المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في رحاب السيرة : عبر وعظات


الطيماوي
17-02-08, 12:34 PM
ليس هذا الكتاب من تأليفي بل هو جمع واعداد لما كنت قرأته في كتب السيرة ووقفت عليه فيها من عبر وعظات ، وهو ما أدرسه لطلابي في الجامعة، والكتابة فيه ما زالت مستمرة لكن هذا ما بين يدي منه لعل الله ينفع به غيرنا ويكتب لنا به الأجر.

الطيماوي
17-02-08, 12:43 PM
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ،اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا اللهم علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

هل نحن بحاجة إلى تعلم سيرة سيد الخلق؟

[وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ]
فإذا كان قلب سيد الأنبياء يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه، فأحرى أن تزداد قلوبنا إيماناً ويقيناً بسماع قصة سيد الأنبياء.

[أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ]
الإسلام بمجمله كلمتان؛ كلمة التوحيد وكلمة الرسالة، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إذاً الحديث عن رسول الله شطر الدين، بل هو جزء لا يتجزأ من الدعوة إلى الله، ذلك لأن في الحياة مثالية حالمة لا أحد يعبأ بها، وفي الحياة واقعية مقيتة لا أحد يلتف إليها، ولكن الناس يشدهون بمثالية واقعية أو بواقعية مثالية، هذا ما نجده في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ]
كيف يكون النبي e أسوة لنا، أي قدوة لنا، إن لم نعرف ماذا فعل في بيته؟ وكيف عامل زوجته، وكيف عامل أصحابه؟ وكيف كان في السلم؟ وكيف كان في الحرب؟ إذاً معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولن يكون قدوة لنا إلا إذا عرفنا دقائق حياته.

(( اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ)).
نحن بحاجة إلى مسلم قدوة، كيف أن النبي e كان قرآناً يمشي؟ نحن بحاجة إلى مسلم يمشي، إذا حدثك فهو صادق، وإذا عاملك فهو أمين، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف. الكلام النظري ضَعُفَ تأثيره، لماذا؟ لأن الناس كفروا بالكلمة، لماذا كفر الناس بالكلمة؟ لأن كل الممارسات التي يمارسها الناس تتناقض مع كلامهم، تأتي إلى بلد، وتتفنن في إيقاع الأذى، وقتل الأبرياء، وهدم البيوت، وتقول: أنا جئت من أجل الحرية، من أجل أن تنعموا بالحرية، هذا الكلام مع هذه الممارسات يحمل الناس على أن يكفروا بالكلمة كفرًا كاملاً، نحن الآن في مشكلة، الناس كفروا بالكلمة، ولا يمكن أن تستعيد الكلمة قدسيتها إلا بالتطبيق، الأنبياء بماذا جاؤوا؟ هل جاؤوا بالصواريخ؟ بالطائرات؟ بحاملات الطائرات؟ بالغواصات؟ بالأقمار الصناعية؟ بالكمبيوتر؟ جاؤوا بالكلمة؛ الكلمة الطيبة تفعل فعل السحر في الناس، لكن الناس اليوم كفروا بالكلمة، لأن كل الذي يقال معه ممارسات تتناقض معه، مجلس يأمر بلدًا بعيدًا أن يطبق الديمقراطية، جيد، لكنه هو يمارس القهر والقمع عن طريق حق الفيتو، أو حق النقض، المجلس قمعي، وأمره ديمقراطي، كلام مضحك، لذلك كفر الناس بالكلمة، لا يمكن أن نعيد للكلمة مكانتها إلا بالتطبيق، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( اِسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ بِكُمْ)).
كنا في الحج مرة، ورأينا رجلا تبدو على ملامحه أنه غربي؛ هو في الحقيقة من ألمانية الغربية، علمت بعد حين أن سبب إسلامه هو أن طالباً من سورية أقام في بيته، واستأجر غرفة، ولهذا الرجل فتاة جميلة، لم يستطع أن يضبط هذا الشاب مرة ينظر إليها، كلما وقعت عينه عليها غض بصره، هذا شيء ما استوعبه، ما هذا الإنسان؟ فحاوره، انتهى الحوار بإسلام هذا الرجل.
رجل في أمريكا اسمه جفري لنك، هذا الرجل من أكبر ملحدي أمريكا، دكتور في الرياضيات، بجامعة سان فرانسيسكو، سبب إلحاده أنه كان في التعليم الثانوي يدرس، وعنده مدرس للديانة المسيحية، وجاء إلى البيت، وانتقص هذا المدرس أمام أبيه، ما كان من أبيه إلا أن طرده من البيت، فلما طرده من البيت اعتنق الإلحاد، وتابع دراسته، وكان ذكياً إلى درجة غير عادية، كان أستاذه بالجامعة يقول له: اخرج من القاعة، ولك العلامة التامة، كان يربك أستاذه، استقر به المقام إلى أن أصبح أستاذاً للرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، كانت له مكانة كبيرة في الجامعة، حتى إن أستاذه كان يستشيره أحياناً في بعض رسالات الدكتوراه، عند أستاذه طالبة من الشرق الأوسط، نشأت مشكلة في أطروحتها، فأرسلها إلى هذا الدكتور البروفيسور جفري لنك، ليأخذ رأيه، هذا الأستاذ الجامعي الملحد الذي اعتنق الإلحاد رأى فتاة محجبة حجاباً كاملا، وفي أيام الصيف، والفتيات في أمريكة عرايا في الصيف، فقال: لا بد أن هذه الفتاة تعتنق ديناً عظيماً، وعندها قناعات كبيرة جداً حملتها على أن تخالف كل الفتيات في هذه البلاد، فقال هذا الأستاذ: والله لم أجرؤ على أن أحدق في وجهها، لقدسيتها، واندفعتْ بكلي إلى مساعدتها , وعكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن، قرأ القرآن، لكن عنده شعور أنه ليس كلام الله، فهو يبحث عن بعض الأخطاء، فلما وصل إلى قول تعالى:
[فَاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً]
قال: هنا، هنا الخطأ، له صديق في فرنسا اسمه موريس بوكاي، اتصل بها هاتفياً، وقال له: تعال وانظر، هذا فرعون مات، فكيف قال الله عز وجل: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾؟ قال: فرعون الذي قالت عنه الآية أنا رممت جثته بيدي، هو الآن في متحف مصر الفرعوني، وأسلم هذا الرجل.
في حديث جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِلنَّجَاشِيِّ: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ )).
إخواننا الكرام، حال واحد مستقيم في ألف، أبلغ من قول ألف في واحد، إن أردت مجتمع ينهض كن قدوة، كان أصحاب النبي e الواحد كالألف، والمسلمون في عصور التخلف والشهوة الألف كأفٍّ، هل يُعقل أن يستنجد سيدنا خالد بسيدنا الصديق بمدد في معركة نهاوند، هو يحتاج خمسين ألف مقاتل، أرسل له الصديق واحدًا، هو القعقاع بن عمرو، فلما وصل إليه، قال له: أين المدد؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت؟! قال: أنا، واحد؟! قال: واحد، معه كتاب، فتح الكتاب، يقول سيدنا الصديق: يا خالد، لا تعجب أن أرسلت لك القعقاع بن عمرو، فو الذي نفس محمد بيده لا يهزم جيش فيه القعقاع، وانتصروا، واحد كألف، وثلاثمائة مليون مسلم لا وزن لهم اليوم، وليس أمرهم بأيديهم، ولا يملكون شيئاً.
1. أن الله سبحان الله لا يقبل دعوة محبة رسوله إلا بالدليل، لو قبلت دعوى من دون دليل لأدعى كل إنسان محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا )) .
بربكم لو سألتم مليارًا وثلاثمائة مليون مسلم: أتحب رسول الله؟ يقول لك: نعم، إذاً هذا سؤال ليس له معنى، ما دام كل إنسان يدعي محبة رسول الله. لكن يعلم حقيقة ذلك عند التعارض، حينما تتعارض مصلحتك مع الحكم الشرعي مع حكم قرآني، أو مع حكم نبوي، وتقف مع الحكم الشرعي، وتضع مصلحتك المتوهمة تحت قدمك، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، ذاق حلاوة الإيمان، من آمن بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، لذلك الله جل جلاله لا يقبل دعوة محبته إلا بالدليل.
إن كنا صادقين في حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم الشخصية التي نمشي في طريقها.


والحمد لله رب العالمين


/

الطيماوي
17-02-08, 12:44 PM
أولاً: نسب النبي صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب" ، ويكنى أبا القاسم، واهتمام العرب بأنسابها في الجاهلية أمر لم يزده الإسلام إلا تماسكاً وانتظاماً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1- شرف النسب من لوازم الدعوة فلمز الداعي في نسبه يطعن في دعوته ودليله حادثة الإفك، ومما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم شريف النسب قوله صلى الله عليه وسلم : ((خرجت من نكاح ولم اخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء)). وقال : (( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)) . وقال أبو سفيان : ((هو فينا ذو نسب قال هرقل: كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها ))، والمشهور أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وضع ديوان العطاء كتب الناس على قدر أنسابهم فبدأ بأقربهم نسباً إلى رسول الله، قالوا: يبدأ أمير المؤمنين بنفسه فقال: لا ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى. فبدأ بأهل البيت ثم من يليهم حتى جاءت نوبته في بني عدي وهم متأخرون عن أكثر بطون قريش. وهذه الشهادة أيضاً قدمها جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي: (( حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه)). وقدمها المغيرة بن شعبة بين يدي يزدجر ملك فارس في غزوة القادسية: ((لقد بعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو بنفسه كان خيرنا ))، فما أحوج الدعاة إلى الله اليوم أن يفقهوا هذا المعنى في تخيرهم للمعادن النفيسة من الرجال والنساء فيضمونهم إلى ركب الدعاة فينتصرون للإسلام وينتصرون به.
2- شرف النسب سياج للداعية من السفهاء ، وعندما قال لوط عليه الصلاة والسلام لقومه وقد أرادوا إيذاءه في ضيفه [قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعقيباً على قوله: (( رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله عز وجل بعده نبيا إلا بعثه في ثروة من قومه)) . ومما يشهد له قوله تعالى: [قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ]، من أجل هذا رأينا المرحلة المكية كلها والتي استمرت ثلاثة عشر عاماً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحياها في منعة من قومه وعشيرته الأقربين ، من بني هاشم والمطلب، وخاضت قريش بعدها الحرب ضد النبي صلى الله عليه وسلم لكنها لم تتمكن من النيل منه وهو في هذه الأرومة، وما انتهى الحصار بعد ثلاث سنين إلا من خلال العصبية القبلية ، إن في صفوف الكافرين نماذج تحمل الصفات الخلقية الكريمة وذات مواقع حساسة من القوة في المجتمع الجاهلي وشخصية الداعية التي تجذب هذه النماذج بخلقها وتضحياتها وتغزوها في أعماقها تدفع هذه النماذج من الكافرين إلى أن يكونوا حماة للدعوة والداعية، ومن خلال مركز القوة الذي تملكه ومن خلال بعض الأعراف والقوانين الجاهلية تستطيع أن تحتضن الدعوة وتفسح لها مجال الحرية لتنمو وإن كانت في عقيدتها على خلاف عقيدة الإسلام، أو تستطيع هذه النماذج الخيرة أن تحبط شراً يحيق بالمسلمين، ومنعة العشيرة وشرف القبيلة فيما مضى والذي كان يرعى الدعوة حتى تبلغ أشدها يمكن أن يظهر في عصرنا الحاضر بشرف النظام ومنعة القانون عند الذين يحرصون عليه من جهة وقد بهرتهم الدعوة من جهة أخرى ولاقت جوهراً نفيساً عندهم وهم في مواقع المسؤولية.
3- من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه قال تعالى :( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ((يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا )) وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول الله إن عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف و يصل الرحم و يفعل و يفعل أينفعه ذلك ؟ قال : ((لا إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)) ، وفي الحديث : (( هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فأبى علي)) وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي كان يصل وكان وكان فأين هو قال في النار فكأن الأعرابي وجد من ذلك فلما قفا دعاه فقال: (( إن أبي وأباك في النار)).([1] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=761970#_ftn1))
4- الحث على التسمي باسم النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن التكني بكنيته أثناء حياته فقط ففي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال رجل يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما دعوت هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي)) ، قال ابن حجر: ... وقال المالكية هو خاص بحياته صلى الله عليه وسلم ، وسُمَى النبي صلى الله عليه وسلم لم تعهده العرب ولما سئل جده عن ذلك قال سميته محمداً ليحمده أهل الأرض والسماء ومن بر الأبناء أن يحسن الرجل اسم ولده وفي الحديث :" خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء همام وحارث وشر الأسماء حرب ومرة". وللنبي صلى الله عليه وسلم عدة أسماء ففي الحديث : " لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب". قال البيهقي: وزاد بعض العلماء فقال : سماه الله في القرآن : رسولاً ، نبياً ، أمياً ، شاهداً ، مبشراً ، نذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه ، وسراجاً منيراً ، ورؤفاً رحيما، ومذكراً ، وجعله رحمة ونعمة وهادياً.
5- الدلائل والعبر السابقة الذكر فيما يتعلق بنسب النبي صلى الله عليه وسلم إن كانت تدل على شيء فإنما تدل على قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).

([1]) تنبيه: إخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب.
----------
([1]) تنبيه: إخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة [وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا] فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب.

الطيماوي
17-02-08, 12:46 PM
ثانياً: حسبه صلى الله عليه وسلم :
الحسب : الصفات الحميدة التي يتصف بها الأصول، أو مفاخر الآباء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حسيباً في قومه قد علمت العرب له ذلك وأقرت به رغم عدائها له صلى الله عليه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
حسب النبي صلى الله عليه وسلم متأصل عرباً وقرشية وأخلاقا.
فمن محاسن العرب:
‌أ- ذكاء وفطنة : وما اتساع لغتهم إلا دليل على قوة حفظهم وذاكرتهم فإذا كان للعسل ثمانون اسماً وللثعلب مائتان وللأسد خمسمائة فإن للجمل ألفاً وكذا للسيف ولا شك أن استيعاب هذه الأسماء يحتاج إلى ذاكرة قوية حاضرة وقادة، وقد بلغ بهم الذكاء والفطنة إلى الفهم بالإشارة فضلاً عن العبارة([1] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=761973#_ftn1)).
‌ب- ـ كرم وجود حتى سارت الركبان بكرم حاتم الطائي.
‌ج- أهل شجاعة ومروءة ونجدة: وكانوا يتمادحون بالموت قتلاً، ويتهاجون بالموت على الفراش
قال عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت من غرض الحتوف بعزل
فأجبتها إن المنية منهـــــــــــــــل لا بد أن أسقى بكأس المنهــــــــــــل
وقال عنترة:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنــــم وجهنم بالعز أطيب منـــــــــــزل
‌د- عشقهم للحرية، وإباؤهم للضيم والذل: جلس عمرو بن هند ملك الحيرة لندمائه وسألهم: هل تعلمون أحداً من العرب يأنف أمه خدمة أمي؟ قالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم الشاعر الصعلوك.
فدعاه لزيارته ودعا أمه لتزور أمه وقد اتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو بن كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك فلما جاءت قالت لها ذلك فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها الكرة وألحت فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم : وآ ذلاه بالتغلب فسمعها ابنها فاشتد به الغضب فرأى سيفاً للملك معلقاً بالرواق فتناوله وضرب به رأس الملك عمرو بن هند ، ثم قال:
بأي مشيئة عمرو بن هنــــــد تكون لقيلكم فيها قَطينـــا
بأي مشيئة عمرة بن هنــــــد تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوعدنا رويـــــــــداً متى كنا لأمك مقتوينــــا
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فينــــا
‌ه- الوفاء بالعهد وحبهم للصراحة والوضوح والصدق: وفي قصة أبي سفيان مع هرقل لما سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الحروب بينهم قائمة قال: " لولا أن يأثروا علي كذباً لكذبت عليه"
أما وفائهم فقد قال النعمان بن المنذر لكسرى في وفاء العرب : " وإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة فهي ولث وعقدة لا يحلها إلى خروج نفسه. وإن أحدهم ليرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر ذمته؛ وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به، وعسى أن يكون نائياً عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته، لما خفر من جواره؛ وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله"، ومن القصص الدالة على وفائهم : أن الحارث بن عباد قاد قبائل بكر لقتال تغلب وقائدهم المهلهل الذي قتل ولد الحارث وقال : (بؤ بشسع نعل كليب) في حرب البسوس فأسر الحارث مهلهلاً وهو لا يعرفه فقال دلني على مهلهل بن ربيعة وأخلي عنك فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم، قال: فأنا هو، فتركه ) وهذا وفاء نادر ورجولة تستحق الإكبار، ومن وفائهم ( أن النعمان بن المنذر خاف على نفسه من كسرى لما منعه من تزويج ابنته فأودع أسلحته وحرمه إلى هانئ بن مسعود الشيباني ورحل إلى كسرى فبطش به ثم أرسل إلى هانئ يطلب منه ودائع النعمان فأبى فسير إليه كسرى جيشاً لقتاله فجمع هانئ قومه آل بكر وخطب فيهم فقال: " يا معشر بكر، هالك معذور خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من قدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره ، الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد" ، واستطاع بنو بكر أن يهزموا الفرس في موقعة ذي قار بسبب هذا الرجل الذي احتقر حياة الصغار والمهانة ولم يبال بالموت في سبيل الوفاء بالعهد.
‌و- الصبر على المكاره وقوة الاحتمال والرضا باليسير:كانوا يقومون من الأكل ويقولون البطنة تذهب الفطنة، ويعيبون الرجل الأكول الجشع قال شاعرهم:
إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
وكانت لهم قدرة عجيبة على تحمل المكارة والصبر في الشدائد وقد صبر قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم كفار على الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنين حتى كانوا يأكلون الخبط(1) وورق السمر(2) حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة ، قال سعد: (خرجت ذات يوم أبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها ثم احرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثاً).
‌ز- قوة البدن وعظمة النفس: واشتهروا بقوة أجسادهم مع عظمة النفس وقوة الروح: فها هو معاذ بن عمرو بن الجموح في إحدى المعارك يسحب يده خلفه بجلدة منه فلما آذته وضع عليها قدمه حتى طرحها، ومر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فوجده بآخر رمق فوضع رجله على عاتقه فلما رآه أبو جهل قد وطئ عنقه قال له لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ، فعالج قطع رأسه فقطعه ولم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل فيها خيطاً وجعل يجره حتى جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
‌ح- العفو عند المقدرة وحماية الجار: وكانوا ينازلون أقرانهم وخصومهم حتى إذا تمكنوا منهم عفوا عنهم وتركوهم، ويأبون أن يجهزوا على الجرحى وكانوا يرعون حقوق الجيرة ولا سيما رعاية النساء والمحافظة على العرض قال شاعرهم:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
أما عن حسب قريش:
فبيانه في سؤال وفد ربيعة أبا بكر عن نفسه فقال: أنا من قريش فقال: بخ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة، فقال: أمنكم قصي الذي كان يدعى مجمعاً قال: لا ، فقال : منكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال لا ، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كأن وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال: لا..." .
أما عن النبي صلى الله عليه وسلم :
فحادثة الأعرابي الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فلما عاد إلى قومه لاموه على
فعله فقال لهم: إن حاله يصدقه قدمت قومه فوجدتهم يسمونه " الصادق الأمين" فقلت: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ، ومن كان أميناً في الأرض فهو أمين في السماء، فعجبوا من قوله وتركوه.



([1]) يدل على ذلك: قصة توريث الخنثى وقصيدة الأصمعي.

الطيماوي
17-02-08, 12:47 PM
ثالثاً: صبا النبي صلى الله عليه وسلم :
1. المولد :
ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من عام الفيل في الثاني عشر من ربيع الأول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوم ولادته يوم الاثنين حيث قال لما سأله الأعرابي عن صوم يوم الاثنين ؟ : " ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه" وكان ذلك في عام الفيل ـ 570م ـ حيث زاد الله بيته تشريفاً ومكانة ورد حسد النصارى وحقدهم على مكة وعلى العرب في نحورهم ، وضحى أهل الفداء من ملوك حمير والنفيل ين حبيب دفاعاً عن المقدسات فذلك فعل الغرائز، وبالت العرب على قبر أبي رغال عميل أبرهة وجاسوسه وكان التقرير الواضح من عبد المطلب ( سنخلي بينك وبين البيت ) فكان حفظ البيت آية من آيات قدرة الله وأثراً من سخطه على من اجترأ عليه بهتك حرمه، ولاح آت لعبد المطلب وهو نائم بالحجر يرشده لموطن زمزم ليبقى ماءها لما شرب له، وحفظ الله نبيه من السبي وحفظ قومه أئمة ديانين وقادة متبوعين وصار أصحاب الفيل مثلاُ في الغابرين.
2. هيأ الله آيات للدلالة على مولده قال صلى الله عليه وسلم :" أنا دعوة أبي إبراهيم ـ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ـ وبشرى عيسى ـ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ـ عليهما السلام ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجا فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى انقياه رداه كما كان ثم قال أحدهما لصاحبه : زنه بعشرة من أمته . فوزنني بعشرة فوزنتهم ثم قال : زنه بمائة من أمته . فوزنني بمائة فوزنتهم ثم قال : زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم فقال : دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم" قال ابن كثير : ( وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله وبها ينزل عيسى بن مريم بدمشق وفي الحديث الصحيح: " إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام"
وقال حسان بن ثابت والله إني لغلام يفعهٌ ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهودياً يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به ، وقال عمرو بن نفيل: قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي خرج نجمه فارجع فصدقه واتبعه.

الطيماوي
17-02-08, 12:47 PM
2. الرضاع :
وأرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، ثم حليمة السعدية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. ثبت إرضاع ثويبة مولاة أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أم حبيبة قالت: إنا نحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة قال: " بنت أم سلمة" قلت: نعم ، قال: " إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة"، كما ثبت استرضاعه في بني سعد بقوله صلى الله عليه وسلم: " واسترضعت في بني سعد بن بكر" واختار الله لحليمة هذا الطفل اليتيم وأخذته على مضض لأنها لم تجد غيره فكان خيار الله لها أبرك وأفضل، وصاحبت فصاحة البادية كنف الطبيعة فاستمتع النبي صلى الله عليه وسلم بجوها الطلق وشعاعها المرسل فنمى عوده وانطلقت أفكاره فكان الحكم لمتخاصمي البيت وكان المتحنث الليالي ذوات العدد.

الطيماوي
17-02-08, 12:50 PM
3. بركة النبوة :
وقد فاضت الأرزاق عليها بحلول النبي صلى الله عليه وسلم ديارها بعد فاقة احتوشتها، فعادت شارفها حافلاً بعد جفاف وانقطاع ، در صدرها حتى أشبع الرضيعان وارتويا.
ووقع شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في ديار حليمة علامة على طريق الإيمان تعين الناس على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. ظهرت بركة النبي صلى الله عليه وسلم علىالسيدة حليمة في كل شيء في إدرار ثديها وغزارة حليبها وقد كان لا يكفي ولدها وظهرت بركته في سكون الطفل ولدها وقد كان كثير البكاء وظهرت بركته في شياههم العجفاوات التي لا تدر شيئا وإذا بها تفيض من اللبن الكثير الذي لم يعهد ، كانت هذه البركان من أبرز مظاهر إكرام الله له مما حذا بأهل بيت حليمة السعدية أن يحبوا هذا الطفل ويحسنوا معاملته وحضانته فكانوا أرحم به من أولادهم، وإذا كانت بركة النبي صلى الله عليه وسلم قد حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير فقد عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم وذلك بعد فتح مكة بشهر فتوسلوا إليه برضاعه فأعتقهم تحنن عليهم وأحسن إليهم
امنن علينا رسول الله في دعـــــة فإنك المرء نرجوه وننتظـــــــر
أمنن علىنسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها وإذ يزينك ما تأتي وما تـــــذر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه من أمهاتك إن العفو مشتهـــــر
فأطلق لهم الذرية وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة وأعطاهم أنعاماً وأناسي كثيراً.
وهذه البركة كان جده يعرفها فعندما استسقى لقومه أخد بيد النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل السحاب واغدودق وانفجر له الوادي وفي ذلك يقول:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

الطيماوي
17-02-08, 12:51 PM
4. قصة الإيمان وحكايته الندية :
ووقع شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في ديار حليمة علامة على طريق الإيمان تعين الناس على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. ثبتت حادثة الصدر بالأحاديث الصحاح ومما أفادته رواياتها [... فاستخرج القلب واستخرج معه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان ... ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه وختم على قلبي بخاتم النبوة ثم قال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق أشفق أن يخر علي بعضهم فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم ...وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمداً قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون ، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره] ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوة وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله فلا يحل في قلبه إلا التوحيد الخالص وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثما ولم يسجد لصنم رغم انتشار ذلك في قريش.

الطيماوي
17-02-08, 12:52 PM
رابعاً: وفاة أمه صلى الله عليه وسلم :
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب وكانت وفاتها بالأبواء بين مكة والمدينة كانت قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، ولم يكن يتمه كسائر اليتم فلم يقهره وما أشعره بالذل ساعة فكان قدوة للناس وفي الناس الأيتام والضعفاء وكان النص النبوي العظيم " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. لقد أحس النبي صلى الله عليه وسلم بمرارة اليتم ذكرى بالنسبة للأب لكن عانى ذلك بالنسبة لأمه ثم جده، وبذلك أحس واقعاً لا حديثاً بآلام اليتامى وأنين المعذبين فكان أباً لكل يتيم وكانت كلماته " أنا وكافل اليتم في الجنة هكذا" وقد اختار الله لنبيه هذه النشأة حتى لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب وإيهام الناس بأن محمداً إنما رضع لبان دعوته ورسالته من أبيه وجده، ولم لا وإن جده عبد المطلب كان صدراً في قومه فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية.
لقد شاء الله لعبده وأحب اليتم والفقر ليكون على يديه فيما بعد هداية الإنسانية وشفائها من آلامها المادية كاليتم والفقر والمعنوية التي تتمثل بالضلال والتيه ولهذا كان التوجيه الرباني على ضوء عطائه له " (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) والدعاة الذين لم يعانوا من هذه الآلام والهموم والمحن غير قادرين على فهمها والإحساس فيها بله معالجتها عندما يملكون ناصية المعالجة.

الطيماوي
17-02-08, 12:53 PM
خامساً: رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم :
قال صلى الله عليه وسلم: " ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" فقال أصحابه وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة". فكانت رعاية الغنم قبل النبوة تمرناً لما سيكلف به من القيام من أمر أمته من حلم وشفقة لأنه إن صبر على رعي الغنم وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألف من ذلك الصبر على الأمة، وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بعد أن أعلم كونه أكرم الخلق من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنه عليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. قال صلى الله عليه وسلم : " السكينة في أهل الشاء" ، قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، ومن رحمته أنه ما آنس من نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل يكسب ويجهد جهده لرفع بعض ما يمكن رفعه من مؤونة الإنفاق عن عمه، وربا كانت الفائدة التي يجنيها من وراء عمله غير ذات أهمية بالنسبة لعمه أبي طالب ولكنه تعبير أخلاقي رفيع عن الشكر وبذل للوسع وشهامة في الطبع وبر في المعامة.
2. عمله في رعي الغنم على قراريط لأهل مكة مع أنه أجر زهيد هي دعوة كريمة لكل شاب مسلم وداعية أن يعمل جهده ويكسب من عرق جبينه فالعمل شرف ولا يضر نوع العمل ولو كان عند الناس وضيعا لكنه عظيم عند الله عزو وجل ( ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) (لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر يأخذ الرجل حبله فيعمد إلى الجبل فيحتطب على ظهره فيأكل به خير له من أن يسأل الناس معطى أو ممنوعا ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى)، وقد سار السلف الصالح من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على نفس النهج النبوي في السعي في طلب الرزق قال عمر " أخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألهاني الصفق بالأسواق"، وقال قتادة : " كان القوم تبايعون ويتجرون ولكنه إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله) ، وتقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم".
3. لا شك أن العمل الحر بالنسبة للداعية أعون له على دعوته وأقوم له على أن يقول الحق ويصدع فيه وكم من الناس يطأطئون للطغاة ويسكتون على باطلهم خوفاً على وظائفهم إنهم يبيعون دينهم بدنياهم.

الطيماوي
17-02-08, 12:54 PM
سادساً: حفظ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم :
من اللطيف أن الله سبحانه قد حمى نبيه في صغره من أن يقع في الخطايا والآثام التي كان الشباب يقترفها حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدرك قيمة هذا بعد مبعثه ويشير إلى هذه العناية الربانية بقوله صلى الله عليه وسلم " ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله منهما، فوالله ما هممت بعدهما بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. أ ـ في مسند الإمام أحمد حديث جار لخديجة أنه سمع النبي يقول: أي خديجة والله لا أعبد اللات والعزى قال: وكان صنمهم التي كانوا يعبدون وكان لا يأكل ما ذبح على النصب ووافقه في ذلك زيد بن عمرو بن نفيل".
ب ـ وفي الصحيحين : لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال: "إزاري" فشد عليه إزاره.
ج ـ أخرج البيهقي بسند حسن عن زيد بن حارثة : كان صنم من نحاس ـ يقال له إساف ونائلة ـ يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه فلما مررت مسحت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تمسه" قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال: "ألم تنه" قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنماً قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه.
د ـ أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان يقف مع الناس بـ(عرفات)، عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيراً لي بعرنة فذهبت أطلبه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أطلبه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف فقلت: إن هذا من (الحمس) ما شأنه ها هنا؟!.
وهذا درس لكل داعية أن يكون على منهج الله في سلوكه وعمله ولو كلفته الاستقامة على هذا النهج العنت من الناس واللوم والإعراض منهم والأذى والتشهير كذلك، فلا عذر للداعية في مجاراة قومه في منكر عاداتهم وضلال سلوكهم وانحراف عقيدتهم. وما لم يكن الداعية قواماً على الحق في قومه فلن يستطيع أن يقودهم إلى النور، ويخرجهم من الظلمات، والتميز والمفاصلة في السلوك والموقف والعقيدة أمر أساسي بالنسبة للدعاة إلى الله، إن التساهل من الدعاة في هذه الجوانب هو الذي مكن من التساهل في استعمال التلفاز في كل بيت وهو الذي يحوي الغث والثمين، والمعازف فيه تكاد تملأ معظم برامجه وقلما ينجو من إثم هو أو أحد أهل بيته وهو يستمع لها أو يسكت على سماعها.
2. التأكيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً بخصائص البشرية كلها فكان يجد في نفسه ما يجد كل الشباب من مختلف الميول الفطرية فكان يحس بمعنى السمر واللهو إلا أن حكمه الله اقتضت عصمته مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف وعنه كل ما لا يتفق مع مقتضيات الدعوة التي هيأه الله لها، وهذا شأن أصحاب الدعوات أعلام الناس. قال الفضيل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي ، وللشيخ الراشد كلام جميل في رعاية الله لعبده.

الطيماوي
17-02-08, 12:57 PM
أولاً: سفر أبي طالب به إلى الشام:
1. وقصة الراهب معروفة في المغازي وما أدري أرك البعثة أم لا، وقد وقع في بعض السير أنه كان من يهود تيماء، وفي مروج الذهب للمسعودي: أنه كان نصرانياً، وسماه الحافظ ابن حجر في الإصابة بحيرا.
2. وفي القرآن الكريم خبر هؤلاء الرهبان وأنهم (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)، وأن فريقاً منهم لم يكونوا يكتمون، منهم بحيرا الراهب، وعبد الله بن سلام، وبعض من التقاه سلمان الفارسي من الرهبان.
3. ولعل بحيرا ممن اطلع على الكتب السماوية وعلم ما فيها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم أو لعله ممن عنى النبي صلى الله عليه وسلم:"قد كان فيمن كان قبلكم من بن إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء" أي يلهمون، قال بحيرا: "إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي" فرأى بحيرا ما لم يره غيره وقد ورد في الخبر الصحيح أن الحجارة بمكة كانت تبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من سفره وتجواله مع عمه وبخاصة من أشياخ قريش حيث اطلع على تجارب الآخرين وخبرتهم والاستفادة من آرائهم فهم أصحاب خبرة ودراية وتجربة لم يمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنه تلك قال الغزالي في إحياء علوم الدين: " وإنما سمى السفرسفرا لأنه يسفر عن الأخلاق:ولذلك قال عمر رضي الله عنه للذي زكى عنده بعض الشهود:هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم أخلاقه:لا،فقال:ما أراك تعرفه وكان بِشرٌ يقول:يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب،وإذا طال مقامه في موضع تغير.وبالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة،فإذا حملت وعناء السفر وصرفت عن مألوفاتها المعادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها".
2. حذر بحيرا من النصارى، وبين أنهم إذا علموا بالنبي صلى الله عليه وسلم سيقتلونه وناشد عمه وأشياخ مكة ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا عرفوه بالصفة يقتلونه، لقد كان الرومان على علم بأن مجئ هذا الرسول سيقضي على نفوذهم الاستعماري في المنطقة ومن ثم فهو العدو الذي سيقضي على مصالح دولة روما، ويعيد هذه المصالح إلى أربابها، وهذا ما يخشاه الرومان ، ولما عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على بني حنيفة كان جواب المثنى بن حارثة : إنا نزلنا أنهار كسرى وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك.

الطيماوي
17-02-08, 12:59 PM
ثانيا: حلف المطيبين ويسمى حلف الفضول :
4. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شهدت حلف المطيبين مع عمومتي أنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه"وأصل الحلف المعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام، بقوله:" لا حلف في الإسلام" وما كان في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم " وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" .
7. وسبب حلف المطيبين أن قبائل من قريش ـ بنو هاشم ، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة ـ تداعت إلى حلف فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدعان فتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك حلف الفضول، وسمي أيضاً: حلف المطيبين لأنهم جعلوا طيباً في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فسموا المطيبين .
8. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع لرفع الظلم عن أصحابه فما أن علم أن في الحبشة ملكاً عادلاً حتى أمر أصحابه أن يهاجروا إليها، فهل يكون هذا الفعل مشعراً بجواز التحالفات في العصر الحاضر، حتى مع من هو مخالف في الدين والعقيدة، إذا كان أميناً على الإسلام وأهله، ولا يكاد يخلوا الزمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، روى ابن إسحاق ـ بسند جيد ـ أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ والوليد يومئذ أمير المدينة أمره عمه معاوية بن أبي سفيان ـ منازعة في مال كان بينهما فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفنني من حقي أو لأخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال: فقال عبد الله بن الزبير ـ وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال ـ : وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً. قال: وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ألا يقيم ببطن مكة ظالـم
أمر عليه تعاقدوا وتواثقــوا فالجار والمعتر فيهم سالم
2. إن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين، فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية.
3. كان حلف الفضول واحة في ظلام الجاهلية وفيه دلالة بينة على أن شيوع الفساد في نظام أو مجتمع لا يعني خلوه من أي فضيلة وفي هذا درس عظيم للدعاة في مجتمعاتهم التي لا تحكم الإسلام أو تحاربه بأن لا يقفوا مكتوفي الأيدي ينتظرون التصفية والإبادة لا بد أن يتحركوا تحت أي ستار يصلون من خلاله إلى حمايتهم وحماية دعوتهم وإذا كانت القوانين السائدة والأعراف الحاكمة تهيئ لهم هذه الحماية، وتمنع عنهم هذه التصفية فحري بهم أن يستفيدوا منها، ويدافعوا المجتمع إلى التحرك من خلالها لحماية الدعوة ونصر المستضعفين.
4. إن الظلم مرفوض بأي صورة، ولا يشترط الوقوف ضد الظالمين فقط عندما ينالون من الدعاة إلى الله، بل مواجهة الظالمين قائمة، ولو وقع الظلم على أقل الناس وأبعدهم عن الدعوة لأن منع الظلم في كل أشكاله هو الذي يحول دون وصوله إليهم ونحرهم بمديته، ويبقى هذا المبدأ العظيم الخالد هو الذي يحكم الدعاة في كل عصر " ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".
5. على المسلم أن يكون في مجتمعه إيجابياً فاعلاً يفتقده الناس إذا غاب ويصغون له ويطيعونه إذا حضر، يشاركهم في الفضائل ويتنزه عن الجهالات والرذائل ، لا أن يكون رقما من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه.نفقه ذلك من خلال مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه في حرب الفجار، وبناء الكعبة وحلف الفضول والتحكيم في الحجر الأسود، ولو كانت هذه الأمور خطأ لنزه الله نبيه عن ذلك وصرفه عنها.

الطيماوي
17-02-08, 01:00 PM
ثالثاً: تجارته بمال خديجة رضي الله عنها وزواجه منها:
خديجة بنت خويلد أقرب نساء النبي صلى الله عليه وسلم نسباً، كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم فلما بلغها عن رسول الله ما بلغ من صدق حديث وعظيم أمانة وكرم أخلاق عرضت عليه الخروج في تجارتها فخرج وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة محظوظا في التجارة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر خديجة وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، ويقول: أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري .. فلم تزل به حتى رضي، وهي أول من تزوجها، وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده، وكانت قبله عند عتيق المخزومي، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وصدقت النبي في أول وهلة قال صلى الله عليه وسلم: " خير نسائها خديجة" وبشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب، بيتٌ لأنه لم يكن بيت إسلام على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي إلا بيتها، وقصبٌ: لأنها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، كم هي حاجة المؤمن للمرأة المؤمنة الصالحة تواسيه وتقف بجواره وتؤازره وتمنع عنه الأذى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد موتها يكثر ذكرها إنه الوفاء للمرأة الداعية المجاهدة المؤمنة التقية، لا يعيبها أن تذكر حتى في مجامع الرجال وحضرتهم، تذكر بالفضل والخير والسبق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. إن الأمانة والصدق أهم مواصفات التاجر الناجح، والتجارة مورد من موارد الرزق تدرب النبي صلى الله عليه وسلم على فنونها قبل البعثة، وبين في الإسلام أجر الصادق الأمين فيها فقال صلى الله عليه وسلم : " التاجر الأمين الصدوق المسلم : مع [ النبيين والصديقين و ] الشهداء يوم القيامة"، والتجارة بغير هاتين الصفتين وبال على صاحبها لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن التجار هم الفجار . قيل : يا رسول الله ! أو ليس قد أحل الله البيع ؟ قال : بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون ]"، وعلى الدعاة أن يدخلوا غمار الأسواق ساعين لأسلمتها ونشر روح الإسلام بين أهلها تطبيقاً وتنزيلاً على معاملاتها فهي باب من الأبواب التي ينبغي أن يطرقها الدعاة ويضربوا فيها بنصيب.
2. أ ـ الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، قال الشيخ محمد الغزالي: وخديجة مثل طيب للمرأة التي تكمل حياة الرجل العظيم، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوباً شديدة الحساسية ويلقون غبناً بالغاً من الواقع الذي يريدون تغييره ويقاسون جهاداً كبيراً في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والمواساة، وكانت خديجة سباقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أثر كريم.
ب ـ أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري: إنها الجاهلية تقيس الناس بالمال والجاه فيعز لديها صاحب الكنز والجاه ويضعف عندها الصالح المؤمن الكريم، أما في عرف الدين : " إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه " وعن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندنا يتيمة وقد خطبها رجل معدم ورجل موسر وهي تهوى المعدم ونحن نهوى الموسر فقال صلى الله عليه وسلم [ لم ير للمتحابين مثل النكاح ] وقال صلى الله عليه وسلم : " إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها". قال عروة : وأنا أقول من عندي : من أول شؤمها أن يكثر صداقها ".
ج ـ فلم تزل به حتى رضي: إنه درس لكل امرأة مسلمة داعية، أن تعرف من تختار ليكون زوجاً لها، وعلى من توافق ليكون شريك حياتها، ولا ينقص من شأنها أن تسعى لذلك، ولا يخرم مروءتها أن تهيئ السبل لذلك وألا يكون المال أو المنصب أو الجاه أو الجمال فقط هي القيم التي تنطلق منها المرأة المسلمة، إنه الدين أولاً ، والخلق ثانياً، ولو كان ذا فقر مدقع أو غرم مفظع، لقد أدركت أم المؤمنين خديجة على جاهليتها قيمة الخلق والشرف والنبل وأن وزنها أعظم من المال الوفير والجاه العريض فهل يدرك إخواننا وأخواتنا هذه المعاني التي أدركها الجاهليون قبل الإسلام وينطلقون في زواجهم من هذه الأحكام؟!
3. نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذاق ألم فقد الأبناء كما ذاق من قبل ألم فقد الأبوين وقد شاء الله أن لا يعيش له صلى الله عليه وسلم أحد من الذكور حتى لا يكون مدعاة لافتتان الناس بهم وادعائهم لهم النبوة فأعطاه الذكور تكميلاً لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية ولئلا ينتقص النبي في كمال رجولته شانئ أو يتقول عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر ليكون ذلك عزاء وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقون ثم يموتون كما أنه لون من ألوان الابتلاء وفي الحديث: " الناس أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة" وقال صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خيرا يصب منه ".
4. في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة رد على من صوروا النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل الغارق في لذاته وشهواته، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش إلى الخامسة والعشرين من عمره في بيئة جاهلية عفيف النفس دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج حوله، كما أنه تزوج من امرأة ثيب لها ما يقارب ضعف عمره، وعاش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله، وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل ، إلى أن تجاوز مرحلة الشباب، ثم الكهولة، ويدخل في سن الشيوخ، وقد ظل هذا الزواج قائما حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عاماً وقد ناهز النبي صلى الله عليه وسلم الخمسين من العمر ، وكان الوفاء بعد الوفاة كان إذا ذبح الشاة يقول: " أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة".
5. الحب وموقف النبي صلى الله عليه وسلم منه:
أ ـ النبي الحبيب : عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة". فأغضبته يوماً فقلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول [إني رزقت حبها] ". وعن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: إنما أعني من الرجال، قال: أبوها" . فنسبه إليها لشده حبه لها.
ب ـ النبي الشافع: عن ابن عباس قال : لما خيرت بريرة رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته فكلم العباس ليكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريرة إنه زوجك فقالت تأمرني به يا رسول الله قال إنما أنا شافع قال فخيرها فاختارت نفسها وكان عبدا لآل المغيرة يقال له مغيث.
ج ـ النبي ودواعي الحب: * " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائه .. وكان إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث" ** "وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب قال: تشتهين تنظرين فقلت: نعم فأقامني وراءه خدي على خده".*** ويدعو بالشراب فآخذه فأشرب منه ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح*** ظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي.

الطيماوي
17-02-08, 01:01 PM
رابعاً: تجديد قريش بناء الكعبة :
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِين)، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام إبراهيم عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ثم بنيت بعد ذلك في زمان الجاهلية قبل مبعثه بخمس عشرة سنة فجعل ينقل معهم الحجارة للكعبةثم بنيت بعد ذلك في زمان الجاهلية قبل مبعثه بخمس عشرة سنة فجعل ينقل معهم الحجارة للكعبة ثم ترآءى الحجر فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال :"هل تدريبن لم كان قومك رفعوا بابها" قالت : لا،قال: " تعززاً أن لا يدخلها إلا من أرادوا" " لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشاً حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفاً" " فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريباً من سبعة أذرع" فما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية اعتمد ابن الزبير في بناءه حديث عائشة فزاد فيه الحجر حتى أبدى أساً نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه فلما قتل ابن الزبير كتب عبد الملك للحجاج:" إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد في طوله فأقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه" وكان عبد الملك يقول:" وددت أني تركته وما تحمل".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. حتى إذا ارتفع البناء جاء إسماعيل بهذا الحجر فوضعه لأبيه فقام عليه وهو يبني (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فكان الطواف. قال النووي: ينبغي ألا يغير هذا البناء وذكر أن هارون الرشيد سأل مالك بن أ نس عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة؟ فقال مالك: " ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل البيت لعبة للملوك لا يشار أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس".
2. السياسة العمياء: تعمي وتصم وتفسد الدين والإيمان وتدنس الأطراف والذيول إلا من يعصم الله ويحفظ "إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء" يقول: " وددت أني تركته وما تحمل" وهل ينفع الندم!
3. " لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم" إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بينهما بدئ بالأهم، هذا فقه الرسول الداعية أن يعتبر المصلحة في العمل الذي يريد، إن بناء الكعبة على قواعد إبراهيم أمنية نبوية، يمنعها الخوف من فتنة الناس، فتنة الناس والنبي صلى الله عليه وسلم على الحق، فهذا يؤكد أن على المسلم أن يترك حقاً كثيراً، لئلا ينسب إلى الفتنة وإن كان محقاً.
4. الخلق الكريم الذي حبا الله به نبيه، حتى أصبح محط أنظار مجتمعه، وصار مضرب المثل فيهم، حتى لقبوه بالصادق الأمين، هذا الخلق هو الذي مكن النبي صلى الله عليه وسلم من إيقاف حرب مدمرة في قومه من خلال التحكيم، فقد اغتبط الجميع أن كان الداخل الصادق الأمين وأعلنوا رضاهم بحكمه قبل أن يصدر حكمه لثقتهم بنزاهته، وتجرده وموضوعيته، فلا بد للداعية في مجتمعه أن يكون إيجابياً فاعلاُ، يفتقده الناس إذا غاب، ويصغون له ويطيعونه إذا حضر، لا أن يكون رقماً على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه، وحين يكون صاحب الكلمة الفصل فيهم عن حب وإعجاب واحترام، يكون قادراً على أن يوظف هذا الجاه كله لخدمة دعوته ولنشر الإسلام في صفوف عشيرته وقومه، ويكون قد هيأ الأرض الخصبة للبذرة الصالحة التي يغرسها فتنمو وتترعرع،ثم تزهر وتثمر وتعطي أحسن الجني وأطيب الثمار.
5. يستوقف المسلم قول أبي وهب بن عمرو بن مخزوم: ( لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس) فقد كان الجاهليون يدركون في حسهم مفهوم الحلال والحرام، وحين يقدمون على أمثال هذه المعاملات يعلمون أنهم يقدمون على إثم أو على شيء خبيث، وما يدعيه اليوم دعاة الجاهلية الحديثة من تبرير للزنا وأنه لا علاقة للآخرين به إن تم برضا الطرفين، ويشرعون القوانين في تحليله، وما يدعونه في تبرير الربا وأنه حق مكتسب للمال ويشرعون القوانين لإحلاله .. ليس هذا الادعاء أو هذا التشريع قناعة قائمة في النفس، بمقدار ما هو تغطية وتبرير لظلم يعرفون في أعماقهم حرمته : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا).
6. لم يكن بإمكان قريش، كل قريش أن تبني البيت العتيق على ما بناه إبراهيم وإسماعيل من قبل آلاف السنين، وهما رجلان وحيدان، لم تكن تمتلك المال ولا الحرفة التي تقوم ببناء الكعبة، حتى جاءت بالرجل النجار الرومي، كذلك كنا، ثم تغيرت الدنيا، وبنينا البصرة والكوفة والقاهرة والقيروان وبغداد وتطوان، بهرت روائع حضارتنا كل الناس، في الهندسة والصيدلة في التحقيق والتوثيق ، في الإحصاء والرياضيات، تركب نساؤنا البحر كالملوك على الأسرة، وينادي فارسنا بحر الظلمات أن لو علمت وراءك أرضاً لغزوتك ، تركنا في كل رقعة أثراُ كريماً يقول: نحن المسلمون.
7. حين تضيق الدروب بالجاهلية، وتقف الحية في طريقها لبناء الكعبة، تضرع الجاهلية إلى الله وتقول:" رب لا ترع، أردنا تشريف بيتك" إنها الجاهلية هي هي، لم تتغير ولم تبدلها الأيام، فترى الجاهلية المعاصرة التي تقتل وتبيد، وتسجن وتظلم، وتتبع السبل الشائكة، وتحارب دين الله ودعاة الإسلام، هذه الجاهلية المعاصرة لها : أوقاف، وصلاة جمعة متلفزة، وعلماء ومفتون، وهيئات دينية، ومدارس ومعاهد دين على طريقة السلطان ونهجه، أما رأيت أبا جهل وهو يقول: " اللهم أقطعنا الرحم وآتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة" فأبو جهل يدعو الله ويناجيه " اللهم اللهم" والجاهلية تعمر بيت الله وتبنه.
8. ابتدعت قريش تسميتها بالحُمس وهو الشدة في الدين والصلابة فلم يخرجوا من الحرم ليلة عرفات وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله، فكانوا لا يقفون بعرفات ـ مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام ـ حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة، وكانوا يمنعون الحجيج والعمار ـ ما داموا محرمين ـ أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس طاف عرياناً ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أوكله وما بدا منه فلا أحله
فجاء الإسلام وأنزل القرآن رداً عليهم فيما ابتدعوه، فقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) ، (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، فواجب الداعية أن يحيي ما أماته الناس من السنن وأن يحارب البدع بحيث لا تؤدي إلى مثلها أو أكبر منها.

الطيماوي
17-02-08, 01:03 PM
أولاً: إرهاصات الوحي والنبوة :
( معنى الإرهاص ـ أنواع الإرهاصات التي وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الوحي ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. إنما ابتدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك، فبدئ بأول خصال النبوة الرؤيا الصادقة وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر والشجر عليه.قلت: وفيه الندب إلى تهيئة من نزلت به نازلة أو وقع له خير جم خشية أن يفجأه الخبر.

الطيماوي
17-02-08, 01:04 PM
ثانياً: اختلاء النبي في غار حراء ونزول جبريل بالوحي عليه :
( الخلوة في غار حراء ـ الرجوع إلى خديجة خائفاً ـ عند ورقة بن نوفل ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1. "حبب إليه الخلاء" عبرت عائشة بالبناء للمجهول لعدم تحقق الباعث على ذلك أو لينبه أنه لم يكن من باعث البشر وقد ورد في الحديث " حتى فجئه الحق بغتة" ،وفيه رد على الذين يتقولون على النبي صلى الله عليه وسلم من أنه (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ )، فوجئ النبي بجبريل أمامه يراه بعينيه ليتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمراً داخلياً مرده حديث النفس المجرد بل حقائق خارجية لا علاقة لها بالنفس داخل الذات، وداخله الخوف والرعب مما سمع ورأى ليتضح لكل مفكر عاقل أن ظاهرة الوحي فوجئ بها دون توقع سابق وهذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين حالات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة، وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها، ثم إن انقطاع الوحي مدة طويلة واستبداد القلق برسول الله من أجل ذلك تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهاماً نفسياً ضرباً من الجنون إذ أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال، وربما عاد بعد ذلك محترفو التشكيك يسألون: فلماذا كان ينزل عليه الوحي بعد ذلك وهو بين الكثير من أصحابه فلا يرى الملك أحد منهم سواه؟ والجواب: أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار إذ أن وسيلة الإبصار فينا محدودة بحد معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدوماً إذا ابتعد عن البصر بعداً يمنع من رؤيته، على أنه من اليسير على الله وهو الخالق لهذه العيون أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى، ثم إن استمرار الوحي بعد ذلك يحمل الدلالة نفسها على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون، ونستطيع أن نجمل هذه الدلالة فيما يلي:
أ ـ التمييز الواضح بين القرآن والحديث إذ كان يأمر بتسجيل الأول فوراً على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه فكان يحاذر أن يختلط كلام الله عز وجل الذي يتلقاه من جبريل بكلامه هو.
ب ـ كان النبي يسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عليها، وربما يمر على سكوته زمن طويل حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأن سؤاله، وربما تصرف الرسول في بعض الأمور على وجه معين، فتنزل الآيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه، وربما انطوت على عتب أو لوم له.
ج ـ كان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً وليس من الممكن أن يعلم الإنسان بواسطة المكاشفة النفسية حقائق تاريخية كقصة يوسف.. وأم موسى حينما ألقت وليدها في اليم.. وقصة فرعون.
2. الخلوة شأن الصالحين وعباد الله العارفين والسر في الخلاء أن للنفس آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها ، فالكبر والعجب والحسد والرياء وحب الدنيا كل ذلك آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات المبرورة، ورغم ما قد ينشغل به من القيام بشؤون الدعوة والإرشاد وموعظة الناس. وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم من " ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" من السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وكان يعتكف في رمضان يضرب له خباء يختلي بنفسه فيه، والاعتكاف سنة تخلي العبد إلى ربه فيفرغ القلب من الدنيا ويتعلق بالله تعالى ويأنس بالآخرة. إنها خلوة بل وقفة على الطريق ولفتة إلى الوراء لنراجع الرصيد ونفتش السلوك ونمحص الرأي ، ونهذب القلب، وننقي الضمير، لنتابع المسير بعد ذلك على الطريق على بينة وهدى.
3. هذه الآيات الكريمات التي أنزلها الله على قلب نبيه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم) لتدل دلالة واضحة على عظمة دور العلم في حياة البشرية، العلم من لدن الحكيم الخبير والذي يعتمد على القراءة والكتابة بالقلم أسلوباً رئيسياً له. هذا العلم الذي قصره الكثيرين على العلم البشري القاصر بينما أوضح القرآن المقصود الأساسي منه ألا وهو الوحي (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)، (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) لكن عندما يذكر غير الوحي تأتي كلمة العلم نكرة – علم- لأنها تمثل جانباً من الحقيقة أما الحق الثابت في هذا الوجود هو الوحي فقط (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) . قال الغزالي في الإحياء: " العلم: وقد كان يطلق ذلك على العلم بالله تعالى وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه، حتى أنه لما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود رحمه الله، لقد مات تسعة أعشار العلم فعرفه بالألف واللام ثم فسره العلم بالله سبحانه وتعالى".
4. مدرسة حراء : غار حراء بما فيه من خلوة وعبادة وابتعاد عن ضجيج الحياة يمثل مرحلة من مراحل الدعوة، تلجأ له الدعوة المباركة، في الأعصر الحاضرة، راغبة أو راهبة، فتخلو لنفسها، تناقش أمرها، وتلم شعثها، وتعد خططها، أو تمكث فيه ريثما تزول آلة القتل والبطش، والقمع والسحق، ويظل حراء مدرسة تربوية لا يصلح أن تغلق أبوابها، لتبعث في الأمة روحاً وثابة، وهمة عالية.
5. الزوجة في عرف هذا الدين: لا شك أن موقف خديجة رضي الله عنها هو من أعظم المواقف التي شهدها تاريخ الأمة المسلمة، فكانت كما قال ابن هشام: ( آمنت به، وصدقت بما جاءه به،ووازرته في أمره، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عنه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى). إنه درس للمرأة المسلمة الداعية، أن تكون دعوة الله ورسوله هي التي تملأ عليها كيانها، وحياتها، ووجودها، أما أسوتها خديجة، وأن تجعل حياتها ومالها وجاهها في سبيل الله، تحمل الراية بجوار زوجها الداعية، وتكون عوناً له لا عبئاً عليه، تخفف عنه آلامه وهمومه، لا تثبطه وتوهنه وتجره أن يثاقل إلى الأرض. ودرس للرجل المسلم الداعية، أن يعرف لزوجه فضلها ومحنتها في جواره، وصبرها على متاعبه، وأن يتمثل عظمة الوفاء النبوي في وصل صديقات خديجة بعد وفاتها، وفي هشه وبشه لاستئذان هالة أخت خديجة.
6. اقرأ باسم ربك: وكيف يقرأ؟ وما هو بقارئ؟ كيف ولا سبيل؟ لكن جبريل ييسر الأمر ويذلله ويقول له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، فإنك لا تقرؤه بقوتك، ولا بمعرفتك لكن بحول ربك وإعانته، اقرأ باسم ربك حتى تكون البداية باسم الله، فتمضي المسيرة الخالدة باسمه تعالى، وتصحبها كلمة الله، فلا تزال في رعايته وحفظه.
7. ليل العابدين: يتحنث النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الليالي ذوات العدد فالليل ليل الذاكرين وبكاء التائبين، وقد أثمر الليل ومدرسته (فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)، بقي هذا دأبه صلى الله عليه وسلم فكان يقوم يصلي حتى تتورم قدماه لأنه دأب الصالحين قبلكم، وبقي ترك القيام وصمة وسبة " يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)
8. خوف النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل: والخوف أمر جبلي يصيب الناس كل الناس، فهذا نبي الله موسى يقول (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ)، وفي خبر غلام أصحاب الأخدود قول الراهب : "فإن ابتليت فلا تدل علي" لكنه الخوف الذي لا يقعد صاحبه عن مصاولة الباطل ومجاولته، إنه خوف جبلي فطري، يعين الله عليه ويذهبه (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
9. حسن تصرف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: انطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني وكان شيخاً كبيرا، هي والله صفات المستشار المؤتمن:
أ ـ كاتب، في وقت يعز فيه القرطاس والقلم، في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.
ب ـ صاحب دين في زمان الجاهلية.
ج ـ محنك مجرب، فقد كان شيخاً كبيراً
إنها خديجة ذات الرأي السديد، والنصح الرشيد، والفكر الثاقب، تعلم الناس كيف يكون من تبتغى عنده المشورة.
10. بين يدي ورقة:
أ ـ يا ابن عم اسمع من ابن أخيك : ذلك من أدبها رضي الله عنها، وهو إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه، من يعرف بقدره، ممن يكون أقرب منه إلى المسئول، قلت : وفيه التقديم بين يدي الله في الدعاء فليس أحد أحب المدح إليه من الله.
ب ـ يا ابن أخي ماذا ترى : بحنان أبوي بلا ترفع ولا تكبر،على دأب العلماء الكاتبين، ترقيقاً لقلبه، وإيناساً لنفسه، وإزالة لوحشته، وتهديئاً لروعه.
ج ـ هذا الناموس الذي نزل على موسى : فلست بدعاً من الرسل إنه منهاج النبوة والأنبياء إنه طريق الذين قال الله فيهم (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) إنك في طريق موسى المنتصر، موسى الذي هزم فرعون وأغرقه في البحر، وجعله أحاديث.
د ـ يا ليتني فيها جذعا: وإنما كان جنده صلى الله عليه وسلم شباب المهاجرين والأنصار وهم عدة المرسلين.
هـ ـ ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك: جواب عظيم من ورقة بن نوفل وهو يحدد خط سير الدعوة، فبمقدار عظمة التكريم بالنبوة، والبشارة بالنصر على طريق موسى، بمقدار الثمن الباهظ الذي يدفعه ثمناً لذلك، فلن يقبل الناس أفواجاً على هذا الدين حتى يكذب الصادق الأمين ، ولا يكتفى بتكذيبه، بل سيؤذى فوق ذلك ويخرج من أحب أرض الله إليه، إنه خط ثابت لأصحاب الدعوات لا مناص منه فلا بد أن يوطن الداعية نفسه على الصبر على مشاق الطريق وتحمل تبعاته وأن يعلم أن هذا الدين وإن كان يمثل الفطرة السوية للبشر، لكنه يتعارض مع أهوائهم ومصالحهم وطغيانهم، ولن يدع الطغاة للدعاة الطريق مفروشاً بالرياحين ، بل يملؤونه بالدماء والأشلاء والآلام، ومهمة الداعية أن يقتلع هذه الأشواك، ويواجه المحن مهما اكتظت، والخطوب مهما ادلهمت، لأنه وضع نفسه على خطا النبيين، ولا بد أن يكون على مستوى المسئولية:
وإن كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
و ـ أومخرجي هم: استبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها، لكنها الجاهلية التي تلاحق العباد في كل واد، وتخرج الناس من دورها، ومرابع صباها، في تظاهرة فاجرة تهتف: (أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ !!).

الطيماوي
17-02-08, 01:06 PM
يتبع إن شاء الله ،،،،