المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب الحج من عمدة الفقه للشيخ العلاّمة محمد المختار الشنقيطي - المدرس بالحرم النبوي-


أبو زيد الشنقيطي
21-10-07, 06:08 PM
قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى : [ كتاب الحج والعمرة ] :
الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على سبيله ، ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد :

فيقول المصنف -رحمه الله- : [ كتاب الحج والعمرة ] : يشتمل هذا الكتاب على بيان الركن الخامس من أركان الإسلام وهو ركن الحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا ، ومن عادة العلماء من المحدثين والفقهاء أن يختموا أركان الإسلام ببيان أحكام الحج وأحكام العمرة ؛ وذلك لأن النبي صصص رتّب هذه الأركان فجعل خاتمتها الحج ؛ كما في الصحيح من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صصص : (( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا )).

ومناسبة كتاب الحج لكتاب الصوم واضحة ، وقد رتبها المصنف على ترتيب السنة .

والحج في لغة العرب : القصد . قال بعض العلماء : القصد إلى كل شيء حج .

وقال بعض أئمة اللغة : بل إنه يختص بالقصد إلى الأشياء المعظمة ، وأيا ما كان فإن أصل معناه القصد .

وأما في الاصطلاح : فهو القصد إلى بيت الله الحرام والمناسك بأفعال مخصوصة ونية مخصوصة. وأما العمرة فإنها في لغة العرب : الزيارة ، وأما في اصطلاح العلماء فهي زيارة البيت بطوافه والسعي بين الصفا والمروة .

وهاتان العبادتان متلازمتان ، ولذلك يقول العلماء : الحج نوعان : حج أكبر ، وحج أصغر. فالحج الأكبر هو الحج إلى بيت الله الحرام ، وأداء المناسك من : الوقوف بعرفة ، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى ، وهذه كلها متعلقة بالحج الأكبر ، وأما بالنسبة للحج الأصغر فهو العمرة ؛ وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك بقوله سبحانه : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } فبين أن الحج فيه أكبر وفيه أصغر .

والأصل في مشروعية الحج دليل الكتاب والسنة والإجماع :

أما كتاب الله ؛ فإن الله تعالى يقول : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } .

وأما السنة فأحاديث ، منها : حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- المتقدم حيث عدّ النبي صصص الحج إلى بيت الله الحرام ركنا من أركان الإسلام .

وكذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث سؤال الأعرابي النبي صصص عن فرائض الإسلام ، وذكر منها الحج .

وأما الإجماع فقد أجمع العلماء -رحمهم الله- على فرضية الحج، وأنه ركن من أركان الإسلام. وأما العمرة فإن العلماء -رحمهم الله- اختلفوا فيها على قولين :

قال بعض العلماء : إنها واجبة ، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعية في المشهور وقال به بعض أئمة السلف -رحمة الله على الجميع- .

ومنهم من قال : إنها سنة مستحبة وليست بواجبة كما هو مذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة ؛ والدليل على وجوبها أن الله تعالى قال : { ولله على الناس حج البيت } فأمر عباده بالحج إلى بيته ، وبيّن في كتابه أن الحج حج أكبر وأصغر، فدل على وجوبهما ، ولم يأتِ دليل بإخراج العمرة من هذا الأصل .

وأما السنة فإن النبي صصص قال لأبي رزين العقيلي -رضي الله عنه وأرضاه- وقد سأل النبي صصص في فريضة الحج حيث أدركت أباه شيخا كبيرا لا يستقيم على الراحلة . فقال له : حج عن أبيك واعتمر ، فقد صحح هذا ا لحديث غير واحد من أئمة الحديث كالإمام الترمذي -رحمه الله- وغيره .

فقوله عليه الصلاة والسلام : (( حج عن أبيك واعتمر )) فأمره أن يعتمر؛ فدل على وجوب العمرة .

وقد قال صصص كما في حديث عائشة الحسن في السنن عنها -رضي الله عنها- أن النبي صصص لما سألته أَعَلَى النساء جهاد ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : (( عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة )) وبناء على ذلك فأصح قولي العلماء هو وجوب العمرة .

وأما الذين قالوا بعدم الوجوب فقد قالوا إن الكتاب نص على وجوب الحج ولم ينص على وجوب العمرة .

والجواب عن ذلك ظاهر حيث إن الحج شامل للأصغر والأكبر كما دلت عليه نصوص الكتاب وكذلك الأحاديث التي وردت بالأمر بالحج يندرج تحتها العمرة .

وأما بالنسبة لقوله -رحمه الله-: [ كتاب الحج والعمرة ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالحج إلى بيت الله الحرام والعمرة ، وكلتا العبادتين عظيم عند الله أجرها عظيم ثوابها ؛ وقد قال صصص في الحديث الصحيح : (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )) ، وقال صصص: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) وهما من أجلّ ما يتقرب به العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، وما من مسلم يخرج من بيته من أجل أداء هذه العبادة حجا كانت أو عمرة فقصدهما لوجه الله إلا كان أجره وثوابه على الله عز وجل ، ولذلك عُدّ الخروج في الحج من أعظم الخروج ثواباً وأجراً كما أخبر النبي صصص في فضائل الأعمال أن منها الحج المبرور ، ولا يكون الإنسان بارا في حجه إلا إذا استجمع أسباب البر التي أعظمها الإخلاص لله عز وجل ، وطيب المكسب ، وتحري السنة وهدي النبي صصص في حجه ، فهو منذ أن يتجرد من ثيابه ، ويتجرد من مخيطه ، ويلبس ثوبيه ، يتأمل السنة الواردة عن النبي صصص يحج كحجه ، ويعتمر كعمرته ، حتى كأنه يرى رسول الله صصص أمامه في طوافه ، وفي سعيه ، وفي مناسكه كلها ، فإذا وُفّق للكسب الطيب ووُفق للإخلاص لله عز وجل ووفق لتحري السنة كان حريا أن يرجع إلى بيته بالحج المبرور، وبخاصة إذا اتقى الله في سمعه وبصره ولسانه فلم يرفث ولم يفسق ولم يعتد حرمات الله عز وجل في إخوانه المسلمين .

يقول المصنف -رحمه الله-: [ كتاب الحج والعمرة ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالحج والعمرة .

قال رحمه الله : [ يجب الحج والعمرة مرة في العمر ] : يجب الحج والعمرة مرة في العمر لأن النبي صصص لما سأله الصحابي وقد قال : (( أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا )) فقام له الأقرع بن حابس ررر وقال: يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فسكت النبي -صصص ثم قال: (( أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا )) فقام الأقرع وقال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال صصص: (( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم )) وقال في اللفظ الآخر : (( لو قلت : نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ذروني ما تركتكم )) الحديث .

فقد قال صصص: (( لو قلت نعم لوجبت )) أي لوجب عليكم أن تحجوا كل عام ، فدل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة ؛ لأنه لم يقل : نعم -صلوات الله وسلامه عليه- .

فالواجب مرة في العمر، وهذا من رحمة الله بعباده ، ولو تصور المسلم أن الحج واجب في كل عام على المسلم لنظر في ذلك من المشقة والبلاء للناس ما الله به عليم .

قال رحمه الله : [ على المسلم ] : على المسلم : لأن الكافر إذا حج لا يصح حجه ؛ قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } فالكافر عمله قد أحبطه الله فعليه أولا أن يُسْلم ثم بعد ذلك يخاطب بفعل الحج ويصح منه حجه بعد إسلامه ؛ إذاً الإسلام شرط لوجوب الحج وإجزائه وصحته ، فلا يجب الحج على غير الكافر أصلا حتى يحقق أصل الإسلام بالتوحيد. وكذلك أيضاً لا يصح من الكافر لظاهر القرآن كما ذكرنا ، ولا يجزيه لو حج الكافر بكفره لم يجز عن حجة الإسلام بل الواجب عليه أن يعيد حجه ؛ وقد صح عن النبي صصص أنه بعث مناديه ينادي في الحج: (( أن لا يحج بعد العام مشرك ، وأن لا يطوف بالبيت عريان )) ، فدل على أن الحج لا يصح من الكافر .

قال رحمه الله : [ العاقل ] : العاقل : وهذا أيضا شرط وجوب وصحة وإجزاء ، فلا يجب الحج على مجنون ؛ لأن النبي صصص قال : (( رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق )) حتى يفيق من جنونه وهذا الحديث عن عائشة وعلي -رضي الله عنهما- حديث صحيح .

وأجمع العلماء على عدم وجوب الحج على المجنون .

قال رحمه الله : [ البالغ ] : البالغ : وقد تقدم معنا في الصوم من هو البالغ ، سواء كان بلوغه بالسن من الرجال والنساء وهو بلوغ خمس عشر سنة ، وبينا دليل ذلك ، أو بالإنبات وبينا دليل ذلك ، أو كان بالحيض والنفاس كما هو خاص بالنساء ، فإذا بلغ فإنه يجب عليه الحج ، ويجزيه الحج إذا أداه في حال بلوغه ، ويصح الحج من الصبي فلو أن صبيا أحرم بالحج ولبى في الحج أو العمرة وأدى مناسك الحج والعمرة ؛ صح منه ذلك ؛ لأن النبي صصص لما أحرم عام حجة الوداع وبلغ فج الروحاء وهو ما يسمى اليوم ببئر الراحة اعترضه ركب فقال صصص: من الركب ؟ قال: المسلمون، ثم سألوا من الركب ؟ قالوا : رسول الله صصص وأصحابه . فرفعت امرأة صبيها إليه فقالت : يا رسول الله، ألهذا حج ؟ قال : (( نعم ولك أجر )) .

فبين أن الحج يصح من الصبي ، والصبي ينقسم إلى قسمين : إما أن يكون صبيا دون التمييز، ومثل أن يكون له أربع سنوات أو ثلاث سنوات أو حتى يحمل كالصبي الذي يحمل كذي السنة أو السنتين فإذا كان كذلك فهو دون التمييز، وإما أن يكون مميزا يعلمه أبوه أو وليه فيؤدي المناسك. فأما بالنسبة للصبي غير المميز؛ فإنه يحرم عنه وليه ؛ سواء كان رجلا أو امرأة ، فيجوز للأم أن تلبي عن صبيها وصغيرها، ويجوز للأب أن يلبي عن صبيه وصغيره ، ثم إذا أحرم الأب أو أحرمت الأم عن الصغير والصغيرة قام بمناسك الحج بالنية عنه ، وطاف به ولو محمولا يطوف عن نفسه، ثم يطوف عنه وسنبين هذا ، ثم إذا حصل إخلال من هذا الصبي لزم الولي في ماله ولا يلزم في مال الصبي ؛ لأنه هو الذي أحرم .

وأما إذا كان الصبي مميزا ؛ فله حالتان : الحالة الأولى أن يرغب الصبي بنفسه ، فيحرم من نفسه ويطلب ذلك ، فإذا حصل منه إخلال وجب ضمانه في ماله كما لو ارتكب جناية ، وقد سوي بين حق الله وحق المخلوق في الضمانات .

وأما إذا كان وليه هو الذي أمره وهو الذي ألزمه ؛ فمذهب طائفة من العلماء بوجوب الفدية على الولي والإخلالات عليه .

أما من حيث صحة الحج فالحج والعمرة يصحان من الصبي سواء كان مميزا أو كان غير مميز ، ثم إذا كان مميزا علمه والده الأذكار والأفعال ودله عليها وأرشده إليها، وقام بها الصبي بنفسه أصالة إلا أن يعجز فيوكل فيما تدخله الوكالة . فبيّن رحمه الله أن البلوغ شرط من شروط الحج ، والمراد بهذا الشرط أنه شرط إجزاء ووجوب وليس بشرط صحة ، وعلى هذا فإنه يصح الحج من الصبي ولا يجب عليه .

قال رحمه الله : [ الحر ] : الحر ضد المملوك ، وعلى هذا فإنه إذا حج المسلم البالغ العاقل الحر صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام .

وأما إذا كان مملوكا فقد نصت نصوص الكتاب والسنة على أنه ملك لسيده ، مأمور بالقيام بحقه؛ ولذلك قال تعالى : { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } ووصفه بهذا الوصف وقد ذكرنا غير مرة أن الإسلام ضرب الرق دون نظر إلى جنس ولا لون ولا بلد ، وإنما أوجب الرق على من كفر بالله في الجهاد الشرعي بإذن ولي الأمر، فإذا ضرب الرق على هذا الوجه فقد ضرب على من يستحقه ؛ لأن الآدمي كرمه الله وشرفه ، فإذا كفر بالله ووقف في وجه الإسلام حاملا سلاحه مقاتلا للمسلمين نزل إلى مقام أحط من مقام البهيمة ؛ كما قال تعالى : { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل } فقد كفر نعمة سيده ومولاه ، فحكم الله عليه بالرق ، وفي هذه الحالة يكون ملكا لسيده كما قال تعالى : { وما ملكت أيمانهم } وعليه فإنه لا يخاطب بالحج ولا يجب عليه إلا بعد أن يعتق .

قال رحمه الله : [ إذا استطاع إليه سبيلا ] : إذا استطاع إليه سبيلا : هذا الشرط الأخير وهو شرط الاستطاعة ؛ والأصل فيه قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } أي استطاع سبيلا إلى البيت الحرام وأداء المناسك في الحج والعمرة .

وأجمع العلماء -رحمهم الله- على اعتبار شرط الاستطاعة من حيث الأصل ، وعلى هذا فلو كان فقيرا أو ليس عنده زاد أو ليس عنده نفقة الذهاب إلى مكة ؛ فإنه لا يجب عليه الحج ، وهذا شرط وجوب ، وعلى هذا فلو أنه حج وهو غير مستطيع فتكلف المشقة وحج من عند نفسه
فإنه يصح حجه ويجزيه ، ولا يعتبر موجبا لعدم صحة حجه .

فأصبحت شروط الحج منها ما هو شرط صحة وإجزاء ووجوب وهو شرطا الإسلام والعقل ، ومن الشروط ما هو شرط وجوب وإجزاء وهو الحرية والبلوغ ، ومنها ما هو شرط وجوب فقط وهو النفقة والاستطاعة . هذا حاصل ما ذكره العلماء بالنسبة لشروط الحج، وقد أجملها المصنف -رحمه الله- وبينّها بهذا الترتيب : الإسلام ، ثم البلوغ ، ثم البلوغ، ثم الحرية ، ثم الاستطاعة .

وقسمها العلماء إلى هذه الثلاثة الأقسام : شروط وجوب وصحة وإجزاء ، وشروط وجوب وإجزاء ، وشرط وجوب ، وهو شرط الاستطاعة كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتهما ] : وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتهما : إذا كان يشترط في وجوب الحج على الإنسان أن يكون مستطيعا ، فالاستطاعة أن يجد زادا ومركوباً بآلة المركوب وآلة الزاد لإصلاح الطعام ونحو ذلك ، فإذا تيّسر له ذلك فقد وجب عليه الحج ، وعلى هذا ينظر في الاستطاعة إلى الآلة التي يصل بها كالدابة والسيارة ، وهذا مذهب الجمهور -رحمهم الله- .

ومن أهل العلم من قال: لا تشترط الدابة والركوب ، بل إنه يجب عليه إذا كان قادرا على المشي كقوله تعالى : { وأذن في الناس للحجّ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق }

{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا } قال : يأتوك رجالا فدل على أن الركوب ليس معتبرا في الزاد، وقد جاء في السنة ما يدل على اشتراط الركوب ، ولاشك أن الأصل يقتضي أنه إذا كان بعيدا مسافة السفر لابد من أن يتهيأ له ما يوصله إلى البيت ، فهذه الدابة إذا كان يملكها فلا إشكال ، وإن كان لا يملكها نظرنا في أجرة مثله للركوب ، فإذا كانت أجرته مائة ريال في ركوبه وذهابه للحج وإيابه فإننا نقول إذا ملك المائة لركوبه ، ثم ننظر في طعامه ونفقة الطعام فإذا كانت تُكلّفه مثلا مثلها فإننا نقول إذا كان عنده المائتان وأمن الطريق وليس في الطريق خطر عليه فإنه يجب عليه أن يحج ؛ لأنه يستطيع أن يصل إلى البيت ، وهذا المذهب يقوم على تفسير الاستطاعة بشرطين : الراحلة ، والزاد ، كما ورد التفسير في السنة . الراحلة وهو المركوب الذي يركبه لبلوغ مكة كما في زماننا سيارة الأجرة تنزّل منزلة الراحلة ، فإذا وجد من يستأجره أو وجد صديقا يقله ويحمله فحينئذ يسقط الأجرة إذا لم يكن في حمله ضرر كما يقول العلماء إذا لم تكن منة عليه وفي ذلك أذية عليه فلابأس ، وحينئذ يسقط شرط الراحلة ؛ لأنه في حكم من ملك الراحلة .

أما بالنسبة للنفقة فالمراد بها نفقة الأكل ونفقة السكن في ذهابه للنسك وإيابه .

ومن أهل العلم من اعتبر الذهاب دون الإياب ؛ والصحيح أنه معتبر بالذهاب والإياب ، إذا قدّرت النفقة :

فأولا : تقدر ذهابا وإيابا .

ثانيا تقدر للركوب وللأكل .

ثالثا يقدر معها السكن لمثله .

ورابعا أن يكون هذا التقدير يعتد به لمثله ، فلا يبالغ ولا يجحف به ، فينظر إلى مثله إذا ركب يركب ما يرتفق به المثل ، فكبير السن يركب ما لا يركبه الشاب الجلد ، فيحتاج إلى وسيلة تريحه أكثر من الشاب ونحو ذلك مما ينظر فيه على حسب اختلاف الأشخاص .

فالشرط في الاستطاعة الزاد والراحلة ، لكن مع هذا ينبغي اعتبار أمن الطريق ، فأمن الطريق نص عليه العلماء -رحمهم الله- فلو كان الطريق مخوفا أو لا يمكنه بلوغ البيت أو في زمان فتنة فإنه لا يجب عليه أن يحج في ذلك الزمان ، فلو تعسر عليه الوصول إلى البيت إلا من طريق يخاف فيه القتل أو يخاف عدوا من أعدائه فإنه لا يجب عليه حتى يأمن .

قال رحمه الله : [ مما يصلح لمثله ] : مما يصلح لمثله الزاد والراحلة .

قال رحمه الله : [ فضلا عما يحتاج إليه لقضاء دينه ] : إذا قدرنا نفقة هذا المسافر لحجه فرضنا بخمسمائة ريال ما بين الركوب ونفقة النزول ونفقة الأكل فنقول له : يجب عليك الحج إذا ملكت خمسمائة ريال زائدة عن نفقتك الأصلية ونفقة من تعول ، فإذا كان عنده زوجة وعنده أولاد ونفقته الأصلية لهم بخمسمائة ريال ووجد خمسمائة ريال فأصبح المجموع عنده ألف ريال وجب عليه الحج ؛ لأنه ملك نفقة الحج وما يستطيع به الحج فاضلا عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته ، وأما إذا كان دون ذلك فلا يجب عليه .

قال رحمه الله : [ ومؤونة نفسه وعياله على الدوام ] : ومؤونة نفسه وعياله كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ ويعتبر للمرأة وجود محرمها ] : ومن شرط وجوب الحج على النساء أن يكون مع المرأة محرم ، والمحرم شرط في وجوب الحج ؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم ؛ فإن النبي -r- قال كما في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم )) فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم ؛ وفي الحديث الصحيح أن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي انطلقت حاجة . فقال عليه الصلاة والسلام : (( انطلق فحج مع امرأتك )) فأمره أن يحج معها .

فالمَحْرم شرط لوجوب الحج على المرأة ؛ لأنها إذا سافرت وحدها لم تأمن أذية المؤذين ، ولم تأمن أن يصيبها شيء ، فتحتاج إلى من يقوم عليها ، فإذا قام عليها الأجنبي لم تأمن الفتنة ، ومن هنا وضعت الشريعة هذا الشرط لنوع خاص وهم النساء يجب أن يكون معها محرم ، هذا الشرط محله أن تكون المرأة بعيدة عن مكة مسافة القصر فأكثر، أما لو كانت من أهل مكة فيجوز لها أن تحج مع الرفقة المأمونة ولا يشترط وجود المحرم معها ؛ لأنها ليست على سفر؛ لأن مسافة المناسك من مكة ليست مسافة سفر .

قال رحمه الله : [ وهو زوجها ومن تحرم عليه من التأبيد بنسب أو سبب مباح ] : وهو أي المحرم زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح أو رضاع : المحرم أمر مهم ، وينبغي لطالب العلم ولكل مسلم إذا بلغ طور الرجال أن يعرف من هي المرأة التي هي محرم له يجوز له أن يسلم عليها ، وأن يختلي بها ، وأن يسافر معها ، ومن هي المرأة الأجنبية التي هي بخلاف ذلك ، فمعرفة المحارم أمر مهم ؛ لأنه تترتب عليه مسائل شرعية .

والمحرم هو: كل من يحرم على المرأة على التأبيد بنسب أو سبب من المصاهرة أو الرضاع .

{ الرجال قوامون على النساء } .

وأما بالنسبة للمحرم من قرابتها على التأبيد فهم من ثلاث جهات :

الجهة الأولى : جهة النسب .

والجهة الثانية : جهة المصاهرة .

والجهة الثالثة : جهة الرضاع .

فالمرأة إذا حرمت على الإنسان على التأبيد فإنها محرم له إلا في اللعان ، فأما بالنسبة للمحرمة من جهة النسب فقد حرم الله من جهة النسب سبعاً من النساء ، وهن : الأمهات ، والبنات، والأخوات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ، والعمات ، والخالات . فهؤلاء سبع من جهة النسب وقالوا نسب لأنه ينسب للإنسان ويضاف إليه .

فأما الأم فهي كل أنثى لها على الإنسان ولادة ؛ سواء كانت مباشرة كأمه التي ولدته ، أو أم أمه وإن علت سواء كانت تمحضت بالنساء كأم أمه وهي الجدة ، أو تمحضت بالذكور كأم أب الأب ، فكل هؤلاء محارم ومحرمات للإنسان ؛ لقوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } وأجمع العلماء -رحمهم الله- على تحريم الأم المباشرة والأم بواسطة سواء تمحضت بالذكور أو بالإناث أو جمعت بينهما .

النوع الثاني : البنات ، والبنت : هي كل أنثى لك عليها ولادة ، سواء كانت مباشرة كبنتك من صلبك ، أو بواسطة كبنت ابنك أو بنت بنتك ، تمحضت بالإناث كبنت البنت ، أو تمحضت بالذكور كبنت الابن ، فهؤلاء كلهن محرمات ومحارم ؛ لقوله تعالى : { وبناتكم } .

النوع الثالث : الأخت ، والأخت هي: كل أنثى شاركتك في أحد أبويك ، أو فيهما معا ، فقول العلماء : هي كل أنثى شاركتك في أحد أصليك المراد بها الأخت لأب أو الأخت لأم ، وهي التي شاركت في أحد الأصلين ، أو شاركت فيهما معا وهي الأخت الشقيقة ، فالأخوات ثلاثة أنواع: شقيقة، ولأب ولأم ، فكلهن محرمات ومحارم لقوله تعالى : { وأخواتكم } .

النوع الرابع : الخالات ، والخالة : هي كل أنثى شاركت الأم في أحد أصليها ، أو فيهما معا، ويشمل هذا الخالة الشقيقة وهي التي شاركت في الأصلين ، والخالة لأب ، والخالة لأم ، فكل واحدة منهما شاركت في أحد الأصلين . الخالة لأم هي أخت الأم لأم ، والخالة لأب هي أخت الأم لأب ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { وخالاتكم } ، والخالة يستوي أن تكون خالة لك أو خالة لأصولك ، فخالات الأب وخالات الجد وخالات الجدة كلهن خالات لك ؛ ولذلك قال العلماء : خالات الأصول خالات للفروع .

النوع الرابع : العمات ، وهي كل أنثى شاركت الأب في أحد أصليه ، أو فيهما معا ، فيشمل العمة الشقيقة وهي التي شاركت في الأصلين ، والعمة لأب ، والعمة لأم ، فكل واحدة منهما شاركت في أحد الأصلين ، فإذا شاركت المرأة الأب في الأصلين فهي عمة شقيقة ، وإذا شاركت في أحدهما فهي إما عمة لأب ، أو عمة لأم ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { وعماتكم }.

وأما النوع الخامس فهن بنات الأخ ، وبنات الأخ هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة ، فكل ما ولد أخوك فإنه محرم ومحرم عليك نكاحه ؛ لقوله تعالى : { وبنات الأخ } يشمل الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم ، فكل من أنجبوا من النسوة من البنات يعتبرن محارم ومحرمات .

وأما بنت الأخت وهو النوع السابع فهي كل أنثى لأختك عليها ولادة سواء كانت مباشرة كبنت الأخت أو بواسطة كبنت بنت الأخت أنثى كانت أو ذكرا ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { وبنات الأخت } .

فهؤلاء كلهن محرمات من جهة النسب ، وتحريمهم إلى الأبد ، فلا يحِللن للإنسان عمره كله .

أما النوع الثاني من المحرمات على التأبيد فهن المحرمات من جهة المصاهرة ، وهن أربعة أنواع : بنت الزوجة ، وأمها ، وزوجة الأب ، وزوجة الابن ، هؤلاء أربعة من النساء يحرم على المسلم أن ينكحهن إلى الأبد . فالتحريم على التأبيد ، وهن محرمات ومحارم .

فأما بالنسبة لزوجة الأب فكل أنثى عقد عليها الأب سواء دخل بها أو لم يدخل ، سواء طلقها أو مات وهي في عصمته ، فكل أنثى عقد عليها تعتبر محرمة عليك إلى الأبد ؛ لقوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } فقال تعالى : { ما نكح آباؤكم } والمرأة منكوحة للأب بالعقد، فكل امرأة عقد عليه الإنسان فقد نكحها ، سواء دخل بها أو لم يدخل ؛ كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } فوصفهم بكونهم ناكحين قبل الدخول ، فدل على أن كل امرأة عقد عليها الأب ولو لم يدخل بها فإنه ناكح لها ، يستوي في ذلك زوجة الأب وزوجة الجد وإن علا الجد سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم .

أما النوع الثاني من المحرمات من المصاهرة فهي زوجة الابن ، وهي كل أنثى عقد عليها ابنك سواء دخل بها أو لم يدخل ؛ لقوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } فبين I أن كل امرأة صارت حليلة للابن أنها حرام على أبيه وإن علا سواء دخل بها أو لم يدخل ؛ لأنه قال :{ حلائل أبنائكم } وحليلة الابن تكون المرأة حلالا للابن بمجرد العقد ، فلا يشترط دخوله بها، وسواء كان الابن ابنا لك مباشرة أو ابن ابنك أو ابن بنتك ، فلو أن ابن البنت عقد على امرأة في هذه الساعة حل لجده أن يدخل على المرأة وأن يسلم عليها وأن يصافحها وأن يختلي بها ؛ لأنها حرام ومحرم .

وأما بالنسبة لبنت الزوجة وهي النوع الثالث من المحرمات من المصاهرة فبنت الزوجة وهي الربيبة فهي كل أنثى ولدتها الزوجة إذا كانت من زوج آخر سواء كان هذا الزوج قد نكح الزوجة قبل الرجل أو بعده ، فكل من تنجبه هذه المرأة التي نكحتها من النساء فهي ربيبة ، ويستوي أن تكون بنتا مباشرة كبنت الزوجة المباشرة أو بنت بنتها فإنها ربيبة أيضا ، ويستوي أن تتمحض بالإناث أو تتمحض بالذكور فبنت بنتها ربيبة وبنت ابنها ربيبة ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } إلا أن الربيبة وهي بنت الزوجة لا تحرم إلا بشرط أن يدخل بأمها ، فإذا دخل بأمها حرمت الربيبة ، ولا يكفي مجرد العقد ، فلو عقد على امرأة ثم طلقها حل له أن ينكح الربيبة وهي بنتها ، ويستوي في الربيبة أن تكون قد تربّت في حجر الإنسان ، أو كانت بلغت قبل أن يدخل بأمها ؛ فإنها ربيبة في مذهب جمهور العلماء ؛ لقوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } .

فقوله : { في حجوركم } خرج مخرج الغالب ، والنص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه، وقد دلت السنة على أن الربيبة حرام على الزوج سواء كانت في حجره أو لم تكن في حجره ؛ لأن النبي صصص قال لأم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنها وعن أبيها- كما في الصحيحين- (( فلا تعرِضُن -يخاطب أزواجه- علي بناتكن ولا أخواتكن )) فحرم عليهن أن يعرضن بناتهن فدل على أن الربيبة محرمة سواء كانت في الحجر أو لم تكن في الحجر؛ لأنه لم يقل فلا تعرضن علي بناتكن اللاتي في حجري ، وإنما قال : فلا تَعرضْن علي بناتكن مطلقا فدل على صحة مذهب الجمهور على تحريم الربيبة مطلقا .

أما النوع الرابع من المحرمات من جهة المصاهرة فهي أم الزوجة ، وأم الزوجة هي كل أنثى لها على الزوجة ولادة ؛ سواء كانت أمها المباشرة أو أما لأمها فجدة الزوجة سواء من جهة أبيها أو أمها فإنها محرمة ؛ لأنها أم للزوجة تمحضت بالذكور أو تمحضت بالإناث أو جمعت بينهما ؛ فيجوز للرجل أن يسلم على أم زوجته وعلى جدة زوجته سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم ؛ لقوله تعالى : { وأمهات نسائكم } فدل على أن أم المرأة محرم ؛ ولما قال الله تعالى : { وأمهات} فشمل الأم المباشرة والأم بواسطة ؛ وقال : { وأمهات نسائكم } والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد ، فبمجرد أن يعقد على زوجة يجوز له بعد العقد أن يدخل على أمها وأن يسلم عليها وأن يختلي بها وأن يسافر محرما لها .

هؤلاء هن المحرمات من جهة النسب ، ومن جهة المصاهرة .

ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، فتحرم الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وبنت الأخ ، وبنت الأخت ، والأخت من الرضاع ، وكذلك أيضا يحرم من الرضاع بالمصاهرة أم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، كلهن محارم، وزوجة الابن من الرضاع، وزوجة الأب من الرضاع، كلهن محارم ، هذا حاصل ما يقال في المحرم على التأبيد .

وقال المصنف: [على التأبيد ] فخرج المحرم من النساء على التأقيت ، فمثلا أخت الزوجة نجد بعض الأزواج الآن يجلس مع أخت زوجته ، فإن قيل له : لماذا تفعل هذا ؟ يقول : إنها محرّمة علي، ولا يفرّق بين التحريم والمحرمية ، فليس كل مُحرَّم نكاحها مَحْرما للإنسان ، الأجنبية محرّم نكاحها لكن ليس معنى ذلك أنها محرم له ، فأخت الزوجة تحرمها مؤقت ؛ لأنه إذا طلق أختها وخرجت من عدتها حل له أن ينكحها ، فليست بمحرم ؛ لأنها محرمة على التأقيت ، وهكذا المطلقة ثلاثا ؛ فإنها محرمة على التأقيت حتى تنكح زوجا غيره ، وهكذا بالنسبة لبقية المحرمات كما في مانع الكفر ومانع الزنا وغيرها من الموانع المؤقتة ، فبين رحمه الله أن التحريم لا يكون إلا من جهة المحرمات على التأبيد .

قال رحمه الله : [ فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة ] : فمن فرط في الحج حتى مات أخرج من ماله نفقة الحج والعمرة بمعنى أنه يحجّجُ عنه ؛ والأصل في ذلك أن النبي صصص جعل الحج دينا لله ، وقال للمرأة : أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت: نعم. قال : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فمن وجب عليه الحج في حياته فتركه وفرط فيه وتساهل فيه حتى توفي -والعياذ بالله- ولم يحج ؛ فإنه عاص لله -U- آثم للتأخير ، ثم في ذمته هذه الحج بالبدل ، فيخرج من ماله على قدر ما يستأجر الشخص بنفقته ذهابا وإيابا لمثله في الحج، فلو كان يحجج عن الإنسان بألف ريال إذا توفي وترك خمسة آلاف ريال يؤخذ الألف الريال قبل قسمة التركة ؛ لأنها دين لله عز وجل ولا تقسم التركة إلا بعد قضاء الديون ؛ لقوله تعالى : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } وقال في الآية الأخرى : { من بعد وصية توصون بها أو دين } فلا حق للوارث إلا بعد سداد دينه ، فتسدد الديون .

أخرج من ماله على قدر ما يحجّج عنه : إذا استأجر الشخص للحج هناك صورتان :

الصورة الأولى: أن يقول لك: أعطني ما يكفيني للركوب وللأكل وللسكن وهذا ما يسميه العلماء بأجرة البلاغ .

والصورة الثانية : أن يقول لك : أعطني عشرة آلاف، أعطني خمسة آلاف، أعطني ثلاثة آلاف، ما زاد فهو لي ، وما نقص فأنا أضمنه .

فأما الصورة الأولى فيسمونه أجرة البلاغ ، وأما الصورة الثانية فيسمونها أجرة المقاطعة ، يفاصله ويبيع ويشتري معه .

فأما إذا أخذ أجرة البلاغ فلا إشكال في جواز ذلك ومشروعيته أن يحجّج بقدر ما يبلغه ذهابا وإيابا بنفقة مثله ، وإذا حج معتمرا أو قارنا أعطي قيمة الدم لنسكه هذا لا إشكال في جوازه .

وأما إذا قال : أريد خمسة آلاف وما زاد فهو لي ، أريد عشرة آلاف وما زاد فهو لي ؛ فهذا لا يجوز في أصح قولي العلماء ؛ لأن الحج عبادة وليس محلا للتجارة ، وإنما عليه أن يبلغه الحج ، وأن يعطيه ما يبلغه الحج ، وليس محلا لأن يأخذ عليه مقاطعة ، فيكون له الزائد ، ويضمن ما نقص بعد ذلك . يعطيه نفقة حجه ذهابا وإيابا وتؤخذ من تركة الميت .

قال رحمه الله : [ ولا يصح من كافر ولا مجنون ] : ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون ؛ قال تعالى في الكافر : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } فبين أنه لا يصح مع الكفر عمل ، ولا مجنون ؛ لأن المجنون قد رفع عنه القلم فقال صصص : (( رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق )) فدل على عدم صحة حج المجنون .

قال رحمه الله : [ ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئهما ] : ويصح الحج من الصبي ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام- حينما سألته المرأة : ألهذا حج ؟ قال : (( نعم ، ولك أجر )) فبين أن الحج يصح من الصبي .

قال رحمه الله : [ والعبد ] : والعبد فإذا حج العبد صح ، ولكن لا يجزي الصبي ولا يجزي العبد حجهما حال الصبا وحال الرق ؛ لأنه حج نافلة ، ولم يجب عليهم الحج بعد ، وإنما يخاطب الصبي بالحج بعد بلوغه ، فإذا حج قبل البلوغ فقد تنفل ، فقد أدى العبادة قبل وجوبها عليه، والنافلة لا تجزي عن الفرض ، وهكذا بالنسبة للرقيق ؛ فإنه قد أداها نافلة ، فإذا عتق فإنه يعيد ويحج ، وكذلك إذا بلغ يحج حجة الإسلام ؛ وفي هذا أثر ابن عباس اختلف في رفعه ووقفه ، ومثله لا يقال بالرأي فيجب عليه أن يعيد حجه بعد بلوغه وعتقه .

قال رحمه الله : [ ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم ] : ويصح الحج من غير المستطيع فلو أن شخصا لا يستطيع الحج ولكنه تكلف وتجشم ، وكم ترى عينك في الحج أناسا من الحطمة والضعفة وكبار السن ، بل تتعجب كيف بلغ إلى هذه الأماكن ، ولكنها العزيمة . قال بعض السلف : علمت أن قوة الإنسان في قلبه وروحه وليس في جسده ، ثم قال : ألا ترى الشيخ الكبير الحطمة يفعل ما لا يفعل الشاب ، أو يقوى ما لا يقوى عليه الشاب ، هذا يدل على صدق العزيمة فلو أن هذا الرجل الذي لا يجب على مثله الحج تجشّم الصعاب وركب الشدائد وحج ؛ صح حجه وعلى الله أجره ، ولاشك أن الحج صحيح ، فليس شرط الاستطاعة شرطا في الإجزاء والصحة .

قال رحمه الله : [ والمرأة بغير محرم ] : وكذلك يصح الحج من المرأة بغير محرم ، ولكنها آثمة عاصية ، فإذا حجت ؛ صح حجها ؛ لأنها فعلت ما أمرها الله به وأدت العبادة على وجهها ، وتأثم لعصيانها ؛ لنهي النبي صصص عن سفر المرأة بدون محرم ، هذا إذا كانت على مسافة القصر كما ذكرنا . أما إذا كانت دون مسافة القصر فيصح منها بدون محرم .

قال رحمه الله : [ ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذر وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره ] : بين رحمه الله أن الحج عن الغير يشترط فيه أن يكون الإنسان قد حج عن نفسه ، فشرع في الشروط الخاصة في المسائل الخاصة بعد أن بيّن شروط الحج العامة شرع في بيان الشروط الخاصة في المسائل الخاصة ، وهي مسألة الحج عن الغير . يشترط أن يكون الوكيل قد حج عن نفسه ؛ والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صصص سمع رجلا وهو يطوف بالبيت يقول : لبيك عن شبرمة . فقال صصص: (( ومن شبرمة ؟ قال : أخي أو ابن عم لي مات ولم يحج . قال : أحججت عن نفسك ؟ قال : (( لا حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة )) فدل هذا على أن الوكيل لا يصح أن يقوم بالحج عن الغير إلا بعد أن يؤدي الفرض عن نفسه .



الأسئـــــلة :

السؤال الأول : فضيلة الشيخ : من أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد وقت النهي فهل يجوز أن يبدأ بالسعي ، وإذا طال وقت النهي فهل يؤثر طول الانتظار في الطواف والسعي . وجزاك الله خيراً ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فيجوز تأخير ركعتي الطواف إلى ما بعد وقت النهي ؛ وذلك لأن النبي صصص نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس .

وأما مشروعية التأخير فقد جاءت بها سنة راشدة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ررر حيث أخر ركعتي الطواف إلى ذي طِوَى ، فطاف في حجه طواف الوداع بعد صلاة الصبح ثم أخر ركعتي الطواف حتى أشرقت عليه الشمس وهو في وادي ذي طِوَى ، وهذا الوادي هو جهة الزاهر الآن ، فصلى رضي الله عنه وأرضاه بعد طلوع الشمس ، فدل على مشروعية تأخير ركعتي الطواف إلى ما بعد انتهاء وقت النهي .

وأما إذا كان في العمرة فسعى قبل أن يصلي الركعتين ؛ صح سعيه ، ثم يصلي الركعتين بعد طلوع الشمس ؛ لأن تقدمها على السعي ليس بشرط في صحة السعي وليس بواجب ولا ركن، والسعي صحيح ؛ لأنه سعى كما أمره الله ، فيسعى مباشرة حتى لا يفصل بين الطواف والسعي .

وقد اختار طائفة من العلماء الموالاة بين السعي والطواف في العمرة . والله تعالى أعلم .



السؤال الثاني : فضيلة الشيخ : أنا أشتغل في دعوة غير المسلمين فأجد من الكفار من يرغب تعلم في الإسلام ، ويظهر منهم أنهم يريدون أن يسلموا ولكن يترددون ، فهل يجوز أن أعطي من مال الزكاة ترغيبا لهم في الإسلام . وجزاك الله كل خير ؟

الجواب :

إذا كان الكافر يؤلف للإسلام بالمال ؛ جاز إعطاؤه من الصدقات والزكوات ؛ لأن الله تعالى جعل في الزكاة سهما للمؤلفة قلوبهم .

وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أنهم من أصناف الزكاة الثمانية الذين يجب دفع الزكاة لهم، فالمؤلفة قلوبهم يدخل فيهم من كان متذبذباً فإذا أعطي المال انشرح صدره فيعطى ؛ لأن الناس أقسام ، فمنهم من يدخل الإسلام بالرأي والحجة ، ومنهم من يدخل بالقوة والسيف، فإذا رأى العزة للإسلام كما وقع لصناديد قريش لما رأوا أن الإسلام قد ظهر أسلموا ، ثم اطمأنت قلوبهم بعد ذلك ، ومنهم من يدخل بالمال ، وكل أعطاه الله حقه ، وهنا يرد الإشكال : كيف نعطي المال للناس يسلمون بالمال ؟ إذًا إسلامهم للمال وليس لله ؟

والجواب أن الإسلام دين حق ، وهذا الحق لو تأمله الإنسان تأملا صحيحا انكشف له .

فإن الإسلام دين حق ، وهذا الحق يمتنع الإنسان من تأمله بسبب فتن الدنيا ، ولكن إذا خلي بينه وبين التأمل والنظر الصحيح أدرك الصواب والحق ، ولذلك لما قيل لعمرو بن العاص : لماذا تأخر إسلامك وأنت أنت ؟ -يعني في العقل والحجا والرأي-
فقال : إنا كنا تسوسنا رجالنا يعني كبار السن منا ، وكنا تبعاً لهم في ذلك ، فلما صار الأمر إلينا وتأملنا علمنا أنه الحق ، فقد تأتي شواغل أو أمور تمنع من تأمل الحق من عصبية أو غيرها ، فإذا كان الإنسان في تردد وأعطي المال أعطي مبتغاه فإنه سرعان ما يحب الإسلام للإسلام لا للمال ، فهذا المال يقطع العوارض الدنيوية في حال كفره وضعفه ، والمقصود منه تقويته على أن يتأمل الإسلام بحق ، ولذلك تجد من ألّف قلبه للإسلام قد يعود أقوى ثباتا وغيرة على الإسلام من كثير من أهله ، وهذا عرف في التاريخ وعرف بالاستقراء والتتبع ، فمن الناس من يدخل الإسلام طواعية ، ومنهم من يدخله تأملا ونظرا ، ومنهم من يدخله بالمال رغبة ، وكل له مثال في عهد النبي صصص ، فثمامة بن أثال سيد بني حنيفة سيد من سادات بني حنيفة لما أخذته خيل النبي صصص وأتي به إلى رسول الله صصص وهو سيد في قومه ، قد كان بالإمكان أن يهدده ، وقد كان بالإمكان أن يتوعده ، وقد كان بالإمكان أن يضرب رقبته على الكفر، ومع هذا كله نظر -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- النظرة الصحيحة فعلم أنه رجل على عقل ووعي أن مثله إذا تبين له الحق سرعان ما يقبل، فأمر بربطه في المسجد، فربط في مسجد النبي صصص فصار ينظر إلى الصحابة ، نظر إلى ذلك الرعيل الذي تربىّ بين يدي النبي صصص ، نظر إلى شمائل الإسلام وأخلاق الأعزة الكرام ، نظر إلى أخلاق النبي صصص وسمته ودله ، في غضبه ورضاه ، في ليله ونهاره ، وصبحه ومسائه ، وأخذه وعطائه ، وبين أصحابه -صلوات الله وسلامه- وفي صلاته وفي عبادته ، نظر إلى جميع هذه الأمور كلها ثلاثة أيام، كل يوم يقف عليه رسول الرحمة -صلوات الله وسلامه عليه- ويقول : ما وراءك يا ثمامة ؟ فيقول له : إن تقتل ؛ تقتل ذا دم ، وإن تعفُ ؛ تعفُ عن كريم لا ينسى ، فلما كان اليوم الثالث نظر إليه صلوات الله وسلامه عليه النظرة الواعية الصادقة فنظر في وجهه أنه يريد الإسلام وأنه يرغبه . فقال : أطلقوا ثمامة ، فلما أطلق رضي الله عنه وأرضاه انصرف إلى حائط عن طواعية وعن اختيار، ولكنها طواعية أخذت بقلبه أشد من أخذ المكره على ما يكره عليه ، من قوة محبته في الإسلام ، طواعية وهو في عزته وأنفته وكبريائه رئيسا في عشيرته وعزيزا في قومه لم يسلم ذليلا ولا مهانا ، فخرج إلى الحائط واغتسل ، ثم جاء إلى رسول الله صصص ليقف إليه ويقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، والله يا محمد ، لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلي ، ودينك أبغض الأديان إلي ، فأصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، ودينك أحب الأديان إلي، متى ؟! لما انكشف له الإسلام حقيقة ، لما زال المنافقون والمرجفون والكذابون والغشاشون والنمامون والأفّاكون والمفترون والمشركون والوثنيون الذين لفقوا على رسول الله صصص وكذبوا عليه ، فأخذوا يلفقون عن الصحابة ، ويضعون الحواجز بين الناس وبين دين الله عز وجل، وهكذا كل صاحب فطرة مستقيمة إذا وقف أمام إنسان صاحب حق وصاحب هدى ، قد يجد العوائق من القيل والقال والترهات والأكاذيب والأراجيف وقول الحساد والنمامين ولكن إذا وقف أمام الحق منصفا صادقا متأملا سرعان ما يعرف الحق ، شاء أو أبى ، ويأخذه سلطان الحق بالقوة إذا سلمت فطرته ، وصدقت عزيمته ، وأراد النجاة من نار الله عز وجل قبل أن يأخذه الله على الكفر أخذ عزيز مقتدر، فالكفار إذا استبانت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق؛ فإنهم إذا كانوا أصحاب عقول مستقيمة أسلموا ؛ وإلا والعياذ بالله قد يكابرون { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } فالذي يعرض عليه الإسلام بالمال ليس معناه أننا نشتري الناس ليسلموا ، وإنما نريد أن نقطع العوائق والعلائق التي تحول بين الناس وبين دين الله عز وجل تحول بينهم وبين تأمل هذه الأنوار الإلهية التي تخرج من الظلمات إلى النور التي تحول بينهم وبين انشراح الصدر وطمأنينة القلب والاهتداء بهداية الله لكي يصيب الإنسان سعادة لا شقاء بعدها أبدا ، فيعطى هذا المال من أجل أن تزول هذه العوائق وليس معنى ذلك أنه يسلم من أجل أن يأخذ المال، ومن هنا من نظر في التاريخ وسمع العبر كثير ممن أسلموا وألُّفت قلوبهم سرعان ما أخذوا المال في بداية أمرهم ثم تركوه، ومنهم من رد المال ، وأحب الإسلام للإسلام ؛ لأنهم انكشفت لهم الحقيقة ، فإعطاء المال للمؤلفة قلوبهم سهم لهم سهم في الزكاة ، ولهم أن يعطوا من الصدقات ، ولو عرض عليك إنسان يريد الإسلام وتعلم أنك لو أعطيته أو تألفته بالمال أنه يسلم تبادر وتعطيه ما تستطيع ؛ لأنه إذا اهتدى على يدك وبسببك كان لك أجر صلاته وزكاته وحجه وعمرته وإسلامه وإسلام من يسلم على يديه وإسلام من أنجبه من أبنائه المسلمين ، وتلك والله هي التجارة الرابحة ، وتجارة رائجة رائحة .

نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، ونسأله أن يهدينا ويهدي بنا ، وأن يجعلنا هداة مهتدين على طاعته ومحبته ومرضاته .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


{يتبع الباقي إن شا الله تعالى}

عيسى بنتفريت
21-10-07, 07:43 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله فيك أخي في الله على هذه الموضوع الرائع والدال على الخير كفاعله , كما قال عليه الصلاة والسلام .
أخوك في الله ...

أبو زيد الشنقيطي
22-10-07, 10:00 AM
قال المصنف - رحمه الله - : [ باب المواقيت ] :
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على سبيله ونهجه ، واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد :
فيقول المصنف رحمه الله : [ باب المواقيت ] : المواقيت : جمع ميقات ، يقال : أقّت الشيء يؤقته تأقيتا إذا حدده ، والتحديد من الشرع أصل في العبادات ، ولذلك جعل الله لعبادة الحج والعمرة ميقاتين : ميقات زماني ، وميقات مكاني .
فالعمرة في ميقاتها الزماني شامل عام لجميع السنة إلا ما استثناه بعض العلماء -رحمهم الله- من يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق .
وأما بالنسبة للحج فله ميقات زماني لا يقدم عليه ولا يؤخر عنه على تفصيل سيأتي -إن شاء الله- لأهل العلم .
وأما الميقات المكاني فهي مواضع محددة حددها رسول الله -صصص- بالنسبة للآفاقيين ، ولمن مر بهذه المواضع من غير أهلها أن لا يجاوزوها وعندهم نية أن يحجوا ويعتمروا إلا بعد الإحرام منها ، ولأجل هذا التحديد اصطلح العلماء رحمهم الله بتسميته بالمواقيت والميقات الزماني بينته أو أشارت إليه نصوص الكتاب العزيز والميقات المكاني بينته السنة الصحيحة عن رسول الله -صصص- ومن عادة أهل العلم في باب المواقيت أن يتكلموا عن ميقات الحج الزماني وعن ميقاته المكاني .
فيقول المصنف رحمه الله : [ باب المواقيت ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بمواقيت الحج الزمانية والمكانية وكذلك مواقيت العمرة وجمعها رحمه الله لتعددها واختلافها .
قال رحمه الله : [ وميقات أهل المدينة ذو الحليفة ] : الميقات الأول ميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة ، والحليفة نوع من الشجر، وقيل سمي هذا الموضع بذلك ؛ لأنه كانت به شجرة ، ومن عندها وبجوارها كان المصلى الذي صلى فيه رسول الله -صصص- من بطن الوادي ، ولذلك قالوا ذو الحليفة ، وقيل إن هذا النوع من الشجر ينبت في هذا الموضع من الوادي وهو وادي العقيق ، ويقال له : الوادي المبارك لأن النبي -صصص- قال كما في الحديث الحسن : (( إن هذا الوادي مبارك )) يعني وادي العقيق وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيح أنه قال : (( أتاني الليلة آت من ربي فقال أهل في هذا الوادي وقل حجة في عمرة )) والميقات ميقات ذوالحليفة هو أبعد المواقيت عن مكة ، ويبعد ما بين أربعمائة إلى خمسمائة كيلومتر من مكة ، وهو على عشر مراحل في عهد النبي -صصص- وموضعه عند نهاية حد المدينة ، فهو بحذاء جبل عير ، وبطن الوادي هو الذي أحرم منه النبي صصص والسنة أن ينزل إلى بطن الوادي وأن يغتسل ثم يهل بنسكه بعد صلاة الفريضة كما ثبت عن النبي -صصص- إن تيسر .
وأما بالنسبة لهذا الموضع فإنهم اتفقوا على أنه أبعد المواقيت عن مكة، وأنه ميقات أهل المدينة، والأصل في ذلك حديث عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- في الصحيحين أن النبي -صصص- وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، وهذا الموضع قلنا إنه في بطن الوادي والعبرة بالإهلال به إذا نزف البطن بطن الوادي أو أخذ من طرفه إذا كان مارا بالوادي ، فمروره على أحد طريقين بالنسبة للموجودة الآن إما طريق مكة القديم وإما طريق الذي يسمى بطريق الهجرة اسما لا حقيقة ؛ لأن طريق الهجرة الحقيقي غير هذا الطريق كما هو معروف عند أهل السير ، ولكن هذا الطريق هو طريق الأيسر عند خروج الخارج من المدينة ، والأول هو طريق الأيمن ، فإن مر بالطريق القديم فإنه بمحاذاته للمسجد يشرع له أن يحرم ولا يجوز له أن يجاوز ذلك الموضع ، ثم هناك ابتداء وانتهاء لموضع المحاذاة ، فهل العبرة بأوله أم العبرة بآخره ؟
نص طائفة من أهل العلم -رحمهم الله- على أنه يتحرى أول المحاذاة للمسجد ، ولو أحرم من آخر المحاذاة عند طرف المسجد من ركنه صح إحرامه ، ونص على ذلك غير واحد من الأئمة -رحمهم الله- سواء كان مروره بالطريق القديم أو الطريق الجديد .
الطريق القديم كان النبي -صصص- ينزل إلى بطن الوادي ، ثم يرتقي على البيداء ، فهذه البيداء هي المرتفع الذي يحاذي المسجد من الجهة اليمنى للخارج من المدينة ، وهي التي ورد فيها حديث عبدالله بن عمر في الصحيحين عنه -ررر- أنه قال بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله -صصص- ولما علاها عليه الصلاة والسلام أهل بالتوحيد ولبى .
البيداء موضعها يبدأ من عند الموضع الذي فيه الإشارة الآن الذي ينزل منه إلى المسجد ، فهذا المكان العالي هو بداية البيداء ، ثم بعد البيداء في الخط القديم إذا مضى إلى جهة مكة يكون ذات الجيش ، وذات الجيش من منقطع البيداء إلى الجبال التي هي نهاية الأرض السهلة في ذلك الموضع، وذات الجيش هو الذي انقطع فيه عقد عائشة -رضي الله عنها- وحبست رسول الله -صصص- في القصة المشهورة ونزلت آية التيمم ، فهذا الموضع يقال ذات الجيش ، فإن أخر عن البيداء إلى ذات الجيش وأحرم من ذات الجيش لزمه الدم ، فلابد وأن يكون إحرامه من البيداء محاذيا للموضع الذي أحرم منه النبي -صصص- .
وأما بالنسبة للطريق الجديد فلا إشكال أنه يكون على سمت المسجد من ابتدائه احتياطا كما ذكرنا إلى نهايته إجزاء على نفس التفصيل الذي ذكرناه في الجهة اليمنى .
أما إذا حاذى بالطائرة فإنه يعتد بمحاذاة المسجد ولم أجد تحديدا دقيقا رغم كثرة سؤالي لبعض الأخوة الذين لهم خبرة وبعضهم يقود الطائرات ، فسألتهم فاختلف تقديرهم للدقائق من الإقلاع إلى محاذاة الميقات ؛ والسبب في هذا اختلاف جهة الإقلاع ، واختلاف السرعة ؛ خاصة عند وجود الريح وعدمه ، ولذلك لا يوضع ضابط معين بالنسبة للوقت ، فتارة إذا أقلع على الجهة المعاكسة للميقات سيستغرق وقت حتى يقلع ثم يرجع إلى سيره ، وهذا يحتاج إلى زيادة ا لدقائق، وهكذا إذا أقلع بخلاف ما إذا أقلع مباشرة على جهة مكة ، وأيضا يختلف في الزمان كما يذكر بعض أهل الخبرة منهم بحسب قوة الريح وضعفه ، وقوة الطائرة وضعفها ، فهذا صعب وضع قدر زماني يحدد به ، لكن يستطيع الراكب أن ينظر فيعتد بالمحاذاة إذا كان من جهة النظر أو تيسر له النظر، أو إذا بلغ أنه بالمحاذاة فإنه يبني على ذلك إذا كان بقول الثقة ، هذا حاصل ما يقال بالنسبة لميقات: ذوالحليفة .
ميقات ذوالحليفة يقال له: أبيار علي ، وهو يبعد عن المدينة ما يقارب تسعة كيلومترات ، وهذا الميقات أجمع العلماء -رحمهم الله- على أنه ميقات محدد من النبي -صصص- بالقول وبالفعل ، فحدده النبي -صصص- بالقول ، وقال : (( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة )) وحدده بالفعل حينما أحرم منه -عليه الصلاة والسلام- .
قال رحمه الله : [ وأهل الشام والمغرب ومصر الجحفة ] : وميقات أهل الشام ومصر والمغرب وأهل أفريقيا في الطريق القديم حيث كانوا يأتون من شمال المملكة من أعلى العقبة ، ثم ينزلون برا على جهة ضبا ، ثم يمرون بالجحفة فطريقهم ساحلي غربي ، ولذلك ميقات أهل الغرب هو الجحفة ، وأهل الشام أخذوا حكم أهل الغرب ؛ لأنه كان لهم طريق من جهة الساحل وهو الذي تسبقه العير، وفيه قصة عير قريش المشهورة ، فطريق الساحل هذا إذا أخذه أهل الشام صار ميقاتهم الجحفة ، وأما إذا مروا بالمدينة وصار طريقهم إلى المدينة لا إشكال أن ميقاتهم وميقات المدينة واحد ، وعلى هذا فإن ميقات الجحفة ميقات أهل الشام وأهل الغرب .
والجحفة مأخوذة من اجتحف الشيء إذا أخذه ، قالوا : كان فيها قوم من العماليق، فأرسل الله عليهم السيل فاجتحفهم ، فأخذهم عن بكرة أبيهم ، فسميت الجحفة ، ويقال : لها مهِيْعة ومَهْيَعة وهذا الموضع خراب مهجور؛ وذلك لأن النبي -صصص- قال : (( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد وصححها وانقل حماها إلى الجحفة )) فنقلت الحما إلى الجحفة فأصبحت وبيئة ولذلك يتحاماها الناس ويحرمون بحذائها من رابغ ، فهذا الميقات أجمع العلماء على أنه نصي وأن النبي -r- أقته كما في الصحيحين من حديث ابن عباس وعبدالله بن عمر قال عبدالله ررر : وقت رسول الله -صصص- لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة .
فقوله : ولأهل الشام الجحفة أي وقّت لأهل الشام الجحفة ، فهو ميقات نصي يبعد عن مكة خمس مراحل ، وهو ما يقارب مائتين وكيلو ، وهو ميقات من ذكرنا من جهة الغرب .
قال رحمه الله : [ واليمن يلملم ] : واليمن يلملم ويقال ألملم ، وهو جبل معروف في ذلك الموضع ، ويقال إنه موضع السعدية الآن ويبعد عن مكة بمرحلتين ما يقارب من ثمانين إلى خمس وثمانين كيلومتر وهو ميقات أهل اليمن ، وكانوا في القديم يأتي الحجاج من الصين ومن جاوه ومن ماليزيا عن طريق اليمن وحضرموت ثم يسلكون طريق الجنوب ويكون هذا ميقاتا لهم ولذلك اعتدوه ميقاتا للجنوب .
قال رحمه الله : [ ولنجد قرن ] : ولأهل نجد قرن المنازل . يقال له : قرن الثعالب ، والقرن له أسماء : يطلق على عدة مسميات منها : أعلى الجبل ، وهذا الموضع يقال إنه هو طبعا يسمى الآن بالسيل الكبير، ويبعد عن مكة بمرحلتين ما يقارب من ثمانين كيلومتر إلى خمس وثمانين كيلومتر وهو ميقات أهل نجد ومن جاء من طريق من أهل الخليج .
قال رحمه الله : [ وللمشرق ذات عرق ] : فميقات قرن المنازل وقته رسول الله -صصص- لأهل نجد كما في الصحيحين من حديث عبدالله بن عباس ولأهل نجد قرن المنازل ، وكذلك أيضا في حديث عبدالله بن عمر وحديث عائشة -رضي الله عن الجميع- فهو ميقات نصي .
قال رحمه الله : [ وللمشرق ذات عرق ] : وللمشرق ذات عرق والعرق هو الجبل ، وهذا الجبل هو المنقطع تهامة وابتداء نجد ويسمى بالضريبة ويقال الخريبات عند الخريبات وهو يبعد مرحلتين أيضا ما يقرب من ثمانين إلى خمس وثمانين كيلومتر ، هذا الميقات هو ميقات أهل العراق ، ومن جاء من جهتهم كأهل فارس وأهل المشرق إذا سلكوا طريقهم وسبيلهم .
واختلف فيه هل وقته النبي -صصص- كما في الحديث الصحيح أنه وقته لأهل العراق ، وقيل إن الذي وقته عمر بن الخطاب ررر .
والصحيح أنه مؤقت نصا وأن عمر لما سئل أي سأله عن العراق فقالوا : إن قرنا جور عن طريقنا فوقت لهم القرن بحذائها فوقت لهم ذات عرق فوافق توقيته توقيت النبي -صصص- وقد كان محدثا ملهما -رضي الله عنه وأرضاه- .
هذه المواقيت كلها نصية على الصحيح من أقوال العلماء -رحمهم الله- إلا ذات عرق فالصحيح أن النبي -صصص- وقتها خلافا لمن قال إن عمر هو الذي وقتها ، والصحيح أنها نصية . هذه المواقيت إذا تأملها المتأمل وجد أن منها ما هو بجهة الشمال كذي الحليفة ، ومنها ما هو في جهة الغرب كالجحفة ، ومنها ما هو إلى جهة الجنوب كيلملم ، ومنها ما هو إلى جهة المشرق كذات عرق وقرن المنازل ، وعلى هذا فالمواقيت هذه ينبغي أن ترتبط بجهاتها ، ويقوّي هذا أنه افترق حكم الشامي ما بين مروره من طريق المدينة وما بين مروره من طريق الساحل ، فكل جهة يعتد بالميقات المنسوب إليها ، فمن كان من جهة هي أقرب إلى الشمال اعتد بميقات أهل المدينة ، ومن كان في جهة إلى الغرب اعتد بميقات الجحفة ، ومن كان إلى المشرق اعتد بميقات أهل المشرق، وهكذا بالنسبة لمن كان في الجنوب .
هذه المواقيت ثبتت فيها السنة كما ذكرنا في حديث عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- وحديث عبدالله بن عمر وحديث عائشة -رضي الله عن الجميع- وكلها حديث صحيحة قال عبدالله ررر : (( وقت النبي -صصص- لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ حتى إن أهل مكة يهلون من مكة )) .
فدل هذا الحديث على انقسام الناس إلى من كان خارجا عن المواقيت أو من أهلها كأهل المدينة وإلى من كان دون المواقيت فيما بين المواقيت والحرم ، وإلى من كان من أهل الحرم وهم أهل مكة، هذه ثلاثة أقسام بينها النبي -صصص- في هذا الحديث .
القسم الأول يسميه العلماء بالآفاقيين وهم الذين على المواقيت وخارج المواقيت ، ومنهم من يرى أن الآفاقي من كان بين المواقيت والحرم ، لكن الصحيح أنهم يقال لهم أهل الحل وهم الذين بين المواقيت وبين حرم مكة .
والقسم الثالث هم أهل مكة .
فمن كان خارجا عن هذه المواقيت نظرنا إلى جهته وأمرناه أن يعتد بميقات تلك الجهة ، فلو أن رجلا من أهل المدينة أراد أن يسافر إلى جهة الغرب ، ثم أراد أن يحج ويعتمر بعد هذا السفر كأن يسافر إلى جهة الساحل قال أريد : أن أذهب لزيارة أهل أو جماعتي أو صديقي في ضبا ثم بعد ذلك أحرم بالحج ، فنقول إنه في هذه الحالة إذا سافر سفره الأول إلى جهة المغرب لم يتمحض نسكا ، فيجوز له أن يؤخر ميقاته وليس ميقات المدينة ميقاتا له فيؤخر إحرامه إلى ميقات الجحفة فقد صح عن النبي -صصص- أنه قال للصحابة : (( خذوا ساحل البحر فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة)) وهذا يدل على أن من أسهل من أخذ طريق الساحل أو أخذ جهة الغرب أنه يعتد بميقات أهل الغرب .
وهكذا لو أن شخصا قال: أريد أن أذهب إلى الطائف ثم أحج ، فنقول له يجوز له أن تذهب إلى الطائف بدون إحرام ، ثم إذا أردت الإحرام نزلت عن طريق السيل أو عن طريق وادي محرم فأحرمت وأهللت بالحج أو بالعمرة .
إذا بالعبرة في هذه المواقيت بأهلها إذا كانوا من جهتها ، أما إذا خرجوا عن الجهة أخذوا حكم من مر بالميقات غير ميقاته ؛ والأصل في ذلك أن النبي -صصص- قسم الناس إلى هذه الثلاثة الأقسام .
أما من كان دون المواقيت فإنه يجب عليه أن يحرم من موضعه ؛ وذلك لأن النبي -صصص- قال : (( فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ )) فقوله عليه الصلاة والسلام : (( فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ )) يدل على أن من كان موضعه دون الميقات يحرم من موضعه بالحج والعمرة .
ومن أمثلة ذلك في ميقات المدينة من كان دون الميقات كأبيار الماشي والعشيرة ووادي ريم ووادي الفرع والأكحل والفارع كل هؤلاء يحرمون من موضعهم ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ )) .
وقوله : (( دون ذلك )) يعني دون المواقيت ، وهذا أكده فعل الصحابة -رضي الله عنهم- فإن عبدالله بن عمر ررر كان له مزرعة في وادي الفرع ، ثم أنشأ منها النية بالنسك فأحرم من مزرعته ولم يرجع إلى ذي الحليفة ، وهذا يدل على أن من أنشأ النية وهو دون المواقيت أنه يحرم من موضعه .
والنوع الثالث : طبعا كل ميقات يكون من دونه بجهته ، فمثلا بالنسبة للمدينة ما ذكرنا ، بالنسبة للجحفة يكون أهل قديد ؛ لأن قديد إلى جهة الجحفة إلى الغرب ألصق منها من الشمال ، فهؤلاء يحرمون من موضعهم وهكذا أهل خليص وأهل عسفان كل هؤلاء يحرمون من مواضعهم .
وأما ما يفعله بعض المتأخرين من أن من إدخال الجحفة وإلزام من حاذى الجحفة ممن كان دون ميقات المدينة فهذا خطأ بين ؛ لأن فيه نصا عن رسول الله -صصص- أن من كان دون ميقات المدينة فالعبرة بميقات المدينة فيحرم من موضعه . فأهل الأكحل وأهل الفارع لا يجوز لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى محاذاة الجحفة ؛ لأنهم دون ميقات المدينة ، وقد نبهنا غير مرة على هذا التنبيه الموجود في الطريق بعد الفارع هنا ميقات محاذاة الجحفة وبينا أكثر من مرة أن هذا التحديد مبني على قول من قال من الفقهاء أنه يحرم بالمحاذاة إذا لم يكن على طريقه ميقات ، وكلام الفقهاء أنه يحرم بالمحاذاة إذا لم يكن على طريقه ميقات في غير من كان دون المواقيت .
أما من كان دون المواقيت فإن فيه نصا عن رسول الله -صصص- لا يلغى بقول الفقهاء ولا بغيرهم ، فيه نص وفعل من الصحابة فانظر رحمك الله إلى عبدالله بن عمر أنه يحرم من وادي فرع ، ثم يمضي حتى يمر الفارع ثم ينزل إلى مكة ، ونقول بعد هذا إن من كان في الأكحل أو كان في الفارع ينتظر حتى يحاذي الجحفة؛ إذا أهل أبيار الماشي ومن كان دون الميقات كأهل الريم والعشيرة لهم أن يؤخروا إلى محاذاة الجحفة وهذا لا يعرف في كلام العلماء -رحمهم الله- المتقدمين ؛ ولذلك هذه المحاذاة خاطئة ، وأرجو من الله أن يكون هناك استجابة لإزالتها ، وتوسع في ذلك حتى إن بعض المحطات هناك تسمى بمحطة الميقات ، حتى إن العوام أو من لا يحسن الفهم يؤخر إحرامه من هذه المواضع كلها التي فيها النص حتى يأتي إلى هذا الميقات المزعوم ، والميقات لا ينبغي أن يسمى به إلا الموضع الذي وقته النبي -صصص- وحدده للناس .
فالمقصود من هذا التنبيه على هذا الخطأ . المحاذاة محلها أن لا يكون دون المواقيت وأن لا يمر بميقات . أما إذا كان ممن هو دون الميقات ؛ ففيه نص عن رسول الله -صصص- لا مجال لإلغاء هذا النص بقول أحد كائنا من كان .
هذه المواقيت العبرة بها لأهلها كما ذكرنا ، ومن كان دونها يحرم من موضعه . يحرم من موضعه سواء كان من أهل ذلك الموضع أو طرأ عليه النسك وهو في ذلك الموضع ، فلو أن رجلا من أهل المدينة خرج من المدينة العصر ومضى إلى جدة يريد جدة ، فلما صار بين المدينة وجدة عنَّ له أن يحرم بعمرة أو عنَّ له أن يحج من عامه فنقول له : متى ما عزمت على الحج وأنت في هذا الطريق أحرمت من موضعك عند عزمك ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ )) هذا بالنسبة للنوع الثاني .
أما النوع الثالث وهم أهل مكة وهم أهل الحرم فهؤلاء لا يخلو إحرامهم إما أن يكون بحج وإما أن يكون بعمرة ، فإن كان إحرامهم بالحج ؛ فإنهم يحرمون من بيوتهم ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( حتى إن أهل مكة يهلون من مكة )) ، ولأن أصحاب النبي -صصص- انطلقوا مع رسول الله -صصص- بعد أن تمتعوا بعمرتهم وفسخوا حجهم بالعمرة انطلقوا من رحالهم حاجين ملبين فخرجوا إلى منى وهم ملبون ، وعلى هذا فإن المكي يحرم من بيته ، واستحب بعض العلماء أن يحرم من الحرم. والصحيح أنه يحرم من بيته استحبابا وحكما ، هذا من جهة أهل مكة في الحج.
أما بالنسبة لإحرامهم بالعمرة ؛ فإنهم يحرمون من أدنى الحل ، فيخرجون إلى أدنى الحل من أي موضع من مكة ، فلو خرج المكي إلى عرفات وأحرم منها صح ؛ لأنها في الحل وهكذا لو خرج إلى العابدية وأحرم منها صح ، ولا يتعين عليه أن يخرج إلى التنعيم ، ولا يتعين عليه أن يخرج إلى الشميسي الحديبية ، وإنما يخرج من أي موضع إلى أدنى الحل ثم بعد ذلك يحرم منه ، حتى جاء في الرواية عن عائشة : (( فلا والله ما ذكر التنعيم ولا غيره )) ولذلك أمرها أن تخرج إلى أدنى الحل ، فلما أمر النبي -صصص- عائشة أن تحرم من أدنى الحل ؛ دل على أن أهل مكة ميقاتهم من هذا الموضع، والسر في ذلك أنهم يجمعون بين الحل والحرم ، كما أن الحاج يجمع بين الحل والحرم . فالحاج لا يمكن أن يكون حجه إلا بخروج إلى عرفة ، ولذلك يحرم من مكة ثم يخرج إلى الحل، فصار نسكه جامعا بين الحل والحرم، والمعتمر نسكه في مكة من جهة المواضع والأماكن، ليس كالحاج نسكه خارج مكة في عرفات ؛ فحينئذ يحتاج أن يخرج إلى الحل ابتداء فينشئ من أدنى الحل حتى يجمع بين الحل والحرم ، هذا بالنسبة لأحكام المواقيت التي ذكرها المصنف -رحمه الله-.
قال بعض الفضلاء :
عرق العـراقي يلملم اليمني ** وذو الحليفة يحرم المدني
الشام والجحفة إن مررت بها ** وأهل نجد قرن فاستبني

هذا بالنسبة للمواقيت التي ورد النص بها وأحكامها وأحكام من كان دونها .
قال رحمه الله : [ فهذه المواقيت لأهلها ] : لأهلها : تخصيص أي خاصة بأهلها ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( هن لهن )) فذو الحليفة لأهل المدينة ، والجحفة لأهل الشام ، وقرن لأهل نجد، وذات عرق للعراق ، ويلملم لليمن .
قال رحمه الله : [ ولكل من يمر عليها ] : ولكل من يمر عليها وعليه الذي يمر على ميقات غير ميقاته يجب عليه أن يحرم من ذلك الميقات حتى ولو لم يكن من أهل المواقيت كأهل مكة ، فلو أن مكيا خرج من مكة إلى المدينة لطلب علم أو حاجة أو تجارة أو عبادة ثم عنَّ له أن يحج أو يعتمر أحرم من ميقات أهل المدينة ؛ والدليل على ذلك قوله : (( ولمن أتى عليهن من غير أهلهن )) .
قال رحمه الله:[ ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزله حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم ] : هذا بالنسبة للصنفين من دون المواقيت وأهل الحرم من دون المواقيت وهم أهل الحل يهلون من موضعه ، فلو أن رجلا في النوارية أو في التنعيم أراد أن يحرم بالحج أو يحرم بالعمرة أحرم من بيته ومن موضعه ، وهكذا لو كان بمر الظهران أو وادي فاطمة أو الجموم ؛ فإنه يحرم من موضعه ، ولا يجب عليه أن يخرج إلى المواقيت بل عليه أن يحرم من موضعه ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ )) .
قال رحمه الله : [ ويهلون للعمرة من أدنى الحل ] : ويهل أهل مكة للعمرة من أدنى الحل ففرق فيهم بين الإحرام بالحج والإحرام بالعمرة .
قال رحمه الله : [ ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه ] : بعد أن بين رحمه الله أصحاب المواقيت شرع في بيان من ليس على ميقات ، فإذا كان في موضع ليس من هذه المواضع التي سميناه فإنه إما أن يمر في طريقه بميقات ؛ فحينئذ لا إشكال أنه يحرم من ذلك الميقات، وإما أن لا يمر في طريقه بميقات ، وهذا هو الذي عناه المصنف ، فيعتد بالمحاذاة ، والمنبغي في مسألة المحاذاة أن ينتبه للجهة ؛ لأن عدم ضبط الجهة هو الذي حصل به الخلط عند بعض المتأخرين وتوضيح ذلك: أننا إذا نظرنا إلى هذه المواقيت التي نص عليها النبي -صصص- وجدنا الجهة فيها مؤثرة فوجدناها لجهة المغرب كما في الجحفة ، ولجهة المشرق كما في ذات عرق وقرن ، وفي جهة الجنوب كما في ألملم ويلملم ، ولجهة الشمال كما في ذو الحليفة وقد بينا هذا ؛ بناء على ذلك لماذا نقول الجهة حتى لا يحصل الخلط بين الميقات الأبعد والأقرب ، فمثلا الآن من كان طريقه إلى جدة فإنه إذا نظر إلى جهة المغرب فالمنبغي أن يعتد بمحاذاة الجحفة ؛ لأن هي جهته وميقاته ، وإن نظر إلى مسألة القرب إلى الميقات اعتد بيلملم وحينئذ يستطيع حتى أن يحرم من جدة نفسها وهذا هو الذي جعل بعض المتأخرين يخلط في هذه المسألة ، ويقول : إن جدة ميقات ، بناء على كلام الفقهاء هذا ، والواقع أن الفقهاء -رحمهم الله- فصّلوا في هذه المسألة ، ومن هنا كلام بعض فقهاء الحنفية الذي رتب وركب عليه البعض أن جدة ميقات بين فيه بعض أئمته ممن جاء بعرض البحر من غربي جدة فإنه يحرم بمحاذاته للجحفة ، وغربي جدة في عرض البحر إذا قدر المسافة قبل الوصول إلى الميناء بالمسافة التي بين جدة وبين الميقات الذي هو الجحفة أمكنه أن يحرمه في عرض البحر، وهذا ما يسمى بالمحاذاة ، وحينئذ تصح المحاذاة باعتبار الجهة ، وليس مراد العلماء المحاذاة المطلقة ، وإلا حصل الخلط بالتحايل للميقات الأقرب وإلغاء الميقات الأبعد ، فالجهة مؤثرة ، وقلنا إن الجهة مؤثرة ؛ لأن من كان إلى جهة الجنوب فهو أقرب إلى يلملم فيعتد يلملم ، ومن كان إلى جهة الغرب أقرب فإنه يعتد بالجحفة لأنها أقرب إلى جهته ، وهذا هو المنبغي في مسألة المحاذاة .
قال رحمه الله : [ ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم ] : ولا يجوز لمن أراد دخول مكة أن يجاوز الميقات إلا وهو محرم ، وهذا مذهب الجمهور؛ واستدلوا بأن النبي -صصص- نهى عن دخول مكة بغير نسك ، وخالف في هذه المسألة الشافعية والظاهرية -رحمهم الله- فقالوا يجوز لمن ذهب إلى مكة وليس عنده نية أن يحج أو يعتمر أن يدخل مكة بدون إحرام ولا يلزمه أن يحرم من هذه المواقيت ؛ وهذا هو أصح قولي العلماء لأن النبي -صصص- قال في هذه ا لمواقيت : (( لمن أراد الحج والعمرة )) فجعلها مواقيت محددة لمن أراد الحج والعمرة ، ومفهوم ذلك أنه إذا لم يرد الحج والعمرة كأن يذهب إلى تجارة أو صلة رحم أو طلب علم أو دراسة أو نحو ذلك ؛ فإنه لا يلزمه أن يحرم ويجوز له أن يدخل مكة بدون إحرام .
قال رحمه الله : [ إلا لقتال مباح ] : وهذا مبني طبعا إذا قلنا بقول الجمهور لابد من الإحرام فاستثنوا القتال المباح ؛ لأن النبي -صصص- دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فدخلها وهو حلال ولم يدخلها وهو محرم ، فقالوا إذا كان قتالا مباحا جاز له أن يدخلها وهو حلال أي لا يلزمه أن يحرم .
قال رحمه الله : [ وحاجة تتكرر كالحطاب ونحوه ] : وحاجة تتكرر : لأن الأمر إذا ضاق اتسع فلما ألزموا بالإحرام من الميقات ورد السؤال إذا كانت له حاجة تتكرر فيدخل مكة مرة بعد مرة كالحطابين وأهل النقل كالجمالين في القديم وأهل السيارات الآن ونحوهم استثنوهم ، قالوا إن هؤلاء لو أمرناهم بالإحرام لصارت لهم مشقة ، والأمر إذا ضاق اتسع ، والمشقة تجلب التيسير فييسر لهم ويوسع عليهم .
قال رحمه الله : [ ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه ] : ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه وهذا بالنسبة للأصل إن كان آفاقيا فإنه يعتد بميقاته ، وإن كان دون المواقيت أحرم من موضعه من منزله ، أو من حيث أنشأ العمرة ، وإن كان مكيا أحرم بالحج من بيته أو من أدنى الحل في العمرة .
قال رحمه الله : [ وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه لأنه أحرم من ميقاته ] : يرد السؤال : لو أن إنسانا مر بهذه المواقيت وهو يريد النسك ثم لم يحرم وتذكر أو نبه فكان التنبيه بعد مجاوزته للميقات فما الحكم ؟ إذا تنبه أو رجع عن قصده بأن كان ينوي أن يحرم دون المواقيت ثم ألغى ذلك ورجع ؛ فإنه لا شيء عليه ؛ لأن إحرامه في الحقيقة وقع من المواقيت ولم يحصل منه إخلال في هذا الإحرام ، وقد فعل ما أمره الله من ا لإحرام بهذه المواقيت ؛ إذا كل من جاوز هذه المواقيت وعنده نية النسك ثم رجع عن المجاوزة ولم يحرم من موضعه دون المواقيت فإنه يسقط عنه الدم ولا شيء عليه .
أما إذا أحرم من موضعه دون الميقات ؛ فإنه يجب عليه الدم سواء رجع أو لم يرجع ؛ لأنه أحرم بالنسك وانعقد إحرامه من غير الموضع المعتد ، وقد خالف ، فيجب عليه ضمان هذه المخالفة بالدم وهو دم الجبران .
قال رحمه الله : [ فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع ] : إذًا من جاوز المواقيت وعنده نية للنسك إما أن يرجع قبل أن يحرم وإما أن يحرم من موضعه ؛ فإن رجع قبل إحرامه فلا شيء عليه ؛ لما ذكرنا ، وإن لم يرجع وأحرم من موضعه ؛ فعليه الدم سواء رجع إلى الميقات ؛ لأنه فات التدارك ، أو لم يرجع .
قال رحمه الله : [ والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات ] : بعد أن بين رحمه الله أن هذه المواقيت متعينة يرد السؤال : هل يجوز أن يحرم قبل الميقات أو لا يجوز ؟ وإذا كان جائزا فهل الأفضل أن يحرم قبل الميقات أو من الميقات ؟
أما المسألة الأولى وهي الإحرام قبل الميقات ؛ فجماهير الأئمة من السلف والخلف على جواز أن يحرم قبل الميقات، كما إذا كان في المدينة فأحرم من بيته قبل أن يخرج إلى ذي الحليفة ، أو كان في الطائف فأحرم من بيته بالطائف ولبى قبل أن يمر بوادي محرم أو يمر بميقات السيل فقالوا إنه يجوز له ذلك ولا حرج عليه وإحرامه صحيح .
وذهب بعض العلماء كالظاهرية إلى أنه لا يجوز بعض أئمة السلف إلى أنه لا يجوز له أن يحرم قبل الميقات .
واستدل الجماهير بفعل السلف الصالح -رحمهم الله- من تصحيحهم للنسك قبل الميقات ؛ فقد أحرم عبدالله بن عمر من بيت المقدس ، وكذلك أيضا أحرم عبدالله بن مسعود -ررر- من القادسية وعمران بن حصين من البصرة وكذلك أيضا أحرم عبدالله بن عامر بن كريز .
فالشاهد من هذا أن الصحابة لما عرض على عثمان أنه من فعل ذلك وكذلك عمر ررر عتب على عمران أنه أحرم قبل الميقات ولكنه لم يحكم بفساد إحرامه ؛ فدل على أن الإحرام صحيح وأنه يجزيه وأنه ينعقد إحرامه لو أحرم قبل هذه المواقيت ، والمراد بالإحرام الدخول في النسك ؛ لأن البعض يظن أن مجرد لبس الثياب التجرد من المخيط ولبس الثياب هو الإحرام .
العبرة في الإحرام بالنية والدخول في النسك ، فلو أنه كان في فندقه في المدينة فلبس الإحرام ولم يلبِّ ولم ينو فهو غير محرم ؛ إذًا إذا نوى الدخول في النسك فهو المحرم ، فإذا فعل ذلك قبل الميقات صح ، وهل هو الأفضل أم أن الأفضل أن يحرم من الميقات ؟
قولان للعلماء -رحمهم الله- :
منهم من قال : الأفضل أن يحرم من الميقات كما هو مذهب المالكية والحنابلة .
ومنهم من قال : الأفضل أن يحرم قبل الميقات ، كما يقول به بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم. واستدل الذين قالوا : إن الأفضل أن يحرم من الميقات بفعل النبي -صصص- حيث أنه أحرم من ميقات ذي الحليفة ، وقد كان بالإمكان أن يحرم من المدينة ، فلما أخر إلى ذي الحليفة فعل الأفضل ، وما كان بأبي وأمي -صلوات الله وسلامه- عليه أن يترك الأفضل ولا ينبه عليه أصحابه -رضي الله عنهم وأرضاهم- فدل هذا على أن الأفضل أن يحرم من الميقات .
والذين قالوا إن الأفضل أن يحرم من دون الميقات قالوا : إنه أكثر تعبا وهذا أعظم أجرا ، وقد بينا أن الذين قالوا إن الأفضل أن يحرم من الميقات تمسكوا بالسنة ، وقولهم أقعد وأرجح ؛ لأن النبي -صصص- فعل ذلك ، وحرص عليه صلوات الله وسلامه عليه في مناسكه ولا يفعل إلا الأفضل ، وإذا فعل المكلف السنة اتباعا للنبي -صصص- فالوارد أفضل من غير الوارد ، ومن هنا يقدم إحرامه من الميقات ، وهو أفضل على إحرامه قبل الميقات .
قال رحمه الله : [ فإن فعل فهو محرم ] : فإن فعل فأحرم قبل الميقات فهو محرم لما ذكرنا .
قال رحمه الله : [ وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ] : بعد أن بين الميقات المكاني شرع في بيان الميقات الزماني ، وميقات الحج الزماني فيه ابتداء وفيه انتهاء ، فيبتدئ الإحرام بالحج بهلال شوال ، وينتهي بفوات القدر الذي يمكنه به أن يدرك الوقوف بعرفة من قبل بزوغ الفجر من ليلة النحر، وعلى هذا فإنه يجوز له أن يحرم بالحج ليلة العيد عيد الفطر إلى أن يبقى من الزمان القدر الذي يتدارك به الوقوف بعرفة ، فلو كان بجوار عرفة وفي سيارته ثم عنَّ له أن يحج فإنه يتجرد ويجوز له أن يلبي ويدخل إلى عرفة مباشرة ولو قبل بزوغ الفجر بلحظة ، فإذا أدرك هذه اللحظة فإنه حينئذ ينعقد إحرامه ويكون إحرامه بالحج ، وهكذا لو أحرم بالحج ولم يدرك الوقت في ليلة النحر، فإنه في الأصل يصح له أن يحرم على رجاء أن يدرك ، لكن هذا الميقات هو ميقات الابتداء .
أما ميقات الانتهاء فإنه ينتهي بانتهاء شهر ذي الحجة ، وفائدة هذه المسألة إذا أخر طواف الإفاضة فإنه إذا قلنا العبرة بأيام النحر أو عشر بأيام التشريق أو يوم النحر فإنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى آخر أيام النحر لزمه دم على قول ، وإذا أخره عن يوم العيد وأيام التشريق لزمه دم ؛ لأنهم يرون انتهاء الحج بانتهاء أيام التشريق .
والصحيح أنه إذا أخر طواف الإفاضة ولم يخرج عن زمن الحج أنه لا دم عليه ؛ لأن الله تعالى يقول: { الحج أشهر معلومات } وتمامها وكمالها ثلاثة أشهر وهو أقل الجمع .

وكيع الكويتي
22-10-07, 10:05 AM
أخي الكريم شروحات الشيخ على الزاد وغيرها من كتب العلم أين أجدها مفرغة

أبو زيد الشنقيطي
22-10-07, 10:06 AM
قال الإمام المصنف رحمه الله : [ باب الإحرام ] : إذا ثبت أن بداية الحج تكون من هلال شوال فلو أن شخصا أحرم بالحج قبل ليلة العيد كآخر يوم من رمضان أو أحرم في أول رمضان أو أحرم في شعبان أو أحرم في رجب فللعلماء قولان :
القول الأول : إن إحرامه فاسد ولا ينعقد لا حجا ولا عمرة ، وهذا مذهب بعض العلماء وبعض السلف رحمهم الله .
والقول الثاني : أن إحرامه صحيح ، ثم اختلفوا فمنهم من قال ينعقد للحج ويبقى وينتظر حتى يدخل زمان الحج ، فيبدأ بأعمال الحج من الطواف ، وينتظر الوقوف بعرفة إلى أن يأتي زمانه، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله .
واستدلوا بأن غاية الأمر أنه ميقات زمان فيجوز أن يوقع الشرط وهو الإحرام قبله كما لو توضأ قبل صلاة الظهر قبل دخول وقتها ؛ فإنه يصح وضوؤه ولكنه لا يصلي الظهر إلا بعد دخول الوقت ، وكرهوا له ذلك لقربه من الركن كما ذكروا .
وأما بالنسبة لمذهب الجمهور من حيث الجملة أنه لا ينعقد للحج وينقلب عمرة على الصحيح ؛ لأنه قبل زمانه المعتبر ، وعلى هذا فإنه إذا أحرم قبل ليلة العيد ؛ فإنه يتحلل بعمرته وينتظر إلى دخول زمان الحج .
ومن يتأمل زمان الحج في ابتدائه يجده بين العيدين ، عز وجل على هذا الميقات المعتبر .
قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى : [ باب الإحرام ] : يقول المصنف رحمه الله : [باب الإحرام]: الإحرام مأخوذ من الحرام ، وأصل الحرام المنع ، والمحرم هو الممنوع ، والإحرام الدخول في الحرمات . يقال : أحرم إذا دخل في حرمات الصلاة .
والمراد بالإحرام في اصطلاح العلماء : نية أحد النسكين أو هما معا .
فمن نوى الحج أو نوى العمرة أو نواهما معا فقد أحرم ، فإن نوى العمرة في غير زمان الحج فلا إشكال فهي نية نسك العمرة ، أو ينوي العمرة في أشهر الحج متمتعا بها للحج ، أو ينوي الحج والعمرة قارنا ، أو ينوي الحج وحده مفردا، كل هذا يسمى إحراما ، فلا يحكم بكون الشخص محرما إلا إذا نوى ، وانعقدت نيته بأحد النسكين أو هما معا .
يقول رحمه الله : [ باب الإحرام ] أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بنية النسك .
ومناسبة هذا الباب واضحة ؛ لأنه بدأ ببيان حكم الحج ، فبعد أن بين على من يجب الحج وشروط الوجوب ، ورد السؤال :كيف أحج ؟ فقيل له هناك ميقات زماني وميقات مكاني ، فإذا دخل الميقات الزماني والمكاني سأل بعد دخول وقت العبادة من أين أبدأ ؟ عن صفة الدخول في النسك وبداية النسك ، فيقال له : أحرم ، فيحتاج إلى بيان كيفية الدخول في نسك الحج ، وكيفية الدخول في نسك العمرة ، فهذا الباب مبني على ما قبله ، ولذلك يقع الإحرام بعد الوصول للميقات ، فبعد أن بين أحكام المواقيت شرع في بيان أحكام الإحرام .
قال رحمه الله : [ من أراد الإحرام يستحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ] : استحب له أن يتنظف أن يغتسل ويتنظف ويتطيب : من أراد الدخول في نسك الحج أو العمرة أو هما معا استحب له أن يتنظف أن يغتسل .
أما ا لاغتسال ؛ فلأن النبي -صصص- كما في حديث زيد تجرد واغتسل لإحرامه ، وثبت أيضا في الصحيح أنه طاف على نسائه -عليه الصلاة والسلام- ثم اغتسل ، فهذا الغسل ثابت في السنة قولا وفعلا .
أما قولا ؛ فإن النبي -صصص- أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل للإهلال ، وهذا سيأتي أنه لوجود عذر النفاس ، لكنه أصل عند العلماء بالدخول للنسك . السنة أن يغتسل ، وهذا الغسل يصير واجبا ومتعينا إذا كانت المرأة حائضا أو نفساء ؛ لأن النبي -صصص- كما في الصحيح حديث أسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر الصديق أمرها النبي -صصص- أن تغتسل ، فقال لأبي بكر: (( مرها فلتغتسل ثم لتهل )) وهذا الغسل إذا لم يتيسر ؛ فإنه للعلماء فيه وجهان :
منهم من قال : غسل نظافة لا يقوم التيمم مقامه .
ومنهم من قال : غسل عبادة يقوم البدل مقامه وهو التيمم .
فإذا قلنا إن هذا الغسل المراد به النظافة ؛ فإنه حينئذ يكون عبادة معقولة المعنى ، ومن هنا لا يتيمم؛ لأن التيمم لا يزيده نظافة ، وإن قلنا إنه عبادة والمراد به التشريع للأمة على وجه معناه فإنه حينئذ يتيمم لكن التيمم في حال وجوبه أقوى بخلاف ما إذا كان في حال الاستحباب فالمعنى فيه ظاهر. يتنظف بتقليم أظفاره والأخذ من شعره وإزالة الشعث والقذر عن بدنه ؛ لأنه سيتلبس بالإحرام ولربما يكون هناك أيام عديدة كما كان في القديم ، فيحتاج أن يتهيأ لهذا حتى لا يعظم منه الأذية للناس في زحامه لهم وفي المساجد فيتنظف لشرف العبادة ويغتسل ؛ لأن النبي -صصص- تجرد لإحرامه واغتسل كما في حديث زيد --ررر .
قال رحمه ا لله : [ ويتطيب ] : ويتطيب التطيب تفعل من الطيب وسمي الطيب طيبا لطيب رائحته، فالسنة إذا اغتسل أن يتطيب لأن النبي -صصص- أصبح يمضخ طيبا وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : طيبت رسول الله -صصص- لحله قبل حرمه ، وهذا الطيب له صورتان :
الصورة الأولى : أن يقع قبل الغسل ثم يغتسل فلا إشكال في هذه الصورة عند الجميع .
والصورة الثانية : أن يغتسل ثم يتطيب . ففيه الخلاف المشهور ، والصحيح أنه من السنة ولا بأس به ولا حرج .
قال رحمه الله : [ ويتجرد عن المخيط ] : يقول رحمه الله : [ ويتجرد عن المخيط ] : المخيط هو المحيط بالعضو، فيشمل ما كان لأعلى البدن كالفنيلة والقميص ، وما كان لأسفل البدن كالسروال بجميع بأنواعه كالسراويل بجميع أنواعها ، أو كان للجميع كالثوب ، أو كان محيطا بالعضو ولو كان لبعض الأعضاء .
فالتجرد من المخيط هو الأصل ؛ لأن النبي -صصص- تجرد لإهلاله واغتسل تجرد من المخيط ، وسيأتي إن شاء الله أن من محظورات الإحرام لبس المخيط .
قال رحمه الله : [ ويلبس إزارا ورداء أبيضين نظيفين ] : ويلبس إزارا ورداء وهو ما يسمى بالثوبين ؛ وقد قال صصص في المحرم الذي وقصته دابته : (( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه )) فالأصل في المحرم أن يحرم في ثوبين : إزار لأسفل البدن يستر عورته ، ورداء لأعلى البدن ؛ تأسيا برسول الله -صصص- .
أبيضين : لأن الأبيض هو أفضل الثياب ؛ وقد قال صصص : (( خير ثيابكم البيض فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم )) وقد قالوا إن الحج فيه شبه من الكفن ؛ فاستحبوا لبس الأبيض ؛ لأن النبي -صصص- فضله واستحبه للأمة ، فالأفضل لبس الأبيض ، لكنه لو لبس غير الأبيض ؛ فإنه لا يضر ، فلو لبس لونا آخر غير الأبيض لا يعتبر ذلك محرما عليه ولا منكرا عليه ؛ لأنه قد يكون فقيرا ، وليس عنده أن يأخذ ثيابا بيضاء أو لا يجد ثيابا بيضاء ، ولو عنَّ له أن يحرم وليس عنده إلا المناشف كأن تكون عنده منشفة صفراء أو خضراء منشفتين كبيرتين ساترتين فاتزر بإحداهما وتردى بالأخرى ارتدى بالأخرى فإنه لا بأس ولا حرج عليه .
قال رحمه الله : [ نظيفين ] : نظيفين من النجاسة بلا إشكال ؛ لأنه سيصلي وسيؤدي العبادة ويطوف بالبيت، وهذا تشترط كله تشترط له الطهارة ونظيفين من القذر حتى لا يؤذي بهما الناس وهذا على الأكمل والأفضل ، لكن لو ضاق عليه الوقت ولم يتسن له أن يغسل إحرامه فوجد إحراما سبق أنه استعمله وليس فيه نجاسة جاز له أن يحرم فيه هذا على الأكمل والأفضل .
قال رحمه الله : [ ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما ] : ثم يصلي ركعتين السنة أن يقع الإحرام بعد الصلاة ؛ لأن النبي -صصص- أحرم بعد الصلاة وقد أحرم بعد صلاة الفريضة وليس للإحرام ركعتان خاصة بالإحرام كما يظن البعض ، بل إنه يلبي بعد الصلاة سواء كانت فريضة أو كانت نافلة كأن يأتي مثلا في وقت ليس فيه فريضة فيتوضأ أو يغتسل ثم يصلي ركعتي الوضوء ثم يحرم بعدها ؛ تأسيا بالنبي -صصص- أنه وقع إحرامه بعد الصلاة .
قال رحمه الله : [ وهو أن ينوي الإحرام ] : وهو أن ينوي الإحرام.
قال رحمه الله : [ ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما وهو أن ينوي الإحرام ] : وينوي عقيبهما وهو أن ينوي الإحرام يحرم عقيب الركعتين اختلف الصحابة -رضي الله عنهم- هل أهلّ النبي -صصص- وأحرم وهو في مصلاه أو أهلّ وأحرم بعد ما ركب دابته أو أهلّ وأحرم بعد أن رقى البيداء؟ وقد بيّن ابن عباس -رضي الله عنهما- سبب هذا الاختلاف ، وقال : إن النبي صصص صلى ثم أهلّ بالتوحيد فأدرك أقوام إهلاله ، ثم لما رقى على دابته أهل فسمعه بعض الصحابة وأدركوا ذلك فقالوا أهل عند ركوبه لدابته ، ثم لما رقا البيداء أهلّ صلوات الله وسلامه عليه وسمعه أقوام فظنوا أنها بداية إحرامه .
فالشاهد من هذا أن السنة أنه يحرم من مصلاه بعد أن يسلم من الصلاة يلبي بحج أو يلبي بعمرة أو يلبي بهما معا ، فيقول : لبيك حجا أو لبيك عمرة أو لبيك عمرة وحجا ، هذا هو الوارد عن النبي -صصص- والمحفوظ .
قال رحمه الله : [ ويستحب أن ينطق بما أحرم به ] : ويستحب أن ينطق بما أحرم به ؛ لما ثبت في الصحيحين عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال : (( أتاني الليلة آت من ربي وقال أهل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة )) (( قل)) : أمر . (( عمرة في حجة )) والقول لا يكون إلا بالتلفظ ، فلو أنه لم يتلفظ لم يصدق عليه أنه قائل ، فلما قال له : (( قل )) دل على أن من السنة أن يتلفظ بما أهل به وفي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ررر أنه قال : كنت تحت ناقة النبي -صصص- يمسني لعابها أسمعه يقول : لبيك عمرة وحجا ، فدل على أن السنة أن يتلفظ بما أهلّ به .
قال رحمه الله : [ ويشترط ويقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ] : الاشتراط يقع في الحج ويقع في العمرة ، ويقع فيهما معا إذا كان قارنا ، ومسألة الاشتراط تكون عند ابتداء الإحرام ، والإنسان له حق في هذا الاشتراط مادام أنه في ابتداء الإحرام ، فلا يدخل الاشتراط بعد الإحرام ، فلو أنه أحرم ودخل في النسك ثم خرج من ميقاته وعنَّ له أن يشترط لم يصح اشتراطه ؛ إذًا الاشتراط يكون عند النية ، وهذا الاشتراط للعلماء فيه قولان :
منهم من قال : إنه لا يشرع .
ومنهم من قال: إنه مشروع .
فالذين قالوا بشرعيته هم فقهاء الشافعية والحنابلة والظاهرية وطائفة من أهل الحديث -رحمة الله على الجميع - .
واستدلوا بما ثبت في الصحيح من حديث ضباعة بنت الزبير -رضي الله عنها وأرضاها- أنها دخل عليها النبي -صصص- وهي شاكية ، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية ؛ فقال صصص: (( أهلي واشترطي إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني فإن لك على ربك ما اشترطت )) هذا الحديث دل دلالة واضحة على مشروعية الاشتراط وأنه جائز ومشروع .
والذين قالوا بعدم شرعيته قالوا إن الله تعالى يقول : { وأتموا الحج والعمرة لله } والاشتراط يمنع من الإتمام ؛ لأنه إذا وقع الشيء الذي اشترطه ؛ فحينئذ له حق أن يفسخ النسك ، ولا يكون عليه شيء ، ولا يتم ولا يفعل ما يفعله المحصر، فهذا كله خلاف الأصل ، ومن هنا اعتذروا عن الحديث بأنه واقعة عين ، والقاعدة أن قضايا الأعيان لا تصلح دليلا للعموم .
والصحيح ما ذهب إليها أصحاب القول الأول من مشروعية الاشتراط في الحج وفي العمرة وفيهما معا ، ومحله ما ذكرنا .
المسألة الثانية : هل الاشتراط على العموم أو على الخصوص ؟
ظاهر السنة أن الاشتراط ليس على العموم ؛ لأن من تأمل حديث ضباعة وجد أن النبي -صصص- دخل عليها وهي شاكية قبل أن تدخل في النسك ؛ وحينئذ وهي مريضة إذا تكلفت ودخلت في النسك كأن الشرع أعطاها هذا الحق ؛ لأنها من الابتداء مريضة ، أو عندها عذر، فجعل هذا بمثابة الاستصحاب للمعذور، بخلاف ما إذا طرأ عليها العذر بعد الإحرام، فأعدل الأقوال في هذا قول الشافعية وهو أيضا رواية عند الحنابلة أنه يختص بالحالات التي توجد فيها الحاجة ؛ ولذلك القول بعمومه بمعنى أننا نقول يستحب لكل من أتى الميقات أن يقول ذلك فيه إشكال .
وجه الإشكال : أن النبي -صصص- دخل على ضباعة وهي مريضة ، وهذا قبل أن ينطلق إلى ذي الحليفة ، وقال لها هذا الكلام ، ثم انطلق مع أصحابه إلى ذي الحليفة ولم يأمر الصحابة أن يشترطوا ، فكيف نقول باستحباب ذلك ، وأنه مع أنه خاطب به ضباعة ، ومن المعلوم أنه دخل على امرأة في بيتها وهي شاكية على حالة خاصة يقوى تخصيص الحكم بها ؛ لأن فيها معنى يقوى أن يخصص به وهو العذر ، والعذر لاشك أنه يقوي تخصيص الدليل ، فقول من قال إنه من كان معذورا ومثل صفة ضباعة يقال له بالاشتراط ونبقي الأدلة الباقية الملزمة بإتمام النسك على ما هي عليه هوأوفق وأولى بالصواب إن شاء الله تعالى أنه ليس على عمومه ، وإنما يعطى لمن كان على صفة ضباعة ؛ تحقيقا للسنة على ورودها ، وإبقاء الأصل الذي دل على وجوب إتمام النسك على ما هو عليه .
وعلى هذا فالاشتراط لا يكون إلا عند وجود العذر؛ لأن النبي -صصص- جعله للمعذور ولم يرد أنه جعله لغير المعذور .
قال رحمه الله : [ وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران ] : وهو أي المحرم يخير إذا أراد الإحرام بين التمتع والقران والإفراد ؛ والدليل على هذا التخيير أن النبي -صصص- حينما أتى الميقات قال لأصحابه -رضي الله عنهم- : (( من أراد منكم أن يهل بحج فليهل ومن أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل ومن أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل ،، وهذا التخيير وقع من النبي -صصص- في ميقات ذي الحليفة ، فخير أصحابه -رضي الله عنهم- بين هذه الأنساك الثلاثة ، فهو مخير بين هذه الأنساك كلها سواء كانت حجة الإسلام أو كانت حجة نافلة ؛ فإنه يخير بين هذه الأنساك الثلاثة .
قال رحمه الله : [ وأفضلها التمتع ] : وأفضل هذه الأنساك الثلاثة التمتع ؛ لأن النبي -صصص- تمناه ولا يتمنى إلا الأفضل ؛ ولذلك قال : (( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )) ، وهذا هو مذهب الحنابلة رحمهم الله وطائفة من أهل الحديث : أن الأفضل من الأنساك الثلاثة هو التمتع .
وذهب الشافعية والمالكية إلى أن الأفضل الإفراد ؛ وذلك لأن النبي -صصص- أهلّ ابتداء مفردا ؛ ولأن أبابكر وعمر وعثمان من الخلفاء الراشدين داوموا على الإفراد ؛ ولأنه إذا أفرد أتم الحج والعمرة، وقد قال علي ررر : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك . بمعنى أن تجعل العمرة سفرا مستقلا وللحج سفرا مستقلا ، ولما قال علي ذلك قال عمر : صدق علي فصدقه فاجتمع الخليفتان الراشدان على ذلك .
وذهب الحنفية رحمهم الله واختاره الإمام ابن القيم إلى تفضيل القران قالوا : لأن النبي -صصص- قرن حجه ابتداء وانتهاء أما من الابتداء فحديث عمر في الصحيح صريح في ذلك : (( أتاني الليلة آت من ربي وقال أهل في هذا الوادي المبارك وقل : عمرة في حجة )) فأمر أن يبتدئ إحرامه بالقران، قالوا فمعنى ذلك أن الله اختار له من فوق سبع سماوات أن تكون حجته قرانا ، ولم يحج إلا حجة واحدة ؛ وقد ثبت القران عنه -عليه الصلاة والسلام- كما هو معلوم عند أئمة الحديث عن أكثر من عشرين صحابيا كلهم أثبتوا أن النبي -صصص- كان قارنا . قالوا ولأن القران يتكلف فيه بعد عمرته ، يتكلف فيه فلا يتحلل بعد عمرته ، ففضل على التمتع ؛ ولأن القران فيه زيادة نسك العمرة على الإفراد ، ففضل على المفرد .
وهذه المسألة جمع بعض العلماء فيها جمعا حسنا -وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله- أن الناس يختلفون فمن كان من الناس يمكنه أن يفرد عمرة بحج وحجه عمرته بسفر وحجه بسفر والأفضل له الإفراد ؛ ولذلك كما قال في الشرح : إن العمرة المفردة أفضل من عمرة التمتع ؛ واستدل بما جاء عن في قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } من تفسير الصحابة -رضوان الله عليهم- بأن الإتمام أن يحرم بهما من دويرة الأهل .
وأما إذا كان يصعب عليه أن يأتي للحج وأن يأتي للعمرة ولا يستطيع أن يأتي للعمرة بعد حجه فالأفضل له أن يتمتع ، وأما إذا كان يمكنه سوق الهدي ؛ فالأفضل له أن يقرن ، وبهذا جمع بين السنن المتعددة ، وهذا القول إن شاء الله هو أولى بالصواب ، لكن الإشكال ليس في تفضيل التمتع ولا في تفضيل الإفراد ولا في تفضيل القران ، فكل من ترجح عنده قول لابأس أن يعمل به مادام أن له سلفا وله دليل ، ولكن الإشكال في جعل هذه الأفضلية بمثابة الإلزام حتى إن الشخص إذا فضل الإفراد أنكر على المتمتع والقارن ، وإذا فضل التمتع أنكر على المفرد والقارن ، وإذا فضل القِران أنكر على المفرد والمتمتع ، وهذا هو المحظور أن يجعل من مسألة التفضيل وسيلة للاستهجان بالغير وتخطئته والإنكار عليه والانتقاص منه ، وهذا لا يعرفه علماء السلف -رحمهم الله- والأئمة بل إن الأمر على السعة فمن ترجح عنده قول من أقوال العلماء -رحمهم الله- له دليله وله حجته فلابأس أن يأخذ بهذا القول .
وأما مسألة الإلزام بالتمتع كما يقول به بعض المتأخرين -وهو مذهب ابن عباس- حتى قال بعضهم : إذا كان حجة الإسلام فإنه إذا طاف وسعى أحل شاء أو أبى ، وهذا القول قال ابن عباس فانفرد به وعد من شذوذاته كما شذ في ربا الفضل وكما شذ في مسألة التمتع ، وخالفه في ذلك من هو أعلم منه وأولى بالاتباع وهم الخلفاء الراشدون : فأبوبكر وعمر وعثمان في خلافتهم الراشدة كلها بإجماع العلماء لم يحجوا إلا مفردين .
فالقول بأن التمتع وفسخ الحج بالعمرة واجب إلى يوم القيامة قول ضعيف ، والسنة دالة على ضعفه ؛ ولذلك لما جاء عروة بن مضرس ررر قال : يا رسول الله ، أقبلت من جبل طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي وما تركت جبلا ولا شعبا إلا وقفت فيه قال صصص : (( من صلى صلاتنا هذه ووقف موقفنا هذا وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه )) وهذا عين الإفراد وقضى تفثه وهذا يدل على أن العموم وقع من النبي صصص في صبيحة يوم النحر ، وهذا بعد أمره لأصحابه بفسخ الحج بالعمرة ، وأمره عليه الصلاة والسلام بفسخ الحج بالعمرة جاء لسبب عارض وهو التشريع كما لا يخفى ، فقد كانت العرب في جاهليتها الجهلاء تحرّم العمرة في أشهر الحج ، فاحتاج النبي -صصص- أن يبطل هذه العادة المختلقة المكذوبة من دخائل الجاهلية والوثنية في تحريم العمرة في أشهر الحج ، وكانوا يقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر فكانوا يعتقدون ذلك ويرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور؛ ولذلك لما أمر النبي -صصص- الصحابة أن يتحللوا بعمرة قالوا : يا رسول الله، أي الحل ؟ قال: (( الحل كله )) قالوا : أنذهب إلى منى ومذاكرنا تقطر منيا ؟! فلما رأى منهم هذا الاستبطاء قال : (( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )) مبالغة في إنكار هذا الاعتقاد الجاهلي وإبطال تحريم العمرة في أشهر الحج ، وينبغي وضع النصوص في دلالتها خاصة إذا وجدنا جماهير السلف والأئمة -رحمهم الله- على هذا أن الإفراد جائز إلى يوم القيامة، ومن أراد أن يفرد فليفرد ، وقد قال عمر ررر بعد وفاة النبي -صصص- وعلي ررر وأفتوا به الناس بل كما قال علي ررر إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، وهذا يدل على جواز الإفراد ، فهل يمكن لهما أن يقولا بشيء منسوخ أو شيء لا يصح حاشا وكلا ! ولذلك يجوز للمسلم أن يفرد وأن يتمتع وأن يقرن ولا ينكر عليه واحد من هذه ؛ إلا أن من تأول تفضيل أحدها عليه أن يتقي الله وأن لا يبالغ في تأويله فينكر على غيره مادام أن له سلفا وله دليل . هذا بالنسبة لمسألة التفضيل في المناسك .
قال رحمه الله : [ ثم الإفراد ] : الذين قالوا بتفضيل الإفراد قالوا إن كل من قال بالتفضيل يجعل الإفراد هو الثاني ، فالذين قالوا بتفضيل التمتع قالوا التمتع ثم الإفراد ثم القران ، والذين قالوا بتفضيل القران قالوا القران ثم الإفراد ، والتمتع قالوا إنه أفضل ؛ لأنه يجمع بين نسكين ، وحينئذ لاشك أن ثواب النسكين ليس كثواب النسك الواحد .
وثانيا أنه يتكلف أعمال العمرة قبل الحج ، وهذا أكثر ، ومن هنا كان أفضل ؛ لأن النبي -صصص- تمناه ، هذا بالنسبة لحجة من قال بتفضيله .
ومن قال بالإفراد فقالوا : لما ذكرنا :
أولا : أنه أتم للنسك ؛ وقد قال الله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } وفسر الصحابة الإتمام بالإفراد .
وأما بالنسبة لكون التمتع مفضولا قالوا لأنه يخل فيما بين النسكين بإصابة الأهل ؛ ولأنه لم يرجع إلى الميقات فيحرم بالحج كان المفروض أن يرجع إلى ميقاته فتمتع وترفه بالنساء وسقط عنه السفر الثاني فصار دمه دم جبران ، قالوا فصار أنقص من الإفراد من هذا الوجه ، وأكدوا أفضلية الإفراد بعمل الخلفاء الراشدين بعد النبي -صصص- .
والذين قالوا بالقران لما ذكرنا ، وعلى كل حال الجمع بين هذه بالتفصيل الذي ذكرنا من أن أوضاع الناس تختلف ، فمن أمكنه سوق الهدي فالقران له أفضل ، ومن أمكنه أن يأتي بكل منهما بسفر مستقل فالإفراد أفضل ، وأما كما هو حال كثير من الناس الآن بصعوبة خاصة من الآفاقيين إذا كان يصعب عليهم أن يفعلوا ذلك فالتمتع لهم أفضل أن يجمعوا بين النسكين وأن يأخذوا برخصة الله .
قال رحمه الله : [ والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه ] : والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج هذا الشرط الأول ، فلو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج لم يكن متمتعا إلا إذا أوقع بعد العمرة في غير أشهر الحج وبعضها في أشهر الحج على تفصيل سنذكره .
أما اشتراط كونها في أشهر الحج ؛ فهذا منصوص عليه وظاهر قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } أنها تكون في أشهر الحج المعتبرة .
أما إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وحج من عامه وأوقع العمرة كاملة تامة قبل دخول أشهر الحج ثم حج من عامه ؛ فإنه ليس بمتمتع إجماعا ، مثال ذلك : لو أن رجلا خرج في رمضان وجاء بعمرة في رمضان ثم رجع إلى أهله أو بقي في مكة ثم حج من عامه ؛ فإنه ليس بمتمتع ؛ وذلك لأن العمرة لم تقع في أشهر الحج ، فيشترط في العمرة أن تكون في أشهر الحج .
فأما إذا فعل بعضها في أشهر الحج وبعضها في غير أشهر الحج نظرنا فقال بعض العلماء : إذا وقع بعض العمرة في رمضان وبعضها في شوال العبرة بالطواف ، فإذا ابتدأ الطواف بعد دخول أشهر الحج فهي عمرة التمتع ، وإن ابتدأ الطواف قبل مغيب الشمس من آخر يوم من رمضان فعمرته ليس بعمرة التمتع ، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة -رحمهم الله - ودليلهم في هذا ظاهر؛ لأن الركن الأول للعمرة هو في الطواف فتكون عمرته تامة كاملة إذا وقع طوافها تاما كاملا في أشهر الحج .
والقول الثاني قالوا : إن العبرة بأكثر الطواف وهو مذهب الحنفية ، قالوا إذا طاف أربعة أشواط فأكثر قبل دخول هلال قبل مغيب شمس آخر يوم من رمضان فإنه ليس بمتمتع ، وإن طاف أربعة أشهر وأكثر بعد مغيب الشمس وهو متمتع ؛ لأن العبرة عندهم بأكثر الطواف .
والقول الثالث أن العبرة بالتحلل كما هو مذهب المالكية .
والصحيح القول الأول أن العبرة بالطواف لأنه ركن العمرة فإذا وقعت العمرة بأركانها تامة كاملة بعد دخول أشهر الحج فهي عمرة في أشهر الحج ، وأما إذا وقع بعض أركانها أو ابتدأ الركن قبل مغيب الشمس فقد وقعت في غير أشهر الحج .
هذا الشرط الأول أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج .
الشرط الثاني : أن لا يرجع بعد العمرة إلى بلده ، أو ما يحاذي بلده أن لا يرجع إلى مسافة القصر فأكثر بعد عمرته ، وهذا الشرط دليله قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فبين الله عز وجل أن المتمتع لا يكون متمتعا إلا إذا بقي بعد عمرته إلى الحج ؛ وعليه فإنه لو سافر بعد عمرته إلى بلده أو غير بلده فقد قطع النسك الأول عن الثاني ، وحينئذ لم يكن متمتعا بسفره الأول لحجه ، ولا يجب عليه دم التمتع ، فإن أراد أن يتمتع ينشئ عمرة ثانية .
وخالف في هذه المسألة طاووس ، فقال : هو متمتع وإن رجع إلى بلده ، واعتبروا خلافه شذوذا كما قال ابن رشد : وشذ طاووس فقال هو متمتع وإن رجع إلى بلده ، وضعف العلماء والأئمة هذا القول أن من رجع إلى بلده متمتع لو حج من عامه .
والصحيح أنه لا تكون العمرة معتبرة في التمتع إلا إذا بقي بعدها بمكة ولم يسافر ، فإن فصل بين العمرة والحج بسفر؛ فإنه في هذه الحالة ينقطع تمتعه ، ويكون مفردا إن حج من عامه .
الشرط الثالث : أن يحج من عامه ؛ وذلك لقوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } يجعله متمتعا بعمرته إذا حج من عامه وهذا قول جماهير السلف والأئمة خلافا لمن شذ فقال إنه لو حج من العام القابل كان متمتعا .
والصحيح أن العبرة بنفس الحج من ذلك العام ، هذا مما ينبغي توفره للحكم بكونه متمتعا ، فبيّن رحمه الله أن من شرط التمتع أن يوقع العمرة في أشهر الحج .
قال رحمه الله : [ والإفراد أن يحرم بالحج وحده ] : والإفراد أن يحرم بالحج وحده فيقول: لبيك حجة .
قال رحمه الله : [ والقران أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج ] : والقران أن يقرن الحج بالعمرة فيقول: لبيك حجة وعمرة ؛ وحينئذ لا إشكال أنه قارن كما فعل النبي -صصص- وقال له : قل : عمرة في حجة ، أو يحرم بالعمرة بالحج ثم يردف عليه العمرة يدخل عليه العمرة .
قال رحمه الله : [ ولو أحرم بالحج ثم أدخل ] : أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليه الحج فيدخل الأكبر على الأصغر في هذه الحالة يكون قارنا ، فإذا كان معتمرا ثم أردف فهو الحج فهو قارن ، ويكون هذا الإرداف شرطه أن لا يبتدئ بالطواف ، فإذا كان معتمرا ثم أردف العمرة بالحج ثم أردف عليها الحج صح له ذلك ما لم يبتدئ الطواف ، فإذا ابتدأ الطواف ؛ فإنه قد وقع طوافه عن عمرته ، وحينئذ لا يصح له الإرداف ؛ لأن هناك ما يستثنى منها المسألة : المرأة إذا حاضت فإذا حاضت المرأة فإنه يجوز لها أن تدخل الحج على العمرة إذا كانت متمتعة ، والمصنف رحمه الله في المسألة الثانية بين أنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج ، وأجاز إدخال الحج على العمرة ، فأجاز إدخال الأكبر على الأصغر ولم يجز إدخال الأصغر على الأكبر ؛ لأنه لا معنى له ولا فائدة من إدخاله ، ولكن بالنسبة لمسألة من أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها ؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -صصص- أنه أمر عائشة رضي الله عنها أن تبقى بإحرامها ، وقد أحرمت متمتعة فأبقاها على إحرامها ، وصارت قارنة ؛ والدليل على ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام- لها كما في الصحيح : لما قالت له : أيرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج ؟! قال : طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة كافيك لحجك وعمرتك ، فنقلها من التمتع إلى القران ؛ لأنه يتعذر عليها أن تطوف بالبيت قبل حجها ، وحينئذ تنقلب من التمتع إلى القران لوجود العذر .
قال رحمه الله : [ ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة ] : هذا طبعا مسألة الإدخال ، لكنه لو أنه فسخ الحج بعمرة كأن يكون ناويا الحج ثم أراد أن يفسخ حجه بعمرة فيجعل حجه عمرة فأصح القولين في هذه المسألة أنه يجوز له أن يفسخ حجه بعمرته قبل أن يبتدئ بالوقوف بعرفة ؛ والأصل في ذلك أن النبي -صصص- أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل وأن يجعلها عمرة ، وهذا يدل على أن الحج ينفسخ بالعمرة ، وإنما كان خاصا بأصحاب رسول الله -صصص- الإلزام وهذا هو معنى قول أبي ذر : متعتان لا تصلح إلا لنا معشر أصحاب رسول الله -صصص- متعة النساء ومتعة الحج يعني الإلزام بفسخ الحج بعمرة .
وأما جواز أن يفسخ حجه بعمرة ؛ فإنه باق على الأصل لأن النبي -صصص- أمر به الصحابة ويجوز أن يفسخ حجه بعمرة فيتمتع كما لو كان مثلا محرم بالحج مفردا ثم جاءه شخص وقال له الأفضل أنك تتمتع فاقتنع أنه الأفضل فإنه يفسخ حجه بعمرة ، ينوي العمرة ويتحلل بها ثم بعد ذلك يحرم بحجه وعليه الدم .
قال رحمه الله : [ فإذا استوى على راحلته لبى ] : الإحرام بالحج له صورتان :
الصورة الأولى : أن يعين ، والصورة الثانية أن يبهم .
والذي تكلم عليه المصنف -رحمه الله- التعيين أن يعين أنه مفرد أو متمتع أو قارن أو يعين أنه معتمر . فالإحرام إما أن يقع معينا وإما أن يقع مبهما أو ما يسميه بعض العلماء بالمطلق . فإن عين لا إشكال ، أنه يلزمه ما عين ، ويجوز له في المعين أن يغير ويبدل على التفصيل الذي ذكره المصنف ما لم يشرع في الطواف ، وعلى الأصل الذي ذكرناه ، والصور التي بيناها .
أما بالنسبة للإحرام المبهم فهو أن يقول : نويت لله ، أحرمت لله ، فإن كان مبهما فيصح إحرامه في قول جماهير العلماء –رحمهم الله – ، لو مر بالميقات وقال : نويت لله ، أو أحرمت لله صح إحرامه ؛ الأصل في ذلك أن عليا - ررر - جعل إحرامه معلقا ، فلما قدم على النبي -صصص- في مكة قال له النبي صصص : بما أهللت ؟ قال : أهللت بما أهلّ به رسول الله -صصص- فلم يعين . ومن هنا قالوا إنه إذا قال : أحرمت لله ، فقد دخل في الإحرام ولم يبق إلا أن يعين كما علق على ررر إحرامه بإحرام رسول الله -صصص- ؛ فدل على أن التعيين بنوع النسك ليس شرطا أن يعلمه المكلف أو يحدده أثناء الإحرام ؛ لأن عليا لم يعلم ما الذي أهل به رسول الله -صصص- ؛ فصار أصلا في إحرام المبهم وهو قول أئمة الأربعة رحمهم الله .
إذا صار مبهما فإنه يصرفه إلى ما شاء قبل ابتدائه بالطواف على التفصيل الذي ذكرنا للعلماء هل العبرة بابتداء الطواف أو العبرة بأكثر الطواف في العُمَر ؟
الصحيح كما ذكرنا العبرة بابتداء الطواف ويقلبه إلى عمرة ينوي به العمرة أو ينوي به حجا إفرادا أو ينوي به قرانا أو ينوي به عمرة متمعة بها في حجه . قالوا : والأصل في ذلك أن النبي -صصص- لما أتاه علي من اليمن . قاله له : بما أهللت ؟ قال : أهللت بما أهلّ رسول الله -صصص- . فقال له النبي -صصص- : ابق كما أنت ولو أني سقت الهدي لتحللت وجعلتها عمرة ، فدل على مشروعية الإبهام ، وأنه يعينه قبل ابتدائه بالطواف .
قال رحمه الله : [ فإذا استوى على راحلته لبى ] : فإذا استوى: يعني ركب . على راحلته : أي على دابته ، فيدخل في زماننا السيارة ، والسنة أن يلبي وهو في مصلاه ؛ لما ذكرنا . فإذا ركب على الراحلة لبى ؛ تأسيا بالنبي -صصص- .
قال رحمه الله : [ فقال لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك الملك لا شريك لك ] : هذا اللفظ هو أفضل ألفاظ التلبية وهو الوارد عن النبي -صصص- وهو الذي عناه جابر في منسكه بقوله : (( أهل بالتوحيد )) .
لبيك اللهم : قيل : لبى مثنى لبى النداء أي أجاب مرة بعد مرة . أي أنا مجيب لندائك يا الله مرة بعد مرة ، وهذا النداء هو الذي أمر الله به الخليل فقال سبحانه وتعالى : { وأذن في الناس في الحج } فقال : أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج كما في حديث الحاكم وغيره . فقالوا إن قوله لبيك اللهم لبيك إجابة لهذا النداء ، وقيل: لبى من ألبّ بالمكان إذا أقام فيه ، فهو يقول: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة ، وقيل : من لبّ الشيء التلبية من لب الشيء وهو خالصه ، وما كان سالما من الشوائب ، فهو يقول: إخلاصي لك يا الله إخلاصا بعد إخلاص ؛ لأن العبادة لا تقبل إلا من المخلصين ، وقيل غير ذلك ، منها قولهم : المواجهة والاتجاه فتقول : داري تُلِب بدارك أي تواجهها أي وجهتي إليك يا الله وجهة بعد وجهة .
وقوله : [ لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك الملك لا شريك ]: اشتمل على التوحيد ، كما قال جابر ررر : أهلّ بالتوحيد . والتوحيد قائم على النفي والإثبات. فالنفي في قوله لا شريك لك ، والإثبات :في قوله : لبيك اللهم فهو الإله الحق . سبحانه وتعالى الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، وهذه التلبية هي الأفضل ؛ لأن هي الواردة عن النبي -صصص- وهل يجوز أن يزيد في التلبية ويغير في ألفاظها ؟
أصح القولين : قول الجمهور؛ خلافا للظاهرية ؛ واستدل على الجواز بأن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يقولون: لبيك ذا المعارج ، ولم ينكر النبي -صصص عليهم ذلك وقد أشار إلى ذلك جابر ررر في منسكه .
في قوله : لبيك اللهم لبيك : التلبية واجبة ، فلو تركها في عمرته ولم يلب أو في حجه ولم يلب فإن عليه دما في أصح قولي العلماء -رحمه الله- .
وقد أُمِر صصص بالتلبية وأمر بها أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بها ويبتدأ بالتلبية في النسك كما ذكرنا في مصلاه ، وإذا أخره بعد ذلك ولبى في عمرته ما لم يبدأ باستلام الحجر فلا إشكال ، لكن لو أنه لبى من ابتداء إحرامه فمتى يقتطع التلبية ؟ والجواب : إما أن يكون في حج أو يكون في عمرة ، فإن كان في عمرة قطع التلبية عند ابتداء الطواف ؛ لحديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنها- أن النبي -صصص- اعتمر من جعرانة فلم يزل يلبي حتى استلم الحجر، ففي العمرة يقطع التلبية عند استلام الحجر، وقيل يقطعها عند الحرار عند دخوله مكة كما فعل عبدالله بن عمر ، والأول أقوى .
وأما في الحج فإنه يقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة . الانتهاء من رميها كما في حديث ابن خزيمة وأصله في الصحيح أن الفضل ررر-- قال : كنت رديف النبي صصص فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة . وفي صحيح ابن خزيمة : حتى رمى آخر حصاة من جمرة العقبة . فهنا يقطع التلبية . والسنة رفع الصوت بها والإكثار منها ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية )) قال أنس ررر: فما بلغنا فج الروحاء حتى بح أصواتنا .
قال رحمه الله : [ ويستحب الإكثار منها ] : ويستحب الإكثار من التلبية ؛ لأن النبي -صصص- لبى ولبى معه أصحابه .
قال رحمه الله : [ ورفع الصوت بها لغير النساء ] : ورفع الصوت بها ؛ لأن النبي صصص قال: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا بالتلبية )) لغير النساء : وهذا يدل على أن الأصل في صوت المرأة أنه عورة ، وقد بينا هذه المسألة وقلنا : إن الشرع أمر المرأة إذا رابها شيء في الصلاة أن تصفق ، وهذا يدل على تشديد الشرع في سماع الرجل صوت المرأة ، أو في إظهار المراة لصوتها للرجال. إذا كان هذا في العبادة يقول النبي -صصص- : (( إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)) ويصرفها من ذكر الله وهي داخلة الصلاة إلى العمل وإلى الصوت الذي لا ذكر فيه لاشك أنه يدل دلالة واضحة على هدي الشرع في عدم تعاطي الأسباب في التساهل في سماع الرجال لأصوات النساء ففي العبادة آكد حتى لا يفتن لأن الرجل مجبول بالميل فطرة إلى المرأة والتأثر بها ولذلك شرع رفع الصوت للرجال دون النساء .
قال رحمه الله : [ وهي آكد فيما إذا علا نشز ا أو هبط واديا ] : إذا علا النشر من الأرض النشز : هو المرتفع من الأرض . وأخذوا من هذا من إهلاله لما رقى البيداء ، فدل على أنه إذا علا النشز يلبي .
قال رحمه الله : [ إذا سمع ملبيا ] : أو هبط واديا بالعكس وهذا ما يسميه العلماء باختلاف الحال وأخذوا هذا ما أثر عن إبراهيم من فعل السلف إبراهيم النخعي رحمه الله من فعل السلف أنهم كانوا يجددون التلبية عند تغير الأحوال من طلوع النشز والجبل وهبوط الوادي ونحو ذلك .
قال رحمه الله : [ إذا سمع ملبيا ] : أو سمع ملبيا .
[ أو فعل محظورا ناسيا ] : إذا تذكر يلبي . هذا بعض العلماء يستحبه ، وليس فيه هناك دليل. الأصل يكثر من التلبية ، ويكون هذا عند اختلاف الأحوال آكد دون تعيين أو تحديد بهذه الأمور التي ذكرها .
قال رحمه الله : [ أو لقي ركبا ] :
قال رحمه الله : [ وفي أدبار الصلاة المكتوبة وفي الأسحار ] : كما ذكرنا أنه من فعل السلف رحمه الله .
قال رحمه الله : [ وإقبال الليل والنهار ] .

وكيع الكويتي
22-10-07, 10:10 AM
أخي الكريم شروحات الشيخ على الزاد وغيرها من كتب العلم أين أجدها مفرغة
.....

أبو زيد الشنقيطي
22-10-07, 10:18 AM
{باب محظورات الإحرام}
قال الإمام المصنف رحمه الله : [ باب محظورات الإحرام ] : المحظورات : جمع محظور . والمحظور هو المحرم والممنوع . حظر عليه الشيء إذا منعه . ومحظورات الإحرام أمور حرمها الله على المحرم ، فلا يجوز له أن يتلبس بها . هذه المحظورات متعددة ؛ ولذلك جمعه المصنف -رحمه الله- بقوله : [ باب محظورات الإحرام ] مناسبة هذا الباب لما قبله أنه بعد أن بيّن الإحرام شرع في بيان ما يحظر على المحرم ، والترتيب هنا صحيح ومنطقي ؛ لأن بيان المحظور بعد إثبات ما يوجب الحظر وهو الإحرام .
يقول رحمه الله : [ باب محظورات الإحرام ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بما حظر ومنع منه المحرم بالنسك .
قال رحمه الله : [ وهي تسعة ] : إجمال قبل البيان والتفصيل .
قال رحمه الله : [ الأول والثاني حلق الشعر وقلم الظفر ] : حلق الشعر وتقليم الأظفار والطيب وقتل الصيد وتغطية الرأس ولبس المخيط وعقد النكاح والمباشرة والوطء في الفرج هذه تسعة محظورات . ابتدأ بقوله : حلق الشعر ليس المراد تخصيص الحكم بالحلق ، وإنما تأدب العلماء والفقهاء بذكر الحلق ؛ لورود النص به في قوله تعالى : { ولا تحلقوا رؤوسكم } والمراد بذلك إزالة الشعر كله أو بعضه بالحلق أو النتف أو الحرق كل ذلك محظور على المحرم سواء كان في الرأس أو في اللحية أو في الإبط أو في أي موضع من مواضع البدن مما يترفّه به أو يتجمّل أو هما معا ؛ وعليه فإن إزالة الشعر بأي وسيلة مما ذكرنا توجب الفدية ؛ والأصل في ذلك أن الله تعالى يقول في كتابه : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } فحرم الله –عز وجل- إزالة الشعر؛ فدل على أنه محظور من محظورات الإحرام ؛ ولأن النبي -صصص- أمر كعب بن عجرة مع كونه محظورا أن يفتدي بحلق شعره، وهذا يدل على أنه محظور ولا يستباح إلا بوجه شرعي .
قال رحمه الله : [ وقلم الظفر ] : قلم الظفر : والأظفار سواء من الرِجْلين أو من اليدين لا يجوز تقليمها للمحرم ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } فجعل المحرم محظورا من إلقاء التفث ، ومن إلقاء التفث أن يقلم أظفاره ، فأحل الله له ذلك بعد التحلل الأول ؛ فدل على أنه قبل التحلل الأول ممنوع منه ، وهذا قول جماهير السلف والخلف والأئمة -رحمهم الله- أن قلم الظفر لا يجوز للمحرم .
قال رحمه الله : [ ففي ثلاثة منها دم ] : في ثلاث شعرات منها دم ، وتكون فيها فدية كاملة وتخييرية طبعا ما بين الدم وما بين إطعام ستة مساكين فرقا وهو ثلاثة آصع وبين صيام ثلاثة أيام؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فجعل الله –عز وجل- من حلق شعره بمكان الأذى فيه أن يفتدي ، وجعل الفدية على هذا الوجه تخييرية . قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : ما كان في القرآن ( بـأَوْ ) فهو للتخيير ، وما كان (بـثمّ ) فلا يجوز الثاني إلا عند العجز عن الأول . أي أن الترتيب فيه متعين ، وهنا قال تعالى : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } وأجمل القرآن الصيام ، وأجمل الصدقة ، و أجمل النسك ، فبينت السنة هذا المجمل ، فقال صصص لكعب بن عجرة كما في الصحيحين : (( أطعم فرقا بين ستة مساكين أوصم ثلاثة أيام أو أنسك نسيكة )) فبين عليه الصلاة والسلام المراد بالإطعام والصدقة والمراد بالصيام وهو صيام ثلاثة أيام والمراد بالنسك وهو ذبح شاة على الصفة المعتبرة في الدم الواجب .
قال رحمه الله : [ وفي كل واحد مما دونه مد طعام وهو ربع الصاع ] : هذا فيه خلاف في الواحد : هل يتصدق بالمد أو يتصدق بالقبضة من الطعام ؟ والخلاف فيه مأثور حتى عند المتقدمين -رحمهم الله- والأصل عندهم ثلاث شعرات ؛ لأنها أقل الجمع ، فجعل الله الحظر بصيغة الجمع قال : { ولا تحلقوا رؤوسكم } وقالوا لا يصدق عليه بالشعر بالجمع إلا بثلاث شعرات فأكثر ومن هنا فرقوا بين الجمع وما دونه .
قال رحمه الله : [ وإن خرج في عينه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عليه أو انكسر ظفره فقصه فلا شيء عليه ] : فرّق رحمه الله بين وجود الأذى في الشعر وبين وجود الأذى من الشعر، وبين وجود الأذى تحت الظفر، وتوقف إزالة الأذى على إزالة الظفر وبين وجود الأذى من الظفر نفسه ، فإن كان الأذى من الظفر كأن يكون منكسرا يؤذيه في بدنه أو يدخل في لحمه فيدميه فإنه يجوز له أن يكسره ؛ لأنه يزيد ضرره وليس بمترفه به ، وحينئذ يفترق عمن يتأذى بشيء في شعره فيريد أن يترفه بإزالة الشعر لإزالة ذلك الضرر كما وقع لكعب بن عجرة -ررر- ، وتوضيح ذلك: أن كعب بن عجرة كان القمل في رأٍسه قال ررر كما في الصحيحين : (( حملت إلى رسول الله -صصص- والقمل يتناثر على وجهي وهذا في الحديبية ؛ فقال صصص : (( ما كنت أرى أي أظن أن يبلغ بك الجهد ما أرى )) ثم قال له : (( أطعم فرقا بين ستة مساكين أو أنسك نسيكة أو صم ثلاثة أيام )) فهنا حلق شعر رأسه من أجل أن يتوصل إلى إزالة ضرر القمل الموجود في الشعر، فالضرر ليس من الشعر وإنما من شيء موجود في الشعر، ففرّق العلماء والأئمة ويؤثر حتى عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- من إجازة قلع الظفر المكسور إذا آذى وأضر في اللحم وأدمى ونحو ذلك ، وفي حكمه أيضا الشعر إذا نبت وأضر في العين أو نزل فآذى في مسيره أو نحو ذلك .
قال رحمه الله : [ الثالث : لبس المخيط إلا أن لا يجد إزارا فيلبس سراويل ] : لبس المخيط والأصل فيه ما ثبت في الصحيحين في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلا سأل رسول الله -صصص- فقال : يا رسول الله ، ما يلبس المحرم ؟ قال : (( لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطع ما أسفله من الكعبين )) .
فبين عليه الصلاة والسلام تحريم لبس المخيط ، ثم إذا تأملت هذا الحديث وجدته حظر على المسلم أن يلبس المخيط في أسفل بدنه ؛ وذلك في قوله : (( ولا السراويلات )) وفي أعلى بدنه وذلك في قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( القمص )) وفيما جمع بينهما كما في قوله : (( ولا البرانس )) وعلى هذا يحظر عليه أن يلبس المخيط .
والمخيط هو المحيط بالعضو ، يشمل ذلك السراويلات بأنواعها القصيرة والطويلة ، ويشمل القمص ذات الأكمام أو ناقصة الأكمام كل ذلك محظور بإحاطته بالعضو .
وفي حكمه لبس المخيط أن يكون الرداء والإزار مفصلا كما يوجد في الطقطق الذي يكون له أزارير ، والطقطق موجود في زماننا فمثل هذا لا إشكال في كونه في حكم المخيط ، فلابد وأن يكون متجردا عن المخيط ؛ فحديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أصل في تحريم لبس المخيط على المحرم .
قال رحمه الله : [ إلا أن لا يجد إزارا فيلبس سراويل ] : إلا أن لا يجد إزارا فيلبس سراويل ؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( السراويل لمن لم يجد الإزار )) وكذلك إذا لم يجد النعلين جاز له أن يلبس الخفين ، فيفتق السروال ويقطع الخفين ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( وليقطعهما أسفل من الكعبين )) وسكوته عن التنبيه عن ذلك في خطبة الحج حجة الوداع لا يقتضي إلغاء الأصل المنصوص عليه ؛ لأن السكوت يحتمل أنه لم ينبه لسبق التنبيه ، ويحتمل أنه حكم مستأنف فتردد بين الأمرين فبقي على الأصل ، والأصل الحظر ، والصحيح كما فصلناه في مذكرة الحج أنه يبقى على الأصل لنص النبي -صصص- على ذلك بالقطع .
قال رحمه الله : [ أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه ] : فلو أنه أراد الإحرام وكان في الطائرة وليس عنده مناشف ولا عنده إزار وعنده سروال أحرم في سرواله ، وإذا كان أمكن فتقه من الأسفل مع ستر العورة لا إشكال ، وهذا ذكره العلماء في السراويل بالفتق للأنواع القديمة ، أما الأنواع الجديدة فلا يمكن فيها الفتق ويبقى على حاله ويلبس سرواله ، وهكذا في حكم السروال البنطال يحرم به حتى يجد الإزار .
وأما بالنسبة للفتق فكان هناك نوع من السراويل المرسل وهو الذي يقارب إلى حد الركبتين ، ونص بعض العلماء على فتقه قياسا على الخفين ، والنوع الموجود عندنا ليس كالموجود قديما، ولذلك يحرم في سرواله بدون فتقه .
أما بالنسبة للخفين فلا إشكال في كونه يقطعهما أسفل من الكعبين ؛ لنصه -عليه الصلاة والسلام- على ذلك كما في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- .
قال رحمه الله : [ أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه ] : وإذا لم يجد النعلين ووجد الخفين جاز له أن يلبس الخفين ؛ لأن النبي -صصص- نص على ذلك ويجب علي القطع لما ذكرنا .
قال رحمه الله : [ الرابع تغطية الرأس والأذنان منه ] : تغطية الرأس ؛ لأن النبي -صصص- قال : (( لا تلبسوا القمص ولا العمائم )) والعمامة غطاء الرأس فلا يجوز له أن يغطي الرأس بالعمامة، ولا يجوز له أن يغطي الرأس بالطاقية ، ولا يجوز له أن يغطي الرأس باللفافة ؛ وذلك لأن النبي -صصص- منع من تغطية الرأس في موضعين من حديث ابن عمر : الموضع الأول في قوله : (( ولا العمائم )) ، والموضع الثاني في قوله : (( ولا البرانس )) .
والبرانس ثياب غطاء الرأس متصل فيها ، ولا تزال موجودة إلى زماننا ، فدل على أن المحرم لا يغطي رأسه ، وأكد هذا عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه نهى أن يغطى رأس المحرم وقال عليه الصلاة والسلام : (( ولا تغطوا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا )) دل على أن المحرم لا يجوز له تغطية رأسه .
قال رحمه الله : [ والأذنان منه ] : والأذنان من الرأس ؛ لحديث عبدالله بن عباس وأبي أمامة وقد حُسّن الحديث بالشواهد أن النبي -صصص- قال : (( الأذنان من الرأس )) فلا يغطي الأذنين ولذلك قال بهذا الإمام أحمد -رحمه الله- ؛ إعمالا للسنة ، فأتبع الأذنين للرأس في المسح في الوضوء وكذلك أيضا أتبعهما للرأس في منع الستر .
قال رحمه الله : [ الخامس الطيب في بدنه وثيابه ] : الطيب في البدن ؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( ولا تمسوه بطيب )) في الرجل الذي وقصته دابته ، وفي الثياب ؛ لأن النبي -صصص- قال كما في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر : (( ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس )) وكل من الزعفران والورس طيب كما هو معلوم ، فدل على حرمة الطيب في البدن وفي الثوب ؛ وقد قال صصص كما في حديث يعلى بن أمية حينما اعتمر من الجعرانة وجاءه رجل عليه جبة عليها طيب أو صفرة من طيب فقال صصص : (( انزع عنك جبتك ، واغسل عنك أثر الطيب )) فدل على أنه لا يجوز للمحرم أن يتطيب ، والنبات ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : ما يستنبت للطيب ، ويستخرج منه الطيب .
والقسم الثاني : ما ينبت لغير الطيب ، ولا يتخذ منه الطيب ، وهو عكس الأول .
والقسم الثالث : ما ينبت طيبا ، ولا يتخذ منه الطيب .
فأصبح عندنا ما يستنبت للطيب ويتخذ منه الطيب ، وما لا يستنبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب، وما كان مستنبتا طيبا ولا يتخذ منه الطيب .
فأما ما كان من النبات يستنبت للطيب ويتخذ منه الطيب فكالورد والفل والزعفران ، فهذه يستنبت من أجل أن يتخذ منها الطيب ويتخذ منها الطيب ، فهذا بالإجماع يحرم التطيب به ، ثم إذا تطيب به يستوي أن يكون دُهنا أو يكون شمًّا كالبخور ، أو يكون احتواء كأن يحتويه كما في المبخرة إذا احتواها دون أن يشم ويستوي أن يكون يترفه بهذا الشم كأن تكون عنده حاسة الشم فيستطيب الرائحة ، أو لا يترفه كأن لا تكون عنده حاسة شم فهو محظور من الطيب في كل هذه الأحوال ؛ إلا أنه يرد السؤال في هذا النوع : لو أنه أكله هل يدخل في الحظر أو لا ؟ إذا وضع في الأكل إما أن يستنفذ فتستهلك رائحته وحينئذ لا إشكال في جواز أكله كما في بعض الأحوال في الزعفران إذا وضع مع غيره فاستهلك ، وإما أن تبقى رائحته ويبقى أثره فيبقى على الحظر ؛ لأنه في الأصل متخذ للطيب مستنبت للطيب والمقصود منه ذلك ، وعلى هذا فالمربى التي تصنع من الورد آخذة حكم الورد ، ولا يجوز إذا كان فيها طيب الورد وبقيت فيها طيب الورد ولم تستهلك بأن لم تطبخ طبخا جيدا يذهب الرائحة وأثرها فإنه لا يجوز استعمالها للمحرم .
النوع الثاني : ما ليس مستنبتا للطيب ولا يستخرج منه الطيب ، ومن أمثلة ذلك : نبت المراعي الطيب الرائحة كالشيح والقيصوم والخزامة ونحو ذلك فإنه لا يحظر على المُحْرِم وليس من الطيب المحرَّم ، كانت هذه المراعي موجودة ولم يكن الصحابة -رضوان الله عليهم- يمنعون منها ، ونص الجماهير -رحمهم الله- على أنها لا تؤثر في الإحرام .
والنوع الثالث : ما يستنبت لطيبه ولا يستخرج منه الطيب كالريحان ، ومن أشهر أنواع الريحان الفارسي ، وصح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وبعض الصحابة أنه لا بأس به حتى ولو دخل البستان يشم رائحته ويجد رائحته لا يؤثر في إحرامه .
فأصبح هذه الثلاثة الأقسام : ما يستنبت للطيب ويقصد منه الطيب وتستخرج منه الطيب ، مثل الورد والعود ونحو ذلك والزعفران والفل ، وما لا يستنبت للطيب ولا يقصد منه الطيب كنبت المرعى كالشيح والقيصوم والإذخر وكذلك أيضا العَرَار ، وكان من أزكى الروائح كما قال فيه البيت المشهور :
تمتع من شميم عَرَار نجد فما بعد العشية من عَرَار
والإذخر وكان معروفا لكنه لا يقصد منه الطيب ولا يستخرج منه الطيب فهذا لا يؤثر .
وأما بالنسبة للنوع الثالث الذي ذكرناه مما يستنبت للطيب ولكنه لا يستخرج منه الطيب ولا يقصد كالريحان الفارسي ونحوه ؛ فإنه لا يؤثر .
يلتحق بهذا من غير النبات ما كان مقصودا منه الطيب ويستخرج منه الطيب ، مثل ما يستخرج من المسك من الغزال ؛ فإنه محظور ، ولا يجوز استعماله ، وهكذا بقية الأطياب .
الطيب محرم مفردا ومركبا مجموعا مع غيره ، ولذلك قال صصص في المحرم : (( ولا تحنطوه )) والحنوط أخلاط الطيب ، فدل على أنه يحظر عليه مجتمعا ومنفردا ، ولما قال : (( ولا تحنطوه )) والطيب مخلوط بغيره دل على أن خلط الطيب وطبخ الطيب إذا بقيت فيه رائحة الطيب أثّر كما ذكرنا في مسألة الأكل فيفرق بين بقاء مادته وأثره وزواله .
قال رحمه الله : [ السادس : قتل الصيد ] : السادس قتل الصيد ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } والمراد بالصيد : صيد البر ؛ لقوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما } فنص سبحانه وتعالى على تحريم صيد البر خاصة على المحرم ، وبقي صيد البحر حلالا للمحرم ، وما كان بريا بحريا وهو البرمائي ينظر إلى تكاثره وأغلب عيشه ، فإن كان بيضه وتكاثره في الماء أخذ حكم الماء كالضفادع ونحوها وسرطان الماء ، وما كان تكاثره وتواجده في البر أكثر كالسلحفاة ونحوها أخذ حكم البر .
وأما بالنسبة لصيد البر فهو ما توحش وانحاش سواء كان من الدواب كالضباع والوعول المتوحشة وتيس الجبل والتيثل ونحو ذلك والغزال والريم ، أو كان من الطير كالحمام والعصافير كلها محرمة على المحرم .
قال رحمه الله : [ وهو ما كان وحشيا مباح ] : ما كان وحشيا خرج الداجن والمستأنس ، وعليه فلو كان عنده دجاج وأراد أن يذبح دجاجة جاز له ذلك وليس بصيد ، ولو كان عنده حمام داجن وأراد أن يذبحه فيأكله ليس عليه حرج ؛ لأنه ليس بصيد ، فلابد وأن يكون متوحشا .
قال رحمه الله : [ وأما الأهلي فلا يحرم ] : وأما الأهلي فلا يحرم لما ذكرناه فيجوز له أن يذبح الإبل أن ينحر الإبل والبقر وأن يذبح الغنم ولا شيء عليه في ذلك .
قال رحمه الله : [ وأما صيد البحر فإنه مباح ] : وأما صيد البحر فإنه مباح : فيجوز له أن يصيد السمك وأن يصيد الحوت ولا بأس بذلك ولا حرج عليه ؛ لأن الله تعالى يقول : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } ثم لما أراد أن يحرم قال : { وحرم عليكم صيد البر } فخصص بالصفة في حال الإحرام في قوله : { مادمتم حرما } وخصص المصيد فقال : { صيد البر } فدل على أن صيد البحر لا يأخذ حكم صيد البر .
قال رحمه الله : [ السابع : عقد النكاح حرام ولا فدية فيه ] : هذا من حيث الأصل أن يكون صيدا وأن يقصده بالقتل ، يستوي أن يصيده هو أو يعين غيره على الصيد ، والإعانة على الصيد بالإشارة أو إعطاء السلاح ، فإذا أعان على الصيد بالإشارة إليه أو أعطى السلاح للصائد أو أمسك له آلته حتى يرمي ؛ فإنه في جميع هذه الأحوال محرم عليه فعل ذلك ؛ لأن النبي -صصص- في قصة أبي قتادة قال : (( هل أحد منكم أعانه ؟ هل أحد منكم أشار إليه ؟ )) فهذا يدل على تأثير المعونة على القتل وعلى الصيد ، واستوى في الحظر أن يصيد أو يعين ، ويستوي في التحريم قتل الصيد وتنفيره ، فلا يجوز له أن ينفر الصيد ، ولا يجوز له أن يقتله ، لكن الفدية خاصة بالقتل، وكذلك يتعلق الحكم بالصيد وببيضه ، فيحظر عليه أن يتعرض للصيد وأن يتعرض لبيض الصيد، وإذا أخذ بيض الصيد أو فقص بيض الصيد أو أتلفه وجب عليه الضمان .
قال رحمه الله : [ السابع : عقد النكاح حرام ولا فدية فيه ] : لأن النبي -صصص- نهى المحرم أن يَنْكح أو يُنْكح أو يخطب، فلا يجوز للمحرم أن ينكح إذا كان رجلا ، ولا يجوز له أن يُنْكح إذا كان امرأة ، فيحرم النكاح على المحرم رجلا كان أو امرأة ، وهذا النص صريح في الدلالة على التحريم .
وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- فقال : إنه يكره ولا يحرم ؛ واحتج بأن النبي -صصص- نكح ميمونة وهو حلال ، وهو حديث ابن عباس في السنن .
والصحيح مذهب الجمهور من عدة وجوه :
أولها : أن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عارضه من هو أولى بالاعتبار منه ، فأبو رافع السفير بين رسول الله -صصص- وميمونة ، وميمونة نفسها صاحبة القصة كلهم أثبتوا أن النبي -صصص- نكحها وهو حلال .
وثانيا : أن رواية التحريم من رواية الأكابر، فحديث عثمان في الصحيح ، وإفادة الحل من حديث الأصاغر، وإذا تعارضت رواية الأصاغر والأكابر قدمت رواية الأكابر على الأصاغر، وقد اعترف بذلك ابن عباس نفسه حينما قال : (( أما السنة -كما في الصحيح - فأنتم أعلم بحديث رسول الله -صصص- مني )) فجعل التقديم للأكبر ؛ لأنه أقرب إلى النبي -صصص- وأعلم بمواطن التنزيل وأكمل إدراكا لها .
وثالثاً : أن أحاديث الجمهور التي دلت على المنع مشتملة على التحريم ، وحديث ابن عباس يفيد الحل ، والقاعدة : (( إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح )) .
ورابعا : أن أحاديث الجمهور خطاب للأمة القولية ، وحديث ابن عباس فعلي ، والقول مقدم على الفعل ؛ لأنه توجيه للأمة خاصة والفعل يحتمل الخصوصية ، وقد خص الله نبيه بكثير من الخصائص حتى في النكاح ، فلا يبعد أن يكون إذا صح أنه نكحها وهو محرم أن يكون من خصوصياته -عليه الصلاة والسلام-.
كذلك أيضا من أوجه الترجيح لمذهب الجمهور على مذهب الحنفية -رحمهم الله- في القول بجواز نكاح المحرم أن قول ابن عباس تزوجها وهو محرم متردد بين أن يكون محرما متلبسا بالنسك وبين أن يكون مراده محرما أي داخل حرم مكة بعد أن انتهى من عمرته ، وهذا أقوى ؛ لأن العرب تسمي من كان داخل حرمات الزمان والمكان محرما ، فيقال للرجل : أحرم إذا دخلت عليه الأشهر الحرم ، ويقال له : أحرم إذا دخل حدود الحرم ، وهذا معروف في لسان العرب ، ومنه قولهم : (( قتلوا ابن عفان الخليفة محرما )). كقول حسان -ررر- ، ومن المعلوم أن عثمان ررر قتل في حرم المدينة ، وليس في إحرام الحج ولا في إحرام العمرة ، وكذلك أيضا داخل الأشهر الحرم ؛ لأنه قتل في ذي الحجة -رضي الله عنه وأرضاه - ، فدل على أن العرب تطلق المحرم على من حل بالحرم ، وحينئذ يكون مراد ابن عباس أن النبي -صصص- ترك مكة مهاجرا ، وتزوج فيها، فدل على أن من هاجر من بلد جاز له أن يتزوج فيها ، وأن الزواج لا يلغي الهجرة ، ويكون مراده من هذا معنى خارجا عن مسألتنا ، وعليه فيقوى مذهب الجمهور بتحريم نكاح المحرم .
لا يجوز له أن يعقد النكاح وإذا عقد النكاح فسد نكاحه على أصح قولي العلماء -رحمهم الله- ولذلك لا يصح أن يكون زوجا، ولا زوجة، ولا وليا لعقد النكاح، ولا شاهدا عليه على أصح قولي العلماء -رحمهم الله- .
قال رحمه الله : [ ولا فدية فيه ] : ولا فدية في النكاح : فلو أنه عقد النكاح على امرأة فإنه لا فدية عليه بهذا الإخلال .
قال رحمه الله : [ الثامن : المباشر لشهوة فيما دون الفرج ] : المباشرة محرمة على المحرم ؛ لأن الله تعالى يقول : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } فقوله : { فلا رفث } ويشمل رفث الأفعال ورفث الأقوال ، فلا يتكلم الكلام الذي يتغزل به النساء ، ولا يفعل الأفعال التي تثير الشهوة ، ومن ذلك المباشرة في قول جماهير العلماء -رحمهم الله- أنه لا يجوز للمحرم أن يباشر زوجته .
قال رحمه الله : [ فإن أنزل بها فعليه بدنة ] : فلو باشر امرأته فأنزل فللعلماء قولان :
منهم من قال : عليه دم شاة .
ومنهم من قال : عليه بدنة ، والقول بدم الشاة من القوة بمكان .
قال رحمه الله : [ وإلا ففيها شاة وحجه صحيح ] : اختار المصنف -رحمه الله- أن عليه بدنة ؛ وذلك لأنها قاربت الشهوة الكبرى وهي الجماع ؛ لأن المباشرة حصلت بإنزال ، فجعل الإنزال موجبا للبدنة مع المباشرة ، ولم يقتضِ فساد الحج والأقوى كما ذكرنا اعتبار الدم فيها وهو أشبه للأصول خاصة على القول بالتمتع بين نسك الحج والعمرة أن الضمان من الشرع فيه أن الدم فيه دم جبران وهو اختيار بعض العلماء -رحمهم الله- ولذلك سقط عن المكي وقد جعل الإصابة فيما بينهما مضمونة بالشاة .
قال رحمه الله : [ التاسع : الوطء في الفرج ] : الوطء في الفرج موجب لفساد الحج وهو أعظم محظورات الإحرام ، ولذلك يحرم عليه أن يجامع بعد دخوله في النسك ، وإذا حصل منه الجماع بإيلاج رأس الذكر فإنه يحكم بفساد حجه بإجماع العلماء -رحمهم الله- ، وفيه سنة راشدة عن عمر بن الخطاب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر -رضي الله عن الجميع- .
قال رحمه الله : [ فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج ] : إذا وقع الوطء في المكان المعتبر الموجب للفساد كأن يكون قبل الوقوف بعرفة فبالإجماع يوجب فساد الحج ، وفي هذه الحالة يجب عليه أن يتم حجه الفاسد ، وبه قضى بعض أصحاب النبي -صصص- ثم يفترق الزوج عن زوجته في الموضع الذي حصل فيه الإخلال ، وأشار بعض العلماء والأئمة كشيخ الإسلام -رحمه الله- في الشرح إلى أن هذا الافتراق محفوظ عن الصحابة وله معنى نفسي ؛ لأن هذه المواضع التي يحصل فيها الإخلال بحدود الله وانتهاك محارم الله تذكّر وتجدد العهد بالحرام عند المرور بها ، وخشي عليه أنه إذا رجع مع زوجته إلى الموضع أنه يتجدد ولربما لا يؤمن منه أن يصيبها ثانية ، فأخذ عمر -ررر- وبعض الصحابة ممن قضى بذلك بهذا المعنى ولكن ليس بملزم ، والأفضل أن يقال بذلك احتياطا وصيانة للعبادة منهما .
قال رحمه الله : [ ووجب المضي في فاسده والحج من قابل ] : وجب المضي في فاسده ؛ لأنه قضاء الصحابة -رضوان الله عليهم- كما ذكرنا أنهم أوجبوا على من جامع امرأته أن يتم النسك معها ، ثم عليه الحج من قابل وعليه بدنة ، هذا إذا كان جماعه في الوقت المعتبر الموجب لفساد الحج .
قال رحمه الله : [ ويجب على المجامع بدنة ] : كما ذكرنا .
قال رحمه الله : [ وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة ] : وإن كان جامع بعد التحلل الأول ففيه شاة عليه شاة ، وهذا قضاء بعض أصحاب النبي -صصص- وقد قدمنا في الشروح في شرح المذكرة أني متوقف في هذه المسألة ، والذي اختار المصنف أنه طبعا بالنسبة لحجه حجه صحيح عند الجمهور -رحمهم الله- وعليه شاة ، ويخرج إلى التنعيم ليأتي بطواف الإفاضة في نسك معتبر .
قال رحمه الله : [ ويحرم من التنعيم ليطوف محرما ] : كما ذكرنا .
[ وإن وطئ في العمرة أفسدها ولا يفسد النسك بغيره ] : ولا يفسد النسك بغيره أي بغير الجماع ، فلو وطئ في عمرته سواء قبل الطواف أو بعد الطواف وقبل السعي فإنه يحكم بفساد العمرة ويجب عليه أن يتمها ، والحج والعمرة نسكان اختصا بإتمام الفاسد منهما ؛ لعموم قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } ، وقد أخذ جماهير السلف والخلف أن من أفسد عمرته بالجماع وأفسد حجه بالجماع يجب عليه أن يمضي في الفاسد ؛ لقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } وعليه إتمامها سواء أفسد أو لم يفسد للعموم .
قال رحمه الله : [ والمرأة كالرجل ] : والمرأة كالرجل يجب عليها ما يجب على الرجل .
قال رحمه الله : [ إلا أن إحرامها في وجهها ] : يعني أنها تتقي المحظورات التي ذكرنا إلا في مسألة لبس المخيط ، وهي كالرجل لا تتطيب ، ولا تقلم الأظفار، ولا تقص الشعر، ولا تقتل الصيد، ولا يعقد عليها النكاح ، ولا تباشر، ولا تجامع كالرجل ، وأما بالنسبة للباس فإحرامها في وجهها لأن النبي -صصص- قال : (( لا تنتقب المرأة )) .
قال رحمه الله : [ ولها لبس المخيط ] : ولها لبس المخيط ؛ لأن المحظور عليها تغطية الوجه كما ذكرنا لظاهر الحديث عن عبدالله بن عمر -ررر- في الصحيح .

أبو زيد الشنقيطي
22-10-07, 10:20 AM
.....

عفواً أخي الكريم :
هذه الشروحات لم تخرج كلها مفرغةً, بل هي مفرقةٌ بين ما عو موجود في موقع الشيخ وهو قليل وبين ما في أيدي طلبته, والذي خرج منها بإشراف الشيخ وبعد تدقيقه ومراجعته هو كتاب الطهارة من الزاد فقط.

أبو يوسف التواب
22-10-07, 10:28 AM
تصويب البيتين في إحدى المشاركات التي كتبها أخونا أبو زيد -زاده الله من فضله :
عرق العـراقِ يلملم اليمنِ ** وبذي الحليفةَ يحرم المدني
والشام جحفة إن مررت بها ** ولأهل نجد قرن فاستبنِ

أبو زيد الشنقيطي
22-10-07, 11:39 AM
دائماً يكمل الله بك البنيان أبا يوسف , شكر الله لك أخي الحبيب

أبو يوسف التواب
22-10-07, 12:07 PM
(قال الإمام المصنف رحمه الله : [ باب الإحرام ] : إذا ثبت أن بداية الحج تكون من هلال شوال فلو أن شخصا أحرم بالحج قبل ليلة العيد كآخر يوم من رمضان أو أحرم في أول رمضان أو أحرم في شعبان أو أحرم في رجب فللعلماء قولان :
القول الأول : إن إحرامه فاسد ولا ينعقد لا حجا ولا عمرة ، وهذا مذهب بعض العلماء وبعض السلف رحمهم الله .
والقول الثاني : أن إحرامه صحيح ، ثم اختلفوا فمنهم من قال ينعقد للحج ويبقى وينتظر حتى يدخل زمان الحج ، فيبدأ بأعمال الحج من الطواف ، وينتظر الوقوف بعرفة إلى أن يأتي زمانه، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله .
واستدلوا بأن غاية الأمر أنه ميقات زمان فيجوز أن يوقع الشرط وهو الإحرام قبله كما لو توضأ قبل صلاة الظهر قبل دخول وقتها ؛ فإنه يصح وضوؤه ولكنه لا يصلي الظهر إلا بعد دخول الوقت ، وكرهوا له ذلك لقربه من الركن كما ذكروا .
وأما بالنسبة لمذهب الجمهور من حيث الجملة أنه لا ينعقد للحج وينقلب عمرة على الصحيح ؛ لأنه قبل زمانه المعتبر ، وعلى هذا فإنه إذا أحرم قبل ليلة العيد ؛ فإنه يتحلل بعمرته وينتظر إلى دخول زمان الحج) .

هذه العبارة فيها غرابة؛ فالذي أحفظه أن الجمهور أن الحج ينعقد قبل أشهره، وهو جائز مع الكراهة، خلافاً للشافعية ورواية عن أحمد.
وانظر: درر الحكام(3/119)، مواهب الجليل(7/327)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير(5/346)، شرح العمدة لابن تيمية، أخصر المختصرات.

أبو يوسف التواب
22-10-07, 12:52 PM
قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب":( (فرع) في مذاهب العلماءفي وقت الاحرام بالحج :
لا ينعقد الاحرام بالحج الا في أشهره عندنا، فان أحرم في غيرها انعقد عمرة وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور ونقله الماوردى عن عمر وابن مسعود وجابر وابن عباس وأحمد * وقال الاوزاعي يتحلل بعمرة * وقال ابن عباس لا يحرم بالحج إلا في أشهره * وقال داود لا ينعقد *
وقال النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد يجوز قبل أشهر الحج لكن يكره قالوا فاما الاعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف)أهـ

طالبة العلم سارة
22-10-07, 07:26 PM
أحسنت شيخنا أبا يوسف زادك الله علما

مشتاق حجازي
23-10-07, 01:50 AM
اقتراح

لو انفرد هذا الموضوع لإكمال ما بدأ به أخونا أبو زيد من دروس الشيخ الجليل دون أي مداخلات لكان أفضل

ومن أراد مداخلة فله إنشاء مشاركة أخرى

محبة لطيبه
26-10-07, 04:01 AM
قال رحمه الله : [ السابع : عقد النكاح حرام ولا فدية فيه ] : هذا من حيث الأصل أن يكون صيدا وأن يقصده بالقتل ، يستوي أن يصيده هو أو يعين غيره على الصيد ، والإعانة على الصيد بالإشارة أو إعطاء السلاح ، فإذا أعان على الصيد بالإشارة إليه أو أعطى السلاح للصائد أو أمسك له آلته حتى يرمي ؛ فإنه في جميع هذه الأحوال محرم عليه فعل ذلك ؛ لأن النبي -- في قصة أبي قتادة قال : (( هل أحد منكم أعانه ؟ هل أحد منكم أشار إليه ؟ )) فهذا يدل على تأثير المعونة على القتل وعلى الصيد ، واستوى في الحظر أن يصيد أو يعين ، ويستوي في التحريم قتل الصيد وتنفيره ، فلا يجوز له أن ينفر الصيد ، ولا يجوز له أن يقتله ، لكن الفدية خاصة بالقتل، وكذلك يتعلق الحكم بالصيد وببيضه ، فيحظر عليه أن يتعرض للصيد وأن يتعرض لبيض الصيد، وإذا أخذ بيض الصيد أو فقص بيض الصيد أو أتلفه وجب عليه الضمان.

أخي لعلك أن تصحح ما بين القوسين..


سبحان الله العظيم وبحمده
.

أبو يوسف التواب
26-10-07, 04:31 AM
.....

أبو زيد الشنقيطي
27-10-07, 04:15 PM
قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى : [ باب الفدية ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على سبيله ونهجه ، واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد :

فيقول المصنف -رحمه الله- : [ باب الفدية ] : هذا الاسم مصطلح شرعي مأخوذ من قوله تعالى: { ففديةٌ من صيام أو صدقة أو نسك } وكثير من المصطلحات أخذها العلماء من نصوص الكتاب والسنة ؛ تأسيا بالوارد .

والفدية : الفداء الذي يدفع لكي يفك الأسير من الأسر؛ قال تعالى : { وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } فالفداء يدفع لقاء الأسير حتى يفك من أسره ، فكأن الإنسان إذا دخل في النسك أصبح ملزما بهذا النسك محرما عليه ما ذكرنا من المحظورات ، فهو يفتدي ويخرج من هذا الضيق إلى سعة الله عز وجل وتيسيره سبحانه حيث جعل له الفرج والمخرج بهذه الفدية .

وقوله رحمه الله : [ باب الفدية ] : مناسبة هذا الباب لما تقدم واضحة جلية ؛ لأن الفدية مرتّبة على فعل المحظور، فناسب بعد بيان المحظورات أن يبين كيف يفتدي منها .

قال رحمه الله : [ وهي على ضربين : أحدهما على التخيير ] : الفدية في النسك من حج وعمرة على ضربين : إما أن تكون تخييرية ، وإما أن تكون مرتبة .

فأما فدية التخيير فهي التي نص الله عز وجل عليها ، وهي كما ذكر حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- جاءت بصيغة ( أوْ ) فما كان ( بـأو ) فهو على التخيير، إن فعلت أي خصلة منها أجزأك حتى لو انتقلت إلى الأقل مع القدرة على الأكثر فإنه يجزيك.

قال رحمه الله : [ أحدهما على التخيير ] : بمعنى أن المكلف يخيّر، ويقال له : افعل خصلة من هذه الخصال .

قال رحمه الله : [ وهي فدية الأذى واللبس والطيب ] : وهي فدية الأذى واللبس والطيب : وأشار الله تعالى إليها بقوله : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فنص I فيها على التخيير، وبين النبي صصص هذا التخيير حينما قال لكعب بن عجرة ررر : (( أطعم فرقا بين ستة مساكين أو انسك نسيكة أو صم ثلاثة أيام )) .

فخيرّه -عليه الصلاة والسلام- بين هذه الثلاث .

تكون في الأذى ، مثل: حلق الشعر، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار، وتكون في الطيب ، وتكون في اللباس، وإذا فعل واحدة من هذه المحظورات قيل له: افتدِ وأنت مخيّر في فديتك بين هذه الثلاث الخصال .

قال رحمه الله : [ فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة ] : مخيّر بين هذه الثلاث ، وهي التي ذكرنا : أولها الصيام فيما رتبه المصنف { ففدية من صيام } الصيام يصوم ثلاثة أيام ؛ لأن النبي صصص قال لكعب : (( أو صم ثلاثة أيام )) فإذا صام ثلاثة أيام ولو كان غنيا قادرا على أن يشتري الإطعام صح وأجزأه ، ثم هذا الصيام يصح في أي مكان ، سواء في المكان الذي يفعل فيه المحظور أو غيره ؛ لأن الله تعالى يقول : { ففدية من صيام } ولم يعين مكانا للصوم .

قال رحمه الله : [ أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين ] : الخيار الثاني: أن يطعم ثلاثة آصع ، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صصص ، ومد النبي صصص هو ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، فالغالب في الشخص الذي هو متوسط اليد ليس بكبيرهما ولا بصغير اليدين متوسط اليدين أنه لو أخذ الطعام بكفيه ملأ هذا القدر، هذا القدر يسمى ربع الصاع، ويسمى صاع النبي صصص وهو الذي كان يتوضأ به المد، مد النبي صصص يقال له : ربع الصاع، ويقال مد النبي صصص ، اثنان منه يعدلان نصف الصاع، فأمر النبي صصص بنصف صاع لكل مسكين، فقال لكعب: ((أطعم فَرَقًا )) والفَرَق في لغة العرب يعادل ثلاثة آصع ، فقال : (( أطعم فرقا بين ستة مساكين )) أي اقسمه بين ستة مساكين ، فإذا كانت الثلاثة الآصع بين ستة مساكين فمعناه أن لكل مسكين نصف صاع ، وهذا يكون من التمر، ويكون من البر، ويكون من الشعير، ويكون من سائر الطعام على ما قدمنا في الزكاة وفي زكاة الفطر، فعلى كل حال يطعم فرقا بين ستة مساكين، سواء كانوا في بلده أخّر إلى أن رجع إلى بلده وأطعم ، أو في المكان الذي فعل فيه المحظور، أو كانوا مساكين الحرم فهو مخير ولا يلزم بمساكين الحرم على خلاف بقية الفدية التي نص الله فيها أن تكون طعاما لمساكين الحرم .

هذا الإطعام يعادل ثلاثة آصع بالكيل، وأما الوزن فقد قدمنا غير مرة أن المنبغي المحافظة على الكيل؛ إبقاء للسنة ، وحتى لا ينسى الناس الصاع ، وأما التقدير بالوزن في المكيلات غير معتبر عند أهل العلم -رحمهم الله- ، ولذلك منعوا من بيع الربوي المكيل وزنا ومن بيع الربوي الموزون كيلا ؛ لأنه لا تتحقق بهما المماثلة ؛ ولأن الطعام يختلف في الثقل ، وهذا راجع للوزن ، فلا ينضبط إذا كان مكيلا ، ولو قيل: إن التمر فالتمر أصناف فيه الثقيل وفيه الخفيف ، وقد بينا هذه المسألة ، فلابد من ثلاثة آصع كل مسكين له نصف صاع .

قال رحمه الله : [ أو ذبح شاة ] : أو يخيّر بينهما وبين ذبح الشاة، الشاة ينبغي أن تكون سليمة من العيوب، فلا يجزئ المريض البيّن مرضها ، ولا العوراء ، ولا العرجاء البين ضلعها ، ولا الكبيرة، ولا الهزيلة ، ولا العجفاء كله لا يجزي في هذه الشاة، ينبغي أن تكون سالمة من العيوب ، وأن تكون ثنيا من الماعز وهو الذي أتم سنة ودخل في الثانية ، أو جذعة من الضأن يخيّر بينهما ؛ لأن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني كما بين النبي صصص.

والجذع من الضأن ما أتم ستة أشهر، ودخل في الشهر السابع أي أنه دخل في أكثر الحول ، هذه الشاة يذبحها في أي موضع ، ويطعمها للمساكين ، ولا يأكل منها ؛ لأنها صدقة على المساكين، هذا بالنسبة للخيار الثالث وهو الذي عناه النبي صصص بقوله : (( أو انسك نسيكة )) (( انسك)) يعني اذبح . (( نسيكة )) يعني ذبيحة وهي الشاة .

قال رحمه الله : [ وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم ] : وإذا قتل صيدا فجزاؤه مثل ما قتل من النَّعَم ، فالصيد منه ما يعادل الغنم ، ومنه ما يعادل البقر، ومنه ما يعادل الإبل، فيحتاج في مسألة العِدْل إلى حكمين عَدْلين ؛ كما قال تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم} فيختار رجلين عدلين في الموضع الذي قتل فيه الصيد ، فلو كان مسافرا بين مكة والمدينة ثم قتل ظبيا أو ريما أو غزالا أو تيس الجبل أو وعلاً أو تيثلاً فإنه يرجع إلى ذوي عَدْل في الموضع الذي هو فيه ، وينظران في صفة المقتول ، وما يعادله من بهيمة الأنعام ، هذا الحكم من ذوي عَدل لا يخلو من حالتين:

إما أن يكون المقتول مما قضى فيه الصحابة ، وفيه سنة عنهم محفوظة ، وآثار عنهم محفوظة .

وإما أن يكون لم يقضِ فيه الصحابة -رضي الله عنهم-.

فإن كان مما قضى فيه الصحابة ؛ فإنه للعلماء فيه قولان :

قال بعض العلماء : ما حكم فيه الصحابي وصح وثبتت حكومته فيه تبقى حكومته سُنّة ، ومن أمثلة ذلك: أن عمر ررر قضى في الحمامة بشاة ؛ لأنها تعُبّ الماء ، فينظر في صفات المقتول وما يماثلها من بهيمة الأنعام، فقضى بالشاة في الحمامة مع أن الحمامة لا تماثل الشاة في الحجم ، ولكن تماثلها في الصفة ، فقضى بهذا القضاء ، فقالوا إنه يبقى سُنّة راشدة وحكما باقيا ، وعلى هذا فما قتل من الصيد ينظر فيه : إن كان فيه مما فيه قضاء للصحابة حكم باعتبار قضاء الصحابة ، فهم أعلم وأقرب إلى مواضع التنزيل، وأقدر على تطبيق النص الوارد ، وما كان لا قضاء للصحابة فيه فإنه يبقى مستأنفاً يبقى الحكم فيه مستأنفاً ، فإذا جيء بذوي عَدل ونظروا في الشيء المقتول أول شيء إلى نوعه والصفات التي هو فيها ، وما يعادله من بهيمة الأنعام ، ثم الصفة التي هو عليها ، فالهزيل يماثله ا لهزيل ، والسمين يماثله السمين من بهيمة الأنعام ، والوسط يماثله الوسط ، فلو قضوا بأن عليه شاة ، والمقتول من أجود وأحسن الصيد وأوفره أو كان في زمان الربيع ممتلئا فيقال: شاة حسناء طيبة ، وعلى هذا فإذا قضى العدلان بالمثلي ، مثلا : لو قتل بقر الوحش ، وقضى العَدلان بأن عِدْلها بقرة ؛ فإنه في هذه الحالة يخيّر ويقال له : إما أن تخرج بقرة هديا بالغ الكعبة وتسوقها إلى مكة وتذبحها بمكة طعمة لمساكين الحرم هذا الخيار الأول { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين } أو نقول له في الخيار

الثاني: انظر إلى قيمة هذه البقرة ، وهذه القيمة تشتري بها طعاما من تمر أو بر وتطعمه للمساكين، فلو كانت قيمة البقرة خمسمائة ريال، نقول له : أنت بالخيار بين أن تخرج البقرة هديا بالغ الكعبة وتذبحها بمكة طعمة لمساكين الحرم، أو تأخذ الخمسمائة وتشتري بها طعاما ، فلو كان الصاع بخمسة ريالات تشتري مائة صاع ، وتطعم المائة الصاع للمساكين ، هذا الخيار الثاني، أو تصوم عن كل نصف صاع أو ربع صاع يوما هذا الخيار الثالث { أو عدل ذلك صياما } فإما أن يخرج المثلية هديا بالغ الكعبة ، أو كفارة طعام مساكين ، أو عدل ذلك صياما، فإذا اختار أي واحد من هذه أجزأه ، فأصبح جزاء قتل الصيد تخييرية ، ولكنه يفتقر إلى حكم ذوي العدل ، فإذا حكما بالشيء نظر إلى مثله من بهيمة الأنعام ، ثم بعد ذلك قُدر الطعام ثم قُدر الصيام ثم يقال له أنت بالخيار بين هذه الثلاثة الأشياء : فإن كان اختار الهدي فلابد وأن يسوقه إلى مكة هديا بالغ الكعبة ولا يجزيه أن يذبح في أي موضع ، بل لابد أن يذبحه داخل حدود مكة ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام- : (( نحرت هاهنا وفجاج مكة وشعابها كلها منحر ))؛ فلما قال الله تعالى :{ هديا بالغ الكعبة } المراد حدود الحرم ، فإذا بلغ حدود الحرم نحره ، ثم خلّى بينه وبين المساكين هذا الخيار الأول.

والخيار الثاني: أن ينظر إلى قيمة هذا الشيء المثلي الذي حكم به ذوا عدل ، فلو فرضنا مثلا : قتل نعامة ، فقضى في النعامة بناقة ، نقول له : إما أن تخرج ناقة هديا بالغ الكعبة ، أو تخرج بقيمتها طعاما ، أو تصوم عدل ذلك ، فلو أخذ الناقة ونحرها خارج حدود الحرم لم يجزه ويجب عليه أن يأخذ مثلها وأن ينحرها داخل حدود الحرم ؛ لنص الله عز وجل على ذلك ، فأصبحت هذه الفدية التخييرية تختلف عن الفدية الأولى ، فالفدية الأولى الإطعام فيها في كل مكان ، ولكن هذه الفدية الإطعام فيها مخصوص الذبح في الأولى والإطعام في أي مكان ، ففدية الأذى وتغطية الرأس والطيب يذبح الشاة في أي موضع ، وأيضا يطعمها لأي مساكين ، ولكن في جزاء الصيد لابد وأن يكون بمكة ، أن يكون الذبح داخل مكة ، وأن يخص بها مساكين الحرم ؛ لأن هذا هو المعنى من أمره أن يبلغ به الهدي الكعبة ، كذلك أيضا في الإطعام وجدنا فدية الأذى يطعم في أي موضع ، وثانيا أن هذا الإطعام محدد بثلاثة آصع ، وأما في قتل الصيد فالإطعام يكون لمساكين الحرم ، وأيضا يكون غير مقدر ولا مقيد ؛ لأنه تابع إلى قيمة الهدي ، أو عدْل ذلك صياما وهذا هو الفارق الثالث أن الصوم في فدية الأذى محدد بثلاثة أيام ، وأما في جزاء الصيد فإنه ينبني على قدر الإطعام على خلاف بين أهل العلم -رحمهم الله-: في كل هل هو نصف صاع أو ربع صاع؟ فإن قلنا نصف صاع وكانت مائة صاع فمعنى ذلك يكون عدلها مائتي يوم ، ويخيّر بالنسبة للصوم أن يكون بمكة أو يكون بغيرها

قال رحمه الله : [ إلا الطائر فإن فيه قيمته ] : إلا الطائر فإن فيه قيمته ليس له عدل في العصافير والنغاري ، وهذا قول طائفة من العلماء -رحمهم الله- إذا كان المقتول من الصيد ليس له مثلي نظر إلى قيمته ، فلو قتل جرادا نظر إلى قيمة الجراد وعدلها من الإطعام ، ثم الصيام عدل ما يجب عليه من الإطعام ؛ لأنه ليس له مثلي .

فالخيار الأول وهو المثلي يتقدر بما فيه شبه يماثل به بهيمة الأنعام ، فتيس الجبل والوعل والثيثل وحمار الوحش والضبا والريم والغزال كلها لها مثلي من بهيمة الأنعام ، أما لو قتل جراداً فهذا الجراد ليس له مثلي من بهيمة الأنعام ، ولا يشبه بهيمة الأنعام ، فيقال له : كم جرادةً قتلت ؟ قال: قتلت عشر جرادات. كم قيمتها في السوق ؟ قالوا : إن هذا القدر من الجراد بخمس ريالات مثلا، يقال له: كم تشتري بخمسة ريالات من الطعام ؟ يقول - مثلا- : صاعين . نقول : إما أن تخرج صاعين صدقة لفقراء الحرم ، أو تصوم عدلها على الأصل الذي ذكرناه ؛ لأنه تعذر فيه المثلي من بهيمة الأنعام .

وهكذا لو أفسد البيض ، فإذا أفسد البيض من الصيد هجم على عش الحمام وأفسد بيضة ؛ فإنه يضمن ، فيُنظر إلى قيمة البيض ، وتُقدّر هذه القيمة بالطعام ، ثم يُؤمر بإخراج الطعام أو الصيام، فينحصر في الخيارين ، هذا كله إذا هجم على الصيد وقتله ، لكن لو أن الصيد هو الذي هجم عليه وتعذّر عليه أن يتلافاه ، كما هو موجود في زماننا إذا قاد سيارته ، ثم كان زمان الربيع وكثر الجراد ، فقتل من الجراد ما لا يحصى ذكر طائفة من العلماء من المحققين أنه إذا كان الصيد في طريقه أو الجراد على فراشه ولا يمكنه أن ينام إلا بقتله ونام فهو كدفع الصائل من الحيوان لا فدية فيه ولا ضمان ، هذا إذا هجم بنفسه ولم يمكنه أن يتلافاه ويتعذر عليه أن يتلافاه ، أما إذا أمكنه تلافيه فإنه يضمن .

قال رحمه الله : [ إلا الحمامة ففيها شاة ] : الحكم كله في الصيد ، وعلى هذا ما ليس بصيد فلو أنه قتل السبع فلا ضمان عليه ، ولا تجب عليه هذه الفدية ؛ لأنها خاصة بالصيد ، فلو قتل أسدا أو نمرا السبع العادي فإنه لا شيء عليه ، والسباع العادية يجوز قتلها ولو لم تبدأ الإنسان بالهجوم ، فلو كان في برية ورأى أسدا أو نمرا وقتله فلا شيء عليه يعني يجوز له ذلك شرعا ؛ لأن هذه السباع من طبيعتها أن تعدو، فلا يُنتظر حتى تهجم على الإنسان ، وعلى هذا يحل له قتلها ولو لم تبدأ بالهجوم ، وهكذا الكلب العقور، فلو كان في موضع ثم كان فيه كلب عقور ولم يفاجأ إلا وهو أمامه ولا يمكنه أن يدفعه إلا بقتله يقتله ؛ لأن الكلب العقور يقتل في الحل والحرم ويقتل في الإحرام وغيره ؛ لأجل الضرر وهو الذي يعقر الناس .

وذهب بعض العلماء إلى أنه قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( والكلب العقور )) في قوله : (( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية ، والحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور )) إلا أن المراد بالكلب العقور كل سبع عادٍ ؛ لأن النبي صصص سمى السبع كلبا ، فقال في عتبة بن أبي لهب -لعنه الله وأباه وأمه - الذي كان يؤذي رسول الله صصص حتى قيل : إنه بصق في وجه النبي صصص فقال النبي صصص : (( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك )) وهذا الحديث حسنه الحافظ بن حجر في الفتح والشوكاني رحمه الله وغيره .

فقال النبي صصص: (( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك )) فلما خرج إلى تجارته في الشام جاء الأسد له من بين أصحابه ، وفي بعض الروايات الذئب ، فشمه حتى استله من بين أصحابه فقتله شر قتلة ، فاستجيبت فيه دعوة النبي صصص .

فقال : (( كلبا من كلابك )) فجعل السبع كلبا ، ومن هنا قالوا إن قوله : (( الكلب العقور)) يقتضي أنه لو كان في الإحرام وقتل السبع أنه لا ضمان عليه ويجوز له قتل السبع في مكة وفي غيرها .

قال رحمه الله : [ إلا الحمامة ففيها شاة ] : لقضاء الصحابة -رضوان الله عليهم- ، فإذا قتل حمامة صادها وهو محرم ، أو صاد حمامة داخل الحرم وهو ليس بمحرم ، مثلا : رأى حمامة داخل حدود الحرم فأطلق عليها النار فقتلها ؛ فإنه في هذه الحالة يجب عليه ضمانها بمثلي وهو الشاة ؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم- قضوا فيها بشاة ؛ لأنها تعُبُّ الماء فأشبهت بهيمة الأنعام .

قال رحمه الله : [ والنعامة فيها بدنة ] : كذلك أيضا قضاء الصحابة ، فالنعامة فيها بدنة ، وينظر إليها متعيّنة بمعنى أنه إذا قتل نعامة كان عِدْلها البدنة فلا يحتاج إلى ذوي عَدْل فلا يحتاج إلى الحكومة ؛ لأنه مضت حكومة الصحابة -رضي الله عنهم- فيها فيحكم فيها بهذا المثلي .

قال رحمه الله : [ ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام ] : ويتخيّر في قتل الصيد بين إخراج المثل: إن كان شاة ؛ فشاة ، أو بقرة ؛ فبقرة ، أو ناقة ؛ فناقة ، فبهيمة الأنعام من : الإبل ، والبقر، والغنم فقط ، هذا مثليّها يخيّر بين أن يخرج هذا المثل من بهيمة الأنعام هذا الخيار الأول؛ لقوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } فبيّن أنه يخرج المثلي من بهيمة الأنعام .

قال رحمه الله : [ وتقويمه بطعام ] : هذا الخيار الثاني كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ فيطعم كل مسكين مدا أو يصوم عن كل مد يوما ] : فيطعم كل مسكين مدا وهو ربع الصاع ، وعلى هذا يكون الإطعام لكل مسكين ربع صاع ، وهذا راجع إلى التقدير بالفدية بالربع؛ كما جاء في حديث سلمة بن صخر البياضي أن النبي صصص لما أوتي بعَرْق من تمر- العَرْق هو المِكْتل والمكتل مثل ما يسمى في عرف العامة بالقُفّة الكبيرة والزنبيل الكبير من الخَصَف كان يصنع من الخصف وكان يوضع فيه التمر هذا الزنبيل أو المكتل فيه خمسة عشر صاعاً- فأمر النبي صصص سلمة أن يطعمه ستين مسكينا، فمعنى ذلك أن لكل مسكين ربع صاع؛ وعليه قالوا إن الله تعالى لما أوجب على المسلم أن يطعم المساكين، وجعل إطعام ربع الصاع في هذه الكفارة المغلظة مجزئا دل على أن العبرة في إطعام المساكين في قتل الصيد أنه يكون بربع الصاع ، فذهب بعض العلماء إلى أنه يقدّر بنصف الصاع ؛ لأن فدية الأذى جعل النبي صصص فيها الصدقة بنصف صاع .

وأجاب الأولون بأن القرآن عبّر بالإطعام وعبّر بالصدقة ، فُقدّم ربع الصاع للتعبير بالإطعام كما في كفارة الظهار .

قال رحمه الله : [ أو يصوم عن كل مد يوما ] : أو يصوم عن كل مد يوما : إذا قلنا لكل مسكين مد فحينئذ يصوم عن كل مد يوماً ، وإن قلنا لكل مسكين نصف صاع فيصوم عن كل نصف صاع يوماً ، ومثال ذلك: لو فرضنا أن قيمة البهيمة تعادل عشرة آصع من التمر؛ فعلى القول الأول يصوم أربعين يوما ؛ لأن العشرة الآصع ربع الصاع عِدْلها أربعون يوماً ، وإذا قلنا على القول الثاني يصوم عشرين يوما ، متفرقة أو متتابعة ولا يلزمه التتابع ، إذا كان عليه عشرون يوماً فإنه يصومها متفرقة ومتتابعة .

قال رحمه الله : [ الضرب الثاني على الترتيب وهو المتمتع يلزمه شاة ] : الضرب الثاني على الترتيب : وهو ما أوجب الله في دم التمتع ، والتمتع يشمل التمتع بالعمرة في أشهر الحج ، وأيضا القران ، فمن تمتع بعمرته إلى الحج وجب عليه الدم ، ووجبت عليه هذه الفدية على الترتيب، وكذلك أيضا من قرن ولم يجد ، أو كذلك أيضا من وجب عليه الدم -دم الجبران- فإنه ينتقل إلى فدية الترتيب . يبدأ أول شيء بالدم .

قال رحمه الله : [ يلزمه شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ] : لأن الله أوجب على المتمتع الهدي ، وهذا الهدي بالغ الكعبة يعني ينبغي أن يكون بمكة يذبحه وينحره بمكة، فالخيار الأول الشاة في تمتع العمرة وتمتع القران ، فإذا لم يجد الشاة ؛ فإنه حينئذ ينتقل إلى البدن ، وهو صيام عشرة أيام : ثلاثة منها في الحج ، وسبعة منها إذا رجع إلى أهله ؛ والأصل في دم التمتع في متعة العمرة ؛ ولذلك إذا أراد أن يحرم بالحج يقدم إحرامه على يوم عرفة حتى يتمكن من صيام الثلاثة الأيام ، فيحرم ليلة السادس ليصوم اليوم السادس والسابع والثامن، أو يحرم ليلة الخامس ليصوم اليوم الخامس والسادس والسابع ، وإذا عجز عن الصيام قبل يوم عرفة صام الثلاثة الأيام من التشريق ؛ لوجود الحاجة ؛ وقد أمر الله أن تكون في حال إحرامه بالحج أو تلبسه بنسك الحج، فأوجب الله سبحانه وتعالى في التمتع الدم ؛ فقال تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } فاشتملت الآية :

أولا : على مشروعية التمتع في قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ، وشملت النوعين تمتع المعروف بالعمرة ، ثم يتحلل بعدها ، ثم يحرم بالحج ، والتمتع بالجمع بين الحج والعمرة في نسك واحد ، وهو تمتع النبي صصص دلت على مشروعية التمتع .

ثانيا : أن هذه المشروعية وقعت على العموم في أهل مكة وغيرهم وهو مذهب الجمهور .

ثالثا : أنها بينت وجوب الدم على المتمتع في قوله تعالى : { فما استيسر من الهدي } وقد قال صصص: (( إني قلدت هديي ولبدت شعري فلا أحل حتى أنحر )) فبين أنه قد ساق هديه في متعة القران.

وأما بالنسبة لمتعة الحج المعروفة فظاهر الآية شمولها للعموم ، فيجب عليه الهدي بصفة الشاة التي ذكرنا تكون ثنَْيا من المعز أو جذعة من الضأن سالمة من العيوب ، ويجب ذبحها بمكة ؛ وذلك هو الأصل لقوله -عليه الصلاة والسلام- حينما نحر هديه قال : (( نحرت هاهنا وفجاج مكة وشعابها كلها منحر )) فدل على أن العبرة بذبحها داخل حدود الحرم ، وإذا عجز عن الدم في التمتع ؛ فإنه ينتقل إلى البدل وهو الصيام ، فلا يصح أن يصوم العشرة الأيام وهو قادر على أن يشتري الهدي ؛ لأنه مبني على الترتيب ؛ ولذلك لا يجزئ الثاني مع القدرة على الأول .

قال رحمه الله : [ وفدية الجماع بَدَنة ] : وفدية الجماع بَدَنة كما قضى فيها أصحاب النبي صصص وذكرنا أن من العلماء من قال بالشاة ؛ والصحيح بدنة في مسألة الجماع ، وأما المباشرة بما دون الجماع فقد أشرنا إلى الكلام فيها ، فإن وقع جماع ووجبت عليه بدنة ؛ فإنها تنحر بمكة شأنها شأن الدم الواجب ، فدم الجبران ودم هدي التمتع ودم أيضا فدية الجماع كلها تكون بمكة طعمة لمساكين الحرم سواء كانت من الإبل أو كانت من البقر أو كانت من الغنم .

قال رحمه الله : [ فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع ] : فإن لم يجد المجامع البَدَنة فإنه ينتقل إلى البدل فيصوم كصيام المتمتع ، هذا مذهب بعض العلماء : أن الدم الواجب في الجماع والدم الواجب في جبران النسك - من ترك واجبا من واجبات الحج - هذه الدماء إذا عجز عنها ينتقل إلى الصوم ، فيصوم عشرة أيام قياسا على التمتع ، ووجه هذا القياس : أن المتمتع أوجب الله عليه الدم ؛ لأنه كان المفروض بعد انتهائه من العمرة مادام قد دخلت عليه أشهر الحج كان المفروض أنه بعد أن ينتهي من العمرة أن يرجع ويحرم بالحج من ميقاته ؛ لأنه مر بالميقات ناويا للحج والعمرة ، فلما أحرم بالحج من مكة سقط عنه السفر الثاني وجبره بالدم، وهذا الدم دم جبران على أصح قولي العلماء بدليل أن المكي حينما جاء بالحج والعمرة وتمتع أسقط الله عنه الدم ، وهذا يدل على أنه دم جبران ؛ لأن الآفاقي هو الذي يلزمه الرجوع ، وأما المكي فلا يلزمه ، فلما فرّق الله بين حاضري المسجد الحرام من أهل مكة ومن كان في حكمهم وبين غيرهم دل على أن هذا الدم دم جبران في حكم الجبر ، وإذا كان في حكم الجبر فكل دم جبر في فدية أو غيرها يلحق بهذا الدم ، فإن عجز عن أصله انتقل إلى بدله وهو الصيام ، هذا وجه القياس ووجه الإلحاق .

فالخلاصة : أنه يجب دم التمتع ، فإن عجز عنه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، وإذا كان عليه دم جبرانا لواجب أو كان دما في فدية جماع ؛ فإنه يقوم به ، فإن عجز عنه صام عشرة أيام كاملة، ويختلف عن المتمتع ؛ لأن صوم المتمتع ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع ، وأما غيره فيصوم العشرة سردا ولا يشترط تتابعها .

قال رحمه الله : [ وكذلك الحكم في دم الفوات ] : وكذلك الحكم في دم الفوات : لو أنه خرج من بلده يريد الحج ، ثم إنه لما وصل إلى عرفات طلع الفجر من يوم النحر فلا يمكنه أن يدرك الحج وقد فاته الحج ، ففي هذه الحالة ويتحلل بعمرة وعليه دم ؛ لأن عمر بن الخطاب ررر قضى بذلك في قضية هبار بن الأسود -رحمه الله- ، فإنه فاته الحج في خلافة عمر -رضي الله عنه وأرضاه- فقال له عمر: ابق كما أنت ؛ لأنه جاءه يوم العيد ، وكان يظن أن يوم العيد هو يوم عرفة ؛ لأنه تعرفون أن الناس يبنون على الرؤية وتختلف من مكان إلى آخر، فأخطأ ثم جاء في هذا اليوم بعد فوات الحج ، فقال له عمر : ابق كما أنت يعني لازلت محرما حتى تأتي البيت ، فتتحلل بعمرة ، وإذا كان من قابل فاهدِ وحج ، فأوجب عليه الدم هذا هو دم الفوات فإن عجز عنه صام.

قال رحمه الله : [ والمحصر يلزمه دم ] : والمحصَر يلزمه دم ؛ لقوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ؛ ولأن النبي صصص لما أحصر عام الحديبية نحر هديه -صلوات الله وسلامه عليه- فدل على أن المحصَر ينحر هديه ويتحلل إذا منع من الوصول إلى البيت وتعذر عليه الوصول إلى البيت فإنه ينحر هديه ويتحلل في موضعه ؛ كما فعل النبي صصص عام الحديبية حينما أحصر ومنعته قريش من بلوغ البيت .

قال رحمه الله : [ فإن لم يجد فصيام عشرة أيام ] : هذا على الأصل الذي ذكرناه أنه عوض وبدل عن دم واجب ، والشرع جعل بدل الدم الواجب صيام العشرة الأيام ، فيقوم مقامها هذا من القياس .

قال رحمه الله : [ ومن كرر محظورا من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة ] : ومن كرّر محظورا من غير جنس قتل الصيد كأن يكون غطّى رأسه أكثر من مرة أو تطيّب أكثر من مرة فإن عليه كفارة واحدة .

قال رحمه الله : [ فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفر عنه ] : فإن كانت هذه الكفارة قد فعلها في أول مرة ثم فعل مرة ثانية وجبت عليه كفارة ثانية ، فتجزيه الكفارة الواحدة إن كرر ولم يكفّر ، أما إذا كفّر المرة الأولى أو الثانية بعد الثانية ثم فعل ثالثة ورابعة فعلى الثالثة والرابعة فدية ، فشرط دخول هذه المحظورات في بعضها أن لا يكفر عن الأول سواء اتحد المجلس أو اختلف .

قال رحمه الله : [ وإن فعل محظورا من أجناس فلكل واحد كفارة ] : وإن فعل محظورا من أجناس كأن يكون تطيّب وغطّى رأسه ولبس المخيط هذه أجناس ، كل جنس منها له فديته الخاصة ، فيجب عليه أن يفتدي ، ولو أنه قلّم أظفاره وقصّ شعره ففيها فديتان ، أما إذا فعل المحظور في موضع واحد كما ذكرنا من الطيِْب وتغطية الرأس أو حلق رأسه ولم يكفّر ثم نتف شعر إبطيه ولم يكفّر ثم حلق شعر عانته فهذه ثلاثة من أصل واحد وهو الحلق مادام أنه لم يكفر عن الأول تلزمه كفارة واحدة – فدية واحدة- سواء اتحد الموضع كأن يحلق يبدأ مثلا بقص شعر رأسه ثم بعد ساعة قص الجانب الآخر من رأسه ثم في اليوم الثاني قص جانباً ثالثًا حينئذ عليه فدية واحدة مادام أنه لم يكفر بالفدية في أول مرة .

أما لو كفر بالفدية والمرة فالحكم على الاستئناف ؛ لأن الأول كفارته الفدية الأولى ، فإن فعل بعدها فقد فعل جديدا لم يتعلق به الأول لا بنيّته ولا بعمله فوجبت له كفارة جديدة ، وهذا ما يسمى بالتداخل في الفدية .

قال رحمه الله : [ والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه ] : والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي فيه العمد والخطأ ؛ لأنه نقص لا يمكن جبره ، ولا يمكن تلافيه ، من قلّم ظفره لا يستطيع أن يرده ، ولا يستطيع أن يرجع إلى الحال الأصلي. أما من غطى رأسه فيمكنه أن يزيل الغطاء ويرجع إلى الأصل ، ومن لبس المخيط يمكنه أن يخلع المخيط ويرجع إلى الأصل، ففُرّق بين ما يمكنه تلافيه وما لا يمكن تلافيه ، والذي لا يمكن تلافيه أن يحلق الشعر أو يقصّه أو ينتفه ، كذلك أيضا لو قلّم الأظفار ، ولو جامع ، ولو قتل الصيد كلها أمور لا يمكن تداركها ولا تلافيها ، فتجب فيها الفدية ، سواء تعمّد أو كان ناسيا ؛ لأن الضمان في الإخلالات معتبر بغض النظر عن كون الإنسان قاصد أو غير قاصد ، فهذا النوع فيه نقص يجب ضمانه، والضمانات يستوي فيها المتعمّد والمخطئ ، فلو أن شخصا أخطأ ودعس بسيارته مالا وأتلفه كأن يدعس غنما مثلا وهو مخطئ نقول هذا في الضمان ويجب عليك أن تدفع قيمته ولو لم تقصد، فالضمانات لا يشترط في تحمل مسؤوليتها وضمانها القصد يستوي فيها العمد والخطأ ، غاية ما في العمد والخطأ أن العامد يأثم والمخطئ لا إثم عليه ، والمتعمد آثم ؛ لأنه قاصد ، والناسي غير آثم ؛ لأنه لم يقصد ؛ وقد قال الله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وفي الصحيح أن الله تعالى يقول : (( قد فعلت )) أي لا أؤاخذكم بالإثم ، إن نسيتم أو أخطأتم وهذا لا يسقط الضمان ؛ ولذلك أوجب الله في قتل الخطأ الدية فهي ضمان للحقوق ، فإذا كان هذا في الآدميين فقد قال صصص : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فحق الله آكد أن يضمن ، فكل إخلال من المحظورات فيه نقص لا يمكن تلافيه فإن عمده وسهوه سِيّان في الحكم .

قال رحمه الله : [ وسائر المحظورات لا شيء في سهوه ] : سائر المحظورات لا شيء في سهوه تطيّب ثم تذكر أنه محرم أو غسل يديه بصابون مطيّب ثم تذكّر أنه محرم وأزال الرائحة لا شيء عليه ، ولو غطّى رأسه ناسيا أنه محرم ثم تذكّر وأزال الغطاء عند تذكره لا شيء عليه ، فلو بقي بعد التذكّر ولو لحظة قادرا على الإزالة ولم يزل وجب عليه أن يفتدي .

قال رحمه الله : [ وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق به ] : وكل هدي أو إطعام فإنه في أي موضع ؛ ففي الفدية أمر الله عز وجل بالنسك ولم يحدد أن يكون بمكة ؛ فدل على أنه يجزيه أن يذبح الشاة في أي موضع ، فلو أنه حلق رأسه لوجود الأذى من قمل أو غير ذلك كما حصل لكعب ررر وأراد أن يفتدي بالذبح ، فقال: أريد أن أذبح الشاة في بلدي . نقول له : لك ذلك ، ولا حرج عليك في ذلك ؛ لأن الله يقول : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } ولم يأمر في هذا النسك أن يكون بمكة ؛ ولأن النبي صصص أمر كعبا أن ينسك نسيكة وكان خارج الحرم ، ولم يقل له ابعث بها إلى الحرم فدل على أنه يجزيه في أي موضع ؛ لأن النبي صصص لم يعين في الفدية أن تكون داخل الحرم ، وهكذا في الإطعام فإنه لو أطعم في بلده وقال: أريد أن أطعم المساكين في بلدي فأعرفهم هناك وهنا لا أعرف المساكين، قلنا له ذلك ، وأما بالنسبة لما استثناه من قتل من جزاء الصيد فيجب أن يكون بمكة ، ويتعين عليه أن يكون بمكة ، واختلف في الدم في الهدي وظاهر السنة ما ذكرناه أنه بمكة ، فبيّن المصنّف -رحمه الله- أنه يستثنى من هذا أن يكون بمكة إذا كان قتل صيد، وما عداه فإنه يكون في أي موضع من هدي وإطعام .

قال رحمه الله : [ وهدي المحصر ينحره في موضعه وأما الصيام فيجزئه بكل مكان ] .



الأسئـــلة :

السؤال الأول :

فضيلة الشيخ : الشخص الذي يصوم صوم قضاء عن رمضان فهل يلزمه إتمام صومه إذا شرع فيه أو أنه أمير نفسه وكذلك النية متى تكون ، وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

هناك مسألة أريد أن أنبه عليها وهي مسألة دجاج البيك ، الذي استقر بنقل المشايخ والدعاة الذين كانوا في الخارج أن الدجاج المذبوح في الخارج في الغرب لا يسمح بذبحه للشركات بالذبح الشرعي المعروف ، ولذلك كان مشايخنا وعلماؤنا ومن أدركنا من أهل العلم يرون أن حكمه حكم الميتة ؛ لأنه يصعق بالكهرباء ، ويدوّخ ويُخْنق ، وتقوم الآلة بقطع الرأس دون تذكية شرعية، هذا الذي نعرفه بنقل المشايخ والعلماء وطلبة العلم الثقات الذين ذهبوا وسافروا ونظروا في بلاد الغرب حيث لا يسمح لهم بهذا الشيء ، لكن بالنسبة لدجاج البيك كنت أنتظر إفادة واضحة، ومكثت قرابة شهرين جاءني بعض الإخوة ببعض الأوراق غير واضحة، كانت في لجنة جاءت وأبدت ملاحظات على الذبح ، ثم لم توجد شهادات توثّق هل عُمل بهذه الملاحظات أو لم يعمل ؟ وتأخر الإخوان - أصلحهم الله – في إحضار هذه الشهادات وأرسلوا لي أوراقا غير واضحة بالفاكس ، وانتظرت خلال الشهرين أحد يأتيني حتى جاء أحد الإخوة –جزاه الله خيرا- بالأمس وأحضر لي شهادات موثقة من مشايخ معتبرين وطلبة علم أرجو أنهم ثقات على أن الذبح شرعي ، وأنه يسمح لهم بالطريقة الإسلامية في أمريكا اللاتينية ، وجاءت بوثائق – في الحقيقة- سرّتني كثيرا ؛ لأن مثل هذا الشيء حينما يكون على الشريعة ومثل هذه الشركة تشترط أن يكون شيئا شرعيا وتحرص على إحضار المشايخ وطلبة العلم ، فهذا سرّني كثيرا ، ولذلك أنا أقول: إن هذا الدجاج حلال ، لثبوت هذه الشهادة بشرط أن يُستمر العمل على هذا الشيء الموجود في هذه الشهادات وبالطريقة التي نُقلت إلي بهذه الوثائق . فأحببت أن أشير إلى هذا ؛ لأنني كنت في الأول أقول : إن أي شيء من الخارج من الدجاج الذي يأتي من الخارج من الغرب لا يذكى ذكاة شرعية ؛ لأن الشهادة كانت عندي موثقة ومن المشايخ الذين سافروا هناك أرضاهم فيما بيني وبين الله ، وكنت أنتظر الإفادة وفي الحقيقة كان من المفروض أن يرسلوا الإفادة عاجلة وواضحة، وسبب التأخير عدم وصولها إلي، أما الآن فقد تبيّن الأمر أنا أقول: إنه حلال وذبحه شرعي ، ويجوز أن يأكله المسلم ولا حرج ولا بأس بذلك .

بالنسبة لما ورد في السؤال من صيام القضاء : إذا صام الإنسان في القضاء فإنه يجب عليه أن يبيّت النية بالليل ؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( من لم يبيت النية بالليل فلا صوم له )) . ويجب عليه أن يمسك ولا يجوز له أن يفطر ، وليس بأمير نفسه .

وأما قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( المتطوع أمير نفسه)) فإن هذا الحديث حجة على وجوب على إتمام الإمساك ؛ لأنه قال : (( المتطوع )) ومن صام قضاء فليس بمتطوع ؛ لأنه يصوم عن الواجب ، وكذلك أكد ذلك النظر الصحيح ؛ فإن قضاء رمضان منزّل منزلة رمضان ؛ لقوله تعالى: { فعدة من أيام أخر } والقضاء يحكي الأداء فلا يجوز له أن يفطر أثناء يومه في القضاء إلا من عذر والله تعالى أعلم .

السؤال الثاني :

فضيلة الشيخ : أشكل علي أن الحج لا يجب على الكافر ، وقد ذكر بعض أهل العلم بأن الكافر مطالب بفروع الشريعة فما توجيه ذلك . وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

هذه المسألة تعرف بـهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو لا ؟

فمنهم من قال : مخاطبون بالتوحيد أولا ، ثم بعد ذلك يخاطبون بفروع الشريعة .

ومنهم من قال: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة ، وقد اتفق الجميع على أنه لا تصح منهم فروع الشريعة إلا بعد أن يؤدوا الأصل وهو توحيد الله .

فائدة الخلاف يقول إنهم يعذبون على الكفر، وعلى ترك الامتثال للأوامر بفروع الشريعة؛ واستدلوا بذلك بأدلة : بقوله تعالى : { قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين } فذكر من ذنوبهم فروع الشريعة أنهم ما كانوا يقومون بحق الله عز وجل في الصدقات والزكوات ، وكانوا يخوضون مع الخائضين ، فهذا كله من فروع الشريعة وليس من أصولها ؛ وعلى هذا قالوا إنهم مخاطبون بفروع الشريعة ، وهذه المسألة معروفة في الأصول ، وكثر فيها الكلام حتى قال بعض أئمة الأصول : (( مسألة طويلة الذيل قليلة النيل)) فالخلاف فيها طويل ، ولكن الفائدة ما فيها فائدة ، حتى قال بعضهم : إن الفائدة فيها قليلة ؛ وعليه فإننا نقول : إنهم مخاطبون بفروع الشريعة مع أصل الشريعة كما ذكرنا . والله تعالى أعلم .

السؤال الثالث :فضيلة الشيخ : رجل من المدينة قصد ينبع وهو ناوٍ النسكَ فهل يلزمه الإحرام من ذي الحليفة أو الجحفة ؛ علما بأنه سيمكث في ينبع أياما أفتونا بارك الله فيكم ؟

الجواب :

من قصد جهة الساحل وغرّب قلنا إن ميقاته ميقات الساحل ؛ ولذلك يعتبر من أهل المدينة الذين يمرون بالجحفة ، وفرق بين من يمر من المدينة بالجحفة قاصدا للنسك بسفره أصلا وبين من يقصد موضعا بغربي المدينة لغير النسك ؛ فحينئذ إذا أراد الزيارة هناك وقصد أهلا في ضبا أو الوجه وذهب إليهم فله أن يؤخر الإحرام إلى أن ينتهي من حاجته ، وهذا هو أصح قولي العلماء والأفضل والأكمل له أن يحتاط فيحرم من المدينة . والله تعالى أعلم .

السؤال الرابع : فضيلة الشيخ : هل جد والد أمي يعتبر محرما لزوجتي أو لا وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

نعم . جدك والد الأم محرم لزوجتك ، ولكل امرأة بمجرد أن تعقد عليها يجوز لأبيك وأبيه وإن علا سواء من جهة الإناث أو الذكور، ولأبي أمك وأبيه وإن علا كلهم آباء لك ؛ لأن أب الأم يعتبر أبا للإنسان ، وابن البنت ابنا للإنسان ؛ كما قال صصص في ابن بنته : (( إن ابني هذا سيد )) وقال في الجد قال تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } فيعتبر هؤلاء كلهم محارم للزوجة بمجرد عقدك عليها ، فهم محارم وليسوا بأجانب ، ولا يحل لهم أن يتزوجوا هذه المرأة أبداً ، فهي محرمة على التأبيد . والله تعالى أعلم .

السؤال الخامس :

فضيلة الشيخ : إذا اشتد ألم ضرسي في رمضان فهل أفطر . وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

لا ألم إلا ألم الضرس ! يقولون : لا هم إلا هم العرس ، ولا ألم إلا ألم الضرس ! ألم الضرس معروف إذا كان ألم الضرس خفيفا يمكن الصبر عليه يجب عليك الصبر، إذا كان قويا شديدا يحرجك ويصل بك إلى درجة الحرج والعنت جاز لك الفطر ، وهذا على الأصل المعتبر عند العلماء أن ما يوجب الحرج ينتقل إلى درجة الحاجة ، والقاعدة (( أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة )) ؛ والدليل على أن مرتبة الحاجة والألم الشديد توجب الرخصة قوله تعالى: { ما جعل عليكم في الدين من حرج } فإذا قلنا لك صم مع وجود هذا الألم الشديد ؛ فإنه حرج وبيّن الله تعالى أنه ليس في دينه حرجٌ ، فيرخص لك الفطر إن أردت الفطر ، ولك أن تصبر حتى ينتهي يومك ثم بعد ذلك تعالج الألم . والله تعالى أعلم .

السؤال السادس :

فضيلة الشيخ : قد يشكو كثير من طلاب العلم عند إقبالهم على طلبه من وجود المضايقات والهموم والمعوقات ؛ ولذلك يشعر البعض بانقطاعه عن العبادة وإقباله على العلم فهل من توجيه تزيل به هذا الإشكال . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فإن الله ابتلى عبده المؤمن في هذه الدنيا ، فهو من غم إلى غم ، ومن همّ إلى همّ ، ومن كرب إلى كرب ، حتى يقف على آخر أعتاب هذه الدنيا ، وقد رفعت درجته ، وعظمت عند الله منزلته، وكُفّرت ذنوبه وخطاياه ، فكم من مهموم مغموم خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وكم من مهموم مغموم رفعت له درجاته في الفردوس من رضوان الله عز وجل عليه .

هذه الدنيا دار ابتلاء ، ودار مشقة وعناء ، وهي دار الدناءة ، يرفع فيها الوضيع ، ويوضع فيها الرفيع، ويكرم فيها الفاجر، ويهان فيها البر، ويؤذى فيها ولي الله ، فلم يجعلها الله لأوليائه ، ولا جعلها لأصفيائه ، ولا جعلها لأحبابه ؛ إذ يقول صصص: (( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر فيها شربة ماء )) .

فجعلها الله ابتلاء لأوليائه ، تضيق عليهم بشدائدها ، وتؤذيهم بفتنها ومحنها ، ولا يزال العبد الصابر المؤمن قد وجه وجهه إلى ربه ، وأسلم قلبه لخالقه ، متوكلا على الله ، مفوضا أمره إلى الله، لسان حاله ومقاله : حسبنا الله ، قد استكفى بالله ، فنعم المولى ونعم النصير .

هل قرأت في سيرة النبي صصص ، هل رأيته بأبي وأمي -صلوات الله وسلامه عليه- منذ أن أكرم بالرسالة ، فقد صُبّت عليه البلايا ، وأهين في طاعة الله ومرضات الله ، ورأى شدائد الدنيا وأهوالها، وكان كل ذلك كان فيه عليه الصلاة والسلام أصدق ما يكون إيمانا ، وأثبت ما يكون جنانا ، وأوضح ما يكون سبيلا ومنهجا وحجة وبرهانا ، لم يضعف عليه الصلاة والسلام في طاعة ربه ، ولم يجبن ولم يخف ، فما كان عليه الصلاة والسلام إلا ثابت الجنان ، سديد اللسان ، موفقا من العظيم الرحمن -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه- ، حتى رأى بأم عينيه عمه مجندلا على الأرض قد بقرت بطنه ، وسالت دماؤه ، وقُطعت أشلاؤه ، ورأى عليه الصلاة والسلام من الشدائد والمصائب حتى فقد البنات وفقد البنين -عليه الصلاة والسلام- وما زاده ذلك إلا حبا لله ورضوانا عن الله ، وما تأمل مسلم ذلك كله فرأى سيرة النبي صصص في جميع شؤونه وأحواله إلا وجده من كرب إلى كرب ، ومن خَطْب إلى خَطْب ، إن دخل إلى بيته رأى الابتلاء من ربه ، وإن خرج إلى الناس ابتلي في نفسه وفي أصحابه وفي أحبابه ؛ كل ذلك حكمة من الله سبحانه وتعالى حتى وقف على آخر أعتاب هذه الدنيا ، وقد دنت ساعة الفراق ، فصاحت بنته : واكرب أباه! فقال -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- : (( لا كرب على أبيك بعد اليوم )) .

الكرب في هذه الدنيا سنة من الله للأولياء والأتقياء والصلحاء ، تعضهم الدنيا فيهان ويذل ويضيق عليهم في أمورهم فلا يزيدهم ذلك إلا ثباتا ويقينا وصدقا .

نعم إنها الفتن والمحن التي تظهر بر البر وفجور الفاجر، تظهر صدق الصادقين، وثبات الموقنين، ورباط المرابطين، فتن تشع بها أنوار الإيمان في قلوب الموقنين المحسنين -جعلنا الله وإياكم منهم برحمته وهو أرحم الراحمين-.

أخي في الله أعظم نعمة من الله على العبد أن يفوض أمره إلى الله ، وأن يكون عنده اليقين أن أزمّة الأمور كلها بيد الله ، وأن الأمر كله لله ، وأن الله يغلب ولا يغلب ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، وأن الدنيا بقضها وقضيضها وكثيرها وقليلها لا تزن عند الله جناح بعوضة ، وأن كل ما يرى من فجور الفجار واعتداء الأشرار على الأخيار وتسلطهم على الصفوة الأبرار، وما يرى هو في طلبه العلم من ضيق الحال وسوء الحال كله ينتهي به إلى رحمة ذي العزة والجلال .

من هذه البلايا خرج الصادقون بصدقهم ، من هذه البلايا خرج الموقنون والمحسنون بثباتهم ، أي شيء تشتكيه هل قرأت أو رأيت أو نظرت ما مر بسلفك الصالح ، ليتك تعلم هذه الكتب التي بين يديك ، وهذه الحروف التي سطرت أمام عينيك، ليتك تعلم كيف سطرت ؟! ومن الذي سطرها ؟! وما الذي رآه من الشدائد والأهوال حتى إن الواحد منهم كان غريبا عن أهله غريبا عن وطنه لكي يحفظ حديث رسول الله صصص الذي بين يديك ، وكان الرجل منهم ينزوي عن الدنيا وفتنها ومحنها لكي يبلغك آية أو حديثا أو حكما شرعيا ، فيا لله ، من أمة رأت في طلبها للعلم الشدائد بحق ، كان الرجل منهم يرى الموت أمام عينيه ، ولربما وجد الشدائد في نفسه وفي حاله ، أما أنت اليوم فآكل شارب ، آمن في سربك ، معافا في بدنك ، عندك قوت يومك .

أخي في الله في أي لحظة تستطيع أن تضيء المصباح فيشع بيتك نورا ، وكان السلف يضيء الواحد منهم الفتيلة أو يشعل الشعلة فلا يجد إلا ما يكتب به الكلمة أو الكلمتين ثم تنطفئ ، ثم من الذي يجد هذه الشعلة ، وأنت اليوم تخط بالأقلام الملونة وتفعل ما تشاء والصحف بين يديك وكان الرجل منهم لا يجد مدادا يمد به قلمه حتى يكتب .

أخي في الله أي نعمة ترفل فيها ، وأي منة تجدها حتى إن العلم أصبح بين يديك نائما على فراشك، تستمع إلى مسجلك فتسمع الأحاديث والعلوم ، وتسمع ما لم يخطر لك على بال ، أي نعمة ستقف بين يدي الله وتحاسب عنها.

يا طالب العلم دع الهموم عنك جانباوانظر إلى سعة رحمة الله عليك وفضله وجميل منته لديك، واعقد العزم ، وتوكل على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم .

اترك عنك هذا التخاذل والتباطل والضعف ، واعلم أنه إن نزلت بك بلايا لن تساوي شيئا مما مر بالأولين، وأنها إذا نزلت بك لن تكون شيئا أمام الأنبياء والصديقين ، فارفع نفسك إلى تلك الصفوة المجتباة ، واعقد العزم على أن تثبت في هذه الفتن وهذه المحن ، وتستمر في كتابة العلم وطلب العلم وتصبر على همك وغمك لعل الله أن يجعل لك فرجا ومخرجا .

والله ، ثم والله ، لن ترى في هذا العلم إلا ما تقر به عينك في دينك ودنياك وأخراك إن صدقت مع الله ، وصبرت واحتسبت الأجر عند الله ، فإن هذا العلم عواقبه حميدة ، ونهاياته كريمة ، ونسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل .

أوصيك أخي في الله :

أولا : أن تكثر من تلاوة القرآن مع التدبر، فإنها تقوي القلوب في الفتن والمحن ؛ خاصة في طلب العلم ، وتجعل لك وردا من الليل لا تتركه .

ثانيا : أن تكثر من الدعاء أن الله يثبتك على طاعته ، وأن يصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن .

ثالثا : استشعار نعمة الله عليك ، تحس أنك أسعد الناس ، من هذا الذي جلس بين يديك فجلس بين يديك كتاب من كتب مشايخ الإسلام وأئمة الإسلام بين يديك ، كتب يجدها في أي ساعة يأخذ كتاب من شاء من هؤلاء العلماء ، فاحمد نعمة الله عز وجل عليك ، وحس أنك في نعمة عظيمة ، المشكلة قل أن تجد طالب علم يشكر نعمة الله عليه اليوم ، وتجد الواحد منهم يقول نريد الشيخ أن يجلس معنا أربعاً وعشرين ساعة وهو لا يستطيع أن يشكر حتى لو جلس معه الشيخ ربع ساعة قل أن يقوم من مجلس فيقول : الحمد لله والشكر لله على هذه الربع ساعة ، إن الله تأذن بالزيادة لمن شكر، فاشكر الله حتى يبارك الله لك ، واعرف نعمة الله عز وجل عليك إذا خطت يدك أو سمعت أذنك أو نظرت عينك حتى تحس أنك في نعمة فتحافظ عليها ، وإياك وأن تخذل أو تضعف ، وأكثر من الدعاء ، وصحبة الصالحين ، وقراءة سيرة العلماء العاملين .

نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يصرف عنا وعنكم الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم إنا نسألك إيمانا كاملا ، ويقينا صادقا ، وعلما نافعا ، اللهم خذ بنواصينا إلى ما يرضيك عنا ، اللهم خذ بنواصينا إلى ما يرضيك عنا، اللهم وفقنا لما تحب وترضى ، وألهمنا البر والتقوى ، واجعلنا من أئمة الهدى ، والموفقين للرضى ، يا من جل وعلا ، لا إله إلا أنت سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، والحمد لله رب العالمين .

أبو زيد الشنقيطي
28-10-07, 08:35 AM
قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى : [ باب دخول مكة ]:

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على سبيله ونهجه ، واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد :

فيقول المصنف رحمه الله : [ باب دخول مكة ]: دخول مكة حفظت فيه السنة عن رسول الله صصص وذلك في حجة الوداع ، وفي دخوله -عليه الصلاة والسلام- في عُمَرِه وفي دخوله يوم فتح مكة ؛ ولذلك حفظ أصحاب رسول الله صصص السنة وهديه في ذلك الدخول ، ومن هنا اعتنى الأئمة والعلماء -رحمهم الله- ببيان هذه السنن ؛ فقد صح عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صصص لما دخل مكة بات بذي طوى ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام اغتسل بعد صلاة الصبح ، ثم مضى إلى البيت ودخل المسجد ، وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى السنة ، فإذا دخل في الحج أو العمرة أن يبدأ بالاغتسال ، وهذا الاغتسال فيه فوائد عظيمة : لأنه تستجم به الروح ، وتقوى به النفس ، ولذلك يذهب عن الإنسان الشعث وعناء السفر، ويكون أكمل وأقوى وأقدر على الخشوع وحضور القلب ، ومن عناية الصحابة -رضي الله عنهم- بالسنة عن رسول الله صصص أنهم راقبوه في جميع شؤونه ، فحفظوا دخوله حتى حفظوا الصفة التي دخل بها ، وحفظوا المكان الذي دخل منه -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- كل هذا حرصا على حفظ هذه السنة والهدي للأمة.

يقول المصنف رحمه الله : [ باب دخول مكة ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من السنن والآداب التي ينبغي للمسلم أن يراعيها ويحافظ عليها عند دخوله لمكة ، وكيف كان دخول النبي صصص ، فيسن ويشرع الائتساء والاقتداء به .

قال رحمه الله : [ يستحب أن يدخل مكة من أعلاها ] : يستحب أن يدخل مكة من أعلاها: مكة فيها العالية وفيها السافلة ، وأعلاها من جهة قبور المعلاة ، من جهة المُحَصّب والبطحاء وأسفلها من جهة الحفائر، وهي الجهة الجنوبية إلى الغرب ، وأعلاها الجهة الشمالية إلى الشرق فالنبي صصص حينما دخل مكة ما دخلها إلا من أعلاها ، واختلف العلماء -رحمهم الله- في هذا الدخول بعد ثبوت السنة به ، دخلها يوم الفتح من أعلاها ، ودخلها عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وفي عُمَرِه كلها من أعلاها ، فاختلفوا في هذا الدخول : هل هو مقصود أو غير مقصود ؟

قال بعض العلماء : دخلها عليه الصلاة والسلام من أعلاها نكاية بالمشركين ، وتصديقا لحسان بن ثابت وذلك حينما قال :

عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كَداء

وكداء هي الثنية العليا من جهة القبور. فقال حسان قبل فتح مكة هذا البيت ، فصدقه النبي صصص وقال : (( لا تدخلوا مكة إلا من الثنية حيث قال حسان )) لكي يصدق من نصر الإسلام بقوله فلا يكذبه ولا يخذله ، وهذه هي سنته عليه الصلاة والسلام وهديه حتى مع غير المسلم ، حتى إنه عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى الطائف وأراد دخول مكة بعد أن أوذي صلوات الله وسلامه عليه منعته قريش من البيت ، فدخل في جوار المطعم ، وحمل المطعم أبناؤه السلاح وأدخلوا النبي صصص في ذمتهم وجوارهم ، فلما كان يوم بدر وأخذ أسرى بدر، شفع الناس فامتنع النبي صصص من قبول الشفاعة ، وضرب رقاب صناديد قريش ، حتى إن عقبة بن أبي معيط حاول أن يستلطف النبي صصص فما كان منه إلا أن قتله ، حتى قال له : ما للصبية من بعدي ؟ قال : لك النار ، ثم أمر بضرب عنقه ، ففي هذه الموقف مع شدته يقول للمطعم : لو كان الشيخ حيا يعني أباك فسألنيهم لوهبتهم له ؛ لأنه نصر النبي صصص وأدخله في جواره . فقال : (( لا تدخلوها إلا من الثنية العليا )) .

الوجه الثاني : أن الثنية العليا فيها السوق ؛ ولذلك تعتبر وجه البلد ، والناس الشرفاء والفضلاء ودخول العزة والكرامة الذي لا ريبة فيه يكون الدخول من الأبواب لا من الظهور ، وأبواب المدن أسواقها ؛ ولذلك دخل عليه الصلاة والسلام من أعلاها ؛ لأن في الأعلى السوق ، قالوا فراعى هذا المعنى ولم يدخل من أسفلها .

الوجه الثالث : أن النبي صصص دخل من جهة المعلاة ؛ لأنها جهة باب البيت ، والملوك تؤتى بيوتهم من أبوابها، وهذا بيت الله عز وجل بيت ملك الملوك ، فيؤتى البيت من بابه ، وهذا أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله- واختاره بعض شراح الحديث أن هذه الجهة فيها باب البيت ولذلك فضلها النبي صصص وكان دخوله حتى من باب بني شيبة مراعاة لهذا المعنى ، وقرره الشيخ -رحمه الله- شيخ الإسلام في الشرح أن هذا الدخول مقصود ، وأن هذا الخروج مقصود ، أي أنه كان يدخل من الثنية العليا قصدا ويخرج قصدا لا اتفاقا ولا تيسيرا ولا لسهولة الدخول . قال رحمه الله لأنه لما أراد غزو الطائف والخروج إلى حنين خرج من الثنية السفلى مع أن الأرفق والأخف بالبيت وبه -صلوات الله وسلامه عليه- أن يخرج من الثنية العليا ؛ لأنه بجهة المشرق ، فكونه -عليه الصلاة والسلام- تقصد الخروج مع سهولة الخروج من المعلاة دل على أنه مقصود .

وقال بعض العلماء : إن النبي صصص لم يقصد ذلك وإنما أراد تكثير الثواب باختلاف طريق الدخول وطريق الخروج .

والأصح أنه دخول مقصود .

هذه الثنية مشرفة على القبور، والآن طريقها لمن جاء من جهة المدينة إذا دخل مع شارع التنعيم يدخل على أسواق العتيبية ، وينحرف شمالا إلى جهة المشرق ، وإذا دخل في آخر أسواق العتيبية وانصب على قبور المعلاة فهو مدخل النبي صصص وهي الثنية العليا .

ثبتت هذه السنة في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صصص دخل مكة من كداء ، وخرج منها من كدى .

وكذلك عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنه دخل من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى صلوات الله وسلامه عليه .

قال رحمه الله : [ ويدخل المسجد من باب بني شيبة ]: ويدخل مسجد مكة من باب بني شيبة؛ لأن النبي صصص صحت عنه الرواية أنه دخل من باب بني شيبة ؛ ولذلك استحب العلماء التأسي به -عليه الصلاة والسلام- في الدخول من هذا الباب ، وهذا الباب من جهة الصفا في الجهة الشرقية أقرب إلى الصفا ، والغالب أنه إذا دخل منه استقبل الجهة الشرقية .

قال رحمه الله : [ لأن النبي صصص دخل منه ] : هذا بيان للحكم ودليله .

قال رحمه الله : [ فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا ] : هذا الدخول من باب بني شيبة على السنة ، فإن تيسر فالحمد لله ، وهكذا بالنسبة للدخول من الثنية العليا إن تيسر فالحمد لله ، أما إذا لم يتيسر فإنه يدخل من أي موضع ، والأفضل له أن يتحرى السنة حتى يكون ذلك أكمل في الهدي ، وسببا في الرحمة .

قال رحمه الله : [ فإذا رأى البيت رفع يديه ] : فإذا رأى البيت رفع يديه : إذا دخل المسجد فالسنة المحفوظة أن يقول دعاء الدخول عن النبي صصص وهو في مسجد الكعبة وغيره للداخل أول مرة وغيره ؛ لأن النبي صصص جعله سنة فيقول : بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، أو يقول: أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ؛ تأسيا بالنبي صصص في الوارد ، وهذه هي السنة في الدخول في كل مسجد ويشمل ذلك المسجد الحرام إلا أن بعض السلف -رحمهم الله- اختاروا للدخول إلى مسجد مكة الدعاء الذي سيشير إليه المصنف -رحمه الله-.

قال رحمه الله : [ وكبر الله ] : وكبر الله : التكبير عند الدخول الحقيقة ليس فيه نص صحيح وكذلك التكبير عند رؤية البيت ، والسنة أن يقول الوارد المحفوظ عن النبي صصص.

قال رحمه الله : [ وحمده ودعا ] : وحمد الله ودعا : الدعاء عند رؤية البيت كل هذه قال بها بعض العلماء -رحمهم الله- واستحبوها ، ولكن الاستحباب حكم شرعي ، والدخول إلى المسجد فيه سنن صحيحة عن النبي صصص وحفظ دخوله -عليه الصلاة والسلام- في حجة الوداع أمام أمته وأصحابه صلوات الله وسلامه عليه ولو اختلف هذا الدخول عن غيره لبيّنه بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه فهذا الذي ذكره من رفع اليدين والتكبير والدعاء عند رؤية البيت قال به بعض العلماء ، وفيه آثار لم تصح ، ولذلك البقاء على الأصل المسنون الصحيح عن النبي صصص هو الذي ينبغي العمل به .

قالوا : يستحب أن يدعو بقوله : اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما ومهابة وبرا ، وفي بعض الروايات عن ابن جريج وهي منقطعة : (( وزد مَنْ شرّفه وكرّمه وعظمه ممن حجه واعتمره مهابة وتشريفا وتكريما وبرا )) ولكن هذا الدعاء يروى مرفوعا عن النبي صصص والحديث ضعيف ، بل هو من رواية الكذابين والوضاعين ، ومثل هذه الرواية لا تنجبر ولا تقبل التحسين ؛ لأن شرط الانجبار أن لا يكون من طريق الكذاب والوضاع

وحيث تابع الضــعيفَ معتبر فحسـنٌ لغيره وهو نظـر

إن لم يكــن لتهمةِ بالكذبِ أو الشذوذ فانجبــاره أُبِي

هذا الذي من عنده قد امتضى من حقَّق الحسنى وجاء المرتضى

فالأصل أن الأدعية والأفعال الخاصة في العبادات أنها توقيفية ، ولا يمكن أن تجعل هذه الأدعية سنة للأمة بروايات الكذابين والوضاعين ، وعلى المسلم أن يأتسي بالنبي صصص فيما صح وورد عنه .

أما رفع اليدين عند رؤية البيت ؛ فقد أنكره بعض أصحاب النبي صصص، فقد روى الإمام الترمذي -رحمه الله- عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أنه سأله المهاجر فقال له : أترفع الأيدي عند رؤية البيت ؟ قال : حججنا مع رسول الله صصص أفكنا نفعله ؟! والاستفهام إنكاري أي أننا حججنا مع النبي صصص وما فعله رسول الله صصص ولا فعلناه ، ولذلك لا يشرع رفع اليدين عند رؤية البيت ولا عند الدخول أيضا ، وهذا ترجم له الإمام الترمذي -رحمه الله- في السنن بقوله : باب كراهية رفع اليد عند رؤية البيت .

قال رحمه الله : [ ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرا ] : ثم يبتدئ بطواف العمرة : السنة عن رسول الله صصص أنه ابتدأ الطواف ولم يصل تحية المسجد ؛ والأصل في ذلك حديث جابر بن عبدالله وحديث عبدالله بن عمر وحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنهم- كلهم أثبت أن النبي صصص دخل البيت ثم استفتح بالطواف ولم يسبق الطواف شيء لا من الصلاة ولا من غيره ، فدل على أن السنة أن يحيى البيت بالطواف .

ومن قال من العلماء : إنه يصلي تحية المسجد قبل الطواف فقوله مخالف للسنة ، والأصل أن الطواف نفسه تحية البيت ، وسيصلي بعد الطواف ركعتي الطواف ؛ ولذلك يجزئ هذا الفعل عن التحية كلها .

فالسنة أن يبتدئ بالطواف قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- : إنه أول ما بدأ به أن توضأ عليه الصلاة والسلام ، ثم استلم الحجر، فبينت أنه توضأ لطوافه وللصلاة عقيب الطواف ، ثم استلم الحجر ، فكان أول ما بدأ أن حيى البيت بالطواف .

قال رحمه الله : [ فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرا ] : ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمرا ، وهذا الطواف ركن كما سيأتي إن شاء الله ، ويبتدئ بطواف العمرة ؛ لأن النبي صصص حينما دخل في عمره ابتدأ بالطواف .

قال رحمه الله : [ أو بطواف القدوم إن كان مفردا أو قارنا ] : أي أنه إذا بدأ الطواف في الحج إما أن يبدأه بطواف عمرة إذا كان متمتعا، أو يبدأه بطواف القدوم الذي يكون للقارن ويكون كذلك للمفرد إن تيسر له قبل الوقوف بعرفة ، فبين نوعية الطواف قبل ابتدائه .

والطواف إما أن يكون طواف عمرة ، وإما أن يكون طواف قدوم ، وإما أن يكون طواف زيارة أو إفاضة ، وهو طواف الركن في الحج ، وإما أن يكون طواف وداع ، أو يكون طوافا في سائر الأوقات طواف نافلة ، أو يكون طوافا منذورا ، هذه أحوال الطواف ، فبين أنه يبتدئ بالطواف إن كان معتمرا فطواف عمرة ، وإن كان حاجا فهو طواف قدوم للقارن والمفرد .

طواف قدوم للقارن كما فعله النبي صصص وأصحابه الذين كانوا معه قارنين كعلي ررر وطواف عمرة كما فعله أكثر أصحاب النبي صصص خاصة من لم يسق الهدي منهم ، وقد أمرهم النبي صصص أن يتحللوا وأن يجعلوها عمرة ، وأما بالنسبة لكونه في طواف العمرة فلا إشكال بفعل النبي صصص له .

قال رحمه الله : [ فيضطبعه فيجعله وسطه تحت عاتقه الأيمن ] : فيبتدئ بالطواف السنة عند ابتداء الطواف أن يضطبع ، وهذا الاضطباع في بعض الروايات وقع قبل استلام النبي صصص للحجر ، والاضطباع ويقال له أيضا التوشح والتأبط هو أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن ، ثم يرمي بطرفيه فوق عاتقه ، وهذا ما أشار إليه ابن عباس -رضي الله عنهما- في الرواية الصحيحة في عمرة النبي صصص من الجعرانة ، قال : (( فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم رموا بها على عواتقهم)) فهذا هو الاضطباع يكشف فيه المنكب الأيمن ولا يكشف الأيسر بل يغطى ، وهذا لكي يعين على الرمل؛ لأن النبي صصص فعله أول ما فعله حينما قال المشركون : يأتيكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب ، فنزل الوحي على رسول الله صصص بما قالوا في عمرة القضية فأمر النبي صصص أصحابه أن يروا المشركين الجلد ، فقال rصصص: (( رحم الله امرءا أراهم من نفسه جلدا )) فاضطبع عليه الصلاة والسلام ورمل وخبّ الأِشواط الثلاثة الأُوَل فهي سنة شرعت بسبب وبقيت إلى الأبد . قال عمر ررر: فيما الرملان وكشف المناكب وقد أطّأ الله للإسلام ومحا الكفر ولكن لا ندع شيئا فعله رسول الله صصص ، ومما يدل على بقاء هذه السنة أن النبي صصص اضطبع في عمرته من الجعرانة وقد فتحت مكة ، وهذا يدل على أنها سنة باقية وأن زوال السبب لا يقتضي زواله .

يضطبع : هذا الاضطباع قلنا يكون عند ابتداء الطواف ، وللعلماء وجهان :

قالوا إنه للطواف ويكون في جميع الطواف ، وقيل: إنه من أجل الرمل ، فعلى القول أنه للطواف لا إشكال أنه يبقى مضطبعا حتى ينتهي من طوافه ، وأصحاب هذا القول قالوا إن النبي صصص اضطبع ولم يحفظ عنه أنه غيّر الاضطباع ، بخلاف الرمل فقد قال عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- خب الثلاثة الأشواط الأول ومشى الأربع ، فذكر اختلاف الحال ، ولم يذكر اختلاف الحال في الاضطباع فرأوا أنه يبقى مضطبعا .

واختار جمع من العلماء رحمهم الله والأئمة أن الاضطباع من أجل الرمل ، وهو من جهة النظر أقوى ، ولذلك يرون أنه من بعد انتهائه من الرمل يغطي كتفه ، والأمر في هذا واسع ، فمن تأول السنة وأبقى كشف الكتف إلى آخر الطواف لا ينكر عليه ، ومن غيّر وستر فإنه لا ينكر عليه لوجود الاحتمال .

قال رحمه الله : [ فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر ] : يأخذ الرداء فيجعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن ثم يجمع الطرفين ويرمي بهما على عاتقه الأيسر، والعاتق ما بين مفصل الكتف والرقبة .

قال رحمه الله : [ ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه ويقبّله ] : ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه ؛ لأن النبي صصص ابتدأ طوافه في حجه وعُمَره -صلوات الله وسلامه عليه- باستلام الحجر، والاستلام للعلماء فيه وجهان :

قيل: مأخوذ من السلام وهو التحية .

وقيل : مأخوذ من السلام وهي الحجارة ؛ لأنه يمسح يده على حجر.

وكلا الوجهين حكاهما العلماء -رحمهم الله- والأئمة . الاستلام أن يضع يده على الحجر وهو بمثابة التحية ثم بعد ذلك يقبّل ؛ فصح الاستلام عنه عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر بن عبدالله وحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهم فبدأ بالاستلام قبل التقبيل ، وهذه هي السنة أن يبدأ باستلام الحجر قبل تقبيله ، وإن قبله ثم استلمه فلابأس ، ولكن السنة أن يقدم الاستلام على التقبيل ؛ تأسيا بالنبي صصص.

الاستلام البعض يخلط بين الاستلام وبين التمكن من الحجر، فبعضهم يظن أن استلام الحجر هو وضع اليدين على جهتي الحجر من أجل أن يدخل رأسه ، والواقع أن هذا ليس باستلام إنما الاستلام أن يدخل يده داخل الحجر، وحينئذ يكون الاستلام حقيقة ويكون بيده اليمنى بخلاف التمكن من الحجر فإنه يكون غالبا باليدين .

قال رحمه الله : [ فيستلمه ويقبله ] : ويقبله ؛ تأسيا بالنبي صصص وفي هذه الحالة يكون مقابلا للحجر بكليته ، ومن الأخطاء التي يقع فيها البعض أنهم يأتون من أجل الاستلام في بداية الطواف من جهة الباب فتجدهم يفوتون قدرا مما يجب تحصيله من الطواف ؛ لأن الطواف لا يصح إلا بمسامتة الحجر كُلًّا يعني بالجسم كاملا ، ولذلك قالوا إن السنة أن يقابل الحجر؛ قالوا لأن النبي صصص توجه إلى الحجر؛ لأن الداخل من جهة باب بني شيبة يستقبل الحجر، وهذا التوجه أشبه بالاستقبال في الصلاة ، وهو قبلته ومقصوده البيت . ومن هنا قالوا إنه يستلم الحجر فيكون مسامتا للحجر تماما ، فإن جاء من جهة الباب وجب عليه أن يكون على جهة الاعتدال المسامتة للحجر فيستلم الحجر ثم يقبله ، والتقبيل أن يضع شفتيه على الحجر؛ تأسيا بالنبي صصص لأنه قبله وفي الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ررر أنه قال : (( أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صصص يقبلك ما قبلتك )) . وهذا يدل على أنه رأى النبي صص قبله وصح ذلك في حديث جابر بن عبدالله وحديث عائشة وحديث ابن عمر -رضي الله عن الجميع وأرضاهم- أن النبي صصص قبّل الحجر.

والتقبيل أن يضع شفتيه على الحجر دون إحداث الأصوات والمبالغة في التقبيل وإطالة الوقت واللثم واللحس ونحو ذلك من الأمور التي لا أصل لها ، على المسلم أن يتأسى بالنبي صصص ثم لينظر إلى هذا المحدّث الملهم عمر بن الخطاب ررر الخليفة الراشد يقول : (( أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صصص يقبلك ما قبلتك )) ، فدل على أن هذا التقبيل ينبغي أن لا يفعله الإنسان إلا في الوارد ، وإذا فعله في الوارد أن يلتزم به صفة الوارد؛ ولذلك ما يفعله البعض من إحداث الأصوات ونحو ذلك من الأمور التي لم تأت عن رسول الله صصص مخالفا للسنة ، وعلى المسلم أن يتحرى السنة وأن يتأسى بالنبي صصص.

قال رحمه الله : [ ويقول : بسم الله . والله أكبر ] : بسم الله والله أكبر هذا صح عن ابن عمر عند الطبراني بسند صحيح أنه ابتدأ طوافه فقال : (( بسم الله والله أكبر )) ؛ ولذلك استحبه بعض العلماء -رحمهم الله- وليس فيه شيء مرفوع إلى النبي صصص إلا أن ابن عمر بعد أن انتهى من فعله أسند ذلك إلى النبي صصص، ومن هنا أجاز طائفة من أهل العلم التسمية ، وأما التكبير فلا إشكال في ثبوتها في الأحاديث الصحيحة الأخر أنه كبر عند استلامه للحجر -صلوات الله وسلامه عليه- .

قال رحمه الله : [ ويقول : بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صصص ] : هذا فيه حديث حسنه بعض العلماء -رحمهم الله- فيه ضعف لكن حسنه بعض العلماء واغتفر قوله عند ابتداء الطواف : (( اللهم إيماناً بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك صصص )) ومتنه قوي وصحيح ؛ ولذلك قالوا باستحباب أن يبتدئ به عند طوافه أن يقول عند ابتداء الطواف ذلك .

والسنة عن رسول الله صصص أنه كبر واستلم الحجر، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أخذ ذات اليمين وهذا محفوظ في حديث جابر وحديث عبدالله بن عمر -رضي الله عن الجميع- أنه أخذ ذات اليمين .

وذهب بعض العلماء إلى أن أخذه ذات اليمين مقصود منه -عليه الصلاة والسلام- ، ووجهوا ذلك القصد بأن المشركين كانوا إذا قبلوا الحجر أخذوا ذات اليسار وانحرفوا إلى جهة الباب ، ولكنه خالفهم عليه الصلاة والسلام فأخذ ذات اليمين ، ومن هنا إن كان تيسر للإنسان فإنه يأخذ بهذه السنة ، فإذا استلم الحجر انحرف إلى جهة اليمين دون أن يولي البيت ظهره كما هو معلوم ؛ لأن من شرط صحة الطواف أن يجعل البيت عن يساره فلا يوليه قفاه ولا يجعله كله أمامه إلا في مسألة التقبيل التي ورد النص باستثنائها .

قال رحمه الله : [ ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره ] : هذه هي الصفة الواردة عن النبي صصص في الطواف بالبيت ، فالطواف المشروع أن يجعل البيت عن يساره ؛ وقد قال صصص في حديث ابن عباس الذي اختلف في رفعه ووقفه : (( الطواف بالبيت صلاة )) ومن نظر وجد أنه يشبه الصلاة من عدة أمور فهو يستقبل البيت عند ابتدائه للطواف ويستقبله أثناء طوافه ثم إنه يستفتح طوافه بالتكبير، وكذلك أيضا يجعل البيت على جهة واحدة وهي يساره ، وكذلك يتطهر كما يتطهر للصلاة ، ونحو ذلك مما فيه مشابهة لأفعال الصلاة ، ومن هنا إذا طاف بالبيت لابد وأن يجعله قبلته ، وقبلته في الطواف أن يجعله عن يساره ، فلا يصح الطواف لو جعل البيت عن يمينه ، فلو طاف سبعة أشواط وقد جعل البيت عن يمينه لم يصح طوافه ؛ لأن النبي صصص أداها عبادة على هذا الوجه .

قال رحمه الله : [ فيطوف سبعا يَرْمل في الثلاثة الأُول من الحجر إلى الحجر ] : فيطوف سبعة أشواط ويرمل من الحجر إلى الحجر : هذا في طواف القدوم في الحج ، وكذلك في طواف العمرة لأن النبي صصص فعل الرمل فيهما ، ولا يفعل الرمل في طواف الإفاضة ؛ لأنه قد حيى البيت ولذلك فعله النبي صصص في هذه الأطوفة ولم يفعله في طواف الإفاضة ، وقد طاف على بعيره صلوات الله وسلامه عليه .

يرمل الثلاثة الأشواط الأول كما صح في حديث جابر بن عبدالله عند مسلم وحديث عبدالله بن عمر في الصحيح أن النبي صصص خب الأشواط الثلاثة الأُول .

والرمل هو الإسراع في المشي ضرب من السير يقال له : الهرولة والرمل ما بين المشي المعتاد وما بين العدو والجري فهو وسط بينهما ، اختلف هل هو مع هز المنكب أو بدون هز المنكب ؟

على وجهين للعلماء -رحمهم الله- ، وهذا الضرب من المشي هو ضرب الجلد والقوة كما يفعله في الجيش يفعلونه في الحروب ويفعلونه عند استعراضهم لقوة الجيش ؛ لأنه يدل على الجلد والقوة وفعله النبي صصص لهذا المعنى كي يظهر للمشركين أنهم ليسوا أصحاب وهن وضعف -صلوات الله وسلامه عليه-.

يرمل الثلاثة الأشواط الأُول فإن تيسر له الرمل فالحمد لله ، وإن لم يتيسر له ؛ فإنه للعلماء فيه وجهان :

منهم من قال يقتصر على القفز ولو ضاق عليه المكان .

ومنهم من قال يسقط الرمل كلية .

وهذا راجع إلى وجود القفز فيه وعدم وجوده ، وظاهر السنة أنه يقتصر على الهرولة ، ثم من العلماء من قال الهرولة إن كان المكان فسيحا تكون بشدة يعني بأشد ما تكون الهرولة ، وأخذوا ذلك من هرولة السعي وقالوا هما رملان .

والصحيح أن رمل السعي يختلف عن رمل الطواف ، فرمل السعي فيه شدة كما جاء في حديث حبيبة بنت أبي تجرات وكذلك حديث حبيبة بنت شيبة وهو السنة عن النبي صصص وحال هاجر بين الصفا والمروة ليس كحاله عليه الصلاة والسلام في إظهار الجلد في طوافه بالبيت فاختلف الرملان .

قال رحمه الله : [ ويمشي في الأربعة الأخرى ] : ويمشي في الأربعة الأشواط الأخرى ، واختلف العلماء لو كان هناك زحام فإذا اقترب من البيت لم يستطع الرمل ولو ابتعد من البيت استطاع الرمل ، فهل الأفضل أن يقترب من البيت فلا يرمل أو يبتعد عن البيت ويرمل ؟

الأقوى أنه يبتعد ويرمل ؛ لأن القاعدة أنه (( إذا تعارضت الفضيلتان المتصلة بالعبادة والمنفصلة قدمت الفضيلة المتصلة على المنفصلة )) وعلى هذا قالوا إن الرمل متصل بالعبادة لأنه بنفس الفعل في طوافه بالبيت بخلاف القرب من البيت والبعد هذا راجع إلى المكان ، لكن هذا يشكل عليه إذا كان في الصف الأول لا يتمكن من التورك في الرباعية ولو تأخر للصف الثاني تمكن من التورك فهل معنى ذلك أن يترك الصف الأول وينتقل إلى الصف الثاني ؟

أجابوا عن هذا وقالوا باختلاف الصورتين ، ففضيلة القرب من البيت ليست نصية ، وفضيلة الصف الأول نصية ، ومن هنا تقدم فضيلة الصف الأول ويسقط ، والفقيه يجد له مخرجا !

قال رحمه الله : [ ويمشي في الأربعة الأخرى ]: يمشي مشيا معتادا إذا بقيت الأربعة الأشواط يمشي مشيا معتادا فلا يخب .

قال رحمه الله : [ وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل ] : لا يستلم من البيت إلا الركنان : الركن اليماني ، والركن الذي فيه الحجر الأسود ؛ لأنهما هما ركنا البيت ، وأما بالنسبة لبقية الأركان فإن قريشا تقاصرت بها النفقة فلم تستتم في بنائها للبيت ، ولذلك يبقى من البيت عدة أذرع من الحِجْر كما ثبت في الصحيح عن النبي صصص ، فهذان هما الركنان من البيت وهما اللذان يستلمان في قول جماهير العلماء والأئمة والسلف هذا هو الذي يستلم من البيت وأما الركنان الآخران فإنهما لا يستلمان ؛ لأنهما ليسا هما ركني البيت ؛ لأن البيت لم يكن كما في القصة المشهورة في بناء الكعبة حينما أرادوا أن يبنوها من مالهم وطلبوا المال الحلال فقصرت فيهم النفقة .

فالشاهد من هذا أن الاستلام لا يكون إلا للركن اليماني وللركن الذي فيه الحجر الأسود ، ثم ينفرد الركن الذي فيه الحجر الأسود بالتقبيل ، وينفرد بالإشارة عند عجز التقبيل ، وينفرد بتقبيل ما يمسه من محجن وعصا بخلاف الركن اليماني ، فالركن اليماني يقتصر فيه فقط على الاستلام بوضع يده ويكفي فيه ولا يقبل وهو قول جمهور العلماء والأئمة -رحمهم الله- أن الركن اليماني لا يقبل وإنما الذي يقبل الحجر الأسود ، ولذلك قال : لولا أني رأيت رسول الله صصص يقبلك فأسند التقبيل إلى الحجر ولم يسنده إلى مكان الحجر وهو الركن ، والفرق بين الركن ومكان الحجر واضح ظاهر، ولما قال : لولا أني رأيت رسول الله صصص يقبلك ما قبلتك دل على أنه لا يجوز التقبيل إلا إذا كان هناك ما يدل عليه من السنة ولم يأتِ في السنة التقبيل ولم يأت التقبيل إلا للحجر فدل على اقتصاره على الحجر.

وأما الإشارة تسامح بعض العلماء إن عجز عن الاستلام فإنه يشير وهذا راجع إلى مسألة : هل إشارة النبي صصص للحجر قائمة مقام التقبيل أو أن الإشارة قائمة مقام المحاذاة أو أن الإشارة قائمة مقام الركن نفسه ؟

وفي الحقيقة كونها قائمة مقام المحاذاة أقوى ، وهذا مثل أجزاء الصلاة بأضعافها ، ولذلك يشير فيكبر، فجمع بين القول والفعل كما ينتقل من جزء من ركعة إلى ركعة بالقول والفعل .

وفائدة هذا الخلاف أنه إذا كان في الشوط الأخير فسامت الحجر فإنه يشير؛ لأن الإشارة للمحاذاة وهذا يدل عليه قول الصحابي فإذا لم يستلم أشار بيده فدل على أنه جعل الإشارة لمكان المحاذاة وليست عوضا عن التقبيل ولا عوضا عن الاستلام .

قال رحمه الله : [ وكبر] : وكبر : قال : الله أكبر، فيستلم الركن اليماني والاستلام الركن اليماني أن يمسحه ، ولذلك تقال : مسّح بالأركان وهي أركان البيت فإذا وضع يده عليه أو حرك يده كالماسح فإنه يجزيه ، ثم لا يفعل بعد استلام الركن اليماني لا تقبيلا ولا مسحا على الوجه ؛ فإنما يقتصر فقط على وضعها كما هي السنة عن النبي صصص .

قال رحمه الله : [ وهلل ] : ويمشي بين الركنين معناه أنه لا يرمل بين الركن اليماني وبين الركن الذي فيه الحجر الأسود ، وهذه مسألة خلافية .

والصحيح أنه يرمل من الحجر إلى الحجر ؛ وذلك لأن ابتداء الرمل كان من النبي صصص لكي يظهر الجلد لكفار قريش ، وكان كفار قريش بحذاء قُعَيْقَعان ؛ لأنه كان الشرط بأن يخلوا بين النبي صصص ويبن المسجد، فظهروا على الجبل فكانوا من جهة الشامية ينظرون إلى النبي صصص ولا يتمكنون من رؤيته إلا إذا توارى بالبيت ، فكان إذا وصل الركن اليماني صار مستترا بالبيت ، فمشى عليه الصلاة والسلام فيتقوى بهذا المشي على إظهار الجلد لهم أكثر ، فلما كانت عمرته من الجعرانة كما في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صصص اعتمر من الجعرانة فرمل من الحجر إلى الحجر؛ لأنه قد زال المعنى وأبقى السنة على ما هي عليه وزال معنى النظر فأبقى السنة كاملة بأن يرمل الثلاثة الأشواط تامة كاملة وهو أصح الوجهين عند أهل العلم -رحمهم الله-.

قال رحمه الله : [ وهلل ] : كبر وهلل ثم يمشي بين الركنين ويقول المأثور قوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أي بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود .

قال رحمه الله : [ ويقول بين الركنين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ] : وهذا الدعاء من أجمع الدعاء الوارد عن النبي صصص وكل دعائه من جوامع الكلم -صلوات الله وسلامه عليه- ، وكان أكثر دعاء النبي صصص هذا الدعاء كما صح عن أنس ررر أنه كان أكثر دعاء النبي صصص : (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )) .

وللعلماء في تفسير هذه الآية الكريمة لأن الله أثنى على من دعا بها في نسكه للعلماء أقوال : منهم من فسرها بالخصوص ، فقال : الحسنة في الدنيا الزوجة الصالحة ، والحسنة في الآخرة دخول الجنة.

والصحيح أن قوله : (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة )) المراد به العموم ، والحسنة تكون حسنة الخير في الدين والدنيا والآخرة ، فهي نكرة تفيد العموم.

ومن خصص من السلف في التفسير فقد ذكر الأئمة والمحققون منهم شيخ الإسلام -رحمه الله- أن ما أثر عن الصحابة -رضوان الله عليهم- وأئمة التفسير من ذكر الأفراد إنما هو تمثيل بالنوع لا يقتضي الحصر في هذا النوع بعينه ، فإذا دعا الإنسان لا يعتقد هذا أن قوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة أنها الزوجة وإنما يقصد العموم .

كان أنس ررر يقول إن أكثر دعاء النبي صصص: (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )) فمن هو السعيد الذي أعطاه في الدنيا حسنة ، وأعطاه في الآخرة حسنة، ووقاه عذاب النار ، هذا أسعد الناس بل إنه الفائز الرابح المفلح { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } فهذا مزحزح عن النار ؛ لأنه يقول : وقنا عذاب النار ومن وقاه الله عذاب النار فقد فاز فوزا عظيما .

فالمقصود من هذا أن هذا الدعاء يحرص عليه ، ولذلك نبه العلماء والأئمة أن هذه الدعوة من جوامع دعائه وكلمه -عليه الصلاة والسلام- التي ينبغي الحرص عليها في الحج ، بل قال بعض مشايخنا -رحمهم الله- في الحج وغيره ؛ لأن أنسا ررر كان إذا دعا دعوة دعا بها وإذا دعا بغيرها جعلها مع الدعاء حرصا على هذه الدعوة العظيمة يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

قال رحمه الله : [ ويدعو في سائره بما أحب ] : ويدعو في سائر الطواف بما أحب فليس بملزم بدعاء معين ؛ والأفضل أن يأتسي بالنبي صصص ويتخير جوامع الدعاء من جوامع كلمه -عليه الصلاة والسلام- ومن ذلك قوله بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه كما في الصحيح : (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر )) ومن أعطاه الله هذه الخمس فقد فاز فوزا عظيما .

أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر، فهذا أسعد الناس من أعطاه الله هذه الدعوة : سلامة في دينه وفي دنياه وفي آخرته ، فهذا من جوامع كلمه ومن جوامع دعائه -صلوات الله وسلامه عليه- يدعو بالوارد أفضل ؛ لأنه إذا دعا بالوارد أصابته الرحمة والهداية كما قال تعالى : { واتبعوه لعلكم تهتدون } ، والذين يتبعون النبي صصص الأمي لاشك أنهم تصيبهم الرحمة التي وعد الله بها أتباعه -صلوات الله وسلامه عليه- فيأتسي بالنبي صصص ويحفظ الأدعية الجامعة ، يحرص على دعاء الآخرة ، ويجعل الآخرة أكبر همه ومبلغ علمه وغاية رغبته وسؤله ، ويدعو في الدنيا بما يعينه على صلاح دينه ، ويجعل هذا هو الأساس، وإنك لتعجب أن البعض لا يعرف كيف يسأل ربه -نسأل الله السلامة والعافية- حتى يذهب ويأتي بمن يدعو له ، ثم يجلس يصيح وراءه بكلام لا يعرف معناه ، ولربما يردد يأخذ الكتب التي جعلت فيها الأدعية غير الواردة ، فإن البعض يخصص لكل شوط دعاء ، وهذا لم يثبت عن النبي صصص وهذا منكر أن تجعل لكل شوط دعاء ويقال للناس إن هذا مسنون ومشروع ، فهذه الكتب التي تخصص لكل شوط دعاء ينبغي التنبيه على خطئها وتنبيه الناس ، ويقال لمثل هؤلاء : هل تعجز أن تسأل الله صلاح دينك ودنياك ! يا هذا لو أنك طفت بالبيت تقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة لكان ذلك خير الدنيا والآخرة لك ، ثم من هذا الذي عجز حتى كيف يسأل ربه فتجده لا يعرف كيف يسأل الله عز وجل العفو والعافية ؟! يبدأ بنفسه أولا ، فيسأل الله صلاح دينه ، ويستعيذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وصلاح الدين في تحصيل الفرائض وترك المحارم ، فيسأل الله التقوى والاعتصام بالدين ، ثم يسأل الله السلامة من المنكرات من الشبهات والشهوات، وأن يسلم له دينه وأن يعصمه في دينه كما كان ابن عمر يقول : (( اللهم إني أسألك العصمة في ديني )) فيسأل الله العصمة في دينه ، ثم يسأل الله الزيادة في الدين والخير من التمسك بالكتاب والسنة والاهتداء بهما وأن يحبب كتابه إليه وكلامه إليه ، وأن يجعله مهتديا باتباع سبيله ودينه وشرعه ، واتباع رسله -صلوات الله وسلامه عليهم- يسأل الله هذا ، ثم إذا انتهى من دنياه فلينظر إلى ما أمامه من الآخرة ، فيسأل الله أن يعيذه من القبر وأن يعيذه من فتن القبر ومن عذاب القبر ثم يتقدم إلى الآخرة فيسأل الله عز وجل أن يسلمه من أهوالها ومن شدائدها وأن يسلمه على الصراط وأن يسلمه واقفا بين يديه حافيا عاريا ، ثم بعد ذلك يسأل الله الدرجات العلى في الجنة ، فهذا كله لا يعجز الإنسان .

أما أن يأخذ كتابا فيقرأه ولا يعرف ما معناه ، ولا يعرف معنى الأدعية ، أو يأتي برجل ينعق ويصيح ، ومن المنكرات رفع الصوت بهذه الأدعية فتجد الخمسين والثلاثين يأتون في المطاف وكأنه لا يجد في حرم الله غيرهم ، ثم يصيحون بصياح شديد ، يشوش على الراكع وعلى الساجد وعلى الطائف بالبيت، كل هذه من البدع ، وفيها إثم كبير أن الذي يرفع صوته بهذه الطريقة التي تشوش على الراكعين والساجدين ، والله ، لقد سمعت أقواما يسعون بين الصفا والمروة ما استطعت أن أصلي وأنا في رواق البيت ، فكيف بالذي يطوف بجواره ، فهذا بعضهم لماّ يأتي ويدعو ويدعون وراءه إذا بهم يدعون بقوة ويصيحون بقوة ؛ والنبي صصص يقول : (( اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا ))سبحانه وتعالى فهو أقرب إلى الإنسان من الحبل الوريد .

فالمقصود من هذا أنه ينبغي التأسي بالوارد وترك مثل هذه الأمور، بل إنه ربما يقرأ الكتاب وهو لا يعي معناه ، حتى إنه ربما يكون في العمرة فيقول : اللهم إني أسألك حجا مبرورا وسعيا مشكورا وهو في العمرة !! وبعضهم يقول : لا تدع لنا ذَنَبا . قال بعض العلماء بجواره : إلا قطعته ! فإنه لا يعرف، يتكلم بشيء لا يعرفه، ثم الجبن ينقلب إلى ما هو معروف ومعهود كل هذا سببه الجهل، وسببه الجهل بالله قبل كل شيء ، لقد جهل الناس ربهم ، فلم يعظموه حق تعظيمه ولم يقدروه حق قدره ، الرجل يذهب إلى العمرة وإلى الحج لا يعي أنه وافد على الله وأنه ضيف على الله وأنه ينبغي عليه أن يتهيأ ، يا لله العجب لو أنه ذهب إلى عظيم من عظماء الدنيا ولله المثل الأعلى، لوجدته يسأل كيف يدخل عليه ؟ وماذا يقول ؟ وما هي آدابهم ؟ وما هي عاداتهم ؟ وما هي تقاليدهم ؟ لوجدته يستكثر من ذلك ولا يستقل ويبحث عنه ويفصل فيه بالقليل والكثير وهو داخل على ملك الملوك وجبار السماوات والأرض ، ولذلك وما قدروا الله حق قدره ، فيأتي الإنسان إلى عمرته وكأنه شيء معهود مألوف ، ولقد كان الرجل من السلف إذا وقف ملبيا خر مَغْشيا عليه من تعظيمه لله عز وجل ، وكان علي زين العابدين إذا قال : لبيك احمر واصفر ، وأثر عنه أنه غشي عليه -رضي الله عنه وأرضاه- وقيل له في ذلك فقال : أخشى أن يقال لي لا لبيك .

فالمقصود من هذا أن الناس سببهم في وقوع هذه البدع والمحدثات والأمور الغريبة العجيبة حتى إنه يأتي للرجل بالمال ويقول له : طوفني ، فيحتاج أن يدعو له ، والدعاء لا يكون مستجابا إلا إذا كان خالصا ومن قلب ، وهذا الذي يدعو يدعو بالمال حتى إنهم يضحكون على الناس وهذا ليس خاصا بالطواف ، هذا كله مما لُبّس فيه على الناس في دينهم حتى إنه بلغ ببعضهم -والعياذ بالله- من الجرأة على الله أنه يأتي ويقول ألفاظا لا أصل لها حتى لربما أدخل الدين بالدنيا ، وبلغ ببعضهم أنه يأتي ويقول له : اللهم إني نويت أن أعطي مزوّري كذا وكذا ريالا كل هذا حتى يضمن سقاط الدنيا وفتات الدنيا فكيف يكون الدعاء من مثل من كان قلبه بهذه المثابة معظماً للدنيا على الدين ومؤثرا ما عند الناس على ما عند الله عز وجل، فالمقصود من هذا أن هذه الأدعية وهذه الطريقة غير مشروعة ، والمنبغي للإنسان أن يأتسي بالوارد ، وأن يدعو من قلبه ، ويقال له : ادع لنفسك، وادع لوالديك ، واستغفر للمسلمين ، ولو أنك طفت ولا تقول إلا رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين لخرج ببلايين ملايين الحسنات التي لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، فلو استغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء والأموات وكان له بكل مسلم من الحسنات ما لا يعلمه إلا الله ، كم سيجد من هذه الكلمة الخفيفة على اللسان الثقيلة في الميزان ، فنسأل الله أن يهدينا سواء السبيل .

قال رحمه الله : [ ثم يصلي ركعتين خلف المقام ] : ثم يصلي بعد انتهائه من الشوط السابع ركعتين خلف المقام ؛ لأن النبي صصص جعل لكل أسبوع ركعتين ، وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن لكل أسبوع من الطواف ركعتين ، وللعلماء وجهان :

هاتان الركعتان قيل تكون بعد طواف ولا تفصل بطواف آخر .

وذهب بعض السلف إلى التوسعة فيها فقال : لو طاف أسبوعا بعد أسبوع جاز له أن يؤخر ركعتي الطواف للأسبوع الأول ، فيصلي أربعا بعد الأسبوع الثاني .

وهذا رخّص فيه بعض السلف كما أثر عن إبراهيم النخعي وغيره ؛ ولكن السنة عن رسول الله صصص أنه بعد ما انتهى من طوافه وفرغ صلى ركعتين .

خلف المقام : فتلا الآية : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فصلى عليه الصلاة والسلام فجعل المقام بينه وبين البيت ، وللعلماء في توجيه ذلك أقوال : قيل العبرة أن يجعل المقام بينه وبين البيت قريبا من البيت ، وقيل قريبا أو بعيدا ، وقيل المسجد كله مقام إبراهيم ، فإذا صلى الركعتين في أي موضع جاز، لكن ينبغي أن يفرّق بين الجواز وبين الأفضل ، فالأفضل أن يفعل ما فعل رسول الله صصص فيجعل المقام بينه وبين البيت ؛ تأسيا بالرسول صصص، ثم إذا لم يتيسر له ذلك المكان فإنه يتحرى في التأخر أن يكون المقام بينه وبين البيت حتى ولو كان قريبا من غير جهة المقام ؛ فإنه يختار جهة المقام ؛ لظاهر الآية ؛ ولظاهر فعله -عليه الصلاة والسلام- ، ولا يشترط فعلها في داخل المسجد حتى لو أنه خرج بعد الطواف بغرض أو ظرف ثم صلاها في فندقه أو نُزُله فإنه يجزيه ولذلك أثر عن عمر بن الخطاب ررر أنه طاف طواف الوداع بعد صلاة الصبح كما روى مالك في موطئه بسند صحيح وأخر ركعتي الطواف إلى ذي طوى ؛ لأنه كان لا يرى ركعتي الطواف بعد صلاة الصبح ، فأخرها إلى ذي طوى فدل على عدم تعيّن أن يصلي في نفس المسجد ولكن السنة ما ذكرناه ، فإذا صلى الركعتين يقرأ في الأولى منهما بـ{ قل يا أيها الكافرون }وفي الآخرة بـ{ قل هو الله أحد } وهما سورتا الإخلاص اللتان اشتملتا على توحيد الله عز وجل وأصليه الإخلاص العظيمين : النفي والإثبات ، البراءة من الشرك ، والإقرار بالتوحيد لله سبحانه وتعالى وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى . ثبت في الحديث عن جابر أنه صلى فيها عليه الصلاة والسلام ركعتي الطواف وقرأ فيهما بـ{قل يا أيها الكافرون } {وقل هو الله أحد}.

قال رحمه الله : [ ويعود إلى الركن فيستلمه ] : ويعود إلى الركن فيستلم الركن ؛ لأن النبي صصص كما صح عنه في الرواية أنه بعد ما صلى ركعتي الطواف رجع فاستلم الحجر، وفي بعض الروايات أنه شرب من زمزم ثم رجع واستلم الحجر فهذا سنة عن النبي صصص .

قال رحمه الله : [ ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه ] : ثم يخرج إلى الصفا من باب الصفا وكان موجودا إلى عهد قريب وهو بحذاء الجبل فيخرج إلى الصفا ؛ لأن الصفا كانت خارج المسجد ، فإذا خرج إلى الصفا فالسنة أنه إذا جاء عند أصل الجبل يقرأ الآية { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } ثم يقول : أبدأ بما بدأ الله به ؛ لأن النبي صصص تلا الآية ثم قال : أبدأ بما بدأ الله به ثم رقى الصفا ، هذه السنة عن رسول الله صصص، والصفا والمروة جبلان شرقي الكعبة ، الأيمن منهما إن أصبح البيت وراء الظهر هو الصفا ، والأيسر منهم بحذاء قعيقعان المروة ، والأول عند أبي قبيس .

قال رحمه الله : [ ويكبر الله ]: فإذا رقى الصفا استقبل البيت كما في الحديث الصحيح عن جابر ررر وعن عبدالله بن عمر –رضي الله عنهما-، وجاءت الرواية بزيادة الاستقبال قال نظر إلى البيت فهناك فرق بين رواية : (( استقبل البيت )) ورواية (( نظر إلى البيت )) ومن هنا يتحرى النظر وهي السنة الصحيحة المرفوعة إلى النبي صصص أنه ينظر إلى البيت إذا أمكن يكون في موضع من الصفا يتمكن فيه من رؤية البيت فيجمع بين الاستقبال والرؤية ، فإن غلب لزحام استقبل إذا لم يتيسر له الرؤية، فالسنة أن يرقى الصفا ؛ لأن النبي صصص رقاها ، ثم يكبر ثلاث مرات : الله أكبر ، الله أكبر، الله أكبر، ويرفع يديه كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه رفع يديه على الصفا ثم إذا انتهى من التكبير ثلاثا ، قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، فهذا نوعان من التهليل، فيكبر ثلاثا ويهلل مرتين : التهليل الأول التام إلى قوله : وهو على كل شيء قدير، والتهليل الثاني: لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم يدعو ثم يرجع مرة ثانية ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم يهلل مرتين ، ثم يدعو، ثم يرجع مرة ثالثة ويكبر ثلاثا ويهلل مرتين ويدعو، فأصبح مجموع التكبيرات تسعا ، ومجموع التهليلات ستا ، والدعاء ثلاث مرات هذه هي رواية جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- في الصحيح -صحيح مسلم وغيره- وهي في منسك جابر ررر واختاره جمع من الأئمة -رحمهم الله- ، ومنهم من اختار أن يكبر سبع مرات ، وفيها رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- وهي صحيحة كما في معجم الطبراني ، واختارها طائفة من العلماء -رحمهم الله- ويفهم من كلام الشيخ -رحمه الله- شيخ الإسلام في الشرح الميل إليها ، وقال إن قضية جابر في الصيغة لم تتفق الرواة عليها ، وكذلك أيضا إن السبع متفقة مع الفعل فيتفق القول مع الفعل ، وجمع بينها وبين رواية جابر من وجه آخر فقال لا يبعد أن يكون كبر ثلاثا ثم أعاد التكبير سبعا ثلاثا ثلاثا حتى بلغ السبع وهذا بترجيح رواية ابن عمر على رواية جابر، ولكن مذهب المحققين وطائفة من العلماء -رحمهم الله- أنه يقدم رواية جابر رضي الله عنهما لأن رواية جابر بن عبدالله تمحضت بإثبات النسك، وأما رواية ابن عمر فقد جاءت فيها زيادة الأدعية التي اختارها ررر فلا يبعد أن يكون قد اختار التكبير سبعا .

وبعض العلماء يقول لا يمنع أن يكون خلاف تنوع، بمعنى أن جابراً سمع ذلك منه في حجة الوداع، وعبدالله بن عمر سمع منه ذلك في عُمَره، وهذا جمع حسن حتى أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله- وهذا الجمع طيب وإذا كان على هذا الوجه فيرد السؤال : هل الأفضل ما في حديث جابر أو حديث ابن عمر ؟ لاشك أنه لو قيل بتفضيل حديث جابر : أولا : لأنه من رواية الصحيح فما في الصحيح مقدم على غيره ، وثانيا : أن حديث جابر متأخر؛ لأنه حفظ ما فعله في حجة الوداع، وثالثا : أن هذا كان خطابا للأمة كلها قصد فيه النبي صصص التبيين العام فيقدم على غيره.

قال رحمه الله : [ ويكبر الله ويهلله ويدعوه ] : ويكبر الله ويهلله : يكبر الله : الله أكبر الله أكبر على الصفة التي ذكرناها ، ويهلله هناك تهليل ثانٍ في رواية ابن عمر يختلف عن تهليل جابر، فتهليل ابن عمر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فاتفق مع جابر في التهليل الأول، واختلف معه في التهليل الثاني ؛ لأنه قال : لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولوكره الكافرون ، وأما تهليل جابر لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، وفيه مناسبة ؛ لأنه بالأمس يقف على الصفا فيأمرهم بتوحيد الله ويقول لهم قولوا : لا إله إلا الله ، فانطلق الملأ منهم يكذبونه ويمترون في أمره ويقولون : ساحر كذاب {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق} فكذبوه -عليه الصلاة والسلام- وقال له عمه -وهو من أقرب الناس إليه- : تبا لك ألهذا جمعتنا؟! ويأبى الله إلا أن يَصْدُقَه وعده وأن ينصر عبده وأن ينجز له ذلك الوعد فيدخل عليه الصلاة والسلام ومعه مائة ألف من أصحابه كلهم يفدّيه بنفسه وروحه ، وكلهم يقول: ماذا يقول رسول الله صصص ، وماذا يفعل ، ويركب الناس بعضهم بعضا ليروا رسول الله صصص في هديه وسمته ودله وقيامه في عبادة ربه -صلوات الله وسلامه عليه- ، وهذا كله يدل على أن من قام لله مقاما أذل فيه فإن الله سيعزه عاجلا أو آجلا أو فيهما ، والله يحكم ولا معقب لحكمه ، جعلنا الله وإياكم من أوليائه وأنصار دينه وشرعه .

قال رحمه الله : [ ويدعوه ] : ويدعو الله عز وجل كما ذكرنا . الدعاء كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يدعو حتى إن سالما -رحمه الله- قال : كان يملنا ونحن شباب ، وهذا هو حال السلف وحال من عرف أنه بين يدي الله سبحانه وتعالى وليس كحال الله المستعان الضعفاء والبؤساء الذين بمجرد أن يدخل الواحد منهم في العمرة كأنه -والعياذ بالله- في السجن ، يريد أن يخرج منها ويريد أن يتخلص منها ، فتجده بمجرد أن يرقى الصفا يهرول نازلا ولا يستشعر أنه بين يدي الله ووافد على الله ، قال صصص : (( الغازي والحاج والمعتمر وفد الله سألوه فأعطاهم ودعوه فأجابهم )) ، فانظر كيف المكانة للحاج والمعتمر، وجعلهم مع الغازي في سبيل الله عز وجل وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يدعو ، وعلى الصفا من مظان الإجابة كما ذكر العلماء -رحمهم الله- وهي من المواضع المؤكد والمستحب الدعاء فيها : الطواف ، وعند الرقي على الصفا ، وبين الصفا والمروة كما أثر عن ابن عمر -رضي الله عنهما- ، وكذلك أيضا في الوقوف بعرفة ، وفي المشعر، وبعد رمي الجمرة الصغرى ، والوسطى، كلها مواضع يتحراها المسلم ويحرص فيها على أن يسأل ربه حاجته وخير دينه ودنياه وآخرته ، فيكثر من الدعاء والإلحاح على الله عز وجل وسؤاله .

قال بعض العلماء : إن الصفا والمروة كما نص ابن عباس -رضي الله عنهما- جعلها الله سنة بفعل هاجر، فهاجر سعت بين الصفا والمروة سبعة أشواط ، وهاجر سعت سعي المكروب المنكوب المفجوع المفزوع ، فهي ترى ولدها بين الحياة والموت ، وسألت ربها أن يفرّج كربها فجاءت تسعى تأخذ بالسبب ، فسعت في هذا الموضع السبعة الأشواط ولكنها كانت مؤمنة بالله موقنة بالله كيف وهي وديعة عند الله عز وجل ، استودعها الخليل ربه فكيف يضيع الله وديعته حاشا وكلا لأن الله لا تضيع ودائعه ؛ ولذلك قال صصص : (( أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه )) فالله عز وجل لا تضيع ودائعه سبحانه وتعالى، فلما سعت هذه السبعة الأشواط أبى الله أن يجعل تفريج كربها إلا من تحت قدم ابنها ، ولا يأتي أحد يصب لها الماء يتمنن عليها ، فانظر رحمك الله ، فياليت كل مكروب ومنكوب يستشعر هذا ، وكيف أن الله فرج كربة هذه المرأة ، ثم انظر كيف أنها امرأة والمرأة أضعف من الرجل وهي من الضعفة ؛ كما قال صصص : (( إني أحرج حق الضعيفين كما في صحيح البخاري المرأة واليتيم )) فهي من الضعفاء ، جاء المثال في ضعيفة ومكروبة ومنكوبة لكي يعلم أن من دعا الله بصدق في هذه المواضع أن الله لا يخيبه ، فجعل الله عز وجل تفريج كربها من تحت قدم ولدها ، وجعلها زمزم الماء الذي لا ينضب والمعين الصافي الذي لا تكدره الدلاء من عظمة الله عز وجل وهذا كله يدل على أن من سأل الله بصدق وصدق مع الله في هذه المواطن أنه لا يخيبه في رجائه ، جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل .

قال رحمه الله : [ ثم ينزل فيمشي إلى العلم ] : ثم ينزل من الصفا ويمشي قاصدا إلى المروة ، ويمشي حتى يصل إلى العلم وهو بداية الوادي بين الجبلين ، فإذا وصل إلى الوادي وانصبت قدماه في الوادي فإنه يسعى شديدا ؛ لأن النبي صصص سعى شديدا حتى دار إزاره على ركبته -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- وهو يقول : (( أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)) فيسعى شديدا ، وهذه هي السنة ، وأثر عن عبدالله بن مسعود ررر أنه لما خب وسعى بين العلمين كان يقول : رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأكرم ، واستحبه بعض العلماء ؛ لأنه مأثور عن هذا الصحابي من أصحاب رسول الله صصص ورضي الله عنهم أجمعين .

قال رحمه الله : [ ثم يسعى إلى العلم الآخر ] : ثم يسعى إلى العلم الآخر يسعى بشدة ، والسعي هنا أشد من السعي في الرمل في الطواف .

ثانيا أن هذا السعي للرجال دون النساء ، وكذلك الرمل في الطواف بالبيت للرجال دون النساء، قال ابن عمر رضي الله عنهما : ليس على النساء رمل ، فدل على أن المرأة لا تهرول ؛ لأنها إذا هرولت انكشفت ، فهذا يدل على تعاطي الأسباب بالستر، فالمرأة لا تهرول في سعيها بين الصفا والمروة ، هذا الموضع مأمور بالسعي ، وهذا معنى قوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يعني بينهما فالباء للظرفية ، وهذا أحد معاني الباء المشهورة:

تعد لصوقاً واستعن بتسبب وبدل صحابا قابلوك بالاستعلا

وزاد بعضهم ظرفا : فهي للظرفية أن يطوف بهما يعني بينهما أي بين الصفا والمروة ، وهذا الموضع واجب تحصيله ، ولذلك لو انحرف عنه ولم يحصله لم يصح السعي ولم يعتد بذلك الشوط .

قال رحمه الله : [ ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا ] : فإذا رقى المروة فعل عليها كما فعل على الصفا ، يستقبل البيت والآن يتعذر رؤية البيت ؛ لأنه لا يمكنه رؤية البيت فيقتصر على الاستقبال ، ثم يرفع يديه ويكبر ثلاثا ويهلل مرتين ويدعو على الصفة التي ذكرناها يفعل على الصفا مثل ما فعل على المروة ؛ لأن جابرا ررر قال ثم فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا .

قال رحمه الله : [ ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ] : ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه على هذا بيّن المصنف -رحمه الله- أمورا :

أولا : أن الابتداء يكون بالصفا ، وهذا هو فعل النبي صصص ، وقول جماهير العلماء والأئمة وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز أن يبدأ بالمروة كما هو قول ابن خيران والصيرفي وابن بنت الشافعي .

والصحيح ما ذهب إليه الجماهير أنه لو ابتدأ بالمروة أو مشى إلى الصفا سقط ذلك الشوط ولم يعتد به ، وأن عليه أن يبدأ بالصفا ، وأن ينتهي بالمروة ؛ تأسيا بالنبي صصص ؛ والدليل على ذلك أن النبي صصص فعل ذلك وقال : (( خذوا عني مناسككم )) ، وأكد هذا أن النبي صصص لما تلا الآية قال : : (( أبدأ بما بدأ الله به )) فجعلها عبادة متبعا فيها التقديم الوارد في الكتاب ، وهناك رواية في النسائي : (( ابدأوا )) وتكلم بعض العلماء على سندها فإن صحت فلا إشكال بوجوب البداءة بالصفا دون المروة .

قال رحمه الله : [ ويسعى في موضع سعيه ] : العبرة بما بين الصفا والمروة ، وعلى هذا فالرقي إلى أعلى المروة والرقي إلى أعلى الصفا ليس بلازم ، فلو اشتد الزحام أو كان مع الإنسان حطمة أو كبار السن أو مريض أو من يجهده الصعود إلى أعلى الجبل فإنه على آخر الصفا ، وآخر الصفا هو منتهى مجرى العربيات الموجودة الآن ، وتحرى العلماء والمشايخ -رحمهم الله- وضع هذا أن يكون عند آخر الحد ، ولذلك كان في الفتوى أنهم يراعون في آخر الحد حتى إذا جاء بل لا يمكن الرقي بالعربية إلى آخر إلى الموضع المعروف من الجبل فهذا الحد هو القدر الذي يبدأ عنده الصفا فلو رقى على طرف الصفا وعلى طرف المروة فقد حصل المكان المأمور بتحصيله .

ثانيا : الأصل أن يكون على قدميه السعي ، فإن احتاج لمرض أو كبر أو ضعف أن يركب العربية ونحوها فإنه يصح سعيه بذلك ، يراعي السعي بين الصفا والمروة على ظاهر النص ، ورخص بعض العلماء في السعي في الدور الثاني ، ومنع منه بعض العلماء وهي مسألة متأخرة نازلة اختلف فيها العلماء -رحمهم الله- فكان بعض العلماء يرى ولا يزال بعضهم من الأحياء -حفظهم الله- يرون أنه يسعى في الدور الثاني وبنوا ذلك على أدلة منها أن الأصل الشرعي يقتضي أن الأعلى يأخذ حكم الأسفل ؛ لأن النبي صصص قال : (( من ظلم قِيْدَ شبر من الأرض طوّقه يوم القيامة من سبع أراضين )) فجعل الأسفل كالأعلى والأعلى كالأسفل ، وسمعت في الفتوى في إبان حياة سماحة الشيخ عبدالعزيز -رحمه الله- أن العلة أن من ملك أرضا ملك سماءها ، وهذا أصل متفق عليه بين العلماء ، فهو مبني على هذا المعنى في الحديث الذي ذكرناه.

ومنع منه بعض العلماء كالشيخ الأمين -رحمه الله- والوالد -رحمة الله على الجميع- ويرون أن البينية تقتضي ظرف المكان ، ففرقوا بين الطواف في الدور الثاني بالبيت وبين السعي بين الصفا والمروة ؛ لأن البينية مقصودة فقال : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } وعلى كل حال من تأول فتوى من يجيز لا ينكر عليه ، ومن أخذ بالاحتياط في دينه فلا ينكر عليه ، والمنبغي أن يحرص الإنسان قدر استطاعته أن يلتزم الوارد عن النبي صصص ما أمكن ، وهذا من رحمة الله عز وجل لو أن الناس كلهم الآن يسعون في الدور الأول كيف يكون ؟! ولكن الله وسع على العباد ، والاجتهاد من نظر إلى أصول العلماء يرى له مبررات صحيحة ، ولذلك في الطواف في الدور الثاني لم يفرّق فيه بين الدور الثاني والثالث وجعل أعلى الأرض كأسفلها فلا فرق بين الطواف وبين السعي عند من يقول بالجواز .

قال رحمه الله : [ ويسعى في موضع سعيه حتى يكمل سبعة أشواط ] : يشترط في صحة السعي أن يكون سبعة أشواط لأن النبي صصص اعتد بالسبع ، ومذهب الجمهور أنها سبع كاملة. وذهب بعض الفقهاء إلى أن العبرة بأكثر السعي أربعة فأكثر وهذا أصل عند الحنفية أن أكثر الشيء يأخذ حكم الكل ، وعلى هذا فإنه يعتد بالأربع فلو فاتته الثلاث أو ترك الثلاث أمكنه الجبر.

ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجماهير من أن العبرة بكل الطواف وبكل السعي ، وعلى هذا فإنه لابد وأن يستتم سبعة أشواط ذهابا وإيابا على التفصيل الذي ذكرناه يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة .

قال رحمه الله : [ يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية ] : لفعل النبي صصص لذلك .

قال رحمه الله : [ يفتتح بالصفا ويختم بالمروة ]: هذا هو المحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام كما صرح بذلك جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- ، وهناك من العلماء من يقول لابد من الذهاب والإياب يعني الشوط الواحد ذهابا وإيابا - ولذلك قال بعض العلماء : رحم الله فلانا ما حج وما اعتمر أنه لم يحج ولم يعتمر . قال لو حج واعتمر ما قال بقوله . مثل ما يقولون : لو أكل علقة كان ما أفتى بالأربعة عشر شوطا ما هي سهلة-، ومن هنا الصحيح ما ورد عن النبي صصص بالسبعة الأشواط الذهاب شوط والإياب شوط ، وهذا هو الذي ثبت عن النبي صصص ولا يزاد على ذلك .

قال رحمه الله : [ ثم يقصر من شعره إن كان معتمرا وقد حل ] : إذا انتهى من الطواف والسعي فقد تمت عمرته ، وحينئذ يتحلل من العمرة ، فإذا طاف وسعى فحينئذ قد تمت عمرته فيتحلل، فإن كان متمتعا قصّر، فإن كان في عمرة قصر ولم يحلق ، والأفضل لاشك أن الحلق أفضل ؛ لأن النبي صصص قال : (( اللهم ارحم المحلقين - قالها ثلاثا- )) .وهذا يقتضي أن الحلق أفضل ، لكن استثنى العلماء -رحمهم الله- المتمتع لأنه إذا حلق لم يجد شيئا يحلقه في حجه فقالوا إنه يقصر.

والوجه الثاني وهو الأقوى قالوا إن الحج أكبر وأصغر، وإذا تعارضت فضيلتان : فضيلة في موضعين : أحدهما أفضل من الآخر ولا يمكن فعلها إلا في أحدهما قدم الأفضل على المفضول، والحج أفضل من العمرة ؛ ولذلك قال : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } فجعل الحج أكبر و أصغر، ومن هنا قالوا : أن يجعل الأفضلية الحلق للأكبر وهو الحج ولا يحلق إذا كان الوقت قصيرا .

قال رحمه الله : [ ثم يقصر من شعره إن كان معتمرا وقد حل ] : ثم يقصر من شعره إن كان معتمرا ، والتقصير ينبغي أن يعم جميع الرأس كما أن الحلق يعم جميع الرأس ، وهو أصح أقوال العلماء -رحمهم الله- ، وقد نهى النبي صصص عن حلق بعض الشعر وترك بعضه ، وكذلك القص بأن يقص البعض ويترك البعض ، بل المنبغي أن يعم بالتقصير ويعم بالحلق ، وهذه هي السنة وينبغي المحافظة عليها ، فيعم شعره بالتقصير، فإذا قصر فقد حل .

قال رحمه الله : [ إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل ] : إلا المتمتع المراد بهذا تمتع القران الذي يسوق معه الهدي قال صصص: (( إني قلدت هديي ولبدت شعري فلا أحل حتى أنحر )) فدل على أنه بقى على إحرامه بعد انتهائه من طوافه وسعيه -صلوات الله وسلامه عليه- ؛ وعليه فإنه يبقى ولا يتحلل ، فكل من القارن والمفرد فإنه لا يتحلل في الحج ، بل يبقى على إحرامه حتى يكون يوم النحر فيتحلل .

قال رحمه الله : [ والمرأة كالرجل ] : والمرأة كالرجل فيما مضى من الطواف والسعي وصلاة ركعتي الطواف إلا الرمل كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي ] : قال ابن عمر رضي الله عنهما : ليس على النساء رمل ، فلا ترمل لا في الطواف ولا في السعي .

أبو زيد الشنقيطي
28-10-07, 08:49 AM
قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى : [ باب صفة الحج ] : صفة الشيء حليته ، وما يتميز به، وصفة الحج أي ما جاء عن النبي صصص في الحج من الأقوال والأفعال ، فشبه هذا الأقوال والأفعال في المناسك ، أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بصفة الحج، وهذه الصفة تنقسم إلى قسمين : صفة كمال ، وصفة إجزاء .

فأما صفة الكمال فهي الجامعة للأركان والواجبات والشرائط والسنن والمستحبات.

وأما صفة الإجزاء فإنها تختص بالأركان وإجزاء المثوبة والعقوبة وهي الواجبات ، ولا تشمل السنن والمستحبات .

والمصنف -رحمه الله- درج في العبادة على تقديم صفة الكمال على صفة الإجزاء ، ولذلك ذكر صفة الصلاة كاملة ، ثم ذكر باب أركان الصلاة وواجباته ، وهنا صفة الحج كاملة ، ثم قال باب أركان الحج وواجباته ، فسيذكر رحمه الله الصفة كاملة كما وردت عن النبي صصص في هديه .

قال رحمه الله : [ وإذا كان يوم التروية فمن كان حلالا أحرم من مكة وخرج إلى عرفات ] : [وإذا كان يوم التروية] كان: تامة. [ وإذا كان يوم التروية] وقع وحصل خرج إلى منى : السنة لمن تمتع وتحلل في مكة أن يخرج من مكة محرما إلى منى ؛ وذلك هو فعل أصحاب النبي صصص، وشدد بعض العلماء كما أشار شيخ الإسلام -رحمه الله- وقال : الأصول تقويه في تأخيرهم للإحرام والنية إلى منى ؛ والسبب في ذلك أن فعل الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم أحرموا من منزلهم بالمحصب والأبطح وهو منزل النبي صصص بحذاء خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، وهذا يدل على أنهم يمضون إلى منى محرمين حتى يكون من العبادة ؛ وهذا أفضل إذ إنه أعجل في الوقت، وأكثر في العمل ، فهو أعظم أجرا وثوابا.

فبعض الناس اليوم بعضهم يأخذ إحرامه إذا كان متمتعا ولا يحرم إلا في منى ، والسنة أن يمضي إلى منى محرما إذا كان متمتعا ، وشدد كما ذكرنا بعض العلماء واختلفوا : هل عليه دم إذا أخر إلى منى أو لا ؟ فذهب بعض العلماء إلى التفريق بين تأخيره إلى منى وتأخيره إلى عرفات ، ووجه ذلك أنه إذا أخر إلى عرفات فقد جمع بين الحل والحرم وحينئذ عليه الدم ، ولكنه في منى داخل حدود الحرم ؛ لأن منى من الحرم ، ولكن ينبغي للمسلم أن لا يقع في هذه الإشكالات، والسنة واضحة في هذا ، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- خرجوا إلى منى محرمين .

قال رحمه الله : [ فمن كان حلالا أحرم من مكة وخرج إلى عرفات ] : فمن كان حلالا إذا كان يوم التروية ؛ سمي بذلك لأنهم كانوا يحملون الماء إلى عرفات من أجل الري -ري الحاج- ؛ لأن عرفات لم يكن فيها ماء فكانوا يحملون الماء لكثرة الناس في الحج ، فيحتاجون إلى تهيئة الماء قبل يوم عرفة ، فصار اليوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية وسمي بهذا الاسم لهذا الفعل الموجود فيه ، والتروية من الري ، والمراد به ري الماء ، والسنة عن رسول الله صصص أنه خرج من منزله بخيف كنانة ، وكان قد ضرب خيمته وقبته -صلوات الله وسلامه عليه- في الخيف حيث تقاسموا على الكفر وخيف بني كنانة ، فخرج عليه الصلاة والسلام وخرج معه أصحابه، ثم إنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من صبيحة التاسع بمنى ، هذه هي السنة أن يمضي قبل صلاة الظهر وأن يكون محرما وأن يصلي الظهر بمنى ، ثم يبقى بمنى حتى يصلي العصر والمغرب والعشاء والفجر وهي خمسة فروض ؛ تأسيا بالنبي صصص هذا على السنة ليس على اللزوم كما سيأتي .

قال رحمه الله : [فمن كان حلالا أحرم من مكة وخرج إلى عرفات ] : هو كان من المنبغي أن يقول إذا كان يوم التروية خرج إلى منى أولاً؛ لأنها هي صفة الكمال أن يخرج إلى منى وأن يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ولكن قد يضيق الوقت فاعتد بقدر الإجزاء وهو الذهاب إلى الركن الأعظم وهو عرفة ، ولكن السنة ما ذكرناه أنه يبيت بمنى ليلة التاسع ، ثم السنة عن رسول الله صصص أنه لما أصبح خرج هو وأصحابه ومضى إلى عرفات ، وكان خروجه من طريق ضب ، فخرج من طريق ضب وهو الطريق من الأسفل من جهة جمرة العقبة ، ويجعل بذلك منى ومزدلفة عن يساره وينخرط في هذا الطريق الذي بجوار السقاية – سقاية الزبيدة - ويكون الأخشبان وطريق المأزمين عن يساره أيضا وهو الطريق الأسفل ، فخرج صصص إلى عرفات من طريق الضب ، وكان معروفا بهذا الاسم ، وسلكه في ذهابه إلى عرفات ، وفي رجوعه دفع من طريق المأزمين ، وطريق المأزمين هو الذي فيه حدود الحرم ما بين المأزمين الأخشبين اللذين هما حد مزدلفة عند مصب الوادي في أعلى مزدلفة من جهة الحرم ، فسلك النبي صصص طريقا للذهاب إلى عرفة وطريقا عند الخروج من عرفة –صلوات الله وسلامه عليه - .

خرج عليه الصلاة والسلام بعد صلاة الصبح ، وضربت له قبته بنمرة – نَمِرة ونِمْرة ونَمْرة – موضع ما بين حدود الحرم والوادي – وادي عرنة- ، وهذا الموضع يقرب من نصف كيلو خمسائة متر، نزل به النبي صصص قبل الزوال وهذه هي السنة ، فدل على أن السنة أن لا يدخل عرفة إلا بعد زوال الشمس ؛ تأسيا بالنبي صصص ، فضربت له القبة صلوات الله وسلامه عليه وكانت قريش تظن أنه لا يخرج من حدود الحرم وكان هذا من مختلقات قريش ، ويقولون : نحن الحمس ونحن أهل الحرم ، فكانوا لا يخرجون ؛ ولذا قال تعالى : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } وهذه يسميه العلماء من مسائل الجاهلية التي أحدثوها على دين الحنيفية واختلقوها ، هذه مختلقات العرب ، وقد نظم فيها بعض العلماء نظما ، ومنها : مسألة التعشير وهي نهيق الحمار وادّعو أنها من الحنيفية ، وكذبوا وفجروا ، وقد بيّن النبي صصص أنه يجب الجمع بين الحل والحرم في نسك الحج ، فنزل عليه الصلاة والسلام قبل الزوال في هذا الموضع ، فلما زالت الشمس أمر بناقته – عليه الصلاة والسلام- القصواء فرحّلت وركبها عليه الصلاة والسلام واستبطن الوادي ثم خطب الناس من بطن وادي عرنة .

قال رحمه الله : [ فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين ] فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ، فالسنة للإمام أن يخطب الناس ، وأن يذكرهم بالله عز وجل وأن يبين شرائع الإسلام ومقاصده العظيمة ، وأن يبين حدود الله ومحارمه ، فيرغب ويرهب ، ويذكر بالله عز وجل فتكون خطبته جامعة مؤثرة في الناس ، وهذا هو هدي النبي صصص ولذلك خطب عليه الصلاة والسلام خطبة حجة الوداع فكانت أجمع الخطب لشرائع الإسلام ومقاصده العظيمة ، وكل خطبه – عليه الصلاة والسلام – كذلك ، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه – وقد أمر بناقته فرحّلت ، ثم استبطن الوادي ، ثم خطب وفتح الله له مسامع الناس وهم في منازلهم -صلوات الله وسلامه عليه – وكان مما قال : (( أيها الناس ، اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا )) ، فاستخدم الأساليب المؤثرة في النفوس الداعية إلى الحفظ والوعي بالسنة والضبط للأحكام والشرائع وكان هديه -عليه الصلاة والسلام- في الحج من أكمل الهدي وأجمله وأعلاه وأسناه ، فمن تأمل أحواله عليه الصلاة والسلام في حجه منها حالة التعليم ومنهجه في التعليم في الحج ، وكيف كان عليه الصلاة والسلام يقرع القلوب ويقرع الأسماع ويدخل تلك القلوب فيؤثر فيها صلوات الله وسلامه عليه بما منحه الله وأعطاه من بليغ المقال وصدق المقام ، فكانت خطبته من أجمع ما تكون وأبلغ ما تكون ، وقد جمع الله له بين أمرين عظيمين ما حصلهما خطيب إلا نفع الله بخطبته ، ولا واعظ إلا نفع الله بوعظه ، ولا متكلم إلا نفع الله بكلامه : أول الأمرين : أنه ما كان لا يقول إلا صدقا وحقا ، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين- فكان كلامه على الحق ، فلا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، فقال فصدق وبر -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- ،

أما الأمر الثاني : فكان يتخيّر الكلمات الطيبات الطاهرات المباركات الجامعات ؛ استجابة لأمر الله عز وجل حيث قال له : { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } فكان قوله بليغا ، سريع التأثير في النفوس ، فبمجرد أن ابتدأ خطبته وقال هذه الكلمة شنّف الأسماع وارتفعت الأبصار إليه -عليه الصلاة والسلام- وخشعت القلوب وأصغت إلى نبي الأمة وهاديها ومعلمها .

وقف عليه الصلاة والسلام على ناقته شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فقال في خطبته الكلمات العظيمة المؤثرة ، فذكّر الناس بالله وبتوحيده وبأصل دينه وشرعه ، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له ، وأقام لهم معالم الحنيفية ، وهدم معالم الشرك والوثنية، وأخذ الناس من عبودية الناس إلى العبودية لرب الجنة والناس ، سبحانه وتعالى ، ودعاهم إلى التوحيد ونبذ عبادة غير الله عز وجل ثم بعد ذلك بين لهم شرائع الإسلام ، فأحلّ الحلال وحرم الحرام ، وبين كمال الدين وتمامه ، وبيّن أعظم الحرمات وأجلها وأخطرها على العبد: (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) . فذكرهم أيضا صلوات الله وسلامه بحرمة الدماء وحرمة الأموال وحرمة الأعراض ، فكل مسلم في كل ساعة ، وفي كل دقيقة ، وفي كل لحظة مطالب أن يتذكر في معاملته مع إخوانه أن يتذكر هذا الموقف العظيم من رسول الله صصص حينما يقف موقفا واحدا لم يقف قبله ولا بعده مثله أبدا ، هو الموقف الوحيد ، فما ظنك لو وقف هذا الموقف واختار شيئا ينبه عليه أليس هذا الشيء من أعظم الأشياء وأهم الأشياء ؟

الجواب : بلى . ولذلك اختار ماذا ؟ اختار حرمة المسلم أي يوم هذا اليوم أي شهر هذا الشهر ثم قال : (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى . قال : اللهم فاشهد )) . فكان يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم . لكي لا يبقى لمسلم عذر أمام الله عز وجل إذا اغتاب مسلما أو سبه أو شتمه أو اتهمه أو استباح منه عرضاً فقذفه -والعياذ بالله- ، ولا يبقى له عذر أمام الله إذا استباح دما محرما بدون بيينة ولا برهان ، ولا يبقى له عذر أمام الله إذا أخذه وعمل عنده وكدح عنده الشهور ثم قال له : ليس لك عندي من شيء ، أو أعطاه مالا دينا ثم قال له: لم آخذ منك شيئا ، فإن هذه الدماء والأموال والأعراض كلها حقوق بيّن النبي صصص عظمها وخطرها ، وقرن الدماء وقرن الأعراض والأموال بالدماء . فهذه حرم عظيمة بيّنها النبي صصص بين حقوق الزوج مع زوجته ، واختار المقاطع المؤثرة والكلمات الجميلة ، وكل كلامه عليه الصلاة والسلام جميل حري بطالب العلم وحري بالمسلم أن يقرأ هذه الخطبة ، وأن يتأملها ، وأن ينظر ما فيها ، وأن يجمع بين العلم والعمل والتطبيق والدعوة ، فينبه الناس على ما نبه عليه الصلاة والسلام ، ولشرف هذا لمكان ، وشرف الزمان ، وشرف المقام الذي قامه -عليه الصلاة والسلام- فقال هذه الخطبة المؤثرة نزلت عليه آية لو نزلت على اليهود لاتخذوا يومها عيدا كما في الصحيح عن عمر حينما سئل عنها فقال : ألا إني أعلم متى نزلت . نزلت على رسول الله صصص يوم عرفة { اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } فالسنة أن يصلى الظهر والعصر مع الإمام ، يتحرى هدي النبي صصص في صلاة الظهر والعصر مع الإمام هذا أفضل وأكمل ، فإن تأخر ولم يدرك الجماعة فإنه يصلي الظهر والعصر مع ركبه وجماعته ؛ لأن الجمع هنا من أجل أن يتفرغ للدعاء وهو جمع نسك ، ولذلك يشرع للمكي كما يشرع لغير المكي .

قال رحمه الله : [ يجمع بينهما بأذان وإقامتين ] : يجمع بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين كما صح عن النبي صصص .

قال رحمه الله : [ ثم يروح إلى الموقف ] : ثم يروح إلى الموقف : الرواح يكون في آخر النهار ، فالسنة عن رسول الله صصص أنه خطب الناس ، ونزل وصلى الظهر والعصر بالناس ثم مضى إلى الموقف ، وتفرغ عليه الصلاة والسلام من بعد الصلاة إلى مغيب الشمس للدعاء وسؤال الله عز وجل من رحمته ، فشرع للأمة أن يحرصوا على هذا الوقت المبارك ، وهو وقت ليس في العام كله مثله ؛ ولذلك قال صصص : (( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة )) وما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه الناس من النار من يوم عرفة ، فهو اليوم العظيم الذي ينبغي للمسلم أن يستشعر فضل الله عز وجلعليه إذ اختاره وافدا عليه ، وحمله في البر والبحر، ورزقه من الطيبات حتى وقف هذا الموقف، وكم من أناس وأمم كانت تتمنى بلوغ عرفة ، فمنهم من مات ، ومنهم من التقمته البحار والقفار، فإذا دخل عرفات أحس بنعمة الله عز وجل ثم أحس بفضل الله عز وجل أن بلغه هذا المكان ؛ ولذلك كان السلف الصالح -رحمهم الله- يستشعرون الرحمة من الله بتوفيقه لهم بالوصول إلى هذا المكان . يقول عبدالله بن المبارك -رحمه الله-: (( دخلت على سفيان الثوري يوم عرفة فوجدته مبتهلا يبكي وقد بلّل ثوبه بالدموع . فقلت له : من هو المحروم اليوم ؟ قال : من ظن أن الله لا يغفر لهؤلاء )) . أشقى الناس من ظن أن الله لا يغفر لهؤلاء . فمن الذي جاء بهم من هذه المسافات البعيدة ، ومن هذه الأماكن البعيدة ، ويسّر لهم وحملهم ورزقهم من الطيبات هو سبحانه وتعالى فهو أهّّلهم لهذه النعمة العظيمة والمنة الكريمة فهو يوم العتق من النار ويوم المغفرة .

فالتشاغل بالأكل والتشاغل بالنوم والتشاغل بالأحاديث والقصص والنكت وغير ذلك كل يخالف مقصود الشرع من هذا اليوم ، فهذا اليوم يوم عبادة ، وأدركنا من العلماء والأجلاء من كان على هذه الوتيرة كما ذكر عبدالله بن المبارك عن هذا الإمام من أئمة السلف أنه دخل عليه مبتهلا قد بلل ثوبه بالدموع ، ولقد ر أينا من مشايخنا وعلمائنا ما نتعجب إذا رأينا أحوال الناس عليه اليوم وأدركنا من العلماء والفضلاء من إذا صلى الظهر والعصر تغيّرت حاله ، وأقبل على ربه متذللا متبذّلا على وجهه الخوف ، ويرى على وجهه السكينة والخشوع والتذلل لله ، وشدة الابتهال والدعاء فلا يعرف الناس ولا الناس تعرفه ، مقبل على ربه بصدق ، فهي ساعات الإنابة وساعات الاستجابة ، إذا صدق العبد مع ربه ، وأصابته رحمة الله عز وجل فهو سعيد، فما يفعله بعض الناس من التساهل و التشاغل ، فشيء عجيب أن الرجل تجده يأتي إلى عرفات حتى إذا جاء وقت الدعاء وجدته يبحث عن سيارته ، ويبحث عن ماذا يفعل في رحله ومأكله ومشربه ورفقته ، وهذا كله من الغفلة ، فعلى الإنسان أن يحرص على كسب هذا الوقت ، وعلى بلوغ أفضل المنازل فيه . جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل . فيجتهد بالدعاء والتضرع لله سبحانه وتعالى .

قال رحمه الله : [ وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة ] : لأن النبي صصص قال : (( وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة )) . فعرنة الوادي ليس من عرفات ، ومقدم المسجد الموجود الآن ليس من عرفة ؛ لأنها في بطن عرنة ، ولاشك أنه من التوفيق جعل هذه المقدمة من المسجد لأجل أن يكون المنبر في بطن الوادي ؛ تأسيا بالنبي صصص ، ومن أحسن ما يكون قفل الأبواب التي تسامت الوادي حتى إذا وقف أحد في داخل هذا الموضع فإنه إذا خرج من بعد المغرب يخرج وقد ألمّ بطرف عرفات ، فمقدمة المسجد ينبغي التأخر عنها بعد الانتهاء من الصلاة ينصرف إلى مؤخرة المسجد حتى يدخل في عرفة ويدعو .

قال رحمه الله : [ ويستحب أن يقف في موقف النبي صصص أو قريبا منه على الجبل قريبا من الصخرات ] : إن تيسر له ذلك . والجبل جبل إلال ، الرقي على الجبل والصعود على الجبل ليس له أصل ، وهذا الجبل لم يرد فيه سنة عن النبي صصص لا قولا ولا فعلا لا بفضله ولا بشرف الرقي عليه ولا فضل الجلوس عليه ، وما يفعله العوام من قصد هذا الجبل والطلوع عليه وأخذ الصور والتذكار، كل هذا بدعة وحدث وبخاصة إن فيه نوعاً من المباهاة، وفيه نوع من التعظيم واعتقاد تعظيم الموضع ولا يجوز تعظيم مكان واعتقاد فضل مكان إلا إذا دل الشرع على ذلك الفضل، وانعقدت النصوص على تلك الدلالة ، فينبغي تنبيه الناس في ذلك . هذا الجبل ليس له مزية وليس له فضل ، ولكن النبي صصص استقبل القبلة عند الصخرات أسفل الجبل وجعل حبل المشاة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه. ودعا حتى غاب عليه الشمس .

قال رحمه الله : [ ويجعل حبل المشاة بين يديه ] : يجعل حبل المشاة بين يديه والحبل إذا مشى الناس في البرية أو في الوادي أو في المقطع من الطريق وأخذوا طريقا واحدا يصبح بينا مثل الحبل ، فترى بياضه من بين الطريق ، فيقال حبل المشاة يعني الطريق الذي يسلكونه قال رحمه الله :[ ويستقبل القبلة ويكون راكبا ] : هذه السنة عن النبي صصص أنه استقبل القبلة ، ويكون راكبا على دابته إن تيسر له ، وإن لم يتيسر فهل يقف أو يجلس ؟ هذا راجع إلى مسألة من جلس على الدابة هل هو جالس أو قائم ؟ فقال بعض العلماء : إنه يقف أبلغ في التضرع، وبعضهم يقول بالجلوس ، والجلوس فيه وجه لأن النبي صصص كان على دابته وهذا نوع جلوس ، ومن هنا إذا وقف له وجه وإذا جلس له وجه .

قال رحمه الله : [ ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير ] : يكثر من التهليل بالتوحيد : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ؛ لأن النبي صصص قال : (( خير الدعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبي من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) وهذه المسألة راجعة هل الأفضل الدعاء أو التمجيد ؟ فمن أهل العلم من قال : إنه لو اقتصر على التمجيد لكان أفضل ، فلو أنه اجتهد في كثرة التهليل لله –عز وجل- والتكبير والتعظيم يكون أبلغ واحتجوا له بقول : (( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) وأفضل الذكر قول : لا إله إلا الله . وهذا له وجه صحيح من الأصل .

ومن العلماء من قال إن الدعاء أفضل ؛ لأن المقصود دعاء عرفة ، ومنهم من قال باستحباب الجمع بين التمجيد والدعاء ، فيدعو ويجعل في أضعاف الدعاء التهليل والتمجيد لله عز وجل .

قال رحمه الله : [ ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل إلى غروب الشمس ] : هذا الاجتهاد أصدقه وأكمله وأفضله أن يكون بخلوص لله عز وجل ، فيقف بلا رياء ولا سمعة ، فيتخير المكان الذي ينزوي فيه عن الناس ، ويبتعد فيه عن رؤية أحبابه وأصحابه وأصدقائه إن تيسر له ذلك حتى يكون أقرب للإخلاص ؛ لأنه ربما خشع ودمع وبكى وخضع لله عز وجل ، ومن هنا جاء في الحديث الذي صححه غير واحد أن النبي صصص قال : (( اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة)) .

فالإنسان إذا جاء يجتهد في الدعاء يتحرى المكان المناسب للإخلاص والحال الأفضل والأكمل ، فأكمل الناس حالا في دعائه وتضرعه من سأل الله من قلبه موقنا بربه متأدبا في سؤاله ، واختار جوامع الدعاء ، عن رسول الله صصص متأسيا بالسنة ، وخشع وخضع لله ، وسأل الله بقلب يعي ويعقل ما يقوله ، وأخذ بالسنة في الدعاء ، فهذا - إن شاء الله - من أرجى الناس للإجابة من الله سبحانه وتعالى

قال رحمه الله : [ ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة عن طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار ] فإذا غابت الشمس هذا أول شيء ، وذهبت الصفرة التي تلي المغيب ثاني شيء ، أي أنه لا يعجل بالخروج بمجرد المغيب ، ولذلك قال جابر صصص : (( وانتظر حتى ذهبت الصفرة )) ، وهي تكون بعد المغيب ، فالسنة أن يدفع ، ويكون الدفع بعد دفع الإمام، وانتظار المغيب لمن وقف قبل غروب الشمس واجب ، فلو أنه دفع قبل غروب الشمس ولو بلحظة لزمه أن يرجع ، فإذا لم يرجع إلى أن طلع الفجر فعليه دم ؛ لأنه يجب على من وقف بعد الزوال وقبل المغيب أن يحصل جزءا من الليل في وقوفه ، وهذا لا يعارضه عموم قوله صصص : (( ووقف بعرفات أي ساعة من ليل أو نهار )) فهذا العموم خصصه الفعل من رسول الله صصص حيث بيّن وقوف النهار، وأنه لا يصح قبل الزوال، وأنه يكون إلى مغيب الشمس، ووقع فعله بيانا لواجب فكان واجبا ، وعلى هذا يدفع بعد غروب الشمس ، فالسنة أن يدفع وعليه السكينة والوقار ، يدفع مع الإمام مع جماعة المسلمين؛ لأن للحج إماما ، فينتظر حتى يدفع الإمام فيدفع بدفعه ، ولازالت هذه السنة باقية إلى اليوم والحمد لله ، فإمام الحج أمير الحج هو إمام للحجاج وأميرهم ، فيدفع بدفعه ، وهذا فعل السلف الصالح -رحمهم الله- ومن بعدهم ، فيجعل دفعه بعد دفع الإمام وينتظر حتى يدفع ، ثم يأخذ بالسكينة ، فإن النبي صصص كان يأمر الناس بالسكينة في دفعه من عرفات إلى مزدلفة ، فكان الناس يسرعون ، ويضعون في سيرهم في الإبل ، وكان صصص يسير العَنَق كما في حديث الصحيحين : (( كان النبي صصص يسير العَنَق – وهو ضرب من السير- فإذا وجد فجوة نصَّ )) – والنص فوق العَنَق – ضرب فوق العَنَق فكان آخذ بزمام ناقته القصواء قد شَنَقها ، أي أنه لا يريد أن يرسل لها حتى لا يسرع في السير .

قال رحمه الله : [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة عن طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار ويكون ملبيا ذاكرا ] ويدفع إلى مزدلفة عن طريق المأزمين ، والمأزم هو الجبل ، والمأزمان الأخشبان اللذان يكتنفان حدود الحرم ، قِبَالة المسجد- مسجد نَمِرة- هذا الطريق سلكه النبي صصص في دفعه من عرفات إلى مزدلفة إفاضته -عليه الصلاة والسلام- وهو سنة أن يسلك هذا الطريق على خلاف بين العلماء –رحمهم الله – هل هو مقصود أو غير مقصود ؟

والأقوى أنه إذا فعل تأسيا بالنبي صصص أنه يؤجر ويكون من السنة ؛ لأن النبي صصص خالف بين الطريقين مع أن كِلا الطريقين يمر بمزدلفة ، أحدها يمر بحذائها وهو طريق ضَبّ عند ذهابه ، والثاني يفيض إليها عند المشعر عند رأس جبل قُزَح في نهاية مصب الوادي من بين الأخشبين . فكون عليه الصلاة والسلام يتحراها هذا لاشك أنه لمعنى ، ومن هنا إذا أفاض من مأزمين يكون متأسيا بالنبي صصص وهو أفضل

قال رحمه الله : [ وعليه السكينة والوقار ] : وعليه السكينة : من السكن ، والوقار : من وقر الشيء إذا ثبت ، فيكون ثابتا بعيدا عن كثرة الحركة ، وهيشات الناس ، وفعل العوام ، وهذا لكي يتجانس مع العبادة ، وأفعال العبادات والذهاب إلى العبادة والمضي للعبادة ينبغي أن يكون متناسبا مع العبادة ؛ ولذلك أُمر الخارج إلى المسجد أن يأتي الصلاة بسكينة ووقار ؛ قال صصص : (( فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وعليكم السكينة )) .

فالشاهد من هذا أن عليه السكينة والوقار ؛ تأسيا بالنبي صصص .

قال رحمه الله : [ ويكون ملبيا ذاكرا لله عز وجل] : ويكون ملبيا ذاكرا لله عز وجل, التلبية في الطريق عند بعض العلماء كما أشار شيخ الإسلام وغيره –رحمة الله عليهم- أن التلبية تكون فيما بين العبادات، لا في أصل المواقف ، ولذلك منع بعض العلماء من التلبية على الصفا ، ومنع بعضهم من التلبية في أثناء الدعاء في مزدلفة ، قالوا : لأنها هي المقصود ، والتلبية تكون في أجزاء الطرق ، ولذلك قال أنس ررر : (( غدونا مع رسول الله صصص إلى عرفات فمنا الملبي ومنا المهلل ومنا المكبر )) .

وكذلك أيضا قال الفضل بن عباس : (( كنت رديف النبي صصص يوم النحر فلم يزل يلبي حتى بلغ جمرة العقبة )) .

فالشاهد من هذا أنهم يرون أنها في الطرق وأجزاء المناسك أنها آكد استحبابا يعني ينبغي عليه أن يحرص على التلبية ، فيلبي في ليلة النحر على أصح قولي العلماء –رحمهم الله – أن التلبية لا تنقطع يوم عرفة .

وذهب بعض السلف إلى أن التلبية يقطعها يوم عرفة .

والصحيح أن التلبية تقطع وتنتهي عند رمي جمرة العقبة ؛ لقول الفضل ررر : (( كنت رديف النبي صصص يوم النحر فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة )) ؛ ولأن عبدالله بن مسعود في ليلة النحر ليلة العيد لبى فنظر إليه الناس ، فقال : سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول : هه لبيك نا اللهم لبيك .

فأثبت أن التلبية باقية بعد عرفة ؛ خلافا لمن قال إنها تنقطع يوم عرفة .

والذين قالوا تنقطع يوم عرفة ردوها إلى المعنى أن التلبية إجابة بعد إجابة ؛ ومن بلغ المكان الذي دعي إليه فلا يشرع أن يقول لبيك .

فرأوا أن الحج عرفة ، وعرفة هي الغاية والمقصود ، وهذا النظر يعارض الأثر المرفوع ، ولا اجتهاد مع النص، النص واضح أنه يشرع أن يلبي في دفعه من إفاضته ، وفي دفعه من مزدلفة إلى منى .

قال رحمه الله : [ فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما] : السنة أن لا يصلي المغرب بعرفة ؛ لأن النبي صصص قال لأسامة بن زيد ررر لما قال للنبي صصص -وكان رديفه من عرفات إلى مزدلفة- : الصلاة . قال له : (( الصلاة أمامك )) . وهذا يدل على أن السنة أن يؤخر الصلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة .

وقال بعض العلماء حتى ولو وصلها بعد منتصف الليل ؛ لأن النبي صصص قال : (( الصلاة أمامك)) فلا مكان لهذه الصلاة في تلك الليلة إلا بمزدلفة .

قال رحمه الله : [ يجمع بينهما ] : يجمع بين المغرب والعشاء بأذان وإقامتين كما صح عن النبي صصص على الأصل في الجمع ، فإذا نزل إلى مزدلفة صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه أفاض من عرفات إلى مزدلفة ، ثم لما وصل الشعب الذي دون مزدلفة دخله -عليه الصلاة والسلام- فقضى حاجته وتوضأ وضوءا سريعا - صلوات الله وسلامه عليه- ما ترك الصحابة شيئا حتى صفة الوضوء قالوا إنه خفيف منه عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع ، من دقتهم -رضي الله عنهم- وحرصهم على معرفة ما فعل عليه الصلاة والسلام ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مضى إلى مزدلفة فأمر بلالا فأذّن ثم أقام فصلى المغرب ، ثم جلس بقدر ما قام كل رجل إلى رحله ثم أمره فأقام العشاء ولم يسبح بينهما وعلى إثرهما كما في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- فلم يصل راتبة المغرب بين المغرب والعشاء لم يسبح بينهما . لم يسبح يعني لم يصل ، لا مثل بعضهم يقول لم يسبح يعني ما قال الأذكار بين المغرب والعشاء ، ثم يأتي باجتهاد عجيب ويقول : إذا جمع يقوم مباشرة حتى قبل الأذكار ! وهذا في الحقيقة ينبغي أن ينتبه لها ، كثير ممن يجمع ، بل حتى إن بعض الأئمة عليهم أن يعلموا الناس السنة ، فإن الجمع ينبغي أن يتريث فيه بين الأولى والثانية بقدر ما ينتهي من الأذكار .

فقوله : ولم يسبّح ليس معناه أنه لم يذكر ؛ لأن التسبيح المراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل ، ولذلك قال : لم يسبح بينهما وعلى إثرهما – صلوات الله وسلامه عليه- .

فلما جمع صلوات الله وسلامه عليه في مزدلفة كما ذكر جابر ترك قدرا بقدر ما يحط الرحل ثم أمره فأقام ، فصلى عليه الصلاة والسلام بالناس العشاء ، هذه هي السنة حتى ينتهي من الأذكار ، فإذا انتهى من الأذكار أقام الصلاة الثانية ثم صلى ، فلما صلى عليه الصلاة والسلام كان جمعه جمع تأخير ؛ لأن المسافة بين مزدلفة وبين عرفات لا يصل فيها في وقت المغرب غالباً وبخاصة إنه نزل وقضى حاجته – عليه الصلاة والسلام- ؛ ولذلك نص طائفة من العلماء على أن هذا الجمع وقع من النبي صصص جمع تأخير وليس جمع تقديم .

قال رحمه الله : [ ثم يبيت بها ] ثم يبيت بمزدلفة تأسيا بالنبي صصص ، وسيأتي أن هذا المبيت واجب من واجبات الحج ، ويرخص للضعفة والعجزة وكبار السن ومن يفتقرون إليه كالسائقين والخدم ونحوهم ولو كانوا أقوياء أن يدفعوا بعد منتصف الليل ؛ وذلك لأن النبي صصص أذن للضعفة من أهله . قال ابن عباس –رضي الله عنهما- : (( كنت في من قدّم النبي صصص))، فيقدم الضعفة من النساء والأطفال والشيوخ وكبار السن ونحوهم كالمريض ونحو ذلك يقدمون توسعة من الله عز وجل لعباده .

أما غيرهم فإنه يبيت ، وهذا هو أصح قولي العلماء وسيأتي - إن شاء الله - في واجبات الحج ، وهو أصح قولي العلماء ، ولكن للأسف الآن أصبح الذي يتقدم هم الأقوياء والذي يتأخرون هم الضعفة ؛ وإذا ذهب الضعفة وتعجلوا فلربما هلكوا ، وكل هذا بسبب مخالفة السنة ، والعبث ببعض النصوص الصحيحة الواضحة في الدلالة على لزوم المبيت ، ولو أنهم أخذوا بسنة النبي صصص لكان في ذلك من الرحمة والرفق بالناس الخير الكثير ، ومرادنا بذلك الذين يذهبون ويتعجلون مع إمكان تأخرهم ، وتيسر التأخر لهم .

قال رحمه الله : [ ثم يصلي الفجر بغلس ] : المبيت بمزدلفة من أفضل ما فيه وأكمل ما فيه وأعظم ما فيه الوقوف بالمشعر ، وهو وسيلة للوقوف بالمشعر، حتى إن بعض العلماء يرى أن الوقوف بالمشعر ركن ؛ لأن النبي صصص قال : (( من صلى صلاتنا هذه ووقف موقفنا هذه وكان قد أتى عرفات من أي ساعة من ليل أو نهار )) . وإن كان الصحيح أنه ليس بركن ، ولكن انظر كيف العلماء عظموا هذا الأمر في الوارد .

فالشاهد من هذا أن هذا الموقف موقف الدعاء يتركه الإنسان ، ويأخذ برخص الفقهاء ، ويتسامح في أمر حجه وعبادته ، ولربما جاء من مئات الكيلو المترات بل من آلاف الكيلو المترات وقد تحمل المشاق العظيمة وقد تحمل الأهوال والشدائد ، ولا يستطيع أن يصبر الساعة والسويعة حتى يحصل هذا المقام الشريف المنيف لكي يقف بين يدي الله في صبيحة ذلك اليوم المبارك يوم النحر لكي يسأل الله من فضله ، هذا لاشك أنه من الحرمان -نسأل الله السلامة والعافية- .

هذا موقف عظيم ، المشعر موقف عظيم ، وأدركنا العلماء والأجلاء يبكون ويتضرعون ويخشعون لله عز وجل ، وأثر عن بعض أهل العلم أنه قال : وقفت في هذا الموقف ستين عاما أسأل الله أن لا يجعله آخر العهد ويكون كذلك - يعني أن الله يرده مرة ثانية - وإني لأستحي أن أسأله فرجع فمات من عامه ، حتى قال بعض العلماء : إنه من الأماكن التي يرجى فيها إجابة الدعاء ، ولذلك أمر الله عز وجل بذكره في المشعر الحرام ، ومزدلفة كلها مشعر ، وأفضل ما يكون الموقف عند المشعر عند جبل قُزَح الذي هو عند نهاية مزدلفة من جهة حدود الحرم من جهة عرفات ، الجبل الصغير ، ولا زال الآن قبلية المسجد هو الأفضل والأكمل أن يقف عنده بحذاء المسجد الأفضل والأكمل أن يقف عنده بغلس .

السنة من الإمام أن يغلس فيصلي فجر يوم النحر بغلس ، فغلس عليه الصلاة والسلام وخالف المشركين ، فصلى الصلاة بغلس ثم وقف وتضرع وسأل الله عز وجل حتى أسفر ، ثم لما أسفر بادر عليه الصلاة والسلام بالركوب ، وكانت العرب والمشركون كانوا يقولون : أشرق ثبير كيما نغير، وكانوا لا يخرجون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس ، ويمتنعون من الخروج منها ، فيقولون: أشرق ثبير . وثبير هو الجبل المطل على منى ومزدلفة ، فيقولون : أشرق ثبير كيما نغير حتى يؤخرون الدفع إلى حصول الإشراق ، فخالفهم النبي صصص ودفع قبل طلوع الشمس .

قال رحمه الله : [ ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو ] : ويقف عند المشعر الحرام إن تيسر له ذلك ؛ تأسيا بالنبي صصص ، وإن لم يتيسر له فمزدلفة كلها موقف ، فيقف في خيمته ، ويقف في أي موضع نزل في مزدلفة مادام أنه داخل الحدود ، ومزدلفة من طرف الأخشبين عند مصب الوادي عند جبل قُزَح إلى وادي محسر ، وداي محسر طرفه من جبل ذي مَراخ .

وادي محسّر بين جبلين الذي هو دقم الوبر وذي مراخ الذي يقال له المريخات هذا هو نهاية مزدلفة، ولا يعتبر الوادي من مزدلفة ، ومن بات بالوادي فليس بمزدلفة ، ويعتبر وادي محسر الذي حسره الله فيه الفيل عن مكة بين منى وبين مزدلفة فهو نهاية مزدلفة من جهة الوادي ضفة الوادي من جهة مزدلفة وهي الضفة الشرقية وضفة الوادي الغربية هي نهاية منى ، والوادي نفسه ليس من منى ولا من مزدلفة .

ودقم الوبر هو الأيمن منهما عند الإفاضة ومعروف ، وكان مساكن الأشراف . ذكروا عن بعض العلماء رحمهم الله -نحن نُروِّح في بعض مجالس العلم- : جاءه بعض الأشراف فقال له : نريد منك أن تعقد لنا عقدا ، هذا قريب من بعض المشايخ -رحمة الله عليهم- فقال : طلبوني من بعد العشاء ثم أخذوه وخرجوا به بعد صلاة العشاء من المسجد الحرام ، قال : فمشينا أكثر من ساعة ، وأنا أقول لهم : أين المكان ؟ فيقولون : رمية حجر ، كلما قال ؛ قالوا : رمية حجر ، قال : فمشيت حتى قاربت منتصف الليل فسمعت صوت المدافع والبنادق ، فأصابني الرعب فإذا بي على الزواج ، فأكرموه وكانت ليلة يقول فيها :

فيا ليلةً ما أشد عناءهــا *** تلقينا الكرب فيها من رمية الحجر (1)

إلى أن يقول :

رعى الله سكان البوادي بفضله *** لاسيما الأشراف في دقـم الوبر

فدقم الوبر بحذاء مزدلفة معروف وهو نهاية الحد. فإذا وقف من أي موضع من مزدلفة صح موقفه.

قال رحمه الله : [ ويستحب أن يكون من دعائه : اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكرو الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ] : هذا الدعاء ليس فيه شيء مرفوع عن النبي صصص ، وذكره المصنف هكذا ، لكن الأصل عند أهل العلم –رحمهم الله – أنه لا يجوز تخصيص الدعاء المعين في المكان المعين أو الزمان المعين إلا بأصل شرعي ، ولذلك لا وجه لتخصيص أي نوع من الدعاء في أي موضع من المناسك إلا إذا صحت به الرواية عن رسول الله صصص .
وهذا في الحقيقة ليس فيه مرفوع ، لا حديثا ولا أثرا عن الصحابة - رضي الله عنهم - ، ولذلك لا داعي لتحديد دعاء معين ، فيدعو بما فتح الله عز وجل عليه ، وقد قسم الله عز وجل الناس إلى :

من يقول : ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ، وإلى من يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، فهم الفائزون الرابحون ، يسأل الله عز وجل من خير دينه ودنياه وآخرته .

قال رحمه الله :[ ويقف حتى يسفر جدا ] : تأسيا بالنبي صصص ، والإسفار طبعا أسفر الشيء إذا بان واتضح ، والغلس اختلاط ظلمة الليل بضياء الصبح ، والغلس يكون في بداية وقت الفجر ، ويستمر يعني يأخذ قدرا على حسب طول الليل وقصره في الصيف والشتاء ، ولذلك كانت النساء يشهدن صلاة الفجر مع النبي صصص كما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ثم ينقلبن إلى بيوتهن كما في الصحيحين ما يعرفهن أحد من شدة الغلس .

وقال جابر ررر لما سئل عن صلاة النبي صصص المكتوبة ؟ قال : (( الصبح كان النبي صصص يصليها بغلس )).

فغلس اختلاط ظلمة الليل بضياء النهار . هذه السنة أن يبدأ صلاة الفجر يغلس بها يعني يصليها في أول الوقت ، ثم بعد ذلك يقف ، ثم بعد ذلك إلى أن يسفر ثم يدفع ، وهذا يدل على مسألة مهمة جدا وهي هذا النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- في سنته وإمامته للناس في الصلاة مراعاته للأحوال ، فإذا كان هناك شيء يدعو إلى التطويل أطال عليه الصلاة والسلام ، ثم فعل من فعله ما يناسب الإطالة ، فإذا كان يقرأ من الستين إلى المائة الآية وينصرف الصحابة ما تعرف النساء من شدة الغلس ، فهذا يدل على أنه يوقع في أول الوقت بخلاف ما إذا طال الفصل بين الأذان والإقامة، فلربما إذا طال الفصل إلى ثلث ساعة إلى نصف ساعة وبخاصة إذا كان يريد أن يقرأ في صبح الجمعة ، وبعض الأئمة يريد أن يحبّر قراءته فيطيل ولربما يكون بعضهم كما في الحرمين يكون قد جاء من الأذان الأول ، فيا ليت عند قصد الإمام للإطالة أن يراعي السنة بالتبكير ، فبدل أن ينتظر نصف ساعة يجعل ربع ساعة ، ثم يقرأ القراءة ويعطي حقه وينصرف مصيبا للسنة ؛ لأن السنة أن ينصرف منها بغلس ، فلما كان النبي صصص عنده الموقف غلّس بالصلاة ، فحصّل فضيلة الصلاة في أول وقتها ، وثانياً حصّل الوقت الكافي في الدعاء ، وحصل مخالفة المشركين بالخروج والدفع قبل طلوع الشمس .

قال رحمه الله : [ ثم يدفع قبل طلوع الشمس ] تأسيا بالنبي صصص.

قال رحمه الله : [ فإذا بلغ محسرا أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى ] : محسر هو وادي محسر الذي حسره الله فيه الفيل ، وقصة الفيل قصة معروفة وثابتة بالنص كما في سورة الفيل ، فهذا العبث الذي يفعله بعض الكتاب من التشكيك والتوهين في القصة ومكانها وأنها لم تكن بمكة ، ألا شاهت هذه الوجوه الآثمة الظالمة التي لا يقصد في الحقيقة مسألة إثبات القصة أولا ، المسألة وراءها شيء أكبر من هذا كله ، وينبغي لطلبة العلم أن يدركوا هذا ، هناك في الغزو الفكري ما يسمى التشكيك في الثوابت ، والتشكيك في الأصول ، والتشكيك في الثوابت والأصول إذا كانت الثوابت ما تقبل عند المسلمين جدالا لا يعبثون بها ، ولكن يبحثون عن شيء يشكك في مصادرها، ويشكك في كيفية التلقي ، ولذلك تجدهم تارة يتعقبون النصوص ، وتارة يتعقبون طرق الاستدلال بالنصوص، ويأتون إلى أقوال أئمة جهابذة ؛ لأن المراد أنه إذا حصل عند المسلم شكا في هذا الشيء المعروف في سيره وفي الأخبار وفي التاريخ فحينئذ يضع علامة الاستفهام على كل ما يرد في التاريخ ، ومعناه أن تاريخه مشبوه ، ولذلك تجد بعض المتأخرين وللأسف يقول : ينبغي أن نحقق التاريخ وأن نفعل بالتاريخ ، هؤلاء دواوين العلم وأئمة العلم . يقول الإمام أحمد : كنا إذا أتينا إلى التاريخ تسامحنا، ولم يكونوا يطبقون عليه التشديد كما يطبق على الرواية إلا إذا تضمن التاريخ حكما شرعيا فحينئذ ينبغي تبيينه .

فالشاهد من هذا أنه ليست القضية التشكيك في القصة ولكن القضية العبث بالمصادر التاريخية وحينئذ تجد كثيرا من الناشئة التي نشأت في هذا الزمان لا تماثل ولا عشر معشار ما كان عليه الأولون من تمسكهم بأئمتهم وبكتب المصادر التاريخية واحترامهم وتوقيرهم وتقديرهم لهذه المصادر ، ومن هنا كان بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- يكره هذا الذي من الإغراق في تتبع القصص في السير والإغراق فيها وتطبيق الصنعة الحديثية حتى أصبح الواحد لما يقرأها فإذا وجد في كتاب تاريخ احتقر هذا الكتاب ، ووجد أن هذا المحقق قد أخرجها سندها معضل أو منقطعة ثم لا ينظر إلى مقصد العلماء من إيرادها كعبرة ، والمراد بها نوع من التأسي ونوع من التأثر ، وليس المراد بها حكما شرعيا .

فالمقصود من هذا أن هذا الوادي هو الوادي الذي حسر الله فيه الفيل ، وأخذهم فيه أخذ عزيز مقتدر ، فقد قصدوا بيته الحرام ، وما قصد جبار هذا البيت إلا قصمه جبار السماوات والأرض ، ولذلك لما جاء هذا الطاغية الآثم وجاء أصحاب الفيل واكتسحوا كل من وقف في وجوههم من قبائل العرب -العرب فرادى وجماعات- وما وقف أحد أمامهم إلا أبادوه والقصة معروفة .

فالشاهد من هذا أنهم لما بلغوا هذا الموضع بالمغمس حسر الله الفيل ، ومنعه من المضي ، ثم أرسل الله عليهم عذابه ، فأرسل عليهم طيرا أبابيل وهو نوع من الطيور، وقيل : هو نوع من الطيور لم يوجد إلا في ذلك الوقت ، وذكر بعض العلماء أنه نوع من العصافير الصغيرة ولا يزال بعض بقاياها بمكة ، وهو شديد الإزعاج ، شديد الصرير، وكان يلقط كل واحد منهم حجرا فيرميه على الرجل من رأسه فيخترمه إلى أسفله فيخرّ ميتا في مكانه ؛ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد }.

{كذلك أخذ ربك } ليس إذا أخذ الأفراد ولا الجماعات ولا القرية ولا المدينة { إذا أخذ القرى} {وهي ظالمة } والحال أنها ظالمة . { إن } بالتوكيد { أخذه أليم شديد } وإذا قال الله : أليم فهو الأليم ، وإذا قال الله شديد : فهو شديد .

فالشاهد أن الله حسر الفيل في هذا الموضع وامتنع الفيل من المضي ثم أرسل الله عليه العذاب، فهذا الموضع موضع عذاب ، فلما كان موضع عذاب وبلغه النبي صصص ضرب دابته وأسرع ، وهذه سنته في مواضع العذاب أنها لا تزار ولا ينزل فيها، فلا تزار إلا بقصد الاعتبار مرورا إذا مرّ بها دون قصد على تفصيل عند بعض العلماء - رحمهم الله - ، ولذلك لما مر بديار ثمود كما في الصحيح في العلا ضرب دابته وأسرع عليه الصلاة والسلام وغطى رأسه حتى قال بعض العلماء كأنه يقول : إني مصدق بعذابهم ولو لم تر عيني ، وهذا من أكمل ما يكون من التوحيد والإسلام لله عز وجل . فمواضع العذاب قال : (( لا تمروها إلا وأنتم باكون أو متباكون لا يصيبكم ما أصابهم )) ، فلا يشرع زيارتها والجلوس فيها إلا على هذه الصفة إذا مر بها باكيا أو متباكيا متأثرا ، وجعل العلماء –رحمهم الله - ذلك أصلا ، فلما مر النبي ررر بوادي محسر ضرب دابته وأسرع ؛ لأنه موضع عذاب ، فلا ينزل فيه .

قال رحمه الله :[ حتى يَأْتَي مِنى ] : وهي مشعر ؛ سميت منى لكثرة ما يمنى ويراق فيها من الدماء ، وقيل: لكثرة الناس إذا اجتمعوا فيها ، وقيل: لكثرة الخير ، وما يكون فيها من عطاء الله عز وجل لعباده.

ومنى : واد فسيح ما بين جمرة العقبة ووادي محسر ، واختلف في جمرة العقبة : هل هي منى أو ليست من منى ؟ على قولين ، والصحيح أنها ليست من منى ، وعليه فلا يسامت الجمرة وإنما يكون قبل الجمرة ، وهذا هو الذي عليه الجمهور – رحمهم الله - .

وبناء على ذلك العقبة لا تعتبر من منى ، وأمر عمر بن الخطاب ررر الناس أن يتحولوا فيها إلى داخل منى كما جاء عنه ررر فكان يبعث الرجال فيخرجون من نزل وراء جمرة العقبة ، ويأمر من نزل وراء جمرة العقبة أن يدخل إلى منى .

وأما من جهة وادي محسر فقد قلنا ضفة الوادي مما يلي منى هي نهاية منى ، وهذا الوادي ما بين الجبلين: ثبير والصانع . ويقال: الصائح ، والقابل بعضهم يسميه ، هذان الجبلان ما أقبل منهما فهو من منى ، وما أدبر فليس من منى ، وبطون الجبال وسفوحها كلها من منى ، وتعتبر من بات بها فقد بات بمنى ، وذكرت بعض المنشورات أن مساحة منى بهذا القدر تقارب ستة ملايين متر مربع وهي مساحة كبيرة جدا ، هذا الوادي كله يعتبر منى .

نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع ، والعمل الصالح ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد
.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1/ الإخوة الكرام: نعلم ما في البيت من كسرٍ عروضي , وليس محل الشاهد من البيتين مكسوراً فعوه.!

أبو زيد الشنقيطي
29-10-07, 10:44 AM
قال الإمام المصنف -رحمه الله تعالى- : [ باب ما يفعله بعد الحل ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين ؛ أما بعد :

فقد ترجم الإمام المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة ، والتي تتعلق بالأفعال التي يسن ويشرع للمسلم أن يفعلها يوم النحر وأيام التشريق ولياليه ، وهذا ما يعبر عنه العلماء بما يفعل بعد الحل ، فيشمل ذلك المبيت بمنى ليالي التشريق ، ويشمل ذلك رمي الجمار في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر واليوم الثالث عشر لمن تأخر، ثم كذلك يشتمل هذا الباب على أحكام طواف الوداع، وكيف يودع الإنسان، فهذا كله يجعله العلماء -رحمهم الله- في هذا الموضع .

ومن فوائد هذا التقسيم : أنه يعين طالب العلم على ضبط المسائل، وحصر جملها في مواضع حتى يستطيع أن يتفرغ لكل موضع فيدرسه على حدة ، فهذا لاشك أنه يعين طالب العلم كثيرًا ومن هنا شرع المصنف -رحمه الله- ببيان السنة وهدي النبي صصص بالمبيت بمنى ورمي الجمار .

قال رحمه الله : [ ثم يرجع إلى منى ولا يبيت إلا بها ] : ثم يرجع بعد أن يطوف طواف الإفاضة ويسعى سعي الحج إن لم يكن سعى من قبل إلى منى فيبيت بها . [يرجع إلى منى ] : سميت منى بهذا الاسم من كثرة ما يراق فيها من الدماء ، وقيل في سبب تسميتها أشياء أخر فيها أحاديث ضعيفة ومرويات ضعيفة والأقوى والأشبه أنها سميت بهذا الاسم مراعاة لما يُمْنى فيها من الدماء أي كثرة ما يراق فيها من الدماء من دماء الهدي الواجب أو المستحب . ومنى لها بداية ولها نهاية ، وهذه حدود مكانية ، فهي -أعني مِنَى- شعب بين جبلين، يكتنفها الجبلان : أحدهما ثبير والثاني الصانع أو الصائح كما يسمى الآن ، ويقال لثبير القابل هذان الجبلان هما حد منى من جهتهما . ما أقبل من الجبلين على منى فهو من منى ، وما أدبر فليس من منى ، وأما بالنسبة لحدها من طرفي الشِّعب فأولهما الحد من جهة مكة وهو جمرة العقبة. والصحيح أنّ الجمرة هي النهاية وما بعد الجمرة يعتبر خارجاً عن منى ، وقيل إن العقبة نفسها من منى. والصحيح أنها ليست من منى ، والسبب في ذلك أن الجمرة كانت في حِضْن الجبل الذي فيه العقبة، وهذا الجبل اختلف فيه والعقبة نفسها اختلف فيها هل هي من منى أو لا ؟

والصحيح أنها ليست من منى ولكن الجمرة نفسها فيما سامتها مباشرة وما دونه من جهة المسجد يعتبر من منى ، وذلك أن عمر بن الخطاب ررر كان يبعث رجاله يمنع من بات وراء جمرة العقبة ويأمرونه أن يرتحل إلى داخل منى فاعتبر العقبة وما وراءها خارجا عن منى .

وأما بالنسبة لحدها من جهة مزدلفة فهو وادي مُحسّر، وضفة الوادي هي نهاية منى من جهة منى ، وضفّته الثانية نهاية مزدلفة من جهة مزدلفة ، والوادي فاصل بينهما وقدر الوادي قدر رَمْيَة الحجر.

وبالنسبة لمنى قيل – بالمقاييس المتأخرة- إن مساحتها في بطن الوادي تقارب من أربعة ملايين متر مربع، وأما بالنسبة لسفوح الجبال سفح الجبل الأيمن والأيسر فتقارب من مليوني متر مربع حتى يصبح الجميع ستة ملايين متر مربع هذا هو محل المبيت وهو مشعر منى المعتبر .

[ يرجع إلى منى فيبيت بها ] : بمعنى أنه لا يبقى بمكة ، وأنه ينبغي عليه أن يبيت بمنى ليلة الحادي عشر، وسيأتي إن شاء الله أن المبيت بمنى واجب من واجبات الحج ، والسبب في ذلك ورود النصوص الدالة على وجوبه . وأما قول المصنف يرجع إلى منى فيبيت بها ؛ تأسياً بالنبي صصص وقد قدمنا أنه اختلف هل النبي صصص صلّى ظهر يوم العيد بمكة أو صلاه بمنى ؟ واختلفت روايات الصحابة : فجابر وعائشة –رضي الله عنهما- يثبتان أنه صلى الظهر بمكة ، وعبدالله بن عمر –رضي الله عنهما- يقول أنه صلى الظهر بمنى ، وهي مسألة مشكلة عند العلماء -رحمهم الله- . لكن إن ثبت أنه صلى عليه الصلاة والسلام الظهر بمنى فيحرص على أن ينتهي من طواف الإفاضة ومن سعيه حتى يدرك صلاة الظهر بمنى؛ تأسيا بالنبي صصص .

وأما العصر فكلهم متفقون على أنه صلى العصر بمنى يوم العيد -عليه الصلاة والسلام- وليست هناك أفعال بعد رميه لجمرة العقبة وإفاضته -صلوات الله وسلامه عليه- بمنى لما رجع إلى منى لم يفعل شيئاً غير أنه -عليه الصلاة والسلام- جلس واختلف في مسألة خطبة يوم النحر، لكن من حيث المشاعر من رمي أو غيره لم يفعل عليه الصلاة والسلام بمنى مشعرا واجبا بعد إفاضته -عليه الصلاة والسلام- .

[ ثم يبيت بمنى ] : فلو أنه نزل ليطوف طواف الإفاضة وتأخر بسبب الزحام ولم يستطع أن يصل إلى منى إلا في وقت متأخر من الليل ، فلم يدرك أكثر الليل للمبيت ، فهذا إن كان معذورا وكان تأخيره لطواف الإفاضة لعذر فلا شيء عليه ؛ لأنه تأخر لركن فوت بسببه واجباً ، والتأخر للركن الذي يفوت الواجب لا يوجب الضمان ، والدليل على ذلك أن النبي صصص لما تأخر عروة بن مضرس عن المبيت بمزدلفة بسبب وقوفه عشية عرفة وأدرك الموقف مع النبي صصص فأجاز له ذلك ولم يأمره بأن يضمن المبيت بمزدلفة وهذا استنبطه بعض العلماء -رحمهم الله- عند وجود العذر المؤثر مثل أن تقع بعض الحالات والظروف للركب أو يمرض فلا يستطيع أن يؤدي طواف الإفاضة صبيحة يوم العيد فيتأخر قيامه لطواف الإفاضة إلى ما بعد المغرب ثم ينزل ويحصل الزحام أو مثلا يخرج من مكة بعد أن انتهى من طواف الإفاضة لصلاة المغرب مثلا ثم يحصل الزحام فلا يدخل منى إلا بعد تقريبا منتصف الليل ولم يكن ممن يستطيع المشي حتى يدرك المبيت بمعنى أنه يتحقق فيه أنه عنده عذر فحينئذ اشتغل بركن وهو طواف الإفاضة وسعي الحج إذا كان تأخر بسبب السعي واشتغل بركن عن واجب فرخص فيه العلماء والأئمة طائفة من أهل العلم -رحمهم الله- وأسقطوا عنه الضمان إذا أدرك ولو القليل من ليلة الحادي عشر ثم يبيت بها وإذا بات بها انتظر إذا أصبح حتى تزول الشمس .

قال رحمه الله : [ فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات ] : فينتظر إلى زوال الشمس من اليوم الحادي عشر ولا يجوز له أن يبتدئ رمي الجمرات قبل زوال الشمس؛ لأنها عبادة مؤقتة بزمان مقصود شرعا، فلم يصح إيقاعها قبله، كصلاة الظهر إذا صلاها قبل زوال الشمس، فإنها عبادة مؤقتة؛ والدليل على التأقيت أن النبي صصص أجمعت الروايات عنه أنه ما رمى الجمرات الثلاث قبل زوال الشمس، لا في اليوم الحادي عشر ولا في اليوم الثاني عشر ولا في اليوم الثالث عشر، كل الروايات الصحيحة الثابتة متفقة على أنه عليه الصلاة والسلام في منسكه ما رمى الجمرات إلا بعد زوال الشمس، فينتظر إلى أن تزول الشمس، إما أن يسمع الأذان فحينئذ لا إشكال، أو تكون عنده ساعة يضبط بها الزوال فحينئذ لا إشكال يعتد بها، فيبتدئ الرمي رمي الجمرات قال رحمه الله : [ يرمي الجمرات ] الجمرات الثلاث في الثلاثة الأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، الأولى من الجمرات الجمرة الصغرى وهي التي تلي مسجد الخيف، والثانية الجمرة الوسطى وهي التي بعدها، والثالثة جمرة العقبة وهي الأخيرة، فأصبح ترتيب الجمرات من جهة منى الأولى الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ومن جهة مكة الأولى العقبة، ثم الوسطى، ثم الصغرى ، والسنة عن رسول الله صصص فيما حفظ في بعض مرويات الصحابة أنه ذهب إلى الجمرات في يوم الحادي عشر والثاني عشر ماشيا وكان ابن عمر يرمي ماشيا ويرجع ماشيا ، وهذا أفضل وأكمل أنه يخرج من منزله بمنى ويمشي إن تيسر له المشي، وإن لم يتيسر له المشي فيجوز له أن يركب ويذهب إلى الجمرات ثم يرميها ، ويستوي أن يرميها راكبا أو واقفا . المهم أنه يقع الرمي بعد الزوال ، فصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ابتدأ بالصغرى قبل الوسطى والكبرى فقال : رحمه الله يرمي الجمرات .

قال رحمه الله : [ فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات ] : كل جمرة من الثلاث بسبع حصيات : أجمع العلماء -رحمهم الله- على أن السنة الواردة عن النبي صصص في حصى الجمرات في يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أنه رمى كل جمرة بسبع حصيات ، وأن لكل يوم إحدى وعشرين حصاة، لكل جمرة منها سبع حصيات ، هذه هي السنة المحفوظة عن النبي صصص لا يزاد عليها ولا ينقص منها ؛ لأنها عبادة توقيفية ، ولم يلتقط عليه الصلاة والسلام هذه الإحدى والعشرين حصاة من غير منى ، بل كان يلتقطها عليه الصلاة والسلام من منى ، وما يفعله بعض العوام كما نبهنا بالأمس من أنهم يلتقطون كل الجمرات بمزدلفة فهذا لا أصل له ، إنما التقط عليه الصلاة والسلام جمرة العقبة وحدها وهي سبع حصيات . فقال للفضل بن عباس رضي الله عنهما : (( القط لي سبع حصيات )) .

قال رحمه الله : [ يبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة ] : يبتدئ بالجمرة الصغرى والصحيح أن الترتيب معتبر في رمي الجمرات، فلابد أن يرميها مرتّبة، فلو أنه رمى الكبرى وهي العقبة ثم الوسطى ثم الصغرى صح رمي الصغرى ولزمه أن يعود فيرمي الوسطى ثم يرمي الكبرى ، صح رمي الصغرى ؛ لأنه معتد به ، ولم يصح رمي الوسطى ؛ لأنها لا تصح إلا بعد الصغرى ولا رمي جمرة العقبة ؛ لأنها لا تصح إلا بعدهما -بعد الصغرى والوسطى- ، فلابد من الترتيب ، وعلى هذا يبدأ بالصغرى التي تلي مسجد الخيف، فيستقبل القبلة على ما نص عليه طائفة من العلماء أن النبي صصص رماها من جهة المسيل وأسهل عليه الصلاة والسلام إن تيسرت له هذه الجهة وإن لم يتيسر له هذه الجهة فمن أي موضع في الجمرة الصغرى يجزيه الرمي؛ لأن المقصود أن يرمي؛ ولأن النبي صصص لم يلزم الصحابة من موضع معين، إنما الأفضل والأكمل هذا أن يرمي بسبع حصيات ، مثل حصى الخذف وهو الحصى الذي يمكن أن يضعه الإنسان بين السبابة والإبهام فيقذف ويحذف ويرمي به، فخرج بهذا الحصى الكبيرة، والسؤال : لو أنه أخذ حجرا كبيرا ورمى به الجمار هل يجزيه ؟

وجهان للعلماء :

قال بعض العلماء : لا يجزيه . وقال بعضهم : يجزيه ؛ لأنه رمى وأساء بمخالفة السنة .

والأقوى أنه يعيد الرمي؛ لأن النبي صصص قال : (( بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو )) فجعل الزائد غلوا في الدين، والغلو ليس من الدين، وإذا كان ليس من الدين لم يعتد به، وعلى هذا فإنه ليس كالأجزاء المجزئة في مسائل الغلو التي يعتد بها بقدر الواجب ويلغى ما زاد عنه، فالحصى كل لا يتجزأ إذا كانت كبيرا ، ثم إنه خالف رسول الله صصص وأحد الأوجه عند العلماء في هذه المسألة أن إسقاط الرمي وعدم الاعتداد به مبني على قاعدة (( أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه )) ، وحينئذ يحكم بعدم صحة رميه من هذا الوجه .

قال رحمه الله : [ ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة ] : فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ؛ تأسيا بالنبي صصص فحينئذ في الرمي سنتان : فعلية ، وقولية . فالفعلية أن يرمي ويخذف الحصاة ، والعبرة أن يوقعها في الحوض بغض النظر عن ضرب الشاخص وعدمه، فإذا وقعت في الحوض أجزأه ، وأن يكون وقوعها بفعله ، وعلى هذا فإذا حصل الرمي على هذه الصفة صح الفعل ، وأما القول فهو أن يكبر مع كل حصاة ؛ تأسيا بالنبي صصص ، وإذا أتم السبع فإنه يبني على غالب ظنه واليقين. اليقين أن يأخذ سبع حصيات فيرميها ويعدها ويحصيها وليس عنده أي شك ، وغلبة الظن أن يبني على غالب ظنه بالتقدير، فلو شك هل وقعت الحصاة في الحوض أو خارجة عن الحوض بنى على أنها لم تقع في الحوض حتى يجزم أنها وقعت أو يغلب على ظنه أنها وقعت ، فلو رمى رميا يغلب على ظنه أن هذا الرمي يصادف الحوض أجزأه وإن لم ير بعينه حصاته تدخل في الحوض ؛ لأن هذا صعب ومتعذر أن يراها بين مئات الحصيات خاصة في وقت الزحام ، فإذاً يرمي ويبني على غالب الظن واليقين، فإن استيقن كأن يأتي عند طرف الحوض ثم يرمي فيستيقن من وقوعها في الحوض فلا إشكال، أو غالب ظن كأن يكون بعيدا فيرمي ويقدر ويرى أن هذا الرمي تقع الحصاة به في داخل الحوض، هذان الأمران لا إشكال فيهما، لكنه لو رمى ثم تحرك مع الزحام أثناء رميه، فشك هل جاء في الحوض أو لم تأت؟ فيبني على أنها لم تأت حتى يتأكد من أنها قد أصابت الحوض ؛ إذاً عند الشك يلغي الوقوع وعدمه ويعتد بأنها لم تقع حتى يستيقن أو يغلب على ظنه ، وإن شك هل رمى سبع حصيات أو ست حصيات ؟ بنى على ستّ ؛ لأن اليقين أنه رمى ست حصيات ، ومطالب شرعا أن يبرئ ذمّته بسبع فذمته مشغولة ولا ينفك من هذا الدَّين والحق لله عز وجلإلا بيقين وغالب ظن فلابد أن يرمي السابعة حتى يبرئ ذمته .

قال رحمه الله : [ ثم يتقدم فيقف فيدعو الله ] : ثم يتقدم بعد انتهائه من الرمي ، وعليه أن يتّقيَ الله أثناء الرمي، فلا يزاحم ولا يؤذي ضعفة المسلمين، وعليه أن يتخلّق بأخلاق الإسلام، فلا يفعل الأمور التي تشينه في دينه ، وخاصة في هذه المواطن المشرّفة المعظمة ، فإن منى من الحرم ، ومن أراد فيها الحرام فإن الله يذيقه عذابا أليما -نسأل الله السلامة والعافية- { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } فليتّقِ الله في سمعه، وليتقّ الله في بصره، وليتقِ في حدود الله ومحارم الله، ويتجنب مخالطة النساء، والدخول بين عورات المسلمين، ولا يؤذي ضعفة المسلمين وكبارهم، ولا يتعرض لفتن الناس، خاصة إذا كان فيه وسامة أو غير ذلك، وننبه على ذلك؛ لأنها منكرات انتشرت بين الناس، فالمسلم جاء من أجل أن يصيب الحسنات، وأن يضع ما على ظهره من بلائها وعنائها، فالشقي من حُرم، فمن الشقاء أن يستخف بحدود الله عز وجل يستخف بمحارم الله -عز وجل في مقام هو أرجى لرحمة الله عز وجل ، فإذا انتهى من الرمي، السنة أن يأخذ ذات اليسار قليلا يبتعد عن الرمي حتى لا يؤذي الرامي ولا يضيّق عليهم يبتعد عن المرمى وعن الجمرة الصغرى، ويُسْهل بمعنى يأخذ إلى المسيل وهو مجرى الوادي، فهذا يقتضي أن يأخذ يسارا قليلا كما ثبت في السنة عن النبي صصص ، وكما قال عبدالله بن مسعود : (( من هنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة )) يقصد بذلك جمرة العقبة وكذلك قال حينما رمى وأسهل ررر وأسند ذلك إلى النبي صصص قال بعض العلماء : من هنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة خص سورة البقرة لأنها لا تستطيعها البطلة، وقيل لأن البقرة فيها أكثر مناسك الحج، وهذا هو الأشبه، ولذلك قالوا في إحدى الروايات في السير أن النبي صصص لما كان يوم حنين قال للعباس -وفر عنه الصحابة لأن النبي صصص بوغت بهجوم هوازن وكان معه ما يقارب العشرة الآلاف وفجأة انكشفوا عنه -عليه الصلاة والسلام- لأن الهجوم كان على غبش الليل وعند طلوع الفجر، وكانت هوازن من أقوى العرب في الرمي، وكان الرجل منهم إذا رمى السهم قل أن يخطئ، فَكَمَنت للنبي صصص ثم أمطروا الصحابة بالسهام فجأة على آخر الليل، وهذا يروع الجيش وخاصة إذا بوغت الجيش بالعدو يتفرّق، فتفرّق الصحابة عن النبي صصص -الشاهد- فقال النبي صصص للعباس : (( ادع لي أصحاب الشجرة وفي بعض الروايات في السير قال : يا أهل الشجرة يا أهل سورة البقرة ، فلما قال يا أهل سورة البقرة ؛ لأن الله يقول فيها : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } فقالوا إن اختيار هذه السور لمعان فيها ، ومن هنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة فراعى هذا المعنى .

قال رحمه الله : [ ثم يتقدم فيقف فيدعو الله ] : ثم يتقدم عن موضع الرمي يتقدم قليلا إذا كان الزحام قليلا أما إذا كان الزحام كثيرا يتقدم أكثر حتى لا يؤذي الرامين فمن يريد الرمي محتاج لهذا المكان لواجب، والواقف للدعاء يحتاج إلى هذا المكان لسنّة، ولاشك أن الواجب مقدم على السنة، فبعض الإخوة -أصلحهم الله- يأتون ويقفون للرمي قريبا من الحوض، ويؤذون من يرمي، فالمنبغي لهم أن يبتعدوا وأن يوسعوا على الناس؛ لأنه قد تأتي الرفقة فيها الضعفة وفيها النساء وفيها أيا ما كان حتى ولو كان فيها الشاب الجلد فلا أن يضيق على الناس في موضع الرمي .

قال رحمه الله : [ فيقف فيدعو الله ] : فيقف فيدعو الله عز وجل ؛ وقد جاء عن عبدالله بن مسعود ررر أنه وقف ودعا كثيرا . يقال إن هذا الموضع من المواضع التي ترجى فيها الإجابة في الحج ، وهي على الصفا ، وعشية عرفة ، وفي المشعر الحرام ، وفي منى بعد رمي جمرة الصغرى والوسطى دون العقبة ، فهذه المواضع يتحرى فيها الدعاء ، وكان مما أثر عن أصحاب النبي صصص أن منهم من كان يقول : اللهم اجعله حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا ، وذنبا مغفورا ، فكانوا يسأل الله عز وجل القبول والصفح والعفو والمغفرة، فيدعو الله عز وجل ويسأله وجاء في الرواية أن ابن مسعود أطال الوقوف فيطيل الوقوف في الدعاء .

قال رحمه الله : [ ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك ] : ثم يأتي الوسطى فيرميها كما تقدم في مسائل الرمي .

قال رحمه الله : [ ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها ] : إذا رمى الوسطى وقف بعدها أيضا ، ومثل ما ذكرنا في الصغرى ، ثم يمضي إلى جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات ؛ إذًا لابد من أن يكون الرمي بسبع حصيات، وأن يراعي الترتيب في هذه الجمار، وأن يراعي الوقت المعتبر، فيكون رميه في الوقت والزمان المعتبر، ويبتدئ الرمي كما ذكرنا من زوال الشمس يوم القر وهو يوم الحادي عشر وكذلك يوم النَفْر الأول وهو يوم الثاني عشر، وكذلك في يوم النَفْر الثاني هو الثالث عشر، فأيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم العيد: الحادي عشر ويسمى يوم القر؛ لأن الحجاج يستقرون بمنى، والثاني عشر ويسمى يوم النفر الأول، والثالث عشر ويسمى يوم النفر الثاني، ففي هذه الأيام كلها وقت الرمي من الزوال كما ذكرنا، ينتهي وقت الرمي لليوم الحادي عشر من طلوع الشمس من صبيحة الثاني عشر، على أصح قولي العلماء، ولذلك ينتهي رمي جمرة العقبة بطلوع فجر الحادي عشر، وينتهي رمي الحادي عشر بطلوع فجر الثاني عشر؛ لأن كل ليلة انسحبت لما بعدها، قالوا لأن عرفة أصبحت عشيتها بعد، فانسحبت إلى ليلة العيد، وإلا الأصل أن كل يوم ليلتها قبله، إلا في يوم عرفة جعلت عشيته بعد، فلما جعلت عشية عرفة بعد صار العيد أيضا يوم النحر عشيته إلى طلوع الفجر من الحادي عشر، فينتهي رمي جمرة العقبة بطلوع الفجر من الحادي عشر، فكذلك في الثاني عشر وينتهي في الثالث عشر من مغيب الشمس؛ لأنه نهاية المناسك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( أيام منى )) والأيام تنتهي بمغيب الشمس.

بالنسبة للرمي في الليل حجته ما جاء عن صفية امرأة عبدالله بن عمر -رضي الله عنها وعنه- لما نفست ليلة العيد، فإنها نفست بمزدلفة، وتأخرت في النفاس ولم تأت منى إلا بعد غروب الشمس، فرمت جمرة العقبة بعد غروب الشمس، فأجاز لها ذلك ابن عمر ولم يأمرها بشيء؛ ولذلك قالوا إن رمي جمرة العقبة يستمر إلى طلوع الفجر، فأخذ منه طائفة من العلماء أن الرمي في الحادي عشر ينتهي بطلوع فجر الثاني عشر، كما أنه يوم النحر ينتهي رمي جمرة العقبة بطلوع الفجر من الحادي عشر، هذا بالنسبة للرمي يعتد به بهذه الصفات أنه يراعي فيه الترتيب ويراعي فيه الزمان وأن يكون الرمي بالحصى فلا يرمي بغير الحصى، فلو رمى بالخشب لم يجزه وبالحديد وبالنحاس وبالرصاص والنيكل كلها لا يجزيه ؛ لأنها ليست من الحصى، وخفف بعض العلماء في الطين اليابس الشديد كالحجر إذا كان مكورا وفي الآجر وهو الطين المسخن بالنار إذا كان صلبا كما في الطوب الأحمر هذا المكسر فتاته أجاز بعض العلماء الرمي به والصحيح أنه لابد من الرمي بالحصى؛ لأنه هو الأصل ولم يرد ما يدل على غيره فبقي على هذا الأصل؛ ولأن رمي إبراهيم كان بالحصى، وعليه فلابد من مراعاة هذه الأمور في الرمي .

قال رحمه الله : [ ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها ] : ولا يقف بعد جمرة العقبة كما ذكرنا، وأصبح الضابط عند العلماء في الوقوف بعد الرمي أن يكون بعد الوقوف رمي ، فإذا كان بعد الوقوف رمي ؛ فإنه يصح الوقوف ، وأما إذا كان لا رمي بعده ؛ فإنه لا يقف ، فجمرة العقبة ليس بعدها شيء يرمى ، وعلى هذا فإنه لا يقف بعد رميه لهذه الجمرة ؛ لأن النبي صصص لم يقف عندها لا يوم العيد ولا أيام التشريق .

قال رحمه الله : [ ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك ] : ثم يرمي في اليوم الثاني على الصفة التي ذكرناها .

بالنسبة للرمي ينبغي للمسلم أن يحرص على السنة ؛ تأسيا بالنبي صصص واتباع الوارد ، ومن ذلك أن يكون رميه لجمرة العقبة يوم العيد، وأن يكون ضحى، وكذلك أيضا بالنسبة لرمي الجمرات البقية في أيام التشريق أن يكون رميه بعد الزوال، والأفضل أن يكون قريباً من الزوال لأن جابراً قال ثم انتظر حتى زالت الشمس رمى جمرة العقبة، ومن هنا قال بعض العلماء أنه يرميها قبل أن يصلي الظهر؛ لأنها مخصوصة لذلك اليوم مبادرة في الامتثال وفضلوا ذلك، بمعنى أنه يبادر ويعجل وهذا وقت فضيلة أن يكون الرمي ما بين الزوال إلى صلاة العصر، ثم يستمر الجواز إلى طلوع الفجر كما ذكرنا، فيراعي السنة والتأسي بالنبي صصص ما أمكن .

قال رحمه الله : [ فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب ] : فإن أحب أن يتعجل في يومين وهما الثاني عشر والثالث عشر فيخرج بعد رميه للثاني عشر؛ لقوله تعالى : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } فهناك أمران : الأمر الأول التعجل، والأمر الثاني التقوى.

فأما بالنسبة للتعجل فحقيقته أن يخرج من منى برحله ومتاعه قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، فإذا استتم الخروج من حدود منى في اليوم الثاني عشر قبل غروب الشمس فإنه متعجل، وعلى هذا لا يجب عليه أن يبيت ليلة الثالث عشر، وأما أن يخرج لكي تغيب الشمس ثم يعود ويأخذ رحله ويأخذ متاعه ويحتال على الشرع فليس بمتعجل حقيقة؛لأن الله قال : { تعجل } ولا يكون متعجلا إلا إذا أتم أغراضه ومتاعه وخرج حقيقة ؛ لأن الإنسان إذا بقي له غرض لم يكن متعجلا ، لو خرج ثم رجع لم يكن أصلا خارجاً، إذا خرج الإنسان عن موضع ولا زال متاعه ورحله في الموضع فإنه لم يخرج حقيقة، وإذا لم يخرج حقيقة لم يصدق عليه أنه تعجل ولم يصدق عليه أنه تحقق فيه شرط الشرع ، فالبعض يظن أن تغيب الشمس وهو خارج منى ، وهذا ليس مقصود العلماء وليس هو ظاهر النص ، النص يقتضي أن يحصل منه صفة التعجيل، ولا يمكن التعجيل إلا بالخروج، ولا يتحقق هذا الخروج لمن بقي له متاعه وبقي له غرضه فليس بمتعجل، وعلى هذا فلابد أن يستتم الخروج حتى يصدق عليه أنه فعلا تعجل، وإذا حصل منه التعجل بالخروج كلياً من منى فإنه يحكم بسقوط المبيت ورمي الثالث عشر، كذلك لو أنه ركب سيارته وازدحم الطريق فإنه إذا غابت الشمس ولم يخرج فليس بمتعجل؛ لأن الله يقول: { تعجل} والذي غابت عليه الشمس ولو كان على دابته ولو كان على سيارته ولو كان المتاع على ظهره فإنه لم يتعجل؛ ولذلك لم يفتِ أصحاب النبي صصص ولا مَنْ بعدهم من السلف الصالح من القرون المفضلة وغيرهم أن من حمل المتاع على ظهره ثم ازدحم قبل خروجه عند جمرة العقبة مع الناس أنه يجوز له أن يخرج؛ لأنه قد تعجل بوضع المتاع على ظهره . هناك أمران ينبغي التنبه لهما في فقه هذه المسألة ، هناك شيء يسمى النية والقصد ، وهناك شيء يسمى الفعل الظاهر. الأول متعلق بالقلب ، والثاني متعلق بالظاهر، فالذي يريد أن يتعجل لابد فيه من الأمرين: أن يخرج قاصدا للتعجل، وأن يكون معه رحله ومعه متاعه، وعلى هذا فالذي يكون في داخل منى قد خرج بسيارته وعليها متاعه ثم غابت عليه الشمس في الزحام ولم يخرج من منى خرج بنيته ولم يخرج بفعله ، والشرع يصفه بالتعجل، وهذه صفة خاصة تقتضي أنه استنفذ الأسباب والوسائل لكي يخرج من منى في الوقت المعتبر، وعلى هذا لا يكفي أن ننظر إلى الباطن ونلغي الظاهر. فالظاهر أنه في منى ، ولم يتعجل حقيقة ، والذي عليه ضوابط العلماء في التعجل أنه لابد أن يخرج من منى، ولم يُلتفت إلى قضية العذر، وإلا لو كان العذر أنه في الزحام ليس بمتعجل لكان الذي يكون مريضا ولا يستطيع أن يخرج ثم يستطيع بعد المغرب أنه يجوز له أن يتعجل ونحو ذلك من الأعذار والذي يَنْسى أن يخرج ثم يتذكر بعد غروب الشمس فليخرج لأنه عنده عذر؛ إذا ينفتح باب لا يمكن إغلاقه، وعلى هذا لابد من الرجوع إلى الصفة الواردة في القرآن ، عليك أن تتأمل أنه تعجل وهذا يقتضي أنه استنفذ الأسباب والوسائل فمن وجدنا هذه الصفة فيه التي نص عليها الكتاب ونص الله عليها في كتابه فإننا نقول: إنه متعجل، ومن وجدناه بمنى داخل منى برحله ولو كان على سيارته ولو كان عليها متاعه ولو كان معه الركب فإنه لم يتعجل حقيقة .

قال رحمه الله : [ فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى ] : هذا نصوص العلماء لزمه المبيت لم يفرقوا بين المعذور وغير المعذور، لم يفرقوا بين كونه جمع رحله ولم يجمع رحله ، إنما قالوا إذا غربت عليه الشمس ولم يخرج من منى وجب عليه أن يبيت، وعلى هذا لا مجال للاجتهاد مع ظاهر النص الذي ذكرناه، أنه لابد أن يتعجل حقيقة ، فإذا خرج وحصل منه التعجل حقيقة سقط عنه أمران : الأمر الأول مبيت ليلة الثالث عشر، والثاني الرمي لذلك اليوم، وهو رمي الثلاث الجمرات ، والنبي صصص لم يتعجل وإنما تأخر، ولذلك قالوا أخذ في منسكه بالأكمل، واختلف العلماء على وجهين : هل الأخذ بالرخصة أفضل أو أنه يأخذ بفعل النبي صصص ؟ وإذا تبين هذا فالتعجل رخصة من الله عز وجل إذا تحقق فيه الشرط الأول وهو التعجل فلا إشكال، يبقى الشرط الثاني وهو قوله تعالى : { لمن اتقى } والتقوى قالوا : أن يخرج من منى متعجلا لا يقصد السآمة ولا يقصد الكراهية للمبيت أي متقيا لله عز وجل باتباع الرخصة والسماحة واليسر وليس نفورا من الطاعة -والعياذ بالله - وكراهية لها كما يفعله البعض نسأل الله السلامة والعافية فإنه يتعجل ؛ لأنه ضائق ومتضائق من حاله في الحج ، والمحروم من حرم ، فالحج لاشك أنه عبادة تنشرح فيها الصدور وتطمئن فيها القلوب والمؤمن ولي الله المتقي يسعد وهو بين إخوانه في ذكر الله وشكره، ويسعد حينما يكون بين وفود الله والضيوف على الله عز وجل كما بين النبي صصص أن الغازي والحاج والمعتمر وفد الله ، فإذا خرج بالنية الصالحة وهي أنه يريد رخصة الله عز وجل وقد قال صصص: (( عليكم برخص الله التي رخص لكم )) ويريد السعة والتيسير من الله ويريد سماحة الإسلام ويسر الإسلام فلا إشكال، أما أن يخرج كارها -والعياذ بالله- للمبيت، كارها للرمي به الملل والسآمة فهذا لم يتق الله عز وجل إذا لابد من الأمرين : أن يتعجل وأن يكون تعجله على التقوى لا على غيرها .

قال رحمه الله : [ فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غد ] : فإن غربت الشمس وهو بمنى هذا اليوم يقع الرمي فيه والتعجل قبل غروب الشمس ، والرمي لابد فيه من بعد الزوال، وهذا مذهب جمهور العلماء -رحمهم الله- أن الرمي لا يصح قبل الزوال حتى في يوم النفر، وجاء حديث ضعيف وأثر عن ابن عباس –رضي الله عنهما - أيضا وفيه كلام أنه قال : (( إذا كان يوم النفر وانتفخ النهار فارم وامض )) فقوله : (( إذا كان انتفخ النهار )) أخذ منه بعض الفقهاء أن يوم التعجل يجوز الرمي فيه قبل الزوال، وهذا مذهب ضعيف:

أولا : لأن السنة الصحيحة في حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أثبتت أن النبي صصص ما رمى الجمرات كلها إلا بعد زوال الشمس.

وأما ثانيا : فإن سند الحديث الذي احتجوا به ضعيف، ولا يقوى على معارضة ما هو صحيح ولا يثبت بمثله الحكم، فإن قيل بتحسينه فإن الجواب عنه بأن هذا الذي استدلوا به حجة لنا لا علينا ؛ لأن قوله: (( انتفخ النهار)) العرب تقول: انتفخ الشيء إذا قارب الأكثر؛ لأن الشيء فيه نصفه الذي يفصل يعني إذا كان ما دون النصف فهو قليل، وما كان فوق النصف فهو كثير، وما كان نصفا تساوى فيه الأمران، فمتى يكون الترجح يكون عند مجاوزة النصف، والعرب تستخدم أساليب كثيرة، فإذا جاءت في شيء تريد أكمله وأكثره جاءت بصفة تقتضي الزيادة. فقوله (( انتفخ النهار )) لم يقل إذا طلع النهار فلو كان المراد منه بداية النهار لقال إذا طلع النهار لكن قال إذا انتفخ ولا ينتفخ إلا إذا كان امتلاؤه بحجم معتبر، والحجم المعتبر أن يستتم أو يكون قريبا من التمام بمجاوزة النصف؛ وعلى هذا يكون انتفاخ النهار حينما يجاوز شطره وهو منتصف اليوم، وهذا هو الذي جاءت به السنة، وحينئذ ما جاء من الآثار محتملة للوجهين : الوجه الذي يعارض السنة المرفوعة ، والوجه الذي لا يعارض ، وجب صرفه على الوجه الذي لا يعارض ؛ وعليه فقد صحت السنة عن رسول الله صصص بأنه رمى بعد زوال الشمس فلا وجه لمعارضتها بما هو أضعف .

ثانيا : النظر الصحيح ، فإن رمي جمرة العقبة عبادة مؤقتة ، ولذلك كل العلماء حتى بعض السلف الذين يقول بجواز الرمي قبل الزوال لو سألناهم عن الرمي رمي الجمرة قبل طلوع النهار؟ قالوا : ما يجوز . نقول لماذا ؟ قالوا لأنها عبادة مؤقتة ، نقول : إذا تسلمون أنها عبادة مؤقتة . يقولون : نعم نقول هذه العبادة المؤقتة لا يجوز فعلها قبل الزوال كما لا يجوز فعل صلاة الظهر قبل الزوال، كما أُقتت صلاة الظهر بالزوال أقت رمي الجمار من النبي صصص بالزوال؛ لأنه لا معنى أن يعطل مائة ألف نفس معه عليه الصلاة والسلام ويحبسهم نصف يوم كامل لكي يزدحموا في نصف نهار وهم مائة ألف أحوج ما يكونون أن يرموا من قبل الزوال لا معنى لذلك إلا أن نصف النهار معتبر، ثم إن النبي صصص في اليوم الثاني عشر وهو يعلم أن الناس تتعجل، وأن لهم رخصة في التعجل لم يرم في ذلك اليوم إلا بعد منتصف النهار، ما معنى هذا كله ؟‍‍‍! أما مسألة موت الناس في الزحام فهذه مسألة أعطيت أكبر من حجمها أولا أن هذه الملايين التي تحضر وهي في حفظ الله ورحمته وتيسيره ومنه وكرمه تعيش هذه الأيام والأجواء الروحانية فتجدهم في نعمة وفي رخاء وفي ذكر وفي شكر، يتوب المذنبون ويصلح الفاسدون ويقبل المدبرون، فتتغير أحوالهم، حتى إن العصاة المذنبين الذين أتعبوا مجتمعاتهم وأقلقوا أهليهم وذويهم وأقلقوا الناس تصلح أحوالهم في هذه المنازل الشريفة وفي هذه العبادة العظيمة كل مآثر الإسلام في هذه لا يلتفت إليها ، بمجرد ما يموت حاج أو حاجين تجد أعداء الإسلام يصيحون في الشرق والغرب، أمن شفقتهم على حجاج بيت الله ؟! كذبوا . هل هم من رحمتهم لحجاج بيت الله ؟! إنما المراد التشويه والمراد الحسد على هذه النعمة التي أنعم الله -U- بها على المسلمين وأنعم بها على هذا البلد المبارك في رعاية حجاج بيت الله والقيام عليهم ، لا يلتفتون إلا للشيء الذي يجدون فيه مطعنا في الإسلام والمسلمين، فتجدهم كالذباب لا يسقطون إلا على القذر، ثم أمر عجيب تجدهم يفعلون في مواسمهم كما نقول في مبارياتهم ومشاهدهم يموت مئات الأنفس من السكارى ومن غيرهم لا أحد يتكلم ولا أحد يشوش ولا أحد يرجف ، لكن إذا جاء هؤلاء العباد وجاءوا في طاعتهم وفي قربتهم لله عز وجل التي يتمنى الإنسان أن تحسن خاتمته يقول صصص : (( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا )) . قال العلماء : موت الإنسان في الحج من علامة حسن الخاتمة . فالشاهد من هذا هذا كله لا يلتفت إليه فهم يموتون في السحيق وفي البلاء وفي الأمور التي تُشين -والعياذ بالله- هذه لا يشوه لكن أن يؤتى بعشرة بعشرين بمائة من بين مليونين نسبة لا يلتفت إليه، وإذا بالدنيا تقوم وتقعد ، على الأعداء أن يقوموا ويقعدوا لكن أن يأتي من طلبة العلم، وأن يأتي من يتتبع الرخص لكي يقول إن هذا سببه كذا وكذا ويذهب يتتبع الرخص، لا. اتركوا الرمي دعونا نكون نجعل للناس توسعة ، لماذا نضيق على الناس؟! لماذا نأمر الناس بالرمي ؟! يقول إن موت الناس عند الجمرات سببه أن نفتي الناس بالرمي بعد الزوال. يا سبحان الله ! أكانت السنة سببا في قتل الناس. لماذا ماتوا الآن وما ماتوا من قبل ؟! ولماذا حصل هذا في هذه السنة ولم يحصل في السنوات قبلها ؟! العبادة لا تضر ولا تؤذي ولم تكن سنة النبي صصص وهديه شرا على الناس أبدا ، ونعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه ولا مرية أن الله بعث نبيه عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين ، وأنه لم يبعثه عذابا على العباد ، زهناك فرق بين العبادة التي سنتها الشريعة وبين أفعال الناس وتصرفات الناس ، ولذلك ما يحصل حقيقته ليس في توقيت الفقهاء ولا في فتاوى العلماء ولا في مسائل فقهية حقيقته في سلوكيات الناس وتصرفات الناس وحينئذ ينبغي أن تعالج هذه السلوكيات، وأن تعالج هذه التصرفات، حتى إني في العام الماضي وجدت الناس يجلسون عند الجمرات، منهم من ينام، ومنهم من يفترش الأرض، مع كل ما بذل من الوسائل، وهذا لا نقول إنه في تقصير نرجو من الله أنه فيه خير كثير، بذلته الدولة وبذله من يقوم على الحج، كنا نعاني الأمرين حينما كان الرجل يذهب إلى رمي الجمرات فيجد الناس نائما تحت الجسر، وكلكم رأى هذا من ذهب إلى الحج، فلا يجد طريقا إلا للواحد والاثنين، وهذا موضع رمي، فتجدهم يقتتلون ويدعس بعضهم بعضا ولربما يكون من النساء والفتن في طريق الإنسان لعباده، حتى أراد الله وأزيلت هذه البلية، فجاؤوا وافترشوا جوار الجمرات قبل الجمرات ويمين الجمرات ويسار الجمرات، حتى إلى عهد قريب في العام الماضي مكثت ما بين جمرة العقبة إلى أن أصل إلى أول الجمرات لغرض من بعد المغرب إلى بعد العشاء بنصف ساعة ، قرابة الساعتين من آخر الجمرات؛ لأن الطريق لا يمكن أن يسير فيه إلا واحد أو اثنين، وهؤلاء نائمون ويدفعون الناس. تصرفات الناس هي المؤذية، ويتركون خيامهم ومنازلهم التي يسرت لهم وسهلت لهم وفيها وسائل الراحة وفيها وسائل الاستجمام لكي لا يجدوا إلا هذا المكان، ولا يجدوا إلا هذا المجلس؛ إذا تصرفات الناس، علينا أن نعي الأمور بحقيقتها، ثم يأتي من يقول لا هذا سببه ضيق الحوض نوسع الحوض، سببه ضيق الوقت نوسع الوقت، سببه فتاوى العلماء إذا نبحث عمن يرخص، هذا ليس بعلاج المشكلة ، المشكلة جاءت من تصرفات الناس، فرق بين الخطأ بسبب العبادة وحاشا أن تجد في دين الله وشرع الله الذي وسع الله به على عباده خللا أبدا { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } ما أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ولا سن له إلا الصدق والعدل ولا بعثه إلا رحمة للعالمين؛ فإذاً معالجة هذه المشاكل توجيه الحجاج الذين يأتون إلى الحج، يوجهون من ديارهم حتى إن بعض الجنسيات تعتني بهذه المسألة فتجدهم من أسلم الناس في الحج، كذلك أيضا من الأسباب حينما يرتبط الناس بعضهم ببعض عند رمي الجمرات، فتجد الثلاثمائة والأربعمائة يأتون مع بعضهم، ويتماسكون مع بعض فيأتي هذا الكم الهائل لكي يزحف كل من أمامه، وكأن المسألة قتال، وكأنها معركة وكأنهم قادمون إلى معركة ولاشك أن هذا سيضر بالناس، سيسقط الضعيف ، بل وسيسقط القوي ، لأن القوي إذا واجهه اثنان أو ثلاثة أو أربعة الله أمر بمصابرة اثنين ما بالك إذا جاء ثلاثمائة مع بعضهم ! فإذا لا بد أن ننظر إلى تصرفات الناس وأعمال الناس. الخلل ليس في العبادة ، الخلل من هذه السلوكيات ، حينما يأتي العشرون والثلاثون ويحاطون بأناس أقوياء في بنيتهم كأنهم جاءوا من أجل طرد الناس عن هذه الرفقة هذا لا يجوز ، هذه السلوكيات هي التي تُعالج ، وهذه التصرفات من الناس هي التي ينبغي النظر فيها ، وعلى هؤلاء الذين يأتون إلى الحج أن تعتني بلدانهم بتوجيههم ، وأن تعتني بتربيتهم بآداب الإسلام ، وأن تعرفهم حقوق المسلمين قبل أن يأتوا ، ولاشك أنه أحسنت بعض الدول حينما تصنع بعض الدورات لحجّاجها قبل أن يأتوا إلى الحج حتى إنه في بعض الأحيان يعلموهم كيف يطوفون كيف يسعون، ويثقفون روحيا ، فلو أن كل بلد إسلامي يكون فيه نخبة من أهل العلم ويعتني كل بلد إسلامي وينبه على البلدان أنها تثقف شعوبها وحجاجها لتلافى الناس كثيرا من هذا الخلل ، ثم إذا قمنا بذلك قمنا بما فرض الله علينا ؛ لأن هذا هو الواجب في المسلم ، وإذا كان الحاج بهذه الطريقة فقلّ أن تجد سلوكا خاطئا ، وقل أن تجد العبادة فيها ضرر على الناس .

الأمر الأخير : أن هذا أمر معروف ؛ لأن من طبيعة وسنة الله عز وجل أن مثل هذه الاجتماعات لا تخلو من وجود ضرر ، ولذلك ينبغي أن لا نتخذ من هذا الضرر السني الكوني طريقة لتغيير شرع الله ، والعبث بالعبادات التوقيفية ، والعبث بالأماكن المحددة ، والعبادات المؤقتة ، بل ينبغي لنا لزوم الأصل، هذا ما أردنا بيانه لعموم البلوى به ؛ خاصة بعد أن وجدنا بعض طلاب العلم من يثرّب على أهل العلم وعلى كبار العلماء وبعضهم ينتقصهم وبعض الكتاب يحاول أن يجعل أخطاء الناس سببها الفتاوى ، وهذا خلط بين القضايا ، وهو صنيع من لا ينصف ، بل علينا أن نتأمل الأخطاء بأسبابها ، ونعالج هذه الأسباب ، وأن نفرق بين شرع الله وبين تطبيق شرع الله ، وهذا هو الذي أردنا أن ننبه عليه لعموم البلوى به .

قال رحمه الله : [ لزمه المبيت بمنى والرمي من غد ] : إذا لم يتعجل لزمه المبيت ليلة الثالث عشر والرمي الأمران ؛ لأن النبي صصص لم يتعجل فبات ثم رمى الجمار ثم نفر صلوات الله وسلامه عليه النفر الثاني في اليوم الثالث عشر .
لزمه المبيت : المبيت يطلق في لسان العرب على مرور الليل على الإنسان ولو كان مستيقظا . يقال : بات إذا مر عليه الليل بغض النظر عن كونه نائما أو مستيقظا ؛ ومنه قوله تعالى : { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } فقوله : { والذين يبيتون } وصفهم بكونهم يبيتون سجدا وقياما وهذا استيقاظ في حال اليقظة وليس في حال النوم ؛ فدل على أن البيتوتة لا تستلزم النوم ، فلو أنه بقي في منى ولم ينم فقد بات ؛ إذًا المراد أن يكون بجرمه وبجسده بمنى بغض النظر عن كونه نائما أو مستيقظا ، ولكن السنة أن ينام إذا حصّل وقتا ينام فيه، فإن جلس في منى هل يتحقق المبيت بجزء من الليل أم لابد من أكثر الليل ؟

والصحيح أنه لابد من أكثر الليل ، وإذا قيل أنه لابد من أكثر الليل فإنه يحتسب من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم يعتد بأكثر النصف بما زاد على النصف ، فلو كانت الشمس تغيب مثلا في الساعة السادسة وأذان الفجر لو فرضنا الساعة الرابعة أصبح الليل عشر ساعات ، فأكثر الليل أن يبيت أكثر من خمس ساعات ، وهل العبرة بآخره أو بأوله ؟ فالآخر لا إشكال فيه وعليه أن يتحراه ، فيجعل الخمس ساعات من قبل فأكثر من قبل الفجر ما أمكنه .

قال رحمه الله : [ والرمي من غد ] : والرمي من غد كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ فإن كان متمتعا أو قارنا فقد انقضى حجه وعمرته ] : لأن النبي صصص مع الصحابة تمتعوا وبيّن لعائشة رضي الله عنها أنها في قرانها حصلت الحج والعمرة .

قال رحمه الله : [ وإن كان مفردا خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه ]: وإن كان مفردا فإنه يرجع إلى بلده كما يرجع القارن والمتمتع ، ومسألة أن يلزم بعمرة بعد الانتهاء من الحج أو يقال إنه ينبغي له أن يذهب إلى التنعيم ويأتي بعمرة هذا لا دليل عليه ليس هناك دليل على الإلزام ، وأنه يجب له أن يأتي بالعمرة بعد حجه ؛ فإن النبي صصص لم يلزم عروة بن مضرس ررر وقد جاء بالحج وحده ، ومع ذلك لم يأمره عليه الصلاة والسلام أن يأتي بالعمرة بعد حجه ، فدل على أن العبرة أن يأتي بالحج سواء جاء به مفردا أو قارنا أو متمتعا فلا يلزمه أن يذهب إلى التنعيم ولا إلى أدنى الحل يأتي بعمرة ، لكن لو أراد أن يأتي بهذه العمرة لا ينكر عليه . من اختياره وطواعيته ؛ خاصة من يأتي من بلاد بعيدة فإنه لا يتيسر له أن يأتي مرة ثانية ويتكفّل بكلفة السفر وعناء السفر ومشقته المادية والجسدية ، فلو قال : أنا أتيت بحجي وعلي العمرة فأريد أن أبرئ ذمتي وأؤدي ما علي فلابأس أن يأتي بعمرة ، ولابأس أيضا إذا أراد أن يعتمر عن أبيه الذي لم يعتمر أو عن أمه أو عن قريبه له لم يعتمر إذا وجدت الحاجة . أما أن يقال إنه لابد أن يذهب فلا ، أما إذا وجدت حاجة أن يذهب إلى التنعيم فإنه لابأس بذلك ولا حرج فيه .

قال رحمه الله : [ ثم يأتي مكة ويطوف ويسعى ويحلق أو يقصر ] : ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر هذا إذا كان اعتمر عمرته من التنعيم يعني يأتي بالعمرة بعد الحج إذا وجد لها موجب كما ذكرنا. أما إذا كان قد اعتمر قبل حجه في رمضان أو في الأيام الماضية يؤدي حجه ثم يمكث في مكة للعبادة ؛ لأن المكث في مكة للعبادة أفضل من الإتيان بالعمرة ؛ ولذلك قال هذه الخطوات التي يخرج بها إلى التنعيم أو إلى الحل من أجل أن يأتي بها للعمرة الأفضل أن يستنفذها بالطواف بالبيت ؛ لأن العمرة شرعت لزيارة البيت ، فحينئذ لا يترك الأفضل للمفضول ، ولا يترك المقصد للوسيلة ؛ وعليه أن يبقى بمكة ويتعبد الله عز وجل وأن يصيب فضل الصلوات بها وفضل الطواف حتى شدد بعض السلف في خروج المكي للعمرة وقال عطاء وغيره : هؤلاء الذين يذهبون إلى التنعيم لا أدري أيؤجرون أم لا يؤجرون ، حتى ذكر قال إذا ذهب إلى التنعيم فأكثر من ثلاثة أميال وهذه فيها ما لا يقل عن كذا طوفة بالبيت يعني هذه الخطوات التي يمشيها إلى التنعيم لو أنه طاف لحصل بها الدرجات العلى ؛ وعلى هذا فإنه يقتصر على بقائه بمكة ، ويستكثر من الطواف إن كان جالسا بعد حجه.

أما النبي صصص فإنه لما أتم حجه ونزل بالمحصّب وهو البطحاء والأبطح عند الخيف خيف بني كنانة وخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ، وهذا الموضع هو الذي اجتمعت فيه قريش على أذية النبي صصص وأذية بني عبد المطلب، وحوصروا حصار الشعب المعروف ، فلما قيل للنبي صصص : أين تنزل غدا ؟ قال : وهل ترك لنا عقيل من رباع ، سننزل بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، وهذا الموضع من طرف قبور المعلاة والأبطح والبطحاء والمحصِّب الأبطح هو المسيل مسيل الوادي ؛ لأن هذا مجرى الوادي الذي ينصبّ على جهة الحرم بين الصفا والمروة ؛ لأن الحرم في مجرى وادي { إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } فالحرم في مجرى الوادي ، وهذا الوادي ينصب من أعلى مكة من جهة القبور حتى ينزل على جهة الأسواق الموجودة فوق الصفا ، ثم ينزل بين الصفا والمروة على البيت، فهذا المسيل من جهة قبور المعلاة كان في القديم طبعا مجرى وادي عليه الحصباء فيقال المحصِّب ويقال له البطحاء ؛ لأنها أرض منبطحة ومستوية والعرب تسمي مثل هذا بالأبطح والبطحاء . قال الشاعر :

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتَه والبيت يعرفه والحل والحرم .

فالبطحاء هو هذا الموضع وهو منزل النبي صصص من جهة القصور القديمة نزل عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع ، فبعد أن انتهى من رمي جمرة العقبة نزل هناك ، وهذا النزول ليس من النسك وليس من تمام الحج ، وهي المسألة التي يعبر عنها العلماء بالتحصيب ، فيقولون التحصيب ليس بلازم وليس بشعيرة وليس بمنسك أي أن فعله النبي صصص فعل رفق ، نزل فيه عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه أرفق له ، وهذا هو منزله وليس من تمام الحج ولا من نسكه ولا من شعائره . فالمقصود أن النبي صصص نزل بالمحصب ، واختلفت الرواية قيل إنه في هزيع الليل ، وقيل بعد منتصف الليل على الفجر نزل فطاف طواف الوداع، ثم صدر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام قبل أذان الفجر ، وهذا هو المحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام في السير والذي ذكره العلماء والأئمة .

قال رحمه الله : [ فإن لم يكن له شعر استحب أن يُمِرّ الموسى على رأسه وقد تم حجه وعمرته ] : طبعا هو إذا تحلل بالحج وأراد أن يأتي بالعمرة بعد الحج على ما ذكر المصنف فإذا كان حلق في حجه ففي هذه الحالة ما يجد شعراً لأن ثلاثة أيام الفاصل وقد تقل إذا تعجل فما يجد شعرا إلا قليلا على قرب منبته فقال : إنه يمر الموس ، فهذا راجع إلى مسألة : إذا لم يكن هناك شعر فهل يعتد بالفعل أو لا يعتد ؟

فقال بعض العلماء : لابد من الفعل ، والواقع في الحقيقة أنه يبقى شيء من أصول الشعر ، ويستقيم جزّه، وفي زماننا أرفق من الزمان القديم ويتيسر إزالته في هذا الزمان أكثر من غيره هذا ليس خاصة بمسألة العمرة لكنه هنا في العمرة لضيق الوقت وإلا قد يتأتى في الشخص إذا فعل أكثر من عمرة .

قال رحمه الله : [ وقد تم حجه وعمرته ] : قد تم حجه وعمرته .

قال رحمه الله : [ وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد ] : لأن النبي صصص طاف لقرانه طواف الركن وسعى سعي الركن ولم يزد بسعيين فلم يجعل لعمرته سعيا مستقلا ولم يجعل لعمرته مع حجه طوافا مستقلا ؛ فدل على أن القارن فعله كفعل المفرد ؛ والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح (( عن النبي صصص أن عائشة رضي الله عنها لما نفست بكت . قال : مالك أنفست؟! - يعني حضت لأن النفاس اسم من أسماء الحيض ؛ لأن النفس يطلق على الدم -. فقال : أنفست؟! ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )) عائشة رضي الله عنها جاءت بعمرة فجاءت متمتعة ، فلما كانت بِسَرِف، حاضت فلما حاضت معناه أنها ستجلس أيام عادتها فمستحيل أن تدرك قبل الحج عمرة ؛ لأنها ستطهر بعد الوقوف بعرفة ، ولذلك إذا كان طهرها بعد الوقوف بعرفة قد تعذر عليها أن تأتي بعمرة ، ومن هنا أمرها النبي صصص أن ترفض العمرة وأن تصبح قارنة ، فطافت وسعت لما تحللت لما طهرت فقالت للنبي صصص : أيرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج ؟ فقال لها النبي صصص : (( طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والعمرة كافيك لحجك وعمرتك )) فجعلها في القران لأنها قارنة جعلها في القران تسعى سعي الحج ويجزئ عن سعي العمرة فيندرج الأصغر تحت الأكبر ، وتطوف طواف الحج فيندرج تحته طواف العمرة فيندرج الأصغر تحت الأكبر ، فدل على أن القارن لا يخالف المفرد على ما ذكره المصنف فيفعل أفعال المفرد ويجزيه .

قال رحمه الله : [ لكن عليه وعلى المتمتع دم] لكن عليه على القارن دم ؛ لقوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } يختلف القارن عن المفرد بوجوب الدم عليه ، فيجب عليه دم والمفرد لا يجب عليه دم ، وهذا الدم جبر الله به نقص الواجب ؛ لأنه كان المفروض أن يأتي بعمرة أولا ، ثم يرجع إلى الميقات ويأتي بالحج من ميقاته فترفه بسقوط السفر الثاني عنه وجمع بين النسكين في نسك واحد فوجب عليه ضمان هذا النقص ؛ والدليل على ذلك أن المكي لما قرن بين الحج والعمرة لا يجب عليه دم ؛ لأنه أهل من ميقاته وجمع بين الحل والحرم فأجزأه لعمرته ، وعلى هذا فإنه يخالف القارن المفرد من جهة وجوب الدم عليه .

قال رحمه الله : [ لقوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } ] : هذه الآية اشتملت على مسائل :

المسألة الأولى : في قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } أنها دلت على مشروعية التمتع ، وهذا محل إجماع على أنه يشرع التمتع ، والتمتع في الحج يكون على صورتين :

صورة العمرة في أشهر الحج ثم يحج من عامه بالشروط المعتبرة .

أو يأتي بالحج مع العمرة في نسك واحد ؛ كما فعل النبي صصص.

الأول : يسمى بالتمتع .

والثاني : يسمى بالقران . كلاهما تمتع . الآية شملت الاثنين ؛ ودلت على مشروعية الاثنين من حيث الأصل فقال الله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فدل على أن الحج يكون تمتعا.

المسألة الثانية : أن الله لما أجاز التمتع وشرعه لم يفرق بين طائفة وطائفة ، بل قال : {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فشمل أهل مكة وغيرهم ، فأخذ جمهور العلماء من هذه الآية الكريمة أن أهل مكة يتمتعون وأنهم إن تمتعوا لا دم عليهم .

وخالف الحنفية رحمهم الله فقالوا : أهل مكة لا يتمتعون ، وإن تمتعوا فعليهم دم.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأن قوله تعالى : { فمن تمتع } عام شامل لأهل مكة وغيرهم فدل على مشروعية التمتع للجميع .

والمسألة الثالثة : في قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فدل على أن العمرة تقع في زمان الحج في أشهر الحج ، وعليه فلا تمتع في عمرة سبقت أشهر الحج على التفصيل الذي ذكرناه، فيشترط في التمتع أن تكون العمرة في أشهر الحج ، وأن يوقع عمرته في أشهر الحج ؛ فدل على أنه إذا لم يوقعها في أشهر الحج أنه غير متمتع ، فلو جاء بعمرة في رمضان وانتهى منها فهلّ هلال شوال فبقي بمكة ثم حج فهو مفرد ؛ لأنه لم يتمتع بعمرته إلى الحج حيث إن العمرة لم تقع في أشهر الحج .

إذًا يشترط أن تكون في أشهر الحج { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } المقطع الأول يتعلق بمن يتمتّع مشروعية التمتع ومن يتمتع في قوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } المقطع الثاني في قوله : { فما استيسر من الهدي } أي عليه الذي استيسر من الهدي فدل على وجوب الدم على المتمتع ، وهذا محل إجماع : أن المتمتع يجب عليه دم سواء كان قارنا أو جاء بعمرة في أشهر الحج ثم حج من عامه واستوفى الشروط ، هذا المقطع الثاني { فما استيسر من الهدي } هذا الإجمال في قوله { الهدي } فصلته السنة أن الهدي لا يكون إلا من بهيمة الأنعام : الإبل والبقر والغنم، فلا يصح أن يهدي غير ذلك .

وثانيا : أن هذا الهدي ينبغي أن يكون مستوفيا للشروط ، فسيبينه المصنف رحمه الله في باب الهدي والأضحية وسنتكلم عليها في شروط الهدي ، من كونه : سالما من العيوب ، وقد بلغ السن المعتبرة؛ { فما استيسر من الهدي } هذا الهدي السنة فيه في القارن أن يأتي به من بلده أن يسوقه معه من بلده طبعا من ميقات بلده أو من ميقات الموضع الذي أحرم منه ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( لولا أني قلدت هديي ولبدت شعري لحللت ولجعلتها عمرة )) وقال : (( إني قلدت هديي ولبدت شعري فلا أحل حتى أنحر )) فدل على أنه يسوق الهدي معه كما ساق علي ررر الهدي ؛ ولذلك أمر النبي صصص من أصحابه من لم يسق الهدي أن يتحلل ويجعلها عمرة ؛ فهذا المقطع { فما استيسر من الهدي } { فما استيسر} ليس على إطلاقه ؛ قد يقول قائل: لو وجدت جذعة من الغنم دون السن المعتبرة هي مما استيسر نقول : لا ، هذا مقيد بما جاء في السنة .

{فما استيسر من الهدي } الهدي يكون من الإبل والبقر والغنم ، الإبل والبقر عن سبع كما جاء في السنة من حديث جابر وغيره يجوز الاشتراك فيها ، والشاة أو الغنم بنوعيه المعز والضأن عن شخص واحد .

{ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد } هذا المقطع الثالث ، وهو البدل عن الهدي ، وشرطه عدم الوجدان ؛ فدل على أن من كان قادرا على الهدي لا يجوز له أن يصوم { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } فدلت الآية الكريمة على حكم من لم يجد الهدي للعلماء في قوله تعالى { من لم يجد } وجهان :

الوجه الأول: اعتبار الحال .

والوجه الثاني: اعتبار الصفة ، فهو إذا لم يجد لفقر فلا إشكال أنه يصوم لكن لو كان فقيرا في سفره غنيا في بلده أو فقيرا في يوم ولكن يمكنه غداً أن يحول له المبلغ قالوا إنه في حكم الواجد ، فله أن يتسلف وأن يذبح ، فإذا لم يجد فإنه يكون في حكم غير الواجد كما في الماء إذا وجده الإنسان وعجز عن استعماله.

فالشاهد من هذا أن الذي لم يجد الهدي بين الله أن حكمه الصيام ، ثم بين أن هذا الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع ، هذا هو الأصل أن صيام الهدي في الحج هدي التمتع والقران من عجز عنه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج ، فله أن يصوم الخامس والسادس والسابع ، وله أن يصوم السادس والسابع والثامن ، وله أن يصوم أيام التشريق يؤخر الصيام إلى أيام التشريق ، فيصوم الثلاثة الأيام إذا لم يتيسر له صيامها قبل؛ لأنه قال : { في الحج وسبعة إذا رجعتم } أي يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى بلده .

{ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } طيب إذا عجز عن الثلاثة الأيام في الحج ما استطاع فإنه يصوم العشرة كاملة إذا رجع إلى بلده . طيب لو كان آفاقيا ثم جلس في مكة بعد الحج واستقر فيها عنده مثلا مهمة جلس فيها ثلاثة أشهر شهرين يصوم بمكة ؛ لأن قوله : { وسبعة إذا رجعتم } بني على الغالب ؛ لأن الغالب أن الإنسان بعد الحج يرجع ، والنص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه ، فلو سألك شخص وقال : صمت ثلاثة أيام في الحج وأنا بلدي مثلا في الرياض ولكن عندي مهمة في جدة بعد الحج عشرة أيام وأريد أن أصوم الأيام الباقية أو عندي مهمة شهرين أو ثلاثة أيام أو أربعة أشهر أريد أن أصوم ؟ تقول له : صمها ؛ لأن قوله : { إذا رجعتم } خرج مخرج الغالب ، والنص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه .

{ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } هذا المقطع الأخير { ذلك لمن لم يكن } ذلك اسم إشارة للبعيد ، فالأصل فيه ذلك، لكن المراد هنا أنه استخدم اسم الإشارة للبعيد لوجود البدل الذي فصل بين الأصل وبين اسم الإشارة ، فالحنفية أخذوه اسم إشارة للبعيد ؛ فقالوا { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } معناه صدر الآية { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} فقال : {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } هو لمن لم يكن حاضري المسجد الحرام ، فقالوا : إن المكي لا يتمتع ، هذا معنى قولهم في الأول إن المكي لا يتمتع .

والجمهور قالوا نعم ذلك اسم الإشارة للبعيد ، لكنه ليس على ظاهره هنا من أن المراد به صدر الآية ، وإنما الآية جاءت بمشروعية التمتع ، ثم بوجوب الدم ، فلما أوجبت الدم أدخلت بعد وجوبه البدل عن الدم، فلو أنه قال : {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } فلو قال : وهذا لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أو لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لفهم أن البدل وهو صيام الثلاثة الأيام والسبعة إذا رجع خاص بالآفاقي وأنه لا يكون لأهل مكة ؛ فجاء باسم إشارة للبعيد لكي ينتقل عن البدل إلى الأصل لا أنه ينتقل إلى صدر الآية .

الحنفية قالوا عندنا قرينة تدل على أنه أول الآية ؛ لأنه قال : { ذلك لمن } ولم يقل : ذلك على من وهو يقول : { فمن تمتع } والهدي قال : { فما استيسر } فأنت عندك فمن تمتع يعني لك أن تتمتع فيستقيم قوله { ذلك لمن } مع صدر الآية.

فرد الجمهور أن لمن اللام بمعنى على ، وهذا معروف في لسان العرب ومنه قوله تعالى : { ومن أساء فلها } وقوله تعالى : { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } أي عليها عاكفون فيكون قوله { ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } أي ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فاستقام ردها إلى الدم وليس إلى صدر الآية الكريمة. وهذا هو الأرجح هذا حاصل ما ذكر في استشهاده رحمه الله بالآية الكريمة .

قال رحمه الله : [ وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره ] : هذا النوع من الطواف يقال له : طواف الوداع ، وهو يكون عند الصدر والخروج ؛ والأصل فيه أن النبي صصص أمر به الصحابة .

كانت العرب إذا انتهت من مناسكها تخرج من فجاج منى وعرفات إلى بلدانها ومنازلها ، فأمر النبي صصص بزيارة البيت ، وذلك أن الحاج نزل إلى البيت وطاف طواف الإفاضة وبقي اليوم الثاني عشر الحادي عشر والثاني عشر، فاستقبح منه أن يخرج إلى بلده دون أن يزور البيت ، فشرع الله لعباده أن يكون آخر عهدهم بالبيت طوافا .

وأشارت أم المؤمنين رضي الله عنها إلى ذلك بقولها : (( كان الناس يصدرون -يعني يسافرون- من فجاج منى وعرفات . فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافا )) .

فقالت رضي الله عنها : فأُمِروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً وجاء هذا صريحا من قوله عليه الصلاة والسلام : (( اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافا )) .

قوله : (( اجعلوا )) : أولا : دل على مشروعية طواف الوداع .

ثانيا : أنه واجب ؛ لقوله : (( اجعلوا )) والأمر للوجوب .

ثالثا : قول أم المؤمنين إلا أنه خفف فيه عن الحائض والنفساء ؛ فدل على أنه واجب ، وهذا مذهب جمهور العلماء رحمهم الله . فلا يخرج إلا بعد أن يطوف طواف الوداع ، هذا بالنسبة لهذا النوع من الطواف أنه واجب ، ويكون وجوبه عند الخروج عند السفر والذهاب إلى البلد والقفول فقال : إذا أراد القفول .

قال رحمه الله : [ وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت ] : فقال عند فراغه من جميع أموره ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( اجعلوا آخر عهدكم )) فلما قال : (( اجعلوا آخر عهدكم )) دل على أنه لا يكون إلا عند الصدر وعند العزم على السفر، فيرتب أغراضه وشؤونه ثم ينزل ويطوف طواف الوداع ، وعلى هذا لا يأتي بطواف الوداع بمجرد انتهائه من المناسك ثم يرجع ويجلس في منزله ثم يسافر بل عليه أن يجعله عند الخروج حتى يكون آخر العهد بالبيت .

قال رحمه الله : [ فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده ] : اشتغل بعده بتجارة وبيع وشراء أعاده هذا فيه تفصيل ، إذا كانت تجارة المراد بالتجارة طبعا أن يشتغل بالبيع لكن لو فرضنا أنه اشتغل بالشراء فإن اشترى أغراضا للسفر وهي ما تكون في حكم الخروج لم يؤثر، مثال ذلك : لو أنه أراد أن يخرج طاف طواف الوداع ثم ركب سيارته ثم وقف في محطة مثلا يغير للسيارة زيتها كما هو موجود في زماننا وقف في المحطة حتى يأخذ مثلا أغراضه إما للرفقة أو وقف عند مطعم حتى يشتري طعاما غداء أو يأخذ زاد من الطعام له ولأولاده ورفقته لا يؤثر ؛ لأن هذا أصلا في حكم الخروج والتابع تابع ، والمراد به الاستعانة على الخروج فهذا لا يؤثر ، وهكذا لو أنه غيّر في السيارة شيء يستعين به على الخروج كأن يغير إطارها أو نحو ذلك فهذا لا يقطع الوداع ولا يؤثر فيه .

قال رحمه الله : [ ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب ] : الملتزم بين الركن والباب وصف بذلك لأن الإنسان يلتزمه بصدره ؛ وفيه حديث مرفوع عن عمر ررر (( أن النبي صصص التزمه ، وقال : هاهنا يا عمر تسكب العبرات )) والالتزام بالملتزم لا حرج فيه ولا بأس به ولم ينكره النبي صصص، وما يفعله البعض من تبديع الناس وأذيتهم في هذه الأمور التي تعظم بها شعائر الله ليس بصحيح ؛ فإن النبي صصص لم ينكره ، وكان معروفا وتناقله العلماء والأئمة رحمهم الله ، فإذا ألصق صدره بالبيت فلا بأس عليه ولا حرج ؛ وقد جاءت السنة حتى قال صصص : (( يعوذ عائذ بالبيت )) والحديث صحيح في المهدي لما قال : (( يعوذ عائذ بالبيت )) فالإنسان إذا جاء واستجار بالله عز وجل وألصق صدره بالبيت تعظيما لحرمة الله عز وجل فهذا من توحيد الله وليس من عبادة البيت وليس من عبادة الحجارة كما يظن بعض الجهلة إنما ينكر الشيء الذي فيه وثنية وفي جاهلية ، أما الشيء الذي يعظم حرمات الله عز وجل ويقصد به تعظيم حرمات الله فلا ينكر ؛ وفي الحديث الصحيح في الصحيحين أنهم قالوا : ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال صصص : (( اقتلوه )) فدل على أنهم كانوا يعرفون التعلق بالأستار والعياذ بالبيت فلم يقل النبي صصص : أيها الناس لا تفعلوا كذا وكذا كان معروفا وموجودا وكونه صدر من ابن خطل لا نقصد أنه فعل الجاهلي حجة لا إنما نقصد أن هذا الفعل كان معروفا وعلمه النبي صصص فلم ينهَ عنه المسلمين ولم يجعله محرّما . فالمقصود أن الحاج والمعتمر إذا فعل ذلك تعظيما لشعائر الله فإنه لا ينكر عليه ولابأس به ولا حرج .

قال رحمه الله : [ فيلتزم البيت ويقول اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم اصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي، والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك على ما أبقيتني واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير ] : هذا الدعاء دعاء مخصوص ذكره المصنف رحمه الله لكن بينّا أنه لا تكون هناك أدعية مخصوصة إلا إذا كانت ثابتة عن النبي صصص . فالدعاء المخصوص في الزمان المخصوص أو في العبادة المخصوصة توقيفي ، لا يؤمر الناس بدعاء مخصوص إلا إذا كان مما شُرع، وهذا الدعاء الحقيقة ليس فيه أثر صحيح ، أُثر عن بعض الصحابة بعض الأدعية لكن المنبغي أن يترك الناس يسألون الله عز وجل بما يتيسر، وإذا سأل بالسنة والوارد عن النبي صصص من جوامع الدعاء كما بينّا غير مرة فهو أفضل وأكمل، وليس لأحد أن يضع للناس دعاء خاصا في طواف الوداع، ولا دعاء خاصا في أي طواف من الأطوفة إلا إذا كان هذا الدعاء ثابتا عن النبي صصص؛ وعلى هذا فإنه لا حاجة إلى مثل هذا .

قال رحمه الله : [ ويدعو بما أحب ثم يصلي على النبي صصص ] : يصلي على النبي صصص في الدعاء ؛ لأن لها فضيلة عموما أن الدعاء الصلاة على النبي صصص من أسباب قبول الدعاء واستجابته الصلاة على النبي صصص الأحاديث في هذا واضحة ؛ ولهذا شرع للمصلي في التشهد أن يبدأ أولا بالصلاة على النبي صصص، ثم يتخير من المسألة ما شاء كما صح بذلك الأثر عنه عليه الصلاة والسلام .

قال رحمه الله : [ فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريبا ] : فمن خرج قبل أن يطوف طواف الوداع : طواف الوداع واجب على غير مكي، فأما المكي فلا طواف عليه . أما بالنسبة لغير المكي فمن كان فوق مسافة القصر يعني مسافة خمس وسبعين فأكثر إلى ثمانين كيلو فلا إشكال أنه يودع ، لكن من كان دون مسافة القصر وهو في حكم حاضري المسجد الحرام : هل يودع أو لا ؟ الأشبه أنه يودع ؛ لأن النبي صصص جعل النص عاما فقال : (( اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافاً )) فهو خارج ، ومن هنا مادام أنه خارج الحرم الأشبه فيه أنه يودع لعموم النص ، واستثني المكي للإجماع ، وبقي ما عداه للأصل. ولذلك من كان بين المواقيت وبين مكة سواء بلغ مسافة القصر أو لم يبلغ كأهل الجموم ومر الظهران وأهل حَدّه ونحوهم كأهل الكُرّ دون الطائف ونحوهم كلهم يودعون ؛ لأن النص عام واستثني المكي للإجماع.

قال رحمه الله : [ وإن بعد بعث بدم ] : وإن بعد بمعنى أنه خرج وتباعد عن مكة ؛ فعليه دم . هذا فيه تفصيل: إن خرج ولم يودع وكان على مسافة القصر فأكثر فالعبرة بمسافة القصر، وإن كان دون ذلك فالعبرة بالابتعاد لكن الأشبه أنه يستقيم رجوعه مادام أنه دون مسافة القصر، فمن كان دون مسافة القصر وخرج ثم تذكّر فله أن يرجع مادام أنه لم يبعد عن مكة ولم يصدر منها صدور المسافر فيرجع ويتدارك هذه المسألة تعرف بمسألة التدارك : ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه ، فمادام أنه على مسافة القصر فأكثر ولم يبلغ مسافة القصر فيمكنه أن يتدارك أما لو خرج ووصل إلى بيته ووصل إلى أهله ثم أراد أن يرجع نقول : لزمك الدم رجعت أو لم ترجع ؛ لأن المراد أن يكون آخر عهدك بالبيت طوافه وقد وصلت إلى أهلك فلست بمودع وحينئذ يجب عليه الدم .

قال رحمه الله : [ إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما ] : لا يجب طواف الوداع على الحائض والنفساء لأن النبي صصص قال في أم المؤمنين لما حاضت قال عليه الصلاة والسلام : (( عقرى حلقى أحابستنا هي ؟ ثم قال ألم تكن طافت يوم النحر قالوا نعم قال فلا إذا )) فدل على أنها لا تحبس لأنها طافت طواف الإفاضة ، وقال لها : (( انفري )) يعني اخرجي ولا يلزم عليك طواف الوداع ، ومن هنا دل الحديث على سقوط طواف الوداع عن الحائض ، وكذلك أيضا قالت عائشة رضي الله عنها إلا أنه ((خفّف عن الحائض والنفساء ))، كذلك عن ابن عباس ررروأفتى به الصحابة رضوان الله عليهم أن الحائض والنفساء يسقط عنها طواف الوداع ، لكن ما يسقط عنها طواف الركن وهو الإفاضة ، ويجب عليها أن تبقى حتى تطوف طواف الإفاضة ؛ وذلك لأن النبي صصص منع أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- من طواف الركن وهي حائض وقال : (( اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت )) منع الحائض من الطواف بالبيت فلا يستطيع أحد أن يجتهد ويقول عليها أن تطوف بالبيت ولو كانت حائضاً ، هذا مخالف للنص، ثم جاء النص الذي يؤكد ذلك ويقول : (( عقرى حلقى أحابستنا هي ؟!)) فيقول البعض : والله هي حتى سافر ورحلتها ستأخذها يا سبحان الله ! لو حصل لها أقل خلل في أمورها الدنيوية وحصل أن ضاع لها أي شيء وثيقتها أو شيء لأُخّرت ولبقيت ولو بقيت حتى شهورا ، أما في الركن الذي هو من الركن عبادتها والركن ركن الإسلام هذه ما تؤخّر بل يجب عليها أن تبقى حتى تطهر وتطوف بالبيت ؛ لأن النبي صصص حرم على الحائض أن تطوف بالبيت ، فلا يصح منها أن تطوف ولو طافت وهي حائض أثمت ولم يجزها ، وقد تكلم شيخ الإسلام على هذا الأصل في شرط الطهارة والطواف بالبيت ، وبيّن أن النبي صصص منع الحائض ، وأنه لا وجه لامرأة حائض أن تطوف، ولا يعتد بهذا الطواف في إجزائها بهذا الركن كما في شرحه على العمدة .

قال رحمه الله : [ ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء ] : الاستحباب حكم شرعي ، ولا يستطيع أحد أن يقول : إن هذا مستحب إلا إذا كان ثمَّ دليل يدل عليه ، ولذلك لم يرد دليل بأن من أراد أن يودع أن يقف عند باب مكة ويدعو ؛ لكان ما استطاع أحد أن يدخل ؛ كان مع النبي صصص مائة ألف لو وقفوا على أبواب الحرم ما استطاع أحد أن يجد بابا يدخل منه . هذه أمور يجب أن يتوقف فيها للوارد . أمر الناس بالوقوف وتخصيص العمل المعين دون نص ويقال : إنه مستحب هذا لا إشكال في عدم قبوله ، بل ينبغي أن يؤمر الناس بالاستحباب بما ثبتت السنة وثبت النص باستحبابه ، وأما هذا فليس هناك دليل يدل على الوقوف عند أبواب المسجد الحرام ومزاحمة الداخلين . أبواب المسجد وطرقات ومنافذ لدخول المصلين والعابدين فوقوفهم يؤذي الناس ويضيّق على الناس بل لو قيل بحرمته لكان قويا خاصة في الزحام ، وقد تقف المرأة فتفتن الناس وقد يقف الرجل فيؤذي النساء ، وعلى كل حال لا يوقف على أبواب المسجد في طواف الوداع .

أبو زيد الشنقيطي
29-10-07, 10:55 AM
قال الإمام المصنف رحمه الله : [ باب أركان الحج والعمرة ] بعد بيّن رحمه الله صفة الكمال شرع في الإجزاء ببيان الأركان والواجبات في الحج والعمرة ، فقال : أركان الحج وأتبعها بالواجبات .

الركن ركن الشيء الذي تتوقف عليه في اللغة الركن هو الدِّعامة دعامة الشي ء ، فركن البيت دعامته التي يكون عليها ، والبيت يقوم على الأركان إذا زالت زال البيت ، ومن هنا العبادات تقوم على الأركان إذا لم توجد لم يحكم بوجود العبادة .

وهذا المصطلح وضعه العلماء ؛ لأن الشريعة فرّقت بين قول وقول . وفرّقت بين فعل وفعل ، فهناك أفعال جعلتها مؤثرة في العبادة ، وهناك أفعال لم تجعلها مؤثرة في العبادة . وهناك أقوال جعلتها مؤثرة في العبادة وأقوال لم تجعلها مؤثرة في العبادة ، وقد بيّنا هذا في أركان الصلاة وواجباتها ، وكذلك الحج له أركان وواجبات ومستحبات وسنن .

قال رحمه الله : [ باب أركان الحج والعمرة ] : الركن تتوقّف عليه الماهية ، بخلاف الشرط والواجب ، وعلى هذا فإن أركان الحج لا يمكن أن يحكم بالحج إلا بها ، وجمعها لتعددها، وكذلك العمرة لها أركان وجمعها لتعددها واختلافها.

قال رحمه الله : [ أركان الحج : الوقوف بعرفة ] : الوقوف بعرفة وهو ركن الحج الأعظم ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( الحج عرفة )) ، وفي الحديث الصحيح عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي ررر أن أناسا من نجد أتوا رسول الله صصص فقالوا : يا رسول الله ، كيف الحج ؟ فقال صصص : (( الحج عرفة من أدرك عرفة ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج )) هذا الحديث حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة بسند ثابت ، وفيه دليل أن الحج عرفة ، أي ركن الحج الأعظم عرفة ، وقد عبر النبي صصص بأسلوب التعظيم ، ولذلك هذا الركن هو الذي أجمع العلماء على أن الحج يفوت بفواته ، ولذلك يقول العلماء : أنه هو الركن الأعظم ؛ لأن النبي صصص عظمه حتى جعله الحج كله، وليس المراد أن الحج كله في عرفة ، كما يعتقد بعض الجهلة أنه إذا جاء إلى عرفة فالباقي ليس بالواجب، وإنما خرج منه مخرج التعظيم كقوله عليه الصلاة والسلام : (( لا ربا إلا في النسيئة )) . وهي أساليب معروفة في لسان العرب .

هذا الوقوف ليس المراد به الوقوف على القدمين ، فإذا دخل عرفات في وقتها المعتبر أي ساعة من ليل أو نهار دخل فيها واقفا أو جالسا أو محمولا أو كان في هذا الموضع ولو مضطجعا ولو منسدحا فإنه يعتد به ويعتبر وقوفا ، لكن أن يكون عاقلا ساعة الوقت المعتبر ، وعلى هذا فإنه يصح وقوف من جلس بعرفة في الزمان المعتبر سواء كان نائما أو مستيقظا ، واشترطنا أن يكون عاقلا فلو كان مجنونا أو سكرانا أو مخدرا لم يصح وقوفه ، وعلى هذا فلو فقد عقله أو أغمي عليه . المغمى عليه فيه قولان ، لكن إذا فقد عقله بالجنون أو بالسكر لم يصح وقوفه ، سواء كان سكره على وجه يعذر به أو على وجه لا يعذر به ، لكن في زماننا مسألة لو أن شخصا سأل : هذا الرجل جاء للحج وقبل يوم عرفة احتيج لعملية جراحية فخدر، فوضع المخدر وجاء يوم عرفة أو وضع المخدر لعلاج أمر ضروري وهو بعرفة لم يكن في الوقت المعتبر وجاء الوقت المعتبر كيف نصحح حج هذا ؟، نقول: إن أفاق قبل انتهاء الوقت المعتبر ولو بلحظة من مخدّره صح وقوفه ، وأما لو بقي في مخدره حتى طلع الفجر من يوم النحر فإنه لا يصح ، وحصل بعض المسائل مرت علينا فإنه ينقل حتى يفيق من مخدّره إذا كان قدر الأطباء أنه يأخذ ساعة ساعتين وبقي على الفجر ثلاث ساعات أو أربع ساعات يمكنه أن يدرك الحج ؛ فحينئذ ينقل ولو بالإسعاف ولو بالسيارة ولو للحظة واحدة يقع بها الوقوف . قال صصص : (( من صلى من صلاتنا هذه ووقف وقوفنا هذا أي ساعة من ليل أو نهار وكان قد أتى عرفات من أي ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه )) هذا بالنسبة لاشتراط العقل .

أما إذا كان الشخص نائما فالنائم لا إشكال فيه ؛ لأن النائم إذا أيقظته يستيقظ ، والمجنون إذا أيقظته لا يستيقظ ، وإذا نبهت النائم ينتبه ، والمجنون والمغمى عليه والسكران والمخدّر لا يمكن أن يرجع إلى عقله و صوابه ، ومن هنا اختلف عن النائم ، ولذلك النائم كما ذكر العلماء وبين العلماء والفقهاء في كتب في قواعد الفقه : يستصحب فيه الأصل ولذلك إذا نام وهو عاقل فهو في حكم العاقل ، ولذلك يطالب بقضاء العبادة في مسألة التكليف ، ولكن يؤمر بالفعل بعد القدرة والتمكن .

الشاهد إذا كان مغمى عليه أغمي عليه إذا صدمته السيارة قبل الزوال ، وقلنا الوقوف يبدأ بالزوال . فلما صدمته السيارة قبل الزوال أغمي عليه وبقي مغمى عليه اختلف العلماء فيه على قولين :

قال بعض العلماء : المغمى عليه يصح وقوفه . وهو مذهب الحنفية و المالكية .

وقيل : لا يصح وقوفه كما هو مذهب الشافعية والحنابلة ، وقد بينا في مسائل العبادات المتقدمة أن المغمى عليه في حكم المجنون ، والسبب في الخلاف هنا هل يلتحق بحكم النائم أو بحكم المجنون ؟ والصحيح أنه في حكم المجنون؛ لأن المغمى عليه إذا نُبه لا يتنبه ، وإذا أوقظ من غيبوبته لا يستيقظ ، فلا يصح قياسه على النائم .

وعلى هذا لابد وأن يكون عاقلا . لا يشترط للوقوف الطهارة ، فيصح الوقوف من الحائض ومن الجنب ومن النفساء ؛ والدليل على ذلك قول عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها : (( اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت )) ؛ ولأن عائشة رضي الله عنها وقفت مع النبي صصص وهي حائض، فدل على أنه يصح الوقوف من غير المتطهر ، والأفضل أن يكون متطهرا .

كذلك لا يشترط في هذا الوقوف الطهارة في الثوب والبدن الذي يقف فيه على الأصل الذي ذكرناه في الطهارة من الحدث كما لا تشترط طهارة الحدث لا تشترط طهارة الخبث .

وأما بنسبة لوقت الوقوف فأولا أجمع العلماء على أنّ من وقف بعد زوال الشمس إلى أن تغيب الشمس ودفع مع الإمام أن وقوفه صحيح مجزئ معتبر؛ لأنّه وقوف النّبي صصص وأصحابه في حجّة الوداع من زوال الشمس بعد الزوال إلى مغيب الشمس وذهاب الصفرة هذا موقف النبي صصص وبالإجماع معتبر .

ثانيا: أجمع العلماء على أنه لو وقف بعرفة قبل طلوع الفجر من يوم عرفة أو بعد طلوع الفجر من يوم العيد -عيد النحر- يعني تقدّم على الوقت أو تأخر أنه غير معتد بهذا الوقوف، فلو أنّ شخصا ليلة عرفة ذهب قبل الفجر بنصف ساعة فوقف بعرفة ثم دفع، فليس له حج ووقوفه غير معتد به، ولو أن شخصا ذهب إلى عرفات ولم يصل إلى عرفات إلا بعد أذان الفجر من يوم العيد لم يعتد بوقوفه إجماعا ؛ لأن النبي صصص قال : (( فمن أدرك عرفات قبل الفجر فقد أدرك الحج )) وكذلك قال عبدالله بن عمر : (( من أدرك عرفة من ليلة جمع قبل الفجر فقد أدرك الحج )) فإذا كان أدرك ما بعد طلوع الفجر أو أدرك قبل طلوع الفجر من صبيحة يوم عرفة؛ فإنه لا يجزيه .

ثالثا : مما أجمعوا عليه إذا وقف بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر من يوم النحر أي ساعة ولو للحظة واحدة بعرفة صح ذلك وأجزأه ؛ لأن النبي صصص صحّح وقوف عروة بن مضرس حينما وقف بالليل، وقال : (( وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار)) فوقوف الليل قليله وكثيره سواء حتى ولو للحظة، بل حتى لو ركب سيارته وهو لا يعرف عرفات ثم ذهب السائق ومرّ بداخل عرفة بعد غروب الشمس ولو للحظة ؛ فإنه يجزيه ، فالقصد غير مؤثر؛ لأن المراد أن يكون جرمه وجسمه داخل حدود عرفات في هذا الوقت المعتبر.

إذًا ما كان بعد الزوال إلى غروب الشمس موقف بإجماع ، وما كان بعد مغيب الشمس أي ساعة قليلا كان أو كثيرا إلى أن يطلع الفجر موقف بإجماع، فهذان الموضعان محلّ إجماع ، وما كان قبل طلوع الفجر من صبيحة عرفة ليس بموقف إجماعا ، وما كان بعد طلوع الفجر من صبيحة يوم النحر ليس بموقف إجماعا . بقي السؤال : إذا وقف بعد طلوع الفجر من يوم عرفة وقبل الزوال؟

فللعلماء في هذه المسألة قولان، وكذلك أيضا إذا وقف بعد الزوال ودفع قبل غروب الشمس ، ففيه أيضا قولان .

أما بالنسبة لوقوفه بعد طلوع الفجر إلى زوال الشمس وخروجه قبل زوال الشمس فالجمهور على أن وقوفه غير صحيح، وأنه لم يحج ، والواجب عليه أن يرجع ويدرك أي ساعة معتدّ بها على التفصيل الذي ذكرناه ، وإلا كان غير حاجّ ولزمه أن يتحلّل بعمرة شأنه شأن من فاته الحج . من وقف بعد طلوع الفجر وقبل زوال الشمس من يوم عرفة لم يعتد بموقفه ، وهذا هو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وانتصر لها شيخ الإسلام في الشرح .

القول الثاني : أنه يجزيه ، وهي رواية ثانية عن الإمام أحمد .

واحتجّ الذين قالوا بعدم الإجزاء بأن النبي صصص أتى من منى ونزل بنمرة ، ولما نزل بنمرة نزل قبل الزوال، وانتظر حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ثم بعد ذلك دخل بالعشي، فدلّ على أن الموقف لا يبدأ إلا عشيته ، دل على أن الموقف لا يبدأ إلا عشية . قلنا إذا وقف قبل الزوال فللعلماء قولان :

قول للجمهور أنه لا يصحّ موقفه ولا يقع حجه .

وقول إنه يصحّ حجه ويعتد به ؛ وعليه دم إذا لم يرجع قبل المغيب على التفصيل في المذهب .

القول الأول : للجمهور قالوا لم يصح حجه لأن النبي صصص نزل بنمرة ، ونمرة ليست من عرفة إجماعا، وقالوا لا يمكن أن النبي صصص يترك فضل النزول في المشعر والمنسك وهو عرفات وينزل قبل حدوده ويتكلف هذا النزول إلا لأن الوقت لم يحن بعد للعبادة ، ولذلك السنة واضحة في الدلالة على أنه لا موقف إلا بعد الزوال .

ثانيا : أن النصّ دلّ على أنّ عرفة لعشيتها ، وقد جاء النص صريحا أن المباهاة في عشية عرفة ، ومعنى ذلك أن عرفة معتدّ بها بالعشيّ، والعشيّ من بعد منتصف النهار؛ لأن الغَدْوة من أول النهار، والعشي من آخر النهار، ويبدأ العشي من بعد الزوال، فقالوا إن هذا يدل على أنه لا يكون الموقف إلا بعد الزوال، هذا من جهة النص . ومن جهة النظر قالوا إنها عبادة مؤقتة لا تصح إلا بعد الزوال كالرمي، ولذلك لا يبعد أن يكون الوقوف بعد الزوال، وأن يكون الرمي بعد ذلك بعد الزوال، وكأن الزوال حدّ بهذه العبادات، فقالوا لا يصح الوقوف قبل الزوال كما لا يصح الرمي قبل الزوال، كذلك أيضا قالوا قياس ثان هذا من قياس شعيرة على شعيرة في العبادة نفسها وهي الحج ، وقاسوا نظيرا على نظيره من خارج، فقالوا لا يصح الوقوف قبل الزوال كما لا تصح صلاة الظهر قبل الزوال، هذه حاصل حجج الجمهور النقلية والعقلية ، ولذلك قال الأئمة كل من تأمل النقل والعقل ظهر له بجلاء أنه لا موقف في عرفة إلا بعد زوال الشمس وهذا هو القول المعتد به والمعتبر . هذا حاصل ما يقال بالنسبة للوقوف ولزمانه المعتبر .

قال رحمه الله : [ وطواف الزيارة ] : الركن الثاني طواف الزيارة . الطواف بالشيء الدوران ، والمراد هنا دوران مخصوص بشيء مخصوص بنية مخصوصة .

والدوران المخصوص هنا : دوران بالبيت الحرام .

على صفة مخصوصة : من الشرائط المعتبرة للطواف بالبيت .

الدوران بشيء مخصوص هو البيت ، والمراد به البيت العتيق ، وهو البيت الذي بناه الخليل عليه السلام وعليه فلابد في الطواف أن يدخل الحجر وسيأتي بيانه في الشروط .

بنية مخصوصة : وهي نية التقرب إلى الله عز وجل كما سيأتي في الشروط .

هذا الطواف وهو طواف الزيارة أجمع العلماء على أنه ركن من أركان الحج ؛ والدليل عليه قوله تعالى : { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطّوّفوا بالبيت العتيق } فأجمع العلماء على أن قوله : { وليطّوّفوا بالبيت العتيق } المراد به طواف الركن وهو طواف الإفاضة ، وكلهم متفقون على أنه ركن من أركان الحج ، وهذا الطواف هو طواف الركن بالنسبة لمسائله طبعا أول شيء يشترط لكل طواف خاصة إذا كان واجبا النية ، والنية أن يقصد الطواف ويقصد التقرب لله عز وجل . فالنية فيها : أمران أن يقصد العبادة، فلو أنه دخل وطاف بالبيت يبحث عن صديق فأتم سبعة أشواط ، أو دخل وضاع ابنه فجلس يطوف يبحث عنه ثم نواه عن الإفاضة لم يجزه ؛ لأنه لابد أن ينويه عبادته : القصد ؛ قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } وهذا لم يقصد عبادة الله إنما قصد أمرا دنيويا ، يشترط النية ، ويشترط النية لقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى )) فدل على أنه إذا نوى الإفاضة فهي إفاضة ، وإذا لم ينو إفاضة فليست بإفاضة .

الشرط الثاني : أن يكون الطواف داخل المسجد الحرام ، فلا يصح الطواف من خارج المسجد الحرام ؛ والدليل على ذلك قوله تعالى : { وطهرا بيتي للطائفين والعاكفين } فقال : { وطهرا بيتي } والمراد المسجد فدل على أنه لا يصح الطواف في غير المسجد، ويستوي في المسجد بطن المطاف والرُّواق ولو حال بينه وبين البيت حائل مثل أن يحول زمزم وأبنية زمزم في القديم ومقام إبراهيم فهذه حوائل لا تؤثر في الطواف، ولكن الذي يؤثر الخروج عن المسجد، يستوي أن يكون طائفا في الدور الأول أو في الدور الثاني أو الثالث ؛ لأنه طائف بالبيت ودار بالبيت ، وسطح المسجد كأرضه ؛ ولذلك أجمع العلماء على أنه لو صعد إلى سطح المسجد وهو معتكف فإنه لا يبطل اعتكافه ؛ وقد قال صصص: (( من ظَلَم قِيْد شبر من الأرض طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين )) فجعل أسفل الشيء كأعلاه ؛ فدل على أن أعلاه كأسفله ؛ ولأن من ملك دارا ملك هواها ، ولذلك له أن يبني في أدوارها وهذا ملك له، فهذا يدل على أن السقف يأخذ حكم الأرض ويجوز الطواف فيه والأفضل أن يطوف في الأسفل لقوله تعالى : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } .

الشرط الرابع: أن يبتدئ بطوافه من الحَجَر، وعلى هذا فلو ابتدأ من دون الحجر لم يصح كأن يبتدئ من عند الباب أو بعد الحجر ولو بخطوة واحدة فإنه يجب عليه أن يرجع ويبتدئ من الحجر؛ لأن النبي صصص ابتدأ من الحجر وأمر بالطواف سبعة أشواط، وفعل ذلك وفعله بيان لواجب فهو واجب .

الشرط الخامس: أن يستتم هذه الأشواط السبعة ، فلو أنقص منها خطوة واحدة كأن يطوف وقبل الحجر بخطوة يخرج فإنه يجب عليه أن يتم الشوط الذي انتقصه ولا يصح منه إلا إذا كان تاما .

الشرط السادس: الطهارة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( الطواف بالبيت صلاة )) وهذا الحديث صححه غير واحد وقووا رفعه ، ونص فيه على أنه صلاة فيأخذ حكم الصلاة ؛ والصلاة لا تصح بدون وضوء ؛ لأن النبي صصص قال : (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور )) ؛ كذلك أيضا من الأدلة على اشتراط الطهارة أن النبي صصص طاف متوضئا كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة عنها -رضي الله عنها- أنه ابتدأ أول شيء بالوضوء ثم استلم الحجر، فما طاف إلا وهو متوضئ ؛ ومن الأدلة أيضا أن النبي صصص نهى الحائض أن تطوف بالبيت؛ لأنها غير متطهرة، فدل على اشتراط الطهارة .

الشرط السابع: ستر العورة ، فلا يصح الطواف من العريان ؛ وفي الصحيحين عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه بعث إلى مكة أبابكر ررر في الحج الذي سبق حجة الوداع ينادي : (( أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان )) فدل على أنه لا يصح الطواف من العاري ، ويعتبر في ستر العورة ما يعتبر في الصلاة وقد تقدم ، فلو طاف وانكشفت عورته أثناء الطواف بطل شوطه أو بطل طوافه وجهان للعلماء على افتراق الأشواط أو استتمام الطواف في كله .

ومما أكد ستر العورة أن ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } أنها نزلت في عراة المشركين، كانت المرأة تطوف عارية إذا كانت من الحُمُس، وتطلب الثوب من غير الحُمُس . وتقول :

اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

فنزل قوله تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد } فأمر بالستر للطواف ، فدل على لزومه ولكن قدمنا دلالة الحديث ؛ لأنها أقوى .

الشرط الثامن: الموالاة ، فلا يفصل بين الأشواط السبعة بفاصل مؤثر، فإذا أقيمت الصلاة وهو يطوف قطع فصلى ثم رجع إلى المكان الذي قطع منه والأفضل أن يرجع من أول الشوط، فلو أقيمت الصلاة وهو في الشوط السادس وقف في مكانه فصلى ثم اعتد من المكان، والأفضل أن يرجع إلى الحجر ويلغي ما مشاه ويأتي بالشوط السادس من أوله ، ولكن لو بدأ من موضعه أجزأه ، فهذه كلها شروط ينبغي اعتبارها في الطواف ، وينبغي كذلك أيضا من الشروط أن يكون الطواف بالبيت كله ، فلو أنه اقتطع من الطواف جزءاً مثل أن يدخل بين الحجر وبين الكعبة لم يجزه ؛ لأن في الحجر عدداً من الأذرع تعتبر من البيت ؛ والدليل على اشتراط أن يدخل الحجر قوله تعالى : { وليطّوّفوا بالبيت العتيق } والعتيق هو القديم ، فأمر بأن يستتم البيت بالطواف. هنا مسألة وهي: أن الشاذروان ومعاقد أزر البيت من المعروف أن فيه الحَجر في الأرض تقاصر منه البناء فانسحب إلى داخل البيت وإلا هو استتمامه الشاذروان هذا من البيت ، ولذلك إذا جاء يطوف البعض يرقى على هذا الحجر من أجل أن يقبّل، فإذا احتسب هذا من البيت فحينئذ يكون قد أخل بطوافه ولذلك ينصح هؤلاء أن لا يرقوا على الحجر؛ لأن هذا الجزء أصله من البيت، وكان المفروض أن يكون طوافه من قبل الحجر لا على الحجر، وهذا قد مشى المسافة هذه كلها فتجده على وزرة سترة الكعبة يزاحم الناس ليصل إلى الحَجَر، فتجده قد اقتطع من البيت، ولذلك ينبغي أن يكون طوافه بالبيت تاما كاملا ، وهكذا إذا جاء عند الحِجْر بعضهم يضع يده على الحِجْر طبعا آخر الحجر لا إشكال في ذلك أنه ليس من البيت لكن إذا جاء من أول الحِجْر فإن هذا القدر من البيت، ولذلك يجب أن يستتم البيت بطوافه كما نبه عليها الأئمة -رحمهم الله- هذه كلها شروط معتبرة لصحة الطواف .وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج كما ذكرنا .

على هذا السعي ليس بركن؛ والصحيح أنه ركن وسيأتي ، والنية لم يعتبرها المصنف ركناً ولكنها ركن وفصّل بعض العلماء فيها ، بأن بعض العلماء أغفلها في الأركان لشبهيتها بالشرطية ، ومنهم من أغفل الشرطية لشبهيتّها بالأركان ، وتوضيح ذلك : أن النية تارة تعامل معاملة الشرط ، وتارة تعامل معاملة الركن ، ومن هنا لو أن شخصًا جاء إلى الميقات ولم ينو لم نقل إنه قد حج ولم نقل إنه قد دخل في نسك العمرة فليس بمعتمر ولا حاج بلا إشكال، فهذا في نفي الدخول، ولو أن شخصاً أحرم بالعمرة في غير رمضان ثم دخل وابتدأ طواف العمرة في شوال لكان متمتعا مع أن النية قد وقعت في غير أشهر الحج قالوا الأول لشبهية الركن ، والثاني لشبهية الشرطية، ومن هنا مسألتها دقيقة ، والتفريق في الموضعين يحتاج إلى فقه ، وهي في شبهيتها بالركنية قوية جدا ، لكن النية يتنازعها أمران : أولها الشبهية بالركنية من ناحية الدخول في النسك ، وشبهيتها بالشرطية من جهة الاعتداد بالدخول في النسك كما ذكرنا من جهة الاعتداد ، وعلى هذا فإن النية في مذهب طائفة من العلماء أنها ركن حتى في المذهب منهم من نص واعتبرها ركنا .

قال رحمه الله : [ وواجباته الإحرام من الميقات ] : الإحرام من الميقات يعني الاعتداد بالميقات وليس مراد الإحرام الدخول؛ لأن الدخول هو النية ، وإنما مراده أن يحرم من الميقات بمعنى أن يعتد بالميقات المكاني؛ وهذا واجب ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( هن لهن )) ومن أحرم من دون الميقات فعليه دم في قول جماهير العلماء -رحمهم الله- وقد بيّنّا دليل وجوب الإحرام من المواقيت في باب المواقيت .

قال رحمه الله : [ والوقوف بعرفة إلى الليل ] : والوقوف بعرفة إلى الليل وهي المسألة التي أخرناها في مسألة الوقوف أن من وقف من بعد الزوال ينتظر إلى غروب الشمس بعبارة أخرى أنّ من وقف في جزء النهار عليه أن يمسك جزءاً من الليل، وأن من وقف من الليل لم يعتد له بالنهار، وعلى هذا فلو أنه جاء قبل غروب الشمس بوقت طويل أو قصير أو بعد الزوال في الوقت المعتبر لابد أن ينتظر إلى الغروب ويمسك جزءاً من الليل؛ لأن النبي صصص انتظر حتى سقط قرص الشمس وذهبت الصفرة كما في حديث جابر ررر في الصحيح ، فلو أنه خرج من عرفات قبل دفع الإمام يعني خرج قبل الغروب ولو بلحظة، إذا خرج قبل الغروب فعلى حالتين :

إما أن يرجع وينتظر إلى الغروب ، أو يرجع بعد الغروب ويجلس ولو للحظة ثم يصدر؛ فحينئذ يسقط عنه الدم؛ لأنه تدارك ، وأما إذا لم يرجع وبقي على ما هو عليه فإنه يجب عليه دم ؛ ما الدليل على اشتراط أن ينتظر إلى الغروب ؟ الدليل : أن النبي صصص قال في حديث عروة بن مضرّس : (( وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار )) فجعل النهار مطلقا ثم قيّده بالسنة ، فقيّده بالسنة ابتداء وقيده بالسنة انتهاء في وقوف النهار، فدل على أنه لا يصح أن يقف قبل الابتداء ولا يدفع قبل الانتهاء ، فإذا دفع قبل الانتهاء لزمه الدم ؛ لأنه قد وقف في الوقت المعتبر، فنقول : من وقف قبل غروب الشمس ولو للحظة صح حجه ؛ لقوله : (( وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار)) ويجب عليه الدم؛ لأنه خالف فعل النبي صصص الذي جاء بيانا لواجب فحينئذ يجب عليه الدم جبرانا لهذا النقص الواجب . لكنه إذا خرج ورجع قبل الغروب فلا إشكال إن رجع بعد الغروب ففيه إشكال ، والأوجه أنه يجب عليه الدم إذا رجع بعد الغروب ؛ لأن الاعتداد إلى أن تغرب الشمس .

قال رحمه الله : [ والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل ] : والمبيت بمزدلفة فهو واجب من واجبات الحج؛ لأن الله عز وجل قال : { فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين } فأمر سبحانه وتعالى بالوقوف عند المشعر، وفسّرت السنة ذلك بالمبيت تمهيدا للوقوف، وبات عليه الصلاة والسلام بالمشعر وهو مزدلفة، وقال : (( خذوا عنيّ مناسككم)) فدل على وجوبه ، وهذا المبيت من العلماء من قال : يجب أن يبيت الليل كله إن أدركه تاما ولا يجوز له أن يخرج قبل الفجر حتىّ يقف بالمشعر .

ومنهم من قال : إذا جاء إلى مزدلفة العبرة أن يبقى ولو للحظة حتى ولو حطّ رحله ثم مشى أجزأه كما يقول المالكية ، ومنهم من يقول إنه ينتظر إلى منتصف الليل كما يقول الشافعية وفي المذهب أيضا هذا القول .

والصحيح أنه إذا جاء قبل الفجر لا يجوز له أن يخرج حتى يقف بالمشعر؛ لأن الله عز وجل أمر بذكره في المشعر، ولأن النبي صصص فعل ذلك وألزم به الصحابة، ولأن النبي صصص أذن للضعفة من أهله ، فإذا تأمّلت الحديث الصحيح عن أسماء -رضي الله عنها- قالت : (( أي هنتاه ما أرانا إلا غلّسنا . قالت رضي الله عنها إن النبي صصص أذن للضعن )) يعني النساء والضعفة فقولها : (( أذن )) والإذن استباحة لمحظور، ومن هنا قالوا إنه رخّص للضعفة والعجزة من أهله ، والرخصة استباحة للمحظور، فدل على أن الأصل الوجوب، ولا يرخص إلا للضعفة ومن في حكمهم من الصبيان والنساء وكبار السن والمرضى ومن يقوم عليهم ممن لا يمكن أن يصبر عنه أو يحتاجون إليه من أجل نقلتهم .

المبيت بمزدلفة ثم إذا قلنا إنه يرخص فيه للضعفة ، فهل يخرج الضعفة بعد منتصف الليل أو يخرجوا بعد سقوط القمر ؟ قال جمهور القائلين بالمبيت : الشافعيّة والحنابلة قال الجمهور إن العبرة بمنتصف الليل . وقال بعض العلماء -وهو رواية عن الإمام أحمد- : إن العبرة بسقوط القمر، وإذا تؤملت النصوص أن الإذن للضعفة ليس فيه نص يدل على منتصف الليل تحديداً ، ولكن حديث أسماء -رضي الله عنها- أنها قامت تصلي وهو في الصحيح قالت لابنها عبدالله : هل غاب القمر ؟ قال : لا فقامت تصلي ، ثم قالت : هل غاب القمر ؟ قال : لا . ثم قالت في الثالثة: هل غاب القمر؟ قال: نعم. فدفعت . قالوا إن هذا تفسير للرخصة ، وأنها امتنعت من الدفع حتى غاب القمر، ومغيب القمر يكون لبقاء منزلتين من منازل القمر قبل الفجر ، وهذا أقل من ساعتين بالتقدير عند أهل الحساب والفلك لأقل من ساعتين يغيب القمر قبل الفجر، وهو يعادل سبع الليل أو الثلث إذا كان الليل من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر فهو السبع للكل والثلث للقدر الذي ذكرناه ، هذا القدر بعض العلماء يقول تبتدئ منه الرخصة ، واعتدوا بمنتصف الليل؛ لأنه ثبت أنه أذن للضعفة ولم يأت ما يفسر، والإذن يكون بعد الدخول في أكثر الليل، وأكثر الليل يبدأ بعد منتصف الليل، ومن هنا قالوا إنه بعد منتصف الليل يجوز له أن يدفع ، والحقيقة أن فعل أسماء فيه تحوط أكثر أن ينتظر للضعفة إلى سقوط القمر .

قال رحمه الله : [ والسعي ] : والسعي بين الصفا والمروة : الصحيح أنه ركن من أركان الحج ؛ وقد بيّنا ذلك في قوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } فهي من شعائر الله الواجبة كالوقوف بعرفة، كما أن الوقوف بعرفة من شعائر الحج وهو ركن كذلك أيضا السعي بين الصفا والمروة يعتبر لازما من هذا الوجه . أكدت هذا السنة عن النبي صصص في حديث حبيبة بنت أبي تجرات -رضي الله عنها- وفيها أن النبي صصص سعى بين الصفا والمروة وقال : (( أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)) فقوله: كتب بمعنى فرض ، فدل على لزومه ، وكذلك أيضا قالت أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- : (( لعمري لا أتم الله حج من لم يسعَ بين الصفا والمروة )) ؛ ولأن الله عز وجل قال : { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } فجعل تعظيم الشعائر من تقوى القلوب وجعل الصفا والمروة من الشعائر، والتقوى فعل الفرائض وترك المحارم، فدل على أنها فريضة . فالشاهد أن النصوص قوية ؛ وفي الصحيح عن النبي صصص أنه أمر من كان من لم يسق معه الهدي أن يطوف ويسعى بين الصفا والمروة أن يجعلها عمرة ، فالسعي في الحج وفي العمرة ركن من أركانهما وهو الصحيح .

قال رحمه الله : [ والمبيت بمنى ] : والمبيت بمنى ؛ وقد قدّمنا أن النبي صصص رخّص للعباس أن يبيت بمكة ليالي التشريق من أجل السقاية ، والرخصة استباحة المحظور فدل على وجوب المبيت هذا الدليل الأول .

الدليل الثاني أن النبي صصص بات بمنى ليالي التشريق ووقع فعله بياناً لواجب فهو واجب .

قال رحمه الله : [ والرمي ] : والرمي رمي الجمرات ؛ لأن النبي صصص رمى جمرة العقبة ورمى الجمرات أيام التشريق ، ووقع فعله بيانا للواجب وهو واجب .

قال رحمه الله : [ والحلق ] : والحلق أو التقصير عبر بالحلق للتنبيه على مثله الحلق والتقصير؛ لأنه من النسك وهو أصحّ قولي العلماء .

قال رحمه الله : [ وطواف الوداع ] : وطواف الوداع ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( اجعلوا آخر عهدكم بالبيت طوافا )) وهو أمر ، والأمر يدل على الوجوب .

قال رحمه الله : [ وأركان العمرة الطواف ] : الطواف والسعي والنية على التفصيل الذي ذكرناه .

قال رحمه الله : [ وواجباتها الإحرام ] : الإحرام كما ذكرنا الإحرام من الميقات ، وأما الإحرام بمعنى نية الدخول في النسك فقد قدمنا فيه التفصيل لأن فيه خلافاً بين كونه ركنا أو شرطا .

قال رحمه الله : [ والسعي ] : والسعي بين الصفا والمروة ، وقد قدمنا ذلك .

العمرة لابد فيها من الطواف والسعي ، والسعي ركن فيها ، وقد قدمنا الدليل على ذلك .

قال رحمه الله : [ والحلق ] : والحلق والتقصير وهذا يعتبر جعله من الواجبات ؛ والصحيح أن الحلق يعتبر من الواجبات ولا يعتبر من أركان العمرة كما ذكر المصنف رحمه الله .

قال رحمه الله : [ فمن ترك ركنا لم يتم نسكه إلا به ] : فمن ترك ركنا فإنه لا يتم نسكه إلا به : فلو ترك الوقوف بعرفة بطل حجه ؛ هكذا لو فاته الوقوف بعرفة ؛ لأن عمر ررر أمر هبار بن الأسود حينما فاته الوقوف بعرفة أن يتحلل بعمرة وأن يأتي بحج بدل ، وهكذا بالنسبة لمن تركه قصدا ، وهكذا لو ترك طواف الإفاضة فإنه يبقى في ذمته إلى الأبد، فلو خرج في الحج ولم يطف طواف الإفاضة يرجع إلى طواف الإفاضة ولو بعد عشر سنوات ؛ لأن الله أمر به ، وهو في ذمته ، فإذا جامع فإنه يأتي بعمرة ثم يأتي بالطواف قبل العمرة ثم يتم عمرته وعليه دم .

قال رحمه الله : [ من ترك واجبا جبره بدم ] : لأن الواجبات تجبر بالدم ؛ وفي الحديث : (( من ترك شيئا من نسكه فليرق دما )) اختلف في رفعه ووقفه وقد انتزعه ابن عباس -رضي الله عنهما- من آية التمتع وهو انتزاع صحيح وفصلناه في المذكّرة ، فدل على أنه يجب عليه جبره بدم ؛ ولذلك وجب الدم على الآفاقي دون المكي جبرانا للنقص وهو الإحرام من الميقات فدل على وجوب الضمان .

قال رحمه الله : [ ومن ترك سنة فلا شيء عليه ] : ومن ترك سنة فلا شيء عليه : فلو أنه ترك الدعاء بعد رمي جمرة الصغرى أو الوسطى فلا شيء عليه .

قال رحمه الله : [ ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج ] : نعم هذا الفوات ومن فاته الحج فإنه يتحلل بعمرة .

قال رحمه الله : [ فيتحلل بطواف وسعي وينحر هديا إن كان معه وعليه القضاء ] : أما فوات الحج فقد نص عليه النبي صصص في حديث عروة بن مضرس وحديث عبدالرحمن الديلي رضي الله عن الجميع وأما كونه يتحلل بعمرة كما أمر عمر بن الخطاب ررر هبار بن الأسود وعليه دم من قابل؛ لأنه قضاء سنة راشدة أمر بها عمر بن الخطاب ررر إن تيسر له وإلا فعليه الصوم .

قال رحمه الله : [ وإن أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك ] : لأن العبرة بالناس كلهم، فلو أخطئوا فإن العبرة بجماعة المسلمين فحجهم صحيح .

قال رحمه الله : [ وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج ] : كما حصل لهبار بن الأسود ظن أن يوم العيد هو يوم عرفة ففاته الحج وحكم بفوات الحج .

قال رحمه الله : [ ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي صصص وقبري صاحبيه رضي الله عنهما ] : الاستحباب حكم شرعي ، وقد اختلف في هذه المسألة . فالأصل يقتضي أنه لا يشد الرحل لزيارة القبر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) .

وذهب الجمهور إلى الجواز، ونصوا على ذلك في كتبهم كما هو موجود في المناسك، وقالوا إن زيارة القبر ليست للموضع والمكان حتى يلزم فيها ما ذكر.

والصحيح أنه لا تشد الرحال إلا للمسجد، فيقصد المسجد، ثم بعد ذلك يزور النبي صصص حتى لو وقع فيها خلاف وقال به بعض العلماء ، فمادام الحمد لله أن هناك زيارة للمسجد، فتقصد بها زيارة المسجد وتخرج بها من خلاف العلماء فلاشك أن هذا السبيل أبين وأحوط لدين الإنسان ، فيبدأ بزيارة المسجد ثم بعد ذلك يسلم على النبي صصص وصاحبيه .

والأصل الشرعي يقتضي أن المسلم يأخذ بالاحتياط في دينه حتى يستبرئ ، فالنص بيّن أنه لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجد النبي صصص ، والمسجد الأقصى. فيقصد المدينة ويزور مسجدها لفضل الصلاة فيه فالصلاة فيه بألف صلاة ، وعلى من زار المدينة أن يراعي الحرمة والحرمات ، وأن يحرص على الخير والذكر وطاعة الله عز وجل ، فيبدأ بالمسجد فيصلي التحية ، ثم بعد ذلك يقف يسلم على النبي صصص السلام الشرعي ، ثمّ على أبي بكر وعمر وهما صاحبا رسول الله صصص وهذا هو فعل السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن من أتى المدينة ابتدأ بتحية المسجد ثم سلم على النبي صصص السلام الشرعي ، وما يفعله بعض الجفاة وبعض الجهلة الذين يزهّدون بعض طلبة العلم حينما يأتون لأول مرة إلى المدينة حتى إن بعضهم يقول لا داعي أن تزور النبي صصص -والعياذ بالله- يخالف السلف ويزعم أنه يتبع السلف وهو مخالف لهم ، فنحن نقول: زر النبي صصص الزيارة الشرعية فينبغي للمسلم أن يكون بين الإفراط والتفريط، ولا ينبغي له أن يمنع من شيء مشروع؛ لأن الأئمة والسلف على ذلك حتى ذكر شيخ الإسلام أن من أتى المدينة يعني من غير أهلها ولم يسلم على النبي صصص ولم يزره فقد جاء ببدعة وحدث ؛ لأن المعروف من فعل السلف أنه يحيّي المسجد ثم يسلم على النبي صصص وعلى صاحبيه ، فما يفعله بعض الشذاذ الذين يخالفون جماعة المسلمين وإجماع السلف من زيارة النبي صصص والسلام عليه بعد الوصول إلى المدينة أمر منكر مردود خاصة إذا عُلّم ، ولقد قال بعضهم يتباهى بذلك يقول : إنه من فضل الله علَيّ أن لي بالمدينة خمسة وعشرين عاما ما وقفت يوما على القبر ! -والعياذ بالله- فالمحروم من حرم فلا ينبغي لبس الحق بالباطل، بل نقول سلم على النبي صصص السلام الشرعي، ومتى كان السلام على النبي صصص منكرا ، ومتى كان السلام على النبي صصص شيئا يتبرأ منه ، علينا أن نكون وسطا بين الإفراط والتفريط ، فالسلام على النبي صصص قربة ولاشك أنه طاعة إذا كان سلاما شرعيا راعى فيه المسلم الآداب الشرعية ، وليتأمل قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( ما من مسلم يسلم عليّ إلا ردّ الله علي روحي فأرد عليه )) فمن هو السعيد الذي يرد عليه النبي صصص سلامه يرد عليه بالسلام والرحمة والبركة ، ولاشك أن النبي صصص يرد بالأكمل والأفضل لأنه مأمور أن يحيّي بأحسن، فالمنبغي أن نتبّع النص الوارد وأن لا يبالغ الإنسان في تزهيد الناس من السلام على النبي صصص.

وأيضا هذه المبالغة التي يفعلها بعض أهل البدع والحدث خاصة إذا كانوا من سكّان المدينة كل يوم يذهب وهو يسلم ذاهبا آتيا للسلام على النبي صصص هذا خلاف ما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- ولا ينبغي الغلو في هذه المسائل وأخذ الأبناء وأخذ القرابة كل يوم يذهب ويسلم على النبي صصص هذا ما فعله السلف وفيه غلو والمسلم وسط بين الإفراط والتفريط ، وعليه أن يأخذ بالقصد، ثم إذا سلم على النبي صصص عليه أن يأخذ بالسنة والعدل وأن يتبع الوارد وأن لا يحدث من الكلمات التي لا أصل لها والأسماء التي لم ترد للنبي صصص فيبالغ في سلامه وإطرائه بل عليه أن يتأسى بالسلف الصالح بالسلام الشرعي على النبي صصص ويجزّيه عن الإسلام والمسلمين خيرا على ما قام به من أداء الرسالة وتبليغها -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه- وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته وصاحب رسالة عن رسالته .

سنتوقف إلى بداية الدراسة إن شاء الله . نسأل الله أن يتقبل ويجعله علما نافعا وعملا صالحا .

وأوصي طلاب العلم بضبط المسائل ، وأوصي بتفريغ الأشرطة إن أمكن ، ثم اختصار هذه الدروس بذكر المسألة وحكمها ودليلها ويصبح هذا ملخصا خاصا للطالب .

وليعلم كل طالب علم أنه مسؤول عن ضبط هذا العلم ، والاستكثار من العلم دون ضبطه مسؤولية عظيمة على طالب العلم ؛ عليه أن يضبط هذه المسائل وأن يراجعها وأن يجد ويجتهد في شغل وقته في هذا العلم النافع ويحرص في أثناء مراجعته على ترتيب المسائل ؛ لأن ترتيب المسائل في المذاكرة يعين على الضبط أكثر .

وأهم شيء الإخلاص والجد والاجتهاد مع صدق العزيمة .

نسأل الله بعزه وجلالته وعظمته وكماله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يتقبل منا هذا العلم خالصا لوجهه الكريم موجبا لرضوانه العظيم وأن يغفر لنا ما كان من الزلل والخطأ .



الأسئلة :

فضيلة الشيخ : هل للعمرة طواف وداع . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد :

فللعلماء قولان : هل تلتحق العمرة بالحج في طواف الوداع أو لا تلتحق ؟

أصحهما أنها لا تلتحق ؛ وذلك لأن النبي صصص أمر بطواف الوداع للحاج ولم يأمر به المعتمر ، ولم يثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- في عُمَرِه أنه أمر بوداع .

ثانيا أن الذين قالوا بإيجاب طواف الوداع على المعتمر قالوه من باب القياس ؛ قالوا لأن النبي صصص قال للمعتمر : (( واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك )) وهذا الحديث حديث صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه في الصحيح : (( واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك )) المراد به : ترك المحظورات وليس المراد باب المأمورات ؛ لأنه رأى الرجل وعليه جبة عليها صُفْرة أو أثر الطيب، فقال له : (( انزع عنك جبّتك واغسل عنك أثر الطيب واصنع في عمرتك )) فلو كان هذا اصنع المراد به الأفعال والواجبات لكان يجب عليه في العمرة أن يقف بعرفة وأن يبيت بمزدلفة وأن يبيت بمنى وأن يرمي الجمار! فدل على أنه ليس في الأفعال، فكما خرج الوقوف بعرفة وهو من الأفعال والمبيت بمزدلفة وطواف الإفاضة ورمي الجمار وهي من الأفعال خرج طواف الوداع، وعلى هذا يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (( اصنع)) أي اتق المحظورات- كما في عمرتك كما تتّقيها في حجّك لأن السياق والسّباق محكمّ، فسياق الحديث وسباقه إنما هما في التروكات وليس في الأفعال، فالاستناد إلى هذا الحديث ضعيف من هذا الوجه وقد ردّه الجمهور لما ذكرنا .

الأمر الثاني : مما يدل على ضعف هذا القول الذين قالوا بوجوب طواف الوداع على المعتمر اختلطت عليهم الأقوال، فقال بعضهم إذا صلّى فرضا ، وقال بعضهم إذا صلى ثلاثة فروض ، وقال بعضهم إذا صلى خمسة فروض، وقال بعضهم إذا بات، فهذا الاضطراب يدل على أنه ليس بواجب، لو كان واجبا لجعل له الشرع أصلا ينتهى إليه في تقدير الوقت الذي يجب على المعتمر أن يطوف به طواف الوداع، ولذلك نقول إن طواف الوداع خاص بالحاج ؛ لأن عائشة أشارت إلى ذلك بقولها : (( كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات)) ، فلما طال العهد عن البيت في الحج بيومين كاملين ابتعد فيهما عن البيت هذا المعنى لا يوجد في المعتمر والعبرة بالغالب أن المعتمر إذا انتهى من عمرته يرجع ؛ ولذلك أمر بطواف الوداع في الحج ولم يؤمر به في العمرة ، فهذا هو الصحيح أن المعتمر لا يطوف لطواف الوداع . والله تعالى أعلم .

نسأل الله بعزته وجلاله العلم النافع والعمل الصالح وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أبو زيد الشنقيطي
01-11-07, 09:08 AM
قال المصنف رحمه الله : [ باب الهدي والأضحية ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه ، واستن بسنته إلى يوم الدين ؛ أما بعد :

فيقول المصنف -رحمه الله- : [ باب الهدي والأضحية ] : هذا الباب يتعلق بمسائل الهدي والأضحية . أما الهدي فإنه راجع إلى مناسك الحج والعمرة ، وهو يكون واجبا وغير واجب ، فيكون الهدي واجبا كما في هدي التمتع والقران ، وكذلك جزاء الصيد وفي الإحصار ، فهذه أحوال يجب فيها الهدي .

وأما بالنسبة للأحوال التي لا يجب فيها كأن يبعث إلى البيت الحرام هديا منه تطوعا ، أو يسوقه معه هدية إلى البيت؛ كما فعل النبي صصص عام حجة الوداع فقد أهدى بأبي وأمي -صلوات الله وسلامه عليه- الهدي الواجب فساق معه هديه ؛ ففي الصحيحين عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال : (( لولا أني قلدت هديي ولبدت شعري لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )) وكذلك أيضا صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يبعث بالهدي في الحِجَج التي لم يحجها عليه الصلاة والسلام هدية إلى البيت، وهذه من السنن التي أضاعها كثير من الناس إلا من رحم الله ، وفيها فضل عظيم وثواب كريم أن يهدي الإنسان إلى بيت الله عز وجل تقرباً لله سبحانه وتعالى ، وقد فعل النبي صصص كلا الأمرين : الواجب ، والمستحب .

ويكون الهدي واجبا بالنذر فلو نذر أن يُهدي إلى البيت أصبح الهدي واجبا في حقه .

وأما الأضحية فإنها تكون في وقت الضُّحى ولذلك سميت بهذا الاسم ، والضُّحى أول النهار، فإذا أشرقت الشمس فإنه من بعد إشراقها إلى اشتداد النهار يسمى ضحى، ثم إذا اشتد النهار قبل الزوال يقال له الضَّحى بالفتح، ثم يكون انتصاف النهار، والهاجر، والقيلولة ، فلما كان هذا النوع من القربان يذبح في هذا الوقت المستحب وهو أول النهار وصف بذلك، ولذلك استحب العلماء للأئمة والخطباء في عيد النحر أن يعجّلوا وأن يخففوا على الناس حتى يتمكن الناس من ذبح ونحر أضاحيهم في الوقت المستحب ؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي صصص أنه كان من سنته أن يعجل بالَأضْحى ويؤخر في الفطر والتعجيل بالأضحى لهذا المعنى فسميت الأضحية أضحية لأنها تذبح في هذا الوقت .

وجعل المصنف -رحمه الله- أحكام الأضحية تابعة للهدي؛ لأن الهدي هو المتصل بمناسك الحج والعمرة، ومن عادة العلماء والأئمة والفقهاء أن يذكروا النظير مع نظيره والشبيه مع شبيهه ؛ والأصل أن الكتاب كتاب أنه للحج والعمرة ، فناسب أن يبين سنية الهدي والإهداء إلى البيت ، ثم لما يبين الهدي يتكلم على أحكام الأضحية ؛ لأنها تكون في يوم النحر وهو من أيام الحج كما هو معلوم .

يقول رحمه الله : [ باب الهدي والأضحية ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالهدي والأضحية ، والمسلم مطالب أن يعرف أحكام أضحيته ؛ لأن هذه الأحكام يتلبّس بها ولربما يسأل عنها ، وحينئذ يتعلمها ليعمل بها ، ويعلمها الناس .

قال رحمه الله : [ والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر ] : والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر بيّن رحمه الله أن الهدي سنة من سنن النبي صصص وهديه ، وهذا في غير هدي القِران، وهدي التمتع، وجزاء الصيد، والإحصار، وهذا لأنها واجبة ولازمة . وأما بالنسبة للمراد هنا فهو ما خرج عن اللزوم ، ولذلك قال : لا تجب إلا بالنذر ؛ واختلف في الأضحية على قولين : أصحهما وأقواهما أن الأضحية واجبة لمن استطاع وقدر على شرائها بوجود قيمة الأضحية فاضلة عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ؛ فهي واجبة ؛ لأن النبي صصص قال : (( من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله )) وأمر النبي صصص بذلك ، ولو كانت غير واجبة لخيّر عليه الصلاة والسلام ؛ ولأن النبي صصص قال في حديث السنن وحسنه بعض العلماء : (( من وجد سَعة فلم يضح فلا يقربنّ مصلانا )) .

وذهب طائفة من العلماء إلى عدم الوجوب وقالوا إن النبي صصص قال في الحديث الصحيح : (( إنما ضحى بكبشين أملحين قال في أحدهما : (( اللهم هذا عن محمد وآل محمد ، وقال في الثانية : عمن لم يضح من أمة محمد صصص )) فقالوا إن هذا يدل على أن الأضحية ليست بواجبة .

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأن قوله : (( عمن لم يضح...)) يحتمل أن يكون المراد به من عجز ولم يقدر فجبر الله له ذلك العجز وبلغه بفضله سبحانه وتعالى وكرمه على أمة محمد صصص بهذا الفضل ، فالحديث محتمل ، ومن هنا لا يقوى على صرف الأمر عن ظاهره ، وهذا لاشك أنه أقوى القولين وأحوطهما . ولما سئل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما وأرضاهما- فسأله رجل عن الأضحية . وقال : يا أبا عبد الرحمن أواجبة هي ؟ فقال له رضي الله عنه وأرضاه : (( ضحى رسول الله صصص وأبوبكر وعمر وعثمان )) . فرد عليه وقال : يا أبا عبد الرحمن الأضحية واجبة ؟ فرد عليه وقال : (( ضحى رسول الله صصص وأبوبكر وعمر وعثمان )) . فلما كانت الثالثة وسأله قال له أتعقل ؟! ضحى رسول الله يعني من يترك هذا الشيء الذي فعله رسول الله صصص وفعله الخلفاء الراشدون المهديون من بعده ، وهذا والله هو الفقه في حمل الناس على السنة ، وترغيبهم فيها وحثهم عليها رضي الله عنه وأرضاه .

وبيّن رحمه الله أن الأضحية تجب بالنذر فإن قيل بعدم وجوبها في أصل الشرع فإنها تجب بالنذر. وصورة ذلك : أن يقول: لله علي أن أضحي هذا العام ؛ فحينئذ إذا قلنا إن الأضحية ليست بواجبة فإنه يجب عليه أن يفي بنذره إذا كان مستطيعا .

كونه يقول : سنة : السنة من هدي النبي صصص ، وقد أهدى عليه الصلاة والسلام كما ذكرنا إلى البيت ، وتطوع في هديه ، فجمع بين الهدي الواجب والهدي المسنون ، ولذلك نحر بأبي وأمي -صلوات الله وسلامه عليه- ثلاثا وستين بدنة في حجة الوداع ، وأمر عليا ررر أن ينحر ما بقي من الإبل تمام المائة ، وهذا يدل على أنه يجوز ويشرع أن يهدي الإنسان للبيت. فالواجب عليه -عليه الصلاة والسلام- الدم الذي ساقه معه ، وأما ما زاد على ذلك فإنه سنة ، ومن هنا قالوا إن الهدي سنة .

وأما الأضحية سنة بقوله -عليه الصلاة والسلام- وفعله أما قوله فأحاديث منها قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها )) وقوله -عليه الصلاة والسلام- حينما سأله أبو بردة -رضي الله عنه وأرضاه- قال له عليه الصلاة والسلام : (( تجَزيك ولا تَجزي غيرك )) وكذلك أيضا الفعل حيث إنه عليه الصلاة والسلام فعل الأضحية ، فضحى عليه الصلاة والسلام بنفسه، وتولى الأضحية بنفسه -صلوات الله وسلامه عليه- .

قال رحمه الله : [ والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها ] : إذا كان عند الإنسان مال يكفيه لشراء أضحية سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم فهل الأفضل أن يتصدق بهذا المال أو الأفضل أن يضحي ؟ هذا مبني على أن الأضحية غير واجبة . أما إذا قلنا إنها واجبة فلا إشكال ؛ لأن التصدق نافلة والتضحية واجبة ، والواجب أفضل من غير الواجب بإجماع العلماء ؛ لأن النبي صصص قال : (( يقول الله تعالى في الحديث القدسي ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه )) ، وأجمع العلماء على أن الواجبات أفضل من غير الواجب ، فلو صلى ركعتي الفجر فإنها بالإجماع أفضل من كل ركعتين من النوافل، إذا ثبت هذا الكلام عند المصنف -رحمه الله- والخلاف في هذه المسألة مبني على القول بعدم وجوب الأضحية ، فهل الأفضل أن يتصدق بالثمن أو يضحي ؟ هذا راجع إلى مسألة المفاضلة والمفاضلات بابها ينبغي ضبطه بالكتاب والسنة ؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يفضل قولا ولا عملا إلا بنص شرعي ؛ لأن التفضيل راجع إلى حكم الشرع ، فلا يستطيع أحد أن يقول إن هذا أفضل إلا إذا كان أكثر ثوابا وأعظم منزلة وقربة لله عز وجل ، وهذا أمر غيبي يفتقر إلى ورود النص ، ومن هنا تكلم العلماء على قواعد المفاضلة في الأقوال والأعمال ، ثم المفاضلة تكون بين الأركان وتكون بين الواجبات وتكون بين المستحبات والمسنونات ، ثم تكون بين المؤقت وغير المؤقت إلى غير ذلك مما هو معلوم في قواعد الفقه وما بحثه العلماء في هذا الباب . فمسألة التصدق بالمال قال بعض العلماء : التضحية أفضل من الصدقة بالمال بمعنى أنه إذا اشترى الأضحية وذبحها أو نحرها فهذا أفضل من أن يأخذ المال كله ويتصدق به .

وقال بعض العلماء : الأفضل أن يتصدق بالمال . أما الذين فضلوا أن يضحي فقالوا : إن هذه سنة مخصوصة بزمان مخصوص ووقت مخصوص ، ففعلها في هذا الزمان المخصوص والوقت المخصوص يقتضي تفضيلها على أي شيء مطلق ؛ ولذلك من قواعد العلماء : (( أن المقيد فيما قيد به أفضل من غير المقيد )) فمثلا أنت إذا كنت في عمل صالح وجاء عن الشرع النص بالقول والعمل يفضل قولا أو فعلا في هذا الوقت ، وجاء نص يفضل قولا وفعلا في عموم الأوقات قُدّم المقيد ومن ذلك الصلاة على النبي صصص يوم الجمعة ، حينما قال طائفة من العلماء الصلاة على النبي صصص والإكثار منها يوم الجمعة أفضل من غيرها من النوافل ، وهذا مبني على النص ؛ لأن النبي صصص قال : (( فأكثروا علي من الصلاة فيه )) فجاء مقيدا بالزمان حتى اختلفوا وقالوا : الأفضل أن يكثر من الصلاة على النبي صصص لا وقالوا إنه أفضل من أن يكثر من تلاوة القرآن ليس معنى ذلك أن جنس الصلاة أفضل من جنس القرآن أبدا بإجماع العلماء على أن قراءة القرآن هي أفضل وأعظم أجرًا عند الله عز وجل لكنه لما ورد النص عن النبي صصص بالتخصيص فُضّل ، ومن ذلك : مسألة الاستغفار في الأسحار هل الأفضل أن يكثر من الاستغفار أو يقرأ القرآن في السحر في آخر السحر ؟ قالوا إن الله أثنى على المستغفرين بالأسحار، فهذا ذكر مخصوص في وقت مخصوص يفضل للوارد هذا راجع إلى قاعدة تقول : (( الوارد أفضل من غير الوارد )) هذا أمر بديهي لكن مراد العلماء أن الفضائل والمستحبات إذا وردت بخصوص زمان أو بخصوص مكان فإنها مفضلة للورود .

وجه هذا التفضيل : قالوا إنه إذا ضحى في يومه فإنه يصيب أجرين : الأجر الأول في كونه ضحى فإنه مال أنفقه وخرج عنه لله وفي الله وفي طاعة الله صدقة وقربة ثم يثاب من جهة المتابعة للنبي صصص، وهذا مثل مسألة الصلاة بمكة ظهر اليوم الثامن وهو يوم التروية ، فإن الحاج في اليوم الثامن السنة عن النبي صصص أنه يصعد إلى منى ، صعد وصلى اليوم الثامن الظهر بمنى ، فعلى القول بأن التفضيل خاص بالمسجد نفسه وأن الصلاة بمائة ألف صلاة خاصة بالمسجد نفسه قالوا إنه لو كان بمكة وأمكنه أن يصلي الظهر في المسجد الحرام وأن يصليه في مسجد الخيف أو في مسجد منى فالأفضل أن يصلي في ذلك اليوم الظهر بمنى أو بخيفها ؛ لماذا ؟ لأنه وارد عن النبي صصص والاتباع يقتضي زيادة المرتبة وعلو الدرجة ؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل في متابعة النبي صصص أعظم شيء منحه وأعطاه لعباده هو الهداية ، الهداية التي المسلم ولا يصلي صلاته ولا تقبل له الصلاة على الصحيح من أقوال العلماء أن الصلاة إلا بالفاتحة بعينها وهي مذهب الجمهور في كل صلاة وهو يقول : {اهدنا الصراط المستقيم } يسأل الله الهداية . جعل الله أعز شيء وأعظم نعمة وأفضل نعمة وهي نعمة الهداية في متابعة النبي صصص فقال : { واتبعوه لعلكم تهتدون} فقالوا إن هذه المتابعة تقتضي المفاضلة ، وعلى هذا فالأفضل أن يضحي ، ولاشك أن التضحية متابعة للنبي صصص أفضل من الصدقة ؛ لأن الصدقة عامة ، والأضحية خاصة ، لكن كل هذا كما ذكرنا على القول بعدم الوجوب .

أما مسألة الصدقات في عمومها بعض العلماء يقول قلنا بتفضيل الصدقة ؛ لأن المسكين حينما يأخذ المال يملكه، وإذا ملكه صرفه في منافعه فكان أعظم رفقاً به حينما يأخذ اللحم ؛ لأنه إذا ضحى وأعطاه اللحم فإنه قد جعل الانتفاع خاصا بالأكل ، لكن حينما يعطيه المال جعل انتفاعه أكثر من الأكل ، يستطيع أن يستخدم المال في طعامه وفي شرابه وفي قضاء دينه إلى غير ذلك فقالوا إنه لا يخصه بعمل معين ، ومن هنا فضلوا إعطاء المال على التضحية ، وهذا كله كما ذكرنا محله أن لا يكون هناك وارد .

قال رحمه الله : [ والأفضل فيهما الإبل ] : والأفضل في الهدي والأضحية الإبل ؛ وذلك لأن النبي صصص قال : (( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن )) فجعل مرتبة الإبل أفضل من مرتبة البقر، ومرتبة البقر أفضل من مرتبة الغنم ، ومن هنا قالوا إن الإبل أفضل ما يهدى ، وأفضل ما يضحى به ؛ ولأن النبي صصص جعل البعير مجزئا عن سبعة ، فالجزور الواحد يجزئ عن سبعة ، فلو أن سبعة أشخاص اشتركوا في شراء بعير وضحوا به أجزأهم ، والشاة تجزي عن الرجل وأهل بيته ؛ كما صح في حديث أبي أيوب -رضي الله عنه وأرضاه- ، وعلى هذا لاشك أن الإبل أفضل ، ولأن الإبل أكبر جسما ، وكذلك أغلى ثمنا ، ومن هنا كانت أفضل من البقر وأفضل من الغنم .

قال رحمه الله : [ ثم البقر ] : ثم البقر ؛ لأن النبي صصص جعل الرواح في الساعة الثانية من الجمعة كمن ذبح بقرة وهذا فيه رد على من يقول من العلماء إن الإبل والبقر بمنزلة واحدة وهناك من يقول إن ا لإبل والبقر لا تفضيل بينهما إلا من جهة الصفات : أن تكون إحداهما أسمن أو أطيب لحما أو أحسن حالا وصفة في الكمال فحينئذ تفضل أما جنس الإبل والبقر فيجعلهما في مرتبة واحدة ؛ ودليلهم أن النبي صصص جعل الإبل عن سبعة وجعل البقر عن سبعة فدل على أنهما بمرتبة واحدة .

ونقول : إن السنة دلت على أن البقر دون الإبل على ظاهر قوله : (( من راح في الساعة الثانية فكان كأنما قرب بقرة )) وكون الشرع يجعل الإبل عن سبعة والبقر عن سبعة لا يقتضي أنهما بمنزلة واحدة ، فقد يكون المنزلة واحدة والتفضيل بالصفات كما لو كان أحد البعيرين أسمن وأوفر لحما والثاني دونه ويجزي فإننا نقول: إن كلا منهما يجزئ عن سبعة ولكن التضحية بهذا أفضل من التضحية بهذا ، ولاشك أن الإبل أكبر وأوفر لحما من الغنم ، وعلى هذا فيقدم الإبل على البقر .

قال رحمه الله : [ ثم الغنم ] : ثم الغنم والإبل بنوعيها : العراب ، والبختية ، والبقر بنوعيه : البقر ، والجواميس، والغنم بنوعيه : الضأن ، والمعز، فجعل الله عز وجل في الإبل زوجين ونوعين. فالإبل بالنوعين : العراب ، والبختية، وأفضلها العراب ، والعراب هي التي لها سنام واحد ، والإبل البختية هي التي لها سنامان ، وفضلت العراب ؛ لأنها هي التي أهدى بها رسول الله صصص ، والبقر يفضل على الجاموس ؛ لأن النبي صصص ضحى عن نسائه بالبقر ، وعلى هذا فإن البقر أفضل من التضحية بالجاموس ؛ والجاموس يدخل في هذا بنوعيه ، وكذلك بالنسبة للغنم فالضأن أفضل من المعز؛ لأن النبي صصص ضحى بكبشين أملحين أقرنين ، ولأنه أطيب لحما ، وأكثر نفعا ، ومن هنا قدم وفضل على المعز ، ولذلك يجزي منه الجذع ويوفي مما يوفي منه الثني من المعز ، وهذا يدل على أن شأن الضأن أفضل من شأن المعز وإن كان كل منهما يجزئ عن الرجل وأهل بيته .

قال رحمه الله : [ ويستحب استحسانها واستسمانها ]: ويستحب للمسلم إذا أراد أن يضحي أن يستسمن الأضحية وأن يستحسن . أما الاستسمان فهذا راجع إلى حال الكمال في صفة البهيمة إبلا كانت أو بقرا أو غنما ، فالسمين منها أفضل وأعظم أجرا ، ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام عن أعظم البهائم أجرا عند الله عز وجل وهذا شامل للأضاحي والهدي قال : ((أنفسها وأغلاها ثمنا عند أهلها )).

أنفسها : والنفيس من كل شيء أفضله ، والذي يعز وجوده ، ولذلك السمين أنفس وأحب إلى أهله ، وعلى هذا يعتبر من كرام المال ، وقد تقدم معنا في الزكاة أن الساعي و الجابي لا يأخذ السمينة ؛ لأنها كريمة مال ، فمن كرام المال السمان ، فأحسن وأفضل ما تكون الأضحية إذا كانت سمينة ، وسمنها يزيد في لحمها ، وزيادة في طيبها ، وحينئذ يكون أعظم أجرا إذا تصدق بها ؛ ولأن السمين أغلى ثمنا ، وإذا كان أغلى ثمنا فهو أغلى كلفة ومشقة ، فيكون أكثر ثوابا عند الله عز وجل ولذلك قال : (( أنفسها وأغلاها ثمنا عند أهلها )) ولاشك أن السمين كذلك .

والاستحسان : الاستحسان يكون في الصفات فإذا كانت حسنة الحال في شكلها وصفاتها فبعض البهائم تكون لها صفات محمودة من الإبل والبقر والغنم إلا أن هذا الاستحسان راجع إلى طيب اللحم ، البهائم يستحسنها أهلها ويستطيبونها وتكون عزيزة عندهم على حسب المقاصد ، فالبهمية إما مركوبة وإما محلوبة وإما مأكولة ، فهذه مصالح الناس في البهائم : مركوبة فيما يركب كالإبل ، فإنها تكون عزيزة في الرَّكوب إذا كانت على صفات معينة ، وتكون كذلك حلوبا ، فإذا أرادها للحليب فإنها تكون عزيزة وغالية عند أهلها بصفات معينة يعرفها أهل الخبرة ، كذلك إذا كانت للأكل ، فالاستحسان هنا من جهة الأكل أن تكون حسنة في حالها وصفاتها ومن جهة الأكل ومن جهة الصفة ، فبين من جهة الأكل بقوله : سمينة بصفة السمن، والاستحسان في الشكل .

قال رحمه الله : [ ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه ] : بعد أن بين رحمه الله حكم الأضحية والمفاضلة بين أنواعها يتبع هذا أن التضحية والهدي لا يكون إلا من هذه الثلاثة الأنواع : الإبل، والبقر، والغنم ، فلا يضحي بغير هذه الثلاث ، وهذا مذهب الجماهير من السلف والخلف رحمهم الله ومنهم الأئمة الأربعة فلا يضحي بدجاجة ، ولا يضحي بـمثلا غزال ولا يضحي بتيثل ولا وعل ، فهذه كلها ليست بأضحية وليست محلا للأضحية ؛ ولذلك خص النبي صصص المسن من بهيمة الأنعام ، وهذا يخص الإبل والبقر والغنم ، ونص الله U على اعتبار البهيمة يدل على أنه لا يكون إلا من هذا النوع ، فإذا ثبت هذا فإنه لابد وأن يراعى في هذه البهائم سنا معتبرا يراعي سنا معتبرا فلا يجزئ ما نقص عن هذه السن ، وهذا يعتبر من شروط صحة ا لأضحية .

فالشرط الأول : أن تكون من بهيمة الأنعام ، فلا يجزئ من غيرها .

والشرط الثاني : أن تكون قد بلغت السن المعتبر ، والسن المعتبر الثني من المعز ، والإبل والبقر ، فالثني من الإبل هو الذي بلغ الرابعة وطعن في الخامسة ، أتم الرابعة وطعن في الخامسة .

وأما بالنسبة للغنم فإن الماعز يكون ثنيا إذا أتم السنة ودخل في الثانية .

ومن ا لبقر إذا أتم السنتين ودخل في الثالثة .

قال صصص : (( لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن )) وقال صصص في الحديث الصحيح : (( إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني )) فعندنا الأصل وما يستثنى، فالأصل أن الثني من الإبل والبقر والغنم واستثنى رسول الله صصص من هذا الشرط - أن يكون ثنيا - الضأن فقط وهو الذي يسمى في عرف العامة اليوم : الطلي الذي له ألية ، فهذا النوع من الغنم يجزئ منه ما أتم ستة أشهر إذا كان جيد المرعى ، قالوا إنه يكون جذعا من الضأن إذا أتم ستة أشهر . وبعض العلماء يقول : إنه لا يكون جذعا إلا إذا بلغ ثلاثة أرباع الحول ، ومنهم من يقول إذا قارب تمام الحول.

والصحيح الذي ذكره بعض الأئمة أنه يختلف بحسب اختلاف المراعي ، ولذلك قد يجذع بإتمام الستة الأشهر إذا كان طيب المرعى ، وقد يجذع في أكثر الحول أو إذا قارب تمام الحول على حسب اختلاف المرعى .

إذًا لا يكون جذعا دون ستة أشهر وهذا هو بيت القصيد أنه أتم ستة أشهر ، ودخل في أكثر الحول . هذا بالنسبة للشرط المعتبر ؛ لأن النبي صصص رد على أبي بردة ررر حينما ضحى بالعناق وقال له : (( تجزيك ولا تجزي غيرك )) .

فيشترط في الأضحية أن تكون بعد الصلاة لا قبل الصلاة ، فجاء أبو بردة ررر وضحى قبل صلاة النبي صصص لعيد الأضحى ، وقال كما في الصحيحين : (( فأحببت أن يكون أول شيء يصيب أهلي من طعامها )) فقصد بالتعجيل المبادرة بهذه السنة ، فلما أخبر النبي صصص أمره أن يذبح أخرى مكانها فقال : (( ليس عندي إلا عناقا)) وهي أصغر فقال صصص له : (( تجزيك ولا تجزي غيرك )) وهذا يدل على أن الأضحية لابد أن تبلغ سنا معتبرة. ولذلك قال صصص : (( لا تذبحوا إلا مسنة )) فجعل السن شرطا ، وعلى هذا جماهير السلف والخلف وهو كالإجماع على أن الأضحية لا تجزي والهدي لا يجزي إلا إذا كان قد بلغ السن المعتبرة .

قال رحمه الله : [ وثني المعز ما له سنة ] : ثني المعز ما أتم السنة ودخل في الثانية وعلى هذا إذا أتم السنة ودخل في الثانية جاز أن تُضَحّي بها ، وأيضا لو أن شخصا سألك وقال : علي دم إما في حج مثل أن يكون مثلا فدية حج فأصاب محظورا من محظورات الإحرام فقال: أريد أن أذبح دما فماذا أفعل ؟ تقول له ينبغي أن يكون قد بلغ السن المعتبرة فكل دم واجب على الشرع سواء بالعبادة أو أوجبه على نفسه بالنذر فإنه لابد أن يبلغ السن المعتبر هذه على التفصيل الذي يذكره المصنف في الغنم أتم السنة ودخل الثانية ، ولذلك يقال له الثني.

إذًا يستثنى من الغنم في إتمام السنة الضأن فإنه يمكن أن يضحي به إذا كان دون السنة كما ذكرنا إذا كان جذعا من الضأن .

قال رحمه الله : [ وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ] : وثني البقر ما أتم السنتين فإذا أتم السنتين فإنه ثني وحينئذ يجزئ أن يذبحه ، وأن يتقرب به في هدي أو أضحية ، وأما الإبل فما أتم .

قال رحمه الله : [ وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ] : ما كمل له خمس سنين : هذا راجع إلى مسألة فقهية : هل العبرة في الحد بأوله أو بتمامه ؟

فكلهم متفقون على أنه لا يكون إلا بعد تمام أربع سنوات ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : طعن في الخامسة ، وإذا قيل طعن في الخامسة كما ذكرنا في أول الحديث فهو أن يكون في أكثر الحول من الخامسة يعني أتم ستة أشهر وقارب التمام ، وهذا ذكره بعض أهل الخبرة ، ولذلك نجد بعض الفقهاء رحمهم الله اعتمدوا على هذا القول . قالوا طعن في الخامسة .

ومنهم من يقول أتم الخامسة كما قال المصنف -رحمه الله- وهذا كما ذكرنا راجع إلى التفصيل الذي ذكرناه باختلاف المرعى والأحوال .

قال رحمه الله : [ ومن البقر ما له سنتان ] : ومن البقر ما له سنتان كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ وتجزئ الشاة عن واحد ] : وتجزئ الشاة عن واحد ؛ لأن النبي صصص جعلها عن الرجل وأهل بيته كما في الحديث الصحيح أن الشاة كانت تجزئ عن الرجل وأهل بيته فهي في الأصل مجزئة عن المضحي نفسه. وأما بالنسبة لأهل بيته فهم تبع .

وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد ، ولو اشترك اثنان في شاة لم تقع عنهما. وعندهم خلاف في مسألة لو أنهما ذبحا على هذه الصفة على من تجزي ؟ هل لأول مُسَمٍّ منهما أو للمالك الحقيقي على تفصيل عند العلماء ؛ لأن هناك أحوالا أن يكون مشتركين استحقاقا كما في الشريكين أن يكونا مشتركين هدية يقول له : أشركك معي تبعا هذا كله فيه تفصيل لكن من حيث الأصل لو اشترك اثنان في شاة أو اشترك أكثر من واحد في شاة لا تجزي إلا عن الرجل نفسه ، ولا تجزي عن أكثر من رجل إلا عن أهل بيته تبعا ، وعلى هذا الأصل فيها عن الشخص نفسه ، وهذا منصوص العلماء رحمهم الله في كتبهم أن الشاة لا تجزي إلا عن الرجل وحده . تجزي عن أهل بيته كزوجته وأولاده ، فإذا كانت له أسرة ولو كانت كثيرة العدد فلو كان عنده أكثر من عشرة أولاد وكلهم في رعايته وهو الذي يقوم عليهم وهو الذي ينفق عليهم وهم تبع له وفي بيت واحد فإنه يضحي بشاة واحدة عنه وعن آله .

وأما بالنسبة للبقر والإبل فإن النبي صصص جعلهما عن سبعة ، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة رضوان الله عليهم اشتركوا في الإبل عن سبعة ، وكانت السبعة منهم ينحرون الجزور ويجزيهم .

قال رحمه الله : [ والبدنة والبقرة عن سبعة ] : كما ثبت في حديث جابر ررر وغيره وفي حديث أم المؤمنين عائشة في المسند وغيره عنها رضي الله عنها (( أن النبي صصص ضحى عن نسائه بالبقر )) فالبقر يحصل فيه التشريك بنوعيه ، وهكذا الإبل .

قال رحمه الله : [ ولا تجزئ العوراء البين عورها ] : الاشتراك في التضحية وفي الهدي، فلو مثلا فرضنا أن سبعة أشخاص كل واحد منهم عليه دم فدية في الحج أو ذهبوا في عمرة ولزمتهم الفدية في حلق أو تقصير أو نتف شعر أو تغطية أو طيب أو نحو ذلك من الفدية فلزم كل واحد منهم دم أو أحرموا دون الميقات وهم سبعة فنقول لهم: اشتركوا في بعير على الصفة المعتبرة وانحروه عنكم ، فحينئذ يجزئ عن السبعة ، ولو أن سبع أسر أرادوا أن يشتركوا في أضحية فاجتمعوا واشتروا جزورا أجزأ هذا الجزور عن سبعة بيوت ، وهكذا لو استطابوا البقر فأرادوا أن يأكلوا لحم البقر والحال يصعب أن أحدهم يشتري بقرة فقال نريد أن نشترك في سبعة في هذه البقرة فدفعوا ثمنها أجزأت أضحية عنهم .

إذًا الاشتراك سواء كان من الشخص في واجب أو في غير واجب .

كذلك أيضا ذكر بعض العلماء أن من وجبت عليه الفدية في سبعة أخطاء ، أو مثلا تكررت على وجه لا تتداخل فيه في الأنواع ، فقالوا لو أنه جاء بعمرة سبع مرات وهو يتخطى الميقات ، ولا يحرم من الميقات عالما متعمدا؛ فلزمه الدم قالوا صح أن ينحر الجزور بمكة صدقة على أهل مكة ؛ لأن الدم الواجب في جبران الواجبات في الحج يكون بمكة، فنحر بمكة جزورا أجزأه عن الإخلالات السبعة ، فيحصل التشريك سواء عن الشخص نفسه فيما وجب عليه . شخص قال : والله أنا صعب علي أن أذبح سبع شياه أو وجد أن قيمة سبعة الشياه مثلا بثلاثة آلاف وخمسمائة أمكنه أن يشتري بقرة بألف ريال وهي بنفس الصفات المعتبرة أجزأته عن هذه الإخلالات .

هذا فيما يحصل فيه التداخل ، ويحصل فيه التشريك . فالتشريك في الجزور سائغ على هذا الوجه ، لكن لو أن أربعة أشخاص أرادوا عقيقة فكل واحد من الثلاثة مثلا ولد له ذكر والرابع منهم ولدت له أنثى فأرادوا أن ينحروا جزورا نقول: لا ؛ لأن مقصود الشرع هنا بالعقيقة كما ذكر بعض الأئمة -رحمهم الله- بالدم نفسه شاتان متكافئتان عن الذكر وشاة عن الأنثى، وحينئذ لا يحصل التداخل ولا الاجتماع ؛ لأنه يخالف مقصود الشرع ، فيحصل التداخل والتشريك في الدماء الواجبة ، ويحصل التداخل والتشريك في الأضحية ، ويحصل التداخل والتشريك في اجتماع الاستحقاقات حتى ولو كان من شخص واحد أو أشخاص ، فلو كان على أحدهم ثلاث فديات واجبة والآخر عليه أربعة ، فدفع الأول الذي عليه ثلاث ثلاثة أسباع قيمة الجزور، ودفع الآخر أربعة أسباع القيمة مثلا كانت قيمة الجزور سبعمائة ريال فإنه يدفع الأول ثلاثة الأسباع ثلاثمائة والثاني يدفع أربعة أسباع أربعمائة ، وينحران جزورا ويجزي عما يجب عليهما .

************************************************** ***************
الأسئلة :

السؤال الأول : فضيلة الشيخ : من استدان المال لشراء الأضحية لأنه لا يملك النقد وهو مقتدر ، وكذلك من أخذها بالدين هل تجوز له ذلك . وجزاك الله خيراً ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فيشتمل هذا السؤال على جانبين :

الجانب الأول : أن يكون الشخص مقتدرا وليست عنده سيولة ، مثلا شخص عنده مال لكن ليس من النقدين، وعنده قدرة على أن يشتري الأضحية ، فهل يتسلف السيولة أو أنه يترك الأضحية ؟

الجواب : نعم يلزمه أن يضحي ، وعنده قدرة ، وعلى هذا يستوي أن يأخذ المال من الغير ثم يقضيه من ماله بعد ذلك ، أو إذا جاءته سيولة . ومثلا لو أن شخصا عنده بقالة أو عنده سوبر ماركت ويوم الأضحية ما عنده سيولة لكن المال عنده وعنده قدرة وعنده شيء فاضل عن قوته وقوت ولده بحيث لو باعه استطاع أن يشتري به أضحية فنقول له بالخيار : إما أن تبيعه أو تصرف هذه البضاعة على قدر ما تشتري به الأضحية أو تأخذ السيولة من غيرك ثم تضحي فأنت قادر ومستطيع ، فهو بالخيار .

وأما إذا كان عاجزا وأراد أن يستدين من أجل أن يضحي فهذا فيه تفصيل :

أولاً : وقبل التفصيل الذي يذكره العلماء لا يجب عليه أن يفعل هذا إذا كان ما عنده مال أو فقيرا أو معدما فقال : أريد أن أتسلف من أجل أن أضحي كلهم متفقون على أنه لا يجب عليه أن يتسلّف ؛ لأن التكليف شرطه الإمكان ، وهذا ليس عنده { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقال في الآية الأخرى : { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } فهذا ليس عنده قدرة وليس عنده مال ، فلا يجب على العاجز عن الأضحية أن يتسلف ويستدين هذا بلا خلاف بين العلماء -رحمهم الله- إنما الخلاف هل يشرع أو لا يشرع ؟ وهل الأفضل أن يستدين ويصيب فضل هذه السنة أو الأفضل أن لا يستدين ؟

أما من حيث يشرع له أو لا يشرع كان بعض مشايخنا -رحمهم الله -يفصل في مسألة وجود الاستحقاق ، فبعض الناس يكون مثلا قد مضت عليه العشرة الأيام وهي ثلث الشهر وراتبه ثلاثة آلاف ريال ، فمعنى ذلك أنه في حكم من له ألف ريال بيده لكن الثلاثة الآلاف ما تأتيه إلا في آخر الشهر، وحينئذ عنده استحقاق ، فيسوغ له أن يستدين وأن يضحي ، وفي هذه الحالة كانوا يقولون : إن هذا أشبه بالوجوب وأقرب إلى الوجوب ؛ لأنه عنده الاستحقاق وهذا على مسألة الدين هل هو في حكم ما في اليد أو لا ؟ وهو راجع إلى مسألة الزكاة فإن كان غالب ظنه حصوله على هذا المال فلا إشكال .

الوجه الثاني : عند بعض العلماء يقول : إنه لا يجب عليه والأشبه أنه لا يلزمه أن يستدين ؛ لأن العبرة بالوقت، ولذلك قالوا لو أن شخصا حج ولم يجد الدم الواجب عليه في حال حجه ولكنه إذا رجع إلى بلده عنده مال قالوا العبرة بحاله في الحج وليست العبرة بحاله في بلده هذا خلاف بين العلماء رحمهم الله والمسألة مشهورة وسبق أن أشرنا إليها في المناسك .

تبقى قضية هل الأفضل أن يستدين أو لا يستدين ؟ فبعض العلماء يفضل أنه إذا استدان كان أعظم لأجره ؛ لأنه يصيب السنة ، ويتأسى بالنبي صصص في كونه يضحي في ذلك العام ، فقالوا إنه أفضل من هذا الوجه .

ومن أهل العلم من قال إنه ليس بأفضل ؛ لأن الأفضل أن لا يهين الإنسان نفسه ، ولا يذل نفسه بالدين ، ونصوص الشرع تدل على أن المسلم ينبغي أن يصون وجهه عن سؤال الناس ، فقالوا إذا استدان سأل ، ووقع فيما هو مكروه شرعا ، فجعلوه في مرتبة المفضول لا الأفضل .

والحقيقة كلا القولين له وجه ، وهذا راجع إلى مسألة : هل يستدين ليتصدق ؟

والقولان لهما وجه الذي منع له وجه والذي أجاز له وجه . والله تعالى أعلم .


السؤال الثاني : فضيلة الشيخ رجل عنده زوجتان كل واحدة في بيت مستقل هل تجزئه أضحية واحدة وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

آل الرجل في البيتين كالبيت الواحد ؛ لأن قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح في حكاية الهدي أيام النبي صصص تجزئ عن الرجل وأهل بيته . أهل البيت المراد بهم من تبع الإنسان ولو كان عنده أربع نسوة ، فإنه في حكم البيت الواحد . فالعبرة بالتبعية وليست العبرة بكون هذه الزوجة عندها عيالها والأخرى عندها عيال فكلهم في حكم البيت الواحد . والله تعالى أعلم .


السؤال الثالث : فضيلة الشيخ إذا كان الابن متزوجاً ولكن يسكن مع والديه في نفس البيت هل تجب أضحية على الأب وأضحية على الابن المتزوج . وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

الابن المستقل بزواج وأسرة فهذا خارج عن والده في نفقته ، فالوالد ليس بقائم عليه في نفقته لا يعتبر تابعا لوالده وحينئذ تكون أسرتان ، وأهل بيتين لا أهل بيت واحد ؛ لأن الابن قائم على زوجه ، والأب قائم على أولاده، وهذا الابن المتزوج لا يعتبر تابعا للأب إلا في السكن والشكل لكن في الحقيقة وحكم الشرع هذا بيت وهذا بيت ، ولذلك يجب على الابن أن يضحي والأب يجب عليه أن يضحي ، فهنا أضحيتان وليست بأضحية واحدة. والله تعالى أعلم .



السؤال الرابع : فضيلة الشيخ شخص يرغب في الاعتكاف وفي نفس المسجد حلقة علم طيلة أيام الاعتكاف فهل يمكن أن يدخل نية الاعتكاف تحت نية طلب العلم أو لا يصح . وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

الأفضل في المعتكف أن يشتغل بذكر الله عز وجل؛ ولذلك الاعتكاف : حبس المسلم نفسه في المسجد لذكر الله وطاعة الله عز وجل . وطلب العلم لاشك أنه من طاعة الله ، ولكن هناك فرق بين العبادة وبين طلب العلم ، وقد بين النبي صصص هذا وقال : (( إن فضل العالم على العابد )) ففرق بين الجنسين. العبادة لها وقت مخصوص وزمان مخصوص، ولذلك لما دخل عليه الصلاة والسلام للاعتكاف دخل في القبة لم يكفه أن يدخل في المسجد، ولم يكتف بدخوله المسجد حتى بنيت له القبة حتى يتفرغ أكمل ما يكون عليه التفرغ .

طلب العلم له وقت ، والاعتكاف له وقت ، والأفضل للمعتكف أن يشتغل بقراءة القرآن والذكر وطلب أكمل الأحوال في ذكره لله عز وجل من الخشوع والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والتضرع إليه حتى يؤثر فيه اعتكافه ، فهذه عبادة خاصة ؛ ولذلك النبي صصص دخل إلى القبة ولما تلاحى الرجلان : أبو حدرة الأسلمي رضي الله عنه مع أبي رفع سَجَفة الخباء وقال : يا أبا حذرة هكذا يعني ضع نصف الدين ، ثم قال لأبي : قم فاقضه . فاشتغل بذلك للصلح فلما كان اليوم الثاني قال : أريت ليلتكم هذه . فتلاحى رجلان فرفعت وعسى أن يكون خيرا ، فبسبب هذه الخصومة وما وقع من هذه الخصومة رفعت ليلة القدر . قال بعض العلماء : ما أعظم بلاء الخلاف والخصومة بين الناس إذا لم يكن على وجه يرضي الله صصص فإنه بلاء حتى إن الأمة حرمت ليلة القدر بسبب الخلاف في الدنيا ، وهذا بسبب دَيْن كان لأحدهما على الآخر . فالشاهد أن النبي صصص جعل انشغاله بالصلح والقربة أشار إلى أنه كان سببا في فوات حال الأكمل والأفضل وهو معرفة ليلة القدر، فإذا كان هذا لنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه ورفعت ليلة القدر عنه بالانشغال بصلح وعمل خير فهذا يدل على أن الذهن ينبغي أن يفرغ لذكر الله عز وجل . ولذلك كان بعض السلف كالإمام مالك –رحمه الله – وهو من أئمة السلف كان يرى أنه إذا دخلت العشر لا يشتغل بشيء غير الذكر والعبادة .

ومن أهل العلم وهو القول الثاني من يقول إن المعتكف يطلب العلم ويقرأ ويراجع ويستدل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيح : (( كان النبي صصص أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون إذا كان في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن )) قالوا مع هذا لن يشغله مدارسة القرآن عن حصول الخير والفضل ومدارسة القرآن من طلب العلم .

وأجيب عن هذا بأن مدارسة القرآن من النبي صصص وحيا ليست داخلة في هذا المعنى الذي ذكر في طلب العلم، ولاشك أن المعتكف من حيث الأصل الأفضل له والأكمل أن ينشغل بما انشغل به -عليه الصلاة والسلام- ، ولذلك الأفضل أن ينشغل بالذكر عن طلبه للعلم . والله تعالى أعلم .



السؤال الخامس : فضيلة الشيخ : أرجو من فضيلتكم في بداية هذا العام الدراسي أن تذكّروا طلاب العلم بوصية خاصة . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فإن أجمع الوصايا للخير تقوى الله عز وجل ، ومن اتقى الله جعل له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ومن كل بلاء عافية ، ومن اتقى الله ؛ وقاه ، وسدده ووفّقه في أمر دينه ودنياه .

أوصي طالب العلم في بداية دراسته وطلبه للعلم أن يبدأ أول ما يبدأ بحق الله سبحانه وتعالى ، ومن أدى حق الله على الوجه الذي يرضي الله أحبه الله ، ومن أحبه وفقه وسدده ، ومن وفقه الله وسدده يسر له سبيل القبول ، وإذا يسر له سبيل القبول فقد أفلح ونجح وفاز فوزا عظيما - جعلنا الله وإياكم بمنه وكرمه كذلك-.

فأوصي بتقوى الله عز وجل وأداء حق الله في العلم : وأول حق لله عز وجل الإخلاص لوجهه ، فمن يقرأ القرآن ويقرأ أحاديث رسول الله صصص ومن يقرأ في العلوم الشرعية عليه أن يعلم أنها يبتغى بها وجه الله ولا يبتغى بها شيء سواه ، وأن من طلب علما مما يراد به وجه الله لينال بها عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة ، وأن طالب العلم إذا طلب العلم لوجه الله ووقف بين يدي الله -جل في علاه- في آخرته وسأله الله عن قوله وعمله وكان مخلصا لوجهه نجاه الله بفضله وكرمه ، فإذا قال : طلبت العلم لوجهك، وتعلمت لوجهك، وابتغيت ما عندك . قال الله : صدقت . وقالت الملائكة : صدقت . وعندها يقول الله : اذهبوا به إلى الجنة - فنسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا من الصادقين- .

الأمر الثاني أن هذه الوصية يستصحبها في جميع أموره ، ومن الليلة من الساعة هذه لا يكتب في العلم حرفا ولا يسمع حرفا فضلا عن كلمة عن عبارة إلا وهو يريد وجه الله ، وليعلم علم اليقين أنه ليس له من هذا العلم ولو تبحّر فيه فأصاب منه ما أصاب ليس له منه إلا ما أراد به وجه ربه ، وأن الله سيحاسبه في ذلك ، ولم يخرج من بيته إلى كليته إلى ثانويته إلى دراسته إلا وهو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى .

الأمر الثاني من حق الله U من تقواه : أن يحرص كل الحرص على أن يتعلم ليعمل ، وأن يجعل هذا العلم في قوله وعمله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته حتى يزكيه الله بالعلم فيهتدي ، فإذا اهتدى في نفسه جعله الله هاديا مهديا ؛ قال تعالى : { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } . فجعلهم أئمة هداة لما اهتدوا في أنفسهم ، فبدأ الله أول ما بدأ : آمنوا وعملوا الصالحات فهذه هداية في النفس ، ثم قال وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. يبدأ بنفسه ويبدأ بداية صادقة حينما يحس أنه ناقص يرجو الكمال من الله أن يكمل الله نقصه ، وأنه مكسور وأن الله يجبر كسره . يبدأ بنفسه فيحاسبها في القول والعمل والظاهر والباطن ، ألا وإن من أعظم ما يصلح الإنسان من نفسه قلبه ، فلا يصلح في هذا العلم إلا من زكى الله قلبه ، زكاه بسلامة الصدر ، وحب الخير للمسلمين ، ولن يكون طالب العلم كما ينبغي أن يكون طالب العلم إلا إذا نقى قلبه من : الحسد ، والشحناء ، والبغضاء ، واحتقار الناس ، وانتقاصهم ، وسوء الظن بهم ، والتهم، ونحو ذلك من جرائم القلوب ، بل من أسقامها وأمراضها ، فلن يفلح طالب علم مريض القلب ، ولن ينجح طالب العلم حقود أو حسود أو يحتقر الناس أو ينتقصهم أو فيه كبر أو عجب ظن أنه قد أخذ مقاليد الجنة يدخل فيها من يشاء ويخرج منها من يشاء .

ظن أنه مسلط على عباد الله بعلمه بمجرد أن يتعلم الكلمة أو الكلمتين وكأن الناس أسفل منه ، فيحتقرهم وينتقصهم ، ولا يستشعر الرحمة التي بعث بها النبي صصص فيكون كما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من التواضع والرفق بالمسلمين ، لن يفلح ولن يصيب الكمال في هذا العلم إلا إذا زكى الله سريرته .

وانظر رحمك الله إلى طالب علم أو عالم أو داعية ربى الناس على أن يخافوا الله في إخوانهم المسلمين ، فيبدأ بصلاح قلوبهم كيف يخرج للناس هاديا مهديا ، وكيف يخرّج للناس أمناء رحماء يترسمون هدي النبي صصص

لن يفلح في هذا العلم من يحتقر الناس لألوانهم أو يحتقر الناس لأمصارهم وأقاليمهم . أمة مصطفاة بعد الأنبياء وهم ورثة الرسل وهم العلماء وطلاب العلم هم المؤهلون من بعدهم بإذن الله . فالذي يخرج إلى الأمة وعنده هذه الخلفيات وهذه الأمراض والأدران كيف سيكون هاديا مهديا ، وكيف سينتفع بعلمه وهو يحتقر إخوانه وينتقصهم . تبدأ بنفسك وتحاسبها حسابا عسيرا لكي تهتدي ، وليكون طلبك للعلم بداية لصلاح ما بينك وبين الله قبل أن يكون صلاح ما بينك وبين الناس ، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ، وعندها يكون العلم نافعا .

من الناس من تعلم من العلم القليل فهدي إلى صراط العظيم الجليل جل جلاله ومن الناس من حمل العلم أحمالا لكي يلقى الله جل جلاله وقد غضب الله عليه في قلبه وقالبه .

إياك أن تطلب العلم قبل أن تهذب نفسك . ابدأ بنفسك فارعها عن غيها ، وكل طالب علم بدأ بالكمالات وتطبيق العلم وإصلاح نفسه لطلب العلم وأن يكون أمينا صادقا لهذه الأمة المرحومة فيخرج إليها بقلب وقالب وجهه مثل قلبه من شيم الإسلام وأخلاق الإسلام ، من التواضع والمحبة والبشاشة واللين والرفق هذا يؤهل طالب العلم للكمال ، فإذا جئت إلى الدراسة وإلى مقاعد العلم فانطلق بهذه الأسس ، لا تنطلق انطلاق الهمج الرعاة الذين لا يفقهون ولا يعلمون ولا يطبقون هذا العلم ، فأنىّ يصيب الفلاح أمثال هؤلاء ؟‍! ولذلك تجد بعض الناس يبلغ أعلى درجة في العلم وينال أعلى الدرجات وهو يفرّط في أبسط حقوق الإسلام ، فيمر على أخيه لا يسلم عليه ، فلم يزده العلم إلا حرمانا من الخير ، حتى إنه يقول : أنا الدكتور أسلم على أمثال هؤلاء ! يا سبحان الله! لماذا ؟ لأنه لم يزك نفسه قبل طلبه للعلم ، فكيف سيزكي نفسه بعد أن نال الشهادات وارتفع .

عليك أن تتواضع عليك أن تعد أنك هالك إلا أن ينجيك الله ، وأنك تحت رحمة الله سبحانه وتعالى هذه الأساسيات هي التي يفتح الله عز وجل بها على طالب العلم .

الأمر الثاني في إصلاح ما بينه وبين الله عز وجل : أن يشوب هذا العلم العبادة . عيب على طالب العلم يريد أن يتأهل للأمة عالما هاديا وهو لا يقوم الليل ولا يصوم الأيام المفضلة من الاثنين والخميس ، ولا يحرص على صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، ويفرّط في السنن الرواتب ، بل ربما حتى تمر عليه الليلة ولا يوتر . عيب على طالب العلم هذا ما يليق بطالب العلم .كيف غدا سينصح الناس ويؤهلهم ، يظن بعض الناس أن العلم أن يتحمل المعلومات ثم يتكلم ، يظن بعض الناس أن العلم هو تلميق العبارات ، وإحسان الخطب وتجميل الكلمات ، لا والله ، العلم ما وقر في القلب وصدقه العمل ، ولو تكلم الإنسان منذ أن ولدته أمه إلى أن يغيّب عن هذه الدنيا بشيء لن يطبقه ولن يعمل منه فلن يضع الله له البركة في قوله .

ومن بدأ في طلب العلم بهذه الأساسيات تجده إذا خرج إلى الناس خطيبا أو واعظا أو معلما أو مدرسا لن يتكلم بالكلمة إلا وأذن صاغية وقلوب واعية وجوارح تطبق ما يقول ؛ لأنه صدق مع الله في طلبه للعلم ؛ ولذلك الله عدل ، فمن بدأ طلبه العلم بالعمل والتطبيق زكاه الله علانية كما زكى نفسه لله سره . عليك أن تجتهد وأن تعلم أن الله لا يخادع ، عليك أن توطن نفسك بالصدق والإخلاص والجد في سبيل العلم صعب ، ثم بعد ذلك يحرص على الكمال في العلم ، يبحث عن أعلم ومن يضبط هذا العلم ، وإذا كان في دراسة نظامية يحرص على أن يكون مستمعا مستفيدا أكثر من أن يكون مشاغبا متعاليا متكبرا ، فكم من طلاب علم هم في الفصول رحمة ، وكم من طلاب علم هم في الفصول نقمة وبلاء ، تجده يكثر الجدل حتى يقال إنه مناقش حتى يقال إنه ما شاء الله ضابط تجده يناقش قبل أن يفهم الكلام الذي يقال له ، وتجده يجادل قبل أن يعي الكلام الذي يناقش فيه ويجادل فيه ، وعندها يحرم العلم ، ومن معه يحرم العلم ، وعليك أن تكون حريصا على السماع قال بعض الصالحين لابنه : يا بني كن على السماع أحرص منك على الكلام ؛ لأن الله جعل لك أذنين ولسانا واحدا. الحكيم وطالب العلم له قلب يعي به :

أولا افهم ما يقال لك ، ثم بعد ذلك اسأل واستشكل . تحرص على آداب العلم مع مشائخك وأساتذتك وتحرص على أن تتذلل لهم ، ولذلك يقول موسى بن عمران -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ؟ المتكبر لا ينال العلم ، والذي يدخل الفصل وهو ابن فلان وعلان ما ينال العلم ، إنما يناله المتذلل لله عز وجل ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ومدعو له بالفتح ينام على عتبة زيد بن ثابت ررر ويأتي إلى بيته ويأخذ بخطام دابته وإذا بالنهاية لن يقف في مقام إلا فتح الله عليه ، وكما ذل للعلم طالبا أعزه الله مطلوبا ، تقدم الثمن وتضحي . علي زين العابدين شرفا ونسبا سقطت عمامته على أبواب العلماء الذين كان يتلقى عنهم ، وكانوا يزدحمون على أبواب العلماء ، ومثل ما ترى الآن بعض الجهلة إذا رأى طلاب العلم يسألون العلماء يقولون : ما هؤلاء ! يا سبحان الله ! يزدحمون على الأسواق ويتقاتلون فيها ما يقولون ما يفعل هؤلاء ؟! ويزدحمون على سلعة الله الغالية وتجدهم يجدون ويجتهدون يقولون ما فعل هؤلاء ! المعروف منكر والمنكر معروف! تجدّ وتجتهد وليس معنى ذلك أن يتضارب طلاب العلم لا إنما المراد الحرص والشغف ، وكيف كان السلف لا يمنعهم الجد والاجتهاد في الطلب مع علو النسب.

الأمر المهم في العلم أن تضبط تقرأ العلم وتراجع و تكتحل السهر والتعب والنصب في مراجعة العلم حتى تكون أمينا على دين الله وشرعه . تحرص على أن تكون في أفضل الأحوال ، وتسأل ربك أنك لا تجلس مجلساً إلا وجعلك الله أفضل من جلس ، ولن تصحب أيّ مدّرس يقف أمامك سيأخذ عنك الانطباع ، فإن استطعت أن تكون كأفضل ما يكون طالب العلم مع شيخه ومع معلمه فاحرص . احرص على ذلك فمن أرضى حملة كتاب الله وخاصة حملة القرآن وحملة العلم أرضاهم في أدبه وسمته وأسئلته ومناقشته واستفادته فإن الله يرضيه حيا وميتا . إذا لم يكن أهل العلم أولياء الله يقول الإمام أحمد فلست أدري من هم أولياؤه . تعين هؤلاء على رسالتهم فكم من علماء وكم من أساتذة أحبوا نفعاً للناس لما وجدوا طلاب علم صادقين ، وكم من طلاب علم حببوا في العلم بأخلاقهم وشمائلهم وآدابهم وزكاة نفوسهم وأعمالهم ، والعكس بالعكس .

فنسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يلطف بنا ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

أبو زيد الشنقيطي
01-11-07, 09:35 AM
قال المصنف – رحمه الله - : [ ولا تجزئ العوراء البين عورها ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه، واستن بسنته إلى يوم الدين ؛ أما بعد :

فقد شرع المصنف -رحمه الله- في بيان العيوب التي تؤثر في الأضحية ، وكذلك تؤثر في الهدي ، وكل ما أوجب الله من الدماء كأن يكون في فدية ، أو تركٍ لواجب في مناسك الحج والعمرة ، أو نذر شاة ولم يعينها ؛ فإنه ينبغي أن تكون هذه كلها سالمة من العيوب ، وهي الدماء الواجبة ؛ وقد جاءت السنة عن النبي صصص تبيّن ما لا يجزئ في الأضحية ، وجعل العلماء -رحمهم الله- ذلك أصلاً شرعياً في كل دم واجب أن يكون سالماً من هذه العيوب ، وقد اشتمل حديث البراء بن عازب وحديث علي -رضي الله عن الجميع- وغيرهما على بيان جملة من العيوب ، ومنها ما ذكر المصنف -رحمه الله- من عيب العور . وأصل العور في لغة العرب : النقص ، فإذا كانت عين الإنسان سليمة أبصر بها ، وأما إذا حصل النقص فعَوِرت إحداهما فحينئذ يكون هذا النقص مؤثراً فلا يجزئ أن يضحي بالعوراء البيّن عورها ؛ والأصل في ذلك حديث البراء بن عازب ررر أن النبي صصص قال : (( أربع لا تجوز في الضحايا : العوراء البيّن عورها )) فقال صصص : (( العوراء البيّن عورها )) سواء كانت العين قائمة موجودة أو استلت العين فأخرجت كل ذلك لا يجزي ، ومحل ذلك أن لا تنظر بإحدى العينين ، فتفقد الإبصار بها ، ويعرف هذا عند أهل الخبرة بجنوحها عند مشيها إلى العين التي تبصر بها ، وبرفعها لصفحة رأسها وميلها إلى العين المبصرة ، وكذلك إذا رعت فإنها ترعى الجهة التي تبصر بها دون الجهة التي لا تبصر منها ، وعلى كل حال فإذا ثبت العور ؛ فإنه موجب لعدم جواز التضحية بالبهيمة سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم ؛ لأن النبي صصص نص على ذلك قال : (( البيّن عورها )) سواء كانت العين موجودة قائمة أو كانت مستلّة كما ذكرنا أو طمست أو جرحت حتى ذهب النظر والإبصار بها . بقي السؤال : إذا كانت العوراء لا تجزي فهل هذا من باب التخصيص أو المراد به التنبيه على غيرها ؟ قالوا إن النبي صصص بيّن أن العوراء البيّن عورها لا تجزي فمن باب أولى إذا كانت عمياء ، وأما إذا كان بصرها وإبصارها ضعيفاً كالعمَش والعشا فإذا كانت لا تبصر بالليل وتبصر بالنهار فإن مذهب جمهور العلماء أنها تجزيء وأنه يجوز التضحية بها ، وكذلك أيضا إذا كان بها ضعف في الإبصار وتبصر بالعينين ولكن إبصارها ضعيف فإنه يجزئ أن يضحى بها ، وإذا كان بها بياض العينين المؤثر في الإبصار ففيها ضعف إبصار إلا أنه لم يكتسح غالب العين أو لم يجاوز نصف العين ؛ فإنه يجزئ التضحية بها في منصوص كلام أهل العلم -رحمهم الله- .

إذاً لا يجزئ أن يضحي بالعمياء ولا أن يهدي العمياء ولا أن يكون هذا النوع من البهائم في الفدية كل ذلك ؛ لأن النبي صصص نصّ على أن العوراء لا تجزي فمن باب أولى إذا فقدت الإبصار فإنها لا تجزي .

قال رحمه الله : [ ولا العجفاء التي لا تنقي ] : ولا العجفاء : وهي الكبيرة التي لا مخّ فيها ، والمخ هو الدهن الذي بين العظام وهو معروف يكون في النخاع ، ويكون أيضا في عظام الظهر - الورك-كذلك عضد الكتف ، فإذا كانت كبيرة لا مخّ فيها فإن هذا النقص يؤثّر في اللحم ، والنقص المؤثر في اللحم موجب لعدم الإجزاء في البهيمة . هذا أصل ؛ وعلى هذا قالوا إن النبي صصص نصّ على هذا العيب لكي ينبه على هذا الضابط قال صصص : (( أربع لا تجوز في الضحايا : العوراء البيّن عورها ، والعرجاء البيّن ضلعها ، والكسيرة)) وفي لفظ النسائي وغيره : (( والعجفاء التي لا تَنْقي )) يعني لا مخّ فيها ، فإذا كانت عجفاء أو كبيرة هرمة فإنها لا تجزيء في الأضحية ولا تجزئ في الهدي .

قال رحمه الله : [ ولا العرجاء البيّن ضلعها ] : ولا العرجاء إذا كانت عرجاء فإنها لا تجزي ؛ لأن هذا العيب مؤثر ويؤثر في لحمها ؛ لأن العرجاء تَضْعف في المرعى ، وتَضْعف في الأكل ، وتتأخر عن القطيع فيضعف يؤثر هذا على أكلها وعلى موردها ، فإذا كانت عرجاء وقد بان عرجها فإنه حينئذ لا يجزئ أن يضحي بها ولا أن يهدي ولا أن يفتدي ؛ والأصل في ذلك نصّ النبي صصص عليها بقوله : (( والعرجاء البَيّن ظَلْعها)) العرجاء البيّن ظَلْعها . ظَلْعها : الشاة إذا كانت عرجاء والبهيمة من الإبل والبقر إذا كانت عرجاء وعرجها بيّن يستوي فيه أن يكون لكسر أو يكون لشلل ، ونبه النبي صصص بالعرجاء فمن باب أولى إذا كانت مقطوعة اليد أو مقطوعة الرجل ، فهذا من باب التنبيه بالأدنى على ما هو أعلى منه ، وهذا عيب مؤثر ، وعليه الإجماع .

قال رحمه الله : [ ولا المريضة البيّن مرضها ] : ولا يجزئ أن يضحّي بمريضة قد بان مرضها ، والمرض يعرفها أهل الخبرة ، فإذا كان بها مرض فإنه لا يجزئ لا تجزئ في الضّحية ولا الدماء الواجبة .

المرض سواء كان بالجوف أو ظهرت أماراته على ظاهر البدن فإنه مؤثّر ولذلك يؤثّر في اللحم ، ولربما كان المرض في البهيمة موجباً للضرر لمن يأكل لحمها ، فلا يجوز أن يضحّي بمريضة قد بان مرضها ؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( ولا المريضة البيّن مرضها )) ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة .

أخذ بعض العلماء من هذا دليلاً على أن الجرباء لا يضحى بها ، وهو مذهب جمهور العلماء على أن الشاة أو الناقة أو البقرة إذا أراد أن يضحّي بها وبها جرب أنه لا يجزئ أن يضحّي بها ؛ لأن الجرب نوع من أنواع المرض .

وقال بعض العلماء كما هو مذهب الحنفية وغيرهم : إن الجرباء يجوز أن يضحّي بها ؛ لأن الجرب في الجلد وليس في البدن .

وظاهر السنة من جهة المرض أن الجرب نوع من أنواع المرض ؛ ولذلك تدخل في هذا العموم ، والمرض تارة يكون خفيفاً يسيرا وعارضاً يزول ، وتارة يكون مستحكماً في البهيمة ، ولا إشكال لأن النبي صصص نص على أن المرض يكون مؤثرا وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : (( المريضة البيّن مرضها )) .

المرض طبعا يؤثّر في أكل البهيمة ، وإذا أثر في أكلها أثر في لحمها ، ولذلك اجتمع دليل الأثر والنظر، وبنى عليه بعض العلماء أن المجنونة من البهائم لا يضحّى بها ، والمجنونة تعرف بإدبارها إذا وضع الأكل يقبل القطيع فهي تدبر، فهذه غالبا المرض الذي معها مؤثّر في لحمها وجمهور العلماء على أنه لا يضحَّى بها .

قال رحمه الله : [ ولا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها ] : لحديث علي -رضي الله عنه وأرضاه- وقد فسّر راوي الحديث في السنن عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده بسند صححه غير واحد أن النبي أمرهم أن يستشرفوا . قال رضي الله عنه وأرضاه : (( أمرنا رسول الله صصص أن نستشرف العين والأذن )) فإذا كانت مقطوعة الأذن فإنه لا يجزئ أن يضحي بها ؛ سواء كانت مقطوعة من الأمام وهي المقبلة ، أو من الخلف وهي المدبرة ، أو كان قطعها بالطول وهي الشرقاء أو كان ثقباً فيها كلها لا تجوز في الأضاحي .

قال رحمه الله : [ ولا العضباء التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها ] : العضباء مكسورة القرن ، فإذا كسر أكثر القرن فإنه لا يجزئ أن يضحي بها .

وأما إذا كان القرن غير موجود خلقة وهي الجماء فإنه يجوز أن يضحَّى بها ، وهكذا إذا كان قرنها قصيرًا خِلْقة فإنه يجوز أن يضحى بها ، إنما الذي يؤثر إذا كان الكسر لأكثر القرن .

وذهب بعض العلماء إلى أن كسر القرن ليس بمؤثّر في اللحم فيجوز أن يضحى بها ، وهو نقصان في الخلقة .

قال رحمه الله : [ وتجزئ الجماء ] : وتجزئ الجماء كما ذكرنا ؛ إذًا هناك فرق بالنسبة للقرناء إذا كسر أكثر قرنها أو كانت عضباء وبين التي لا يكون لها قرن أصلا مثل أن تكون خلقة جماء فإنه يجوز أن يضحًّى بالتي ليس لها قرن ولا يجوز أن يضحى بالمعيبة التي كسر قرنها . والضابط عند من يقول بالتأثير أن يكون الكسر أو القطع قد بلغ الأكثر وهو مجاوزة النصف .

قال رحمه الله : [ والبتراء ] : والبتراء وهي مقطوعة الذنب فيجوز أن يضحي بها .

والصحيح ما اختاره المصنف أنه يجوز أن يضحي بالجماء التي لا قرن لها وبالبتراء ، والبتراء مقطوعة الذنب ؛ لأن قطع الذنب ليس له تأثير في اللحم ، ولذلك يجوز أن يضحي بها سواء كان البتر لأقل الذنب أو لأكثره فإنه يجوز أن يضحي بها .

قال رحمه الله : [ والخَصِيّ ] : والخَصِيّ : الخصي يجوز أن يضحى به ؛ لأن النبي صصص ضحى بكبشين أملحين أقرنين موجوءين . والموجوء هو الخصي . قال العلماء - رحمهم الله - : إن الخصي نقصان في الخِلقة ، ولكن النقصان في الخلقة منه ما هو كمال ومعين على طيْب اللحم فحينئذ يجوز أن يضحى به كما في الخصي ، فقالوا إن الذكر من الغنم إذا كان موجوءاً وهكذا بالنسبة للإبل والبقر يجوز أن يضحى به لأن هذا يطيب لحمه بل قال بعض العلماء إنه الأفضل ؛ لأن النبي صصص ضحى به ، وأخذ بعض العلماء - رحمهم الله- من تضحية النبي صصص بالكبشين الخصيين جواز خصْي البهائم ؛ لأن النبي صصص أقر ذلك ولم ينكره ، ولم يمنع الصحابة -رضي الله عنهم- منه ، وقالوا إنه وإن كان فيه تعذيب للحيوان لكنه لمصلحة الآدمي العظمى باستطابة اللحم قالوا فإنه جائز ، ومن هنا نص طائفة من العلماء -رحمهم الله- على جواز خصي البهائم لطيب لحمها لا بقصد التعذيب . أما إذا قصد به تعذيب الحيوان فلا إشكال في تحريمه ؛ لأن النبي صصص نهى عن تعذيب الحيوان .

قال رحمه الله : [ وما شقت أُذُنهُا ] : وما شقت أذنها : إذا شقت الأذن فللعلماء قولان :

قال بعض العلماء : إنه لا يجوز أن يضحى بمشقوقة الأذن إذا كان الشق مؤثرًا وهو أن يكون موجباً لسقوط الأذن إذا كان من أعلاها فتسقط على أمامها مقدمها فهي المقابلة ، أو تسقط على إذا كان القطع من وراء الأذن فتسقط على خلفها التي هي مقابلة ومدابرة وأيضا الخرقاء هذا كله يقع بسبب الوسم ، فكانوا يحتاجون إليه لوسم البهائم ، فإذا قطعت الأذن قال بعض العلماء مشقوقة الأذن تختلف عن مقطوعة الأذن، وفرقوا بين المشقوق والمقطوع ، ومنهم من لم يفرق ، فجعل حديث النهي عن المقابلة والمدابرة والشرقاء والخرقاء أصلا في المنع من هذا النوع من الأضاحي .

ومنهم من قال إن الأصل جواز التضحية بها ، وتكلم على سند الحديث ، وأجاز أن يضحي بها ، وفرّق بين القطع وبين الشق . وهنا إذا قطع الأذن وكان القطع لكل الأذن فلا إشكال في عدم جواز التضحية بالبهيمة .

وأما إذا قطع أكثر الأذن فقالوا إن النبي صصص أمر عليا ررر كما في حديث السنن وعند أحمد في مسنده قال: (( أمرنا رسول الله صصص أن نستشرف العين والأذن )) فدل على أن القطع والشق في الأذن مؤثر، إذْ لا معنى لأمره -عليه الصلاة والسلام- أن يستشرفوا وأن ينظروا العين والأذن إلا بتأثير ذلك في الأضحية وهذا هو الصحيح .

قال رحمه الله : [ أو خَرِقة ] : أو كانت مخروقة الأذن وهي الخرقاء ، فكانوا يخرقون الأذن وسما للقبيلة أو وسما للجماعة أو وسما للبيت حتى تعرف البهائم إذا ضاعت فيحتاجون إلى ذلك ، فيخرقون الأذن فالخرقاء لا يجوز أن يضحي بها على ظاهر حديث علي ررر كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ أو قطع أقل من نصفها ] : أو قطع أقل من نصفها أما بالنسبة للقطع فإن كان لأقل من النصف فلا إشكال فإنها تجزي كما اختار المصنف - رحمه الله- وإذا كان للأكثر وهو ما جاوز النصف فإنها لا تجزي .

أما إذا كانت أذنها صغيرة خِلْقة فإنها تجزئ قولا واحد عند العلماء - رحمهم الله - . وأما إذا كانت سكاء خِلْقة ليس لها أذن فمذهب الجمهور على أنه لا يجوز أن يضحى بها لوجود هذا العيب والنقص .

قال رحمه الله : [ والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى ] : والسنة عن رسول الله صصص نحر الإبل : من الحيوان والبهائم ما يذبح ، ومنه ما ينحر ، ومنه ما فيه موضع للنحر والذبح .

فأما الذي ينحر فهو الإبل ، والسنة فيها أن تنحر قائمة لا قاعدة ، وأن تكون مقيدة اليد اليسرى ؛ لأن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- لما مر على الرجل وهو يريد أن ينحر بعيره باركا . قال له رضي الله عنه وأرضاه : (( ابعثها قياماً مقيدةً سنة نبيك صصص )) والصحابي إذا قال سنة النبي صصص لا إشكال أنه في حكم المرفوع ، وعلى هذا فإن ابن عمر - رضي الله عنهما- أنكر على الرجل أن ينحر الإبل قاعدة باركة إلا إذا وجدت حاجة وضرورة لبروكها ؛ فإنه يجوز أن ينحرها باركة ولابأس في ذلك ولا حرج. أما الأصل فإنها تنحر قياما معقولة يد اليسرى فيطعنها في الوهدة وهي أسفل العنق عند مجمعها في البدن فيطعنها ويحرك السّكين ، وبهذا تكون تذكيتها . الأصل في ذلك ما ذكرنا من السنة ، فلو نحرها وهي باركة صح النحر إذا كان على الصفة الشرعية . فالمصنف رحمه الله بعد أن بيّن صفات الأضحية شرع في بيان هدي النبي صصص في نحرها .

أما بالنسبة لما يذبح فلا إشكال في الغنم فإنه سيبيّن رحمه الله الصفة الواردة عن النبي r في ذبحه .

وأما ما يجمع ما بين النحر والذبح فهو البقر ، ففيه موضع للذبح ، وفيه موضع للنحر ، يصح نحره ويصح ذبحه .

قال رحمه الله : [ وذبح البقر والغنم على صفاحها ] : وذبح البقر والغنم على صفاحها : فالسنة أن يضجعها ؛ لأن النبي صصص أضجع الكبش ، وجعل قدمها على صفحته ، ثم سمّى اللهعز وجل . يضجعه على شقه الأيسر، ويسمي الله عز وجل ، فيحد شفرته ويريح ذبيحته ؛ قال صصص لعائشة -رضي الله عنها- : (( هلمي المدية ، ثم قال لها : اشحذيها بحجر )) ثم ذبح عليه الصلاة والسلام أضحيته . فالسنة في الذبح أن يضجع البهيمة على شقه الأيسر، مقبّلة إلى القبلة ، ثم بعد ذلك يسمي الله عز وجل ويتحرى السنة في الرفق بها ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام- : (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) فبيّن عليه الصلاة والسلام أن السنة الرفق بالحيوان المذبوح ، وهذه هي الحقوق التي نادى بها رسول الهدى صصص والعالم أجمع في دياجير الظلم والظلمات لم يستفق من غفلة ، ولم ينتبه من منام حتى بعث الله عز وجل هذا النور، فبين عليه الصلاة والسلام كيف تكون الحقوق حتى للبهائم ، بل إن النبي صصص جعل الحق حتى للشجر والأخضر في عدم الإفساد في الأرض، فلا تحتاج هذه الأمة لأحد أن يعلمها ، وليس فيها نقص تحتاج لأحد أن يكمّله { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } .

عرف المسلمون حقوق الإنسان ، وعرفوا حقوق الحيوان ، وعرفوا حقوق الجماد ، وعرفوا حقوق كل شيء ؛ لأن الله عز وجل أوحى إليهم بهذا الكتاب الذي ما فرط فيه من شيء ؛ كما قال سبحانه : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقال سبحانه : { وكل شيء فصلناه تفصيلا } فهنيئا ثم هنيئا لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر يعيش على هذه العقيدة أنه مسلم لا يحتاج لأحد مادام عنده كتاب ربه وسنة نبيه صصص يستنير بهما بالعلماء العاملين الأئمة المهديين من السلف الصالح والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين -جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بهما ورزق الثبات عليهما وحبهما والإخلاص في الولاء لهما إنه ولي ذلك والقادر عليه -.

قال رحمه الله : [ ويقول عند ذلك : بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك ] : السنة في الذبح والنحر جامعة بين الأقوال والأفعال ، وهناك ما يتعلق بالذابح ، وهناك ما يتعلق بالمذبوح والمنحور، وقد بينّا بعض الأفعال ، فشرع في بيان السنة القولية أنه إذا أضجع البهيمة وقبّلها فإنه يسمي الله عز وجل ويكبره ؛ كما ثبت في الصحيح : (( عن النبي صصص أنه قال : بسم الله والله أكبر )) وأمر الله عز وجل بالتسمية عند الذبح ، وحرّم كل مذبوح لا يذكر اسم الله عليه ؛ كما قال تعالى : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } وقال سبحانه : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق }.

فالسنة أن يسمي الله عز وجل ، وأن يذكر الله عز وجل عند ذبحه ، ويكبره جل جلاله ؛ لأن النبي صصص سمى وكبر، ثم يبين إذا كانت أضحية . يقول : اللهم هذه عني وعن أهل بيتي ، وإذا كانت عن صدقة واجبة أو غير ذلك يبيّنه يعينه ؛ لأن النبي صصص في النسك مضت سنته على التعيين ، وإلا الأصل في النية أنها في القلب ؛ ولذلك تلفظ عليه الصلاة والسلام بمكنون النفس وما يقصده عليه الصلاة والسلام في النحر وفي النسك ، ففي النسك قال : (( لبيك عمرة وحجة)) كما في الصحيح حتى ثبت عن أكثر من خمسة وعشرين من أصحاب النبي صصص أنه قال في حجته : (( لبيك حجة وعمرة )) فتلفّظ بنيته وبين المكنون من صدره.

وكذلك أيضا عند النحر، وقالوا هذا تأكيد للأصل من توحيد لله عز وجل ؛ لأن الناس كانت في جاهلية، وكانوا يذبحون للأصنام والأنصاب والأزلام ؛ فجاء بها عليه الصلاة والسلام حنيفية سمحة { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له } وقال الله يعلّمه : { فصل لربك وانحر } فجعل النحر له جل جلاله ، فيبدي ذلك ويقول : اللهم هذا منك ولك ؛ كما صح عن النبي صصص اللهم هذا منك : لأنك ملك الملوك ، ومالك كل شيء ، وبيدك ملكوت كل شيء ، وأنت الذي أغنيت ، وأنت الذي يسرت وسخرت البعير على عظم خلقته ، وما جعل الله في كمال في صورته ، يقوده الصبي بتسخير الله عز وجل ، ولو هاج البعير كما كان يعرف في القديم على قرية بكاملها قد تفر هذه القرية من صولته وجولته ، ولكن الله سخره ، وذللـه وجعل الصبي يقوده ، ولربما يقوده لكي ينحر، وهذا كله من الله سبحانه وتعالى

اللهم هذا منك : فهو الذي خلق ، ووهب ، ورزق ، وأعطى سبحانه وتعالى وتقدست أسماؤه .

فقال اللهم هذا منك ولك : أي خالصا لك ؛ لأنه لا ذبح إلا لله ، فلا يذبح المسلم إلا لربه ؛ قال { قل إن صلاتي ونسكي } والنسك هو الذبح ؛ لأن من معاني النسك الذبح ؛ كما في الصحيح من حديث كعب بن عجرة ررر أن النبي صصص قال له : (( انسك نسيكة )) أي اذبح ذبيحة ، فيقول هذا اللفظ : عني وعن أهل بيتي ، وإذا كانت الأضحية وصية من ميت كأن يكون ميت وصى بالثلث أن يضحى عنه ، فيقول : هذه عن فلان ويسميه ، وللأسف أن كثيراً إلا من رحم الله ضيعوا السنة ، ولربما في بعض الأحيان يذبح الذابح ولا يعرف لأي شيء ، ولربما التزمت بعض الشركات وبعض المؤسسات بالذبح عن الناس وللأسف أنهم لا يعرفون إلا أن هذه الشاة هدي أو أن هذه الشاة أضحية ثم لا يبيّن أنها لفلان كما ثبتت السنة أن هذه عن فلان وفلان ولم يسم وإنما تذبح هكذا؛ وهذا كله خلاف السنة . السنة عن النبي صصص أنه قال: (( اللهم هذه عن محمد وآل محمد ))-صلوات الله وسلامه عليه- وقال في الثانية : اللهم هذه عمن لم يضحِّ من أمة محمد -صلوات الله وسلامه عليه- فهذا يدل على أنها سنة تعبدية لابد من التأسي بالنبي صصص فيها ، وبيان النية ، وهذان هما الموضعان اللذان استثناهما الشرع .

قال رحمه الله : [ ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم ] : ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم : الأصل في الذبح فيه صفة الكمال ، وصفة الإجزاء . أما التذكية فإنها تصح من المسلم البالغ العاقل على خلاف في الصبي المميز، والكتابي تصح منه لكن هذا على صفة الكمال إذا كان مسلما بالغا عاقلا . أما إذا كان مجنونا فإنه لا تصح تذكيته ، وإذا كان كافرا ؛ فإنه لا تصح تذكيته إلا إذا كان كتابيا من اليهود والنصارى وهم الذين استثنى الله U تذكيتهم بشرط أن لا يسمعه يهلّ لغير الله فإذا ذبحها وقال باسم المسيح أو باسم العزير فإنها لا تجزي ، في قول جماهير أئمة السلف والخلف - رحمهم الله- إنما يجزئ ما كان في دينهم وشريعتهم مجزئا ، وهو ما أهل لله عز وجل . أما إذا أهل لغير الله به فإنه لا يجوز .

إذًا تذكية المسلم وتذكية الكتابي مجزئة ، وإذا كان تصح التذكية من المسلم والكتابي فلا تصح من المرتد ولا تصح من المجوسي ؛ لأن النبي صصص قال في المجوس : (( سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم )) وكذلك لا تجوز من أن لا ديني -والعياذ بالله- الملحد فإنه لا تجزئ تذكيته ، فإذا كانت من الكتابي والمسلم تصح التذكية ؛ فإنه ينظر إلى الأكمل والإجزاء ، فالأكمل أن ينحرها ويذبحها مسلم ، والإجزاء أن يذبحها الكتابي ، فالأفضل والمستحب أن يتولاها المسلم .

قال رحمه الله : [ وإن ذبحها صاحبها فهو أفضل ] : وإذن ذبح الأضحية أو نحرها أو ذبح الهدي أو نحره صاحبه فهو أفضل ؛ لأنه سنة النبي صصص ، ففيه تأسي بالنبي صصص ؛ ولأنه يؤجر على هذا الفعل بخلاف ما إذا وكّل غيره أو استأجر من يذبح عنه . فالأفضل أن يتولى الذبح بنفسه ؛ لأن النبي صصص تولى الذبح بنفسه ، وإذا تولاه بنفسه فقد تقرب إلى الله أكثر ، ووحد الله بالذبح له وذكر اسم الله U وأبرأ لذمته وأخلص في عبوديته سبحانه وتعالى ، وإذا كان إماما وصلى بالناس العيد فاستحب طائفة من أهل العلم أن يذبح أضحيته بالمصلى يعني بجوار المصلى في المكان الذي يذبح فيه حتى يبادر ويتبعه الغير، لفعل النبي صصص ، وهذا أكمل في الهدي وترجم له بعض أئمة الحديث -رحمهم الله- باستحباب أن يخرج ضحيته وأن يبدأ بها بعد انتهاء الصلاة ؛ لأن النبي صصص تحرى ذلك وهو أفضل وأكمل أن يتولى الإنسان الذبح بنفسه ، فإن ضاق عليه الوقت أو خشي أنه لا يتمكن أو كان لا يعرف طريقة الذبح فله أن يوكّل غيره ولا بأس بذلك ولا حرج ؛ لأن النبي صصص نحر ثلاثا وستين بدنة في حجة الوداع ، وكان قد أهدى مائة بدنة ، فأمر عليا ررر أن ينحر ما غبر وما بقي ، وهذا يدل على مشروعية التوكيل في الذبح ، والتوكيل في التضحية والتوكيل في الهدي ، وأنه لا بأس بذلك ولا حرج، فلو أن شخصاً أخل بواجب من واجبات الحج مثل أن ترك الإحرام من الميقات ووجب عليه دم ، أو كان عليه هدي تمتع أو قران حج قارنا أو متمتعا ، أو كانت عليه أضحية ، فنقول له الأفضل أن تتولى بنفسك ، فإذا لم يتول بنفسه أو صعب عليه وأراد أن يوكل فينبغي له أن يوكل من يثق بدينه وأمانته، وأن يوكل من يستطيع أن يقف بين يدي الله عز وجل ويرضاه وكيلا له في عبادته وطاعته لله سبحانه وتعالى في نحره وذبحه. أما أن تعطى الوكالة لكل أحد دون نظر دون تروي ودون وجود تزكية ممن يوثق به فهذا لاشك أنه من الإهمال ، وإذا قصر هذا الشخص فإنه سيتحمل الموكل المسؤولية ؛ لأن الوكيل ينزل منزلة الأصيل ، فينبغي أن لا تختار إلا الأمين . البعض يعطي كل شخص ، لو قيل له هذا عليه دم ذهب وبحث عن أي شخص قال : أنت من أهل مكة ؟ قال : نعم . قال : خذ واذبح عني ! هذا لا يجزيك ينبغي لك أن تبحث عمن تثق بدينه وأمانته ، وإذا كنت لا تعرف تسأل من تثق به حتى يدلك عمن تعرف ، ولو كان أمرا من أمور الدنيا لتحرى ، ولذلك كثير من الفتاوى والأسئلة تأتينا عن أناس يعترف البعض فيقول : أخذت مائة رأس ولم أذبح منها رأسا واحدا -والعياذ بالله- وبعضهم يقول : أخذت كذا مال من النقود وبعضهم حتى من طلبة العلم للأسف يقول : على أنني أذبح الهدي عن حجاج بلدي أو عن جماعتي فذبحت ربعها ولم أذبح ثلاثة أرباعها ! ذبحت نصفها ولم أتمكن من النصف ! ذبحتها كلها إلا كذا ! وتأتي تبحث وإذا به قد تقبل من الناس الوكالة دون أن يكون أهلاً دون أن تكون عنده خبرة ، دون أن تكون أن يرتّب أمره ، ولا شك أن مثل هؤلاء مسؤولون أمام الله عز وجل خاصة إذا نظر إليهم كطلاب علم فهؤلاء عليهم أن يتقوا الله عز وجل وأن لا يتوكّلوا في شيء إلا وهم ناصحون لأمة محمد عز وجل ، وأن لا يغشّوا الناس ، وعلى من يوكل أيضا أن يتحرى . كذلك الشركات حينما تأتي الشركات وتأخذ مليون رأس وهي تعلم أنها لا تتمكن إلا من ذبح مثلا نصف مليون ثم تأتي تبحث عن الفتاوى حتى يرخص لها في الذبح في غير الوقت المعتبر هذا لاشك أنه خلاف النصيحة . على كل مؤسسة وعلى كل شركة وعلى كل جماعة وعلى كل فرد أراد أن يتوكّل عن الغير في أمر لا يستطيعه أن يقول لا أستطيع ، وإذا توكل في أمر يستطيع عن بعض ولا يستطيع عن كله فإنه يأخذ بقدر استطاعته ، وعليه أن يلتزم الورع ، وأن يعلم أن الآخرة خير وأبقى ، وأنه ليس هناك أحد عنده مَسَكَة من عقل ودين وورع يرضى أن يبيع آخرته بعرض من الدنيا، وأن هذا الذي يؤخذ من الدنيا إذا كان كثيراً على وجه لا يرضي الله فإنه قليل ، وإن الله يمحق به البركة؛ فعليه أن يصدق قال صصص : (( البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما )) فبين أن البركة بالصدق والبيان والنصيحة ، فدل على أن الله لا يبارك للكذابين ، وأن الله لا يبارك للغشاشين ، فعلى من يريد أن يتوكل في النحر والذبح أن يكون غالباً على ظنه أو مستيقناً أنه يستطيع أن يؤدي هذه الأمانة ؛ ولذلك قال صصص في الحديث الصحيح : (( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك )) فأمر بأداء الأمانة هذه أمانة وواجب ، وعلى أهل العلم أن لا يعين أمثال هؤلاء من الشركات والمؤسسات أن يأخذوا فوق طاقتهم ، بل عليهم أن يأخذوا في حدود الطاقة ، وإذا أعطيت الفتاوى لهؤلاء أن تتقيد . نحن نقول هذا لأنه تواجهنا أسئلة الناس ومشاكل الناس ، وواجب النصح للأمة أن يقال هذا . لا يجوز العبث بهذه الدماء الواجبة ، وتضييع أوقاتها ، وخاصة إذا كانت مقيدة بزمان أومقيدة بمكان ، بل ينبغي لمن يتوكّل في هذا الأمر أن يتقي الله وأن ينصح ، وأن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرضي الله ؛ وفي الحديث الصحيح عن النبي صصص : (( أن الأمانة تصور لصاحبها يوم القيامة ويقال له : أد أمانتك فتهوي في نار جهنم، فينزل يلتمسها ثم إذا صعد بها حتى إذا بلغ شفير جهنم ردت عليه فيرجع ثانية - والعياذ بالله - يعذب على قدر ما خان من الأمانة )) - نسأل الله السلامة والعافية - فإذا كان هذا في الأمانات العامة فكيف إذا كان الأمانة في عبادة وفي دين وفي شرط . وعلى طلاب العلم أن ينتبهوا لذلك ، وأن لا يحملوا أنفسهم ما لا يطيقون ، وعليهم إذا أرادوا أن يقوموا بأمر أن يسألوا أهل الخبرة ، وأن يتحروا حدود طاقتهم ؛ نصيحة للأمة ، وبعدا عن تحمل المسؤولية أمام الله عز وجل .

قال رحمه الله : [ ووقت الذبح يوم العيد بعد صلاة العيد إلى آخر يومين من أيام التشريق ] : ووقت الذبح بعد صلاة العيد لا تذبح الأضحية قبل الصلاة ؛ لأن النبي صصص قال : (( من نسك قبل الصلاة فشاته شاة لحم )) وقال لأبي بردة لما نسك قبل الصلاة قال : (( اذبح أخرى مكانها )) فدل على أن الذبح لا يصح قبل الصلاة - صلاة عيد الأضحى - وعلى هذا ظاهر السنة عن رسول الله صصص فإذا ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم ، فإذا كان مثلا أشرقت الشمس على السابعة وتحرى الإمام ثم صلى وانتهى من الصلاة على السابعة وعشر، ثم ذبح قبل هذا الوقت فإنه لا يجزيه وعليه أن يعيد ، وأما إذا وقع ذبحه بعد سلام الإمام وانتهاء الصلاة ؛ فإن النبي صصص قال : (( ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)) فأجاز الذبح من بعد صلاة العيد .

قال رحمه الله : [ وتتعين الأضحية بقوله : هذه أضحية ] : وتتعين الأضحية بقوله هذه أضحية : إذا أخذ الشاة من السوق يريد أن يضحيها فقال : هذه أضحية ، فلما أخذها وعينها بهذا اللفظ أصبحت معينة ، فإذا عيبت أو أصابها ضرر بعد التعيين صح أن يضحي بها ؛ لأنها قد تعينّت ، وهذه من فوائد أو من المسائل المستفادة من التعيين ، والمعيّن لا يخرج عن غيره ؛ لأنها إذا كانت معينة لا تنصرف إلى نذر، ولا تنصرف إلى هدي ؛ لأنها معينة أضحية ، وهذا من منصوص جمهور العلماء -رحمهم الله- .

قال رحمه الله : [ والهدي بقوله هذا هدي وإشعاره وتقليده مع النية ] : والهدي بقوله هذا هدي مثل الأضحية يعيّن والإشعار والتقليد فيأخذ صفحة عنق البعير ويضربه بالسكين أو الموس حتى ينسلت الدم على صفحته هذا إشعار، والتقليد أن يضع القلادة يكون الإشعار للإبل، ويكون التقليد للغنم كما صح عن النبي صصص قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : (( كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صصص فيبعثه إلى الحرم )) فكان يوضع قلادة . فائدة هذا الإشعار والتقليد أن الناس كانوا إذا خرجوا للنسك وضاعت هذه البهائم علم من يجدها أن هذا هدي ، وعلم أنه من الهدي للبيت ، وكانت العرب حتى في جاهليتها الجهلاء تتحامى مثل هذا النوع من الأموال ، فإذا وجدتها تحاشته ، فالأصل أن الإشعار والتقليد يقتضي التعيين ، وإذا قال : هذا هدي ، وأشعره من الإبل وقلده إذا كان من الغنم وقيل في البقر أنها تقلد ، وقيل إن فيها الموضعين يجوز إشعارها ويجوز تقليدها ، فإذا فعل ذلك فقد تعين ، فلا ينصرف إلى غيره .

أما لو أنه اشترى أضحية ، وكانت تحدثه نفسه اشترى شاة تحدثته نفسه على أنها تكون عن دم واجب في الحج أو في العمرة ، ثم قال : لو أني ضحيت بها وأراد أن يصرفها إلى أضحية صح بخلاف الأول ؛ لأنها لم تتعين أضحية ، ولم تتعين هديا .

قال رحمه الله : [ ولا يعطي الجزار بأجرته شيئا منها ] : ولا يعطي الجزار شيئا من الأضحية على أنه من الأجرة ؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن علي -رضي الله عنه وأرضاه- أنه قال : (( أمرني النبي صصص أن أقوم على بُدُنِه ، وأن أتصدق بلحومها وأجلتها ، وأن لا أعطي الجزار منها شيئا )) فلا يجوز أن يعطي الجزار من الأضحية ، ولا يجوز أن يعطي الجزار من الهدي شيئا على أنه من الأجرة ، وعلى هذا لو أن الجزار كان مسكيناً أو كان فقيراً وأراد أن يتصدق عليه بنية الصدقة لا بنية الأجرة صح .

الممنوع أن يعطيه على أنه أجرة ، لكن مثلا لو جاء وذبح أضحيته وهو جاري وأنا أعلم أنه محتاج أو قريب وأعلم أنه محتاج ، وهذا الدم عليّ واجب للمساكين فأعطيته إياه على أنه صدقة صح ذلك وجاز. فيجوز أن يعطي الجزار على سبيل الصدقة ، وعلى سبيل الهدية والهبة والصلة كما في الأضحية ؛ لأن الأضحية تكون فيها شيء منها للإنسان ، وشيء منها للمساكين ، وشيء منها هدية ، فإذا أعطى الجزار على سبيل الهدية وعلى سبيل الصدقة صح ، فقيد المصنف - رحمه الله - أن يعطيه من الأجرة ، وهذا مبني على الأصل الذي ذكرناه من نهي النبي صصص لعلي أن يعطي الجزار منها شيئا على أنه من الأجرة، أما بالنسبة للتصرف بها فسيبين المصنف -رحمه الله- الأصل في التصرف في الأضاحي وفي الهدي ، وما ورد عن النبي صصص من إعطاء الناس وتقسيمها ، فقصد من هذا أنه لا يجوز أن يعطي الجزار من البهيمة شيئا .

وهنا مسألة وهي : أن بعض العلماء يمنع أن تستأجر شخصا ليعمل عملاً وتكون أجرته من نفس العمل الذي ينتجه ، وهذه المسألة تعرف عند العلماء في باب الإجارة بقفيز الطحان ، وفيها حديث تكلم العلماء على سنده : (( نهى رسول الله صصص عن قفيز الطحان )) قالوا: قفيز الطحان المراد بها أن يقول له : اطحن لي هذا الصاع وخذ ربعه ، أو خذ نصفه ، فقالوا : إنه استأجره فقال له : اطحن وخذ نصفه ، فسيأخذ نصف ما يطحن ، فجعل أجرته من جزء عمله . قالوا هذا نوع من الغرر وهذا يدخل فيه مسائل منها : لو أعطاه السيارة ، وقال له : اعمل بها والكسب بيني وبينك فهذا جزء من العمل . قالوا هذا نوع من التغرير عند من يمنع ، منها مسألة الجزار أن يقول له : اذبح الشاة وخذ جلدها ، أو أجرتك الجلد . فمن العلماء من يمنع هذه الإجارة ، ومنهم من يفصل . فالذين يمنعون يبنون على حديث : (( نهى رسول الله صصص عن قفيز الطحان )) وهذا الحديث ضعيف سندا ومتنا . أما سنده فلا إشكال سنده ليس بقائم وضعيف ، لكن من جهة المتن تكلم فيه بعض العلماء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن من دلائل ضعف هذا الحديث وهو ما يستدل به على ضعف الحديث من متنه أن القفيز لم يكن معروفا في المدينة ، إنما كان عندهم المد والصاع ، والقفيز كان معروفا في المشرق ، فلا يعقل أن النبي صصص يترك هذه كلها ويأتي بشيء لا يعرفه الناس وليس من عرفهم في المكيلات ، فقالوا هذا يدل على ضعف متن هذا الحديث مع سنده ، وعلى كل حال هذا يدل على ضعف سند الحديث بدلالة من متنه . على كل حال المسألة تعرف عند العلماء بمسألة قفيز الطحان ؛ إلا أن من فصّل وقال يجوز أن يستأجر في حال ، ولا يجوز أن يستأجر في حال.

فأما الحال الذي يجوز أن يستأجر إذا لم يكن فيه غرر، والحال الذي لا يجوز أن يستأجر إذا كان فيه غرر. قالوا ومن الغرر: أن يقول له : اذبح الشاة ولك جلدها ؛ لأنه لا يدري هل يخرج الجلد سليما أو معيبا ؟ لأنه ربما أثناء السلخ يخطئ فيقدّ الجلد وهذا يضعف قيمة الجلد ؛ ولذلك هو يقدّر أن الجلد في السوق قيمته مثلا عشرون ريالا ، فهو إذا قدّه وقطعه نقصت قيمة الجلد ؛ لأن الجلد إذا قطع سيمنع من الانتفاع به في السقاء بعد دبغه يعني سيؤثر على المنافع المترتبة عليه ، فإذا كان سليما ليس كما لو كان معيبا ؛ وحينئذ إذا قدُّ قد تنزل قيمته إلى عشرة ريالات ، قالوا كأنه قال له : أستأجرك بعشرين أو عشرة أو خمسة عشر على قدر سلامة هذا الجلد ، وهذا نوع من عقود الغرر، وهو أن يردده بين قيم محتملة لا يدرى هل يصيب أعلاها أو أدناها أو أوسطها ، فسيأتي إن شاء تفصيل ذلك في باب البيوع .

وعلى كل حال أن الجزار لا يأخذ من البهيمة شيئا على أنه أجرة .

المسألة الأخيرة : أن التساهل في أخذ جلود البهائم في المسالخ دون إذن من الناس ، وإلزامهم بذلك لاشك أن هذا أمر في محظور شرعي ، وبخاصة إن بعضها صدقات ، فتؤخذ ثم يتاجر بها . فالواجب استئذان أهلها ، والتفريق بين الذبائح التي تكون عبادة ، ولا يجوز بيع أجزاءها ، وبين الذبائح التي هي من أملاك الناس إن شاءوا يتركونها فيملكها آخذها ، وإن شاءوا يبيعونها أو يأخذوا العوض عليها كما هو معروف في الحقوق المالية .

قال رحمه الله : [ والسنة أن يأكل ثلث أضحيته ] : والسنة عن رسول الله صصص أن يأكل ثلث أضحيته ؛ لأن النبي صصص قال : (( كلوا وتصدقوا واهدوا )) فقوله : (( كلوا وتصدقوا واهدوا )) منقسم على ثلاثة ، فجعل للأكل ثلثا ، وللصدقة ثلثا ، وللهدية ثلثا . وقال بعض العلماء : إنها تقسم على نصفين : نصف له يأكله ويهديه ويتصرف فيه ، ونصف للمحتاجين ؛ لقوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } فجعلها على قسمين .

والتقسيم ثلاثة أقوى من جهة الكتاب والسنة ؛ لأن الله تعالى يقول : { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } وظاهر السنة يدل على التقسيم ثلاثا ، واختار المصنف - رحمه الله - ذلك وهو أقوى .

قال رحمه الله : [ ويهدي ثلثها ] : ويهدي ثلثها : الهدية تكون لغير المحتاج ، وتكون لآل النبي صصص ، فيهدي أصدقاءه ، ويهدي جيرانه إذا كانوا غير محتاجين ويتصدق للمحتاج .

قال رحمه الله : [ ويتصدق بثلثها ] : ويتصدق بالثلث كما ذكرنا ؛ لأن النبي صصص قال : (( وتصدقوا )) وقال الله تعالى : { وأطعموا البائس الفقير } فالسنة أنها لا تخلو من صدقة ، لابد وأن يتصدق بشيء منها .

قال علي ررر : (( وأن أتصدق بجلودها وأجلتها )) أمره عليه الصلاة والسلام أن يقوم على البدن وأن يتصدق بجلودها وأجلتها .

قال رحمه الله : [ وإن أكل أكثر جاز ] : وإن أكل أكثر جاز : يدل على الاستحباب ، لكن لا تخلو الذبيحة من صدقة ، ولا يخلو المسكين من حق فيها ، يبقى القدر المستحب والأفضل ، والذي استحبه بعض العلماء النصف ؛ لأنه أكثر أجرا وأعظم . وظاهر الكتاب فيما يدل على استحباب النصف ومنهم من استحب الثلث على ما ذكرناه في الحديث .

قال رحمه الله : [ وله أن ينتفع بجلدها ولا يبيعه ولا شيئا منها ] : وله أن ينتفع بجلدها أن يأخذ هذا الجلد ويدبغه ، ثم يجعله بساطا ، أو مثلا يأخذ الجلد وينتفع بشعره ويغزل ، أو بالوبر الذي على جلد الناقة وينتفع به يغزل خباءا أو يغزل كساء ، فجعل الله عز وجل في جلود الأنعام منافع عظيمة ، وجعلها دِفئا في الشتاء ، وسِترا في القيظ ، ولو أن الإنسان رجع إلى طبائع الناس حينما كانوا يعيشون على هذه الأشياء لوجد العجب العجاب من حكمة الله عز وجل وتعليمه لعباده ، وإلهامه سبحانه لهم ما فيه مصالح دينهم ودنياهم وآخرتهم . فالجلود ينتفع بها ، فلو أخذ الجلد ودبغه سقاء فجعله شنا وقربة يستقي بها أو يضع فيها العسل أو السمن أو غير ذلك فلا بأس ولا حرج ، وهكذا لو أنه أخذ الشعر فغزله وانتفع به لنفسه لكن لو أنه جعله فراشا وغطاء في البيت ثم جاء شخص وقال له : بعني هذا الفراش . نقول : لا يجوز ؛ لأنه لا يباع من الأضحية شيء ؛ لما ذكرناه من الأصل الذي ذكرناه ولم يجعلها النبي صصص عوضا ، ولذلك لم يجز أن تكون ثمنا في الأجرة أجرة للعامل لسعيه وعمله .

قال رحمه الله : [ ولا يبيعه ] : ولا يبيعه لو أنه أخذ جلد الأضحية وجاءه شخص وقال له : بعني جلد أضحيتك هذه ، أو أهدى إلى البيت وأخذ جلود الهدي فقال له شخص : هذه الجلود أشتريها منك بمائة أو بألف لم يجز أن يبيعه لا يجوز بيعه بيع الجلود والأجلة لما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ ولا شيئا منها ] : ولا شيئا منها : لما ذكرناه ؛ لأنها ليست محلا للمعاوضة ، والأصل في ذلك أن النبي صصص منع عليا ررر أن يعطي الجزار شيئا من الهدي ، وقال : نحن نعطيه من عندنا، فدل على إسقاط المعاوضة والبيع نوع من أنواع المعاوضة ؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال ، والإجارة مبادلة المال بالمنفعة ، فلما حرم النبي صصص على علي ررر أن يعطي من الهدي الجزار شيئا عوضا عن عمله كأجرة دل على أنها ليست محلا للمعاوضة ، فشمل ذلك الإجارة وشمل البيع ، كأنه لا يستحق مالكها أن يبذلها عوضا عن عمل ، فإذا كان هذا في العمل الذي يتعلق بمصلحة الهدي وهو النحر فمن باب أولى إذا لم تكن ثَمّ مصلحة .

قال رحمه الله : [ فأما الهدي إن كان تطوعا استحب له الأكل منه ] : فأما الهدي فإن كان تطوعا استحب أن يأكل منه ؛ لأن النبي صصص أكل من هديه في حجة الوداع ، وشرب من المرق ، وأمر من كل ناقة أن يؤخذ له منها ، ثم طبخت واحتسى من مرقها - صلوات الله وسلامه عليه - ، وأكل منها فدل على أن السنة أن يأكل من الهدي الجائز .

وأما إذا كان الهدي واجبا كجزاء الصيد ودم الجبران ودم الفدية فإنه لا يأكل منه ، وإنما يكون طعمة للمساكين ، فلو أن شخصا أحرم من دون الميقات فوجب عليه أو ترك طواف الوداع ووجب عليه دم الجبران ؛ فإنه لا يأخذ من هذا الدم الواجب عليه شيئاً ولا يأكل منه .

قال رحمه الله : [ لأن النبي صصص أمر من كل جزور ببَضْعَة فطبخت ] : أمر من كل جزور ببضعة. البَضْعَة : القطعة من الشيء قال صصص : (( إنما فاطمة بضعة مني )) البَضْعة من الشيء القطعة فأمر عليه الصلاة والسلام أن يؤخذ من هذه الجزر من كل جزور ببضعة قطعة ثم وضعت وطبخت كلها وشرب من مرقها - صلوات الله وسلامه عليه- واحتسى منها فدل على أن السنة أن يأكل ويصيب من هديه .

قال رحمه الله : [ فأكل من لحمها وحسى من مرقها ] : وقد قال صصص : (( أيام منى أيام أكل وشرب وبعال )) وكانوا يأكلون ، وسميت أيام التشريق لتشريق اللحم ، فكانوا يأكلون من هديهم ، وهذا كله كما ذكرنا في غير الواجب .

قال رحمه الله : [ ولا يأكل من واجب إلا من هدي المتعة والقران ]: لأنه ثبت عن النبي صصص أكله من الهدي .

************************************************** ***************
الأسئلة :

السؤال الأول : فضيلة الشيخ : هل تجزئ الأضحية إذا ذبحت في اليوم الثالث من أيام التشريق . وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فأصح قولي العلماء في هذه المسألة أن اليوم الرابع وهو الثالث من أيام التشريق أنه يجزئ الذبح فيه إلى غروب شمسه ؛ وقد قال صصص : (( أيام منى - وهي أيام التشريق- أيام منى أيام أكل وشرب وبعال)) .

وذهب بعض العلماء إلى أن الذبح لا يكون إلا يوم العيد ويومان بعده أي المجموع ثلاثة أيام .

والصحيح الأول ؛ لما ذكرنا والله تعالى أعلم .



السؤال الثاني : فضيلة الشيخ : في بعض المناطق يذبحون أضحية يوم العيد عن فقراء المسلمين اقتداءً بالنبي صصص فهل هذا جائز أو هو خاص به - عليه الصلاة والسلام- ، وإذا كان خاصاً فما النية الفاضلة حينئذ . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

المحفوظ من هدي النبي صصص أنه ضحى عن أمته ، ولذلك قال في الثاني : (( اللهم هذا عمن لم يضح من أمة محمد صصص)) وأضحيته كافية منه - عليه الصلاة والسلام - والأفضل أن يصرفها لنفسه أو يصرفها لقرابته ؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صصص أنه سأله الرجل وقال : (( يا رسول الله عندي دينار ماذا أفعل به ؟ قال : اجعله لنفسك . قال : عندي آخر. قال : اجعله لأهلك . قال : عندي آخر . قال : اجعله في قرابتك . قال : عندي غيره . قال : شأنك به )) فيبدأ الإنسان بنفسه، ثم يثني بقرابته ؛ لأن القريب أولى ، والأجر في حقه أعظم ، ولو كانت عندك أضحية وأنت تعلم أن ابن عمك أو ابن أخيك أو ذي عَصَبة أو ذي رحم منك ليس عنده قدرة يشتري أضحية فالأفضل بدل أن تتصدق بها أن تذهب بها إليه وتعطيه إياها وتقول له : ضحي بها لكي يصيب السنة ، ولكي لا يخلو بيته من هذه الفضيلة ، بل بعض الناس كما قيل في المثل : [ يبرّ خالته ويعق أمّه ] ، فينظر للبعيد ، ويغفل عن أقرب الناس منه ، وهم أعظم أجرا ، وأعظم ذخرا ؛ ولذلك دل النبي صصص المتصدق أن يبدأ بالأقربين ، وأن يعتني بذلك ؛ لأنه هو الأفضل والأعظم أجرا ، وإذا أعطى لذي الرحم منه أعطي الأجر من جهتين : أجر الإعانة على الأضحية ، وأجر الصلة والبر ، وقد بيّن النبي صصص كما في حديث زينب امرأة عبدالله بن مسعود الصحيح أن لها أجرين : (( أجرالصلة وأجر الصدقة )) ولاشك أن الصدقة صدقة ، والصدقة خير وبركة ولكن الأهم التوفيق في الصدقة ، فليس المهم أن الإنسان يتصدق ، كثير من تصدق وقليل من وفق في صدقته ، فيبحث عن التوفيق ، ويبحث عن السنة وهدي النبي صصص ويتحرى هذا الهدي الكامل .

أما إذا قصد أن يسقط عن فقراء المسلمين بهذه الأضحية ؛ فحينئذ نقول له : لا يجوز ذلك ؛ لأنه ليس بوكيل عنهم ولا يصح أن يقوم إنسان عن غيره إلا بوكالة أو بولاية ؛ والنبي صصص له ولاية على الأمة وله وصاية عليهم -صلوات الله وسلامه عليه- كما قال تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فهو عليه الصلاة والسلام وليهم من بعد الله مولاهم ، إذا ثبت هذا فهذا معنى خاص بالنبي صصص وليس بغيره .

وأما بالنسبة إذا قصد الصدقة فعلى الوجه الذي ذكرناه أن يبدأ بأقرب الناس منه . والله تعالى أعلم .



السؤال الثالث : فضيلة الشيخ : هل التسمية والتكبير تكفي لمرة واحدة عند نحر مجموعة إبل أو ذبح مجموعة شياه أو لكل نحر وذبح تكبيرة وتسمية . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

نعم لكل شاة ولكل بهيمة تسميتها ، ولا يجزئ أن يسمي تسمية واحدة عن أكثر من بهيمة ؛ لأن الأصل أنه يجب عليه أن يسمي على كل بهيمة بعينها كما فعل رسول الله صصص في الكبشين ، حيث سمى عليه الصلاة والسلام عليهما .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أبو زيد الشنقيطي
01-11-07, 10:09 AM
قال المصنف رحمه الله : [ باب العقيقة ] :

الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على سبيله ونهجه ، واستن بسنته إلى يوم الدين ؛ أما بعد :

فقد ترجم الإمام المصنف - رحمه الله - بهذه الترجمة والتي تتعلق بالعقيقة ، والعقيقة هي : ما يذبح شكرا لله عز وجل على المولود ذكرا كان أو أنثى ، وهذا الباب له مناسبة بما تقدم من باب الهدي والأضاحي ؛ لأن الهدي والأضاحي دماء شرعها الله عز وجل لأسباب وموجبات ، والعقيقة دم يتقرب به إلى الله عز وجل لسبب وموجب ، وهو شكر الله عز وجل على نعمة الولد ، وهذه العقيقة حق من الحقوق التي تتعلق بالمولود على والده ، فتذبح عن المولود ذكرا كان أو أنثى من الوالد شكرا لله عز وجل على هبته للولد ، ولاشك أن الله -I- هو المتفضل على عباده ، وهو الرزاق ذو القوة المتين يهب لمن يشاء إناثا ، ويهب لمن يشاء الذكور ، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ، ويجعل من يشاء عقيما سبحانه وتعالى فإذا أكرم الله عز وجل عبده ببقاء نسله وخروج ولده ؛ فإنه يشكر الله عز وجل ويتقرب إليه بهذا الدم ؛ وقد قال صصص : (( كل غلام مرهون بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه )) وقد فُعلت هذه العقيقة من النبي صصص كما ثبت عنه أنه عقّ عن الحسن والحسين ، وثبتت مشروعيتها في السنة وبإجماع أهل العلم -رحمهم الله- وهناك قول ضعيف اعتبره بعض العلماء شذوذا أن العقيقة مكروهة ، ولكن أئمة السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن العقيقة سنة مشروعة .

يقول رحمه الله : [ باب العقيقة ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالعقيقة عن المولود .

قال رحمه الله : [ وهي سنة ] : وهي سنة : أي العقيقة ، وهذه السنة من العلماء من قال بوجوبها لقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( كل غلام مرهون بعقيقته )) .

والجمهور على أنها سنة مؤكدة ، والسنة المؤكدة عند الجمهور تقارب الوجوب ؛ وعلى هذا فإن الأصل يقتضي أن المسلم لا يفرِّط في اتباع هدي النبي صصص خاصة وأن تعبير الحديث في قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( مرهون بعقيقته )) يدل على تأكد هذا الأمر ولزومه ، ومن هنا قال جمهور العلماء بكونها سنة مؤكدة تقارب الوجوب لتأكيد السنة عليها بفعل النبي صصص وقوله .

قال رحمه الله : [ عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة ] : هذه العقيقة تختلف من الذكر والأنثى في أصح قولي العلماء : فعن الذكر شاتان ، وعن الأنثى شاة واحدة ، وهو مذهب جمهور العلماء على أنه يعق عن الذكر بضعف ما يعق به عن الأنثى ؛ والسنة أن تكون من الغنم ، وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - على أنه لا عقيقة من غير بهيمة الأنعام ، ومن أهل العلم من قال : تختص بالغنم ولا يقع التشريك في العقيقة في الإبل والبقر .

ومن أهل العلم من رخص في التشريك في الإبل والبقر؛ كما هو مذهب الشافعية وخالفهم غيرهم. والذين منعوا قالوا : إن مقصود الشرع أن يُذْبح على هذا الوجه ، ويتقرب إلى الله عز وجل بالشاتين عن الذكر والشاة عن الأنثى ، وعلى هذا إذا كان المولود ذكرا فإنه يعق عنه شاتين ، وإذا كان أنثى يعق عنها شاة واحدة .

تكون العقيقة في سابع المولود ، وسابع المولود أن يحتسب يوم ولادته ، ثم يضيف عليه من بعد ذلك ستة أيام ، والعبرة بمغيب الشمس على أصح قولي العلماء . فإن كان قد ولد بعد مغيب شمس يوم احتسب للذي بعده خلافا لمن قال إن العبرة بالفجر، فإن كان قبل طلوع الفجر احتسب للذي قبله ، وإن كان بعد طلوع الفجر احتسب للذي بعده .

والأصح والأقوى مذهب الجمهور على الأصل المعتبر أن اليوم تبدأ ليلته بمغيب شمس ما قبله ، وعلى هذا إذا وقعت الولادة بعد مغيب شمس يوم الجمعة أي في ليلة السبت يحتسب سبعة أيام بيوم السبت ويكون يوم الولادة محسوبا فيها ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : (( تذبح عنه يوم سابعه )) . ونسب السابع إلى المولود ، وهذا هو مذهب جمهور العلماء -رحمهم الله- أنه يحتسب يوم الولادة ، ويضيف ستة أيام إليه، ثم بعد ذلك يعق في اليوم السابع .

واختلف العلماء - رحمهم الله - في هذا التسبيع هل السبعة الأيام محددة بمعنى أن العقيقة لا تكون قبلها أم أن السبعة الأيام فضيلة واستحباب ، وأن العبرة بولود المولود ، وأنه إذا ولد المولود فإنه يعق عنه ثم لو توفي - فائدة الخلاف أنه لو توفي هذا المولود قبل بلوغ السبعة الأيام فتوفي في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع فعلى القول بأنه يشترط التسبيع في هذه الحالة لا يعق عنه ، وإن قيل بعدم اشتراطه ؛ فإنه يعق عنه. والأصل في هذا أننا إذا قلنا إن العقيقة شكر لله سبحانه وتعالى على نعمة الولد فإنها تكون بولادة الولد ، وعلى هذا لو توفي الولد قبل السابع ؛ فإنه يعق عنه على هذا الوجه ، وإن قلنا إنها محددة بقوله - عليه الصلاة والسلام- : (( تذبح عنه يوم سابعه )) على التحديد تكون كالأضحية تفوت بفوات وقتها ولا يعتد بها قبل الوقت المعتبر ؛ ولذلك لو ذبح الأضحية قبل الصلاة كما تقدم معنا لم تجزئه الأضحية ؛ لأن الشرع حدد وقت الابتداء ، فإن قيل إن العقيقة مبنية على هذا التحديد ، وأن هذا التحديد معتبر ، فلا إشكال في أنه لو توفي قبل السابع فإنه لا يعق عنه ، والأشبه أنه يحتاط الإنسان فيعق عنه إذا ولد له المولود شكرا لله عز وجل على نعمة الولد ، ونعمة الولد حاصلة بمجرد ولادته .

قال رحمه الله : [ تذبح يوم سابعه ] : تذبح هذه العقيقة يوم سابعه : إذا كان الوالد قادرا على أن يجد العقيقة . أما إذا كان عاجزاً عن القيمة أو ليست عنده قدرة فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

واختلف العلماء - رحمهم الله - لو كان عاجزا عن العقيقة ثم بعد ذلك قدر قبل بلوغ الغلام أو بعد مدة قبل بلوغ الغلام فهل يعق عنه ؟

قال بعض العلماء : العقيقة متعلقة بالمولود شكرا للنعمة سواء وقعت في السابع أو بعده ، وعلى هذا قالوا إذا قدر بعد ذلك يشتريها ويعق عنه ، وهذا لاشك أنه أفضل وأكمل حتى قالوا : إن الولد نفسه فإنه لو لم يعق عنه شرع أن يعق عن نفسه ، وهذا فيه نظر خاصة وأن من الصحابة من أسلم ولم يأمره النبي صصص أن يعق عن نفسه ، وعلى كل حال ظاهر قوله : (( مرهون بعقيقته )) يقوي مذهب من قال بالقضاء إن عجز في السابع وتيسر له بعد السابع .

الأفضل في ذبح العقيقة أن تكون في السابع ، ثم جاء في الحديث تثليث السابع ، فإن لم يتيسر السابع في الرابع عشر ، وإن لم يتيسر الرابع عشر ففي يوم الحادي والعشرين . قالوا إن هذا على فضيلة التسبيع ؛ والأصل في ذلك هذا الخبر أن النبي صصص جعلها في السابع ، ثم إذا لم يتيسر ففي الرابع عشر ، ثم إذا لم يتيسر ففي يوم الحادي والعشرين ؛ وعلى هذا فضلت هذه الأوقات الثلاثة .

قال رحمه الله : [ ويُحلق رأسه ويُتصدق بوزنه ورقا ] :[يحلق رأسه] : يحلق رأس المولود ويتصدق بزنته من الورق يعني من الفضة ؛ وهذه سنة عند جمهور العلماء رحمهم الله ؛ وفيها حديث مرفوع عن النبي صصص .

والشعر حلقه فيه فوائد ، منها : ذكر بعض الأطباء أن حِلاقة رأس المولود تقوي خصلة الشعر ، ودلك الموس أثناء الحلاقة ينمي ويقوي بصيلات الشعر، وقالوا إن هذا من أنفع وأنجع ما يكون ، ثم إن هذه الحلاقة تزيل الوسخ والقذر أو ما علق برأسه أثناء ولادته ، وهي أبلغ نظافة ونقاء وطهارة ؛ ولذلك اجتمع فيها الشرع والطبع ، فهي عادة مستحسنة شرعا وطبعا . وقد نص الأئمة - رحمهم الله - على استحباب ذلك .

يتصدق بزنته من الورق وفيها حديث مرفوع عن النبي صصص ، وقالوا إن الأنثى آكد من الذكر ، ولكن الحلق للذكر والأنثى .

قال رحمه الله : [ فإن فات يوم سابعه ففي أربعة عشر ] : إن فات اليوم السابع ففي يوم الرابع عشر كما ذكرنا ، وإن فات ففي الحادي والعشرين ، هذا على الاستحباب ، وإلا لو أنه وقع في غير السابع كالثامن والتاسع والعاشر فالإجزاء معتبر ، ولكن الأفضل والأكمل في اتباع السنة على تحسين الحديث الوارد في ذلك .

قال رحمه الله : [ فإن فات ففي إحدى وعشرين ] .

قال رحمه الله : [ وينزعها أعضاء ولا يكسر لها عظما ] : هذه العقيقة تنزع بمعنى أنه لا تكسر عظامها، فتنزع من المفاصل، وهذا مبني على الفأل، وقد ثبتت السنة بأن الشرع يحب الفأل، والتفاؤل ضد التشاؤم، والتفاؤل ينبني على حسن الظن بالله عز وجل ، ولذلك بيّن النبي صصص وثبت من سنته أنه كان يحب الفأل . فالإنسان إذا كان في سفر وسمع رجلا ينادي ويقول : يا سالم ، تفاءل أن الله يسلمه ، وإذا كان في أمر فسمع رجلا ينادي يا صالح فسمع باسم صالح فتفاءل أن الله يصلح له الأمر ، هذا مستحسن شرعا ؛ لأنه هو الأصل في المسلم أن يحسن الظن بالله ؛ وقد ثبت في السنة عن النبي صصص أنه قال يقول الله تعالى : (( أنا عند حسن ظن عبدي بي فمن ظن بي خيرا كان له ومن ظن بي شرا كان له )) فالتفاؤل سنة النبي صصص ؛ ولذلك لما كان صلح الحديبية ، وبعثت قريشا من يفاوض إلى أن بعثت سهيلا . سأل النبي صصص عن الرجل الذي بعثته . فقالوا : سهيل . فقال عليه الصلاة والسلام : (( سُهّل لكم )) فسهل الأمر بإذن الله فهذا من الفأل ، حتى ذكر الإمام ابن القيم أنه فقد إحدى الصبية من الرفقة معه في الحج . قال : حتى عجزت عن وجوده ، فلما كنت في الطواف سمعت صائحا يصيح بكلمة وذكرها طيبة قال : وأنا أدعو الله أن أجده فسمعته يصيح بكلمة طيبة فتفاءلت فلم أدر أيهما أسبق أنهاية فألي أم صوت الصبي وهو بجواري ، فحسن الظن بالله عز وجل من الإيمان بالله والتوكل على الله -U- على خلاف التشاؤم المبني على -والعياذ بالله- سوء الظن بالله عز وجل والرجم بالغيب، ولاشك أنه من المحرمات لا يجوز للمسلم أن يتشاءم ، بل عليه أن يتفاءل وأن يحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى وهو أرحم الراحمين ، فإذا ذبح العقيقة نزعت الأعضاء جُدُولا كما جاء في الحديث عن النبي صصص ولا تكسر العظام تفاؤلا بالسلامة وهذا مبني على الفأل كماذكرنا أنه يتفاءل بسلامته وحسن حاله .

قال رحمه الله : [ وحكمها حكم الأضحية فيما سوى ذلك ] : وحكم العقيقة حكم الأضحية فلا يجزئ إلا ما بلغ السن المعتبرة ، وقد تقدم معنا السن المعتبر في الأضحية ، وما ورد عن النبي صصص من أنه لا يجزئ إلا الثني من المعز، والجذع من الضأن ، فإن شاء ضحى بالضأن ، وإن شاء ضحى بالمعز من الغنم ، والأفضل أن يكون من الضأن ؛ لما ذكرنا من سنة النبي صصص وهديه ، وأن تكون العقيقة سالمة من العيوب ، فلا تجزئ المعيبة كالمريضة البيّن مرضها ، وكذلك العرجاء البيّن عرجها ، ولا الكبيرة التي لا مخ فيها ، وقد بيّنا حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- عن النبي صصص في النهي عن التضحية بالمعيبة ، وذكرنا حديث علي ررر أيضا في السنن . فهذا يدل على أنه ينبغي أن تكون العقيقة وما يذبح سالما من العيوب ، يستحب في العقيقة ما يستحب في الأضحية ، أن يكون ثمنها غاليا، وأن تكون نفيسة محبوبة عند أهلها ، ثم هو بالخيار إن شاء ذبح هذه العقيقة وتصدق بها على الفقراء ، وإن شاء ذبحها وطبخها وقسمها على الفقراء ، وعلى أحبابه وأقربائه وجيرانه ، فليست بمتعينة صدقة للفقراء ؛ لأن المقصود من العقيقة شكر نعمة الله عز وجل ، وثانياً: أن من فوائد العقيقة ثبوت الأنساب للناس ؛ لأن النسب يعرف بالاشتهار، وإذا عَق الإنسان عن ولده عرف أن له ولدا ، ومن هنا تحفظ أنساب الناس ، فإذا أراد أن يدعو أحدا للعقيقة فإنه يبدأ بالأقربين وبالأرحام ، وهذا أدعى أن يعرف القرابة بعضهم بعضا ، وبعد ذلك يثني بغيرهم ، فإذا أراد أن يتصدق بشيء منها فلا بأس ، وإن أراد أن يدعو الفقراء والضعفاء إلى العقيقة فلا بأس ؛ إلا أن بعض العلماء كره صنع الطعام وصنع الوليمة في العقيقة .

والجمهور على جواز ذلك ، وأنه لا بأس به ولا حرج ، وهو بالخيار ، إن شاء ذبح وقسم اللحم وإن شاء ذبح وطبخ اللحم وقَسَمه ، وإن شاء ذبح وطبخ اللحم ودعا إليه ، وجمع في دعوته بين الغني والفقير والقريب والجار وذي الرحم ونحو ذلك .

والسنة أن يسمي المولود كما تقدم عن المصنف - رحمه الله - ، وتسمية المولود تكون في سابعه ، وله أن يسميه قبل السابع ؛ لأن النبي صصص قال : (( ولد لي الليلة غلام سميته باسم أبي إبراهيم )) وجعل التسمية قبل السابع ، ولكن فرق العلماء بين التسمية المشهورة ، وإذاعة الاسم لأن السابع إذاعة وإشاعة وبين التسمية في الأصل. فقالوا يجوز أن يسمي في أول يوم أو من حين ولادته ، وله أن يؤخر التسمية إلى السابع .

والمنبغي للأب أن يختار أفضل الأسماء وأحب الأسماء إلى الله عز وجل ، وهو اسم عبد الله وعبد الرحمن، فإذا سماه بهذه الأسماء ؛ فإنها أسماء مستحبة ، ويحبها الله عز وجل كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صصص ويبتعد عن الأسماء المستبشعة والمنهي عنها شرعا ، فالأسماء المذمومة تؤذي أهلها ، وقد تكون سببا لكلام الناس فيهم ، وطعن الناس فيهم ، فيختار الاسم الطيب المحبوب الذي ترتاح إليه الناس وأفضلها وأتمها ما ورد الشرع بمدحه من أسماء التعبيد : كعبد الله ، وعبد الرحمن ، وعبد العزيز ، ونحوها من الأسماء المستحبة ، وثبت عن النبي صصص استحباب هذا النوع من الأسماء ، وإذا سمى بغيرها من الأسماء ولو كانت شديدة ؛ فإنه لا يمنع منه إلا إذا اشتمل على شيء مذموم شرعا ، فكان من عادة العرب أنهم يسمون بالأسماء الغليظة الشديدة ، فإذا سموا الرجل يسمونه باسم غليظ شديد ، وكانوا إذا سموا مواليهم وجواريهم سموهم بالأسماء الرقيقة ، حتى قيل لبعضهم : أسماؤكم مستبشعة ، وأسماء مواليكم حسنة فلم ذلك ؟! يعني لماذا تسمون أنفسكم بالأسماء الغليظة الشديدة ، وتكون لمواليكم الأسماء الرقيقة ؟ فقال : أسماؤنا لأعدائنا ، وأسماء موالينا لنا . يعني أن العدو إذا سمع أن فلان اسمه ذئب أو صقر هابه وفزع منه ، ولذلك قال : أسماؤنا لأعدائنا ، وأسماء موالينا لنا ، فإذا لم تكن هذه الأسماء يعني فيها ما يستبشع فإنه لا ينكر إلا ما دل الشرع على إنكاره ، مثل ما كان فيه تعظيما ، ولذلك ثبت عن النبي صصص : (( إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الملوك )) فلا مالك إلا الله سبحانه وتعالى ملك الملوك ، وجبار السماوات والأرض جل جلاله وتقدست أسماؤه ، وقالوا أيضا : إن أسماء التزكية ومنها تغيير النبي صصص لاسم الجارية من برة ، وهذا فيه خلاف بين العلماء - رحمهم الله - ، والأقوى أن النبي صص منع منه في الجواري لأجل إذا سئل : هل عندكم برة ؟ قالوا لا . فيكون فيه معنى مستبشع لا أنه تزكية ؛ لأنه لو كان نهي النبي صصص لسبب التزكية لحرم التسمية باسم صالح ؛ لأن صالح فيه تزكية ، ولكن المراد به أنه كما جاء في النهي ؛ والحديث صحيح أن النبي صصص نهى أن يسمي المولى بأفلح ونَجِيح ونحو ذلك؛ لأنه ربما جاء الرجل وقال هل عندكم أفلح ؟ فيقول : لا ما عندنا أفلح، فيكون المعنى مستبشعا ، ومن هنا منع منه ، وهكذا إذا كان فيه التزكية العظيمة بما لا يليق إلا بالله -U- ولذلك لما تكنىّ الرجل بأبي الحكم نهاه النبي صصص وقال له : أعندك ولد ؟ قال: نعم . قال ((أيهم أكبر ؟ )) قال : شريح . قال : (( فأنت أبو شريح )) صلوات الله وسلامه عليه ، فكناه بأبي شريح ، ومنعه من التسمية من أبي الحكم ، وقال : (( إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم)) I التعظيم لله Y وتكون الأسماء التي لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى خاصة به عز وجل ولا يجوز لأحد أن يتسمى ، ولا أن يتصف بها لأنها له وحده لا شريك له ، فيختار أفضل الأسماء وأحسن الأسماء ، وعلى الآباء والأمهات أن يتقوا الله عز وجل في أسماء أبنائهم وبناتهم ، وأن يبتعدوا عن تقليد غير المسلمين في استحداث الأسماء المستعارة من غير المسلمين للمسلمين ، والتباهي بذلك والتفاخر ، فعلى المسلم أن يعتز بدينه ، وأن يعتز بنعمة الله عز وجل ، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، فيعتز المسلم بإسلامه ، فيسمي بالأسماء المحمودة في الشريعة ، فعنده من أسماء التعبيد كما ذكرنا بل وأسماء الأنبياء ؛ ولذلك لما قال صصص : (( فسميته باسم أبي إبراهيم )) ترجم له بعض أئمة الحديث بتراجم متعددة ، فمنهم من جعله دليلا على جواز التسمية بأسماء الأنبياء ، وأن السنة أن يختار أسماء الأنبياء ، ومنهم من قال : وأسماء الصالحين ، الأخيار الصالحين؛ لأن الولد إذا نشأ ، وقد سمي باسم على رجل صالح ، فإن هذا يؤثر في نفسه ، وإذا تذكر أن جده فلان، وأنه سمي على جده فلان ؛ كما قال صصص : (( سميته على اسم أبي إبراهيم )) فإن هذا يدعوه إلى الائتساء والاقتداء بالصالحين من آبائه ؛ ولذلك وصف الله الأخيار ؛ فقال : { ذرية بعضها من بعض }

إن الأصول الطيبات لها فروع زاكية
فإذا زكت الأصول وطابت طابت فروعها إذا سارت الفروع على نهج الأصول ، فإذا كان الإنسان مسمى على اسم جده ، وكان جده معروفا بالخير معروفا بالاستقامة معروفا بالصلاح حرك فيه باعث الخير ، وحرك فيه أن يأتسي به ، وأن يسير على نهجه .

وكذلك أيضا لتنظر إلى المرأة الصالحة والرجل الصالح إذا سمى بنته بأسماء أمهات المؤمنين ، ونشأت تلك البنت ، وعلمت أن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - الصديقة بنت الصديق كانت تقول ، وكانت تفعل ، وأن أم المؤمنين جويرية وغيرها من أمهات المؤمنين : خديجة - رضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين- كانت تقول وكانت تفعل فإن هذا يدعوها إلى حسن الائتساء والاقتداء ، ولاشك أن في ذلك الخير الكثير، وإن من أعظم ما يكون انهزاما وخذلانا وحرمانا من الخير أن الإنسان ينسى سلفه الصالح ويلتفت المسلم يمينا وشمالا لكي يتلقّف الأسماء الغريبة ، والأسماء التي ربما يتسمى بها غير المسلمين ، ولربما بلغ ببعضهم - والعياذ بالله - أن لا يبالي أن يتتبع أهل المجون والخنا لكي يسمي ابنه بهذه الأسماء الساقطة الهابطة ، فهذا عار وشنار، وإن المسلم عليه أن يعتز بدينه ، وأن يعتز بنعمة الله عز وجل التي أنعم بها عليه ، ولذلك كم تجد من صلاح وخير وفلاح فيما من ارتبط بسلفه الصالح ، وسار على نهجهم قولا وعملا ظاهرا وباطنا ، وكم تجد من الخذلان والخيبة والحرمان فيمن - والعياذ بالله - تنكب عن هذا السبيل ، وأصبح منقطعا فلا حجة ولا دليل ، وليس له سلف يهتدي به كأنه - والعياذ بالله - قد قطع عن الخير وحرم منه لكي يلتفت إلى السُّقّاط والمُجَّان سواء من الرجال أو من النساء ، فعلى المرأة أن تتقي الله عز وجل وعلى الرجل أن يتقي الله ، وقد يكون الأب عنده قناعة أن يسمي بأسماء أمهات المؤمنين ، فإذا بالأم تتهكم وتسخر وتتعجب كيف تسمى بنتها في هذا الزمان بخديجة ، وكيف تسمى بنتها في هذا الزمان بعائشة ، وكيف تسمى ببنت النبي صصص فاطمة . يا لله العجب كان المسلمون يتسابقون إلى ذلك ، ويتفاخرون ويعتزون ، وإذا بهم اليوم ينهزمون ، سلط الله عليكم ذلا كما قال صصص: (( سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم )) فهذا من الذل للمسلمين أن ينقطعوا عن مراجعة هذا الدين ، وأن يرجع الإنسان إلى أصوله وسلفه الصالح ، فإن الله عز وجل لما ذكر الصالحين من أنبيائه وصفوته من عباده قال : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ، فالاقتداء بالأخيار لاشك أنه خير كثير ، ومن فواتح الاقتداء : أن يسمى بأسمائهم ، وأن تحيى أسماؤهم كما قال صصص: ((كانوا يسمون -أي من كان قبلكم - بأسماء أنبيائهم )) .

والحديث صحيح فهذا يدل على أن الاسم له تأثير ، وأن الإنسان يتأثر ، وقد ذكر بعض العلماء - رحمهم الله - أن من حق الولد على والده والولد - يشمل الذكر والأنثى- من حق الولد على والده أن يختار له أحسن الأسماء وأفضل الأسماء ، حتى يحرك فيه هذا الخير الذي ذكرنا ، ويدعوه إلى أن يعمل الأعمال الطيبة ، ويبحث عن القدوة الفاضلة في قوله وعمله خاصة إذا كان من سماه من أهله وبيته وأسرته ، وكان من أسرة محمودة ، قد طابت أصولها بما أثر عن آبائه وأجداده من الأعمال الطيبة والأخلاق الكريمة .

الأسئـلة :

السؤال الأول : يوجد حديث في المتن لم يقرأ قبل باب العقيقة من أراد أن يضحي فدخل في العشر ، هل من نوى الحج يجوز له في العشر أن يأخذ من شعره وظفره . وبارك الله فيكم ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فهذا الحديث صحيح عن رسول الله صصص ، وفيه يقول : (( إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسنّ شيئا من شعره )) .

فيه دليل على أنه إذا أراد أن يضحي وهلّ هلال ذي الحجة فإنه يمسك عن الشعر والظفر ، فلا يقص ولا يحلق الشعر ولا ينتف الشعر، ويبقى كذلك حتى يضحي، فإذا أراد الحج وجاء لأجل أن يحرم ، فالسنة أن يغتسل ، وأن يزيل التفث ، يقلم أظفاره ويأخذ شعره إلا إذا كان عنده نية أن يضحي ؛ لأن النبي صصص تجرد لإهلاله واغتسل ؛ كما ثبت في حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه وأرضاه - فالسنة أن يتطيّب وأن يطيب بدنه بإزالة التفث وإزالة الأوساخ والقذر ونتف الإبطين ونحو ذلك ، لكن إذا كان عنده نية أن يضحي فحينئذ يتعارض النهي مع السنة ، وإذا تعارض النهي مع غيره قدم النهي، والنهي مقامه أقوى ؛ ولذلك يمسك عن شعره ، ولا يقلم أظفاره ، ولا يقص شعره ولا يحلقه إذا أراد أن يضحي ، وكذلك لو أحرم بالإحرام فإنه لا يفعل هذه الأشياء ؛ لأن النبي صصص نهى عنها المحرم وغير المحرم ، وهذا يدل على أن المنبغي عليه أن يترك شعره وظفره .

قال بعض العلماء : إن النبي صصص منع من أخذ الشعر والظفر حتى إذا عتق يعتق كاملا هذا من بعض العلل التي علل بها الحديث ، ولكنها سنة محفوظة عن النبي صصص ، ونحن نمتثل ما جاء في هدي النبي صصص وسنته سواء علمنا العلة أو لم نعلمها . والله تعالى أعلم .

السؤال الثاني : أيهما أولى بالصدقة ابن العم أو الخالة أو الجدة من جهة الأم . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

ابن العم لاشك أنه عاصب ، والعصبة لهم حق حتى في النفقة ، فإذا كان ابن عمك وقريبك محتاجا إلى النفقة وليس هناك أحد أقرب إليه منك فيجب عليك أن تنفق عليه ، وتقوم عليه وتحسن إليه ؛ ولذلك ابن العم العاصب له حق عليك واجب وهو آكد من غيره ، وأما ما كان من القرابة من جهة الأم فهم من ذوي الأرحام ، وليسوا في القوة كقوة العصبة ، ولذلك ابن العم ترثه ويرثك ، فهو من العصبة . يأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض إذا لم يكن عاصب أولى منه كما قال صصص: (( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر )) .

وابن عمك العاصب أحق بالقيام عليك ، وأحق بتغسيلك ، وتكفينك ، والصلاة عليك ، والقيام على أمورك ، وهذا يجعل منزلته مقدمة على غيره . فالعاصب مقدم على غير العاصب .

وأما بالنسبة للخالة ؛ فبرها مستمد من بر الأم ؛ لأن النبي صصص قال : (( الخالة بمنزلة الأم )) كما في الصحيح عن النبي صصص ، وبر الأم مؤكد حتى قُدم على بر الأب بثلاثة أضعاف ؛ كما في حديث الصحيح : (( من أحق الناس بحسن صحبتي ؟ قال : أمك . قال ثم من ؟قال : أمك . قال ثم من ؟ قال: أمك . قال ثم من ؟ قال : أبوك )) .

فهذا يدل على تأكد حق الأم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (( الخالة بمنزلة الأم )) فلها حق عظيم في صلتها وبرها .

وأما ابن الخالة فهو دون ذلك؛ ولذلك لا مانع أنك تقسم بينهم ، وتحرص على أن تصل ابن عمك ، وتبر خالتك . والله تعالى أعلم .

السؤال الثالث : فضيلة الشيخ : ماذا يحل للرجل من مخطوبته من كلام ونظر. أفتونا مأجورين ؟

الجواب :

المخطوبة السنة إذا كان الإنسان يعلم أنه إذا تقدم لهذا البيت أنه لا يُرد ، فإن له الحق أن ينظر إلى مخطوبته ، وأن يختبئ لها ، فثبت في الحديث الصحيح عن النبي صصص أنه أمر عبد الرحمن بن عوف صصص أن ينظر إلى مخطوبته ، وقال : (( انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا )) فقال صصص: (( إذا خطب الرجل المرأة واستطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) وقال صصص للرجل : (( انظر إليها فإنه أحرى أن يودم بينكما )) .

ومن هنا أجمع العلماء - رحمهم الله – والأئمة على مشروعية نظر الخاطب إلى المخطوبة ، وهذا النظر على حالتين : هناك نظر مرتب وهو الذي يكون ما بين الرجل وأهل المرأة ، وهناك نظر غير مرتب. فالنظر غير المرتب أنه يريد أن ينظر إلى شكل المرأة في طولها وقصرها ونحفها وامتلائها إذا خرجت مثلا إلى السوق أو خرجت إلى عملها أو نحو ذلك فيتخبأ وينظر إليها ، فإن كان النظر غير مرتب ؛ لأن البعض يقول : ما أستطيع أن أتقدم حتى أجد الصفات التي أريدها مبدئيا ، ثم بعد ذلك أتقدم ، فهذا حمل عليه حديث جابر في تخبئه لها . قال : كنت أتخبأ لها . قالوا لأن هناك صفات في المرأة قد لا تظهر في حال دخولها عليه ، فإذا إذا نظر إليها وهي في حال الغفلة ومشى في مشيها وطريقة خروجها يكون أبلغ في معرفة حقيقة المرأة ، فهذا النظر غير المرتب حملوا عليه حديث جابر ررر : (( كنت أتخبأ لها)) فهذا التخبؤ اشترط فيه بعض العلماء وهذا شرط صحيح أنه لا يختبئ للمرأة وينظر إليها إلا إذا غلب على ظنه أنه لا يرد هذا الشرط الأول .

وثانيا : أن تكون المرأة خِلْوًا ، يعني ما هي مخطوبة ، ويعلم أنها غير مخطوبة ؛ لأنها ربما تكون مخطوبة لغيره ، ففي طبائع النساء قد يستطيع أن يعرف عجلة المرأة من هدوئها، كمالها في التحفظ من عدم التفاتها في مشيها ، وعدم احتكاكها بالرجال ، وهذا يعرف في أخذ نظرة الغفلة ، بخلاف النظرة المرتبة التي يريد أن يعرف جمالها وصفاتها الخاصة .

أما بالنسبة للنظر غير المرتب فشرطه ما ذكرنا . فإذا تقدم لخطبة امرأة أرسل أمه وأخته ، فنظروا إلى المرأة وأعجبتهم ، وجاءه من أرسله من قرابته بما يحب ، فتقدم خاطبا للمرأة ؛ فإنه يرتب لقاؤه بها بحضور محرمها فلا يختلي بها ، وتكون هذه النظرة نظرة شرعية بمعنى أن لا تكون بخلوة ؛ لأن النبي صصص قال : (( ألا ليخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )) وهذا يدل على حرمة اختلاء الرجل بالمرأة الأجنبية ، والمخطوبة أجنبية ؛ ولذلك لا يجوز له أن يختلي بها.

أن يكون مثلا والدها موجودا أو أخوها فتأتي مثلا وتحضر شيئا كالشراب أو ضيافة ضيف، حتى لو جلست قليلا ثم انصرفت فلا بأس ، فهذه النظرة المرتبة ينبغي أن تكون في الحدود الشرعية وبالضوابط الشرعية .

واختلف العلماء - رحمهم الله - في القدر الذي ينظره من المرأة :

منهم من قال إنه ينظر إلى وجهها وكفيها ؛ لأن الوجه يستدل به على الجمال ، ويستدل به على طبيعة بشرة المرأة ، والكفان يستدل بهما على حالها من الخشونة والرقة ونحو ذلك ، وفيهما الغناء ، وهذا مذهب الجمهور .

وذهب بعض العلماء كما هو مذهب الحنفية - رحمهم الله - أنه ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها، وعلى هذا نقول : إن الأصل عدم جواز النظر، وأجمع على الوجه والكفين، فيبقى على الأصل المجمع عليه ، ويترك ما عداه . فالوجه والكفان فيهما الغناء ، وما جاز للحاجة يقدر بقدرها ، والحاجة تحصل بالوجه والكفين ، فإذا جلست واستنطقها كأن يسألها مثلا عن شيء بالمعروف سؤالا مقبولا فلا بأس بذلك ولا حرج لكي يعرف عقلها أو يعرف نطقها أو يعرف تمييزها وأراد أن يستجلي أمرا فيها فلا بأس بذلك ، لكن في الحدود التي يراعى فيها الحشمة ، ويراعى فيها الأدب ، ولا يزاد على ذلك .

هذا بالنسبة للنظر إلى المخطوبة ، وتوسع البعض فأصبحت المرأة إذا خُطبت تخرج مع خطيبها ، وتختلي مع خطيبها ، ولربما تصافحه وتلمسه ، ولربما يقبلها - والعياذ بالله - وكأنها زوجته ، هذا كله من المنكرات ، وكله من المحرمات ، ومن حدود الله عز وجل التي لا تجوز ، وعلى الناس أن يتقوا الله عز وجل وعلى ذي المحرم أن يغار على محرمه ، وأن يقف عند الحدود الشرعية والضوابط الشرعية ؛ ولذلك كم من المصائب والكوارث حصلت في مثل هذا الانفلات والتسيب ، وعندها يندم من يفعل ذلك في ساعة لا ينفع فيها الندم ، وعلى المسلم أن يتق الله ويتبع سنة النبي صصص دون إفراط أو تفريط .

كذلك في المقابل تجد من يحرم ما أحل الله ، ويقول : أبدا ما ينظر إلى بنتي ، ولا ينظر إلى أختي ، ولا ينظر إلى قريبتي ، كيف هذا رجل أجنبي! وكيف يدخل عليها وهو ينظر إليها ! لا ما يمكن ؛ لماذا ؟ هذا شرع الله عز وجل ، وهذه سنة النبي صصص والله تعالى يقول : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ، فعلينا الرجوع إلى السنة والاحتكام إلى هدي النبي صصص وسنته في هذا الأمر ، مادام أنها ثبتت السنة فعلينا أن نرضى وأن نسلم { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } .

فعلينا التسليم بالسنة ، وما يشدد فيه البعض من أن الخاطب لا ينظر إلى مخطوبته فهذا خلاف الشرع، وتحريم لما أحل الله ؛ ولذلك قال صصص : (( انظر إليها فإنه أحرى أن يودم بينكما )) وكم من بيوت هدمت ، ونساء طلقت ورملت بسبب هذا الصلف والتعنت والمخالفة للسنة ، فيأتي الرجل ويدخل على امرأة لم يرها ، ولم يُرغَّب في نكاحها ، ولم يعط حق الرؤية فيها ، فإذا به لا يحبها ، ثم يضيق عليها حتى تخالعه ، أو لربما ينكد عليها ويؤذيها انتقاما من أهلها وأذية لهم ، وكل ذلك بسبب مخالفة السنة ، وفيه ظلم للمرأة ؛ لأن الضرر سيحصل على المرأة ، ولربما دخل بها ، وافتضها وأصبحت غير مرغوبة بعد ذلك إذا طلقها ، ولربما دخل بها واستمتع بها الأيام ثم طلقها ، وسبب الطلاق أنها غير جميلة ، ثم إذا طلقت بعد نكاحها بأيام قليلة ساءت الظنون فيها ، فمن الذي يتحمل هذه المصائب ؟! ومن الذي يتحمل هذه البلايا ؟! هن النساء ؛ والسبب في ذلك مخالفة السنة . على الأولياء أن يكونوا وسطا بين الإفراط والتفريط ، وأن يرضوا بشرع الله عز وجل ، يُمكّن الخاطب من رؤية مخطوبته ، ويمكّن من الرؤية الشرعية التي ليس فيها إفراط ولا تفريط ، وفي الحدود المعتبرة على التفصيل الذي ذكرناه ، ولاشك أن في ذلك الخير للخاطب وللمخطوبة ، والخير كله في اتباع هدي النبي صصص وسنته .

جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بها ، وثبتنا على ذلك إلى لقائه . والله تعالى أعلم .



السؤال الثالث : فضيلة الشيخ : أنا أعمل في مكان بعيد عن أهلي فهل يجوز لي القصر إذا قضيت الصلاة الرباعية وأدركتني الصلاة ، فهل يجوز لي أن أقصر الصلاة ولو صليت وحدي . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

هذا فيه تفصيل إذا كان مكان العمل يبعد عن أهلك مسافة القصر، ومسافة القصر عند جمهور العلماء ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي ، والميل واحد وستة من عشرة كيلو متر ، أي ما يقرب ستة وسبعين كيلو متر فهو مسافة القصر ، وما نقص عن ذلك فليس بمحل للقصر؛ والدليل على ذلك قول النبي صصص في الصحيح من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : (( لا يحل لامرأة بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة )) . فجعلها مسافرة مسيرة اليوم والليلة ، فدل على أن ما دون مسيرة اليوم والليلة ليس بسفر ، وأكد هذا أنه خرج إلى أحد ، وخرج إلى بني قريظة ، وهي تبعد عن المدينة الأميال ، وخرج إلى الخندق ، فوجدنا أقل ما سماه الشرع سفرا هو مسيرة اليوم والليلة ، والإبل تسير يوما وليلة وتسير نهارين وتسير يومين قاصدين نهارين وليلتين ويوم وليلة كله بمعنى واحد وهو الأربع والعشرين ساعة ، مسير الإبل يوما وليلة -الأربع والعشرين ساعة- ثمانية وأربعين ميلا والثمانية والأربعين ميل تعادل ماذكرناه من الكيلو متر ، هذا تحديد من الشرع ؛ لأن الشرع سماه سفرا ، لو نقص عن مسيرة اليوم والليلة لنهى النبي صصص المرأة أن تخرج عن ما دون اليوم والليلة ، فلما كان مقصود الشرع أن ينهاها عن السفر لوحدها ذكر مسيرة اليوم والليلة ولم يذكر ما دون ذلك ، ومنه بدون محرم ، وهذا يدل على أن مسافة القصر على هذا الوجه ، وأكد هذا فعل السلف ، فإن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما صح عنه أنه سأله السائل وقال : أأقصر إلى مر الظهران - ومر الظهران الجموم ووادي فاطمة الذي يسمى الآن ؟- فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لا ، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف ، وكانت جدة تبعد عن مكة مسافة القصر ؛ لأنها قبل اتساع العمران كانت أكثر من ستة وسبعين كيلو، وعسفان تقارب المائة من مكة في القديم ، وأيضا الطائف تزيد على مسافة القصر . فقال حبر الأمة وترجمان القرآن -رضي الله عنهما - قال : لا . أي لا تقصر بمجرد خروجك إلى مر الظهران ، ولكن إلى جدة وعسفان والطائف ، فاعتبر مسافة القصر .

وأما القول كل ما سماه العرف سفرا فالأصل عند العلماء أنه لا يصار إلى التحديد بالعرف إلا عند عدم وجود النص ، فالعرف يصار بالتقدير به إذا لم يوجد نصاً. أما إذا وجد النص فالواجب الالتزام بالنص، ولا يرد إلى العرف إلا بعد عدم وجود النص ، والنص هنا موجود بتسمية هذه المسافة سفراً دون ما دونها فنقول إن من مشى مسيرة اليوم والليلة بهذا القدر الذي عليه جمهور العلماء فإنه يقصر ، وأما إذا ولو كان يسافر يوميا لو كان ذهابه إلى ذلك المكان يوميا فإنه يقصر ويأخذ حكم المسافر، وأما إذا كان دون ذلك فليس بمسافر وحينئذ لا تقصر الصلاة . والله تعالى أعلم .



السؤال الرابع : فضيلة الشيخ : إذا لم يكن الأب له القدرة على ذبح العقيقة عن الغلام فهل له أن يذبح في السابع واحدة ثم في اليوم الرابع عشر واحدة أم لابد أن تكون مجتمعة وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب : هو الأفضل كما ذكر العلماء أن تكون الشاتان مع بعضها ، ولكن إذا لم يتيسر له ذبح الشاتين وذكر على هذا الوجه فلابأس ولا حرج أن تذبح في يوم وتذبح الثانية في اليوم الثاني ، ولكن الأفضل والأكمل أن يعقهما معا . والله تعالى أعلم .

السؤال الخامس : فضيلة الشيخ : سمعت من بعض الناس أنه ينبغي لمن ذبح أضحيته أن يبدأ بأكل الكبد منها ، أهناك ما يدل على ذلك من السنة . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

هم استحبوا البداءة بالكبد لما ذكر من أن أول نعيم أهل الجنة ما يصيبون من طعامها زيادة الكبد ، وهذا ذكر بعض العلماء فيه . والحديث صحيح في مسائل بني إسرائيل للنبي صصص ، واستحبوا البداءة بالكبد ويحمد بعض الأطباء الكبد لما فيها من الفوائد ، فإن كان هذا المعنى لمعنى طبي فليس هناك من بأس ، وليس هناك من حرج ، والأمر في هذا واسع ما لم يدخل عن اعتقاد فحينئذ يمنع منه . أما من حيث الأصل فلا بأس أن يبدأ بالكبد أو يبدأ بغيرها . والله تعالى أعلم .



السؤال السادس : فضيلة الشيخ : تركت ذنبا ما قرابة أربعة أشهر ثم عدت إليه فما السبيل للنجاة من الذنوب وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

لا حول ولا قوة إلا بالله ! لا سبيل إلى النجاة من الذنوب إلا بالله جل جلاله مقلب القلوب ، وهو وحده سبحانه يهدي من يشاء بفضله ، ويضل من يشاء بعدله ، يحكم ولا معقب لحكمه ، يقص الحق وهو خير الفاصلين .

أخي في الله العود إلى الذنوب له أسباب ، منها : ما يكون بين العبد وربه ، ومنها ما يكون بين العبد والعباد .

فعليك أن تراجع نفسك ، وأن تنظر في السبب الذي دعاك للرجوع والعَوْد ، فإن الله عز وجل إذا أحب عبده صرف قلبه إلى ما يحب ، وجعله إلى الخيرات سباقا ، ولرحمته تواقا ومشتاقا ، فجعلنا الله وإياكم كذلك.

فالعبد الموفق السعيد هو الذي يوفق للخير، فإذا حرم هذا التوفيق تنكّب عن صراط الله، وساءت أحواله مع الله ومع عباد الله ، وهذا لا يكون ولن يكون إلا إذا غيّر ما بينه وبين الله . { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } وقال تعالى : { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } .

فعليك أخي في الله أن تبحث عن الأسباب التي دعتك إلى الرجوع إلى الذنب والمعصية ، فتارة يتساهل الإنسان في قرناء السوء ، وتارة يتساهل في النظر إلى المحرمات ، وتارة يتساهل في سماع المحرمات ، وتارة يتساهل في غشيان أماكن الريبة حتى تزل قدمه - والعياذ بالله - بعد ثبوته .

فالذي أوصيك ونفسي بتقوى الله عز وجل وأن تبحث عن الأسباب التي تثبتك على التوبة ، وتقوي صلتك مع الله عز وجل في بقاء الرجوع والإنابة إلى الله -U- وعدم الرجوع إلى الذنب ، ولاشك أن الذنوب يقود بعضها إلى بعض ، ومن أعظم الأسباب التي تضعف التوبة بل ولربما تكون سببا في حرمان الإنسان من التوبة من أعظمها : عقوق الوالدين ، وقطيعة الرحم ، وظلم الضعفاء ، وغيبة الصالحين وأذيتهم والنميمة ، نقل الكلام عنهم للأذية والوشاية ، فمظالم الناس غالبا ما تحرم العبد التوفيق في الطاعة ، وربما تكون سببا في طمس البصيرة - والعياذ بالله - ؛ وقد صح عن النبي صصص أن الله تعالى يقول : (( من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب )) إن العبد يكون محافظا على صلاته وطاعته واستقامته في طاعة ربه حتى يعق والده أو يعق والدته ولربما بكلمة واحدة ؛ فالله يقول له : { فلا تقل لهما أف } فيدخل على أمه فيراها على حال لا يرضيه فيقول : أف ، فيغضب الله عليه بهذه الكلمة ؛ لأنه نهاه ربه فلم ينته ، وحرم عليه فلم يحرم ، وعندها يتأذن الله بعقوبته ، ولربما يعق أباه ، ولربما يقطع الرحم فيؤذيهم ويظلمهم ، ولربما يكون مع الصالحين والأخيار فيؤذيهم ويظلمهم ، أو يؤذي جاره ، فمظالم الناس من أعظم الأسباب التي - والعياذ بالله - تنقص الإنسان من حال الخير، وتكون سببا في وقوعه في المعاصي. أيضا من أسباب الرحمة : بر الوالدين ، وصلة الرحم ، والإحسان إلى الناس من أسباب رحمة الله بالعبد، وكم من مذنب خطاء كثير الذنوب والعيوب سترها الله عز وجل بستره ، وتولاه برحمته ، وشمله ببره وغفر له ما كان من زلـله وخطئه بفضله سبحانه وتعالى ثم بإحسان العبد فيما بينه وبين الناس .

(( مر رجل على غصن شوك فرآه في الطريق فقال والله لأنحينه عن طريق المسلمين لا يؤذيهم فزحزحه عن الطريق فغفر الله له ذنوبه )) لأنه نوى للمسلمين الخير، ولذلك انظر كيف غصن شوك قال بعض العلماء : ليس الأمر في غصن الشوك ، ولكن الأمر بدأ من قوله : (( لأنحينه عن طريق المسلمين )) رجل قلبه متفطر رحمة بالمسلمين ولا يريد الشر لهم ولا يريد الضر بهم ، ويريد أن يرحمهم فرحمه الله عز وجل ، فإذا نوى أن يحسن لهذه الأمة كلها وأن يزيل هذا الغصن عن طريقهم فزحزحه عن الطريق فغفر الله له ذنوبه .

وفي بعض الروايات : (( فزحزحه الله به عن نار جهنم )) فالعبد إذا ستر الناس ستره الله ، وإذا أحسن إلى الناس أحسن الله إليه ، فالأخذ بأسباب الرحمة . من أسباب الثبات على التوبة ؛ ولذلك تجد بعض الأخيار والصالحين إذا استقام في طاعته لربه فإن الله يثبته ؛ لأنه بمجرد أن يستقيم يبحث كيف يرضي الله سبحانه وتعالى ، ويستقيم بصدق وحق .

الأمر الثالث - كذلك وهو من أسباب الرجوع إلى الذنوب- : احتقار الطاعة ، فالبعض - والعياذ بالله- إذا أطاع ربه حنّ إلى جاهليته ، وأصبح يظن أنه في هدايته قد ضيق على نفسه ، فلربما جاءه إبليس بالشهوة والنزوة فحن إليها ، وكأنه في حال نقص ، ولكن ولي الله المؤمن الصالح . يقول : يا رب عوضتني خيراً ، وإذا جاءه عدو الله يذكره بالشهوات والملهيات استعاذ بالله عز وجل ورجع إلى ربه، وقال : اللهم إني أعوذ بك من النقص بعد الزيادة ، ومن الحور بعد الكور ، ومن الضلال بعد الهدى ومن العمى بعد البصيرة ، رب تداركني برحمتك ، فيصدق مع الله أنه يريد الهداية ؛ لأنه يحس أنه عثر على ما كان يبحث عنه ، وأنه قد وجد الضال التي طال ما تمناها ، وأنه وجد الراحة النفسية والطمأنينة وانشراح الصدر وثبات القلب ، وأنه ليس هناك أحد أسعد من حاله مادام أنه مُرض لربه سبحانه وتعالى المهتدي لا يشعر بالنقص ، والشيطان يأتي من الشعور بالنقص ، فإذا أحس أن هناك شهوة ومتعة ولذة ناقصة ، وأن نفسه إلى الآن تحن إليها ، أو شعر أن الهداية منعته من هذه الأشياء رجع إلى ما كان إليه؛ ولذلك إذا أراد الله بعبده خيرا فتح في وجهه أبواب الرحمة ، وشغله بطاعته عن معصيته ، وبمحبته عن ما يسخطه - جعلنا الله وإياكم -كذلك .

فعليك أن تأخذ بهذه الأسباب ، ومن أعظم الأسباب التي تحول بينك وبين الذنب الرجوع إليه : الدعاء. فقل : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك .

ومن أعظم الأسباب التي تثبت الإنسان على الطاعة بترك المعاصي والثبات على الخير والزيادة من الخير: كثرة ذكر الله عز وجل ، فمن ذكر الله ذكره الله عز وجل ، فهو في حرز وحصن حصين من الشيطان الرجيم ، فأهل الهداية والاستقامة الذاكرون لله كثيرا والذاكرات المطمئنون بتلاوة القرآن وبالتسبيح والتحميد والاستغفار قل أن تجد إنسانا لسانه رطب بذكر الله يقع في معصية ، وليس معنى ذلك أنه معصوم ، لكن الله يحفظه من كثير من الشرور والمعاصي { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، فهذا بالتوكيد { إن عبادي } من هم عباد الرحمن الذين يذكرون الله ، فيتلون القرآن ويسمعون القرآن ويحضرون مجالس الذكر وينتفعون بالذكر ، الخاشعون المخبتون المنيبون .

كذلك مما يحول بين العبد والرجوع إلى المعصية الخوف من الله جل جلاله ، واستدامة هذا الخوف ، فإن العبد يخاف من ذنب يرجع إليه أن يكون سببا في انتكاسته ، ويخاف من ذنب يذنبه بينه وبين الله يكون سببا في سوء الخاتمة . الخوف من الله ؛ ولذلك النبي صصص مع علو منزلته ودرجته كان يسأل الله عز وجل الثبات على الطاعة ويقول : (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك )) في أعز المواطن وأشرفها وهي لحظة السجود بين يدي الله ، فإذا اهتديت لا تغتر بهدايتك ، ولا تغتر بصلاتك ولا طاعتك ، بل تستديم الخوف من ربك ، كلما ارتفعت درجة العبد في طاعته ازداد خوفه من الله وخشيته من الله ، ووجله من سوء الخاتمة ، ومن تقلب قلبه ومن زيغ القلب ، وهذا هو الذي حمل همه الصالحون فقالوا وهم ضارعون مستغيثون منيبون إلى الله جل جلاله { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } فذكر الله أنهم تذللوا وتبذلوا وتضرعوا وسألوه سبحانه أن يثبتوهم على طاعته لم يتكلوا على هدايتهم مع أن الله زكاهم بالاستقامة والخير ، فلا تغتر بهداية ولا طاعة ، وعليك أن تخاف من الذنب ولو كان يسيرا ، وعليك أن ترجع إلى الله جل جلاله .

أما الوصية الأخيرة فإذا عاد إبليس عليك بالذنب فهزمت النفس وانكسرت أمام دواعي الشهوات والملهيات فارجع إلى ربك ، وأرغم أنف عدوك اللدود إبليس ، وقل : اللهم إني تائب إليك ، راجع إليك ولو عاد بك مليون مرة ، إذا أذنبت فلا تيأس من رحمة الله ، ولا تقنط من روح الله ، ولا تيأس من روح الله ولا تقنط من رحمة الله ، واستدم صدق الرجوع إلى الله ، بهذا تقتل عدوك ، وينصرك الله جل جلاله على هذا الكيد من الشيطان الرجيم ، أنك إذا أذنبت رجعت مباشرة ، وصدقت في الرجوع إلى الله عز وجل وعندها تبدل السيئات حسنات ، ويتولى عدو الله بالحسرات، ويحثو على رأسه التراب من الغيظ مما رأى من تنزل رحمة الله بك .

نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يثبتنا على طاعته وأن يتولانا برحمته. والله تعالى أعلم .



السؤال السابع : فضيلة الشيخ : بعض المسالخ يأخذون الجلود ويبيعونها فهل يجوز لهم هذا البيع وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

هذه الجلود ملك لأصحاب الذبائح ، ولا يجوز لأحد أن يأخذ هذه الجلود إلا بإذن منهم ، فإذا أذنوا بها أخذت ، وإذا لم يؤذنوا فإنها ملك لهم ، ولا يجوز أخذها بدون أن يكون منهم إعطاء على صفة شرعية معتبرة . والله تعالى أعلم .



السؤال الثامن : فضيلة الشيخ : هل يجوز أن يعق عن الجارية بشاتين وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

السنة عن النبي صصص الشاة ، فيأتسي بالنبي صصص ، وكذلك بالنسبة للذكر شاتين ، لكن لو أنه دعا قرابته وزاد عددهم فأراد أن يصنع ثلاث شياه أو أربعة شياه أو خمسة شياه على قصد إكرام الضيف وليس على أنها عقيقة فلا بأس بذلك ولا حرج . والله تعالى أعلم .



السؤال التاسع : فضيلة الشيخ : امرأة عليها قضاء ثمانية أيام وقرب شهر رمضان حيث أنها تأخذ علاج ، مستمرة على هذا العلاج في الصباح والمساء ، فماذا يجب عليها حيث أنها تقول عند الصيام يؤثر على صحتها ، وهل يكفي الإطعام . وجزاكم الله خيرا ؟

الجواب :

إذا كان على المرأة قضاء من رمضان فإنه يكون مؤخرا إلى شعبان ؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت كما في الصحيح : (( إن كان يكون علي صوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صصص مني )) فيصبح واجبا موسعا حتى إذا بقي على قدر الأيام من شعبان التي لم تصمها باستثناء يوم الشك فإنه يصبح واجبا مضيقا وحينئذ يجب عليها أن تصوم ، فإذا وافق في هذه الأيام أن حصل عندها عذر ولم تستطع الصوم لوجود العذر، أو لم يستطع الرجل قضاء الصوم لوجود العذر فلا شيء عليه ولا عليها ، وتنتظر حتى تصوم رمضان الثاني ثم تقضي بعد رمضان الثاني ولا شيء عليها وهو قول جمهور العلماء - رحمهم الله-

إنما الخلاف بين أهل العلم إذا أخرت المرأة وأخر الرجل القضاء إلى أن دخل رمضان الثاني بدون عذر، فمنهم من أوجب الإطعام عن كل يوم ربع صاع ، وألحقه بعض الفقهاء بقول عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وبعض أصحاب النبي صصص .

ومنهم من قال إنه يأثم وليس عليه إطعام . والله تعالى أعلم .



السؤال العاشر : فضيلة الشيخ : إني كثيرا عندما أصلي أسرح في صلاتي مع أني أستعيذ بالله وأنفث عن يساري ثلاثا ولكني أستمر في سرحاني . فانصحني يا شيخ . وجزاك الله خيرا ؟

الجواب :

لا حول ولا قوة إلا بالله ! نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا وإياكم من الخاشعين ، من أعظم نعم الله على العبد أن يكون من الخاشعين ، فهم المفلحون ، وهم الرابحون ، إن العبد يصلي الصلاة وهو بجوار أخيه ، كتفه إلى كتفه ، بينهما كما بين السماء والأرض من الأجر والمثوبة على قدر الخشوع .

الخشوع هو سر الصلاة ، وهو أساسها وروحها ؛ ولذلك قال نبي الأمة - صلوات الله وسلامه عليه- : (( وجعلت قرة عيني في الصلاة )) جعلت قرة عينه في الصلاة؛ لأنها أعظم المقامات وأشرف المقامات ، حينما يقف العبد بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، يا هذا من الذي تناجيه؟! ومن الذي تصلي بين يديه وتناديه ؟! من هذا الملك الذي تقول بين يديه : الله أكبر ؟! فهو أكبر من كل شيء ، ومن الذي هذا الذي وجهت إليه قلبك وقالبك متخشعا متذللا ومتبذلا؟! تذكر وتفكر أنه ليس لك من صلاتك إلا ما عَقَلت ، وأنه ليس لك من أجرك إلا ما خشعت ، وأنها صلاة إذا سلّمت منها لن تعود إليها أبدا ، وأنها مكتوبة محسوبة خاصة إذا كانت مفروضة .

العبد الصالح الموفّق يأتي بهموم الدنيا ، فإذا وطئت قدمه بيت الله جل جلاله ودخل المسجد دخله بخشوع وخضوع ، حتى إذا استقبل القبلة فقال : الله أكبر رمى بالدنيا وراء ظهره ، فزال عنه همه ، وزال عنه غمه ، إنها الصلاة التي جعلها الله قرة عين الصالحين ، وسلوة المهمومين والمغمومين .

العبد يعيش مهموما مغموما مكروبا لكن لا يصيبه في الصلاة هم ولا كرب ، والدنيا بأشجانها وأحزانها لا يمكن أن تكون إذا وقف العبد بين يدي الله في صلاته صادقاً في موقفه . قف بين يدي الله ، واستشعر عظمة الله جل جلاله ، وأن الله يسمعك ويراك ، فإذا قلت : الله أكبر واستشعرت أنه ليس هناك أحد أكبر من الله جل جلاله ، فهو أكبر من كل شيء ، وأعظم من كل شيء سبحانه وتعالى فإذا قلت : الله أكبر؛ فقد دخلت في حرمات الصلاة ، ولذلك قال صصص : (( تحريمها التكبير )) فإذا قال الإنسان هذه الكلمة ينبغي أن يقولها بعقيدة وإيمان واستشعار ، لو أن بجوارك إنسان عظيم من ملوك الدنيا أو من عظماء الدنيا وأردت أن تصلي لأصابتك الرِّعدة من الهيبة والخشية ، وأخذت تفكر كيف تقف ، ولله المثل الأعلى ، فكيف بملك الملوك وجبار السماوات والأرض، ومن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه . تقول : الله أكبر بقلبك وبلسانك معتقدا معناها ، مستشعرا عظمة مدلولها ، فمن قال الله أكبر لم يعظم عليه شيء أمام الله سبحانه وتعالى ، فلو كانت عليه هموم الدنيا كلها وقال هذه الكلمة صادقا من قلبه لزالت عنه همومها ، ولو قالها مكروبا منكوبا مفجوعا وهو معتقدا لمعناها لتبددت عنه أحزانها وأشجانها . يقول: الله أكبر ، ثم يقول دعاء الاستفتاح فأثر عنه - عليه الصلاة والسلام- أنه أقر الصحابي ولذلك الصحابي قال لما كبر : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ؛ قال صصص :(( والذي نفسي بيده لقد رأيت بِضْعا وثلاثين مَلَكا يصعدون بها إلى السماء أيهم يبتدرونها )) كلمات خفيفة في اللسان ، ثقيلة في الميزان ، حبيبة إلى الرحمن، تخشع حينما تعرف ما الذي تقول ، وتستشعر من الذي تقف بين يديه ومن الذي تناجيه ، حتى إذا قرأت فاتحة الكتاب ، وتلوت كلام الله جل جلاله : { الحمد لله رب العالمين } استفتحت بحمده الذي هو بداية الأمور كما قال تعالى : { وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } فله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وسرا وعلنا ، وله الحمد على كل حال ، ونعوذ بالله من حال أهل النار ، وله الحمد في السراء والضراء جل جلاله تقول : الحمد لله رب العالمين ، ما بقي شيء إلا وهو ربه ومليكه سبحانه وتعالى .

{ رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين } هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لو نزلت على الجبال لانهدت ، ولو نزلت هذه الآيات على الرواسي لاندكت ، أفلا تستشعر بها هيبة المقام بين يدي الله عز وجل وتقولها بإيمان وعقيدة : { إياك نعبد وإياك نستعين } تستشعر وأنت تقول : { الحمد لله رب العالمين } أن الله يقول : حمدني عبدي ، وإذا قلت : { الرحمن الرحيم } قال : أثنى علي عبدي ، وإذا قلت : { مالك يوم الدين } قال : مجدني عبدي ، فأين تنصرف عن هذا الملك ، ملك الملوك وجبار السماوات والأرض ، فتكون مستشعرا لهذه المعاني ، فإذا قلت : { مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين } قال : (( هذا بيني وبين عيدي ولعبدي ما سأل)) .

فإذا جعلت هذه الآيات تؤثر وتقولها بعقيدة وتستشعر معناها تخشع في صلاتك وتخضع بين يدي ربك، ومما يعين على الخشوع والخضوع الخوف من الله عز وجل واستشعار الهيبة بين يدي الله عز وجل .

مما يعين على الخشوع : سؤال الله عز وجل القلب الخاشع ؛ ولذلك كان النبي صصص يقول : (( اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع )) .

مما يعين على الخشوع في الصلاة : كثرة ذكر الآخرة ؛ ولذلك قال تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } فوصف الخاشعين في الصلاة أنهم موقنون بلقاء يوم القيامة ، فمن وقف بين يدي الله واستشعر أنه ستمر عليه مثل هذه اللحظة وهو ضجيع اللحد والبلى، مرهونا في قبره ، تحت رحمة الله جل وعلا ؛ هانت عليه الدنيا وما فيها ، وأحس بقيمة هذه الصلاة ، واستشعر أنها نور له في قلبه ونور له في حشره ، ونور له بين يدي ربه .كثرة ذكر الآخرة . وأسباب الخشوع في الصلاة كثيرة ، ولكن نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته وكماله أن يجعلنا من الخاشعين ، اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ، اللهم إنا نعوذ بك من دعاء لا يسمع ، ومن عين لا تدمع ، ومن علم لا ينفع، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع ، واجعلنا من الخاشعين ، واجعل خشوعنا لوجهك خالصا يا رب العالمين ، ثقل موازيننا ، ويسر أمورنا ، واشرح صدورنا ، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين

أبو زيد الشنقيطي
01-11-07, 10:30 AM
بهذا الدرس ينتهي شرح فضيلة الشيخ الدكتور/محمد بن محمد المختار بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي -المدرس بالحرم النبوي الشريف وبجامع الملك سعود بجدة- وهو ضمن شرحه لمتن عمدة الفقه للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى, وأنبِّه إلى ثلاث أمور مهمة جداً:
1- هذا الشرح والتفريغ لدروس شيخنا حفظه الله لم يراجعه الشيخ ويعتمدْ إخراجه ولكنَّه في الوقت ذاته لا يمانع من نشره والإفادة به, ولذا فإن جميع ما هو منشور بالكتابة من دروس الشيخ حفظه الله لم يراجعِ الشيخُ ويعتمد منه إلا كتاب الطهارة من زاد المستقنع , والذي راجعه الشيخ وحققه واعتمد إخراجه نهائياً, وقال حفظه الله في خاتمة هذه النسخة المراجعة:
{تمت إعادة صياغة الجمل ، والعبارات بما يتناسب مع الشرح الكتابي ، وعليه فإن هذا التصحيح يختلف كثيراً عن الأصل المسجَّل ، وقد أضيفت فيه بعض المسائل ، وحذفت مسائل أخرى كما أضيفت بعض الأدلة ، والفوائد التي يقتضيها الحال }
قلتُ: قد يوجد في هذا الشرح وغيره تقديمٌ او تأخيرٌ أو حذف أو نقص , وذلك كما أشار الشيخ حفظه الله في تصحيحه لنسخة الزاد {وبعد قراءة المذكرات تبين وجود الحاجة إلى تصحيحها نظراً إلى أن الشرح كان إلقاءاً ، ولم يكن كتابة }
قلتُ: ولا يخفاكم الفرق الكائن بين حاليْ الإلقاء والتأليف.

2- حبذا لو سعى كلٌ منا حسب استطاعته إلى إفادة الغير في الملتقيات العلمية والطلابية وغيرها بهذا الشرح لتعم به الفائدة والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً والدال على الخير كفاعله, وليست تلكم الدعوة تعصباً أو تحزباً ولكن:
أ/ لأن هذا متنٌ مختصرٌ في الفقه وشرحه يفهمه كثير من الناس ويسهل عليهم استيعابه.
ب/لأنَّ شارحه حفظه الله جعله للمبتدئين في طلب العلم وحرص على أن لا يشوش أذهانهم بالخلافيات والمذاهب ومن سمع للشيخ شرح البلوغ والزاد أيقن بذلك.
ج/أن حاضري هذا الشرح لم يكونوا من مدينة واحدة أو مدرسة أو جامعة , بل كانوا من شتى أقطار العالم في حرم رسول الله صصص ومن طلبة الجامعة أيضاً فيحرص الشيخ على تبيين أحكام تكثر الأسئلة عنها في بلدانهم ويحرصون هم على سؤال الشيخ عن مسائلَ تهمُّهم ولا تقع في المملكة, ومن ذلك مثلاً ثناؤه حفظه الله على تدريب الحجاج على الانتظام في الرمي وهم في بلدانهم وإشادته بالجالية التي يشهد لها كل العالم بالانضباط في الحج ولولا مخافة التقدم بين يدي الشيخ لسميتها ولكنَّ الأغلب يعرفها.

3- أرجو من كل من أفاد أو استفاد أو قرأ أو دلَّ على هذه المادة العلمية ان لا ينسى شيخنا حفظه الله من الدعاء له ولوالديه وأن يبارك الله له في علمه وينفعه بما علمه ويزيده علماً ويحميه من ظاهر الفتن وباطنها وأن لا يحرمه اجر ما قدَّم وأن يزينه بزينة الإخلاص.
كما أرجو الدعاء لي بالهداية إلى الصراط المستقيم الموجب لرضى الله ورحمته, والدعاء بالعلم النافع المورث للعمل الصالح وصلاح النية والذرية والعافية في الدارين ,وللداعي بالمثل إن شاء الله, والله أعلم

سلطان بن عاطف
01-11-07, 01:27 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي وكيع
لعلك تجد ما سألت عنه من شروحات الشيخ في بعض دور تصوير الأوراق , ففي جدة مثلا تجدها في مكتبة خدمة الطالب المقابلة لجامعة الملك عبدالعزيز
مع العلم أن الشيخ حفظه الله لم يراجع منها إلا كتاب الطهارة من زاد المستقنع , أما بقية الشروحات الموجودة فهي من تفريغ بعض تلاميذه لدروسه
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى

أبو زيد الشنقيطي
01-11-07, 02:05 PM
htt:\\www.alhadeeth.com\vb\showthread.ph?p=691798
هذا رابط الموضوع فيما أحسب وإن أخطأت فأرجو التعديل

مشتاق حجازي
03-11-07, 01:31 AM
للتعديل أخي المبارك ابا زيد هذا هو الرابط

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=114413


وأسأل الله أن يجزيك عنا وعن الشيخ خير الجزاء وأن يعظم أجركم ويثبت ثوابكم

الله يسعدك ووالديك في الدارين

بوركت أخي الفاضل وزاد الله من أمثالك

مشتاق حجازي
06-11-07, 09:25 PM
هذا الملف كاملا سوى باب العقيقة ، وبالله التوفيق

مشتاق حجازي
06-11-07, 09:27 PM
يتبع ...

محبة لطيبه
06-11-07, 10:57 PM
جزاكم الله خيراً على جهودكم ونفع بكم

أبو زيد الشنقيطي
07-11-07, 05:50 AM
الله يرحم والديك ويرفع مقدارك أخي الحبيب مشتاق
فكما عرفتك للخير سباق , ولمراضي الله توَّاق , ذا وُدٍّ وتواضع وإشفاق , فكساك الله حلة الكرامة يوم التلاق , وجزاك عني وعن الشيخ مسابقة الأفاضل الحذاق ..!!

مشتاق حجازي
26-11-07, 04:17 AM
للفائدة

أبو الحسن النووي
02-12-07, 09:56 AM
^^^^^^^

أخوكم عماد
07-11-08, 09:56 PM
باركالله فبك و جعل هذا العملفي ميزان حسناتك

أحمد محمد بسيوني
07-11-08, 11:40 PM
جزاكم الله خيرا ، ونفع الله بكم

أبو زيد الشنقيطي
10-11-08, 08:12 AM
للرفع والنفع مع قرب الحاجة للشرح.

المغربي أبو عمر
10-11-08, 08:28 PM
جزيتم خيرا

أبو زيد الشنقيطي
03-11-10, 05:52 PM
يُـرفع

أبو زيد الشنقيطي
17-10-12, 01:10 PM
اللهم اجز شيخنا خير الجزاء وثقل موازينه