المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فارس الشدياق، عالم اللغة النصراني الذي اعتنق الإسلام


أبو معاوية البيروتي
21-06-08, 06:30 AM
ولد فارس بن يوسف بن منصور الشدياق في عشقوت من قرى كسروان بلبنان سنة 1219 (1804م)، من أسرة مارونية، انتقل والده إلى قرية الحدث على مقربة من بيروت، فترعرع فيها وتعلّم في مدرسة عين ورقة، ولمّا مات والده انكَبَّ على المطالعة واحترف مهنة نسخ الكتب .
سافر إلى القاهرة ليكون أستاذ اللغة العربية عند رجال البعثات الأميركيين، وهناك انكَبَّ على دراسة اللغة العربية، وعهد إليه بتحرير جريدة الحكومة الوقائع المصرية، ثم ذهب إلى مالطة بناءً على طلب المدرسين الأميركان، ولبث في تلك الجزيرة أربع عشرة سنة يعلم في مدرسة هؤلاء ويصحّح مطبوعات طبعتهم .
ثم طلبته وزارة الخارجية الإنكليزية من حاكم مالطة ليعاون الدكتور لي على ترجمة التوراة، فلبّى طلبها، ومكث في لندن عشر سنوات تعرّف خلالها بأكبر علماء أوروبة وأدبائها هناك، (وسافر إلى تونس سنة 1274/1857م )، وفي تونس غمره الباي بنعمه وقلّده مديرية المعارف ورئاسة تحرير جريدة الرائد التونسي .
وفي غمرة هذه النعم، أعلن فارس الشدياق إسلامه وأضاف إلى اسمه أحمداً وتكنّى بأبي العباس، واستدعاه السلطان عبد المجيد العثماني بواسطة الباي، وعهد إليه إدارة المطبعة السلطانية، ( دُعِيَ إلى الآستانة فأقام بضع سنوات، ثم أصدر بها جريدة الجوائب سنة 1277، فعاشت 23 سنة، وتوفي بالآستانة /الأعلام 1-193 ) .
وزار أحمد الشدياق القاهرة، فأكرمه الخديوي توفيق، ثم عاد إلى العاصمة العثمانية وتوفي فيها سنة 1304 (1887م)، ثم نُقِل جثمانه إلى لبنان وصُلِّيَ عليه بالجامع العُمَري الكبير ببيروت، ودُفِن على مقربة من الحدث في محلة الحازمية على جانب الطريق بين بيروت ودمشق ،رحمه الله رحمةً واسعة وأدخله فسيح جنّاته .
من مؤلفاته : كنز الرغائب في منتخبات الجوائب في سبع مجلدات، اختارها ابنه سليم من مقالاته، كشف المخبا عن فنون أوروبا، اللفيف في كل معنى ظريف، سر الليال في القلب والإبدال، الساق على الساق فيما هو الفارياق، وغيرها .


المصدر : معجم المؤلفين (1641) لعمر كحالة .

أبو معاوية البيروتي
30-05-10, 08:43 AM
يُرفَع للفائدة .

القاسم بن محمد
30-05-10, 09:25 AM
شكراً لكم.

قرأت عنه مرة أنه كان لا يؤمن بالوحي، هل هذا صحيح؟

أبو سليمان الجسمي
30-05-10, 11:32 PM
جزاكم الله خيرا

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:37 AM
هذه ترجمة كتبتها له منذ مدة، وفيها بعض مؤلفاته والتعقيب عليها:

الشدياق
(1219 - 1304 هـ = 1804 - 1887 م)
هو : أبو العباس أحمد فارس بن يوسف بن منصور جعفر بن فهد الشدياق (*).
قال الزركلي : "عالم باللغة والأدب ". (1)
وقال كحالة : " أديب، لغوي " . ( 2 )
وقال الباباني : " الأديب اللغوي صاحب جريدة الجوائب " . (3)
وقال ادوارد فانديك: " الأديب الشاعر اللغوي الكاتب البليغ". (4)
وقال في الموسوعة العربية العالمية : " لغوي صحفي لبناني ". (5)
ولقبه الأستاذ أبو محمد مارون عبود بـ " صقر لبنان " (6) .
قال عنه المستشرق جب : " أحد الأبطال العظام المدافعين عن الإسلام" (7) .
قال الأستاذ محمد الجوادي عنه : " [ كان ] داعية إلى بعث المجد العربي والإسلامي كالأفغاني وإلى الأخذ بالتمدن الإسلامي كمحمد عبده" (8) .
وقال الأستاذ عجاج نويهض : " هو نيزك لبنان في القرن التاسع عشر" (9) .
وذكر عنه السندوبي أنه بهر في شيخوخته أفاضل الأدباء بـ :
" حضور ذهنه، وتوقد ذكائه، وحلاوة سمره، ورقة حاشيته، ورشيق عبارته" (10).
وقال الأستاذ أنور الجندي عنه : " قريع الدهر في علم الأدب العربي ".
( موسوعة مقدمات العلوم والمناهج للأستاذ أنور الجندي، صـ 28 ،ج4 ).
ووصفه شقيقه طنوس الشدياق بأنه: " عاقلاً، شجاعاً، لا يهاب أخطار الحرب، حاد المزاج، ديّناً، مستقيماً، كريماً، كثير المطالعة ".
( أخبار الأعيان في جبل لبنان، ج 1،صـ 137).
* قال فيليب دي طرازي : " من سلاسة المقدم رعد بن المقدم خاطر الحصروني الذي تولى جبل كسروان سبعاً وثلاثين سنة في أوائل القرن السابع عشر (11) " .
* ولد في قرية عشقوت ـ من قرى كسروان بلبنان ـ وأبواه مسيحيان مارونيان سمياه فارساً.
* انتقل مع والده إلى الحدث، فاستوطنها.
* ثم تعلم في مدرسة عين ورقة المارونية (**)، قال فانديك : " الاكليريكية الكائنة في عمل كسروان".اهـ (12) ، وقال شيخو: " ودرس [ فيها ] مبادئ العلوم اللسانية (13) ".اهـ
* تعلم نسخ الكتب عن أخيه، وبرع فيها واتخذها مهنة، وحصَّل منها معرفة، فكان كلما تركها واشتغل بالتجارة عاد إليها.
* رحل إلى مصر فتلقى الأدب عن علمائها [ يذكر سركيس سبب رحيله إلى مصر فيقول :
" وفي أثناء ذلك انتحل أخوه أسعد المذهب الإنجيلي فاضطهده أهله ورؤساؤه فمات قهرا.
فجاهر فارس بسوء فعلهم وأخذ يطعن فيهم ثم التجأ إلى المرسلين الأمر كان فبعثوا به إلى مصر] .اهـ (14) وقال في الموسوعة العربية العالمية : " جاء إليها في عهد محمد علي باشا. واتصل بالشيخ محمد شهاب الدين، محرر الوقائع المصرية الذي فسح له المجال للعمل فيها".اهـ (15) ، وذكر في أعيان البيان : " أنه تعرف الشيخ الفاضل نصر الله الطرابلسي واتصل بالشيخ محمد شهاب الدين ولازمه وقرأ عليه طائفة من كتب اللغة والأدب (16) " .
* تولى تحرير الوقائع المصرية على عهد عباس باشا الأول أمير مصر.( فانديك ) (17).اهـ
وقال السندوبي : " فكان ينشئ فيها الفصول الرائقة بأسلوب مستقل عما ألفه كتاب ذلك العصر" (18) .اهـ
* رحل إلى مالطة فأدار فيها أعمال المطبعة الأميركانية. قال في الموسوعة العربية العالمية :
" وفي عام 1834م سافر إلى جزيرة مالطة تحت رعاية المنصرين الأمريكيين، ومكث بها أربع عشرة سنة، واشتغل بترجمة الإنجيل من الإنجليزية إلى العربية".اهـ ( 19)
* تنقل في أوربا.
* واشتغل في لندرا في تعريب ترجمة التوراة فزادت بذلك شهرته ( شيخو ) (20) .
* ثم سافر إلى تونس، ومدح باي تونس أحمد باشا بقصيدة جارى فيها لامية كعب بن زهير فأعجب من حسن نظمه ودعاه إلى خدمة دولته في تونس فلبى دعوته ورحل إلى المغرب وكان هناك يحرر جريدة الرائد التونسي، ثم اعتنق فيها الدين الإسلامي وتسمى (أحمد فارس).
وذكر السندوبي سبب إسلامه فقال :
" ثم وقعت بينه وبين شيخ الإسلام بالديار التونسية مجادلات في العقائد الدينية أدت إلى اعتناقه الدين الحنيف ودعى نفسه ( أحمد فارس) وتكنى ( بأبي العباس ) (21) .اهـ
*دعي إلى الآستانة فأقام بضع سنوات بها.
وذكر السندوبي سبب ذهابه للآستانة فقال :
أنه نظم قصيدة في الحرب التي شبت بين الروسيا ـ كذا في أعيان البيان وقد رأيت كثيراً من أبناء هذا القرن ومعاصريهم أشياء كثيرة ظهرت في كتابات الأفغاني ومحمد عبده والنديم ـ والدولة العلية " فنالت رضا السلطان عبد المجيد فأمر باستدعائه إلى الآستانة (22) .
* ثم أصدر بها جريدة (الجوائب) سنة 1277هـ فعاشت 23 سنة.
قال الأستاذ محمد الجوادي : " وقد نالت هذه الصحيفة أكثر من دعم مالي حيث نالت دعم السلطان عبد المجيد كما نالت دعم الخديوي إسماعيل إضافة إلى باي تونس (23) ".
وذكر السندوبي أن الخديوي إسماعيل هو من أشار عليه بإنشاء تيك الصحيفة ونفحه ـ كما يقول ـ بـ 5000 (24) .اهـ
* قال الزركلي : " توفي بالآستانة (25) "، وقال كحالة : " وتوفي بالقسطنطينية (26)، وقال فانديك : "
و أوصى ابنه الوحيد سليماً أن لا يدفن جثته إلا في قرية ولادته. فنقل سليم الجثة إلى بيروت و دفنها في أرض جبل لبنان عند الحازمية بقرب مدفن فرانقو باشا متصرف جبل لبنان الأسبق و على بعد ربع ساعة من قرية الحدث(27) ".اهـ (28)
* نقل جثمانه إلى لبنان .
* من آثاره :
* (كنز الرغائب في منتخبات الجوائب - ط)
الروابط :
ج1: http://www.4shared.com/file/12508590...ec/_____1.html?
ج6: http://www.4shared.com/file/125090578/99c222e6/_2______.html?
- قال الزركلي : "سبع مجلدات، اختارها ابنه سليم من مقالاته في الجوائب ". (29)
- قال عنه سركيس :
* الأول: يشتمل على مقالات أدبية.
* الثاني: يحتوي على ذكر حرب جرمانيا مع فرنسا.
* الثالث: يحتوي على بعض قصائد نظم المؤلف .
* الرابع : يشتمل على قصائد الأدباء في مدح صاحب الجوائب.
* الخامس: يشتمل على حوادث تاريخية ووقائع دولية من سنة 1277 إلى 1293 .
* السادس : يشتمل على حوادث تاريخية جرت سنة 1295 هـ .
* السابع: يشتمل على الحوادث والوقائع من سنة 1295 إلى 1298 هـ.
* ثم قال : " طبعت كلها بمط الجوائب من سنة 1288 إلى 1298 . اهـ (30)
- ذكره صاحب هداية العارفين ويبدو أنه وهم في عدد المجلدات حيث قال بأنهم في جزأين. (31).
- وقال فانديك : " و هو مقتطفات من جريدته اليومية السياسية العلمية جمعها ابنه سليم فارس و طبعها في 7ج في القسطنطينية 1295هـ و فائدة الكنز هذا عظيمة للوقوف على تاريخ الشرق بعد حرب القرم إلى حرب سنة 1878م. و إنشاء أحمد فارس و لغته من أحسن ما كتبه المتأخرون نثراً في اللغة العربية في عصر النهضة الأخيرة " .اهـ (32)

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:39 AM
* (سر الليال في القلب والإبدال)
الرابط : http://www.archive.org/details/sir-allayal
- قال الزركلي : " في اللغة، جزءان، طبع الأول منهما ". (33)
- وذكره كحالة في معجمه (34).
- وقال فانديك : " طبع في 600صح في القسطنطينية 1284ه و هو عظيم الفائدة لمعرفة اللغة و مبني على ثلاثة مقاصد حذا فيه حذو المحكم لابن سيده الذي لم يطبع إلى يومنا".اهـ (35)
- وقال عنه سركيس : " وهو مبني على ثلاثة مقاصد :
(1) سرد الأفعال والأسماء التي هي أكثر تداولاً لإيضاح تناسبها وإبداء تجانسها
(2) إيراد الألفاظ المقلوبة والمبتدلة .
(3) استدراك ما فاته صاحب القاموس أستانة 1284 " (36).
- ذكره صاحب هداية العارفين (37).
- ذكره شيخو وقال : " على شكل معجم لم يتمه(38) " .اهـ
- قال السندوبي : " كتاب لغوي جليل يدل اسمه على موضوعه، لم يطبع منه غير جزئه الأول وهو معروف ومتداول (39)".
- قال فيليب دي طرازي: " مجلدين وهو يحتوي على تبيين معاني الألفاظ وانتساق وضعها(40)".
* (الواسطة في أحوال مالطة - ط) .
الرابط : http://www.4shared.com/file/125088875/177fcc57/____.html?
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع (41).
- وذكره صاحب هداية العارفين(42).
- وقال عنه فانديك : " و هو مرشد و دليل لجزيرة مالطة و القلعة الحصينة التي فيها طبع في مالطة" (43).اهـ
- وذكره كحالة في معجمه(44) .
- و قال فيه السندوبي : " كتاب وصف فيه هذه الجزيرة وصفاً شاملاً لم يغادر شيئاً فيها إلا أحصاه، وأبان فيه عن أصل لغة أهلها العربية شيبت بلهجات الفاتحين ولحون الطارئين (45)".
- ذكره فيليب دي طرازي في ترجمة الشدياق (46) .
* (كشف المخبا عن فنون أوربا - ط).
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع(47).
- قال عنه سركيس : " فصل فيه سياحته في بلاد الإنجليز ومروره بكثير من القرى والبلدان الأوروبية مط الجوائب 1299هـ (48).اهـ
- وذكره صاحب هداية العارفين (49).
- وقال فانديك : " و هو ذكر رحلة المؤلف في أقطار أوربا(50) ".اهـ
- قال فيه السندوبي : "فصل فيه سياحته في بلاد الإنجليز ومروره بكثير من القرى والبلدان الأوربية، فوصف عادات الإنكليز وآدابهم وأخلاقهم وأسرار تقدمهم وتاريخ تمدنهم بأسلوب عذب، ومنهج سهل (51) ".
- ذكره فيليب دي طرازي (52) .
- قال جُرجي بك زيدان : " وصف به تلك البلاد وصفاً دقيقاً بعبارة رقيقة تأخذ بمجامع القلوب لا يمل القارئ، من قراءتها فضلاً عما يستفيده منها عن أحوال أمم أوربا وخصوصاً باريس فأوجز في وصفها اعتماداً على ما كان قد كتبه عنها المرحوم رفاعة بك الشهير، وقد طبع الطبعة الأولى في تونس، والثانية في الآستانة سنة1299هـ، وهي مشهورة ومتداولة"(53) .اهـ
* (شرح طبايع الحيوان ).
- قال سركيس : " (معرب) الجزء الأول في ذوات الأربع مالطه 1841" (54) .اهـ
* (الجاسوس على القاموس - ط) .
الرابط: http://www.archive.org/details/ALJASOUS
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع (55) .
- وذكره كحالة في معجمه (56) .
- وقال صاحب هداية العارفين : " مجلد ضخم مطبوع (57) ".
- وقال فانديك : " طبع في القسطنطينية 1299ه في 690صح و هو انتقاد على خطأ الفيروزآبادي في قاموسه المحيط. غير أن كثيرين من المتأخرين المقلدين لم يرضوا بما و جده أحمد فارس من الخطأ في القاموس و في أي الحالات فإن الجاسوس هذا لا يخلو من الفوائد في كشفه على بعض هفوات الفيروزآبادي (58) ".اهـ
- ذكره شيخو في تاريخ الآداب العربية (59) .
- وقال السندوبي: " كتاب ممتع حافل بالفوائد اللغوية وضعه لاستدراك ما فات المجد في قاموسه ورد ما وهم فيه من الألفاظ إلى أصولها، وهو مطبوع متداول" (60).
- قال فيليب دي طرازي : " الذي انتقد فيه قاموس الفيروزآبادي المرآة لم يزل غير مطبوع وهو يشتمل على أكثر من سبعمائة صفحة كبيرة(61) .
- قال فيه جُرجي زيدان : " ألفه في الآستانة ينتقد فيه معجم القاموس المحيط للفيروز آبادي وهو يشتمل على مقدمة وأربعة وعشرين نقداً، أما المقدمة فهي ملاحظات كثيرة لغوية من جملتها ترتيب الأفعال بحسب ما نسقه الكوفيون ثم ترجمة صاحب القاموس وصاحب العباب، وصاحب الصحاح وصاحب المحكم وصاحب لسان العرب، وهم من فطاحل علماء اللغة، أما الأربعة والعشرون نقداً فهي انتقاده ما ورد في القاموس من عبارته وخطئه ومعاني ألفاظه واشتقاقها وما شاكل ذلك، وعدد صفحات الكتاب زهاء سبع مئة صفحة (62) ".
* (اللفيف في كل معنى طريف - ط).
الرابط : http://www.4shared.com/file/125092176/d37a6fb6/____.html?
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع (63).
- قال سركيس : " مالطة 1839 م ومط الجوائب 1300م (64) ".اهـ
- ذكره صاحب هداية العارفين(65) .
- وقال فانديك : " و هو كتاب أدب و مطالعة و تعليم القراءة و تمرين الخواطر في المراتب فيه أمثال قديمة و حديثة و نوادر و هو من أحسن مؤلفاته طبع في 215صح في القسطنطينية 1300ه و قبل ذلك في مالطة سنة 1839م" (66) .اهـ
- ذكره فلييب دي طرازي (67)

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:40 AM
* (الساق على الساق في ما هو الفارياق - ط) .
الرابط : http://www.4shared.com/file/125096431/a0db6aad/_____.html?
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع (68).
- ذكره كحالة في معجمه(69).
- وقال فانديك : " وهو متضمن بعض الحوادث من سيرة المؤلف مع شيء من الهجو المستتر طبع في باريس 1855م في 712صح (70) ".اهـ
- ذكره الراهب اليسوعي لويس شيخو وقال : " لم يرع فيه جانب الأدب (71) " .اهـ
- قال عنه السندوبي : " كتاب من أجل الكتب وأمتعها، جمع بشر اللهو إلى عبوس الجد، وضعه في طالعة أمره ومستهل نشأته، فوصف فيه أحواله الخاصة بحركاته وسكناته، وما عاناه في عراك أيامه، وذياد لياليه، سبكه في قالب المقامات، أو على شكل الروايات، غير أن أكثره مرسل، صاغه بلباقة فأدقه وأجله، وأغرب فيه وأطرب، وذهب في إبداعه كل مذهب، لم يتبع فيه سابقا، ولن يبلغ شأوه فيه لاحق . طبع في باريس سنة 1855وهو الآن في حكم المعدوم (72) ".اهـ
- ذكره فيليب دي طرازي، ثم قال : " والفارياق لفظ مقتطع من اسمه فارس الشدياق (73) ".
- قال جُرجي بك زيدان : " وهو كبير الحجم يشتمل على نحو ثمان مئة صفحة كبيرة كتبه أثناء سياحته في أوربا، ويظهر لمن طالعه أن مؤلفه أراد به ثلاثة أمور:
الأول : وصف أسفاره وأحواله الخصوصية، وما قاساه في أوائل حياته.
الثاني : التنديد بجماعة من الاكليروس لم يذكر أسمائهم إلا رمزاً وتقبيح ما ارتكبوه في مقتل أخيه أسعد .
وأما الأمر الثالث : وهو الأهم فهو إيراد الألفاظ المترادفة في اللغة في مجموعات كل موضوع على حدة كأسماء الآلات والأدوات وأصناف المأكول، والمشروب والمشموم والمفروش والمركوب والحلي والجواهر وأوصاف الرجال والنساء وغير ذلك مما لا يتيسر وجوده في كتاب واحد وعلى أسلوب لم نشاهد مثله في العربية، على إننا لا نستطيع الانتقال من وصف كتاب الفارياق قبل الإشارة إلى أمر وددنا لو كفانا ـ رحمه الله ـ مؤونة النظر فيه ـ وذلك أنه أورد في ذلك الكتاب ألفاظاً وعبارات أراد بها المجون ولكنها تجاوزت حدوده حتى لا يتلوها أديب إلا ودَّ لو أنها لم تمر في ذهن شيخنا ولا دوَّنها في كتابه تنزيهاً لأقلام الكتاب عما يخجل من قراءته الشاب فضلاً عن العذارء، وقد طبع في باريس سنة 1270هـ (74).
- قال الأستاذ محمد الجوادي : " وقد بنى أفكار كتابه الشهير الساق على الساق على مطلبين جوهريين هما :
تحرير اللغة العربية والمرأة، ويرى بعض النقاد أن كتابه هذا هو أول رواية عربية في العصر الحديث (75) " .
- قال فيه الشيخ رشيد رضا :
" ( الساق على الساق في ما هو الفارياق )
أو أيام وشهور وأعوام في مجد العرب والأعجام ، صفحاته 422 بالقطع
الوسط خلا الخاتمة وجدول بيان المترادف المتجانس ، وإهداء الكتاب ، طبع ثانية
في مطبعة رمسيس بمصر على ورق أبيض جيد وورق عادي سنة 1919 .
هذا الكتاب من أشهر مؤلفات النابغة العلامة اللغوي أحمد فارس , وقد صدره
بهذين البيتين :
تأليف زيد و هند في زمانك ذا ... أشهى إلى الناس من تأليف سفرين
ودرس ثورين قد شُدا إلى قرن ... أقنى وأنفع من تدريس حبرين
وكان قد طبع في باريس سنة 1270 هـ ، وجعل الفهرس في أوله ، ثم
صورة إهداء الكتاب ، ثم التنبيه من المؤلف قال فيه بعد الحمدله : ( وبعد ، فإن
جميع ما أودعته في هذا الكتاب فإنما هو مبني على أمرين ، أحدهما ( إيراد غرائب
اللغة ونوادرها ) إلخ ، ( والأمر الثاني ذكر محاسن النساء ومذامهن إلخ ) وفي
هذا يقول في الفاتحة :
غيري من الوصاف في ذا صنفوا ... لكنهم لم يحسنوا التصنيفا
إذ كان ما قالوه مبتذلاً ولم ... يتقص منهم واصف موصوفا
لكن كتابي - أو أنا- بخلاف ذا ... نكفي الجفي الحسد والتعريفا
لا عيب فينا غير أنك ترى ... صنوًا لنا في فننا وحريفا
ثم مقدمة مفيدة لناشر الكتاب رافائيل كحلا [1] ثم فاتحة الكتاب فالكتاب الأول
إلى الرابع ، ثم بيان ما في الكتاب من الألفاظ المترادفة والمتجانسة وهو جدول
مفيد للكاتب والحاسب والطبيب والاجتماعي والمؤلف والمترجم ، أو هو زبدة ما
يعني اللغوي ، والأديب من هذا الكتاب , ثم ( ذنب الكتاب ) ينتظم فيه أغلاط
مدرسي اللغات العربية في باريس ، وكنت أود أن أثبت هنا مقدمة ناشره الأول
وإعذارًا لمؤلفه وناشره ، وطابعه وقارئه ولكن منع من ذلك ضيق المقام ، أو المكان .
( نفذت الطبعة الأولى ، ولكن بعد نيف وستين سنة من طبعه ، واشتد الطلب
عليه ، ولكن عز المطلب فأقدم على طبعه يوسف أفندي توما البستاني , وجعل أوله
فاتحة المؤلف ، وحذف مقدمة ناشره ، وما عدا ذلك وُضع بعد ( الذنب ) وإذا
كانت الطبعة الأولى لم تخل من أغلاط مطبعية مع أنها طبعت تحت إشراف
المصنف ، وقد جعل لأكثرها جدول خطأ وصواب ، وبقي البعض منها مثل ما في
الصفحة الثانية ، والسطر الثالث في الذنب من غلطة في آية كريمة وهي خطأ وقل
ينسفها ) وصوابها ( فقل ينسفها ) وتابعته الطبعة الثانية عليها ، وهي في الصفحة
الأولى والسطرالـ 16 منها وكذلك كلمة ( مبتهج ) في ص 3 س 18 متبهج ،
وصوابها ( مبتهج ) .
وترى في الطبعة الثانية شيئًا من هذا مثل ما في ص5 س 8 أجازك
والصواب أجارك وص 4 س 6 ( الوفا ) وصوابها ( الفوفا ) وص 29 س23
( الياء ) وصوابها ( الباء ) وص 263 س 16 ( يعتمرون ) وصوابها ( يعمرن ) مما
لا يكاد يخلو منه كتاب .
ويحق لقراء العربية شكر ناشر هذا الكتاب بعد طيه فإنه من أمتع الكتب
العربية وأفيدها وأفكهها وأثبتها لكثير من عادات الشرقيين والأوربيين في مساكنهم
ومجالسهم ومدارسهم ومعابدهم وصلواتهم وخلواتهم وجلواتهم وهو أحسنهم ، وقد
أنحى على الأكليروس باللائمة وخصوصًا الماروني منه ، وسلقهم بلسان من حديد ،
وانتقم لأخيه المعلم أسعد الشدياق , ثم صار منتقدًا مطلقًا قصصيًّا مؤرخًا ، ولم يدع
سيداته النساء من لذعات قلمه ، والحاصل أن المؤلف لم يكن يجهل أن زمنه كان مما
يصعب فيه نشر الكتاب ولذلك قال في فاتحته :
وحياة رأسك إن رأسي عالم ... أني به لن أستفيد رغيفا
لكن بقرني حكة هاجت على ... أني أحاول مرة تأليفا
فصلته لكن على عقلي فما ... مقياس عقلك كان لي معروفا
ما راج من قولي فخذوه وما تجد ... من زائف فاتركه لي ملفوفا
لا ترفسن ما سَرّ منه لأجل ما ... قد ساء بل لا توله تأفيفا
حاشاك أن تقضي علي تهافتا ... من قبل أن تتحقق التوقيفا
فتقول قد كفر المصنف فاحشدوا ... يا قوم صاحبكم أتى تجديفا
فتهيج أرباب الكنائس هيجةً ... شؤمى فيخترطوا عليه سيوفًا

ولكن الزمن قد تحول وتغيرت الأفكار ، وكثر من يرغب بهذا المؤلف
النفيس حتى من أرباب الكنائس ، وقام من الطائفة المارونية من طبعه وعني بنشره ،
وثمن النسخة منه 60 قرشًا من الورق العادي ، و80 قرشًا من الورق الجيد ،
وأجرة البريد خمسة قروش ، ويطلب من مكتبة العرب ، ومكتبة المنار بمصر ".اهـ
( مجلة المنار مج 21،صـ 327)
* (غنية الطالب - ط) .
الرابط : http://www.archive.org/details/GHONYAT-ATTALIB
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع (76) .
- قال عنه سركيس : " في الصرف والنحو وحروف المعاني مط الجوائب أستانة 1288" (77) .اهـ
- وذكره صاحب هداية العارفين (78) .
* (الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية - ط)
الرابط : http://www.4shared.com/file/125094749/490e028a/_____.html?
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع (79) .
- وذكره سركيس (80) .اهـ
- ذكره فيليب دي طرازي (81) .اهـ
- قال جُرجي زيدان : " وهو كتاب مدرسي لتعليم اللغة الإنكليزية (82) ".
* (سند الراوي في الصرف الفرنساوي - ط)
- ذكره الزركلي وأشار إليه بالرمز ( ط) أي مطبوع(83) .
- قال جُرجي زيدان : "وهو كتاب لتعليم اللغة الفرنساوية (84) ".
* (المرآة في عكس التوراة)
- ذكره الزركلي(85).
- وذكره صاحب هداية العارفين (86) .
- قال السندوبي : " كان أوصى أن لا يطبع إلا بعد وفاته، ويقال أنه واقعاً في أجزاء كثيرة (87) " .
* (تراجم الرجال)
- ذكره الزركلي (88) .
- وذكره السندوبي (89).
* (التقنيع في علم البديع - خ)
- قال الزركلي : " في شستربتي (4099) (90) ".اهـ
- ذكره فيليب دي طرازي (91) .
* ( منتهى العجب في خصائص لغة العرب ).
- ذكره كحالة في معجمه (92).
- ذكره شيخو وقال : " أتلفه الحريق قبل أن يطبع (93) " .
- قال السندوبي : " كتاب كان قد وضعه في أسرار اللغة وخصائص الحروف ومدلولاتها بما لم يسبق إليه، ذهب فريسة النار التي أصابت منزله بالآستانة، ولو سلم منها وطبع لجاء بنفع عظيم، ترى نموذجاً كافياًَ منه في أوائل كتاب الساق على الساق أو في الجزء الأول من كنز الرغائب (94) ".
- قال جُرجي زيدان : " قضى في تأليفه سنين عديدة نحا فيه نحواً حديثاً لم يسبقه إليه غيره على أسلوبه، وقد أسهب فيه حتى بلغ مجلدات كثيرة وموضوعه البحث في خصائص الحروف الهجائية العربية مثال ذلك قوله : أن من خصائص حرف الحاء السعة والانبساط أي أن الألفاظ التي تنتهي بحرف الحاء يكون معناها شيء من خصائص هذا الحرف نحو الابتحاح والبندح والبراح والأبطح والأبلنداح والرحرح والمسفوح والمفرطح والمسطح وما شكل، ومن خصائص حرف الدال اللين اللبن والنعومة والغضاضة نحو البرخدة والتيد والتأد والخود والرادة والرهادة والفرهد والأملود والقشدة والملد وغيرها .
ومن خصائص حرف الميم القطع والاستئصال والكسر نحو أرم وترم وجزم وجلم وخسم وحطم وما جرى مجراها وقس عليها . ولو نظرنا في ما أورده من الأمثال لرأينا منه تساهلاً في تطبيقها على ما أراده على أننا لا ننكر ما كان يرجى منه من الفوائد الجزيلة لو طبع الكتاب ونشر ولكنه فقد حرقاًَ على أثر حريق أصاب منزله في الآستانة فأسف هو لذلك أسفاً شديداً" (95)

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:41 AM
* (فلسفة التربية والأدب ).
- قال عنه سركيس : " وهي مجموعة أدب وتهذيب. نشره علي محمود الحطاب وذيله ببعض الحكم (دون تاريخ) الإسكندرية (96) ".اهـ
* (قصيدة يمدح فيها أحمد باشا والي مملكة تونس)
- قال سركيس : "ومعها ترجمتها بأشعار فرنسية طبع حجر باريس 1851" (97) .اهـ
* (كنز اللغات).
قال سركيس : " فارسي وتركي وعربي بيروت 1876م " (98).اهـ
* ( المحاورة الإنسية في اللغتين العربية والإنجليزية ) .
ذكره فيليب دي طرازي في تأريخه للصحافة العربية (99).
* ( لا تأويل في الإنجيل ) .
- انفرد بذكره فيليب دي طرازي وقال : " لم يزل غير مطبوع (100) ".
* ( الأجرومية )
- انفرد بذكره فيليب دي طرازي (101) .
* ( النفائس في إنشاء أحمد فارس)
- انفرد بذكره فيليب دي طرازي (102).
* ( الروض الناضر في أبيات ونوادر ).
- انفرد بذكره فيليب دي طرازي (103).
* ( السلطان بخشيش ).
- انفرد بذكره فيليب دي طرازي، ثم قال : " مع ترجمته للمسيو أرنو الترجمان الأصلي " (104) .
* قال الزركلي : "وله عدة كتب لم تزل مخطوطة، منها (ديوان شعره) يشتمل على اثنين وعشرين ألف بيت، طبع نحو ربعه في الجزء الثالث من (كنز الرغائب) (105) " .اهـ
* A practical grammar of the Arabic: with interlineal reading lessons, dialogues and vocabulary
فارس الشدياق
الطبعة الرابعة (1891م)
http://www.archive.org/download/prac...hidrich_bw.pdf

* (( مماحكات الإنجيل )):
الرابط : http://www.4shared.com/file/12509923..._2_______.html
** ومن الكتب التي كتبت عنه :
*(( هو الباقي )).
- قال فيه فيليب دي طرازي : " جمع [ فيه ] يوسف آصاف ترجمة الفقيد مع بعض ما ورد في رثائه من أقوال الجرائد وقصائد الشعراء التي أجمعت بأسرها على إكبار الخطب بفقده".اهـ (106)
* (( صقر لبنان )) .
- قال عنه الأستاذ محمد الجوادي : " وكتب عنه الأديب اللبناني مارون عبود كتاباًَ بعنوان " صقر لبنان " لأنه في نظره شيد دولة عربية غربية ". (107)
* (( أحمد فارس الشدياق وآراؤه اللغوية والعربية )).
قال فيه الأستاذ محمد الجوادي : " نشر الدكتور محمد أحمد خلف كتاباً بعنوان " أحمد فارس الشدياق وآراؤه اللغوية والعربية ". (108)
وقال أيضاً : " كما قدر الدكتور أحمد مختار جهده في دراسات قيمة". (109)
* (( أحمد فارس الشدياق أديب القرن التاسع عشر )).
وهي رسالة قدمت لكلية الآداب في جامعة بيروت الأميركية لنيل شهادة أستاذ في العلوم وضعها محمد فؤاد نجم سنة 1948م.
الرابط :http://www.archive.org/download/Shed.../Shedyaq-9.pdf
* ((جهد أحمد فارس الشدياق اللغوي في كنز الرغائب ومنتخبات الجوائب)).
الرابط : http://www.4shared.com/file/12508024..._________.html
* (( الأجناس الأدبية في كتاب الساق على الساق )) .
دراسة أدبية نقدية للأستاذ / وفاء زبادي، جامعة النجاح الوطنية .
الرابط : http://www.4shared.com/file/125093989/72f25835/______.html?
* (( أحمد فارس ورأيه في بعض المستشرقين )) .
الرابط : http://www.4shared.com/file/125092732/b4f61219/_____.html

______________________________ _____
(*) " الشدياق : عند النصارى أدنى من الكاهن بدرجة واحدة ".
( المنجد في اللغة والأعلام، ط23،دار المشرق ، بيروت، لبنان 1986م،مادة شدق)
(**)مدرسة عين ورقة : تعد من أشهر المدارس المارونية التي أنشئت في القرن الثامن عشر، إذ كانت تعلم اللغة السريانية، والعربية، والفصاحة، والمنطق، واللاهوت، وقد أمدت النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر بعدد من الرجال الذين كانوا من دعائم الحركة الأدبية واللغوية والعلمية ، انظر : زيدان، جورجي: تاريخ الآداب العربية،ط2،مطبعة الهلال، (4/28)، 1937،وانظر: حسن ، محمد عبد الغني :أحمد فارس الشدياق، ص36، وانظر: الركابي، جودت: الأدب العربي من الانحدار إلى الازدهار، ط1، دار الفكر، دمشق،1974،ص276، وانظر : حاشية كتاب، البستاني، بطرس : أدباء العرب في الأندلس وعصر الانبعاث، دار مارون عبود (3/245)، 1979.
(1) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
ومما يبرز حبه للغة :
- قوله عن نفسه : " في كتابه الساق على الساق:" كان للفارياق ارتياح غريزي من صغره لقراءة الكلام الفصيح، وإمعان النظر فيه، ولالتقاط الألفاظ الغريبة التي كان يجدها في الكتب".
(محمد عبد الغني حسن؛ أحمد فارس الشدياق، ص. 134).
- وقول مترجمه الوفي الأستاذ أبو محمد مارون عبود : " كان أحمد فارس الشدياق يهجس باللغة في كل موقف، فبينما هو يتفتح عاما من أعوام الجوائب يستطرد إلى البحث في اللغة، وبينما هو يكتب في موضوع سياسي يستطرد إلى اللغة ".
- قلنا : ولتمكنه في اللغة واللغات الأخرى كالفرنسية والإنجليزية والعربية وغيرهما خول له ذلك أن يسخر من المستشرقين ـ ذلك مثل قوله : " في كتابه (ذيل الفارياق): "أن هؤلاء الأساتيذ (المستشرقين) لم يأخذوا العلم عن شيوخه، وإنما تطفلوا عليه تطفلاً، وتوثبوا فيه توثباً، ومن يخرج فيه بشيء فإنما تخرج على القسس، ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام، أو أدخل أضغاث أحلام في رأسه، وتوهم أنه يعرف شيئاً وهو يجهله، وكل منهم إذا درس في إحدى لغات الشرق أو ترجم شيئاً منها تراه يخبط فيها خبط عشواء، فما اشتبه عليه منها رقعه من عنده بما شاء، وما كان بين الشبهة واليقين حدس فيه وخمَّن، فرجح منه المرجوح، وفضل المفضول".وأن يسب لغتهم ويذكر محاسن اللغة العربية ومن ابتكراته :
تسمية الصحف اليومية " بجرائد " ، وإطلاق لفظ الاشتراكية ، والباخرة وغيرها .
(مارون عبود؛ صقر لبنان، ص. 185).
(2) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 224،مؤسسة الرسالة.
(3) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(4) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 405،دار صادر 1896م.
* قال الزركلي : " وفي شعره رقة وحسن انسجام " .اهـ ( الأعلام ج1صـ193).
* وقال في معجم البابطين : " الشدياق يملك موهبة الشاعر، غذاها بالاطلاع النهم على عيون التراث العربي، الذي عاش يعزف على أوتاره ويرعى جمالياته، على الرغم من سياحته في أنحاء العالم وتعرفه على ثقافات مختلفة. لقد امتلأ وجدانه شعراً ففاض موزوناً، ومنثوراً، وتأثر بنمط حياته، فطغى على خصوصية مشاعره، من ثم سلك طريق القدماء في الاستجابة للمناسبات فانقسم شعره في المدح والرثاء والهجاء، واستجاب للطريقة فوقف على الأطلال، ووصف الحبيبة وانتقل إلى وصف الرحلة إلى الممدوح. وهكذا حافظ على عمود
الشعر التقليدي، وأسرف في تزيينه بالمحسنات البلاغية التي قد تسوقه إلى التكلف والمغالاة، ولا نستطيع أن نصف شعر الشدياق بأنه «نسخة منقولة» فقد لمس جوهر قضايا عصره، في دعوة المسلمين إلى النهضة، وإلى التجديد، وإلى الأخذ بالتمدن، بما فيه من تحرير للمرأة.. وهو بهذا التوجه يأخذ مكانه في التمهيد لعصر أدبي جديد، يعده بعض النقاد محافظاً حاول التجديد ولم يسلك مسالكه، ويعده بعض آخر أول متمرد على وحدة الوزن والقافية، وأول من قال الشعر المرسل .
(http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=760)
وقال الأستاذ محمد الجوادي : " كما أنه شاعر، وإن كان مقلد على حين أنه نثر مجدد ".
( موسوعة أعلام الفكر الإسلامي صـ 78).
وقال السندوبي : " وأما شعره فليس فيه ما في نثره من جمال الانطباع، وحسن الاختراع غير أنه كان إذا رام قصد تناوله غثاً وسميناً، يسرك هزله، ولا يروعك جده. فهو في جبهة الطبقة الأولى من كتاب وقته، وفي صدر الثانية من شعراء عصره .
( أعيان البيان للسندوبي/ صـ 115).
(5) http://www.mawsoah.net/maogen.asp?th=0$$main&fileid=s tart
(6)برتوكولات حكماء صهيون ، عجاج نويهض،ج2،صـ 291،طلاس 1984نيسان.
" صقر لبنان " : كتاب صغير الحجم في أقل من 225صفحة، وهو على إيجازه، الكتاب الكافي الوافي في ترجمة أحمد فارس الشدياق، ذلك لأن المترجم والمؤرخ مارون عبود الدائر في ذلك وحده، وأما تسمية هذا الكتاب بصقر لبنان فسببها تسمعه من مارون عبود نفسه فقال في صفحة مفردة بعد صفحة الوسمة : "أخي القارئ ! ربما ذكرك قولنا " صقر لبنان" بقولهم " صقر قريش"، وهو كذلك. فكما في السياسية كذلك في الأدب. فرَّ عبد الرحمن من الشام فشيد مملكة طريفة نسميها اليوم " الفردوس المفقود"، وفرَّ أحمد فارس الشدياق من لبنان فاحماً دولة أدبية مازال رأسها سالماً. ليس للبنان فرد صقر، قد اهتدى بهذا العالم صقور ونسور، وكان ما كان ". ( من هامش برتوكولات حكماء صهيون وهي نفس الصفحة السابقة ).
(7) http://www.almoajam.org/poet_details.php?id=760
(8) موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، ترجمة الشدياق بقلم أ: محمد الجوادي،صـ 78،المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. القاهرة 2007م.
قال الشدياق :
لا يحسب الغِرُّ البراقع للنسا ... منعًا لهن عن التمادي في الهوى
إن السفينة إنما تجري إذا ... وُضِع الشراع لها على حكم الهوا (9) برتوكولات حكماء صهيون ، عجاج نويهض،ج2،صـ 292،طلاس 1984نيسان.
(10) أعيان البيان للسندوبي، صـ 113،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(11) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(12) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.
(13) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، صـ 212، دار المشرق، بيروت.
(14) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1104.
(15) http://www.mawsoah.net/maogen.asp?th=0$$main&fileid=s tart
(16) أعيان البيان للسندوبي، صـ 111،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(17) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.
(18) أعيان البيان للسندوبي، صـ 112،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(19) http://www.mawsoah.net/maogen.asp?th=0$$main&fileid=s tart
(20) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، صـ 212، دار المشرق، بيروت.
يقول عنها الأستاذ عجاج نويهض : " لم نقف عليها، ولا هي في الوجود المحرز، ولا في أي متناول،على ما هو ظاهر، ولا نعلم أحداً من العرب المعاصرين في لبنان قد وقف عليها، ولا نعلم شيئاً من السبب في احتجابها بعد أن طبعت". ( بروتوكولات حكماء صهيون صـ 299)
وقال أيضاً : " ترجمة أحمد فارس الشدياق هي أسبق الجميع في الظهور، لكن في بلاد الإنجليز لا في بلاد العرب ". ( المصدر السابق صـ 300).
تعليل الأستاذ نويهض عدم ظهور ترجمة الشدياق :
قال ـ رحمه الله ـ : " لما رأت أن المترجم قد أسلم ـ أي الجمعية التي كان يمثلها الدكتور لي في لندن لترجمة الكتاب المقدس ـ في تالي حياته، وهو وحده كان مضطلعاً بعبء العمل، مع الدكتور لي، فرأت أنه أولى بالترجمة أن تطوى، بعد أن طبعت،ولا توضع في التدوال ".
( المصدر السابق نفس الصفحة )
وقال الأستاذ أنور الجندي نقلاً عن أمير البيان شكيب أرسلان أنه قرأ في كشف المخبا أن الشدياق : " كان يعرب التوراة وهو في انكلترا فكان يقف على الترجمة العربية قسيس إنجليزي شدا شيئاً من العربية فكان كلما رأى لأحمد فارس جملة شم فيها رائحة الفصاحة مسخها واستبدل بها جملة ركيكة، فكان الشدياق يعجب من أمره، وقد نقل عنه من ذلك النسق جملاً يستغرب لها الإنسان من الضحك إذ كيف كان القسيس يتعمد قلب العالي بالساقط والجيد بالرذل تعمداً ويتهافت على الركيك تهافت الذباب على الحلواء، ويصرح بأنه إنما يتوخى بذلك ـ أي القسيس ـ إبعاد الكلام عن شبه القرآن ".
( موسوعة مقدمات العلوم والمناهج للأستاذ أنور الجندي صـ 97، مطبعة عبد الله وهبة ).
(21) أعيان البيان للسندوبي، صـ 112،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(22) أعيان البيان للسندوبي، صـ 112،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(23) موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، ترجمة الشدياق بقلم أ: محمد الجوادي،صـ 77،المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. القاهرة 2007م.
(24) أعيان البيان للسندوبي، صـ 112،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(25) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(26) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 225،مؤسسة الرسالة.
(27) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:42 AM
(28) قال الأستاذ عجاج نويهض : " وحدث أخيراً 1937أنه بينما كان العمال يحفرون ( في إصلاح الطريق العام في الحازمية حيث مدفن الشدياق) عثروا على نعش من الرصاص، ففتحوه فإذا به يضم جثمان أحمد فارس الشدياق .
والجثمان على حاله ـ ولشدة ما كانت دهشة العمال عندما وجدوا الجثمان لا يزال على حاله، كأن العلامة الشدياق ميت منذ يومين فقط، فلحيته باقية وحاجباه باقيان أيضاً، ولم يطرأ على شعره وعلى وجهه أي تبدل أو تغير، وليس هذا فقط، بل إن الكفن الذي لف به وهو من الحرير المعروف ( بالتفتا) لا يزال على حاله أيضاً، كما أن ختم دائرة الصحة في استانبول ما برح موجوداً على التابوت " ( صقر لبنان ص206و207و215و216)
(29) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(30) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(31) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(32) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.
(33) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(34) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 225،مؤسسة الرسالة.
(35) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.
(36) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(37) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(38) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، صـ 213، دار المشرق، بيروت.
(39) أعيان البيان للسندوبي، صـ 116،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(40) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ97،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(41) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(42) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(43) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.
(44) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 225،مؤسسة الرسالة.
(45) أعيان البيان للسندوبي، صـ 115،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(46) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(47) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(48) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(49) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(50) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 406،دار صادر 1896م.
(51) أعيان البيان للسندوبي، صـ 115،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(52) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(53) مشاهير الشرق لجرجي زيدان،ج2،صـ 82،مطبعة الهلال1922م.
(54) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(55) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(56) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 225،مؤسسة الرسالة.
(57) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(58) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 407،دار صادر 1896م.
(59) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، صـ 213، دار المشرق، بيروت.
(60) أعيان البيان للسندوبي، صـ 116،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(61) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(62) مشاهير الشرق لجرجي زيدان،ج2،صـ 81،مطبعة الهلال1922م.
(63) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(64) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1107.
(65) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(66) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 407،دار صادر 1896م.
(67) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(68) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(69) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 225،مؤسسة الرسالة.
(70) اكتفاء القنوع بما هو مطبوع لفانديك، صـ 407،دار صادر 1896م.
(71) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، صـ 212، دار المشرق، بيروت.
(72) أعيان البيان للسندوبي، صـ 116،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(73) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(74) مشاهير الشرق لجرجي زيدان،ج2،صـ 81،مطبعة الهلال1922م.
(75) موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، ترجمة الشدياق بقلم أ: محمد الجوادي،صـ 78،المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. القاهرة 2007م.
(76) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(77) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(78) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(79) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(80)معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1107.
(81) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(82) مشاهير الشرق لجرجي زيدان،ج2،صـ 82،مطبعة الهلال1922م.

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:43 AM
(83) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(84) مشاهير الشرق لجرجي زيدان،ج2،صـ 82،مطبعة الهلال1922م.
(85) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(86) هدية العارفين للباباني، ج1 صـ 191، استانبول1951م.
(87) أعيان البيان للسندوبي، صـ 117،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(88) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(89) أعيان البيان للسندوبي، صـ 117،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(90) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(91) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ98،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(92) معجم المؤلفين لكحالة، ج1صـ 225،مؤسسة الرسالة.
(93) تاريخ الآداب العربية، لويس شيخو، صـ 213، دار المشرق، بيروت.
(94) أعيان البيان للسندوبي، صـ 116،المطبعة الجمالية بحارة الروم بمصر.
(95) مشاهير الشرق لجرجي زيدان،ج2،صـ 82،مطبعة الهلال1922م.
(96) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(97) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1106.
(98) معجم المطبوعات لسركيس، صـ 1107.
(99) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ96،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(100) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ97،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(101) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ97،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(102) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ97،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(103) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ98،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(104) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ98،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(105) الأعلام للزركلي، ج1صـ 193، دار العلم للملايين أيار 2002م.
(106) تاريخ الصحافة العربية لطرازي،صـ98،ج1،المطبعة الأدبية.بيروت1913م.
(107) موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، ترجمة الشدياق بقلم أ: محمد الجوادي،صـ 78،المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. القاهرة 2007م.
(108) موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، ترجمة الشدياق بقلم أ: محمد الجوادي،صـ 78،المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. القاهرة 2007م.
(109) موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، ترجمة الشدياق بقلم أ: محمد الجوادي،صـ 78،المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. القاهرة 2007م.

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 12:44 AM
للفائدة:
قال الأستاذ عجاج نويهض في كتابه " بروتوكولات حكماء صهيون " :
" كان الفارياق يذهب في تفسير القضايا الدينية، في المسيحية والإسلام مذهباً عقلياً، أو معتزلياً إذا جاز التعبير، وهناك نقاد في كل عصر للمسائل الدينية، على هذا الغرار، أما في الإسلام، فقد قال مؤرخه مارون عبود أبو محمد أنه لا يؤمن بالوحي ويخطّئ ما لا يسلم به العقل ". ( صقر لبنان ص107)
( برتوكولات حكماء صهيون ، عجاج نويهض،ج2،صـ 301،طلاس 1984نيسان)

أبو الطيب أحمد بن طراد
31-05-10, 01:43 AM
جاء في الترجمة التي وضعتها لفظ اعتنق وهو خطأ، قال الشيخ تقي الدين الهلالي:" قال صاحب اللسان: وعانقه معانقةً، وعناقاً: التزمه، فأدنى عُنُقِه، وقيل: المعانقة في المودة، والاعتناق في الحرب، قال:

يطعنهم ما ارتموا، حتى إذا طعنوا *=*=*=* ضارب، حتى إذا ما ضربوا اعتنقا

وقد يجوز الافتعال في موضع المفاعلة، فإذا خصصت بالفعل واحداً دون الآخر لم تقل إلا عانقه في الحالين، قال الأزهري: وقد يجوز الاعتناق في المودة كالتعانق، وكلُّ في كل جائز.اهـ

فظهر أن المعانقة والاعتناق كلاهما مأخوذ من إدناء العنق من العنق، والدين ليس له عنق، ولا يعانق من دخل فيه، فالفعل هنا من جانب واحد.

والعرب لا تقول أبداً: اعتنق الإسلام، أو اعتنق النصرانية، أو اعتنق الفكرة، وإنما تقول: أسلم، وتنصَّر، واعتقد كذا، وكذا، قال تعالى في سورة آل عمران (20):

{ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

ومثل هذه العبارات في الكتاب والسنة كثيرة جداً، ولا يوجد التعبير باعتناق الإسلام في أي موضع، لا يقال: إن اعتناق الإسلام استعارة، لأنَّا نقول: ليس كل استعارة مستحسنة، ولو كان التعبير بالاعتناق مستحسناً لعبر به القرآن أو السنة أو فصحاء العرب.

وقال الفيروز آبادي في القاموس: وأسلم: انقاد وصار مسلماً.اهـ

أقول: أسلم في اللغة إذا كان لازماً، معناه: إنقادَ واستسلم وأما في اصطلاح الشريعة فمعناه: إنقادَ إلى ما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقبله كله في الظاهر، فإن كان قبوله له ظاهراً و باطناً فهو مسلم حقاً ومؤمن، وإن كان قد قبل ما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانقاد له في الظاهر فقط فهو منافق، تجري عليه أحكام الإسلام، وهو في الحقيقة كافر، قال تعالى في سورة الحجرات (14 ):

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}

وإن كان هذا الفعل متعدياً فمن معانيه: إخلاص التوجه إلى الله تعالى.

قال تعالى في سورة النساء (125 ):

{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا }

ومن معانيه: الإلقاء في الهلكة، قال صاحب اللسان: قال ابن الأثير: يقال: أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه في الهلكة ولم يَحْمِه من عدوه، وهو عام في كل من أسلم إلى شيء، لكن دخله التخصيص، وغلب عليه الإلقاء في الهلكة.

ومنه الحديث: " إني وهبت لخالتي غلاماً فقلت لها: لا تسلميه حجاماً ولا صائغاً، ولا قصاباً، أي؛ لا تعطيه لمن يعلِّمه إحدى هذه الصنائع.اهـ

أقول: والعجب من ابن منظور، كيف وقع في خطأ عامي، وهو تعديته ( أعطى ) إلى المفعول الثاني باللام، وهو متعد بنفسه إلى مفعولين يقال: أعطاه الله علماً، قال تعالى:{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، لكن لكل سيف نَبْوَة، ولكل جواد كَبْوَة، والكمال لله.

ومن أسلم المتعدي قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، أي لا يخذله بل يحميه ويدافع عنه، والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر.

وهذا التعبير أيضاً من استعمار لغة الأجانب واستعبادها للغة العربية فهو في الإنكليزية ( Embrace )، وقال الله تعالى: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا }، ولم يقل: يعتنقون دين الله.اهـ ([1]).
______________________________________
[1] - محمد تقي الدين الهلالي، تقويم اللسانين، ط2، مكتبة المعارف ـ الرباط ـ 1404/ 1984م، ص 30ـ ص32.

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:12 AM
للفائدة:
فارس يوسف الشدياق
هو: فارس الملقب بالشيخ أحمد فارس الشدياق أصغر أبناء يوسف، الملقب بالحاج أبي حسين بن منصور الملقب بالشدياق منصور فهد ( الذي إليه ينتسب بنو الشدياق في حدث بيروت ) بن جعفر ( شقيق الشيخ بطرس الملقب بالشدياق الذي مات منتحراً وهو أعظم رجال بني الشدياق) بن أبي يونس فهد بن أبي فهد شاهين بن الحاج جعفر الأول بن رعد بن فهد الأول بن رعد الأول بن الشدياق شاهين المشروقي الذي يمت بصلة النسب إلى الأمير يوحنا من أمراء المردة ، وهو أمير الموارنة الذي قتل في قرية قب الياس في البقاع ، أحد أقاليم لبنان ، بمكيدة كادها له يُوستنيانوس الأخرم بن الملك قسطنطين اللحياني ملك الروم في أواخر القرن السابع (1).
ولد فارس في عشقوت إحدى قرى كسروان من أعمال لبنان في سنة 1805 ، وليس في سنة 1804 كما يزعم بعضهم خطأ . ومن المتفق عليه أنه ولد في عشقوت . ووالداه انتقلا من حارة الحدث المجاورة لبيروت إلى هذه القرية في سنة 1805 على أثر إيعاز الأمير حسن عمر شهاب إلى والده يوسف منصور الشدياق بالإقامة في كسروان بعد أن عينه مدبراً لشؤونه . فقصد يوسف هذا إلى عشقوت واشترى داري أبيه منصور وعمه بطرس من بنت الشيخ صليبي الخازن ووالدتها . لأن هاتين الدارين كان قد صادرهما الأمير ملحم شهاب الوالي ووهبهما إلى الشيخ أبي صليبي مرعب الخازن ، كما ذكرنا في ما تقدم . فيكون فارس و الحالة هذه ولد في سنة 1805 بعد انتقال والديه إلى عشقوت . غير أن إقامة والديه لم تطل في هذه القرية فغادراها مع أولادهما عائدين إلى حارة الحدث في سنة 1809 . وفي سنة 1810 باع يوسف داريه في عشقوت إلى أولاد الأمير يوسف بن الأمير ملحم شهاب فرحل هؤلاء من درعون إلى عشقوت وتوطنوها . ومن ذلك الحين لم يعد آل الشدياق إلى عشقوت إلا زائرين أو لقضاء فصل الصيف .
ترعرع فارس في حارة الحدث ، أو حارة البطم ، حيث بدت عليه مخايل النجابة و الفطنة و النبوغ . ودرس أولاً وهو في حجر والديه ، وتلقن عن أخيه أسعد شيئاً من اللغة و النحو ، ثم أدخل إلى مدرسة عين ورقة الإكليريكية في كسروان حيث أتم العلوم الابتدائية . وقبل أن يجاوز العاشرة من عمره نظم الشعر وأجاده . وكان مولعاً باللغة الفصحى يطالع الكتب التي كانت في مكتبة والده ، وهي زاخرة بالمؤلفات النفيسة ، ويقف عند كل لفظة غريبة استجلاء لمعناها وإدراكاً لمرماها . وهذا الميل إلى سبر غور الألفاظ اللغوية كان فطرياً فيه فكبر وكبر معه حتى أصبح ملكة فيه . وانتهى به الأمر إلى أن سما به إلى منزلة أئمة اللغة وجهابذة العلم ، ولذلك لا نكون مغالين إذا حكمنا بعد أن قارنا بينه وبين سواه من الكتاب و العلماء بأنه أكبر كتبة القرن التاسع عشر ، وفي طليعة الذين أسسوا النهضة العلمية و الأدبية الحديثة في مصر و الشام .
توفي والده في سنة 1820 وهو يافع لم يكد يناهز البلوغ ، وأدرك أنه أصبح يتيماً يتعين عليه أن يعمل لنفسه بعد الاتكال على الله . فعكف على الدرس و التحصيل توسيعاً لدائرة معارفه ، وأتقن الخط العربي وانصرف إلى نسخ الكتب اقتداء بطنوس شقيقه الأكبر ، الذي يجيد الخط لرواج المخطوطات وقلة المطبوعات في ذلك الزمن . وحدث في خلال ذلك أن شقيقه أسعد (1798 - 1830) اعتنق المذهب الإنجيلي فنقم عليه البطريرك كما ذكرنا آنفاً . وكان فارس وقتئذ يفكر في مغادرة لبنان إلى الخارج جاداً في طلب الرزق و العلا ، وكان شديد الحب لشقيقه أسعد و الأميركان يعرفون ذلك فلجأ إليهم ورأوا أن من وراء شدهم لأزره فائدة محققة لهم فأرسلوه إلى مصر في سنة 1825 لتعليم المرسلين الأميركان فيها اللغة العربية وقواعدها فشد الرحال إليها وحاكمها يومئذ محمد علي باشا مؤسس الأسرة العلوية(2). هجرته إلى مصر – وفي انبثق فجر نبوغه فما كاد يستقر به المقام حتى انكب على العلم يطوي الأيام و الليالي في الدرس و التحصيل و التعليم إلى أن أتم علومه العربية وسواها .وكان يكثر من مطالعة كتب اللغة والأدب من منظوم ومنثور ولا سيما ما انطوى منها على التعليق الذي يبين مآخذ الكلام من اللغة . وطالع ديوان المتنبي مراراً فاشتد ولعه بالشعر وانصرف إلى نظمه خصوصاً في المدح و الهجاء و الغزل و الحماسة . وأربى ما نظمه على 22 ألف بيت من الشعر الجيد .وتمكن من علوم اللغة ، كالنحو و الصرف والاشتقاق و المنطق ، تمكناً جعله مرجعاً فيها جميعاً . وكان كثير الاختلاط بعلماء مصر ، ولا سيما بالشيخ محمد شهاب الدين ونصر الله الطرابلسي الحلبي ، وهما من كبار الأستاذة الذين كان يعجب بعلمهم ويأخذ عنهم . وهذا ما مهد له السبيل إلى الاتصال برجال معية عزيز مصر وإحراز ثقتهم مما أدى إلى أن يعهد إليه في تحرير الوقائع المصرية بدلاً من العلامة رفاعة رافع الطهطاوي . فانصرف إلى عمله بهمة لا تعرف الكلال حقبة من الزمان أبدى فيها من آيات الذكاء و العبقرية ما أكسبه احترام الحكام وجهابذة العلم وسما به إلى مكانة رفيعة عجز دونها كثيرون ممن تقدموه في خدمة الإمارة المصرية أو عاصروه من رجال العلم و الفضل .
وتزوج وهو في مصر من بنت الصولي من أعيان السوريين ورزق منها ولدين سليم (1826-1906) وفايز (1828-1856 ) .
في مالطة – وفي سنة 1834 طلبه المرسلون الأميركان في مالطة فغادر مصر إليها وأقام فيها 14 سنة يعلم في مدرستهم ويصحح ما كان يطبع في مطبعتها من الكتب العربية . وانصرف إلى التأليف و التصنيف حتى لا يكاد يخلو كتاب مطبوع هناك وقتئذ من أثار قلمه ونفثات صدره . واعتنق وهو في مالطة هناك المذهب الإنجيلي مسوقاً بعاطفة الانتقام لأخيه أسعد من بطريرك الموارنة .
في أوربا – وفي سنة 1848 سافر إلى لندره بإيعاز وزير خارجية إنجليز إجابة لدعوة جمعية ترجمة الأسفار المقدسة فأعانها في ترجمة هذه الأسفار إلى العربي تحت إشراف الدكتور ((لي)) وأعجب الدكتور بعلمه وغزارة مادته وشدة تدقيقه . وبعد الفراغ من عمله أمّ باريس وهناك تمكن من اللغتين الفرنسوية و الإنجليزية وعكف على التأليف وقضى زهاء عشرة أعوام جائلاً في أنحاء أوربا ودوّن سياحته هذه في كتابه : كشف المخبا عن فنون أوربا وصف فيه الممالك الأوربية وصفاً بديعاً يستهوي القلوب . أما باريس فأوجز الكلام في وصفها اكتفاء بما كان قد كتبه عنها رفاعة بك العلامة المصري الشهير . وأنشأ في ذلك الحين كتابه : الساق على الساق فيما هو الفارياق .
وفي أثناء وجوده في أوربا تزوج بسيدة إنجليزية لم يرزق منها بأولاد وأنعمت عليه الحكومة الإنجليزية بحمايتها وهي لم تكن سهلة المنال وكانت مقيدة بشروط يتعذر توافرها في رجل ما لم يكن نظير فارس الشدياق من أهل الموهبة الخارقة . ونظم وهو في باريس قصيدة عصماء في مدح السلطان عبد المجيد على أثر حربه مع روسيا وقد استهلها بقوله :

الحق يعلو و الصلاح يعمرُ و الزور يمحق و الفساد يدمر
ومنها :
طغت الطغاة الروس لما غرهم في الأرض كثر سوادهم وتجبروا
وختمها بهذين البيتين :
أنشدت تاريخين هجريين في ختمي مديحك وهو حظي الأوفر

عبد المجيــد الله أركـى ضـده ســــلطاننــــا خيــر بجــدّ ينصــر
فوقعت هذه القصيدة في نفس السلطان أحسن وقع وبعث يستقدم ناظمها إلى الآستانة لمكافأته ، وهمّ هذا بالرحيل غير أنه اتفق أن أحمد باشا باي تونس زار عاصمة فرنسا وفارس الشدياق هناك فتعرف إليه ونظم قصيدة في مدحه لما رأى من وجوده وسخائه على الفقراء و المعوزين ومطلع القصيدة :
زارت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ فما الرقيب بغير النشر مدلول
فأحبه الباي وقربه إليه وأعجب بعلمه وفصاحته . وبعد أن عاد إلى بلاده بعث يستقدمه إليه على مركب حربي مبالغة في أكرامه فأكبر فارس هذا الإكرام وقال : (( لعمري ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقاً ينفق فيه ولكن أراد الله بعبدٍ خيراً ، لم يعقهُ عنه الشعر ولا غيرهُ )) .
في تونس - فلم يجد له من ثم مندوحة عن السفر إلى تونس نزولاً على إرادة الباي ولا سيما أن أحد أقطاب الباب العالي حبب إليه الإقامة فيها دون الآستانة ، فشدّ الرحيل إليها وأكرم الباي مثواه وولاه أسمى منصب لديه وعهد إليه في تحرير جريدة الرائد التونسي وهي الجريدة الرسمية لحكومة تونس إلى اليوم .
وكانت ذكرى وفاة شقيقه أسعد في الظروف التي ألمعنا إليها في ما تقدم لا تزال راسخة في ذهنه تؤلمه وتقض مضجعه فسولت له نفسه اعتناق الإسلام وسمي أحمد فارس . وصرف في تونس مدة كان فيها قبلة الأنظار ومرمى الأبصار وموضع الإعجاب و الاحترام وذاعت شهرته في الأقطار العربية والإسلامية شرقاً وغرباً ، وسمع السلطان عبد المجيد بعلمه وأدبه وسعة اطلاعه وسمو أخلاقه فطلبته الصدارة العظمى من باي تونس وشق على الباي ذلك ولكنه رأى أن النزول على رغبة الخليفة أمر لا مناص له منه فسمح لفارس بالرحيل وغادر هذا تونس إلى الآستانة فرحب به أقطاب الدولة وعظماؤها ورجال الفضل و الأدب في عاصمتها وقضى هناك عدة سنين في تصحيح مطبوعات الحكومة وسواها في المطبعة العامرة حيث كان المرجع الأخير في كل أمر من أكورها الهامة . وظفر بعطف السلطان والتفاته السامي فأنعم عليه بالرتب والأوسمة العالية الشأن ونسجت الحكومات الأوربية على منواله فأغدقت عليه أوسمتها واختصه الملوك والأمراء برعاية خاصة وخاطبه عظماء العالم وأقطابه وكبار علمائه ونعتوه بأحسن النعوت وأجل الأوصاف ، وبالإجمال قد أحرز وهو في القسطنطينية من المكانة السامية و النفوذ السياسي والأدبي ما لم يحرزه أحد من معاصريه في عاصمة بني عثمان .
جريدة الجوائب : وفي سنة 1861 م الموافقة لسنة 1278 هـ أنشأ جريدة الجوائب الشهيرة في الآستانة نفسها ، وأجاد في إنشائها كل الإجادة وأبدع كل الإبداع ، فأقبل الناس على مطالعتها وجابت أخبارها وفوائدها الممالك والأقطار من مصر إلى المغرب إلى الشام إلى العراق وبقية البلاد العربية برمتها إلى بلاد فارس و الهند . وكانت مرجعاً لأهل الطبقات الراقية في كل هذه الأقطار مما لم تفز به جريدة سيارة في ذلك الحين حتى في الأقطار الأوربية نفسها . وكانت كبريات الصحف في باريس ولوندرا تستقي منها أنباء الشرق مستشهدة في ما تكتبه عن السياسة الشرقية بأقوال محررها وتلقبه بالسياسي الشهير والإخباري الذائع الصيت . ولا غرو فهو بلا نزاع بكر الصحافيين الشرقيين بل هو أميرهم ونقيبهم وقدوتهم .
ثم حال تراكم الأعمال عليه ووفرة المهام الملقاة على عاتقه دون تمكنه من مواصلة العمل منفرداً في تحرير الجوائب ، وهو عبء ثقيل يعجز دونه من كان في مقام فارس يحدق به طلاب الحاجات وتزدحم في بابه مناكب أهل العلم و المعرفة . فعهد في تحريرها إلى نجله سليم فاقتفى أثره في إنشائها وجال فيها جولات صادقة في السياسة والاجتماع والأدب كان لها صدى عظيم في أندية العلم و السياسة ، حتى صدق فيه القول المأثور : ((إن ذاك الشبل من ذاك الأسد )) . وواصل سليم العمل في تحرير الجوائب إلى أن كانت سنة 1884 فقضت الظروف السياسية التي نشأت على أثر احتلال الإنجليز لمصر بتعطيلها لأنها كانت شوكة في جنب كل طاغ جبار ، يوم كانت الأفكار هاجعة و القرائح جامدة و الأقلام ساكنة ساكتة غارقة في سبات عميق ، والإنشاء يرفل في الأطمار البالية ، فوشاه فارس المبتكرات و المنحوتات ورصعه بالأوضاع المحيطة بأعراض المستحدثات . على أن هذه الصدمة لم تكن لتوهن عزيمة هذا الفارس المغوار ، ولا لتثبط همة نجله ، فشدد هذا الرحال إلى تونس وهي معقلهما الحصين وهناك استأنف إصدار الجوائب وإرسالها إلى الممالك العثمانية ، وفي جملتها مصر حيث كان دخولها محظوراً بحكم سياسة الاحتلال إلى أن حالت عوامل قاهرة دون مواصلة إصدارها(3). ثم أنشأ سليم جريدة القاهرة الحرة بالاشتراك مع الأستاذ يوسف بك آصاف المحامي الذي هو اليوم صاحب جريدة المحاكم .
وظل فارس عاكفاً على التحرير و التأليف إلى آخر مرحلة من حياته غير حافل بوقر الشيخوخة ووطأة الأيام . ولم يكف عن الكتابة و المطالعة إلا في سنة 1884 حيث اعتراه ضعف في بصره اضطر إلى اعتزال العمل و الجهاد .
رجوعه إلى مصر : وفي شتاء سنة 1886 عاد مصحوباً بعائلته إلى مصر ، التي شهدت بزوغ شمس عبقريته ونبوغه ، وهو سيخ جليل أحنت الأيام ظهره ولكنها لم تحن هامته ولم تفلّ من غرار عزيمته ومضاء ذهنه . وظل كما عهده جلاسه في وادي النيل رقيق الجانب ، لطيف المعشر ، أبي النفس ، لين العريكة ، طلق المحيا ، محباً للخير وفاعليه ، يكيل المعروف بغير حساب ، لا يتقد إليه طالب حاجة ويعود خائباً ، فصيح اللسان ، ميالاً إلى المجون ، مولعاً بالنكبة البيانية .
وفي مصر رحب به العلماء ورجال الأدب و الفضل أحسن ترحيب . وقد أطلعنا على قصيدة نظمها حضرة العالم حبيب غزالة بك تحية له وترحيباً به في جملة ما جاء فيها قوله :
قل للذي قد رام حصر كماله هذي الجوائب أنبأت بعلائه

مصباح آداب اللغات بأسـرها تجلــى لياليها بســر ضيائه
وزاره الوزراء و الكبراء وحظى بالمثول بين يدي توفيق باشا الخديو الأسبق فلقى منه كل رعاية وأثنى عليه ذاكراً جهاده في سبيل العلوم و المعارف وبلاءه في سبيل اللغة و الشرق . وكان قد وطن النفس على العودة إلى لبنان ليختم فيه أيامه متفيئاً ظلال الأرز ولكن الظروف قضت عليه بالنكوص و العودة إلى الآستانة في ربيع تلك السنة نفسها .
أما نجله سليم فقصد إلى أوربا . وأنهى فارس جهاده الطويل في سبيل اللغة بإنجاز كتابه النفيس: منتهى العجب في خصائص لغة العرب فأبى نكود الطالع إلا أن يحرم الناطقين بالضاد من درره العالية فالتهمته ألسنة اللهيب مع ما التهمت من مخطوطاته وكتبه النفيسة التي كانت في مكتبته يوم اضطرمت النار في قصره بالآستانة . ولو أن صناديق المجوهرات وهدايا الملوك و السلاطين و الأمراء و العظماء كانت سريعة الالتهاب ما ظفروا بإنقاذها .
ولما آن الأوان لأن تفجع اللغة و الوطن به آذنت شمس حياته بالمغيب هم بالعودة إلى لبنان ليموت فيه بين أهله ومواطنيه فوافته منيته قبل أن يدرك أمنيته .
وقبل وفاته بأيام سأل حرمه أن تشترك معه في إحصاء عدد الذين سبقوه إلى عالم الأرواح من خلانه وأصدقائه وذكر 181 نفساً قال إن أعزهم لديه : سامي باشا ونجله صبحي باشا وكمال باشا وعالي باشا وفؤاد باشا – وهم من أقطاب الدولة في ذلك الحين – وأستاذان يعرف لهما فضلهما عليه هما : الشيخ شهاب الدين الخفاجي و السيد نصر الله الطرابلسي الحلبي ، وهما اللذان أتم عليهما دروسه في العلوم العربية وهو في مصر .
موته في الأستانة : وفي أول سبتمبر ( أيلول ) انحرفت صحته ، ونجله سليم في باريس ، وحدثته نفسه بدنو أجله فارتبك ، وكان الأستاذ نجيب هندية أحد محرري جريدة القاهرة التي أنشأها سليم ملازماً له وقتئذ ، فأنبأه بأنه قلق البال مضطرب الأفكار وأوعز إليه أن يستقدم ابنه من باريس على جناح السرعة ففعل . وفي صباح 19 سبتمبر وصل إلى الآستانة فابتهج فارس بلقياه وانتعشت نفسه وخيل إلى أسرته أنه بات في منجاة من الخطر ، ولكن ما غربت شمس اليوم التالي ، وهو يوم الثلاثاء الواقع في 20 سبتمبر ، حتى ساءت حاله . وبعد أن طبع قبلة على جبين نجله اتكأ على الوسادة واستغرق في النوم ثم استيقظ يقظة الموت . وفي الساعة الثامنة و الدقيقة العاشرة من تلك الليلة نفسها لفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعي نجله سليم .
وكان لوفاته دوي عظيم تردد صداه في أنحاء الشرق و الغرب . وفي صباح الأربعاء ظهرت صحف الآستانة مطوقة بالسواد حداداً عليه ، ورثاه كتابها بمقالات ضافية عددوا فيها مآثره ذاكرين فضله على اللغة و العلم . ووصلت صحف لندره وباريس فإذا بها تنعيه لقرائها بعبارات مؤثرة تشف عن تقديرها لعلمه وفضله . وطير منعاه إلى الأقطار العربية فأكبرت فجيعة العرب فيه وأبدعت صحفها في رثائه ووصف جهاده . ورثاه الشعراء و الكتاب في كل ناد وصقع بينهم طائفة مختارة من أئمة اللغة وأقطاب الأقطار الشرقية وأمراؤها وعظماؤها . وبالإجمال ، إن وفاته عدت في المحافل العلمية و الأندية العلمية و السياسية ، سواء في الآستانة أو في الممالك الإسلامية أو الأوروبية ، خسارة عظيمة على أهل الأدب و الفضل في الأقطار العربية .
وكان فارس أوصى بأن يدفن في وطنه لبنان . وعملاً بوصيته هذه حنطت جثته ووضعت في تابوت من الرصاص ، ووضع هذا التابوت في تابوت آخر من الجوز ، ثم في صندوق متين من الخشب . ونقل النعش أولاً من قصره في (( قاضي كوي )) إلى قصر نجله سليم المجاور لنظارة المعارف.
وفي صباح الخميس في 29 سبتمبر غصّ القصر بالمعزين من الأمراء و النبلاء و العلماء و رجال الفضل والأدب وطنيين وأجانب وأرباب المناصب العالية من ملكيين وعسكريين بينهم كثير من الصدور العظام السابقين و الوزراء وأقطاب الدولة وكبراؤها ، نظير منيف باشا ناظر المعارف العمومية وكبار موظفي نظارته ، وأعضاء مجلس المعارف الكبير ، وحسن فهمي باشا ناظر العدلية سابقاً ، وصاحب السماحة الشيخ محمد ظافر أفندي شيخ جلالة الخليفة وأنجاله وأنسباؤه وشقيقه ، وصاحب السماحة الشيخ حمزة أفندي ، وكبار موظفي نظارتي النافعة و التجارة ، ومحمد سعدي أفندي مكتوبي النظارتين ، وصهر نامق باشا يارو السلطان ، وموظفو مجلس شورى الدولة ، وصاحب السيادة السيد إسمعيل أفندي نقيب أشراف مكة المكرمة وعربي زروق باشا من أمراء تونس ، وأحمد عزت باشا الفاروقي ، وسليم أفندي المدير العام لإدارة الديون العمومية ، وغيرهم من كبار رجال الدولة . ووصل سفراء فرنسا وروسيا وإيران ومندوبو البنك العثماني وأعيان الأجانب و المحامون و الأطباء وكبار التجار ، وأصحاب صحف الآستانة وكتابها ، ومراسلو الصحف الأوربية ومندوبو شركتي روتر وهافاس ، وجم غفير من مشايخ الطرق وسواهم. وخرج الموكب من القصر في نظام بديع بين صفين من الجماهير المحتشدة على جانبي الطريق حتى الميناء . فكان مشهداً فخماً رائعاً قلما شهدت الآستانة مثله ، وكان إثنان من وزراء الدولة الفخام يرافقان نجل الفقيد ويعزيانه . ونقلت الجثة إلى الباخرة النمسوية التي أعدت لنقلها إلى لبنان على زورق جميل نشرت فوقه الأعلام منكسة بين صفين من الزوارق تقل عظماء الدولة وكبراءها .
مأتمه في لبنان : وفي صباح الأربعاء 5 أكتوبر وصلت الباخرة إلى ثغر بيروت فصعد إليها العلماء ورجال الفضل يتقدمهم الشيخ عبد الباسط أفندي مفتي المدينة ، ثم أنزل النعش إلى الميناء على زورق مخصوص من زوارق الحكومة ، وسير به في مشهد عظيم إلى الجامع العمري الكبير تحف به كوكبة من الفرسان وتتقدمه فرقة من رجال البوليس وجاويشية المجلس البلدي ومحضري المحاكم النظامية ، وازدحمت الطرق بالجماهير ازدحاماً هائلاً . وحين خرج الموكب من بيروت استقبلته عند حدود لبنان فرقة من فرسان الجند اللبناني ومشاته بقيادة ضابط كبير فأحاطوا بالنعش تعظيماً لمقام الفقيد ، ثم ساروا في الموكب إلى بلدة الحدث ، مسقط رأس الفقيد ، وهناك اجتمع عشرات الألوف من اللبنانيين بينهم كثير من أقطاب البلاد وكبرائها وأعيانها وفي مقدمتهم الأمراء بنو شهاب و المشايخ من كل طائفة . وقبل أن يوراى في رمسه أبّنه بعض العلماء والأدباء منهم : العلامة الأستاذ الشيخ إبراهيم الأحدب ، والأستاذ الشيخ قاسم أبي حسن الكستي ، والأستاذ محمد اللبابيدي ، والأستاذ الكبير الأمير شكيب أرسلان ، وسواهم .
وبعد حفلة الدفن ذهب سليم إلى الحدث حيث تلقى تعازي المعزين من كبراء لبنان وأعيانه ووفود بلدانه ، ثم قصد إلى بيت الدين ليشكر دولة واصه باشا متصرف لبنان على إصداره الأوامر اللازمة للجند اللبناني بالسير في جنازة والده ، فحيته لدى وصوله ثلة من الجند ورحب به دولة الباشا ترحيباً جميلاً وأنزله في ضيافته ، ثم عاد إلى الحدث ، وابتاع أرضاً في الحازمية نقل إليها جثة والده وأقام له هناك ضريحاً فخماً يليق بمقامه ومقام أسرته ، وهو قائم إلى اليوم يحدث الرائح و الغادي بعظمة هذا الرجل ونبوغه وعبقريته وسمو مقامه .
تأبينه : أما الذين رثوه من رجال العلم والأدب في الديار السورية والمصرية فكثيرون . وقد عني حضرة الأستاذ الكبير يوسف بك آصاف المحامي الشهير وصاحب جريدة المحاكم بجمع مراثيه وطبعها في كتاب سماه هو الباقي . وفي جملة القصائد التي نظمت في تأبينه قصيدة عصماء لحسن حسني بك صاحب جريدة الإنسان ، وأخرى لسليمان الصولي الشاعر المعروف ، وأخرى للعلامة الشهير الشيخ إبراهيم الأحدب من علماء بيروت ، وقصيدة للشيخ قاسم أبي الحسن الكستي البيروتي ، وقصيدة للأستاذ محمد اللبابيدي ، وقصيدة للسيد عبد الرحمن النحاس نقيب أشراف بيروت ، وقصيدة لإبراهيم بك كرامة ، وقصيدة عصماء للأستاذ الكبير الأمير شكيب أرسلان ، وقصيدة للأستاذ بشارة الشدياق ، وقصيدة للعالم الأستاذ حبيب بك غزالة وقصيدة للشيخ علي الليثي من شعراء مصر ، وقصيدة للأستاذ سليم جدي ، وقصيدة لأحمد عزت باشا الفاروقي من خاندان العراق ، وقصيدة للعلامة الشيخ يوسف الأسير من أئمة اللغة في الديار الشامية وكان من أعز أصدقائه ، وقصيدة للشيخ عمر بن أبي بكر من علماء تونس ، وقصيدة للأستاذ الكبير يوسف بك آصاف ، وقصيدة للعلامة الشيخ أحمد الأديب رئيس إدارة أوقاف الحرمين الشريفين في تونس ، وأخرى لفيليب نصر الله طرازي من علماء بيروت ، وأخرى للشيخ نعمان آلوسي زاده من علماء بغداد ، وقصيدة للشيخ يوسف النبهاني من علماء اللاذقية ، إلخ .
أقوال الصحف فيه:وأما الصحف التي أبنته وعددت مآثره فأخصها : جريدة القاهرة الحرة ، و الوقائع المصرية ، وجريدة الوطن ، وجريدة الأهرام ، وجريدة الفلاح ، وجريدة الصادق والأجبسيان غازت ، والفار دالكساندري ، والبوسفور ، والمساجري إيجبسيانو ، وجريدة الحقوق و الاتحاد المصري ، وجريدة الإعلام ، وثمرات الفنون ، وجريدة بيروت ، ولسان الحال ، والمصباح ، وحديقة الأخبار ، وذلك علاوة على الصحف الأوروبية والأميركية و الفارسية وسواها مما يضيق المقام دون ذكرها .
وإليك مقتطفات مما قالت بعض هذه الصحف فيه :
جريدة القاهرة الحرة ....كان شعلة الذكاء ومثال الولاء ، واسع الاطلاع طويل الباع في العلم والأدب حر الضمير ، كاتباً مشهوراً ، ولغوياً عالماً ، قوي التصور ، حاد الذهن ، قضى العمر بين الموائد و المحابر . فألف وصنف فرصاً نفيسة جليلة الفائدة جزيلة العائدة . . . تولى تحرير الوقائع المصرية فأفتن قراءها ببلاغة أقواله وفصاحة ألفاظه . فإنه كان طلق اللسان متوقد الجنان واسع المعارف طويل الباع في السياسة و المباحث . . . كانت عبارته تنطلق بين الرقة والانسجام فتفتن الألباب وتلعب بالعقول على أبدع نظام . وكان العظماء والوجهاء يتباهون بأقواله ويتفاخرون بأشعاره ويعجبون بألفاظه وأي إعجاب . والحق يقال إنه خدم العلم وفن الإنشاء في الجوائب خدمة جليلة تخلد له الأثر الجميل و الذكر الحسن . . . وله خدمات جليلة نحو الدولة العلية استحق بها أن يكون أهلاً لأسمى نياشينها . . . ولم يكن يبخل بآرائه السديدة عند كل ملمة غير خاش في الحق لومة ولا متلبس بمظاهر الخداع و المخاتلة . وكانت جرائد باريس الخطيرة ، وصحف لندرة الشهيرة ، تأتي بذكره كثيراً في أقوالها عن سياسة الشرق ، مستندة في آرائها إليه مقدرة إياه حق قدره . فتصفه بالسياسي المشهور والإخباري الطائر الصيت و الكاتب اللوذعي الكبير . وكانت منزلته عند كتاب الصحف في أوربا وعلماء الغرب و الشام ومصر و العراق ونجد وبغداد سامية جداً ، فمدحه جميع الشعراء وأثنى على فضله جميع الخطباء و البلغاء من سائر بلاد العربية حتى من أقاصي الهند وبلاد فارس . . . وما من قادم إلى الآستانة كان يقصده في قضاء لبانة ويعود خاسئاً خائباً . . . نبغ في فنون الشعر واشتهر بالحماسة والغزل و المدح والهجاء و المجون وفي النحو و الصرف و الاشتقاق و المنطق . وهذه مزية ما امتاز بها أحد من العلماء قبله . وله قصائد في التطريز و التشطير و التخميس و التسميط وحبك الطرفين في غاية البلاغة و الانسجام . فضلاً عن أنه في النثر كان كاتباً لوذعياً وكان طويل الباع في أحكام الطرق طرق الأخبار و التفنن في ضروب الحكاية . وما من علم عرف في زمانه حتى بذل فيه جهد إمكانه فسهل حزنه ، ووطأ متنه ، وصاد شوارده ،وقاد أوابده . . .قد كان ريحانة العرب في مصر و الشام و الغرب و العراق وسائر البلاد العربية . ولا بدع فالشرق قد خسر بفقده أعظم عالم وأفضل كاتب .
الوقائع المصرية - وحق لنا أن نأسف على وفاة رجل العلم وخادم الأمة العالم الشهير والكاتب البليغ المرحوم أحمد فارس ، صاحب الجوائب الشهيرة . . .أمضى عمره في إفادة أهل الأدب و الفضل وفي خدمة اللغة الشريفة العربية .
جريدة الوطن – يوم الأربعاء ورد خبر من الآستانة بنعي العالم العلامة الفصيح البليغ الفهامة (( أحمد أفندي فارس )) الذي له في اللغة العربي أجزل وأفضل المغارس . . . فقد انثلم بموته ركن الأدب وانهارت دعائم لغة العرب . فكان في اللغة العربية المجلي وكل لغوي يأتم به ووراءه يصلي . فكان يرجع إليه في مهماتها ومبهماتها وكناياتها وإشاراتها ورموزها وكنوزها وتراكيبها وأساليبها وحكمة واضعها وأسباب شارعها . . لو عاصره الأخفش لاغترف من بحره الزاخر ، ولو رآه أبو عبيدة لأصبح ل عبداً واتخذه ركناً مشتداً ، ولو شاهد ابن فارس ما له من حسن المغارس لاعترف بأنه لم يخرج عن كونه ابناً له ، ولو رآه صاحب اللامع المعلم العجاب لقال : أين أنا من هذا العباب ؟ . . وكان أول من أنشأ في بلادنا العربية الجرائد وبث فيها الفؤاد . فالجرائد العربية بهديه اهتدت وبمثاله اقتدت . إنه ألف وصنف ، وابتدع وأبدع ، وعرب وهذب ، ونثر ونظم ،وأجاد وأفاد . فكان كالبحر الزاخر بل كان آية من آيات الله في نثره ونظمه وتأليفه وتصانيفه .
الأهرام - نعت أنباء الآستانة العالم الفاضل و اللغوي البارع الشيخ أحمد أفندي فارس . . .كان من أفاضل العلماء المدققين والكتاب البارعين و الشعراء المجيدين . خدم اللغة العربية الشريفة بتأليف كثير من الكتب الأدبية واللغوية وأصدر جريدة الجوائب مدة طويلة وطبع في مطبعتها كثيراً من الكتب التاريخية و الشعرية .
جريدة الفلاح – كان من ذوي الفضل و الوجاهة و العلم و النزاهة . . فإن آثار الفقيد لا تحصى و تآليفه الغراء التي يفتخر بها الشرق لا تستقصى .
جريدة الصادق - فجعنا بأستاذ العصر وقدوة الفضلاء الغني بفضله من أطناب الواصفين ((الشيخ أحمد فارس)) الإمام الذي كانت له في الفنون الأدبية و السياسية و العلوم العربية اليد العليا و الفضل الباذخ .
الإجبسيان غازت– علمنا بمزيد الأسف وفاة العالم العلامة الشيخ الجليل (( أحمد أفندي فارس )) شاعر زمانه وأحد آحاد المنشئين الأفاضل و العلماء الأماجد، والد سعادة زميلنا الفاضل سليم أفندي فارس مدير القاهرة الحرة . و للفقيد عدة تآليف غراء فريدة في بابها .
وكان عزيزاً بين قومه محبوباً لدى العظماء مقرباً من الملوك و الأمراء فكانوا يقدمون له أنفس الهدايا وأسمى النياشين الافتخارية . وقد أنشأ الجوائب في الآستانة العلية وتولى تحريرها مدة أربعين عاماً ، ( والأصح نحو ربع قرن ) ، نال فيها أعظم شهرة في حسن التعبير و التحرير وبلاغة الإنشاء وفصاحة العبارة . فنالت الجريدة بذلك شهرة وأهمية ما نالتها قط جريدة عربية لا قبلها ولا بعدها . ولا شك أننا فقدنا بفقد هذا العلامة العظيم أعظم ركن للأدب .
الفار دالكساندري ـ . . . كان ، رحمة الله عليه ، عالماً فاضلاً له جملة مؤلفات طائرة الصيت عند أهل الأدب و المعارف .ولا شك أن الآداب فقدت بفقده طوداً عظيماً وركناً متيناً .
جريدة البوصفور- خطف الموت جوهرة كان يتحلى بها جيد العلم ويتنافس فيها أهل الفضل و الأدب . قضى العالم الشهير و الكاتب الكبير ا(( الشيخ أحمد فارس)) وكان صاحب شهرة غنية عن الوصف في البلاغة و الفصاحة وله عدة تآليف تشهد بفضله .
جريدة الميساجري إيجبسيانو – نعي إلينا العالم العلامة ((الشيخ أحمد فارس )) والد سعادة سليم أفندي فارس مدير جريدة القاهرة .
جريدة الحقوق - . . أسفنا غاية الأسف على فقد هذا الرجل الفريد وكان جاهداً في تحصيل العلوم و التأليف مدة تنيف على خمسين سنة وله مصنفات عديدة .
جريدة الاتحاد المصري -. . . كان ، رحمه الله ، أديباً أريباً وشاعراً مجيداً بل لغوياً فريداً . تآليفه الجمة المدمجة بالمعان تغني من الإفصاح و البيان .
جريدة الوطن - . . فشيع جنازته ( في الآستانة ) كثير من وزراء الدولة العلية و كبار موظفيها وعلمائها الأعلام ، وغيرهم من كبار الأوربيين ، وسفراء الفرس وفرنسا وروسيا ، ونواب البنك العثماني ، ولجنة الدين العمومي . وهذا ليس بكثير على نابغة هذا الزمان .
جريدة الإعلام – هو علاّمة اللغة في هذا العصر السابق في ميدان البراعة بلا نكر . صاحب التآليف العديدة و المصنفات المفيدة و الجوائب الفريدة أبو الجرائد العربية .
ثمرات الفنون - ( من أمهات صحف سورية ) – نعي إلينا العالم الفاضل و الجهبذ الكامل الإنشاء و الإنشاد . . . من لم ينسج على منواله ، وقد عقم الدهر أن يأتي بمثاله (( أحمد فارس الشدياق )) المحلى بروائع الحكم وبدائع الأخلاق . . . جاوز سنه الثمانين وهو متقلد اليراعة ومطارد لفرسان البراعة . . . وجاء من سعادة ولده سليم رسالة تلغرافية إلى العلامة الشيخ يوسف الأسير يعهد إليه بها القيام بالاحتفالات اللائقة بمشهد دفنه .
[ وفي عدد آخر نشرت نبأ وصول الجثة إلى بيروت على الباخرة النمسوية متطرقة إلى وصف الاحتفال باستقبالها بما لا يخرج عما أوجزناه فيما تقدم ] .
جريدة بيروت - فارس مضمار البلاغة و البراعة وقادح زند الفصاحة و اليراعة العالم النحرير الذي أخرج درر المعاني من كنوزها و العلامة الشهير الذي أظهر خبايا الحقائق من زوايا رموزها . السابق في حلبة الفنون والأدب الجامع في صدره علوم العجم و العرب . ركن المعارف وينبوع اللطائف و العوارف ، الكاتب الذي لا يجاريه في مضمار القلم مجار و البليغ الذي لا يباريه في حلبة العلوم مبار ، كنز المعقول و المنقول الذي تتيه في بيداء معارفه العقول ، صاحب الجوائب التي جابت الأقطار وأنارت الديار ، المؤلف الشهير الذي أغنى بتآليفه المفيدة المكاتب و المصنف الخبير الذي طأطأت لفضله الشهب الثواقب ، الجامع لبلاغة قس وفصاحة سبحان الذي سارت بذكره الركبان و اشتهر فضله في كل مكان (( أحمد فارس أفندي الشدياق)) . . . فكسفت لفقده شمس العلوم وخسف بدر المنطوق و المفهوم ، ودك طود الفضل وهار كوكب النبل . . .
جريدة لسان الحال - . . . .العالم البارع و الناظم الناثر . . . المخلد الأثر بمنشوراته الذي طار ذكره في الآفاق فقد جابت جوائبه الأرض وكفى بذلك شاهداً لفضله . وكان للعربية ركناً ولأرباب القلم عماداً عالماً ، تغني شهرته عن الأطناب ، وناظماً ناثراً ، تغني براعته عن الإسهاب .
جريدة المصباح - ... هو العالم النحرير و اللغوي البارع الشهير ذي اليد الطولى في صناعة النظم و النثر فارس ميدان البلاغة و البيان وصاحب الجوائب التي جابت البلدان . . . وكان من أئمة اللغة العربية وفحول كتبتها وشعرائها .
حديقة الأخبار -. . . العالم الفاضل العلامة النحرير و الشاعر الناثر اللغوي الشهير صاحب الجوائب الغراء والتآليف الفريدة العديدة .
مجلة الإنسان - مضى فارس لو كل من مات مثله غدا الموت في أهل الحياة هو الطلب . . . هذا جامع المحاسن وفذلكة الأحاسن ومستجمع الفضائل ومستودع الفواصل ومثال العلماء الأفاضل ومشكاة البلغاء الأماثل . . . هو الحجة العليا في اللغة العربية والمرجع الوحيد في فنون الأدب . . .و النسخة الكبرى لمكارم الأخلاق . لطيف المعاشرة ، أنيس المحاضرة ، حكيم السكوت ، وقور الكلام ، متواضع الجانب ، عميق الفكر ، قوي الحجة ، كبير الهمة ، ثابت الجأش ، شديد العزيمة ، عظيم الذاكرة ، إذا رأيت علماً متجسماً ومكارم أخلاق قد حلت فاستحالت إنساناً كاملاً ، إذا خاطبته خاطبت لغة العرب ، وإذا ذكرته ذاكرت العصر الثالث عشر إحاطة لم تعقد همته العالية شيخوخة ولم يضعف نزعته كبر . . . كانت حياته من أنفس الغنائم وأجل الذخائر . . . .
وهذا غير ما نظمه الأستاذ حسن بك حسني صاحب هذه المجلة في رثائه نظير قوله في مطلع القصيدة :
أبكي وإن البكا من بعض ما يجب على إمام بكاه العلــم و الأدب

أبكي ويحزنني أن لســت أذكـره إلا بكيت المعالي وهي تنتحب
مراثي الشعراء :
أما الذين رثوه من الشعراء فكثيرون لا يتسع المقام لذكرهم والإلماع إلى ما نظموه من الدرر الغوالي في رثائه . وحسبنا أن نورد على سبيل المثال بعض ما قاله أشهر هؤلاء الشعراء مما يعد من أنفس الشعر وبديع القول :
قال سليمان الصولي من كبار شعراء الشام في قصيدة :
أفارس ميدان البلاغة في اللحـد ينــوح عليــه الــعم أم علـم المجد

وشاءت تفدّيه الدراري فلم تجــد كواكبهـا للجـوهر الفــرد مــن نـــدّ

ولولا ابنه المجــد ما دام للعلــى عمــاد بـلا دك وســور بـــلا هــــدّ

ولا مات من أبقـى لنـا الله شبـله سليم سليمـاً ماجد الخال و الجـدّ

فتى حليتاه العزم و الحزم كاتب يراعته أمضى من الصارم الــهندي
وقال العلامة الشاعر الشيخ إبراهيم الأحدب :
راعت بني الآداب منه لوعـــة تورى الأوار وحرقــة لا تخمـد

قد حلّ في دار السعادة وقعه لكن بما قد جاء قلّ المسعد
وقال العالم الشاعر الشيخ أبي الحسن الكستي البيروتي :
فأنت أحمد هذا العصر فارسه وأنت أحرزت فيه المجد والأدبا
وقال الشاعر البليغ إبراهيم بك كرامة :
سألت عن فارس الشدياق حين نأى عنــــا الســـماء فقالت إنه فيهـــا

فقلت قـد عـاد علــم الأرض أجمعـــه إلى السماء فقل سبحان معطيها
وقال العلامة الكبير الأستاذ الأمير شكيب أرسلان :
تمادت علينا بالخطوب الـــدوامس ليلٍ لهـا بالمجــد عصـف الروامـــس

وأصمـــت رجـالاً للـزمــان وإنـهــم لنعم رجـال الدهر شم المعــــاطس

أحقـــاً عبـــاد الله ذا اليــوم إنـــــه وجوماً قد اسودت وجوه المـــدارس

وأصبـــح مضمــار البــلاغـة خـاليـاً لدن غاب عنه اليوم أحمد فـــــارس

هو الفارس السباق في كل حلبة تجمع فيهـــا كــــل قــرم ممـــارس

إذا صال لـم يتـرك مصــالاً لفـارس وإن قـــــال لــــم يترك مقالاً لنابـس

أقـــام منـــاراً هـاديـاً كــل حـائـــر وأوقد نــــاراً أمهــا كـــــــــل قابــس

غدا ذكره ملء الــزمان ولــم تكـن لآثـاره الأيـــــــــام غيــــــر فهــارس

وشيد للفصحى قصوراً شواهقـــاً على عفو هاتيك الرسوم الطوامس

لقد جابت الدنيــا جـوائبــه الــتي بإنشائــه كانـت طــراز المجــالـــس

تبلج نور الشـرق عـن وجه سافر بها وتثنى العصر عن عطف مائـــس
وقال المعلم الأستاذ حبيب بك غزالة من كبار أدباء مصر :
ربّ النهى فارس الآداب أحمدها من لا يباريه في العرفان من رجـل

ذابت قلوب الورى حزناً عليه وقد سالت غيوت الدما دمعاً من المقل

فاق الأنام بـأنواع الفنــون فمــن حماس فر ومــن مدح ومـــن غــزل

جابت جوائبــه الآفاق و انتشرت شرقاً وغرباً وإن رمـت البيـان سـل
وقال الشاعر العالم الشيخ علي الليثي من كبار شعراء مصر :
كانت زواهر فكره عند الســـــرى نــوراً ونــــاراً للســـريّ القـابــــــس

كشف المخبــا واستنــار بفكـــره سر الليــالي فـي سمــاء مــدارس

وابان جاســوس الـتفكر و النهى عن درّ قــاموس دنــا مــن لامـــس

هل غير أحمد فــي ميادين العلا أجرى اليراع وقال هل من فــــارس

جابت جوائبه البــلاد فواصلـــــت بين المسوس وبين أعظم سائـس

واستجمع المجد الأثيل ولم يدع لسواه فخـراً يزدهــــي بمجالـــس

عجباً لـفلك قــله وجــرى بــــــه بيــن الخضـم وبحـر علــم نفائــس
ومنهم أيضا :
الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عزت باشا الفاروقي من خاندان العراق
الشاعر النجيب محمد بك عفت نجل خليل باشا عفت مدير الدقهلية بمصر
العلامة الشيخ يوسف الأسير من كبار علماء سورية
وقال العلامة الشيخ عمر بن أبي بكر من أقطاب حكومة تونس وعظمائها
وقال العالم الشيخ أحمد الأديب رئيس إدارة أوقاف الحرمين الشريفين في تونس
الشاعر فيليب نصر الله طرازي
الأستاذ الشيخ نعمان آلوسي زاده من علماء بغداد
الأستاذ الشيخ يوسف النبهاني رئيس محكمة الجزاء في اللاذقية
الأستاذ الكبير يوسف بك آصاف جامع مراثي الفقيد
مواهبه ونبوغه : كان الشدياق متوسط القامة ، بيضاوي الوجه ، عريض الجبين ،واسع الحدقتين يسبح إنساناهما في يم ّ من النبوغ ، حاد النظر ينم على حذق وفطنة وتوقد ذهن ونشاط عقلي بعيد الغور . كل ذلك تجلّى على أتمه في قلمه المرهف السيال الذي لم ينضب معينه ولم يجف مداده منذ اليوم الذي قطر فيه مداداً على قرطاس إلى أن جمدت تلك اليد الفولاذية التي كانت قابضة عليه . وفي مادته المبتكرة الفياضة التي زخر ينبوعها وملأت العالم العربي حكمة ذكرته بحكمة سليمان وبلاغة هي نهج البلاغة أنسته بلاغة قس بن ساعدة وفصاحة هي نبراس الفصاحة ذكرته بفصاحة سحبان .كان شاعراً بفطرته وإلا لما نظم الشعر وهو دون العاشرة وقد أجاده كما أجاد النثر ، لأنه كان قاموس اللغة وعى ألفاظها ومرادفاتها . فإذا كتب انقادت له اللغة الفصحى بمبناها فيفرغ المعنى في القالب الذي يختاره له بلا تكلف ولا مشقة فتجيء كتابته منسجمة طلية تستهوي النفوس وتستأسر القلوب . وهذا يرجع السبب فيه إلى توقد ذهنه وفرط ذكائه وقوة ذاكرته وسعة اطلاعه . وكان صريحاً حر الضمير جريئاً في القول و العمل . وهذا ما يتجلى في كل ما كتبه فلم يكن يحتاط لهفوة يخشى أن يقع فيها ولو أدى به الأمر إلى إثارة الرأي العام عليه . فكان الناس عنده سواء يكتب لهم ما شاء لا ما يشاءون كما يرى مثلاً في فارياقه الذي آخذه كثيرون على بعض ما جاء فيه من العبارات و الألفاظ التي أراد بها المجون .
ومما امتازت به كتاباته الانسجام و السلامة و الارتباط الوثيق القائم على المنطق . فإذا وصف عادة من عادات أمة قابلها بما يماثلها من عادات أمة أخرى ، وأتى على وجه الخطأ أو الصواب فيها وكيف نشأت وتطورت ، ولا يلبث أن يرجع إلى الموضوع الذي تطرق منه إلى ذكرها بأسلوب طلي جذاب يستهوي القارئ إلى متابعة الكلام للنهاية .
ومن خصائصه أنه مغال يسمو بممدوحه إلى أرفع منزلة ، ويهوي بالذي يهجوه إلى الدرك الأسفل . وعبارته على بلاغتها ومتانتها سهلة منسجمة ، وهذه هي الفصاحة بعينها ، وهو ما يدل على أنه كان لا يخفي فكرة تجول في خاطره لأنه كان مستقل الرأي . وهذه منزلة له انفرد بها عن كتاب عصره . كما أنه امتاز بما أدل في كتاباته من الألفاظ اللغوية تعريفاً لمستحدثات لم يعرفها العرب .وهذا له شأنه وقيمته عند أئمة اللغة وعلمائها .
وصفوة ما يقال في فارس الشدياق إنه من أكبر علماء الشرق الذين نشأوا في القرن التاسع عشر . وهو في اعتبار أئمة اللغة أقدر من عاصره من كتّابها وأرسخهم قدماً في قواعدها ، وأقدرهم على نفع طلابها ، بصرف أذهانهم عما يعدّ حشواًَ إلى ما يحلو ويصلح من لبابها . وهو من أولئك الرجال الذين لا تسعد حال الأمم إلا بهم ولا تنهض البلاد التي تلتمس الرقي الصحيح من دونهم .
مؤلفاته :
سر الليال في القلب و الإبدال : هو كتاب لغوي سرد فيه مفردات اللغة بحسب ألفاظها ، وشفعها بالألفاظ المقلوبة وفي جملتها المترادفات مستدركاً ما شط عنه قلم صاحب القاموس من الألفاظ و المعاني و الأمثال . وهو يحتوي على 609 صفحات . طبعه في الآستانة سنة 1284هـ [ 1867]. وقد جعل هذا الكتاب جزئين ولكنه لم يطبع منه سوى الجزء الأول . وانتقل الجزء الثاني إلى حيازة نجله سليم مع ما انتقل إليه من مخطوطات والده .
الساق على الساق في ما هو الفارياق : كتاب ضخم يشتمل على نحو 800 [ 712] صفحة أنشأه وهو في أوربا ، وقد انفتحت له مغالق الحرية على صفحاته . فهو صورة حياته في مراحلها الأولى ، ومرآة نفسه الثائرة الناقمة على رجال الدين من أجل ما فعلوه بأخيه أسعد ، وقد ملأه بالمترادفات على أسلوب بديع نحا فيه نحواً جديداَ لم ينسج على منواله أحد في العربية ( وحذا حذوه فيما بعد الشيخ إبراهيم اليازجي في كتابه (( نجعة الرائد )) المطبوع في سنة 1904 بمصر) .
وفي هذا الكتاب عبارات وألفاظ يؤاخذ عليها قصد بها المجون و لكنها جاوزت الحدود .وقد طبعه في باريس سنة 1270 هـ وسنة 1854 م [ 1855] و الفارياق لفظ متقطع من اسمه فارس الشدياق . طبع أيضاً في القاهرة سنة 1919 .
الجاسوس على القاموس : أنشأ هذا الكتاب في الآستانة وهو يقع في نحو 700 [ 690] صفحة ويشتمل على مقدمة و24 نقداً وخاتمة . عنى فيه بنقد معجم الفيروزابادي [القاموس المحيط ] وقابل بين تعريفه لمفردات اللغة وإعادتها إلى أصولها ودلالتها على معانيها وبين تعريف سواه من منشئي المعجمات العربية الذين هم من أقطاب اللغة وأئمتها نظير صاحب لسان العرب وصاحب الصحاح ومنشئ المحكم ومؤلف العباب . وقال في نقده هذا إنه اكتفى من القلادة بما أحاط بالجيد .وفي هذا الكتاب تجلت عبقريته على أتمها في ما بدا للعيان من مقدرته اللغوية العظيمة ، مما جعله نابغة اللغة ومرجع أوضاعها وأصولها ومعين فلسفتها ، وهو مع كل ذلك يعترف بفضل الفيروزابادي عليه وعلى اللغة . طبع في القسطنطينية 1299هـ/ 1882م .
كشف المخبا عن فنون أوربا : كتاب كبير طبعه في سنة 1854. وصف فيه سياحته في أوربا واستعرض أحوالها متبسطاً في الكلام عن عادات الأوربيين وأخلاقهم ، مع المقارنة بينها وبين أخلاق الشرقيين و المالطيين ، شافعاً ذلك بتعريف لغاتهم ووصف مجالسهم وآدابهم . فمدح وقدح وجال وصال مسترسلاً بأسلوبه البديع الساحر مما يستهوي القلوب ويخلب الألباب .
الواسطة في معرفة أحوال مالطة : وضع هذا الكتاب في سنة 1834وهو في جزيرة مالطة فتكلم عن جغرافيتها وتاريخها ولغات سكانها وعاداتهم وألاقهم وكل ما يتعلق بحالتهم الاجتماعية و السياسية و الأدبية . ثم طبع مع كشف المخبا عن فنون أوربا سنة 1299هـ /1882م .
ترجمة الكتاب المقدس : عني بترجمة الأسفار المقدسة وهو في لندن إجابة لرغبة المرسلين الإنجيليين هناك عل نحو ما ذكرنا في وصف سيرته. فجاءت الترجمة دقيقة صحيحة اتخذها الذين اشتغلوا بعده في ترجمة هذه الأسفار أو تعريبها مرجعاً لهم في ضبط مبناها واستيعاب معناها .
اللفيف في كل معنى ظريف : أنشأ هذا الكتاب وهو في أوربا وهو ينطوي على نكات لغوية وأمثال أدبية وحكم مأثورة وقصص تهذيبية مفرغة في قالب من الفصاحة وحسن الأسلوب ودقة التعبير يأخذ بمجامع القلوب . طبع ثانية في مطبعة الجوائب سنة 1299 هـ / 1882 م .
غنية الطالب ومنية الراغب : كتاب في عالم الصرف و النحو نحا فيه نحواً جديداً جعله في مقام أفضل المؤلفات الموضوعة في هذا العلم . القسطنطينية 1874 .
السند الراوي في الصرف الفرنساوي : كتاب مدرسي أنشأه وهو في باريس لتعليم اللغة الفرنسوية ويعدّ من أفضل الكتب المدرسية ولو أن صاحبه تعلم هذه اللغة بعد أن جاوز سن الشباب ومضى عليه دور الدرس و التحصيل ، 1874 .
الباكورة السنية في نحو اللغة الإنكليزية : كتاب مدرسي وضعه بعد أن أتقن اللغة الإنكليزية في أوربا . وهو سهل المأخذ حسن الأسلوب ويخيل إلى من يطالعه أنه من وضع واحد من أخص أبناء هذه اللغة وكبار أساتذتها . طبع ثانية في مطبعة الجوائب سنة 1299 هـ /1882 م .
كنز الرغائب في منتخبات الجوائب : هو كتاب ينطوي على فصول منتخبة من مجموعة جريدة الجوائب الشهيرة التي أنشأها في الآستانة وصرف زهاء ربع قرن في تحريرها . وقد جمع هذا الكتاب نجله سليم فارس في سبعة مجلدات ، 1871 – 1880 .
مخطوطاته :
وهناك كتب أرى مخطوطة لم يتسع له الوقت لطبعها منها : (( المرآة في عكس التوراة )) وهو سفر ضخم يقع في نحو 700 صفحة أفرغه في قالب بديع لم ينسج أحد على منواله . وقد شرع في إنشائه على أثر ترجمته للتوراة في لندن على ما ذكرناه وأتمه في آخر مرحلة من حياته . وكان قد أوعز إلى نجله ألا يطبعه إلا بعد وفاته . وله : (( النفائس في إنشاء أحمد فارس )) و(( الروض الناضر في أبيات ونوادر)) و (( والتقنيع في علم البديع )) وله ديوان شعر يحوي 22ألف بيت من الشعر النفيس وقد صححه سنة 1882 . وهذا علاوة على نبذة مخطوطة شائقة في الرد على مطران الروم في مالطة(4) وفصول ورسائل شتى في الأدب منها ما هو محفوظ إلى اليوم عند بعض أقاربه وهي مكتوبة بخط جميل يستوقف الأبصار .وكلل جهاده الطويل في خدمة اللغة بكتاب مطول عنوانه ( منتهى العجب في خصائص لغة العرب ))
وقد قضى في تأليفه أعواماً فجاء سفراً نفيساً طويلاً بلغ عدة مجلدات بحث فيه خصائص الحروف الهجائية عند العرب ونسج في وضعه وأسلوبه على منوال لم يسبقه إليه أحد من أئمة اللغة . ولكن هذا الكتاب احترق مع ما احترق من مخطوطاته . هذه وسواها من الأوراق و المؤلفات التي لم يتصل بنا نبأها على نحو ما ذكرنا فيما تقدم .
على أن فضله على اللغة لم يقف عند هذا الحد بل جاوزه إلى خدمتها من ناحية أخرى لها شأنها وأهميتها في عالم الأدب وهي انصرافه إلى طبع المخطوطات العربية النادرة في مطبعة الجوائب وإذاعتها في العالم العربي . وهي مأثرة له تذكر بالشكر والإطراء مع ما يذكر له من الأعمال المجيدة والمآثر الغراء .
أولاده : وقد لف فارس ثلثة أولاد : سليم ولد سنة 1826 في القاهرة وتوفي سنة 1906 في لندره . وفايز ولد سنة 1828 في القاهرة وتوفي سنة 1856 . وأسعد ولد سنة 1850 وتوفي سنة 1851 في ضواحي لندره وقد رثاه والده بقصيدة عصماء مؤلفة من 72 بيتاً قال في مطلعها :
سليم فارس الشدياق : أما سليم فهو بكر أولاده وساعده الأيمن . عاونه عدة سنين في تحرير الجوائب ثم استقل بتحريرها تحت إشرافه إلى أن قضت الظروف السياسية بتعطيلها سنة 1884 .
وسليم كان قطباً من أقطاب السياسة العثمانية ومستودع أسرار المابين ، وأحد رجال تركيا الفتاة ، ومن واضعي القانون الأساسي الذي اقترحه مدحت باشا الملقب بأبي الأحرار في عهد السلطان عبد الحميد ، ومن أكبر أنصار السلطان مراد وأعوان صاحبي السمو إسماعيل باشا ونجله توفيق باشا الخديويين الأسبقين . عالم كبير وكاتب متفنن مجيد وله من الجوائب جولات سياسية و اجتماعية كان لها صدى عظيم في عالم الأدب وأندية السياسة في الشرق والغرب وخاض غمار السياسة في شؤون الممالك الهامة فأحرز مكانة سامية يحسد عليها .
وقد ظفر بثقة السلطان عبد الحميد فاختصه بالتبة الأولى المتمايزة ، وجال في عواصم أوربا واتصل بأقطابها وحكامها ، وورث عن أبيه كنوزه وثروته العظيمة مادية كانت أو أدبية فكانت له عوناً على الاحتفاظ بمقامه ومكانته الأدبية العالية .
ولم يعقب سليم ولداً ذكراً ومات عن بنت وحيدة تسمى روز ، فآلت إليها ثروته الطائلة وهي مسلمة ولدت من أم جركسية اقترن بها والدها في الأستانة .
وقد امتازت روز بظرفها وجمالها وتلقت العلوم في كلية روبرت الشهيرة . وفي سنة 1896 سافرت إلى لندره في صحبة خالتها صفية هانم زوجة والدها الأولى وهي بريطانية الأصل اعتنقت الإسلام وتزوجها سليم . وفي لندره عرفت روز ( أو كل هانم أي وردة أو روز كما كانت تسمى قبل الزواج ) الجنرال ليج ، وهو يومئذ ضابط برتبة يوزباشي في الجيش البريطاني ، فتزوجته بعد أن أسلم من أجلها ، وسمى نوري أفندي ، وتولى عقد زواجهما الشيخ عبد الله كويليام الرئيس الديني لمسلمي ليفربول . وبذلك انتقلت ثروتها إلى زوجها وكان لا يملك شيئاً ، وولدت له عدة أولاد ذكور أسمت أحدهم باسم والدها سليم ، وفي أثناء الحرب العظمى ارتقى زوجها إلى رتبة جنرال .
ولخلاف وقع بينهما يرجع إلى عدم سماحها له بالتصرف في الثروة التي ورثتها عن والدها طلقها بحجة أنها تأبى أن تتقيد بتقاليد الزوجية التي تخول الرجل الحق في السيطرة على مال زوجته طبقاً للقانون الإنجليزي . وهي اليوم [ 1934 ] في لندره ولا تزال محتفظة بالذخائر الأدبية النفيسة المتروكة عن جدها فارس وتأبى التخلي عنها لذويها من آل الشدياق مع ما أبدوا لها من الرغبة في احتيازها لطبعها وإذاعة ما احتوته من الدرر الغوالي ، وهذا ما يبعث على الآسف . ولعل عذرها يعود إلى شدة حرصها على هذه المخلفات التاريخية وخوفها أن تعبث بها يد الضياع ، ولا سيما أنها مخطوطة بيد جدها نفسه . ولكن هذا العذر قد انتحلته فيما مضى لا يبرر هذا الإصرار من جانبها على الاحتفاظ بهذه المخلفات ، ولا سيما متى أيقنت أنها لن تلبث أن تبرز إلى عالم المطبوعات بحلة قشبية ادعى إلى تمجيد اسم المؤلف وإضافة ركن جديد إلى صرح مجده الباذخ وعظمته الخالدة .
هوامش مرجعية :
1-جاء في الصفحة 364 من كتاب سفر الأخبار للمطران يوسف الدبس ما نصه : ((وخلف قسطنطين اللحياني ابنه يوستنيانوس الثاني الملقب بالأخرم لجذع أنفه وكان شريراً خبيثاً جائراً . واتبع بدعة القائلين بالمشيئة الواحدة . . .وفي السنة الأولى من ملكه أرسل إليه عبد الملك ابن مروان وفداً لتجديد الصلح الذي كان عقد في أيام أبيه ، بشرط أن يصدّ عساكر المردة الذين في جبل لبنان ويمنع هجومهم وعبد الملك يدفع إليه كل يوم ألف ذهب وألف جواد وألف مملوك فأجابه يوستنيانوس إلى ذلك وعقد الصلح معه . وأخذ الملك من المردة 12 ألفاً لكنه أضعف بذلك قوة مملكته ... ذلك أن يوستنيانوس أرسل عسكراً بحجة قتال العرب ، وأرسل مع قائده رسائل وهدايا إلى أمير الموارنة ( الأمير يوحنا) وأمره بأن يمكر به ويقتله فأتى قائد الجيش إلى يوحنا أمير الموارنة الذي كان يسكن حينئذ في قب الياس . فقبله يوحنا بمزيد التكريم وبينما كان القائد يحدثه بشأن غزوة العرب أشار إلى جنوده فوثبوا على الأمير يوحنا فقتلوه مع كثير من أعوانه وجنوده )) وجاء في الصفحة 373 ما نصه : ((وبعد مدة شرع قائد جيش الملك يعتذر للموارنة عن هذا الصنيع ويظهر لهم أن الملك يحتاج إلى إنجادهم له في القسطنطينية ، وأن من مضى لنجدته نال خير الجزاء . فاقتنع كثيرون من الموارنة فتوجهوا وعلى رأسهم الأمير سمعان ابن أخت الأمير يوحنا المقتول ، وكانوا نحو 12 ألفاً ، فأخذوا أولاً إلى أرمينيا ثم إلى تراقية واستمر خلفاؤهم في مقاطعة بمفيليه أجيالاً حيث كان ملك الروم يعين لهم والياً منهم يقيم في أضاليا ويسمى قبطاناً)) .
2-من أكبر بواعث على هجرة فارس أن بني الشدياق كانوا في جملة الذين تآمروا على الأمير بشير الكبير ، وأحبط الأمير مساعيهم في حادثة المختارة الشهيرة ، وخاف هؤلاء انتقامه ، وفارس يومئذ شاب تطمح نفسه إلى المجازفة و الجهاد في مطارح الغربة فوافقوه على الرحيل إنقاذاً له من شر الأمير .
3-أقدم أحد أنجال يوسف بك الشدياق بن غالب شقيق فارس على إصدار الجوائب في بيروت بعد الحرب العالمية العظمى ولكنها لم تلبث أن احتجبت ثانية إلى اليوم .
4-عرب فارس للإنكليز كتاباً يشتمل على صلواتهم وعقائدهم وطبع في مالطة . وذهب المطران أثناسيوس التوتنجي إلى بلاد الإنكليز فسئل عن تعريب ذلك الكتاب وغيره مما عربه لهم فارس فقال : إن عبارته إسلامية لا تناسب أهل الكنيسة . ففوضوا إليه النظر في كتاب الصلوات هذا وتصحيحه فجعل يبدل الفصيح منه بالركيك القبيح و الكلام العربي بالأعجمي ، وحرّف وصحف وزاد وأجحف وأوهم القوم أنه قد صححه ، أي تصحيح . وقد رد عليه فارس في نبذة أسماها (( الدر اللجي في غلط المطران أثناسيوس التوتنجي )) وذلك في سنة [ 1260هـ /1844 م ] وصدره بقصيدة جاء فيها :
أكـل طويـل اللحيــة الـيوم عالــم*وكل مشيـــر بالبنــان مناظــــــر

وكـــل امــرئ يبري اليراعة كـاتب*وكل فتى يحوي الدفاتر شاعـــر
أفي كل دهر يهضم الحق هـاضم*وفي كل عصر يكفر الفضل كافـر

وفي كل وقت يخذل العلــم خاذل*وفي كل جيل ينصر الجهل ناصر

ألم يخــل يوم عن حســود ومفتر*يطاول أرباب العلى وهو قاصــــر

يظن المعالــي أنهــا طــول جبـــة*وتوسيع أكمـام وعلــج يعــاقــــر

ويحسب أن الفضل ما شهدت به*له عجم لـم تدر مــا هــو هــاذر
-

-

-

-

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:14 AM
إعدداد ودراسة : الياس جرجوس

للأستاذ مارون بك عبود (بيروت)الكتاب ج2 (1946)،ص587-606





هو أحد أقطاب الأدب العربي العظام ، نشأ في لبنان وشب في مصر و مالطة ، واكتهل في باريس ولندن وتونس ، وشيخ في القسطنطينية . فمات ابن ثلاث وثمانين . ما أحوجته الثمانون إلى ترجمان ، ولم تأخذ من ذلك الرأس شيئاً فبقي غضاً ونفسه خضراء ، كما شهد في بذلك جرجي زيدان :
قدم مصر وقد شاخ وهرم سنة 1886 ((وأتيح لنا مشاهدته وقد علاه الكبر ، وأحدق بحدقتيه قوس الأشياخ، واحدودب ظهره، وكنه لم يفقد شيئاً من الانتباه أو الذكاء. وكان إلى آخر أيامه حلو الحديث، طلي العبارة، رقيق الجانب، مع ميل إلى المجون، وقد لاقى في أثناء إقامته بمصر، هذه المرة، حسن الفائدة، فزاره الوزراء و العظماء، وتشرف بالمثول بين يدي الخديوي [توفيق] ،فأرمه ولاطفه وذكر خدمته للشرق)) [ تراجم مشاهير الشرق القاهرة : مطبعة الهلال 1907، ج2 ، ص108 ] .
هذا هو الشدياق الذي نتحدث عنه . كان في حياته حديث عصره ، وهو ، بعد مرور ستين عاماً على وفاته [ 1946] ، حديث حسن لمن وعى .
(( الشدايقة ))كانوا في لبنان ، وخصوصاً في شماليه ، أكثر من الهم على القلب ، فكل من لبس القنباز شدياق ، وكل من شك دواة في زناره شدياق ، ناهيك أن هذا اللقب يطلق على كل طامح إلى خدمة المذبح . وأحمد فارس هو ابن واحد من هؤلاء . هو فارس بن يوسف بن منصور بن جعفر ، شقيق بطرس الملقب بالشدياق ، من سلالة المقدم رعد بن خاطر الحصروني الذي تولى جبة بشري في القرن السابع عشر .
فهو سليل بيت كان له ضلع في الحكم . فالشدياق بطرس كان دهقاناً ومحاسباً سنة 1715 في عهد الأمير حيدر ، ثم صار سنة 1729 مدبراً لولده الأمير ملحم . وفي سنة 1737غضب الأمير عليه ، فانتحر في سجنه ، وضبط الأمير بيت الشدياق .
وفي سنة 1768 مات الأمير قاسم عمر الشهابي ، وأقام منصوراً الشدياق وصياً على ولديه حسن وبشير- الأمير بشير الكبير أو المالطي – ثم ولي الأمير حسن ، فدعا يوسف بن منصور الوصي إلى خدمته ، فاستعاد دراهم التي ضبطها الأمير ملحم ، واستوطن عشقوت في مقاطعة كسروان . في تلك الدار ولد أحمد فارس ، ثم دارت الأيام دورتها وتعكر صفو خاطر الحاكم فنزح والد أحمد فارس إلى حدث بيروت ، وباع داره إلى أبناء المير يوسف ومن تلك الدار فر أحمد فارس ، بعد أن مر في أطوار كثيرة ، من طالب علم في عين ورقة ، إلى فتى ينسخ الكتب ، إلى كاتب عند ( المير حيدر ) صاحب التاريخ المعروف باسمه ، وقد سماه أحمد فارس في فارياقه – بعير بيعر – وتندر عليه وعلى تاريخه ما شاء ، وأبت الأقدار ، إلى أن توالي ضرباتها على هذا البيت ، فكانت نكبة أخيه أسعد وكان لها أبعد الأثر في حياة أحمد فارس ، ففر من لبنان إلى مصر ، ولم يلحقه ظفر جارح كعبد الحميد ، فعاش طويلاً للأدب الخالص .
وفي ظلال ذلك الوادي الأمين طفق الطائر يغرد ، وأعجب الناس ترجيعه ، فاجتر ومضى على سننه، يعبث بالعرف و العادة والتقليد .وعهد إليه في تحرير الوقائع المصرية ، فبرز في ذلك الميدان. وشاءت الأقدار فمدت يدها الجبارة فإذا بالشدياق في مالطة يعلم الأمريكان ويصحح ما يطبعون من كتب ، ويؤلف كتاباً فريداً قال فيه الأستاذ جبر ضومط في كتابه فلسفة اللغة العربية وتطورها ( وجد الشدياق فوجد كتاب الواسطة وكتاب كشف المخبا وسائر كتاباته الأدبية البالغة مبالغها من الطلاوة و الحسن)) .
وتستدعيه وزارة خارجية إنجلترا ليعاون الدكتور (( لي )) في ترجمة التوراة وتنقيحها ، فيقيم في لندرة وضواحيها سنوات ، وصفها لنا أطرف وصف في كتابه كسف المخبا عن أحوال أوربا . ثم يغادرها إلى باريس ، وهناك يطبع كتابه الخالد(( الفارياق )) . وفي غضون إقامته بباريس ألّف سر الليال و الجاسوس على القاموس ، ومنتهى العجب في خصائص لغة العرب . وفي باريس يمدح أحمد باشا باي تونس بقصيدته المشهورة (( زارت سعاد )) فاستقدمه إليه على مدرعة وجهت خصيصاً ليبحر الشدياق وعائلته عليها ، فعجب لهذا الإكرام العظيم وقال في فارياقه : "لعمري ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقاً ينفق فيه " [ الساق على الساق ، ص 316 ] .
وفي تونس غرق في نعمة الباي ، قلده أسمى المناصب ، وحرر جريدة الرائد التونسي . وهناك أسلم وتسمى أحمد وتكنى بأبي العباس ، وطار صيته في الشرق و الغرب ، فطمعت الآستانة به ، فطلبه الصدر الأعظم من الباي ، فتولى تصحيح الطباعة الشاهانية ردحاً من الزمن ، ثم أصدر الجوائب في سنة 1861 فصدرت أمهات جرائد أوربا عن رأيها في سياسة الشرق ، وبقي في القسطنطينية إلى آخر العمر . فكان منه كما قال المتمشرق الأستاذ جب :" أحد الأبطال العظام المدافعين عن الإسلام ".
الشدياق الكاتب :
كاتب اهتدى إلى ذاته العظمى ، وكان مغامراً فلم يخف على أسلوبه من الموت ، فأرسله في العالم العربي ، غير مبالي بضواطير الأدب ، ولا بمن صدئت عقولهم لنومتهم العبودية في أقبية التقاليد . كان معلم الجيل في تآليفه الكثيرة ومحدثه الدائم في جوائبه أوتي قوة الاختراع فعبر عن فكره الطريف بأسلوب ظريف ، فهو مخترع أبداً حتى في الفصول السياسية والأخبار المحلية . مبتكر في التعبير خاصة . خلق منطقياً جدلياً ، فجاء فارياقه ملآن بالتعابير الفجائية التي يسوق إليها الحوار . وهو لم يفته شيء من الأصول الفنية، فأدرك أن ما أنطق به الفارياقية - زوجته – لا يتفق وعلمها ، فاعتذر في مقدمة كتابه ، وهكذا نجا من المؤاخذة . وقد أنبأني ما لاحظت في آثاره الأدبية أن مولانا الشيخ من قطاع الطرق في الأدب لا يدع سبيلاً لمتربص به ، بل يسد عليه الدروب كلها . وهذا أيضاً من خواص دماغه الكبير .
أدرك المعلم أن السجع - وهو لم يسلم منه - مرض عصور الأدب فقال ((السجع للمؤلف كالرِجل من خشب للماشي ، فينبغي لي أن لا أتوكاً عليه في جميع طرق التعبير لئلا تضيق بي مذاهبه... ولقد رأيت أن كلفة السجع أشق من كلفة النظم ... ومَن أحب أن يسمع الكلام كله مسجعاً مقفى وموشحاً بالاستعارات ومحسّناً بالكنايات فعليه بمقامات الحريري أو بالنوابغ للزمخشري)) ( الساق على الساق ، ج1 ، ص 47 ). (( فأما إذا تعنَّت عليَّ أحد بكون عبارتي غير بليغة ، أي متبّلة بتوابل التجنيس والترصيع و الاستعارات والكنايات فأقول له: إنني لما تقيدت بخدمة جنابه في إنشاء هذا المؤلَّف لم يكن يخطر ببالي التفتازاني و السكاكي والآدمي و الواحدي والزمخشري والبستي وابن المعتز وابن النبيه وابن نُبَاتة ،وإنما كانت خواطري كلها مشتغلة بوصف الجمال ..... وبغبطة من خوّله الله عزة الحسن ، وبرثاء من حرمه منه ، وفي ذلك شاغل عن غيره ... وبعدُ فإني علمت بالتجربة أن هذه المحسّنات البديعية التي يتهور فيها المؤلفون ، كثيراً ما تشغل القارئ بظاهر اللفظ عن باطن المعنى )) ( الساق على الساق ، ج1 ، ص13 ) .
أجل ، إن انشغال بال الفارياق بالجمال وهجسه به ليلاً ونهاراً خلع هذا الجمال الفني على ما خطه قلمه ، فهو ككاتب ، معلم عصره ، ونوابغ كتاب زمانه تلاميذه . لقد فكك القيود وحرر الأذهان من عبودية القديم ، فهو ربوبيته عن كرسي مجدها . ولكنه وضع لتقديس القديم حداً لا يمتهن الألوهة ولا يجر إلى الوثنية. ولو برهنت عن أثره هذا بسرد نتف من كلامه لملأت بذلك مجلداً وما اكتفيت .
فعد أنت إلى تآليف الشيخ . أحمد الشاعر . قال أحمد : (( وكان الفارياق يتهافت منذ حداثته على النظم من قبل أن يتعلم شيئاً مما يلزم لهذه الصنعة ...مع اعتقاده أن الشعراء أفضل الناس ، وأن الشعر أجل ما يتعاطاه الإنسان )) ( الساق على الساق ، ج1 ، ص20 ).
أما نحن فنقول : إن شاعرية الشدياق كانت قوية جداً وقريحته كانت أغزر ما تكون القرائح ، ولو شاء أن يحكي شعراً لقدر، ولكنه كان قليل التجديد شاعراً ، كثيره ناثراً . بكى الطلول كما بكوا ،وقال الغزل الكاذب مثلهم ، مع علمه أنهم من ضلال مبين . وما أكثر ما انتقد خطتهم تلك ، فالظاهر أن بين فمه وأذنيه أربعة أميال لا أربع أصابع . مدح وهجا ورثى ، وقال الشعر في كل غرض ومطلب , ولكنه كان يحاول التجديد دائماً،حتى فكر أن يفكك أغلال القافية ، فقال أربعة أبيات مختلفة القوافي ، وصرح لنا أنه يقصد التجديد ، ثم خمع خلف القدماء .
إننا نعذر الشدياق على مدحه ، ففي (( بانت سعاد )) لم يكن كعب أعلى منه كعباً ، ولو أتيح لشعراء المناسبات عندنا جزء من مليون مما ناله الشدياق لعذرناهم وصفقنا لهم . ولكنهم ، ويا للخجل ، كالقرداين يمدحون الناس ويشتهون الرغيف في يد من يضمه ويشمه كبخيل أبي نواس .
شقي أحمد أولاً ، ثم فاز أخيراً بهذا الشعر الذي كان خير بضاعة عصره – لا تنسى أني قلت عصره.
– فاسمعه يصف شقاءه ، ولاحظ وأنت مار في هذه البيوت الشعرية ، ما فيها من تقليد أعمى :
ســميري من وجه النهــار يراعــة وليليَ درس الصحف من كـــل كـــاذب

فيا لــك من يـــوم كــريـه صباحـه ويـــا لــك من لـيـل بـطيء الـكواكــب

كأني في حلق الزمان شجا فلم يزل لافظاً بي أرض من لم يبالي بـي

أمـــا فـــي الـورى من عادل غير أمـا فيهــم من صـاحـب غيـر حــاصب


أما حين ضحك له الدهر بهذا الشعر وحمله الباي على بارجة حربية لأجل (زارت سعاد) فقال:
ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقاً ينفق فيه . ومضى قدماً في السياسة يأخذ بثأر أبيه وجدوده . كان الإمام متشائماً قبلما صلحت حاله وكثر ماله ، فشكا الدنيا قائلاً :
إن تبتسم دنياك يوماً فلا تركـن إليهـا إنهـا آلقــه

فربما شاقك برق سـرى مبتسماً يتبعه صاعقـة
ولكن الصواعق زالت ، و الحمد الله ، وجاءت الديم ، وسكن الشاعر القصور الشاهقة في الآستانة العلية بعد ذلك الكوخ المالطي الذي قال فيه :
تعـالــوا وافقهــوا عنــي ثـلاثــاً تعلمكــم مراعــاة الــنظير
خلاقي ،ثم جسمي ،ثم بيتي صغير في صغير في صغير
وشاعرنا ماجن مهذب في شعره – إلا إذا هجا – متهتك وقح في نثره ، وقد عرفنا بنفسه يوم كان شقيّاً :
مــا زارنــي إلا خليــع مـــاجــن فدع الحياء إذا حضرت حصيري
إن الحياء أخو النفاق وما صفت دون الـمجــون ســريـر لعشير
وللمرأة في أدبه ، شعراً ونثراً ، أوفى نصيب ، فهو كالحطيئة ، للأنثى عنده حظ الذكرين . وقد أنبأنا في مقدمة فارياقه أنه بناه على أساسين : المرأة واللغة وفي المرأة يقول متشوقاً متحرقاً :
أصبحت في غرفتي رهن الهموم فما يعتادني غير أشجــاني و أوطاري
أرى لـكــــل امـرئ أنثــى تـؤانســــه وليس عندي من أنثى سوى النار
ويذكرني شقاؤه في أول شأنه ما كتبه ويكتبه الشاعر أحمد الصافي النجفي، فاسمع وصف الشدياق لشقائه ذاك :
غدَا بيتي كثير الفرش لمّا تهلهل فيه نسج العنكبوت
فلا عجب إذا ما قلت يوماً لكيد الناس : إني ذو بيوت
ولكنه ينتقم لسوء حاله فيقول أيضاً :
يراني الناس في كوخ حقير فيحتقرون منزلتي احتقارا
فهل يا قوم عندكم المعالي علو مبــاءة تحـوي حمـارا
والأستاذ الذي لا يملأ عيني شعره ، وخصوصاً المدحي منه ، ينخدع ويقول لنا :
من ظن أن مفاعلن متفاعلن سر القريض فجهّزنَّ به إلى
ثم يسمعنا شعر المديح الذي بوَّاه سدة اعتبار وإجلال يتمناها كثيرون من رؤساء حكومات العالم اليوم ، فهل غير يا ترى بعد الميسرة فصار كالناس الذين قال فيهم :
الناس في الدنيا على رأي إذا هم أعســروا
لــكنمـا أهـواؤهـــــــم شتى إذا هم أيسروا
يحدثنا التاريخ أن شاعر زمانه كان لسان قومه في الآستانة ثم إليه يرجعون .كان بيته مفتوحاً لهم ، ولكننا لم نقرأ شيئاً عن كرمه . أما مروءته فكانت كاملة فهو لم يتقاعد عن نجدة ، ولم يتهاون بداع من أبناء جلدته . وآخر ما نقوله في شعره أنه كان جاهلياً في إغرابه ، عباسياً في مدحه ومجونه ، شامياً في تصوره وتفكيره . حاول التجديد في الشعر ، ثم مشى على بلاط ملوك عصره في نعال مشركة . يدل نظمه على قلة تنقيح ، وهو لو نقح لنفض عن شعره هذه اللزقات الأميركية التي لا تخلو منها قصيدة ، فكأنه عدو للموسيقى الشعرية ، مع أنه كان يعزف على الطنبور . وقصص طنبوره كقصص مداس أبي القاسم.وفي كل حال هو أمتن شعراء زمانه ، يضعف شعره حين يمدح ، ويسرح في المراسلة ، ويشتد في الهجو حتى يكاد يخلو من الحشو ، ويتساقط كأنه حجارة المنجنيق . وقبل أن أدع شاعريته التي لا أجل نتاجها وإن كانت أسعدته وابنه وحفيدته التي تعيش اليوم في إنجلترا عيشة اللوردات ، أحب أن أذكر بيتين لا يستهان بهما ، قد أعجب بهما أحمد حتى عدا طوره وحتى تخلق بأخلاق ابن الأثير حين ذكرهما فقال :
لا يحسب الغر البراقع للنسا منعاً لهن عن التمادي في الهــوى
إن السفينــة إنمــا تجري إذا وضع الشراع لها على حكم الهوى
رحم الله شيخنا وغفر له ، فقد كان يرى العالم كله في المرأة ، وقد قال في بنات حواء : إنهن زخرف الكون ، بل أقول غير متحرج عرف الآلهة ، إذ لا يكاد الإنسان يبصر جميلة إلا و يسبح الخالق . ( الساق على الساق ، ج1 ، ص14 ) .
الرحالة السياسي :
قال عن نفسه :
لقد طفت في الدنيا على غير طائل فلما بدا عجزي أنبت (جوائبي)
فيـــا ليـت شعري و النوائب جمـــة أيخفق كــــل مـن منيب ونائب
فارس الشدياق ابن بيت لبناني عريق ، عالج ذووه السياسة في الدنيا والدين –كما علمت– فعركتهم عرك الرحى بثفالها ، مات جده وأبوه وأخوه شهداء حرية الفكر و الميل ،وهو أحد مشردي هذا البيت . قضى عمره مجاهداً ، لم يدع قطراً في الشرق و الغرب إلا حلته ركابه ، وكتب عنه بعين لاقطة لا يفوتها شيء ، فكأنها عدسة المصور ، ففي الواسطة وكشف المخبأ و الفارياق صور شتى لأحوال الشرق و الغرب . وإن أكبرنا جهاد المتمشرقين فلا حرج علينا أن نكبر أكثر منهم جهاد هذا المتمغرب الذي كان إعلاناً للدماغ اللبناني بلا ثمن . وإن أفلح وصار حجة السياسة الشرقية للأوروبيين فلأن الوراثة جعلت منه سياسياً عظيماً ، يحسن تعليل الأمور بعقله الثاقب .وليست سياسة العالم بأصعب من سياسة لبنان المختلفة بضاعته الطائفية ، كمخازن ألف صنف وصنف . وأصدق دليل على تمسك الفارياق بأذيال السياسة رسائله التي كانت ترد على أصحابه وذويه ، فهي تنبئنا أن كل المتاعب لم تشغل الأستاذ عن الاستطلاع سياسة وطن مات وفي قلبه حنين إليه ، وإن لم يكن يقل في ذلك شعراً . وما شرده عنه وكتبه الفارياق إلا تلك النكبة التي وقعت بأخيه أسعد ، فطوحت به في الآفاق يطوي وينشر ما عنَّ له تنفسياً لكربته ، فجابت (( جوائبه )) الأرض ، وكانت مدرسة عامة ، ليلية نهارية ، للناطقين بالضاد . فصحت بها لغة عصره الفاسدة ، وقامت حرب البيان على ساقها . ومن الأنين المتصاعد من [ كنز الرغائب في منتخبات (ج3) ] يظهر لنا إعجابه بصحيفته وتألمه من حاله :
وإن كان سعيي في الجوائب خاسراً فإني لذخر الفخر أصبحت كاسبا
فهو يرى كل ما فيها ، وحاشاه ، فانياً ، وتلك حالة الأديب في كل زمان يرى في المجد غنى عن النقد . وكذلك الصحافي العربي ، فهو هو ، و المشتركين هم هم ، كما يخبرنا الفارياق .
عل سطح ذي الدنيا أراني نقطة أخط خطوطاً لا تسمن لي ضلعا
وقد أعجب النقاد جمع جوائبــي ولكنني للنقد لم أستطع جمعـا
وما بلغت الجوائب ستة وثلاثين أسبوعاً – أي تسعة أشهر – حتى عجز الشدياق عن إصدارها ، فأعلن إفلاسه في العدد السادس و الثلاثين ، قائلاً : و الضمير في ((أقلت)) يعود إلى (( الدنيا )) :
أقلت ذي الجوائب قدر حمل الـ ـجنين وأسقطتهــا في الترائب
ومن يك قرنـه الإفــلاس دهـــراً فكيــف يطيعـه عاصي المطالب
لقد تربت يدي عن نيــل طـرس أخــط بـه مــن الـخطط الغرائـب
بكيـــت ولـيس يجديني بـكـــاء وأرخت (انقضى درس الجوائب)
فاهتز لنجدته الصدر الأعظم فؤاد باشا ، فلم ينقض درس الجوائب ، وعاشت سنين ، حتى قال شيخنا : الله درها .... وظلت تصدر حتى قضت الحوادث السودانية بوقفها سنة 1884 ، أما صاحبها فما وقف قلمه حتى الموت .
اللغوي و المصنف :
ما رأينا قبله لغوياً بحث اللغة فرد ألفاظها إلى أصول قليلة اشتبكت فروعها فصارت أدغالاً مخوفة ، ولا من كشف الغطاء عن خصائص الحروف فدلنا على حكمة الواضع . فالشدياق عالم قارح ، رأسه كمخازن الترنزيت التي تتكدس فيها البضائع ، أو أهراء فرعون يوم أقام يوسف بن يعقوب قهرماناً له.
فهو مستودع الجرايات في هذه المجاعة . لجأ إلى (( جاسوسه )) و (( سر لياليه )) كثيرون ، ففي عدل بنيامين ألف كأس يوسفية ، تخبرنا أن الذين بحثوا اللغة و القواميس بعده عيال عليه ، كما كانوا على الجاحظ قبله . إنهم ينهبون ولا يستحون ، ويسرقون ثم ينسون أنهم سرقوا الرجل ، فيدعون المعرفة غير منوهين بذكر من جاهد ثمانين حولاً ولم يسأم . فما فهمه الشدياق من أسرار اللغة لم يخطر ببال أحد ، وقد كان شديد الإعجاب بسر الليال حتى أفرط في الثناء عليه ، وعقد معلناً فائدته لأولي الألباب ، فكان كالكريم حين يخشى أن لا تأكل من ألوان مأدبته كلها فيتولى بنفسه تشويقك وترغيبك .
وتلك كانت حاله في خلق الألفاظ للمسميات الحديثة ، فقد جاء الصحافة في صباها ، فكان أبا الراقية منها لغة وسياسة . اعترضته مشاق كثيرة عند وضع الكلمات للفارياق وكشف المخبا و الجوائب ،ولكنها لم تعوقه ، فسمى الداليجانس ،حافلة المجد . و الفكونات، الرتل، والباخرة سفينة النار ، و الفنون الجميلة ، الصنائع الظريفة ، وبوليس التحري الثقاف . وكان يتألم كثيراً من هذا العناء المخلوط ببرد أوربا وسطمبول ، فقال فيه شعراً :
ومن فاته التعريب لم يدر ما العنـا ولم يصل نار الحرب إلا المحارب
أرى ألف معنى ما له من مجانس لدينا ، وألف ما له ما يناســــب
فيا ليــت قـومـي يعلمــون بإننـي على نكد التعريب جدي ذاهـب
اسكت يا شيخ ، لقد علموا ، ولكن أنت تنفخ في رماد .
لقد كتب في تآليفه كل ما هو مبتكر حقاً ، فخلق أدباً حياً لا أدباً ذابلاً ، إن تحرك ناس كلعب الأولاد .ويا ليه كتب قصة بمعناها المعروف اليوم ، إذن لكان لنا أروع القصص . وإن صح حشر سيرة الحياة بين القصص ، فالفارياق قصة عالمية رائعة . فما أروع وصف تلك الغربة التي جلت ذاك الصقيل الفرد .
حدثنا رواة الأخبار عن المعري القفلة ، ولكن الدليل على ذاكرته العجيبة لم يقم ، أما إمامنا ففي فارياقه وجميع آثاره ألف دليل على ذلك الدماغ الغريب ، فهو المؤلف العجيب حتى في كتبه اللغوية ، وكل من ألفوا قبله وبعده نساخ ، فمن شاء أن يؤلف في اللغة بعد أحمد فليستح ، وليعذرني أبو عثمان المازني إن استعرت كلمته هذه ، فهنا محلها أيضاً .
الأديب و الناقد :
الشدياق رجل قوي الباصرة ، ليس في جرابه رغيف من خبز الرومنتيكية ، فهو الجاحظ سواء بسواء ، ولولا تشكيه البرد وتبرمه بالثلج لقلت إنه لم يحسّ الطبيعة قط ، اكتفى بالمرأة عن كل ما خلق وما لم يخلق ، فكل الصيد في جوف الفرا . ولولا كرهه طعام الإنجليز وحنينه إلى طعامنا لقلت إن الرجل يعيش على الانتقاد ، فلم تنج ناحية من نواحي الاجتماع من جراد نقده الزحاف ، لم يدع زاوية من زوايا الكون إلا ولجها ، ينتقد الدنيا جماعات وأفراداً وحكومات وبلداناً ، فقل إذا شئت :
لم يسلم من لسانه أحد . أما نقده الأدبي ، ففي الفارياق ، وكشف المخبا ، وسلوان الشجي ، وفصوله المجموعة سبعة أجزاء كثير منه . انتقد أساليب الكتاب و الشعراء وتفكيرهم وتعبيرهم ، فكأنه أقام نفسه معلماً أو مدعياً عاماً في محكمة الأدب .
وقد اطلعت على رسالة بخطه نقد فيها كتاب أخيه طنوس. كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان فما حاباه ولا تغاضى عن هفواته ونعى عليه تذبذبه .
أذكر أنني قرأت كلمة لأمين الريحاني نقد بها (( غطارفة البيان )) كما سماهم ، وإذا بي أجدها بمعناها في الفارياق ، لست أعني أن الريحاني ناقل ، بل قلت هذا لأدلك عل رجل نظر أمس كما ننظر نحن اليوم ، إلى هؤلاء الفحول المقلدين ، وما ننكره نحن الآن عليهم أنكره هو قبلنا في الفارياق ، وكشف المخبا ، وأشبعهم سخراً وهزءاً . ولكن أولئك كهؤلاء لا يردعهم شيء حتى الصفع فخصلة البدن لا يغيرها إلا الكفن ، ولو كان ربنا يسمع شعراً لنظموا له عقوداً زبرجدية يعلقها في شماريخ عرشه .
ولو قرأت ما كتبه في الواسطة عن الزانية التي تضع صورة العذراء بالمقلوب حين تفحش ، لتذكرت ، إن كنت قرأت (( البعث )) ، وصف هذه الحالة الذي كتبه فيلسوف الروس العظيم ، وأدركت أنه لم يفت أديبنا العظيم فسبق إليه .
والأستاذ جريء على استعمال القياس ، فحلحل مكابس اللغويين . لقد جمع ونسب كما قرر مجمع مصر الملكي ، وهو في عمله هذا واثق من نفسه ، يؤدي العبارة على حقها ولا احتكاك عنده ، فكأنه يقطع من مقلع .
والخلاصة أن الفرق بين أحمد ومعاصريه كالفرق بين رافائيل وبين من ينقلون صوره عن معجم لاروس وغيره .
المتهكم الساخر :
تقرأ في الفارياق ( الساق على الساق ج1 ، ص 53، 66 ) نقدأً لاذعاً وتهكماً ساخراً بمؤلفي النحو ومعلميه ، وحركات الإعراب ، وتمسك النحاة بها ، حتى يعبر عن مشاكل النحاة وعراقيلهم التي لا تنتهي بقوله صرت أعتقد بخلود النفس لأن مبهمات النحو الخالدة !! أليس هذا ما يعالجه اليوم معلمو زماننا حاسبين أنهم اخترعوا البارود . وكذلك فعل بعلم البيان و البديع ، فمضى يسخر من أنواع الاستعارة ، وظل يفعل حتى شبع ، وأخيراً شبهها بأشكال الدرج فقال : ومنها القرقي و اللولبي و الحلزوني ، إلخ . حتى قال في علل النحاة : ومات الأصمعي وفي عنقه من رسم الهمزة غدة . ثم يهزأ بتمسك بعض البيانيين بالحروف فيقولون : ( الواو ) هنا أفصح من ( الفاء ) و ( أو ) أفصح من ( أم ) وهلم جراً . ويهاجم الساجعين المنمقين الذين يتلاهون عن الحقيقة باستعارة أو كناية أو تصور غريب ، فيقول كلمة عن المؤبنين :
(( المصاب ينتحب ويولول ، والمؤلف يسجع ويجنس ، ويرصع ويروي ، ويستطرد ويلتفت ، ويتناول المعاني البديعة ، فيمد يده تارة إلى الشمس ، وتارة إلى النجوم ، ويحاول إنزالها من أوج سمائها إلى السافل )) . ويقول في مكان آخر : (( نقضي ساعة تامة في شرح جملة غير تامة )) . ثم يقول : أكثر الكتاب يتهوسون في إهداء السلام والتحيات للمخاطب ، كأنهم مهدون إليه عرش بلقيس . وكقوله للطبيب الذي عالجه علاجاً عنيفاً : أنا صاحب جثتي أفلا تشاورني ! وكقوله عن الإنجليزية التي دعاه زوجها إلى العشاء عنده ، وهرب من وجهه ولم يعشه : تسار بناتها كأنما نزل بهن نكبة البرامكة . ولست أذكر لك شيئاً عن تهكمه بفئة معلومة من الناس ، فاقرأه أنت في محله .
إن المتمشرق الذي قال للأستاذ زكي مبارك في النثر الفني : الأدب العربي رواسم - كليشيهات – مصيب جداً ، ولكنه بلا شك لم يقرأ الشدياق ليعلم أن فينا من خرج من الصيرة .ولو عرف صاحب لسان العرب أن الدهر سيلد لنا واحداً كالشدياق لما تجرأ أن يقول لنا : خذوا لغتكم من أعجمي فقد كشف الفارياق عورة هؤلاء العجم وفضحهم .
وقصارى القول كان المعلم جاحظياً نواسياً في فارياقه ، بطوطياً في واسطته وكشف مخباه ، متنبئياً في مدحه ، خليلياً في لغوياته ونحوه : وقد صدقت الإجبسيان غازت حين قالت : إذا وضعت الكتبة الإنجليزية سكيت وأمرسون وواردزورت ووايلكلف وبلويز في شخصية واحدة يمكنك حينئذ أن تتصور عظمة هذا الرجل . ولو ولد الشدياق في أوربا لدفن مع نخبة العظماء، ولنصبت له التماثيل في مدن بلاده .
إن أحمد فارس ضخم مختوم كقبره ، يمر به الناس ولا يعرفونه ، وهو العارف بكل شيء ، وهو مثال العربي المثقف الكامل في القرن التاسع عشر . لا تقرأ كتبه من عنوانها ، فالجديد يقفز من بين سطورها قفز الأطلاء من دار خولة بالرقمتين . إن أحمد فارس كجبال لبنان ، في كل قرنة معنى خاص ، وفي كل واد صورة جديدة ، فعليك به كله ، فهو للقديم متجر ، وللجديد مكسب .
الأديب المترجم :
استعانت به جمعية التوراة فوقف على ترجمتها التي أعجبت العلامة المطران يوسف الدبس ، أما الشدياق فكان غير راض عن هذه الترجمة، لأنه يكره الركاكة التي نعت بها رجال الدين في فارياقه .
وها نحن نفسح له المجال ليدافع عن نفسه ، ويلقي التبعة على الدكتور (( لي )) :
وفي مثل قولنا (( ضرب لهم مثلاً )) كان يبدل ضرب بقال ، لأنه كان يترجم في عقله لفظ ضرب إلى لغته فلا يجد لها معنى سوى إيصال الألم . وكان يبدل (( علم اعتقادهم )) برأي اعتقادهم ، ويزعم أنها أبلغ في المعنى ، وأن الاعتقاد ليس بمرادف للإيمان ، فإنه إنما ينظر إلى أصل اشتقاقه وهو العقد ، وهو غير مفيد معنى الإيمان . وكان يبدل (( ماء البحر )) بمياه البحر ، وهذا لا محظور منه إلا أن تبديله هوس ..وكان يزعم أن لفظة (( المعجزات )) ليست من كلام النصارى حتى وجدناها في نسخة رومية . ومن أشد وساوسه تجنبه السجع و التركيب الفصيح غاية ما أمكن ، حتى إنه زعم أن ما في الترجمة من قوله :
((خرجتم إليَّ بعصي كلص )) سجع ، وحاول تغييرها فلم يقدر فتركها وهو آسف . وكذا وهمه في : (( نلت خيراتك في حياتك )) فكان يقول : هو من السجع الذي يجب مجانبته في كلام الله تعالى . وكان كلما رأى كلمة أو جملة تنتهي بواو ونون أو ياء ونون يقول إنها مضاهية لكلام القرآن ، فيبدلها ، حتى إنه رأى هذه الجملة وهي (( وأنتم على ذلك شهود )) فقال : إن هذا الموقف يشبه وقف القرآن ، فمن ثمّ يبدلّها بقوله : وأنتم شهود على هذا .
ووجد عبارة أرى وهي (( وما أولئك بعابرين من هناك إلينا )) فقال : هذا التركيب فصيح !فبدل عابرين بيعبرون . ولم أتعجب من تغييره،وإنما تعجب من أنه شعر بحسن هذا التركيب ..(كشف المخبا ص 123 - 412 ) .
لابروير العرب :
هذا ابن بيت قديم نكبته السياسة ، كما قلنا ، ولكنها تأصلت فيه ، فجاء سياسياً أباً عن جد ، و السياسيون المنكوبون في كل عصر يصبحون أفقر البرية متى انتزعت منهم أملاكهم ، كما حل ببيت الشدياق ، فقد أخذ المير أملاكهم حتى لم يدع لهم بيتاً فغادر عشقوت واستقر في حارة البطم بحدث بيروت ، وورث فارس عن أبيه الذي مات في دمشق شهيد ثورة سياسية ، مكتبة ثمينة ، فصار نساخاً له وللناس . وضاق به المعاش فكان (( عطاراً )) يطوف الضيع خلف حمار ، ثم لم تربح تجارته فانقلب صاحب دكان ، وأخفق أيضاً فصار كاتباً لبعير بيعر – أمير حيدر – صاحب التاريخ الذي طبعته الحكومة اللبنانية مؤخراً – فنسخ له سفاسفه التي يحدثنا عنها في فارياقة ، وقد حدثنا عن غفلة أميره هذا ، وعن أشياء أخرى ، لا محل لذكرها هنا ، فارجع إليها بنفسك فليس عليّ أن أزقك كالفرخ ، أما الآن فسمع شيئاً من سفاسف بعير بيعر مما كان يكتبه الفارياق في أساطير بعير بيعر أي في تاريخ المير حيدر : (( في هذا اليوم وهو الحادي عشر من آذار سنة 1818 قص فلان بن فلانة بنت فلانة ذنب حصانه الأشهب بعد إذ كان طويلاً يكنس الأرض ، وفي ذلك اليوم عينه ركبه فكبا به )) إلخ .
(( اليوم نظرت سفينة في البحر مارة ، فظن أنها بارجة قدمت من أحد مراسي فرنسا لتحرير أهل البلاد ، لكن عند التحقيق علم أنها إنما كانت زورقاً مشحوناً ببراميل فارغة ، وكان سبب قدومها للاستقاء من كذا )) ( الفارياق ج1، ص39).
ونكب أخوه أسعد – كما مر – ففر من بلاده يطوف الدنيا ، وظل يشقى ويسعد حتى مات أخيراً شبعان من كل شيء . فغير عجيب إذن إن لمحت فيما صنفه وكتبه دروساً عميقة لأخلاق الناس . قد عالج الكثير من شؤون النفس معالجة النطاسي الأخلاقي ، ولو كان غير عربي لدرسته المدارس كما يدرسون لابروير ، وعول الناس على رأيه فيها كما كان يعول عليه في سياسة الشرق .
إن فصوله التي أذاعتها جوائبه تحت عنوان (( جمل أدبية) ) وهي كثيرة تبتدئ غالباً بـ ((من الناس )) تنم من عالم بسيكولوجي يحلل خوالج النفوس ويصورها بقلم غني جداً ، معتمداً في الغالب على عينه التي كانت تسبر الأعماق النفسانية ، فيدرك الكثير مما يمر به سواه ولا يرى فيه شيئاً .
أحمد المتمغرب :
عجب الناس لهؤلاء المتمشرقين الذين درسوا أدبنا وكتبوا بلغتنا . وتمنى الأستاذ إبراهيم المنذر – بمناسبة الكلام على كتاب ((المستشرقون )) النفيس للأستاذ العقيقي – أن يكون عندنا متمغربون . يا سبحان الله ! أما وجد الشيخ فينا متمغرباً ! أما رأى أولاده في بيته ..... إننا لأحوج إلى التمشرق.
فجبران متمغرب ، وغانم مثله ، و الريحاني أيضاً ، و القرم وخلاط وفصيلتهما كذلك ، و السمعاني و الحاقلاني ونوفل و التولاوي و الفغالي متمغربون ، فما أكثر الغربيين فينا وأقل الشرقيين .
قد تمغربنا ، وكتبنا بلغة القوم كما كتب نوابغهم ، أما هؤلاء المتمشرقون فآثارهم أمامك ، وإن كنت لم ترها فارجع إلى الفارياق وكشف المخبا فعند أحمد الخبر اليقين . أما إذا كنت تبغي متمغرباً بالمعنى الأتم ، فها هو أمامك . هو ذلك الجهبذ – لم أجد لفظة أصلح منها فكأنها وضعت لتقال فيه – هو ذلك النائم في الحازمية نومة الأبد بعد ما ملأ الدنيا نصف قرن .
هذا الذي تمغرب وثأر للشرق من كتّاب الغرب ، واكتشف من عيوبهم أكثر مما اكتشفوا عندنا. ولكنه كان أعدل منهم ، فذكر ما لهم وما عليهم ، بينما هم لا يرون عندنا إلا المخازي و المعايب . قد زيف بضاعة المتمشرقين المزجاة ، فاقرأ تعلم أي مقدار من العلم بلغة العرب عند هؤلاء الذين نمشي وراءهم ولا نسأل إلى أين . فما رأيكم بواحد من هؤلاء يقرأ ((حيل بينهما )) جبل ببنها ! وذلك في قول الشاعر الأندلسي :
يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان
ثم شرحه شرحاً وافياً ، فصرف ساعات تامة في شرح جملة غير تامة كما قال الشدياق . اقرأوا في الفارياق تلك العظة الشهيرة التي ألقاها أحد هؤلاء المتمشرقين في كنائسنا،ولا ترموا شيخنا بالغلو .
فقد سمعت بأذني الثنتين عظة مثلها . فهذا هو المتمغرب الكامل الثقافة .
عرف ابن زهير كما عرف شكسبير وملتون ولامرتين وفرجيل ، حتى حدثنا عن أدب الغرب وخص بالذكر منه الشعر ، ناعياً عليه رموزه وغموضه .إنه لم يترك شاردة ولا واردة ، وأذاع بالطبع كتباً عربية نفيسة كما أذاع المتمشرقون ، وحسبه أنه نشرها سالمة من فاحش الخطأ الذي لا يدركه أولئك .
وإني لأعجب من المتمشرق كراتشكوفسكي الذي عد شدياقنا من غير البلاد العربية . فلو قرأ الشدياق كلمته تلك لنهض من قبره يحمل إحدى الأسطوانتين . وأسمعه ما أسمع من أهل زمانه . فالرجل يأبى أن ينسب إلى غير بلاده ولو أعطيته ملء الأرض ذهباً وحسبنا دليلاً على تعصبه لجبله أنه تمغرب بزيه الشرقي . وكم استغربوه ولم يبال . فليت من يشاء عملاً يذكر أن يخوض في عباب سر لياله ويحدثنا عنه ، ولا بأس عليه أن قال : فيا لك من ليل تمطى بصلبه .
خُلقه وخَلقه :
من ينظر رأس أحمد فارس في صورته يخال أنه أمام جبار . عبل الشوى كحصان عنتر، ولكن من يقرأ شعره يعلم أنه أقل من مربوع . وإن تقل قد يبالغ الشاعر قلنا لك عليك بالفارياق (الساق على الساق ، ص282) فتقرأ : (( قد كنت أظن أن صغر جثتك – يا فارياق – لا يكون موجباً لإنشاء تأليف كبير الحجم مثل هذا )) . وبعد : فالرجال لا تباع بالذراع و لا تقاس بالأقدام ...... و الذي تراءى لي من قراءة الرجل أنه متطرف في كل شيء ، متطرف في اجتهاده وجهاده ، متطرف في عزمه الذي لا يكل ولا يمل ، متطرف في مطالعاته ، متطرف في تأملاته ، متطرف في تعبيره وتفكيره ، يتخطى كالمنطيقي الزنديق ولا يسقط في يده . تسوؤه أقل بادرة فيشهر حرب البسوس ،وترضيه كلمة فيعفو وإذا بالماضي مضى ، يخلص لأصحابه الود ، ويغفر لمن أساء إليه إن استعطفه متذللاً . الغريزة الجنسية عنده ملاك الحياة، فهو لا يعنيه من هذا الوجود إلا ما تدركه الحواس . أما ما وراء الطبيعة فيرى البحث فيه تهليساً ومهارشة . حبه لعائلته يفوق الحد ، وقد عبر عنه بوعظه الأمراء في فارياقه ، وظهر لنا جلياً في حزنه وبكائه على ولده فائز حين قابل الدكتور لي.لا يؤمن بالوحي ، ويخطئ ما لا يسلم به العقل . لو كان اليوم لضحك من أدبائنا الموسوسين الذين يفتشون عن الله و الآخرة.
جاء أحمد قبل الوقت فقاسى آلاماً وعذاباً ، وقال شيئاً وترك أشياء كانت تجول في صدره. وتقف على رأس لسانه ، وفي ( المرآة في عكس التوراة ) الذي أوصى أن لا يطبع إلا بعد وفاته . دليل على ما بقي في ذلك الدماغ .فالمحيط البيتي و البلدي وتلك النكبات المتتالية جعلت منه هذا الساخط الحانق ، وهو بطبعه يجيد الكلام متى حنق ، وقد أوتي قوة استطراد عجيبة ، فكانت سلاحه الماضي في منازلة خصومه . قد يكون حب المجون والأحماض من طبعه ، ولكن مكتبة والده التي عكف عليها صغيراً ، وهي حافلة بالكتب العربية القديمة ، كالكشكول و المستظرف وغيرهما ، قد أنمت هذا الذوق ، ثم عززه النسخ و القراءة ،فجاء صارخاً عجاجاً .
بين التجديد و التقليد
الفن لفظة جوفاء يستتر وراءها كل صفيق الفكر، أما العبقري فيخلق فنه ، وعلى الذرية أن تضع المقاييس،فشكسبير وراسين كانا قبل فرويد. وهكذا فعل نابغتنا العظيم ، ولكنه لم يجرؤ على الطفرة ، فوضع كما يقول الفلاح اللبناني :رِجلاً في البور . فرأيناه تارة يسجع ، وطوراً يدع السجع هازئاً ، ثم يعود إلى تلك الرجل الخشبية ، وكأنه يأبى إلا أن يكون له ما كان لأهل زمانه ، فكتب أربع مقامات ،ولكن في أغراض غير أغراضهم ، فطمست روح المعلم معالم التقاليد ، ولا عجب فهو ممن يصنعون القالب على الرِجل ، لا الرِجل على القالب .
وبينا نحن نقرأ ازدراءه القديم إذا بنا نراه ينهج نهجهم في عناوين كتبه ( الواسطة في أحوال مالطة ))،(( كشف المخبا عن فنون أوربا))،(( سر الليال في القلب والإبداع ))،((السند الراوي في الصرف الفرنساوي ))،((الباكورة السنية في نحو اللغة الإنكليزية ))، وأخيراً ((غنية الطالب ومنية الراغب)) على وزن بحث المطالب ، إلخ . كل هذا يدلني على أن عقلنا مهما كبر وتجرد من قيود الماضي فلا بد أن يظل عالقاً بشيء منه فلا يتفلت منه بسهولة ، و الخوف من الغد يزيد هذه الأمور تمكيناً . وإذا تساءلنا :هل الشدياق عالم أو فيلسوف أو مؤرخ ؟ كل شيء من هذا وليس بشيء منه ،فهو لا تعنيه إلا أخلاق البشر من حيث الاجتماع فقط، واستنباطه من الواقع . فالمرئيات كما قلنا نواة أدبه ، تلقى في أرض أسلوبه المغلال، فتعطي الواحدة مئة ، كالحبة التي ضربها الإنجيل مثلاً . وقد تكون الفكرة مبتذلة فيجلوها المعلم ، كجنان النواسي ، فتفضح العروس وتفتن النظارة .
ذوقه الفني :
لا أعلم لماذا يعجبني فن هذا الرجل ، فإذا قرأت الفارياق أنكرت أن يكون سيرة حياة ، فهو عندي قصة رائعة ، وهل نكتب غير قصتنا قصة غيرنا . ماذا كان يقصد أحمد فارس حين ترك الأرقام التاريخية في فارياقه ؟ وماذا كان يقصد حين جرد من نفسه شخصاً سماه الفارياق فكتب قصته بلسانه ؟ أي فن أراد ، وأي إحساس أحس حين فعل هذا ؟ أما قرأت أن نقاد الغرب أعجبوا اليوم بأندره مروا لأنه فعل ما فعله الشدياق منذ قرن ؟ إنني لواثق بأن شدياقنا كامل الذوق ، وهو لو لم ينفق جل حياته في شؤون أخرى لما قصر في الفن والأدب عن أعاظم رجاله اليوم . وإليك نموذجاً يدلك على ذوق إمامنا الفني . قال في الرقص :
((وكان للحاكم عادة [ في مالطة] أن يدعو جميع المعروفين في خدمته إلى ليلة عيد يرقص فيها الرجال و النساء بحضرته ، وكان من جملة المدعوين الفارياق وزوجته . فلما رأت هذه الرجال يرقصون وهم مخاصرون للنساء قالت لزوجها : هل هؤلاء النساء أزواج هؤلاء الرجال ؟ قال : منهن هكذا ، ومنهن بخلاف ذلك . قالت : وكيف يخاصرونهن إذاً ؟ قال ، هذه عادة القوم هنا وفي سائر بلاد الإفرنج . قالت وبعد المخاصرة ما يكون منهم ؟ قال : لا أدري ، ولكن بعد انفضاض الناس يذهب كل إلى منزله . قالت : أشهد بالله إنه ما خاصر رجل امرأة إلا باطنها ! قال : لا تسيئي الظن ، إنها عادة مشوا عليها . قالت : نعم ، هي عادة ونعمت العادة ، ولكن كيف يكون إحساس المرأة حين يلمسها رجل جميل في خصرها ؟ فقلت : لا أدري ، إنما أنا رجل لا امرأة . قالت : ولكن أنا أدري ، إن الخصر إنما جعله الله في الوسط مركزاً للإحساس الفوقي و التحتي ، ولذلك كانت النساء عن الرقص و القرص في أي موضع كان من أجسامهن يبدين الحركة في الخصر . ثم تنفست الصعداء وقالت : يا ليت أهلي علموني الرقص ، فما أرى فيه لأنثى نقص . فقلت : لو فتحت ((الصاد )) في كل من المصراعين لكان بيتاً مطلقاً.
يا للفضيحة بين الأنام ، أتقول هذا الكلام في هذا المقام . فقلت : هيت إلى البيت ، فقد كفاني ما سمعت الليلة وما رأيت . قالت : لا بد من أرى ختام الرقص . قال : فلبثنا إلى الصباح ، ثم انصرفت بها فكانت تقول وهي سائرة : نساء مع رجال راقصات ، رجال مع نساء راقصون ، راقصات راقصون راقصات . فقلت فاعلات فاعلون ، فاعلون فاعلات ! قالت الرجال و النساء و البنون و البنات . كيف ، متى ، أين ؟[ الساق على الساق ، ص223 ] . أرأيت كيف يتحدث وينهي حديثه عن الرقص ، إنه رقص وزيادة . وهذا هو الفن الكامل – تبحر كثيراً في هذا الكلام لتفهم قليلاً ، أو كلف أحد العارفين بشرحه لك ، وإلا فيا ضياع تعبي .
أحمد الهجّاء :
ما أحلى ترديد ما قاله لامرتين حين قرأ (( الشاتيمان )) لفكتور هيجو ، ثلاثة آلاف بيت كل سب ، هذا كثير . ونحن نقول : إن حملة الفارياق على أخصامه عنيفة جداً ، ولكن الرجل خُلق هجاء ، و الهجاء يدل كثيراً على الشاعر وهذا ما حملنا على خص هجاء أحمد بهذه الكلمة . الرجل سباب شتام حين يهجو ، قلما يهزأ ويتهكم ، يهاجم الخصم فيكسره شر كسرة . لا حيلة ولا هوادة في الأمر . الحرب الكلامية عنده تطول ، دائماً المعركة فاصلة . وما تخيلناه من تقلب طباعه يدلنا عليه تبادل الهجاء بينه وبين أديب إسحق ، الكاتب الذي نوه به أحمد . ثم قال يهجوه :
لو أن آدم عالم في أنـه ستكـون من أبنـائه فيمـــا غب
لأباح حوا بالطلاق ثلاثة وأبى لأجلك أن يكون أبا البشر
فأجاب أديب :
عجبــاً هجـوت وكنت قبـلا مادحــي لا بدع قبلي قد خدعت محمدا
ومكرت في عيسى وخنت أباك في لقب أخذت ولم يكن لك أحمدا
وظهرت في ذلك الزمان جريدة برجيس باريس فناوأته وتحدته فاسمع كيف يهجو صاحبها :
إذا البرجيس فاه سددت أنفي فــإن بنتنـــه تعجيـــل حتفـــــي
فمـا لعـــلاج ذاك الفتــح منـــه سوى سد ، وبعض القول يكفي
صنـان تشـمئز الــنفس منــه ويمنـــى كـــل ذي أنـف برعــف
وقال يهجو زميله المعلم بطرس البستاني ، المشهور بفضله وعلمه :
كــابـدت مــن زمنــي كوارث جمة وأمرهــا فـــي مــرهــا ثنتــــــان
لغة(الجنان) إذا هذت في مدح قا رئ لغوها و (سياحة البستاني)
وانتقد الفارياق اليازجي الأب فقام ابنه إبراهيم يدافع عن والده فهجاه أحمد بقوله :
عجباً لمجترئ عليّ وما لـه عند البراز سوى عتاد هرائه
فكأنه الظربان معتمداً على دفع الملم به بريح فسـائــه
لا ريب أنك لاحظت مثلي أن هجاء الفارياق يخلو من الحشو الذي يكثر في شعره ، وهذا يجعلني أرى أن ظني في محله ، فالرجل كان قليل التنقيح . أما الشيخ إبراهيم فاعتزل هذه الحرب معتذراً اعتذاراً نبيلاً فقال :
ليس الواقعة من شأني ، فإن عرضت أعرضت عنها بوجه بالحياء ندي
إنــي أضــن بعــرضــي أن يلـــم بــــه غيري ، فهل أتولى خرقه بيـدي
لسنا ننكر علم الشيخ إبراهيم وأدبه ، ولكننا نرى الأستاذ بطرس البستاني قد اشتط في كتابه النفيس ((أدباء العرب )) إذ شبه مناظرة الشدياق و اليازجي إبراهيم بمناظرة الخوارزمي و الهمذاني ، فقد كان الشيخ إبراهيم يومئذ رخصاً و الشدياق قارحاً . وإننا نحمد الله على نقد الشدياق الذي خلق لنا عالماً لغوياً نفتخر بتدقيقه كالشيخ إبراهيم وإنما الظروف و الأحوال تخلق الرجال .
إلى القارئ :
لا تظنن بعد الذي قرأته أنك قرأت أحمد فارس أو عرفته ، لا والله ، فأحمد فارس لا يدرك جله ما لم يقرأ كله عشر مرات ، فهو جديد نفيس ، ولذلك هو غريب عنا .
حينما تقع في أرض الشدياق تجد الجديد طمعاً ولوناً ، فهو الأديب العديد النواحي كأدباء العالم ، بل يمتاز من أكثرهم بأسلوبه الذي يغريك فتقرأ غصباً عنك ، إنه لا يمل حتى في (جمله السياسية ) وأخباره المحلية ، يقدمها لك في أجمل صحن مبهرة مفلفلة . وقد عرف الأستاذ حاله فوصفها لنا بقوله :
ما راج من قولي فخذه ، وما تجد من زائف فاتركه لي ملفوفـاً
لا بـــدّ أن تجــد الصيـــارف مـــرة بين الدراهم درهمــاً مزيوفـاً
إن الـــمصنـف لا يــكون مصنفـــاً إلا إذا جعل الكـــلام صنوفـاً
فما أكثر صنوف الشيخ ، الشخصية كلها متجسدة فيها ، ولذلك نحني الرأس إجلالاً أمام هذا العبقري قائلين : الله أكبر يا أحمد !
مارون عبود

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:15 AM
إعدداد ودراسة : الياس جرجوس

للأستاذ مارون بك عبود (بيروت)الكتاب ج2 (1946)،ص587-606





هو أحد أقطاب الأدب العربي العظام ، نشأ في لبنان وشب في مصر و مالطة ، واكتهل في باريس ولندن وتونس ، وشيخ في القسطنطينية . فمات ابن ثلاث وثمانين . ما أحوجته الثمانون إلى ترجمان ، ولم تأخذ من ذلك الرأس شيئاً فبقي غضاً ونفسه خضراء ، كما شهد في بذلك جرجي زيدان :
قدم مصر وقد شاخ وهرم سنة 1886 ((وأتيح لنا مشاهدته وقد علاه الكبر ، وأحدق بحدقتيه قوس الأشياخ، واحدودب ظهره، وكنه لم يفقد شيئاً من الانتباه أو الذكاء. وكان إلى آخر أيامه حلو الحديث، طلي العبارة، رقيق الجانب، مع ميل إلى المجون، وقد لاقى في أثناء إقامته بمصر، هذه المرة، حسن الفائدة، فزاره الوزراء و العظماء، وتشرف بالمثول بين يدي الخديوي [توفيق] ،فأرمه ولاطفه وذكر خدمته للشرق)) [ تراجم مشاهير الشرق القاهرة : مطبعة الهلال 1907، ج2 ، ص108 ] .
هذا هو الشدياق الذي نتحدث عنه . كان في حياته حديث عصره ، وهو ، بعد مرور ستين عاماً على وفاته [ 1946] ، حديث حسن لمن وعى .
(( الشدايقة ))كانوا في لبنان ، وخصوصاً في شماليه ، أكثر من الهم على القلب ، فكل من لبس القنباز شدياق ، وكل من شك دواة في زناره شدياق ، ناهيك أن هذا اللقب يطلق على كل طامح إلى خدمة المذبح . وأحمد فارس هو ابن واحد من هؤلاء . هو فارس بن يوسف بن منصور بن جعفر ، شقيق بطرس الملقب بالشدياق ، من سلالة المقدم رعد بن خاطر الحصروني الذي تولى جبة بشري في القرن السابع عشر .
فهو سليل بيت كان له ضلع في الحكم . فالشدياق بطرس كان دهقاناً ومحاسباً سنة 1715 في عهد الأمير حيدر ، ثم صار سنة 1729 مدبراً لولده الأمير ملحم . وفي سنة 1737غضب الأمير عليه ، فانتحر في سجنه ، وضبط الأمير بيت الشدياق .
وفي سنة 1768 مات الأمير قاسم عمر الشهابي ، وأقام منصوراً الشدياق وصياً على ولديه حسن وبشير- الأمير بشير الكبير أو المالطي – ثم ولي الأمير حسن ، فدعا يوسف بن منصور الوصي إلى خدمته ، فاستعاد دراهم التي ضبطها الأمير ملحم ، واستوطن عشقوت في مقاطعة كسروان . في تلك الدار ولد أحمد فارس ، ثم دارت الأيام دورتها وتعكر صفو خاطر الحاكم فنزح والد أحمد فارس إلى حدث بيروت ، وباع داره إلى أبناء المير يوسف ومن تلك الدار فر أحمد فارس ، بعد أن مر في أطوار كثيرة ، من طالب علم في عين ورقة ، إلى فتى ينسخ الكتب ، إلى كاتب عند ( المير حيدر ) صاحب التاريخ المعروف باسمه ، وقد سماه أحمد فارس في فارياقه – بعير بيعر – وتندر عليه وعلى تاريخه ما شاء ، وأبت الأقدار ، إلى أن توالي ضرباتها على هذا البيت ، فكانت نكبة أخيه أسعد وكان لها أبعد الأثر في حياة أحمد فارس ، ففر من لبنان إلى مصر ، ولم يلحقه ظفر جارح كعبد الحميد ، فعاش طويلاً للأدب الخالص .
وفي ظلال ذلك الوادي الأمين طفق الطائر يغرد ، وأعجب الناس ترجيعه ، فاجتر ومضى على سننه، يعبث بالعرف و العادة والتقليد .وعهد إليه في تحرير الوقائع المصرية ، فبرز في ذلك الميدان. وشاءت الأقدار فمدت يدها الجبارة فإذا بالشدياق في مالطة يعلم الأمريكان ويصحح ما يطبعون من كتب ، ويؤلف كتاباً فريداً قال فيه الأستاذ جبر ضومط في كتابه فلسفة اللغة العربية وتطورها ( وجد الشدياق فوجد كتاب الواسطة وكتاب كشف المخبا وسائر كتاباته الأدبية البالغة مبالغها من الطلاوة و الحسن)) .
وتستدعيه وزارة خارجية إنجلترا ليعاون الدكتور (( لي )) في ترجمة التوراة وتنقيحها ، فيقيم في لندرة وضواحيها سنوات ، وصفها لنا أطرف وصف في كتابه كسف المخبا عن أحوال أوربا . ثم يغادرها إلى باريس ، وهناك يطبع كتابه الخالد(( الفارياق )) . وفي غضون إقامته بباريس ألّف سر الليال و الجاسوس على القاموس ، ومنتهى العجب في خصائص لغة العرب . وفي باريس يمدح أحمد باشا باي تونس بقصيدته المشهورة (( زارت سعاد )) فاستقدمه إليه على مدرعة وجهت خصيصاً ليبحر الشدياق وعائلته عليها ، فعجب لهذا الإكرام العظيم وقال في فارياقه : "لعمري ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقاً ينفق فيه " [ الساق على الساق ، ص 316 ] .
وفي تونس غرق في نعمة الباي ، قلده أسمى المناصب ، وحرر جريدة الرائد التونسي . وهناك أسلم وتسمى أحمد وتكنى بأبي العباس ، وطار صيته في الشرق و الغرب ، فطمعت الآستانة به ، فطلبه الصدر الأعظم من الباي ، فتولى تصحيح الطباعة الشاهانية ردحاً من الزمن ، ثم أصدر الجوائب في سنة 1861 فصدرت أمهات جرائد أوربا عن رأيها في سياسة الشرق ، وبقي في القسطنطينية إلى آخر العمر . فكان منه كما قال المتمشرق الأستاذ جب :" أحد الأبطال العظام المدافعين عن الإسلام ".
الشدياق الكاتب :
كاتب اهتدى إلى ذاته العظمى ، وكان مغامراً فلم يخف على أسلوبه من الموت ، فأرسله في العالم العربي ، غير مبالي بضواطير الأدب ، ولا بمن صدئت عقولهم لنومتهم العبودية في أقبية التقاليد . كان معلم الجيل في تآليفه الكثيرة ومحدثه الدائم في جوائبه أوتي قوة الاختراع فعبر عن فكره الطريف بأسلوب ظريف ، فهو مخترع أبداً حتى في الفصول السياسية والأخبار المحلية . مبتكر في التعبير خاصة . خلق منطقياً جدلياً ، فجاء فارياقه ملآن بالتعابير الفجائية التي يسوق إليها الحوار . وهو لم يفته شيء من الأصول الفنية، فأدرك أن ما أنطق به الفارياقية - زوجته – لا يتفق وعلمها ، فاعتذر في مقدمة كتابه ، وهكذا نجا من المؤاخذة . وقد أنبأني ما لاحظت في آثاره الأدبية أن مولانا الشيخ من قطاع الطرق في الأدب لا يدع سبيلاً لمتربص به ، بل يسد عليه الدروب كلها . وهذا أيضاً من خواص دماغه الكبير .
أدرك المعلم أن السجع - وهو لم يسلم منه - مرض عصور الأدب فقال ((السجع للمؤلف كالرِجل من خشب للماشي ، فينبغي لي أن لا أتوكاً عليه في جميع طرق التعبير لئلا تضيق بي مذاهبه... ولقد رأيت أن كلفة السجع أشق من كلفة النظم ... ومَن أحب أن يسمع الكلام كله مسجعاً مقفى وموشحاً بالاستعارات ومحسّناً بالكنايات فعليه بمقامات الحريري أو بالنوابغ للزمخشري)) ( الساق على الساق ، ج1 ، ص 47 ). (( فأما إذا تعنَّت عليَّ أحد بكون عبارتي غير بليغة ، أي متبّلة بتوابل التجنيس والترصيع و الاستعارات والكنايات فأقول له: إنني لما تقيدت بخدمة جنابه في إنشاء هذا المؤلَّف لم يكن يخطر ببالي التفتازاني و السكاكي والآدمي و الواحدي والزمخشري والبستي وابن المعتز وابن النبيه وابن نُبَاتة ،وإنما كانت خواطري كلها مشتغلة بوصف الجمال ..... وبغبطة من خوّله الله عزة الحسن ، وبرثاء من حرمه منه ، وفي ذلك شاغل عن غيره ... وبعدُ فإني علمت بالتجربة أن هذه المحسّنات البديعية التي يتهور فيها المؤلفون ، كثيراً ما تشغل القارئ بظاهر اللفظ عن باطن المعنى )) ( الساق على الساق ، ج1 ، ص13 ) .
أجل ، إن انشغال بال الفارياق بالجمال وهجسه به ليلاً ونهاراً خلع هذا الجمال الفني على ما خطه قلمه ، فهو ككاتب ، معلم عصره ، ونوابغ كتاب زمانه تلاميذه . لقد فكك القيود وحرر الأذهان من عبودية القديم ، فهو ربوبيته عن كرسي مجدها . ولكنه وضع لتقديس القديم حداً لا يمتهن الألوهة ولا يجر إلى الوثنية. ولو برهنت عن أثره هذا بسرد نتف من كلامه لملأت بذلك مجلداً وما اكتفيت .
فعد أنت إلى تآليف الشيخ . أحمد الشاعر . قال أحمد : (( وكان الفارياق يتهافت منذ حداثته على النظم من قبل أن يتعلم شيئاً مما يلزم لهذه الصنعة ...مع اعتقاده أن الشعراء أفضل الناس ، وأن الشعر أجل ما يتعاطاه الإنسان )) ( الساق على الساق ، ج1 ، ص20 ).
أما نحن فنقول : إن شاعرية الشدياق كانت قوية جداً وقريحته كانت أغزر ما تكون القرائح ، ولو شاء أن يحكي شعراً لقدر، ولكنه كان قليل التجديد شاعراً ، كثيره ناثراً . بكى الطلول كما بكوا ،وقال الغزل الكاذب مثلهم ، مع علمه أنهم من ضلال مبين . وما أكثر ما انتقد خطتهم تلك ، فالظاهر أن بين فمه وأذنيه أربعة أميال لا أربع أصابع . مدح وهجا ورثى ، وقال الشعر في كل غرض ومطلب , ولكنه كان يحاول التجديد دائماً،حتى فكر أن يفكك أغلال القافية ، فقال أربعة أبيات مختلفة القوافي ، وصرح لنا أنه يقصد التجديد ، ثم خمع خلف القدماء .
إننا نعذر الشدياق على مدحه ، ففي (( بانت سعاد )) لم يكن كعب أعلى منه كعباً ، ولو أتيح لشعراء المناسبات عندنا جزء من مليون مما ناله الشدياق لعذرناهم وصفقنا لهم . ولكنهم ، ويا للخجل ، كالقرداين يمدحون الناس ويشتهون الرغيف في يد من يضمه ويشمه كبخيل أبي نواس .
شقي أحمد أولاً ، ثم فاز أخيراً بهذا الشعر الذي كان خير بضاعة عصره – لا تنسى أني قلت عصره.
– فاسمعه يصف شقاءه ، ولاحظ وأنت مار في هذه البيوت الشعرية ، ما فيها من تقليد أعمى :
ســميري من وجه النهــار يراعــة وليليَ درس الصحف من كـــل كـــاذب

فيا لــك من يـــوم كــريـه صباحـه ويـــا لــك من لـيـل بـطيء الـكواكــب

كأني في حلق الزمان شجا فلم يزل لافظاً بي أرض من لم يبالي بـي

أمـــا فـــي الـورى من عادل غير أمـا فيهــم من صـاحـب غيـر حــاصب


أما حين ضحك له الدهر بهذا الشعر وحمله الباي على بارجة حربية لأجل (زارت سعاد) فقال:
ما كنت أحسب أن الدهر ترك للشعر سوقاً ينفق فيه . ومضى قدماً في السياسة يأخذ بثأر أبيه وجدوده . كان الإمام متشائماً قبلما صلحت حاله وكثر ماله ، فشكا الدنيا قائلاً :
إن تبتسم دنياك يوماً فلا تركـن إليهـا إنهـا آلقــه

فربما شاقك برق سـرى مبتسماً يتبعه صاعقـة
ولكن الصواعق زالت ، و الحمد الله ، وجاءت الديم ، وسكن الشاعر القصور الشاهقة في الآستانة العلية بعد ذلك الكوخ المالطي الذي قال فيه :
تعـالــوا وافقهــوا عنــي ثـلاثــاً تعلمكــم مراعــاة الــنظير
خلاقي ،ثم جسمي ،ثم بيتي صغير في صغير في صغير
وشاعرنا ماجن مهذب في شعره – إلا إذا هجا – متهتك وقح في نثره ، وقد عرفنا بنفسه يوم كان شقيّاً :
مــا زارنــي إلا خليــع مـــاجــن فدع الحياء إذا حضرت حصيري
إن الحياء أخو النفاق وما صفت دون الـمجــون ســريـر لعشير
وللمرأة في أدبه ، شعراً ونثراً ، أوفى نصيب ، فهو كالحطيئة ، للأنثى عنده حظ الذكرين . وقد أنبأنا في مقدمة فارياقه أنه بناه على أساسين : المرأة واللغة وفي المرأة يقول متشوقاً متحرقاً :
أصبحت في غرفتي رهن الهموم فما يعتادني غير أشجــاني و أوطاري
أرى لـكــــل امـرئ أنثــى تـؤانســــه وليس عندي من أنثى سوى النار
ويذكرني شقاؤه في أول شأنه ما كتبه ويكتبه الشاعر أحمد الصافي النجفي، فاسمع وصف الشدياق لشقائه ذاك :
غدَا بيتي كثير الفرش لمّا تهلهل فيه نسج العنكبوت
فلا عجب إذا ما قلت يوماً لكيد الناس : إني ذو بيوت
ولكنه ينتقم لسوء حاله فيقول أيضاً :
يراني الناس في كوخ حقير فيحتقرون منزلتي احتقارا
فهل يا قوم عندكم المعالي علو مبــاءة تحـوي حمـارا
والأستاذ الذي لا يملأ عيني شعره ، وخصوصاً المدحي منه ، ينخدع ويقول لنا :
من ظن أن مفاعلن متفاعلن سر القريض فجهّزنَّ به إلى
ثم يسمعنا شعر المديح الذي بوَّاه سدة اعتبار وإجلال يتمناها كثيرون من رؤساء حكومات العالم اليوم ، فهل غير يا ترى بعد الميسرة فصار كالناس الذين قال فيهم :
الناس في الدنيا على رأي إذا هم أعســروا
لــكنمـا أهـواؤهـــــــم شتى إذا هم أيسروا
يحدثنا التاريخ أن شاعر زمانه كان لسان قومه في الآستانة ثم إليه يرجعون .كان بيته مفتوحاً لهم ، ولكننا لم نقرأ شيئاً عن كرمه . أما مروءته فكانت كاملة فهو لم يتقاعد عن نجدة ، ولم يتهاون بداع من أبناء جلدته . وآخر ما نقوله في شعره أنه كان جاهلياً في إغرابه ، عباسياً في مدحه ومجونه ، شامياً في تصوره وتفكيره . حاول التجديد في الشعر ، ثم مشى على بلاط ملوك عصره في نعال مشركة . يدل نظمه على قلة تنقيح ، وهو لو نقح لنفض عن شعره هذه اللزقات الأميركية التي لا تخلو منها قصيدة ، فكأنه عدو للموسيقى الشعرية ، مع أنه كان يعزف على الطنبور . وقصص طنبوره كقصص مداس أبي القاسم.وفي كل حال هو أمتن شعراء زمانه ، يضعف شعره حين يمدح ، ويسرح في المراسلة ، ويشتد في الهجو حتى يكاد يخلو من الحشو ، ويتساقط كأنه حجارة المنجنيق . وقبل أن أدع شاعريته التي لا أجل نتاجها وإن كانت أسعدته وابنه وحفيدته التي تعيش اليوم في إنجلترا عيشة اللوردات ، أحب أن أذكر بيتين لا يستهان بهما ، قد أعجب بهما أحمد حتى عدا طوره وحتى تخلق بأخلاق ابن الأثير حين ذكرهما فقال :
لا يحسب الغر البراقع للنسا منعاً لهن عن التمادي في الهــوى
إن السفينــة إنمــا تجري إذا وضع الشراع لها على حكم الهوى
رحم الله شيخنا وغفر له ، فقد كان يرى العالم كله في المرأة ، وقد قال في بنات حواء : إنهن زخرف الكون ، بل أقول غير متحرج عرف الآلهة ، إذ لا يكاد الإنسان يبصر جميلة إلا و يسبح الخالق . ( الساق على الساق ، ج1 ، ص14 ) .
الرحالة السياسي :
قال عن نفسه :
لقد طفت في الدنيا على غير طائل فلما بدا عجزي أنبت (جوائبي)
فيـــا ليـت شعري و النوائب جمـــة أيخفق كــــل مـن منيب ونائب
فارس الشدياق ابن بيت لبناني عريق ، عالج ذووه السياسة في الدنيا والدين –كما علمت– فعركتهم عرك الرحى بثفالها ، مات جده وأبوه وأخوه شهداء حرية الفكر و الميل ،وهو أحد مشردي هذا البيت . قضى عمره مجاهداً ، لم يدع قطراً في الشرق و الغرب إلا حلته ركابه ، وكتب عنه بعين لاقطة لا يفوتها شيء ، فكأنها عدسة المصور ، ففي الواسطة وكشف المخبأ و الفارياق صور شتى لأحوال الشرق و الغرب . وإن أكبرنا جهاد المتمشرقين فلا حرج علينا أن نكبر أكثر منهم جهاد هذا المتمغرب الذي كان إعلاناً للدماغ اللبناني بلا ثمن . وإن أفلح وصار حجة السياسة الشرقية للأوروبيين فلأن الوراثة جعلت منه سياسياً عظيماً ، يحسن تعليل الأمور بعقله الثاقب .وليست سياسة العالم بأصعب من سياسة لبنان المختلفة بضاعته الطائفية ، كمخازن ألف صنف وصنف . وأصدق دليل على تمسك الفارياق بأذيال السياسة رسائله التي كانت ترد على أصحابه وذويه ، فهي تنبئنا أن كل المتاعب لم تشغل الأستاذ عن الاستطلاع سياسة وطن مات وفي قلبه حنين إليه ، وإن لم يكن يقل في ذلك شعراً . وما شرده عنه وكتبه الفارياق إلا تلك النكبة التي وقعت بأخيه أسعد ، فطوحت به في الآفاق يطوي وينشر ما عنَّ له تنفسياً لكربته ، فجابت (( جوائبه )) الأرض ، وكانت مدرسة عامة ، ليلية نهارية ، للناطقين بالضاد . فصحت بها لغة عصره الفاسدة ، وقامت حرب البيان على ساقها . ومن الأنين المتصاعد من [ كنز الرغائب في منتخبات (ج3) ] يظهر لنا إعجابه بصحيفته وتألمه من حاله :
وإن كان سعيي في الجوائب خاسراً فإني لذخر الفخر أصبحت كاسبا
فهو يرى كل ما فيها ، وحاشاه ، فانياً ، وتلك حالة الأديب في كل زمان يرى في المجد غنى عن النقد . وكذلك الصحافي العربي ، فهو هو ، و المشتركين هم هم ، كما يخبرنا الفارياق .
عل سطح ذي الدنيا أراني نقطة أخط خطوطاً لا تسمن لي ضلعا
وقد أعجب النقاد جمع جوائبــي ولكنني للنقد لم أستطع جمعـا
وما بلغت الجوائب ستة وثلاثين أسبوعاً – أي تسعة أشهر – حتى عجز الشدياق عن إصدارها ، فأعلن إفلاسه في العدد السادس و الثلاثين ، قائلاً : و الضمير في ((أقلت)) يعود إلى (( الدنيا )) :
أقلت ذي الجوائب قدر حمل الـ ـجنين وأسقطتهــا في الترائب
ومن يك قرنـه الإفــلاس دهـــراً فكيــف يطيعـه عاصي المطالب
لقد تربت يدي عن نيــل طـرس أخــط بـه مــن الـخطط الغرائـب
بكيـــت ولـيس يجديني بـكـــاء وأرخت (انقضى درس الجوائب)
فاهتز لنجدته الصدر الأعظم فؤاد باشا ، فلم ينقض درس الجوائب ، وعاشت سنين ، حتى قال شيخنا : الله درها .... وظلت تصدر حتى قضت الحوادث السودانية بوقفها سنة 1884 ، أما صاحبها فما وقف قلمه حتى الموت .
اللغوي و المصنف :
ما رأينا قبله لغوياً بحث اللغة فرد ألفاظها إلى أصول قليلة اشتبكت فروعها فصارت أدغالاً مخوفة ، ولا من كشف الغطاء عن خصائص الحروف فدلنا على حكمة الواضع . فالشدياق عالم قارح ، رأسه كمخازن الترنزيت التي تتكدس فيها البضائع ، أو أهراء فرعون يوم أقام يوسف بن يعقوب قهرماناً له.
فهو مستودع الجرايات في هذه المجاعة . لجأ إلى (( جاسوسه )) و (( سر لياليه )) كثيرون ، ففي عدل بنيامين ألف كأس يوسفية ، تخبرنا أن الذين بحثوا اللغة و القواميس بعده عيال عليه ، كما كانوا على الجاحظ قبله . إنهم ينهبون ولا يستحون ، ويسرقون ثم ينسون أنهم سرقوا الرجل ، فيدعون المعرفة غير منوهين بذكر من جاهد ثمانين حولاً ولم يسأم . فما فهمه الشدياق من أسرار اللغة لم يخطر ببال أحد ، وقد كان شديد الإعجاب بسر الليال حتى أفرط في الثناء عليه ، وعقد معلناً فائدته لأولي الألباب ، فكان كالكريم حين يخشى أن لا تأكل من ألوان مأدبته كلها فيتولى بنفسه تشويقك وترغيبك .
وتلك كانت حاله في خلق الألفاظ للمسميات الحديثة ، فقد جاء الصحافة في صباها ، فكان أبا الراقية منها لغة وسياسة . اعترضته مشاق كثيرة عند وضع الكلمات للفارياق وكشف المخبا و الجوائب ،ولكنها لم تعوقه ، فسمى الداليجانس ،حافلة المجد . و الفكونات، الرتل، والباخرة سفينة النار ، و الفنون الجميلة ، الصنائع الظريفة ، وبوليس التحري الثقاف . وكان يتألم كثيراً من هذا العناء المخلوط ببرد أوربا وسطمبول ، فقال فيه شعراً :
ومن فاته التعريب لم يدر ما العنـا ولم يصل نار الحرب إلا المحارب
أرى ألف معنى ما له من مجانس لدينا ، وألف ما له ما يناســــب
فيا ليــت قـومـي يعلمــون بإننـي على نكد التعريب جدي ذاهـب
اسكت يا شيخ ، لقد علموا ، ولكن أنت تنفخ في رماد .
لقد كتب في تآليفه كل ما هو مبتكر حقاً ، فخلق أدباً حياً لا أدباً ذابلاً ، إن تحرك ناس كلعب الأولاد .ويا ليه كتب قصة بمعناها المعروف اليوم ، إذن لكان لنا أروع القصص . وإن صح حشر سيرة الحياة بين القصص ، فالفارياق قصة عالمية رائعة . فما أروع وصف تلك الغربة التي جلت ذاك الصقيل الفرد .
حدثنا رواة الأخبار عن المعري القفلة ، ولكن الدليل على ذاكرته العجيبة لم يقم ، أما إمامنا ففي فارياقه وجميع آثاره ألف دليل على ذلك الدماغ الغريب ، فهو المؤلف العجيب حتى في كتبه اللغوية ، وكل من ألفوا قبله وبعده نساخ ، فمن شاء أن يؤلف في اللغة بعد أحمد فليستح ، وليعذرني أبو عثمان المازني إن استعرت كلمته هذه ، فهنا محلها أيضاً .
الأديب و الناقد :
الشدياق رجل قوي الباصرة ، ليس في جرابه رغيف من خبز الرومنتيكية ، فهو الجاحظ سواء بسواء ، ولولا تشكيه البرد وتبرمه بالثلج لقلت إنه لم يحسّ الطبيعة قط ، اكتفى بالمرأة عن كل ما خلق وما لم يخلق ، فكل الصيد في جوف الفرا . ولولا كرهه طعام الإنجليز وحنينه إلى طعامنا لقلت إن الرجل يعيش على الانتقاد ، فلم تنج ناحية من نواحي الاجتماع من جراد نقده الزحاف ، لم يدع زاوية من زوايا الكون إلا ولجها ، ينتقد الدنيا جماعات وأفراداً وحكومات وبلداناً ، فقل إذا شئت :
لم يسلم من لسانه أحد . أما نقده الأدبي ، ففي الفارياق ، وكشف المخبا ، وسلوان الشجي ، وفصوله المجموعة سبعة أجزاء كثير منه . انتقد أساليب الكتاب و الشعراء وتفكيرهم وتعبيرهم ، فكأنه أقام نفسه معلماً أو مدعياً عاماً في محكمة الأدب .
وقد اطلعت على رسالة بخطه نقد فيها كتاب أخيه طنوس. كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان فما حاباه ولا تغاضى عن هفواته ونعى عليه تذبذبه .
أذكر أنني قرأت كلمة لأمين الريحاني نقد بها (( غطارفة البيان )) كما سماهم ، وإذا بي أجدها بمعناها في الفارياق ، لست أعني أن الريحاني ناقل ، بل قلت هذا لأدلك عل رجل نظر أمس كما ننظر نحن اليوم ، إلى هؤلاء الفحول المقلدين ، وما ننكره نحن الآن عليهم أنكره هو قبلنا في الفارياق ، وكشف المخبا ، وأشبعهم سخراً وهزءاً . ولكن أولئك كهؤلاء لا يردعهم شيء حتى الصفع فخصلة البدن لا يغيرها إلا الكفن ، ولو كان ربنا يسمع شعراً لنظموا له عقوداً زبرجدية يعلقها في شماريخ عرشه .
ولو قرأت ما كتبه في الواسطة عن الزانية التي تضع صورة العذراء بالمقلوب حين تفحش ، لتذكرت ، إن كنت قرأت (( البعث )) ، وصف هذه الحالة الذي كتبه فيلسوف الروس العظيم ، وأدركت أنه لم يفت أديبنا العظيم فسبق إليه .
والأستاذ جريء على استعمال القياس ، فحلحل مكابس اللغويين . لقد جمع ونسب كما قرر مجمع مصر الملكي ، وهو في عمله هذا واثق من نفسه ، يؤدي العبارة على حقها ولا احتكاك عنده ، فكأنه يقطع من مقلع .
والخلاصة أن الفرق بين أحمد ومعاصريه كالفرق بين رافائيل وبين من ينقلون صوره عن معجم لاروس وغيره .
المتهكم الساخر :
تقرأ في الفارياق ( الساق على الساق ج1 ، ص 53، 66 ) نقدأً لاذعاً وتهكماً ساخراً بمؤلفي النحو ومعلميه ، وحركات الإعراب ، وتمسك النحاة بها ، حتى يعبر عن مشاكل النحاة وعراقيلهم التي لا تنتهي بقوله صرت أعتقد بخلود النفس لأن مبهمات النحو الخالدة !! أليس هذا ما يعالجه اليوم معلمو زماننا حاسبين أنهم اخترعوا البارود . وكذلك فعل بعلم البيان و البديع ، فمضى يسخر من أنواع الاستعارة ، وظل يفعل حتى شبع ، وأخيراً شبهها بأشكال الدرج فقال : ومنها القرقي و اللولبي و الحلزوني ، إلخ . حتى قال في علل النحاة : ومات الأصمعي وفي عنقه من رسم الهمزة غدة . ثم يهزأ بتمسك بعض البيانيين بالحروف فيقولون : ( الواو ) هنا أفصح من ( الفاء ) و ( أو ) أفصح من ( أم ) وهلم جراً . ويهاجم الساجعين المنمقين الذين يتلاهون عن الحقيقة باستعارة أو كناية أو تصور غريب ، فيقول كلمة عن المؤبنين :
(( المصاب ينتحب ويولول ، والمؤلف يسجع ويجنس ، ويرصع ويروي ، ويستطرد ويلتفت ، ويتناول المعاني البديعة ، فيمد يده تارة إلى الشمس ، وتارة إلى النجوم ، ويحاول إنزالها من أوج سمائها إلى السافل )) . ويقول في مكان آخر : (( نقضي ساعة تامة في شرح جملة غير تامة )) . ثم يقول : أكثر الكتاب يتهوسون في إهداء السلام والتحيات للمخاطب ، كأنهم مهدون إليه عرش بلقيس . وكقوله للطبيب الذي عالجه علاجاً عنيفاً : أنا صاحب جثتي أفلا تشاورني ! وكقوله عن الإنجليزية التي دعاه زوجها إلى العشاء عنده ، وهرب من وجهه ولم يعشه : تسار بناتها كأنما نزل بهن نكبة البرامكة . ولست أذكر لك شيئاً عن تهكمه بفئة معلومة من الناس ، فاقرأه أنت في محله .
إن المتمشرق الذي قال للأستاذ زكي مبارك في النثر الفني : الأدب العربي رواسم - كليشيهات – مصيب جداً ، ولكنه بلا شك لم يقرأ الشدياق ليعلم أن فينا من خرج من الصيرة .ولو عرف صاحب لسان العرب أن الدهر سيلد لنا واحداً كالشدياق لما تجرأ أن يقول لنا : خذوا لغتكم من أعجمي فقد كشف الفارياق عورة هؤلاء العجم وفضحهم .
وقصارى القول كان المعلم جاحظياً نواسياً في فارياقه ، بطوطياً في واسطته وكشف مخباه ، متنبئياً في مدحه ، خليلياً في لغوياته ونحوه : وقد صدقت الإجبسيان غازت حين قالت : إذا وضعت الكتبة الإنجليزية سكيت وأمرسون وواردزورت ووايلكلف وبلويز في شخصية واحدة يمكنك حينئذ أن تتصور عظمة هذا الرجل . ولو ولد الشدياق في أوربا لدفن مع نخبة العظماء، ولنصبت له التماثيل في مدن بلاده .
إن أحمد فارس ضخم مختوم كقبره ، يمر به الناس ولا يعرفونه ، وهو العارف بكل شيء ، وهو مثال العربي المثقف الكامل في القرن التاسع عشر . لا تقرأ كتبه من عنوانها ، فالجديد يقفز من بين سطورها قفز الأطلاء من دار خولة بالرقمتين . إن أحمد فارس كجبال لبنان ، في كل قرنة معنى خاص ، وفي كل واد صورة جديدة ، فعليك به كله ، فهو للقديم متجر ، وللجديد مكسب .
الأديب المترجم :
استعانت به جمعية التوراة فوقف على ترجمتها التي أعجبت العلامة المطران يوسف الدبس ، أما الشدياق فكان غير راض عن هذه الترجمة، لأنه يكره الركاكة التي نعت بها رجال الدين في فارياقه .
وها نحن نفسح له المجال ليدافع عن نفسه ، ويلقي التبعة على الدكتور (( لي )) :
وفي مثل قولنا (( ضرب لهم مثلاً )) كان يبدل ضرب بقال ، لأنه كان يترجم في عقله لفظ ضرب إلى لغته فلا يجد لها معنى سوى إيصال الألم . وكان يبدل (( علم اعتقادهم )) برأي اعتقادهم ، ويزعم أنها أبلغ في المعنى ، وأن الاعتقاد ليس بمرادف للإيمان ، فإنه إنما ينظر إلى أصل اشتقاقه وهو العقد ، وهو غير مفيد معنى الإيمان . وكان يبدل (( ماء البحر )) بمياه البحر ، وهذا لا محظور منه إلا أن تبديله هوس ..وكان يزعم أن لفظة (( المعجزات )) ليست من كلام النصارى حتى وجدناها في نسخة رومية . ومن أشد وساوسه تجنبه السجع و التركيب الفصيح غاية ما أمكن ، حتى إنه زعم أن ما في الترجمة من قوله :
((خرجتم إليَّ بعصي كلص )) سجع ، وحاول تغييرها فلم يقدر فتركها وهو آسف . وكذا وهمه في : (( نلت خيراتك في حياتك )) فكان يقول : هو من السجع الذي يجب مجانبته في كلام الله تعالى . وكان كلما رأى كلمة أو جملة تنتهي بواو ونون أو ياء ونون يقول إنها مضاهية لكلام القرآن ، فيبدلها ، حتى إنه رأى هذه الجملة وهي (( وأنتم على ذلك شهود )) فقال : إن هذا الموقف يشبه وقف القرآن ، فمن ثمّ يبدلّها بقوله : وأنتم شهود على هذا .
ووجد عبارة أرى وهي (( وما أولئك بعابرين من هناك إلينا )) فقال : هذا التركيب فصيح !فبدل عابرين بيعبرون . ولم أتعجب من تغييره،وإنما تعجب من أنه شعر بحسن هذا التركيب ..(كشف المخبا ص 123 - 412 ) .
لابروير العرب :
هذا ابن بيت قديم نكبته السياسة ، كما قلنا ، ولكنها تأصلت فيه ، فجاء سياسياً أباً عن جد ، و السياسيون المنكوبون في كل عصر يصبحون أفقر البرية متى انتزعت منهم أملاكهم ، كما حل ببيت الشدياق ، فقد أخذ المير أملاكهم حتى لم يدع لهم بيتاً فغادر عشقوت واستقر في حارة البطم بحدث بيروت ، وورث فارس عن أبيه الذي مات في دمشق شهيد ثورة سياسية ، مكتبة ثمينة ، فصار نساخاً له وللناس . وضاق به المعاش فكان (( عطاراً )) يطوف الضيع خلف حمار ، ثم لم تربح تجارته فانقلب صاحب دكان ، وأخفق أيضاً فصار كاتباً لبعير بيعر – أمير حيدر – صاحب التاريخ الذي طبعته الحكومة اللبنانية مؤخراً – فنسخ له سفاسفه التي يحدثنا عنها في فارياقة ، وقد حدثنا عن غفلة أميره هذا ، وعن أشياء أخرى ، لا محل لذكرها هنا ، فارجع إليها بنفسك فليس عليّ أن أزقك كالفرخ ، أما الآن فسمع شيئاً من سفاسف بعير بيعر مما كان يكتبه الفارياق في أساطير بعير بيعر أي في تاريخ المير حيدر : (( في هذا اليوم وهو الحادي عشر من آذار سنة 1818 قص فلان بن فلانة بنت فلانة ذنب حصانه الأشهب بعد إذ كان طويلاً يكنس الأرض ، وفي ذلك اليوم عينه ركبه فكبا به )) إلخ .
(( اليوم نظرت سفينة في البحر مارة ، فظن أنها بارجة قدمت من أحد مراسي فرنسا لتحرير أهل البلاد ، لكن عند التحقيق علم أنها إنما كانت زورقاً مشحوناً ببراميل فارغة ، وكان سبب قدومها للاستقاء من كذا )) ( الفارياق ج1، ص39).
ونكب أخوه أسعد – كما مر – ففر من بلاده يطوف الدنيا ، وظل يشقى ويسعد حتى مات أخيراً شبعان من كل شيء . فغير عجيب إذن إن لمحت فيما صنفه وكتبه دروساً عميقة لأخلاق الناس . قد عالج الكثير من شؤون النفس معالجة النطاسي الأخلاقي ، ولو كان غير عربي لدرسته المدارس كما يدرسون لابروير ، وعول الناس على رأيه فيها كما كان يعول عليه في سياسة الشرق .
إن فصوله التي أذاعتها جوائبه تحت عنوان (( جمل أدبية) ) وهي كثيرة تبتدئ غالباً بـ ((من الناس )) تنم من عالم بسيكولوجي يحلل خوالج النفوس ويصورها بقلم غني جداً ، معتمداً في الغالب على عينه التي كانت تسبر الأعماق النفسانية ، فيدرك الكثير مما يمر به سواه ولا يرى فيه شيئاً .
أحمد المتمغرب :
عجب الناس لهؤلاء المتمشرقين الذين درسوا أدبنا وكتبوا بلغتنا . وتمنى الأستاذ إبراهيم المنذر – بمناسبة الكلام على كتاب ((المستشرقون )) النفيس للأستاذ العقيقي – أن يكون عندنا متمغربون . يا سبحان الله ! أما وجد الشيخ فينا متمغرباً ! أما رأى أولاده في بيته ..... إننا لأحوج إلى التمشرق.
فجبران متمغرب ، وغانم مثله ، و الريحاني أيضاً ، و القرم وخلاط وفصيلتهما كذلك ، و السمعاني و الحاقلاني ونوفل و التولاوي و الفغالي متمغربون ، فما أكثر الغربيين فينا وأقل الشرقيين .
قد تمغربنا ، وكتبنا بلغة القوم كما كتب نوابغهم ، أما هؤلاء المتمشرقون فآثارهم أمامك ، وإن كنت لم ترها فارجع إلى الفارياق وكشف المخبا فعند أحمد الخبر اليقين . أما إذا كنت تبغي متمغرباً بالمعنى الأتم ، فها هو أمامك . هو ذلك الجهبذ – لم أجد لفظة أصلح منها فكأنها وضعت لتقال فيه – هو ذلك النائم في الحازمية نومة الأبد بعد ما ملأ الدنيا نصف قرن .
هذا الذي تمغرب وثأر للشرق من كتّاب الغرب ، واكتشف من عيوبهم أكثر مما اكتشفوا عندنا. ولكنه كان أعدل منهم ، فذكر ما لهم وما عليهم ، بينما هم لا يرون عندنا إلا المخازي و المعايب . قد زيف بضاعة المتمشرقين المزجاة ، فاقرأ تعلم أي مقدار من العلم بلغة العرب عند هؤلاء الذين نمشي وراءهم ولا نسأل إلى أين . فما رأيكم بواحد من هؤلاء يقرأ ((حيل بينهما )) جبل ببنها ! وذلك في قول الشاعر الأندلسي :
يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان
ثم شرحه شرحاً وافياً ، فصرف ساعات تامة في شرح جملة غير تامة كما قال الشدياق . اقرأوا في الفارياق تلك العظة الشهيرة التي ألقاها أحد هؤلاء المتمشرقين في كنائسنا،ولا ترموا شيخنا بالغلو .
فقد سمعت بأذني الثنتين عظة مثلها . فهذا هو المتمغرب الكامل الثقافة .
عرف ابن زهير كما عرف شكسبير وملتون ولامرتين وفرجيل ، حتى حدثنا عن أدب الغرب وخص بالذكر منه الشعر ، ناعياً عليه رموزه وغموضه .إنه لم يترك شاردة ولا واردة ، وأذاع بالطبع كتباً عربية نفيسة كما أذاع المتمشرقون ، وحسبه أنه نشرها سالمة من فاحش الخطأ الذي لا يدركه أولئك .
وإني لأعجب من المتمشرق كراتشكوفسكي الذي عد شدياقنا من غير البلاد العربية . فلو قرأ الشدياق كلمته تلك لنهض من قبره يحمل إحدى الأسطوانتين . وأسمعه ما أسمع من أهل زمانه . فالرجل يأبى أن ينسب إلى غير بلاده ولو أعطيته ملء الأرض ذهباً وحسبنا دليلاً على تعصبه لجبله أنه تمغرب بزيه الشرقي . وكم استغربوه ولم يبال . فليت من يشاء عملاً يذكر أن يخوض في عباب سر لياله ويحدثنا عنه ، ولا بأس عليه أن قال : فيا لك من ليل تمطى بصلبه .
خُلقه وخَلقه :
من ينظر رأس أحمد فارس في صورته يخال أنه أمام جبار . عبل الشوى كحصان عنتر، ولكن من يقرأ شعره يعلم أنه أقل من مربوع . وإن تقل قد يبالغ الشاعر قلنا لك عليك بالفارياق (الساق على الساق ، ص282) فتقرأ : (( قد كنت أظن أن صغر جثتك – يا فارياق – لا يكون موجباً لإنشاء تأليف كبير الحجم مثل هذا )) . وبعد : فالرجال لا تباع بالذراع و لا تقاس بالأقدام ...... و الذي تراءى لي من قراءة الرجل أنه متطرف في كل شيء ، متطرف في اجتهاده وجهاده ، متطرف في عزمه الذي لا يكل ولا يمل ، متطرف في مطالعاته ، متطرف في تأملاته ، متطرف في تعبيره وتفكيره ، يتخطى كالمنطيقي الزنديق ولا يسقط في يده . تسوؤه أقل بادرة فيشهر حرب البسوس ،وترضيه كلمة فيعفو وإذا بالماضي مضى ، يخلص لأصحابه الود ، ويغفر لمن أساء إليه إن استعطفه متذللاً . الغريزة الجنسية عنده ملاك الحياة، فهو لا يعنيه من هذا الوجود إلا ما تدركه الحواس . أما ما وراء الطبيعة فيرى البحث فيه تهليساً ومهارشة . حبه لعائلته يفوق الحد ، وقد عبر عنه بوعظه الأمراء في فارياقه ، وظهر لنا جلياً في حزنه وبكائه على ولده فائز حين قابل الدكتور لي.لا يؤمن بالوحي ، ويخطئ ما لا يسلم به العقل . لو كان اليوم لضحك من أدبائنا الموسوسين الذين يفتشون عن الله و الآخرة.
جاء أحمد قبل الوقت فقاسى آلاماً وعذاباً ، وقال شيئاً وترك أشياء كانت تجول في صدره. وتقف على رأس لسانه ، وفي ( المرآة في عكس التوراة ) الذي أوصى أن لا يطبع إلا بعد وفاته . دليل على ما بقي في ذلك الدماغ .فالمحيط البيتي و البلدي وتلك النكبات المتتالية جعلت منه هذا الساخط الحانق ، وهو بطبعه يجيد الكلام متى حنق ، وقد أوتي قوة استطراد عجيبة ، فكانت سلاحه الماضي في منازلة خصومه . قد يكون حب المجون والأحماض من طبعه ، ولكن مكتبة والده التي عكف عليها صغيراً ، وهي حافلة بالكتب العربية القديمة ، كالكشكول و المستظرف وغيرهما ، قد أنمت هذا الذوق ، ثم عززه النسخ و القراءة ،فجاء صارخاً عجاجاً .
بين التجديد و التقليد
الفن لفظة جوفاء يستتر وراءها كل صفيق الفكر، أما العبقري فيخلق فنه ، وعلى الذرية أن تضع المقاييس،فشكسبير وراسين كانا قبل فرويد. وهكذا فعل نابغتنا العظيم ، ولكنه لم يجرؤ على الطفرة ، فوضع كما يقول الفلاح اللبناني :رِجلاً في البور . فرأيناه تارة يسجع ، وطوراً يدع السجع هازئاً ، ثم يعود إلى تلك الرجل الخشبية ، وكأنه يأبى إلا أن يكون له ما كان لأهل زمانه ، فكتب أربع مقامات ،ولكن في أغراض غير أغراضهم ، فطمست روح المعلم معالم التقاليد ، ولا عجب فهو ممن يصنعون القالب على الرِجل ، لا الرِجل على القالب .
وبينا نحن نقرأ ازدراءه القديم إذا بنا نراه ينهج نهجهم في عناوين كتبه ( الواسطة في أحوال مالطة ))،(( كشف المخبا عن فنون أوربا))،(( سر الليال في القلب والإبداع ))،((السند الراوي في الصرف الفرنساوي ))،((الباكورة السنية في نحو اللغة الإنكليزية ))، وأخيراً ((غنية الطالب ومنية الراغب)) على وزن بحث المطالب ، إلخ . كل هذا يدلني على أن عقلنا مهما كبر وتجرد من قيود الماضي فلا بد أن يظل عالقاً بشيء منه فلا يتفلت منه بسهولة ، و الخوف من الغد يزيد هذه الأمور تمكيناً . وإذا تساءلنا :هل الشدياق عالم أو فيلسوف أو مؤرخ ؟ كل شيء من هذا وليس بشيء منه ،فهو لا تعنيه إلا أخلاق البشر من حيث الاجتماع فقط، واستنباطه من الواقع . فالمرئيات كما قلنا نواة أدبه ، تلقى في أرض أسلوبه المغلال، فتعطي الواحدة مئة ، كالحبة التي ضربها الإنجيل مثلاً . وقد تكون الفكرة مبتذلة فيجلوها المعلم ، كجنان النواسي ، فتفضح العروس وتفتن النظارة .
ذوقه الفني :
لا أعلم لماذا يعجبني فن هذا الرجل ، فإذا قرأت الفارياق أنكرت أن يكون سيرة حياة ، فهو عندي قصة رائعة ، وهل نكتب غير قصتنا قصة غيرنا . ماذا كان يقصد أحمد فارس حين ترك الأرقام التاريخية في فارياقه ؟ وماذا كان يقصد حين جرد من نفسه شخصاً سماه الفارياق فكتب قصته بلسانه ؟ أي فن أراد ، وأي إحساس أحس حين فعل هذا ؟ أما قرأت أن نقاد الغرب أعجبوا اليوم بأندره مروا لأنه فعل ما فعله الشدياق منذ قرن ؟ إنني لواثق بأن شدياقنا كامل الذوق ، وهو لو لم ينفق جل حياته في شؤون أخرى لما قصر في الفن والأدب عن أعاظم رجاله اليوم . وإليك نموذجاً يدلك على ذوق إمامنا الفني . قال في الرقص :
((وكان للحاكم عادة [ في مالطة] أن يدعو جميع المعروفين في خدمته إلى ليلة عيد يرقص فيها الرجال و النساء بحضرته ، وكان من جملة المدعوين الفارياق وزوجته . فلما رأت هذه الرجال يرقصون وهم مخاصرون للنساء قالت لزوجها : هل هؤلاء النساء أزواج هؤلاء الرجال ؟ قال : منهن هكذا ، ومنهن بخلاف ذلك . قالت : وكيف يخاصرونهن إذاً ؟ قال ، هذه عادة القوم هنا وفي سائر بلاد الإفرنج . قالت وبعد المخاصرة ما يكون منهم ؟ قال : لا أدري ، ولكن بعد انفضاض الناس يذهب كل إلى منزله . قالت : أشهد بالله إنه ما خاصر رجل امرأة إلا باطنها ! قال : لا تسيئي الظن ، إنها عادة مشوا عليها . قالت : نعم ، هي عادة ونعمت العادة ، ولكن كيف يكون إحساس المرأة حين يلمسها رجل جميل في خصرها ؟ فقلت : لا أدري ، إنما أنا رجل لا امرأة . قالت : ولكن أنا أدري ، إن الخصر إنما جعله الله في الوسط مركزاً للإحساس الفوقي و التحتي ، ولذلك كانت النساء عن الرقص و القرص في أي موضع كان من أجسامهن يبدين الحركة في الخصر . ثم تنفست الصعداء وقالت : يا ليت أهلي علموني الرقص ، فما أرى فيه لأنثى نقص . فقلت : لو فتحت ((الصاد )) في كل من المصراعين لكان بيتاً مطلقاً.
يا للفضيحة بين الأنام ، أتقول هذا الكلام في هذا المقام . فقلت : هيت إلى البيت ، فقد كفاني ما سمعت الليلة وما رأيت . قالت : لا بد من أرى ختام الرقص . قال : فلبثنا إلى الصباح ، ثم انصرفت بها فكانت تقول وهي سائرة : نساء مع رجال راقصات ، رجال مع نساء راقصون ، راقصات راقصون راقصات . فقلت فاعلات فاعلون ، فاعلون فاعلات ! قالت الرجال و النساء و البنون و البنات . كيف ، متى ، أين ؟[ الساق على الساق ، ص223 ] . أرأيت كيف يتحدث وينهي حديثه عن الرقص ، إنه رقص وزيادة . وهذا هو الفن الكامل – تبحر كثيراً في هذا الكلام لتفهم قليلاً ، أو كلف أحد العارفين بشرحه لك ، وإلا فيا ضياع تعبي .
أحمد الهجّاء :
ما أحلى ترديد ما قاله لامرتين حين قرأ (( الشاتيمان )) لفكتور هيجو ، ثلاثة آلاف بيت كل سب ، هذا كثير . ونحن نقول : إن حملة الفارياق على أخصامه عنيفة جداً ، ولكن الرجل خُلق هجاء ، و الهجاء يدل كثيراً على الشاعر وهذا ما حملنا على خص هجاء أحمد بهذه الكلمة . الرجل سباب شتام حين يهجو ، قلما يهزأ ويتهكم ، يهاجم الخصم فيكسره شر كسرة . لا حيلة ولا هوادة في الأمر . الحرب الكلامية عنده تطول ، دائماً المعركة فاصلة . وما تخيلناه من تقلب طباعه يدلنا عليه تبادل الهجاء بينه وبين أديب إسحق ، الكاتب الذي نوه به أحمد . ثم قال يهجوه :
لو أن آدم عالم في أنـه ستكـون من أبنـائه فيمـــا غب
لأباح حوا بالطلاق ثلاثة وأبى لأجلك أن يكون أبا البشر
فأجاب أديب :
عجبــاً هجـوت وكنت قبـلا مادحــي لا بدع قبلي قد خدعت محمدا
ومكرت في عيسى وخنت أباك في لقب أخذت ولم يكن لك أحمدا
وظهرت في ذلك الزمان جريدة برجيس باريس فناوأته وتحدته فاسمع كيف يهجو صاحبها :
إذا البرجيس فاه سددت أنفي فــإن بنتنـــه تعجيـــل حتفـــــي
فمـا لعـــلاج ذاك الفتــح منـــه سوى سد ، وبعض القول يكفي
صنـان تشـمئز الــنفس منــه ويمنـــى كـــل ذي أنـف برعــف
وقال يهجو زميله المعلم بطرس البستاني ، المشهور بفضله وعلمه :
كــابـدت مــن زمنــي كوارث جمة وأمرهــا فـــي مــرهــا ثنتــــــان
لغة(الجنان) إذا هذت في مدح قا رئ لغوها و (سياحة البستاني)
وانتقد الفارياق اليازجي الأب فقام ابنه إبراهيم يدافع عن والده فهجاه أحمد بقوله :
عجباً لمجترئ عليّ وما لـه عند البراز سوى عتاد هرائه
فكأنه الظربان معتمداً على دفع الملم به بريح فسـائــه
لا ريب أنك لاحظت مثلي أن هجاء الفارياق يخلو من الحشو الذي يكثر في شعره ، وهذا يجعلني أرى أن ظني في محله ، فالرجل كان قليل التنقيح . أما الشيخ إبراهيم فاعتزل هذه الحرب معتذراً اعتذاراً نبيلاً فقال :
ليس الواقعة من شأني ، فإن عرضت أعرضت عنها بوجه بالحياء ندي
إنــي أضــن بعــرضــي أن يلـــم بــــه غيري ، فهل أتولى خرقه بيـدي
لسنا ننكر علم الشيخ إبراهيم وأدبه ، ولكننا نرى الأستاذ بطرس البستاني قد اشتط في كتابه النفيس ((أدباء العرب )) إذ شبه مناظرة الشدياق و اليازجي إبراهيم بمناظرة الخوارزمي و الهمذاني ، فقد كان الشيخ إبراهيم يومئذ رخصاً و الشدياق قارحاً . وإننا نحمد الله على نقد الشدياق الذي خلق لنا عالماً لغوياً نفتخر بتدقيقه كالشيخ إبراهيم وإنما الظروف و الأحوال تخلق الرجال .
إلى القارئ :
لا تظنن بعد الذي قرأته أنك قرأت أحمد فارس أو عرفته ، لا والله ، فأحمد فارس لا يدرك جله ما لم يقرأ كله عشر مرات ، فهو جديد نفيس ، ولذلك هو غريب عنا .
حينما تقع في أرض الشدياق تجد الجديد طمعاً ولوناً ، فهو الأديب العديد النواحي كأدباء العالم ، بل يمتاز من أكثرهم بأسلوبه الذي يغريك فتقرأ غصباً عنك ، إنه لا يمل حتى في (جمله السياسية ) وأخباره المحلية ، يقدمها لك في أجمل صحن مبهرة مفلفلة . وقد عرف الأستاذ حاله فوصفها لنا بقوله :
ما راج من قولي فخذه ، وما تجد من زائف فاتركه لي ملفوفـاً
لا بـــدّ أن تجــد الصيـــارف مـــرة بين الدراهم درهمــاً مزيوفـاً
إن الـــمصنـف لا يــكون مصنفـــاً إلا إذا جعل الكـــلام صنوفـاً
فما أكثر صنوف الشيخ ، الشخصية كلها متجسدة فيها ، ولذلك نحني الرأس إجلالاً أمام هذا العبقري قائلين : الله أكبر يا أحمد !
مارون عبود

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:17 AM
معركة الشدياق الصحفية مع المعلم بطرس البستاني
((تصويب سهام التغليط على قطر المحيط )) [البستاني]
تحت هذا العنوان باشر الشدياق نقده لقاموس البستاني في
سلسلة أعداد من الجوائب اعتباراً من العدد 566 تاريخ
3/1/1872ص4-5 : شبلي ، ص 160-162 :
باسمك اللهم يا قاهر البغاة ومدمر الطغاة . . . .
ثم قبل الشروع في تخطئة كلام الشيخ ناصيف وفي الردّ على ابنه ينبغي أن نعرّج على تخطئة صاحب الجنان في كتابه الذي ألّفه في اللغة العربية وسمّاه : محيط المحيط إشارة إلى أنه أربى فيه على القاموس المحيط . كما أن الشيخ ناصيف ادّعى الفضل على الحريري فجعل مقاماته ستّين ، وإنما عمدنا إلى تخطئة صاحب الجنان أولاً لأنا رأيناه محبنطئاً بالكبر و العنجهية و الغطرسة و العيدهيّة و التطول و التمدّح و التبجّج و المفاخرة و المباهاة حتى كاد يفسد اللغة ، ولأنه هو كان محضّاً للتحريش وسبباً في سفاهة ابن اليازجي إلا إنا لم نظفر الآن بمحيط المحيط وإنما ظفرنا بمختصره الذي سمّاه : قطر المحيط وهو كاف في إظهار جهله وفضح كبريائه ، فلعله يرتدع بعد ذلك عن أن يقول ( كتبنا ومصالحنا ودوائر أشغالنا )) وهذا أوان الشروع والله يخزي المتكبرين .
قال (الأب )) ، الكلاء أو المرعى أو ما أنبتت الأرض ج أَوُبّ بفتح (( الهمزة))الأولى وضم الثانية وتشديد (( الباء )) فقبل الكلام على هذا الجمع ينبغي أن نضع هنا قاعدة يُرجع إليها في كل ما كان من هذا القبيل وهي : أنه إذا تفرَّد أحد بنقل حرفٍ ما من اللغة وكان غير أمين في النقل ولا صادق في الرواية ولا سيما إذا عُرف بالتحريف و التصحيف وجب عليه أن يذكر اسم من نقل عنه وإلا فيرد عليه نقله . فهذا المحبنطي ذكر جمع (( الأب )) على هذه الصيغة ولم نرَ له جمعاً في الصحاح ولا في الكليات ولا في المصباح ولا في القاموس ولا في حاشيته ولا في شرحه تاج العروس الذي جمع فأوعى .
فإن كان له جمع فقياسه على ((أبواب )) كحب و((حبوب )) وما أحسن ما قلته هنا في سر الليال من أن الأب من معنى القصد .
ثم قال مؤلف القطر : ((أب )) يئب ويؤب أباً وأبيباً وأباباً وأبابة هزم بحملة . و الشيء حرّكه ، وللسير تهيّأ . وإلى وطنه أبّاً وأبابةً ( بالكسر و الفتح ) اشتاق ويده إلى سيفه ردّها ليسلّه . إلى أن قال : وأبت أبابته : استقامت طريقته . وعبارة القاموس أب للسير يئب ويؤب أباً وأبيباً وأباباً وأبابةً تهيَّأ ، وإلى وطنه أباً وأبابةً وإبابة بالفتح و الكسر اشتاق ويدهُ إلى سيفه ، ردّها ليسلّهُ إلى أن قال : أب أبه قصد قصده ، وأبت إبابته ويُكسر استقامت طريقته . . .
وأب هزم بحملة لا مكذوبة فيها ، و الشيء حرّكه . فالمفهوم من اصطلاح القاموس بعد ذكره لأب أبه أي قصد قصده ، إن المصدر ((أب )) بمعنى هزم بحملة واحدة هو ((الأب)) وأن المضارع مضموم خلافاً لترتيب صاحب الجنان على أنه لم يروَ في أبت ، إبابته غير الفتح .
ومن ذلك قوله : إبثه يأبثه إبثاً سبعهُ عند السلطان ، وعبارة القاموس : إبثه يأبثه وإبث عليه سبعه عند السلطان . فكان ينبغي له أن يذكر تعديته بعلى ، لأن من يذكر الأبرشية و الأخور وأمثالهما من ألفاظ العجم لا يعذر على الاختصار .
ومن ذلك قوله : في ا ب د الآبدة الداهية يبقى ذكرها أبداً (( ج)) أبد ( بضم الهمزة وتشديد الباء وفتحها ) وأوابد والأوابد أيضاً الوحوش و القوافي الشرد . وعبارة القاموس والأوابد الوحوش لأنها لم تمت حتف أنفها كالأبد ( بضم الهمزة وتشديد الباء ) والدواهي و القوافي.
الشرَّد . فقولهُ كالأبد يرجع إلى الوحوش لا على الدواهي ، هكذا اصطلاحه .
ومع ذلك قوله ا ب ر . الآبار الرصاص المحرق ولم يذكرها صاحب القاموس ، فكان عليه أن يبيّن مأخذها . وقوله ، المئبر و المئبار : بيت الإبرة و النميمة ((ج )) مآبر ، و المئبرة كالمئبر وعبارة القاموس : و المئبر كمئبر موضع الإبرة و النميمة وإفساد ذات البين كالمئبرة وما يلحق به النخل وما رقّ من الرمل . فقوله كالمئبرة يرجع إلى إفساد ذات البين خاصة لا لإلى موضع الإبرة . هكذا اصطلاحه .
ومن ذلك قوله الإبريز والإبريزي من الذهب الخالص الصافي . فارسي معرَّب . وليس في عبارة القاموس ما يدل على أنه معرّب . والأولى أن يكون من معنى البروز ومثله في المأخذ الجوهر .
ومن ذلك قوله : الإبريسم و الإبريسم الحرير معرّب إبريشم بالفارسية ، ضبط الأولى بكسر الراء وفتح السين ، و الثانية بفتح الراء و السين ، و الثالثة بكسر الراء وضم السين . وعبارة القاموس في باب الميم : الإبريسم بفتح السين وضمها الحرير أو معرّب . فقوله أو يدل على الخلاف فيها خلافاً لجزم مؤلف القطر بكونها معرّبة مع أن صاحب القاموس كثيراً ما يقول في اللفظ العربي الأصيل أنه معرّب كما في الجاموس .
ومن ذلك قوله في الإبريق إنه يجمع على أباريق وأبارقة ولم يروِ القاموس و الصحاح و المصباح غير الجمع الأول وهو القياس . وفاته هنا الإبريق للمرأة الحسناء وهو أولى من الأبرشية .
ومن ذلك قوله : الأبزيم و الأبزام الذي في رأس المنطقة ((ج )) أبازيم فارسي ومعرّب . وليس في القاموس و الصحاح ما يدل على كونه معرّباً ، والأظهر أنه من معنى البزم بمعنى العض ومن هذا المأخذ البزيم للخوصة يشدّ بها البقل . فقد رأيت من هذا القدر القليل أن هذا المحبنطي عامل على إفساد اللغة العربية وانتحال محاسنها للغات الأعجمية .
ومن ذلك قوله في ا ب ض و الماشية خلاَّها و الشيء سكن وتحرك ضد . والإبض (بالضم) الدهر أو الأبد وباطن الركبة ومن البعير باطن المرفق ((ج )) آباض . وعبارة القاموس والإبض التخلية ضد الشدّ والسكون و الحركة و بالضم الدهر ((ج )) آباض ، وقال أولاً و المأبض كمجلس باطن الركبة ومن البعير باطن المرفق كالإبض بالضم .
فقوله كالأبض بالضم يرجع إلى باطن المرفق خاصة لا إلى باطن الركبة خلافاً لعبارة قطر المحيط . ثم أن قول صاحب القاموس والأبض التخلية ضدّ الشدّ مطلق ،وصاحب القطر قيّدها بالماشية فلا ندري كيف يتصرّف في عبارة الأصل من غير تحرج قيدّه الله بسيئاته .
ومن ذلك قوله في ا ب ل : الآبل الشديد التأنق في رعي الإبل و الشاة . ضبط ((الباء)) من الإبل بالفتح و الصواب الكسر . قال في القاموس . إبل كنصر وفرح أبالة وابلاً فهو آبل ، وإبل حذق مصلحة الإبل و الشاة . وإنه من آبال الناس من أشدّهم تأنقاً في رعيتها . فقوله : فهو آبل ، وإبل الأول اسم فاعل يعود إلى وزن نصر ، و الثاني على وزن كتف يعود إلى فرح فهو من اللف والنشر المرتّب . فكأن هذا المحبنطي ظن من قول القاموس : وإنه من آبل الناس أن اسم الفاعل بفتح ((الباء )) وعبارة الصحاح وابل الرجل بالكسر يأبل إبالةً مثل شكس شكاسة وتمه تماهة فهو أبل ( ككتف ) وآبال إي حاذق بمصلحة الإبل ، وهو من آبال الناس إي من أشدّهم تأنقاً في رعية الإبل وأعلمهم بها .
ومن ذلك كقوله : الأبالة والإبالة ( يعني بتشديد الباء وتخفيفها مع كسر الهمزة ) السياسة وشيء تصدر به البئر ، و الحزمة الكبيرة من الحطب . وعبارة القاموس : والإبالة ككتابة السياسة . إلى أن قال في آخر المادة : وككتابة شيء تصدر به البئر وقد أبلتها فهي مأبولة ، و الحزمة الكبيرة من الحطب ويضمُ . فظهر أن الإبالة بمعنى السياسة وشيء تصدر به البئر بالتخفيف لا غير . أما الإبالة التي يجوز فيها التخفيف و التشديد فبمعنى القطعة من الطير و الخيل والإبل . وعليها ورد قولهم في المثل : ضغثٌ على إبالة . وقوله : والإبالة الحزمة الكبيرة من الحطب قد تقدّم في عبارة القاموس أن الضمَّ لغة في الكسر وعلى الثاني اقتصر الجوهري .
الرد المعلم بطرس البستاني على الشدياق
الجنان ، السنة 2، الجزء 4( 28 شباط 1872 ) ص88- 92
الرد على محرر الجوائب
لقد اطلعنا على عدد 564 من الجوائب وتلقينا بالترحاب البشرى التي بشرنا محررها بها .ولا ريب أن محرر الجوائب قد اطلع على طلبنا في آخر باب ((الراءِ)) في صفحة 848 من السطر 11 إلى السطر 16 من كتابنا في اللغة المسمى بمحيط المحيط حيث التمسنا إلى أهل العلم أن ينبهونا إلى ما يعثرون عليه فيه من الأوهام و السقطات التي لا يتبرأ إنسان منها ولا يخلو كتاب عنها لكي ندرج ذلك في جدول إصلاح الغلط الذي وعدنا به في آخر الكتاب المذكور . ولهذا إذا أصاب لا يكون انتقادهُ ، مهما كان ما حملهُ عليه ، إلا تتميماً لأقصى مرغوباتنا . وإذ كان قد خطأ الإمام الفيروزابادي الذي هو إمامهُ وإمامنا الذي أخذنا عنهُ لا يكون غريباً إذا خطأ غيرهُ . ولكن عليه أن يتذكر أن ليس كل من يتصدَّى إلى تخطئة غيره يكون مصيباً ، كما جرى لهُ ولآخرين من أمثالهِ .
غير أننا نستغرب من أنهُ في العدد نفسهِ من الجوائب يعتذر بضيق وقتهِ عن المدافعة عن نفسهِ فمن أين لهُ الوقت لكي يخطئ كتابنا المذكور وديوان المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي ومقاماته ؟ وذلك مع كبر سنهِ . وكان الأجدر به كما نظن أن يدافع أولاً عن نفسهِ ويناضل عن كتبهِ ويصلح ما بها من الغلط ليبرهن على أنه كفؤٌ للدخول في هذا الميدان ويُركَن إليهِ ويعتمد على رأيهِ و انتقادهِ .ثُم يأخذ ، كما هو دأبهُ ، في الطعن في غيرهِ وتخطئة تآليفاتهم . وإننا نشكرهُ سلفاً كما نشكر كل من أراد من العلماءِ والأدباءِ أن يتحفنا بشيءً من هذا القبيل . وعلى الخصوص إذا فعل ذلك بخلوص النية كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا المذكور لا بروح الحسد و العدوان و التعدي على حقوق الأدب و الأدباء . وقد أجاد من قال : كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه . وطالما تطاول محرر الجوائب على الجنان ومحرره محاولاً بذلك أن يحمل الجنان على أن يدخل معهُ في الميدان المعلوم الذي حمل غيرهُ من الجرائد على الدخول معهُ فيهِ ، فجرى بينهُ وبينها ما جرى ، فساقها وساقتهُ إلى ما جلب عارأً ، وأي عار ، عليه وعليها وعلى الأدب والأدباءِ وضرراً على العموم . فلم يظفر بمرغوبهِ من هذا القبيل لأن ذلك ليس من مقاصد الجنان ولا يروق لنا ولا لقرائهِ فإننا نعلم أنهُ لا يسر مطالعي جرائدنا أن يرونا نشغل أعمدتها التي يدفعون ثمنها بمماحكات صبيانية لا طائل تحتها وعبارات زقاقية يخجل رعاع الناس وأوباشهم وسفلتهم أن يأتوا بمثلها و مسائل لا تفيد أكثر مطالعي الجرائد من أبناء هذا الزمان الذين يفضلون أن يصرفوا أوقاتهم الثمينة في مطالعة أمور أمثر فائدة لهم في الدين و الدنيا .
وأما زعمهُ أن لهُ هو تمويه لا يصدقهُ إلا المغفلون لأنهُ ما من أحد ينتصر للباطل إلا القوم المبطلون . اللهم إلا أن يكون قد أراد من رأينا ما قد رأينا منهم من الانتصار لهُ وفي هذا القدر كفاية لذوي الألباب .
ثم بعد أن حررنا ما تقدم وقدمناهُ للمطبعة لكي يدرج في جرائدنا فتأخر لضيق المقام إذا بالعدد 566 من الجوائب قد ورد على أجنحة البخار حاملاً السهام الأولى من سهام التغليط التي صوبها صاحب الجوائب على قطر المحيط . ولدى الوقوف على ما قالهُ هذا العلامة وجدنا أنهُ قد أخطأ العرض فخاب أملنا من الحصول على كبير فائدة منهُ في هذا الباب . ورأينا أنهُ قد تصدى لأمر ليس هو كفؤاً لهُ وفتح لنا سبيلاً لأن نردَّ عليهِ وذلك رغماً عنا ونخطئهُ في نفس تخطئته لتأليفنا المذكور . فإنهُ بعد أن وضع قاعدة للناقلين ، طالما خالفها هو نفسهُ وكثيرون من مشاهير اللغويين ، تمهيداً لما كان مزمعاً أن يرشق كتابنا به . قال إنهُ لم يرَ جمعاً للأبّ في الصحاح ولا في الكليات ولا في المصباح ولا في القاموس ولا في حاشيته ولا في شرحهِ تاج العروس الذي جمع فأوعى . فإن كان لهُ جمع فقياسهُ على أبوب كحب وحبوب ، أه . أما قولهُ إنهُ لم يجدلهُ جمعاً في الكتب المذكورة التي هي أشهر كتب اللغة في العربية وأطولها حال كونهِ قد وجد ذلك في قطر المحيط فهو شهادة منهُ ( إن كانت شهادتهُ لهُ أو عليه بعد ظهور ما ظهر من عدوانهِ وسقطاتهِ مما يعتدُّ به ) عن غير ذلك قصد لفضل مختصرنا المذكور فهي منهُ رمية من غير رام . وأما قوله ( فإن كان لهُ جمع فقياسهُ على أبوب )) فيستفاد منهُ أولاً أنهُ لا جمع عندهُ للكلمة المذكورة ، وذلك خطأٌ أوضح من أن يبين ، قد ساقهُ إليهِ جهلهُ لقواعد اللغة أو غشاء الادعاءِ وحدة الغرض . ثانياً إن قياس جمع فَعْل عندهُ إنما هو فُعُول لا غير ، وهذا خطأ أقبح من ذاك لا يرتكبهُ أطفال المدارس ، فإن فَعْلاً الصحيح (( العين)) يُجمع قياساً على أَفْعُل أيضاً نحو فَلْس وأفْلُس وظبي واظب ، وقد أتى عليهِ أيضاً كفّ وأكُفّ وضبّ وأضُبّ وغيرهما من المضاعف ( نرجو أن محرر الجوائب لا يؤاخذنا على جسارتنا هذه ومناقضتنا لهُ حال كونهِ يدعي أنهُ إمام اللغة وإنهُ إذا قال فما السامعين إلا الرضوخ ، وأن لهُ حقاً أن يخطئ الجميع ولا حقَّ لغيرهِ أن يدافع عن نفسهِ ولا عن غيرهِ من أصحاب الفضل أو يجيب بكلمة ، وأنهُ إذا انتهك حرمة الأدب لا حق لأحدٍ أن يزجرهُ أو يردعهُ عن غيهِ . فما لنا ولهذا البحث فلنرجع إلى ما كنا في صدده ) .
هذا ولو سألنا صبيان المدارس الذين لم يطالعوا إلا مفتاح المصباح في الصرف و النحو للمبتدئين عن جمع هذه الكلمة لأجابوا على الفور ومن دون تردد أن جمعها (( أَؤُبُ)) وأن ابن عقيل في شرح ألفية ابن مالك في باب الإبدال من كتاب التصريف ( ولولا اختلاف النسخ المطبوعة لعينا الوجه و السطر لنوفر على صاحبنا الذي كأنهُ لم يطالع هذا الكتاب ولا غيرهُ من كتب الصرف و النحو كلفة التفتيش ) قد نصَّ على جمع هذه الكلمة حيث قال : فالأول نحو (( أوب)) جمع أبّ وهو المرعي أصلهُ أَأْبُب لأنهُ أفعُل فنقلت حركة عينهِ إلى فائهِ ثم أُدغم فصار أَوبّ ، أه . وكفى بمحرر الجوائب خجلاً أمام أطفال المدارس لدى مقابلة تخطئتهِ لقطر المحيط على الكتب الابتدائية التي يطالعونها . ومن الغريب أن محرر الجوائب مع طول ادعائهِ وعرضهِ قد أشكلت عليهِ هذه المسألة البسيطة ، فلله درهُ ما أطول باعهُ . وكنا نود أن نعتذر عنهُ بكونهِ ناهز السبعين ولكن نخشى من أن تكذبنا شواهد أحوالهِ التي تدل على أن أعمالهُ وأقوالهُ هي أعمال من كان في عنفوان صبائهِ . ولكن أحسن عذر نقدمهُ عنهُ هو أنهُ ربما لم يدخل مدرسة ولا قرأَ العربية على أستاذ فصحَّ فيهِ المثل السائر الجاري على ألسنة العامة : كل صنعة بلا أستاذ يدركها الفساد . ولنا أن نسألهُ هنا سؤالاً ربما يصعب عليه جوابهُ . أما كان أولى بك أن تسالم العلماءَ والأدباءِ وتقف في حدود الأدب والإنصاف فتوفر اسمك وشهرتك التي اكتسبتها وتبقى مستوراً بين قومك وأبناءِ وذلك الأصليين و الحاليين ؟على أنني أظن أن لسان حالهِ يجاوبَ عنهُ على الفور طبيعة في البدن لا يغيرها إلا الكفن ، وأن الشاب إذا شاخ لا يحيد عن طريقه . نفعنا الله بمثاله عبرة . وأما قولهُ متمدحاً وما أحسن ما قلتهُ هنا في سر الليال من أن الأب هو من معنى القصد كأنهُ سر لم يكاشف بهِ غيرهُ فقد خالفهُ فيه أو نبههُ إليه ابن فارس فإنهُ جعل أصل الأبّ الاستعداد كما نقلهُ عنهُ صاحب المصباح . وأما باقي كلامه فهو تطويل بلا طائل . فكأنهُ يظن أن كثرة الكلام ترخص البضاعة ، كما يقال إلى أن يقول : ((فالمفهوم من اصطلاح القاموس )) ، إلخ . فإن عبارة القطر لا يفهم منها أن لأبَّ بمعنى قصد مصدراً غير الأبّ ولا أن مضارعهُ غير مضموم لأن عبارة القطر و القاموس هنا واحدة . وإذ كان القطر قد نص على جواز الفتح و الكسر في الأبابة لم تكن حاجة إلى إعادة ذلك . وما لاحظناهُ من كتاب سرّ الليال وغيره يبان أن معرفتهُ في اصطلاح القاموس هي أقصر جداً مما يدَّعي . فمما تقدم يظهر جلياً أن محرر الجوائب متعنت متمحّل مفتِئت وأن سهمهُ قد سقط دون الغرض . ويعلم القوم من هو الذي حشر نفسهُ بين المؤلفين . فإذا كانت هذه براعة الاستهلال عند محرر الجوائب فليت شعري ماذا يكون حسن الختام .ولله
قول الشاعر :
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفتهُ من الفهم السقيم
وقبل أن نختم الكلام نلتمس إلى حضرتهِ أن يضع قاعدة المخطئين ، كما وضع ذلك للناقلين ، وهي : أن لا يتعرضوا لتخطئة غيرهم ما لم يكونوا هم موقنين بأنهم كفوءٌ لذلك ، وأن لا ينددوا بالمؤلفين وكتبهم ما لم يكونوا هم وكتبهم خالين ممَّ يسوّغ لغيرهم أن ينددوا بهم ، وأن يفعلوا ذلك بخلوص النية وقصد الإفادة و الاستفادة لا على وجه المكابرة و الانتقام و النكاءة ، وأن يتجنبوا السفاهة في ذلك فإنها ليست من الخير في شيء ولا تقوم مقام الدليل . وهو أعظم الجهل أن لا يقر الإنسان بجهلهِ وأن يدعي العصمة لنفسهِ ولا يسلم بصحة شيء مما لغيره ، وأن يرى عيوب غيره ويغفل عن عيوبه ، وهو من أصعب الأمور أن يعرف الإنسان نفسهُ ، فنرى لهُ لأن يقلع عن السفاهة عالماً بأن كل إنسان يقدر عليها إذا شاء ولا سيما من كان عندهُ تأليفهُ المسمى بالفارياق ( وهي كلمة منحوتة أي مقتطعةٍ من اسمه ولقبهِ أي فارس الشدياق ) فإنهُ قد جمع فيهِ كل أنواع السفاهة وبوَّب لها أبواباً حتى إذا مست الحاجة يطلب في تأليفهِ المذكور الباب الذي يوافق المقام فيجد هناك مطلوبهُ صبرةً واحدة فيتلخص من كلفة التفتيش عليهِ في كتب اللغة فيرشق بهِ من أراد عندما يملأُ الحقد و الحسد قلبهُ و الحدة دماغهُ . فتبّاً لهُ من تأليف وسقياً لصاحبهِ من مؤلف . ولكن لا ينتفع بذلك من الكتَّاب غيرهُ بالنظر إليهِ فإنهُ إذا شاءَ مدحهُ يراهُ قد مدح نفسهُ قبلهُ وإذا حاول هجاءَهُ يراهُ قد هجا نفسهُ ، وأي هجاء ، فيضيق بهِ المجال ويا ليت صاحبنا المذكور يراعي سنَّهُ ومبادئ الأدب وخير الوطن . ويعلم أن الفضل لا يسلم لأحد ، وأن فوق كل ذي علم عليماً ، ويرعوي عن غيّهِ وريائهِ ودعاويهِ ويرجع إلى رضى ربهِ ويتذكر أن الحياة قصيرة وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ويقضي بقية عمره بالتوبة و التقرب إلى الله و التكفير عن سيئاته عالماً بأن شمس حياته قد قاربت الغروب ، وبأن الدنيا لا تغني عن الآخرة . ونسأل الله أن يهدينا وإياهُ وكل من أمسك القلم إلى سواءِ السبيل فهو على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير . وأما ما رشقنا بهِ شخصياً من سهام العدوان فنترك الحكم فيهِ لعدالة الجمهور و الله مع الصابرين .
ثم بعد أن فرغنا من تبييض ما تقدم إذا بالعدد 567 من الجوائب قد أقبل وعلى عاتقهِ جعبة أخرى مملؤة من سهام التغليط ، ويا لها من سهام ، قد أُخذت من شجرة قديمة العهد ولم يحسن بريها ولا تثقيفها فكأنها لم تكن أو كانت لكي تظهر براعة باريها وأخلاق مثقفها وتبين للخاص و العام تهذيبهُ وغور معرفتهِ في اللغة العربية وقواعدها .
فمن ذلك تخطئتهُ للقطر لأنهُ لم يذكر تعدية أَبَثَ بعلى وقد فاتهُ الإبريق للمرأة الحسناءِ فاعجب بهِ من مخطئ فإنه يسوغ لهُ و الحالة هذه أن يخطئ سر الليال وكل كتب اللغة لأن كلاً منها قد ترك من الأصول و الفروع ِ ما لا يحصى ، وذكر مواد ربما كانت عند غيرهِ أقل أهمية مما ذكرهُ من ذلك . وقد فاتهُ أن انتخاب المواد يتوقف على رأي المؤلف ونظرهِ ومقاصده لا على استحسان المستحسنين . هذا وإننا قد ذكرنا في مطولنا محيط المحيط ما تشكى محرر الجوائب من مختصرنا على تركهِ إياهُ . ومنهُ قولهُ : إن الأُبَّد ترجع إلى الوحوش لا إلى الدواهي . وقد فاتهُ أن الأُبَّد جمع الأبدة وأن جمع فُعَّل مقيس في وصف صحيح (( اللام)) على فاعل أو فاعلة كالشرَّد و الأُبَّد جمع الشاردة و الأبدة .فلله درهُ من منتقد . ومنهُ قولهُ إن القطر ذكر الأَبَار ولم يذكرها صاحب القاموس .
و الظاهر أنهُ كان على عينيهِ غشاوة عندما طالع مادة ا ب ر في القاموس لأنه ذكر هناك (( الأبار)) بقوله : وأشياف الأبار دواءٌ للعين ، ولم يَرهُ حضرتهُ . ومنهُ قولهُ : فقولهُ (أي قول صاحب القاموس ) كالمئبرة يرجع إلى إفساد ذات البين خاصة ، أه . أي أنهُ لا يطلق على النميمة ولا على موضع الإبرة اعتماداً على ما يفهمهُ من اصطلاح صاحب القاموس . والحال أن المئبرة تطلق على النميمة أيضاً كما صرح بذلك صاحب الصحاح الذي أخذ عنهُ صاحب القاموس حيث قال : و المآبر واحدتها مئبرة و هي النميمة وإفساد ذات البين ، أه . وعلى موضع الإبرة بالقياس فلو كان كل ما لم ينص عليه صاحب القاموس غير صحيح كما يستفاد من كلام محرر الجوائب لكان قسم كبير من اللغة غير صحيح ، وهذا لا يسلم لهُ بهِ أحد . ومن ذلك قولهُُ في الكلام عن الإبريز : والإبريزي وليس في عبارة القاموس ما يدل على أنهُ معرَّب والأولى أن يكون من معنى البروز ، أه . وقد فاته أن المصباح المنير قد نص على أن الإبريز معرَّب بقولهِ : والإبريز الذهب الخالص معرَّب ، أه . ولعل صاحب المصباح ثقة عند محرر الجوائب أكثر من صاحب القاموس الذي خطأهُ في مواضع كثيرة . ومن ذلك تخطئته القطر لقولهِ الإبريسم معرَّب ومخالفتهِ للقاموس في ضبطها . وقد فاتهُ أن صاحب المصباح قد ذكر هذا الحرف في فصل (( الباءِ)) مع (( الراءِ)) وجزم بكونهِ معرَّباً . وخالف القاموس في ضبطهِ حيث قال ما نصُّهُ : الإبريسم معرَّب وفيهِ لغات كسر (( الهمزة)) و ((الراءِ)) و(( السين)) وابن السكيت يمنعها . ويقول ليس في الكلام إِفعيلِل بكسر (( اللام )) بل الفتح مثل اهليلج واطريفل ، و الثانية فتح الثلاثة ، و الثالثة كسر ((الهمزة)) وفتح ((الراءِ)) و ((السين)) ، أه . وكذلك عبارة صاحب الصحاح حيث قال : و الإبريسم معرَّب وفيه ثلاث لغات و العرب تخلط في ما ليس من كلامها ، أه . فليغلطهما محرر الجوائب إذا قدر . والقطر قد وافق القاموس في لغتيهِ و المصباح و الصحاح في الثالثة من لغاتهما ، وكذلك القول في تعريب الإبزيم فليراجع كتب اللغة . ومنهُ قولهُ : إن القاموس و الصحاح و المصباح لم يرووا في جمع الإبريق إلاَّ الأباريق يريد بذلك أن جمعهُ على أبارقة هو غير صحيح ، ويستفاد من كلامهِ أن كل ما لم ينص عليهِ هؤلاء الأئمة من الجموع هو غير صحيح و الحال أنهم لم ينصوا على كثير من الكلم و الجموع . فإنهم لم ينصوا على جمع إبليس مثلاً بوزن إبريق فهل يذهب حضرتُ إلى أن جمعهُ على أبالس وأبالسة هو غير صحيح . وقد فاتهُ أن ((التاء )) تزداد قياساً في الجمع للدلالة على العجمة أو للتعويض عن الحرف المحذوف كما في جواربه وموازجة وأبارقة و تلامذة وزنادقة وصياقلة و صيارفة ، وهلمَّ جرّاً . والظاهر أن معرفة محرر الجوائب في قواعد اللغة قاصرة ، ولهذا يُعذَر في تخطئتهِ لما أتى مطابقاً لها وتصويبهِ لما خالفها . فرعياً لهُ من لغويّ صرفيّ نحويّ .
فمما تقدم يُعلم من هو عامل على إفساد اللغة العربية ومنتحل محاسنها للغات العجمية . وقانا الله من أطوارهِ ودعاويهِ العريضة . وفي هذا القدر كفاية الآن . وأما ما بقي من كلامهِ في العدد المذكور الذي كان يمكنهُ أن يجمعهُ في أسطر قليلة لو لم يقصد الإيهام و التمويه بكثرة الكلام فلضيق المقام و الوقت وخوف الملل قد استحسنا أن نؤخر الردَّ عليهِ إلى أن ينتهي حضرتهُ من موالهِ ( يعذرنا محرر الجوائب في استعمال هذه الكلمة على خلاف أصلها لأنها صارت كالمَثَل ، و الأمثال لا تغير عن مواردها ) الذي يبان أنهُ سيكون طويلاً كموال ذلك الإفرنجي ولكن من نغمة واحدة ومعنى واحد . وإذا وجدنا بعد تدقيق النظر أنهُ أصاب في شيء فإننا لا نتردد عن التسليم بهِ وتأدية فريضة الشكر لتلك اليد البيضاءِ التي أتحفتنا به . لأننا لا ندَّعي لنفسنا ولا لشيء من تآليفنا العصمة ، لأن العصمة و الكمال لله وحدهُ ، فهو حسبنا ونعم الكفيل . على أننا نظن أنهُ بعد اطلاعه على هذا الرد يعدل عن تخطئة ديوان المرحوم الشيخ ناصيف اليازجي ومقاماتهِ ويكتفي بالرد على قطر المحيط أنهُ قد ظهر لهُ ربح من هذه التجارة و انتشر فضلهُ واتساع مادته فنرغب إليهِ أن يداوم عملهُ هذا بالهمة و النشاط لأن العالم مفتقر كل الافتقار إلى تأليف غريب يكون خطأهُ أكثر من صوابه ، وليس من يقدر عليهِ إلا حضرة محرر الجوائب الموما إليه .
_

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:18 AM
معركة فارس الشدياق
الصحفية مع إبراهيم اليازجي
(1)
فارس الشدياق يرثي الشيخ ناصيف اليازجي
الجوائب العدد 519 (10/5/ 1871 ) ، ص3
شبلي : الشدياق و اليازجي ، ص 62-66
قد كان بيني وبين الشيخ ناصيف اليازجي مودة قديمة كما أشار إليه سليم أفندي دياب في صفحة 192 من الجزء السادس من الجنان لأنّا كنا جيراناً في ساحل بيروت ، فكان مقرّه في كفرشيما ومقرّي في حارة الحدث . ولما كنت في مالطا جرت بيننا مراسلات أدبية فأرسل إليَّ قصيدة من الجناس العاطل مطلعها :
لأهل الدهر آمالٌ طوالُ وأطماعٌ ولو طال المطالُ
وهي مطبوعة في أول جزءٍ من ديوانه صفحة 22 وأجابني أيضاً عن قصيدة بأبيات مطلعها :
هوىّ في القلب يعذب وهو داءٌ كـــذا الـدنيـــا ومـــا فيهــا رياءُ
وهي في صفحة 25 وفيها يقول :
تقطعت الزيارة منك عنا إلى أن كاد ينقطع الرجاءُ
ولم يكُ بيننا نارٌ ولكـــن تعرَّض بيننـا كالنــار مـــاءُ
وهو كلامٌ في غاية الرقّة . ثمّ أرسل إليّ قصيدةً أخرى عنوانها : وقال يعزّي صديقاً له قد توفوا كتب بها إليه في بلاد المغرب :
لا تبك ميتاً ولا تفرح بمولود فالميت للدود و المولود للدودِ
وهي في صفحة 29 . ولا أدري ما منعه من التصريح باسمي مع صفاء الحبّ بيننا . ثم بعد أن استقرّ بي المقام بالآستانة العلية أرسل إليَّ كتاباً ذكر فيه أنه بلغه أن أحد سكان الآستانة يريد أن يطبع مقاماته ولا يكون ذلك على وفق رضاهُ فإن في نيته زيادة شيءٍ عليها وتغيير شيءٍ منها ، فأجبته بأني استقصيت عن هذه القضية فلم أقف لها على أثر فإذا علمت شيئاً بعد ذلك أنهيته إليه وأطلعته . وكان أول ما خطر ببالي من التغيير الذي نراه لفظة ((الفطحل )) المذكورة في المقامة الإنطاكية صفحة 257 بقوله : (( ويصبح غاضباً ولا يزال عاتباً يذكّرني في زمن الفِحَطْل وينجز الوعد بالمطل )) ثم قال في تفسيرها : (( هو زمن قبل أن يخلق الناس ويمكن أن يكون المراد به زمن الطوفان لأن الفحطل هو المطر الشديد . والمراد أنه لا يزال يذكّرها بأمور قديمة ، وهو مثّل لما تقادم عهده )) اهـ .
وهو وهمٌ فإن حق اللفظة تقديم (( الطاء)) على ((الحاء )) قال في القاموس : الفِطَحْل كهزبر : دهر لم يخلق فيه الناس بعد . أو زمن نوح عليه السلام . أو زمن كانت الحجارة فيه رطاباً . و السيل و التارّ العظيم و الضخم من الإبل . وقال الصحاح : الفطحل على وزان الهزبر . زمن لم يخلق الناس فيه بعد . قال الجرميّ : سألت عبيدة عنه فقال : الأعراب تقول إنه زمنٌ كانت الحجارة فيه رطبةً وأنشد للعجاج :
وقد أتانا زمن الفطحلِ والصخر مبتلٌ كطين الوحلِ
وفطحل بفتح الفاء اسم رجل . وفي بعض نسخ الصحاح :
إنك لو عمّرت عمرَ الحَسَـلِ أو عمرَ نوح زمن الفطحلِ
و الصخر مبتلٌ كطين الوحل كنت رهين هرمٍ أو قتــل
وأهل بيروت يقولون للرجل المحنّك : فحطل على وزن جعفر وهي أيضاً محرفة . ولا شك في أن قول الشيخ ناصيف في المتن و الشرح فحطل بتقديم (( الحاء)) على ((الطاء )) هو من غلط الوهم الذي يغتفر للشاعر . وهو كقوله في صفحة 81 :
تكثر الخيل في المرابض إن عدت ولكـــــن تقــلّ عند الســباقِ
ونحو هذا قول المتنبي :
وما الخيل إلاّ كالصديق قليلةٌ وإن كثرت في عين من لا يجرّب
وإنما المرفوض من الغلط غلط الجهل كقول القائل : يوصف ويوعد في يصف ويعد . فأمّا الغلط الذي يكون من سبق الوهم فلا يخلو من أحد . فإن الشيخ ناصيف لم يكن يجهل أن المرابض للغَنَم و المرابط للخيل وإنما سبق وهمه إلى إبدال (الطاء) بـ (الضاد).ومن العادة إن الشاعر إذا سبق وهمه إلى تحريف لفظةٍ استمرّ عليها ولو كتبها بخطه عدة مرار . وفي الجملة فإن الشيخ كان مطبوعاً في الشعر ولم يكن في كلامه تكلف ولا تعسف ولا تصلف وكان ينحو به منحى المتنبي في ضرب الأمثال وله فيه بدائه وبدائع .
وذكر محّرر ترجمته ، أعني سليم أفندي الموما إليه ، في الصحيفة التي تقدم ذكرها : إنه في أواخر أيامه أخذ في نظم قصيدةٍ ليرسلها إليّ وفي أثناء نظمها دهمهُ المصاب العظيم بولده الشيخ حبيب فلم يتمّها . قال وإذ وجدتها من القصائد النفيسة أحببتُ ذكر ما وقفت عليه منها وهو هذا :
يـــا سفح نعمــان لـــولا خـزر نعمــانِ لمــــــا سقــــاك زلالاً دمــع أجفانـــي
ولا شجــاني حمــامٌ نـاح فيـــك على فـــراق إلـــفٍ وجيــرانٍ فأبكــــانــــــي
قــد علـــم البين أجفاني البكـــا فغدا يحلو لهـــــا كالـكرى في عين وسنـان
بــانت سعـــاد فبــان النــوم عن دنفٍ يسـامر النجـم حتــى الصبـح ســهران
نــاديتهـــا يــوم جـدّ البيــن فــالتفتت كـــظبيةٍ جفلـــت فــي رمــل عسـفان
لـهــا مــن الــظبي عينــاهُ ولــفتتــــه ووجــــــته بـــدرٍ لهــــــا وجه غــــزلانِ
كحلاء مــا مسّ كحـلٌ هدب مقلتهـــا ولا تحلّــت بــــأصبـــاغ ٍ وألــــــــــــوان
قد علّمــت شعـراء الـعصر بهجتهـــــا سبـــك الــقوافي على ألحان عيـــدان
تــداولتهـا رواة العــاشــقيـن لنــــــــا بكـــــــــل بيتٍ بـديــع السبـــك رنّـــان
يجري بها الركبُ من سهل إلى جبل جـريَ الـــجوائب فــــي مـدن ٍ وبــلدان ِ
جــــوائـب الــبيــد والأبحـــــــار واردةٌ عن أحمد الفارس المفضال ذي الشان
أكــــرم بهــــا جنّة طـابت فكــــاهتها نــضـيـــرةً وجنـــاحــــا حـــــاضـــرٌ دان
جـريـدة جرّدت أخبــــار عــالمنـــــــا عــــن كـــــل زورٍ وإخــــلال ٍ وبهتــــان
لا غرو و الحاذق الشهم اللبيب لهــا علــى الحقيقــــــة أنشـــا أيّ بنيــان ِ
تــاجٌ على لغــة الأعــراب شـرّفهــــا وزانهـــــــــــا بحلـــــــــى درَّ ومرجــان ِ
قــد آنـس اليوم دار المـلك معتفيـــاً رحيلِـــــه وحشــــةً في أرض لبنـــان ِ
وقلت أرثيه على ما يوجبه عهد المودة ويقتضيه :
مضى وكـــلّ قطيـــن ٍ بعـــده فـــان ِ مَن كنتُ في البعد أرعاه ويرعانــــي
ومن على موتــه عينـــي مســهدةٌ تـرعى النجوم وليل الهمّ يغشـــاني
ومـــن أتـــانــيَ منعـــاه ولــــــم أرهُ فهــاج حـزني وأنضـاني وأضنــــاني
يا طور لبنان هل تشجيــك أشجاني لــفقد إلـــــف ٍ عزيـز ٍ للـصبــى ثان ِ
وهل ذوى منك دوح باســـقٌ أســفاً كمــا ذوى من فؤادي كـــلّ سـلوان
وهــل أتــاك حـديث الأوليــن مضــوا وفخـــرهم دائـمٌ من دون نقصــــــان
أمثال فردك ناصيف فهــل لـــك مــن فقدانه بدلٌ يــــــا فجــــع فقـــــــدان
هيهــات ليــــس لـــه ندٌ فينسينــــا فرط الحنيـن إليـــه بعــض نســـــيان
يا سائلي هل شجا ناعيه ذا شحطٍ ولاع منـــه فـــؤاداً لـــوعة الــــدانــي
أنظر إلى دمعيَ القاني وقس لهبــاً عليــه بيــن الحشـــا من نار أحزاني
حرٌ تحرّى حلى الآداب فــي زمــــن ٍ فيــه المـــآدب تحدو كــــل إنســــان
فلم يُضع ســـاعةً من عمره عبثـــاً ولم يضع قوله فــــي غيــر إحســـان
كانت قوافيه تطوي البيد ســـــائرةً ســـير النجـــوم فتهــدي كــلّ حيران
تنزّهت عن عيوب الشــعر رائقــــةً لفظاً ومعنىً هما في الحسن صنوان
كما تســاوى لــديه مــن نزاهتـــهِ مـــالٌ وعـــدْمٌ همـــا للحــرّ ســـــيّان ِ
لــو لــم تكن درراً ما كان ناظمهـــا فكرٌ لـــــهُ ثاقـــبٌ فــــي جيد أزمــــان
له البـلاغة مذ عهد الصبى خُلــقٌ لم يثنه ِ عنهُ في السبعين من ثـــــان
ما كان يهجو ولا يُهجى ولا حجبت ذكـــــــا قريحتــــه أحـــلاك حدثــــــان
كــانـــت أســـرَّته عنـــوان نيتــــه علــى المصــافــاة فــي سـرًّ وإعـــلان
وشانئ شأنه تهجين ذي شـــأن ٍ لكنــــه عـــاش ذا شـــأن ٍ بلا شـــاني
مضـى وفي ثوبه الآداب قد طويت مــن بعدمـــا نشـــرت عنـــه بتبيـــــان
إن الذي انتشرت أشعارهُ حكمـــاً حــــيٌّ وإن درجــوهُ ضمــن أكفــــــــان
إن كنتُ بالغتُ في تأبينه فلكــــم فــي مدحه ِ بالغــت صحبـي وأقـراني
لا تنكروا فضل ذي فضل ٍ لمذهبـه وفي (اطلبوا علم أهل الصين) برهاني
واحســـــرتـاه عليـــــه إذ نؤرخــهُ مضــــى وكــــل قطيــــن ٍ بعــدهُ فــان

رد الشيخ إبراهيم اليازجي
الجنان ، السنة 2 ، الجزء 12( 15/6/1871) ، ص405-412:
شبلي : الشدياق واليازجي ، ص67-74
قد ورد في العدد 519 من الجوائب أبيات من محررها أحمد فارس أفندي الشدياق ، يرثي بها ، المرحوم أبي ، ناصيف اليازجي ، قد صدَّرها بكلام طويل أشار به إلى مودَّةٍ قديمة بينهما أوجبت عليه رثاءه . فتمنينا له طول البقاء من بعده . غير أننا وجدنا في أثناء كلامه من الانتقاد عليه ، رحمه الله ، ما حملنا على الاستغراب و العَجَب . ولقد وددنا أن نحمل كلامه هذا على مقتضيات المودّة كما حمل الرثاء عليها رغبة أن يسلم له الجميل وإن كنا لا نجد لذلك وجهاً سديداً .
ولما كان ما أورده من الكلام لا يخلو من مَظنّة جاهل واهم ، أو من نقد عالم بصير ، رأيتُ من باب الوجوب أن أتصدّى لإجابته رداً لأوهام الواقفين عليه إلى كنه الصواب والحقيقة . على أن تصديّ له هو على غير ما أهوى لما لا يخفي على اللبيب ، فأنا على الحالين مدفوعٌ إلى ما أكرهه . غير أني آثرت الردّ ولو كرهاً رجاء أن أكون أدنى إلى العذر ، فقد وقع الواقع ولا عتب على المضطرّ . فأقول :
قد ذكر صاحب الجوائب في صدر كلامه مقدّماتٍ أشار بها إلى مودّةٍ بينه وبين أبي ، رحمه الله ، كان منشأها الوطن و الجيرة ، ثم استمرّت بالمراسلات الحبيّة و المطارحات الأدبية . و الأمر كذلك فإن أبي بث إليه بقصيدةٍ عزّاه بها عن أنسباء له ، مطلعها :
لا تبكِ ميتاً ولا تفرح بمولود فالميت للدود و المولود للدود
وقد أجابه عنها بما مطلعه :
ما بين يومٍ وليلٍ دهر تنكيد فما البقاء وإنْ نحرص بمحمود ِ
وقد وجدتُ نسخة من الجزء الأول من كتابه الذي يدعوه سر الليال بعث بها إليه وعلى ظاهرها بخط قلمه :
إلى جناب العلامة الفاضل الشيخ ناصيف اليازجي مع سلام ٍ من كاتبه أحمد فارس – في غرَّة ربيع الثاني سنة 85 [ 12هـ 22/7/1868 م ] .
وقبل وفاته ، عفا الله عنه ، كان قد أخذ في نظم قصيدةٍ ليبعثها إليه فلم تسمح له الظروف بإتمامها . ثم لم تمض أيامٌ حتى توفاه الله عزّ وجلّ إلى رحمته فطُبعَت في ترجمته مع بعض ما نظمه في مدة مرضه . وهي التي ساقت ما ساقت مما تكرّم به صاحبنا مقابلةً لها إذا صرفنا النظر عما يوجبه عهد المودّة ، بيّض الله وجهه. وقد أشار في أثناء كلامه غير ما ذكرتُ ، إلى قصيدتين يقول إن أبي أجابه بإحداهما عن قصيدةٍ له وبعث إليه بالأخرى . وبين ذلك مَدح وأثنى وذكَرَهُ بالجميل . ثم استدرك بذكر موجدةٍ قديمة وعتبٍ لعدم تصريحه باسمه في عنوان القصيدة التي عزّاه بها حين طبعها في ديوانه . قال (( ولا أدري ما منعه من التصريح باسمي مع صفاء الحب بيننا)) .
أقول : والعجب من هذا فإنه مع ما عنده من صفاء الحب قد أضمر له ما أضمر إلى ما بعد وفاته . ولعل في ذلك سراً يدركه أولو الألباب . ولا أدري ما ضرّه عدم التصريح باسمه وليس في القصيدة مدحٌ له وإنما هي حِكَمٌ وأمثالٌ يعزّيه بها . ومن الغريب أن أمراً كهذا قد أثقل منكبي الإمام وألق وقاره حتى نشره في جريدةٍ سيّارةٍ وألقى به نفير العتاب في الأقطار وأعمل الأفكار في البحث عن سبب ذلك ، وربما خَطَر لها ما لا يرضيه ، أصلحه الله وإيانا .
ثم استطرد إلى ذكر كتابٍ قال إن أبي بعثه إليه في الآستانة يقول فيه : إنه بلغه أن أحد ٍسكانها يريد طبع مقاماته وأن ذلك لا يكون على وفق رضاه ، فإن في نيّته زيادة شيءٍ عليها وتغيير شيء منها .
ثمّ قال ((وكان أول ما خطر ببالي من التغيير الذي نواه لفظة الفِحَطْل المذكورة في المقامة الأنطاكية )) إلى آخره .
والظاهر أن هذا هو الذي دعاه إلى ذكر الكتاب فجعله تمهيداً لِما نواهُ ، سامحه الله . وأعجب كيف لم يدرج هذا في جوابه له حينئذٍ وقد كان المقام أليقَ به من كل الوجود . وشهد الله أني منذ اليوم لم أكن أتوقّع مثل ذلك من هذا الصديق القديم ، إذ لم يقع بيننا ما يبعث عليه كما تقرّر من كلامه . ولا كان عندي أنه ممن يحاول النضال عند مَظَنّةِ الانفراد وقد كان ما في نفسه ممكناً على وجهٍ أليق وأجمل به . وهذا حَسْبُ اللبيب .
أمّا وجهُ الانتقاد على اللفظة المذكورة فهو أن ((الحاء )) منها مقدَّمة على ((الطاء )) في الواقع ، و الحق العكس وأن يقال الفِطَحْل بتقديم ((الطاء )) . وقد أورد على ذلك شواهد وأدلّةً من كتب اللغة شهدنا له فيها بالفضل و البراعة .ومن جملة ما أورد من ذلك قال : (( وفطحل بفتح ((الفاء)) اسم رجل )) .
أقول : وقرائن كلامه تقتضي بقاءَ ما سوى((الفاء )) على حاله فيكون مفتوح (( الطاء)) أيضاً مع سكون((الحاء )). ولا وجود لهذه اللفظة على هذا الوجه أصلاً . قال في القاموس (( الفِطَحْل كهِزَبْر ، دهرٌ لم يخلق فيه الناس بعدُ أو زمن نوح عليه السلام ، أو زمن كانت الحجارة فيه رطابا و السيل و التارّ : العظيم و الضخم من الإبِل . وكجَعْفَر وقُنْفُذ ، اسم )) اهـ .
ففي قول صاحبنا وهمٌ ظاهر ، أو حمل الكلمة على وزن جَعْفَر وفيه سهوٌ . وكان الأولى أن يقيّده بفتح الحاء أيضاً ، أو يقتصر على أن يقول بالفتح كما جرى اصطلاح اللُغَويّين ويترك ذكر الفاء التي إنما هي زيادةٌ في اللفظ تؤدي إلى نقص ٍ في المعنى .ويذكر الوجه الثاني أيضاً وهو الضمّ .
قلتُ :ومثل هذه الزيادة قوله في كتابه سر الليال في صفحة 3، في كلامه عن لغات الأعاجم ، قال ( فما مثَلهن إلا مَثَل الثوب المرقع و الوجه القبيح المبرقع )) فإنه قَصَد المبالغة في قبحه فالتوى عليه المعنى وجاء عكس المقصود .
هذا وإذا سلّمنا بعدم انثلام عبارته ، أو سلّم بصحة انتقادنا ، وثبت على الوجهين أن الكلمة هي بوزن جَعْفَر أو قُنْفُذ ، ورد عليه الاعتراض من وجهٍ آخر وهو أن المقام لا يحتمل وزن جعفر ولا قُنفذ ، لوقوع الكلمة في الفاصلة مقابلة بالمطل ، ولا يفي أن الفاصلة حكم القافية . على أنه لو ترك إيراد هذه اللفظة أصلاً لكان أسلم من الانتقاد . وما أدري ما الذي ساقها وهي اسم رجلٍ لا مدخل لها في المقام البتّة فضلاً عما تقدم.
و الشيء بالشيء يُذكر فما مرّ الكلام عليه من الخلل في أحكام الفاصلة هو على حدّ قوله في كتابه سر الليال المارّ ذكره في الصفحة عينها : (( لكنهم عدلوا عن هذه الجادّة إلى جادةٍ أخرى جاهدة )) . ومثلهُ قوله بعد ذلك : (( فظهرت أسارير حسنها وتباشير فنّها وحكمة وضعها وبهجة مطلعها)) . فإن ((الجادة )) لا توافق((جاهدة )) ، و(( وضعها )) لا توافق ((مطلعها )) . وإنما تكون ((الجادة )) بإزاء (( النادّة)) مثلاً ، و ((جاهدة )) بإزاء (( شاردة)) ، وهلمّ جراً .
ومنه قوله أيضاً في أثناء ذلك ( مع أن الجمع في لغة العجم له علاقةٌ واحدة وإشارة غير شاذّة ، ولا نادّة بزيادة (( راءٍ)) بعد ((الدال )) وهي متلفةٌ لفظاً ومعنىّ . وما أدري أيتهما المعوّل عليها عنده ، ولعلها الثانية ، كما أن الفحَطْل بتقديم (( الحاء)) على ((الطاء )) هي المعوّل عليها عند أبي على رأيه.
وهنا أعجبُ كيف جزم بقوله (ولا شك في أن قول الشيخ ناصيف في المتن و الشرح فحطل ، بتقديم(( الحاء)) على (( الطاء )) وهو من غلط الوهم )) إلى آخره . ولو بنى كلامه هذا على الاحتمال لكان أسدّ . على أن غلط الوهم لا يخلو منه أحدٌ كما أشار بعد ذلك ، فلا عيب فيه وإلا فكلّ عائبٍ معيب . غير أنني قد كشفتُ في النسخة الأصلية التي بخطه رحمه الله ,فلم أجد لذلك من أثر ، وإنما هو غلطٌ في الطبع من النوع الذي وقع للمولى في ما ذكرتُ .
ومنه إبدال (( البدائع )) بـ (( المدائع)) في صحيفة الجوائب المذكورة في العمود الثاني من صفحة 3 ، وغير ذلك مما لا يخفى على ذي عينين . وأمثال هذا في أكثر الكتب المطبوعة كثيرةٌ قلّ منها ما يخلو من كميّات من الأغلاط التي أخصّها القلب و الإبدال كما يعلم الأستاذ . فينتبه المؤلف إلى بعضها فيُدْرَج تحت إصلاح الغلط كما جرت العادة ، ويُغفل عن بعضها فيبقى عرضةً لعبث الناقدين إلى ما بعد وفاته .
ومن ذلك قوله ( وأهل بيروت يقولون للرجل المحنّك فحطل على وزن جعفر ، وهي أيضاً محرّفةٌٌ )) أقول : وقصده بهذا ظاهرٌ وإذا سلم بأن اللغة معلقةٌ على موضع الإقامة ، فما أخال القول بهذا الحكم يرضيه . وهو المخيّر في إثبات ما قاله أو نقضه ، وأما حقيقة اللفظة ، فالصحيح أن التحريف قد حدث من قبله وإنما هم يقولون فلانٌ من الفطاحل ، بتقديم (( الطاء)) على ((الحاء )) بخلاف روايته . وهي مسموعة عندهم بصيغة الجمع فقط كما أشرتُ ، ولم يجر ِ لها على ألسنتهم مفردٌ ولا مثنّى . ولذلك يصعب التسليم بكونها على وزن جعفر أو غيره . غير أن للمولى عذراً بالنظر إلى تقادم عهده ببيروت فربما ورد عليه ذلك من طريق النسيان . والله أعلم .
وأمّا اعتراضه بأن ((المرابض )) للغنم دون الخيل ، فهو وهمٌ . و الصحيح أنها عامّةٌ تتناول جميع أنواع الدّابة كما نصّت علماء اللغة . وهي جمع ((مربض )) اسم موضع من الربض أو الرَبْض . و الظاهر أن هذا المعنى مأخوذ في الأصل من الرَبض بفتحتين وهو الامعاء ، أو مجتمع الحوايا في البطن . يُستعمل للدابّة لأن رَبضها حينئذٍ يلاصق الأرض ، فيُقال ربَضَت . وهذا لا يختصّ بدابّة دون أخرى . كما أخذ البروك للإبل من البَرْك بالفتح ، وهو الصدرُ لأنها تبرك على صدورها . ولذلك وُضع في الأصل لها . على أنهم تسامحوا في هذا الأخير وأشباهه من المختصّات في الأصل فأجروها مجرى المشتركات كما يشهد الاستقراء . ولا يسعنا المقام لإيراد شواهد على ذلك من أئمة اللغة وشعرائها فنتخطاه إلى ما كنا عليه .
فممّا جاء من النصّ على عموم((المرابض)) في كتب اللغة قول صاحب القاموس ملخّصاً .
قال : ((والرِبض بالكسر من البقر جماعته حيث تربض –و الربض بالضمّ وبضمّتين ويُفتح ويحرّك ، الزوجة لأنها تربّض زوجها –وربضتْ الشاة ربضاً وربضةً وربوضاً كبركت في الإبل . قال في تعريف الشاة : و الشاة الواحدة من الغنم للذكر وأنثى . أو يكون من الضأن و المعز و الظباء و البقر و النعام وحُمُر الوحش و المرأة )) ، انتهى – و الربّاض ككتان الأسد- وربض الأسد على فريسته و القِرن على قٍرنه بَرَكَ – واربض الإناء القوم أرواهم حتى ثقلوا وناموا ممتدّين على الأرض . وغير ذلك وكلها بمعنىّ . وورد في الصحاح : (( وربوض الغنم و البقر و المعزى و الفرس و الكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير – وأربضت الشمس اشتدّ حرّها حتى ربض الظبي و الشاةُ –وقولهم : دعا بإناءٍ يُرٍبض الرهط أي يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا .
وقال في المصباح المنير في كتاب ((الراء )) : (( ربضت الدابّة ربضاً من باب ضرب ، وربوضاً وهو مثل بروك الإبل )) . وقال في كتاب ((الدال )) : ((وكل حيوان في الأرض دابّة وأمّا تخصيص الفرس و البغل بالدابّة عند الاطلاق فعُرف طارئ )). وقال في القاموس : ((والدابّة ما دبَّ من الحيوان وغلب على ما يُركب )) .
وقال في الكليّات : ((الدابّة تقع على كلّ ماشٍ في الأرض عامّة ، وعلى الخيل و البغال و الحمير خاصّةً)) انتهى . وهنا اعتبار دقيق لا يخفى على اللبيب . وفي ما أوردناه كفاية ، فقد وضح بأجلى بيان وأصرح عبارةٍ من كلام أشهر علماء اللغة وأئمتها أن (المرابض)لا يختصّ بصنفٍ من الدوابّ فضلاً عن أي لا تتعين للغنم . فتأمّل.
وأمّا (( المرابط )) التي قال إنها للخيل على وجه التعيين ، فالصحيح أنها مشتركة أيضاً . قال صاحب القاموس : ((والمِرْبَط كَمِنْبَر . ما رُبط به الدابّة كالمِرْبطة وكمقْعّدٍ ومَنْزِل موضعهٍ )).
وقد مرّ قُبَيل هذا من عبارة صاحب المصباح وغيرهِ في تفسير الدابّة ما يغني عن التكرار.
وفي الصحاح : ربطتُ الشيءَ أربُطهُ واربِطهُ أيضاً عن الأخفش أي شددتهُ . و الموضع مَرْبَط ومَرْبِط . يقال : ليس له مربط عنزٍ . وفلانَ يرتبط كذا رأساً من الدوابّ . ويُقال نعم الربيط ، لِما يرتبط من الخيل . انتهى . ولا حاجة إلى الإسهاب بإيراد غير ما ذُكِر وفي كتب اللغة ما يكفينا ويكفيه .
ومن المستغرب إن الإمام مع طول اشتغالهِ باللغة وحسن نقدهِ فيها ، قد سقط في مثل هذا مما لا يكاد يُصدّق عن مثله . ولهذا يترجّح عندي أن ذلك قد وقع منه من باب التسرّع بأن قلمه قد سبق فكره فأثبت ما كتبه قبل الثقة بصحته . وكثيراً ما يقع ذلك للكتاب فيسقطون في ما لا يُظنّ أنهم يجهلونه .
ومن هذا الباب قوله في كتابه سرّ الليال ، في الصفحة [3] المسمّاة آنفاً (فلهذا كان أقصى همي أن أغوص في بحر هذه اللغة عن دراري أسباب هذه الألفاظ )) إلى آخره . فإن المراد بالدراري بتخفيف ((الياء )) وبعدها همزة ، أو بتشديدها بلا همزٍ : الكواكب . ولا يتصوّر الغوص في البحر على الكواكب . و المقام يقتضي الدُرَر وهي اللالئ فيستقيم المعنى كما لا يخفى .
وهنا أمسك عنان القلم اكتفاء بما ذُكر عما لم يُذكَر على أنني علّقته ما علّقه عن غير اختيارٍ مني كما أشرتُ في ما سبقَ ، ولكن قد جرى القلم ولعلي في جانب العذر . ولم أتخطّ في الجوائب ما نحن فيه من كلامه ،حاشا الأبيات التي رثاه بها فإنه لا يليق مقابلتها إلا بالقبول . كما أنني في ما تداركتُ على سر الليال ، لم أيتجاوز الصفحة الواحدة ولم أورد منها إلا ما ساق إليه أسلوب الكلام مما احتمله المقام .
ولا بدّ من ملاحظة ما ذكرهُ صاحب الجوائب مراراً في أثناء انتقاده من الاعتذار عن أبي ، رحمه الله ، في ما احتسبه خطأ منه . وكأني به وراء ذلك يقصد بسط العذر لنفسه أيضاً في وجه مَن ربّما خيّل له الواقع أن الذمَم عنده تموت بموت صاحبها ، و العياذ بالله . وذلك مما تأباه أخلاقه ولا يرضى به من تحلى بشعائر الكرم و الشهامة . فإنه قد حفظ له ذلك العهد زمناً ينيف عن ستين سنة وبينهما مسافةٌ من الأرض . فمن أصعب ما يُخال التسليم بأنه قد تنازل إلى نكثهِ معه حين أصبح ولا مُطالِبَ بهِ إلا أمانته وذمته .
هذا ما خطر لي تعليقه من هذا القبيل . وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى سواء السبيل. وهو حسبُنا ونعم الوكيل .
قالت مجلة الجنان في آخر هذا الردّ: (( انتهى رد الشيخ إبراهيم اليازجي . ولا ريب أن أكثر مطالعي الجنان يرغبون في الوقوف على هذه المباحثة الأدبية المبنية على أساسات الوداد و الصداقة ،ولذلك قد عزمنا إن شاء الله على طبع ما ربما يُكتب في هذا الباب من الردّ و الأجوبة من الفريقين مما كان خالياً مما يتعلق بالشخصيات )).
رد الشدياق على اليازجي
الجوائب ، العدد 538( 30/8/1871)، ص1-2 :
الجنان ، السنة 2، الجزء 21 ( 1/11/1871)، ص729-732
شبلي : الشدياق و اليازجي ، ص 76- 82 .
لا يخفى أن الخوجا إبراهيم اليازجي كان قد كتب في صحيفة الجنان في الجزء الثاني عشر مقالةً خطَّأني بها فيما أوردته على لفظة (( الفحطل )) و ((المرابض)) ، ثم انتقل منها إلى تخطئة بعض الألفاظ وردت في مقدَّمة سر الليال وأطال لسانه بالتهكم و التنديد مكافأة لي على كوني رثيت أباه ، وحيث كان وصول مقالته إليّ وأنا أطوف في البلاد لتبديل الهواء وكان اعتنائي بصحتي إذ ذاك أوجب عليَّ من معارضة السفهاء ، لم يهمني الردّ عليه وتخطئته فيما خطَّأني به ، ولا سيما أن تخطئته كانت ظاهرة من عين كلامه لأنه كله مبنيٌ على المغالطة و التمويه وهو صفةُ كثير من أمثاله الذين زبّبوا من قبل أن يحصرموا فإذا قالوا شيئاً فإنما يقصدون به إعجابَ جيرانهم ومعارفهم من الأغبياء المسفسفين لا إرضاء العلماء . إلا أني لما استقر بيّ المقام بالآستانة رأيت الجواب عن سفسطة المذكور أولى من السكوت ، لكي يعلم الناس أني لم أزل مراعياً لحقوق العربية التي تقضي عليّ بأن أردع كلّ سفيهٍ عنها . فأقول إن قولهُ : ((ولا أدري ما ضرّه عدم التصريح باسمه وليس في القصيدة مدحٌ له وإنما حِكَمُ وأمثالٌ يعزيه بها، إلخ)) محضُ مواربة ، فإن أباه صرّح بمدحي في قصيدته الهمزية بقوله :
ورُبّ رسالـــةٍ عـــذراءَ جاءت لها بالمســـك ختمٌ و ابتداءُ
من اللفظ الفصيح لها خباءٌ على المعنى الصريح له بناءُ
لآلــئُ لـــجّةٍ بيـــضٌ عليها رجال الحيّ غارت و النسـاءُ
إذا قلنــا الـيتيمــة كذَّبَتْنـــا لهـــا شِيَعٌ تجــلّ وأنســبـاءُ
رأيتك ما أَنِفْتَ لمدح مثلي فذاك عليـــك من كــرمٍ ثنـاءُ
إلى أن يقول :
خلعتَ عليّ فضلاً أدّعيه وحسبي أن مثلك لي جلاءُ
وكذلك صرَّح بمدحي في قصيدته العاطلة التي مطلعها :
لأهل الدهر آمالٌ طوالُ . . .وكنت قد ذكرت هاتين القصيدتين مع قصيدة التعزية فما باله يقول الآن ،وليس في القصيدة مدحٌ له . فهل ذلك إلا من العمى و التعامي ؟
أما قوله : (( الظاهر أن هذا هو الذي دعاه إلى ذكر الكتاب فجعله تمهيداً لِما نراه )) فالجواب أني لم أنوِ طعناً في مقامات أبيه . ولو كان في قصدي ذلك لم أقتصر على لفظة (( الفطحل )) ، وإنما اختصصتها بالذكر لغرابتها . ومن شأن الشاعر إذا تعمّد إيراد لفظةٍ غريبة أن يتروى فيها ولا يوردها مجازفة . أما قوله إنها من غلط الطبع فيكذّبه ورود (( المطل )) بعدها . فتأمل.
أما قوله ( أما وجه الانتقاد على اللفظة المذكورة فهو أن (( الحاء )) منها مقدّمة على(( الطاء )) في الواقع ، و الحق العكس وأن يقال الفِطَحْل )) . فقوله في الواقع ، صوابه في المقامات . فإن الواقع هو تقديم ((الطاء )) على (( الحاء)). وهنا أطال الكلام هذراً وهذياناً فزعم أنه يلزمني أن أقول وفَطْحَل بفتح (( الفاء)) وسكون (( الطاء )) وفتح ((الحاء)) ، لأنه يقول : إن قرائن كلامي تقتضي بقاء ما سوى(( الفاء)) على حاله. على حاله . فالعجب من هذا التبلتع فإنه إذا قال أحدٌ وفَطحل بفتح ((الفاء )) لم يفهم منه سوى وزان جعفر ، إذ ليس للرباعي المفتوح(( الفاء)) سوى هذا الوزن )) ،فما موجب هذا الهذيان كله في هذه الكلمة ؟ أما قوله ( ومثل هذه الزيادة قوله في كتاب سر الليال في كلامه عن لغات الأعاجم : (( فما مثَلُهنّ إلا مَثَل الثوب المرقّع و الوجه القبيح المبرقع ، فإنه قصد المبالغة في قبحه فالتوى عليه المعنى وجاء عكي المقصود )) . فلعمري إنه لا يرى في هذا المعنى إلتواء إلا من إلتوت نيّته وقصر فهمه وطال لسانه . فإن القبيح قد يكون مبرقعاً ، كما أن (( المبرقع ))قد يكون قبيحاً فلا تضاد بين هاتين الحالتين . فمن أين جاء الإلتواء . وقد قال أبو الطيّب:
قبحاً لوجهك يا زمان فإنه وجه له من كل قبحٍ برقعُ
فما الفرق بين الكلامين .
ثم إنه بعد أن لط في فطحل اسم رجل ، انتقلَ إلى الاعتراض على قولي في سر الليال لكنهم عدلوا عن هذه الجادة إلى جادة أخرى جاهدة . فقال : (( إن ذلك لا يجوز في السجع ، وإنما تكون الجادّة بإزاء النادّة مثلاً ، وجاهدة بإزاء شاردة )) . و الجواب إن إنكاره هذا من غير دليل ليس بشيء . وإنه كما يصح أن يقال مثلاً (( عظم جدهُ كذلك يصحّ أن يقال جادّة وجاهدة . نعم إن الأحسن أن تكون الجادّة مقابلةً ، للمادة ، غير أن الأحسن لا ينفي الحسن . كما أن الأفصح لا ينفي الفصيح )) .
وبعدُ فمن أين عَلِمَ أني مقيّدٌ بالسجع في جميع هذه الفِقَر . وقوله ( إن لفظة النادرة مختلة لفظاً ومعنى )) .فهذا الاختلال إنما نشأ من قصور فهمه . فإن المراد بالنادرة هنا معنى الشاذة ، فإن صحّت هذه صحّت تلك وإلا فكان يجب عليه أن ينكر الشاذة أيضاً .
وقله : (( إن أهل بيروت لا يستعملون مفرد الفطاحل وإنما هي مسموعة عندهم بصيغ الجمع (( فقط)) ، يكذبه ما حرره الفاضل سليم أفندي نوفل فإنه قال في كتاب أرسله إليّ من بطرسبرغ : وأما لفظة (( الفطحل)) فإني وجدتها غير مرّة في رسائل قُسٍ من أهل بيروت يستعملها في محل علاّمة أو فحل رجال ، بل جمعَ بها مرة في خطاب ألقاهُ أمام أحد الكروش في بيروت . اهـ .
وما أورده الفاضل الموما إليه كان على سبيل الاتفاق وكان من جملة الألفاظ الحوشية التي وجدها في الجنان فأنكرها . أما قول اليازجي : إن قصدي بإيراد هذه اللفظة ظاهر. فالأظهر . أن يقال إنه ندب أضرابه من أهل بيروت للتحزّب معه عليّ .
ثمّ إنه انتقل إلى لفظة المرابض وقال ( إن تخصيصي لها بالغنم وهمٌ وإن الصحيح أنها عامّة تتناول جميع الدابّة لأنه يقال ربضت الدابّة )) . و الجواب إن كلامه كله في هذه اللفظة خلطٌ في ثلط وخبط في خبط ، لأننا إذا سلمنا باشتراك الفعل لم ينتج منه اشتراك اسم المكان . فإن العرب كثيراً ما تفرد اسم المكان بمعنىً مخصوص من معاني الفعل المتعددة وذلك لكثرة استعمالها له . فمن ذلك لفظة المحافل فإنها لا تُستعمل عند الإطلاق إلا بمعنى المجالس التي يحفل فيها أي يجتمعون . مع أنه يقال حَفل الماء واللبن كما يقال حفل القوم ، فإن أراد الشاعر الرجوع إلى أصل الفعل كان لا بدّ له من التقييد ، كأن يقول مثلاً محافل الماء . وأمّا عند الإطلاق فينصرف المعنى إلى المجالس . وأمثال هذا كثيرة ، ومن القبيل لفظة المرابض . قال في العباب : المرابض للغنم كالمعاطن للإبل . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم : صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل . وقال في لسان العرب : و المرابض للغنم كالمعاطن للإبل ، واحدها مربض مثال مجلس . وقال صاحب القاموس : وربضت الشاةُ تربض ربضاً وربضة وربوضاً وربضةً حسنةً بالكسر ، كبركتْ في الإبل ومواضعها مرابض . وقال صاحب الصحاح : و المرابض للغنم كالمعاطن للإبل . وقال صاحب المصباح في أول المادة : و المربض وزان مجلس للغنم ، مأواها ليلاً . فأنت ترى أن أئمة اللغة خصّوا المرابض بالغنم و المعترض اقتصر على ذكر الفعل مغالطةً وتمويهاً . على أنه عين الاعتراض عليه . فقد جاء في لسان العرب: ربض بالمكان يربض إذا لصق به وأقام ملازماً .
فهل يصحّ عنده إطلاق المرابض على الناس ؟ فإن أصر على المكابرة و العناد بعد هذا النص الصريح ،فأئمة اللغة في هذا العصر تحكم بيننا .
أمّا قوله : ((والظاهر أن هذا المعنى ( أي الربوض) مأخوذٌ في الأصل من الربض بفتحتين وهو الأمعاء ومجتمع الحوايا في البطن ، يستعمل للدابة لأن ربضها حينئذٍ يلاصق الأرض فيقال ربضت وهذا لا يختصّ بدابّة دون أخرى )) ، فمنتهى التشدّق و التبلتع لأنه يقال له إذا كان المربوض من الربض بفتحتين . فمن أين أخذ الربض ؟ بل الأولى أن يقال إن الربض للأمعاء من معنى الملاصقة من قولهم ربض بالمكان إذا لصق به ، كما أشار إليه صاحب لسان العرب . إذ القاعدة أن الأشياء الظاهرة ـكون أصلاً للباطنة كما أخذ العقل من عقلت البعير ، و الحكمة بالكسر من الحَكَمَة بفتحتين و الذكاء لتوقد الذهن من ذكت النار ، ومثله ثقوب الفكر كما أشرت إليه في مقدمة سر الليال صفحة 11 . وأصل معنى ربض ربّ ، أي لزم المكان وأقام به كأرب . ومثله لبّ وألب ، وهذا المعنى وارد في ربث وربد وربص وربع وربغ . ويقرّب منه ربط وربق فتأمّله .
ولا عجب من أن هذا المتبلتع يقول مثل هذا الكلام ، فإنه غرٌ لم يمارس اللغة ، وإنما العجب من كاتب الجنان أن ينشره عنه مع كونه حشر نفسه في عداد المؤلفين في هذه اللغة الشريفة ، وما ذلك إلا لأن كلام اليازجي أصاب منه موضع جَرَبٍ فحكّه .
أما اعتراض اليازجي على قولي في مقدمة سر الليال : فلهذا كان أقصى همّي أن أغوص في بحر هذه اللغة على دراري أسباب هذه الألفاظ ، فإن الدراري غلط و صوابها الدرر . فالجواب أني ذكرتُ في آخر سر الليال أني سأبين الغلط الذي وقع فيه في جدول ٍ مخصوص بعد ختام الكتاب بأسره ، إذ لم تكن لي فرصة لجمع ما كان يُطبع منه . وليكن معلوماً هنا أني كنت أحرّر هذا السفر كما كنتُ أحرّر الجوائب ، أعني صفحةً صفحة ، وكلما نجزت صفحة منه سلمتها إلى المرتب فلم تمكني الفرصة من تهذيبه كما أردت ، ولم يكن لي همّ سوى في إظهار أصل معاني الألفاظ على النسق الذي تحريته ، وأعظم شاهدٍ على ذلك أني في مقدمة الكتاب المذكور أنكرت على صاحب القاموس خلطه الأفعال الرباعية و الخماسية و السداسية بالفعل الثلاثي ، وكان من قصدي تمييزها عنه فلم يتهيأ لي ذلك لسبب العَجلة .
وبقيَ هنا تنبيه المعترض إلى ما ارتكبه من الخطأ ، فمن ذلك قوله في صفحة 409 [من الجنان ] : عند مظنّة الانفراد . ضبط الظاء بالفتح وهي مكسورة . وقوله هذا يشير إلى أني أجسر على تخطئة أبيه وهو في قيد الحياة ، فلما أن توفي تصدّيت لتخطئته ، و الحال أني لما أوردت الفطحل و المرابط ، نسبتهما إلى غلط السهو لا إلى غلط الجهل ولم أتجاوزهما مخافة أن يُنسب إليّ نقض الذمم كما ذكر ابنه ، ولو كان قصدي التخطئة لما اقتصرت عليهما ، على أن غلط الجهل أيضاً لا ينفي عن الشاعر الشاعرية ، فكم قد رأينا من إناس يجيدون الشعر وهم غير متضلعين من العربية . وكم من علماء متضلعين منها وهم لا يحسنون أن ينظموا بيتاً واحداً . لا جَرم أنه ما من شاعر قال شعراً إلا وأخذ عليه . إلا أن حسناتهم في ضرب الأمثال وجودة السبك أذهبت سيئاتهم ، ولم يلتّ ذلك شيئاً من فضلهم ، وكذلك المؤلفون . فإذا كان هذا المعترض يدّعي بأن أباه كان معصوماً من الغلط ، فتلك بدعةٌ شؤمى .
أمّا قوله : إنه يلزمني إشعار أبيه باختلال لفظة الفطحل ، على ما يقتضيه عهد المودة ، فهو لا يلزمني لأن لهذه اللفظة أخوات كثيرة في المقامات ، فلو اختصصت منها بالذكر لفظة الفطحل لما كنتُ مصيباً ، ولأني كنت مترقباً إصلاحها منه ، فلما بقيت على الخطأ نبّهت عليها قياماً بحق اللغة ، فإني لا أخشى في حبها لومة لائم . على أن أقول كما قلت آنفاً ، إن هذه الأغلاط مفتقرة بالنظر إلى ما في المقامات من جودة السبك و الفصاحة .
ومن الخطأ المعترض في الرسم قوله : على أن تصدّىّ ، بتشديد الياء ، وصوابه تصديي. ومن خطائه في المعنى قوله : وشهد الله أني مذ اليوم لم أكن أتوقع مثل ذلك من هذا الصديق القديم . وصوابه :إلى هذا اليوم ، كما لا يخفى . ومن خطائه في اللغة قوله في صفحة 412 : فإنه قد حفظ له ذلك زمناً ينيف عن ستين سنة . و الصواب ستين . ومن ذلك قوله : إن الذّمم عنده تموت بموت أصحابها . ضَبط الذال من الذمم بالضم وهي مكسورة . وأقبح من ذلك قوله في آخر كلامه : أمانته وذُمته . ضَبط الذال من ذمته بالضم وهي مكسورة . عل أن أجهل العامّة في بيروت وجبل لبنان يقول عند الحلف : على ذِمّتي بالكسر . ومن ذلك قوله في صفحة 410 : على أن غلط الوهم لا يخلو منه أحد كما أشار . والصواب كما أشار إليه .
فمن كان رأس ماله في العربية هذا المقدار وإلا فليستعين بصاحب الجنان[ بطرس البستاني ] على تنقيح كلامه . فأمّا تعقيد كلامه واضطراب عبارته وإسهابه في غير موضع الإسهاب ، فنكله إلى من له ذوق سليم وطبع مستقيم ، وأنكر من ذلك كله قول صاحب الجنان : (( ولذلك قد عزمنا إن شاء الله على طبع ما ربّما يُكتب في هذا الباب من الرد والأجوبة من الفريقين)) . وحاصله أنه عازم على تشريف صحيفته بكلام اليازجي مرّة أخرى بل مراراً متعدّدة ، لأن موضع الجَرَب منه لم يُشف بعد .

فليعلمن أن المنتصرين للجوائب أكثر من المنتصرين للجنان و اليازجي . وأن هذه المناقشة لا تلبث أن تغري بعض الأدباء بتخطئة مقامات الشيخ ناصيف من أوّلها إلى آخرها [ كما فعل الشيخ يوسف الأسير في كتابه إرشاد الورى إلى جوف الفرا ].
عَجباً لمجترئٍ عليَّ وما لـه عند البراز سوى عناد هرائهِ
فكأنه الظربان معتمداً على دفع المُلمّ به بريح فسائـــه
[ الجوائب ، العدد 538 ( 30/8/1871 ) ، ص 1-2 ] .
-
رد الشيخ إبراهيم اليازجي على أحمد أفندي فارس الشدياق
الجنان ، السنة 2 ، الجزء 21 ( 1/11/1871 ) ص 732-740
شبلي : الشدياق و اليازجي ، ص 83 -97
قد علم الأكثرون ما وقع بيني وبين أحمد أفندي فارس الشدياق ، بسبب ما أورده في صحيفة الجوائب من الاعتراض على أبي ، رحمه الله ، في مسألة الفِحَطْل و المرابض ،وما أجبته به غذ ذاك في الجزء الثاني عشر من صحيفة الجنان . فكأنما أوغر ذلك صدره وكبُر عليه أمر تخطئتي له في ما اعترض به وتنبيهي على بعض ما رأيته من الخطأ في كتابه سر الليال مما أوردته في ردّي المشار إليه . فأخذ من العيد و التنديد مرة بعد الأخرى حتى ورد منه الجواب في العدد 538 من صحيفته المذكورة ، وإذا به عدل إلى المسافهة و المهاترة وصرّح بما لا يليق ذكره . فعجبت أو ما عجبت من ارتكابه هذه الخطة المنكرة لأننا كنا في أول الأمر قد دخلنا من باب المناظرة الأدبية ولم نكن في شيء من قصد المهاجاة و المشاتمة ولا كان عندي أنه إذا دعت الحال إلى مثل هذا يتنازل إلى المواطأة عليه ويرضى به لنفسه .
ولقد كنت أحسب أن تمادي الأيام قد حان له أن يهذب من أخلاقه ويمكّن عنده أسباب الحلم و الدماثة و الصبر على المكروه أكثر مما أرى من نفسه هذه المرة . فإذا دمه لم يزل على حرارته المعهودة أيام كانت تلك النار تُقرى بفحم الشباب ، فكأنما كان ثلج المشيب أدعى إلى المبالغة في إيقادها فما زاد على أن أثار شواظها فإذا هو هي .
وقد علمت َ أنني لم أكن مبادئاَ له في هذه المناقشة ولا سبق بيني وبينه عهدٌ في أمر من الأمور إنما كان هو المتدني المعتدي ، ولا سيما أنه ألمّ بأبي المرحوم وخطّأه عَبَثاً فلم يكن يسعني و الحالة هذه إلاّ ردّة وفاء بحق من أنا مندوب في كل شرع أن أرادأ عنه كل عابثٍ بحقه . وبالتالي إظهاراً للحقيقة التي لا أحسب أني أكون معذوراً إذا سكت عن إبرازها – مع معرفتي لها وعدم تمكني من الإغضاء عنها كما لا يخفى .
وكنت أود لو استمرت هذه المناقشة مجردةّ إلى البحث في المسائل الأدبية و الحقائق العلمية دون ما يُسمع كل يوم من غلمان الأزقة وسفهاء الناس وأجلافهم السفلة . ولو كان في ذلك فضل لكان الفضل لمثل هؤلاء لأن فيهم من له اليد الطولى في هذا الباب . و لعمري هذا ما طالما أشرت إليه في ردّي السابق وعرّضت في غير موضع بحب اجتناب هذا الرجل حذر انبعاثه عليّ بمثله سامحه الله . على أنه لو شاء أن يقابلني بأحسن منه لكان أقدر عليه وكان أجمل به . وما أخاله يجهل أن من يبذل نفسه في مجال كهذا إنما يتعرض لأن يشرب بلكأس التي عاطى بها ، فهل يسوغ عنده ذلك . ولئن ساغ عنده ، ما فعلت أبداً ، وأبى الله أن أجري إلا على ما أدّبتُ عليه من الرزانة و النزاهة .
ولعمري ما كنت لأقتحم موقفاً كهذا أكون فيه عرضة لملامة الحليم وهزء السفيه . وبناء على ذلك كان الأولى أن أقتصر عن الإجابة ، لأن المناظرة من شرطها التكافؤ بين الجانبين ، ولا تكافؤ بيننا لرجحانه عليّ بهذا المعنى . ولكن لئلا تُتَوهّم بي ظِنّ’ القصور لم أجد بداً من أن أجيبه هذه المرّة مقتصراً على ما نحن في شأنه أو ما هو من شأننا وأخلصه رداً علمياً كما يليق بالأديب المهذّب ، أو بالأولى بالشيخ الكامل وليكن آخر ما يصدر قِبَلي في هذا الباب .
فأقول :
مما أنكره عليّ صاحب الجوائب قولي في الرد السابق : (( ولا أدري ما ضرَّه عدم التصريح باسمه وليس في القصيدة مدحٌ له إنما هي حكمٌ وأمثال )) إلى آخره . فزعم أن أبي ن رحمه الله ، صرَّح بمدحه في قصيدته الهمزية و القصيدة العاطلة اللتين ذكرهما قبل قصيدة التعزية هذه وأني أغفلتهما واقتصرت عليها مواربة وتمويهاً . ولعمري ما أظن أحداً له أدنى إلمام بفهم المعاني يلتبس عليه مثل هذا ويحتمل عنده نزاعاً . وأعجب كيف فاته إدراك ما كتبه بيده حتى جاء الآن بهذا الاعتراض وحاول أن يتعسّف بنفسه وبي إلى هذه الغاية . ولا بد ّ قبل أن أجيبه عن كلامه هذا أن أورد نصّه الذي نحن في صدده لينظر فيه أولو البصيرة فلعل هناك ما لم أكاشف به من أسرار المعاني . وهو هذا بحروفه قال : ((ولما كنت في مالطة جرت بيننا مراسلات أدبية فأرسل إليّ قصيدة من الجناس العاطل مطلعها :
لأهل الدهر آمالٌ طولُ وأطماعٌ ولو طال المطالُ
وهي مطبوعة في أول جزءٍ من ديوانه صفحة 22 وأجابني أيضاً عن قصيدة بأبيات مطلعها :
هوى في القلب يعذُب وهو داء كـــذا الدنيا وما فيهــا ريـــــــاءُ
وهي في صفحة 25 وفيها يقول :
تقطعت الزيارة منك عنا إلى أن كاد ينقطع الرجاءُ
لـــم يـكُ بيننا نارٌ ولـكن تعرّض بيننــا كالنـــار مـاء
وهو كلامٌ في غاية الرقّة . ثُم أرسل إليّ قصيدة أخرى عنوانها : وقال يعزّي صديقاً له بأنسباء له قد توفوا ، بعث بها إليه في بلاد المغرب :

لا تبك ميتاً ولا تفرح بمولود فالميت للدود و المولود للدود
وهي في الصفحة 29 . ولا أدري ما منه من التصريح باسمي مع صفاء الحب بيننا انتهى .
فقد رأيت أنه ذكر القصيدة العاطلة و القصيدة الهمزية ولم يورد هناك ما يُشعر بأنه صرح باسمه أو لم يصرح باسمه به أصلاً حتى انتهى إلى قصيدة التعزية فأورد عنوانها ثم قفّى على أثره بالاعتراض . فهل يتأتى و الحالة هذه أن يكون المراد بقوله : ولا أدري ما منعه من التصريح باسمي ، إلا العنوان المذكور . وهل الإشارة بذلك إلا قوله فيه يعزي صديقاً له ؟ فما باله جاء يقول الآن أن أبي صرّح بمدحه في القصيدة الهمزية و القصيدة العاطلة . وأين هما ممن نحن فيه ؟ وقد أعجبني بعد كل ذلك قوله : ((فهل ذلك إلا من العمى أو التعامي )) . فتأمل واحكم والله خير الحاكمين .
ثم ما لبث أن كذّب قولي أن الفِحَطْل غلط طبع واستدل على ذلك بورود المطل بعدها يعني وقوع كل واحدة منهما فاصلة . فما أدري كيف ورود المطل بعدها أوجب عنده تأخير الطاء كأنه لا يجيز أن تكون إحدى الفاصلتين المطل و الأخرى الفِطَحْل ، مع أن الفِحَطْل على رويٍ واحدٍ ووزن ٍ واحدٍ أيضاً ، وماذا تقتضي الفاصلة غير ذلك . ولعله يحسب التزام حرفٍ قبل الروي من الأمور الواجبة في السجع ولذلك لم يُجز مع المطل إلا الفِحَطْل . و الصحيح أن ذلك جناس من البديع يسمّونه التزام ما لا يلزم وفي تسميته أكبر دليل .وقد تصفحت في سجعه فلم أجده يلتزم ذلك . وإذا كان في ريب من علمه ففي القرآن وفي مقامات الحريري وغيرها من أفصح الكتب المفصّلة ما يأتيه بالبرهان الفاصل ويتكفل بجلاء المسألة بأوضح بيان .
ثم اعترض على قولي : أما وجه الانتقاد على اللفظة المذكورة فهو أن ((الحاء )) منها مقدّمة على(( الطاء)) في الواقع و الحق العكس ، إلى آخره . قال : (( فقوله في الواقع. صوابه في المقامات فإن الواقع هو تقديم ((الطاء )) على ((الحاء )) انتهى . ولم يبين وجه اعتراضه ولا أدري ما عنّ له . و الظاهر من عبارته ، أنه توهّم في لفظة الواقع معنى الصواب أو الصحيح فأنكرها وحسبك بهذا دليلاً على إمعانه في اللغة . لله درّه .
ومن ذلك قوله : ((فزعم أنه يلزمني أن أقول وفَطْحَل بفتح ((الفاء )) وسكون ((الطاء )) وفتح ((الحاء )) لأنه يقول إن قرائن كلامي لا تقتضي بقاء ما سوى ((الفاء )) على حاله )) إلى آخره .
قلت وهذا من الغرابة بمكان قصيَّ ، فإنه ينكر عليّ إلزامي له أن يقول (( فَطْحَل )) على الوجه الذي ذكره ، يعني على وزن جَعْفَر ، مع أني لم ألزمه بهذا الوزن ولا تعرّضت له به ، وإنما هو ألزم نفسه به وأورده نقلاً عن الأيّمة وما أظن عربياً ينكره فما باله يتبرأ منه . وليس مرادي كذلك ، وإذا ألزمتهُ نفسه أن يقول فَطَحْل بفتح (( الفاء )) و ((الطاء )) وسكون ((الحاء)) حسب مقتضى نصّه وهو هذا بحروفه : (( وقال في الصحاح و الفطحل على وزن هِزَبْر . زمن لم يُخلق فيه الناس بعد . قال الجرميّ : سألت عُبيدة عنه فقال : الأعراب تقول إنه زمن كانت الحجارة فيه رطبة ، وأنشد للحجّاج :
وقد أتانا زمن الفِطَحْل و الصخر مبتل ٌ كطين الوحلٍ
و (( فطحل بفتح ((الفاء)) اسم رجل )) انتهى .
فقوله وفَطحل بفتح ((الفاء )) بعد ذكر الفِطَحْل على وزان الهِزَبْر أي بفتح الطاء وسكون الحاء يقتضي بقاء ((الطاء )) على فتحها و ((الحاء )) على سكونها ، لأنه ضبط (( الفاء )) على خصوصها ولم يتعرّض لهما ففهُم بقاؤها على ما كانتا عليه بالضرورة . وهذه قرائن كلامه التي أشرت إليها هناك والأمر ظاهر .
ثمّ ما زاد عن أن قال : (( فإنه إذا قال أحدٌ وفَطحل بفتح ((الفاء )) لم يُفهم منه سوى وزان جعفر إذ ليس للرباعي المفتوح ((الفاء )) سوى هذا الوزن )) انتهى .
فقد رأيت هنا أنه أقرّ بنقص عبارته ووكل تكميلها إلى فهم القارئ . وقد ذهب عنه أن من شرط حدود وما يجري مجراها أن تستوفي جميع جهاتها ولو كانت معلومة بحيث ينبغي أن تكون مستقلة بمفهومها مع صرف النظر عن كلّ جهةٍ خارجية إلا ما جرى عليه الاصطلاح فلا مشاحّة . فهل في عبارته شيء من الأمرين ؟ ولا ريب أن كل إنسان إنما يطلَب بقدر ما عنده أو قدر ما يُري من نفسه . ومثل الإمام لا يُسامح بهذا ولا سيما أنه قد نصب نفسه نقّاداً على أهل العلم وجعل يأخذ عليهم كلّ مأخذ . فكان ينبغي أن يحرّر عبارته ولا يترك عليه سبيلاً . على أن إنكاره مجيء الرباعي المفتوح ((الفاء)) على غير وزن جعفر وهمٌ ز فقد جاء الكرَفس و الكَرنب وغيرهما على خلاف زعمه . فتأمّل .
قلت وورد في هذه العبارة ما يُؤيد دعواي بأن (( الفحطل)) غلط طبع في المقامات .
فقد وقعت لصاحبنا في أثناء ردّه على الوجه عينه أي بتقديم (( الحاء))على ((الطاء )).
( أنظر الجوائب ، عدد 538 ، صحيفة 2 ، عمود 1 ، سطر 7) وهذا من الغريب الاتفاق .
ومما طال عنده تعجبي و استغرابي قوله بعد كل ذلك ( ثمّ إنه بعد أن خلط في فطحل اسم رجل انتقل إلى الاعتراض )) إلى آخره . فلا جَرم إن قوله هذا مما يقضي به بالبراعة و السبق المبين . فإنه أخذ يتخطى ويتمطى ويتلمظ ويتعظعظ ويهيط مرّة ويميط طوراً ويفكر تارة ويقدّر حيناً . ثم أخرج الحكم بإثبات غلطه ، وحسبك بإقرار المعترف مغنياً عن البينات . وهو يحسب أنه قد خطأني وأوقعني في حيص بيص و العياذ بالله من كلّ زلة فاضحة . وقد مرّت بك عبارته التي نقلتُها قبيل هذا بحيث يقول : وفَطحل بفتح الفاء اسم رجل . وهي التي جاءت الآن يخطئني بها ، مع أن ما خطأته به في ردّي السابق وهي التي جرّت عليه هناك حديث الفاصلة و الانتقاد على سر الليال وكان لها شأن كبير . ومن كان هذا مقدار فهمه فليقُل ما شاء ولا حَرج . وليته توهم في سائر أغلاطه ما توهّمه هنا فكفاني وإياه هذا النزاع الكريه .
ثم خطأني في اعتراضي على قوله الوجه القبيح المبرقع . قال : ((فإن القبيح قد يكون مبرقعاً كما أن المبرقع قد يكون قبيحاً فلا تضاد بين هاتين الحالتين فمن أين جاء الالتواء.
وقد قال أبو الطيب :
قبحاً لوجهك يا زمان فإنه وجهٌ له من كل قبحٍ برقعُ
فما الفرق بين الكلامين )) . انتهى .
قلت : أمّا قوله إن القبيح قد يكون مبرقعاً و المبرقع قد يكون قبيحاً فلا تضاد بين هاتين الحالتين ، فهو تمويه لا طائل تحته . لأنني لم أدخل في مبحث الإمكان و الامتناع ولا كان اعتراض من هذه الحيثية . ولكن ما زال هذا دأبه ، أصلحه الله ، فإن كلامي كان موجّهاً هناك إلى فساد المعنى الذي قصده في نفسه لا في استحالة الجمع بين الوجه و البرقع . وذلك أنه في مقدمة سر الليال لما انتهى إلى الكلام عن لغات الأعاجم أخذ يصفهنّ بكل نوع ٍ من أنواع القباحة وشَّبههن بالوجه القبيح المبرقع إرادة أنهنَّ قد بلغن من القبح كلَّ غاية . فإن كان من لوازم البرقع أن يكون قبح المبرقع به صحَّ كلامه واستقام لأن ذلك يفيد المعنى زيادة في المبالغة فيكون قد حصل المقصود. وإلا لزم أن تبقى قباحة الوجه مستورة فلم يبدُ للعين إلا البرقع وضاع التشبيه جزافاً .
وأما قول الطيب المتنبي الذي أشار إليه وأيّد به كلامه فقد أخطأ منه الغرض ، لأن المتنبي أراد أن يكون القبح هو عين البرقع على سبيل المبالغة . وهذا هو المعروف عند البديعيين بالتجريد وإلا فما معنى من الداخلة على كل . وهذا هو الفرق بين الكلامين ، فتأمل بعين ٍ بصيرة .
ثم ما لبث أن أنكر عليّ اعتراضي على خلله في أحكام الفاصلة ، فزعم أن إنكاري ذلك من غير دليل بشيء ، وأنه كما يصح أن يقال مثلاً عظم جدّه وطال جهده كذلك يصح أن يقال جادّة و جاهدة . اهـ .
قلتُ : إنني لم أورد على ذلك دليلاً لضيق المقام و لظني أن مثل هذا لا يغرب عن علمه الدقيق فكنت أعدّه من غلط السهو . أما الدليل فإنه لا بدّ في القوافل المؤسّسة من موافقة بعضها لبعض في التأسيس و الإشباع مُطلقاً فحينما وقع التأسيس وقع القيد هناك من جهة الإشباع أيضاً وهذا النوع هو من أدقّ أنواع القوافي . أما التأسيس فهو ألف يقع بينها وبين الروي حرفٌ واحد يسمّى بالدخل كألف جاهدة . والإشباع هو حركة الدخيل ككسرة الهاء من جاهدة . وهذه الحركة قد استقصوا فيها حتى أنكر أكثرهم الجمع بين الضمّة و الكسرة كما في قول الشاعر :
وكنا كغصنيّ بانةٍ ليس واحدٌ يزول على الحالات عن رأي واحد
تبدلَّ بي خلاّ فخاللتُ غيــرهُ وخلّيتــــه لمــــا أراد تبــــاعُــــدي
وأما الجمع بين إحداهما و الفتحة فهو منكرٌ بالإجماع وهو عيبٌ في القافية يعرف بسناد الإشباع كقوله :
يا مَن لهُ النِعم التي بالشكر ليس تُقابَلُ
لم يُعرِضوا جهلاً بهـا لكــنّ ذاك تجاهُــلُ
وقول الآخر :

يا نخلُ ذات السرو و الجداول تطاوَلي ما شئتِ أن تطاوَلي
ومنشأ هذا السناد إنما هو اختلاف هيئة اللفظ بين قافية وأخرى وقباحته مرتبة على مراتب هذا الاختلاف فكلما بعُد كان مكروهاً ولذلك كان الجمع بين الضمّة و الكسرة أيسر منه بين إحداهما و الفتحة . وأنت ترى أن ما بعد ألف التأسيس من قوله جاهِدة وهو الهاء مكسور وما بعد ألف التأسيس من قول جادّة وهو الدال المُدغمة ساكن . فإذا كان الجمع بين حركةٍ وأختها قبيحاً مرفوضاً كما علمتَ و الحرف مع كلتيهما إنما يكون متحركاً فلا يكون الفرق إلا من حيثيّة هيئَة الحركة فقط . فما القول فيما إذا وجدت الحركة مرّة وفُقِدت مرّة من أصلها . لا جرَم أنه من أقبح العيوب .
وقد ذكرتُ هناك أن للقاعدة حكم القافية فهي تجري مجراها . قال الإمام السكاكيّ : السجع في النثر كالقافية في الشعر . وبسط الإمام التفتازانيّ في كتابه المطوّل على التخليص قال : وإنما أراد السكاكيّ بالأسجاع حيث قال إنما هي في النثر كالقوافي في الشعر الألفاظ المتواطأ عليها في أواخر الفِقر وهي التي يقال لها فواصل . وقال في هذا الباب : ((والأسجاع مبنية على سكون الإعجاز )) . أي أواخر فواصل القرائن لأن الغرض من السجع أن يزاوج بينا الفواصل. ولا يتمّ ذلك في كل صورة إلا بالوقف و البناء على السكون كقولهم : ((ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت )) .فإنه اعتبر الحركة لفات السجع لأن التاء من فاتَ مفتوحة ومن آت مكسورة منوّنة.وهذا غير جائز في القوافي ولا وافٍ بالغرض أعني تزاوج الفواصل . إلى أن يقول : ((ومنه )) أي من اللفظي ، (( الموازنة وهي تساوي الفاصلتين)) أي الكلمتين الأخيرتين من الفقرتين أو من المصراعين (( في الوزن دون التقفيه نحو ونمارق مصفوفة وزرابّي مبثوثة )) فلفظاً مصفوفة ومبثوثة متساويان في اللفظ لا في التقفيه ، لأن الأولى على الفاء و الثانية على الثاء إذ لا عبرة بتاء التأنيث على ما بُيّن في علم القوافي . إلى آخر ما قال على هذا النمط . فأنت ترى أنه في كل هذا قد قرن بين أحكام الفواصل وأحكام القوافل وراعى هنا ما يُراعَى هناك ولاءم بين الجانبين ملاءمة تامة وقاس بين الواحد والآخر ، وبالجملة لم يعتبر الفاصلة إلا قافية . وعليه جرى جميع الأئمة بلا خلاف . على أنك إذا تفرست في السجع لم تجده إلا مفرّعاً عن الشعر بأن تركوا منه الوزن وأبقوا التقفيه فأصبح السجع شعراً غير موزون ، و الدليل على هذا التفريع أن الشعر شائع مستفيض بين الأعاجم كما هو عند العرب ولا وجود للسجع عندهم فما ظنك به .
قال صاحبنا في مقدّمة سر الليال صفحة 3 : (( وللعربية مزايا أُخرى فاقت بها غيرها فضلاً وقدراً وشأناً وفخراً ، منها السجع وما أدراك ما السجع كلم متناسقة يعلقها الطبع ويعشقها السمع )). إلى أن يقول : ((فتلك هي المعجزة التي لا يمكن لأحد من الأعاجم أن يتحداها ، أو يقارب حدّ ذراها ، وهي الراح التي تُسكر كل ذي ذوق سليم ، من دون تأثيم . فمن أين لسائر اللغات مثل ما للغة العرب ، وأيّها يجاريها في حلبة الأدب . وقد فاتها هذا الأسلوب الأشرف ،و النوع الألطف)) . إلى آخر ما قال .
فإذا ثبت ما تقدم الكلام عليه أفلا تكون الفاصلة هي عين القافية وحكمها حكمها ؟ ولقائل هنا أن يعترض بأن نحو المادة لا يصح أن يقع قافية فكيف يصح وقوعه فاصلة وهما في حكم واحد ؟ فأقول : إن امتناع وقوعها قافية إنما هو وارد من قبيل أحكام العروض لا من قبيل أحكام القافية ، لأن الشعر مقيّد بوزن هي لا تنطبق عليه لاجتماع ساكنين فيها ليس آخرهما آخرها وليس في النثر شيء من ذلك . فتأمل . والأغرب من كل ذلك قوله : (( إنه كما يصح أن يقال عظم جده وطال جهده ، كذلك يصح أن يقال جادة وجاهدة . فما أبعد هذا المقاس ! وكأنه اعتبر الاشتقاق بين الجدّ و الجادّة و الجهد و الجاهدة فظنَّ أن هذا من ذاك . وليس بشيء لأن المسألة من قبيل علم القافية ولسنا في شيء من أمر الصرف . ولعله ذهب وهمه إلى ذلك لكثرة اشتغاله بتفريع الألفاظ واشتقاقاتها . وكيفما انقلب الحال فالمسألة غريبة . لأنه ما هي المناسبة بين الجانبين ، وأين التأسيس والإشباع في جدهُ وجهدهُ ، وهل فيهما شيء من كل ما ذكرناه ؟ وأغرب منه أنه أجاز وقوع جدّهُ وجهده فاصلتين مع أنه لم يجز وقوع الفَطَحْل مع المطل كما مر بك . وأغرب من الجميع أنه جعل كل واحد من حكم الامتناع هناك و الجواز هنا حجّة في موضعه . فتأمل في كل ذلك وتعجّب .
وأما قوله : (( فمن أين علم أني مقيّد بالسجع في جميع هذه الفِقَر)) فما أدري مراده بهذا الإنكار أنه لم يقصد السجع في شيء منها أصلاً أم سجّع بعضها دون بعض فوقع اعتراضي على غير المسجّع ؟وكيف كان الحال فلا بدّ لي من أن أثقّل على القارئ بإيراد جانب كبير من الصفحة التي أخذت منها تلك الفقَرات يكفي للدلالة على وجود السجع هناك في جميع الفِقَر بأسرها . وهذا نصّه على ما أَشرت :
فما زال المتأخرون يستدركون فيها على المتقدّمين ، والراوون عنها يقولون بالحَدس و التخمين . ويجملون في وصفها ويفصلون بما لا يعلمون . حتى كسوها ثوباً غير ما لاق بها ، وكادوا يحلئون الظامي إلى مشربها . ولو أنهم قصروا عليها اشتياقهم ، ولم يخلبهم من غيرها ما شاقهم وتذللوا لها حرصاً على معرفة مكنونها ، وتاقوا إليها كلفاً بإدراك شؤونها ، لأطلعتهم على ما عناني إطلاعه ، فحبذا الحظّ ونعم الحِظَة . لكنهم عدلوا عن هذه الجادّة ، إلى جادّة أُخرى جاهدة ، ستراً لقصورهم ، وتكفراً عن عثارهم بعثورهم . فتراهم مثلاً يقولون إنَّ باع الشيء يأتي بمعنى باعه ، وبمعنى اشتراه . ولم يبينوا لنا سبب هذا ولا أصل معنى البيع ولا مغزاه . ومن دون معرفة السبب ، وإدراك الأرب ، لا يلذ للإنسان أن يعرف أن لفظة واحدة تأتي لمعنيين متضادين ، ومغزيين متباينين . إذ ظاهر ذلك من دون تعليل ، مخالف للحكمة التي بُنيَ عليها هذا اللسان الأصيل . فلهذا كان أقصى همّي ، وأوفى حظي وغنمي ، أن أغوص في بحر هذه اللغة الزاخر ، على دراري أسباب هذه الألفاظ المتضادة في الظاهر . فأدنيتها للعيان ، ووشحتُها بالبرهان . فظهرت أسارير حسنها ، وتباشير فنها ، وحكمة وضعها ، وبهجة مطلعها .
(( ثمّ معما ذكرت من الشغف الذي شفّني حباً بهذه اللغة الباهرة ، التي هي وسيلة لجميع علوم الدنيا والآخرة . فإن الحق و الإنصاف قضيا عليّ بأن أنظر فيما يعترض عليه من أساليبها ، ولا أقول إنه من عيوبها . ولكن باعتبار اللغات الأخرى ، يظهر في بادئ الرأي أنه لم يكن من النوع الأحرى ، فمن ذلك الجمع المكسر ، فإنه فيها أكثر من أن يُحصر . وربما كان للاسم الواحد عدّة جموع كالناقة و العبد ، مما يقضي بالعناء و الجهد . وربما جُهل جمع لفظٍ غريب المبنى أو كان لتعريبه قد شذّ وزناً كجمع البك والأفندي وموسيو وسنيور ، وغير ذلك مما صار كاللفظ العربي المشهور . مع أن الجمع في لغة العجم له علامة واحدة ، وإشارة غير شاذة ولا نادرة . لا تختلف بكثرة حروفها وقلّتها ، ولا بمبناها وصيغتها . ومن ذلك النسبة و التصغير ، فإن قواعدهما تفوت ذكر كل ذكير .
(( أما الاشتقاق وسائر الأساليب الأخرى ، فليس لسائر اللغات كما العربية فمن ينظرهنَّ بها فقد جاء نُكرا ، فهي بذلك أفضلهنّ ، وأشرفهنّ وأكملهن . فهنّ الفقيرات وهي الغنيّة ، وهنّ المتشاكسات وهي السويّة . كيف لا وفي غيرها ترى الفاعل من مصدر ، واسم المفعول من آخر . فما مَثَلُهنّ إلا مثَل الثوب المرقع ، و الوجه القبيح المبرقع . وما مثل العربية إلا مَثل دوحةٍ ذات أفنان ، في كل فننٍ منها أفنان)) . [أدناه ص 399] .
وهكذا جرى إلى آخر ما قال في هذا الصدد معتمداً على السجع في جميع كلامه . ولم يعدل عنه إلا عند قوله : له علامة واحدة . وإشارة غير شاذة ولا نادرة . فإن الفاصلة الأولى على (( الدال)) و الثانية على (( الراء)) وما ارتأيته من أن ((الراء ))في نادره من المطبعة . وأن الأصل ناده بإسقاط ((الراء ))وتشديد (( الدال)) حتى تلحق بجادة وجاهدة لم يسلم به فاضرب عنه صفحاً . وإذا تقرر ذلك فقد وقع هناك الأكفاء ، وهو أن يُقرن الرويّ بما يقاربه في المخرج كالدال و ((الراء )) هنا . وهذا من أقبح عيوب القوافي ، لله دره .
فقد ظهر لك بأجلى بيان أنه كان مقيّداً بالسجع وقد تجشّم له أشد النصب كما يظهر مما ارتكبه فيه من الحشو والركاكة و التعقيد في أكثر الفِقر لأجل إقامة الفاصلة . ومن الأدلة القاطعة على أنه قصده الفصل بين كل فقرةٍ وأُخرى بأنه ترك هناك فسحة تُشعر بالوقف . ومنه رسم ((تاء)) التأنيث في الفاصلة غير منّقطة كما ترى مما نقلته وقد تحرَّيت مطابقته للأصل من جميع الوجوه . وما أرى له بعد كل هذا سبيلاً إلى الدعوى بأنه لم يقيّد بالسجع ، أو أن فقراته جاءت مسجّعة كلها بغير قصده ولا علمه . وإن فعل فتكون المسألة أغرب .
وعلى فرض ذلك فقد وقع له من عيوب الفاصلة حيث لا تتأتى له هذه الدعوى شيءٌ كثير وذهب في أنواع السناد كلَّ مذهبٍ . وها أنا أورد لك شيئاً من مقاماته الأربع التي ضمّنها كتابه الساق على الساق وقد صرَّح هناك بما قاساه في تسجيعها من المشقة وأنه عارض بها مقامات الحريريّ إلى غير ذلك . فمما جاء في المقامة الأولى قوله في صفحة 84 (إذا امتثل خوداً يداعيها وتداعبُه ، هزّته نشوة طرب مال سريره ومركبُه )) فقد وقع هنا سناد التأسيس وهو التزامه في قوله تداعبه ، وتركه في قوله مركبه .
ومثله قوله بعد ذلك في الصفحة عينها : ((لما تصوَّرت الشخص المتهوّم ، و الناعس و المتثائب وأنا متناوم )). وفيه ما في الأول . وفي المقامة الثانية قوله في صفحة 235 : ((ثمَّ إنّ أنين الثكلى ، وقال وإني أزيد على ما قاله الإمّعة قولا )) . وفيه سناد الردف وهو حرف اللين قبل الرويّ فإنه مفقود في إحدى الفاصلتين ، أو موجود في إحدى الفاصلتين : وفي الثالثة قوله في صفحة 467 : (( ثمّ مالت إليّ الثانية عشره . وكانت قصيرة حادره . تارّةً حارّه)) . فقد وقع هنا سنادان أحدهما سناد التأسيس بين عشره وما يليها . والثاني سناد الإشباع بين حادره وحارّه على ما مرّ في الجادّة وجاهدة .
وفي الرابعة قوله في صفحة 607 : (( وإن شاء داعَب ولاعَب . وإن أبى إلا الجدّ فالجدّ طوع له كما أحبّ)) وفيه سناد التأسيس أيضاً . ولو فرضنا نزع التأسيس من لاعب لم يُمن جانب التشديد في أحبّ فإنها مشَّددة هناك بالرسم أيضا ًومن هذا الباب قوله في صفحة 88 : ((علمت أن قوله هو الأسدّ . وأن قول غيره هذيان وفَنَد )) بتشديد ((الدال)) من الأسدّ و العبارة من المقامة الأولى.
ولا سبيل إلى الدعوى بغلط الطبع ، فقد أثبت في آخر كتابه هذا ما نصه (من عادة الأساتيذ المزبورين [ يريد بعض علماء الأعاجم] ومن أشبههم ممن ألف في العربية شيئاً أن يعتذروا عن أغلاطهم الفاضحة بالتورّك على الطبّاع أو على صفّاف الحروف بأن يقولوا إن وقوع الغلط إنما ينشأ عن جهلهما باللغة . قال ، وهو عذر أقبح من ذنب : فإن الصفّاف كيفما وجّهته اتجه ومهما ترسم له يمتثله .ألا ترى أن مسيو بيرو مع كونه لم يعرف من العربية شيئاً فقد امتثل كل ما رسمنا له في كتابنا هذا من التصحيح حتى جاء بحمد الله أحسا ما طُبع بلغتنا في البلاد الإفرنجية )) .
( تنبيه) في مسألة الدراري . لم يكن القصور من صفَاف الحروف لأنه كيفما وجّهته اتجه ومهما ترسم له يمتثله .فإن قيل لك غير ذلك فلا تصدق فإنما هو مجرد اعتذار ، وإن تقرَّر أمامك إنه عذر أقبح من ذنب .
( تنبيه آخر ) قد وضع المؤلف لهذا الكتاب إصلاح غلط في آخره فاعرف ذلك .
قلت ُوربما حملت أغلاطه في المقامات المذكورة على ارتباك القريحة ، لأن من عادة الشاعر أو الناثر إذا عمد إلى شيء من ذلك وأكثر فيه العناية قَصْدَ أن يأتي نفيساً جمدت بادرته فجاء متكلفاً بارداً وربما سقط ولم يدر . وقد تقدم أن صاحبنا كان من قصده معارضة الحريري في مقاماته ، ولا يخفى ما هناك من صعوبة المرتَقَى . فلا بأس أن أردف ما أوردته منها بشيء من غيرها ما ثبت عندي قصده التسجيع فيه لتعلم أن كلّ المراقي في جنب همتّه سواءٌ . فمن ذلك قوله في صفحة 49 من هذا الكتاب : ((يتنازعون كأس البحث و المناظرة . ويخوضون في أمور الدنيا والآخرة )) . وفيه سناد الإشباع . وفي صفحة 54 : (( فإن هذه الحالة لا يمكن كونها دائمة . فتكون غبطتها غير تامّة )) وفيه ما في الجادّة وجاهدة . وفيها : ((هذا وإن أكله المرازمَة . وثيابه الناعمة )) وفيه سناد الإشباع أيضاً . وفي صفحة 58 : (( فإنها تغتنم أنس زائرها وماله . وتتبّله بحبها حتى يرى ذلهُ فيها عزاً له)) وفيه سناد الردف . وفي صفحة 344 : ((في تحصيل أسباب المعاش ساعون . وفي التظاهر باللباس و الزينة معنَّون ))وفيه سند الحَذْو وهو حركة ما قبل الردف . وفيها : ((ذوي طلعةٍ ناضره وشمائل سارّة)) وهو لاحقٌ بالجادّة وجاهدة . وفي صفحة 357 : (( لكلّ منهم من العناء و الجهد و اللوعة . ما يكفيه وآخرين مَعه ))وفيه سناد الردف . واجتزئ بهذا عن غيره من هذا القبيل مما لو وسعني المقام أتيت منه بما لا يحصى .

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:21 AM
معركة الشدياق الصحفية مع الأديب رزق الله حسون
الرد على كتابي حسر اللثام عن الإسلام والنفثات
الجوائب ، العدد 337(28/4/1868) ، ص 2-3 ؛ والعدد 338 (5/5/1868)، ص 2؛
والعدد 339(12/5/1868)، ص3؛ والعدد 340(19/5/1868)، ص 2-3
والعدد 341(26/5/1868)، ص 3؛ والعدد 243(2/6/1868)، ص 3.
[ يذكر مؤرخ الصحافة العربية فيليب دي طرازي أن صاحب جريدة مرآة الأحوال اللندنية ، رزق الله حسون ، (( كان قد أصدر مجلة عربية عنوانها رجوم غساق إلى فارس الشدياق نشر منها عددين في لندن: الأولى في 4/ 5/ 1868 في 14 صفحة صغيرة والثاني في 5/5/ 1868] تاريخ الصحافة العربية ، ج 1 ، ص 108 .
العجب أولاً من ذلك العلامة المطلع على سر الحرف فيما زعمه رزق الله أنه لم يعلم أنه لا يجوز للمؤمن أن يكفر أخاه من دون إقامة البينة عليه .
فقد ورد في الحديث الشريف : من كفر أخاه فقد باء بها أحدهما ، أو نحو ذلك ، يعني إذا كفر أحد أخاه من دون بينة فإن أحدهما يرجع بالكفر . ومن المعلوم أن من نسب كاتب الجوائب إلى الكفر لا بينة له على ذلك فالنتيجة أن المدعي هو الكافر وكذلك لا بينة له على أن صاحب الجوائب يأكل الخنزير ويشرب الخمر . وإنما هو ظن أثم به المدعي على نفسه فنتج من ذلك أنه كافر أثيم عتل زنيم . وإنما ادعى رزق الله بوجود ذلك الرجل لأنه لما لم يجد ما يغيب به صاحب الجوائب وطن نفسه على أن يعيبه بهذين الاثمين على لسان واحد من المسلمين أياً كان إذ أكل الخنزير وشرب الخمر ليس بإثم عند النصارى ولا بعيب مع أن رزق الله لم يؤاكل صاحب الجوائب ولم يشاربه قط وإنما آكله وشاربه العلماء و الفضلاء وذوو الصلاح و الهدى وهم أدرى بأحواله فإذا كان رزق الله يقول من عند نفسه في شيء لم يره فهو كاذب مفتر . ثم العجب ثانياً من ذلك العلامة أنه لم يستخرج من حروف ر ز ق ال ل ه ح س س و ن أن المسمى بها كان ألف كتاباً طعن فيه على الإسلام والقرآن أشنع الطعن وسماه حسر اللثام عن الإسلام . وكان مما قاله فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلقى علم القرون الأولى من راهب اسمه نسطورس فجمع القرآن منه حتى زعم أنه رأى في بعض خزائن الكتب في مساجد الآستانة مصحفا بخط سيدنا علي ، كرِّم الله وجهه ، وكان مكتوباً في أوائل سوره : قال محمد سورة كذا . فانظر كيف يصح هذا التقول على سيدنا علي وهو أرسخ المؤمنين قدماً في الإسلام. والظاهر أن رزق الله وجد في إحدى هذه الخزائن كتاب الكندي الذي كان في عهد المأمون . فنقل منه ما نقل ثم زاد عليه أشياء من عنده من جملتها أنه غلط كلام الله تعالى في قوله { ذَوَاتَآ أَفُنَانٍ } [سورة الرحمن رقم 55 الآية 48] فقال الصواب ((ذاتا أفنان )) مع أن هذا الغبي لو فكر في أن مثنى ((ذو)) ((ذوا)) لعلم أن مثنى ((ذات)) لا يكون في حالة الرفع إلا ((ذواتا)) . ويقال أيضاً {مُهطِعِنَ}
[سورة ابراهيم رقم 14 الأية 43 ] لفظ مستهجن وغير ذلك من الافتراء . وهذا التأليف أعني حسر اللثام رآه صاحب الجوائب عند رزق الله ولكن لم يتصفحه وإنما سمع منه هذين الاعتراضين مشافهة . وقال إنه عقد باباً طويلاً في الكتاب لأمثالهما. فعلل له صاحب الجوائب ذواتا فلم يفهمها . فإن الرجل لا يدري الصرف كما ستعلمه من شواهد كلامه .
ثم إن رزق الله صدر هذا الكتاب بقصيدة دالية ضاهى بها قول أبي الطيب (( أهلاً بدار سباك أغيدها )) وخصصها بمدح جناب أمبراطور الروسية إذ كان يمني نفسه إلى بطرسبورغ ويتخذ هذا الكتاب وسيلة إلى تحصيل وظيفة له هناك . ثم اتفق أنه اجتمع بأحد المطارنة في الآستانة فأخبره المطران بأنه عازم على السفر على بطرسبورغ فزين له شراء الكتاب زاعماً بأنه لم يسبقه إليه أحد فاشتراه منه بقصد أن يهديه على وزير المعارف في المدينة المذكورة . وهذا الأمر مشهور عند كثير من معارف رزق الله فإنه كان يتبجح عندهم بما فعله . وهذا المطران قد رجع الآن من الروسية . وعندنا علم باسمه ومقره ولكن ليس علينا ذكرهما . فاسألوا أيها المسلمون رزق الله عن تأليف هذا الكتاب أقر بتأليفه فأنتم أدرى بجزائه وإن أنكر فلعنة الله على الكاذبين . ثم العجب ثالثاً من ذلك العلامة كيف أنه خفي عليه أن رزق الله حسون كان مستخدماً في ديوان جمرك الدخان فخان الدولة واختلس منها مبلغاً عظيماً فحبس فيه . ثم فر من الحبس وسار على بطرسبورغ ثم إلى لندرة وها هو ينفق الآن من المال الذي اختلسه . فعين سفره وعين وجوده الآن بلندرة دليل على أنه مختلس وإلا فمن أين له أن ينفق هذه النفقات الجزيلة في تنقله في البلاد . فإن أجرته الشهرية التي كان ينالها من ديوان الجمرك لم تزد على خمسة أكياس وهذا المقدار وإن يكن إحساناً عظيماً من لدن الدولة العلية على أمثاله إذ كان إعطاؤه لأحد الأمناء من النصارى أو المسلمين أولى إلا أنه غير كاف في الإعانة على السفر وعلى طبع الكتب فيا للعجب من الأيام كيف لا وقد صرنا نرى فيها من يختلس مال الدولة ثم يطبع من مالها كتاباً ويهجوها فيه . [الجوائب ، العدد 337 ].
ثم العجب ثالثاً [ثالثاً مكرر] من ذلك العلامة الذي يعلم سر الحرف كيف خفي على دقيق فهمه وغزير علمه أن رزق الله حسون كان في خدمة السيد الجليل الجنرال محمود بن عياد بمنزلة كاتب . فظن السيد محمود أولاً أنه قد ظفر برجل أمين يعرف ما يجب عليه من حقوق الخدمة كما كان الخواجة روفائيل كحلا عنده في باريس فإنه كان أمين سره والقائم بمصالحه أتم قيام . وإذا برزق الله أبان له : أن ما كل سوداء تمرة ولا كل ذات نقاب حرة . فكفر صنيعه وخانه خيانة شنيعة لم تزل أحدوثة الناس في الأصباح والأغلاس . وذلك أن السيد محموداً ، المشار إليه ، كان قد سلم إليه هدية من الماس الفاخر ليقدمها إلى حضرة ذي السيادة والدولة الشريف عبد الله باشا شريف مكة المكرمة حين كان مقيماً بالآستانة وأعطاه مبلغاً من المال ليفرقه على خدمة الأمراء والوزراء الذين زارهم في الأعياد . وكان يظن أن رزق الله قد أدى الأمانة إلى أهلها . حتى إذا خامره الريب في استقامته لبعض أمور أنكرها عليه في داره . خطر بباله أن يسأل عن الهدية فسأل عنها من حاشية الشريف المشار غليه فعلم وقتئذ أنها لم تصل إليه فأحضر رزق الله وتهدده فأقر بأنه تصرف في الهدية لفقره واضطراره .فألزمه أن يكتب له سنداً بثمنها وقدره فيما نعلم خمسة وعشرون ألف قرش فكتبه له . ولم يزل السند بيد السيد محمود إلى هذا اليوم .وعند ذلك طرد هذا الخائن من خدمته . لا جرم إن من كان معروفاً عند الناس بهذه المثالب و المعايب كان الأليق به أن يتستر عن عيون الناس لئلا يشيروا إليه بالأصابع ويجددوا ذكر ما عرف به من الفظائع لا أن يلغ في أعراض الناس ويبحث عن هفواتهم . ثم العجب رابعاً من ذلك العلامة النقاب أنه لم يدر أن رزق الله كان سابقاً في خدمة الخواجة يوسف الحجار فلم يلبث عنده غير طويل حتى كشف له عما هو منطو عليه من فساد الجبلة ورداءة الأخلاق . فطرده الخواجة يوسف من عنده . فما كان من رزق الله إلا أن اتخذ صورته مطبوعة على الحجر ، وكتب تحتها قصيدة طويلة هجاه فيها أبلغ الهجو وجعل يرسل منها نسخاً إلى جميع الأقطار بل وضع منها أيضاً نسخاً في طرق الآستانة . فشكاه الخواجة يوسف إلى الضبطية فقبضوا عليه وهموا بحسبه لولا أن توسط في خلاصه المرحوم الحاج بكر القباقيبي وذلك لكرم نفسه وعظم مروءته فإن رزق الله كان في خدمته أولاً قبل أن دخل في خدمة الخواجة يوسف وأساء إليه فخرج من عنده مذؤوماً مدحوراً . فهذه مرة أخرى أنفق فيها رزق الله مال المحسن إليه في هجوه وسبه . ثم العجب خامساً من ذلك العلامة أنه خفي عليه أمر رزق الله حين سافر إلى الديار الشامية بصحبة سعادتلو فرانقوا أفندي عند حادثة الشام المشهورة . وذلك أن حضرة ذي الأبهة و الدولة فؤاد باشا لما كان مهتماً بإصلاح ذات البين عقب تلك الحادثة أمر رزق الله بأن يتوجه إلى دمشق لشراء مقدار من الخشب مما لزم لتجديد بناء البيوت التي أحرقت . فلما وصل إلى دمشق وشعر بأن للسيد الجليل الشيخ عبيد الله أفندي الحلبي بساتين ناضرة وكان قد وسوس إليها الخناس أيضاً أن الشيخ المشار إليه ملوم ببعض اللوم بسبب تلك الحادثة أخذ في قطع أشجار بساتينه أصلاً وفرعاً حتى غادرها قاعاً صفصفاً . ويومئذ عمل على أذى عزتلو خليل أيوب أفندي فوشى به وتجنى عليه ويومئذ دخل الجامع الأموي واختلس منه كتباً وما كفاه هذا حتى جعل يتبجح بما اختلسه بعد رجوعه إلى الآستانة . وتبجح أيضاً بأنه سرق كتباً قديمة من أديار الرهبان في الجبل فأسالوه يا قيمي الجامع ويا أيها الرهبان عن هذه الكتب . فإن أقر بسرقتها فأنتم أدرى بجزائه وإلا فلعنة الله على الكاذبين . وفي الحقيقة فإن وجود رزق الله في الديار الشامية بعد تلك الحادثة كان حادثة أخرى فإنه لم تعن له فرصة للأذى و الفتنة و التحريش والإغراء إلا وانتهزها وأخص ذلك وشايته بحضرة بطرك الموارنة وحضرة المطران طوبيا مطران بيروت المحترمين . وقضية قطع أشجار البساتين سمعناها من حضرة النبيه الفاضل الشيخ محمد أفندي أخي الشيخ عبد الله أفندي ولا مراء في قوله ثم العجب سادساً من ذلك العلامة أنه خفي عليه شناعة رزق الله وترهاته وتزويره وبهتانه حين كان يكتب مرآة الأحوال فإنه اتخذ هذه الصحيفة للطعن في أعراض الكرماء الأفاضل من رجال الدولة العلية حتى هجا الشيخ الجابي من مشاهير فضلا ء الشام . وأخبرني غير واحد أن النسخ التي كان يوزعها من مرآة الأحوال في الأستانة كانت بغير عبارة النسخ التي كان يرسلها إلى الخارج . فلما صار معلوماً لدى حضرة دولتلو سامي باشا وكان وقتئذ ناظراً على المعارف العمومية أن تلك الصحيفة صارت وسيلة للفساد والمعرة أمر بإبطالها مع أن المشار إليه لم يسيء إلى أحد في عمره قط ، وأحب شيء إليه إسداء الخير والإحسان لجميع الناس . وما كفى رزق الله ما افتراه على الكرماء الفضلاء حتى افتخر بأنهم يخشون شرة لسانه وبذاءته فيرشونه حتى يسكت عنهم . فأشهد أن هذه الأخلاق لا تكاد توجد في أحد من بني آدم ، بل إبليس نفسه لا يستطيع أن يتلبس بها كلها في صورة واحدة . ولقد سمعنا عن كثير من السراق واللصوص والهجائين والسبابين والمفسدين والمرتشين والناقضين لعهودهم والحانثين في إيمانهم والعاملين على أذى الناس وقطع أرزاقهم ولكن ما سمعنا عن أحد منهم أنه يفتخر بقبائحه ورذائله كما يفتخر رزق الله حسون بسيئاته. فيا له من سفيه قد أعيى الأطباء علاته وأعجز الشيطان محاكاته . [الجوائب ، العدد 338].
ثم العجب سابعاً من ذلك العلامة الذي يعلم سر الحرف كيف أنه خفي عليه باطن رزق الله الفاسد وما تسول إليه نفسه من تحدي القرآن الشريف في كتابه النفثات . وكيف أنه عمل على إفساد لغتنا الشريفة التي لولاها لم يكن لبني آدم هدى ولا رشاد ولا صلاح في المعاش والمعاد . فقد غير أساليبها وانتهك حرمة صيغها ولم يبال بما وضعه لها الواضع . فنراه يسكن المتحرك من ألفاظها ويحرك الساكن ويزيد فيها وينقص منها كيف شاء . وهي لعمري جريرة يعاقب عليها كجريرة السرقة من بيت المسلمين . ألا لعن الله كل من حاول أن يغير شيئاً من أوضاع اللغة العربية ودمر بيته وأيتم أولاده وقطع أسباب معاشه . فإن سبحانه وتعالى رضي بأن يكون كلامه القديم مبلغاً بها ، وجميع الأحكام الدينية والعلوم الدنياوية قد أودعت فيها . وهي كانت الوسيلة في تمدين العالم وإصلاح بني آدم . فكل من تعمد تغييرها وتبديل شيء منها فقد وجب على زعماء الأمة تنكيله وتعذيبه . وإنما قلنا تمدين العالم لأنه من المعلوم أن التمدن الذي وصل إلى بلاد أوروبا لم يكن إلا بواسطة اللغة العربية . وسواء قلنا إن العرب هم الذين أحدثوا علم الحساب وسائر العلوم الرياضية ، أو كانوا قد عربوها من لغات أخرى كما يزعم بعض ،فوصول هذه الفوائد إلى أوروبا لم يكن إلا بواسطة لغتنا . فمن ثم يحق لنا أن نقول إنها هي سبب في إصلاح الأمور المعاشية والمعادية معاً . فهل يتأى والحالة هذه لحر مسلم أن يغضي النظر عمن يقصد إفساد أمور دنياه وآخراً عامداً متعمداً ؟ بل هي يتأتى لأحد من النصارى العارفين بأساليب اللغة العربية كالشيخ ناصيف اليازجي ومن حذا حذوه أن يتحمل تشدق رزق الله وتبلتعه فيما جاء به نظماً ونثراً : لا جرم أن من لم يغر على هذه اللغة المصونة فما هو بذي غيرة على دينه ولا على إمرأته ، ولا سيما إن هذا السفيه قد أشعر إشعاراً ظاهراً بأنه قادر على تحدي القرآن وهو أعجب شيء من جنونه وهوسه . فيا ليت شعري أي عالم من علماء المسلمين كاتب هذا الأهوج أو شهد له بالعلم حتى تهوس للنظم والنثر وكيف سولت له نفسه أن يهدي كتابه هذا الخسيس إلى ساحة العالم العلامة عمدة المحققين في هذا العصر ، أعني الأمير عبد القادر ، فإن الأمير المشار إليه من أروع العلماء وأتقاهم فلا يرضى بأن نصرانياً متشدقاً معتوهاً يعارض كلام القرآن في قوله ، فتوقل ثم السدرة الكبرى ويلتبط أمواجاً تارة يربو جبالاً وطوراً يغور فجاجاً وفي قوله أيضاً : فأجاب الجرو لائمه وقد سفهه كثيراً ما أحطت بما أريد علماً ولا كنت بسبب النباح خبيراً. وغير ذلك من الكلام الغث الذي يدل دلالة صريحة على أن المتشدق بهذه الفقر معتقداً غاية الاعتقاد بأن في وسعه معارضة فواصل القرآن مع إصراره على إفساد اللغة وتغيير مبانيها. وما كفاه ذلك حتى أهدى هذيانه إلى إمام في العربية . وذلك من غرائب الأمور ومثل هذا الأمر غرابة هو أن دولتلو سوروس باشا سفير الدولة العلية في لندرة وبولس غضبان أفندي قنصلها مع علمهما بأن رزق الله قد اختلس مال الدولة وفر من سجنها وأنه هجاها ووصفها بالظلم والعدوان ووصف بلادها بالخراب والدمار فقد استصوبا أن يخالطاه ويعاشراه . فهو يتردد عليهما ويستأنس بهما في غربته . فإن قيل إنهما لا علم لهما بما اختلسه رزق الله قلنا إن قضيته شهرت في جميع جرنالات الآستانة فكان من الضرورة أنهما يعلمان حاله فيعلمان الدولة العلية بوجوده . هذا ما تقضيه أصول السياسة والصداقة . فأما إذا كان هنالك أصول أخرى فهو مما يفوتنا إدراكه .ثم أن قيل أيضاً أن رزق الله لم يخرج فيما قاله نظماً ونثراً عن أصول العربية فإنه إنما ارتكب من الضرورات الشعرية ما يرتكبه غيره . قلنا أولاًُ لا نسلم بأن رزق الله شاعر حتى يجوز له ارتكاب هذه الضرورات إذ هو لا يدري ميزان الشعر وحسبك دليلاً على ذلك قوله في الصفحة التاسعة :
ولست أعلم أنى استحصلوا لهم كل الأدوات للألحان والرغب حتى الكتاب الكبير والموسيقي لكي يخوضوا في فنه استكشاف مدرب .إلى أن قال : ينعون مركزهم في دست مجلسهم لاختلافات أهواء من الأرب .فهذه ثلثة أبيات من قصيدة واحدة لا يمكن استقامة وزنها أو تستقيم طباع ملفقها ، وقس على ذلك سائر نظمه . فهو إذاً زجال لا شاعر فلا يجوز له ما يجوز للشعراء . وقد حان الآن أن نظهر جهله باللغة والصرف والنحو وغير ذلك ليعلم فيما قصده من تحدي القرآن أنه مجنون جنوناًُ مطبقاً ولكن لا بد لذلك من إيراد مقدمة لا تخلو من الفوائد لمن تعلق بأهداب الأدب ونظم في لغة العرب فنقول :[ الجوائب ، العدد 339 ] .
لا يخفى أن العرب كانت قبائل وشعوباً كثيرة ولانتشارها وتفرقها في أقطار شاسعة كانت لهجة بعضها تخالف لهجة بعض كما نراه الآن في جميع الأمم . إذ لا يتأتي لأمة كبيرة متبوئة بسيطاً من الأرض أن يكون لها لهجة واحدة وكلام واحد ، وإن تكن أمة متمدنة . ولهذا كان في العرب الفصيح و غير الفصيح ، ولكن لا ينبغي أن نفهم من هذا أن غير الفصيح كان جامعاً لكل ما هو مذموم من اللغات ، وإنما كان لكل قبيلة شيء منه على وجه الشذوذ فكان في ربيعة ومضر (( الكشكشة)) يجعلون بعد ((كاف )) الخطاب في المؤنث (( شيناً )) فيقولون : رايتكش وبكش وعليكش .فمنهم من يثبتها حالة الوقف فقط وهو الأشهر ، ومنهم من يثبتها في الوصل أيضاً ،ومنهم من يجعلها مكان (( الكاف)) ويكسرها في الوصل ويسكنها في الوصل، فيقول : منش وعليش ومن ذلك . (( الكسكسة )) وهي في ربيعة ومضر أيضاً يجعلون بعد (( الكاف)) أو مكانها في المذكر (( سينا )) على ما تقدم . وقصدوا بذلك الفرق بينهما . ومن ذلك (( العنعنة)) وهي في كثير من العرب في لغة قيس وتميم تجعل ((الهمزة)) المبدوء بها (( عيناً)) فيقولون : في إنك عنك ، وفي أسلم عسلم ، وفي إذن عذن . ومن ذلك (( الفحفحة )) في لغة هذيل يجعلون (( الحاء )) (( عيناً )) ومن ذلك ((الوكم )) في لغة ربيعة ، وهم قوم من كلب يقولون عليكم وبكم حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة . ومن ذلك (( الوهم)) في لغة كلب يقولون منهم وعنهم وبينهم ، وإن لم يكن فبل ((الهاء )) ياء ولا كسرة . ومن ذلك ((العجعجة )) في لغة قضاعة يجعلون (( الياء )) المشدودة((جيماً )) يقولون في تميمي تميمج . ومن ذلك ((الاستنطاء )) في لغة سعد بن بكر وهذيل والأزد وقيس والأنصار تجعل (( العين )) الساكنة (( نوناً ))إذا جاورت ((الطاء )) كانطى في أعطى . ومن ذلك (( الوتم )) في لغة أيمن تجعل (( السين)) ثاء كالناث في الناس ومن ذلك (( الشنشنة )) في لغة اليمن أيضاً تجعل (( الكاف)) (( شيناً )) مطلقاً كلبيش اللهم لبيش ، أي لبيك . ومن العرب من يجعل (( الكاف)) (( جيماً)) كالجعبة يريد (( الكعبة )) كما في المزهر ، ولم يذكر قلب (( الحاء)) (( هاء)) كما في المدح و المده و المليح و المليه . وفي درة الغواص حكى الأصمعي أن معاوية قال يوماً لجلسائه : من أفصح الناس ؟ فقام رجل من السماط ( أي من الصف ) وقال : قوم تباعدوا عن عنعنة تميم وتلتلة بهرا وكشكشة ربيعة وكسكسة بكر ليس فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير فقال : من أولئك ؟ قال : قومك يا أمير المؤمنين . قال الإمام الخفاجي في شرح الدرة في كامل المبرد قال معاوية يوماً : من أفصح الناس ؟ فقام رجل من السماط فقال قوم تباعدوا عن فراتية العراق وتيامنوا عن كشكشة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر ليس فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير . فقال معاوية : من أولئك ؟ قال قومي يا أمير المؤمنين . قال : من أنت ؟ قال : رجل من جرم وجرم من أفصح الناس ، اه . وهم من أيمن لكنهم جاوروا مضر . ثم قال : وبكر تتلف في الكسكسة فقوم منهم يبدلون من (( الكاف)) سيناًكما فعل التميميون في (( الشين)) ، وقوم منهم يثبتون حركة (( الكاف )) ويزيدون بعدها(( سيناً )) . وبنو عمرو بن تميم إذا ذكروا ((كاف )) المؤنث ووقفوا عليها أبدلوا منها (( شيناً )) لقرب (( الشين )) من (( الكاف )) في المخرج لأنها مهموسة مثلها . فأرادوا البيان في الوقف لأن في ((الشين)) تفشياً و التي يدرجونها يدعونها ((كافاً )) وربما أبدلوا (( الكاف)) الأصلية المكسورة (( شيناً)) فقالوا في ((ديك )) ((دي )) كما قاله ابن السيد . وروى بدل قوله : فراتية لخلخانية العراق اللخلخانية اللكنة من قولهم لخ في كلامه إذا جاء به ملتبساً . وفي فقه اللغة تعرض اللخلخانية في لغة إعراب الشحر وعمان كقولهم في ما شاء الله مشا الله . و الغمغمة أن لا تبين الكلام ، و الطمطمانية العجمة يقال رجل طمطماني وطمطم . قلت : قد عرفها الإمام السيوطي بأنها لغة حمير كقولهم طاب أمهواء أي طاب الهوى . وقد أجمع العلماء ورواة أشعار العرب وأيامها أن قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة لأن الله تعالى اختارهم من جميع العرب حيث اختار منهم نبي الرحمة وجعلهم سكان حرمه وجيران بيت الحرام وولاته . وكانت قبائل العرب يفدون إلى مكة المكرمة للحج و للمحاكمة في أمورهم إلى قريش . وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها وتسميهم أهل الله لأنهم الصريح من ولد إسماعيل عليه السلام ، لم تشبهم شائبة ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة تفضيلاً من الله وتشريفاً إذ جعلهم رهط نبيه الآذنين وعشيرته الصالحين . [ الجوائب ، العدد 340 ].
وكانت قريش على فصاحتها وحسن لغتها ورقة ألسنتها ، إذا جاءتهم وفود العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلماتهم . واجتمع ما تخيروه من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب ثم يليهم في الفصاحة الست من القبائل وهم : مس من هوازن يقال لهم : عليا هوازن ، وسعد بن بكر ، وجشم بن بكر ، ونصر بن معاوية ، وثقيف ، ثم سفلي تميم . قال أبو عبيدة : وأفصح هؤلاء بنو سعد بن بكر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : أنا أفصح العرب بيد أني من قريش وأني نشأت في بني سعد بن بكر ، وكان مسترضعاً فيهم . وبهذا فسر ابن عباس الحديث : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، اه . وأورد الإمام السيوطي في المزهر نبذة من الكلام الرديء المذموم من لغات العرب فقال في الجمهرة : الطعسنة لغة مرغوب عنها يقال : مريطعسف في الأرض إذا مر يخبطها . وفي الغريب المصنف يقال حفرت البئر حتى أمهت وأموهت ، وإن شئت أمهيت ، وهي أبعد اللغات فيها . و المعنى حتى انتهيت إلى الماء . وفي الجمهرة : تدخدخ الرجل إذ انقبض لغة مرغوب عنها . ورضبت الشاة لغة مرغوب عنها ، و الفصيح ربضت . وفي أدب الكاتب لابن قتيبة يقال : فلان أحول من فلان من الحيلة لأن أصل (( الياء ))فيها ((واو )) من الحول . ويقال أحيل وهي رديئة . وفي ديوان الأدب الفارابي : الفص بالكسر لغة في الفص ( بالفتح ) وهي أردأ اللغتين ، وأشغله لغة في شغله وهي رديئة واندخل أي دخل وليس بجيد .
والدجاج بالكسر لغة في الدجاج ( بالفتح ) وهي لغة رديئة . و الوحل بالسكون لغة في الوحل ( بفتحتين) وهي أردأ اللغتين و الوتد بفتح (( التاء)) لغة في الوتد ( بكسرها) وهي أردأ اللغتين و اليسار بالكسر لغة في اليسار ( بالفتح) وهي أردأهما . ويقال هو أخير منه ، في لغة رديئة ، والشائع هو خير منه بلا همز . وفي الصحاح قال الخليل : أفلطني لغة تميمية قبيحة في أفلتني . وفي نوادر البريدي يقال : ألقت الدواة الاقة ولقتها ليقا رديئة ، وتقول أقلته البيع إقالة وقلته قبلاً رديئة . وأنتن اللحم فهو منتن وقد يقال له منتن بالكسر وهي رديئة خبيثة : وتقول في كل لغة هذا ملاك الأمر وفكاك الرقاب بالكسر ، وقد جاء عن بعض العرب أنه فتح هذين الحروفين ، وهي رديئة وحثيت التراب أحثيه وفي لغة أخرى احثوه ، وهي رديئة . وتقول رابني الرجل وأما أرابني فإنها لغة رديئة . وفي شرح الفصيح للبطليوسي الرنز لغة في الأرز وهي رديئة وقال ابن السكبت في الإصلاح يقال : في الإشارة تلك بفتح ((التاء )) وهي لغة رديئة . وقال ابن خالويه في شرح الفصيح : قال أبو عمرو وأكثر العرب تقول لك وتيك ، لا خير فيها . ويقال : تطاللت بمنى تطاولت لغة سوء . وتميم تقول : الحمد الله بكسر ((الدال )) ولا خير فيها . وفي الصحاح أوقفت الدابة لغة رديئة . وفيه أعقت الفرس أي حملت فهي عقوق ، ولا يقال معق إلا في لغة رديئة وهو من النوادر وفيه غلقت الباب غلقاً لغة رديئة متروكة . وفيه يقال : محقة الله وأمحقه لغة فيه رديئة وفيه : لا يقال ماء مالح إلا في لغة رديئة ( يعني أن الفصيح ماء مالح ويفهم من كلام بعضهم أنه يقال ماء ملح مالح ) . وفي الأفعال لابن القوطبة : حدرت السفينة و القراءة و الرباعي لغة رديئة ( انتهى مع بعض حذف ) . و الظاهر أن الإمام السيوطي لم يقصد استقصاء هذا النوع فإن ما ذكره قليل جداً بالنسبة إلى سعة اللغة العربية وكثرة قبائل العرب ، حتى لو كان في اللغة قدر ما أورده ألف مرة لما شانها ، ولا سيما إذا تأملت أنه قد مضى دهر طويل على العرب من قبل أن عرفوا الكتابة و القراءة ، ولهذا وقع الاختلاف في رواية أشعارهم . أما ما وقع في شعرهم من الضرورات فأعظم أسبابها عندي هو أن إنشادهم للشعر كان في الغالب ارتجالاً . [ الجوائب ، العدد 341 ] .
وكيفما كان من أصل هذه الضرورات الشعرية فلا ينبغي للناظم أن يكثر منها فإنها تفسد شعره ، كما أشار إليه ابن نباتة المصري سلطان المتأدبين . بل ينبغي له أن يتجنبها غاية ما يكون ولا سيما القبيح منها . وذلك كتخفيف المشدد ، وتشديد المخفف ، وفك الإدغام ، وتذكير المؤنث ، وتأنيث المذكر ، وتحريك الساكن ، وتسكين المتحرك ، وغير ذلك مما تقرر في بابه وعرف أصحابه . فارتكاب مثل ذلك دليل على قصر باع الناظم في العربية لا محالة فغاية ما يقال في شعر بأنه شعر فاسد . واعلم هنا أن الغلط على نوعين : غلط جهل وهو ظاهر ، وغلط سهو وهو أن يذهب وهم الناظم إلى لفظة مكان لفظة تقاربها ، كقول بعضهم ((مرابض الخيل ))في (( مرابط الخيل)) . فهذا النوع مصفوح عنه للشاعر البليغ فأما لغير البليغ فلا . والآن قد انتهينا إلى ذكر أغلاط رزق الله حسون في كتاب النفثات وهي من النوع الأول . ولكن ينبغي أن نمر عليها مراً خفيفاً فإنها لكثرتها تقضي بمدة طويلة ولا سيما إذا أردنا تعليلها . ولسنا نريد أن نضيع الوقت في مثل هذا العمل الخبيث وإنما المقصود بيان جهل هذا المدعي بالعربية ، وإشعار الناس بأن معارضته للقرآن الشريف مع هذا الجهل أقوى دليل على أنه مجنون . فمن ذلك قوله في أول صفحة (( إلى ذي الهمة العلياء )) وصوابها القصر لأن الممدودة اسم بمعنى المكان العالي و المقصور نعت تأنيث أعلى . ومن ذلك قوله في صفحة 5 و((جدائل جري )) و الصواب وجداول . فإن الجدائل جمع جديلة وهي بمعنى الشاكلة و القبيلة . وقوله : لم يكلبها مخلبي عدى كلب بنفسه وهو خطأ . وقوله في صفحة 6 و(( الهرج)) حركها لتكون سجعة لنسج وهي ساكنة . وقوله : ((قف تسمع كلامي المفتهم )) ضبط ((قف )) بالفتح وهو بالكسر كما تقول ((غد )) . وضبط ((المفتهم )) بفتح ((التاء )) ولم يرد في اللغة المفتهم بمعنى فهم . وقوله في صفحة 7 (( بالصوت الشجي )) يعني المطرب وهي لفظة عامية . فإن الشجي في اللغة معناه الحزين . وقوله : تصعيد أنفاسه من أصعد و الصواب مصعد بالتنقل . وقوله : (( شخصت باهتة )) وهو أيضاً من كلام العامة و الصواب مبهوتة، نص عليه في القاموس . وقوله في صفحة 8 : ((وترى فوق الكلاء البهما ))ضبط البهما بضمتين وصوابه البهم بفتح فسكون وإذا حرك لكان حرف الحق قيل أبهم على وزن قمر وقوله : (( الكلا)) ممدوداً غلط فإنها مقصورة على وزان الملأ . وقوله : (( مشغف القلب)) من أشغف و الصواب مشغوف . وقوله في صفحة 9 : (( الكبير الموسيقي )) وصوابه الموسيقوي كما تقول عيسوي وموسوي . وقوله : و (( الكل مجتهد أعمال آلته)) والصواب في أعمال آلته . وقوله قبلها الطبب : لا معنى له ، وكذا الديب محركة لا معنى له هنا ،فإن معناه في اللغة الزغب .وقوله : ((ما دام لسنا قعوداً )) وهو تركيب فاسد و الصواب ما دمنا غي قاعدين . وقوله ( واقعد إلى جنب)) محركة و الصواب تسكينها وقوله : (( النؤب )) صوابه بغير همز .وقوله : (( هيا إذا نهق الأتان يسكتهم )) لا يستقيم الوزن إلا بمد الآتان وهي غير ممدودة . وقوله في صفحة 10 (أتيت الأهل بالرحب) ضبطها بفتح (( الراء)) و ((الحاء )) وهي بالضم و السكون وقوله (( وكلما احتيج)) و الصواب وكل ما احتيج إليه . ومثل هذا الحذف لا يجوز إلا مع أن وقوله : (عذب) محركة وهي مسكنة وقوله : (على يديكم) و الصواب على أيديكم . وأغرب من ذلك أنه ضبط الصل ، وهو اسمه ، في عدة مواضع بالضم وهو بالكسر فأغرب بمن يجهل اسمه . وقوله : (( ودنيا معاً )) و الصواب دنوا . وقس على ذلك سائر كلامه . فقد جمع جميع أنواع الغلط كما جمعت طباعه جميع أنواع الرذائل . أما قوله : إن ((إن )) تنصب الجزئين و استشهاده على ذلك بقول امرء القيس : إذا جن جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافاً إن حراسنا أسداً . فرواية صاحب القاموس وابن هشام إذا اسود جنح الليل لكن رزق الله اختار الجنون وعبارة ابن هشام في المغني إن المكسورة المشددة على وجهين أحدهما أن تكون حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر . قيل وقد تنصبهما في لغة كقوله : إذا اسود جنح الليل (البيت) . وفي الحديث أن قعر جهنم سبعين خريفاً وخرج البيت على الحالية وأن الخبر محذوف أي تلقاهم و الحديث على أن القعر مصدر قعرت البئر إذا بلغت قعرها وسبعين ظرف أي أن بلوغ قعرها يكون في سبعين عاماً ، إلخ . فأنت ترى أنها مسألة خلافية فلا يقاس عليها قول رزق الله في صفحة 8 : إن للألحان تأثير السرور مبدياً في كل نفس أثراً . فإن (( تأثير )) اسم إن و ((للألحان)) متعلق بخبرها . كما تقول إن في الدار زيداً . و (( مبدياً )) حال .
وأما إصرار رزق الله على وجوب مسألة مبحوثة عنها فعلماء العربية بحمد الله كثيرون في جميع الأمصار فهم يتكلمون فيها . أما نحن فلم يبق لنا كلام مع هذا السفيه لأنه لا يخشى الله ولا يستحي من الناس . وحسبك أنه يتحدى القرآن ويفتخر بأنه انتصر على الدولة العلية بفراره من سجنها . فإذا سبنا أو شتمنا قابلناه بقول الشاعر :
ولقد أمر على اللئيم يسبني فأعف ثم أقول لا يعنيني
وما كان لضفدع ينق على شاطئ التامس أن يكدر عيش أحد في دار الخلافة فنقيقه إنما يعود وبالاً عليه : وسيعلم الظالمون ( أَىَّ مُنقَلًبٍ ينَقَلِبُونَ )
[ سورة الشعراء رقم 26 الآية 227 . [ الجوائب ، العدد 342 ] .

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:22 AM
معركة فارس الشدياق
الصحفية مع إبراهيم اليازجي
(2)
مفرد الفطاحل
الجنان ، السنة 2، الجزء 22 (15/11/1871 )
ص 765- 776 . شبلي 97 – 116 .
ثم أخذ فعارضني في قولي إن أهل بيروت لا يستعملون مفرد الفطاحل واستشهد بما أورده له سليم أفندي نوفل في كتاب أرسله إليه من بطرسبرغ من أنه وجدها غير مرّة في رسائل قسَّ من أهل بيروت إلى آخر ما روى عنه . قلتُ : إن صاحب الجوائب في أثناء ما أورده في اعتراضه على الفِحَطْل قال : ((وأهل بيروت يقولون للرجل المحنَّك فحطل على وزن جعفر )).وأوردها هناك بتقديم ((الحاء )) على ((الطاء)) أو بتأخير((الطاء ))على ((الحاء )) . والذي رواه الآن عن سليم أفندي نوفل عكس ذلك . فحكاية الأفندي المشار إليه أولى أن تكون تخطئةً له من أن تؤيد كلامه . وهنا أيضاً صحّح اعتراضي عليه بالتحريف على ما ذكرت في الردّ السابقّ . ولا يخفى أن قصده بإيرادها هناك التعريض بأن أبي رحمه الله ، إنما ذكرها في المقامات على وجهها في نسخة الطبع وأنه أخذها عن لفظ عامّة أهل بيروت . فما لبث الآن أن خطّأ نفسه بحجّة . اللهمّ إلا أن يكون ورودها هناك بتقديم (( الحاء)) على(( الطاء)) غلط طبع كما في المقامات . وإن صاحبنا أراد أن يقول وأهل بيروت يقولون فطحل بتأخير ((الحاء )) فيكون ذلك غفلةً من صفّاف الحروف سامحه الله . على فرض أنه يمكن أن يغلط ولا يمتثل أحياناً ما ترسم له سهواً . أو يكون مكراً منه ، قاتله الله على إبطال هذا الفرض وفاقاً لمعتقد صاحبنا العصمة عنده فيكون قد حرّفها عمداً لمقصدِ من المقاصد و الله أعلم . ويكون مراد صاحبنا بإيرادها مجرّد الاستشهاد بكلام عامّة بيروت تأييداً لما استشهد به من كلام الأئمة قبل ذلك ، وتلك عادته غالباً . فإني رأيت له في سرّ الليال من كلام العامّة في مقام الاستشهاد شيئاً كثيراً حتى أنه قلما تخلو منه مادّة . ويجري هذا المجرى استشهاده بكلام الأعاجم فقد رأيت ألفاظاً كثيرة من اللغة الفرنسية و الإنكليزية وغيرهما حتى صار يسوغ أن يقال إن جانباً كبيراً من الكتاب أعجميٌ ، وناهيك ما هناك من الفائدة للعرب . أثابه الله . ولولا خوفي أن يسقط شأن هذا المؤلف ويضيع افتخار صاحبه ، زاده الله فخراً ، لصرّحت لك بأنه أحياناً يورد ألفاظاً من لغة أهل مالطة . فهل كل ذلك إلا دليل فضل ٍ واسع وعلم باهر .
وأمّا احتجاجهُ بأن ذلك القس البيروتي أوردها بلفظ المفرد خلافاً لما رويته فلا تمسّك له به لأته يحتمل أن يكون قد تصرّف بها فردّها إلى المفرد .
وإنما تُورد هذه الحجّة في ما إذا قيل إن بناء مفردها غير ممكن ولو تدبّر كلامي كلامه لظهر له فساد حجته لأنني قلت إن مفردها لم يجر على ألسنتهم . فتأمّل . و بالتالي من أين علم أن ذلك المفرد ينبغي أن يكون على وزن جعفر ، فربما إذا كلفنا ذلك القس أو غيره أن ينطق به ، أورده بالضم أو بالكسر لأن هذين الوزنين معروفان عندهم وربما أورده بالفتح أيضاً كما ذُكر فالحكم على كل الوجوه لا يخلو من الشطط .
وأمّا مسألة المرابض التي لم يزل مصرّاً على رأيه فيها وزعمه أنه إذا ثبت الاشتراك في فعل الربوض لم يُستنتج منه الاشتراك في اسم الموضع منه ، فغايةٌ في الغرابة . ولعمري لم نرَ أحداً من علماء الصرف أ, اللغة نبّه على أن اسم المكان يُبنى من الفعل في أحد معانيه دون سائرها ، أو يُقيّد بفريق من أصحاب المعنى الواحد وإنما القوم أطلقوا القياس من غير تمييز ٍ ولا استثناء . ولا ورد عن أحدٍ منهم أن الاشتقاق يغيّر المعنى فينقله من الإطلاق إلى التقييد أو بالعكس ، وإنما المشهور أن الاشتقاق إنما يغيّر هيئة مورد المعنى في الخارج دون أن يمس حقيقته . فإن الضرب مثلاً وضرب ويضرب وأضرب و الضارب و المضروب وهلمّ جرّاً كلها من معنى واحد وإنما طرأ عليه بالاشتقاق إن كان في أحدها مجرداً فورد في غيره مقترناً بزمن أ دالاً على الواقع منه أو عليه أو فيه إلى غير ذلك . وحقيقته في الكلّ واحدة وما زالت كلها تتناول ما يتناوله المعنى الأصليّ في المصدر بلا خلاف . فما أدري من الذي قال له ذلك وأيّ الأئمة نصّ عليه . وما اكتفى بما زعمه حتى أن يثبته من كلام العرب فكان غلطاً مركباً .
قال (فإن العرب كثيراً ما تفرد اسم المكان بمعنىّ مخصوص من معاني الفعل المتعددة وذلك لكثرة استعمالها لهُ . فمن ذلك لفظة ((المحافل )) فإنها لا تُستعمل عند الإطلاق إلا بمعنى المجالس التي يحفل فيها القوم أي يجتمعون ، مع أنه يقال حفل الماء و اللبن كما يقال حفل القوم )) إلى آخر ما ذكر . و الصحيح أن ما توهّمه في لفظة ((المحافل )) على خصوصها إنما هو في مادَّة الحفل بأسرها من المصدر و الفعل وسائر المشتقات على وجه العموم .
وذلك أن الحفل في الإنسان أشهر وأكثر استعمالاً منه في الماء و اللبن ولذلك كان عند الإطلاق لا يتناول غيره ، وهكذا كل ما اشتقَّ منه . كما أن المرابض يُفهم بها عند الإطلاق مواضع ربوض الدابّة دون الإنسان ، لأن الربوض في الدابة أشهر . فإن نُصبت القرينة على إرادة غير المشهور لم يُفَهم إلا ما أشعرت به القرينة . فيقال محفل الماء ومربض الرجل بلا خلاف . و العجب هنا أنه أجاز في كلامه محفل الماء ولم يُجز مربض الرجل وما أدري ما الفرق بينهما . وهذا مثل ما مرَّ بك من إجازته جدّهُ في الفاصلة ومنعهِ الفِطَحْل و المطل . فتأمل .
قلت : وما تقدَّم الكلام عليه من مبحث تغليب بعض معاني المادّة على سائرها كثيرٌ شائعٌ في أكثر مواد اللغة ، فقلما ترى لفظةً متعددة المعاني إلا ترى بعضها قد غلب في الاستعمال وهذا أشهر من أن يُنبّه عليه . وليس ذلك خاصاً باسم ٍ ولا فعل ٍ ولا جامدٍ ولا مشتق ٍ ولكنه ذاهبُ في ألفاظ اللغة كل مذهب . ومن هنا نشأ ما يسميه البديعيون نوع الاشتراك وهو عندهم أن يورد المتكلم لفظة تشترك بين معنيين يسبق ذهن السامع إلى غير المراد منهما فيأتي المتكلم بما يصرفها إلى مراده . مثال ذلك قوله : ( وَاَلنَّجَمُ وَاَلشَجَرُ يَسَجُدَان ِ )[ سورة الرحمن ، رقم 55 ، الآية 6 ] . فإن ذهن السامع يسبق عند ذكر ((النجم )) إلى إرادة الكوكب لأنه أشهر في معناه وهو الغالب في الاستعمال . فلما قفّى على أثره بذكر((الشجر )) انصرف المعنى إلى النبات لقيام القرينة عليه . وقال كثير عزَّة :
وأنتِ التي حبّبتِ كلَّ قصيرةٍ إليَّ ولم تعلم بذاك القصائرُ
ثمَّ فسّر فقال :
أردتُ قصيرات الحِجال ولم أرِد قصار الخُطَى شرّ النساء البحايرُ
وقس عليه ، وهذه الغلبة إنما تُعتبر عند الإطلاق فيُعدل إليها بالمفهوم كما علمتَ ، فإذا نُصبت القرينة انتفت الغلبة واستوى المشهور وغيره لتقتّد المعنى حينئذ بجهة معلومة . ولما كان الفعل لا يستقلّ بلا فاعله ومتى اقترن بالفاعل تقيّد به فلم يتناول غيره ، كمنت فيه مظنّة التغليب لقيام القرينة على المراد منه أبداً مشهوراً كان ذلك المراد في معناه كحفل القومُ ، أو غير مشهورٍ كحفل الماء مطلقاً . ولذلك كان يُتوهّم في بادئ الرأي أن مراتب معانيه في الشهرة سواء . ولما كان اسم الموضع يَرِدُ على حالة الإطلاق لاستغنائه ذاتياً عمّا يقيَّد به خلافاً للفعل وكان الإطلاق علّة ظهور هذا التغليب كما مرَّ بك لُمِح فيه ما كان مستتراً في الفعل فتُوهّم أن التغليب خاص به وأن العرب أفردته بمعنى مخصوص كما زعم صاحبنا .
وهنا أعجب من تخصيصه اسم المكان مع أن ذلك إذا دققت النظر وجدته يتأتى في غيره أيضاً وهذا مما يدلّك على سعة علمه . فمن ذلك المصدر في نحو قوله : طال الوقوف على رسوم المعهد . وقد جمع الأمرين . ومثله اسم الزمان واسم الآلة . وبالجملة يقع ذلك على اسم الحدث وكل ما شاركه من أسماء الأعيان مُطلقاً . لأن اسم الحدث يدل على معنى مجرَّد يعدل به المتكلم حيث شاء فلا يلزمه القيد بجهة معلومة . وأسماء الأعيان تدل على ذوات يُنسب إليها الحَدَث على وجهٍ من الوجوه كأن تكون ظرفاً لوقوعه أو آلة له بحيث لا يكون بينها وبين مورد هذا الحدث علاقةٌ ذاتية .
فإذا قلت (( المربض))مثلاً فإنما تريد موضع الربوض دون اعتبار الرابض فيه ، فرساً كان أو ثوراً أو غير ذلك ، كما لا يخفى .. وكذا ما جرى مجراه فإنه على حده من هذا القبيل . وكذلك الفعل يشاركه في لزوم التقييد اسم الفاعل و الصفة المشبهة به و اسم التفضيل ، وبالجملة كلّ وصف شاركه في الاشتقاق معلوماً . وذلك لافتقار كل واحد من الفعل و الوصف إلى صاحبه فاعلاً أو موصوفاً لدلالته على معنى قائم بغيره فلا يستقل بنفسه .
ويخرج عن المصدر ما وُصف به منه ، وعن الوصف ما غلب على الذات وكلاهما في الشاهد العدل وقس عليه . و السبب الظاهر . ويخرج عن الفعل ما صيغ منه للمجهول لأنه قد اجتزأ بالنائب عن الفاعل . ويلحق به اسم المفعول لأنهما من جهةٍ واحدة وقد تقدَّمت الإشارة إلى إخراج كليهما هذا في ما يناسب ما نحن فيه فتأمل . والله أعلم بالصواب .
وأما النصوص التي أوردها دلائل على صحة دعواه فلا تغني عنه شيئاً بل إنما تؤذن بصحة كلامي وليست أول مرَّة فعلها . لأن عبارة الحديث : (( صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل )) ، لا تنفي إطلاق المرابض على سائر الدابة إلا كما تنفي القيام عن عمروٍ مثلاً بقولك : قام زيدٌ . لأن إثبات الحكم لواحد لا ينتج منه نفيه عن غيره كما لا يخفى . على أن الأعطان لا تختص بالإبل كما صرَّحت كتب اللغة . قال في القاموس : العَطَن محرَّكة وطن الإبل ومبركها حول الحوض ومربض الغنم حول الماء ((ج)) أعطان كالمعطن ((ج )) معاطن . وفي الصحاح قال ابن السكيت : وكذلك تقول هذا عَطَن الغنم ومعطنها لمربضها حول الماء . وفي المصباح : وعطن الغنم ومعطنها أيضاً مربضها حول الماء . اهـ وبهذا كفاية .

وكذلك ما جاء في العباب و لسان العرب و الصحاح من قولهم : ((المرابض للغنم كالمعاطن للإبل )) فإنه جار مجرى عبارة الحديث فلا ينتج منه ما أراده . ولعلّ الذي أوهمه التخصيص قولهم : (( كالمعاطن للإبل )) مع اعتقاده أنها خاصّة بها ففهم أن المراد أن المرابض خاصّة بالغنم كما أ، المعاطن خاصّة بالإبل . وعلى فرض صحّة هذا التأويل فقد علمت أن المعاطن تتناول غير الإبل ، فأين التخصيص . على أن المراد من هذا التعريف أنه كما تُستعمل المعاطن لأوطان الإبل ومباركها حوا الحياض ، تُستعمل المرابض للغنم بمعناها أي لمواضعها في المآوي وحول الماء .

وذلك من اصطلاحاتهم في كتب اللغة يقصدون به الهرب من التطويل غالباً بذكر التعريف بتمامه ولهم في مثل هذا شيءٌ كثير . منه ما مرّ في هذا التعريف . ومنه اقتصارهم على ذكر واحدٍ من الأمثال كقولهم : ((المرابض للغنم وهي تتناول غيرها )) ،وإنما ذكروا واحداً من جماعة هي سواءٌ في ذلك الحكم إذ لا يسعهم تعديدها بأفرادها كما لا يخفى . ومنها الوزن فإنهم قلما يصرّحون به إنما يقولون مثلاً : الكَرْنب كَسمنْد ، بذكر ما يوازنه فقط وما أشبه ذلك . وعلى ذلك جروا في تعريف الربوض وربض .
قال فيالصحاح: وربوض الغنم و البقر و المعزى و الفرس و الكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير . وفي القاموس : ربضت الشاة كبركت في الإبل . وفي المصباح : ربضت الدابّة وهو مثل بروك الإبل . انتهى . مع تصرّفٍ في الأخيرين . فكان ينبغي أن يحكم بالتخصيص هنا أيضاً لأنه لا فرق بين التعريفين . فما أدري من أين جاءت هذه الضدّية .
وأما اتفاق النصوص على صورةٍ واحدة حيث قيل في الكل مرابض الغنم ، فكثيراً ما وقع لهم ذلك وتابعوا بعضهم بعضاً في التعريف حتى جاء واحداً كما يشهد الاستقراء . فيُظنّ و الحالة هذه أن الاستعمال مقصورٌ على تلك الصورة . مثال ذلك قول صاحب الصحاح : غَلَت القِدر تغلي غلياً وغلياناً . وجاءَ في القاموس : غَلَت القدر تغلي غلياً وغلياناً . وفي المصباح : غلت القدر غلياً وغلياناً . فلم يذكر أحداٌ منهم غير القِدر في هذا المعنى ولا أطلق استعمال الفعل فكان ذلك يوهم التقييد . وليس كذلك فقد ورد في القاموس : جاش البحر والقِدر وغيرهما يجيش جيشاً وجيوشاً وجَيشاناً : غَلَى . فترى أنه أطلق الغليان هنا مع أنه قيّده في موضعه . وقس عليه كثيراً من الموادّ .
وبقي هنا مما استشهدَ به عبارة صاحب القاموس وهي تصرّح ببطلان دعواه .
قال : (( ربضت الشاة تربض ربضاً وربضة وربوضاً وربضة حسنة بالكسر كبركت في الإبل . ومواضعها مرابض )) انتهى . فقوله ومواضعها مرابض يعني به مواضع الشاة التي ذكرها لأن الضمير راجعٌ إليها . وقد مرّ تفسير الشاة في الردّ السابق من عبارة صاحب القاموس عينه حيث يصرّح بأنها تتناول جماعةً كثيرة من أنواع الدابّة عدّدتها هناك فلا حاجة إلى تكرارها . فتعيّن هنا أن المرابض غير خاصّةٍ بالغنم وأنها تتناوله الفعل من غير تمييز كما يفيد نصّ العبارة فتأمّله .
وإن كان كلّ هذا لا يُقنعه أوردت له شيئاً من سرّ الليال لأن كلامه يعجبه . قال ( ثمّ ربضت الشاة تربض ربضاً وربضة وربوضاً كبركت في الإبل ومواضعها مرابض وهو مستغنى عنه)) . انتهى . وهي عبارة صاحب القاموس . غير أنه أسقط منها الربضة لهيئة الربوض .وتدارك على المرابض بأنه يُستغنى عن ذكرها . والإشارة في الموضعين إلى أن مثل هذا يتناول بالاشتقاق فيُستغنى عنه بقواعد الصرف كما صرَّح في المقدمة فرجع إلى ما قرَّرته من الأخذ بالاشتقاق . ولا ريب أن المشتق لا يكون إلا بعض المشتق منه كما تقدَّم فانطبقت المرابض على معنى الربوض . وإلا لزم أن يقرّرها ويستدرك عليه أنه لم يقيّدها بالغنم وفاقاً لاعتقاده .
وقال بعد ذلك : ((وعبارة المصباح ربضت الدابّة ربضاً وربوضاً وهو مثل بروك الإبل . والرَبَض محرَّكة و المربض كمجلس للغنم مأواها . اهـ . )) مع تصرّفٍ . فأطلق في الأول وقيّد في الثاني . وفي فقه اللغة في تقسيم الجلوس : جلس الإنسان . برك البعير . ربضت الشاة ، إلخ . ولم يذكر المربض في تقسيم الأماكن . انتهى كلامه .فقد رأيت أنه أنكر على صاحب القاموس ذكر المرابض كما أشرت آنفاً .
ثمَّ أنكر على صاحب المصباح الإطلاق في الأول و التقييد في الثاني ، يعني إطلاق الفعل و تقييد الظرف مع أنه عين ما يحاوله الآن . وصرح بأن صاحب فقه اللغة لم يذكر المربض في تقسيم الأماكن . فمن قال له بعد كل هذا إنها خاصّة بالغَنَم . لا جَرم أن هذا هو عين المكابرة و العناد . ويجري هذا المجرى تخصيصه المرابط بالخيل هناك و الظاهر أنه لا يعرف منشأ هذا التخصيص ولا كيفيته ولا مواقعه وذلك من مثله غريب . وهو إنما يقع أحياناً في المترادفات فيفرّق بينها على هذا الأسلوب تفريقاً اعتبارياً تحسن معرفته ولا تجب مراعاته دائماً .قال الإمام الثعالبي في تقسيم الأماكن : وطن الناس ، مراح الإبل ، اصطبل الدواب ، زرب الغنم ، هلمّ جرّاً. ولكن أئمة اللغة قد تصرَّفوا في هذه المختصات حتى في تعريفها في كتب اللغة .
فإن الوطن مما ذُكر يطلق على غير الناس أيضاً ، ومنه ما مرَّ بك في تفسير العَطَن حيث قيل هو وطن الإبل وقالوا أوطان الغنم أيضاً مرابضها . وغير ذلك ، وفسّر بعضهم المُراح قال : هو حيث تأوي الماشية بالليل . وقال الآخر . حيث تأوي الإبل و الغنم . وقس على ما ذُكر ما لم يُذكر . وعلى ذلك جرى صاحب فقه اللغة عينه في نفس كتابه الذي جمع فيه هذه القيود فاستباح ما نصّ على تقييده . ألا تراه يقول مثلاً : فصلٌ في تقسيم النسج . ثمَّ يقول نَسَج الثوب . رَمَل الحصير . سفَّ الخُوض ، إلى آخره . فصلٌ في تقسيم الخياطة . ثم خاط الثوب . خَرَز الخفَّ . خَصَفَ النعل إلى آخره . فصلٌ في تقسيم الرعدة : ثمَّ الرعدة للخائف و المحموم . الرِعشة للشيخ الكبير و المدمن للخمر . القرقفة لمن يجد البرد الشديد إلى آخره . ومثل هذا كثيرٌ في كتابه أفنعدّه خطأ منه . وقال بِشر ابن أبي حازم :
يخرجنَ من خلل الغبار عوابساً خَبَبَ السباع بكل أكلف ضغيم
وفي فقه اللغة وغيره أن الخَبب للخيل . وهذا من باب المرابض للغنم . وقال النابغة الذبيانيّ :
إذا استنزلوا للطعن عنهن أرقلوا إلى الموت إرقالَ الجمال المصاعبِ
أطلق الإرقال على الرجال ، وفي فقه اللغة أنه للجمال كما صرَّح في عجز البيت . وقال عمرو بن كلثوم :
متى نعقد قرينتنا بحبل تجذّ الحبلَ أو تَقِص ِ القرينا
و الذي في فقه اللغة حَذَق الحبل . وأمثال كل ذلك لا تُحصى . والأظهر أن من قال بالتقييد إنما يريد إظهار أصل الوضع فقط وإلا لزم الحكم بخطأ من لا يُسّلم بخطئه . فتأمل .
وعلى فرض أن المربض هما من هذا الباب فقد علمت أن القوم لم يعتدّوا بشيءٍ من ذلك . على أنه شتّان بين الجانبين ، لأن المربض مشتقٌ من ربط الشيء بمعنى شدّه فهو يدل على موضع الربض . وإذا قلنا المربض فإنما نريد موضع الربوض فكلّ منهما يُستعمل بما يراد من معناه الوضعيّ . وقد تقرّر بتسليم صاحبنا أن الربوض يتناول الخيل كما يناول غيرها ، فإن لم نعبّر عن موضع ربوضها بالمربض فماذا يريد هذا البارع أن يقول .
قلت ُ : وهذه المسألة أشبه بما وقع لبعضهم قال : لا يقال الراكب إلا لراكب البعير خاصّة . فردّ بقول امرئ القيس الكنديّ :
كأنيَ لم أركب جواداً ولم أقل لِخيليَ كرّي كرّة بعد إجفال
وكأني بهذه المسألة لو وقعت لصاحبنا لم يسلّم بها ولماحك فيها ما شاء الله أو يُورَد له شاهدٌ على لفظة الراكب بصيغتها و العياذ بالله من كل أمر ٍ مريب .
ولعمري إنني لأستغرب كثيراً مشاحنتهُ في هذه اللفظة على ما رأيت . وهو الذي يقول في كتابه الساق على الساق صفحة 201 : ((ومن خصائصها أن البغاث بها يستنسر و الناقة تستبعر )) . كأنه يريد طباق قولهم استنوق الجمل . مع أن البعير يُستعمل للذكر و الأنثى فالتوى عليه الطباق وفسد المعنى . قال في الصحاح : البعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس ، يقال للجمل بعير و للناقة بعير . وفي القاموس : البعير الجَمل البازل أو الجَذع وقد يكون للأنثى . وفي المصباح المنير : البعير مثل الإنسان يقع على الذكر و الأنثى يقال حلبتُ بعيري . والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر . و الناقة بمنزلة المرأة تختص بالأنثى .انتهى .
وأكثره مما انطوى عليه سر الليال . وهو الذي يقول في هذا الكتاب صفحة 45 : فأجمعا رأيهما على أن يستبضعا . فزيادة ((رأيهما ))غلط ٌ بيّن و الصواب تركه أو جعله فاعلاً للإجماع بأن يقال فأجمع رأيهما . قال في الصحاح : قال الكسائي يقال أجمعت الأمر وعلى الأمر إذا عزمت عليه . وفي المصباح : وأجمعت المسير والأمر ، وأجمعت عليه يتعدّى بنفسه . و بالحرف عزمت عليه . وفي حديثٍ : ((مَن لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له )) ، أي من لم يعزم عليه فينويه . وأجمعوا على الأمر اتفقوا عليه . وفي القاموس : والإجماع الاتفاق ، و العزم على الأمر أجمعت الأمر وعليه .اهـ . وفي هذا الأخير تصرفٌ وكله واردٌ في سر الليال . وربما احتج بأن رأيهما في العبارة هو المعزوم أو المتفق عليه لأن الإجماع يتعدى بنفسه ، و المعنى أنهما عزما على هذا الرأي . ولكن ذلك مردودٌ بقوله : على أن يستبضعا . فإن الرأي لا يُعدّى بعلى فتعيّن أن تكون من صلة الإجماع . وكيفما توجّهت المسألة فأحد الموضعين خطأ لا مفرَّ منه .
وهو الذي يقول في صفحة 16 من هذا الكتاب ( إلى أن تصيروا كَهْلاً ثم شيوخاً)). و (( كهْلاً)) مضبوطة بفتح ((الكاف ))وسكون (( الهاء )) . والصواب ((كهولاً )) أو((كهّلاً )) بضم (( الكاف)) وتشديد ((الهاء )) مفتوحةً فيستقيم . وقد تصفّحت في ما وضعه من إصلاح الغلط لهذا الكتاب فلم أجد لها تصحيحاً . ولا أرى له عذراً فيه بعد أن قال إن كتابه خال ٍ من غلط الطبع ثم علق عليه إصلاحاً . فلم يبق شبهة في أن هذه اللفظة مرَّت على نظره أو أن نظره مرَّ على هذه اللفظة ووثق بها . وقد حان لي أن أرجع إلى ما كنت عليه فأقول : ثمَّ أنكر عليَّ توجيه مأخذ الربوض من الرَبَض للأمعاءَ كما عللت هناك وجزم بالعكس . قال : ((إذ القاعدة أن الأشياء الظاهرةِ تكون أصلاً للباطنة )). وأطال الكلام في هذا المعنى على غير طائل .
قلت إنني في توجيهي المشار إليه إنما اعتمدت على ما ورد في كتب اللغة من أقوال العلماء الذين لا أجد لي بداً من التسليم بصحّة ما أجمعوا عليه فبنيت كلامي على ما رأيته من كلامهم في مثل هذه اللفظة لاعتقادي أنه يصحّ أن يقاس على ما قرَّره . فإن وافق حكمي حكمهم كنت مصيباً بالنسبة إليهم على ما أرى وإن كنت مخطئاً بالنسبة إليه ووقف الحكم بيني وبينه على الحكم بين صحّة رأيه أو رأي العلماء . فتبصر ، وإن كانت المسألة مشكلة . وهذا الذي أشرت إليه .
قال في الصحاح : وركَ يَرِك وروكاً وضع وركه على الأرض . وتورَّك على الدابّة أي ثنى رجله ووضع إحدى وركيه في السرج وكذلك التوريك . وتورَّكت المرأة الصبي إذا حملته على وركها . وفي المصباح : قعد متوركاً أي متكئاً على إحدى وركيه . وفي القاموس : ورك يرك وركاً وتورّك وتوارك اعتمد على وركه . وقال : في المغرب : البروك للبعير كالجثوم للطائر و الجلوس للإنسان ، وهو أن يُلصِق بَرْكه بالأرض . وفي الصحاح : وابترك الرجل أي ألقى بركه . وابتركته إذا صرعته وجعلته تحت بركك . وفي المصباح : برك البعير بروكاً من باب قعد ، وقع على بركه وهو صدره . وقد أشرت إليه هناك . وقال في المصباح : والضَبْع بالسكون العَضُد . وضبعت الإبل و الخيل تضبع بفتحتين مدَّت أضباعها في سيرها وهي أعضادها . واضطبع من الضبع وهو العضد . وهو أن يدخل ثوبه من تحت إبطه اليمين ويُلقيَه على عاتقه الأيسر . وجاء في الصحاح : وضبعت الرجل مددتُ إليه ضَبْعي للضرب .وضَبَعَت الخيل والإبل تضبع ضَبعاً ، إذا مدَّت أضباعها في سيرها وهي أعضادها . وفي القاموس : وضبعه كمنعه مد إليه ضبعه للضرب .والخيل والإبل ضبعاً وضبوعاً ضبعاناً محرَّكة ، مدَّت أضباعها في سيرها كضبعت تضبيعاً وهي ناقة ضابع . والبعير أسرع أو مشى فحرَّك ضبعيه . واضطباع المُحرم أن يُدخل الرداء من تحت إبطه اليمن ويرد طرفه على يساره ويُبدي منكبه الأيمن ويغطي الأيسر سُمي به لإبداء أحد الضَبْعين .
وقال في الصحاح : وتأبط الشيء أي جعله تحت إبطهِ . وفي القاموس : بعد تعريف الإبط : وتأبطه وضعه تحته . وفي المصباح : وتأبط الشيء جعله تحت إبطه . وفي الصحاح : الضِبن بالكسر ما بين الإبط و الكشح . وأول الجنب الإبط ثمّ الضِبن ثمّ الحضن . وأضبنت الشيء وأضطبنته جعلتهُ في ضبْي . وفي القاموس : الضبن ما بين الكشح والإبط . وأضبن الشيء جعله في ضبنه كأضطبنهُ . وفي الصحاح : الحِضن ما دون الإبط إلى الكشح . وحَضَن الطائر بيضه يحضنه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه ، وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها . واحتضنت الشيء جعلته في حضني . وفي القاموس : الحِضن بالكسر ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر و العضدان وما بينهما . وحَضَن الصبيّ حَضناً وحِضانةً بالكسر جعله في حضنه أو رباه كاحتضنهُ . وفي المصباح : والحضن ما دون الإبط إلى الكشح . واحتضنت الشيء جعلته في حضني .اهـ . وفي أكثرها تصرفٌ وأمثال هذه كثيرةٌ لا تحصى فاقتصر منها على ما ذكرته ولعله يكفي دليلاً على صحة ما قرَّرته .
نعم ، إنني لم أقف على نص يصرح بأن الربوض مأخوذٌ من الرَبَض كما ذهبت ، ولكن القياس في بعض الأحوال لا يُنكَر ، ولا سيما أن صاحبنا يعتقد أن اللغة بأسرها جارية على القياس و القاعدة ، وعليه عوَّل في كتابه سر الليال . وسيأتي الكلام على هذا المبحث . فما الفرق و الحالة هذه بين كل ما ذُكر وبين قولنا : ربض اعتمد على رَبضهِ مثلاً ؟ وما يمنع كون الربوض مأخوذاً من الربَض جرياً على ما مرَّ بك مما نصَّ العلماء على مأخذه على هذا الأسلوب ؟ فإن صحَّ كل ذلك صحَّ هذا أيضاً . وإن حكمنا بفساد هذا لزم الحكم بفساد جميع هذه النصوص وتخطئة أئمة اللغة دون تصحيح مذهب صاحبنا أعزَّه الله ، وكل غال ٍ في جنب مثله مُرتخص . كيف لا وهو في كتابه المذكور قد سطا على أكثر علماء اللغة ، رحمهم الله ، ولا سيما الإمام الفيروزابادي صاحب القاموس الذي بنى عليه هذا الكتاب . فإنه خطّأه في مسائل لا تحصى فكأنما بنى الكتاب على تخطئته.ومنه ألمَّ ببقية العلماء وتطاول على كل واحدٍ منهم ، فغلّط ما شاء وصحّح ما شاء وذهب في تشويه مصنفاتهم كلَّ مذهب . وبين ذلك تراه تارة يختال بنفسه عُجْباً بأنه قد كوشٍف بسر لم يُكاشَف به أحدٌ من العالمين وأدرك من أوضاع هذه اللغة ومبانيها وأسرارها ما لم تدركه كبار الأئمة ولا خطر على قلب أحد من العلماء الأقدمين . ثم ينثني على نفسه بالثناء والإطراء ، ويقترح على أولي الفضل أن يكبروا صنعه هذا ويعظّموهُ ويفضلوه على كل ما سبق في ماضي الأعصار . ثمَّ يرجع على العلماء و المصنّفين باللوم و التفنيذ ويأخذ عليهم ما يخال أنه يضمن له قصب السبق في يده البيضاء . إلى غير ذلك وقد صرَّح في مقدَّمة سر الليال بكتاب وضعه في تخطئة قاموس الفيروزاباديّ سماه الجاسوس على القاموس . ولم أقف عليه ولعله لم يطبعه بعد . وأما ما خطّأه به في سر الليال فقد رأيت منه ما قضى عندي بالعجب ، ولولا ضيق المقام لأوردت منه شيئاً كثيراً .
وأغرب ما هناك أنه أنكر على صاحب القاموس أنه يعيب على صاحب الصحاح شيئاً ثمَّ يتابعهُ عليه . وهو عين ما فعله في مواضع كثيرة من سر الليال ، فتابع صاحب القاموس على ما خطّأه به . فمن ذلك ما خطّه بقلمه الكريم ونشره في صحيفة الجوائب حيث يقول : إنه أنكر على صاحب القاموس خلطه الأفعال الرباعية و الخماسية و السداسية بالفعل الثلاثي . وهو عين ما وقع به في سرّ الليال كما قرَّر عن نفسه . بارك الله فيه . وأما اعتذاره هناك بأن الفرصة لم تمكنه من تهذيبه كما أراد ، وأنه كان يحرّر سر الليال كما كان يحرر الجوائب ، يعني صفحةً صفحة وكلما نُجزت صفحة سلّمها إلى المرتّب . فهذا سأذكر جوابه في موضعه .
ومن ذلك إنكاره على صاحب القاموس أنه لا يحافظ على ترتيب المواد و المشتقات قال : ففي كدى وصلى وقهى وطمى وغبى وغطى وغشى . أورد ((اليائي ))قبل (( الواويّ)) . وهو في سر الليال أورد ((الأب )) بعد ((أبى )) وقد صرّح بأن (( الأب)) واويّ حيث قال : وأصله أبوٌ محركة كما في القاموس . على أن في نفس هذا الاعتراض اعتراضاً عليه . فإنه أورد فيه كدى قبل صلى وقهى قبل طمى وغطى قبل غشى فتأمل .
ومن ذلك إنكاره عليه أنه يقيّد في تعاريفه ما هو مطلق كقوله : بكأت الناقة قلَّ لبنها . وهو يقول في سرّ الليال : وبَتِع الفرس فهو بَتيع ككتف وهي بتعة طالت عنقه مع شدَّة مغرزها . وعبارة القاموس في هذه المادة ، وبالتحريك طول العنق مع شدَّة مغرزها . بَتِع الفرس كَفَرِح فهو بَتِع ككَتِف وهي بَتِعة ، انتهى . فأنت ترى أن صاحب القاموس عينه قد أطلق في التعريف ثمَّ ذكر الفرس بعد ذلك مثالاً لقصد بيان الفعل كما جرى اصطلاحهم ، وصاحبنا قيّد المادة بالفرس رأساً . وأمثال هذه كثيرة . وأما المسائل التي خطّأه فيها وكان هو المخطئ وتعنّته عليه أحياناً في ما لا حرج فيه إلى غير ذلك فشيء يطول الكلام عليه . وأعود الآن إلى ما كنت في صدده.
وأما قوله : إذ القاعدة أن الأشياء الظاهرة تكون أصلاً للباطنة على ما ورد في لسان العرب ، وزعمهُ أن الرَبَض للأمعاء هو من هذه الأشياء الباطنة ، فلزم أن يكون مأخوذاً من الربوض لأن الربوض ظاهر . فهذا هو التشدق بعينه .المراد بالأشياء الظاهرة في عبارة صاحب اللسان : الأشياء المحسوسة وهي التي تُدرك بالحواس الظاهرة وخلافها الباطنة ، والمراد بها الأشياء المعقولة التي لا تُدرك إلا بالمشاعر الباطنة . فأين الرقمتان من وادي الغضا ؟ والظاهر أنه يفهم بالأشياء الباطنة ما كانت مستورةً عن العيان وخلافها عند الظاهرة ، ولذلك عدَّ الرَبَض باطناً وتكلف التعبير عن العَبَث في هذا التأويل لا يكون إلا من العَبَث فنتركه لأولي العلم ينظرون فيه . بل قد ورد في سرّ الليال صفحة 11 [ أدناه ص 412 ] ما نصه : (( إن أهل اللغة جميعاً قد أجمعوا على أن المهذَّب للرجل الكامل مأخوذ من تهذيب الشجرة بناءً على أن الأمور المعنوية أو العقلية مأخوذة من الأشياء الحسية ، وذلك موجود في جميع اللغات ضرورة . أن الحواس الظاهرة هي التي تبعث الحواس الباطنة على التفكر والتخيّل . فإن من لم يَرَ الأسد مثلاً قط ولم يسمع به لم يخطر بباله أن يشبه به رجلاً شجاعاً وهذا كما يُحكى عن ابن المعتز ، رحمه الله ، من أنه كان ينظر إلى آنية بيته ويشبّه بها . وتقرير ذلك أن العقل مأخوذ من عقلت البعير ، ومثله لفظة الحجْر اشتقاقاً ومعنى . والحِكمة من حَكَمَة اللجام ، والذكاء لتوقد الذهن من ذكاء النار . ومثله الألمعي و الثاقب )) . إلى آخر ما فصّل بالصواب .
وهنا كلّ العجب وما أدري ما الذي حمله على أن يعدل إلى الجهل بعد المعرفة ويحاول أن يخطّئ نفسه في ما أصاب به . ولا أعلم و الحالة هذه بماذا أعبر عن مثل هذه الخُلق فهو يشبه البله ولكنه ليس منه . ويشبه الخَرَق ولكنه ليس منه . وفيه طَرَفٌ من شبه الحمق والله وأعلم . اللهم إلا أن يكون قد نسي ما قرَّره في سر الليال مما تقدَّم نصه فلا يشبه شيئاً من ذلك إنما تكون المسألة من باب المعاندة . ولكن لا يصح هذا الفرض لأنه قد ذكره في ردّه ودلَّ على موضعه وأورد منه شيئاً ، فهل يكون النسيان في الذكر ؟ لا جرم أن ذلك يكون من خوارق الطبع . فتبصر والأمر مشكل .
قلت وإنما أخذَت الأشياء الباطنة من الأشياء الظاهرة ، لأن الأشياء الباطنة لا وجود لها في الخارج فسّموها بما يناسبها في المعنى من تلك . وذلك أما من مفاعيلها كما في العقل والحِجْر بالكسر وقد ذكرهما والحِجى بكسر ٍ ففتح ِ والنُهى بضم ففتح وكلها بمعنى . فإن الأول مأخوذ من عَقل البعير أي شدّة بالعقال ، و الثاني من الحَجْر بالفتح أي المنع ، و الثالث من قولهم أن جحا فلاناً أي منعه ، و الرابع من النهي بالفتح أي الزجر أو المنع . كأن المراد أن يعقل صاحبه أو يحجره أو يحجوه أو ينهاه عن التجاوز إلى المحظورات . وإما من حيث هيئتها المتوّهمة في الذهن كالتصور العقلي فإنه مأخوذ من التصوير العملي بجامع إبراز الهيئة وتشخيصها فشُبه به . أو غير ذلك من الوجوه التي تُعتبر في مثل هذا .
وربما أخذ الظاهر من الظاهر على هذا التشبيه ككوكب العين لنقطة بيضاء تحدث في سوادها فإنه مأخوذ من الكوكب بمعنى النجم بجامع الهيئة بينهما . وهذا كثيرٌ . وورد الضِلع بمعنى العود فيه عِرَضٌ فإنه مأخوذ من ضِلَع الحيوان على التشبيه أيضاً . وعلى مذهب صاحبنا الآن ينبغي أن يكون هو أصلاً لضِلَع الحيوان لأنه يعد ضلع الحيوان من الأشياء الباطنة وهو أظهر من أن يتكلف له البرهان . وورد حبل الوريد لعرق في العنق وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه . فإنه مأخوذ من الحبل المعروف . وهو عكس ما تقدَّم . وجاء الرئة و الحرقدة مما يتوهمه باطناً ، و الفهم و الفطنة والبَله مما هو باطن حقاً وغيرها وليس في مادّتها ما يتأتى مأخذها منه . وقس على كل ذلك . وأقرب ما أراه في مأخذ الرَبَض للأمعاء أنه من الرَبَض لحبل الرحل على التشبيه به . وأنت تدري أن العرب كانت كيفما انقلبت فالرحال بين أيديها ونصب أعينها في الحَضَر و السفَر وفي جميع أحوالها . فالمظنون أن هذا التشبيه أقرب ما يخطر لها . والله أعلم بالصواب .
وأما يكون رَبَض مأخوذاً من رب على ما زعم وأن اللغة جارية بأسرها هذا المجرى فكل مادةٍ ترجع إلى أصل يُحكم بأخذها منه على وجه الاطراد و القياس كما عوَّل في كتابه سر الليال ، فشيء بينه و بين المحال نسبةٌ أقرب مما بينه وبين أن يصدّقه عاقل . ولقد خطر لي الآن ما لو خطر له لما باشر تأليف هذا الكتاب ، ولا تجشّم لأجله عناء السهر وكدّ القريحة في غير شيء . قال في أول كتابه الساق على الساق في ما عنوانه تنبيه من المؤلف : ((ومنه إيراد ألفاظٍ كثيرة متقاربة اللفظ و المعنى من حرفٍ واحدٍ من حروف المعجم نحو الغطش و الغمش و البهز و البحز و البغز و الحفز تنبيهاً على أن كل حرف يختص بمعنى من المعاني دون غيره وهو من أسرار اللغة العربية التي قلَّ من تنبّه لها . وقد وضعتُ لهذا كتاباً مخصوصاً سمّيته منتهى العجب في خصائص لغة العرب . فمن خصائص حرف (( الحاء)) السعة و الانبساط نحو الابتحاح و البداح و البراح والأبطح ولأبلنداح و الجح و الرحرح و المرتدح و الرَوح و التركح و التسطيح و المسفوح و المسمح في قولهم : إن فيه لمسمحاً أي متسعاً ، و الساحة و الانسياح إلى آخره . ومن خصائص حرف ((الدال )) الين و النعومة والغضاضة نحو البراخدة و التيد و الثأد و الثعد و المثمعدّ و المثمغدّ و الثوهد و الثهمد و الخبنداة ، إلخ ويلحق به الأمور المعنوية الرغد و السرهدة والجد وغير ذلك . وربما عادلوا في بعض الحروف أي راعوا فيها الإكثار من النقيض . فإن حرف (( الدال)) يشتمل أيضاً على ألفاظٍ كثيرة تدل على الصلابة و القوَّة و الشدة وذلك نحو التأدد و التأكيد و التأييد و الجلعد و الجامد )) إلى آخر ما قال على هذا النسق .

و الحاصل أنه عوَّل هنا في تناسب معاني الألفاظ على الحرف الأخير منها دون اعتبار ما قبله . فكل طائفة منها خُتمت بحرف من حروف المعجم كانت مختصة بمعنى واحد يردُ في جميعها ولا يشاركها فيه غيرها مما ختم بغير هذا الحرف . والذي جزم به في سر الليال أن تناسب معاني الألفاظ إنما هو منوطٌ بالحرفين الأولين منها دون اعتبار ما بعدهما . فكل طائفة منها بُدئت بحرفين من حروف المُعجم كانت مختصة بمعنى واحد يردُ في جميعها ولا يشاركها فيه غيرها مما بُدئ بغير هذين الحرفين . وربما شرك بينها مجانسة الحرفين في بعض المواد للحرفين في غيرها . وبالجملة لا علاقة للحرف الثالث فما يليه بأمر المعنى أصلاً . فهو يقول على هذا : (( إن آب وأَبأ وأبت وأَبث والأبج وابد وابر وابز وابس وابش وابص وابض وأبط وابق وابك وابل وابن وابه وابى وما يشاركها في موادّها كلها مأخوذةٌ من موضع واحد وهي أب وهي متواطئة على معناهُ بأسرها . وأصل معناها في الهمزة و الباء ، وما يليهما لا عبرة له في الدلالة على المعنى)) وإذا رجعت إلى قوله الأول وجدت أن آب مثلاً راجعةٌ في المعنى إلى أبَّ وأتب وأدب وأرب وأزب وأسب وهلم جرَّا وأبا لاحقة بأجأ وبأبأ وبدأ وبذأ وبرأ وبسأ وهلم جرَّا في الجميع . فيكون قد تنازع هذه الألفاظ تسعة عشر موضعاً على عدد الحروف المختومة بها وكل واحدٍ منها قد تواطأ مع طائفته على معنى مختص به دون غيره ، وأصل هذا المعنى في الحرف الأخير .
فإذا تفرست في المذهبين وتدبّرت القولين لم تجد بينهما نسبة أقرب مما بين النقيض و نقيضه . والظاهر أنه عندما خطر له أسلوب سر الليال كان قد نسي ما بثّه وذهب إليه في كتابه المذكور . على أن ما حتم به مردودٌ في الموضعين جميعاً كما لا يخفى على كل ذي بصيرة . وإنما قد يتفق تناسب بعض المواد في أحد الرأيين ، والحكم بالاطراد لا يكون إلا من باب العَبَث . ولولا ذلك لما اضطرَّ صاحبنا في سر الليال أن يتكلف لبعض الألفاظ تأويلاً سخيفاً وتارة فاسداً ويسكت أحياناً عن التأويل رأساً ، مع أنه قطع في المقدمة بأن ذلك قاعدة راهنة . فمن ذلك تأويل معنى حبّ وأحبَّ . قال إن له فيه آراءً أحدها أن يكون من حبّة القلب فمعنى حبّه أصاب حبّة قلبه . اهـ . وفي هذا التأويل إلتواءٌ بيّن . فإنه على فرض كون الحبّ في القلب كما يقال وإليه ذهبت العرب ، فإن المحب هو الذي تكون أُصيبت حبّة قلبه . و المحبوب معافى سليمٌ من بوارح مُحبّه . لا يهمه إلا ما اعتاده من التيه و الدلال . و التمتع بما أُوثِر به من عزَّة الجمال . وما برحت من ذلك في قلوب العاشقين حزازاتٌ لا تبرأ ويودّون أن لا تبرأ . وعند المعشوقين لذَّة تباع دونها أنفس العشاق وتُشرى . فما شكا محب ما به من الألم و البُرحاء إلا لطّفه بذكر صدّ محبوبه ، وهم يعتقدون أن الداء يشفى بالداء . وذلك من أسرار الصبابة التي دقَّت فخفيت عن أوهام الحكماء . والله ما قال الحاجري .
كذا من حاز في الحسن الكمالا يصول علـــى محبّيهِ دلالا
اعــاتبه فيُعــرض عــن عيـــاني كأني قد ذكرتُ لهُ الوصولا
ملــولٌ كلمــــا أرخصـــتُ دمعي لـديــه رغبــةً فيــه تغالى
وقول الآخر :
أشكو الذين أذاقوني مودّتهـــــم حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
واستنهضوني فلما قمتُ منتصباً بثقـــل ما حمّلوني منهمُ قعدوا
وما أرقّ ما قال أبو نواس :
صليتُ من حبّهـــا نــــارين واحــدةً في وجنتيها وأخرى بين أحشائي
يا ويح أهلي يروني بين أعينهـــم علـــى الــفراش ولا يدرون ما دائي
لو أنّ زهدك في الدنيا كزهدك في وصلـي مشيت بلا شكَّ على الماء
على أن بحثنا ليس في هذا الصدد ، فعلىَّ هنا أن ألاحظ أمر اللغة فقط وأمّا ما أخلَّ به من أصول المحبَّ وتعدّيه على أحكامها ولا سيما ما ارتكبه من الجناية في حق المحبوب ، فأفوّض إلى محكمة العشاق النظر في أمرهِ و الاحتكام في جزائه . والله خير المنصفين .
وأغرب منهُ قوله بعد ذلك : (( وهو على حد قولهم شغفه حباً أي أصاب شغافه وهو غلافه أو حبّته )) . اهـ . وفيه تأييدٌ لما اعترضت به ، لأن المحبوب يكون هو الشاغف و المحبّ المشغوف فانعكست المسألة بخلاف ما تقدّم في الحب كما لا يخفى . ولذلك صدقت القضيّة هنا وكذبت هناك ، وما أدري كيف اعتبرهما سواءً . وهذا يقابل منعهُ الفِطَحْل مع المطل وأجازته جدّه مع جهدُهُ ، لأنه فرّق هناك بين حكمين هما سواءٌ وسوّى هنا بين حكمين هما ضدّان . فتأمل .
ويجري هذا المجرى قوله : (( بحدل أسرع في المشي ومثله بهدل . وبحدل أيضاً مالت كتفه وكأنه مسبب عن المشي )) . اهـ . وهو من التأويلات الغريبة .
ومن ذلك قوله : (( البَهَق محركةّ بياض رقيق ظاهر البشرة ومعنى البياض في بهر لكنه قبحٌ هنا بإلحاق القاف به )) . اهـ . وفيه نظر من أوجهٍ : أحدها أنه لم يذكر في تعريف البَهق أنه يكون قبيحاً . ومنها أنه جعل إلحاق القاف منشأ القبح . وهو أظهر من أن يُبيّن. ومنها تعبيره بالإلحاق وإنما هو إبدال . لأنه لو كان إلحاقاً لزم أن تكون اللفظة بهرق كما لا يخفى . ومن الغريب عدوله هنا إلى الإلحاق ، مع أن كتابه مبنيٌ على القلب و الإبدال .
وقال بعد ذلك : ((ثمّ البهلق كزبرج وجَعفَر وعُصفُر : المرأة الحمراء جداً فجاء لون البهَق مصبوغاً بالحمرة )) ، اهـ . ومقتضاه أن الحمرة نشأت من اللام هنا نشأ القبح من القاف هناك . وإذا صحّ هذا حُسب له اختراعاً لم يسبقه إليه أحدٌ وشفع في أغلاط الكتاب بأسرها . على أن قوله : فجاء لون البهق مصبوغاً بالحمرة ، خللاً وفساداً . لأن البهق لون و الحمرة لون ، فإذا وُجد أحدهما انتفى الآخر . فأنى جاءهُ هذا الدليل ؟ وأمثال ذلك لا تُحصى كما يظهر لمن حمل نفسه على تصفّح هذا السِفر ، فاقتصر على ما ذكرته مراعاةً للمقام .
[ في الدراري]
الجنان ، السنة 2، الجزء 23(1/12/1871 ) ص 806 – 811
شبلي : الشدياق و اليازجي ، ص 116-125
وأمّا اعتذاره عن الدراري بأنها غلط طبع ، وقوله بعد ذلك : (( وليكن معلوماً هنا أني كنت أحرّر هذا السفر ، أي سرّ الليال ، كما كنت أحرر الجوائب ، أعني صفحةً صفحة وكلما نجزت صفحة سلمتها إلى المرتب فلم تمكني الفرصة من تهذيبه كما أردت )) ، إلى آخر ما قال . فكلّ ذلك لا صحّة له ، وما أكذّبه إلا من عين كلامه .
قال في صفحة 6 من سرّ الليال ما نصّه ( ثم بعد أن صيغ هذا الكتاب على هذا المثال ونُسج على هذا المنوال نوهّت به في الجوائب لقصد أن يتصدَّى لطبعه أحدٌ ممن يؤثرون صحف الأدب على صحاف المآدب فمضى على ذلك مدّة من دون أن أرى من احدٍ نجدة )) . إلى أن يقول من كتابٍ بعث به إليه رشيد بك الدحداح ( إني بعد وصولي إلى تونس بأيام ٍ ، وصل إليها أيضاً نجلكم المكرّم سليم أفندي فسررت باجتماعي به غاية السرور وأخذت أستقصي الأخبار منه عن ذاتكم وعن حركاتكم وسكناتكم فأخبرني بتأليفكم سرّ الليال في القلب والإبدال وأنكم مشتاقون إلى نشره. وأتحفني ببعض صحفٍ من الجوائب تشتمل على نبذٍ من الكتاب)) [ أدناه ص 404 ] إلى آخر ما روى منه .
فقد صرّح هنا بما لا يحتمل التأويل ولا المغالطة أن الكتاب كان مصوغاً منسوجاً قبل أن يباشر طبعه بزمنٍ أقلّ ما يُفَرض منهُ الحالة تلك يكفي لتهذيبه وتكذيب مدّعى صاحبنا . وقد نوّه به مراراً في الجوائب ونشر فيها نبذاً منه ، إلى غير ذلك مما مرّ بك . فما باله الآن يقول إنه كان يحرّره صفحةً صفحة وكلما نجزت صفحة سلمها إلى المرتب ؟ وهل كان ما نشره في الجوائب وسيّره في الآفاق وهماً مكنوناً ونيّة مضمرة ؟ لا جَرم إن صاحبنا أصبح شديد النسيان كثير الغفلات ، وقاتل الله الكِبر .
ولما فرغ من كلّ ذلك انتقل إلى تخطئتي في عبارة الرد السابق ، فأورد أشياء ليست بأقل دلالة على غور علمه مما تقدّم . وكأني بهذه المناقشة قد كشفت بيننا سرّاً طالما كان مرصوداً بزخرفة المقال وحلَّت طلاسم لُمِح وراءها بدر المقنّع متهافتاً إلى الأفول . وما كان أغنى أحدنا عن التعرّض و الفضول وإنما كان ذلك قدرَاً مقدوراً ولله في خلقه شؤون .

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:24 AM
معركة فارس الشدياق
الصحفية مع إبراهيم اليازجي
(3)
[ في مظنة الانفراد و الذّمة ]
فمما خطّأني به قولي : مظنة الانفراد . وقد وردت في الطبع بفتح ((الظاء )) . ومن هذا القبيل قولي الذّمة و الذَمم بضم ((الذال فيهما )) . والصواب الكسر في الكل . فزعم أن ذلك خطأ مني وأخذ يتشدّق ويتمطّق بما لا طائل تحته . فقال : (( إن أجهل العامة في بيروت ولبنان يقول عند الحَلف على ذمّتي بالكسر)) . وبالمُوجَب أقول إن أبلغهم أيضاً يلفظها بالدال المُهمَلة مع تسكين الميم المشدّدة . فما رأي الإمام ، أَيصحّ أن نجري على لفظهم ؟ وهذا مثل قوله : وأهل بيروت يقولون فحطل أو فطحل على تقدير غلط الطبع . والإنكليز يقولون بابي [ Baby ] بإمالة الألف ، بمعنى الطفل . وأهل مالطة يقولون الحب بمعنى الجَيب ( نقلاً عن سرّ الليال ) . وما أشبه ذلك مما يطول شرحه .
وعلى فرض أني علّقت هذه الحركات بيدي ورآها بخطّ قلمي . فأي غلطٍ جسيم ارتكبته هنا ؟ وأية قاعدة خالفتها ؟ وما المعنى الذي فسد بهذا التغيير ؟ . ولعمري إن كل هذا أدنى إلى أن يكون غلط طبع ٍ من قوله (( الدراري )) ، وهو أيسر كثيراً لأن غلطة ((الدراري )) تقتضي بهبوط النجم إلى قعر البحر و العياذ بالله . ولا عجب لأن فيها زيادة ألفٍ وياءِ . وأنت تدري شأن هذين الحرفين اللذين لا يُكنى بهما إلا عن كل أمر جسيم . فأين هذا في المظنة و الذمم ؟ على أن اعتراضه على الذمم هو عين الاعتراض عليه و الشاهد بقصوره . فإنهم قد أجازوا الضمّ في جمع المكسور أيضاً كالذُمم و الحُلى ، جمع الحِلية بالكسر . و العكس في العكس كالصِورَ ، جمع الصورة بالضمّ . فتذكّر .
ثم خطأني في قولي : على أن تصديّ ، بتشديد الياء . قال : و الصواب تصديي بلا تشديد . فلا ريب إن هذه إحدى آياته وكُبرى معجزاته . وأنت تدري أن لكل شيء طرفين بينهما حدّ الاعتدال فكلاهما منحطان عنه ونسبته إلى كليهما سواء . ألا ترى أن الإنسان إذا تناهى في الشيخوخة تخلّق تارةً بأخلاق الأحداث وربما تجاوز فعمّ الشبه . ولذلك قيل : إذا شاب المرء شبّ فيه خلّتان ، الحرص وطول الأمل . والظاهر أن هذا من ذاك . وقال الشاعر :
إن البدر أَوَّله هلالٌ وآخره يعود إلى الهلال ِ
وكذا من تناهَى في العلم وأسراره فقد يلتبس عليه ما لا يلتبس على الأغبياء ، ولذلك ينبغي أنك كلما رأيت صاحبنا قد أوغل في ارتكاب الغلط تتخذ هناك دليلاً على شدة تعمقه في المباحث العلميّة ، وعليه يجب أن تُحمل هذه المسألة . وإن كانت لا تعجبك هذه الفتوى فدونك ورأيك . وما أظنك تحتاج أن أصرّح لك بأني عندما انتهيت إلى هذه المسألة هممتُ مراراً بترك الجواب أصلاً ، لا استخفافاً بقدر الإمام شرّفه الله ، ولكن لأن أشغالي لا تأذن لي في التفرّغ لمثل هذه المباحث مما يتطارحه غلمان المكاتب . وشهد الله إنه لم يكن يخطر ببالي أن مثل مولاي يغرب عنه أمرٌ كهذا ثمّ لا يلبث أن يخطئني به . فسأحمل نفسي مع ذلك على إيضاح هذه المسألة لئلا تبقى حاجة في نفس يعقوب ، وما أوضحُها له إلا من نصوص الأئمة . رحمهم الله . قال الإمام ابن مالك في أرجوزته المشهورة :
آخِرَ ما أضيف لليا اكسُر إذا لـــــم يَك معتّلاً كـــرام ٍ وقَذَى
أو يكُ كابنَين وزيدينَ فـذي جميعها اليا بعدُ فتحُها احتُذِى
وتُدغَم اليا فيه و الـواو وان مــا قبلَ واو ٍ ضُمّ فاكسره يهِن
وفي شرحها لابن المصنف رحمهما الله : يجب كسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إلا أن يكون مقصوراً أو منقوصاً أو مثنى أو مجموعاً على حدّه إلى أن يقول : وأما المقصور و المنقوص و المثنى و المجموع على حدّه فإذا أضيف شيء منها إلى ياء المتكلم وجب فتح ((الياء )) ، وأن يُدغم فيها ما وليته إلا (( الألف)) فإنها لا تُدغم ولا يُدغم فيها . فالياء تُدغم ولا يغيّر ما قبلها من كسرةٍ أو فتحةٍ فيقال في نحو قاض ٍ ومسلمين : هذا قاضيّ ورأيت مسامِيّ . إلى آخرهِ .
وفيه لابن عقيل : يُكسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إن لم يكن مقصوراً ولا منقوصاً ولا مثنىً ولا مجموعاً جمع سلامة لمذكر . كالمفرد وجمع التكسير الصحيحين وجمع السلامة للمؤنث و المعتلّ الجاري مجرى الصحيح نحو غلامي وغلماني وفتياتي وظبيي ودلوي . وإن يكن معتلاً فإمّا أن يكون مقصوراً أو منقوصاً . فإن كان منقوصاً أُدغِمت ياؤه في ياء المتكلم وتُفتح ياء المتكلم فتقول قاضِيَّ رفعاً ونصباً وجرّاً . إلى آخره.

وفي الرسالة الوافية للإمام عمرو بن الحاجب : اعلم أن الاسم إمّا أن يكون صحيحاً أو ملحقاً به ، أو لا يكون صحيحاً ولا ملحقاً به . وقد مرّ حكم الأولين . وإن لم يكن أحد الأخيرين فلا يخلو من أن يكون في آخره (( ألفٌ)) أو (( واوٌ)) أو ((ياءٌ )) . إلى أن يقول: وإن كان آخره ياءً أُدغِمت في ((الياء ))فيقال في الرامي و الغازي : الراميَّ و الغازيّ . فإن كانت الياء محذوفة للتنوين رُدَّت وأدغمت في ياء الإضافة ، إلى آخره .
وفي حاشية الصبّان على الأشموني ، قوله : ((فتقول هذا راميّ )) ، فرامي مرفوع بضمة مقّدرة على ما قبل ياء المتكلم ، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون الواجب لأجل الإدغام . إلى آخره .
وفي هذا غنىً عن غيره من هذا القبيل وإن كانت المسألة لا تحتاج بياناً . على أن أجهل العامّة في مصر و الشام ، وربما في مالطة أيضاً ، يشدد في مثل هذا جارياً على الصواب . وما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبي :
وليس يصحّ في الإفهام شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليل
وقد خطر لي هنا ما رأيته مرة في كتاب لبعض الدمشقيين من أهل القرن الماضي خطّأ فيه ديوان أبي الطيب المذكور ، فكان من جملة ما أخذ عليه قولهُ في مديح عَضُد الدولة :
وقد رأيتُ الملوك قاطبةً وسرتُ حتى رأيتُ مولاها
فما زاد هذا المنتقد على أن قال : فمن أعلمه أن الملوك عابسة الوجوه وذلك أنه لم يفهم معنى قوله : قاطبةً ، فظنهُ من القطوب بمعنى العبوس فأنكره وحكم على المتنبي بالعبث ، فذكرتُ قول المتنبي أيضاً :
وكم من عائبٍ قلاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وإنما أراد في البيت أنه رأى الملوك جميعاً فذهب وهمُ المعترض إلى الخلاف . قال الشيخ أبو العلاء المعري في شرحه : إن سيف الدولة أنشد هذه القصيدة فلما انتهى إلى هذا البيت قال : ترى هل نحن في الجملة . اهـ .
قلتُ : وتلك صفةٌ يتزيّى بها كثيرون من أمثال هذا المعترض وهم أقوامٌ من المسفسفين قل خلاقهم من الأدب وطمحت أطماعهم إلى مباراة أهل الفضل فإذا تأزلت صدورهم وقصرت هممهم عدلوا إلى تخطئة أقوال العلماء وشوهوا عرائس كلماتهم اعتقاد أن ذلك يكون دليلاً على سعة العلم وغزارة المادة . لأنه قد تقرر عند مثل هؤلاء أن من أدرك زلة لعالم ٍ كأنما أدرك علمه ، وربما سولت لهُ نفسهً أنه قد أسقط فضله واستقلَّ به . ورحم الله أبا تمام حيث يقول :
وإذا أراد الله نشــــر فضيلــــــــة طُويَت أتاح لها لسان حَسـود
لولا اشتعال النار في ما جاورت ما كان يُعرف طيب عرف العود
وأما صاحبنا حياهُ الله ، فقد ذكرتُ له بمسألة تصدَّيَّ و الإدغام مسائل شتّى ثبت عندي بها أنه يجهل قوانين هذا الباب ولا يعرف أحكامه . فمن ذلك قوله في كتاب الساق على الساق صفحة 52 : ((لا يَغْررنكمُ كثير جموعهم )) . فكّ الإدغام في يغررنّ في الموضعين وهو واجبٌ لأن حركة الراء الثانية فيهما لازمة لبناء الفعل عليها مع نون التوكيد . ولعلّ الذي ذهب بوهمه إلى جواز الفكّ أن الفعل واقعٌ بعد جازم ٍ ، فحسب أن الجزم واقعٌ على لفظة وأن الحركة فيه عارضة كما في قوله : ( وَمَن يُضَلِل ِ اَللهُ فَمَا لَهُ مِنَ هَادٍ ) [سورة الرعد ، رقم 13 ، الآية 33 ] . وهو وهمٌ بعيدٌ ، لأن حركة اللام الثانية من يضلل في الآية إنما أتي بها دفعاً لالتقاء الساكنين ، فهي في حكم السكون فلا يجب معها الإدغام بخلاف ما هناك كما تقرّر ، وعليه قوله : ( لاَ يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ ) [ سورة آل عمران ، رقم 3 ، الآية 196 ]. وقال الشاعر :
لايَغُرَّن امرءاً عيشهُ كلّ عيش ٍ صائرٌ للزوال
وهو مستغن عن البيان . ولعله يحتجّ بضرورة الوزن كما في قول بعضهم : الحمد الله العلي الأجلل . على أنه ما زال عرضة للانتقاد ومثالاً عند الصرفيين للشذوذ و عند البيانيين للخروج عن الفصاحة يحذّرون من ارتكاب مثله . فلا بأس أن أورد له شيئاً من ذلك في النثر أيضاً . فمنه قوله في صفحة 200 من هذا الكتاب : (( إن قوماً من الهُككاء)) والصواب الأهكاء كالصحيح و الأصحاء ، لأن صيغة فُعلاء لا تُستَعمَل في المضاعَف . وقوله في صفحة 221 : ((ويتطالل إلى بعض استعارات باردة )) . مع أن الفعل منصوب . وفي صفحة 550 : (( وإذا تطالل واشرأبّ )) وأمثاله كثيرة ، وكلّ ذلك مقرّر في علم الصرف ولكنه لم يدخل في علمه . ومن كان هذا مبلغ ما عنده فلينتدب لتخطئة العلماء ومعارضة أولي الفضل ، بل ليعتمد على القذف و التنديد في موضع الحجّة و البرهان . فيا لله .
ومما خطّأني به قولي : وشهد الله أني مذ اليوم لم أكن أتوقّع مثل ذلك قال : والصواب إلى هذا اليوم ، انتهى . وكأني به لو وقعت له هذه المسألة لم يفتر أن يورد عليها عبارة صاحب القاموس في أثناء الكلام على منذ ومذ حيث يقول : ويليها اسمٌ مرفوع كمنذ يومان وحينئذٍ مبتدآن ما بعدهما خبر . ومعناهما الأمد في الحاضر و المعدود وأول المدة في الماضي . انتهى .
ومثلها عبارة الكليات و المغني وغيرهما . فإن ثبت أن اليوم حاضرٌ كانت مُذ أمداً لمتعلقها ، أي غاية له . ولم يكن في العبارة خطأ سوى سوء الفهم أو التعنت في غير محله . والظاهر أن صاحبنا يذهب إلى أن ما وافق ومفهومه كان صحيحاً ، وما ليس كذلك فهو خطأ وإن نصّت عليه العلماء . والذي عندي أن متابعة آرائهم أَولى من متابعة رأيه وإن كان ذلك يوجب غيظه مني .
ومن ذلك قولي : فإنه قد حفظ له ذلك زمناً ينيف عن ستين سنة . قال : و الصواب على ستين ، انتهى . وهنا تعسّف أيضاً وأشطّ . فإن قصره الصواب على تعدية الفعل بعلى خطأ . والصواب سواغية كليهما جميعاً لأنك إن أردت معنى الاستعلاء استعملت (( على)) أو المجاوزة استعملتَ ((عن )) بلا لاف ، وكلاهما محتملان هنا كما لا يخفى . على أن ((عن )) قد تأتي لمعنى الاستعلاء أيضاً نحو فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ، أي عليه كما في قوله : ( فَاَسَتَحَبُّواْ اَلَعَمَى عَلَى اَلَهُدَى ) [سورة فصلت ، رقم 41 ، الآية 17 ] .
وجاء في كليّات أبي البقاء رحمه الله : و(( الزيادة تلزم وقد تتعدّى بعن كما تتعدّى بعلى لأن نقَص يتعدَّى به وهو نظيره )) ،اهـ . فحمل زاد على نقص وهما نقيضان فما رأيك في أناف وزاد وهما نظيران مترادفان . ولعمري ، ما يعترض في مثل هذا مَن له إلمامٌ بالعربية واطّلاع على ما ورد في أسفارها . وإنما صاحبنا يرى عبارة في أحد التعريفات فيستمسك بها ويظنّ أن اللغة مقصورةٌ هناك . ولو كانت كتب متن اللغة مستغرقة لجميع أحكامها مغنيةً عن غيرها لاقتصر القوم عليها ولكان كلّ من حصل منها على كلمات يعيها في صدره أو يكتبها إمامه قد ملك عنان العربيّة وعرف جميع ضوابطها ودقائقها وما يظنّ ذلك إلا القوم الغافلون .
واعلم أن هذا الباب ، أي باب التعدية بالحرف ، هو من أدقّ الأبواب . فطالما ترى الكتّاب يغلطون فيه فيبدلون بين حرفٍ وآخر على غير هُدًى ، وربما عُدّيَ فعلٌ بحرفين أو أكثر على اعتبارات هناك فخلطوا بينها فما لبث أن جاء المعنى مختلطاً . وقد وقع الأمران لصاحبنا كما سترى .
فمن الأول نحو قوله في كتابه الساق على الساق صفحة 90 : ((فهل سول إليك الخنّاس أن تتغزَّل )) . والصواب (( سوّل لك )) كما في قوله : ( اَلشَيَطَنُ سَوَلَ لَهُمَ وَأَملَى لَهُم ) [سورة محمد ،رقم 47 ، الآية 25 ] . وفي صفحة 110: ((وصحو بالي واستعداده إلى ما يروق )) .
والصواب ((لما يروق )) . وهو كثيرٌ .ومن الثاني قوله في صدر هذا الكتاب تحت العنوان :
ودرس ثورين قد شُدّا إلى قَرَن ٍ أقنى وأنفع من تدريس حبرَين
و الصواب أن يقال : ((شُدّا بقرَن ٍ )) وهو ما يُجمع به بينهما من حبل ونحوه فهما يُشدّان به لا إليه وإنما بعضهما يُشدّ إلى الآخر أو كلاهما إلى عود النير مثلاً ونحو ذلك . والعجب أن يخفى هذا على مثل صاحبنا . وإذا احتجّ بضرورة الوزن فهي لا تبيح شيئاً إلا بشرط بقاء المعنى صحيحاً ، فإن أدّى ذلك إلى فساده كان مردوداً عند العلماء وعُدّ غلطاً قبيحاً . على أن البيت كله سخيفٌ . وفي قوله : (( أقنى))، ما لا يخفى على كل ذي بصيرةٍ .
وأما تخطئته لي في قولي : ((على أن غلط الوهم لا يخلو منه أحد كما أشار )) ، وزعمه أن الصواب أن يقال : (( كما أشار إليه )) ، فما لم أسمع به إلا منه ولا خطر لي وجه الخطأ في عبارتي ولا الصحّة في عبارته . و الظاهر أن الأمرين لا وجود لهما في الموضعين . وهذه إحدى خطرات وساوسه المعهودة . لأن مرادي في العبارة مجرّد الإشارة فقط دون قصد المشار إليه بها ، إنما ينبغي أن يُعقد الكلام على قدر الحاجة فإن تجاوزها كان مخلاً كما تقرّر في علم البيان . و العبارة على حدّ قوله : ( فَاَدَعُ وَاَستَقِم كَمَآ أُمِرتَ) [سورة الشورى ، رقم 42 ، الآية 15] اقتصر على ذكر الأمر دون المأمور به لأنه هو المراد مجَّرداً . ومثله قوله : ( لَيَستَخلِفَنَّهُم فى ِ الأَرض ِ كَمَا اَستَخلَف الَّذِينَ مِن قَبلِهِم )[ سورة النور رقم 24، الآية 55] .
وقوله : ( مَا يَعبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبلُ ) [ سورة هود رقم 11 ، الآية 109] .
وقوله : ( قُل لَّو كَانَ مَعَهُ ءَالهِةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لاَّبتَغَواْ إِلَى ذِى العَرش ِ سَبِيلاً ) [ سورة الإسراء رقم 17 ، الآية 42] . وهو كثيرٌ مستفيض وما نرى له من نكير . فإن قُصد المتعلَّق هناك أو كان المعنى لا يستقلّ بدونه ، وجب ذكره كقوله ( وَأَحسِن كَمَآ أَحسَنَ اللهُ إِلَيكَ ) [سورة القصص رقم 28 ، الآية 77 ]. وقد جمع الأمرين كما ترى .
وقوله : ( وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى ءَال ِ يَعقُوبَ كَمَاَ أَتَمَّهَا عَلَى أَبَويكَ ) [ سورة يوسف رقم 12 ، الآية 6 ] .ونحو ذلك فتأمل .
وبقي هذا النظر في ما وقع من الخطأ في عبارة ردّه . فمن ذلك قوله : (( كما يصحّ أن يقال مثلاً عظم جدّه وطال جهده . كذلك يصح أن يقال جادّة وجاهدة)) . فقوله كذلك بعد قوله كما ، زيادةٌ مخلّة وهي أشبه بالوجه القبيح المبرقع . لأن قولك مثلاً ، (( كما تزورني كذلك أزورك)) يكون تقديره (( أزورك كما تزورني كذلك)) فتأمّله .

ومثل هذه العبارة قوله في كتابه سر الليال صفحة 11 : (( وكما جاءت الهمزةُ بهذا المعنى كذلك جاء التشديد )) . وقوله في صفحة 67 منه ((وكما أنه يتوهم في البعثقة زيادة ((العين (( كذلك يتوهم )) . وفي صفحة 83 : (( كما توافق المُبهم و المُصمَت كذلك جاء المُصمَت )) وهو كثيرٌ .
ومن ذلك قوله : ((ولا عجب من أن هذا المتبلتع يقول مثل [هذا] الكلام )) . وهو أوضح من أن ينبَّه عليه ولعله غلط طبع إن كان يسلّم بأن صفاف الحروف يغلط .
ومن أغلاطه الفاضحة قوله ( ولم يكن لي همّ سوى في إظهار أصل معاني الألفاظ)) إلى آخره . وهو من التراكيب الغريبة و لعله ناشئ عن شدّة التعمق في العلم ، على أنه تجاوز الحدّ وأفرط . و الصواب أن يُقال : لم يكن لي همٌ في سوى إظهار . أو إلا في إظهار . لأن إقحام في ما بين سوى وما يليها وهما متضايفان خطأ قبيح كما قرّرت النحاة . والظاهر أنه يتوهم الحرفيّة في ((سوى )) فيجريها مجرى((إلا )) وهو لا يفرق بينهما . وأنت ترى أنهم في كتبهم يفردون ((إلا ))في باب الاستثناء فيعطونها حكمها ثم ينتقلون إلى ((سوى ))و ((غير )) فيجعلونها في حكم آخر . وفي باب الإضافة يدرجون ((سوى )) و (( غير)) بين الأسماء الملازمة للإضافة . وفي كتب اللغة يفسّرون ((سوى )) بغير، وربما صرّحوا باسميتها أيضاً . على أن مراده في العبارة الحصر وإلا نصٌ فيه ، بخلاف ((سوى )) كما لا يخفى ، فعدوله إليها معيبٌ لفظاً ومعنى . قلت و مقتضى قوله هذا أنه كان مهتماً بإظهار أصل معاني الألفاظ فقط وترك سائر الأحكام لإغضاء المطالع وتساهله لو ترك لذلك سبيلاً . ومثل هذه العبارة قوله في سر الليال صفحة 13 (لم يكن له همّ سوى بمجرّد جمع الألفاظ )). وينبغي أن تنتبه هنا إلى أنه جرّ ما بعد (( سوى)) بالباء ، وهناك جرّه بفي و التركيب في الموضعين واحد . وقوله في الساق على الساق صفحة 42 : ((ما الفرق بينهم و بين البهائم سوى اللحى )) . وفي هذا ما يغني عن أمثاله فقس عليه .
[ في تخطئة اليازجي لكتاب الساق على الساق ]
الجنان ، السنة 2 ، الجزء 24( 15/12/1871 ) ص835-842
شبلي : الشدياق اليازجي ، ص125-140
ومن أغلاطه في هذا الرد قوله : (( ما من شاعر قال شعراً إلا وأُخذ عليه)) والصواب إلا أخذ بترك ((الواو ))على مذهب الجمهور . وأقبح من زيادتها هنا زيادتها في قوله في الساق على الساق صفحة 213 : ((ولا بد وأن يكون عنده كاتب )) ومثله قوله في صفحة 216 (ولا بد وأن يكون هناك شيء )) . وفي صفحة 235: (( ولا بدَّ وأن يكون النثر أيضاً مثله)) . وفي صفحة 237 : ((فلا بدّ وأن يمشي معه اثنان )) . وهذا أكثر من أن يُحصى . وشهد الله لو استعمل هذا أجهل الأغبياء لعُدّ منه قبيحاً .
ومن زياداته المخلة قوله في الساق على الساق صفحة 40 : (( تنبّه الغافلين أن وراءها لقولاً شديداً )) فإقحام ((اللام ))على اسم ((إن ))هنا خطأ شنيع لأنها واقعة في موضع الجرّ بالأداة المحذوفة بعد تنبّه كما لا يخفى ، وذلك يوجب فتح همزتها على أنها مفتوحة هناك بالرسم أيضاً . و ((اللام )) تقضي بتعليق العامل عنها لأنها من ذوات الصدر فالتبس الأمر واختلط . وعلى حدّه قوله في صفحة 214 منه : (( والذي يظهر لي أن في الهنات و الجليدات لضرراً عظيماً )) وهي واقعة في خبر المبتدأ . وأمثالها كثيرة .
ومن ذلك قوله في صفحة 43 : ((وإنهم وإن يكونوا سيّئي الأدب على الطعام فهم متأدبون )) . فإدخال (( الواو)) على أن يُشعر بأنها الوصليّة ، وإدخال (( الفاء)) على جملة الجواب يشعر بأنها الشرطيّة ، وضاع خبر ((إن )) . فإحدى الزيادتين خطأ. والصواب إما إسقاط((الواو ))فيكون الشرط وجوابهُ خبراً ، وإما إسقاط ((الفاء )) فيؤخذ الخبر مما يليها ويتعيّن كون ((إن )) وصلية وجوابها محذوفٌ للاستغناء عنه بالخبر كما تقرّر في علم النحو . ومثله قوله في صفحة 237 ( وهما وإن أظهرا له الخضوع ففي قلوبهما منه حزازات )) . وأقبح منه قوله في صفحة 327 : (( فإنه وإن يكن مقامه بين الناس كريماً إلا أنه لا يمكنه )) . وقوله في صفحة 125 : (( إني وإن كنت بشراً مثلك لكني وكيل )) . فما أدري كيف صحّ عنده هذا التركيب . ويجري هذا المجرى قوله في صفحة679:
(( فإذا رضيت فكل سخطٍ هيّنٌ وإذا وصلت فلم أبال بهاجر ِ ))
فربطُ جواب (( إذا)) الثانية بالفاء خطأ مُفسِد لأنها تقضي بانفصال ما بعدها عما قبلها وجعله خبراً لمحذوفٍ لا جواباً ، ويكون التقدير فإنا لم أبال فتمحّض المضيّ في الفعل وهو عكس المراد لأنه مرتب على ما قبله في المعنى . والصواب إسقاط ((الفاء )) فينصرف الفعل إلى لإستقبال لتسلط أداة الشرط عليه حينئذٍ كما لا يخفى . ألا ترى ما قال بعد هذا البيت :
((وإذا بقربك كنت يوماً نافعي لم أخشَ شيئاً بعد ذلك ضائري ))
فالمعنى هنا صحيح لأن الفعل المتحوّل إلى المضيّ بلم قد تحول إلى الاستقبال لوقوعه في الجواب مباشراً ، بخلاف الأول لأنه واقعُ في البر لا في الجواب كما علمت .
ويقابل الزيادة عنده النقص أحياناً ، أعني نقص حرف أو كلمة لا شيئاً آخر . وذلك كقوله في صفحة 526 من كتاب : (( قلت أتعنيهم أم تعنيهنّ )) . حذف ((نون )) الرفع وهو خطاب للأنثى . ومثله قوله :
(( ألم تفقهوا لابن الحُسين مقالةً تقيكم عنا غماء فيها تخاطروا))
وفيه حذف(( النون)) أيضاً . وقوله:
((فلم يبقَ إلا من درى سوء رأيكم به وبدا من أمركم ما تحاذروا ))
وبين كل ذلك من سخافة التركيب وفساد المعاني في مواضيع كثيرة وتعقيد العبارات إلى غير ذلك ما لا يخفى على أولي الذوق السليم .
ولقد أعجبني قوله وهو يعرّض بأبي رحمه الله : ((ومن شأن الشاعر إذا تعمّد إيراد لفظة غريبة أن يتروّى فيها ولا يوردها مجازفةً )) انتهى . ومقتضاه أن الناثر لا يجري عليه هذا الحكم . على أنه يشير بهذا إلى لفظة (( الفحطل )) وهي إنما جاءت في النثر لا في الشعر ، فما أدري ما الذي جاء بذكر الشاعر . و الظاهر أنه لا يفهم المراد من إطلاق لفظة الشاعر فيظن أنه إذا نثر أيضاً سمي شاعراً . ومن كان هذا مبلغ فهمه لم ينكر عليه أن يتفتّح في كلامه بأبلغ من ذلك .
ولعمري ، وإن أجهل الأغبياء لا يقول كما قال في كتابه الساق على الساق صفحة 664 : (( فإما غيره من التراجمين )) أراد جمع الترجمان فأحوج إلى ترجمان . وهو من الجموع التي لم يسبق إليها لسان عربيّ ، فما أدري أنّى استفاده . والصواب تراجم كزعفران وزعافر على ما ورد من كتب الأئمة . فيا ليت شعري أتراه تروَّى في هذه اللفظة لما ذكرها أم أوردها مجازفة ؟ألا وهو الذي يقول في صفحة 31 من هذا الكتاب : (( تتعقّبني بزلة قلم وبغير زلة)) .
أراد وبزلة غيرها ،ونحوه فإلتوى عليه المراد ،وإن هي إلا زلة . وهذا يقرب من قول القائل : ((صدارة عظمى الملك إن أفل البدر ))أراد صدارة المُلك العُظمَى . فلما قدَّم الوصف اختل التركيب وفسد المعنى كما لا يخفى ، وعلى حدّ عبارته التي مرّ ذكرها قوله بعد ذلك في حديث ((المرابض )) : (( فإن أراد الشاعر الرجوع إلى أصل الفعل كان لا بُدّ له من التقييد كأن يقول مثلاً محافل الماء)) . انتهى . وفيها ما في التي سبقت من نقص التعبير على أنها وحدها كافية لنقض جميع ما ماحك به في لفظة ((المرابض )) . فإنه يشير بها إلى أنه يصحّ أن تُستعمل (( المرابض)) للخيل ولكن بشرط التقييد كأن يقال (( مرابض الخيل)) حذراً من الالتباس . وهو عين المصرَّح به في البيت الذي أُخذ عليه هذا الاعتراض حيث قيل : تكثر الخيل في المرابض إن عدَّت . إلى آخره . فتأمل .

ومن ذلك قوله : (( إني ذكرتُ في آخر سر الليال أني سأبيّن الغلط الذي وقع فيه في جدول ٍ مخصوص بعد ختام الكتاب بأسره )) ، انتهى . وهنا إلتوى عليه المعنى أيضاً ، فإنه يقول إنه ذكر ذلك في آخر سر الليال ، ثم يقول : إنه سيبين أغلاطه بعد ختامه . فعبارته الأولى تُشعر بأن الكتاب انتهى وأتى على آخره . وعبارته الثانية تُشعر بأن نهايته منتظرة فتدافع القولان . والصحيح أنه ذكر ذلك في آخر الجزء الأول من الكتاب لا في آخر الكتاب . اللهم إلا أن يكون سرّ الليال أسماً للجزء الأول من الكتاب فقط فلا يكون في المعنى إلتواء . ولكن يستدل به على سمو قيمة هذا المؤلف بأن وضع له أسماءً كثيرة فجعل لكل جزء منه اسماً مخصوصاً . ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى غرابة الكتاب فدلّ عليها بغرابة التسمية ، والله وأعلم .
ومن ذلك قوله : (( إني لما أوردت (( الفطحل)) و (( المربط)) نسبتهما إلى غلط السهو )) ، انتهى.
ومقتضى نصه أن ((الفطحل)) و ((المربط)) غلط ، مع أنه شاحن وماحك جهده لينسب إليهما الصحة ، لا لينسبهما إلى الغلط فعاد هنا إلى تخطئة نفسه . وأمثال ما ذُكر كثيرةٌ في كلامه ، فإنك إذا تأمّلته تأمل المنتقد وجدت فيه ما يحملك على العجب من غباوته ومن تهافته مع ذلك على المعارضة و السجال . ورحم الله القائل :
ومن عجب الأيام أنك لا تدري وأنك لا تدري بأنك لا تدري
ومما أعجبني في هذا الرد قوله : (( فأما قول اليازجي أن قصدي بإيراد هذه اللفظة ظاهر ، فالأظهر أن يقال إنه ندب أضرابه من أهل بيروت للتحزّب معه عليّ)) ، انتهى . فلا جَرَم أنه من التأويلات المُضحكة ، وما أدري كيف استنتجه لله درّه .
ولعمري ، ما أرى في هذا الموقف ما يستحقّ أن يُنَدب إليه أحد ولكن ما زال هذا معظم خوف صاحبنا ومسند أمله . فكثيراً ما عّرض به في هذا الرّد فنكب عني وحزّب إليه ، وهو يظنّ المسألة قائمة بكثرة المتحزّبين حتى بعثته صفاقة وجهه على أن صرّح في أواخر ردّة فقال : (( فليعلمنَ أن المنتصرين للجوائب أكثر من المنتصرين للجنان و لليازجي )) . فلا ريب إنه كلام أولى أن يزجّه في قعر دواته ويخجل من ذكره . وما أظن عاقلاً إلا يعذله عليه ويلومه . بل الأظهر أنه يريد بكلامه هذا أن يبعث الفتنة ويبني على هذه المناقشة أموراً درست منذ زمنٍ مديد وأصبحت هباءً منثوراً . وهيهات ما يتمنى . فإن تلك الأحاديث قد أصبحت في خبر كان وعناية دولتنا العليّة في آثارها يوماً فيوماً . فإنها أيّدها الله بعد أن نشرت ما نشرت من ألوية التمدن و العرفان في ممالكها المحروسة وبثّت ما بثّت من نوايا السلام والإلفة بين رعاياها قد أصبح ذلك أمراً لا مطمع فيه . ولعمري ، ما أرانا في ساحة حربٍ تزدحم فيها الحوافر و الأقدام حتى تقتضي كثرة المدّد . ولا أرى الناس في يدي ، ولا أظنهم في يده يندبهم حيث شاء . وإنما نحن في مقام جَدَليّ تزدحم فيه الأفكار ولا ينفع فيه اصطدام الأقلام و كثرتها . وآية الاستظهار بيننا إنما هي نصوص الأئمة رحمهم الله ، و البراهين العلمية فمن ظفر منا بشيء من ذلك فنعمّا وإلا فما يغني عنه إلا السكوت، فما الموجب لهذا القول الذميم ؟
ومن غريب ما جاء في كلامه زعمه أنني خطّأته لأنه رثى أبي رحمه الله . أو كما عبّر ندّدت به . وهو يحسب التخطئة تنديداً وفيه اعتبارٌ ما . فلا ريب أن هذه كانت أولى حُظيّاته مما أشرت إليه كأنه يريد أن يحمل عليّ أولي الفضل بأنني أتيت مثل ذلك في وجه من بادأني بالجميل . غير أن ذلك قد فاته بظهور كلام الفريقين ، ومن وقف على القالين علم الحقيقة وأنصف بيننا وأغناني عن الاعتذار . بل الأولى أن يقال إنه لم يتلقّني بما تلقّاني به هذه المرّة إلا مكافأة لي على احترامي له وحفظي كرامة شيخوخته وعهد صداقته مع أبي رحمه الله ، كما تلقّى أبي بالانتقاد عليه بعد وفاته مكافأةً له على ما تكلفه من مدحه . وبالجملة أرى له أن لا يفتح على نفسه هذا الباب أي باب الحقوق الأدبية لأنه قلما يُحمَد فيه .
وأما زعمه أني أدّعي العصمة لأبي رحمه الله ، فذلك ما لم تسبق إليه مني إشارة وأستغفر الله من هذه الدعوى لبشر ٍ ، فإن الإنسان ما زال موضع الخطأ و التفريط . بل إذا وصفته بأنه قابلٌ الغلط كنت كأنك وصفته بأنه قابل العلم مثلاً ، لأن كلا الأمرين من لوازم الإنسانية . غير أني أقول إنه مع ذلك قد تعبث به الخيلاءُ حجاب الكبر فيتوهم في نفسه العصمة جهلاً وسفهاً ، ثمّ لا يفتر أن يأخذ على الناس سقطاتهم ويترقب هفواتهم . فَمَثله مَثل الأعمى يعيّر الأعمى بأنه لا يبصِر ، وربّما عيّر البصير بذلك أيضاً لاستواء الكل في عينيه حرسهما الله . ومن كان كذلك وجب تنبيهه إلى معرفة نفسه وإظهار عجزه عن إدراك غلطه فضلاً عن غلط الآخرين ، لكي يعلم أنه من الضعف فوق ما يرى في نفسه من القوّة وإن في غيره بقيّة من فضل الله و الله لا يذخر فضله عن أحد .
ومن غريب هذيانه في هذا الردّ زعمه أنه يريد أن يحامي عن حقوق العربيّة . وإنه لا يخشى في حبّها لومة لائم ، إلى غير ذلك من الأقوال المضحكة . فأما محاماته عن حقوق العربية فما أدري مَن الذي سلمه مقاليدها وأقامه زعيماً على أهلها حتى يدّعي لنفسه مثل هذه الدعوى ؟ وكأني به قد نسي أنه دخيلٌ فيها متطفلٌ على موائد أربابها . بل لعلهم رأوا فيه من العلم و الفضل ما لم يروا في غيره من علماء العصر ففوّضوا إليه أمرها .والله الأمر ولا حول ولا قوّة إلا بالله .
وأما زعمه أنه من محبّي العربيّة ، فقاتل الله هذا الحبّ الذي جلب عليها تعفير وجهها وتشويه حسنها وهتك أستارها . وما كان أبّره بها لو أنه لها عدوٌ خصيم . ولله قول أبي الطيّب :
ومن العداوة ما ينالك نفعهُ ومن الصداقة ما يضرّ ويؤلم
وكأني بما ذهب إليه في سرّ الليال من أن معنى أحبهُ أصاب حبّة قلبه ، قد صدق هنا فإنه كذلك أحب هذه اللغة . أجارها الله من كلّ محبٍ مثله . وما أحسن ما قاله الآخر :
أحبابه لِمَ تفعلون بقلبه ما ليس تفعله به أعداؤهُ
والظاهر أنه يذهب في الحبّ إلى ما ذهب إليه ديك الجنّ الحمصي ولا شريك له سواه. قيل إنه كان عنده جارية وغلام يهواهما وكان شديد الكلف بها . فسوّلت له الغيرة ، أو شيءٌ آخر يشتق من اسمه ، أنه ربما مات قبلهما فاستأثر بهما غيره من بعده . فعمد إليهما ليلةً فقتلهما ثمَّ أحرقهما فجعل من رماد كلّ واحدٍ منهما باطية ً للخمر .فكان بعد ذلك إذا اشتاق إلى الجارية قبّل الباطية المصوغة من رمادها وملأ منها كأسأً ثمَّ بكى وأنشد :
يا طلعةً طلــع الحِمــامُ عليهـــــــا وَجنى لها ثمر الردى بيدَيهــــــا
روّيتُ من دمهــا الـــتراب وطالمــا روّى الهوى شفّتي من شفتيها
وأجلتُ سيفي في مجال خناقهـا ومدامعي تجري على خدّيهـــــا
فوحقُ نعليها ومــــــا وطئ الثرى شيء أعز عليَّ من نعليهــــــــا
مـا كان قتلِيهـــا لأني لـــم أكـــن أبكي إذا سقط البعوض عليهـــا
لكن بخلتُ على سواي بحسنهـا وأنفت من نظر العيون إليهـــــــا
وإذا اشتاق إلى الغلام فعل كذلك بباطيته وأنشد :
أشفقتُ أن يَرِدَ الزمان بغــــدره أو أُبتلى بعـــد الـوصـــال بهجـــره
قمرٌ أنا استخرجته من دجنــــه لبليتي وأثرتـــه مـــن خـــــــــدره
فقتلته ولـــــــه علــيّ كـــرامةٌ فليَ الحشى وله الفؤاد بأســــره
عهدي به ميتاً كأحســن نائم ٍ و الطرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميـت ماذا بعده بــالحيّ منـــــه بكى له في قبره
غُصصٌ تكاد تفيض منها نفسه ويكـــــاد يخرج قلبـــهُ من صــدرهِ
نعوذ بالله وإياه نحتسب . ومما حَسُن عندي موقعه قوله في هذا الردّ :

(( أما قوله إنه كان يلزمني إشعار أبيه باختلال لفظة (( الفحطل )) على ما يقتضيه عهد المودّة فهو لا يلزمني ، لأن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات فلو اختصصت منها بالذكر لفظة ((الفحطل )) لما كنت مصيباً ولأني كنت مترقباً إصلاحها منه ، فلما بقيت على الخطأ نبّهتُ عليها قياماً بحق اللغة فإني لا أخشى في حبّها لومة لائم )) .اهـ .
قلت ُ : إن العبارة التي بنى عليها كلّ هذا لم تَرد في كلامي على هذا الوجه أصلاً ، فما أدري مَن الذي وسوس إليه بها . وما أحسن ما اعتذر به من قوله : فلو اختصصت منها بالذكر لفظة (( الفحطل )) لما كنت مصيباً . ولا أدري ما كان يمنعه من أن يذكرها له جميعاً . وما الذي كان يُلزمه بأن يختصّ منها لفظة ((الفحطل ))فقط حتى يكون غير مصيبٍ . وأحسن منه قوله :
(( إنه كان مترقباً إصلاحها منه . فما أدري كيف كان يرغب أن يقف على إصلاحها لأن الكتاب لم يُطبع مرّة ثانية بعد . بل ربّما سوّلت له نفسه أنه كان من الواجب على أبي رحمه الله ، أن يُشعِره باختلالها بناءً على أنه يعتدّ نفسه إماماً للعربية وزعيماً لأهلها ، وصبرٌ جميل . وأبدع منه تعليله بأن الذي أوجب عليه أن ينبّه عليها قيامه بحق اللغة لأنه يخشى في حبّها لومة لائم ٍ . وهو يقول : إن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات ، فكان يجب عليه أن ينبّه على جميعها قياماً بما أخذه على نفسه من حق اللغة . وإلا فقد وقع تحت ملام اللائم ، وما عُدّ إلا خائناً في حق اللغة لأنه لم يَقُم به حق القيام فكان مسخوطاً من الجانبين . وإذا كان يحسب أن ذلك عليه حق واجب وأن كلَّ غلطةٍ في اللغة إنما يكون هو المُطالب بها فذلك هو عين الحمقى . ولعمري لم يَقُلها قبله قائل . وشهد الله لو ادّعى لنفسه هذه الدعوى جبريل عليه السلام لنازعه فيها الملئكة المقرّبون . وإذا كان الأمر كذلك فهو أوّل من يحاكم بهذه السُنّة التي وضعها . وقد بينت لك في هذا الردّ من أغلاطه ما لا يكاد يسقط به أغبى الجهلاء ، وإن هو إلا شيءٌ أو بعض شيءٍ من أشياء . فمن تراه يطالب بأغلاطه الكثيرة الفاضحة وكيف توفى اللغة حقها منه ؟
وأعظمُ شاهدٍ على ذلك أنه رحمه الله ، كان قد استدرك فيها ما فاته في الطبعة الأولى من غلط الطبع وغيره كعسفان بالفتح والخَجُوجيّ كدَجُوجيّ والإناءة بالمدّ ، وغير ذلك فنبّه عليه على هامش إحدى النُسخ لكي يُراعى في الطبعة الثانية . وكذلك فعل بسائر كتبه المطبوعة ، وتبارك من اعتصم بالكمال . وقد أشار إلى ذلك رحمه الله ، في الكتاب الذي بعث به إلى صاحبنا حينما بلغه أن بعض أهل الآستانة يريد طبع المقامات وهو الذي كان فاتحة هذه المناقشة . وليس ذلك من الأمور المستغربة بالنسبة إلى الإنسان ولا هو مما يُعاب به ، وقد قيل : كفى المرء نُبلاً أن تعد معايبه .
وقد وضع بعضهم في تخطئة مقامات الحريري المشهورة كتاباً برأسه ، وبعضهم في تخطئة ديوان أبي الطيب المتنبي وغيرهما في غيرهما من أكابر العلماء و المدّققين . وما برح ذلك دأب العلماء و المصنفين في كل فنّ وزمن ، فمنهم من أخطأ ومنهم من خطّأ ومنهم من جمع الأمرين وهو أشأمهم . غير أن صاحبنا لما انتدب للتخطئة في مقام الرثاء ، أطال الله بقاءه ، وكان ما خطّأه به في غير موضعه لأن (( الفحطل)) ليست إلا غلط طبع كما تقرّر ، و (( المرابض)) قد تقدّم من الكلام عليها ما يكفي لإقناع كل ممار عنيد ، ولا سيما أنك قد عرفت منزلة هذا المعترض بين نَقَدة الكلام ، رأيت أن أُجيب عن ذلك لقصد بيان ما ذكر لا لقصد الدعوى بالعصمة كما زعم ، فإنني لا أدّعي بأن أبي ، رحمه الله ، كان منزهاً عن الغلط ، كما لا أسلم بأن صاحبنا يخلو من الإصابة أحياناً وإن قال به جماعةٌ من المتعنتين . فما لبث ، حيَّاه الله ، أن قابلني بالعنف ورماني بسوء المقال وذهب مذهباً لا يليق بالعلماء و بالحري من قام زعيماً بينهم وهو قد تعمم بالمشيب و التثم . فما الرأي أَأَستبيح حرمة من كان كذلك ؟ أم أطرح بنفسي في هذا المجال وألتطخ بما أكره أن أرى غيري ملطوخاً به ؟ بل أجلّ شأن أولي الفضل الذين سيُلقى كلامي هذا بين أيديهم عن أن اقتحمهم بشيء من ذلك . وكنت أحبّ أن أرى سيّدي مواطئاً لي على هذا الرأي عينه ، ولكن الظاهر أن الذي حمَله على تلك الخطة هو أهمّ مما حملني على تركها واجتنابها لأنه يقول إنه يريد أن يُرضي العلماء . وشهد الله أن هذا أبلغ ما يمكن أن يقال في حقهم ، وهم أجلّ من ذلك وأرفع شأناً . سامحه الله وأصلحه .
وأما قوله ((فليستعن بصاحب الجنان [ المعلم بطرس البستاني ] على تنقيح كلامه )) ، وزعمه أن صاحب الجنان ظهيرٌ لي في مناقشته ، فهذيان لا غاية بعده وهو لعمري أصغر مما يزعم وأدنى كثيراً . بل مَن تراه يجسر على نقد الكلام وتنقيح خلله في جنب الأستاذ أعزَّه الله ، وهو إمام العربية وزعيمها و المحامي عن حقوقها فهو أولى من نظر في سديد القول ومختله وفرَّق بين صحيحه وفاسده . وهو أجدر بأن أفوّض إليه أمري و النظر في تنقيح كلامي وقد فعل أثابه الله . ألا تراه سدّد فقال (ينبغي أن يُحكم بأن الرَبض بفتحتين مأخوذ من الربوض ، لأن الربض هو من الأشياء الباطنة ولا يصحّ العكس)) .
وأن يقال : ((تصديي بياءين مخففتين ومن شَدَّد عليه )) . وإن قال : (( أناف عليه ومن قال أناف عنه فقد أخطأ )) إلى غير ذلك مما مرّ بيانه . فما حاجتي بعد كل هذا بالمنقحين وسيدي الإمام متصدّر في مجلس العلماء تُرفع أقوالهم إلى مسامعه الشريفة فيخطّئ بعلمه كلَّ صحيح ويقتصّ منهم لحق اللغة . والأمر لله والله خير المنصفين .
و العجب إنه قبل ذلك قد لام صاحب الجنان على نشره كلامي في جريدته على ما فيه من الخلل ، فما أدري كيف يكون هو المنقح لكلامي وكيف يلام بعد ذلك على نشره له في الجنان مختلاً . لأنه إن ثبت أنه قد نقحه فقد ثبتت عنده صحّته فلم يبق عليه للملام سبيل . وإن ثبت أنه قد عرف أغلاطه كما عرفها الأستاذ ونشره في الحنان على غلطه فكيف يّدعي أنه قد نقّحه . ولكن ما زال ذلك شأن المولى فقلما تراه بتَّ حكماً إلا تراه بعد حين بتّ عكسه فتدافعا فأسقط أحدهما الآخر . ولله درّه .
وأما ذلك الأديب الذي أشار إليه وقال : (( إن هذه المناقشة لا تلبث أن تغريه بتخطئة المقامات من أولها إلى آخرها )) . فليشفعنّ في جنايته كلها إذا كان ذلك يتمّ عن يده. لأنني عازمٌ إن شاء الله على إعادة طبعها ، فلعلّ أبي رحمه الله قد فاته شيءٌ من ذلك فينبهني كل ذي علم عليم ، ويحق له عليّ الثناء الجميل . والمأمول أنه إذا تعمد ذلك يعاملني باللطف و الرفق كما يليق بمثله ،لا كما فعل صاحب المناقشة وبذلك يُخلص إحسانه وما على المحسنين من سبيل .
هذا وإنني لأعلم أن المطالع قد ضجر مني وربّما تغيّظ لسبب هذه الإطالة فأقول هنا إن الرد قد آذن بالنهاية ، و الحمد لله لا ينتهي . وأسأله الإغضاء عما لعله طغى به القلم . وإن أذن لي أطرفته بشيء آخر أحسبه لا يخلو من فكاهةٍ لعلها تشفع في ما أشرتُ إليه ، وأظن أني إن لم أفعل الآن ربما فاتتني وإياه . وذلك إنه قد خرجت في هذه الأثناء قصيدة من نظم صاحبنا في وقائع الحرب الأخيرة ، نشرها في العدد 558 من الجوائب . ولما كان هذا الباب لم يزل مفتوحاً ولا أحبّ أن أقرعه بعد أن يُغلق كما علمت ، وكان لا يغرب عنك أن لكلّ جديد طلاوة ، لم أجد بداً من أن أُلحق بهذا الرد شيئاً منها لكي تعلم أن الإمام لم يزل مراعياً لحقوق العربية كما ذكر في رده وأنه لا يضيع مثقال ذرةٍ منها إن شاء الله . فمن ذلك قوله نفعنا الله به :
فهذه جيوشي وهو فيها محكّمٌ رئيسٌ عليها آمرٌ أمر مزيال ِ
(( المزيال)) الخفيف الظريف فهو منافٍ أو مباعد للمقام ، و المعنى يقتضي نحو الحاذق أو المحنك ولا محل فيه للخفة و الظرافة فتأمّله . وقوله :
وأكثرهم صخباً وشغباً وأحنةً غرامون شيخٌ ذو هياج وتصهال ِ
فقوله ((صخباً )) يقتضي الوزن إسكان (( خائه)) و اللغة تقتضي تحريكها فكل واحدةٍ من الحالتين خطأ من وجهٍ . وقوله ((تصهال )) الأظهر فيه أنه من قولهم رجل ذو صاهل ، أي شديد الصيال و الهياج . ولكنهم قالوا ذو صاهل ولم يسمع ذو تصهال . وسائر معاني المادة لا يناسب المقام . وقوله :
ويا يوم فلّوا في بروت وأدبروا شماطيط فلا عز عن كل منوال ِ
فقوله ((عزّ عن كلّ منوال )) لا معنى له . وقوله :
وسار إلى حصن ٍ يسمّى بفردن ٍ يظنّ به أمناً وإرجاء إفشال
ففي قوله (( إرجاء إفشال )) نظر والأظهر أنه يريد بالإفشال أن يكون مصدراً من معنى الفشل ، وبالإرجاء التأخير . إلا أن ((أَفشَل )) الرباعي لا يأتي بمعنى الثلاثي . وقوله:
وأكثر من هذا إبادتهم الوغى وذلك من بعد اقتحام وقيتال ِ
ولا يخفى ما في قوله ((قيتال )) ، من الكراهة و الغرابة وإن أجازه القياس . وقوله :
وقد حصلا في كفّ جرمانيا معاً كمثل لجام ٍ للفرنسيس تلاّل ِ
الأظهر هنا أنه يربد بقوله (( تلاّل)) ، أن يكون فعّالاً من قولهم : أتلّ الدابّة . إذا ارتبطها وقادها . جعله صفةً للّجام وفيه نظر . على أن في صيغته خطأ فاحشاً لأن فعله رباعي لا ثلاثي كما تستعمله العامة فيقال أتلَّ الدابّة كما تقدّم ولا يقال تلّها . وصيغة فعّال لا تبنَى من أفعَل الرباعيّ إلا في ألفاظ شاذّة تسمَع ولا يقاس عليها ، على إنها في غاية الندور . قال الشيخ أبو زكرياء التبريزيّ في شرح ديوان الحماسة لأبي تمام الطائي رحمهما الله : ليس في الكلام أَفعَل فهو فعّال إلا أحرف يسيرة وهي أسأر فهو سأار وأدرك فهو درّاك وأجبر فلاناً على كذا فهو جبّار ، وأقصر عن الشيء فهو قصّار . اهـ .
وقوله :
فإن جيوش الإمبراطور أعتقت من الأسر بعد الصلح من دون إقلال ِ
فقوله : (( من دون إقلال )) لا معنىً له في هذا الموضع ولكن ساقته القافية .
وقوله :
ومن عوز القوت الذي سدَّ بابه عليهم معادوهم ولا سدّ إدحال ِ
((الإدحال )) جمع دحل . قال صاحب القاموس : وهو نقبٌ ضيّق فمه متّسع أسفله حتى يُمشى فيه . أو مدخلٌ تحت الجُرف أو في عرض خشب البئر في أسفلها أو خرقٌ في بيوت العرب يُجعل لتدله المرأة إذا دخل داخلٌ . و المصنع يجمع الماء .ا هـ . وفي ذلك ما يُوصَف بالضيق وليس في الكل ما يوصف بالسدّ فتأمّل .
وقوله :
إذا كان فعل المرء شاهد عقله فمن هذه الأفعال إشهاد إخبال ِ
وأفوّض إليك النظر في قوله (إشهاد إخبال )) لعله يُخرّج على وجهٍ سديد . وقوله :
وقام بأمر الجمهورية ناهضاً تيار ومعه أهلُ شُورى وأنقال
تقطيعه :
وَقَامَ بِأَمْرِلْجَمْ هُوْرِيْيَ تِناهِضَنْ
فَعُوْلُ مَفَعِيْلُنْ مَفْعُوْلُ . مَفَاعِلُنْ
تِيَارُ وَمَعْهْوْأَهْ لُشُوْرَا وَأَنْقَالِي
فَعُوْلُ مَفَاعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاعِيْلُنْ
فوزن المصراع الأول لم يحكه الخليل ولا روته علماء العَروض .
و الظاهر أنه لاحقٌ بأمثاله من مخترعات أخفش هذا العصر .
على أن في سائر القصيدة من الركاكة و التعقيد وعدم الانسجام مع استعمال كثير ٍ من الألفاظ الحوشية النافرة ، إلى غير ذلك ما لا يخفى على الشعراء و العلماء فاقتصرتُ هنا على ما ذكرته منها خوف الإطالة . هذا وإني في كل ذلك لم أتعرّض لعبارة الجوائب على ما فيها من الخلل الفاضح لاحتمال أن يتعذر فيها بالعَجلة ، وإن كان هذا العذر لا يليق بمثل الإمام .
على أنه اعتذر به في سرّ الليال فما ظنك به في الجوائب . وأمّا هذه القصيدة فلما كانت ما اقتضى سهراً طويلاً وكدّاً عنيفاً وترسّلاً ملياً . وقد استدرك ما فاته من إصلاحها في العدد 559 من الجوائب لم يبق فيها احتمالٌ للاعتذار بشيء من ذلك .
وهنا لا بدّ أن أقول إن هذه المناقشة كلها لم تكن مني عن رغبةٍ ورضىً ولا أنا ممّن يتهافتون إلى التخطئة و الانتقاد لغرض ٍ ما . وكان بودّي استئصال هذا العِرق من بيننا لو وافقني عليه و المحافظة على عهده مع أبي رحمه الله وكرامته فوق ذلك بالنظر إلى سنّه فضلاً عن عدم التعرّض له بما يكرهه . ولكن قُدَّر فكان ، و الفضل للمتقدم .
وهنا يحسن ذكر ما وقع من الاتفاقات الغريبة في هذا الصدد ، وذلك إني بينما كنت يوماً مع صاحب لي ممن ينتسبون إلى المولى وقد أخذنا في الحديث ، جرى بيننا ذكر الصحائف و الجرائد فسألني أن أكتب شيئاً في تخطئة عبارة (( الجنان)) وأبعث به إلى الجوائب ليُنشر فيها . فقلتُ : ليس ذلك من دأبي ولا غرض فيه ، و الحازم من اشتغل بالنظر في عيوبه عن عيوب غيره فإن وثق بعصمته فليفعل ما شاء .

فلما يئس مني قال : فعبارة أدبيّة أو سياسية أو شيئاً آخر يؤثره عني . قلتُ : أنا دون أن أفعل ، مع اعتدادي أن مثل ذلك إنما يكون ضرباً من التطاول على شي كبير يعدّونه من العلماء المتبحرين فإني أهاب أن أتحرَّش به . فأخذ يَصِف لي من مودّته وحبه لأبي رحمه الله وخلوص صداقته ما لم أنكره وقتئذٍ ، وألحّ عليّ بمطارحته وتجديد ذلك العهد معه حتى أن أكتب إليه رسالة حبيّة وأشفعها بلغز من نظمي يكون به الإفصاح عن نوايا الودّ و المصافاة . فلم يمض ِ على هذا الحديث ثلثة أيام حتى وردت الجوائب وفيها الانتقاد على أبي رحمه الله ، فكانت فاتحة المكاتبة بيننا . بيّض الله وجهه .
[ في فائدة المباحث و المطارحات]
وشهد الله إني ما كنتُ لأكره الخوض في هذه المطارحات و المباحث الدقيقة فإنها لا تخلو من فائدة لي أو له لو أنه حافظ على شأني وشأنه ولم يتجاوز إلى أمر الهجاء ، فإني شديد الكراهة له . ولقد طال اعتباري عند قوله في رثاء أبي رحمه الله .
ما كان يهجو ولا يُهجَى ولا حجبت ذُكا قريحته احلاك حدثان ِ
وقوله أيضاً فيه :
فلم يُضِع ساعة من عمره عَبثاً ولم يَضَع قوله في غير إحسان
فأمّا الآن وقد عدل إلى ما عدل إليه ، وقد بيّنت للواقف على هذه المناقشة مبلغ ما عندهُ من العلم فلا يلزمني بعدها مساجلته ومناظرته و التعرض لسهام قذفه ، لأن آدابي ليست كآدابه وأطواري ليست كأطواره ، ولا أرى له بعدها حقاً في الدخول إلى مجلس المساجلين ، ولا رأي لي في مواطأته على ما ذهب إليه . ومعاذ الله فذلك من قِبَلي باب مُحكم التوصيد .
ليس الوقيعة من شأني فإن عَرَضت أَعرضتُ عنها بوجهٍ بالحياء نَدِي
إنـــــي أَضـــنّ بعرضــي أن يُلِمَّ بـــهِ غيري فهـــل أتولى خرقه بيدي
انتهى

ابراهيم اليازجي

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:30 AM
معركة فارس الشدياق
الصحفية مع إبراهيم اليازجي
(3)
[ في مظنة الانفراد و الذّمة ]
فمما خطّأني به قولي : مظنة الانفراد . وقد وردت في الطبع بفتح ((الظاء )) . ومن هذا القبيل قولي الذّمة و الذَمم بضم ((الذال فيهما )) . والصواب الكسر في الكل . فزعم أن ذلك خطأ مني وأخذ يتشدّق ويتمطّق بما لا طائل تحته . فقال : (( إن أجهل العامة في بيروت ولبنان يقول عند الحَلف على ذمّتي بالكسر)) . وبالمُوجَب أقول إن أبلغهم أيضاً يلفظها بالدال المُهمَلة مع تسكين الميم المشدّدة . فما رأي الإمام ، أَيصحّ أن نجري على لفظهم ؟ وهذا مثل قوله : وأهل بيروت يقولون فحطل أو فطحل على تقدير غلط الطبع . والإنكليز يقولون بابي [ Baby ] بإمالة الألف ، بمعنى الطفل . وأهل مالطة يقولون الحب بمعنى الجَيب ( نقلاً عن سرّ الليال ) . وما أشبه ذلك مما يطول شرحه .
وعلى فرض أني علّقت هذه الحركات بيدي ورآها بخطّ قلمي . فأي غلطٍ جسيم ارتكبته هنا ؟ وأية قاعدة خالفتها ؟ وما المعنى الذي فسد بهذا التغيير ؟ . ولعمري إن كل هذا أدنى إلى أن يكون غلط طبع ٍ من قوله (( الدراري )) ، وهو أيسر كثيراً لأن غلطة ((الدراري )) تقتضي بهبوط النجم إلى قعر البحر و العياذ بالله . ولا عجب لأن فيها زيادة ألفٍ وياءِ . وأنت تدري شأن هذين الحرفين اللذين لا يُكنى بهما إلا عن كل أمر جسيم . فأين هذا في المظنة و الذمم ؟ على أن اعتراضه على الذمم هو عين الاعتراض عليه و الشاهد بقصوره . فإنهم قد أجازوا الضمّ في جمع المكسور أيضاً كالذُمم و الحُلى ، جمع الحِلية بالكسر . و العكس في العكس كالصِورَ ، جمع الصورة بالضمّ . فتذكّر .
ثم خطأني في قولي : على أن تصديّ ، بتشديد الياء . قال : و الصواب تصديي بلا تشديد . فلا ريب إن هذه إحدى آياته وكُبرى معجزاته . وأنت تدري أن لكل شيء طرفين بينهما حدّ الاعتدال فكلاهما منحطان عنه ونسبته إلى كليهما سواء . ألا ترى أن الإنسان إذا تناهى في الشيخوخة تخلّق تارةً بأخلاق الأحداث وربما تجاوز فعمّ الشبه . ولذلك قيل : إذا شاب المرء شبّ فيه خلّتان ، الحرص وطول الأمل . والظاهر أن هذا من ذاك . وقال الشاعر :
إن البدر أَوَّله هلالٌ وآخره يعود إلى الهلال ِ
وكذا من تناهَى في العلم وأسراره فقد يلتبس عليه ما لا يلتبس على الأغبياء ، ولذلك ينبغي أنك كلما رأيت صاحبنا قد أوغل في ارتكاب الغلط تتخذ هناك دليلاً على شدة تعمقه في المباحث العلميّة ، وعليه يجب أن تُحمل هذه المسألة . وإن كانت لا تعجبك هذه الفتوى فدونك ورأيك . وما أظنك تحتاج أن أصرّح لك بأني عندما انتهيت إلى هذه المسألة هممتُ مراراً بترك الجواب أصلاً ، لا استخفافاً بقدر الإمام شرّفه الله ، ولكن لأن أشغالي لا تأذن لي في التفرّغ لمثل هذه المباحث مما يتطارحه غلمان المكاتب . وشهد الله إنه لم يكن يخطر ببالي أن مثل مولاي يغرب عنه أمرٌ كهذا ثمّ لا يلبث أن يخطئني به . فسأحمل نفسي مع ذلك على إيضاح هذه المسألة لئلا تبقى حاجة في نفس يعقوب ، وما أوضحُها له إلا من نصوص الأئمة . رحمهم الله . قال الإمام ابن مالك في أرجوزته المشهورة :
آخِرَ ما أضيف لليا اكسُر إذا لـــــم يَك معتّلاً كـــرام ٍ وقَذَى
أو يكُ كابنَين وزيدينَ فـذي جميعها اليا بعدُ فتحُها احتُذِى
وتُدغَم اليا فيه و الـواو وان مــا قبلَ واو ٍ ضُمّ فاكسره يهِن
وفي شرحها لابن المصنف رحمهما الله : يجب كسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إلا أن يكون مقصوراً أو منقوصاً أو مثنى أو مجموعاً على حدّه إلى أن يقول : وأما المقصور و المنقوص و المثنى و المجموع على حدّه فإذا أضيف شيء منها إلى ياء المتكلم وجب فتح ((الياء )) ، وأن يُدغم فيها ما وليته إلا (( الألف)) فإنها لا تُدغم ولا يُدغم فيها . فالياء تُدغم ولا يغيّر ما قبلها من كسرةٍ أو فتحةٍ فيقال في نحو قاض ٍ ومسلمين : هذا قاضيّ ورأيت مسامِيّ . إلى آخرهِ .
وفيه لابن عقيل : يُكسر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إن لم يكن مقصوراً ولا منقوصاً ولا مثنىً ولا مجموعاً جمع سلامة لمذكر . كالمفرد وجمع التكسير الصحيحين وجمع السلامة للمؤنث و المعتلّ الجاري مجرى الصحيح نحو غلامي وغلماني وفتياتي وظبيي ودلوي . وإن يكن معتلاً فإمّا أن يكون مقصوراً أو منقوصاً . فإن كان منقوصاً أُدغِمت ياؤه في ياء المتكلم وتُفتح ياء المتكلم فتقول قاضِيَّ رفعاً ونصباً وجرّاً . إلى آخره.

وفي الرسالة الوافية للإمام عمرو بن الحاجب : اعلم أن الاسم إمّا أن يكون صحيحاً أو ملحقاً به ، أو لا يكون صحيحاً ولا ملحقاً به . وقد مرّ حكم الأولين . وإن لم يكن أحد الأخيرين فلا يخلو من أن يكون في آخره (( ألفٌ)) أو (( واوٌ)) أو ((ياءٌ )) . إلى أن يقول: وإن كان آخره ياءً أُدغِمت في ((الياء ))فيقال في الرامي و الغازي : الراميَّ و الغازيّ . فإن كانت الياء محذوفة للتنوين رُدَّت وأدغمت في ياء الإضافة ، إلى آخره .
وفي حاشية الصبّان على الأشموني ، قوله : ((فتقول هذا راميّ )) ، فرامي مرفوع بضمة مقّدرة على ما قبل ياء المتكلم ، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون الواجب لأجل الإدغام . إلى آخره .
وفي هذا غنىً عن غيره من هذا القبيل وإن كانت المسألة لا تحتاج بياناً . على أن أجهل العامّة في مصر و الشام ، وربما في مالطة أيضاً ، يشدد في مثل هذا جارياً على الصواب . وما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبي :
وليس يصحّ في الإفهام شيءٌ إذا احتاج النهار إلى دليل
وقد خطر لي هنا ما رأيته مرة في كتاب لبعض الدمشقيين من أهل القرن الماضي خطّأ فيه ديوان أبي الطيب المذكور ، فكان من جملة ما أخذ عليه قولهُ في مديح عَضُد الدولة :
وقد رأيتُ الملوك قاطبةً وسرتُ حتى رأيتُ مولاها
فما زاد هذا المنتقد على أن قال : فمن أعلمه أن الملوك عابسة الوجوه وذلك أنه لم يفهم معنى قوله : قاطبةً ، فظنهُ من القطوب بمعنى العبوس فأنكره وحكم على المتنبي بالعبث ، فذكرتُ قول المتنبي أيضاً :
وكم من عائبٍ قلاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
وإنما أراد في البيت أنه رأى الملوك جميعاً فذهب وهمُ المعترض إلى الخلاف . قال الشيخ أبو العلاء المعري في شرحه : إن سيف الدولة أنشد هذه القصيدة فلما انتهى إلى هذا البيت قال : ترى هل نحن في الجملة . اهـ .
قلتُ : وتلك صفةٌ يتزيّى بها كثيرون من أمثال هذا المعترض وهم أقوامٌ من المسفسفين قل خلاقهم من الأدب وطمحت أطماعهم إلى مباراة أهل الفضل فإذا تأزلت صدورهم وقصرت هممهم عدلوا إلى تخطئة أقوال العلماء وشوهوا عرائس كلماتهم اعتقاد أن ذلك يكون دليلاً على سعة العلم وغزارة المادة . لأنه قد تقرر عند مثل هؤلاء أن من أدرك زلة لعالم ٍ كأنما أدرك علمه ، وربما سولت لهُ نفسهً أنه قد أسقط فضله واستقلَّ به . ورحم الله أبا تمام حيث يقول :
وإذا أراد الله نشــــر فضيلــــــــة طُويَت أتاح لها لسان حَسـود
لولا اشتعال النار في ما جاورت ما كان يُعرف طيب عرف العود
وأما صاحبنا حياهُ الله ، فقد ذكرتُ له بمسألة تصدَّيَّ و الإدغام مسائل شتّى ثبت عندي بها أنه يجهل قوانين هذا الباب ولا يعرف أحكامه . فمن ذلك قوله في كتاب الساق على الساق صفحة 52 : ((لا يَغْررنكمُ كثير جموعهم )) . فكّ الإدغام في يغررنّ في الموضعين وهو واجبٌ لأن حركة الراء الثانية فيهما لازمة لبناء الفعل عليها مع نون التوكيد . ولعلّ الذي ذهب بوهمه إلى جواز الفكّ أن الفعل واقعٌ بعد جازم ٍ ، فحسب أن الجزم واقعٌ على لفظة وأن الحركة فيه عارضة كما في قوله : ( وَمَن يُضَلِل ِ اَللهُ فَمَا لَهُ مِنَ هَادٍ ) [سورة الرعد ، رقم 13 ، الآية 33 ] . وهو وهمٌ بعيدٌ ، لأن حركة اللام الثانية من يضلل في الآية إنما أتي بها دفعاً لالتقاء الساكنين ، فهي في حكم السكون فلا يجب معها الإدغام بخلاف ما هناك كما تقرّر ، وعليه قوله : ( لاَ يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ ) [ سورة آل عمران ، رقم 3 ، الآية 196 ]. وقال الشاعر :
لايَغُرَّن امرءاً عيشهُ كلّ عيش ٍ صائرٌ للزوال
وهو مستغن عن البيان . ولعله يحتجّ بضرورة الوزن كما في قول بعضهم : الحمد الله العلي الأجلل . على أنه ما زال عرضة للانتقاد ومثالاً عند الصرفيين للشذوذ و عند البيانيين للخروج عن الفصاحة يحذّرون من ارتكاب مثله . فلا بأس أن أورد له شيئاً من ذلك في النثر أيضاً . فمنه قوله في صفحة 200 من هذا الكتاب : (( إن قوماً من الهُككاء)) والصواب الأهكاء كالصحيح و الأصحاء ، لأن صيغة فُعلاء لا تُستَعمَل في المضاعَف . وقوله في صفحة 221 : ((ويتطالل إلى بعض استعارات باردة )) . مع أن الفعل منصوب . وفي صفحة 550 : (( وإذا تطالل واشرأبّ )) وأمثاله كثيرة ، وكلّ ذلك مقرّر في علم الصرف ولكنه لم يدخل في علمه . ومن كان هذا مبلغ ما عنده فلينتدب لتخطئة العلماء ومعارضة أولي الفضل ، بل ليعتمد على القذف و التنديد في موضع الحجّة و البرهان . فيا لله .
ومما خطّأني به قولي : وشهد الله أني مذ اليوم لم أكن أتوقّع مثل ذلك قال : والصواب إلى هذا اليوم ، انتهى . وكأني به لو وقعت له هذه المسألة لم يفتر أن يورد عليها عبارة صاحب القاموس في أثناء الكلام على منذ ومذ حيث يقول : ويليها اسمٌ مرفوع كمنذ يومان وحينئذٍ مبتدآن ما بعدهما خبر . ومعناهما الأمد في الحاضر و المعدود وأول المدة في الماضي . انتهى .
ومثلها عبارة الكليات و المغني وغيرهما . فإن ثبت أن اليوم حاضرٌ كانت مُذ أمداً لمتعلقها ، أي غاية له . ولم يكن في العبارة خطأ سوى سوء الفهم أو التعنت في غير محله . والظاهر أن صاحبنا يذهب إلى أن ما وافق ومفهومه كان صحيحاً ، وما ليس كذلك فهو خطأ وإن نصّت عليه العلماء . والذي عندي أن متابعة آرائهم أَولى من متابعة رأيه وإن كان ذلك يوجب غيظه مني .
ومن ذلك قولي : فإنه قد حفظ له ذلك زمناً ينيف عن ستين سنة . قال : و الصواب على ستين ، انتهى . وهنا تعسّف أيضاً وأشطّ . فإن قصره الصواب على تعدية الفعل بعلى خطأ . والصواب سواغية كليهما جميعاً لأنك إن أردت معنى الاستعلاء استعملت (( على)) أو المجاوزة استعملتَ ((عن )) بلا لاف ، وكلاهما محتملان هنا كما لا يخفى . على أن ((عن )) قد تأتي لمعنى الاستعلاء أيضاً نحو فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ، أي عليه كما في قوله : ( فَاَسَتَحَبُّواْ اَلَعَمَى عَلَى اَلَهُدَى ) [سورة فصلت ، رقم 41 ، الآية 17 ] .
وجاء في كليّات أبي البقاء رحمه الله : و(( الزيادة تلزم وقد تتعدّى بعن كما تتعدّى بعلى لأن نقَص يتعدَّى به وهو نظيره )) ،اهـ . فحمل زاد على نقص وهما نقيضان فما رأيك في أناف وزاد وهما نظيران مترادفان . ولعمري ، ما يعترض في مثل هذا مَن له إلمامٌ بالعربية واطّلاع على ما ورد في أسفارها . وإنما صاحبنا يرى عبارة في أحد التعريفات فيستمسك بها ويظنّ أن اللغة مقصورةٌ هناك . ولو كانت كتب متن اللغة مستغرقة لجميع أحكامها مغنيةً عن غيرها لاقتصر القوم عليها ولكان كلّ من حصل منها على كلمات يعيها في صدره أو يكتبها إمامه قد ملك عنان العربيّة وعرف جميع ضوابطها ودقائقها وما يظنّ ذلك إلا القوم الغافلون .
واعلم أن هذا الباب ، أي باب التعدية بالحرف ، هو من أدقّ الأبواب . فطالما ترى الكتّاب يغلطون فيه فيبدلون بين حرفٍ وآخر على غير هُدًى ، وربما عُدّيَ فعلٌ بحرفين أو أكثر على اعتبارات هناك فخلطوا بينها فما لبث أن جاء المعنى مختلطاً . وقد وقع الأمران لصاحبنا كما سترى .
فمن الأول نحو قوله في كتابه الساق على الساق صفحة 90 : ((فهل سول إليك الخنّاس أن تتغزَّل )) . والصواب (( سوّل لك )) كما في قوله : ( اَلشَيَطَنُ سَوَلَ لَهُمَ وَأَملَى لَهُم ) [سورة محمد ،رقم 47 ، الآية 25 ] . وفي صفحة 110: ((وصحو بالي واستعداده إلى ما يروق )) .
والصواب ((لما يروق )) . وهو كثيرٌ .ومن الثاني قوله في صدر هذا الكتاب تحت العنوان :
ودرس ثورين قد شُدّا إلى قَرَن ٍ أقنى وأنفع من تدريس حبرَين
و الصواب أن يقال : ((شُدّا بقرَن ٍ )) وهو ما يُجمع به بينهما من حبل ونحوه فهما يُشدّان به لا إليه وإنما بعضهما يُشدّ إلى الآخر أو كلاهما إلى عود النير مثلاً ونحو ذلك . والعجب أن يخفى هذا على مثل صاحبنا . وإذا احتجّ بضرورة الوزن فهي لا تبيح شيئاً إلا بشرط بقاء المعنى صحيحاً ، فإن أدّى ذلك إلى فساده كان مردوداً عند العلماء وعُدّ غلطاً قبيحاً . على أن البيت كله سخيفٌ . وفي قوله : (( أقنى))، ما لا يخفى على كل ذي بصيرةٍ .
وأما تخطئته لي في قولي : ((على أن غلط الوهم لا يخلو منه أحد كما أشار )) ، وزعمه أن الصواب أن يقال : (( كما أشار إليه )) ، فما لم أسمع به إلا منه ولا خطر لي وجه الخطأ في عبارتي ولا الصحّة في عبارته . و الظاهر أن الأمرين لا وجود لهما في الموضعين . وهذه إحدى خطرات وساوسه المعهودة . لأن مرادي في العبارة مجرّد الإشارة فقط دون قصد المشار إليه بها ، إنما ينبغي أن يُعقد الكلام على قدر الحاجة فإن تجاوزها كان مخلاً كما تقرّر في علم البيان . و العبارة على حدّ قوله : ( فَاَدَعُ وَاَستَقِم كَمَآ أُمِرتَ) [سورة الشورى ، رقم 42 ، الآية 15] اقتصر على ذكر الأمر دون المأمور به لأنه هو المراد مجَّرداً . ومثله قوله : ( لَيَستَخلِفَنَّهُم فى ِ الأَرض ِ كَمَا اَستَخلَف الَّذِينَ مِن قَبلِهِم )[ سورة النور رقم 24، الآية 55] .
وقوله : ( مَا يَعبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبلُ ) [ سورة هود رقم 11 ، الآية 109] .
وقوله : ( قُل لَّو كَانَ مَعَهُ ءَالهِةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لاَّبتَغَواْ إِلَى ذِى العَرش ِ سَبِيلاً ) [ سورة الإسراء رقم 17 ، الآية 42] . وهو كثيرٌ مستفيض وما نرى له من نكير . فإن قُصد المتعلَّق هناك أو كان المعنى لا يستقلّ بدونه ، وجب ذكره كقوله ( وَأَحسِن كَمَآ أَحسَنَ اللهُ إِلَيكَ ) [سورة القصص رقم 28 ، الآية 77 ]. وقد جمع الأمرين كما ترى .
وقوله : ( وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى ءَال ِ يَعقُوبَ كَمَاَ أَتَمَّهَا عَلَى أَبَويكَ ) [ سورة يوسف رقم 12 ، الآية 6 ] .ونحو ذلك فتأمل .
وبقي هذا النظر في ما وقع من الخطأ في عبارة ردّه . فمن ذلك قوله : (( كما يصحّ أن يقال مثلاً عظم جدّه وطال جهده . كذلك يصح أن يقال جادّة وجاهدة)) . فقوله كذلك بعد قوله كما ، زيادةٌ مخلّة وهي أشبه بالوجه القبيح المبرقع . لأن قولك مثلاً ، (( كما تزورني كذلك أزورك)) يكون تقديره (( أزورك كما تزورني كذلك)) فتأمّله .

ومثل هذه العبارة قوله في كتابه سر الليال صفحة 11 : (( وكما جاءت الهمزةُ بهذا المعنى كذلك جاء التشديد )) . وقوله في صفحة 67 منه ((وكما أنه يتوهم في البعثقة زيادة ((العين (( كذلك يتوهم )) . وفي صفحة 83 : (( كما توافق المُبهم و المُصمَت كذلك جاء المُصمَت )) وهو كثيرٌ .
ومن ذلك قوله : ((ولا عجب من أن هذا المتبلتع يقول مثل [هذا] الكلام )) . وهو أوضح من أن ينبَّه عليه ولعله غلط طبع إن كان يسلّم بأن صفاف الحروف يغلط .
ومن أغلاطه الفاضحة قوله ( ولم يكن لي همّ سوى في إظهار أصل معاني الألفاظ)) إلى آخره . وهو من التراكيب الغريبة و لعله ناشئ عن شدّة التعمق في العلم ، على أنه تجاوز الحدّ وأفرط . و الصواب أن يُقال : لم يكن لي همٌ في سوى إظهار . أو إلا في إظهار . لأن إقحام في ما بين سوى وما يليها وهما متضايفان خطأ قبيح كما قرّرت النحاة . والظاهر أنه يتوهم الحرفيّة في ((سوى )) فيجريها مجرى((إلا )) وهو لا يفرق بينهما . وأنت ترى أنهم في كتبهم يفردون ((إلا ))في باب الاستثناء فيعطونها حكمها ثم ينتقلون إلى ((سوى ))و ((غير )) فيجعلونها في حكم آخر . وفي باب الإضافة يدرجون ((سوى )) و (( غير)) بين الأسماء الملازمة للإضافة . وفي كتب اللغة يفسّرون ((سوى )) بغير، وربما صرّحوا باسميتها أيضاً . على أن مراده في العبارة الحصر وإلا نصٌ فيه ، بخلاف ((سوى )) كما لا يخفى ، فعدوله إليها معيبٌ لفظاً ومعنى . قلت و مقتضى قوله هذا أنه كان مهتماً بإظهار أصل معاني الألفاظ فقط وترك سائر الأحكام لإغضاء المطالع وتساهله لو ترك لذلك سبيلاً . ومثل هذه العبارة قوله في سر الليال صفحة 13 (لم يكن له همّ سوى بمجرّد جمع الألفاظ )). وينبغي أن تنتبه هنا إلى أنه جرّ ما بعد (( سوى)) بالباء ، وهناك جرّه بفي و التركيب في الموضعين واحد . وقوله في الساق على الساق صفحة 42 : ((ما الفرق بينهم و بين البهائم سوى اللحى )) . وفي هذا ما يغني عن أمثاله فقس عليه .
[ في تخطئة اليازجي لكتاب الساق على الساق ]
الجنان ، السنة 2 ، الجزء 24( 15/12/1871 ) ص835-842
شبلي : الشدياق اليازجي ، ص125-140
ومن أغلاطه في هذا الرد قوله : (( ما من شاعر قال شعراً إلا وأُخذ عليه)) والصواب إلا أخذ بترك ((الواو ))على مذهب الجمهور . وأقبح من زيادتها هنا زيادتها في قوله في الساق على الساق صفحة 213 : ((ولا بد وأن يكون عنده كاتب )) ومثله قوله في صفحة 216 (ولا بد وأن يكون هناك شيء )) . وفي صفحة 235: (( ولا بدَّ وأن يكون النثر أيضاً مثله)) . وفي صفحة 237 : ((فلا بدّ وأن يمشي معه اثنان )) . وهذا أكثر من أن يُحصى . وشهد الله لو استعمل هذا أجهل الأغبياء لعُدّ منه قبيحاً .
ومن زياداته المخلة قوله في الساق على الساق صفحة 40 : (( تنبّه الغافلين أن وراءها لقولاً شديداً )) فإقحام ((اللام ))على اسم ((إن ))هنا خطأ شنيع لأنها واقعة في موضع الجرّ بالأداة المحذوفة بعد تنبّه كما لا يخفى ، وذلك يوجب فتح همزتها على أنها مفتوحة هناك بالرسم أيضاً . و ((اللام )) تقضي بتعليق العامل عنها لأنها من ذوات الصدر فالتبس الأمر واختلط . وعلى حدّه قوله في صفحة 214 منه : (( والذي يظهر لي أن في الهنات و الجليدات لضرراً عظيماً )) وهي واقعة في خبر المبتدأ . وأمثالها كثيرة .
ومن ذلك قوله في صفحة 43 : ((وإنهم وإن يكونوا سيّئي الأدب على الطعام فهم متأدبون )) . فإدخال (( الواو)) على أن يُشعر بأنها الوصليّة ، وإدخال (( الفاء)) على جملة الجواب يشعر بأنها الشرطيّة ، وضاع خبر ((إن )) . فإحدى الزيادتين خطأ. والصواب إما إسقاط((الواو ))فيكون الشرط وجوابهُ خبراً ، وإما إسقاط ((الفاء )) فيؤخذ الخبر مما يليها ويتعيّن كون ((إن )) وصلية وجوابها محذوفٌ للاستغناء عنه بالخبر كما تقرّر في علم النحو . ومثله قوله في صفحة 237 ( وهما وإن أظهرا له الخضوع ففي قلوبهما منه حزازات )) . وأقبح منه قوله في صفحة 327 : (( فإنه وإن يكن مقامه بين الناس كريماً إلا أنه لا يمكنه )) . وقوله في صفحة 125 : (( إني وإن كنت بشراً مثلك لكني وكيل )) . فما أدري كيف صحّ عنده هذا التركيب . ويجري هذا المجرى قوله في صفحة679:
(( فإذا رضيت فكل سخطٍ هيّنٌ وإذا وصلت فلم أبال بهاجر ِ ))
فربطُ جواب (( إذا)) الثانية بالفاء خطأ مُفسِد لأنها تقضي بانفصال ما بعدها عما قبلها وجعله خبراً لمحذوفٍ لا جواباً ، ويكون التقدير فإنا لم أبال فتمحّض المضيّ في الفعل وهو عكس المراد لأنه مرتب على ما قبله في المعنى . والصواب إسقاط ((الفاء )) فينصرف الفعل إلى لإستقبال لتسلط أداة الشرط عليه حينئذٍ كما لا يخفى . ألا ترى ما قال بعد هذا البيت :
((وإذا بقربك كنت يوماً نافعي لم أخشَ شيئاً بعد ذلك ضائري ))
فالمعنى هنا صحيح لأن الفعل المتحوّل إلى المضيّ بلم قد تحول إلى الاستقبال لوقوعه في الجواب مباشراً ، بخلاف الأول لأنه واقعُ في البر لا في الجواب كما علمت .
ويقابل الزيادة عنده النقص أحياناً ، أعني نقص حرف أو كلمة لا شيئاً آخر . وذلك كقوله في صفحة 526 من كتاب : (( قلت أتعنيهم أم تعنيهنّ )) . حذف ((نون )) الرفع وهو خطاب للأنثى . ومثله قوله :
(( ألم تفقهوا لابن الحُسين مقالةً تقيكم عنا غماء فيها تخاطروا))
وفيه حذف(( النون)) أيضاً . وقوله:
((فلم يبقَ إلا من درى سوء رأيكم به وبدا من أمركم ما تحاذروا ))
وبين كل ذلك من سخافة التركيب وفساد المعاني في مواضيع كثيرة وتعقيد العبارات إلى غير ذلك ما لا يخفى على أولي الذوق السليم .
ولقد أعجبني قوله وهو يعرّض بأبي رحمه الله : ((ومن شأن الشاعر إذا تعمّد إيراد لفظة غريبة أن يتروّى فيها ولا يوردها مجازفةً )) انتهى . ومقتضاه أن الناثر لا يجري عليه هذا الحكم . على أنه يشير بهذا إلى لفظة (( الفحطل )) وهي إنما جاءت في النثر لا في الشعر ، فما أدري ما الذي جاء بذكر الشاعر . و الظاهر أنه لا يفهم المراد من إطلاق لفظة الشاعر فيظن أنه إذا نثر أيضاً سمي شاعراً . ومن كان هذا مبلغ فهمه لم ينكر عليه أن يتفتّح في كلامه بأبلغ من ذلك .
ولعمري ، وإن أجهل الأغبياء لا يقول كما قال في كتابه الساق على الساق صفحة 664 : (( فإما غيره من التراجمين )) أراد جمع الترجمان فأحوج إلى ترجمان . وهو من الجموع التي لم يسبق إليها لسان عربيّ ، فما أدري أنّى استفاده . والصواب تراجم كزعفران وزعافر على ما ورد من كتب الأئمة . فيا ليت شعري أتراه تروَّى في هذه اللفظة لما ذكرها أم أوردها مجازفة ؟ألا وهو الذي يقول في صفحة 31 من هذا الكتاب : (( تتعقّبني بزلة قلم وبغير زلة)) .
أراد وبزلة غيرها ،ونحوه فإلتوى عليه المراد ،وإن هي إلا زلة . وهذا يقرب من قول القائل : ((صدارة عظمى الملك إن أفل البدر ))أراد صدارة المُلك العُظمَى . فلما قدَّم الوصف اختل التركيب وفسد المعنى كما لا يخفى ، وعلى حدّ عبارته التي مرّ ذكرها قوله بعد ذلك في حديث ((المرابض )) : (( فإن أراد الشاعر الرجوع إلى أصل الفعل كان لا بُدّ له من التقييد كأن يقول مثلاً محافل الماء)) . انتهى . وفيها ما في التي سبقت من نقص التعبير على أنها وحدها كافية لنقض جميع ما ماحك به في لفظة ((المرابض )) . فإنه يشير بها إلى أنه يصحّ أن تُستعمل (( المرابض)) للخيل ولكن بشرط التقييد كأن يقال (( مرابض الخيل)) حذراً من الالتباس . وهو عين المصرَّح به في البيت الذي أُخذ عليه هذا الاعتراض حيث قيل : تكثر الخيل في المرابض إن عدَّت . إلى آخره . فتأمل .

ومن ذلك قوله : (( إني ذكرتُ في آخر سر الليال أني سأبيّن الغلط الذي وقع فيه في جدول ٍ مخصوص بعد ختام الكتاب بأسره )) ، انتهى . وهنا إلتوى عليه المعنى أيضاً ، فإنه يقول إنه ذكر ذلك في آخر سر الليال ، ثم يقول : إنه سيبين أغلاطه بعد ختامه . فعبارته الأولى تُشعر بأن الكتاب انتهى وأتى على آخره . وعبارته الثانية تُشعر بأن نهايته منتظرة فتدافع القولان . والصحيح أنه ذكر ذلك في آخر الجزء الأول من الكتاب لا في آخر الكتاب . اللهم إلا أن يكون سرّ الليال أسماً للجزء الأول من الكتاب فقط فلا يكون في المعنى إلتواء . ولكن يستدل به على سمو قيمة هذا المؤلف بأن وضع له أسماءً كثيرة فجعل لكل جزء منه اسماً مخصوصاً . ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى غرابة الكتاب فدلّ عليها بغرابة التسمية ، والله وأعلم .
ومن ذلك قوله : (( إني لما أوردت (( الفطحل)) و (( المربط)) نسبتهما إلى غلط السهو )) ، انتهى.
ومقتضى نصه أن ((الفطحل)) و ((المربط)) غلط ، مع أنه شاحن وماحك جهده لينسب إليهما الصحة ، لا لينسبهما إلى الغلط فعاد هنا إلى تخطئة نفسه . وأمثال ما ذُكر كثيرةٌ في كلامه ، فإنك إذا تأمّلته تأمل المنتقد وجدت فيه ما يحملك على العجب من غباوته ومن تهافته مع ذلك على المعارضة و السجال . ورحم الله القائل :
ومن عجب الأيام أنك لا تدري وأنك لا تدري بأنك لا تدري
ومما أعجبني في هذا الرد قوله : (( فأما قول اليازجي أن قصدي بإيراد هذه اللفظة ظاهر ، فالأظهر أن يقال إنه ندب أضرابه من أهل بيروت للتحزّب معه عليّ)) ، انتهى . فلا جَرَم أنه من التأويلات المُضحكة ، وما أدري كيف استنتجه لله درّه .
ولعمري ، ما أرى في هذا الموقف ما يستحقّ أن يُنَدب إليه أحد ولكن ما زال هذا معظم خوف صاحبنا ومسند أمله . فكثيراً ما عّرض به في هذا الرّد فنكب عني وحزّب إليه ، وهو يظنّ المسألة قائمة بكثرة المتحزّبين حتى بعثته صفاقة وجهه على أن صرّح في أواخر ردّة فقال : (( فليعلمنَ أن المنتصرين للجوائب أكثر من المنتصرين للجنان و لليازجي )) . فلا ريب إنه كلام أولى أن يزجّه في قعر دواته ويخجل من ذكره . وما أظن عاقلاً إلا يعذله عليه ويلومه . بل الأظهر أنه يريد بكلامه هذا أن يبعث الفتنة ويبني على هذه المناقشة أموراً درست منذ زمنٍ مديد وأصبحت هباءً منثوراً . وهيهات ما يتمنى . فإن تلك الأحاديث قد أصبحت في خبر كان وعناية دولتنا العليّة في آثارها يوماً فيوماً . فإنها أيّدها الله بعد أن نشرت ما نشرت من ألوية التمدن و العرفان في ممالكها المحروسة وبثّت ما بثّت من نوايا السلام والإلفة بين رعاياها قد أصبح ذلك أمراً لا مطمع فيه . ولعمري ، ما أرانا في ساحة حربٍ تزدحم فيها الحوافر و الأقدام حتى تقتضي كثرة المدّد . ولا أرى الناس في يدي ، ولا أظنهم في يده يندبهم حيث شاء . وإنما نحن في مقام جَدَليّ تزدحم فيه الأفكار ولا ينفع فيه اصطدام الأقلام و كثرتها . وآية الاستظهار بيننا إنما هي نصوص الأئمة رحمهم الله ، و البراهين العلمية فمن ظفر منا بشيء من ذلك فنعمّا وإلا فما يغني عنه إلا السكوت، فما الموجب لهذا القول الذميم ؟
ومن غريب ما جاء في كلامه زعمه أنني خطّأته لأنه رثى أبي رحمه الله . أو كما عبّر ندّدت به . وهو يحسب التخطئة تنديداً وفيه اعتبارٌ ما . فلا ريب أن هذه كانت أولى حُظيّاته مما أشرت إليه كأنه يريد أن يحمل عليّ أولي الفضل بأنني أتيت مثل ذلك في وجه من بادأني بالجميل . غير أن ذلك قد فاته بظهور كلام الفريقين ، ومن وقف على القالين علم الحقيقة وأنصف بيننا وأغناني عن الاعتذار . بل الأولى أن يقال إنه لم يتلقّني بما تلقّاني به هذه المرّة إلا مكافأة لي على احترامي له وحفظي كرامة شيخوخته وعهد صداقته مع أبي رحمه الله ، كما تلقّى أبي بالانتقاد عليه بعد وفاته مكافأةً له على ما تكلفه من مدحه . وبالجملة أرى له أن لا يفتح على نفسه هذا الباب أي باب الحقوق الأدبية لأنه قلما يُحمَد فيه .
وأما زعمه أني أدّعي العصمة لأبي رحمه الله ، فذلك ما لم تسبق إليه مني إشارة وأستغفر الله من هذه الدعوى لبشر ٍ ، فإن الإنسان ما زال موضع الخطأ و التفريط . بل إذا وصفته بأنه قابلٌ الغلط كنت كأنك وصفته بأنه قابل العلم مثلاً ، لأن كلا الأمرين من لوازم الإنسانية . غير أني أقول إنه مع ذلك قد تعبث به الخيلاءُ حجاب الكبر فيتوهم في نفسه العصمة جهلاً وسفهاً ، ثمّ لا يفتر أن يأخذ على الناس سقطاتهم ويترقب هفواتهم . فَمَثله مَثل الأعمى يعيّر الأعمى بأنه لا يبصِر ، وربّما عيّر البصير بذلك أيضاً لاستواء الكل في عينيه حرسهما الله . ومن كان كذلك وجب تنبيهه إلى معرفة نفسه وإظهار عجزه عن إدراك غلطه فضلاً عن غلط الآخرين ، لكي يعلم أنه من الضعف فوق ما يرى في نفسه من القوّة وإن في غيره بقيّة من فضل الله و الله لا يذخر فضله عن أحد .
ومن غريب هذيانه في هذا الردّ زعمه أنه يريد أن يحامي عن حقوق العربيّة . وإنه لا يخشى في حبّها لومة لائم ، إلى غير ذلك من الأقوال المضحكة . فأما محاماته عن حقوق العربية فما أدري مَن الذي سلمه مقاليدها وأقامه زعيماً على أهلها حتى يدّعي لنفسه مثل هذه الدعوى ؟ وكأني به قد نسي أنه دخيلٌ فيها متطفلٌ على موائد أربابها . بل لعلهم رأوا فيه من العلم و الفضل ما لم يروا في غيره من علماء العصر ففوّضوا إليه أمرها .والله الأمر ولا حول ولا قوّة إلا بالله .
وأما زعمه أنه من محبّي العربيّة ، فقاتل الله هذا الحبّ الذي جلب عليها تعفير وجهها وتشويه حسنها وهتك أستارها . وما كان أبّره بها لو أنه لها عدوٌ خصيم . ولله قول أبي الطيّب :
ومن العداوة ما ينالك نفعهُ ومن الصداقة ما يضرّ ويؤلم
وكأني بما ذهب إليه في سرّ الليال من أن معنى أحبهُ أصاب حبّة قلبه ، قد صدق هنا فإنه كذلك أحب هذه اللغة . أجارها الله من كلّ محبٍ مثله . وما أحسن ما قاله الآخر :
أحبابه لِمَ تفعلون بقلبه ما ليس تفعله به أعداؤهُ
والظاهر أنه يذهب في الحبّ إلى ما ذهب إليه ديك الجنّ الحمصي ولا شريك له سواه. قيل إنه كان عنده جارية وغلام يهواهما وكان شديد الكلف بها . فسوّلت له الغيرة ، أو شيءٌ آخر يشتق من اسمه ، أنه ربما مات قبلهما فاستأثر بهما غيره من بعده . فعمد إليهما ليلةً فقتلهما ثمَّ أحرقهما فجعل من رماد كلّ واحدٍ منهما باطية ً للخمر .فكان بعد ذلك إذا اشتاق إلى الجارية قبّل الباطية المصوغة من رمادها وملأ منها كأسأً ثمَّ بكى وأنشد :
يا طلعةً طلــع الحِمــامُ عليهـــــــا وَجنى لها ثمر الردى بيدَيهــــــا
روّيتُ من دمهــا الـــتراب وطالمــا روّى الهوى شفّتي من شفتيها
وأجلتُ سيفي في مجال خناقهـا ومدامعي تجري على خدّيهـــــا
فوحقُ نعليها ومــــــا وطئ الثرى شيء أعز عليَّ من نعليهــــــــا
مـا كان قتلِيهـــا لأني لـــم أكـــن أبكي إذا سقط البعوض عليهـــا
لكن بخلتُ على سواي بحسنهـا وأنفت من نظر العيون إليهـــــــا
وإذا اشتاق إلى الغلام فعل كذلك بباطيته وأنشد :
أشفقتُ أن يَرِدَ الزمان بغــــدره أو أُبتلى بعـــد الـوصـــال بهجـــره
قمرٌ أنا استخرجته من دجنــــه لبليتي وأثرتـــه مـــن خـــــــــدره
فقتلته ولـــــــه علــيّ كـــرامةٌ فليَ الحشى وله الفؤاد بأســــره
عهدي به ميتاً كأحســن نائم ٍ و الطرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميـت ماذا بعده بــالحيّ منـــــه بكى له في قبره
غُصصٌ تكاد تفيض منها نفسه ويكـــــاد يخرج قلبـــهُ من صــدرهِ
نعوذ بالله وإياه نحتسب . ومما حَسُن عندي موقعه قوله في هذا الردّ :

(( أما قوله إنه كان يلزمني إشعار أبيه باختلال لفظة (( الفحطل )) على ما يقتضيه عهد المودّة فهو لا يلزمني ، لأن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات فلو اختصصت منها بالذكر لفظة ((الفحطل )) لما كنت مصيباً ولأني كنت مترقباً إصلاحها منه ، فلما بقيت على الخطأ نبّهتُ عليها قياماً بحق اللغة فإني لا أخشى في حبّها لومة لائم )) .اهـ .
قلت ُ : إن العبارة التي بنى عليها كلّ هذا لم تَرد في كلامي على هذا الوجه أصلاً ، فما أدري مَن الذي وسوس إليه بها . وما أحسن ما اعتذر به من قوله : فلو اختصصت منها بالذكر لفظة (( الفحطل )) لما كنت مصيباً . ولا أدري ما كان يمنعه من أن يذكرها له جميعاً . وما الذي كان يُلزمه بأن يختصّ منها لفظة ((الفحطل ))فقط حتى يكون غير مصيبٍ . وأحسن منه قوله :
(( إنه كان مترقباً إصلاحها منه . فما أدري كيف كان يرغب أن يقف على إصلاحها لأن الكتاب لم يُطبع مرّة ثانية بعد . بل ربّما سوّلت له نفسه أنه كان من الواجب على أبي رحمه الله ، أن يُشعِره باختلالها بناءً على أنه يعتدّ نفسه إماماً للعربية وزعيماً لأهلها ، وصبرٌ جميل . وأبدع منه تعليله بأن الذي أوجب عليه أن ينبّه عليها قيامه بحق اللغة لأنه يخشى في حبّها لومة لائم ٍ . وهو يقول : إن لهذه اللفظة أخواتٍ كثيرة في المقامات ، فكان يجب عليه أن ينبّه على جميعها قياماً بما أخذه على نفسه من حق اللغة . وإلا فقد وقع تحت ملام اللائم ، وما عُدّ إلا خائناً في حق اللغة لأنه لم يَقُم به حق القيام فكان مسخوطاً من الجانبين . وإذا كان يحسب أن ذلك عليه حق واجب وأن كلَّ غلطةٍ في اللغة إنما يكون هو المُطالب بها فذلك هو عين الحمقى . ولعمري لم يَقُلها قبله قائل . وشهد الله لو ادّعى لنفسه هذه الدعوى جبريل عليه السلام لنازعه فيها الملئكة المقرّبون . وإذا كان الأمر كذلك فهو أوّل من يحاكم بهذه السُنّة التي وضعها . وقد بينت لك في هذا الردّ من أغلاطه ما لا يكاد يسقط به أغبى الجهلاء ، وإن هو إلا شيءٌ أو بعض شيءٍ من أشياء . فمن تراه يطالب بأغلاطه الكثيرة الفاضحة وكيف توفى اللغة حقها منه ؟
وأعظمُ شاهدٍ على ذلك أنه رحمه الله ، كان قد استدرك فيها ما فاته في الطبعة الأولى من غلط الطبع وغيره كعسفان بالفتح والخَجُوجيّ كدَجُوجيّ والإناءة بالمدّ ، وغير ذلك فنبّه عليه على هامش إحدى النُسخ لكي يُراعى في الطبعة الثانية . وكذلك فعل بسائر كتبه المطبوعة ، وتبارك من اعتصم بالكمال . وقد أشار إلى ذلك رحمه الله ، في الكتاب الذي بعث به إلى صاحبنا حينما بلغه أن بعض أهل الآستانة يريد طبع المقامات وهو الذي كان فاتحة هذه المناقشة . وليس ذلك من الأمور المستغربة بالنسبة إلى الإنسان ولا هو مما يُعاب به ، وقد قيل : كفى المرء نُبلاً أن تعد معايبه .
وقد وضع بعضهم في تخطئة مقامات الحريري المشهورة كتاباً برأسه ، وبعضهم في تخطئة ديوان أبي الطيب المتنبي وغيرهما في غيرهما من أكابر العلماء و المدّققين . وما برح ذلك دأب العلماء و المصنفين في كل فنّ وزمن ، فمنهم من أخطأ ومنهم من خطّأ ومنهم من جمع الأمرين وهو أشأمهم . غير أن صاحبنا لما انتدب للتخطئة في مقام الرثاء ، أطال الله بقاءه ، وكان ما خطّأه به في غير موضعه لأن (( الفحطل)) ليست إلا غلط طبع كما تقرّر ، و (( المرابض)) قد تقدّم من الكلام عليها ما يكفي لإقناع كل ممار عنيد ، ولا سيما أنك قد عرفت منزلة هذا المعترض بين نَقَدة الكلام ، رأيت أن أُجيب عن ذلك لقصد بيان ما ذكر لا لقصد الدعوى بالعصمة كما زعم ، فإنني لا أدّعي بأن أبي ، رحمه الله ، كان منزهاً عن الغلط ، كما لا أسلم بأن صاحبنا يخلو من الإصابة أحياناً وإن قال به جماعةٌ من المتعنتين . فما لبث ، حيَّاه الله ، أن قابلني بالعنف ورماني بسوء المقال وذهب مذهباً لا يليق بالعلماء و بالحري من قام زعيماً بينهم وهو قد تعمم بالمشيب و التثم . فما الرأي أَأَستبيح حرمة من كان كذلك ؟ أم أطرح بنفسي في هذا المجال وألتطخ بما أكره أن أرى غيري ملطوخاً به ؟ بل أجلّ شأن أولي الفضل الذين سيُلقى كلامي هذا بين أيديهم عن أن اقتحمهم بشيء من ذلك . وكنت أحبّ أن أرى سيّدي مواطئاً لي على هذا الرأي عينه ، ولكن الظاهر أن الذي حمَله على تلك الخطة هو أهمّ مما حملني على تركها واجتنابها لأنه يقول إنه يريد أن يُرضي العلماء . وشهد الله أن هذا أبلغ ما يمكن أن يقال في حقهم ، وهم أجلّ من ذلك وأرفع شأناً . سامحه الله وأصلحه .
وأما قوله ((فليستعن بصاحب الجنان [ المعلم بطرس البستاني ] على تنقيح كلامه )) ، وزعمه أن صاحب الجنان ظهيرٌ لي في مناقشته ، فهذيان لا غاية بعده وهو لعمري أصغر مما يزعم وأدنى كثيراً . بل مَن تراه يجسر على نقد الكلام وتنقيح خلله في جنب الأستاذ أعزَّه الله ، وهو إمام العربية وزعيمها و المحامي عن حقوقها فهو أولى من نظر في سديد القول ومختله وفرَّق بين صحيحه وفاسده . وهو أجدر بأن أفوّض إليه أمري و النظر في تنقيح كلامي وقد فعل أثابه الله . ألا تراه سدّد فقال (ينبغي أن يُحكم بأن الرَبض بفتحتين مأخوذ من الربوض ، لأن الربض هو من الأشياء الباطنة ولا يصحّ العكس)) .
وأن يقال : ((تصديي بياءين مخففتين ومن شَدَّد عليه )) . وإن قال : (( أناف عليه ومن قال أناف عنه فقد أخطأ )) إلى غير ذلك مما مرّ بيانه . فما حاجتي بعد كل هذا بالمنقحين وسيدي الإمام متصدّر في مجلس العلماء تُرفع أقوالهم إلى مسامعه الشريفة فيخطّئ بعلمه كلَّ صحيح ويقتصّ منهم لحق اللغة . والأمر لله والله خير المنصفين .
و العجب إنه قبل ذلك قد لام صاحب الجنان على نشره كلامي في جريدته على ما فيه من الخلل ، فما أدري كيف يكون هو المنقح لكلامي وكيف يلام بعد ذلك على نشره له في الجنان مختلاً . لأنه إن ثبت أنه قد نقحه فقد ثبتت عنده صحّته فلم يبق عليه للملام سبيل . وإن ثبت أنه قد عرف أغلاطه كما عرفها الأستاذ ونشره في الحنان على غلطه فكيف يّدعي أنه قد نقّحه . ولكن ما زال ذلك شأن المولى فقلما تراه بتَّ حكماً إلا تراه بعد حين بتّ عكسه فتدافعا فأسقط أحدهما الآخر . ولله درّه .
وأما ذلك الأديب الذي أشار إليه وقال : (( إن هذه المناقشة لا تلبث أن تغريه بتخطئة المقامات من أولها إلى آخرها )) . فليشفعنّ في جنايته كلها إذا كان ذلك يتمّ عن يده. لأنني عازمٌ إن شاء الله على إعادة طبعها ، فلعلّ أبي رحمه الله قد فاته شيءٌ من ذلك فينبهني كل ذي علم عليم ، ويحق له عليّ الثناء الجميل . والمأمول أنه إذا تعمد ذلك يعاملني باللطف و الرفق كما يليق بمثله ،لا كما فعل صاحب المناقشة وبذلك يُخلص إحسانه وما على المحسنين من سبيل .
هذا وإنني لأعلم أن المطالع قد ضجر مني وربّما تغيّظ لسبب هذه الإطالة فأقول هنا إن الرد قد آذن بالنهاية ، و الحمد لله لا ينتهي . وأسأله الإغضاء عما لعله طغى به القلم . وإن أذن لي أطرفته بشيء آخر أحسبه لا يخلو من فكاهةٍ لعلها تشفع في ما أشرتُ إليه ، وأظن أني إن لم أفعل الآن ربما فاتتني وإياه . وذلك إنه قد خرجت في هذه الأثناء قصيدة من نظم صاحبنا في وقائع الحرب الأخيرة ، نشرها في العدد 558 من الجوائب . ولما كان هذا الباب لم يزل مفتوحاً ولا أحبّ أن أقرعه بعد أن يُغلق كما علمت ، وكان لا يغرب عنك أن لكلّ جديد طلاوة ، لم أجد بداً من أن أُلحق بهذا الرد شيئاً منها لكي تعلم أن الإمام لم يزل مراعياً لحقوق العربية كما ذكر في رده وأنه لا يضيع مثقال ذرةٍ منها إن شاء الله . فمن ذلك قوله نفعنا الله به :
فهذه جيوشي وهو فيها محكّمٌ رئيسٌ عليها آمرٌ أمر مزيال ِ
(( المزيال)) الخفيف الظريف فهو منافٍ أو مباعد للمقام ، و المعنى يقتضي نحو الحاذق أو المحنك ولا محل فيه للخفة و الظرافة فتأمّله . وقوله :
وأكثرهم صخباً وشغباً وأحنةً غرامون شيخٌ ذو هياج وتصهال ِ
فقوله ((صخباً )) يقتضي الوزن إسكان (( خائه)) و اللغة تقتضي تحريكها فكل واحدةٍ من الحالتين خطأ من وجهٍ . وقوله ((تصهال )) الأظهر فيه أنه من قولهم رجل ذو صاهل ، أي شديد الصيال و الهياج . ولكنهم قالوا ذو صاهل ولم يسمع ذو تصهال . وسائر معاني المادة لا يناسب المقام . وقوله :
ويا يوم فلّوا في بروت وأدبروا شماطيط فلا عز عن كل منوال ِ
فقوله ((عزّ عن كلّ منوال )) لا معنى له . وقوله :
وسار إلى حصن ٍ يسمّى بفردن ٍ يظنّ به أمناً وإرجاء إفشال
ففي قوله (( إرجاء إفشال )) نظر والأظهر أنه يريد بالإفشال أن يكون مصدراً من معنى الفشل ، وبالإرجاء التأخير . إلا أن ((أَفشَل )) الرباعي لا يأتي بمعنى الثلاثي . وقوله:
وأكثر من هذا إبادتهم الوغى وذلك من بعد اقتحام وقيتال ِ
ولا يخفى ما في قوله ((قيتال )) ، من الكراهة و الغرابة وإن أجازه القياس . وقوله :
وقد حصلا في كفّ جرمانيا معاً كمثل لجام ٍ للفرنسيس تلاّل ِ
الأظهر هنا أنه يربد بقوله (( تلاّل)) ، أن يكون فعّالاً من قولهم : أتلّ الدابّة . إذا ارتبطها وقادها . جعله صفةً للّجام وفيه نظر . على أن في صيغته خطأ فاحشاً لأن فعله رباعي لا ثلاثي كما تستعمله العامة فيقال أتلَّ الدابّة كما تقدّم ولا يقال تلّها . وصيغة فعّال لا تبنَى من أفعَل الرباعيّ إلا في ألفاظ شاذّة تسمَع ولا يقاس عليها ، على إنها في غاية الندور . قال الشيخ أبو زكرياء التبريزيّ في شرح ديوان الحماسة لأبي تمام الطائي رحمهما الله : ليس في الكلام أَفعَل فهو فعّال إلا أحرف يسيرة وهي أسأر فهو سأار وأدرك فهو درّاك وأجبر فلاناً على كذا فهو جبّار ، وأقصر عن الشيء فهو قصّار . اهـ .
وقوله :
فإن جيوش الإمبراطور أعتقت من الأسر بعد الصلح من دون إقلال ِ
فقوله : (( من دون إقلال )) لا معنىً له في هذا الموضع ولكن ساقته القافية .
وقوله :
ومن عوز القوت الذي سدَّ بابه عليهم معادوهم ولا سدّ إدحال ِ
((الإدحال )) جمع دحل . قال صاحب القاموس : وهو نقبٌ ضيّق فمه متّسع أسفله حتى يُمشى فيه . أو مدخلٌ تحت الجُرف أو في عرض خشب البئر في أسفلها أو خرقٌ في بيوت العرب يُجعل لتدله المرأة إذا دخل داخلٌ . و المصنع يجمع الماء .ا هـ . وفي ذلك ما يُوصَف بالضيق وليس في الكل ما يوصف بالسدّ فتأمّل .
وقوله :
إذا كان فعل المرء شاهد عقله فمن هذه الأفعال إشهاد إخبال ِ
وأفوّض إليك النظر في قوله (إشهاد إخبال )) لعله يُخرّج على وجهٍ سديد . وقوله :
وقام بأمر الجمهورية ناهضاً تيار ومعه أهلُ شُورى وأنقال
تقطيعه :
وَقَامَ بِأَمْرِلْجَمْ هُوْرِيْيَ تِناهِضَنْ
فَعُوْلُ مَفَعِيْلُنْ مَفْعُوْلُ . مَفَاعِلُنْ
تِيَارُ وَمَعْهْوْأَهْ لُشُوْرَا وَأَنْقَالِي
فَعُوْلُ مَفَاعِيْلُنْ فَعُوْلُنْ مَفَاعِيْلُنْ
فوزن المصراع الأول لم يحكه الخليل ولا روته علماء العَروض .
و الظاهر أنه لاحقٌ بأمثاله من مخترعات أخفش هذا العصر .
على أن في سائر القصيدة من الركاكة و التعقيد وعدم الانسجام مع استعمال كثير ٍ من الألفاظ الحوشية النافرة ، إلى غير ذلك ما لا يخفى على الشعراء و العلماء فاقتصرتُ هنا على ما ذكرته منها خوف الإطالة . هذا وإني في كل ذلك لم أتعرّض لعبارة الجوائب على ما فيها من الخلل الفاضح لاحتمال أن يتعذر فيها بالعَجلة ، وإن كان هذا العذر لا يليق بمثل الإمام .
على أنه اعتذر به في سرّ الليال فما ظنك به في الجوائب . وأمّا هذه القصيدة فلما كانت ما اقتضى سهراً طويلاً وكدّاً عنيفاً وترسّلاً ملياً . وقد استدرك ما فاته من إصلاحها في العدد 559 من الجوائب لم يبق فيها احتمالٌ للاعتذار بشيء من ذلك .
وهنا لا بدّ أن أقول إن هذه المناقشة كلها لم تكن مني عن رغبةٍ ورضىً ولا أنا ممّن يتهافتون إلى التخطئة و الانتقاد لغرض ٍ ما . وكان بودّي استئصال هذا العِرق من بيننا لو وافقني عليه و المحافظة على عهده مع أبي رحمه الله وكرامته فوق ذلك بالنظر إلى سنّه فضلاً عن عدم التعرّض له بما يكرهه . ولكن قُدَّر فكان ، و الفضل للمتقدم .
وهنا يحسن ذكر ما وقع من الاتفاقات الغريبة في هذا الصدد ، وذلك إني بينما كنت يوماً مع صاحب لي ممن ينتسبون إلى المولى وقد أخذنا في الحديث ، جرى بيننا ذكر الصحائف و الجرائد فسألني أن أكتب شيئاً في تخطئة عبارة (( الجنان)) وأبعث به إلى الجوائب ليُنشر فيها . فقلتُ : ليس ذلك من دأبي ولا غرض فيه ، و الحازم من اشتغل بالنظر في عيوبه عن عيوب غيره فإن وثق بعصمته فليفعل ما شاء .

فلما يئس مني قال : فعبارة أدبيّة أو سياسية أو شيئاً آخر يؤثره عني . قلتُ : أنا دون أن أفعل ، مع اعتدادي أن مثل ذلك إنما يكون ضرباً من التطاول على شي كبير يعدّونه من العلماء المتبحرين فإني أهاب أن أتحرَّش به . فأخذ يَصِف لي من مودّته وحبه لأبي رحمه الله وخلوص صداقته ما لم أنكره وقتئذٍ ، وألحّ عليّ بمطارحته وتجديد ذلك العهد معه حتى أن أكتب إليه رسالة حبيّة وأشفعها بلغز من نظمي يكون به الإفصاح عن نوايا الودّ و المصافاة . فلم يمض ِ على هذا الحديث ثلثة أيام حتى وردت الجوائب وفيها الانتقاد على أبي رحمه الله ، فكانت فاتحة المكاتبة بيننا . بيّض الله وجهه .
[ في فائدة المباحث و المطارحات]
وشهد الله إني ما كنتُ لأكره الخوض في هذه المطارحات و المباحث الدقيقة فإنها لا تخلو من فائدة لي أو له لو أنه حافظ على شأني وشأنه ولم يتجاوز إلى أمر الهجاء ، فإني شديد الكراهة له . ولقد طال اعتباري عند قوله في رثاء أبي رحمه الله .
ما كان يهجو ولا يُهجَى ولا حجبت ذُكا قريحته احلاك حدثان ِ
وقوله أيضاً فيه :
فلم يُضِع ساعة من عمره عَبثاً ولم يَضَع قوله في غير إحسان
فأمّا الآن وقد عدل إلى ما عدل إليه ، وقد بيّنت للواقف على هذه المناقشة مبلغ ما عندهُ من العلم فلا يلزمني بعدها مساجلته ومناظرته و التعرض لسهام قذفه ، لأن آدابي ليست كآدابه وأطواري ليست كأطواره ، ولا أرى له بعدها حقاً في الدخول إلى مجلس المساجلين ، ولا رأي لي في مواطأته على ما ذهب إليه . ومعاذ الله فذلك من قِبَلي باب مُحكم التوصيد .
ليس الوقيعة من شأني فإن عَرَضت أَعرضتُ عنها بوجهٍ بالحياء نَدِي
إنـــــي أَضـــنّ بعرضــي أن يُلِمَّ بـــهِ غيري فهـــل أتولى خرقه بيدي
انتهى

ابراهيم اليازجي

أبو الطيب أحمد بن طراد
26-06-10, 06:30 AM
مراجع البحث

- آصاف ،يوسف . هو الباقي . القاهرة : مطبعة جريدة القاهرة الحرة 1305هـ /1887 م.
– الأبياري ، عبد الهادي نجا . النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس و الجوائب : وضع للفصل بين أحمد فارس الشدياق وسليمان الحريري التونسي ، رئيس تحرير برجيس باريس . القاهرة : طبع حجر ، 1279هـ / 1863 م ، 100 ص.
–الأحدب ، إبراهيم . رد السهم عن التصويب وإبعاده عن مرمى الصواب بالتقريب . الآستانة : مطبعة الجوائب ، 1291 هـ /1874 م ، 46 ص .
- الأسير ، يوسف ( الشيخ) . رد الشهم للسهم . الآستانة : مطبعة الجوائب ، 1291 هـ / 1874 م ، 56ص.
– حبيب ، توفيق. ((أشهر المعارك الصحفية : بين الشدياق و اليازجي )) . الهلال ج77 ( 1929 ) ، ص30-306.
- داغر ، يوسف أسعد . مصادر الدراسة الأدبية. بيروت : منشورات أهل القلم ، 1955 ، ج2 ، ص 471 -478 .
- زيدان ، جرجي . تراجم مشاهير الشرق . القاهرة : مطبعة الهلال ، 1907 ، ج2 ، ص101-114 .
- سركيس ، يوسف إليان . المطبوعات العربية و المعربة . القاهرة : مطبعة سركيس ، 1928 ، عمود 1104 – 1106 .
- مختارات من أدب أحمد فارس شدياق – يوسف . ق . خوري
- شبلي ، أنطونيوس (الأب) الشدياق واليازجي : مناقشة علمية وأدبية سنة 1871. جونيه ، 1950 .
– الشرتوني ، سعيد . السهم الصائب في تخطئة غنية الطالب . بيروت : 1874 ، 86 ص .
– الصلح ، عماد . أحمد فارس الشدياق : آثاره وعصره . بيروت : شركة المطبوعات للتوزيع ، 1987 ، ص270 .
– طرابلسي ، فواز . وعزيز العظمة . سلسلة الأعمال المجهولة : أحمد فارس الشدياق . بيروت : رياض الريس للكتب و النشر 1995 ،ص 420.
– طرازي ، فيليب دي . تاريخ الصحافة العربية . بيروت : المطبعة الأدبية 1913 . ج1 . ص 61 -64 ، ص 96-99 .
- عبد السيد ، مخايل . سلوان الشجي في الرد على إبراهيم اليازجي . الآستانة : مطبعة الجوائب ، 1872 ،ص 110.
– مسعد ، بولس . فارس الشدياق . القاهرة : مطبعة الإخاء ، 1934 ، 49 ص .
– المكشوف . العدد 170 تاريخ 17/10/1938 ، عدد خاص عن أحمد فارس الشدياق . تحرير مارون عبود .
- نجم ، محمد يوسف . أديب القرن التاسع عشر أحمد فارس الشدياق . رسالة ماجستير الجامعة الأميركية في بيروت ، 1948 ،308 ص .
– يزبك ، يوسف إبراهيم . (( أثر لبناني : فارس الشدياق في رسائله إلى أهله)) . أوراق لبنانية . ج1( 1955) ص39-41 : 94-96 : 147 – 149 : 325 – 327 : 432 – 435 : 583 – 585 .

المصدر: http://www.bohemea.com/mag/index.*******.sk=view&id=354

أبو معاوية البيروتي
27-06-10, 08:14 AM
جزاك الله خيراً يا أخي أحمد،
أمتعتنا بنقولاتك في التراجم والأدب،
و ....

إن الكلام لفي الفؤاد وانما
جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلا

أبو معاوية البيروتي
26-01-11, 08:39 AM
قال الأمير محمد علي بن محمد توفيق باشا ( 1292 – 1374 هـ ) في كتابه " الرحلة الشامية " ( ص 35 / ط . دار الرائد العربي ) – في معرض كلامه على نزهته في ضواحي بيروت - :
... كنا على مقربة من حديقة افرنكو باشا، رأينا قبر المرحوم الشيخ أحمد فارس ذلك العالم المشهور الذي يُقال أنه اعتنق الدين الإسلامي أخيراً ومات عليه بعد أن اعتنق جملة أديان وتقلّب على عدّة مذاهب، وهو صاحب مجلة الجوائب المعروفة، وله غيرها من التآليف النافعة؛ منها " الجاسوس على القاموس " في فن اللغة، وكتاب " الساق على الساق فيما هو الفارياق " وهو كتاب جميل ضخم في علم الأدب .

أبو معاوية البيروتي
26-05-11, 06:45 AM
قال د . عبد المحسن العسكر : من آثار تعصب الأب النصراني لويس شيخو ( 1275هـ - 1346 هـ ) حملته الظالمة على العالم اللغوي الأديب أحمد فارس الشدياق المتوفى سنة 1304هـ ( والمولود سنة 1219 هـ )، حين اعتنق الإسلام وخلع النصرانية، فكان شيخو يعرض به، ويغمز من قناته، ويسميه الضال، ويسوق شعراً في هجائه، ثم يجعل اعتناقه للإسلام منبعثاً عن طمعه بالمناصب والأموال، وهداه تعصبه بأخرة - أعني شيخو- إلى أن يدعي أن الشدياق تقهقر عن دينه الإسلام إلى النصرانية عند وفاته (تاريخ الآداب العربية لشيخو 111) .
أقول: وهذه من أعظم الفرى على التاريخ وعلى الشدياق نفسه، وهو كذب مكشوف، ولم يذكر هذا الخبر سوى شيخو متفرداً به، وقد رد عليه ودحض زعمه الأستاذ زكي محمد مجاهد في كتابه " الأعلام الشرقية 3/ 987" .
وأفادنا مارون عبود وهو من أكثر الناس إعجاباً بالشدياق وإجلالاً له، واطلاعاً على أخباره أنه زار ضريح الشدياق ورأى فوقه هلالاً، وتلك علامة صريحة بأن صاحب الضريح مسلم عند القوم، ولو كان نصرانيًّا لنصب فوقه الصليب. ( ذكرت ذلك للاستدلال به، وإلا فشريعة الإسلام تمنع من الكتابة على القبور والرسم عليها والبناء فوقها )
هذا وبلغ بلويس شيخو بغضه للإسلام أن أبغض العرب لأن نبي الإسلام عربي صلى الله عليه وسلم، ولأن العرب هم الذين آزروا الإسلام في أول أمره، وحملوا رسالته إلى العالمين، ولذا مضى شيخو يغمط حق العرب في مدنيتهم، ويخلق لهم المثالب، ويهمزهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومن أجل ذلك سلكه الأستاذ محمد كرد علي في عداد الشعوبيين الأجلاد . (انظر المعاصرون 320 )

أبو معاوية البيروتي
28-03-12, 08:27 AM
أحمد فارس الشدياق دراسة موجزة لمكانة أسرته وقصة حياته وتنقلاته

د.محمد زهير البابا



مقدمة:
فارس بن يوسف الشدياق أديب، شاعر، لغوي، لبناني الأصل، ماروني المذهب. عشق اللغة العربية فحفظ كثيراً من ألفاظها ومعانيها، واطلع على ما في القرآن الكريم من حكم وعظات، فحفظ كثيراً من آياته. أطلق على نفسه اسم أحمد فارس الشدياق، ثم اختصره فقال (الفارياق). وهذا اللقب مشتق من لفظتين (فار) وهي المقطع الأول من اسمه فارس، و(ياق) وهي المقطع الأخير من اسم أسرته أي الشدياق.
لقد جاء في معجم (القاموس المحيط للفيروزأبادي)، عند الكلام على كلمة (شدق): الشيدق أو الشيداق هو الصقر أو الشاهين، وربما لهذا السبب أطلق الأديب والمؤرخ اللبناني (مارون عبود)، على كتاب ألفه عن النهضة الأدبية في لبنان، ورجلها الأول أحمد فارس الشدياق، اسم (صقر لبنان).
ونظراً لأهمية وطرافة قصة حياة هذا الأديب الكاثوليكي الماروني الذي اعتنق البروتستانتية ثم تحول إلى الإسلام، والذي جاب أقطار الشرق والغرب، ووصف عاداتها وتقاليدها وسكانها، ولغاتهم المختلفة، وألف فيها كتباً ومقالات ملأت الصحف والمجلات، ونظراً لمرور مئتي عام على ولادته فقد وجدت من المستحسن إحياء ذكره بهذه المقالة.
السيرة الذاتية لأسرة الشدياق:
كان يوسف شدياق، والد فارس، يعمل جابياً عند الدولة في لبنان. وكان وجيهاً وأديباً، محباً للمطالعة، باقتناء الكتب المخطوطة والمطبوعة ونسخها. وكانت زوجته من آل سعد، وهي أسرة عريقة، ذات نفوذ ومكانة في لبنان. وخلفا خمسة أولاد ذكور، أكبرهم طنّوس، ويليه منصور، ثم أسعد ثم غالب، وآخرهم فارس.
كان لبنان في ذلك الحين تحت حكم الأمراء الشهابيين. وكان حكماً إقطاعياً شديد الوطأة على الرعية، وخاصة في عهد الأمير يوسف، ومن بعده ابن أخيه الأمير بشير الكبير.
لقد سعى هؤلاء الحكام، لبسط نفوذهم وسيطرتهم، إلى التفريق بين الطوائف التي يتألف منها الشعب اللبناني. وكان يوسف شدياق من المعارضين لحكم الشهابيين. فانحاز لحزب سياسي معارض يضم بعض شيوخ الدروز، والساعين لخلع الأمير الحاكم. ولما أخفقوا في سعيهم والكشف عن أمرهم اضطروا للفرار إلى دمشق، بمن فيهم يوسف شدياق وأسرته. وفي سنة 1820م توفي يوسف في دمشق ودفن فيها. فانفطر قلب زوجته حزناً عليه، نظراً لما كان بينهما من ألفة ومودة. ولما عادت الأسرة إلى منزلها في لبنان وجدته منهوباً.
كان طنوس (1791-1861)، وهو الابن الأكبر لهذه الأسرة، يتقن اللغتين السريانية والعربية -كما كان مطلعاً على تاريخ العرب وآدابهم بصورة عامة. فعمل على نسخ بعض المخطوطات في التاريخ والطب وعلم الفلك، مستفيداً من الكتب المحفوظة في مكتبة والده. وله من المصنفات كتاب عنوانه (أخبار الأعيان في جبل لبنان).
احتلّ طنوس بعد وفاة والده مكانة مرموقة عند الأمراء الشهابيين، فتولّى عدة وظائف مهمة، منها منصب "القضاء على نصارى لبنان".
أما الأخ الثاني لفارس شدياق، وهو منصور (1795-1841م) فقد تعلم في مدرسة عين ورقة في جبل لبنان، وأتقن الخطّين السرياني والعربي، ونسخ كثيراً من الكتب، كوالده وإخوته. وعمل في خدمة الأمراء الشهابيين.
والأخ الثالث وهو أسعد (1798-1830) درس على أخيه طنوس آداب اللغتين السريانية والعربية، وانتسب لمدرسة عين ورقة وعمره أربع عشرة سنة. ونظراً لتفوقه وذكائه واجتهاده فقد عهد إليه تدريس الرهبان السريانية واللاهوت في دير القديس أنطونيوس في مدينة بعبدا. كما قام بتدريس اللغتين السريانية والعربية لبعض أفراد الإرساليات الأميركية، التي جاءت إلى لبنان بقصد التبشير بالمذهب البروتستنتي، وكان منهم جوناس كينغ Jonas King ومن بعده إسحاق بيرد الذي اعتنق أسعد على يده البروتستنتية.
ولما اتصل هذا الخبر بالبطرك الماروني (يوسف حبيش)، كبر عليه الأمر، فاستدعى أسعد ووبخه بشدة، وأنذره بالحرمان والعقاب إن لم يعد لمذهبه. فلما أصرّ أسعد على اعتناق المذهب الجديد أمر البطرك بسجنه بدار الوزيرية بقنوبين.
بقي أسعد مسجوناً مدة ست سنوات، لاقى خلالها ضروب الذلّ والهوان والمرض. وتوفي أخيراً عن عمر لم يتجاوز اثنين وثلاثين عاماً. وكان لهذا العقاب أشد الأثر في نفوس أفراد عائلة الشدياق، نظراً لما كان يتمتع به أسعد من شباب وجمال، وعلم وحياء، ونزاهة وكرم أخلاق.
أما الأخ الرابع وهو غالب فقد رحل إلى مصر 1847م، حيث عين كاتباً في الديوان العالي للحسابات، وحصل على مكانة ممتازة في ظل حكم محمد علي باشا. لكنه لم يلبث طويلاً في مصر، فقد عاد إلى لبنان 1834م، حيث عينه الأمير بشير الشهابي كاتباً في ديوانه.
السيرة الذاتية لأحمد فارس الشدياق:
اختلف المؤرخون في تعيين سنة ولادته ومكانها، فبعضهم يقول إنه ولد في عشقوت سنة 1805م، وبعضهم يقول 1801م، ولكن يمكننا أن نقرّ، اعتماداً على ما جاء في كتاب الدكتور عماد الصلح، أنه ولد 1802م في حارة الحدث بالقرب من بيروت.
لقد ذكر فارس شدياق في بعض مؤلفاته، وخاصة في كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" نبذاً على حياته الخاصة، وهمومه ومسرّاته، حيث تكلم فيها بأسلوبه الفذّ، الذي يجمع فيه بين الجد والهزل، على دراسته ومستوى كفاءة من أخذ عنهم العلم، فقال: إن والديه لم يكن في طاقتهما إرساله إلى الكوفة أو البصرة ليتعلم اللغة العربية، وإنما جعلاه عند معلم في كتّاب القرية التي سكنوا فيها. وكان معلمه، مثل سائر معلمي الصبيان في بلدهِ، لم يطالع في حياته سوى كتاب الزبور، المترجم من السريانية إلى العربية. وكان الطلاب لا يفهمون منه شيئاً لفساد ترجمته، وركاكة عبارته. كما كان المعلمون أنفسهم لا يعرفون اللغة العربية الفصحى، ولا الخط والحساب، ولا التاريخ والجغرافية.
أقام فارس شدياق عند معلمه في الكتاب حتى ختم الزبور، وبعد ذلك أوجس منه المعلم أ ن يربكه بأسئلته المحرجة فتصعب عليه الإجابة عنها، وينفضح جهله بها، فأشار على والده أن يخرجه من الكتّاب ويشغله بنسخ الكتب في المنزل. فلبث على هذه الحالة مدة طويلة. واستفاد خلالها بتجويد الخط، وبحفظ كثير من الألفاظ والمصطلحات العربية الفصيحة وفهم معانيها.
ولما شاعت شهرة فارس بحسن الخط وجودة النسخ استدعاه الأمير حيدر أحمد شهاب، صاحب كتاب "الغُرَر الحسان في أخبار أهل الزمان" لينسخ له ما كان يجمعه من مخطوطات ووثائق لكتابة هذا المؤلف. لكن الأمير كان بخيلاً يقتر عليه في المال، وهذا ما اضطر فارساً لتركه.
لقد أثّر نسخ الكتب إلى جانب الفقر على صحة فارس شدياق فأصبح كما قال عن نفسه: غائر العينين ناتئ الخدّين. -كما وجد أن النسخ مهنة لا تسد رمقاً، وأيقن أن الرزق الذي يأتي من شقّ القلم لا يكون إلا ضيّقاً... لذلك اتفق مع صديق له على استدانة مبلغ من المال لشراء أنواع من البضاعة، والعمل على ترويجها في بعض القرى المجاورة. فاكتريا حماراً هزيلاً لحمل البضاعة، وقاما بعدة جولات لبيعها. وبعد مجادلات مع الشارين طويلة، ومحاولات ومصاولات وبيلة، اقتنع الفارياق وشريكه بالإياب، فرجعا بثمن البضاعة وسلما الحمار لصاحبه.
لقد قرّ رأيهما بعد ذلك على استئجار خان يقع على طريق عام في لبنان. واستبضعا ما يلزم لهما من مختلف المواد والأدوات، فلم تمض عليهما غير مدة قصيرة حتى انتشر صيتهما وكثرت زبائنهما وزادت وأرباحهما. وصار الخان ملتقى أهل الفضل والبراعة، وأصحاب القصص البديعة والأصوات الشجية. وكان الشدياق وزميله يقومان بمهمة الحكم عندما تثور المناظرة والجدل بين الزبائن وتعلو أصواتهم. وهذا ما أثار غضب الجوار من السكان، وبخاصة النساء اللاتي أصبحن يشكون هجر أزواجهن لانصرافهم إلى السهر في خان الشدياق وزميله.
وفي أحد الأيام جرى بين فارس شدياق وجدّه مناقشات ونزاع بسبب رداءة العمل الذي يقوم به فارس وزميله. فاضطر فارس عقب ذلك لترك الخان والعودة إلى البيت. وبعد أيام جاء أخوه أسعد إلى حارة الحدث ليمارس التعليم فيها. فجاءه أميران من تلك القرية ليدرسا عليه النحو، فانضم فارس إليهما، وبهذه الصورة تحسنت معرفته للغة العربية على يد أخيه.
اعتناق فارس شدياق للمذهب البروتستانتي:
كنا تكلمنا على أسعد شدياق، وما جرى له مع البطرك الماروني يوسف حبيش. وقد كتب قصته المأسوية وتوسع فيها المؤرخ بطرس البستاني، ونشرها في كتاب عنوانه "قصة أسعد شدياق" وطبعت لأول مرة 1860م.
وتبدأ هذه القصة عندما ذهب أسعد إلى دير القمر لتعليم مبشر أميركي اسم جوناس كينغ Jonas King اللغة العربية. لقد تمتنت العلاقة بين المعلم وتلميذه، وبعد مدة سافر المستر كينغ إلى بلده في إجازة، بعد أن وجه رسالة قبل سفره إلى معارفه وأصدقائه من اللبنانيين، يدعوهم فيها إلى اعتناق المذهب الجديد أي البروتستانتية.
وبعد أن درس أسعد تلك الدعوة ومحصها اقتنع بها، وصار يلازم المبشر الأميركي إسحاق بيرد Ishac Beard. فغضبت والدة أسعد وإخوته غضباً شديداً، كما غضب عليه البطرك، ومنعه من مخالطة المبشرين وهدده بالعقاب.
لقد أعطى أسعد لأخيه فارس مجموعة من المطبوعات الدينية البروتستانتية ليقرأها. فراقت في عينيه وتفكيره، وأخذ يقنع والدته وأخوته بترك أخيه وشأنه.
وفي أحد الأيام دخل على فارس أخوه منصور، فرآه يقرأ في تلك المطبوعات، فاستل سيفاً وأخذ يضرب أخاه بقفا السيف. ثم تبعه أخوه غالب، وصار يضرب فارساً بعصاه، ويأمره بترك الهرطقة والعودة للصلاة في الكنيسة.
كان أسعد شدياق في ذلك الوقت سجيناً في دير قنوبين، فكتب رسالة إلى المبشر إسحاق بيرد، وأرسلها إليه بواسطة أخيه فارس، وكانت الرسالة مؤرخة في 4/4/1826م، وقال له فيها: "إذا أمكنك أن تجد مركباً متوجهاً إلى مالطة، في برهة أربعة أو خمسة أيام، فأخبرني، وإلا فصلّي لأجل أخيك".
ويقول فارس شدياق إنه لما اشتد الخصام بينه وبين والدته وإخوته بسبب ميله للمذهب الجديد، ذهب إلى المبشر إسحاق بيرد في بيروت، وذكر له ما حدث بينه وبينهم، فنصحه بالصبر والأناة، ومما قال له "إن المبشر كحامل خرج يضع فيه سلعه. ثم يغادر وطنه إلى البلدان القاصية لترويجها، ولا يزال ذلك دأبه حتى يقضي نحبه".
لقد أعجب فارس بكلام المبشر وقال له: "إني مشايعك وحامل الخرج معك" وصار يطلق على المبشرين اسم الخرجيين. أما أسعد فقد ساءت صحته كثيراً في السجن، من جراء الإهانة والتعذيب، وظهرت عليه إمارات الجنون، ويقول الأستاذ عماد الصلح: "لم يُعلم بالضبط متى مات أسعد، ولكن إذا ذكرنا أن المعلم بطرس البستاني قال: "إن البطرك حبيش سجنه في أوائل 1826، وإن فارس شدياق ذكر في كتابه الساق على الساق أن أخاه سجن ست سنوات، قلنا إن حياته لم تتجاوز 1832 إلا قليلاً، أما البطرك حبيش فيقول إنه مات قبل هذا التاريخ بسنتين.
سفر فارس شدياق إلى مصر، ومنها إلى مالطة:
لما وجد المبشر إسحاق بيرد أن من المتعذر عليه إنقاذ أسعد شدياق من سجنه، وترحيله بالتالي إلى خارج لبنان، فضل السعي لإنقاذ أخيه فارس، الذي اعتنق البروتستانتية، وأصبح مرشحاً ليكون مبشراً لهذا المذهب، وبالتالي مهدداً بالسجن والعقاب كأخيه.
وفي اليوم الثاني من شهر كانون الثاني 1826م غادر فارس شدياق مدينة بيروت على ظهر سفينة أقلته إلى الإسكندرية. وكان يحمل كتاباً من المبشر إسحاق بيرد إلى مبشر آخر موجود في مصر، ويطلب فيه مساعدة فارس على السفر إلى مالطة. ولما وصلت السفينة إلى الإسكندرية استقبله القسيس المقيم فيها وأنزله في مسكن يقع بجواره، ولبث عنده ينتظر وصول السفينة التي ستقله إلى مالطة.
ولما تعرف القسيس على فارس شدياق وتحدث معه خلال ذلك، أعجب بذكائه وسعة اطلاعه، ورغب في استبقائه في مصر، إلا أن إسحاق بيرد رفض ذلك، رغبة منه في إبعاد فارس عن جو مصر، الذي يمكن أن يغريه بترك الزهد والتبشير- وبهدف تعليم فارس اللغة العربية للأجانب وتصحيح الترجمات الدينية للمبشرين.
ولما وصل فارس شدياق إلى مالطة طلب منه القسيس أن يغيّر لباسه الشرقي، من عمة وجلباب، وأن يرتدي سروالاً ضيّقاً وقبعة، لكي يكون شبيهاً بالمبشرين الأميركان، كما طلب منه أن يتعلم اللغة الإنكليزية للتعاون مع المبشرين.
ولكن الجو الرطب الذي يسود جزيرة مالطة أصاب الشدياق بداء المفاصل وجعله طريح الفراش، فأشار الطبيب على القسيس أن يعيده إلى مصر. وبلغت مدة إقامته في مالطة سنة أو أكثر قليلاً. ويقال إنه عمل في الطبعة الأميركية الموجودة في تلك الجزيرة، ولكن المطبوعات التي صدرت منها كانت ركيكة العبارة، وهي غالباً بقلم المرسلين الأميركيين الذين كانوا فيها.
عودة الشدياق إلى مصر وعمله وزواجه فيها:
عاد فارس شدياق إلى مصر 1828، كما عاد إلى زيّه الشرقي، ومكث مدة يعمل مع المبشرين الأميركان. فنصحه أحد معارفه أن يتصل برجل وجيه ليؤمن له وظيفة في الدولة. وبهذه الصورة انتقل للعمل في جريدة الوقائع المصرية التي أنشأها الوالي محمد علي باشا. وكانت تلك الجريدة تنشر أخبار هذا الوالي، وفيها كثير من التمجيد لشخصه وأعماله. وصدر العدد الأول منها بتاريخ 3/2/1828 أربع صفحات وباللغة التركية، كما كانت تصدر بصورة غير منتظمة.
كانت المدرسة التي سكن فيها الشدياق بالقاهرة مجاورة لمنزل تاجر سوري من بيت الصولي. وكان لهذا التاجر بنت مغرمة باللهو والطرب. وكان فارس شدياق منذ صباه يجيد الغناء والعزف على الطنبور. فكانت تصعد إلى سطح المنزل وتنصت لغنائه وعزفه. ولما لاحظ أن صعودها كان من أجله مال إليها، وعمل على اللقاء بها عدة مرات. واتفقا بعد ذلك على الزواج. إلا أن أهل الفتاة رفضوا طلبه حينما تقدم لخطبتها، لأنه كان بروتستانتي المذهب، وهم من الكاثوليك، ولما أصر العاشقان على الزواج وافق الأهل، ولكن بشرط أن يعتنق فارس الكاثوليكية ولو ليوم واحد.
لقد امتلأ قلب شدياق بحب مصر، فلم يترك فيها شاردة ولا واردة إلا وصفها بإسهاب، ففيها يجد الغريب ملهى ومأوى، وينسى عندها أهلاً ووطناً، مسيحياً كان أم مسلماً. ووصف لطافة أهلها وظرافة أقوالهم وسهولة معشرهم. ففيهم العالم والفقيه، والشاعر والأديب. وهي بلد الخير ومعدن الكرم... وعدد المهن المنتشرة فيها، كما وصف أصحابها وطرق معاملتهم لأفراد الشعب. وخصّص الفصل العاشر من كتاب الساق على الساق ص(216) للكلام عن الطب والأطباء في مصر. وجاء بأمثلة طريفة على الطرق المتبعة لديهم في معالجة المرض.
كان فارس قد تلقى قبل زواجه 1834م كتاباً من رئيس جمعية التبشير في مالطة يعرض عليه فيه وظيفة مترجم ومصحح لما يطبع من كتب التبشير البروتستنتي، وبأجرة تفوق ما كان يتقاضاه من الخرجي بمصر. ولما عزم على السفر أطلع خطيبته قبل زواجهما على ذلك، فرضيت أولاً ثم عدلت عن ذلك بعد الزواج، بحجة أن النساء يتعرضن للخطر أو العقم عند السفر، يضاف إلى ذلك أن من الصعب عليها فراق أهلها وأصحابها بمصر للذهاب إلى بلد ليس لهما فيه قريب أو صديق. فقال لها زوجها إن صديقهما الخرجي سيسافر هو وزوجته معهما، كما أن والدتها شجعتها على السفر، وكذلك فعل الطبيب الذي استشارته في هذا الأمر، فسكن روعها ووافقت على السفر.
كان المبشر الذي صحب الفارياق وزوجته قد كتب رسالة إلى أحد معارفه بالإسكندرية يطلب منه فيها أن يهيئ لفارس وزوجته منزلاً ليقيما فيه، ريثما تأتي السفينة التي سوف تقلّهما إلى جزيرة مالطة. وكانت زوجة الشدياق شأنها شأن البنات في مصر وبلاد الشام، في ذلك الوقت، لم تعاشر أحداً سوى الخدم وأهل البيت. وكانت أمها لم تطلعها على شيء من أمور الدنيا، كما يقول زوجها، مخافة أن تنجلي الغشاوة عن عينيها قبل الأوان. ولا يخفى أن البنات إذا كنّ يجهلن القراءة والكتابة، وحسن المحاضرة، وآداب المجالس والموائد، فلا بدّ أن يتجّهن إلى معرفة المكائد والحيل عن طريق الخدم. وربما أفضى بهن هذا الجهل إلى التهافت على الشباب والانقياد لهم دون النظر إلى العواقب.
أما إذا تعلمت الفتاة مزاولة أحد الفنون، وانصرفت للمطالعة والكتابة في أحد العلوم المفيدة فإنها تصبح صنو الشاب المثقف، بحيث تستطيع منعه من التطاول عليها بعلمه ومعرفته، كما تمنعه من تجاوز حدود الأدب، إذا سعى إلى تجاوزها.
لقد أوغل الشدياق بالكلام على الحياة الزوجية وأسرارها الخفية، كما وصف محاسن جسم المرأة ومساوئه، متبعاً الطريقة التي عُرف بها، وهي مزج الجد بالهزل، والحقيقة بالخيال، وخصص لذلك كثيراً من صفحات كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق". ونظراً لاهتمامه الدائم بمعاني الألفاظ العربية فقد أنهى حديثه عن المرأة بذكر ما ينيف على أربعين لفظة تدل كل واحدة منها على إحدى الصفات الحسنة أو القبيحة، مما تتصف به المرأة عادة.
لقد وصف الشدياق حاله بعد الزواج، وكيف تلاءمت الميول والطباع، بينه وبين زوجته، معترفاً بما فيها من محاسن وما فيه من عيوب، وقال: "وإن يكن بي من عيب في خَلْقي، يستره عني حُسن خُلُقي. فإني لا أعارضها في طعامها ولا في لباسها، أو في صحوها ومنامها.." وأخيراً يقول: "وفي الجملة فإن عيشي معها أصبح رغيداً، وحالي سعيداً، وحظّي مديداً، وطعامي مريّاً، وشرابي هنيئاً، وثوبي وضيئاً، وفرشي وطيئاً، وبيتي مأنوساً".
عودة فارس شدياق مع زوجته إلى مالطة:
في عام 1834م تلقى الشدياق كتاباً من رئيس جمعية التبشير الكنسية في مالطة، يعرض عليه تولّي وظيفة مترجم ومصحح للكتب والمنشورات المتعلقة بالتبشير البروتستني، والإشراف على ما يطبع منها. ولما عرض الشدياق الأمر على زوجته وافقت على السفر، ذلك لأن راتب الوظيفة المعروض أعلى مما كان يتقاضاه زوجها من قسيس مدرسة الدير التي كان يدرّس فيها.
بدأ الشدياق بتنفيذ العمل الذي جاء من أجله إلى مالطة، وهو ترجمة "كتاب الصلوات" المستعمل في الكنيسة الإيرلندية، والخاص بالمذهب البروتستنتي، مع ترجمة مزامير داود. وفي هذا الكتاب بعض النصوص المقتبسة من الكتاب المقدس (التوراة). وقد تم طبعه بعد ترجمته إلى اللغة العربية 1840م.
لقد أتقن الشدياق ترجمة هذا الكتاب، فنال إعجاب المبشرين، وأثنوا عليه أمام حاكم الجزيرة. وهذا ما دعاه لأن يطلب من فارس شدياق تعليم اللغة العربية للطلاب في مدرسة الجزيرة. وتحقيقاً لطلب الحاكم وزع الشدياق وقته للعمل بالترجمة والتأليف وطبع الكتب إلى جانب التعليم في المدرسة.
وبتاريخ 5/4/1839م أرسل فارس إلى أخيه طنوس رسالة يقول له فيها: إنه يعمل في المطبعة التي هي لمجمع الإنكليز. وفي تلك المطبعة عمل فارس على طبع الكتب لطلاب المدارس. وهي من أوائل المطابع في الشرق وقد جرى الطبع فيها باستعمال القوالب الرصاصية للحروف العربية التي يلتصق بعضها ببعض.
قام الشدياق أثناء وجوده في مالطة أيضاً بتأليف عدة كتب لتعليم اللغة العربية للأجانب، منها كتاب "اللفيف في كل معنى طريف"، وهو يضم أمثالاً وحكماً عربية، وقصصاً مقتبسة من كتاب كليلة ودمنة. كما ألف كتاباً لتعليم اللغتين العربية والإنكليزية دعاه "المحاورة الأنسية في اللغتين العربية والإنكليزية" وهو يشتمل على جمل مكتوبة باللغة الإنكليزية مع ترجمتها إلى اللغة العربية، وألف أيضاً كتاباً في النحو المقارن بين اللغتين العربية والإنكليزية دعاه "الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية"، وتم طبع الكتابين الأخيرين في مجلد واحد 1299هـ/ 1881م.
لم يقتصر نشاط الشدياق على وضع المؤلفات اللغوية، فقد قام بتصحيح كتاب في الجغرافية، واسمه "الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار"، كما ترجم كتاب "شرح طبائع الحيوان"، ثم أشرف على طباعة تلك الكتب.
لقد أقام الشدياق في جزيرة مالطة مدة أربعة عشر عاماً، فعلّم في مدارسها، واختلط بسكانها، وسجل مشاهداته وخواطره عما صادف فيها. ووضع ذلك في كتاب أطلق عليه اسم "كتاب الواسطة في معرفة أحوال مالطة". ولما دعته لجنة الترجمة، التابعة لجمعية نشر المعارف المسيحية، إلى لندن للتعاون معه على ترجمة "كتاب الاختيارات من كتاب الصلوات العامة" أخذ يسجل ما شاهده في تلك المدينة وفي غيرها من المدن الأوربية. ثم قام بتأليف كتاب ضم تلك الذكريات ودعاه "كشف المخبّا عن فنون أوربا". وطُبع الكتابان معاً فيما بعد في مطبعة الجوائب بالقسطنطينية، وذلك سنة 1299هـ/ 1881م وكان الشدياق قد أسس جريدة " الجوائب" بالقسطنطينية سنة 1277هـ بعد أن أقام فيها بضع سنين.
ومما ذكره فارس شدياق، في المقدمة الموحّدة لهذين الكتابين، والتي تدل على اعتناقه الإسلام، قوله بعد البسملة: "الحمد لله الذي أحصى كل شيء كتاباً، وأعد للمتقين جزاء حساباً. والهم ابن آدم أن يضرب في الأرض ويكدح لنفسه كدحاً، ويجوب مناكب البلاد ويسعى ليدرك نجحاً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله، والذي بهرت آيات نبوّته الناظرين، وبزغت شمس دينه فأفل منها سها الكافرين. ونادى بالحق فزهق الباطل وامّحى طلله...".
سفر فارس شدياق إلى إنكلترا:
كانت لجنة الترجمة التابعة لجمعية نشر المعارف المسيحية في لندن قد كلفت الشدياق 1843 بترجمة كتاب "الاختيارات من كتاب الصلوات العامة، والأدعية التي تتلى في أيام الآحاد والأعياد ومعمودية الأطفال". وهو كتاب كبير، يحوي فصولاً من الكتاب المقدس، منها المزامير وبعض الإصحاحات من الأناجيل. وكان لهذا الكتاب أهمية كبيرة بالنسبة لسكان أوربة وآسيا وأفريقية من المسيحيين المتكلمين باللغة العربية.
ولما ذهب إلى لندن المطران اثناسيوس التتنجي الحلبي، مطران طرابلس الشام للروم الكاثوليك، واتصل بأعضاء لجنة الترجمة المذكورة، سألوه عما تمّ في ترجمة ذلك الكتاب من الإنكليزية إلى العربية. فطعن المطران بترجمة الشدياق، وطلب منهم أن يفوّضوه للقيام بهذا العمل، لكي تكون لغته وأسلوبه أكثر فهماً من قبل الطوائف المسيحية. فاقتنعت اللجنة برأي المطران، وأقالت الشدياق دون أن تعلمه بالسبب.
أعاد المطران النظر بترجمة الشدياق، وجعل يبدّل الألفاظ العربية الفصيحة، الواردة في الكتاب المترجم، بألفاظ عاميّة ركيكة. وحينما انتهى من ذلك أرسل الكتاب للطبع.
كان مدير المطبعة من أصدقاء الشدياق، فكلّفه بتصحيح أخطاء الطبع، دون التعرّض لتصحيح أخطاء الترجمة. وبهذه الصورة اطلع الشدياق بصورة غير مباشرة على المكيدة التي قام بها المطران التتنجي، والتي أدت لإقالته من عمله.
لذلك قام الشدياق بتحرير رسالة باللغة العربية بيّن فيها جملة من الأخطاء اللغوية والنحوية الواردة في ترجمة المطران، وأرسلها إلى اللجنة في لندن. وفي أوائل 1844م عُرضت انتقادات الشدياق على اللجنة، فوجدت أنها تافهة أو غير صحيحة. فغضب الشدياق وهدد بنشر رسالته في الجزيرة التي تصدر بمالطة. ولما نفذ تهديده قطعت اللجنة علاقتها به.
لقد ساءت الحالة المادية لفارس شدياق بسبب انقطاع موارده من الترجمة وتصحيح الطباعة. كما ساءت علاقته بالمطران التتنجي بسبب الهجاء المقذع الذي وجهه له، فقرّر ترك مالطة والرجوع إلى مصر والاستقرار فيها.
إلا أن أعضاء اللجنة داخلهم الريب بصحة ترجمة المطران، التي قام بها بعد تنحية الشدياق. فعرضوها على بعض العلماء الملمين باللغة العربية، ومنهم الدكتور صموئيل لي Samuel Lee
(1783- 1852)م، الأستاذ في جامعة كمبردج في إنكلترا. فأجمعت آراؤهم على أن الشدياق مصيب بانتقاده للترجمة التي قام بها المطران. فاقترحوا تنحية المطران عن عمله، كما اقترح الدكتور لي دعوة الشدياق إلى إنكلترا لمتابعة عمله في الترجمة. ولما تبلّغ الشدياق قرار اللجنة أبدى موافقته على التوجه إلى إنكلترا. لكنه اشترط احتفاظه بوظيفته كمدرّس للغة العربية في مالطة بعد إنجازه عمله. ولما حصل الشدياق على موافقة اللجنة استدعى زوجته وأولاده من مصر، وهيّأ لهم مسكناً لإقامتهم في جزيرة مالطة. وفي أوائل عام 1846م سافر الشدياق من مالطة إلى لندن عن طريق مرسيليا وباريس. وكان السبب في مجيئه العمل على ترجمة "كتاب الاختيارات العامة" من اللغة الإنكليزية إلى العربية، بالتعاون مع الدكتور لي، والمقيم في قرية بارلي الواقعة في ضاحية لندن.
كانت قرية بارلي متأخرة من ناحية الحضارة والعمران، ويقول الشدياق إنه لم يجد فيها من المآكل إلا نفاية ما يوجد في المدن. فاستولى عليه فيها، من سوء الطعام ورداءة الجو، ضعف في المعدة، ووهن في الركب. وأصيب بالغشي في دار "الدكطرلي" في إحدى المرات، فأمر الخادمة أن تسعفه بقطعة من الخبز المشوي.
وفي تلك القرية بدأ الشدياق بتأليف كتابه: "الواسطة في معرفة أحوال مالطة". ومما قاله فيه:
"لقد قدّر لي أن أؤلف هذا الكتاب لا في مروج إيطاليا النضيرة، ولا في رياض الشام الأنيقة، فأخال أن بين كل كلمتين منه (أي الكتاب) أرى دخاناً متصاعداً، وظلاماً متكاثفاً. وكنت كلما خرجت من حجري إلى موضع أتوجّس أن يصيبني سوء، إما من تزاحم الناس أو البهائم، أومن رداءة الطعام الذي يؤكل في المطاعم".
لقد شملت سخرية الشدياق أموراً كثيرة لاحظها في بلاد الإنكليز، ومنها عاداتهم وتقاليدهم، ومآدبهم وطبخهم، وطبائعهم وكساؤهم، وبخلهم وبلادتهم، ولهوهم ومعتقداتهم، وأشرافهم ورجال دينهم، وطلاّب جامعاتهم وأساتذتهم.
لقد أنهى الشدياق، بالتعاون مع الدكتور لي، ترجمة كتاب "الرسوم الكنسية وطقوسها"، ثم انتقلا إلى جامعة كمبردج لمراجعة الترجمة مع الأستاذ جاريت Jarret، أستاذ اللغة العربية فيها. وفي عام 1849م وضعت لجنة الترجمة والنشر التابعة "لجمعية نشر المعارف المسيحية" تقريراً أثنت فيه على العمل الذي قام به الدكتور لي مع فارس الشدياق، وطبع هذا الكتاب مع مزامير داود في لندن
1850م.
قبل مغادرة الشدياق لجزيرة مالطة جرى بينه وبين زوجته حديث تذكرا فيه الأيام السعيدة التي مرّت عليهما في الخطبة والزواج في مصر. فأراد الشدياق أن يتأكد من بقاء زوجته وفيّة له أثناء غيابه، فقالت له:
"إعلم أن بعض النساء لا يتحرجّن عن وصال غير بعولتهن لسببين: الأول لعدم اكتفائهن بالمقدار المرتّب لهن منهم. والسبب الثاني لاستطلاع أحوال الرجال واختبارهم، أو لاعتقادهن أن الزوج يخون زوجته عند كل فرصة تسنح له. ثم قالت: "وإني أعاهدك على ما كنا عليه من الحبّ والوداد من أيام السطح إلى الآن. ولكن حين أشعر أنك بدّلت السطح بالشطح أقابلك بفعل مثل فعلك، والبادي أظلم".
وبعد غياب دام ثمانية أشهر أو تزيد عاد الشدياق إلى مالطة، بعد أن أنهى الترجمة التي قام بها مع الدكتور لي. وكان أثناء غيابه دائم التفكير في زوجته، كما كان يلوم نفسه لعدم اصطحابها معه في سفره. وكانت تمرّ بمخيلته أحياناً هواجس تجعله يسيء الظن بها، سيما وأنها سمحت له بالسفر وحيداً مع التشجيع ودون ممانعة.
وحينما فتح باب منزله شمّ رائحة الخيانة، كما قال في رسالة بعث بها إلى أخيه طنّوس، إذ وجد عند زوجته شاباً مليح الصورة، وهما منفردان في المنزل.
لقد ساءت العلاقة بين الزوجين، وتدهورت الحالة النفسية لفارس، فلازم منزله خجلاً من لقاء الأصدقاء، وكانت مصيبته في هذا الحادث لا تقل سوءاً عن مصيبته حينما فقد أخاه أسعد، ومن المستغرب أنه حينما تكلم على صفات المرأة وطباعها، وخصص لذلك عدة أبواب من كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" لم يذكر شيئاً عن هذا الحادث، بل على العكس نجده قد غالى في وصف محاسن زوجته، ومحبتها وإخلاصها له.
عودة الشدياق إلى إنكلترا:
في أوائل عام 1848م رغبت لجنة الترجمة التابعة لجمعية نشر المعارف المسيحية، القيام بترجمة عربية جديدة للكتاب المقدس (التوراة)، عن طريق اللغات القديمة التي كتب بها. فاقترح الدكتور لي على الأعضاء أن يكلّفوا فارس شدياق القيام بهذا العمل، على أن يكون ذلك تحت إشرافه شخصياً. وعندما وافقت اللجنة على اقتراحه أسرع بإرسال كتاب إلى الشدياق يعلمه بذلك. ولما كان هذا العمل يستغرق إنجازه سنتين على الأقل لذلك لم يرَ الدكتور لي مانعاً من أن يصطحب الشدياق عائلته معه في سفره إلى إنكلترا.
لقد اغتبط الشدياق بهذا التكليف، لكنه اشترط أن يكون الراتب الذي سيتقاضاه عن هذه الترجمة يوازي مجموع دخله في جزيرة مالطة. ولما وافقته اللجنة على ذلك غادر الجزيرة مع عائلته في أيلول 1848م متجهاً إلى لندن عن طريق مرسيليا -باريس- كاليه- وبعد وصوله إلى لندن توجه إلى قرية بارلي، التي أطلق عليها اسم القرية المشؤومة. ذلك لأن ابنه أسعد، وهو أصغر أولاده وأحبهم إليه، أصيب فيها بمرض الخناق (دفتريا)، وتوفي عن عمر لا يتجاوز السنتين. فرثاه والده بقصيدة عصماء تنم عن شدة حزنه ولوعته، ومنها هذه الأبيات:
الدمع بعدك ما ذكرتُك جارِ
والذكرُ ما واراك تربٌ وار
يا راحلاً عن مهجةٍ غادرتها
تصلى من الحسرات كل أوار
سيّان إن جنَّ الظلام عليّ أو
طلع الصباح وأنت عني سار
وفي النهاية يقول:
بعضُ الرزايا قد يُساغ وبعضها
يبقى شجاً يُشجي مدى الأعصار
لقد كره الشدياق تلك القرية المشؤومة بعد وفاة ولده فيها، لذلك رأت اللجنة، حرصاً منها على استمرار العمل في الترجمة، أن تنقله إلى كمبريج، وهي قريبة من قرية بارلي، فسافر الشدياق إليها مع أهله، وبقي فيها ما يزيد على السنة، حيث واصل عمله مع الدكتور لي، وغيره من أساتذة جامعة كمبريج.
مكث الشدياق في مالطة زهاء (14) عاماً، قام خلالها بالإضافة إلى الترجمة والتعليم، بتأليف بعض الكتب المدرسية، ومنها: "اللفيف في كل معنى طريف"، كما ترجم كتاب "شرح طبائع الحيوان". وقام في تلك الفترة أيضاً بعدة زيارات لأقطار عربية، وهي سورية ولبنان وتونس. وبعد أن أنهى في لندن الترجمة الجديدة للكتاب المقدس، تحت إشراف الدكتور صموئيل، ذهب مع أسرته إلى باريس حيث عاش حياة حرة طليقة دامت أكثر من سنتين، وألّف خلالها كتابه المشهور "الساق على الساق فيما هو الفارياق". ثم عاد بعدها إلى لندن حيث ألف كتابه "كشف المخبأ عن فنون أوربا".
لقد حاول الشدياق، أثناء وجوده في لندن، الحصول على منصب في إحدى الكليات الإنكليزية لتعليم اللغة العربية، ولكنه وجد أن هذه اللغة غير مرغوب بها. كما وجد أن من يريد تدريس
إحدى اللغات الشرقية عليه أن يدرّس اللاتينية. يضاف إلى ذلك أنهم لا يرغبون توظيف الأجانب في تلك المدارس.
لهذه الأسباب قرر الشدياق، في أوائل عام 1850م، الإقامة في باريس، لأن المعيشة فيها رخيصة، ولغة العرب فيها شائعة، كما قرر تعلّم اللغة الفرنسية للحصول على مصدر الرزق. يضاف إلى كل ذلك أن الأطباء الإنكليز قد نصحوا الشدياق بنقل زوجته إلى فرنسا بسبب إصابتها بخفقان القلب. ولكن الخفقان لازمها في باريس. فأشار الأطباء بأن تترك باريس إلى مرسيليا أو إلى استانبول، لأن الجو فيهما دافئ، فسافرت إلى استانبول ومعها ابنها سليم.
أما فارس فقد بقي وحيداً ومتسكعاً في باريس، فصرف ما كان ادّخره من المال على القمار والشراب والسكن. ولما جاء الأمير عبد القادر الجزائري إلى باريس 1853م استقبل بحفاوة بالغة من قبل الدولة والشعب. فانتهز الشدياق الفرصة ونظم قصيدة مدحه فيها وأرسلها إليه فسرّ الأمير بالقصيدة، واستدعى الشدياق لزيارته، فلما حضر شكره الأمير على ثنائه وأجزل له العطاء.
لقد أعجب الشدياق باللغة الفرنسية وأحب أن يتعلمها، فاتفق مع رجل فرنسي، يرغب بتعلم اللغة العربية، على أن يعلم كل منهما الآخر دون أجر. كما تعرّف على بعض مدرسي اللغة العربية في باريس ومنهم: Reimaud, Caussim de Perceval. وعقد الصداقة مع المستشرق الفرنسي Etienne de Quatremere، واجتمع بالشاعر الفرنسي المشهور Alphonee de Lamartine. ومن الشخصيات الرسمية الفرنسية التي تعرّف عليها الشدياق وتعددت اجتماعاته معه الكونت دوكرانج، وهو ترجمان الدولة الفرنسية، وقد ساعده الشدياق على ترجمة بعض الرسائل الفرنسية إلى اللغة العربية. وفي أحد اجتماعات الشدياق مع الكونت سأله الأخير عمّا إذا كان من الصحيح ما يقال عنه بأنه يعمل جاسوساً من قبل الحكومة الإنكليزية في فرنسا. فأجابه الشدياق: "بودي لو كنت جاسوساً، إذن ما كنت لأكلف أحداً بشيء، فإن جاسوس الإنكليز يستغني بوظيفته عن أن يتوصل بأحد لنوال أربه".
مكث فارس شدياق في باريس من أوائل عام 1850م إلى منتصف عام 1853. وقام أثناء ذلك بتأليف ثلاثة كتب هي، "سر الليال" و "الجاسوس على القاموس" و"منتهى العجب". كما ألّف كتاباً في قواعد اللغة الفرنسية، بالاشتراك مع غوستاف دوغا، عضو الجمعية الآسيوية، ودعاه "السند الراوي في الصرف الفرنساوي".
لقد شاعت في البلاد الإسلامية أنباء الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، ولما كان فارس شدياق يتردد إلى لندن فقد قام بنظم قصيدة يمدح فيها السلطان ويدعو الناس للجهاد دفاعاً عن الدولة، ثم قدّمها لسفير الدولة العثمانية الذي رفعها للصدر الأعظم في استانبول. ونظراً لما لاقته تلك القصيدة من الاستحسان فقد صدر الأمر من الباب العالي بتعيين الشدياق موظفاً في ديوان الترجمة السلطاني. ولكن نظراً لعودة زوجة الشدياق من استانبول إلى مالطة في ذلك الوقت، ولحصول الشدياق على عمل في لندن لذلك عدل عن قبول الوظيفة في ديوان الترجمة. أما العمل الذي وجده الشدياق في لندن فهو كاتبٌ في محلات الخواجات حوّا. وبالرغم من الجهد الذي كان يبذله الشدياق في تلك المحلات فقد استطاع إنجاز تأليف كتاب "كشف المخبَّا عن فنون أوربا". وقد أودع فيه ما رآه وعاناه في سفره بين لندن وباريس.
كان فارس شدياق يعيش مع ابنه المريض فايز، المصاب بداء الخنازير، وكانت زوجته تعيش في مالطة ومعها ابنها سليم. وكان راتب فارس الهزيل لا يسد حاجتهم للغذاء والدواء رغم التّقتير، والجهد. وفي أحد الأيام أرسل سليم إلى والده يخبره أن والدته في حالة النزع. ولما كان ابنه فائز بحاجة إلى جو دافئ، حسب نصيحة الطبيب، فقد نوى إرساله إلى مالطة ليرى والدته قبل وفاتها، ولكن لأمر ما وجد من الأنسب إرساله إلى دمشق حيث يقطن خاله. وهكذا تبعثر أفراد هذه الأسرة وحلّ بهم البؤس والشقّاء. ومما زاد الأمر تعاسة فصل فارس من وظيفته التي أمضى فيها سنتين.
سفر فارس شدياق إلى تونس:
كان الوزير التونسي خير الدين باشا قد قام بزيارة لأوربا وعاش فيها عدة سنوات قبل أن يتولى الحكم في تونس. فلفتت أنظاره النهضة العلمية التي بدأت تنمو وتزدهر فيها، وخاصة في فرنسا. وألف بعد عودته كتاباً دعاه: "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" ومن آرائه التي أوردها في هذا الكتاب اقتناعه بأن السبيل الوحيد لنهضة العالم الإسلامي هو اقتباس الأفكار العلمية والسياسية المنتشرة في أوربا، وإنشاء المؤسسات التي تعمل على نشرها.
وحينما زار خير الدين باشا باي تونس لندن، وكان الشدياق فيها، بادر إلى تهنئته بالوصول، وأنشده قصيدة مدحه فيها. فوقعت في نفسه موقعاً حسناً، وعرض على الشدياق وظيفة حسنة في تونس، وهي إنشاء صحيفة (جورنال) تضم الأخبار الداخلية والخارجية، مترجمة من اللغات الأجنبية أو غير مترجمة.
في أواخر عام 1846م سافر باي تونس الأمير أحمد باشا إلى باريس بدعوة من الحكومة الفرنسية، وذلك للاطلاع على ما وصلت إليه الحضارة في أوربا في ذلك العصر. وأثناء هذه الزيارة تبرع لفقراء مرسيليا وباريس بمبالغ مجزية من المال. وكان فارس شدياق حينئذ يقوم بالتعليم في باريس، ويعيش في ضنك لضآلة مورد رزقه. فانتهز فرصة زيارة الباي وأرسل إليه قصيدة يمدحه بها. فأعجب الباي بالقصيدة، وأرسل إلى الشدياق رسالة يدعوه بها لزيارة تونس مع عائلته على متن سفينة حربية أرسلها لنقلهم. فلبى الشدياق الدعوة وسافر إلى تونس مصطحباً زوجته وولديه أسعد وسليماً، وحلّ ضيفاً في دار أمير البحر التونسي. ولما زار الشدياق باي تونس للسلام عليه أكرمه الباي وأنعم عليه، ثم زار بعد ذلك الوزير مصطفى باشا، الذي كان يجمع تحت سلطته كامل أمور الدولة، ولما تحدث الوزير مع الشدياق أعجب بفطنته وذكائه وإتقانه للغة الإنكليزية. فكلفه بنقل ما يصل إليه من أخبار السياسة الدولية، المنشورة في الصحف الإنكليزية، ومنحه راتباً جيداً إضافة للهدايا الثمينة التي غمره بها الباي.
لقد أطلق على الصحيفة التي عهد إلى فارس الشدياق رئاسة تحريرها اسم "جريدة الرائد التونسي" وكان لهذا التكريم أثر بليغ في نفس الشدياق فاعتنق الإسلام، وأطلق على نفسه اسم أحمد فارس الشدياق، وكنى نفسه بأبي العباس، وجرى إسلامه على يد مفتي الحنفية محمد بيرم الرابع، وكانت إضافة اسم أحمد تيمناً باسم الباي المصلح أحمد باشا، وكُني بأبي العباس على عادة أهل تونس في تكنية من اسمه أحمد. ويقول الأب لويس شيخو، في مجلة المشرق، إن الشدياق أسلم طمعاً في المناصب، ولا يستبعد أن يكون الشدياق قد اتخذ قراره باعتناق الإسلام رغبة منه في الاندماج مع أكثرية سكان العالم العربي الذي عاش فيه الشدياق، واعتزازه الواضح في مؤلفاته بالتراث الإسلامي، وكثرة استشهاده ببعض آيات القرآن الكريم.
وفاة الشدياق ودفنه في لبنان:
في صيف عام 1887 توفي الشدياق وهو في مصبغة بقاضي كوي باستانبول. فصدرت الإرادة السنية بدفنه في تربة السلطان محمود، إلا أن ولده سليماً، الذي كان مع والده في استانبول، التمس من السلطان أن يكون دفن جثمان والده في جبل لبنان، عملاً بوصية والده، فأذن له القيام بذلك.
لقد نقل جثمان الشدياق على باخرة نمساوية حملته إلى لبنان ولما وصل النعش إلى بيروت سار خلفه حملة الرايات، ومشايخ الطرق أمامه. وهم يهللون ويكبرون. وسار وراءه المفتي والعلماء ورجال الشرطة وابنه سليم. ولما وصلوا إلى الجامع الكبير وتمت الصلاة عليه، قام بعض أصدقائه بإلقاء الخطب والقصائد في رثائه. ثم وضع النعش بعد ذلك على عجلة الأموات ليصار إلى دفنه في قرية الحدث.
لقد ذكر الكاتب والمؤرخ مارون عبود في نهاية كتابه "صقر قريش" أن جريدة "صوت الأحرار" نشرت بتاريخ 8 آذار 1938 الخبر الآتي:
"منذ خمسين سنة جيء بجثمان الفقيد العلامة أحمد فارس شدياق من استانبول إلى مسقط رأسه في قرية الحدث بلبنان حيث دفن في مقبرة العائلة، ثم نقل إلى مقبرة خاصة في الحازمية بجوار مدافن المتصرفين.
وحدث أخيراً أنه بينما كان العمال يحفرون الأرض على طريق عالية، لاختصار المسافة وتجنّب الأكواع، عثروا على نعش من الرصاص. ولما فتحوه وجدوا فيه جثمان أحمد فارس الشدياق، وهو على حاله، كأنه مات منذ يومين. ونقل التابوت إلى مدفن جديد يقع في ضواحي الحازمية. وشاع عند العوام أن الشدياق قديس، لأن جسده لم يَبْلَ بعد مضي خمسين سنة على وفاته".
المراجع:
1-كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق، تأليف فارس شدياق.
2-كتاب الواسطة في معرفة أحوال مالطة، تأليف فارس شدياق.
3-كتاب كشف المخبا عن فنون أوربا، تأليف فارس شدياق.
4-الكتاب المقدس (التوراة).
5-صقر لبنان للأستاذ مارون عبود.
6-أحمد فارس الشدياق لعماد الصلح.

===========================


مجلة التراث العربي
مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 86-87 ربيع الآخر 1423 هـ آب (أغسطس) 2002 السنة الثانية و العشرون

أبو سليمان الجسمي
28-03-12, 12:57 PM
رحمه الله رحمة واسعة
كلما أزددت قراءة عن حياته زاد حبك له