المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسائل التي نقدها ابن رشد في مذهب الأشاعرة


عبد الباسط بن يوسف الغريب
25-12-09, 08:44 PM
المسائل التي نقدها ابن رشد في مذهب الأشاعرة
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
فهذا جمع للمسائل التي نقد فيها ابن رشد الأشاعرة في مذهبهم , وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وعلم الإنسان باختلاف هؤلاء , ورد بعضهم على بعض , وإن لم يعرف بعضهم فساد مقالة بعض ؛ هو من أنفع الأمور ؛ فإنه ما منهم إلا من قد فضل مقالته طوائف ؛ فإذا عرف رد الطائفة الأخرى على هذه المقالة عرف فسادها ؛ فكان في ذلك نهى عما فيها من المنكر والباطل , وكذلك إذا عرف رد هؤلاء على أولئك فإنه أيضا يعرف ما عند أولئك من الباطل ؛ فيتقي الباطل الذي معهم ثم من بين الله له الذي جاء به الرسول إما بأن يكون قولا ثالثا خارجا عن القولين , وإما بأن يكون بعض قول هؤلاء وبعض قول هؤلاء .
منهاج السنة النبوية (5|148)
وقد جمعتها من كتبه التالية :
تهافت التهافت , الكشف عن مناهج الأدلة , فصل المقال , ضميمة في العلم الإلهي .
وقد وضحت بعض المسائل التي ذكرها ابن رشد في رده على الأشاعرة , وبينت فيها قول أهل السنة , وسكوتي عن كثير من كلامه لا يستلزم الإقرار على كل جزئية يذكرها , والله هو الموفق .
المسألة الأولى : ذهب الأشاعرة إلى أن الفعل يتراخى عن الفاعل , والسبب في ذلك خوفا من إثبات حوادث لا أول لها , وأنه لو قارن الفعل للفاعل للزم من ذلك عندهم مقارنة المفعول للفاعل والذي ترتب على ذلك القول بقدم العالم .
مع بيان أن الأشاعرة يقولون الفعل هو المفعول
قال شيخ الإسلام : و الجمهور المثبتون للصفات هم في الفعل على قولين
منهم من يقول لا يقوم به فعل و إنما الفعل هو المفعول و هذا قول طائفة منهم الأشعرى و من وافقه من أصحابه .
مجموع الفتاوى (16|374)
قال شيخ الإسلام : القول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه كما في مسألة حدوث العالم ؛ فإنهم لا يذكرون إلا قولين قول من يقول بقدم الأفلاك , وإن كانت صادرة عن علة توجبها ؛ فالمعلول مقارن أزلا, وقول من يقول بل تراخى المفعول عن المؤثر التام وأنه يمتنع أنه لم يزل متكلما إذا شاء ويفعل ما يشاء .
والقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه ؛ وهو القول بأن الأثر – أي المفعول - يتعقب التأثير التام – أي الفعل مع الإرادة والقدرة - فهو سبحانه إذا كون شيئا كان عقب تكوينه له كما قال تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } [يس : 82 ] وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والعتاق عقب التطليق والإعتاق والانكسار والانقطاع عقب الكسر والقطع فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن , ويذكرون في كونه موجبا بذاته وفاعلا بمشيئته وقدرته قولين فاسدين:
أحدهما : قول من يقول المتفلسفة وأن معلوله يجب أن يكون مقارنا له في الزمان أزلا وأبدا .
وهذا القول من أفسد أقوال بني آدم فإنه يستلزم أن لا يحدث في العالم حادث ؛ فإنه إذا كانت علة تامة أزلية ومعلولها معها والعالم كله معلوله إما بواسطة وإما بغير واسط لزم أن لا يكون في العالم شيء إلا أزليا فلا يكون في العالم شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة .
ثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذي يفتقر إلى محدث ؛ فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذي به أثبتوا الواجب , ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود , وهو إخلاء للوجود عن النقيضين , وإما أن يكون جميعه واجب الوجود فيكون الحادث الذي كان بعد أن لم يكن واجب الوجود .
وأيضا فإذا كان المعلول لا يكون إلا مع علته التامة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث إلا مع تمام علته ولم يحدث حين حدوثه ما يوجب حدوث علة تامة له , وإن قدر حدوث ذلك لزم حدوث تمام علل ومعلولات في آن واحد , وهو تسلسل في العلل , وذلك معلوم الفساد بصريح العقل واتفاق العقلاء بخلاف تسلسل الحوادث المتعاقبة وهو أنه لا يكون حادث إلا بعد حادث فهذا فيه نزاع مشهور ... .
والثاني : قول من يقول : أنه فاعل مختار لكنه يفعل بوصف الجواز فيرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح إما بمجرد كونه قادرا أو لمجرد كونه قادرا عالما أو لمجرد إرادته القديمة التي ترجج مثلا على مثل بلا مرجح ويقولون : إن الحوادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة من غير سبب يوجب الحدوث فيقولون بتراخي الأثر عن المؤثر التام .
وهذا وإن كان خيرا من الذي قبله , ولهذا ذهب إليه طوائف من أهل الكلام ففساده أيضا بين ؛ فإنه إذا قيل : إن المؤثر التام حصل مع تراخي الأثر عنه وعند حصول الأثر لم يحصل ما يوجب الحصول كان حاله بعد حصول الأثر وقبله حالا واحدة متشابهة ثم اختص أحد الحالين بالأثر من غير ترجيح مرجح وحدوث الحادث بلا سبب حادث وهذا معلوم الفساد بصريح العقل .
والقول الثالث : قول أئمة السنة : إنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ؛ فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته , وما لم يشأه امتنع لعدم مشيئته له فهو موجب بمشيئته وقدرته لا بذات خالية عن الصفات وهو موجب له إذا شاءه لا موجب له في الأزل كما قال { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } يس 82 : وهذا الإيجاب مستلزم لمشيئته وقدرته لا مناف لذلك بل هو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار فهو فاعل لما يشاؤه إذا شاء وهو موجب له بمشيئته وقدرته والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
درء التعارض (2|324)
قال ابن رشد : وأما كونه أزلياً فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزلياً ، فتكون المفعولات أزلية, والحادث يجب أن يكون وجوده متعلقاً بفعل حادث , اللهم إلا لو سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم ، فإن المفعول لا بد أن يتعلق به فعل الفاعل ، وهم لا يسلمون ذلك . فإن من أصولهم أن المقارِن للحوادث حادثٌ .
الكشف عن مناهج الأدلة (30)
وقال ابن رشد في رده على الغزالي : هذا قول سفسطائي ، وذلك أنه لما لم يمكنه أن يقول بجواز تراخي فعل المفعول عن فعل الفاعل له وعزمه على الفعل ، إذا كان فاعلاً مختاراً ، قال بجواز تراخيه عن إرادة الفاعل, وتراخي المفعول عن إرادة الفاعل جائز ، وأما تراخيه عن فعل الفاعل له فغير جائز . وكذلك تراخي الفعل عن العزم على الفعل في الفاعل المريد ، فالشك باقٍ بعينه .. .
تهافت التهافت (47-49)
وقال ابن رشد : فإذا قلنا كل ما مضى فقد دخل في الوجود يفهم منه معنيان : أحداهما : أن كل ما دخل في الزمان الماضي فقد دخل في الوجود ، وهو صحيح . وأما ما مضى مقارناً بالوجود الذي لم يزل ، أي لا ينفك عنه فليس يصح أن نقول قد دخل في الوجود ، لأن قولنا فيه قد دخل، ضد لقولنا إنه مقارن للوجود الأزلي ، ولا فرق في هذا بين الفعل والوجود أعني من سلم إمكان وجود موجود لم يزل فيما مضى فقد ينبغي أن يسلم أن ههنا أفعالاً لم تزل قبل فيما مضى ، وإنه ليس يلزم أن تكون أفعاله ولا بد قد دخلت في الوجود . كما ليس يلزم في استمرار ذاته فيما مضى أن يكون قد دخل في الوجود . وهذا كله بَيِّن كما ترى . وبهذا الموجود الأول يمكن أن توجد أفعال لم تزل ولا تزال . ولو امتنع ذلك في الفعل لامتنع في الوجود ؛ إذ كل موجود ففعله مقارن له في الوجود ؛ فهؤلاء القوم جعلوا امتناع الفعل عليه أزلياً ، ووجوده أزلياً ، وذلك غاية الخطأ . لكن اطلاق اسم الحدوث على العالم كما أطلقه الشرع أخص به من إطلاق الأشعرية ، لأن الفعل بما هو فعل فهو محدث ، وإنما يتصور القدم فيه لأن هذا الإحداث والفعل المحدث ليس له أول ولا آخر .
تهافت التهافت (111)
فبين مسألتين :
أ- أن الفعل لا يتأخر عن الفاعل له , وأنه يلزم من وجود الأول الذي ليس قبله شيء أن يقارنه فعله , ولا يصح القول بتراخي الفعل عن الفاعل بل لا يتصور ذلك في حق الرب سبحانه .
ب- قوله: أنه لا يتأخر كذلك المفعول عن فاعله لا يسلم له كما تقدم في كلام شيخ الإسلام , لأن ذلك يستلزم قدم العالم وأنه موجب بالذات , وهذا مناف أنه الأول الذي ليس قبله شيء , وقول أهل السنة في حوادث لا أول لها , يختلف عن قول الفلاسفة الذي قالوا بالموجب بالذات , وذلك أن أهل السنة قالوا بالجواز والفلاسفة كابن سينا قالوا بالوجوب أو الموجب بالذات .
قال شيخ الإسلام : والمقصود أن العالم لو كان قديما للزم أن يكون فاعله مستلزما له لا يجوز أن يكون فاعله ممن يتراخى عنه مفعوله ؛ فإن الفاعل لا يخلو من ثلاثة أقسام إما أن يجب اقتران مفعوله به , وإما أن يجب تأخر مفعوله عنه , وإما أن يجوز فيه الأمران ؛ فلو كان العالم قديما لم يجز أن يكون فاعله ممن يجب أن يتراخى عنه مفعوله لأن ذلك جمع بين النقيضين كيف يكون مفعوله قديما أزليا ويكون متأخرا عنه حادثا بعد أن لم يكن فتعين أن يكون فاعله إما أن يجب اقتران مفعوله به وإما أن يجوز فيه الأمران والثاني باطل أيضا فإنه إذا جاز أن يقترن به المفعول وجاز ألا يقترن كان وجود المفعول ممكنا والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح والقول في هذا المرجح كالقول في غيره إن كان فاعله مستلزما له كان مقارنا له فيلزم مقارنة الأول له فإن لم تجب مقارنته له كان ممكنا مفتقرا إلى مرجح آخر وهلم جرا فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مرجح تام مستلزم لمفعوله فتبين أن العالم لو كان قديما للزم أن يكون مبدعه مرجحا تاما مستلزما لمفعوله سواء عبر عنه بالعلة التامة أو المؤثر التام أو المرجح التام .
الصفدية (1|75)
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : وبهذا التحرير يزول الإشكال في هذه المسألة ؛ فإن الموجب بذاته إذا كان أزلياً يقارنه موجبه ؛ فلو كان الرب تعالى موجباً بذاته للعالم في الأزل لكان كل ما في العالم مقارناً له في الأزل , وذلك ممتنع بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما شاء الله وجوده من العالم ؛ فإنه يجب وجوده بقدرته ومشيئته , وما لم يشأ يمتنع وجوده إذ لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وهذا يقتضي وجوب وجود ما شاء تعالى وجوده .
ولفظ الموجب بالذات فيه إجمال ؛ فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته فلا منافاة بين كونه فاعلا بالقدرة والاختيار ؛ وبين كونه موجباً بالذات بهذا التفسير , وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئاً من الأشياء بذات مجردة عن القدرة والاختيار فهذا باطل ممتنع , وإن أريد أن علة تامة أزلية تستلزم معلولها الأزلى بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه لازم لذاته أزلاً وأبداً - الفلك أو غيره - فهذا أيضاً باطل .
فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله أو فسر بما يقتضي سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل , وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان , وما لم يشأ لم يكن فهو حق ؛ فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده بقدرته ومشيئته لكن لا يقتضي هذا أنه شاء شيئا من المخلوقات بعينه في الأزل بل مشيئته لشيء معين في الأزل ممتنع لوجوه متعددة .
ولهذا كان عامة العقلاء على أن الأزلي لا يكون مراداً مقدوراً , ولا أعلم نزاعاً بين النظار أن ما كان من صفات الرب أزلياً لازماً لذاته لا يتأخر منه شيء لا يجوز أن يكون مراداً مقدوراً , وأن ما كان مراداً مقدوراً لا يكون إلا حادثاً شيئا بعد شيء , وإن كان نوعه لم يزل موجوداً أو كان نوعه كله حادثا بعد أن لم يكن .
ولهذا كان الذين اعتقدوا أن القرآن قديم لازم لذات الله متفقين على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته , وإنما يكون بمشيئته وقدرته خلق إدراك في العبد لذلك المعنى القديم , والذين قالوا كلامه قديم وأرادوا أنه قديم العين متفقون على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته سواء قالوا هو معنى واحد قائم بالذات أو قالوا هو حروف أو حروف وأصوات قديمة أزلية الأعيان .
بخلاف أئمة السلف الذين قالوا إنه يتكلم بمشيئته وقدرته , وإنه لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء ؛ فإن هؤلاء يقولون الكلام قديم النوع , وإن كلمات الله لا نهاية لها بل لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته , ولم يزل يتكلم كيف شاء إذا شاء ونحو ذلك من العبارات .
منهاج السنة النبوية " (1|166)
وأقوى دليل في الرد على من يقول بقدم العالم أن العالم لو كان قديما وكان علة تامة للمعلول لم يصدر شيء عن الخالق .
قال شيخ الإسلام : فيقال إذا كان الصانع قديما موجبا بالذات وعلته تامة أزلية لزم ألا يتأخر عنه شيء من موجبه ومعلوله كما ذكروا ؛ لأن المتأخر إن كان قد وجدت علته التامة في الأزل لزم أن يكون أزليا لا يتأخر , وإن لم يوجد فقد وجدت علته التامة بعد أن لم تكن سواء كان الحادث شرطا من شروط تمام العلة أو غير ذلك ثم القول في علة تلك العلة كالقول في العلة التي هي معلول هذه ؛ فيلزم ألا يكون لشيء من الحوادث علة تامة في الأزل وهذا لازم لقولهم لا محيد عنه ؛ فإن العلة التامة تستلزم معلولها ؛ فالحادث لا تكون علته تامة في الأزل فيلزم على ذلك ألا يكون شيء من الحوادث حادثا عن العلة التامة التي هي واجب الوجود , وحينئذ فأما أن تكون الحوادث حادثة بنفسها وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهم يسلمون فساده , وإما أن تكون حادثة عن فاعل آخر غير الواجب الموجود بنفسه فله فاعل ثم ذلك الفاعل إن لم يكن واجب الوجود بنفسه فله فاعل والقول في حدوث الحوادث عنه كالقول في الأول , وإن كان واجب الوجود بنفسه كان القول فيه كالقول في ذلك الواجب إن كان علة تامة لزم ألا يحدث عنه حادث وإن لم يكن علة تامة بطل قولهم بالموجب بالذات فتبين فساد قولهم على كل تقدير .
الصفدية (1|18)
المسألة الثانية : الرد عليهم في مسألة أن الله اتصف بالصفة بعد أن لم يكن متصفا بها
وهي مسألة الترجيح بلا مرجح
قال ابن رشد : وأيضاً إن كان الفاعل حيناً يفعلُ وحيناً لا يفعل ، وجب أن تكون هنالك علة صيَّرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى ، فيُسأل أيضاً في تلك العلة مثل هذا السؤال ، وفي علة العلة ، فيمر الأمر إلى غير نهاية .
الكشف عن مناهج الأدلة (30)
قلت : وهذه المسألة تسمى عند العلماء بمسألة الترجيح بلا مرجح .
وذلك أن فعل الله راجع إلى مشيئته الممكنة ؛ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل , و طرفا الممكن هما الوجود أو العدم ؛ وترجيح فعله لشيء في زمن دون زمن لا بد أن يستند إلى مرجح , أي إلى سبب ؛ وما من زمن يتصور فيه الفعل أو الخلق , وإلا يتصور قبله أو بعده , فدل على لزومية إثبات فعل الله منذ الأزل .
قال شيخ الإسلام : وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم ؛ يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع ، وقال لهم الناس : هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع ؛ وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة ، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلاً وأبداً ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه ، كان ذلك ترجيحاً بلا مرجح .
درء التعارض (4|153)
وقال شيخ الإسلام : أما ما يذكره كثير من أهل الكلام عن أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أن الله لم يزل معطلا لا يتكلم ولا يفعل شيئا ثم حدث ما حدث من كلام ومفعولات بغير سبب حادث ؛ فهذا قول لم ينطق به شيء من كتب الله لا القرآن ولا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا نقل هذا عن أحد من أنبياء الله , ولا قاله أحد من الصحابة أصحاب نبينا صلى الله عليه و سلم ولا التابعين لهم بإحسان ولكن الذي نطقت به الكتب والرسل أن الله خالق كل شيء ؛ فما سوى الله من الأفلاك والملائكة وغير ذلك مخلوق ومحدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه وليس مع الله شيء قديم بقدمه في العالم لا أفلاك ولا ملائكة .
الصفدية (1|14)
المسألة الثالثة :قياس تأخر الفعل عن الفاعل بالإرادة والرد عليهم
وذلك أن الأشاعرة ردوا على شبهة عدم تصور تأخر الفعل عن الفاعل ؛ بشبهة أن إرادة الفاعل يتصور أن تتأخر عن فعل الفاعل .
وقد فصل شيخ الإسلام في هذه المسألة , وبين أن الإرادة تنقسم إلى عزم وقصد ؛ فالإرادة التي تسبق الفعل وتسمى عزما , وهذه تسبق الفعل , وأما الإرادة التامة التي تكون مع الفعل , وهي تسمى القصد فهذه لا تتأخر عن الفعل , وهذا هو القول الوسط في هذه المسألة .
فالأشاعرة قالوا الإرادة التامة قديمة ( وهي بمعنى القصد ) , والفعل حادث ! , وهذا مما خالفوا به المعقول حتى سخر منهم ابن رشد رحمه الله ؛ فكيف يتصور إرادة تامة قديمة وفعل حادث فهذا مناف للمعقول .
قال شيخ الإسلام : وإذا تبين أن الفعل مستلزم لحدوث المفعول , وأن إرادة الفاعل أن يفعل مستلزمة لحدوث المراد ؛ فهذا يبين أن كل مفعول وكل ما أريد فعله فهو حادث بعد أن لم يكن عموما , وعلم بهذا أنه يمتنع أن يكون ثم إرادة أزلية لشيء من الممكنات يقارنها مرادها أزلا وأبدا سواء كانت عامة لكل ما يصدر عنه أو كانت خاصة ببعض المفعولات .
ثم يقال أما كونها عامة لكل ما يصدر عنه فامتناعه ظاهر متفق عليه بين العقلاء ؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون كل ما صدر عنه بواسطة أو بغير واسطة قديما أزليا ؛ فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء وهو مخالف لما يشهده الخلق من حدوث الحوادث في السماء والأرض وما بينهما من حدوث الحركات والأعيان والأعراض كحركة الشمس والقمر والكواكب وحركة الرياح وكالسحاب والمطر وما يحدث من الحيوان والنبات والمعدن .
وأما إرادة شيء معين فلما تقدم ولأنه حينئذ إما أن يقال ليس له إلا تلك الإرادة الأزلية , وإما أن يقال له إرادات تحصل شيئا بعد شيء ؛ فإن قيل بالأول فإنه على هذا التقدير يكون المريد الأزلي في الأزل مقارنا لمراده الأزلي فلا يريد شيئا من الحوادث لا بالإرادة القديمة ولا بإرادة متجددة لأنه إذا قدر أن المريد الأزلي يجب أن يقارنه مراده كان الحادث حادثا إما بإرادة أزلية فلا يقارن المريد مراده وإما حادثا بإرادة حادثة مقارنة له وهذا باطل لوجهين :
أحدهما : أن التقدير أنه ليس له إلا إرادة واحدة أزلية .
الثاني: أن حدوث تلك الإرادة يفتقر إلى سبب حادث والقول في ذلك السبب الحادث كالقول في غيره يمتنع أن يحدث بالإرادة الأزلية المستلزمة لمقارنة مرادها لها ويمتنع أن يحدث بلا إرادة لامتناع حدوث الحادث بلا إرادة فيجب على هذا التقدير أن تكون إرادة الحادث المعين مشروط بإرادة له وبإرادة للحادث الذي قبله وأن الفاعل المبدع لم يزل مريدا لكل ما يحدث من المرادات .
وهذا هو التقدير الثاني ؛ وهو أن يقال لو أراد أن يحصل شيئا بعد شيء فكل مراد له محدث كائن بعد أن لم يكن , وهو وحده المنفرد بالقدم والأزلية , وكل ما سواه مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وعلى هذا التقدير فليس فيه إلا دوام الحوادث وتسلسلها وهذا هو التقدير الذي تكلمنا عليه ويلزم أن يقوم بذات الفاعل ما يريده ويقدر عليه , وهذا هو قول أئمة أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفلسفة بل قول أساطينهم من المتقدمين والمتأخرين .
فتبين أنه يجب القول بحدوث كل ما سوى الله سواء سمى جسما أو عقلا أو نفسا وأنه يمتنع كون شيء من ذلك قديما سواء قيل بجواز دوام الحوادث وتسلسلها وأنه لا أول لها أوقيل بامتناع ذلك وسواء قيل بأن الحادث لا بد له من سبب حادث أو قيل بامتناع ذلك وأن القائلين بقدم العالم كالأفلاك والعقول والنفوس قولهم باطل في صريح العقل الذي لم يكذب قط على كل تقدير وهذا هو المطلوب .
منهاج السنة (1|296-298)
وقال : و أيضا فلابد عند وجود المراد من سبب يقتضى حدوثه وإلا فلو كان مجرد ما تقدم من الإرادة والقدرة كافيا للزم وجوده قبل ذلك لأنه مع الإرادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور.
مجموع الفتاوى(6|231)
وقال : وهو سبحانه إذا أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال :
قيل الإرادة قديمة أزلية و احدة , و إنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة و لكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص فهذا قول ابن كلاب و الأشعرى و من تابعهما , وكثير من العقلاء يقول إن هذا فساده معلوم بالاضطرار حتى قال أبو البركات ليس فى العقلاء من قال بهذا , و ما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر و الكلام و بطلانه من جهات من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك و من جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها و من جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص بل تجددت نسبة عدمية ليست و جودا و هذا ليس بشيء فلم يتجدد شيء فصارت الحوادث تحدث و تتخصص بلا سبب حادث و لا مخصص .
و القول الثاني : قول من يقول بإرادة واحدة قديمة مثل هؤلاء لكن يقول تحدث عند تجدد الأفعال إرادات فى ذاته بتلك المشيئة القديمة كما تقوله الكرامية و غيرهم .
و هؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات الأفعال و لكن يلزمهم ما لزم أولئك من حيث أثبتوا حوادث بلا سبب حادث و تخصيصات بلا مخصص و جعلوا تلك الإرادة واحدة تتعلق بجميع الإرادات الحادثة و جعلوها أيضا تخصص لذاتها و لم يجعلوا عند وجود الإردات الحادثة شيئا حدث حتى تخصص تلك الإرادات الحدوث .
و القول الثالث: قول الجهمية و المعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة أو يفسرونها بنفس الأمر و الفعل أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين
و كل هذه الأقوال قد علم أيضا فسادها .
و القول الرابع : أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة فنوع الإرادة قديم و أما إرادة الشيء المعين فإنما يريده فى وقته .
و هو سبحانه يقدر الأشياء و يكتبها ثم بعد ذلك يخلقها فهو إذا قدرها علم ما سيفعله و أراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله فى تلك الحال فإذا جاء و قته أراد فعله ؛ فالأول عزم , و الثاني قصد .
وهل يجوز و صفه بالعزم فيه قولان :
أحدهما : المنع كقول القاضي أبى بكر و القاضي أبى يعلى.
و الثاني : الجواز و هو أصح فقد قرأ جماعة من السلف {فإذا عزمت فتوكل على الله } بالضم و في الحديث الصحيح من حديث أم سلمة : ثم عزم الله لي . و كذلك فى خطبة مسلم: فعزم لي .
و سواء سمي عزما أو لم يسم ؛ فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها في وقتها , و أراد أن يفعلها في وقتها؛ فإذا جاء الوقت فلا بد من إرادة الفعل المعين و نفس الفعل و لابد من علمه بما يفعله .
مجموع الفتاوى (16|301-304)
وقال : أما الإرادة فذكروا لها ثلاثة لوازم و الثلاثة تناقض الإرادة .
قالوا: أنها تكون و لا مراد لها بل لم يزل كذلك ثم حدث مرادها من غير تحول حالها , و هذا معلوم الفساد ببديهة العقل ؛ فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل فالمتقدم كان عزما على الفعل و قصدا له فى الزمن المستقبل لم يكن إرادة للفعل في الحال بل إذا فعل فلابد من إرادة الفعل في الحال , و لهذا يقال الماضي عزم و المقارن قصد فوجود الفعل بمجرد عزم من غير أن يتجدد قصد من الفاعل ممتنع ؛ فكان حصول المخلوقات بهذه الإرادة ممتنعا لو قدر إمكان حدوث الحوادث بلا سبب ؛ فكيف و ذاك أيضا ممتنع في نفسه فصار الامتناع من جهة الإرادة و من جهة تعينت بما هو ممتنع في نفسه .
الثاني : قولهم أن الإرادة ترجح مثلا على مثل فهذا مكابرة بل لا تكون الإرادة إلا لما ترجح و جوده على عدمه عند الفاعل إما لعلمه بأنه أفضل أو لكون محبته له أقوى و هو إنما يترجح في العلم لكون عاقبته أفضل فلا يفعل أحد شيئا بإرادته إلا لكونه يحب المراد أو يحب ما يؤول إليه المراد بحيث يكون وجود ذلك المراد أحب إليه من عدمه لا يكون و جوده و عدمه عنده سواء .
الثالث: أن الإرادة الجازمة يتخلف عنها مرادها مع القدرة ؛ فهذا أيضا باطل بل متى حصلت القدرة التامة و الإرادة الجازمة وجب وجود المقدور و حيث لا يجب فإنما هو لنقص القدرة أو لعدم الإرادة التامة والرب تعالى ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن , و هو يخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أمورا لم يفعلها كما قال {و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها }{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } { ولو شاء الله ما اقتتلوا} فبين أنه لو شاء ذلك لكان قادرا عليه لكنه لا يفعله لأنه لم نشأه إذ كان عدم مشيئته أرجح في الحكمة مع كونه قادرا عليه لو شاءه .
مجموع الفتاوى (16|459)
وقال : فإن القائلين بتأخر مرادها ؛ إنما قالوا ذلك فرارا من القول بدوام الحوادث ووجود حوادث لا أول لها , وعلى هذا التقدير فيلزم حدوث العالم ؛ وإلا فلو جاز دوام الحوادث لجاز عندهم وجود المراد في الأزل , ولو جاز ذلك لم يقولوا بتأخر المراد عن الإرادة القديمة الأزلية مع ما في ذلك من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح , وما في ذلك من الشناعة عليهم ونسبة كثير من العقلاء إلى أنهم خالفوا صريح المعقول .
فإنهم إنما صاروا إلى هذا القول لاعتقادهم امتناع حوادث لا أول لها ؛ فاحتاجوا لذلك أن يثبتوا إرادة قديمة أزلية يتأخر عنها المراد ويحدث بعد ذلك من غير سبب حادث واحتاجوا أن يقولوا إن نفس الإرادة تخصص أحد المتماثلين على الآخر , وإلا فلو اعتقدوا جواز دوام الحوادث وتسلسلها لأمكن أن يقولوا بأنه تحدث الإرادات والمرادات ويقولون بجواز قيام الحوادث بالقديم ولرجعوا عن قولهم بأن نفس الإرادة القديمة تخصص أحد المثلين في المستقبل وعن قولهم بحدوث الحوادث بلا سبب حادث وكانوا على هذا التقدير لا يقولون بقدم شيء من العالم بل يقولون إن كل ما سوى الله فإنه حادث كائن بعد أن لم يكن .
منهاج السنة (1|392)
قال ابن رشد في الرد على ذلك : وما يقوله المتكلمون في جواب هذا ، من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة ، ليس بِمُنج ولا مخلصٍ من هذا الشك ؛ لأن الإرادة غيرُ الفعل المتعلق بالمفعول . وإذا كان المفعول حادثاً فواجب أن يكون الفعل المتعلق بإيجاده حادثاً .
وسواء فرضنا الإرادة قديمةً أو حديثةً ، متقدمة على الفعل أو معه ، فكيفما كان ، فقد يلزمهم أن يجوِّزوا على القديم أحد ثلاثة أمور : إما إرادة حادثة وفعل حادث ،- وهذا لا يسلمون به - وإما فعل حادث وإرادة قديمة ،- وهذا لا يتصور - وإما فعل قديم وإرادة قديمة – وهذا مناف للمعقول - . والحادث ليس يمكن أن يكون عن فعل قديم بلا واسطة ، إن سلمنا لهم أنه يوجد عن إرادة قديمة .
ووضع الإرادة نفسها هي للفعل المتعلق بالمفعول شيءٌ لا يعقل , وهو كفرض مفعول بلا فاعل ؛ فإن الفعل غير الفاعل ، وغير المفعول ، وغير الإرادة . والإرادة هي شرط الفعل لا الفعل .
وأيضاً فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهراً لا نهاية له ، ، إذ كان الحادث معدوماً دهراً لا نهاية له. فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي اقتضت إيجاده إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له . وما لا نهاية له لا ينقضي ؛ فيجب ألا يخرج هذا المراد إلى الفعل ، أو ينقضي دهرٌ لا نهاية له وذلك ممتنع . وهذا هو بعينه برهام المتكلمين الذي اعتمدوه في حدوث دورات الفلك .
وأيضاً فإن الإرادة التي تتقدم المراد ، وتتعلق به بوقت مخصوص ، لا بد أن حدث فيها ، في وقت إيجاد المراد ، عزمٌ على الإيجاد لم يكن قبل ذلك الوقت ، لأنه إن لم يكن في المريد ، فـي وقت الفعل ، حالةٌ زائدة على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل ، لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من عدمه .
إلى ما في هذا كله من التشعيب والشكوك العويصة التي لا يتخلص منها العلماء المهَرَة بعلم الكلام و الحكمة ، فضلاً عن العامة . ولو كُلِّف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق .
الكشف عن مناهج الأدلة (30-31)
قلت : وقوله : وإذا كان المفعول حادثاً فواجب أن يكون الفعل المتعلق بإيجاده حادثاً . وهذا هو القول الصواب , وأن الأفعال تقوم بذات الله وهي من الصفات التابعة لمشيئته واختياره .
قلت : وقوله : وأيضاً فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهراً لا نهاية له ، ، إذ كان الحادث معدوماً دهراً لا نهاية له. فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي اقتضت إيجاده إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له . وما لا نهاية له لا ينقضي ؛ فيجب ألا يخرج هذا المراد إلى الفعل ، أو ينقضي دهرٌ لا نهاية له وذلك ممتنع . وهذا إلزام قوي من ابن رشد للأشاعرة , لأن الإرادة القديمة يستلزمها ما يستلزم الذات من الأولية , فهذا العدم إن كان متناهيا تنافى مع القول بالقدم , وإن لم يكن متناهيا لاستلزم أن لا يصدر الفعل لأن ما يتناهى لا ينقضي .
قال ابن رشد : وأما المقدمة القائلة إن الإرادة لا يكون عنها إلا مراد محدث ؛ فذلك شيء غير بين , وذلك أن الإرادة التي بالفعل ، فهي مع فعل المراد نفسه ، لأن الإرادة من المضاف . وقد تبين أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل وجد الآخر بالفعل ، مثل الأب والابن، وإذا وجد أحدهما بالقوة وجد الآخر بالقوة . فإن كانت الإرادة التي بالفعل حادثة فالمراد ولا بد حادث بالفعل وإن كانت الإرادة التي بالفعل قديمة فالمراد الذي بالفعل قديم . وأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي الإرادة التي بالقوة ، أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل ، إذ لم يقترن بتلك
الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد . ولذلك هو بين ، أنها إذ لم خرج مرادها أنها على نحو من الوجود لم تكن عليه قبل خروج مراها إلى فعل ، إذ كانت هي السبب في حدوث المراد بتوسط الفعل فإذن ،ـ لو وضع المتكلمون أن الإرادة حادثه لوجب أن يبكون المراد محدثاً ولا بد.
والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور . ولذلك ولم يصرح لا بالإرادة قديمة ولا حادثه ، بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة حادثه وذلك في قوله تعالى:{إنما قولنا لشيء إذا أردنه أن نقول له كنت فيكون } [النحل:40]. وإنما كان ذلك كذلك لأن الجمهور لا يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة ، بل الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة لا بحدوث ولا بقدم ، لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر . وليس بأيدي المتكلمين برهان قطعي على استحالة قيام إرادة حادثة في موجود قديم ، لأن الأصل الذي يعولون عليه في نفي قيام الإدارة بمحل قديم هو المقدمة التي بينا وهي أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث .
الكشف عن مناهج الأدلة (39-40)
قلت : وقوله : وأما المقدمة القائلة إن الإرادة لا يكون عنها إلا مراد محدث فذلك شيء غير بين , وذلك أن الإرادة التي بالفعل ، فهي مع فعل المراد نفسه ، لأن الإرادة من المضاف . وقد تبين أنه إذا وجد أحد المضافين بالفعل وجد الآخر بالفعل ، مثل الأب والابن، وإذا وجد أحدهما بالقوة وجد الآخر بالقوة . فإن كانت الإرادة التي بالفعل حادثة فالمراد ولا بد حادث بالفعل , وإن كانت الإرادة التي بالفعل قديمة ؛ فالمراد الذي بالفعل قديم . وأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي الإرادة التي بالقوة ، أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل ، إذ لم يقترن بتلك الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد . وهذا قريب جدا من كلام شيخ الإسلام التفريق بين الإرادة التي تكون قبل الفعل والتي تسمى العزم والإرادة التي تكون مع الفعل والتي تسمى القصد , وهذه الأخيرة لا يتصور تأخرها عن الفعل .
وقال ابن رشد : ولذلك عرضت أشد حيرة تكون ن وأعظم شبهة ، للمتكلمين من أهل ملتنا ، أعني الأشعرية ؛ وذلك لما صرحوا أن الله مريد بإرادة قديمة ، وهذا بدعة كما قلنا ، ووضعوا أن العالم محدث ، قيل لهم : كيف يكون مراد حادث عن إرادة قديمة ؟ فقالوا : فقالوا : إن الإرادة القديمة تعلقت بإيجاده في وقت مخصوص وهو الوقت الذي وجد فيه .
فقيل لهم : إن كانت نسبة الفاعل المريد إلى المحدث ، وفي وقت عدمه ، هي بعينها نسبته إليه في وقت إيجاده ، فالمحدث لم يكن وجوده في وقت وجوده أولى منه غيره ، إذ لم يتعلق به ، في وقت الوجود ، فعل انتفى عنه في وقت العدم . وإن كانت مختلفة ، فهنالك إرادة حادثة ضرورة ، وإلا وجب أن يكون مفعول محدث عن فعل قديم . فإن ما يلزم من ذلك في الفعل ، يلزم في الإرادة .
وذلك أنه يقال لهم : إذا حضر الوقت ، وقت وجوده ، فوجد ، فهل وجد بفعل قديم أو بفعل محدث ؟ فإن قالوا : بفعل قديم ، فقد جوزوا وجود المحدث بفعل قديم . وإن قالوا : بفعل محدث ، لزمهم أن يكون هنالك إرداة محدثه. فإن قالوا : الإرادة هي نفس الفعل فقد قالوا محالاً ، فإن الإرادة هي سبب الفعل في المريد , ولو كان المريد إذا أراد شيئاً ما ، في وقت ما ، وجد ذلك الشيء عند حضور وقته ، من غير فعل منه بالإرداة المتقدمة ، لكان ذلك الشيء موجوداً عن غير فاعل.
وأيضاً فقد يظن أنه إن كان واجباً أن يكون عن الإرادة الحادثه مراد حادث ، فقد يجب أن يكون عن الإرادة القديمة مراد قديم ، وإلا كان مراد الإرادة القديمة والحادثه واحداً ، وذلك مستحيل .
الكشف عن مناهج الأدلة (94-95)
وقول ابن رشد : "فقيل لهم : إن كانت نسبة الفاعل المريد إلى المحدث ... " هي نفس مسألة الترجيح بلا مرجح المتقدمة كما تقدم .
وهو يلزمهم أنه ما من وقت يتصور فيه إيجاد المفعول الحادث عن تلك الإرادة القديمة , إلا وهو يتصور في وقت غير ذلك الوقت ؛ فتخصيص هذا الوقت دون سواه يحتاج إلى مرجح , وهذا من تناقضهم .
المسألة الرابعة : حوادث لا أول لها
بيان ابن رشد أن لا محذور من القول بحوادث لا أول لها , لأن استناد ذلك للأول الذي ليس له بداية .
قال ابن رشد : وبهذا ينحل جميع الشكوك الواردة لهم في هذا الباب . وأعسرها كلها هو ما جرت به عادتهم أن يقولوا : إنه إذا كانت الحركات الواقعة في الزمان الماضي حركات لا نهاية لها ، فليس يوجد منها حركة في الزمان الحاضر المشار إليه ، إلا وقد انقضت قبلها حركات لا نهاية لها . وهذا صحيح ومعترف به عند الفلاسفة، إن وضعت الحركة المتقدمة شرطاً في وجود المتأخرة ، وذلك أنه متى لزم أن توجد واحدة منها لزم أن توجد قبلها أسباب لا نهاية لها . وليس يجوّز أحد من الحكماء وجود أسباب لا نهاية لها ، كما تجوزه الدهرية ، لأنه يلزم عنه وجود مسبَّب من غير سبب ، ومتحرك من غير محرك ، لكن القوم لما أداهم البرهان إلى أن ههنا مبدأً محركاً أزلياً ليس لوجوده ابتداء ولا انتهاء ، وأن فعله يجب أن يكون غير متراخ عن وجوده ، لزم أن لا يكون لفعله مبدأ كالحال في وجوده ، وإلا كان فعله ممكناً لا ضرورياً . فلم يكن مبدأ أولاً ، فيلزم أن تكون أفعال الفاعل الذي لا مبدأ لوجوده ليس لها مبدأ كالحال في وجوده . وإذا كان ذلك كذلك ، لزم ضرورة أن لا يكون واحد واحد من أفعاله الأولى شرطاً في وجود الثاني . لأن كل واحد منهما هو غير فاعل بالذات . بل لزم أن يكون هذا النوع مما لا نهاية له أمراً ضرورياً تابعاً لوجود مبدأ أول أزلي . وليس ذلك في أمثال الحركات المتتابعة أو المتصلة ، بل وفي الأشياء التي يظن بها أن المتقدم سبب للمتأخر ، مثل الإنسان الذي يولد إنساناً مثله . وذلك أن المحدث للإنسان المشار إليه بإنسان آخر ، يجب أن يترقى إلى فاعل أول قديم ، لا أول لوجوده ، ولا لإحداثه إنساناً عن إنسان . فيكون كون إنسان عن إنسان آخر إلى ما لا نهاية له ، كوناً بالعرض والقبلية والبعدية بالذات . وذلك أن الفاعل الذي لا أول لوجود كما لا أول لأفعاله التي يفعلها بلا آلة ، كذلك لا أول للآلة التي يفعل بها أفعاله التي لا أول لها ، من أفعاله التي من شأنها أن تكون بآلة . فلما اعتقد المتكلمون فيما بالعرض أنه بالذات ، دفعوا وجوده ، وعسر حل قولهم ، وظنّوا أن دليلهم ضروري . وهذا من كلام الفلاسفة بين . فإن قد صرح رئيسهم الأول ، وهو أرسطو ، أنه لو كانت للحركة حركة لما وجدت الحركة ، وأنه لو كان للأسطقس اسطقس لما وجد الأسطقس . وهذا النحو مما لا نهاية ل ليس عندهم مبدأ ولا منتهى . ولذلك ليس يصدق على شيء منه أنه قد انقضى ، ولا أنه قد دخل في الوجود ولا في الزمان الماضي . لأن كل ما انقضى فقد ابتدأ ، وما لم يبتدئ فلا ينقضي . وذلك أيضاً بين من كون المبدأ والنهاية من المضاف . ولذلك يلزم من قال إنه لا نهاية لدورات الفلك في المستقبل ألا يضع لها مبدأ ، لأن ما ل مبدأ فله نهاية ، وما ليس له نهاية فليس له مبدأ . وكذلك الأمر في الأول والآخر ، أعني ما له أول فله آخر ، وما لا أول له فلا آخر له ، وما لا آخر له فلا انقضاء من أجزائه بالحقيقة ، ولا مبدأ لجزء من أجزائه بالحقيقة ، وما لا مبدأ لجزء من أجزائه فلا انقضاء له . ولذا إذا سأل المتكلمون الفلاسفة : هل انقضت الحركات التي قبل الحركة الحاضرة ، كان جوابهم : إنها لم تنقض ، لأن من وضعهم أنها لا أول لها ، فلا انقضاء لها . فإيهام المتكلمين إن الفلاسفة يسلمون انقضاءها ليس بصحيح ، لأنه لا ينقضي عندهم إلا ما ابتدأ . فقد تبين لك أنه ليس من الأدلة التي حكاها عن المتكلمين في حدوث العالم كفاية في أن تبلغ مرتبة اليقين ، وأنها ليس تلحق بمراتب البرهان ، ولا الأدلة التي أدخلها وحكاها عن الفلاسفة في هذا الكتاب لحق بمراتب البرهان . وهو الذي قصدنا بيانه في هذا الكتاب . وأفضل ما يجاوب به من سأل عما دخل من أفعاله في الزمان الماضي أن يقال : دخل من أفعله مثل ما دخل من وجده لأن كليهما لا مبدأ له .
تهافت التهافت(54-57)
وقال ابن رشد: أكثر من يقول بحدوث العالم يقول بحدوث الزمان معه ، فلذلك كان قوله إن مدة الترك- أي كان لا يفعل ثم فعل - لا تخلو أن تكون متناهية ، أو غير متناهية ، قولاً غير صحيح . فإن ما لا ابتداء له لا ينقضي ولا ينتهي أيضاً ، فإن الخصم لا يسلم إن للترك مدة . وإنما الذي يلزمهم أن يقال لهم: حدوث الزمان هل كان يمكن فيه أن يكون طرفه الذي هو مبدأه أبعد من الآن الذي نحن فيه أو ليس ممكن ذلك . فإن قالوا : ليس يمكن ذلك ، فقد جعلوا مقداراً محدوداً لا يقدر الصانع أكثر منه ، وهذا شنيع ومستحيل عندهم . وإن قالوا أنه يمكن أن يكون طرفه أبعد من الآن من الطرف المخلوق ، قيل : وهل يمكن في ذلك الطرف الثاني أن يكون طرف أبعد منه . فإن قالوا : نعم ، ولا بد لهم من ذلك ، قيل : فههنا إن كان حدوث مقادير من الزمان لا نهاية لها، ويلزمكم أن يكون انقضاءها على قولكم في الدورات شرطاً في حدوث المقدار الزمني الموجود منها . وإن قلتم : إن ما لا نهاية له لا ينقضي ، فما ألزمتم خصومكم في الدورات ألزمكم في أماكن مقادير الأزمنة الحادثة . فإن قيل إن الفرق بينهما إن تلك الإمكانات غير متناهية هي لمقادير لم تخرج إلى الفعل ، وإمكانات الدورات التي لا نهاية لها قد خرجت إلى الفعل ، قيل إمكانات الأشياء هي من الأمور اللازمة للأشياء سواء كانت متقدمة على الأشياء أو مع الأشياء على ما يرى ذلك قوم ، فهي ضرورة بعدد الأشياء . فإن كان يستحيل قبل وجود الدورة الحاضرة وجود دورات لا نهاية لها ، يستحيل وجود إمكانات دورات لا نهاية لها . إلا أن لقائل أن يقول : إن الزمان محدود المقدار ، أعني : زمان العالم ، فليس يمكن وجود زمان أكبر منه ولا أصغر كما يقول قوم في مقدار العالم . ولذلك أمثال هذه الأقاويل ليست برهانية . ولكن كان الأحفظ لمن يضع العالم محدثاً ، أن يضع الزمان محدود المقدار ، ولا يضع الإمكان متقدماً على الممكن . وأن يضع العظم كذلك متناهياً ، ولكن العظم له كل ، والزمان ليس له كل .
تهافت التهافت(62-63)
فالشاهد أن فعل الله وهو صفته ملازمة لذاته , مع بيان أنه سبحانه هو الأول الذي ليس قبله شيء .
قال شيخ الإسلام : وذكروا أشياء مما نقمت على أبي الحسن الأشعري وكان مما ذكروه قوله إن الرب لم يكن في الأزل قادرا على الفعل وهذا أصل قول هؤلاء المتكلمين الذين احتجوا على حدوث العالم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها , ويلزم من ذلك امتناع أن يكون مقدورا للرب فقالوا صار الفعل ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا
ومعلوم عند من يعلم الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها أنه ليس في الكتاب ولا السنة شيء يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكنا له في الأزل أو لم يكن الفعل والكلام ممكنا له في الأزل أو أنه لم يزل معطلا عن الفعل أو عن الفعل والكلام لم يزل معطلا ثم إنه صار قادرا فاعلا متكلما بعد أن لم يكن كذلك
وقد يجيبون عن هذا بجواب فيه مغلطة فيقولون لم يزل قادرا ولكن المقدور كان ممتنعا في الأزل وهذا تناقض ؛ فإن المقدور لا يكون ممتنعا بل لا يكون إلا ممكنا ولأن ذلك يتضمن الانتقال من الامتناع إلى الإمكان بلا حدوث شيء وهو باطل .
الصفدية (2|163)
وقال الشنقيطي : أما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها بإيجاد الله ، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا . وهو في كل لحظة من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء فالحكم عليه بأن إحداثه للحوادث له مبدأ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزاً عن الإيجاد سبحانه وتعالى عن ذلك . وإيضاح المقام أنك لو فرضت تحليل زمن وجود الله في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض أن ابتداء إيجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات فإنك إن قلت هو مقترن باللحظة الأولى قلنا ليس هناك أولى البتة ، وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى فإن الله موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ ، لم يكن فعل قبله شيئاً يتوهم أن له مانعاً من الفعل قبل ابتداء الفعل ، فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء فجميع ما سوى الله كله مخلوق حادث بعد عدم ، إلا أن الله لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع الفعل سبحانه وتعالى عن ذلك . فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه وكل فرد منها كائناً ما كان فهو حادث مسبوق بعدم لكن محدثه لا أول له وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى .
رحلة الحج إلى بيت الله الحرام (51)
المسألة الخامسة : نقد الأشاعرة في مسألة خلق العالم من عدم .
قال ابن رشد : فإما أن يقال إن عقيدة الشرع في خلق العالم هي أنه خلق من غير شيء وفي غير زمان فذلك شيء لا يمكن يتصوره العلماء فضلا عن الجمهور فينبغي كما قلنا ألا يعدل في الشرع عن التصور الذي وضعه للجمهور ولا يصرح لهم بغير ذلك ... .
الكشف عن مناهج الأدلة (94)
قال شيخ الإسلام : وهؤلاء تحيروا في خلق الشيء من مادة كخلق الانسان من النطفة والحب من الحب والشجرة من النواة وظنوا أن هذا لا يكون إلا مع بقاء اصل تلك المادة إما الجواهر عند قوم وإما المادة المشتركة عند قوم وهم في الحقيقة ينكرون أن يخلق الله شيئا من شيء فانه عندهم لا يحدث إلا الصورة التي هي عرض عند قوم أو جوهر عقلي عند قوم وكلاهما لم يخلق من مادة والمادة عندهم باقية بعينها لم يخلق ولن يخلق منها شيء .
النبوات (59)
وقال : وأيضا فكون الشيء مخلوقا من مادة وعنصر أبلغ في العبودية من كونه خلق لا من شيء وأبعد عن مشابهة الربوبية فإن الرب هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فليس له أصل وجد منه ولا فرع يحصل عنه فاذا كان المخلوق له أصل وجد منه كان بمنزلة الولد له وإذا خلق له شيء آخر كان بمنزلة الوالد وإذا كان والدا ومولودا كان أبعد عن مشابهة الربوبية والصمدية فانه خرج من غيره ويخرج منه غيره لا سيما إذا كانت المادة التي خلق منها مهينة كما قال تعالى ألم نخلقكم من ماء مهين .
النبوات (65)
وقال : فالذي جاء به القرآن والتوراة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب : أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله كما أخبر في القرآن أنه : { استوى إلى السماء وهي دخان } أي بخار { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } [ فصلت : 11 ] وقد كان قبل ذلك مخلوق غيره كالعرش والماء كما قال تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } [ هود : 7 ] وخلق ذلك في مدة غير مقدار حركة الشمس والقمر كما أخبر أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام
والشمس والقمر هما من السماوات والأرض وحركتهما بعد خلقهما والزمان المقدر بحركتهما ـ وهو الليل والنهار التابعان لحركتهما ـ إنما حدث بعد خلقهما وقد أخبر الله أن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام فتلك الأيام مدة وزمان مقدر بحركة أخري غير حركة الشمس والقمر
وهذا مذهب جماهير الفلاسفة الذين يقولون : إن هذا العالم مخلوق محدث وله مادة متقدمة عليه لكن حكي عن بعضهم أن تلك المادة المعنية قديمة أزلية وهذا أيضا باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع .
درء التعارض (1|69)
المسألة السادسة : الخلق المستمر (الإفناء والإعدام )
قال الإيجي في المواقف : ذهب الشيخ الأشعري ومتبعوه من محققي الأشاعرة إلى أن العرض لا يبقى زمانين ؛ فالأعراض جملتها غير باقية عندهم بل هي على التقضي والتجدد ينقضي واحد منها ويتجدد آخر مثله وتخصيص كل من الآحاد المنقضية والمتجددة بوقته الذي وجد فيه إنما هو للقادر المختار فإنه يخصص بمجرد إرادته كل واحد منها بوقته الذي خلقه فيه وإن كان يمكن له خلقه قبل ذلك الوقت وبعده وإنما ذهبوا إلى ذلك لأنهم قالوا بأن السبب المحوج إلى المؤثر هو الحدوث فلزمهم استغناء العالم حال بقائه عن الصانع بحيث لو جاز عليه العدم تعالى عن ذلك علوا كبيرا لما ضر عدمه في وجوده فدفعوا ذلك بأن شرط بقاء الجوهر هو العرض ولما كان هو متجددا محتاجا إلى المؤثر دائما كان الجوهر أيضا حال بقائه محتاجا إلى ذلك المؤثر بواسطة احتياج شرطه إليه فلا استغناء أصلا .
المواقف (1|498)
وقال الغزالي في الاقتصاد : فإن قيل فبما إذاً تفنى عندكم الجواهر والأعراض ؟ قلنا: أما الأعراض فبأنفسها، ونعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء. ويفهم المذهب فيه بأن يفرض في الحركة، فإن الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة لا توصف بأنها حركات إلا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد ودوام الانعدام، فإنها إن فرض بقاؤها كانت سكوناً لا حركة، ولا تعقل ذات الحركة ما لم يعقل معها العدم عقيب الوجود. وهذا يفهم في الحركة بغير برهان.
الاقتصاد في الاعتقاد
والسبب في قولهم بأن العرض لا يبقى زمانين كما مر من كلام الإيجي أنهم لا يرون أثرا لمؤثر غير الله ولو قيل أن العالم من طبيعته بقاء أعراضه للزم من ذلك استغناء العالم عن الله وهم يرون أن شرط بقاء الجوهر هو العرض ولما كان هو متجددا محتاجا إلى المؤثر دائما كان الجوهر أيضا حال بقائه محتاجا إلى ذلك المؤثر .
قال ابن رشد في الرد عليهم : هذا القول في غاية السقوط ، وإن كان قد قال كثير من القدماء ، أعني أن الموجودات في سيلان دائم ، وتكاد لا تنتهي المحالات التي تلزمه . وكيف يوجد موجود يفني بنفسه ، فيفنى الوجود بفناءه . فإنه إن كان يفنى بنفسه فسيوجد بنفسه . وإن كان ذلك كذلك لزم أن يكون الشيء الذي به سار موجوداً به بعينه كان فانياً ، وذلك مستحيل . وذلك أن الوجود ضد الفناء ، وليس يمكن أن يوجد الضدان لشيء من جهة واحدة . ولذلك ما كان موجوداً محضاً لم يتصور عليه فناء وذلك لأنه إن كان وجوده يقتضي عدمه ، فسيكون موجوداً معدوماً في آن واحد ، وذلك مستحيل . وأيضاً فإن كانت الموجودات إنما تبقى بصفة باقية في نفسها ، فهل عدمها انتقالها من جهة ما هي موجودة أو معدومة ومحال أن يكون لها ذلك من جهة أنها معدومة فقد بقي أن يكون البقاء لها من جهة ما هي موجودة. فإذ كان موجود يلزم أن يكون باقياً من جهة ما هو موجود . والعدم أمر طار عليه . فما الحاجة ليت شعري أن تبقى الموجودات ببقاء ! وهذا كله شبيه بالفساد الذي يكون في العقل. وَلنَخْلُ عن هذه الفرقة ، فاستحالة قولهم أبين من أن يحتاج إلى معاندة .
تهافت التهافت(119)
قلت : وقوله : وكيف يوجد موجود يفني بنفسه ، فيفنى الوجود بفناءه . فإنه إن كان يفنى بنفسه فسيوجد بنفسه . إلزام قوي وهو تناقض من الأشاعرة فكيف سيفنى بنفسه وهم يسلبون طبائع وخواص الأشياء , وهذا يلزم منه أن من طبيعة الأشياء الفناء بنفسها , وإذا كان من طبيعتها الفناء فليس بمستبعد أن تكون من طبيعتها وخاصيتها الإيجاد .
وقال ابن حزم في الرد عليهم : وذهب أبو الهذيل العلاف والأشعرية إلى أن الأرواح أعراض تفنى ولا تبقى وقتين فإذا مات الميت فلا روح هنالك أصلا ومن عجائب أصحاب هذه المقالة الفاسدة قولهم أن روح الإنسان الآن غير روحه قبل ذلك وأنه لا ينفك تحدث له روح ثم تفنى ثم روح ثم تفنى وهكذا أبدا وأن الإنسان يبدل ألف ألف روح وأكثر في مقدار أقل من ساعة زمانية وهذا يشبه تخليط من هاج به البرسام .
الفصل لابن حزم (4|58)
وقال أيضا : قال أبو محمد ولو كان ما قاله أبو الهذيل والباقلاني ومن قلدهما حقا لكان الإنسان يبدل في كل ساعة ألف ألف روح وأزيد من ثلاث مائة نفس ألف لأن العرض عندهم لا يبقى وقتين بل يفنى ويتجدد عندهم أبدا فروح كل حي على قولهم في كل وقت غير روحه التي كانت قبل ذلك وهكذا تتبدل أرواح الناس عندهم بالخطاب وكذلك بيقين يشاهد كل أحد أن الهواء الداخل بالتنفس ثم يخرج هو غير الهواء الداخل بالتنفس الثاني فالإنسان يبدل على قول الأشعرية أنفسا كثيرة في كل وقت ونفسه الآن غير نفسه آنفا وهذا حمق لا خفاء به فبطل قول الفريقين بنص القرآن والسنة والإجماع والمشاهدة والمعقول .
الفصل (5|48)
وقال شيخ الإسلام : وهم لا يشهدون للرحمن إحداثا ولا إفناء بل إنما يحدث عندهم الأعراض وهي تفنى بأنفسها لا بإفنائه وهي تفنى عقب إحداثها وهذا لا يعقل .
النبوات (62)
وقال ابن القيم : ومن يقول منهم أن العرض لا يبقى زمانين كما يقوله أكثر الأشعرية فمن قولهم إن روح الإنسان الآن هي غير روحه قبل وهو لا ينفك يحدث له روح ثم تغير ثم روح ثم تغير هكذا أبدا فيبدل له ألف روح فأكثر في مقدار ساعة من الزمان فما دونها .
الروح (111)
وقولهم أنه يفنى بنفسه تناقض منهم , فهذا مناف لمذهبهم في نفي طبائع الأشياء ؛ كما سيأتي .
المسألة السابعة : نقد قولهم أن الأعراض لا تبقى زمانين وأنها شرط في بقاء الأجسام .
يرى الأشاعرة أن الأجسام باقية , وأنها لا تفنى وأن فناءها تعاقب الأعراض عليها .
معنى العرض
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : : ولفظ العرض في اللغة له معنى وهو ما يعرض ويزول كما قال تعالى:{ يأخذون عرض هذا الأدنى} وعند أهل الاصطلاح الكلامي قد يراد بالعرض ما يقوم بغيره مطلقا وقد يراد به ما يقوم بالجسم من الصفات ويراد به فى غير هذا الاصطلاح أمور أخرى .
مجموع الفتاوى (9|300)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فإن أئمة هؤلاء الطوائف صار كل منهم يلتزم ما يراه لازما ليطردها فيلتزم لوازم مخالفة للشرع والعقل فيجيء الآخر فيرد عليه ويبين فساد ما التزمه ويلتزم هو لوازم أخر لطردها فيقع أيضا في مخالفة الشرع والعقل .
فالجهمية التزموا نفي أسماء الله وصفاته إذ كانت الصفات أعراضا تقوم بالموصوف ولا يعقل موصوف بصفة إلا الجسم فإذا اعتقدوا حدوثه اعتقدوا حدوث كل موصوف بصفة والرب تعالى قديم فالتزموا نفي صفاته, وأسماؤه مستلزمة لصفاته ؛ فنفوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى.
والمعتزلة استعظموا نفي الأسماء لما فيه من تكذيب القرآن تكذيبا ظاهر الخروج عن العقل والتناقض فإنه لا بد من التمييز بين الرب وغيره بالقلب واللسان فما لا يميز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات وهو حقيقة قول الجهمية فإنهم لم يثبتوا في نفس الأمر شيئا قديما البتة ... والمقصود هنا أن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى استعظموا ذلك وأقروا بالأسماء ولما رأوا هذه الطريق توجب نفي الصفات نفوا الصفات فصاروا متناقضين فإن إثبات حي عليم قدير سميع بصير بلا حياة ولا علم ولا قدرة ولا حكمة ولا سمع ولا بصر مكابرة للعقل كإثبات مصل بلا صلاة وصائم بلا صيام وقائم بلا قيام ونحو ذلك من الأسماء المشتقة كأسماء الفاعلين والصفات المعدولة عنها ولهذا ذكروا في أصول الفقه أن صدق الاسم المشتق كالحي والعليم لا ينفك عن صدق المشتق منه كالحياة والعلم وذكروا النزاع مع من ذكروه من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم .
فجاء ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعري والقلانسي : فقرروا أنه لا بد من إثبات الصفات متابعة للدليل السمعي والعقلي مع إثبات الأسماء وقالوا ليست أعراضا لأن العرض لا يبقى زمانين! وصفات الرب باقية سلكوا في هذا الفرق وهو أن العرض لا يبقى زمانين مسلكا أنكره عليهم جمهور العقلاء وقالوا إنهم خالفوا الحس وضرورة العقل وهم موافقون لأولئك على صحة هذه الطريقة طريقة الأعراض قالوا وهذه تنفى عن الله أن يقوم به حادث وكل حادث فإنما يكون بمشيئته وقدرته قالوا فلا يتصف بشيء من هذه الأمور لا يتكلم بمشيئته وقدرته ولا يقوم به فعل اختياري يحصل بمشيئته وقدرته كخلق العالم وغيره بل منهم من قال لا يقوم به فعل بل الخلق هو المخلوق كالأشعري ومن وافقه ...
النبوات (46)
قال ابن رشد : أما من يقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين ، وأن وجودها في الجواهر هو شرط في بقاء الجواهر ، فهو لا يفهم ما في قوله من التناقض , وذلك أنه إن كانت الجواهر شرطاً في وجودها ، إذ كان لا يمكن أن توجد الأعراض دون جواهر تقوم بها ، فوضع الأعراض شرطاً في وجود الجواهر يوجب أن تكون الجواهر شرطاً في وجود أنفسها . ومحال أن يكون الشيء شرطاً في وجود نفسه . وأيضاً فكيف تكون شرطاً ، وهي لا تبقى زمانين ، وذلك أن الآن الذي يكون نهاية لعدم الموجود منها ، ومبدأ الوجود الجزء الموجود منها ، قد كان يجب أن يفسد في ذلك الآن الجوهر فإن ذلك الآن ليس فيه شيء من الجزء المعدوم ولا شيء من الجزء الموجود وذلك أنه لو كان فيه جزء من الشيء المعدوم لما كان نهاية له .وكذلك لو كان فيه جزء من الشيء الموجود. وبالجملة , أن يجعل مالا يبقى زمانين شرطاً في بقاء وجود مايبقى زمانين بعيد , فإن الذي يبقى زمانين أحرى بالبقاء من الذي لا يبقى زمانين .لأن الذي لا يبقى زمانين وجوده في الآن ,وفي السيال . والذي يبقى زمانين وجوده ثابت . وكيف يكون السيال شرطاً في وجود الثابت؟ أو كيف يكون ما هو باق بالنوع شرطاً في بقاء ماهو باق بالشخص ؟ هذا كله هذيان . وينبغي أن يعلم من ليس يضع هيولى للشيء الكائن يلزمه أن يكون الموجود بسيطاً , فلا يمكن في عدم . لأن البسيط لا يتغير ولا ينقلب جوهره إلى جوهر آخر .ولذلك يقول أبقراط : لو كان الإنسان من شيء واحد , لما كان يألم بدنه , أي لما كان يفسد ويتغير . وكذلك كان يلزم أن لا يتكون , بل كان يكون موجوداً لم يزل ولا يزال .
تهافت التهافت (120-121)
قلت : وقول ابن رشد : أما من يقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين ، وأن وجودها في الجواهر هو شرط في بقاء الجواهر ، فهو لا يفهم ما في قوله من التناقض , وذلك أنه إن كانت الجواهر شرطاً في وجودها ، إذ كان لا يمكن أن توجد الأعراض دون جواهر تقوم بها ، فوضع الأعراض شرطاً في وجود الجواهر يوجب أن تكون الجواهر شرطاً في وجود أنفسها . ومحال أن يكون الشيء شرطاً في وجود نفسه . وأيضاً فكيف تكون شرطاً ، وهي لا تبقى زمانين ، بيان لتناقض قوي منهم .
ورد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
وقال : و كذلك الذين قالوا بأن العرض لا يبقى زمانين خالفوا الحس و ما يعلمه العقلاء بضرورة عقولهم فإن كل أحد يعلم أن لون جسده الذي كان لحظة هو هذا اللون و كذلك لون السماء و الجبال و الخشب و الورق و غير ذلك.
و مما ألجأهم إلى هذا ظنهم أنهما لو كانا باقيين لم يمكن إعدامهما ...
مجموع الفتاوى (16|275)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : قال الجمهور وأما تفريق الكلابية بين المعانى التى لا تتعلق بمشيئته وقدرته والمعاني التي تتعلق بمشيئته وقدرته التي تسمى الحوادث ومنهم من يسمى الصفات أعراضا لأن العرض لا يبقي زمانين فيقال قول القائل أن العرض الذى هو السواد والبياض والطول والقصر ونحو ذلك لا يبقى زمانين قول محدث فى الإسلام لم يقله أحد من السلف والأئمة وهو قول مخالف لما عليه جماهير العقلاء من جميع الطوائف بل من الناس من يقول أنه معلوم الفساد بالاضطرار كما قد بسط فى موضع آخر .
وأما تسمية المسمي للصفات أعراضا فهذا أمر اصطلاحي لمن قاله من أهل الكلام ليس هو عرف أهل اللغة ولا عرف سائر أهل العلم والحقائق المعلومة بالسمع والعقل لا يؤثر فيها اختلاف الاصطلاحات بل يعد هذا من النزاعات اللفظية والنزاعات اللفظية أصوبها ما وافق لغة القرآن والرسول والسلف فما نطق به الرسول والصحابة جاز النطق به باتفاق المسلمين وما لم ينطقوا به ففيه نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه .
مجموع الفتاوى (12|319)
المسألة الثامنة : نقدهم في مسألة دليل الوحدانية
قال ابن رشد : وأما ما تتكلفه الأشعرية من الدليل الذي يستنبطونه من هذه الآية , وهو الذي يسمونه دليل الممانعة , فشيء ليس يجري مجرى الأدلة الطبيعية والشرعية .
أما كونه ليس يجري مجرى الطبع ؛ فلأن ما يقولون في ذلك ليس برهانا .
وما كونه لا يجري مجرى الشرع ؛ فلأن الجمهور لا يقدرون على فهم ما يقولون من ذلك فضلا عن أن يقع لهم به إقناع . وذلك أنهم قالوا : لوكان اثنين فأكثر لجاز أن يختلفا وإذا اختلفا لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها : إما أن يتم مرادهما جميعا .وإما ألا يتم مراد واحد منهما وإما أن يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر .
قالوا : ويستحيل ألا يتم مراد واحد منهما؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان العالم لا موجودا ولا معدوما , ويستحيل أن يتم مرادهما معا لأنه كان يكون العالم موجودا معدوما فلم يبق إلا أن يتم مراد الواحد ويبطل مراد الآخر فالذي بطلت إرادته عاجز والعاجز ليس بإله .
ووجه الضعف في هذا الدليل أنه كما يجوز في العقل أن يختلفا قياسا على المريدين في الشاهد يجوز أن يتفقا وهو أليق بالآلهة من الخلاف وإذا اتفقا على صناعة العالم كانا مثل صانعين اتفقا على صنع مصنوع وإذا كان هذا هكذا فلا بد أن يقال إن أفعالهما ولو اتفقا كانت تتعاون لورودها على محل واحد إلا أن يقول قائل : فلعل هذا يفعل بعضا والآخر بعضا أو لعلهما يفعلان على المداولة ... .
ثم قال : وقد يدلك على أن الدليل الذي فهمه المتكلمون من الآية ليس هو الدليل الذي تضمنته الآية ؛ أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم غير المحال الذي أفضى إليه الدليل المذكور في الآية وذلك أن المحال الذي أفضى إليه الدليل الذي زعموا أنه دليل الآية هو أكثر من محال واحد فدليلهم الذي استعملوه هو الذي يعرفه أهل المنطق بالقياس الشرطي المنفصل ويعرفونه هم في صناعتهم بدليل السبر والتقسيم والدليل الذي في الآية هو الذي يعرف في صناعة المنطق بالشرطي المتصل وهو غير المنفصل ومن نظر في تلك الصناعة أدنى نظر تبين له الفرق بين الدليلين .
وأيضا فإن المحالات التي أفضى إليها دليلهم غير المحال الذي أفضى إليه دليل الكتاب وذلك أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم هو أن يكون العالم إما لا موجودا ولا معدوما وإما أن يكون موجودا معدوما وإما أن يكون الآله عاجزا مغلوبا وهذه مستحيلات دائمة لاستحالة أكثر من واحد . والمحال الذي أفضى إليه دليل الكتاب ليس مستحيلا على الدوام وإنما علقت الاستحالة فيه في وقت مخصوص وهو أن يوجد العالم فاسدا في وقت الوجود .. .
الكشف عن مناهج الأدلة (47-49)
قال المحقق أحمد شمس الدين في تعليقه على الكشف (14): وقد يبدوا هذا الدليل مقنعا – أي دليل المتكلمين – لكنه ليس كذلك إذ لنا أن نتساءل ولماذا لا يتفق الإلهان بدلا من أن يختلفا ولا سيما أننا نرى البشر يتفقون فتكون نتائج اتفاقهم جودة في العمل ودقة في الصنع مما دعا بعض علماء الكلام إلى القول بأن دليل الآيات السابقة ليس منطقيا بل هو مجرد دليل خطابي يراد به الإقناع .. ويكشف ابن رشد عن الخلل في برهنة المتكلمين الذين أساءوا فهم الآيات السابقة فظنوا أنها من القياس الشرطي المنفصل مع أنها تتضمن قياسا شرطيا متصلا وهو المنهج العلمي الحديث الذي أظهر إنتاجه المذهل في الكشوف العلمية المعاصرة فقوله تعالى : { لوكان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا } يمكن عرضه على النحو البرهاني الآتي : لو فرضنا أكثر من إله واحد لفسد العالم لكن هذا الفرض غير صحيح لأن العالم ليس فاسدا إذن ليس هناك إلا إله واحد خلق هذا العالم بعلمه وحكمته ... .انتهى
قلت : وأما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد بين أن هذه الآية إنما جاءت لتقرير توحيد الألوهية وليس لتوحيد الربوبية.
قال شيخ الإسلام : وأفضل الكلام قول : لا إله إلا الله والإله هو الذي يستحق أن تألهه القلوب بالحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء فهو بمعنى المألوه وهو المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك .
ولكن أهل الكلام الذي ظنوا أن التوحيد هو مجرد توحيد الربوبية ؛ فهو التصديق بأن الله وحده خالق الأشياء اعتقدوا أن الإله بمعنى الآله : اسم فاعل , وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع كما يقول الأشعري وغيره ممن يجعلون أخص وصف الإله القدرة على الاختراع
ومن قال : إن أخص وصف الإله هو القدم كما يقوله من يقوله من المعتزلة قال ما يناسب ذلك في الإلهية وهكذا غيرهم وقد بسط الكلام على هذا في موضعه .
والمقصود هنا التنبيه على هذه الأمور وأن هؤلاء غلطوا في معرفة حقيقة التوحيد وفي الطرق التي بينها القرآن فظنوا أنه مجرد اعتقاد أن العالم له صانع واحد ومنهم من ضم إلى ذلك نفي الصفات أو بعضها فجعل نفي ذلك داخلا في مسمى التوحيد وإدخال هذا في مسمى التوحيد ضلال عظيم .
وأما الأول فلا ريب أنه من التوحيد الواجب وهو الإقرار بأن خالق العالم واحد لكنه هو بعض الواجب وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك إلى التوحيد بل المشركون الذي سماهم الله ورسوله مشركين وأخبر الرسل أن الله لا يغفر لهم كانوا مقرين بأن خالق كل شيء .
فهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه فإنه به يعرف التوحيد الذي هو رأس الدين وأصله .
وهؤلاء قصروا في معرفة التوحيد ثم أخذوا يثبتون ذلك بأدلة وهي وإن كانت صحيحة فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم وليس الطرق المذكورة في القرآن هي طرقهم كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد
درء التعارض (5|169)
وقال : فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شىء من الأعمال والحركات بل كان العالم يفسد وهذا معنى قوله لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ولم يقل لعدمتا وهذا معنى قول لبيد ... ألا كل شىء ما خلا الله باطل .
مجموع الفتاوى (5|515)
وقال : الواجب إثبات الأمرين أنه سبحانه رب كل شيء وإله كل شيء فإذا كانت الحركات الإرادية لا تقوم إلا بمراد لذاته وبدون ذلك يفسد ولا يجوز أن يكون مرادا لذاته إلا الله كما لا يكون موجودا بذاته إلا الله علم أنه{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} .
وهذه الآية فيها بيان أنه لا إله إلا الله , وأنه لو كان فيهما آلهة غيره لفسدتا وتلك الآية قال فيها { إذا لذهب كل إله بما خلق } ووجه بيان لزوم الفساد أنه إذا قدر مدبران ما تقدم من أنه يمتنع أن يكونا غير متكافئين لكون المقهور مربوبا لا ربا , وإذا كانا متكافئين امتنع التدبير منهما لا على سبيل الاتفاق ولا على سبيل الاختلاف فيفسد العالم بعدم التدبير لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل الاشتراك كما تقدم .
وهذا من جهة امتناع الربوبية لاثنين ويلزم من امتناعهما امتناع الإلهية فإن ما لايفعل شيئا لا يصلح أن يكون ربا يعبد , ولم يأمر الله أن يعبد , ولهذا بين الله امتناع الإلهية لغيره تارة ببيان أنه ليس بخالق , وتارة أنه لم يأمر بذلك لنا كقوله تعالى:{ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} .
منهاج السنة (3|333-334)
المسألة التاسعة : طرقهم في إثبات وجود الله وفيها مسائل
أ– الجوهر الفرد
يرى الأشاعرة أن الأجسام تتكون من الجواهر الفردة .
فالجوهر الفرد - عندهم - هو الجزء الذي لا يتجزأ، وهي الوحدة الأساسية في تأليف الجسم. قال الشيخ محمد خليل هراس : وقد غلا المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة في التعويل على نظرية الجواهر الفردة وهي في الأصل نظرية يونانية قديمة قال بها ديموكريتس الفيلسوف الطبيعي اليوناني وقد بنوا عليها كثيرا من الأصول الإيمانية فجعلوها عمدتهم في الاستدلال على حدوث العالم ووجود المحدث له حتى أن أحد كبار الأشاعرة وهو القاضي أبو بكر الباقلاني قد أوجب الإيمان بوجود الجوهر الفرد بناء على أن الإيمان بوجود الله متوقف على ثبوته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما بنوا على تلك النظرية ما يترتب على حدوث العالم من أن الله فاعل بالاختيار لا موجب بالذات كما يقوله الفلاسفة وأنه لا تأثير لشيء من الأسباب في مسبباتها بل يخلق الله الأشياء عند وجود أسبابها لا بها .
وهكذا انحرف المتكلمون عن الجادة واعتمدوا في استدلالهم على وهم كاذب وربطوا به مصير العقائد الإيمانية كلها ...
ثم قال رحمه الله : والجوهر الفرد الذي زعمه أهل الكلام ونصبوه صنما لهم تدور حوله كل أفكارهم ومذاهبهم قامت أدلة كثيرة على بطلانه وكان الذي قام بإبطاله هم الفلاسفة انتصارا لمذهبهم الهيولي والصورة وقد قام المتكلمون من جانبهم بإبطال نظرية الفلاسفة وهكذا ضرب الله بعض المبطلين ببعض وبقي أهل الحق والإيمان بمنجى من هذا الإفك والبهتان .
شرح القصيدة النونية (2|29)
وقال أحمد شمس الدين في تعليقه على الكشف لابن رشد (10) :ويناقشهم ابن رشد في هذا الدليل فيرى أولا أنهم يعتمدون على نظرية إغريقية قديمة , هي نظرية الذرة التي قال بها ديمقريطس . ونلاحظ أن نظرية الذرة عند القدماء قد استخدمت لتحقيق غرض مناقض لما يريده المعتزلة والأشاعرة أي أنها كانت سبيلا إلى إنكار وجود الله , وإلى تفسير الكون تفسيرا ماديا بحتا . هذا إلى أنه من العسير أن نبرهن بطريقة عقلية على حدوث جميع الأعراض بناء على ما نلاحظه من حدوث بعضها ؛ فإذا تبين لنا أن النبات ينمو ثم يصفر ثم يندثر فهل يتبين لنا عن طريق الحس أو التجارب أن الزمان له أول وآخر ؟ وليس معنى ذلك أن ابن رشد يقول بقدم العالم ولكنه يريد القول بأن أهل علم الكلام يعجزون عن إثبات حدوث الزمان والعالم بطرقهم الجدلية .انتهى
قال ابن رشد في الرد عليهم : وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الله تبارك وتعالى لا يكون إلا بالعقل لكن سلكوا في ذلك طرقاً ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله تعالى عليها ، ودعا الناس إلى الإيمان به من قِبلها .
وذلك أن طريقتهم المشهورة انبنت على بيان أن العالَم حادث وانبنى عندهم حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ ، وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث ، والأجسام محدثة بحدوثه .
وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد ، طريقة مُعتاصةٌ ، تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل ، فضلاً عن الجمهور . ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية ولا مفضية إلى وجود الباري سبحانه .
وذلك أنه إذا فرضنا أن العالم محدث لَزِم ، كما يقولون ، أن يكون له ولا بدّ ، فاعلٌ محدِث . ولكن يعرض في وجود هذا المحدِث شك ليس في قوة صناعة الكلام الانفصال عنه . وذلك أن هذا المحدِث لسنا نقدر أن نجعله أزلياً ولا محدثاً .
أما كونه محدَثاً ، فلأنه يفتقر إلى محدِث ، وذلك المحدِث إلى محدِث ، ويمر الأمر إلى غير نهاية ، وذلك مستحيل ...
الكشف عن مناهج الأدلة (29-31)
وقال ابن رشد : وأيضاً فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت بين هذين الوصفين معاً : أعني أن الجمهور ليس في طباعهم ولا هي مع هذا برهانية . فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور . ونحن ننبه على ذلك ها هنا بعض التنبيه ، فنقول : إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان :
أحدهما وهو الأشهر ، الذي اعتمد عليه عامتهم ، ينبني على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الأصول لما يرومون انتاج عنها من حدوث العالم : إحداهما : أن الجواهر لا تنفك من الأعراض أي لا تخلو منها . والثانية : أن الأعراض حادثة . والثالثة : أن لا ينفك عن الحوادث حادث ، أعني ما لا يخلو من الحوادث هو حادث .
فأما المقدمة الأولى وهي القائلة إن الجواهر لا تتعرّى من الأعراض فإن عَنَوْ بالجوهر الجزء الذي لا ينقسم ، وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد ، ففيها شك ليس باليسير ؛ وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ، ليس معروفاً بنفسه ، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند . وليس في قوة صناعة الكلام تخليص الحق منها ، وإنما ذلك لصناعة البرهان ، وأهل هذه الصناعة قليل جداً . والدلائل التي تستعلمها الأشعرية في إثباته هي خطابية في الأكثر . وذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو أنهم يقولون : إن من المعلومات الأُوَل أن الفيل ، مثلاً ، إنما نقول فيه إنه أعظم من النملة من قِبل زيادة أجزاء فيه على أجزاء النملة . وإذا كان ذلك كذلك فهو مؤلف من تلك الأجزاء ، وليس هو واحداً بسيطاً . وإذا فسد الجسم فإليها ينحل، وإذا تركب فمنها يتركب .
وهذا الغلط إنما دخل عليهم من شَبَهِ الكمية المنفصلة بالمتصلة ، فظنوا أن ما يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة . وذلك أن هذا إنما يصدق في العدد ؛ أعنى أن نقول : إن عدداً أكثر من عدد من قِبَل كثرة الأجزاء الموجودة فيه ، أعني الوحدات . وأما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه . ولذلك نقول في الكم المتصل : أنه أعظم وأكبر ، ولا نقول إنه أكثر وأقل. ونقول في العدد : إنه : إنه أكثر وأقل ، و نقول أكبر وأصغر . وعلى هذا القول ، فتكون الأشياء كلها أعداداً ولا يكون هنالك عِظَم متصل أصلاً . فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها .
ومن المعروف بنفسه أن كل عظَم فإنه ينقسم بنصفين ، أعني الأعظام الثلاثة التي هي الخط والسطح والجسم . وأيضاً فإن الكم المتصل هو الذي يمكن أن يعرض عليه في وسط نهاية يلتقي عندها طرفا القسمين جميعاً ، وليس يمكن ذلك في العدد .
لكن يعارض هذا أيضاً أن الجسم وسائر أجزاء الكم المتصل يقبل الانقسام . وكل منقسم فإما أن ينقسم إلى شيء منقسم أو إلى شيء غير منقسم . فإن انقسم إلى غير منقسم فقد وجدنا الجزء الذي لا ينقسم . وإن انقسم إلى منقسم عاد السؤال أيضاً في هذا المنقسم ، هل ينقسم إلى منقسم أو إلى غير منقسم ؟ فإن انقسم إلى غير نهاية ، كانت في الشيء المتناهي أجزاء لا نهاية لها . ومن المعلومات الأول أن أجزاء المتناهي متناهية .
ومن الشكوك المُعتاصة التي تلزمهم أن يُسألوا : إذا حدث الجزء الذي لا يتجزأ فما القابل لنفس الحدوث ؟ فإن الحدوث عرض من الأعراض . وإذا وجد الحادث فقد ارتفع الحدوث، فإن من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر فيضطرهم الأمر إلى أن يضعوا الحدوث من موجود ما ، ولموجود ما .
وأيضا ًفقد يُسألون : إن كان الموجود يكون من غير عدم فبماذا يتعلق فعل الفعل ؟ فإنه ليس بين العدم والوجود وسط عندهم . وإن كان ذلك كذلك ، وكان فعل الفاعل لا يتعلق عندم بالعدم ولا يتعلق بما وُجِد وفُرِغ من وجود ، فقد ينبغي أن يتعلق بذات متوسطة بين العدم والوجود . وهذا هو الذي اضطر المعتزلة إلى قالت إن في العدم ذاتاً ما . وهؤلاء أيضاً يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود بالفعل موجوداً بالفعل ! وكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء .
فهذه الشكوك ، كما ترى ، ليس في قوة صناعة الجدل حلها . فإذن يجب ألا يجعل هذا مبدأ لمعرفة الله تبارك وتعالى ، وبخاصة للجمهور. فإن طريقة معرفة الله تعالى أوضح من هذه على ما سنبين من قولنا بعد .
الكشف عن مناهج الأدلة (31-33)
أولا : سبب قولهم بالجواهر الفردة
لما كان قول الفلاسفة أن الجسم يتجزأ إلى غير نهاية لازمه القول بقدم الجسم من حيث أن مالا يتناهى لا يصح وجوده فكيف يعتقد حدوثه ثم يعتقد أنه بلا نهاية وهذا يقوده إلى اعتقاد قدمه .
ففرارا من هذا القول – وهو القول بقدم الأجسام – ولإثبات حدوثها قالوا بتكون أو تركب الأجسام من جواهر لا تقبل القسمة .
انظر بيان تلبيس الجهمية (1|285)
وقال شيخ الإسلام : و الصواب فإن إثبات الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة باطل بوجوه كثيرة إذ ما من موجود إلا ويتميز منه شيء عن شيء وإثبات انقسامات لا تتناهى فيما هو محصور بين حاصرين ممتنع لامتناع وجود ما لا يتناهى فيما يتناهى وامتناع انحصاره فيه لكن الجسم كالماء يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر أجزاؤه فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر فلا يبقى ما ينقسم ولا ينقسم إلى غير غاية بل يستحيل عند تصاغره فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه في نفسه يتميز منه شيء عن شيء وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل الانقسام بالفعل بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الاجزاء لكن يستحيل إذ الجسم الموجود لا بد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدره عن اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره إما مع استحالة إن كان ذلك من غير جنسه وإما بدون الاستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة من الماء إذا صغرت جدا فلا بد أن تستحيل هواء أو ترابا أو أن تنضم إلى ماء آخر وإلا فلا تبقى القطرة الصغيرة جدا وحدها وكذلك سائر الأجزاء الصغيرة جدا من سائر الأجسام .
الصفدية (1|118)
وقول ابن رشد : (وهذا الغلط إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة فظنوا أن مايلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة وذلك أن هذا يصدق في العدد أعني أن نقول إن عددا أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه أعني الوحدات ،وأما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه ولذلك نقول في الكم المتصل أنه أعظم وأكبر ولا نقول إنه أكثر وأقل ونقول في العدد إنه أكثر وأقل ولا نقول أكبر وأصغر. وعلى هذا القول فتكون الأشياء كلها أعدادا ولايكون هنالك عظم متصل أصلا فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها) .
مراده أن الكم المنفصل ثابت في المجموعة العددية فقط , لأن المجموعة العددية هي عبارة عن أجزاء عددية، وهذه الأجزاء هي المكونة للمجموعة، فكلما زاد الاتصال بين الأجزاء العددية زادت كمية المجموعة . وكلما انفصلت هذه الأجزاء عن بعضها استحالت المجموعة إلى واحد . فلذلك نقول أن هذه أكثر وهذه أقل، و لانقول ذلك في الأجسام مثل أن نقول الفيل أكثر من النمل، بل نقول هذا أعظم والنمل أصغر , وهذا بخلاف القول في الكم المتصل الثابت في الأجسام.
ب- قولهم جميع الأعراض محدثة .
قال شيخ الإسلام : و المعتزلة تنفي قيام الصفات و الأفعال به و تسمى الصفات أعراضا و الأفعال حوادث ويقولون لا تقوم به الأعراض ولا الحوادث ؛ فيتوهم من لم يعرف حقيقة قولهم أنهم يتنزهون الله تعالى عن النقائص والعيون والآفات , ولا ريب أن الله يجب تنزيهه عن كل عيب و نقص وآفة ؛ فإنه القدوس السلام الصمد السيد الكامل فى كل نعت من نعوت لكمال كمالا يدرك الخلق حقيقته منزة عن كل نقص تنزيها لا يدرك الخلق كماله و كل كمال ثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه , وكل نقص ينزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتزيهه عنه وأولى ببراءته منه .
مجموع الفتاوى (8|149)
وقال أيضا : والذي ذكرناه من قول أولئك المتكلمين والفلاسفة معنى آخر وهو أن من قال المادة الباقية بعينها , وإنما حدث عرض أو صورة وذلك لم يخلق من غيره ولكن أحدث في المادة الباقية فلا يكون الله خلق شيئا من شيء لأن المادة عندهم لم تخلق ؛ أما المتفلسفة فعندهم المادة قديمة أزلية باقية بعينها , وأما المتكلمون فالجواهر عندهم موجودة وما زالت موجودة لكن من قال إنها حادثة من أهل الملل وغيرهم قالوا يستدل على حدوثها بالدليل لا أن خلقها معلوم للناس فهو عندهم مما يستدل عليه بالأدلة الدقيقة الخفية مع أن ما يذكرونه منتهاه إلى أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهو دليل باطل فلا دليل عندهم على حدوثها وإذا كانت لم تخلق إذ خلق الإنسان بل هي باقية في الإنسان والأعراض الحادثة لم تخلق من مادة فإذا خلق الإنسان لم يخلق من شيء لا جواهره ولا أعراضه وعلى قولهم ما جعل الله من الماء كل شيء حي ولا خلق كل دابة من ماء ولا خلق آدم من تراب ولا ذريته من نطفة بل نفس الجواهر الترابية باقية بعينها لم تخلق حينئذ ولكن أحدث فيها أعراض أو صورة حادثة .
النبوات (1|314)
ومن هنا دخل عليهم إنكار طبائع الأشياء وهذا هو الذي دعاهم إلى القول بتجدد الأعراض فرارا وهروبا من القول بفعل القوى الطبيعية، أو أن يكون العالم صادرًا عن سبب طبيعي .
قال ابن رشد :وأما المقدمة الثانية ، وهي القائلة : إن جميع الأعراض محدثة فهي مقدمة مشكوك فيها . وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم . وذلك أنا إنما شاهدنا بعض الأجسام محدثة ، وكذلك بعض الأعراض ، فلا فرق في النقلة من الشاهد منها إلى الغائب . فإن كان واجباً في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب ، أعني أن نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها ، قياساً على ما شاهدناه ، فقد يجب أن نفعل مثل ذلك في الأجسام ، ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام . وذلك أن الجسم السماوي ، وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد ، الشك في حدوث أعراضه كالشك في حدوثه نفسه : لأنه لم يحسن حدوثه ، لا هو ولا أعراض ؛ ولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته ، وهي الطريق التي تُفضي بالسالكين إلى معرفة الله تبارك وتعالى بيقين ، وهي طريق الخواص . وهي التي خص الله بها إبراهيم عليه السلام في قوله : { وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ولِيكون من الموقنين } [ الأنعام : 75 ] ، لأن الشك كله إنما هو في الإجرام السماوية . وأكثر النظار إنما انتهوا إليها واعتقدوا أنها آلهة ...
وأدلّتُهم ، التي يلتمسون بها بيان إبطال قِدَم الأعراض ، إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يُحَسُّ منها حادثاً . أعني من يضع أن جميع الأعراض غير حادثة . وذلك أنهم يقولون إن الأعراض التي يظهر للحس أنها حادثة ، إن لم تكن حادثة ، فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل ، وإما أن تكون كامنة في المحل الذي ظهرت في قبل أن تظهر . ثم يبطلون هذين القسمين. فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حادثة . وإنما بان ، من قولهم ، أن ما يظهر من الأعراض حادثاً فهو حادث . لا ما لا يظهر حدوثه ، ولا ما لا يشك في أمر ، مثل الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية ، من حركاتها وأشكالها وغير ذلك . فتؤول أدِلتهم على حدوث جميع الأغراض إلى قياس الشاهد على الغائب ، وهو دليل خطابي إلا حيث النقلة معقولة بنفسها . وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب .
الكشف عن مناهج الأدلة (33-34)
ج- نقد قولهم في أن مالا يخلو من الحوادث فهو حادث .
قال شيخ الإسلام : والمقصود هنا أن الذين أثبتوا حدوث العالم بحدوث الجسم كما تقدم قالوا فإذا كان الدليل على حدوث المحدثات إنما هو قيام الصفات والأفعال بها فكل ما قامت به فهو حادث وإلا انتقض الدليل على حدوث العالم وإثبات الصانع
قالوا فيجب أن يكون كلامه حادثا بعد أن لم يكن ويصير متكلما بعد أن لم يكن كما أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا وفعله حادث .
قالوا : وكل ما قامت به الحوادث فهو حادث كما تقدم فيلزم أن لا يقوم به كلام ولا فعل ولا صفة فقالوا كلامه مخلوق في غيره ولا يقوم به علم ولا قدرة ولا حياة ولا غير ذلك من الصفات لأنه لو قام به ذلك لكان عرضا قائما بالجسم والجسم محدث قالوا وليس هو فوق العالم ولا مباين للعالم ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل من عنده شيء ولا يرى لأنه لو كان كذلك لكان جسما والجسم محدث .
فلما أظهروا هذا القول شاع في الأمة إنكار ذلك وقالوا هذا تعطيل للخالق وجحود لصفاته .
الصفدية (2|54)
وقال : ثم استدلوا على حدوث الأعراض قالوا فثبت أن الأجسام مستلزمة للحوادث لا تخلو عنها فلا تكون مثلها ثم كثير منهم قالوا وما لم يخل من الحوادث أو ما لم يسبق الحوادث فهو حادث , وظن أن هذه مقدمة بديهية معلومة بالضرورة لا يطلب عليها دليل وكان ذلك بسبب أن لفظ الحوادث يشعر بان لها ابتداء كالحادث المعين والحوادث المحدودة ولو قدرت ألف ألف ألف حادث ؛ فإن الحوادث إذا جعلت مقدرة محدودة فلا بد أن يكون لها ابتداء فإن مالا ابتداء له ليس له حد معين ابتدأ منه إذ قد قيل لا ابتداء له بل هو قديم أزلي دائم , ومعلوم أن هذه الحوادث مالم يسبقها فهو حادث فإنه يكون إما معها وإما بعدها وكثير منهم يفطن للفرق بين جنس الحوادث وبين الحوادث المحدودة فالجنس مثل أن يقال ما زالت الحوادث توجد شيئا بعد شيء أو ما زال جنسها موجودا أو ما زال الله متكلما إذا شاء أو ما زال الله فاعلا لما يشاء أو ما زال قادرا على أن يفعل قدرة يمكن معها اقتران المقدور بالقدرة لا تكون قدرة يمتنع معها المقدور فان هذه في الحقيقة ليست قدرة ومثل أن يقال في المستقبل لا بد أن الله يخلق شيئا بعد شيء ونعيم أهل الجنة دائم لا يزول ولا ينفد وقد يقال في النوعين كلمات الله لا تنفذ ولا نهاية لها لا في الماضي ولا في المستقبل ونحو ذلك فالكلام في دوام الجنس وبقائه وأنه لا ينفد ولا ينقضي ولا يزول ولا ابتداء له غير الكلام فيما يقدر محدودا له ابتداء أوله ابتداء وانتهاء ؛ فإن كثيرا من النظار من يقول جنس الحوادث إذا قدر له ابتداء وجب أن يكون له انتهاء لأنه يمكن فرض تقدمه على ذلك الحد فيكون أكثر مما وجد ومالا يتناهى لا يدخله التفاضل فإنه ليس وراء عدم النهاية شيء أكثر منها بخلاف مالا ابتداء له ولا انتهاء فإن هذا لا يكون شيء فوقه فلا يفضي الى التفاضل فيما لا يتناهى .
النبوات (42)
قال ابن رشد : وأما المقدمة الثالثة ، وهي القائلة : إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، فهي مقدمة مشتركة الاسم . وذلك أنه يمكن أن تفهم على معنيين ، أحدهما : ما لا يخلو من جنس الحوادث ويخلوا من آحادِها . والمعنى الثاني : ما لا يخلو عن هذا السواد المشار إليه .
فأما هذا المفهوم الثاني فهو صادق . أعني : ما لا يخلو عن عرض ما مشار إليه ، وذلك العرض حادث ، أنه يجب ضرورة أن يكون الموضوع له حادثاً . لأنه إن كان قديماً فقد خلا من ذلك العرض ، وقد كنا فرضناه لا يخلو هذا خُلف لا يمكن .
وأما المفهوم الأول ، وهو الذي يريدونه ، فليس يلزم عنه حدوث المحل ، أعني : الذي لا يخلو من جنس الحوادث . لأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد ، أعني الجسم ، تتعاقب عليه أعراض غير متناهية ، إما متضادة وإما غير متضادة . كأنك قلت : حركات لا نهاية لها ، كما يرى ذلك كثير من القدماء في العالم أنه يتكون : واحد بعد آخر .
ولهذا ، لما شعر المتأخرون من المتكلمين بوهي هذه المقدمة راموا شدَّها وتقويتها بأن بيّنوا في زعمهم ، أنه لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا نهاية لها . وذلك أنم زعموا أنه يجب ، عن هذا الموضع ، أن لا يوجد منها في المحل عرضٌ ما مشار إليه إلا وقد وُجِدت قبله أعراض لا نهاية له . ولما كان ما لا نهاية لا ينقضي وجب أن لا يوجد هذا المشار إلي ، أعني المفروض موجوداً . مثال ذلك : أن الحركة الموجودة اليوم للجرم السماوي إن كان قد وُجد قبلها حركاتٌ لا نهاية لها فقد كان يجب ألا توجد . ومثلوا لذلك برجل قال لرجل : " لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لا نهاية لها " فليس يمكن أن يعطيه ذلك الدينار المشار إليه أبداً . وهذا التمثيل ليس بصحيح . لأن في هذا التمثيل : وُضِعَ مبدأٌ ونهايةٌ ، ووُضِعَ ما بينهما غير متناه ، لأن قوله وقع في زمان محدود ، وإعطاؤه الدينار يقع أيضاً في زمن محدود ، فاشترط هو أن يعطي الدينار في زمان يكون بينه وبين الزمان الذي تكلم فيه أزمنة لا نهاية لها ، وهي التي يعطيه فيها دنانير لا نهاية لها ، وذلك مستحيل . فهذا التمثيل بَيِّنٌ من أمره أنه لا يشبه المسألة الممثل بها .
وأما قولهم : إن ما يوجد ، بعد وجود أشياء لا نهاية لها ، لا يمكن وجوده ، فليس صادقاً في جميع الوجوه ، وذلك أن الأِشياء التي بعضها قبل بعض ، توجد على نحوين : إما على جهة الدور ، وإما على جهة الاستقامة .
فالتي توجد على جهة الدور ، الواجب فيها أن تكون غير متناهية إلا أن يعرض عنها ما ينهيها . مثال ذلك : أنه إن كان شروق فقد كان غروب ، وإن كان غروب فقد كان شروق ، فإن كان شروق فقد كان شروق ، وكذلك إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض ، وإن كان بخار صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض ، فإن كان ابتلت الأرض فقد كان مطر ، وإن كان مطر فقد كان غيم فإن كان غيم فقد كان غيم .
وأما التي تكون على استقامة مثل كون الإنسان من الإنسان ، وذلك الإنسان من إنسان آخر ، فإن هذا إن كان بالذات لم يصح أن يمر إلى غير نهاية .
ولأنه إذا لم يوجد الأول من الأسباب لم يوجد الأخير . وإن كان ذلك بالعرض ، مثل أن يكون الإنسان بالحقيقة عن فاعل آخر غير الإنسان الذي هو الأب ، وهو المصور له ، ويكون الأب إنما منزلته الآلة من الصانع ، فليس يمتنع ، إن وجد ذلك الفاعل يفعل فعلاً لا نهاية له ، أن يفعل ، بآلات متبدلة ، أشخاصاً لا نهاية لها .
وهذا كله ليس يظهر في هذا الموضع . وإنما سُقناه ليُعرَف أن ما توهم القوم من هذه الأشياء أنه برهان ، فليس برهاناً ولا هو من الأقاويل التي تليق بالجمهور ، أعني البراهين البسيطة التي كلف الله بها الجميع من عباده الإيمان به . فقد تبين لك من هذا أن هذه الطريقة ليست برهانية صناعية ولا شرعية .
الكشف عن مناهج الأدلة (34-36)
د - نقد الجويني في إثبات وجود الله
وقال ابن رشد : وأما الطريقة الثانية فهي التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعروفة بالنظامية . ومبناها على مقدمتين :
إحداهما : أن العالم ، بجميع ما فيه ، جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه ، حتى يكون من الجائز مثلاً أصغر مما هو أو أكبر مما هو أو بشكل آخر غير الشكل الذي هو عليه ، أو عدد أجسامه غير العدد الذي هي عليه ، أو تكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها ، حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق ، وفي النار إلى أسفل ، وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية ، وفي الغربية أن تكون شرقية .
والمقدمة الثانية : أن الجائز محدث وله محدث أي فاعل صَيَّره بأحد الجائزتين أولى منه بالآخر.
فأما المقدمة الأولى فهي خطابية ، وفي بادئ الرأي . وهي : أما في بعض أجزاء العالم فظاهرٌ كذِبُها بنفسه ، مثل كون الإنسان موجوداً على خِلقة غير هذه الخِلقة التي هو عليها . وفي بعضه الأمر فيه مشكوك ، مثل كون الحركة الشرقية غربية والغربية شرقية ، إذ كان ذلك ليس معروفاً بنفسه ، إذ كان يمكن أن يكون لذلك علة غير بينة الوجود بنفسها أو تكون من العلل الخفية على الإنسان .
ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان ، في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء ، شبيهاً بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات ، من غير أن يكون من أهل تلك الصنائع . وذلك أن الذي هذا شأنه قد سبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات أو جُلِّها ممكن أن يكون بخلاف ما هو عليه ، ويوجد عن ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صُنع من أجله ، أعني غايته ، فلا يكون في ذلك المصنوع ، عند هذا ، موضع حكمة .
وأما الصانع ، والذي يشارك الصانع في شيء من عِلم ذلك ، فقد يرى أن الأمر بِضِد ذلك ، وأنه ليس في المصنوع إلا شيء واجب ضروري ، أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل ، إن لم يكن ضرورياً فيه ، وهذا هو معنى الصناعة ، والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع ، فسبحان الخالق العليم .
فهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع ، ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع ، فليست تصلح لهم .
الكشف عن مناهج الأدلة (36-37)
وقول أبي المعالي أن العالم ، بجميع ما فيه ، جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه ؛ إذا كان يستلزم منه نفي الحكمة لله تعالى فهو باطل .
قال شيخ الإسلام : مضمون هذا الكلام إثبات ما في الموجودات من الحكمة والغاية المناسبة
لاختصاص كل منها بما خص به وأن ارتباط بعض الأمور ببعض قد يكون شرطا في الوجود وقد يكون شرطا في الكمال وبإثبات هذا أخذ يطعن في حجة أبي المعالي وأمثاله ممن لايثبت إلا مجرد المشيئة المحضة التي تخصص كلا من المخلوقات بصفته وقدره
فإن هذا قول من أهل الكلام كالأشعرية والظاهرية وطائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وأما الجمهور من المسلمين وغيرهم فإنهم - مع أنهم يثبتون مشيئة الله وإرادته - يثبتون أيضا حكمته ورحمته وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية وهم يلزمهم من التناقص ما هو أعظم من ذلك فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدا للمفعول بطريق الأولى والأحرى فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار ويقولون : إنه علة موجبة للمعلول بلا إردة كان هذا في غاية التناقص ما هو أعظم من ذلك فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية كما هو قول جمهور المسلمين فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريدا للمفعول بطريق الأولى والأحرى فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار ويقولون : إنه على موجبة للمعلول بلا إرادة كان هذا في غاية التناقص ومن سلك طريقة أبي المعالي في هذا الدليل لايحتاج إلى أن ينفي الحكمة بل يمكنه إذا أثبت الحكمة المرادة أن يثبت الإرادة بطريق الأولى
وحينئذ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض دال على مشيئة فاعله وعلى حكمته أيضا ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه
وإذا كان كذلك فقولنا : إن ما سوى هذا الوجه جائز يراد به أنه جائز ممكن من نفسه وأن الرب قادر على غير هذا الوجه كما هو قادر عليه وذلك لا ينافي أن تكون المشيئة والحكمة خصصت بعض الممكنات المقدرات دون بعض .
درء التعارض (5|20)
المسألة العاشرة : تجدد الصفة (إثبات الصفات الاختيارية )
قال ابن رشد : وهذه الصفة هي صفة قديمة,إذا كان لا يجوز عليه سبحانه أن يتصف بها وقتا ما,لكن ليس ينبغي أن يتعمق في هذا فيقال ما يقوله المتكلمون:إنه يعلم المحدث في وقت حدوثه بعلم قديم فإنه يلزم عن هذا أن يكون العلم المحدث,في وقت عدمه وفي وقت وجوده,علما واحدا, وهذا أمر غير معقول: إذ كان العلم واجبا أن يكون تابعا للموجود.ولما كان الموجود.تارة يوجد فعلا,وتارة يوجد قوة,وجب أن يكون العلم بالموجودين مختلفا,إذ كان وقت وجوده بالقوة غير وقت وجوده بالفعل.
وهذا شيء لم يصرح به الشرع, بل الذي صرح به خلافه,وهو أنه يعلم المحدثات حين حدوثها,كما قال تعالى :{وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين}
فينبغي أن يوضع في الشرع أنه عالم بالشيء قبل أن يكون, على أنه سيكون, وعالم بالشيء إذ كان على أنه قد كان, وعالم بما قد تلف أنه تلف في وقت تلفه,وهذا هو الذي تقتضيه أصول الشرع.وإنما كان هذا هكذا لأن الجمهور لا يفهمون من العالم في الشاهد غير هذا المعنى.
وليس عند المتكلمين برهان يوجب أن يكون بغير هذه الصفة إلا أنهم يقولون :إن العلم المتغير بتغير الموجودات هو محدث, والباري سبحانه لا يقوم به حادث,لأن ما لا ينفك عن الحوادث,زعموا حادث.وقد بينا نحن كذب هذه المقدمة؛ فإذن:الواجب أن تقر هذه القاعدة على ما وردت,ولا يقال أنه يعلم حدوث المحدثات وفساد الفاسدات,لا بعلم محدث ولا بعلم قديم ؛ فإن هذه بدعة في الإسلام,{وما كان ربك نسيا}[مريم:64].
الكشف عن مناهج الأدلة (51-52)
وقال ابن رشد : فلو كان إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد حدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث ذلك في العلم المحدث للزم أن يكون العلم القديم معلولا للوجود لا علة له .
فإذا واجب أن لا يحدث هنالك تغير كما يحدث في العلم المحدث وإنما أتى الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث وهو قياس الغائب على الشاهد وقد عرف فساد هذا القياس .
وكما أنه لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعوله أعني تغيرا لم يكن قبل ذلك كذلك لا يحدث في العلم القديم سبحانه تغير عند حدوث معلومه عنه .
ضميمة في العلم الإلهي (5)
وإن كلام ابن رشد على صفة العلم , فأصل المسألة وهي الكلام على قيام الصفات الاختيارية بالله هي من مسائل الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة .
بيان مسألة تجدد العلم من كلام شيخ الإسلام
قال شيخ الإسلام : عامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى كقوله{ إلا لنعلم} {حتى نعلم} يتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون وهذا جهل فإن القرآن قد أخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها وكتب ذلك قبل أن يخلقها فقد علم ما سيخلقه علما مفصلا وكتب ذلك وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوده ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون فهذا هو الكمال وبذلك جاء القران في غير موضع بل وبإثبات رؤية الرب له بعد وجوده كما قال تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } التوبة فأخبر انه سيرى أعمالهم .
وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى{ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} المجادلة أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور والتحاور تراجع الكلام بينها وبين الرسول قالت عائشة :سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وإنه ليخفي على بعض كلامها فأنزل الله { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} وكما قال تعالى لموسى وهارون {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} طه وقال{ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} الزخرف
وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعا في القران مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك انه يعلم ما يكون قبل أن يكون وقد اخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله بل اخبر بذلك نبيه وغير نبيه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لو كان كيف كان يكون كقوله{ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } الأنعام بل وقد يعلم بعض عباده بما شاء أن يعلمه من هذا وهذا وهذا {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }
قال تعالى{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } البقرة وقال{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصابرين} آل عمران وقوله { وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء} آل عمران وقوله { وما أصابكم يوم التقي الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} آل عمران وقوله{ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} التوبة وقوله {ثم بعثناهم لنعلم أي الحز بين أحصى لما لبثوا أمدا} الكهف وقوله {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } إلى قوله { وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } العنكبوت وقوله { ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} محمد وغير ذلك من المواضع .
روى عن ابن عباس في قوله { إلا لنعلم} أي لنرى وروي لنميز وهكذا قال عامة المفسرين إلا لنرى ونميز وكذلك قال جماعة من أهل العلم قالوا لنعلمه موجودا واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون .
ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين علم بالشيء قبل وجوده وعلم به بعد وجوده والحكم للعلم به بعد وجوده ؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب .
قال فمعنى قوله {لنعلم } أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون لكن لم يكن المعلوم قد وجد وهذا كقوله{ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} يونس أي بما لم يوجد فإنه لو وجد لعلمه فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر .
الرد على المنطقيين (467)
وقال رحمه الله: وأما قوله تعالى {وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } و قوله {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } و نحو ذلك فهذا هو العلم الذي يتعلق بالمعلوم بعد و جوده و هو العلم الذي يترتب عليه المدح و الذم و الثواب و العقاب و الأول هو العلم بأنه سيكون و مجرد ذلك العلم لا يترتب عليه مدح و لا ذم و لا ثواب و لاعقاب فإن هذا إنما يكون بعد و جود الأفعال .
و قد روي عن ابن عباس أنه قال فى هذا لنري و كذلك المفسرون قالوا لنعلمه موجودا بعد أن كنا نعلم سيكون .
و هذا المتجدد فيه قولان مشهوران للنظار
منهم من يقول المتجدد هو نسبة و إضافة بين العلم و المعلوم فقط و تلك نسبة عدمية .
و منهم من يقول بل المتجدد علم بكون الشيء و وجوده وهذا العلم غير العلم بأنه سيكون و هذا كما فى قوله {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون } فقد أخبر بتجدد الرؤية فقيل نسبة عدمية و قيل المتجدد أمر ثبوتى و الكلام على القولين و من قال هذا و هذا و حجج الفريقين قد بسط فى موضع آخر.
مجموع الفتاوى (8|496)
وقال رحمه الله : واختلف كلام ابن عقيل فى هذا الأصل فتارة يقول بقول ابن كلاب وتارة يقول بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم به الأمور الاختيارية ويقول أنه قام به أبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك وقام به علم بأن كل شيء وجد غير العلم الذى كان أولا أنه سيوجد كما دل على ذلك عدة آيات فى القرآن كقوله تعالى {لنعلم من يتبع الرسول} وغير ذلك .
مجموع الفتاوى (12|95)
قال شيخ الإسلام : أما التغير فقالوا العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأن قد كان فيلزم أن يكون محلا للحوادث وهم ليس عندهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلا لا بينة ولا شبهة وإنما نفوه لنفيهم الصفات لا لأمر يختص بذلك بخلاف من نفي ذلك من الكلابية ونحوهم فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا لأنها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وقد بين أتباعهم كالرازي والآمدي وغيرهم فساد المقدمة الأولى التي يخالفهم فيها جمهور العقلاء ويقولون بل القابل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده أما المقدمة الثانية فهي حجة المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من أهل الكلام على إثبات حدوث الأجسام باستلزامها للحوادث وقالوا ما لا يخلو عن الحوادث أو ما لا يسبقها فهو حادث لبطلان حوادث لا أول لها وهو التسلسل في الآثار
والفلاسفة لا يقولون بشيء من ذلك بل عندهم القديم تحله الحوادث ويجوزون الحوادث لا أول لها ولهذا كان كثير من أساطينهم ومتأخريهم كأبي البركات يخالفونهم في إثبات الصفات وقيام الحوادث بالواجب وقالوا لإخوانهم الفلاسفة ليس معكم حجة على نفي ذلك بل هذه الحجة أثبتموها من جهة التنزيه والتعظيم بلا حجة والرب لا يكون مدبرا للعالم إلا بهذه القضية فكان من تنزيه الرب وإجلاله تنزيهه عن هذا التنزيه وإجلاله عن هذا الإجلال
وللنظار في جوابهم عن هذا طريقان منهم من يمنع المقدمة الأولى ومنهم من يمنع الثانية فالأول جواب كثير من المعتزلة والأشعري وأصحابه وغيرهم ممن ينفي حلول الحوادث فادعى هؤلاء أن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان وان المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم لا أمر ثبوتي والثاني جواب هشام وابن كرام وأبي الحسين البصري وأبي عبد الله بن الخطيب وطوائف غير هؤلاء قالوا لا محذور في هذا وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون فان هذا يستلزم انه لم يكن عالما وانه احدث بلا علم وهذا قول باطل .
الرد على المنطقيين (464)
المسألة الحادية عشرة : مسألة - الحركة -
قال ابن رشد : ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية وجب التصريح بنفي الحركة . فإذا صرح بنفي هذا عسر تصور ما جاء في صفة الحشر من أن الباري سبحانه يطلع على أهل الحشر وأنه الذي يتولى حسابهم ،ـ كما قال تعالى {وجاء ربك والملك صفا صفا (22)} [الفجر : 22] ، وذلك التأويل أقرب منه إلى أمر الحشر ، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع .
الكشف عن مناهج الأدلة (62)
وهذا إلزام قوي من ابن رشد وقد أقره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع في كتبه .
وأما الحركة كلفظ
قال شيخ الإسلام رحمه الله : " وكذلك لفظ الحركة أثبته طوائف من أهل السنة والحديث وهو الذي ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني في السنة التي حكاها عن الشيوخ الذين أدركهم كالحميدي وأحمد بن حنبل وسعيد بن منصور وإسحاق بن إبراهيم ,وكذلك هو الذي ذكره عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على بشر المريسي ,وذكر أن ذلك مذهب أهل السنة , وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة من الشيعة والكرامية والفلاسفة الأوائل والمتأخرين كأبي البركات صاحب المعتبر وغيرهم .
ونفاه طوائف منهم أبو الحسن التميمي وأبو سليمان الخطابي , وكل من أثبت حدوث العالم بحدوث الأعراض كأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم ممن سلك في إثبات حدوث العالم هذه الطريقة التي أنشأها قبلهم المعتزلة .
وهو أيضا قول كثير من الفلاسفة الأوائل والمتأخرين كابن سينا وغيره .
والمنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك, ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة ,وإن أثبت أنواعاً قد يدرجها المثبت في جنس الحركة ؛ فإنه لما سمع شخصا يروي حديث النزول ويقول ينزل بغير حركة ولا انتقال ولا بغير حال أنكر أحمد ذلك وقال : قل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كان أغير على ربه منك .
"الاستقامة" (1/73)

وقال شيخ الإسلام : " والله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص, وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص ؛ فالخالق أحق به ,وكل نقص نزه عنه المخلوق ؛ فالخالق أحق بأن ينزه عنه , والفعل صفة كمال لا صفة نقص كالكلام والقدرة , وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو المطلوب .
وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين ؛ فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها , والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا ؛ فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به , ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها , ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي و أبو الحسن الأشعري وغيرهما , وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب , ولهذا أمر أحمد بهجره وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث : إنه رجع عن قوله .
وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين ,ورجح قول ابن كلاب ,وذكر ذلك في قول الله تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } وأمثال ذلك , وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني و عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة , وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و عبد الله بن الزبير الحميدي و سعيد بن منصور , وقال عثمان بن سعيد وغيره : إن الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك , وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم .
وطائفة أخرى من السلفية كنعيم بن حماد الخزاعي و البخاري صاحب الصحيح و أبي بكر بن خزيمة وغيرهم كأبي عمر بن عبد البر وأمثاله : يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء , ويسمون ذلك فعلا ونحوه , ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة لكونه غير مأثور .
وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء كأبي بكر عبد العزيز و أبي عبد الله بن بطة وأمثالهما ومنهم من يوافق الأولين كأبي عبد الله بن حامد وأمثاله , ومنهم طائفة ثالثة ؛ كالتميميين و ابن الزاغوني غيرهم يوافقون النفاة من أصحاب ابن كلاب وأمثالهم .
ولما كان الإثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث كالبخاري و أبي زرعة و أبي حاتم و محمد بن يحيى الذهلي , وغيرهم من العلماء الذين أدركهم الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته : من أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء , وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة , وكان له أصحاب كأبي علي الثقفي وغيره تلقوا طريقة ابن كلاب فقام بعض المعتزلة , وألقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء ,وهو أن الله لا يوصف بأنه يقدر على الكلام إذا شاء , ولا يتعلق ذلك بمشيئته فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم في ذلك نزاع حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه ,وأمر ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له وصار الناس حزبين ؛ فالجمهور من أهل السنة وأهل الحديث معه ومن وافق طريقة ابن كلاب معه حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين فالحاكم أبو عبد الله و أبو عبد الرحمن السلمي و أبو عثمان النيسابوري وغيرهم معه ,وكذلك يحيى بن عمار السجستاني و أبو عبد الله بن منده و أبو نصر السجزي و شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري و أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهم معه ,وأما أبو ذر الهروي و أبو بكر البيهقي وطائفة أخرى فهم مع ابن كلاب .
"درء التعارض" (1|245)
المسألة الثانية عشرة : صفة الكلام
قال ابن رشد : والأشعرية قد نفوا أن يكون المتكلم فاعلاً للكلام,لأنهم تخيلوا أنهم إذا سلموا هذا الأصل وجب أن يعترفوا أن الله فاعل لكلامه , ولما اعتقدوا أن المتكلم هو الذي يقوم الكلام بذاته,ظنوا أنهم يلزمهم عن هذين الأصلين أن يكون الله فاعلاً للكلام بذاته,فتكون ذاته محلاً للحوادث,فقالوا:المتكلم ليس فاعلاً للكلام,وإنما هي صفة قديمة لذاته,كالعلم وغير ذلك.وهذا يصدق على كلام النفس,ويكذب على الكلام الذي يدل على ما في النفس,وهو اللفظ.
والمعتزلة لما ظنوا أن الكلام هو ما فعله المتكلم, قالوا:إن الكلام هو اللفظ فقط.ولهذا قال هؤلاء:إن القرآن مخلوق.واللفظ عند هؤلاء,من حيث هو فعل,فليس من شرطة أن يقوم بفاعله.والأشعرية تتمسك بأن من شرطة أن يقوم بالمتكلم.وهذا صحيح في الشاهد في الكلاميين معاً,أعني: كلام النفس,واللفظ الدال علية وأما في الخالق,فكلام النفس هو الذي قام به.فأما الدال عليه فلم يقم به سبحانه.
فالأشعرية لما شرطت أن يكونه الكلام بإطلاق قائماً بالمتكلم أنكرت أن يكون المتكلم فاعلاً للكلام, بإطلاق.والمعتزلة لما شرطت أن يكون المتكلم فاعلاً للكلام, بإطلاق,أنكرت كلام النفس.وفي قول كل واحدة من الطائفتين جزء من الحق, وجزء من الباطل على ما لاح لك من قولنا.
الكشف عن مناهج الأدلة (54)
قلت : ولا يلزم من قيام هذه الصفة( الكلام ) أو الصفات الاختيارية بالله محذور لا عقلي ولا شرعي , والذي قاد الأشاعرة إلى ذلك أصل فاسد وهو اعتقاد أن من صفات الحدوث الصفات التي يفهم منها التجدد كالكلام وغيره .
وأما التفريق بين اللفظ والمعنى فهو كلام باطل , والرد عليه من كلام السلف كثير , وفي مظانه .
قال ابن قدامة: الحق أن كلام الله هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه ومعانيه .. وأقام المؤلف الحجج على أن ما في النفس إن لم يتكلم به لا يسمى كلاماً، كقوله في قصة زكريا :{قال آيتك أن لا تكلم الناس} مع أنه أشار إليهم كما قال: {فأوحى إليهم أن سبحوا}، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبر عنه بالإشارة كلاماً ... واتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسم وفعل وحرف, وأجمع الفقهاء على أن من حلف لا يتكلم لا يحنث بحديث النفس, وإنما يحنث بالكلام ثم قال الشنقيطي: وإذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على ما في النفس فلا بد أن يقيد بما يدل على ذلك كقوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم}، فلو لم يقيد بقوله في أنفسهم لانصرف إلى الكلام باللسان. "مذكرة أصول الفقه" للشنقيطي (ص188).
المسألة الثالثة عشرة : نقدهم في مسائل مختلفة
قال ابن رشد : فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلهم للجمهور وكذلك فعلت الأشعرية وإن كانت أقل تأويلا فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق .
وزائدا إلى هذا كله أن طرقهم التي سلكوها في إثبات تأويلاتهم ليسوا فيها لا مع الجمهور ولا مع الخواص أما مع الجمهور فلكونها أغمض من الطرق المشتركة للأكثر وأما مع الخواص فلكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان وذلك يقف عليه بأدنى تأمل من عرف شرائط البرهان .
بل كثير من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها سوفسطائية فإنها تجحد كثيرا من الضروريات مثل ثبوت الأعراض وتأثير الأشياء بعضها في بعض ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والصور الجوهرية والوسائط ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجود الباري سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم .. .
فصل المقال (63-64)
المسألة الرابعة عشرة : نقدهم في تقسيم الصفات
قال ابن رشد : ومن البدع التي حدثت في هذا الباب:السؤال عن هذه الصفات,هل هي الذات؟أم زائدة على الذات؟أي هي صفة نفسية,أو صفة معنوية؟وأعني بالنفسية التي توصف بها الذات لنفسها لا لقيام معنى فيها زائد على الذات,مثل قولنا قولنا واحد وقديم, والمعنوية التي توصف بها الذات لمعنى قائم فيها.
الكشف عن مناهج الأدلة (55)
المسألة الخامسة عشرة : نقدهم في مسألة في الصفات
قال ابن رشد : فإن الأشعرية يقولون:إن هذه الصفات هي صفات معنوية,وهي صفات زائدة على الذات,فيقولون:إنه عالم بعلم زائد على ذاته,وحي بحياة زائدة على ذاته,كالحال في الشاهد.ويلزمهم على هذا أن يكون الخالق جسماً,لأنه يكون هنالك صفة وموصوف,وحامل ومحمول,وهذه هي حال الجسم.
وذلك أن الذات,لا بد أن يقولو إنها قائمة بذاتها, والصفات قائمة بها.أو يقولو:إن كل واحد منها قائم بنفسه:فالآلهة كثيرة. وهذا قول النصارى الذي زعموا أن الأقانيم ثلاثة:أقانيم الوجود والحياة والعلم.وقد قال تعالى في هذا:{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}[المائدة:73].
وإن قالوا:أحدهما قائم بذاته والآخر قائم بالقائم بذاته,فقد أوجبوا أن يكون جوهراً وعرضاً,لأن الجوهر هو القائم بذاته والعرض هو القائم بغيره.والمؤلف من جوهر وعرض جسم ضرورة.
الكشف عن مناهج الأدلة (55)
قال شيخ الإسلام : وذلك أن الذات المجردة عن الصفة لا توجد إلا في الذهن ؛ فالذهن يقدر ذاتا مجردة عن الصفة ويقدر وجودا مطلقا لا يتعين , وأما الموجودات فى أنفسها فلا يمكن فيها وجود ذات مجردة عن كل صفة ولا وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص .
وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات أنا أثبت صفات الله زائدة على ذاته فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات ؛ فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات فقال أهل الإثبات نحن نقول بإثبات صفات زائدة على ما أثبته هؤلاء .
وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلا بل هذا بمنزلة من قال اثبت إنسانا لا حيوانا ولا ناطقا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا له قدرة ولا حياة ولا حركة ولا سكون أو نحو ذلك أو قال أثبت نخلة ليس لها ساق ولا جذع ولا ليف ولا غير ذلك فان هذا يثبت ما لا حقيقة له فى الخارج ولا يعقل .
مجموع الفتاوى (5|326)
المسألة السادسة عشرة : الجسمية
قال ابن رشد : فإن قيل : فما تقول في صفة الجسمية ؟هل هي من الصفات التي صرح الشرع بنفيها عن الخالق سبحانه , أم هي من المسكوت عنها ؟
فنقول :إنه من البين من أم الشرع أنها من الصفات المسكوت عنها , وهي الى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها . وذلك أن الشرع قد صرح بالوجه واليدين في غير ما آية من الكتاب العزيز .وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي له من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق , إلا أنها في لخالق أتم وجودا .ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقدوا في الخالق أنه جسم لا يشبه سائر الأجسام , وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم .
والواجب عندي , في هذه الصفة , أن يجري فيها على منهاج الشرع ,لا يصرح فيها بنفي ولا إثبات , ويجاب من سأل في ذلك من الجمهور بقوله تعالى :( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وينهى عن هذا السؤال .
الكشف عن مناهج الأدلة (60)
وقول ابن رشد : وهي الى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها.. انتهى هذا على اعتبار تعريف الجسم بالموصوف أو القائم بذاته , وليس على اصطلاح المشبهة كغلاة الرافضة . فإن الفرق اختلفت في تفسير الجسم فالفلاسفة ذهبوا أن الجسم هو المكون من الهيولي (المادة) والصورة، وعند المعتزلة الذي تقوم به الأبعاد الثلاثة، والكرامية عنوا بالجسم القائم بنفسه، والأشاعرة يرونه المكون من الجواهر .
فهذا اللفظ مثلا من إلزامات الأشاعرة وغيرهم لأهل السنة الذين يثبتون الصفات الخبرية , فألزموا كل من أثبت الصفات الخبرية بالجسمية .
ثانيا : لفظ الجسم من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة والأصل الاستفصال عن المعنى المراد .
ثالثا : هذا اللفظ لا يثبت ولا ينفى حتى يستفصل عن المعنى المراد .
قال شيخ الإسلام رحمه الله : لفظ الجسم فيه إجمال قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت أو ما يقبل التفريق والانفصال أو المركب من مادة وصورة أو المركب من الأجزاء المفردة التي تسمى الجواهر المفردة .
والله تعالى منزه عن ذلك كله عن أن يكون كان متفرقاً ؛ فاجتمع أو أن يقبل التفريق والتجزئة التي هي مفارقة بعض الشيء بعضا وانفصاله عنه أو غير ذلك من التركيب الممتنع عليه .
و قد يراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يرى أو ما تقوم به الصفات , والله تعالى يرى في الآخرة وتقوم به الصفات , ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم ؛ فإذا أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى .
قيل له : هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول , وأنت لم تقم دليلا على نفيه .
وأما اللفظ فبدعة نفياً وإثباتاً.
"منهاج السنة" (2|134)
وقال ابن القيم رحمه الله : فلفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتاً فتكون له حرمة الإثبات , ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي .
فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به ؟
فإن قال أردت الجسم معناه في لغة العرب , وهو البدع الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه , ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء ؛ فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا .
وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة ؛ فهذا منفي عن الله قطعاً , والصواب نفيه عن الممكنات أيضا فليس الجسم المخلوق مركبا لا من هذا ولا من هذا , وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصره ويرضى ويغضب .
فهذه المعاني ثابتة للرب وهو موصوف بها ؛ فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما .
" الصواعق" (3/939)
المسألة السابعة عشرة : العالم في خلاء
قال ابن رشد : والمقدمة القائلة إن الإرادة هي التي تخص أحد المماثلين صحيحة ، والقائلة إن العالم في خلاء يحيط به كاذبة، أو غير بينه بنفسها , ويلزم أيضا عن وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم : وهو أن يكون قديما . لأنه إن كان محدثا احتاج إلى خلاء .
الكشف عن مناهج الأدلة (39)
وقال ابن رشد فقال : وليس لهم أن يقولوا : إن خارج العالم خلاء , وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن وقعت الأبعاد عنه عاد عدما , وإن أنزل الخلاء موجودا لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم وذلك لأن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية .
الكشف عن مناهج الأدلة (148)
ومن هنا دخلت عليهم شبهة نفي العلو لله تعالى لاعتقادهم أن وراء العالم خلاء .
المسألة الثامنة عشرة : العلو
قال ابن رشد : وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله . وظواهر الشرع كلها تقتضي اثبات الجهة ، مثل قوله تعالى : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}[ الحاقة : 17] ، ومثل قوله : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } [ السجدة : 5 ] ومثل قوله تعالى : { تعرج الملائكة والروح إليه } [ المعارج : 4 ] ومثل قوله : { ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } [ الملك : 16 ] ، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً . وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهاً ؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء ، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ، وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى . وجميع الحكماء قد اتفقوا أن الله والملائكة في السماء ، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك .
والشبهة التي قادت نُفاة الجهة إلى نفيها ، هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان ، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية .
ونحن نقول أن هذا كله غير لازم ، فإن الجهة غير المكان . وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به ، وهي ستة . وبهذا نقول إن للحيوان فوق وأسفل ، ويميناً وشمالاً ، وأمام وخلف . وإما سطوح جسم آخر محيط بالجسم ، ذي الجهات الست . فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلاً . وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان ، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان ، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضاً مكان للهواء ، وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له.
وأما سطح الفلك الخارجي فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم ، لأن لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ، ويمر الأمر إلى غير نهاية . فإذن : سطح آخر أجسام العالم ليس مكاناً أصلاً ، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم ، لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم ، فإذن : إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة ، فواجب أن يكون غير جسم . فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم ، وهو موجود هو جسم ، لا موجود ليس بجسم .
وليس لهم أن يقولوا إن خارج العالم خلاء . وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه ؛ لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو ، شيئاً أكثر من أبعاد ليس فيها جسم ، أعني : طولاً وعرضاً وعمقاً ، لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عدماً . وإن أُنزل الخلاء موجوداً لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم . وذلك أن كل ما يحويه الزمان والمكان فاسد . فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن .
وقد تبين هذا المعنى مما أقوله : وذلك أنه لما لم يكن ها هنا شيء إلا هذا الموجود المحسوس ، أو العدم ، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما يقال إنه موجود في العدم ، فإن كان ها هنا موجود هو أِشرف الموجودات ، فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف ، وهو السماوات . ولِشَرَف هذا الجزء قال تبارك وتعالى : { لخلق ا لسموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [ غافر : 57 ] . وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم .
فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل ، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه ، وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع ، وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى ، مع نفي الجسمية ، هو أنه ليس في الشاهد مثال له . فهو بعينه السبب في أن لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه ، لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد ، مثل العلم ، فإنه لما كان في الشاهد شرطاً في وجوده كان شرطاً في وجود الصانع الغائب . وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون ، فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته ، مثل العلم بالنفس ، أو يضرب لهم مثالاً من الشاهد إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم ، وإن لم يكن ذلك المثال هو نفس الأمر المقصود تفهيمه ، مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد .
الكشف عن مناهج الأدلة (67-69)
وأما لفظ الجهة فهو من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة والأصل الاستفصال عن المعنى المراد .
قال شيخ الإسلام : وقد قدمنا فيما مضى أن لفظ الجهة يراد به أمر موجود وأمر معدوم ؛ فمن قال إنه فوق العالم كله لم يقل أنه في جهة موجودة إلا أن يراد بالجهة العرش ,ويراد بكونه فيها أنه عليها كما قيل في قوله: أنه في السماء: أي على السماء , وعلى هذا التقدير؛ فإذا كان فوق الموجودات كلها وهو غني عنها لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها فضلا عن أن يحتاج إليها, وإن أريد بالجهة ما فوق العالم؛ فذلك ليس بشيء ولا هو أمر وجودي حتى يقال أنه محتاج إليه أو غير محتاج إليه , وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وتوهموا وأوهموا إذا كان في جهة كان في شيء غيره كما يكون الإنسان في بيته ثم رتبوا على ذلك أنه يكون محتاجا إلى غيره والله تعالى غني عن كل ما سواه وهذه مقدمات كلها باطلة .
بيان تلبيس الجهمية (1|520)
المسألة التاسعة عشرة : المعدوم هو الذي يقال له لا فوق ولا تحت
قال ابن رشد : وأما السبب الثاني :- فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس , وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم .فإذا قيل لهم :إن ها هنا موجودا ليس بجسم , ارتفع عنهم التخيل , فصار عندهم من قبيل المعدوم ولا سيما إذا قيل : أنه لا خارج العالم ولا داخله ولا فوق ولا أسفل .ولهذا اعتقدت الطائفة الذين أثبتوا الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنها مُلَيِّسَة وأعتقد الذين نفوها في المثبتة أنها مكثرة .
الكشف عن مناهج الأدلة (61)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو فرأى قوة كلام ابن الهيصم فرجح ذلك, ويقال إنه قال لابن فورك: فلو أردت أن تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا؟ أو قال: فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم؟ وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحق الإسفراييني يطلب الجواب عن ذلك؛ فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسماً! .
"درء تعارض العقل والنقل" (3/229).
المسألة العشرون : الرؤية
قال ابن رشد : فمنها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة . وذلك أن الذين صرحوا بنفيها فرقتان : المعتزلة والأشعرية .فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى أن نفوا الرؤية . وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك عليهم , ولجئوا في الجمع إلى الأقاويل سوفسطائية , سنرشد إلى الوهن الذي فيها عند الكلام في الرؤية .
ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة , في بادئ الرأي, عن الخالق سبحانه , أنه ليس بجسم , فترجع الشريعة متشابهة . وذلك أن بعث الأنبياء انبنى على أن الوحي نازل إليهم من السماء . وعلى ذلك انبتت شريعتنا هذه ، أعني : أن الكتاب العزيز نزل من السماء كما قال تعالى : {إنا أنزلنه في ليلة مباركة} [الدخان : 3] وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء . وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال تعالى:
{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح} [فاطر : 10]، وقال تعالى :{تعرج الملكة والروح إليه} [المعراج : 4] . وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة .
الكشف عن مناهج الأدلة (61-62)
وقال ابن رشد : إن الذي بقي علينا من هذا الجزء من المسائل المشهورة ، هي مسألة الرؤية .
فإنه قد يظن أن هذه المسألة هي بوحه ما داخلة في الجزء المتقدم لقوله تعالى {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [الأنعام : 103] . ولذلك أنكرها المعتزلة وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها وشهرتا . فشنع الأمر عليهم .
وسبب وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة ، لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه سبحانه واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع المكلفين ، ووجب عندهم ، إن انتفت الجسمية ، أن تنتفي الجهة ، وإذا انتفت الجهة انتقت الرؤية، إذ كل مرئي في جهة من الرائي . فاضطروا لهذا المعنى لرد الشرع المنقول ، واعتلوا للأحاديث بأنها أخبار آحاد ، وأخبار الآحاد لا توجب العلم . مع أن ظاهر القرآن معارض لها، أعني قولة تعالى :{لا تدركه الأبصار].
وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين ، أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس ، فعسر ذلك عليهم ولجأوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة ، أعني الحجج التي توهم أنها حجج وهي كاذبة .
وذلك أنه يشبه أن يكون يوجد في الحجج ما يوجد في الناس , أعني : أنه كما يوجد في الناس الفاضل التام الفضيلة ، ويوجد فيهم من دون ذلك في الفضل ، ويوجد فيهم من يوهم أنه فاضل وليس بفاضل ، وهو المرائي . كذلك الأمر في الحجج . أعني أن منها ما هو في غاية اليقين ، ومنها ما هو دون اليقين ، ومنها حجج مرائية ، وهي التي توهم أنها يقين وهي كاذبة والأقاويل التي سلكتها الأشعرية في هذه المسألة ، منها أقاويل في دفع دليل المعتزلة ومنها أقاويل لهم في إثبات جواز الرؤية لما ليس بجسم ، وأنه ليس يعرض من فرضها محال .
فأما ما عاندوا به قول المعتزلة : أن كل مرئي فهو في جهة من الرائي . فمنهم من قال إن هذا إنما هو حكم الشاهد إلى الغائب ، وأنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في وجهة ، إذا كان جائزاً أن يرى الإنسان بالقوة المبصرة نفسها دون عين .
وهؤلاء اختلط عليها إدراك البصر فظاهر من أمره ؛ أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة ، ولا في جهة فقط ، بل وفي جهة ما مخصوصة . ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي ، بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضاً ، وهي ثلاثة أشياء : حضور الضوء ، والجسم الشفاف المتوسط بين البصر والمبصر ، وكون المبصر ذا ألوان ضرورة . والرد لهذه الأمور المعروفة بنفسها في الإبصار هو رد للأوائل المعلومة بالطبع للجميع ، وإبطال لجميع علوم المناظر والهندسة .
وقد قال القوم ، أعني الأشعرية : إن أحد المواضع التي يجب أن ينقل فيها حكم الشاهد إلى الغائب هو الشرط ، مثل حكمنا أن كل عالم حي، لكون الحياة تظهر في الشاهدة شرطاً في وجود العلم . وإن كان ذلك ، قلنا لهم : وكذلك يظهر في الشاهد أن هذه الأشياء هي شروط في الرؤية ، فألحقوا الغائب فيها بالشاهد على أصلكم !
وقد رام أبو حامد في كتابة المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة ، أعني أن كل مرئي في وجهة من الرائي ، بأن الإنسان يبصر ذاته في المرآة . وذاته ليست منه في جهة غير جهة مقابلة وذلك أنه لما كان يبصر ذاته وكانت ذاته ليست تحل في المرآة التي في الجهة المقابلة ، فهو يبصر ذاته في غير جهة .
وهذه المغالطة فإن الذي يبصر هو خيال ذاته . والخيال منه هو في جهة إذ كان الخيال في المرآة ، والمرآة في جهة .
وأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان رؤية ما ليس بجسم ، فإن المشهور عندهم في ذلك حجتان : إحداهما وهو الأشهر عندهم ، ما يقولونه من أن الشيء لا يخلو أن يرى من جهة ما هو ملون، أو من جهة أنه جسم ، أو من جهة أنه لون ، أو من جهة أنه موجود ، وربما عددوا جهات أخر غير هذه للموجود . ثم يقولون : وباطل أن يرى من قبل أنه جسم ، إذ لو كان ذلك كذلك لما رئي اللون . وباطل أن يرى لمكان أنه لون ، إذ لو كان ذلك لما رئي الجسم . قالوا : وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تتوهم في هذا الباب ، فلم يبق أن يرى الشيء إلا من قبل أنه موجود .
والمغالطة في هذا القول بينة؛ فإن المرئي من هو مرئي بذاته ، ومنه ما هو مرئي من قبل المرئي بذاته ، وهذه هي حال اللون والجسم : فإن اللون مرئي بذاته والجسم مرئي من قبل اللون . ولذلك ما لم يكن له لون لم يبصر . لو كان الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط ، لوجب أن تبصر الأصوات وسائر المحسوسات الخمس . فكان يكون البصر والسمع وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة ، وهذه كلها خلاف ما يعقل .
وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع ، والأصوات ممكنة أن ترى . وهذا كله خروج عن الطبع ، وعن ما يمكن أن يعقله إنسان . فإنه من الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع ، وأن محسوس هذه غير محسوس تلك ، وأن آلة هذه غير آلة تلك ، وأنه ليس يمكن أن ينقلب البصر سمعاً ، كما ليس يمكن أن يعود اللون صوتاً .
والذين يقولون إن الصوت يمكن أن يبصر في وقت ما ، فقد يجب أن يسالوا ، فيقال لهم : ما هو البصر ؟ فلا بد من أن يقولوا هو قوة تدرك بها المرئيات : الألوان وغيرها . ثم يقال هم ماهو السمع؟ فلا بد أن يقولوا هو قوة تدرك بها الأصوات . فإذا وضعوا هذا ، قيل لهم : فهل البصر عند إدراكه الأصوات ، وهو بصر فقط ، أو سمع فقط ؟ فإن قالوا : سمع فقط ، فقد سلموا أنه لا يدرك الألوان . وإن قالوا : بصر فقط ، فليس يدرك الأصوات . وإذا لم يكن بصراً فقط لأنه يدرك الأصوات ، ولا سمعاً فقط لأنه يدرك الألوان فهو بصر وسمع معاً . وعلى هذا فستكون الأشياء كلها شيئاً واحداً ، حتى المتضادات وهذا شيء فيما أحسبه يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا ، أو يلزمهم تسليمه ، وهو رأي سوفسطائي لأقوام قدماء مشهورين بالسفسطة .
وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية ، فهي الطريقة التي اختارها أبو المعالي في كتابه المعروف بـ((الإرشاد)) ، وهي هذه الطريقة : وتلخيصها ، أن الحواس إنما تدرك الأشياء . وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض هي أحوال ، ليست بذوات . فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذات . والذات هي نفس الموجود المشترك لجميع الموجودات . فإذن الحواس : إنما تدرك الشيء من حيث هو موجود .
وهذا كله في غاية الفساد . ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول : أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء ، لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود ، لأن الأشياء لا تفترق بالشيء الذي تشترك فيه ، ولا كان بالجملة يمكن في الحواس : لا في البصر أن يدرك فصول الألوان ، ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات ، ولا في الطعم أن يدرك فصول المطعومات . وللزم أن تكون مدارك المحسوسات بالجنس واحداً، فلا يكون فرق بين مدرك السمع وبين مدرك البصر
وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان ، وإنما تدرك الحواس ذوات الأشياء المشار إليها بتوسط إدراكها لمحسوساتها الخاصة بها . فوجه المغالطة في هذا ، هو أن ما يدرك ذاتياً أخذ أنه مدرك بذاته . ولولا النشأ على هذه الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها ، لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع ، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة .
والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائمتين بنصرتها ، في زعمهم ، إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة ، التي هي ضحكة من عني بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية هو التصريح في الشرع بما لم يأذن الله ورسوله به ، وهو التصريح بنفي الجسمية للجمهور. وذلك أنه من العسير أن يجتمع في اعتقاد واحد أن ها هنا موجوداً ليس بجسم ، وأنه مرئي بالأبصار لأن مدارك الحواس هي في الأجسام أو أجسام . ولذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ذلك الوقت .
الكشف عن مناهج الأدلة (77-81)
وبسبب هذا التناقض فر بعض الأشاعرة إلى إنكار الرؤية وأولوها بمزيد العلم .
قال شيخ الإسلام: حتى إن أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين كأبي حامد وابن الخطيب وغيرهما لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية الثابتة بالنصوص والإجماع المعلوم جوازها بدلائل المعقول بل المعلوم بدلائل العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به .
بيان تلبيس الجهمية (2|435)
وأما إثبات أن الرؤية لا بد أن تكون من جهة فهذا مما اتفق عليه العقلاء
يقول شيخ الإسلام : وإنما المقصود أن نقول إذا ثبتت رؤيته فمعلوم في بداية العقول أن المرئي القائم بنفسه لا يكون إلا بجهة من الرائي وهذه الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه و سلم حيث قال : ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر . فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورا في الدنيا وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم بل من المعلوم أن رؤية مالا يكون داخل العالم ولا خارجه ممتنع في بداية العقول, وهذا مما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم من السلف والأئمة وأهل الحديث والفقه والتصوف وجماهير أهل الكلام المثبتة والنافية والفلاسفة وإنما خالف فيه فريق من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من الفقهاء كما قد يوافقهم القاضي أبو يعلى في المعتمد هو وغيره ويقولون ما قاله أولئك في الرؤية إنه يرى لا في جهة ويلتزمون ما اتفق أهل العقول على أنه من الممتنع في بداية العقول .
بيان تلبيس الجهمية (1|359)
المسألة الحادية والعشرون: النبوة
قال ابن رشد : وأما ما يشترطونه ، لمكان هذا ، من أن المعجز إنما يدل على الرسالة ، بمقارنة دعوى الرسالة له ، وأنه لو ادعى الرسالة من شأنه أن يظهر على يديه ، ممن ليس برسول ، لم يظهر على يديه ، فدعوى ليس عليها دليل . فإن هذا غير معلوم لا بالسمع ولا بالعقل . أعني أنه إذا ادعى من تظهر على يديه دعوى كاذبة ، أنه لا يظهر على يديه المعجز . لكن ، كما قلنا ، لما كان لا يظهر من الممتنع أنها لا تظهر إلا على أيدي الفاضلين الذين يعنى الله بهم ، وهؤلاء إذا كذبوا ليسوا بفاضلين ، فليس يظهر على أيديهم المعجز . ولكن ما في هذا المعنى من الإقناع لا يوجد فيمن يجوز ظهورها على يدي الساحر ، فإن الساحر ليس بقاضل .
فهذا ما في هذه الطريقة من الضعف ؛ ولهذا رأى بعض الناس أن الأحفظ لهذا الوضع أن يعتقد أنه ليس تظهر الخوارق إلا على أيدي الأنبياء ، وأن السحر هو تخيل لا قلب عين . ومن هؤلاء من أنكر ، لمكان هذا المعنى ، الكرامات .
وأنت تتبين من حال الشارع صلى الله عليه وسلم أنه لم يدع أحدا من الناس ولا أمة من الأمم إلى الإيمان برسالته وبما جاء به بأن قدم على يدي دعواه خارقاً من خوارق الأفعال ، مثل قلب عين من الأعيان أخرى . وما ظهر على يديه صلى الله عليه وسلم من الكرامات الخوارق ، فإنما ظهرت في أثناء أحواله ، من غير أن يتحدى بها . وقد يدلك على هذا قوله تعالى :{وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} إلى قوله : {قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا}[الإسراء : 90-93] . وقوله تعالى :{وما منعنا أن ترسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون}[الإسراء : 59].
وإنما الذي دعا به الناس وتحداهم به هو الكتاب العزيز ، فقال تعالى : {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء : 88] . وقال {فاتوا بعشر سور مثله مفتريات [هود : 13] .
وإذا كان الأمر هكذا فخارقه صلى الله عليه وسلم الذي تحدى به الناس وجعله دليلاً على صدقه فيما ادعى من رسالته هو الكتاب العزيز .
الكشف عن مناهج الأدلة (100-101)
وقال ابن رشد : فمن هذه الأشياء يرى أن المتكلمين ذهب عليهم هذا المعنى من وجه دلالة المعجز . وذلك أنهم أقاموا الإمكان مقام الوجود ، أعني الإمكان الذي هو جهل . ثم صححوا هذه القضية ، أعني أن كل من وجد منه المعجز فهو الرسول وليس يصح هذا إلا أن يكون المعجز يدب على الرسالة نفسها وعلى المرسل . وليس في قوة الفعل العجيب الخارق للعوائد ، الذي يرى الجميع أنه إلهي ، أن يدل على وجود الرسالة دلالة قاطعة ، إلا من جهة ما يعتقد أن من ظهرت عليه أمثال هذه الأشياء فهو فاضل ، والفاضل لا يكذب . بل إنما يدل على أن هذا رسول إذ سلم أن الرسالة أمر موجود ، وأنه ليس يظهر هذا الخارق على يدي أحد من الفاضلين إلا على يدي رسول .
وإنما كان المعجز ليس يدل على الرسالة لأنه ليس يدرك العقل ارتباطاً بينهما ، إلا أن يعترف أن المعجز فعل من أفعال الرسالة ، كالإبراء الذي هو فعل من أفعال الطب ، فإنه من ظهر منه فعل الإبراء دل على وجود الطب ، وأن ذلك الطبيب . فهذا أحد ما في هذه الاستدلال من الوهن .
وأيضا فإذا اعترفنا بوجود الرسالة على أن ننزل الإمكان الذي هو الجهل منزلة الوجود، وجعلنا المعجزة دالة على صدق الشخص المدعي الرسالة ، وجب ضرورة أن لا تكون دلالتها لازمة لمن يجوز أن المعجز قد يظهر على يدي غير رسول ، على ما يفعله المتكلمون، لأنهم يجوزون ظهورها على يدي الساحر ، وعلى يدي الولي .
الكشف عن مناهج الأدلة (99)
قال شيخ الإسلام : ولما أرادوا إثبات معجزات الأنبياء عليهم السلام وأن الله سبحانه لا يظهرها على يد كاذب مع تجويزهم عليه فعل كل شيء فتقوا فتقا فقالوا لو جاز ذلك لزم أن لا يقدر على تصديق من ادعى النبوة وما لزم منه نفي القدرة كان ممتنعا فهذا هو المشهور عن الأشعري وعليه اعتمد القاضي أبو بكر وابن فورك والقاضي أبو يعلى وغيرهم وهو مبني على مقدمات أحدها أن النبوة لا تثبت إلا بما ذكروه من المعجزات وأن الرب لا يقدر على إعلام الخلق بأن هذا نبي إلا بهذا الطريق وأنه لا يجوز أن يعلموا ذلك ضرورة .
وأن إعلام الخلق بأن هذا نبي بهذا الطريق ممكن فلو قيل لهم لا نسلم أن هذا ممكن على قولكم فإنكم إذا جوزتم عليه فعل كل شيء وإرادة كل شيء لم يكن فرق بين أن يظهرها على يد صادق أو كاذب ولم يكن إرسال رسول يصدقه بالمعجزات ممكنا على أصلكم ولم يكن لكم حجة على جواز إرسال الرسول وتصديقه بالمعجزات إذ كان لا طريق عندهم إلا خلق المعجز وهذا إنما يكون دليلا إذا علم أنه إنما خلقه لتصديق الرسول وأنتم عندكم لا يفعل شيئا لشيء ويجوز عليه فعل كل شيء وسلك طائفة منهم طريقا آخر وهي طريقة أبي المعالي وأتباعه وهو أن العلم بتصديقه لمن أظهر على يديه المعجز علم ضروري وضربوا له مثلا بالملك وهذا صحيح إذا منعت أصولهم فإن هذه تعلم إذا كان المعلم بصدق رسوله ممن يفعل شيئا لحكمة فأما من لا يفعل شيئا لشيء فكيف يعلم أنه خلق هذه المعجزات لتدل على صدقه لا لشيء آخر ولم لا يجوز أن يخلقها لا لشيء على أصلهم .
النبوات(1|482)
وقال شيخ الإسلام : وأما الطريق الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي وأمثاله فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلومة بالاضطرار وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أن يفعل لحكمة وأما إذا قيل انه لا يفعل لحكمة انتفى العلم الاضطراري والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي جعل آية لرسوله أمرا خارجا عن عادته إنما دلت للعلم بأن الملك يفعل شيئا لشيء فإذا نفوا هذا بطلت الدلالة وكذلك دليل القدرة هو دليل صحيح لكن مع إثبات الحكمة فإنه سبحانه وتعالى قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب إذ كان قادرا على أن يهدي عباده إلى ما هو أدق من هذا فهداهم إلى أسهل لكن هذا يستلزم إثبات حكمته ورحمته فمن لم يثبت له حكمة ورحمة امتنع عليه العلم بشيء من أفعاله الغائبة وأيضا فآيات الأنبياء تصديق بالفعل فهي تدل إذا علم أن من صدقه الرب فهو صادق وذلك يتضمن تنزيهه عن الكذب وعلى أصلهم لا يعلم ذلك فإن ما يخلقه من الحروف والأصوات عندهم هو مخلوق من المخلوقات فيجوز أن يتكلم كلاما يدل على شيء وقد أراد به شيئا آخر فإن هذا من باب المفعولات عندهم .
النبوات(2|932)
المسألة الثانية والعشرون : نقد الغزالي
قال ابن رشد : وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ، ثم المعتزلة بعدهم ، ثم الأشعرية ، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى . وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور ، وبآراء الحكماء ، على ما أداه إليه فهمه . وذلك في كتابه الذي سماه بـ((المقاصد)) فزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم . ثم وضع كتابه المعروف بـ((تهافت الفلاسفة))، فكرهم فيه في مسائل ثلاثة ، من جهة خرقهم فيها للإجماع كما زعم ، وبدعهم في مسائل . وأتى فيه بحجج مشككة، وشبه محيرة، أضلت كثيراً من الناس عن الحكمة وعن الشريعة . ثم قال في كتابه المعروف بـ((جواهر القرآن)) إن الذي أثبته في كتاب ((التهافت)) هي أقاويل جدلية وإن الحق إنما أثبته في ((المضنون به على غير أهله)) . ثم جاء في كتابه المعروف بـ((مشكاة الأنوار)) ، فذكر فيه مراتب العارفين بالله ، فقال : إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماء الأولي ، وهو الذي صدر عنه هذا المحرك. وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية . وهو قد قال في غير ما موضع إن علومهم الإلهية في تخمينات ، بخلاف الأمر في سائر علومهم . وأما في كتابه الذي سماه بـ((المنقذ من الضلال))، فأنحى فيه على الحكماء ، وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلو والفكرة ، وأن هذه المرتبة هي من جنس مراتب الأنبياء في العلم .
وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بـ((كيمياء السعادة)).
الكشف عن مناهج الأدلة (72-75)
المسألة الثالثة والعشرون : نفي الحكمة
قال ابن رشد : وإنما صارت مبطلة للحكمة لأن الحكمة ليست شيئاً أكثر من معرفة أسباب الشيء . وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجود ، فليس ها هنا معرفةٌ يختص بها الحكيم الخالق دون غيره . كما أنه لو لم تكن ها هنا أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة ، لم تكن هنالك صناعة أصلاً ، ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع . وأي حكمة كانت تكون في الإنسان لو كانت جميع أفعال وأعماله يمكن أن تتأتي بأي عضو اتفق ، أو بغير عضو ، حتى يكون الإبصار مثلاً يتأتى بالإذن كما يتأتى بالعين ، والشم بالعين كما يتأتى بالأنف ؟ وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمَّى به نفسه ، تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك .
الكشف عن مناهج الأدلة (37-38)
وقال ابن رشد : وينبغي أن تعلم أن هذا النوع من الاستدلال في غاية المضادة للاستدلال الذي زعمت الأشعرية أنه الطريق إلى معرفة الله سبحانه . وذلك أنهم زعموا أن دلالة الموجودات على الله تبارك وتعالى ، ليس من أجل حكمة فيها تقتضي العناية ، ولكن من قبل الجواز ، أي من قبل يظهر في جميع الموجودات أنه جائز في العقل أن يكون بهذه الصفة وبضدها . فإنه إن كان هذا الجواز على السواء ، فليس ها هنا حكمة ، ولا توجد ها هنا موافقة أصلاً بين الإنسان وبين أجزاء العالم .
وذلك أنه إن كان يمكن على زعمهم أن تكون الموجودات على غيرها ما هي عليه ، كوجودها على ما هي عليه ، فليس ها هنا موافقة بين الإنسان وبين الموجودات التي امتن عليه الله بخلقها ، وأمره بشكره عليها . فإن هذا الرأي يلزمه أن يكون إمكان خلق الإنسان جزءاً من هذا العالم كإمكان خلقة في الخلاء ، مثلاً ، الذي يرون أنه موجود . بل والإنسان عندهم يمكن أن يكون بشكل آخر ، وخلقة أخرى ، ويوجد عنه فعل الإنسان . وقد يمكن عندهم أن بشكل آخر ، وخلقة أخرى ، ويوجد عنه فعل الإنسان . وقد يمكن عندهم أن يكون جزءاً من عالم آخر مخالف بالحد والشرح العالم ، فلا تكون نعمة ها هنا يمتن بها على الإنسان ، لأن ما ليس بضروري ولا جهة الأفضل في وجود الإنسان ، فالإنسان مستغن عنه . وما هو مستغنى عنه فليس وجوده بإنعام عليه . وهذا كله خلاف ما في فطر الناس .
وبالجملة فكما أن من أنكر وجود المسببات مرتبة على الأسباب في الأمور الصناعية ، أو لم يدكها فهمه ، فليس عنده علم بالصناعة ولا الصانع ، كذلك من جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم ، فقد جحد الصانع الحكيم تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .
الكشف عن مناهج الأدلة (89-90)
قال شيخ الإسلام : فمن قال من أهل الكلام إنه لا يفعل الأشياء بالأسباب بل يفعل عندها لا بها ولا يفعل لحكمة ولا في الأفعال المأمور بها ما لأجله كانت حسنة ولا المنهي عنها ما لأجله كانت سيئة فهذا مخالف لنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة من السلف .
وأول من قاله في الإسلام جهنم بن صفوان الذي أجمع الأمة على ضلالته فإنه أول من أنكر الأسباب والطبائع كما أنه أول من ظهر عنه القول بنفي الصفات وأول من قال بخلق كلام الله وإنكار رؤيته في الآخرة .
ونصوص الكتاب والسنة في إبطال هذا كثيرة جدا كقوله{ قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم } فسلب النار طبيعتها وقوله {لنخرج به حبا ونباتا } وقوله { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا} فأخبر أن الرياح تقل السحاب أي تحمله فجعل هذا الجماد فاعلا بطبعه وقال { اهتزت وربت} { وأنبتت } فجعلها فاعلة بطبعها وقوله { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } وهو الكثير المنفعة والزوج الصنف .
والأدلة في ذلك كثيرة يخبر فيها أنه يخلق بالأسباب والحكم وأخبر أنه قائم بالقسط وأنه لا يظلم الناس شيئا فلا يضع شيئا في غير موضعه ولا يسوي بين مختلفين ولا يفرق بين متماثلين كما قال { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم} ؟ الآية وقال { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} الآية وقال{ أفنجعل المسلمين كالمجرمين} الآية وقال { وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات } الآية وغيرها كثير .
مجموع الفتاوى (|193)
وقال ابن القيم رحمه الله: وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى:{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} [آل عمران:191]. وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [ص:27]، وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له, ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة, وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة, وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات فهما مظهران بحمده وحكمته؛ فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره؛ فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا خلقاً وأمراً لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه سواء، ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن جميع ما أمر به, ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي, ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره، وينعم على من لم يطعه طرفة عين بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور. فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول, وإلا فهو جائز عليه, وهذا من أقبح الظن وأسوأه بالرب سبحانه وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.
والعجب العجاب أن كثيراً من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور, ويزعمون أنه عدل وحق وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته، وتكلمه وتكليمه، وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات والله ولي التوفيق.
"شفاء العليل" (2/588).
المسألة الرابعة والعشرون: إنكار الأسباب
قال ابن رشد : أما إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات فقول سفسطائي : والمتكلم بذلك إما جاحد بلسانه لما في جنانه , وإما منقاد لشبهة سفسطائية عرضت له في ذلك . ومن ينفي ذلك فليس يقدر أن يقدر أن يعترف أن كل فعل لا بد له من فاعل وأما أن هذه الأسباب مكتفية بنفسها في الأفعال الصادرة عنها , أو إنما تتم أفعالها بسبب من خارج : إما مفارق , وإما غير مفارق فأمر ليس معروفاً بنفسه ,وهو مما يحتاج إلى بحث وفحص كثير .وإن ألفوا هذه الشبهة في الأسباب الفاعلة التي يحس أن بعضها يفعل بعضاً لموضع ما ههنا من المفعولات التي لا يحس فاعلها , فإن ذلك ليس بحق , فإن التي لا تحس أسبابها إنما صارت مجهولة ومطلوبة ,من أنها لا يحس لها أسباب .فإن كانت الأشياء التي لا تحس لها أسباب مجهولة بالطبع , ومطلوبة فما ليس بمجهول فأسبابه محسوسة ضرورة . وهذا من فعل من لا يفرق بين المعروف بنفسه والمجهول . فما أتى به في هذا الباب مغلطة سفسطائية . وأيضا , فماذا يقولون في الأسباب الذاتية التي لا يفهم الموجود إلا بفهمها , فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات , هي التي اقتضت الأفعال الخاصة بموجود موجود .وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها . فلو لم يكن لموجود موجود فعل يخصه , لم يكن له طبيعة تخصه , ولو لم يكن له طبيعة تخصه , لما كان له اسم يخصه ولا حدّ . وكانت الأشياء كلها شيئاً واحداً ، ولا شيئاً واحداً . لأن ذلك الواحد يسأل عنه : هل له فعل واحد يخصه ؟ أو انفعال يخصه ؟ أو ليس له ذلك ؟ فإن كان له فعل يخصه فهنا أفعال خاصة صادرة عن طبائع خاصة . وإن لم يكن له فعل يخصه واحد ، فالواحد ليس بواحد . وإذا ارتفعت طبيعة الواحد ارتفعت طبيعة الموجود ، وإذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم . وأما هل الأفعال الصادرة عن موجود ضرورية الفعل فيما شأنه أن يفعل فيه ، أو هي أكثرية ، أو فيها الأمران جميعاً ، فمطلوب يستحق الفحص عنه . فإن الفعل والانفعال الواحد بين كل شيئين من الموجودات إنما يقع بإضافة ما من الإضافات التي لا تتناهى . فقد تكون إضافة تابعة لإضافة ولذلك لا يقطع على أن النار إذا دنت من جسم حساس فعلت . ولا بد لأنه لا يبعد أن يكون هنالك موجود يوجد له إلى الجسم الحساس إضافة تعوق تلك الإضافة الفاعلة للنار ، مثل ما يقال في حجر الطلق وغيره . لكن هذا ليس يوجب سلب النار صفة الإحراق ما دام باقياً لها اسم النار وحدها . وأما أن الموجودات المحدثة لها أربعة أسباب : فاعل ومادة وصورة وغاية ، فذلك شيء معروف بنفسه . وكذلك كونها ضرورية في وجود المسببات ، وبخاصته التي هي جزء من الشيء المسبب ، أعني : التي سموها قوم مادة ، وقوم شرطاً ومحلاً ، والتي يسميها قوم صورة ، وقوم صفة نفسية . والمتكلمون يعترفون بأن ههنا شروطاً هي ضرورية في حق المشروط ، مثل ما يقولون : إن الحياة شرط في العلم . وكذلك يعترفون بأن للأشياء حقائق وحدود ، وأنها ضرورية في وجود الموجود . ولذلك يطردون الحكم في ذلك الشاهد والغائب على مثال واحد . وكذلك يفعلون في اللواحق اللازمة لجوهر الشيء ، وهو الذي يسمونه الدليل ، مثل ما يقولون : إن الإتقان في الموجود يدل على كون الفاعل عاقلاً ، وكون الموجود مقصوداً به غاية ما ، يد على أن الفاعل له عالم ب والعقل ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها ، وبه يفترق من سائر القوى المدركة . فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل . وصناعة المنطق تضع وضعاً أن ههنا أسباباً ومسببات ، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها . فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له . فإنه يلزم ألا يكون ههنا شيء معلوم أصلاً علماً حقيقياً ، بل إن كان فمظنون ، ولا يكون ههنا برهان ولا حد أصلاً ، وترتفع أصناف المحمولات الذاتية التي منها تأتلف البراهين ؛ ومن يضع أنه ولا علم واحد ضروري ، يلزمه ألا يكون قوله هذا ضرورياً . وأما من يسلم أن ههنا أشياء بهذه الصفة ، وأشياء ليست ضرورية وتحكم النفس عليها حكماً ظنياً ، وتوهم أنها ضرورية وليست ضرورية ، فلا ينكر الفلاسفة ذلك . فإن سموا مثل هذا عادة جاز ، وإلا فما أدرى ما يريدون باسم العادة ؟ هل يريدون أنها عادة الفاعل ، أو عادة الموجودات ، أو عادتنا عند الحكم على هذه الموجودات ، ومحال أن يكون لله تعالى عادة ، فإن العادة ملكة يكتسبها الفاعل ، توجب تكرر الفعل منه على الأكثر ، والله عز وجل يقول: { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلاً (62)} { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (43) } . وإن أرادوا أنه عادة للموجودات ، فالعادة لا تكون إلا لذي نفس . وإن كانت في غير ذي نفس، فهي في الحقيقة طبيعة ، وهذا غير ممكن ، أعني : أن يكون للموجودات طبيعة تقتضي الشيء إما ضرورياً ، وإما أكثرياً . وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات . فإن هذه العادة ليست شيئاً أكثر من فعل العقل الذي يقتضيه طبع ، وبه صار العقل عقلاً . وليس تنكر الفلاسفة مثل هذه العادة ، فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته معنى ، إلا أنه فعل وضعي ، مثل ما نقول : جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا ، يريد : أنه يفعله في الأكثر . وإن كان هذا هكذا ، كانت الموجودات كلها وضعية ، ولم يكن هنالك حكمة أصلاً من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم . فكما قلنا : لا ينبغي أن يشك في أن هذه الموجودات قد تفعل بعضها بعضاً ومن بعض ، وأنها ليست مكتفية بأنفسها في هذا الفعل ، بل بفاعل من خارج فعله شرط في فعلها ، بل في وجودها فضلاً عن فعلها .
تهافت التهافت(333-335)
وقال ابن رشد : وقولهم : إن الله أجرى العادة بهذه الأسباب وأنه ليس تأثير في المسببات بإذنه ، قول بعيد جداً عن مقتضى الحكمة ، بل هو مبطل لها . لأن المسببات إن كان يمكن أن توجد من غير هذه الأسباب على حد ما يمكن أن توجد بهذه الأسباب فأي حكمة في وجودها عن هذه الأسباب ؟! وذلك أن وجود المسببات عن الأسباب ، عن الأسباب ، لا يخلو من ثلاثة أو جه :
إما أن يكون وجود الأسباب لمكان المسببات من الاضطرار ، مثل كون الإنسان متغذياً.
وأما أن يكون من أجل الأفضل ، أعني لتكون المسببات بذلك أفضل وأتم ، مثل كون الإنسان له عينان.
وإما أن يكون ذلك لا من جهة الأفضل من الاضطرار ، فيكون وجود المسببات عن الأسباب بالاتفاق وبغير قصد ، فلا تكون هنالك حكمة أصلا ، ولا تدل على صانع أصلا ، بل إنما تدل على الاتفاق .
وذلك أنه إن كان مثلاً ، ليس شكل يد الإنسان ولا عدد أصابعها ولا مقدارها ضرورياً ، ولا من جهة الأفضل ، في الإمساك الذي هو فعلها ، وفي احتوائها على جميع الأشياء المختلفة الشكل ، وموافقتها لإمساك آلات الصانع ، فوجود أفعال اليد عن شكلها وعدد أجزائها ومقدارها ، وهو بالاتفاق . ولو كان ذلك كذلك لكان لا فرق بين أن يخص الإنسان باليد أو بالحافز ، أو بغير ذلك مما يخص حيواناً حيواناً من الشكل الموافق لفعله .
وبالجملة متى رفعنا الأسباب والمسببات لم يكن ها هنا شيء يرد به على القائلين بالاتفاق . أعني الذين يقولون لا صانع ها هنا ، وأن جميع ما حدث في هذا العالم إنما هو عن الأسباب المادية ، لأن أحد الجائزين هو أحق أن يقع عن الاتفاق منه أن يقع عن فاعل مختار .
وذلك أنه إذا قال الأشعري إن وجود أحد الجائزين أو الجائزات هو دال علة أن هاهنا مخصصاً فاعلاً ، كان لؤلئك أن يقولوا إن وجود الموجودات على أحد الجائزين أو الجائزات هو عن الاتفاق ؛ إذ الإدارة إنما تفعل لمكان سبب من الأسباب . والذي يكون لغير عله ولا سبب هو عن الاتفاق ؛ إذا كنا نرى أشياء كثيرة تحدث بهذه الصفة ، مثل ما يعرض للأسطقسات أن تمزح امتزاجا ما بالاتفاق ، فيحدث عن ذلك الامتزاج بالاتفاق موجود ما . ثم تمزح أيضاً امتواجاً آخر فيحدث بالاتفاق ، عن ذلك الامتزاح بالاتفاق ، موجود آخر ، فتكون على هذا جميع الموجودات حادثه عن الاتفاق .
وأما نحن ، فلما كنا نقول إنه واجب أن يكون ها هنا ترتيب ونظام ، لا يمكن أن يوجد أتقن منه ولا أتم منه وأن الامتزاجات محدودة مقدرة ، والموجودات الحادثة عنها واجبة ، وأن هذه دائماً لا يخل ، لم يمكن أن يوجد ذلك عن الاتفاق ؛ لأن ما يوجد عن الاتفاق هو أقل ضرورة وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى :{صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل : 88] . وأي إتقان يكون – ليت شعري – في الموجودات إن كانت على الجواز .لأن الجائز ليس هو أولى بالشيء من ضده . وإلى هذا الإشارة بقوله :{ماترى في خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من فطور} [المالك : 3] وأي تفاوت أعظم من أن تكون الأشياء كلها يمكن أن توجد على صفة أخرى فوجدت على هذه ، ولعل تلك الصفة المعدومة أفضل من الموجودة !؟
فمن زعم مثلاً أن الحركة الشرقية ، لو كانت غريبة ، والغربية شرقية ، لم يكن في ذلك فرث في صنعة العالم ، فقد أبطل الحكمة . وهو كمن زعم أنه لو كان اليمين من الحيوان شمالاً والشمال يميناً لم يكن في ذلك فرق في صنعة الحيوان . فإن أحد الجائزين ، كما يمكن أن يقال فيه إنما وجد على أحد الجائزين من فاعل مختار ، كذلك ممكن أن يقال إنه إنما وجد عن فاعلة على أحد الجائزين بالاتفاق : إذا كنا نرى كثيراً من الجائزات توجد على احد الجائزين عن فاعليها بالاتفاق .
وأنت تتبين أن الناس بأجمعهم يرون أن المصنوعات الخسيسة هي التي يرى الناس فيها أن كان يمكن أن تكون على غير ما صنعت عليه ، حتى إنه ربما أدت الخساسة الواقعة في كثيرة من المصنوعات التي بهذه الصفة أن يظن انها حدث عن الاتفاق ، وأنهم يرون أن المصنوعات الشريفة هي التي يرون فيها أنه ليس يمكن أن تكون على هيئة أتم وأفضل من الهيئة التي جعلها عليها صانعها . فإذن ، هذا الرأي من آراء المتكلمين هو مضاد للشريعة والحكمة .
ومعنى ما قلناه ، من أن القول بالجواز أن يدل على نفي الصانع من أن يدل على وجود ، مع أنه ينفي الحكمة عنه ، هو أنه متى لم يعقل أن هاهنا أوساطا بين المبادئ والغايات في المصنوعات ، ترتب عليها وجود الغايات ، لم بكن ها هنا نظام ولا ترتيب . وإذا لم يكن ها هنا نظام ولا ترتيب ، لم يكن ها هنا دلالة على أن لهذه الموجودات فاعلاً مريداً عالماً . لأن الترتيب والنظام وبناء المسببات على الأسباب هو الذي يدل على أنها صدرت عن علم وحكمة . وأما وجود الجائز على أحد الجائزين ، فيمكن أن يكون عن فاعل غير حكيم عن الاتفاق عنه ، نثل أن يقع حجر على الأرض عن الثقل الذي فيه ، فيسقط على جهة منه دون جهة ، أو على موضع دون موضع ، أو على وضع دون وضع . فإذن : هذا القول يلزم عنه ضرورة : إما إبطال وجود الفاعل على الإطلاق ، وإما إبطال وجود فاعل حكيم عالم ، تعالى الله وتقدست أسماؤه عن ذلك .
وأما الذي قاد المتكلمين من الأشعرية إلى هذا القول [فهو] الهروب من القول بفعل القوي الطبيعية التي ركبها الله تعالى في الموجودات التي ها هنا ، كما ركب فيها النفوس وغير ذلك من الأسباب المؤثرة ، فهربوا من القول بالأسباب لئلا يدخل عليهم القول بأن ها هنا أسباباً فاعلة غير الله . وهيهات ! لا فاعل ها هنا إلا الله : إذ كان مخترع الأسباب مؤثرة ، هو بإذنه وحفظه لوجودها . وسنبين هذا المعنى بياناً أكثر في مسألة القضاء والقدر.
وأيضاً فإنهم خافوا أن يدخل عليهم ، من القول الأسباب الطبيعية ، أن يكون العالم صادراً عن سبب طبيعي . ولو علموا أن الطبيعة مصنوعة ، وأنه لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الأحكام ، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءاً عظيماً من موجودات الاستدلال على وجود الصانع العالم ، بجحده جزءاً من موجودات الله . ذلك أن من جحد جنساً من المخلوقات الموجودة ، فقد جحد فعلاً من أفعال الخالق سبحانه . ويقرب هذا ممن جحد صفة من صفاته .
وبالجملة ، فلما كان نظر هؤلاء القوم مأخوذا من بأدىء الرأي ، وهي الظنون التي تخطر للإنسان من أول نظرة ، وكان يظهر في بادئ الرأي أن اسم الإرادة إنما يطلق على من يقدر أن يفعل الشيء وضده ، رأوا أنهم إن لم يضعوا أن الموجودات جائزة ، لم يقدروا أن يقولوا بوجود فاعل مريد . فقالوا : إن الموجودات كلها جائزة ، ليثبتوا من ذلك أن المبدأ الفاعل مريد . كأنهم لم يروا الترتيب الذي في الأمور الصناعية ضرورياً ، وهو مع ذلك صادر عن فاعل مريد ، وهو الصانع .
وهؤلاء القوم غفلوا عما يدخل عليهم من هذا القول من نفي الحكمة عن الصانع ، أو دخول السبب الاتفاقي في الموجودات : فإن الأِشياء التي تفعلها الإرادة ، لا لمكان شيء من الأشياء ، أعني [لا] لمكان غاية من الغايات ، هي عبث ومنسوبة إلى الاتفاق . ولو علموا كما قلنا ، أنه يجب من جهة النظام الموجود في أفعال الطبيعة أن تكون موجودة عن صانع عالم ، وإلا كان النظام فيها بالاتفاق ، لما احتاجوا أن ينكروا أفعال الطبيعة ، فينكروا جنداً من جند الله تعالى التي سخرها الله تعالى لإيجاد كثير من موجوداته بإذنه ولحفظها .
الكشف عن مناهج الأدلة (90-93)
المسألة الخامسة والعشرون: إنكارهم لطبائع الأشياء
وقال ابن رشد : هذه مزلة ممن ينسب إلى العلم أن العلم يأتي بمثل هذا التشبيه الباطل والعلة الكاذبة في كون النفوس مستشنعة لقسمة الفعل إلى الطبع وإلى الإرادة . فإن أحداً لا يقول نظر بعينه وبغير عينه , وهو يعتقد أن هذا قسمة للنظر , وإنما يقول نظر بعينه تقريراً للنظر الحقيقي , وتبعيداً له من أن يفهم من النظر المجازي . ولذلك قد يرى العقل أنه إذا فهم من رآه أنه المعنى الحقيقي من أول الأمر , أن تقييده النظر بالعين قريب من أن يكون هدراً . وأما إذا قال : فعل بطبعه وفعل باختياره , فلا يختلف أحد من العقلاء أن هذه قسمة للفعل . ولو كان قوله فعل بإراداته مثل قوله نظر بعينه لكان قوله فعل بطبعه مجازاً . والفاعل بالطبع أثبت فعلاً في المشهور من الفاعل بالإرادة , لأن الفاعل بالطبع لا يخل بفعله , وهو يفعل دائماً والفاعل بالإرادة ليس كذلك , ولذلك لخصومهم أن يعكسوا عليه عليهم فيقولوا : بل قوله فعل بطبعه هو مثل قوله نظر بعينه , وقوله فعل بإرادته مجاز, سيما على مذهب الأشعرية الذي يرون أن الأنسان ليس له اكتساب , ولا له فعل مؤثر في الموجودات . فإن كان الفاعل الذي في الشاهد هكذا , فمن أين ليت شعري قيل: إن رسم الفاعل الحقيقي في الغائب هو أن يكون عن علم وإرادة .
تهافت التهافت (130)
وقال ابن رشد : ونحن نقول : إنه لولا القوى التي في أجسام الحيوان والنبات والقوى السارية في ها العالم مكن حركات الأجرام السماوية لما أمكن أن تبقى أصلا، ولا طرفة عين . فسبحان اللطيف الخبير . وقد نبه الله تعالى على ذلك في غير ما آية من كتابه، فقال تعالى :{وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر}[النحل : 12] . وقوله تعالى : {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة}[القصص : 71] . وقوله تعالى {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} [القصص : 73] وقوله تعالى :{وسخر لكم مافي السموت ومافي الأرض جمعيا منه} [الجاثية : 13]. وقوله : {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم : 33]. إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا المعنى . ولو لم يكن لهذه تأثير فيما ها هنا لما كان في وجودها حكمة امتن بها علينا . ولا جعلت من النعم التي يخصنا شكرها .
وأما الجواب الثاني: فإنا نقول : إن الموجودات الحادثة ، منها ما هي جواهر وأعيان ، ومنها ما هي حركات وسخونة وبرودة وبالجملة أعراض . فأما الجواهر والأعيان فليس يكون اختراعها إلا عن الخالق سبحانه . وما يقترن بها من الأسباب فإنما يؤثر في أعراض تلك الأعيان لا في جواهرها . مثال ذلك أن المني إنما يفيد من المرأة أو دم الطمث حرارة فقط ، وأما خلقة الجنين ونفسه التي هي الحياة فإنما المعطي لها الله تبارك وتعالى . كذلك الفلاح إنما يفعل في الأرض تخميراً وإصلاحاً ويبذر فيها الحب . وأما المعطي لخلقة السنبلة فهو الله تبارك وتعالى .
فإذن : على هذا لا خالق إلا الله تعالى : إذ كانت المخلوقات في الحقيقة هي الجواهر . وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى :{يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب } [الحج : 73]. وهذا هو الذي رام أن يغالط فيه الكافر إبراهيم عليه السلام حين قال :{أنا أحي وأميت} [البقرة : 258]. فلما رأى إبراهيم عليه السلام أنه لا يفهم هذا المعنى انتقل معه إلى دليل قطعة به فقال {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} [البقرة 258].
وبالجملة فإذا فهم الأمر هكذا في الفاعل والخالق ، لم يعرض من ذلك تعارض لا في السمع ولا في العقل . ولذلك ما نرى أن اسم الخالق أخص بالله تعالى من اسم الفاعل ، لأن اسم الخالق لا يشركه فيه المخلوق ، لا باستعارة قريبة ولا بعيدة : إذ كان معنى الخالق هو المخترع للجواهر . ولذلك قال تعالى : {والله خلقكم وما تعلمون } [الصافات : 96] .
وينبغي أن تعلم أن من جحد كون الأسباب مؤثرة بإذن الله في مسبباتها ، أنه قد أبطل الحكمة وأبطل العلم . وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها ، والحكمة هي المعرفة بالأسباب الغائية . والقول بإنكار الأسباب جملة قول غريب جداً عن طباع الناس . والقول بنفي الأسباب في الشاهد ليس له سبيل إلى إثبات سبب فاعل في الغائب ، لأن الحكم على الغائب من ذلك إنما يكون من قبل الحكم بالشاهد . فهؤلاء لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى ، إذ يلزمهم ألا يعترفوا بأن كل فعل له فاعل .
وإذا كان هذا هكذا ، فليس يمكن ، من إجماع المسلمين على أنه لا فاعل إلا الله سبحانه ، أن يفهم نفي وجود الفاعل بتة في الشاهد ، إذ من وجود الفاعل في الشاهد استدللنا على وجود الفاعل في الغائب . لكن لما تقرر عندنا الغائب تبين لنا من قبل المعرفة بذاته أن كل ما سواه فليس فاعلا إلا بإذنه وعن مشيئته .
فقد تبين من هذا على أي وجه يوجد لنا اكتساب . وأن من قال بأحد الطرفين من هذه المسألة فهو مخطئ ، كالمعتزلة والجبرية وأما المتوسط الذي تروم الأشعرية أن تكون هي صاحبة الحق بوجوده ، فليس له وجود أصلا . إذ لا يجعلون للإنسان من اسم الاكتساب إلا الفرق الذي يدركه الإنسان بين حركة يده عن الرعشة وتحريك يده باختياره . فإنه لا معنى لاعترافهم بهذا الفرق إذا قالوا : إن الحركتين ليستا من قبلنا ، لأنه إذا لم تكونا من قبلنا ، فليس لنا قدرة على الامتناع منهما ، فنحن مضطرون . فقد استوت حركة الرعشة والحركة التي يسمونها كسبية في المعنى . ولم يكن هنالك فرق إلا في اللفظ فقط والاختلاف في اللفظ ليس يوجب حكما في الذوات . وهذا كله بين بنفسه .
الكشف عن مناهج الأدلة (113-115)
المسألة السادسة والعشرون: كسب الأشعري
قال ابن رشد : وأما الأشعرية فإنهم راموا أن يأتوا بقول وسط بين القولين ، فقالوا : إن للإنسان كسباً وإن المكتسب به والمكسب مخلوقان لله تعالى . وهذا لا معنى له . فإنه إذا كان الاكتساب والمكتسب ومخلوقان لله سبحانه ، فعبد ولا بد مجبور على اكتسابه . فهذا هو أحد أسباب الاختلاق في هذه المسألة .
وللاختلاف كما قلنا سبب آخر سوى السمع ، وهو تعارض الأدلة العقلية في هذه المسألة . وذلك أنه إذا فرضنا أن الإنسان موجد لأفعاله وخالق لها ، وجب أن يكون هاهنا أفعال ليس تجري على مشيئة الله تعالى ولا اختياره ، فيكون ها هنا خالق غير الله . قالوا وقد أجمع المسلمون على أنه لاخالق إلا الله سبحانه . وإن فرضناه أيضاً غير مكتسب لأفعاله وجب أن يكون مجبوراً عليها , فإنه لا وسط بين الجبر والاكتساب . وإذا كان الإنسان مجبوراًَ على أفعاله فالتكليف هو من باب ما لا يطاق . وإذا كلف الإنسان ما لا يطيق لم يكن فرق بين تكليفه وتكليف الجماد ، لأن الجماد ليس له استطاعة . وكذلك الإنسان ليس له فيما لا يطيق استطاعة . ولهذا صار الجمهور إلى أن الاستطاعة شرط من شروط التكليف كالعقل سواء .
ولهذا نجد أبا المعالى قد قال في ((النظامية)) : إن للإنسان اكتساباً لأفعاله واستطاعة على الفعل . وبناه على امتناع تكليف ما لا يطاق لكن من غير الجهة التي منعته المعتزلة . وأما قدماء الأشعرية فجوزوا تكليف ما لا يطاق هربا من الأصل الذي من قبله نفته المعتزلة ، وهو كونه قبيحاً في العقل . وخالفهم المتأخرون منهم .
وأيضاً فإنه إذا لم يكن للإنسان اكتساب كان الأمر بالأهبة لما يتوقع من الشرور لا معنى له . وكذلك الأمر باجتلاب الخيرات . فتبطل أيضاً الصنائع كلها التي مقصود منها أن تجتلب ، كصناعة الفلاحة وغير ذلك من الصنائع التي يطلب بها المنافع . وكذلك تبطل جميع الصنائع التي يقصد بها الحفظ ودفع المضار كصناعة الحرب والملاحة والطب وغير ذلك . وهذا كله خارج عما يعقله الإنسان . فإن قيل : فإذا كان الأمر هكذا فكيف يجمع بين هذا التعارض الذي يوجد في المسموع نفسه وفي المعقول نفسه ؟
قلنا : الظاهر من مقصد الشرع ليس هو تفريق هذين الاعتقادين . وإنما قصده الجمع بينهما على التوسط الذي هو الحق في هذه المسألة . وذلك أنه يظهر أن الله تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد . لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج ، وزوال العوائق عنها ، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جمعياً . وإذا كان ذلك كذلك فالأفعال المنسوبة إلينا أيضاً إنما يتم فعلها بإرادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها ، وهي المعبر عنها بقدر الله . وهذه الأسباب التي سخرها الله من خارج ليست هي متممة للأفعال التي نروم فعلها أو عائقة عنها فقط ، بل وهي السبب في أن نريد أحد المتقابلين . فإن الإرادة إنما هي شوق يحدث لنا عن تخيل ما ، أو تصديق بشيء . وهذا التصديق ليس هو لاختيارنا ، بل هو شيء يعرض لنا عن الأمور التي من خارج ،مثال ذلك أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار ، فتحركنا إليه . وكذلك إذا طرأ علينا أمر مهروب عنه من خارج كرهناه بالضرورة ، فهربنا منه . وإذا كان هكذا فإرادتنا محفوظة بالأمور التي من خارج ومربوطة بها . وإلى هذا الإشارة بقولة تعالى :{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد : 11] .
ولما كانت الأسباب التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود ، لا تخل في ذلك ، بحسب ماقدرها بارئها عليه، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد بالجملة إلا بموافقة الأسباب التي من خارج ، فواجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود . أعني : أنها توجد في أوقات محدودة ومقدار محدود .
وإنما كان ذلك واجباً ، لأن أفعالنا تكون مسببة عن تلك الأسباب التي من خارج . وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة، فهو ضرورة محدود مقدار . وليس يلفى هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج فقط , بل وبينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعالى في داخل أبداننا .
والنظام المحدود الذي في الأسباب الداخلة والخارجية ، أعني التي لا تخل ، هو القضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده . وهو اللوح المحفوظ . وعلم الله تعالى بهذه الأسباب . وبما يلزم عنها هة العلة في وجود هذه الأسباب . ولذلك كانت هذه الأسباب لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده . ولذلك كان هو العالم بالغيب وحده على الحقيقة ، كما قال تعالى : {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} [النمل :65]. وإنما كانت معرفة الأسباب هو العلم بالغيب لأن الغيب هو معرفة وجود الموجود في المستقبل ، أولا وجوده .
ولما كان ترتيب الأسباب ونظامها هو الذي يقتضي وجود الشيء في وقت ما ، أو عدمه في ذلك الوقت ، وجب أن يكون العلم بأسباب شيء ما هو العلم بوجود ذلك الشيء ، أو عدمه في وقت ما . والعلم بالأسباب على الإطلاق هو العلم بما يوجد منها أو ما يعدم في وقت من جميع الزمان . فسبحان من أحاط اختراعاً وعلماً بجميع أسباب جميع أسباب جميع الموجودات . وهذه هي مفاتح الغيب المعنية في قوله تعالى :{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام : 59].
وإذا كان هذا كله كما وصفنا ، فقد تبين لك كيف لنا اكتساب ، وكيف جميع مكتسباتنا بقضاء وبقدر سابق . وهذا الجمع هو الذي قصده الشرع بتلك الآيات العامة والأحاديث ، التي يظن بها التعارض ، وهي إذ خصصت عموماتها بهذا المعنى انتفى عنها التعارض . وبهذا أيضاً تنحل جميع الشكوك التي قيلت في ذلك . أعني: الحجج المتعارضة العقلية ، أعني : أن كون الأشياء الموجودة عن إرادتنا يتم وجودها بالأمرين جميعاً ، أعني : بإرادتنا وبالأسباب التي من خارج . فإذا نسبت الأفعال إلى واحد من هذين على الإطلاق لحقت الشكوك المتقدمة .
فإن قيل : هذا جواب حسن ، يوافق الشرع فيه العقل . ولكن هذا القول هو مبني على أن ها هنا أسباباً فاعلة لمسببات مفعولة ، والمسلمون قد اتفقوا على أن لا فاعل إلا الله ؟
قلنا : ما اتفقوا عليه صحيح . ولكن على هذا جوابان .
أحدهما: أن الذي يمكن أن يفهم من هذا القول هو أحد أمرين : إما أنه لا فاعل إلا الله تبارك وتعالى وأن ما سواه من الأسباب التي يسخرها ليست تسمى فاعلة إلا مجازاً، إذ كان وجودها إنما هو به ، وهو الذي صيرها موجودة أسباباً، بل هو الذي يحفظ وجودها في كونها فاعلة ، ويحفظ مفعولاتها بعد فعلها ويخترع جواهرها عند اقتران الأسباب بها . وكذلك يحفظها هو في نفسها . ولولا الحفظ الإلهي لها لما وجدت زماناً مشاراً إليه ، أعني: لما وجدت في أقل زمان يمكن أن يدرك أنه زمان .
وأبو حامد يقول إن مثال من يشرك سبباً من الأسباب مع الله تعالى في اسم الفاعل والفعل مثال من يشرك في فعل الكتابة القلم مع الكاتب ، أعني أن يقول : إن القلم كاتب ، وأن الإنسان كاتب . أي كما اسم الكتابة مقول باشتراك الاسم عليهما ، أعني أنهما معنيان لا يشتركان إلا في اللفظ فقط ، وهما في أنفسهما في غاية التباين ، وكذلك الأمر في اسم الفاعل إذا أطلق على الله تبارك وتعالى وإذا أطلق على سائر الأسباب .
ونحن نقول : إن في هذا التمثيل تسامحاً . وإنما كان يكون التمثيل بينا لو كان الكاتب هو المخترع لجوهر القلم، والحافظ له ما دام قلماً ، ثم الحافظ للكتابة بعد الكتب ، والمخترع لها عند اقتران القلم به ، وعلى ما سنبينه بعد من أن الله تعالى هو المخترع لجواهر جميع الأشياء التي تقترن بها أسبابها ، التي جرت العادة أن يقال إنها أسباب لها .
فهذا الوجه المفهوم من أنه لا فاعل إلا الله هو مفهوم يشهد له الحس والعقل والشرع . أما الحس والعقل فإنه يرى أن ها هنا أشياء تتولد عنها أشياء ، وأن النظام الجاري في الموجودات إنما هو من قبل أمرين : أحدهما:ماركب الله فيها من الطبائع والنفوس . الثاني: من قبل ما أحاط بها من الموجودات من خارج .
وأشهر هذه هي حركات الأجرام السماوية ، فإنه يظهر أن الليل و النهار والشمس والقمر وسائر النجوم مسخرات لنا. وأنه لمكان النظام والترتيب الذي جعله الخالق في حركاتها ، كان وجودنا ووجود ما ها هنا محفوظا بها ، حتى إنه لو توهم ارتفاع واحد منها ، أو توهم في غير موضعه ، أو على غير قدره ، أو في غير السرعة التي جعل الله فيه ، لبطلت الموجودات التي عل وجه الأرض وذلك بحسب ما جعل الله في طباعها من ذلك وجعل في طباع ما ها هنا أن تتأثر عن ذلك. وذلك ظاهر جداً في الشمس والقمر، أعني تأثيرهما فيما ها هنا ، وذلك بين في المياه والرياح والأمطار والبحار ، وبالجملة في الأجسام المحسوسة . وأكثر ما يظهر ضرورة وجودها في حياة النبات وفي الكثير من الحيوان بل في جميع الحيوان بأسره .
وأيضاً فإنه يظهر أنه لولا القوى التي جعلها الله تعالى في أجسامنا من التغذي والإحساس لبطلت أجسامنا . كما نجد جالينوس وسائر الحكماء يعترفون بذلك ، ويقولون : لولا القوى التي جعلها الله في أجسام الحيوان مدبره لها لما أمكن في أجسام الحيوان أن تبقى ساعة واحدة بعد إيجادها .
الكشف عن مناهج الأدلة (109-113)
المسألة السابعة والعشرون: في القضاء والقدر
قال ابن رشد : وهذه المسألة من أعوص المسائل الشرعية . وذلك أنه إذا تأملت دلائل السمع في ذلك وجدت متعارضة . وكذلك حجج العقول .
أما تعارض أدلة السمع في ذلك فموجود في الكتاب والسنة . أما في الكتاب فإنه تلفى فيه آيات كثيرة تدل بعمومها على أن كل شيء بقدر ، وأن الإنسان مجبور على أفعاله . وتلفى فيه أيضا آيات كثيرة تدل على أن للإنسان اكتساباً بفعله ، وأنه ليس مجبوراً على أفعاله .
أما الآيات التي تدل على أن الأمور كلها ضرورية ، وأنه قد سبق القدر ، فمنه قوله تعالى : {إنا كل شي خلقناه بقدر } [القمر :49]. وقوله : {وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد : 8]. وقوله : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } [الحديد : 22] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى .
وأما الآيات التي تدل أن اللإنسان اكتساباً ، وعلى أن الأمور في أنفسها ممكنة لا واجبة ، فمثل قوله تعالى : {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير }. وقوله تعالى: {فبما كسبت أيديكم}
[الشورى :30] وقوله تعالى :{والذين كسبوا السيئات} [يونس :27]. وقوله : {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة : 286]. وقوله تعالى :{وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت : 17].
وربما ظهر في الآية الواحدة التعارض في هذا المعنى ، مثل قوله تعالى:{أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران : 165]. ثم قال في هذه النازلة بعينها : {وما أصبكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [ آل عمران: 166] ومثل ذلك قوله تعالى : {قل كل من عند الله} [النساء : 78] .
وكذلك تلفى الأحاديث في هذا أيضا متعارضة . مثل قوله عليه السلام : ((كل مولود يولد الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه)) . مثل قوله عليه السلام : (( خلقت هؤلاء للجنة وبأعمال أهل الجنة يعلمون ، وخلقت هؤلاء للنار ، وبأعمال أهل النار يعلمون)) فإن الحديث الأول يدل على أن سبب الكفر إنما هو المنشأ عليه ، وأن الإيمان سببه جبلة الإنسان . والثاني يدل على أن المعصية والكفر هما مخلوقان لله ، وأن العبد مجبور عليهما . ولذلك افترق المسلمون في هذا المعنى إلى فرقتين : فرقة اعتقدت أن اكتساب الإنسان هو سبب المعصية والحسنة ، وأن لمكان هذا ترتب عليه العقاب والثواب ، وهم المعتزلة . وفرقة اعتقدت نقيض هذا ، وهو أن الإنسان مجبور على أفعاله ومقهور ، وهم الجبرية.
الكشف عن مناهج الأدلة (107-109)
ومعلوم أن الأشاعرة في باب القدر جبرية , وهم في مقابل المعتزلة القدرية , وهدى الله أهل السنة للقول الوسط بين الإفراط والتفريط .
المسألة الثامنة والعشرون: الجور والعدل
قال ابن رشد : وقد ذهبت الأشعرية في العدل والجور في حق الله سبحانه إلى رأي غريب جدا في العقل والشرع . أعني : أنها صرحت من ذلك بمعنى لم يصرح به الشرع ، بل صرح بضده. وذلك أنهم قالوا :إن الغائب في هذا بخلاف الشاهد . وذلك أن الشاهد ، زعموا ، إنما اتصف بالعدل والجور ، لمكان الحجر الذي عليه في أفعاله من الشريعة . فمتى فعل الإنسان شيئاً هو عدل بالشرع ، كان عدلاً . ومن فعل ما وضع الشرع أنه جور فهو جائر . قالوا : وأما من ليس مكلفاً ولا داخلاً تحت حجر الشرع ، فليس يوجد في حقه فعل هو جور أو عدل ، بل كل أفعاله عدل . والتزموا أنه ليس ها هنا شيء هو في نفسه عدل ، ولا شيء هو في نفسه جور.
وهذا في غاية الشناعة ، لأنه ليس يكون ها هنا شيء هو في نفسه خير ولا شيء هو في نفسه شر . فإن العدل معروف بنفسه أنه خير وأن الجور شر ، فيكون الشرك بالله ليس في نفسه جوراً ولا ظلماً ، إلا من جهة الشرع . وأنه لو ورد الشرع بوجوب اعتقاد الشريك له لكان عدلاً. وكذلك لو ورد بمعصيته لكان عدلا . وهذا خلاف المسموع والمعقول .
وأما المسموع فإن الله اقد وصف نفسه في كتابه بالقسط ، ونفى عن نفسه الظلم . فقال تعالى :{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط} [آل عمران : 18]. وقال تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} [آل عمران : 182] وقال : {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } [يونس : 44].
الكشف عن مناهج الأدلة (115-116)
وهي مسألة التحسين والتقبيح العقلي , فلم يوجبوا حسنا ولا قبحا بالعقل وكان من لازم ذلك أنهم جوزوا على الله تعالى أن يعذب المطيع وأن يثيب العاصي .
قال ابن القيم رحمه الله: وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى:{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} [آل عمران:191]. وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [ص:27]، وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له, ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة, وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة, وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات فهما مظهران بحمده وحكمته؛ فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره؛ فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا خلقاً وأمراً لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه سواء، ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن جميع ما أمر به, ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي, ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره، وينعم على من لم يطعه طرفة عين بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور. فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول, وإلا فهو جائز عليه, وهذا من أقبح الظن وأسوأه بالرب سبحانه وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.
والعجب العجاب أن كثيراً من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور, ويزعمون أنه عدل وحق وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته، وتكلمه وتكليمه، وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات والله ولي التوفيق .
"شفاء العليل" (2/588).
هذا ملخص المسائل التي جمعتها من كلام ابن رشد , فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإخلاص والمتابعة في القول والعمل والحمد لله رب العالمين .

أبو العباس البحريني
26-12-09, 05:42 AM
بارك الله فيكم يا شيخ على ما تتحفنا به من الدرر والنفائس، زادكم الله علما وحرصا...

عبد الباسط بن يوسف الغريب
26-12-09, 06:09 AM
وفيكم بارك الله جزاك الله خيرا

إبراهيم الفوكي السلفي
26-12-09, 10:18 AM
جزاك الله خير الجزاء

مقالة من الاهمية بمكان

لقد نسقتها في ملف وورد ولكن ارجو منك ان ترفعها لنا انت في ملف وورد منسقة كما هي هنا حتى يقرأها من هو كثير الترحال مثلي

عبد الباسط بن يوسف الغريب
26-12-09, 12:16 PM
جزاك الله خيرا وسوف أنزله وورد في موقع صيد الفوائد

ابونصرالمازري
26-12-09, 01:07 PM
بارك الله فيكم اخي الكريم
بحث قيم يستحق الاعتناء
وبخاصة ردود و انتقاد ابن رشد العبقري للاشاعرة وغيرهم فهي قيمة جدا لمن عرف قدر الرجل و مكانته في علوم الاسلام لاكما يروج بعض المخالفين الناقمين ..نسال الله التوفيق

أبو همام السعدي
26-12-09, 03:14 PM
أحسن الله إليكم شيخنا المفضال / عبــد الباسط الغريّــب . ( أبو عبد الرحمن ) .

وجعل أعمــالكم الخيّــرة في ميــزان حسنــاتكمـــ .

مصطفى الشكيري المالكي
27-12-09, 10:11 AM
بارك الله فيكم وجعله في موازين حسناتكم

عبد الباسط بن يوسف الغريب
27-12-09, 12:17 PM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

نضال مشهود
22-05-10, 12:21 PM
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل ونفع بكم

مصطفى الفضي
30-03-11, 02:36 AM
فقط أريد أن أسأل لماذا تهجم ابن رشد على الأشعرية رغم كونه فيلسوفا متكلما وعاش في الدولة الموحدية التي انتصرت للأشعرية ؟؟؟
انتظر منكم جوابا جزاكم الله خيرا

ابن صالح الأندنوسي
30-03-11, 05:07 PM
جزاكم الله خيرا

أبو أنس السائر
30-03-11, 06:48 PM
فتح الله عليكم شيخنا أبا عبد الرحمن ....

حبذا لو طبع ككتاب مستقل فإنه أسهل في المراجعة والقراءة ...
وهناك أحد الإخوة هنا في الملتقى أوقف نفسه على تنسيق مثل هذه الكتب واسمه " عمر الرمياني " فدونكم الاخ شيخنا ....
فإنه سيخرجه منظما منسقا مرتبا جاهزا للطباعة هو وغيره من مؤلفاتكم التي لم تنشر بعد .

محبكم وابنكم .

مصطفى الفضي
30-03-11, 11:13 PM
فقط أريد أن أسأل لماذا تهجم ابن رشد على الأشعرية رغم كونه فيلسوفا متكلما وعاش في الدولة الموحدية التي انتصرت للأشعرية ؟؟؟
انتظر منكم جوابا جزاكم الله خيرا

محمد جلال المجتبى
30-10-12, 02:56 AM
للرفع

خالد السوري
08-11-12, 09:15 PM
طرح جميل جدا

هذا هو النقد فما هو موقف ابن رشد من الاشعرية بشكل عام