " كُلَّهُ " أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ أَوَّلِهِ تَارَةً وَمِنْ آخِرِهِ أُخْرَى ، وَمِنْ أَثْنَائِهِ طَوْرًا فَلَا يُخَلِّي شَيْئًا مِنْهُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا يَخُصُّ بَعْضًا مِنْهُ بِصِيَامٍ دُونَ بَعْضٍ .
وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : إمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ عَائِشَةَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ، وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ ، وَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّ قَوْلَهَا : " إنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ " مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهَا : " إنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَهُ " وَأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ أَخْبَرَتْ عَنْ آخِرِهِ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهَا : " وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .أ.هـ [نيل الأوطار - (ج 7 / ص 149)]

ملحوظة:
أخرج ابو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا" . [قال الألباني :(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 397 في صحيح الجامع]‏.‏
قال فى عون المعبود:
قَالَ الْحَافِظ فِي الْفَتْح : قَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا تَعَارُض بَيْن حَدِيث النَّهْي عَنْ صَوْم نِصْف شَعْبَان الثَّانِي وَالنَّهْي عَنْ تُقَدَّم رَمَضَان بِصَوْمِ يَوْم أَوْ يَوْمَيْنِ وَبَيْن وِصَال شَعْبَان بِرَمَضَان وَالْجَمْع مُمْكِن بِأَنْ يُحْمَل النَّهْي عَلَى مَنْ لَيْسَتْ لَهُ عَادَة بِذَلِكَ وَيُحْمَل الْأَمْر عَلَى مَنْ لَهُ عَادَة حَمْلًا لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ عَلَى مُلَازَمَة عَادَة الْخَيْر حَتَّى لَا يَقْطَع اِنْتَهَى مُلَخَّصًا.أ.هـ

قال ابن القيم فى تعليقاته على ابى داود:
وَأَمَّا ظَنُّ مُعَارَضَته بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى صِيَام شَعْبَان , فَلَا مُعَارَضَة بَيْنهمَا , وَإِنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى صَوْم نِصْفه مَعَ مَا قَبْله , وَعَلَى الصَّوْم الْمُعْتَاد فِي النِّصْف الثَّانِي , وَحَدِيث الْعَلَاء يَدُلّ عَلَى الْمَنْع مِنْ تَعَمُّد الصَّوْم بَعْد النِّصْف , لَا لِعَادَةٍ , وَلَا مُضَافًا إِلَى مَا قَبْله , وَيَشْهَد لَهُ حَدِيث التَّقَدُّم.أ.هـ
(قلت : حديث التقدم " لاتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ")

5- صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع:
أخرج الترمذى عن عائشة قالت :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس" . [قال الألباني : صحيح ، ابن ماجة ( 1739 )]

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم". [قال الألباني : صحيح ، الإرواء ( 949 )]

وأخرج الترمذى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر فيهما لمن لا يشرك بالله شيئا إلا المهتجرين يقال ردوا هذين حتى يصطلحا" ( وفى لفظ " ذروا" ). [قال الألباني : صحيح ، الإرواء ( 3 / 105 )]

وعند ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس فقيل يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس فقال :" إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول دعهما حتى يصطلحا" . [ قال الألباني : صحيح ، التعليق على الترغيب ( 2 / 84 - 85 )]

6- صوم الايام البيض:
بوب البخاري فى كتاب الصوم - باب صيام أيام البيض ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ.....
وأورد فيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ"

وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ..." . [البخارى - كتاب الصوم - باب حق الجسم فى الصوم]

وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَال سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ " . [الترمذى كتاب - الصوم - باب ما جاء فى صيام ثلاثة ايام من كل شهر - قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/102 : حسن] .

وفى الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال :" صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر و هي أيام البيض : صبيحة ثلاث عشرة و أربع عشرة و خمس عشرة " . [قال الألباني ‏(‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 3849 في صحيح الجامع‏].‏

وأخرج أبو داود عن ابن ملحان القيسي عن أبيه قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة قال وقال هن كهيئة الدهر" . [قال الألباني : صحيح (2449)]

وفى الحديث عن أبي ذر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن كنت صائما فعليك بالغر البيض : ثلاث عشرة و أربع عشرة و خمس عشرة ". [قال الألباني (‏حسن‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 1435 في صحيح الجامع‏].‏

وعن ابن عباس‏ ان النبي صلى الله عليه وسلم :" كان لا يدع صوم أيام البيض في سفر و لا حضر" . [قال الألباني ‏(‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏:‏ 4848 في صحيح الجامع‏].‏

7- العشر من ذى الحجة:
ذهب بعض أهل العلم الى أن صيام التسع الاولى من ذى الحجة مستحب وذلك لما رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ : " أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صِيَامُ عَاشُورَاءَ ، وَالْعَشْرِ ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ " . [هذا الحديث ضعيف لايصح قال الألبانى فى "إرواء الغليل" 4/111 : ضعيف] .
وقال أخرون مع هؤلاء َقَدْ وردت أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعَمَلِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى الْعُمُومِ ، وَالصَّوْمُ مُنْدَرِجٌ تَحْتِهَا.

ولكن أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :" مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ ". [مسلم - كتاب الصيام - باب صيام العشر من ذى الحجة]

قال النووى فى الشرح:
( بَاب صَوْم عَشْر ذِي الْحِجَّة ) فِيهِ قَوْل عَائِشَة : ( مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْر قَطُّ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَمْ يَصُمْ الْعَشْر ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُوهِم كَرَاهَة صَوْم الْعَشَرَة , وَالْمُرَاد بِالْعَشْرِ هُنَا : الْأَيَّام التِّسْعَة مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة , قَالُوا : وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل فَلَيْسَ فِي صَوْم هَذِهِ التِّسْعَة كَرَاهَة , بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة اِسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِع مِنْهَا , وَهُوَ يَوْم عَرَفَة , وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيث فِي فَضْله , وَثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا مِنْ أَيَّام الْعَمَل الصَّالِح فِيهَا أَفْضَل مِنْهُ فِي هَذِهِ " - يَعْنِي : الْعَشْر الْأَوَائِل مِنْ ذِي الْحِجَّة - . فَيَتَأَوَّل قَوْلهَا : لَمْ يَصُمْ الْعَشْر , أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَض أَوْ سَفَر أَوْ غَيْرهمَا , أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ , وَلَا يَلْزَم عَنْ ذَلِكَ عَدَم صِيَامه فِي نَفْس الْأَمْر. وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث هُنَيْدَة بْن خَالِد عَنْ اِمْرَأَته عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم تِسْع ذِي الْحِجَّة , وَيَوْم عَاشُورَاء , وَثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر : الِاثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْر وَالْخَمِيس وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أ.هـ
قلت : حديث هنيده بن خالد ‏(‏قال الالبانى : ضعيف‏)‏. [انظر حديث رقم‏:‏ 4570 في ضعيف الجامع‏ ].‏


فصل فى بيان علاقة الاعتكاف بالصيام

س : هل يصح الاعتكاف بلا صيام ام يلزم ان يكون المعتكف صائما ؟
الجواب:
بوب البخاري فى كتاب الاعتكاف - باب من لم ير عليه صوم اذا اعتكف:
واخرج فيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ :" لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْفِ نَذْرَكَ فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً"
وأخرجه مسلم فى كتاب الايمان وقال النووى فى الشرح:
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ فِي صِحَّة الِاعْتِكَاف بِغَيْرِ صَوْم , وَفِي صِحَّته بِاللَّيْلِ كَمَا يَصِحّ بِالنَّهَارِ . سَوَاء كَانَتْ لَيْلَة وَاحِدَة أَوْ بَعْضهَا , أَوْ أَكْثَر , وَدَلِيله حَدِيث عُمَر هَذَا.
هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر , وَهُوَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود , وَقَالَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالزُّهْرِيّ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة عَنْهُمَا : لَا يَصِحّ إِلَّا بِصَوْمٍ , وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء.أ.هـ
وأخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً فَأَذِنَتْ لَهَا فَضَرَبَتْ خِبَاءً فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْأَخْبِيَةَ فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ
[البخاري - كتاب الاعتكاف - باب اعتكاف النساء]

قال ابن حجر فى الشرح:
قَوْله : ( فَتَرَكَ الِاعْتِكَاف ذَلِكَ الشَّهْر , ثُمَّ اِعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّال ) فِي رِوَايَة " فَرَجَعَ فَلَمَّا أَنْ اِعْتَكَفَ " وَفِي رِوَايَة " فَلَمْ يَعْتَكِف فِي رَمَضَان حَتَّى اِعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْر مِنْ شَوَّال " وَفِي رِوَايَة " فَلَمْ يَعْتَكِف فِي رَمَضَان حَتَّى اِعْتَكَفَ فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال " , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الِاعْتِكَاف بِغَيْرِ صَوْم , لِأَنَّ أَوَّل شَوَّال هُوَ يَوْم الْفِطْر وَصَوْمه حَرَام. أ.هـ

قلت : فالأدلة تدل ان الاعتكاف لايشترط له الصيام بالرغم من ان اشتراط الصيام قول كثير من اهل العلم فتنبه!!!


***********









خاتمة
هذا وبالله تعالى السداد والتوفيق ، وهو الهادى الى الرشاد والى الحق المبين ، فهذا الذى بين يديك أخى القارئ الكريم جهد المقل ، ومن لابضاعة له الا الاخذ عن السابقين - ان استطاع - فإن وجدت خيرا فمن الله وحده وبتوفيقه وهدايته وارشاده ، وما وجدت غير ذلك فمنى ومن هوى نفسى وجهلها ومن الشيطان - عياذا بالله منه - وبعد أخى الحبيب أينما كنت وأياً كنت ، ان وجدت خيرا فاحمد وادعوالله بالقبول والاجر الوفير ، وإن وجدت غير ذلك فأستر وانصح وسل الله العفو والمغفرة والهداية للخير والبعد عن الغى والضلال ، أعاذنا الله من الغى والضلال فى الدنيا والأحرة ....آمين

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد الا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك


وكتبه راجى عفو ربه الغفور
الفقير الى رحمة الله تعالى
(أبو محمد وابراهيم)
د / السيد العربى بن كمال
دكتور بمركز البحوث الزراعية

ابو محمد الطائفي
04-09-07, 01:20 PM
ضع البحث على ملف وورد تكفى يا العربي

أبو يوسف السلفى
04-09-07, 03:32 PM
جزاك الله خيراً شيخنا الجليل على كتابك النافع
ونرجو منك أن تتكرم علينا بمشاركاتك المفيدة في قسم: (منتدى أهل السنة والجماعة)
بارك الله فيك وحفظك من كل سوء

أبو يوسف السلفى
04-09-07, 03:44 PM
هذا هو الكتاب في ملف وورد مضغوط

عمر رحال
09-09-07, 05:57 PM
جزاكم الله خيرًا .

مهنَّد المعتبي
20-09-07, 06:31 PM
جهد مبارك ...
نفع الله بك ..

أبو يزيد المدني
27-02-09, 10:38 PM
بارك الله فيك