المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات نفيسة لعباس حسن - مؤلف النحو الوافي رحمه الله تعالى .


مروان الحسني
19-11-05, 08:35 PM
--------------------------------------------------------------------------------

هذه مقالات نفيسة نشرها علامة القرن في النحو الأستاذ عباس حسن في مجلة
( رسالة الإسلام ) في خمسينيات القرن الماضي , عسى أن تستفيدوا منها , و ادعوا لأخيكم بأن يجيب الله تعالى سؤله في الدنيا و الآخرة آمين ...


http://www.taghrib.org/arabic/nasha...m/09/34/2-7.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...m/09/35/3-6.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...m/09/36/4-7.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/10/37/08.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/10/38/12.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/10/39/07.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/10/40/07.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/11/41/08.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/11/42/10.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nasha...am/11/43/09.htm

أبو المنذر النقاش
20-11-05, 08:46 AM
بوركت أخي الحبيب .

مروان الحسني
02-12-05, 06:25 PM
/ صفحة 149 /
الدعوة إلي العامية
انتكاس في الجهالة و جناية على القومية
للأستاذ عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
لست أعرف دعوة أثيمة أبعد من الحق ، و أوغل في الباطل، و أجلب للخطر و الضرر على البلاد العربية، من الدعوة إلى الإلحاد اللغوي، و المروق من حدود الفصحي، و العبث بمقدساتها.
إنها دعوة قديمة جديدة، تظهر حينا، و تختفي حينا، على حسب ما يتاح لها من جو ملائم، و فرصة مهيأة، لنفث سمومها، و نشر جراثيمها، و لست الآن بصدد تبيان الأسباب و الدواعي القديمة التي حفزت إليها و دفعت بعض المضللين أو المخدوعين إلى إعلانها في أوقات يتخيرونها.
أما الدعاة اليوم فهم أحد رجلين: إما حاقد عليها ساخط على أهلها – لأسباب تاريخية – و هذا لا خير في مجادلته، و لا غاية ترجى من وراء إرشاده إلا أن يبرأ صدره من الأضغان، و ينقى من الشوائب. و أما رجل قصرت به ثقافته عن التحصيل اللغوي المحمود، و عجزت مواهبه عن تدارك ما فاته، ثم هو – إلى ذلك النقص و التقصير طموح، واسع الأمل، فسيح المطامع، ولكنه يرى أن لا سبيل إلى تحقيق مطامحه و مطامعه إلا على جسر متين من الكفاية اللغوية، و المقدرة الأدبية، و ما له إليهما من سبيل، فما عسى أن يفعل في موقف كهذا، يجتمع فيه الطموح الأوسع مع العجز الأكمل، و يتلاقي فيه الأمل المنبسط مع الوسيلة المقصرة؟
لا مخلص من هذا كله إلا بذم اللغة، و اتهامها بالإساءة الذاتية، و إلقاء التبعة عليها، تلمسا للمعاذير الكاذبة، على أن يكون فيها شفاء النفس من بعض ما تعانيه، و ما أخطره دواء هو بالداء أشبه، و بالمريض أقتل!!
على أني أريد أن أحمل نفسي على حسن الظن بأصحاب هذه الدعوة، و أقهرها
/ صفحة 150 /
على التماس العذر لهم، متسللا من ذلك إلى نقاش هادىء، و جدل كريم أسائلهم فيه عسى أن أجد منهم مجيبا:
(ا) ما العامية التي تدعون إلى اصطناعها بدلا من الفصحى؟ أعامية الصعيد في مصر، أم عامية الوجه البحري؟ أيهما ندع أو نختار؟ و إذا قلتم إنهما متشابهتان أو متقاربتان فما عسى أن تقولوا في عامية السودان و بلاد المغرب، و هى عاميات نسمعها فلا نكاد نفهم منها قليلا و لا كثيرا؟ و ما ذا نصنع بعامية الشام، و لبنان، و اليمن، و العراق، و أخواتها؟ أنصطنع هذه العاميات جميعا أم نتخير منها واحدة لنفرضها على سواها؟ و ما مقياس الإيثار و الترك؟ لا شك أن اختيارها جميعا عناءيهون دونه كل عناء، و ضرب من الهذر لا يقول به عاقل، و اختيار واحدة دون الأخرى – إن أمكن تحقيقه – لن يتم الانتفاع به إلا بضبط حدوده، و وضع قواعد له كقواعد الفصحى، أو أشد عسرا و تعقيدا ، فإذا تم لنا ذلك فسوف نسائل أنفسنا: ما التيسير الذي كسبناه من استبدال قواعد بقواعد، و ضوابط بأخرى أشبه بها أو أصعب منها؟
(ب) و هل فطن أولئك الدعاء إلى أن العامية لا تثبت على الزمان، و لا تعمر طويلا، و إنما تتغير بتغير الأجيال، و ينتابها التزيد و التحيف في الأحيان المتوالية، إذ لا حارس يدفع عنها الدخيل، و لا قيم يصونها مما يمتزج بها من الغريب، فهي كبيت مفتوح النوافذ و الأبواب من سائر جهاته، لا عائق يمنع داخله، أو يصد قاصده، فلا يلبث أن يمتليء بالأوشاب و الأخلاط، لا تجمعهم جامعة، و لا تؤلف بينهم رابطة، كذلك العامية القائمة لا تلبث بعد زمن يطول أو يقصر أن تتحول إلى عامية جديدة، تتطلب فهما جديدا، و ضوابط مستحدثة ، و هكذا دواليك، حينا بعد حين و في هذا ما فيه من عناء موصول متجدد ، و جفوة تاريخية بين حاضر الأبناء و أسلافهم، و قطع للصلات الروحية و المادية بين هؤلاء و أولئك ، و تنكر للتراث القديم النفيس ، و إغفال لما يبثه في النفوس من معاني النبل و الشرف، و الفضيلة في أسمى أوصافها، و أجمل معانيها.
(ج) و هل أدرك الدعاة ما هو أشد خطرا و أفدح ضررا من ذلك كله، ألا و هو تمزيق الوحدة العربية، و تقطيع الروابط الوثيقة التي تربط الناطقين بالضاد أفرادا
/ صفحة 151 /
و أمما، و تجمعهم كتلة متماسكة، و بنيانا متراصا، في وقت تتمنى الأمم المختلفة أن تدرك مثله، و تعمل جاهدة دائبة على تحقيقه ، إذ ترى فيه سعادتها، و أمنها، و قوتها، و تبذل في سبيله أغلى ما تملك، في حين هيأه الله لنا باللغة سهلا ، ميسرا ، بغير بذل و لا جهد ، و هي أقوى رباط، و أوثق صلة ، فأي حماقة هذه التي تدعونا إلى إهمال ما تسعى الأمم جميعا إليه، و تجري وراء إدراكه في غير ضن و لا هوادة؟
(د) و هل درى أولئك الدعاة ما قرره علماء الاجتماع – بحق – أن اللغات العامية قاطبة في بقاع الأرض المختلفة عاجزة عن التعبير الدقيق عن الخلجات النفسية و المشاعر القومية، قاصرة قصورا فاضحا عن الإبانة الوافية في النواحي الدقيقة من العلوم و الفنون و الآداب الرفيعة؟ و أنهم أجمعوا على أن الخير كل الخير في رفع العاميات إلى مكانة الفصحى و مستواها، لا الهبوط بالفصحى إلى حمأة العامية و دركها.
و بعد. فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، و ليس من الشجاعة المحمودة الإصرار على الباطل، دفاعا عن العجز الشخصي الفردي، و تلمسا لراحة النفس راحة زائفة خداعة يزول أثرها سريعا، و يعود الألم بعدها أطول زمنا، و أعنف شدة، و ما أجدرنا أن نفيء إلى الحق، و ندع المكابرة جانبا، فهي بغير العقلاء و المنصفين أولى، و أن نكف عن تلك الدعوة البغيضة التي تتردد في فترات مختلفة، إما عن جهالة بمغبتها، و غفلة عن سوء نتائجها في نواحي حياتنا الثقافية، و الخلقية، و العملية، و إما عن حقد دفين لأهلها، و الناطقين بها، و ألا نخدع بما يقوله المستعمرون و ربائبهم و أبواقهم من طعن في الفصحى، و غمز في مناحي قوتها و تشويه جمالها، فتلك شنشنة المستعمر، يتجه بنظره أول ما يتجه إلى لغة الأمة الضعيفة، و دينها، ليتخلص منهما، و يأمن الكفاح العنيف الذي ينهال عليه من طريقهما، ثقة منه أن لغة الأمة المغلوبة تذكرها بماضيها الكريم، و حاضرها الذليل، و تدعوها إلى الموازنة و النظر، و العمل للتخلص مما هي فيه بمختلف الوسائل الميسرة و غير الميسرة، و أن دينها يدعوها إلى الدفاع عن كيانها، و استرداد كرامتها، و مقاومة المعتدي، و انتزاع حريتها في غير هدوء، و لا ملاينة، و لا استسلام، و ذلك شر ما يصادفه الاستعمار، و أقسى ما يلاقيه المستعمرون.





/ صفحة 260 /
… و اقتراح آخر
في التجديد اللغوي المزعوم
للأستاذ عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
-2-
أو ضحت في مقالي السابق دوافع الدعوة الأثيمة إلى اصطناع اللغة العامية دون الفصحى، و إيثارها في ميادين العلوم و الفنون و الآداب ومسارب الحياة، و كشفت عن مواطن الخطأ و الخطر في ذلك.
و قد طالعتني صحيفة يومية بمقال طويل، لكبير من دعاة العامية، يجادلني في رأيي، و لكنه ينتهى في أسلوب عف، و حوار مهذب، إلى ما سماه سؤالا، و ما هو إلا سلسلة من أسئلة مركزة، تتطاول إلى نواح متباينة من العلوم العربية، في نشأتها، و تطورها، و حركتها، و جمودها، و ما فعلت بها يد الأحقاب، و ما عسى أن تقبله اليوم من إصلاح و تجديد، أو تتأباه. فيقول:
إذا كان الشأن في الفصحى ما ذكرتم، و الاستغناء عنها في فنون الأدب الرفيع، و فروع العلوم – ضرب من الهذر، و الخبل، بل وافد من وفود البلاء الماحق، فهل فرض على قواعدها – و لا سيما النحوية والبلاغية – أن تظل حياتها في مكانها من الصعوبة و الجمود، و فرض على الناشئة و علينا أن نرزح تحت أعبائها الثقال؟ و إذا كان اقتراح العامية و إحلالها محل الفصحى له ما وصفت من سوء الأثر، و خطر الغاية فهلا تستمعون إلى اقتراح مفيد ينادي به بعض أنصار التجديد، و هو استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، و الاستغناء عن هذه بتلك، تيسيرا للراغبين، و تخلصا من أثقال القواعد النحوية و الإملائية و سواهما؟
/ صفحة 261 /
و هب الحاجة ماسة إلى قليل أو كثير من تلك القواعد، فما حاجتنا إلى (العلوم البلاغية) بأصولها المعقدة، و تفصيلاتها المرهقة، و بهرجها الصناعي الأجوف، و أمثلتها المرددة التي تثير الضحك حينا و الضجر أحيانا؟ و ما غناؤها في هذا العصر؟ و ما مكانها بين البلاغات الحديثة؟
ثم ما ذلك العلم الذي يسمونه: علم الشعر، أو علم العروض والقوافي، بحدوده وقيوده، و عقباته التي ينثرها في طريق الشعراء: فتكد عقولهم، و تحد أخيلتهم، و تعجز و سائلهم، و تحول بينهم و بين الكمال الفني والتوفيق؟
لقد انتظم السؤال – كما يبدو ، و كما أشرت قبلا – سلسلة من الأسئلة الدقيقة العمقية، تتطلب الإجابة عنها فيضا من البحوث، و الدراسات الواعية المتثبتة، ميدانها معاهد العلم المتخصصة، لا المجلات العامة، و لا الصحف السيارة. لكن هذا لن يقف حائلا دون الرد الذي يجمع – إلى حد ما – بين اللمحة الخاطفة النافعة، و الإقناع المركز المفيد.
فأما أن القواعد النحوية و البلاغية و غيرهما من فروع العربية جامد على التجديد الحميد، مستعص على التيسير المأمون، و التجميل البارع، فتلك دعوى لم تقم عليها بينة، و لم يقل بها ثقة خبير ممن يعرفون للقول خطره و جلال شأنه، و سوف أناقش ذلك في مقالات خاصة تعلن زيفه، و ترسم السبيل القويم – كما أراه – لوجوه من الجدة و الطرافة، و ألوان من التقوية و التطرية، تجول في خواطر أنصار الفصحى و أعوانها الأبرار بنهج لا تخلف فيه و لا تهور، و لا بطء و لا اندفاع.
أما كلمة اليوم فإني جاعلها لما وسم بأنه : اقتراح الحروف اللاتينية و استخدامها مكان الحروف العربية.
إن أنصار الحروف اللاتينية و الاستغناء بها عن الحروف العربية يؤيدون دعواهم بأن القاريء العربي لا يستطيع أن يقرأ ما يقع عليه ناظره قراءة صحيحة سليمة إلا إذا فهمه أولا، و أدار فيه فكره، فكلمة مثل: سمع، أو: فهم، أو: علم،
/ صفحة 262 /
أو مئات و آلاف غيرها من الكلمات المفردة أو المتضامة إلى غيرها، تصلح أن تقرأ بصيغة الماضي المعلوم أو المجهول، و بصيغة المضعف أو غير المضعف، و بصيغة المصدر… ولكل واحدة من هذه الصيغ معناها، و أثرها في معنى الجملة، و تركيب الأسلوب، و دلالته و حظه من القوة أو التخاذل، و جملة مثل: على سمع والده يؤنب الخادم لإهماله، و يقدم له النصح بالجد و النشاط، و قصيدة كقصيدة أبى العتاهية التي يقول فيها:
يا بن الخلائف لا فقد ت و لا عدمت العافيه
من يرتجي للناس غيـ ـرك للعيون الباكية
ألقيت أخبارا أليـ ـك من الرعية شافيه
تحتمل الكلمة الواحدة منها ضبوطا مختلفة، و تتقبل حروفها حركات عدة متباينة، و ليس من المستطاع قراءة مفرادتها أو تراكيبها، و لا ضبط حروفها ضبطا يساوق المراد، و يساير الغرض، إلا بعد النظر السابق، و التفكر الباديء، كى يستعان بهما على فهم المراد، ثم على القراءة الصائبة المسددة بعد ذلك، ثم يرمز لهذا المعنى بحركات نحوية و لغوية، و رموز إملائية و غير إملائية تشير إلى المراد و تدل عليه، و كذلك الشأن في كل أنواع المنثور و المنظوم، إفرادا و تركيبا، فمن الحق أن العربي يفهم المكتوب بلغته أولا ثم يقرأ ثانيا، و هذا يناقض الحكمة من الكتابة و الغرض الأصيل منها، ذلك الغرض الذي يقضى بأن الأنسان يقرأ ليفهم، لا العكس، و من ثم كان القارىء اللاتيني موفقا في قراءته، مسددا بفضل حروفه اللاتينية و نظام كتابتها، ذلك أن الكلمة اللاتينية الواحدة تشتمل على نوعين من الحروف، أحدهما أساسي، و الآخر فرعي يغني عن الحركات الإعرابية و اللغوية، طويلة كانت أم قصيرة و يتصل بالأول اتصالا وثيقا مباشرا ، فإن مثل كلمة: (سمع) العربية تتركب عندنا من حروف ثلاثة، لكل حرف حركة خاصة به، منفصلة منه انفصالا تاما، أما في اللاتينية فلكل حرف من هذه الحروف الثلاثة نظير يقابله، ولكن لكل حركة حرف فرعي يتصل بآخر الحرف الأصلي و يغني عنها، فحرف السين له ما يقابله عندهم، و لحركته – و هي الفتحة – حرف فرعي يشتبك بذيل الأصلي تماما و يرتبط به ، و للميم حرف أصلي يقابله هناك، و لحركتها – و هي الكسرة – حرف فرعي يتصل بالمقابل مباشرة، و كذلك العين و باقي الكلمات، فإذا كنا في كلمة: سمع، نكتب السين و فوقها الفتحة الضابطة لحركتها، المعينة لها فإنهم يكتبون الحرف الأصيل الذي يقابل عندهم السين أولا ، و يكتبون بدل الفتحة المنفصلة حرفا فرعيا يدل عليها و يتصل بآخر ذلك الحرف الأصيل كما سبق، و إذا كنا نكتب الميم و تحتها الكسرة فإنهم يكتبون ما يقابل الميم من حرف أصيل عندهم، و يصلون بآخره حرفا فرعيا يغني عن الكسرة، و يكتبون بدل العين حرفا أصليا و بدل الفتحة التي فوقها حرفا فرعيا متصلا بالأصيل … و هكذا سائر الألفاظ ما ذكر منها و ما لم يذكر.
و مما سبق يتضح أن الكتابة اللاتينية كالكتابة العربية كلاهما يتألف من حروف أصيلة، و من حركات ضابطة لتلك الحروف، مميزة لها، بيد أن هذه الحركات في العربية رموز تستقل بنفسها، وتنفصل عن حروفها، و تستقر فوقها أو تحتها، لكنها في اللاتينية لا تستقل و لا تنفصل، و إنما ترتسم بصورة حروف مشبوكة متماسكة، و هذه هي ناحية الفرق و بفضلها يقرأ القاريء فلا يخطيء، و لا يحتاج إلىتفكر قبل البدء، لأن كل حرف من حروف الكلمة يتصل بحركته التي تلازمه و ترتبط به ارتباطا وثيقا، فلا يقع الخطأ و لا التردد و لا البطء في قراءته، و لا يتطلب ذلك فهما سابقا و لا تمعنا في الإدراك، و تلك مزية لا مراء فيها، ولكنها مزية لم تفقدها العربية، و لم يغفل عنها السابقون من علمائنا العباقرة: فهى ليست إلا صورة من صور التشكيل و ضبط الحروف المعروف عندنا منذ عشرات القرون، و لا فضل لها إلا في تشابك الحرف الأصلي مع حركته المصورة بصورة حرف فرعي متعلق بسابقه تعلقا تاما، فلو أننا ضبطنا الحروف العربية بالشكل الكامل لصارت قراءتها في يسرها و سهولتها و سرعتها كقراءة الكتابة اللاتينية سواء بسواء.
/ صفحة 264 /
و أرى لزاما على في هذا الموقف الفني الخالص أن أشير إلى أمرين هامين بعيدي الأثر، لم يتنبه لهما دعاة التجديد.
أما أولهما فهو أن ترك الشكل في الكتابة العربية ليس أصلا من أصولها، و لا ضرورة محتومة فيها، بل ربما كان العكس هو الحق كما ينطق بذلك تاريخ الخط، فالكاتب العربي حر في أن يضبط بالشكل حروفه كلها أو بعضها، و في أن يترك الحروف بلا ضبط حين يأمن اللبس و لا يخشى الزلل، و حين يطمئن إلى السداد في قراءة ما يكتب قراءة لا عناء فيها و لا إخلال، و هذا حق مباح لكل كاتب، و بخاصة حين يكتب لمن اتسعت خبرته، و نمت في فروع اللغة معارفه، و بلغ الحد الذي يصبح الضبط فيه ضربا من العبث و إضاعة الوقت، عندئذ يكون ترك الضبط و التشكيل أليق، و هو بهذه الحالة أنسب، إذ يعد بحق نوعا من الاختزال الشائع في عصرنا، عرفه قدماؤنا منذ مئات السنين، و فيه من ادخار الجهد و الوقت ما لا يخفى ، و هذه مزية ليست للضبط اللاتيني الذي لا انفكاك عنه في أية حالة، و لا خلاص من التزامه في كل المناسبات.
و أما ثانيهما فهو أن استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية ليس إلا اقتراحا خداع المظهر، و همي الأثر، لا يثبت على النظرة الصائبة، و لا الدراسة الفاحصة، فإن الهاتفين به يلوحون بفائدته التي أشرنا إليها آنفا، و هى القراءة بغير خطاء، و بغير حاجة ألى تفكر سابق، و هذه الفائدة متحققة في كتابتنا العربية المشكولة – كما أسلفنا – و نزيد هنا أن أولئك الهاتفين لم يفطنوا إلى طبيعة اللغة العربية التي تخالف طبيعة كثير من اللغات، فلغتنا لغة إعراب فأواخر كلماتها ليست كغيرها ساكنة بل لا بد من تغيير تلك الأواخر بحسب وضعها في الأساليب المختلفة، و هذا التغيير قد يتناول الحركات أو الحروف أو هما معا، و هو رهن بمعارف نحوية و لغوية متعددة فوق أنواع أخرى من التغيير تشمل الحروف التي في أواخر الكلمات أو أوائلها أو أوساطها، فلا سبيل لمن شاء أن يكتب مثل: إن الله يحب الذين اتقوا، و آمنوا، و عملوا الصالحات، و صفت نفوسهم من أدران السوء، و طهرت
/ صفحة 265 /
من شوائب الأضغان … كتابة صحيحة بحروف عربية مضبوطة بالحركات المنفصلة، أو بحروف لاتينية أصلية مضبوطة بحروف فرعية موصولة بسابقتها بدل الحركات، إلا إذا عرف قدرا من النحو و من اللغة، و من غيرهما، يستطيع به أن يضبط كل حرف و كل كلمة، و بغير ذلك لا يستطيع أن يكتب لغتنا بحروف عربية أو لاتينية كتابة سليمة ، و معنى هذا أن الكتابة الصحيحة لابد أن يسبقها ذلك القدر من المعرفة و العلم، و إلا جاءت مشوبة بالخطأ مشوهة بأنواع الغلط، لا فرق في ذلك بين أجناس الكاتبين، فإذا ساغ لنا أن نقول: عن كتابة مشكولة بطريقة الشكل العربي، أو اللاتيني، إنها تعصم من الزلل، و تحمي من اللحن، و تغني عن التفكير المبتدىء، و عن الحاجة إلى قواعد نحويه و لغوية و إملائية، وجب أن نسائل أنفسنا عن هذا الذي كتبها: ما الوسيلة التي ضمنت له السلامة؟ و على أى أمر اعتمد في تسجيل ما كتبه صحيحا بريئا من الشوائب و الأدران؟ هل استطاع ذلك من غير أثارة من قواعد النحو، و قدر من أصول اللغة و فروعها؟ اللهم لا.
فاقتراح الحروف اللاتينية إن أعفي القاريء من متاعب الدراسات اللغوية، لم يعف الكاتب و لا المتكلم المرتجل، و ما أكثرهما، بل ما أسبقهما على القاريء، فكل مقروء لا بد أن يسبقه إعداد في النفس يجري به اللسان أو القلم، و لا عصمة لواحد من هذين إلا بالدراسة اللغوية التي نحاول الفرار منها، و نزعم أن اقتراح الحروف اللاتينية يغني عنها، و يريح من عنائها، و هنا موطن الوهم و مكمن الخداع، فوق ما فيه من تنكر لماضينا، و قطع للصلات الكريمة بين شقيقاتنا، و أهدار لتراثنا العربي النفيس بقيمه الروحية و الأدبية و العمرانية، و إزهاق لمعاني الكرامة و الحرية، و إذلال لنفوس الناطقين بالضاد، و لعل فيما سبق ما يقنع الدعاة بزيف دعوتهم، و يحملهم على نصرة لغتهم، و الإقبال عليها دراسة و تمجيدا و تجديدا نافعا.





/ صفحة 382 /
… صريح الرأي في النحو العربي
داؤه و دواؤه
للأستاذ عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
-3-
أسلمتنا المقالتان السابقتان إلى موضوع اليوم؛ و إنه لجليل الشأن، عميق الأثر، فسيح الجنبات، و سأحاول أن أحسن الوقوف به، و أن أجمع من أطرافه ما أستطيع، و أن أكون فيه منصفا؛ نائم الهوى، يقظان الرأى.
تصدير:
إن منزلة النحو من العلوم اللسانية منزلة الدستور من القوانين الحديثة، هو أصلها الذي تستمد عونه، و تستلهم روحه، و ترجع إليه في جليل مسائلها، و فروع تشريعها؛ فلن تجد علما من تلك العلوم يستقل بنفسه عن النحو، أو يستغني عن معونته، أو يسترشد بغير نوره و هداه.
و هذه العلوم النقلية – على عظيم شأنها، و عميق أثرها – لا سبيل إلى استخلاص حقائقها، و النفاذ إلى أسرارها – بغير هذا العلم الخطير؛ فهل ندرك كلام الله تعالى، و نفهم دقائق التفسير، و أحاديث الرسول عليه الصلاة و السلام، و أصول العقائد، و أدلة الأحكام، و ما يتبع ذلك من مسائل فقهية، و بحوث شرعية مختلفة – إلا بإلهام النحو، و إرشاده؟
و هذا اللغة التي نتخذها – معاشر المستعربين – أداة طيبة للتفاهم القولي و الكتابي ، و نسخرها مركبا ذلولا للإبانة عن أغراضنا و الكشف عما في نفوسنا من هيأها لنا، و أقدرنا على استخدامها قدرة الأولين من عرب الجزيرة عليها،
/ صفحة 383 /
و مكن لنا من نظمها و نثرها تمكينهم منها، و أطلق لساننا في العصور المختلفة صحيحا فصيحا كما انطلق لسانهم، و أجرى كلامنا في حدود مضبوطة سليمة كالتي يجري فيها كلامهم، و إن كان ذلك منهم طبيعة، و منا تطبعا؟
إنه النحو؛ وسيلة المستعرب، و ذخيرة اللغوي، و عماد البلاغي، و أداة المشرع و المجتهد، و المدخل إلى العلوم العربية و الإسلامية جميعا. فليس عجيبا أن يفرغ له العباقرة من أسلافنا، و يعكف عليه جهابذتهم يجمعون أصوله، و يثبتون قواعده، و يرفعون بنيانه شامخا ركينا في إخلاص نادر، و إيمان عميق، و صبر لا ينفد، و لقد كان الزمان يجري عليهم بما يجرى على غيرهم من مرض، و ضعف، و احتياج؛ فلا يقدر على انتزاعهم مما هم فيه، أو تحويلهم عنه كما كان يقدر على سواهم، و لا ينجح في إغرائهم بمباهج الحياة و متعها كما كان ينجح في إغراء ضعاف العزائم، و مرضى النفوس؛ من طلاب المغانم، و رواد المطامع. و لقد يترقبهم أولياؤهم و أهلوهم الساعات الطوال من الليل والنهار فلا يظفرون بهم إلا خلسا من الوقت مثل حسو الطير، بل قد يترصدهم الموت فلا يقع عليهم إلا في حلقة درس، أو قاعة بحث، أو جلسة تأليف، أو ميدان مناظرة، أو رحلة مخطرة في طلب علم. و هو حين يظفر بهم لا ينتزع معهم، و لا يذهب بآثارهم بذهاب أرواحهم؛ إذا كانوا يعدون لهذا اليوم عدته من قبل فيدونون بحوثهم، و يسجلون قواعدهم و يختارون خلفاء من تلاميذهم يهيئونهم لهذا الأمر العظيم، و يشرفون على تنشئتهم، و تعهد مواهبهم إشراف الأستاذ البارع القدير على التلميذ الوفيّ الأمين؛ حتى إذ جاء أجلهم ودّعوا الدنيا بنفس مطمئنة، واثقة أن ميدان الإنشاء و التعمير النحوي لم يخل من فرسانه، و أنهم خلفوا وراءهم خلفا صالحا يسير على الدرب، و يحتذي المثال، و ربما كان أسعد حظا، و أوفر نجحا من سابقيه، و أدراك لما لم يدركه الأوائل.
على هذا النهج الرفيع تعاقب طوائف النحاة، و توالت زمرهم في ميدانه، و تلقى رايته نابغة عن نابغة، و ألمعيّ في إثر ألمعيّ، و تسابقوا مخلصين، دائبين، فرادى و زرافات في إقامة صرحه، و تشييد أركانه؛ فجاء سامق البناء، و طيد
/ صفحة 384 /
الدعامة، مكين الأساس، حتى وصل ألى أهل العصور الحديثة التي يسمونها: (عصور النهضة) قويا، ركينا، متينا ، من فرط ما اعتني به الأسلاف ، و وجهوا إليه من بالغ الرعاية.
تلك كلمة حق يقتضينا الإنصاف أن نسجلها؛ لننسب الفضل لذوية، و إلا كنا من الجاحدين. لكن أهل هذه العصور الناهضة لم يمدوا نهضتهم إليه، و لم يبسطوا سلطانهم عليه، و لم يتناولوه بما تناولوا به غيره من تجديد يبعث الحياة في قديمه، أو تنظيم يجمع ما تفرق منه، أو نوع من الإصلاح و التيسير يشيع فيه البهجة، و يحببه إلى النفوس، و يبعد عنه ما اشتهر به من جفوة، و قسوة، و قصور. و اكتفوا من تقديره بأن أوسعوا له مكانا في خزائن كتبهم، و تركوه يغط في نوم عميق؛ لا يوقظونه و لا يتيقظون له. إلا حيث يدعوه داع من رجال الأزهر فيجيب؛ مع همس الدعوة، و وهن الإجابة، و كيد الزمان، و انصراف الناس.
و قد يناديه المنادي من وزارة التربية و التعليم أن أقبل؛ فبنا بعض الحاجة إليك، و لكنها حاجة المستكمل لا المضطر، و المتجمل لا المفتقر، و دعنا نتخير، و نتصرف، و نختصر، و نتحرر، فعصورك الأولى غير عصورنا و أنت مخلوق لزمان غير زماننا؛ فيقبل في خجل، و يمشي على استحياء، و يسلم الأمر للزاهد فيه ، الراغب عنه، و يرضى بما يصيبه منه. و لوأن أهل العصور الحديثه بذلوا في إصلاحه و تقويمه بعض ما بذلوه في غيره، أو وجهوا إليه اليسير من اهتمام أسلافهم –لكان نصيبه في النفع أوفى ، و أثره في الإفادة أعم، و لكان به شأن أي شأن في نشر الحضارة العربية، و إقامة دعائمها، و تجديد معالمها بما يلائم الحياة القائمة، و يساير العصور الحديثة.
ليس من شك أن التراث النحوى الذي تركه أسلافنا نفيس غاية النفاسة، و أن الجهد الناجح الذي بذل فيه خلال الأزمان المتعاقبة جهد لم يهيأ للكثير من العلوم المختلفة في عصورها القديمة و الحديثة. بيد أن النحو كسائر العلوم الأخرى؛ تنشأ ضعيفة ثم تأخذ طريقها نحو النمو، و القوة، و الكمال، بخطا و ئيدة أو سريعة
/ صفحة 385 /
على حسب ما يحيط بها من أسباب و أحوال. ثم يتناولها الزمان بحوادثه؛ فيدفعها إلى التقدم و الإصلاح و التشكل بما يلائم البيئة و مقتضيات الحياة؛ فتظل الحاجة إليها شديدة و الرغبة فيها قوية. و قد يعوقها، و يحول بينها و بين التطور؛ فيضعف الميل إليها، و تفتر الرغبة فيها. و قد يشتط في مقاومتها فيرمي بها إلى الوراء؛ فتصبح في عداد المهملات.
و لقد خضع النحو العربي لهذا الناموس الطبيعي: فولد في القرن الأول الهجري ضعيفا، و حبا وئيدا وئيدا أول القرن الثاني. و شب و بلغ الفتاء – بالرغم من عيوب كامنة فيه لازمته – آخر ذلك القرن و سنوات من الثالث؛ حيث لمع من أئمته الأعلام عبدالله بن أبي إسحاق، و الخليل، و أبو زيد، و سيبويه، و الكسائي، و بعض الأخافشة، و الفراء، و الرؤاسي، ثم توالت أخلافهم بعد ذلك – على تفاوت في المنهج و المادة – إلى عصر النهضة الحديثة التي يجري اسمها على الألسنة اليوم و يتخذون مطلع القرن التاسع عشر مبدأ لها، و منذ هذا المبدأ دخل النحو القديم في طور جديد من الوهن والضعف لم يشهده من قبل، و تمالأت عليه الأحداث؛ فأظهرت من عيبه ما كان مستورا، و أثقلت من حمله ما كان خفّا و زحمته العلوم العصرية فلم يقو على زحامها، و خلفته وراءها كليلا مبهورا، و نظر الناس إليه فإذا هو في الساقة من علوم الحياة، و إذا أوقاتهم لا تتسع للكثير بل للقليل مما حواه، و إذا عيوبه التي برزت بعد كمون؛ و وضحت بعد خفاء – تزهدهم فيه، و تزيدهم نفارا منه، و إذا النفار و الزهد يكران على تلك العيوب، فيحيلان الضئيل منه ضخما، و القليل كثيرا ، و الموهوم واقعا، و إذا معاهد العلم المدنية تزوّر عنه، و تجهر بعجزها عن استيعابه، و استغنائها عن أكثره، و تقنع منه باليسير أو ما دون اليسير فيستكين و يرضى.
و الحق أن النحو – منذ نشأته إلى يومنا هذا – مصاب بعلل و آفات مختلفة نكاد تكون متشابكة متداخلة – يعسر فصل واحدة في آثارها و نتائجهامن الأخرى. أضعفت شأنه، و شوهت جماله، و تولتها الأيام بالرعاية و الإذكاء حتى كادت تقضى عليه، و انتهت به إلى ما نرى.
/ صفحة 386 /
و العجب أن تولد تلك الآفات والعلل ساعة يولد النحو، و تعيش في طواياه، و تنمو و تتغلغل في أعماقه خلال عصوره المختلفة من غير أن يعرض لها أمام بالتجميع و الحصر و وصف العلاج و من غير أن يتصدى لها عَلمَ بالبحث الشافي، على كثرة الأئمة الباحثين، و وفرة الأعلام من أهل هذه الصناعة، و فيض الكتب و الرسائل التي تتصدى للنحو و قضاياه، و لقد حاولت جهدى أن أهتدى إلى مرجع يعرض لتلك المشكلات مجتمعة، و يستقصى أسبابها واحدة فواحدة – على الرغم من تشابك الكثير منها و تداخل بعضها في بعض- و يتصدى لنتائجها القريبة أو البعيدة، و يقترح الدواء الناجع لها؛ فلم أوفق إلا للقليل و لست أدرى أذلك لقصور مني في السعي، أم لتقصير من النحاة و الدارسين؟ و لكن الذي أدريه أني بذلت الجهد، و لم أدخر الوسع، حسبى هذا، و سأحاول في هذه الخواطر العابرة أن أتمم ما نقص و أستدرك ما فات؛ ولكن بالإيجاز واللمح اللذين يفرضهما المقام، فلعلي أوفق، و من الله العون و السداد.
* * *
1- أول ما يطالع الباحث من ذلك: تعدد الآراء النحوية في المسألة الواحدة، و اختلاف الأحكام فيها؛ حتى ليستطيع أن يرى الرأى فيقول و هو آمن: إنّ هناك رأيا آخر يناقضه من غير أن يكلف نفسه مشقة الاطلاع، و الجري وراء النقيض، ذلك أنه يعلم من طول ممارسة النحو والنظر في قواعده أن الواحدة منها لاتخلو من رأيين أو آراء متعارضة؛ حتى أولياته، و ما يجري من مسائلة مجرى البدائة العلمية، و إن المطلع على كتاب كهمع الهوامع، أو الأشموني و حاشيته؛ ليهوله ما يرى من تشعب الآراء و كثرتها و تنافرها حتى فيما لا تحتاج إلى تعدد؛ فتقسيم الكلمة إلى اسم، وفعل، وحرف، وتقسيم كل إلى أنواعه، و تعريف كل نوع، و تمييزه مما عداه، و أحكام الفاعل، و المبتدأ، و النواسخ، و إعراب الأسماء الخمسة بالحروف، و كذلك المثنى، و الجمع بنوعيه ، و ما سمى بهما، و المستثنى، و المنادي، و المتعدي، و اللازم ، و المرفوع من الأسماء و المنصوب، و المجرور، و أحكام تقدّم العامل على
/ صفحة 387 /
معموله، أو تأخره ، و تعريف المبتدأ أو تنكيره، و أحكام كل منهما، و باقي الأسماء معربهما و مبنيها . و .و . و . كل أولئك مختلف فيه لم تجتمع كلمة النحاة على رأى موحد بشأنه، و لم تتفق أحكامهم على شىء من كلياته أو مسائله الجزئية و قد تصل المذاهب فيه إلى عشرة أو تزيد؛ كالذي نقله الأشموني في إعراب الأسماء الخمسة؛ حيث قال: إن فيها عشرة مذاهب فلم يرض ذلك الصبان فبادر بقوله إنها اثنا عشر … و من فضول القول سرد الأمثلة لهذا فهو معروف للشادين في النحو، بله المتفرغين له، أو المترددين على كتبه و دراساته.
و حسبك أن تقرأ بابا كباب المبتدأ و الخبر، أو باب كان و أخواتها و الملحقات بها، أو غيرها من النواسخ و غير النواسخ – في الهمع، أو ابن عقيل و حاشيته، أو الأشموني و حاشيته – فترى العجب العاجب من أمر ذلك الخلاف. بل حسبك أن تقرأ باب الجوازم خاصة في كتاب الهمع لتفزع مما ترى من خلاف في كل مسأله. و هذا الخلاف و التفرق في كثير من القواعد النحوية كان أظهر العيوب فيها و أكبر العقبات في تحصيلها و الوصول فيها إلى ضوابط محدودة سليمة؛ يسهل استخدامها، و الاستعانة بها في التفاهم الكلامي و الكتابي على وجه محكم دقيق؛ لا فوضى فيه و لا اضطراب؛ شأن العلوم القاعدية المضبوطة التي تأخذ بيد صاحبها إلى غاياتها، و تنهض به في يسر و سهولة و دقة إلى حيث يبغى منها، ضجر المتعلمون من ذلك، و انصرف فريق منهم عن تعب التحصيل و مشقة الاستيعاب، و فر بنفسه من هذه البلبلة و الفوضي، قانعا بالقليل أو الأقل، مؤمنا بأن ما فاته ليس ذا بال، و أن له من المذاهب النحوية و تناقض النحاة ما يصوب خطأه إن أخطأ في زعم فريق و ما يشجعه على استخدام ذوقه الخاص، و الاكتفاء به دون احتمال متاعب النحو و تجرع مرارته ، و صح عندهم ما يقال: إن كل ضبط للكلمات سائغ، و لن يعدم سندا من آراء النحاة و أدلتهم.
و الحق أن النحاة الأوائل – ممن كانوا في الطليعة ، و تبعهم في هذا أخلافهم – أساءوا إلى النحو بهذه البلبلة و الآراء المضطربه المتعارضة، و أنهم – على جليل شأنهم ، و عظيم فضلهم- قصروا في إتمام الاستعداد و الأهبة قبل الشروع في التدوين و التسجيل، و إثبات القواعد فوق صفحات الكتب، فقد كان الاستعداد التام يقتضيهم قبل ذلك التدوين و التسجيل أن يسألوا أنفسهم: من أى المصادر الوثيقة نستنبط قواعدنا؟ و من أي أنواع الكلام الأصيل ننتزع الأحكام النحوية؟
و قد ساءلوها فعلا قبل الشروع فأجابتهم: (إنه الكلام العربي الصحيح، و إن علماء اللغة – أثابهم الله – قد سبقوكم إلى مهمة جليلة كريمة كمهمتكم؛ هى جمع ذلك الكلام و تدوينه و تسجيله؛ حفاظا عليه، و صيانية له، و انتفاعا به في شئون الدين و الدنيا، فعلكم أن ترجعوا إليه لتنتفعوا به ما سئتم بعد أن يسره لكم أنداد أوفياء مخلصون، و حملوا عنكم في جمعه و تصنيفه ، و ميز جيده من زائفه – أفدح الأعباء).
رجعوا إلى أولئك الأنداد، و إلى ما جمعوه؛ فإذا هم أخذوا اللغة من بعض القبائل الكبيرة الضاربة في وسط شبه الجزيرة العربية، مقتصرين في الأخذ على نحو ست(1)من تلك القبائل تاركين ما عداها من باقي القبائل التي تجاوز الثلاثين قبيلة، فاستنبط النحاة قواعدهم مما تجمع من لغات تلك القبائل الست، و اقتصروا – أو كادوا – عليها، كمافعلوا أندادهم جامعو اللغة، بل إنهم لم يستطيعوا استيعاب اللغات و اللهجات الخاصة بتلك القبائل الست ، يدلك على ذلك ما تشهده في مواضع متفرقة من كتب النحو، كالذي سجله (الهمع)عند الكلام على عمل إن النافية الملحقة بليس، حيث يقول:
تنبيه : ( قال أبو حيان: لم يصرح أحد بأن إعمال (لا) عمل (ليس) بالنسبة إلى لغة مخصوصة إلا صاحب المقرب ناصر الطرزي فإنه قال فيه: بنو تميم لا يعملونها و غيرهم يعملها، و في كلام الزمخشري أهل الحجاز يعملونها دون طيء، و في البسيط القياس عند بني تميم عدم إعمالهاو يحتمل أن يكونوا و افقوا أهل الحجاز على إعمالها) اهـ
ــــــــــ
(1) راجع مقدمة: خزانة الأدب الكبرى، و ص 128 ج 1 من المزهر الفصل الثاني.
/ صفحة 389 /
فهم مختلفون – كما ترى – في المرويّ عن تلك القبائل على قلتها. و لخلافهم أثره العملي في استنباط قواعدهم وتدوين أحكامها و تطبيقها على ألسنة المتكلمين و أقلام الكاتبين فكيف الشأن و قد غفلوا عن أكثر القبائل، و أهملوا الأخذ عنها؛ مع مالها من تراث لغوى فياض قد تسلل الكثير منه إلى النحاة، مخالفا في بنيته ، أو ضبط حروفه، أو تركيب أساليبه لما اقتصروا عليه؟ و من ذلك ما رواه الأشموني في باب كان من قوله: (لا فرق في دخول الباء في خبر ما بين أن تكون حجازية أو تميمية كما اقتضاه إطلاقه و صرح به في غير هذا الكتاب و زعم أبو عليّ أن دخول الباء مخصوص بالحجازية و تبعه على ذلك الزمخشري و هو مردود فقد نقل سيبويه ذلك عن تميم و هو موجود في أشعارهم (كقول الفرزدق: لعمرك ما معن بتارك حقه.)
فلا التفات إلى من منع ذلك).
* * *
و بديه أن لغات القبائل الست و لهجاتهم لا تحوى جميع اللغات و اللهجات في باقي القبائل الكثيرة فذلك ينافي طبيعة اللغة و يعارض القانون الواقعي الذي تسير عليه في نشأتها و تدرجها و تفرعها(2) و مهما تميزت به القبائل الست من القوة و الجاه و النفوذ و بسطة الرقعة – في رأي الرواة – فلن تغير من طبيعة الأشياء و لا من الواقع المشاهد.
من هنا ندت كلمات أصيلة، و أساليب كثيرة صحيحة عما جمعه اللغويون. وفاتهم ذخر لغوي وافر؛ بسبب اقتصارهم في جمع اللغة على بعض القبائل دون بعض بل على القليل دون الكثير؛ و من ثم فات الرعيل أول من النحاة كثير من منابع الأخذ و مراجع الاستنباط كشفت عنهاالأيام بعد ذلك فأثبتت تقصير اللغويين و قصور النحو المؤسس على ما جمعوه، و وقعت بسبب ذلك كله ملاحم و اتهامات بين الشعراء (3) و النحاة المؤيدين من رجال اللغة إذ يقع في كلام أولئك ما لا يرضاه
ــــــــــ
(2) راجع نشأة اللغة و تدرجها في ص 8 من كتاب: بعض الأصول النحوية و اللغوية.
(3) كالذي كان بين الفرزدق و بينهم أو بين بشار كذلك أو المتنبي.
/ صفحة 390 /
هؤلاء. يصفونه بالخطاء و الخروج عن المأثور المنقول فيدفع الشعراء التهمة بأنها وليدة جهل، أو قصور في المواهب، أو في الاستقصاء و يستنبط النحاة مما تهيأ لهم قاعدة عامه (كتجريد الفعل المسند للظاهر من علامة تثنية أو جمع) فيفاجئون بنصوص عربية تخالف ذلك. و يقررون أن المبتدأ لا يكون نكرة و أن الحال لا يكون معرفة و أن التمييز لا يتقدم على عامله و أن المستثنى بإلا في كلام تام يجب نصبه و أن فاعل نعم و بئس لايكون علما و … و … و … فتدهمهم الأمثلة التي تعارضهم. فماذا يصنعون؟ يلجئون إلى التخلص من هذا الضيق بتأويل تلك الأمثلة، أو وصفها بأنها شاذة، أو نادرة، أو قليلة، أو مخطيء صاحبها … أو ماشاءوا من مثل هذه الأسماء التي أصيبت بما أصيب به النحو عامة من اختلاف في تحديد أحكامه، ومرامي قواعده. و نالها ماناله من تفرق في الرأى؛ و اضطراب في الدلالة؛ إذ لم يتفقوا – حتى اليوم – على تعريف هذه الأشياء تعريفا دقيقا و بيان أحكامها في وضوح و ضبط فما الكثير؟ و ما القليل؟ و ما الشاذ؟ و ما النادر؟ … و ما حدّ كل واحد من هذه الألفاظ و أمثالها؟ و من هنا صح ما يقال: إن اللغويين أصحاب الفضل الأول على النحويين، و إنهم كذلك أهل الإساءة الأولى للنحو و النحاة. و هؤلاء و هؤلاء قد أحسنوا أيما إحسان إلى العربية و الناطقين بها و إن كانوا قد مزجوا إحسانهم بإساءة، و خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا.
و غريب أى غريب أن يغفل جامعوا اللغة عن ذلك، و أن يشركهم في الغفلة النحاة مع ما امتاز به الفريقان من أصالة رأى، و ثاقب فكر، و ناجح تدبير، و لا يشفع للغويين أن يقال في الدفاع عنهم إنهم اقتصروا على القبائل الست لأنها – في زعمهم – التي صحت ألسنتها من هجنة العجمة ، و احتفظت بنفسها و لغتها عن الأجنبي و الدخيل (فلم يأخذوا عن حضري قط، و لا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم ، فإنه لم يؤخذ: لا من لخم و لا جذام لمجاورتهم أهل مصر و القبط، و لا من قضاعة و غسان و أياد لمجاورتهم أهل الشام، و أكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، و لا من تغلب و اليمن فإنهم كانوا بالجزيرة
/ صفحة 391 /
مجاورين لليونان، و لامن بكر لمجاورتهم للقبط و الفرس، و لا من عبد القيس و أزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند و الفرس، و لا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، و لا من بني حنيفة و سكان اليمامة، و لا من ثقيف و أهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، و لا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم و فسدت ألسنتهم. و الذي نقل اللغة و اللسان العربي عن هؤلاء و أثبتها في كتاب فصيرها علما و صناعة هم أهل البصرة و الكوفة فقط من بين أمصار العرب)(4).
فهذا دفاع واهن غاب عن أصحابه ما غاب عن جامعي اللغة أن هذه قبائل عربية أصيلة، و أنها تملك من اللغة أضعاف ما تملكه القلة المحصورة في الستة، و أنه لا يعيبها أن تسكن الحضر و أطراف البلاد و تقارب الأعاجم و النصارى هناك، ذلك أنها بحكم أصالتها العربية، و أنها من أهل شبه الجزيرة الخلص تملك أن تنشيء الكلمات إنشاء و تخترعها ابتداء؛ بل لكل فرد منها ذلك ما دام بعيدا عن التجريح (أي ليس متهما بالغفلة أو الجنون أو الكذب أو المرض المذهل) و لها أن تأخذ من لغات العجم ما تشاء فتنقله إلى لغتها باسم المعرب أو غيره من الأسماء، و إلا فكيف خلقت الألفاظ العربية الصحيحة أول ما خلقت؟ و كيف دخلت الألفاظ المعربة في حوزة العربية و اندمجت مع أخواتها العربيات، و نطق بها خلصاء العرب القدامي، و نزل بها القرآن في آيات كثيرة و مواضع متعددة لأمم أعجمية مختلفة بين فارسية و حبشية و يونانية؟ كيف نوفق بين استبعاد تلك القبائل العربية الكثيرة و إباحة خلقها الكلمات ابتداء، و ابتكارها ما تشاء منها؟
كيف نوفق بين استبعادها عن ميدان الاستدلال بلغتها و كلامها من أجل تلك التعلة الواهية التافهة – و وجود المعرب الذي جرى على لسان العرب جميعا و بتخلل أبلغ كلام عربي مبين و هو القرآن الكريم؟ إن وجود المعرب أقطع دليل على أن العرب الناطقين به عاشروا العجم طويلا أو قصيرا و أخذوا عنهم بعض لغتهم بسبب
ــــــــــ
(4) الألفاظ و الحروف لأبي نصر الفارابي (عن ص 128 ج 1 من المزهر).
/ صفحة 392 /
هذه المعاشرة أو بغيرها من الأسباب فارتضوه و قبلوه و أدخلوه في لغتهم و أجروه على لسانهم و أخذ مكانه من القرآن و غيره فليس مقبولا و لا معقولا بعد ذلك أن نرفض كلاما عربيا من إحدى القبائل بشبهة مهلهلة هي شبهة اتصالها بالأعاجم اتصالا قد يغريها بأخذ بعض ألفاظ أعجمية زوجّها في غمار العربية. على أنا نعلم أن بعض القبائل الست اتخذ له رحلات رتيبة إلى أطراف شبه الجزيرة شمالا حيث الرومان و السريان و بعض الناطقين بالعبرانية و جنوبا حيث النزلاء من الهنود و الفرس و اليونان. فقد كانت قريش (و هى أظهر تلك القبائل و أعظمها) ترحل كل عام رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام و تقيم فيهما و تخالط أهلهما ما شاءت لها دواعى التجارة و أسباب الحياة و كذلك كان بعض القبائل الأخرى يرحل إلى أطراف البلاد الشرقية حيث الفرس و حيث إخوانهم الذين أخضعهم الفرس لسلطانهم حينا من الزمان فليس من النصفة أن نفرق بين القبائل العربية في الحكم اللغوي و نجعلها درجات بعضها فوق بعض في الوقت الذي يسجل فيه أعلام الأئمة أن العرب الخلص سواسية من حيث صحة كلامهم و الاستشهاد بلغتهم لا فضل لأحدهم على الآخر من هذه الناحية و ليس بينهم فاضل و لا مفضول فكلهم في هذا سواء. و إذا انفردت قبيلة أو عربي أمين بكلمة أو أكثر لم يسعنا إلا قبول ما انفرد به، و لم يجز لنا الرفض أو التجريح؛ يقول بذلك ابن جنى و أبو حيان و أبو عمرو و ابن فارس و الشافعي و غيرهم ممن تصدوا لبحث هذه المسألة فقد انتهوا فيها للرأى السالف الذي سجلناه في بحث آخر. (للبحث بقية)





/ صفحه 54/
... صريح الرأي في النحو العربي
داؤه وَدَواؤه
للأستاذ عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
ـ 4 ـ
... على أن هذه الخطة ـ خطة الأخذ عن القبائل الست دون غيرها ـ قد ولدت مشكلات نعرض لاثنتين منها:
أولاهما: أن ينطق عربي من تلك القبائل بلغة معينة، معروفة النسب، ولكنها لقبيلة غير قبيلته...
ثانيتهما: أن ينطق عربي بلغة أخرى لقبيلة غير معينة وغير معروفة الاسم والكنه المميز لها من سواها.
فإذا نطق أحدهما بما يخالف ما جمعه اللغويون وما استنبطه النحاة من هذه اللغة المجمعة كان كلامه مرفوضاً عند الجامعين، محكوماً عليه عند النحاة بالحكم المسلط على نظائره؛ وهو: الشذوذ، أو الندرة، أو الضعف، أو خطأ ذلك الأعرابي (وهو لا يخطئ على الصحيح كما سنعرف بعد).
وبديه أن الأخذ بهذا الحكم معناه القضاء على نوع من الكلام السليم الصحيح بغير مسوغ مقبول، فوق ما فيه من فوضي لغوية تبعث الآراء المتناقضة، وتثير أنواعا قبيحة من الخلاف المذهبي بين المجتهدين والباحثين: كالذي نشهده اليوم في النواحي اللغوية ولا سيما النحوية منها. ولست أتردد في أن الحكم هنا خاطئ ـ كسابقة ـ وظواهر الخطأ فيهما واحدة بينها الثقات الأعلام الذين أشرنا إليهم آنفا، وسأسوق بعض الأمثلة التي تؤيد ما أقول، وما أكثر الأمثلة التي
/ صفحه 55/
توضح هذا النوع من الفساد والاضطراب، وما جلب على طلاب النحو والمشتغلين به من متاعب علمية وعملية. قال صاحب التصريح في شروط إعمال " ما "، عمل ليس... ما نصه:
" (ومن شروطها: ألا يتقدم الخبر على الاسم، وأما قول القرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش واذ ما مثلهم بشر
فقال سيبويه: شاذ؛ ولا يكاد يعرف. وقيل: غلط، وأن الفرزدق تميمي لم يعرف شرطها عند الحجازيين؛ فغلط فيها. وفيه نظر، فإن العربي لا يطاوعه لسانه أن ينطق بغير لغته كما قال سيبويه) " اهـ.
ثم قال المقرر (يس) على الهامش ما نصه:
" الذي قاله سيبويه إنما هو أن العربي لا ينطق بالخطأ، ويجوز أن ينطق بغير لغته كما بيناه في حاشية الألفية، في باب ما لا ينصرف " اهـ.
دهشت من هذا الرأي ـ الأول ـ المنسوب لسيبويه، المردد على ألسنة علماء أجلاء، لا طلاب أغرار قد يذهبون في فهمه مذاهب، ويتخذون منه أحكاماً خطيرة. فبادرت إلى باب ما لا ينصرف في كتاب " التصريح " فرأيت من التناقش والتضارب والجلاد بسليط القول ما يدور معه الرأس، رأيت ما نصه عند الكلام على " فَعَاَلِ " علماً للمؤنث:
" إن أكثر بني تميم يبني ما آخره راء على الكسر، والأقل يعربها، وإن اللغتين اجتمعتا في قول الأعشي ميمون:
ومرَّ دهر على وبَارِ فهلكت جهرةً وَبَارُ "
قال المقرر يس على الهامش (ج 2 ص 225) ما نصه:
(قوله وقد اجتمعت اللغتان) قال الدنوشري: إن هذا الشاعر لا يخلو من أن يكون من غير بني تميم، أو منهم. وعلى تقدير كونه منهم لا يخلو من أن يكون من الكثير منهم، أو من القليل الذين يعربون ما آخره راء (ولا يبنونه كالأكثر) فإن كان الأول أشكل الحال، وعلى الأول من الثاني يشكل بأن الكثير لا يعربون. وعلى الثاني منه يشكل بأن القليل لا يبنون " اهـ.
/ صفحه 56/
ثم قال بعد ذلك مباشرة: " كتب شيخنا العلامة الغنيمي بعده:
أقول على كل تقدير لا إشكال؛ إذ العربي يجوز له أن يتكلم بغير لغته، وهذا بعد تسليم أنه عربي، وأنه يحتج بكلامه. والله أعلم بالصواب " اهـ. ثم كتب الدنوشري معقباً: (قوله: أقول على كل تقدير لا إشكال) كلام ساقط (كذا!!). لا يصدر عن جاهل، فضلا عن فاضل (كذا!!). أما أولا فلأن العربي لا يتكلم بغير لغته، ولو قُطّع إربْا إربْا، كما في مسألة الكسائي وسيبويه. وأما ثانياً فلأن الأعشي ميمونا لا ينكر أحد الاحتجاج بكلامه، وأنه عربي خالص، اهـ. ثم قال: والحق أن العربي يتكلم بغير لغته ولا يتلكم بالخطأ، وسيبويه ظن أن ما قاله الكسائي في مسألة الزنبار خطأ كما حققنا ذلك في حواشي الألفية. وقد رأيت بخط مولانا تاج الدين السبكي رحمه الله كلاما يتعلق بهذه المسألة، ومن جملته: والذي يظهر أن العربي لا يلحن، ولكنه يمكنه أن ينطق بغير لغته؛ فيتعين تأويلها، وذكر مسألة: ليس الطيب إلا المسك، وأن الأحمر واليزيدي لقَّنا بعض الحجازيين الرفع في كلمة: " المسك " وجهدا في تلقينه فلم يفعل، وبعض التميميين النصب وجهدا فلم يفعل. وقال: ليس فيهما أنهما لم يمكنهما النطق بغير لغتهما، بل إنهما لم يفعلا. وفرق بين عدم التمكن وعدم الفعل؛ بأن عدم الفعل قد يجامع القدرة. وأما دعوى أن الأعشي ميمونا لا ينكر أحد الاحتجاج بكلامه فدعوى خالية عن الدليل، إذ وقع لكثير من الائمة الإنكار عن بعض العرب كرؤبة، والعجاج، وأبي بجيلة، ويحتمل ان يكون الأعشي من هذه الطبقة، اهـ.
وجاء في الأشموني وحاشية الصبان عند الكلام على البيت السابق:
" فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم " في باب إعمال " ما " النص التالي: أما قول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش واذ ما مثلهم بشر
فشاذن وقيل غلط، سببه أنه تميمي، وأراد أن يتكلم بلغة الحجاز، ولم يدر أن من شرط النصب عندهم بقاء الترتيب بين الاسم والخبر، وقيل مؤول " اهـ.
/ صفحه 57 /
وجاء في حاشية الصبان: " قوله: (وقيل غلط) أي: لحن، وفيه أن المعروف أن العربي لا يقدر أن يلحن، كما أنه لا يقدر أن ينطق بلغة غيره. كذا في الروداني. ثم قال: والذي ينبغي ألا يشك فيه أن ذلك إذا ترك العربي وسليقته. أما ما أراد النطق بالخطأ أو بلغة غيره فلا يشك في أنه لا يعجز عن ذلك، وقد تكلمت العرب بلغة الحبش والفرس واللغة العبرانية، وغيرها. وأبو الأسود عربي، وقد حكى قوله ابنته لأمير المؤمنين علي: " ما أشد الحر " بالرفع. فقول سيبويه في قصته مع الكسائي في مسألة: " كنت أظن أن النحلة أشد لسعة من الزنبار فإذا هو هي "، مرهم يا أمير المؤمنين أن ينطقوا بذلك، لابد من تأويله؛ كأن يقال: المراد مر من لم يسمع مقالة الكسائي، ولم يدر القصة، أو نحو ذلك، مما يقتضي نطقهم على سليقتهم الذي هو المعيار " اهـ، ثم قال الصبان: " وهو كلام في غاية النفاسة طالما جري في نفسي " اهـ.
فما هذه الآراء الكثيرة المتعارضة المتناقضة؟ وما هذه المقارعات العقلية المضنية، وما ضمنته من ألفاظ نابية؟ وأي الآراء نأخذ وأيها ندع؟ ومن حجتنا في إيثار هذا أو ذاك؟ وكيف نضبط في استعمالاتنا المختلفة كلمة: " وبار " وما شاكلها؟ وما نصنع في أسلوب كأسلوب: ليس الطيب إلا المسك ـ وهو كثير الدوران ـ يهمل فيه فريق من العرب " ليس " يهملها فريق آخر؟
إن النحاة موزعون؛ كل يرى الحق في جانبه، ويحكم على قريعه بالخطأ الصراح. والمتعلمون والمتكلمون والكاتبون بين هؤلاء وهؤلاء حائرون، لا تسعفهم ثقافتهم القائمة بتفهم هذا كله أو بعضه ولا يتسع صدرهم لاحتمال قليله، ولا تسمح لهم زحمة الأعمال ومطالب العيش الملحة باحتمال هذا العنت من أجل ضبط كلمة، أو إقامة جملة. وعندهم أن الوقوع في الخطأ ـ على قبحه ـ أهون شأناً، وأيسر ضرراً من بذل الجهد المضني وإضاعة الوقت في تلك المتناقضات التي لم ينته فيها الأعلام إلى رأي موحد، أو مذهب متفق عليه.
ومثال آخر:
قال الأشموني في باب: " إنّ " ما نصه:
/ صفحه 58/
" إذا عطف على المنصوب (أي على اسم إن) قبل استكمال إن خبرها تعين النصب وأجاز الكسائي الرفع مطلقاً تمسكاً بظاهر قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون... وقراءة بعضهم إن الله وملائكته يصلون على النبي، يرفع ملائكته وقوله:
فمن يك أمسى بالمدينة رحلة، فإني وَقيّارٌ بها لغَريبُ.
وخُرّج ذلك على التقديم والتأخير أو حذف الخبر من الأول... الخ ".
ثم قال:: قال سيبويه: وأعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان ".
وجاء في حاشية الصبان تعليقاً على ذلك:
(قوله وأعلم)... اعترض بأنه كيف يسند الغلط إلى العرب؛ وأجيب: بأنه لا مانع ذلك؛ لما سبق من أن الحق قدرة العربي على الخطأ إذا قصد الخروج عن لغته، والنطق بالخطأ. وقيل مراد سيبويه بالغلط مجرد توهم أن ليس في الكلم " إنّ ". وهذا هو ما يدل عليه بقية كلامه كما بسطه في المغني، ويحتمل أن مراده بالغلط شدة الشذوذ. اهـ.
وهذا كلام كسابقة لا يتردد المنصف الأريب في دفعه جملة وتفصيلا، سواء منه ما كان منسوباً لسيبويه والمدافعين عنه والمتأولين له، وما كان منسوباً لسواه.
ومثال آخر من قيض المثل الضاربة في الأبواب النحوية.
جاء في شرح التوضيح باب الممنوع من الصرف (ح 2 ص 213) ما نصه: لا يقال " سكرانة " وأما ما نقل عن بني أسد من أنهم يقولون: " سكرانة "، ويصرفون كلمة: سكران، فقال الزبيدي: ذكر يعقوب أن ذلك ضعيف ردئ. وقال أبو حاتم: لبني أسد مناكير لا يؤخذ بها. اهـ.
وجاء صاحب التقرير الذي على الهامش فقال: (قوله: وقال أبو حاتم...) وجه كونها مناكير أنها مخالفة للغات الفصيحة. وقد قال: كيف ينظر عليهم ما هو لغتهم التي طبعهم الله عليها؟! هـ.
/ صفحه 59 /
وفي هذا المثال يقال ما سبق في غيره وفي مئات من نظائره التي لم أسردها. وحين أقول " مئاتٍ " فإنما أقصد الحقيقة العددية المعروفة اليوم من غير مبالغة في التقدير ولا إسراف. من ذلك كله يتبين لنا ما في النحو من شوائب الخلط والاضطراب وعدم الاستقرار. ولها من سيئ الآثار ما وصفنا وما لم نصف.
وازدادت المشكلة تعقيداً بازدياد هجرة العرب (سواء أكانوا من القائل الست أم من غيرها). إلى الأمصار الجديد؛ كالبصرة، والكوفة، وبغداد، ودمشق، وحواضر الأندلس وغيرها؛ فضربت القبائل النازحة هناك بخيامها، واستقرت كل قبيلة بمصر، وتكلموا فيه بلسانها الأول، وبلغتها ولهجتها التي كانت تصطنعها قبل هجرتها؛ فتباينت اللغات واللهجات في المواطن الجديدة، تباينها في المواطن القديمة، بل زادت وصار لكل مصر لغة تختلف قليلا أو كثيراً عن لغة غيره من الأمصار، بقدر الاختلاف القديم بين لغتيهما قبل الهجرة من موطنهما الأصيل في شبه الجزيرة العربية، بل أكثر.
ثم زاد التدوين والتأليف والتعليم، واستمد كل واحد من هذه الثلاثة وجوده من اللغة السائدة في مصره؛ فتباينت النتائج والآثار العلمية والعملية بتباين اللغة واستمساك كل قبيلة بلغتها ولهجتها؛ فنشأت الفرق والمذاهب النحوية الجديدة؛ ما بين بصريين، وكوفيين، وبغداديين، وأندلسيين... كل فريق يستمد أحكامه ويستنبط قواعده من اللغة التي تحيط به، وتشيع في حاضرته؛ فاتسع ميدان الفوضي النحوية، وكثر المضطربون فيه، ولم يقتصر الأمر على هذا؛ بل كان من الجماعة الواحدة " البصرية أو الكوفية... " من يخرج عليها ويخالفها في بعض آرائها فيبتكر رأيا جديداً، أو ينضم إلى رأي فريق آخر، فالبصري قد ينادي برأي مستقل ليس لطائفته، وقد يأخذ برأي الكوفي، والكوفي كذلك قد يستقل، أو يتابع البغدادي، وهكذا... لدليل ارتضاه وخالفه فيه حواريوه. فزاد تعدد الآراء النحوية في المسألة الواحدة، وزاد اختلاف الأحكام فيها؛ وخفيت الحقائق على طلابها، وصعب عليهم استخلاصها مما يغشيها، وزهدوا فيها أو كادوا، وقد
/ صفحه 60/
استدعى التعدد والاختلاف أن يقيم كلٌّ حجته، ويدلي ببرهانه، ويدفع أدلة الآخر؛ فانفتح بذلك باب بغيض من المنطق الجدلي، والسفسطة العنيفة، وملأ النفوس حنقا، وأرهق العقول، وكاد يقضي على حسن الظن بجلال النحو وعظيم شأنه، وشدة الحاجة إليه، والى الاستفادة منه، ولا سيما بعد أن تعاورته حقب وأجيال لم تصلح من أمره شيئا؛ بل زادته تشويها وإفساداً. وحسبي أن أشير ـ مرة أخرى ـ إلى باب كباب الجوازم والنواصب، في كتاب " همع الهوامع " ليفزع القارئ حين يرى الخلاف يشمل كل مسألة من مسائله، وتعدد الآراء يعم قواعده؛ فيملأ النفس حيرة واضطرابا، بمازجها دهش غامر، وحسرة بالغة.
لعل فيما تقدم ما ينهض دليلا على أن النحاة الأوائل قصَّروا وأساءوا ـ غير قاصدين ـ برغم ما لهم من فضل لا يجحده منصف، وجميل لا يماري فيه إلا جاهل أو مكابر. وقد سكت خلائفهم عن هذا التقصير. وكان صائب الرأي، وصادق التقدير، يقتضيهم أن ينظروا بعين الغيب إلى هذه المشكلة العنيفة التي جلبت البلاء على النحو والنحاة وطلاب التحصيل، ويتوقعوا ظهورها بارزة كأداء خطيرة، فيبحثوا أول ما يبحثون مسألة اللغة في القبائل العربية المختلفة؛ أمتساوية لديهم جميعا؛ في الفصاحة، وسلامة المبني، وصحة التركيب، أم متفاوتة؟ وماذا وراء البحث؟ وراءه نتيجة هامة الأثر خطيرة الغاية. فإن صح أن اللغات والقبائل متساوية في هذا ـ كما يقول الثقات ـ صح الحكم القاطع بإخفاق كل محاولة لوضع " نحو " موحد " وقواعد " عامة شاملة تقدم لهذه القبائل كلها مع كثرة لهجاتها، وتباين كثير منها، وليس بعضها أحق بالأخذ من لغته دون الآخر؛ فكلهم سواسية، وليس بمستطاع الأخذ عنهم جميعاً؛ فأي " نحو " هذا الذي يحوي في ثناياه كل القواعد والأحكام التي تنطبق على كل اللغات واللهجات وتوافق أصحابها على وفرتهم وتشعب خصائصهم اللغوية؟.
إن " نحواً " كهذا ـ إن أطاقه الجهد، واتسع له الوقت ـ يكون أشد بلبلة، وأوسع اضطراباً، وأعم فوضي من " النحو " الذي نعيبه ونزري عليه. والسبب
/ صفحه 61/
بيِّنٌ واضح مما قدمنا. فليس من المستحسن ـ إذاً ـ بل ليس من المستطاع والأمر كما وصفنا، التوحيد النحوي. وكذلك الشأن لو تفاوتت لغات القبائل ـ كما يرى فريق من الباحثين ـ في مبلغ فصاحتها، نصيبها من السمو والسلامة؛ إذ أننا عند التفاوت سنأخذ عن بعض دون بعض؛ بنقع في مثل ما وقع فيه النحاة الأقدمون، ويجئ النحو الجديد مبلبلا قاصراً كالقديم. فما عسى أن نصنع؟ ليس أمامنا إلا أحد أمرين ـ كما أشرنا في بحث سابق ـ:
أ ـ وضع نحو خاص لكل قبيلة؛ بحيث يلائم لغتها وحدها، وتنطبق أحكامه على لهجتها، ولا يدع شيئاً يتعلق بكلامها ـ من هذه الجهة ـ إلا اشتمل عليه، تاركا ما لا يتصل بها وبلسانها الخاص. وبهذا بتعدد النحو بتعدد القبائل؛ فتجد كل واحدة ما يلائمها، وترتاح إليه ـ كما هو الشأن في القراءات القرآنية قديماً وحديثاً.
لكن هذا التعدد يضعف الروابط الثقافية والمادية بين القبائل العربية؛ بضعف التفاهم اللغوي بينها، وهو هن أواصر القربى والمودة القائمة، ويسلخ حاضر القبيلة من ماضيها، ويفصل بين التاريخ القديم والحديث في القبيلة الواحدة والقبائل الكثيرة، هذا إلى أن " نحوها " الخاص قد يخالف " نحو " القرآن فتعجز عن فهمه الحق، والى أن عزله القبيلة إن استمر في القديم فبقاؤه اليوم عسير، وتلك عيوب وسيئات ترجح حسنة " النحو " الخاص.
ب ـ فلم يبق إلا وضع " نحو " موحد للقبائل العربية كلها، لا يحوي لهجاتها مجتمعة، ولا يضم في ثناياه خصائص كل لغة منها، وإنما يكون أساسه مستمداً من لغة واحدة ممتازة، يعترف لها الجميع بالسمو فوق سائر اللغات، ويعلنون أنها أعلى مكاناً، وأرفع قدراً، وأكمل مزايا من لغاتهم الخاصة، ولا يعترفون لغيره ـ راضين فرحين ـ بهذا الفضل الأوفى؛ تلك هي لغة القرآن التي لا تنسب لقرشي وحده، أو لتميمي وحده، أو لقيسى أو لغيرهم كذلك، فهي لغة عربية حرة، وكفى، وإن شئت فقل: هي لغة للعرب جميعاً، من قبائلهم المختلفة استمدت كيانها ومادتها، ومن ألفاظهم أخذت أصولها (بالرغم مما انفردت به من صياغة معجزة ونظم فريد
/ صفحه 62/
وأغراض جليلة) فلم تقصر نفسها على قبيلة واحدة، ولم تكتف بهذه عن تلك، وليس حظها من الإجلال والإكبار عند عربي بأكمل من حظها عند أخيه، فالجميع في ذلك سواء، والقرآن كله في هذا سواء، وليس من السائغ ولا مما يرتضيه العقل أن يقول بعض النحاة: " إن القرآن قد يجري على غير الغالب القوى... " مستنبطا ذلك من مثل قوله تعالى: " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين " وقوله: " وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمما " (1)، فذلك استنباط واهم سنفيض الكلام عليه في موضعه بعد.
فإن احتجنا إلى شئ ولم نجده في لغة القرآن رجعنا إلى كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، والى ما اشتهر من كلام العرب، في وثيق مراجعه، كالمعلقات، وأشباهها من المأثورات العامة من غير أن نلتفت لقبيلة القائل، أو نذكر اسمها، أو نهتم بشأنها، فذلك لا يعنينا، وإنما الذي يعنينا أنه كلام عربي صُراح، محاذرين أن نحرك نوازع الغيرة وكوامن الفتنة النائمة؛ بذكر قبيلة باسمها. أو بشيء يدل على تفضيلها.
هذا، وليس ثمة ما يمنع قبيلة أن تصطنع لغتها الخاصة في شئونها القاصرة عليها إن شاءت، وأن تصنع لها " نحواً " يلائم تلك اللغة ويساير أصولها، على أن يكون " النحو " العام وحده هو الدستور المشترك بين العرب والمستعربين جميعاً.
هذه أقوم خطة سديدة كان على النحاة القدامى انتهاجها لو أرادوا لنحوهم كمالا وإبراء من الفساد الذي نشكوه، ولا تزال ـ حتى اليوم ـ أقوم الخطط لتدارك ما فات وإصلاح ما فسد وتحقيق ما تهفو إليه النفوس، وربما ساعد عليها اليوم أن أكثر القبائل القديمة قد باد، أو كاد، أو خفت العصبية القبلية فيه، وأن أكثر الناطقين بالضاد اليوم ليسوا من سلالة العرب وإنْ استخدموا لغتهم، ولا يمتون بصلة إلى البصرة أو الكوفة أو غيرهما. فعلينا اليوم أن نتدارك سريعاً ما فات.
ومن المفيد أن أشير إلى أمر هام؛ هو أن المعيب الفاسد من تعدد الآراء النحوية وتشعب مسائلها ما أدى إلى إعنات المتكلم، أو الكاتب، وتضييق آفاق التعبير أمامه، وأخذ الطريق عليه من غير داعٍ؛ كأن نذكر له من أمر " ليس "
ــــــــــ
(1) راجع الصبان، باب العدد، تمييز العدد المركب.
/ صفحه 63/
أنها فعل ماض ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وقيل بل ترفعهما، وقيل إنها حرف لمجرد النفي ولا عمل له، وقيل إنه يعمل حينا وحينا لا يعمل... وقيل إن المرفوع بها فاعل، والمنصوب النكرة حالا، والا فمفعول.. ومن أمر " إن " نصبها للمبتدأ ورفعها الخبر مع حرفيتها، وقيل تنصبهما معاً، وقيل إنها اسم فعل. وقيل، وقيل. فلا يدري عند الكلام والكتابة ما يصنع، وعلى أي مذهب يسير؟ فهذا هو البلاء الذي يجب توقيه.
أما الخلاف في أن المبتدأ يجب أن يكون معرفة، وجوز بعضهم أن يكون نكرة، وأن الحال يجب أن يكون نكرة ويجوز بعضهم أن يكون معرفة، وأن التمييز لا يتقدم على عامله وقد يتقدم، وأن جواب لما الحينية يكون جملة ما ضوية وقد يكون مضارعية أو غيرها، وأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة قياسا دون التضعيف وأجازه بعضهم، وأن فاعل نعم وبئس لا يكون علماً مفرداً وأجازه بعضهم، وأن كلمة " ما " الواقعة بعدهما قد تحمل على وجوه أعرابية عشرة وقد تزيد عند بعضهم وأن المفعول في جملة الاختصاص بعد الضمير نحن، يجب أن يتقدم هو والضمير في الجملة وقيل لا يجب... وأن... وأن... و... من أمثال هذا فسائغ مقبول بل مطلوب على شريطة ألاّ نذكر هذا الخلاف ولا نتعرض لتعدد الرأي وإننما نرفع القيد الذي يسبب التعدي فيرتفع السد الذي يفصل بين الآراء فتمتزج سريعاً ويتسع الأفق التعبيري ويختفي الحاجز الذي يشعب المذاهب فلا تلبث أن تندمج. ولنا أن نرتضي مذهباً نسير عليه وندع سواه كما يفعل فقهاء الشريعة اليوم حين يجددون. بيان ذلك فيما سبق من الأمثلة أن نذكر المبتدأ وأحكامه فلا نذكر من شروطه ولا من قيوده التعريف، فيكون هذا إيذانا بأنه يقع نكرة ومعرفة؛ فنستريح من هذا الخلاف وآثاره، وتتسع دائرة التعبير أمامنا من غير أن نكلف المتكلم وغيره تعلم قاعدة ولا استذكار مذهب؛ بل ندعه للفطرة والطبيعة فبعد أن كان المبتدأ مقصوراً على المعرفة صار جاريا عليها وعلى النكرة، وبعد أن كان المتكلم والكاتب حائراً بين القولين مضطربا في الأخذ بأحدهما وتفضيله على
/ صفحه 64/
الآخر صار طليقاً، وكذلك الأمر في " الحال " لا نعرض عند سرد أحكامه إلى اشتراط تنكيره فيكون هذا الإهمال إعلاماً بوقوعه نكرة ومعرفة؛ فنستغني عن الخلاف ونتائجه، وينفسح مجال القول والتحبير أمامنا باستخدام الحال نكرة أو معرفة، من غير اعتراض علينا ولا اضطراب ذهني منا، ولا إعنات بتعلم قواعد نحوية لا حاجة إلى تعلمها في هذه الحالة. كذلك التمييز لا نذكر في أحكامه أنه واجب التأخير عن عامله فيفيد هذا أنه قد يتقدم أو يتأخر وندع الاختيار للمتكلم أو الكاتب يؤثر ما يشاء فنريحه من أثر الخلاف والتقييد الذي يضيق السبيل أمامه، ولا نرهقه باستذكار قاعدة مَّا في هذا الشأن. ونعرض لجواب " لما " الحينية فلا نشترط فيه الماضوية التي تقيده بنوع خاص بل نتركه مطلقاً ونعرض لأحكام فاعل نعم وبئس. فلا نشترط فيه أن أن يكون بعيداً من العلمية بل نسكت عن هذا الشرط فيكون سكوتنا دليلا على الجواز ونعرض لأحكام المفعول المنصوب على الاختصاص بعد الضمير " نحن " فلا نشترط لهما التقدم في جملتهما.
فيكون هذا مؤذناً بالاستغناء عن الرأي المخالف، لينتفع بهذا الجواز من أراد.
ونقول إن كلمة " ما " تقع بعد نعم وبئس فتكون فاعلا غير مبالين بما عدا ذلك من أنها نكرة تامة أو ناقصة أو موصولة أو زائدة أو... أو... وهكذا باقي السائل النحوية التي يقع عليها خلاف من هذا النوع الذي بسطناه ولا سيما الخلاف الذي يكون وراء الأخذ بأحد أطرافه تيسير وتخفيف كالأخذ برأي الكوفيين في كان وأخواتها، وأنها أفعال عادية، فمثل هذا الخلاف كالأخذ برأي الكوفيين في كان وأخواتها، وأنها أفعال عادية، فمثل هذا الخلاف نستغله لفائدتنا على الوجه الذي شرحناه. ونتخذ منه وسيلة لتيسير اللغة " ونحوها " وتذليل قواعدها لخدمتنا، وتقليل مقاديرها، مع الانتفاع بها على خير الوجوه من غير أن نسئ إلى أصل من أصولها، أو نضع العقبات أمام تعلمها، بل إننا بهذه المحاولة نحسن إليها، ونرفع العقبات من طريقها، وندنى ثمارها للراغبين.
وقد نرجع للكلام في هذه المسألة الهامة الخطيرة في مناسبة ألصق بها، ومقام أدعى إليها، ولكن هذا لا يعفينا الآن من الإشارة إلى مذهب نادى به بعض
/ صفحه 65/
المثقفين المحدثين حيناً، ثم خفت الصوت أو اختفى، ذلك أنه يرى الخير في وضع " نحو " يساير اللهجات العامية الإقليمية مستمداً من المذاهب والآراء النحوية القديمة، فلمصر " نحو " مقتبس من الآراء واللهجات العربية القديمة التي تقارب عاميتها، ولسورية ولبنان والحجاز واليمن " نحوها " كذلك، بل لكل إقليم من تلك الأقطار نحوه الخاص به السالف إن أمكن. فإذا كان المصريون يتكلمون في عاميتهم هكذا عن الأسماء الخمسة من حيث إعرابها بالواو في سائر أحوالها فيقولون:
محمد حضر أبوه من الحجاز، وقد رأيت أبوه مسروراً بما تم له من ذلك، فقلت لأبوه: حدثنا عن رحلتك ـ وجب عند وضع النحو المصري أن نراعي حالتهم العلمية فنختار لهم المذهب أو اللهجة التي تلزم الأسماء الخمسة الواو دائما. وهكذا باقي المسائل، في مصر وفي غيرها من سائر الأقطار الناطقة بالضاد.
ولا شك أن هذا رأي فطير لما فيه من تعدد القواعد النحوية بتعدد الأقطار بل بتعدد الإقاليم في القطر الواحد فتنقطع الصلات القديمة والحديثة بينهما كما أشرنا. فوق ما فيه من تجدد العامية وتغيرها بتغير العصور مما يقتضي وجوب تغيير نحوها كذلك دائماً.
ولا يفوتنا أن نذكر بهذه المناسبة أمراها ما جليل الشأن هو أن الخلاف وكثرة المذاهب النحوية، معيب ضار في كل ما يثير بلبلة واضطرابا على الوجه الذي أوضحناه خاصاً بالحركات وضبط حروف الكلمة ضبطاً نحوياً. أما الخلاف في متن الكلمة نفسها وما يتصل بذاتها من حيث وجودها عند قبيلة وعدم وجودها عند أخرى أو وجودها ولكن بصورة فيها مغايرة وبعض تباين فإنه خلاف نافع إذ يزيد ثورة اللغة ويوسع دائرتها ويفسح في المجال أمام الناطق والكاتب فيجد ألفاظ كثيرة وذخيرة وافية من الكلمات.





/ صفحه 190/
.... صريح الرأي في النحو العربي
داؤه ودواوه
للإستاذ: عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
ـ 5 ـ
... ومشكله ثانية، لم يتنبه اللغويون الأوائل لمعقباتها، أو هم تنبهوا لها ولكن لم يقفوا منها الموقف الحاسم الحازم؛ برأي فيصل يلتزمون حدوده، ويلتزمه بعدهم النحاة وغيرهم من سائر الباحثين؛ تلك هي مشكله: " عصور الاحتجاج وصحة الاستشهاد ".
فقد اتفق الرأي على أن الكلام الذي يحتج به في الشئون اللغوية، ويؤخذ به في الاستشهاد ـ هو كلام العرب الأصيل، الذي لا مجال لا تهامه أو تجريحه. وهم يريدون بالعربي الأصيل من نشأ بالبادية، وأقام فيها حياته؛ فلم يفسد لسانه بلغة الحضر المختلطة، ومعاشرة الأعاجم، ويريدون بالاتهام والتجريح ألاّ يكون معروفا بالكذب اللغوي والاختلاق. أو مصابا بخبل أو جنون...
ولسنا بصدد الإفاضة في هذا الرأي، ومناقشته من نواحيه المختلفة: قوّيها وضعيفها، موافقها للعقل والواقع ومخالفها؛ فمجال هذا كله بحث آخر.
وإنما الذي نحن بصدده هو أن العربي الأصيل عندهم قد يفقد أصالته اللغوية بسكنى الحضر، وبمخالطة الأعاجم. ويطلقون على كلامه عندئذ، اسم المولد. أو: المحدث وهذه العلة أو التعلة هي التي اعتمد عليها اللغويون الأوائل في الأخذ عن بعض القبائل دون بعض ـ كما سبق تفصيل هذا ـ وهي التي جرحوا بها بعض شعراء الجاهلية الأعلام؛ كعَدِىّ. الأعشى... ولم تأخذهم بهما
/ صفحه 191/
وبأضرابهما رأفة، ولم يشفع لهما عند القادحين السبق الزمني والفني.
لكن ما السبيل إلى ملازمة البادية ـ في عزله تامة ـ والفرار من مخالطة العجم؟ إن أمكن هذا في عصور الجاهلية فليس بممكن بعد ظهور الإسلام، وامتداد وقعته إلى جهات المعمورة، وانسياب العرب ـ كالطوفان الجارف ـ إلى بلاد العجم غزاة فاتحين، وتسرب الأعاجم إلى قلب البوادي (التي كانت مغلقة في وجوههم) عبيداً، أو إماء، أو حجاجا، أو مقمين، أو زائرين، لوجه من الوجوه المختلفة واختلاط الفريقين معاً اختلاط معاشرة ومعاملة. وقد سوّى الإسلام بين الفريقين في أكثر الحقوق والواجبات، وأزال الفوارق أو كاد: فانتهى الاختلاط المؤقت إلى اندماج تام. وامتزاج كامل ـ في أكثر الأحيان ـ بعد زمن طال أو قصر على حسب الأحوال وتهيؤ الأسباب...
وإذْ جرى الأمر على ما وصفنا، فقد تعرضت أصالة اللسان العربي للإتهام عندهم والتجريح، وصارت الثقة به مزعزعة عند أولئك المشرعين والرواة اللغويين ومن لف لفهم، وأخذ بطريقتهم من جمهرة النحاة وغيرهم.
وهنا نسألهم: ما مدى الأتصال الذي يعيب أصالة اللسان، ويضعف الثقة به؟ ما حدوده وما قوّته؟ أيكف فيه مجرد الاتصال والاختلاط، ونزول العربي الأمصار؛ سواء أقصرت المدة أم طالت، وكثر عدد الأعاجم أم قل؟ وسواء أكان أهل المصر، متخفظين متحرزين، أم متساهلين منهاونين؟ أفلا يتطلب الأمر مدة (زمينة تكفي لتأثر العربي بالأعاجم في لغته، وتسرب العجمة بمادتها ومظاهرها إلى لسانه؟ فما هذه المدة التي تكفي للعدوي؟ أيوم، أم شهر... أم قرن... أم أكثر...؟ وما مدى التأثر؟ أقليله وكثيره سواء في التجريح والاتهام، أم لابد من شيوع الفساد وكثرته؟ وما حد القلة والكثرة والشيوع والانحصار؟....
تلك أسئلة لم يقطع فيها اللغويون والنحويون السابقون بإجابة شافية موحدة أو قريبة من التوحيد. فمن قائل إن نزول العربي الأمصار محقق الخطر
/ صفحه 192/
على اللغة، ولو قلت المدة، وقل الاتصال فيها بالأعاجم.
ومن مخالف لذلك، مشترط الاقامة وكثرة الاتصال من غير بيان الطول والكثرة. ومن ثالث يقول إن ذلك مشروط بإهمال الفصحفى وبالهاون فيها تهاونا تظهر آثاره بانتشار اللحن وذيوع الخطأ في ذلك المصر. ومن رابع يرى أن الخطر المتوقع لم يتحق إلا بعد قرن للهجرة. ومن مخالف يحدد لذلك قرنين... أو ثلاثة... أو.....
آراء متنافرة، وخلف واسع؛ له أثره العميق في اللغة؛ مادتها، " ونحوها " وسائر فروعها. فلك يكن غريبا بعد هذا أن نسمع الراوية اللغوي الكبير أبا عمرو بن العلاء يقول (1): " لقد حسن هذا المولد؛ حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته، يعني بذلك شعر جرير، والفرزدق. فجعله مولداً فالاضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين. وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين. قال الأصعمي جلست إليه عشر حجج؛ فما سمعته يحتج ببيت إسلامي. وسئل عن المولدين فقال: ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم ليس النمط واحدا. هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه كالأصمعي. وأبن الأعرابي. أعنى أن كل واحد منهم يذهب في أهل عصره هذا المذهب. ويقدم من قبلهم. وليس ذلك لشيء إلا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون. ".
ولم يكن غريبا كذلك أن نرى الأصمعي لا يحتج بشيء من شعر الكميت. والطرماح ويعدهما مولدين (2). ويتحدث عن نفسه قائلا " أقمت بالمدينة زمانا، ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة، إلا مصحفة، أو مصنوعة. وكان بها ابن دأب يضع الشعر، وأحاديث السمر، وكلاما بنسبه إلى العرب؛ فسقط.
ــــــــــ
(1) ما يأتي منقول من كتاب العمدة ج 1 ص 57 ومن المزهر ج 2 ص 304.
(2) المزهر ج 2 ص 254 الطبعة القديمة.
/ صفحه 193/
وذهب علمه، وخفيت روايته " (1).
يقول هذا عن عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب الشاعر الكبير والعالم الأكبر في الأخبار (2) (توفي سنة 171 هـ) ويتهمه بما اتهم به الأصمعي من عبد الرحمن ابن أخيه فقد سئل: ما فعل عمك؟ فقال قاعد في الشمس يكذب على الأعراب (3) ".
ويعرض شيخه أبو عمرو بن العلاء عن شعر جرير والفرزدق في الوقت الذي يروي فيه الرواة أن " (الحذاق يقولون: الفحول في الجاهلية ثلاثة متشابهون (4)؛ زهير، والفرزديق ـ والنابغة، والأخطل ـ والأعشى وجرير.) " (5) ولن يصف الحذاق (وهم المختصون بهذا الأمر، الخبراء والأمناء فيه) شاعرا بأنه من الفحصول إلا إذا كان قويم اللغة، صحيح اللسان؛ لأن هذه أول صفات الفحولة، بل أول شرط لوجودها.
ولابن قتيبة رأى يختلف عن هذين؛ فهو يقول. (كل قديم من الشعراء فهو محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله … ولم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص قوما دون قوم؛ بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثا في عصره …)(6).
ومعنى هذا أنه لا يرتبط في صحة اللغة وبلاغة الكلام بقوم أو بعصر؛ وإنما مناط
ــــــــــ
(1) المزهر ج 2 ص 259 الطبعة القديمة.
(2) المزهر ج 2 ص 259 الطبعة القديمة.
(3) المزهر ج 2 ص 252 الطبعة القديمة. وبهذه المناسبة. ما يقع في الأحكام والآراء من تضارب عجيب، وتناقض بالغ أذكر أن أبا الطيب بن علي اللغوي، الحلبي، المتوفي سنة 351 هـ سجل في كتاب المسمى " مراتب النحويين " في الصحفة التاسعة والأربعين من طبعتة الحديثة ما نصه ـ بعد أن سرد حكاية الأصمعي مع ابن أخيه الواصف له بالكذب. قال: هذا باطل، ما خلق الله منه شيئا، ونعوذ بالله من معرة جهل قائله وسقوط الخائضين فيه. وكيف يقول ذلك عبد الرحمن؟ ولو لا عمه لم يكن شيئا. وكيف يكذب عمه وهو لا يروي شيئا إلا عنه؟ وأتى يكون الأصمعي كما زعموا؟ وهو لا يفتي إلا فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عما يتفردون به عنه، ولا يجوز إلا أفصح اللغات، ويلج في دفع ما عداء... اهـ.
(4) أي لكل واحد شبيه.
(5) المزهر ج 2 ص 297.
(6) العمدة ج 1 ص 56، 57.
/ صفحه 194/
الأمر عنده تحقق الغرض الذي يرمي إليه من السلامة والبصر؛ لا يبالي بعد ذلك أين وجدهما، ولا متى صادفهما؛ فلا اعتبار لعصر معين، ولا لقبيلة خاصة؛ وإنما الاعتبار كله للبلاغة وما يتصل بها. وأول شرط من شروطها ـ كما هو معلوم ـ صحة المفردات والتراكيب؛ إذاًَ لا فضل لعربي في بايدته على عربي في حضره، ولا لشاعر جاهلي على آخر إسلامي أو محدث؛ وإنما يجئ التباين من حيث الصحة، ومن حيث البراعة وتحقق البلاغة وشروطها (1).
ولابن جنبي وأضرابه رأى غير ما سبق جميعاً، إذ يرى أن الأخذ وعدمه ليس رهناً بالبدو أو الحضر؛ وإنما هو رهن بصحة اللسان وسلامته؛ فحيثما وجدا فقد صح الأخذ، وإلا فلا يصح، يتساوي في هذا أعراب البادية وسكان المدن. وعلة ذلك عنده: " ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلاف والفساد والخلل. ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يتعرض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضاً لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة. وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك، ويقدح فيه، وينال ويغض منه. وقد كان طرا علينا من يدعي الفصاحة البدوية، ويتباعد عن الضعفة الحضرية؛ فتلقينا أكثر كلامه بالقبول له، وميزناه تمييزاً حسن في النفوس موقعه. إلى أن أنشدني يوما شعراً لنفسه، يقول في بعض قوافيه: " أشأأَها، وأدأأَها".
فجمع بين الهمزتين كما ترى. واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه. نعم وأبدل إلى الهز حرفا لاحظ في الهمز له، بضد ما يجب؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما. فكيف أن يقلب
ــــــــــ
(1) مناقشة هذا الرأي والحكم عليه تتضح من مناقشة نظيره الذي سنعرض له هنا قريبا.
/ صفحه 195/
إلى الهمز قلبا ساذجا من غير صنعة ما لا حظ له في الهمز، ثم يحقق الهمزتين جميعا؟ هذا ما لا يبيحه قياس، ولا ورد بمثله سماع (1).... "
وظاهر هذا الرأي هو الاتفاق مع كلام ابن قتيبة، أما حقيقته فالخلف الواسع بينها؛ فقد جوز ابن جني أني أن يقع الخطأ، ويشيع في أهل الوبر شيوعه في أهل الحضر. وهذه المشكلة خطيرة؛ تتفرع منها مشكلات جمة، في مقدمتها غموض المقياس الذي نرجع إليه في الحكم على فرد بأنه تصحيح اللغة. وعلى أهل المدينة أنهم أصحاء، الكلام؟ أليس المقياس رد كلامهم إلى كلام سبقوهم من العرب الخلص ومراجعة هذا على ذاك؟ فمن هو السابقون الخلص الذين نرجع إلى كلامهم عند الرد والرجعة؟ أهم الجاهلية وحدهم، أم هم وفريق من الاسلاميين؟ وما حدود هذا الفريق وعصره؟ وإذا كان السابقون (من جاهليين، وغير جاهليين، في حضرهم، ووبرهم، قد يخطئون فإلى من نرجع، وعلى من نعول؟.
لقد عاش ابن جنى خلال القرن الرابع ومات آخره (330 ـ 392 هـ (فهل يرتضى تطبيق حكمه على الجاهلية والاسلام معاً إلى عصره في الحضر والوبر؟
إن ساغر تطبيقه في العصر الاسلامي فكيف يسوغ تطبيقه في الجاهلية، ووبرها؟ اليس معناه أن عرب الجاهلية يخطئون ويعجمون؟ فمن له حق الحكم عليهم بهذا؟ وعلى أي أساس يستند وهم أهل اللغة وأربابها، وهم المرجع الوحيد في أصولها، الصواب ما كان منهم، وما وافقهم، والخطأ ما خالفهم؟ وكيف يعجب ابن جنى يعربي ويصفه بفصاحة اللسان ثم يرتد متهما إياه جارحاً له؟
ومن أجل ذلك أخطأ ابن جنى في كل الذي ذهب إليه من قصة ذلك الأعرابي الذي لا يخلو حالة من أمرين؛ فإما أن يكون له ما لنظرائه العرب؛ من استقامة اللسان، وفصاحة اللغة؛ شأنه في ذلك شأن الوبريين الخلص؛ وإذاً لا يكون لابن جنى ولا غيره أن يحاسبه على القلب، أو عدم القلب، وجمع
ــــــــــ
(1) الخصائص ج 1 ص 406.
/ صفحه 196/
الهمزتين، أو تحويل إحداهما، أو غير ذلك من الشئون الصناعية التي لا شأن العربي الأصيل بها، بل لا علم له بشيء منها. وإنما يحذقها المتطبعون، وأهل الصنعة؛ من أمثال ابن جنى، وأضرابه، أما العربي فهو المرجع القاطع. والحجة عليها وليست هي الحجة عليه، وله وحده القول الفصل دون غيره ممن ليسوا عربا خلصا.
وإما أن يكون العربي متهما في فصاحته، وأصالته العربية، وسلامة نطقه ـ فشأنه شأن غيره ممن لا يحتج بعربيتهم، ولا يلتفت إليهم من هذه الناحية بادئ الرأي بشرط أني كون للإتهام أصول، وقواعد مرعيه تطبق تطبيقا عاما لا استثناء فيه ولا تخيير، وهذا ما لم يكن حتى اليوم. وإن الأخذ بكلام ابن جنى معناه أن نفحص عن حال كل متكلم (ولو كان في عصر ابن جنى بل بعده) لنتبين منه سلامة القول، أو عدم سلامته، ثم نحكم عليه بمقتضى ما ينكشف عنه القول وهذا يسلمنا إلى المشكلات التي أشرنا إليها قبلا من أمر البحث ابتداء عن أصحاب القول السليم من العرب الأولين؛ أهم أهل الجاهلية وحدهم أم هم مع فريق آخر بعدهم؟ وما نهاية التfحديد ومداه...؟ ثم أيخطئ الجاهليون أم لا يخطئون...؟ أسئلة عسيرة الجواب، اضطرب في شأنها كبار الباحثين كما سبق آنفا.
مما تقدم يتضح بجلاء مبلغ اختلاف الأئمة في أمر التوثيق، وفي زمنه، ورجاله، ومكانه، وأن الخلاف ليس لفظياً مناطه مجرد التعريف، وشهوة الجدل المنطقي، بل له آثاره في مادة اللغة، " ونحوها "، وسائر شئونها؛ إذ يِأتي لغوي فيأخذ مادتها من أ عرابي دون أعرابي؛ فيجئ لغوي آخر فيرضى عن الاثنتين معاً، وقد يخالف زميله فيما رضى عنه أو فيما استنكره من فرد، أو من قبيلة، أو عسر. ثم يجري النحاة في أعقابهم؛ فيستنبط فريق أحكامهم من كلام هذا دون ذلك، ويخالفه فريق آخر من النحاة مخالفة قليلة أو كثير؛ فتصدر الأحكام متناقضة، متضاربة وقد يخطئ بعضهم بعضاً، ويخطئون الكلام العربي الذي يستشهد به لتأييد الأحكام، أو يدعون أن قائله غير فصحيح، أو ليس ممن يحتج بكلامه... أو... ويضطرب الشعراء والكتاب في سائر العصور المتتالية
/ صفحه 197/
تبعاً لذلك فلا يدرون ما يأخذون وما يدعون. على هذا الرسم جرى الحكم بإخراج الفرزدق وجرير من حلبة الفصحاء الثقات الذين يستشهد بكلامهم في اللغة والنحو عند فريق من الأئمة. وخالفهم آخرون، وكذلك الشأن في الكميت، والطرماح، وغيرهما ممن عاصرهما، أو جاء بعدهما، كبشار، والمتنبي، والمعري، والشريف الرضي.
ولقد رأينا بعض أئمة النحو (كابن هشام في كتبه المختلفة ولا سيما المغني) يستشهد بشعر هؤلاء وأضرابهم، ويحتج ببيانهم. ولكن غيره من مخالفيه يرده، أو يدفع الشواهد بأنها مسوقة لمجرد الاستئناس لا للإحتجاج العلمي ولا الاستدلال القاطع. ولا يسكت الشعراء المجرحون على هذا بل يتهمون الرواة بالغفلة، والتقصير والهوى ـ كما سبق ـ ويرمون النحاة بالغباء، والتصنع، والجمود، والقصور. وقد يخشى النحاة هجاء الشعراء وإقذاعهم؛ فيدارون سفهاءهم؛ بالأخذ عنهم، والاحتجاج بشعرهم؛ كالذي فعله سيبويه أمام النحاة مع بشار، وكالذي فعله غيره ممن سبقوه أو خلفوه مع شعراء آخرين. وهذه هي الفوضي الغامرة، والفساد المبين.
إلى هنا انتهى التصوير الحق للمشكلة التي نشأت منذ عصر التدوين والجمع، ولم يواجهها الأئمة بما يدفع شرها عن اللغة والنحو، ويؤمن الطريق أمام الناطقين والكاتبين في العصور المستقبلة؛ فظللت نتخطى القرون قرنا فقرناً حتى دهمتنا بآثارها، ونالنا منها ما نال أسلافنا؛ فما أكثر أن يتكلم المتكلم، أو يكتب الكاتب؛ فينبري له من يخطئه، ويتهمه بالخروج على النهج العربي الأصيل، ويسوق له من الشواهد والآراء ما يؤيد دعواه، ويقوي تجريحه. وما يكاد يفرغ من الاتهام حتى يوفق المجرح للدفاع عن نفسه، بأن يجد مصوبا يشد أزره، وآراء أخرى تؤيده، وشواهد تثبت قدمه في موقفه؛ فيكر على صاحبه هاجما، مسلحا بما كشف من آراء وشواهد. ويقاومه صاحبه بالطعن فيما عرض، وبأنه مولد أو ضعيف،... أو... ويضطر الآخر لمعاودة الرد على الرد... وبين هذا وذك تضيع الحقيقة. وإن نظرة صادقة
/ صفحه 198/
سريعة إلى ما تغص به كتب النحو القديمة كافية لتأييد ما أقول. ونظرة أخرى إلى كتاب كالذي ألفه ابن خالويه، وسماه: " ليس في كلامهم " أو الذي ألفه الحريري، وسماه: " درة الغواص"، أو ما تموج به المراجع اللغوية كالقاموس وغيره من الكتب الكثيرة التي تتصدى للتخطئة ويتصدى غيرها للرد عليها ـ قاطعة في إظهار الفوضي التي أصابت فروع اللغة بسبب ذلك الخلاف. ولو أن الأوائل ـ عفا الله عنهم ـ قطعوا فيه برأي لأراحوا، ولقضوا على تلك البلبلة وما صحبها من جهد شاق، وتعويق لا يرضاه المخلصون، ولأغلقوا باب الجدل السقيم في كل العصور، وما تبعه من إرهاق العقول وتعجيزها.
وقد تجرد المجمع اللغوي (بالقاهرة) لهذه المشكلة، وراقبها من مختلف مناحيها، وانتهى فيها إلى رأي صريح قاطع هو (1): " (أن العرب الذين يوثق بعربيتهم، ويستشهد بكلامهم ـ هم عرب الأمصار إلى نهاية القرن الثاني، وأهل البدو من جزيرة العرب إلى آخر القرن الرابع.) " محتجا بأن اللغة ظلت سليمة في البوادي والحواضر طوال المدة السالفة وما ظهر فيها من خطأ أو لحن خلال تلك المدة ـ قليل يحسن الإغضاء عنه؛ تيسيراً لاستخدام اللغة، واتفاقا على رأي هو أقرب الآراء إلى الصواب، وأكملها نفعاً.
وواضح أن رأي المجمع يختلف عن الآراء السابقة التي سجلناها، ولكنه ـ بالنسبة إلينا ـ سديد، يضع الأمور مواضعها، ويدفع عن طريق اللغة عقبات كثيرة نحس ثقلها اليوم، وستختفي آثارها قريباً أو بعيداً بالأخذ به، ولن تتنوء بها الأجيال القادمة. ومن ثم كان الواجب تأييد هذا الرأي قولا وعملا، والايمان بأنه العلاج الناجع لداء وبيل نشكو منه.
نعم لم يرض عن هذا القرار بعض المعاصرين؛ زاعمين أن من الشعرا والناثرين بعد عصور الاحتجاج التي حددها قرار المجمع من هو قويم اللسان، سليم البيان، يصلح أن يكون مرجع استشهاد. ومرد حجة لكن فات هؤلاء ا لزاعمين
ــــــــــ
(1) مجلة المجمع ج 1 ص 202 ثم ص 303، 294 وما بعدها.
/ صفحه 199/
أمر هام؛ هو أن اللسان المقوم، والبيان السليم ـ لا يكون إلا بمطابقته الكلام العربي الصحيح في عصور الاستشهاد التي رسمها المجمع؛ فمن طابقها فكلامه عربي، مثالي، لا يضيره التحديد. ومن خالفها لم يستحق أن يوصف لسانه وبيانه بالتقويم والسلامة؛ وإذا فهو غير ثقة، وغير أهل للإحتجاج به، أو الاستشهاد بلغته.
وقبل أن أنتقل إلى الكلام على مشكلة أخرى أسوق مثالا من مئات الأمثلة يزيد الموضوع بيانا وإيضاحاً، ويؤيد ما سردناه: جاء في الجزء الأول من تاج العروس شرح القاموس، ما نصه في الكلام على مادة: شتَّ " (وشتان ما بينهما) برفع النون في البين. روى أبو زيد في نوادره قول الشاعر:
شتان بينهما في كل منزلة هذا يخاف، وهذا يرتجى أبدا
فرفع البين. قال الأزهري ومن العرب من ينصب " بينهما " في مثل هذا الموضع فيقول شتان بينهما ويضمر " ما " كأنه يقول شتَّ الذي بينهما كقوله تعالى لقد تقطع بينكم، وقال حسان بن ثابت:
وشتان بينكما في الندى وفي البأس والخبر والمنظر
وقال آخر:
أخاطب جهراً إذ لهن تخافت وشتان بين الجهر والمنطق الخفت
ويقال شتان (ما هما) وشتان ما زيد وعمرو وهو ثابت في الفصيح وغيره وصرحوا بأن " ما " زائدة " وهما " فاعله في المثال الأول وفي ما زيد وعمرو " ما " زائدة وزيد فاعل شتان وعمرو عطف عليه، قالوا والشاهد عليه قول الأعشى:
شتان ما يومى على كورها ويوم حيان أخى جابر
أنشده ابن قتيبة في أدب الكاتب وأكثر شراح الفصيح قاله شيخنا. ويقال (شتان ما بينهما) أي بعد ما بينهما أثبته ثعلب في الفصيح وغيره وأنكره الأصمعي. ففي الصحاح قال الأصمعي:
لا يقال شتان ما بينهما وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب: يقال شتان ما هما ولا يقال شتان ما بينهما. وفي لسان العرب: وأبى الأصمعي شتان ما بينهما.
/ صفحه 200/
قال أبو حاتم فأنشدته قول ربيعة الرقى يمدح يزيد بن حاتم بن المهلب ويهجو يزيد بن سليم.
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله وهم الفتى القيسى جمع الدراهم
فقال ليس بفصيح يلتفت إليه. وقال في التهذيب ليس بحجة إنما هو مولد والحجة الجيدة قول الأعشى المتقدم ذكره، معناه تباعد الذي بينهما.
قال ابن برى في حواشي الصحاح: وقول الأصمعي لا أقول شتان ما بينهما، ليس بشيء؛ لأن ذلك قد جاء في أشعار الفصحاء من العرب من ذلك قول أبي الأسود الدؤلي:
فإن أعف يوما عن ذنوب وتعتدي فإن العصا كانت لغيرك تقرع
وشتان ما بيني وبينك إنني على كل حال أستقيم وتظلع
قال ومثله قول البعيث:
وشتان ما بيني وبين ابن خالد أمية في الرزق الذي يتقسم
وقال أبو بكر شتان ما عمرو وشتان أخوه وأبوه... أي بعد ما بينهما... وقد تكسر النون عن الفراء كما نقله الصاغاني... وقال أبو زيد شتان منصوب على كل حال لأنه ليس له واحد ثم إن كسر نون شتان نقله ثعلب عن شيخنا... وزعم ابن الأنباري... وجزم ابن درستويه....) فما هذا الخلاف بل هذا البلاء القاتل؟
وحسبنا هذا المثال من نظائر كثيرة وفيه الغناء عنها وعن كل تعليق.





/ صفحه 274/
... صريح الرأي في النحو العربي
داؤهُ وَدَواؤه
للأستاذ عباس حسن
أستاذ العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
ـ 6 ـ
ومشكلة القياسي والسماعي، ما صنع النحاة بها، ما اتخذوه لإنقاذها من الغموض والإبهام؟.
قالوا: إن كلام العرب نوعان؛ نوع مؤتلف متشابه بينهم في معظم قبائلهم، يجري على ألسنتهم موحداً في مفرداته، وتراكيبه، واستعمالاته، وهو الكثير؛ كضم أول المضارع الرباعي، ورفع الفاعل، وجر المضاف إليه، وصوغ فعال للمبالغة، وبناء مفعل للزمان أو المكان، وصوغ المصدر، وباقي المشتقات وغيرها. وكحاجة الفعل إلى فاعل، والمبتدأ إلى خبر، والناسخ إلى معمولين، والظرف إلى متعلق... وكاصطناع أسلوب خاص في التعجب، وآخر في المدح، أو الذم، أو التفضيل، أو الاستثناء، أو الاستغاثة، أو... أو...
ونوع آخر قليل يخالف ما سبق، ولا يأتلف معه؛ بل يخرج عليه في ناحية أو أكثر من النواحي السابقة؛ كأن يخالفه في صوغ مفرده، أو ضبط آخره، أو في تكوين تركيبه، أو في طريقة استعماله... فإذا كان النوع الأول يضم فاتحة المضارع، ويبنى مفعلا للزمان والمكان، ويصطنع نحو: " أنت أعدل الناس " للتفضيل، فإن النوع الثاني قد يخالفه فيكسر أول المضارع ويجعل " مفعلا " للآلة، ويخرج " أفعل " التفضيل عن ميدان التفضيل... و... و...
والأول عندهم هو الذي تجوز محاكاته، واتباع طرائقه باتفاق النحاة، والثاني لا تجوز في رأي الكثرة منهم. ويسمون الأول لذلك: مقيساً عليه، أو: " قياسياً " أحياناً، أو مطردا، أو شائعا، أو كثيرا... أو نحو ذلك مما يدل على الكثرة،
/ صفحه 275/
وإباحة انتهاجه. ويسمون الثاني: مسموعاً، أو قليلا، أو نادراً، أو شاذاً، أو سماعياً، أو غير قياسي، أو ما شئت من أسماء تدل على قلتهن وتحريم محاكاته، وعلى حفظ ما ورد منه؛ كما يحفظ الأثر القديم بحاله.
ثم هم يطلقون على كلامنا المستحدث الذي نحاكي به كلام العرب الأوائل: " مقيساً " أو قياسياً " كذلك؛ ومن ثم يتردد على ألسنة النحاة وفي كتبهم كلمتا: " القياسي والسماعي " يريدون بالأول هنا ما جرى على كثير ما نطقت به العرب، وساير الشائع من لغتهم، ولو لم يكن الناطق به عربياً أصيلا. ويجعلون حكمه حكم الكلام العربي الأصيل في كل ما يختص به. ويريدون بالثاني: ما ورد من كلام بعض العرب الخلص مخالفاً للكثرة في بعض النواحي، ويحكمون عليه بأنه " يحفظ ولا يقاس عليه " كما أشرنا.
فكلا النوعين: " المقيس عليه، والمسموع " كلام عربي أصيلن غير أن الأوال فاز بالشيوع والكثرة، والاشتراك بين ألسنة عربية كثيرة أصيلة، وحرم الثاني تلك الخصيصة؛ فلم يجر إلا على ألسنة أصيلة قليلة، ولم يسمح بمحاكاتها.
فالكثرة هي سبب الخلف الواسع، ومنها نشأ التباين بآثاره البعيدة بين النوعين، فما المراد بتلك الكثرة؟ وما حدودها؟ إنها الكثرة العددية لا ريب، لكن أهي الكثرة العددية بين أفراد القبيلة الواحدة دون نظر لغيرها " بأن تشيع اللغة في القبيلة فلا يخالف فيها إلا فرد غير مجرح (1)، أو أفراد كذلك قليلة " ـ أم هي الكثرة بين القبائل " بوصفها قبائل " بأن تشيع خصائص لغوية في مجموعة قبائلها أكثر من قبائل مجموعة أخرى، من غير نظر لأفراد كل قبيلة وعددها؟ أتجري الموازنة من حيث القلة والكثرة بين القبائل الست المشهورة وحدها، أم تتجاوزها إلى غيرها، ولا تقتصر على الأوليات؟.
إن غموض هذه المسألة الرئيسية: مسألة القلة والكثرة، أوقع الباحثين قديماً وحديثاً في حيرة واضطراب مؤلمين؛ يصوب هذا ما يخطئه ذاك، ويبيح ذاك
ــــــــــ
(1) لأن المجرح لا يعتد بلغته في موافقة أو مخالفة، ومن أسباب التجريح الخبل والجنون والغفلة، ومنها (ضعف الذاكرة) والشهرة بالكذب أو المرض المذهل كما سبق.
/ صفحه 276/
ما يمنعه سواه، كالذي نشهده اليوم في معاهد التعليم المتخصص، وعلى وجه الصحف، وكالذي نشهده في كتب النحو المبسوطة بين علمائه القدامي (1).
فأما مخالفة قبيلة لقبيلة أو أكثر " وهو أمر طبيعي يقتضيه تدرج اللغة وتطورها " فليس فيه ما يعيب، ولا ما يمنع من الأخذ به واتباعه، إذ كيف يقع الخلاف في شأنه مع ما يسجله الأئمة من أن: " كل ما كان لغة قبيلة يقاس عليه " (2) " والناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ " (3).
وأما مخالفة فرد عدل أو أفراد قليلة للكثيرة الغالبة في القبيلة فليس فيه أيضاً ما يعيب، وليس لنا أن نحكم عليه بالخطأ؛ ذلك لأن العربي الخالص لا يخطئ ـ كما سبق توضحيه ـ ولكن الذي يقال في مثل هذا: إنه رب اللغة، ومالكها؛ فله أن يخلق من ألفاظها ما يشاء من غير نكير عليه، وأن يتصرف في مفرداتها، وتراكيبها، وضبط حروفها التصرف الذي يجري بالفطرة، وعلى مقتضى طبعه، " ,إذا قويت فصاحته وسَمَت لغته تصرف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به. وقد حكى عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظاً لم يسمعاها، ولا سبقا اليها " (4) وبغير هذا الخلق والارتجال لا تنمو اللغة ولا تتطور، وبغيره لا يتصور العقل أن
ــــــــــ
(1) وإليك مثلا من عشرات الأمثلة أسوقه استشهاداً وأكتفي به عن نظائره الكثيرة: قال الأشموني في باب كم وكأي: إنهما يلزمان الصدر فلا يعمل فيهما ما قبلهما... الخ.
ثم قال الصبان تعليقاً على ذلك ما نصه: " قال المرادي: وحكى الأخفش أن بعض العرب يقدم العامل على كم الخبرية، فقيل لا يقاس عليه،والصحيح جواز القياس عليه لأنها لغة، ا هـ. وعليها بني الفراء إعرابه " كم " فاعلا في قوله تعالى: " أو لم يهد لهمكم أهلكنا... " والوجه أن الفاعل مصدر... وتخريج الآية على هذه اللغة مع أنها رديئة كما في المغني غير متجه. اهـ " فكيف يكون الصحيح جواز القياس على تلك اللغة مع الحكم عليها بأنها رديئة؟ كيف نوفق بين الأمرين.
(2) المزهر ج 1 ص 153.
(3) الخصائص ج 1 ص 410 وما بعدها.
(4) الخصائص ج 1 ص 424.
/ صفحه 277/
تتجاوز كلماتها العشرات إلى المئات والآلاف، فمن أين تجئ الزيادة إن لم يخلقها العربي الثبت؟ وهل لها معين غير هذا المعين؟ اللهم إلا إذا قلنا " بالتوقيف " وهو رأي لا يكاد يؤمن به اليوم أحد، ومن يدري فقد تكون الألفاظ المرتجلة في زعمنا ليست في الحق والواقع جديدة، وإنما هي بعض تراث لغوي زال أكثره، وبقي أقله لدى فريق من الناس " فحفظوا قّلَّ ذلك أو غاب عنهم أكثره، كما يقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه … وكما يقول أبو عمرو بن العلاء: " ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير " (1)، ويقول القاضي الجرجاني: " إذا سمعنا عن العربي الفصيح الذي يعتد حجة، كلمة اتبعناه فيها، وإن لم تبلغنا من غيره، ولم نسمع بها إلا في كلامه " (2).
فاذا كان الأمر ما وصفناه ونقلناه عن الأعلام فكيف تتحقق القلة والكثرة، وتتحقق تبعاً لهما إباحة القياس والمحاكاة حينا أو تحريمهما؟ كيف يقع الاطراد والشذوذ؟ لم أجد لشئ من ذلك رداً مقنعاً، ولا جواباً شافياً. ولطالما قرأت في مطولات النحو تعليقاً على شاهد مخالف للقاعدة: " إنه لغة " أو " إنه لغية " أو " إنه شاذ " فلم أفهم الفرق النحوي الدقيق بين هذه الأوصاف، ولا أثر كل منها؛ وكثيراً ما قرأت لسيبويه أمثال قوله: سمعت أعرابياً يقول: " مررت برجل سواء والعدم ". سمعت أعرابياً يقول: " إنك ومحمد ذاهبان ". وأعرابياً يقول: "عليه أربعة بيضاً " وآخر... وآخر... ممن نقل عنهم أمثلة تخالف ما شاع في جمهرة العرب، وعلى ألسنة الكثرة، أفتحرى سيبةيه أمر الأعرابي فعرف شأن لغته هذه؟ أخاصة هي به أم مشتركة بينه وبين قومه أو سواهم؟ فإن انفراد بها العربي فهل نتابعه فيها ولا يتحقق الشاذ؟ وإن لم تصح متابعته فلم سجلها إمام النحاة ونقلها إلينا؟ وهبنا تابعنا من يقول بالقياس على الكثير الوارد دون الليل المسموع، والأخذ بالمطرد دون الشاذ، سواء أكان ذلك بالنسبة لأفراد القبيلة بعضهم إلى بعض أم كان موازنة
ــــــــــ
(1) الخصائص ج 1 ص 391.
(2) كتاب الوساطة ص 345، طبعة صيدا.
/ صفحه 278/
القبيلة بغيرها، فما عدد الكثير الوارد والقليل المسموع؟ لا جواب عن ذلك؟ ولم أصادف فيما وقع لدى من مراجع بياناً شافياً لهذا عند نحاة البصرة أو غيرهم، سوى الكوفيين. وقد يكون من المفارقات النحوية العجيبة ان نسمع من يقول إن الكثير الوارد لا يصلح للقياس عليه. فهذا صاحب الأشموني يشرح بيت ابن مالك في الحال:
ومصدر منكر حالا يقع بكثرة؛ كبغتة زيد طلع
فيردف الشرح بتنبيه ينص فيه على ما يأتي: " مع كون المصدر المنكر يقع حالا بكثرة، هو عندهم مقصور على السماع " ويختم باب أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة بها بقوله: " خاتمة، قال الشارح: مجئ فعيل بمعنى مفعول كثير في لسان العرب، وعلى كثرته لم يقس عليه بإجماع " ويقول مثل ذلك في باب النعت عند الكلام على النعت بالمصدر... وغير هذا كثير في الأشموني، وسواه من المراجع والمطولات، وفي الأبواب المختلفة. فأي اضطراب وتناقض كهذا؟ وما عسى أن تكون الحقيقة في أمر الكثرة والقلة المتحكمتين في اللغة والنحو؟.
أما الكوفيون فقد أجازوا القياس على المثال الواحد المسموع " وهم يعتبرون اللفظ الشاذ فيقفون عليه، ويبنون على الشعر الكلام من غير نظر إلى مقاصد العرب ولا اعتبار بما كثر أو قل " (1). وكذلك الإمام أبو زيد الأنصاري شيخ سيبويه ورائده يجعل الفصيح والشاذ سواء (2).
وفي هذه الآراء ما قد يوضح المراد من الشاذ توضيحاً يتجه به إلى أنه ما صدر من فرد أو أفراد قليلة مخالفاً لما شاع في قبيلتهم ولو كان المخالف مثالا واحداً.
أما جمهور البصريين ومن دار في فلكهم، فقد تركوا الأمر مبهما خلوا من التحديد، وإن كان المستقصى لآرائهم يتبين تشددهم في العدد المسموع الذي يصح القياس
ــــــــــ
(1) المواهب ج 1 ص 43 (رأي أبي إسحاق الشاطبي).
(2) كتاب القياس في اللغة ص 41.
/ صفحه 279 /
عيه، فهم لا يرضون بالمثال ولا بالمثالين ولا الثلاثة ولا الأربعة ولا الخمسة ولا الستة، يدلك على ذلك ما ورد في كتاب " الهمع " في باب إن وأخواتها حيث يقول:
" وسمع من العرب نصب الجزأين بعدها فقيل مؤول وعليه الجمهور ـ أي جمهور النحاة من البصريين ـ وقيل سائغ في الجميع وأنه لغة وعليه أبو عبيد القاسم بن سلام وابن الطراوة ابن السيد، وقيل خاص بليت، وعليه الفراء. ومن الوارد في ذلك قوله:
1 ـ إن حراسنا أسدا 2 ـ إن العجوز جروزاً 3 ـ ألا ليتني حجراً بواد 4 ـ يا ليت أيام الصبا رواجعا 5 ـ لعل زيداً أخانا
6 ـ كأن أذنيه إذا تشوّفا قادمة أو قلماً محرّفا
فهذه أمثلة ستة لم تكف عند البصريين للقياس عليها لقلة عددها في تقديرهم، بل إنهم لا يرضون بالعشرة أو بما جاوزها قليلا كالذي منعوه من قياسية جمع: " مفعول " على " مفاعيل " وصوغ " فعلية " على " فعلى " في النسب. وكثير من المصادر والجموع والمشتقات بحجة أن المسموع قليل لا ينهض مسوغاً للقياس، مع أن الوارد من كل عشرة ـ غير ما كشف في أيامنا هذه ـ بل يقارب العشرين (1) في بعضها أو يتجاوزها في بعض آخر تجاوزاً ما.
ــــــــــ
(1) وقد رأيت في كتاب إرشاد الأريب لمعرفة الأديب لياقوت الرومي طبعة مرجليوث قصة تدل على أن ورود ثلاثين مثالا قد يعتبر كثرة عند بعض المتقدمين فقد روى ما نصه: " حدث أبو حيان التوحيدي قال: قال الصاحب بن عباد يوما: " فعل وأفعال " قليل وزعم النحويون أنه ما جاء منه إلا زند وأزناد، وفرخ وأفراخ، وفرد وافراد، فقلت له أنا أحفظ ثلاثين حرفا كلها فعل وأفعال، فقال: هات يا مدعى فسردت الحروف ودللت على مواضعها من الكتب، ثم قلت ليس للنحوي أن يلزم مثل هذا الحكم إلا بعد التبحر والسماع الواسع وليس للتقليد وجه إذا كانت الراية شائعة والقياس مطرداً. وهذا كقولهم: " فعيل " على عشرة أوجه، وقد وجدته أنا يزيد على أكثر من عشرين وجها وما انتهيت في التتبع إلى أقصاه. فقال خروجك من دعواك في " فعل " يدلنا على قيامك في فعيل " ا هـ.
/ صفحه 280/
وهذا تضييق وأعنات لا سند له ولا رضا عنه من تفكير سديد، ولا من جمهرة الأعلام.
على أنى رأيت ابن جني في خصائصه يعقد فصلا للمطرد والشاذ يزعم فيه أنه حل العقدة، وينقله عنه بعض كبار النحاة (1) في معرض الإقناع والاقتناع، وسأنقل منه ما يتصل بموضوعنا لنرى مبلغ التوفيق في محاولته. قال في باب الكلام على الاطراد والشذوذ (2):
... " إن الكلام على الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب:
مطرد في القياس والاستعمال جميعاً وهذا هو الغاية المطلوبة، والمثابة المثوبة، وذلك نحو قام زيد، وضربت عمرا، ومررت بسعيد.
ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، وذلك نحو الماضي من يذر ويدع. وكذلك قولهم: مكان مُبْقل، هذا هو القياس، والأكثر في السماع باقل، والأول مسموع أيضا. قال أبو داؤد لابنه دؤاد: يا بني ما أعاشك بعدي؟ فقال دؤاد:
أعاشني بعدك وادٍ مُبْقِلٌ آكلُ من حَوْزانه وأنْسل
وقد حكى أبو زيد في كتاب " حيلة ومحالة " مكان مُبْقل: ومما يقوى في القياس ويضعف في الاستعمال وقوع مفعول عسى " أي: خبرها " أسماً صريحاً؛ نحو قولك: عسى زيد قائما، أو قياما. هذا هو القياس غير أن السماع ورد بِحَظْرِه والاقتصار على ترك استعمال الاسم ههنا. وذلك قولهم: عسى أن يقوم، عسى الله أن يأتي بالفتح. وقد جاء عنهم شئ من الأول. أنشدنا أبو علي:
أكثرتَ في العذْل مُلِحٍّا دائما لا تعذلن إني عسيتُ صائماً
ومنه المثل السائر: عسى الغوير أبؤسا.
والثالث: المطرد في الاستعمال، الشاذ في القياس، نحو قولهم: أخوص الرِّمْث (3)،
ــــــــــ
(1) كالسيوطي في مزهره ج 1 ص 136.
(2) الخصائص ج 1 ص 99.
(3) الرمث: نبت حامض تزعاه الإبل. واخوص الرمث: صار كالخوص.
/ صفحه 281/
واستصوبت الشئ، ولا يقال: استصبت الشئ، ومنه: استحوذ، وأغْيَلت (1) المرأة، واستنوق الجمل، واستَتْيَسَت الشاة، وقول زهير:
" هناك إن يستخولوا المال يخولوا "
ومنه استغيل الجمل، قال أبو النجم:
يدر عيني مصعب مستغيل
والرابع: الشاذ في القياس والاستعمال جميعا؛ وهو كتتميم مفعول فيما عينه واو، نحو ثوب مصوون، ومسك مدووف، وحكى البغداديون: فرس مقوود، ورجل معوود من مرضه. وكل ذلك شاذ في القياس والاستعمال، فلا يجوز القياس عليه، ولا رد غيره إليه.
وأعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس فلابد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره. ألا ترى أنك إذا سمعت استحوذ واستصوب أديتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما؛ ألا تراك لا تقول في استقام استقوم، ولا في استساغ استسوغ، ولا في استباع استبيع، ولا في أعاد أعْود، لو لم تسمع شيئاً من ذلك ـ قياساً على قولهم: أخوص الرمث.
فإن كان الشئ شاذا في السماع مطرداً في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله؛ من ذلك امتناعك من وذر، ووَدَع: لأنهم لم يقولوهما. ولا غرو أن تستعمل نظيرهما نحو وزن، ووعد، لو لم تسمعها. فأما قول أبي الاسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه
فشاذ، وكذلك قراءة بعضهم: ما وَدَعك ربك وما قَلى.
.... ومن ذلك استعمالك " أن " بعد كاد، نحو كاد زيد أن يقوم، فهو قليل شاذ في الاستعمال، وإن لم يكن قبيحاً، ولا مأبيّاً، في القياس ".
ــــــــــ
(1) سقت ولدها الغيل: " لبنها حين الحمل... ".
/ صفحه 282/
هذا رأي ابن جني ونظرائه ومن ارتضاه من نقلة النحاة. وواضح أن أساس الاطراد عنده أحد أمرين أو كلاهما:
أ ـ موافقة اللفظ في صياغته وحركاته لأشباهه الكثيرة العربية ولو لم يكثر استعماله.
ب ـ شيوع استعماله بين العرب وكثرة تداوله، ولو لم يوافق أشباهه العربية. فإذا اجتمع الأمران في لفظ فقد بلغ غاية القوة فيجوز استعماله كما يجوز القياس عليه ومحاكاته من غير نكير، وإذا وجد أحدهما دون الآخر فالمقدم هو الاستعمال والشيوع دون اعتبار لموافقته الأشباه (فيجب الاقتصار عليه نفسه وعدم مجاوزته إلى غيره مما لم يرد به سماع وإذاً يكون القياس عليه وتطبيق حالته على سواه محظور) ومن ثَمَّ كان للشذوذ ثلاث صور يقتصر في كل منها على اللفظ المسموع نفسه بحالته الواردة من غير تغيير فيه ولا توسع. وهي:
1 ـ شيوع استعماله من غير مطابقته لأشباهه. 2 ـ عدم شيوع الاستعمال مع مطابقته لأشباهه. 3 ـ عدم الشيوع وعدم المطابقة، وهذا غاية الضعف.
فأنواع اللفظ عند ابن جني أربعة:
1 ـ مطرد في الاستعمال موافق للأشباه (أي مطرد في القياس أيضاً) مثل قام محمد، كتب علي... قياساً على أمثالهما من الكلام العربي وهذا أقوى الأنواع. وحكمه: جواز استعماله بصيغته الواردة عينها والقياس عليها.
2 ـ مطرد في الاستعمال مخالف لأشباه (أي غير مطرد في القياس) مثل: استحوذ عليه الشيطان واستصوب عليٌّ الأمرَ. وحكمه أنه شاذ تستعمل صيغته كما وردت، ولا يجوز القياس عليها.
3 ـ مطرد في الموافقة للأشباه، لكنه غير شائع الاستعمال؛ مثل مكان باقل (أي: مبقل) وحكمه أنه كسابقه يحفظ ولا يقاس عليه.
4 ـ غير مطرد في الموافقة وفي الاستعمال؛ مثل ثوب مصوون. وحكمه: كالنوعين السابقين؛ يحفظ، ولا يقاس عليه. ولكنه أضعف الصور جميعاً.
/ صفحه 283/
وإني ألحظ في هذا الرأي غموضاً وتناقضاً.
أ ـ فأما النصوص فمرده إلى اعتماده في الاطراد، والقياس، على الشيوع والكثرة، من غير أن يبين مداهما، ولا حدودهما؛ فصاد فتنا وجها لوجه تلك المشكلة المعقدة التي أشرنا إليها طويلا فيما سبق. ولقد سرد أمثلة ستة للمطرد في الاستعمال، الشاذ في القياس هي: (أخوص. استصوب، استحوذ، أغيل، استنوق، استتيس) وقطع بعدم القياس عليها ومعنى ذلك: أن ورود ست نظائز لا يكفى للمحاكاة، وأنها قلة لا تبيح القياس. فما الكثرة التي تبيحه إذاً؟ على أنه حين سرد الستة ترك كثيراً غيرها من الألفاظ الخارجة على القياس. فمما تركه: أرْوحَ اللحمُ، وأحْوزَ الإبلُ، وأعْور الفارسُ، وأحْوش عليه الصيدُ، وأعْوَض بالخصم، وأفْوَق بالسهم، وأشْوكَت النخلة، وأحْولَ الغلامُ، وأطْوَلتُ (أطلت) وأعْولَ الرجلُ، وأقْوَلتنْي مالم أقل، وأغيمت السماءُ، وأنْوكتُ الرجلَ، وأعْوَه القوم (اصابت ماشيتهم عاهة)، وأحوجني الأمر... هذا بعض ما تركه. وإذا ضم إلى سابقه بلغ العدد واحداً وعشرين وهو جزء سيق للتمثيل، لا للحصر، وله أشباه كثيرة، متفرقة في بطون المعاجم اللغوية لم أتصد لجمعها، اكتفاءبما سبق في موضوعنا. ترى أمثل ذلك لا يعرفه ابن جنى وهو اللغوي العليم، أم أنه خبير به؟ وإذا كان خبيراً به ايقول بأن هذا القدر لا يكفي لينسج على منواله، ويقاس عليه، أم يكفى؟
وكذلك لم يبين لنا ابن جني رأيه في المطرد قياساً، الشاذ استعمالا (كماضي يذر ويدع، وباقل اسم الفاعل من أبقل) أيجوز لنا أن نستعمله على الأصل الذي يسير عليه أشباهه ونجري فيه القياس العام ولو لم تفعل العرب ذلك فيه أو لا يجوز؟ وإني لا أعرف أن العرب قد نطقت بكل ما الفعلين الماضيين وبكلمة " مبقل " فما الحكم لو لم تنطق؟ وبعبارة أجلي أيجوز لنا أن نصوغ ماضيا لكلمتي يذر ويدع كماضي نظائرهما فنقول وذر، ودع، وأن نجئ باسم الفاعل من أبقل على وزان مبقل، ولو لم نسمع عن العرب الخُلِّص ماضياً للفعلين السالفين،
/ صفحه 284/
ولا اسم فاعل للفعل أبقل على مفعل لا على فاعل؟ إن جاز ذلك كان القياس عينه. وإن لم يجز أشكل الأمر بسبب منبع كلمة أن تصاغ على وزان نظائرها الكثيرة (1).
وشيء آخر هو أن بعض القراء قرأ: " ما ودعك ربك " أفيكون هذا شذوذاً في الاستعمال مع قراءة القرآن به؟ وهل نقبل ما يقال إن القرآن قد يأتي بالشاذ استعمالا لكنه مطرد قياساً؟ إذ كيف يتفق القول ان يكون القرآن أسمى لغة عربية بيانية مع اشتماله على الشاذ استعمالا؟ فأين غير الشاذ في الاستعمال إذاًَ؟.
ب ـ وأما التناقض فحيث يقول فيما سبق: إن الشاذ في القياس والاستعمال معا لا يجوز القياس عليه، ولا رد غيره إليه. ويضرب لذلك مثالا بتتميم مفعول فيما عينه واو نحو ثوب مصوون، ومسك مدووف … مع أن هذا التتميم لغة تميم (2)؛ تجعله في الواوي العين وفي اليائي كذلك فهي تقول رجل مديون كما تقول
ــــــــــ
(1) بحث المجمع اللغوي أخيراً، وأقر تكملة مادة ورد عن العرب بعض صيغها وأصولها. وبمناسبة هذا القرار اللغوي المجمعي أتقل هنا ما جاء في الجزء الأول من الخصائص ص 362 باب: " أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب " ما نصه:
" حكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي، أظنه قال: يقال: درهمت الخبازي، أي صارت كالدرهم. فاشتق من الدرهم، وهو اسم أعجمي. وحكى أبو زيد: رجل مدرهم، قالوا: ولم يقولوا منه درهم، إلا انه إذا جاء اسم المفعول فالفعل نفسه حاصل في الكف. ولهذا أشباه... " ثم قال في ص 367 بعد ذلك من الفصل نفسه كلاما نفيسا منه: " ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع فإذا حذا إنسان على مثلهم، وأم مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعا، ولا أن يرويه رواية... " وله فصل آخر عنوانه: " فصل في اللغة المأخوذة قياسا " ص 439 ج 1 يؤيد ما سبق. وكذلك جاء في الجزء نفسه ص 127 في باب تعارض السماع والقياس ما نصه الحرفي:
" إذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شك في الفعل الذي هو الفرع قال لي أبو علي بالشام: إذا صحت الصفة فالفعل في الكف، وإذا كان هذا حكم الصفة كان في المصدر أجدر، لأن المصدر أشد ملابسة للفعل من الصفة، ألا ترى أن في الصفة نحو مررت بإبل مائة، وبرجل أبي عشرة أهلة... ".
(2) راجع تارج العروس مادة: دان، صان.
/ صفحه 285/
ثوب مصوون... وقد قرر ابن جني (1) وغيره (أن الناطق على قياس لغة من اللغات مصيب غير مخطئ).
* * *
كيفما دار الأمر في القياسي والسماعي فالأخذ فيه برأي القدامى مرهق معوق بل مضلل يقف سدا بين اللغة والانتفاع بها على خير الوجوه وعلى حسب مقتضيات الأزمان. والرأي السديد ـ فيما أقدر ـ هو أن نجيل الفكر في الأنواع الأربعة التي عرضها ابن جني فنرى نوعين منها ليسا موضع اختلاف وإنما هما موضع الاتفاق التام بينه وبيننا وأعنى بهما النوع المطرد في القياس والاستعمال والنوع المخالف للقياس والاستعمال؛ حيث يجوز محاكاة الأول واستعماله، وتمتنع محاكاة الثاني، واستعماله كذلك. بقي النوعان الآخران، وفيهما يقع الخلف بيننا وبينه، وفي تهذيبهما وحسن التصرف فيهما توسعة وتجديدٌ وتيسير يفيد اللغة وطلابها، ولا يجر في أذياله ضرراً ولا إساءة:
أ ـ فأما النوع المطرد قياساً لا استعمالا فنذهب فيه مذهب أشباهه ونرده إليها سواء أكان العرب قد سبقونا للرد أم لم يسبقوا فنقول: أبقلت الأرض فهي مبقل ومبقلة. ونقول ودعت اللص للشرطي ووذرته بمعنى تركته، لا نسأل أقال العرب ذلك ام يقولوا ما دام النمط العربي يقضي بأن اسم الفاعل من غير الثلاثي على وزن المضارع مع إبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر الآخر ونزيد آخره التاء للتأنيث ما دامت هذه التاء تزاد آخر المشتقات إلا ما استثنى منها، وليس من المستثنيات " مبقل " وأشباهها، ونأتي بالماضي للفعلين يدع ويذر جريا على نظائرها في النط العربي أيضاً، وبهذا نستريح راحة مزدوجة:
1 ـ إذ لا نكلف أنفسنا عناء الأقاويل، والآراء الكثيرة ا لتي يؤيد بعضها وجود تلك الأشياء الناقصة قبلاً، ويمنعها بعض آخر، ويحكم عليها ثالث بأنها ماتت ثم يبرز الخلاف مرة أخرى حول اللفظ الميت: أيجوز استعماله أم لا يجوز؟ أكان لغة فرد أم لغة قبيلة؟ … ‍! …! …؟
ــــــــــ
(1) الخصائص ج 1 ص 10؛ وما بعدها.
/ صفحه 286/
2 ـ ونستريح من مساءلة المراجع اللغوية عن اللفظ الشائع قياساً لا استعمالا أهو مما نطق به العرب فنقتصر فيه على نطقهم فنحتمل في سبيل البحث والمراجعة عناء كبيراً من غير حاجة ماسة. فمثل " مبقل " ومثل وذر وودع لم نعدل عنهما إلا بعد تعليم وتلقين طويلين، أو بعد رجوع شاق إلى المصادر الوثيقة؛ وكل هذا جهد ضائع في وقت أفقر الناس فيه إلى إنفاقه في الانتفاع باللغة واستخدامها على خير الوجوه. على انه لا مانع في هذا النوع الذي نحن بصدده من استعمال اللفظ المسموع ذاته كما ننتفع بالمقيس؛ فتزداد الفرجة، ويتسع المجال أمام المتكلم والقارئ من غيره أن يكلفهما هذا مشقة جديدة وذلك بشرط أن يكون المسموع المخالف للقياس لفظاً كاملا فلا تكون المخالفة واقعة على حركات الحروف وضبطها من الوجهة الإعرابية أو على حذف حرف أو زيادته في الإعراب فإن هذه المخالفة واهية ولكن الأخذ بها ضار يبعث على الفوضي والاضطراب في بناء هيكل الكلمة وفي ضبط حروفها وهذا مصدر بلاء عظيم في التعبير يجب الفرار منه فإذا راينا جمع مؤنث منصوباً بالفتحة، أو اسما من الأسماء الخمسة مرفوعا بالألف، أو خبراً لإن منصوباً، لم نتردد في نبذه وعدم التفكير في محاكاته كي لا نفتح باب البلبلة الذي نسعى لسده... وكذلك أمثال هذا؛ فحقه ألا نعبأ به وألاَّ نلتفت إليه...
ب ـ وأما النوع المطرد في الاستعمال دون القياس فلا مانع من اتخاذه مقيساً ترد إليه نظائره، ويقاس عليه غيره مما لم ينطق به العرب. ولا مانع كذلك من الرجوع إلى المقيس الأصلي. فإذا اردنا ان نصوغ استفعل من باع فلنا أن نقول: استباع (تطبيقاً للمقيس عليه الأصلي) ولنا أن نقول استبيع كاستحوذ، واستصوب كما يجري على ألسنة الناس بفطرتهم تطبيقاً على المطرد في الاستعمال دون القياس ومثل هذا استفعل من دان فنقول. استدان أو استدين... وهكذا... وبديه أننا لا نبيح تحويل الأمثلة العربية القياسية إلى النوع الشائع استعمالا لا قياسا فلا يسوغ ان نقول في استحوذ: استحاذ، ولا في استصوب: استصاب... ولعل فيما قدمنا مقنع وكفاية.





/ صفحه 379/
... صريح الرأي في النحو العربي
داؤهُ ودَواؤه
للأستاذ عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
ـ 7 ـ
... ومشكلة أخرى واضحة الأثر في تعقيد النحو، وإفساد الأساليب البيانية الناصعة؛ فلم يكن خطرها مقصوراً على المسائل النحوية البحتة؛ بل تجاوزها إلى التحكم الضار في فنون القول الأدبي الرائع. وأعني بها مشكلة: " العامل " فقد استقر في رأي العلماء النحاة أن الحركات الإعرابية وما يتصل بها إنما هي أثر لمؤثر أوْجدَهَا، ولا يتصور العقل وجودها بغيره. متأثرين في هذا بما تقرر في العقائد، الدينية، ومجادلات علم الكلام؛ من أن لكل حادث محدثا، ولكل موجود موجداً. ولا يصح في الذهن مخلوق بغير خالق، ولا مصنوع بغير صانع، كما لا يصح أن يكون للأثر الواحد مؤثرين معاً في وقت واحد، ولا للمعمول الواحد عاملين كذلك. قاعدة مطردة. وحكم عقلي لا استثناء فيه. وما دام الأمر كذلك فرفع آخر الكلمة حيناً أو نصبها أو جرها أو جزمها... وانتقالها من الرفع إلى النصب أو غيره... كل أولئك حوادث لابد لها من محدث، ولا يوجد واحد منها بغير موجدٍ؛ إذا يستحيل أن يستقل المخلقو بخلق نفسه؛ كما يستحيل أن يقوم المعدوم بإيجاد نفسه، ومنحها الحياة وهو فاقدها فقداناً أصيلا. وإذاً ما الذي أوجد الرعف والنصب وغيرهما... في الكلمات؟ لابد م موجد قياساً على ما مضى.
ولا خلاف عندهم ولا عند غيرهم في ذلك، إنما الخلاف في كنه ذلك الموجد، وحقيقة ذلك العامل الذي يعمل الرفع أو النصب أو الجر أو الجزم... ويصنع ذلك؛ أهو المتكلم الذي يتصرف في الكلمات كما يهوى، أم هو صانع آخر ظاهر
/ صفحه 380/
أو غير ظاهر يجلب الحركات المختلفة باختلاف التعبيرات ووجوه الكلام؟ فإذا قلنا: الشمس نافعةٌ، كانت الشمس نافعةً، إن الشمس نافعةٌ، يتمتع الناس بالشمس النافعة... فما الموجد الذي أوجد الضمة أو الفتحة أو الكسرة في الكلمات السابقة فجعل أواخرها مرفوعة حينا، منصوبة أو مجرورة حيناً آخر، وقد ينقل إحداها من الرفع أو من النصف أو من الجر إلى غير؟ ما الذي فعل هذا وان له القدرة على إيجاده وخلقه؟ وإن شئت فقل: ما العامل الذي عمل هذا وانفرد به؟ انه المتكلم في رأى القلة النحوية المغلوبة (كابن مضاء الأندلسي) وإنه العامل اللفظي أو غير اللفظي في رأي الكثرة العالبة من النحاة؛ فرفع الكلمات السابقة أو جرها أو نصبها ليس إلا أثراً للمتكلم وحده؛ هو الذي عمله، واجتلبه، وأبقاه، أو غيره عند أصحاب الرأي الأول، وهو عند أصحاب الرأي الثاني أثر للعامل اللفظي إن وجد، (مثل: " كان " فإنها رفعت الشمس ونصبت نافعة، ومثل: " إنّ " فإنها نصبت الشمس ورفعت نافة، ومثل: " الباء " فإنها جرت الشمس ـ كل ذلك في الأمثلة السالفة) وإن لم يوجد العامل اللفظي ظاهراً بين الألفاظ، فليس معنى ذلك أنه غير موجود ألبتة، بل قد يكون مستترا (كأن ا لمضمرة وجوبا) وقد يكون محذوفا (كعامل الإغراء والتحذير) سواء أكان الحذف وجوبا أم جوازا. فإن لم يوجد العامل اللفظي مطلقا فليس معنى ذلك أنه لا وجود للعامل ـ لاستحالة وجود أثر بغير مؤثر كما قلنا ـ وإنما معناه أنه معنوي لا يمت في كيانه بصلة إلى الكلمات والألفاظ، ولا يتكون من شئ منها. ومن ثم لا مادة محسة له، ولا ينطق به ولا يظهر أو يقدر في الكلام، كرفع كلمة الشمس (وهي مبتدأ) بالابتداء، وكرفع " يتمتع " (وهي فعل مضارع) بالتجرد من الناصب والجازم... فالابتداء أو التجرد علامة معنوية ـ وإن شئت فقل: خيالية. لا وجود لها إلا في الذهن، ولا حقيقة لها في الخارج كما يقول علماء الوضع، وهي مع ذلك تؤثر في الكلام رفعاً أو نصباً، وتجتلب الحركة التي تريدها!! ومن كل ما سبق نشأ: العامل اللفظي، والمعنوي، والعامل المذكور، والمقدر، والمحذوف، والعامل القوي أو الأصيل؛ كالفعل عامة (وأفعال
/ صفحه 381 /
النواسخ منه) والعامل الضعيف؛ كحروف النسخ الملحقة بكان (مثل ما، وإنْ،...) والذي يكون قويا حينا وضعيفا حينا آخر على حسب المناسبات والملابسات، كأن الناصبة مظهرة ومضمرة بغير أن تسبقها اللام ثم بعد أن تسبقها اللام، والعامل الذي يصلح ان يكون مفسراً والعامل الذي لا يصلح... ولكل أحكامه وآثاره وخصائصه التي تتفاوت بحسب قوته وضعفه، وحذفه وذكره، ونوعه (ألفظي هو أم معنوي؟)... فليست المسألة اذاً مقصورة على حركة يجلبها العامل معه، أو يستدبل بها غيرها، وإنما تمتد إلى أثره في تكوين الكلمة، وتركيب الجملة، وبلاغة الأسلوب، فيباح لعامل مالا يباح لغيره، ويمنح واحدٌ ما يحرم على سواه؛ من حذف أو ذكر، وتقديم بعض الكلمات عليه، وتأخير بعض آخر، وإيجاب ذلك، أو جوازه، وتأويل ما يخالف ذلك ولو جاء في القرآن الكريم، والحديث الصحيح، وتأويله أو الحكم عليه بالشذوذ أو الضعف أو عدم القياس عليه ان جاء في كلام آخر عربي فصيح... و... و... إلى غير ذلك من ألوان التحكم المفسد، والتقييد الضار، لا لشئ إلا للخضوع للعامل الذي صنعناه بأيدينا، ونسينا أننا خلقناه؛ فقدسناه، وأحَطْناه بهالة من الجلال والإكبار أنْستْنا أصله والغرض منه.
لا يعنينا من العامل أن يكون هو المتكلم أو هو المعنوي أو هو اللفظ ظاهراً أو مقدراً أو محذوفا؛ فذلك أمر سطحي شكلي بحت، وربما اقتضانا الانصاف وحب التيسير ان نميل إلى جانب العامل المعنوي واللفظي، وننصرف عن العامل " بمعنى المتكلم "؛ ذلك أن العامل اللفظي والمعنوي يسهل على المستعرب ومتعلم اللغة، والناشئ فيها ـ أن يرى العامل إن كان حسياً، ويدركه إن كان معنويا؛ فيضبط كلماته وألفاظه وفاق ما يحس ويدرك في سهولة وخفة. يرى الفعل أمامه فيعلم أنه يتطلب فاعلا مرفوعا، وقد يتطلب مفعولا أو أكثر، ويرى الاسم بعد الفعل فيضبطه مرفعوعا أو منصوباً بحجة أنه فاعل أو مفعول... أو... أو... ويرى حرف الجر والمضاف فيعرف أن كلا يحتاج إلى مجرور فيجر الاسم بعدهما، ويرى المبتدأ أو المضارع فيبادر إلى رفعهما... وهكذا. فوجود العامل يسهل على المتكلم
/ صفحه 382/
والكاتب الاهتداء إلى الحركة المطلوبة والضبط الصحيح فيما يقع بعدهما، وكأنَّ هذا العامل أمارةٌ قاطعة على المطلوب، ورائد لا يُضَلِّلُ. أما العالم " المتكلم " فلن يعرف ضبط أواخر الكلمات، وما يتصل بها، وما ينشأ عن تصرفها إلا إذا كان عربياً أصيلا؛ ينطق اللغة العربية بفطرته، وتجري على لسانه طائعة بغير أمارات مرشدة، ولا علامات يستوحيها الضبط، ويستبينها ما يتطلبه المقام من حركة دون حركة، ومن ضبط دون آخر، فالأخذ برأي الجمهرة في أمر " العامل " إنما هو أخذ بالأيسر؛ عملا، وتطبيقاً، وإفادة، بالرغم من أنه ليس هو الحق في الواقع المقطوع به؛ ذلك أن الواقع اليقيني يقطع بأن الذي يجلب الحركات ويغيرها ويداور بينها إنما هو: المتكلم؛ ما في ذلك شك. ولكن لا بأس أن ننسى أونتناسى هذا الواقع ما دامت الفائدة محققة في النيسان أو التناسي، والضرر لا أثر له. إنما الضرر كل الضرر أن نسبغ على هذا العامل المصنوع ألواناً من القوة، وصنوفا من المزايا تجعله يتحكم ـ بغير حق ـ في المتكلم، ويفسد عليه تفكيره، ويعقوه في الأداء، ويتناول كلامه الصحيح الفصيح بالتشويه والتجريح، ويفرض عليه طرقا خاصة في التعبير تستمد سلطانها مما أسبغة النحاة على ذلك العامل، لا مما جرى على ألسنة الفصحاء من العرب الخلص، أو مما جاء به التنزيل الحكيم (1)... وإليك من الأمثلة العجيب الذي يغني في الإبانة عن الإطالة.
أ ـ إذا قلت: محمد ـ هاجماً ـ أسد. كان المثال خطأ عند جمهرة النحاة، على الرغم من شيوع كل هذا التركيب، وشدة الحاجة البيانية إليه في الأساليب المختلفة. إذ يترتب على صحته وقوع الحال من المبتدأ، وهذه الجمهرة لا ترضى أن يكون صاحب الحال مبتدأ. لماذا؟ لأن العامل في الحال عندهم يجب أن يكون هو العامل
ــــــــــ
(1) من الغريب ان يقول النحاة ـ كما أشرنا في مكان آخر ـ إن القرآن قد يخرج على غير الغالب كما في قراءة التنوين في قوله تعالى: " ثلاثمائة سنين " وقوله تعالى: " وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا " راجع الصبان باب العدد عند شرح قول ابن مالك:
(وميزوا مركباً بمثل ما ميز عشرون فسوينهما)
/ صفحه 383 /
في صاحبه. والابتداء هنا هو العامل في صاحب الحال؛ فوجب أن يكون هو العامل كذلك في الحال تطبيقاً لرأيهم. ثم يقولون إن الابتداء عامل ضعيف لا يقوى أن يؤثر في شيئين، ولا يصل أثره إلا لواحد منهما، فوجب قَصْره على الأساسي منهما " وهو المبتدا " وترك الآخر تركاً باتاً إن أمكن، والا وجب تغيير العبارة ومجئ الحال فيها على صورة مقبولة نحوياً.
وإذا قلت: هذا ـ هاجماً ـ أسد. كان المثال خطأ كذلك لسبب آخر غير السالف هو أن ـ هاجماً ـ حال من المتبدا اسم الإشارة (ذا) فاسم الاشارة ـ إذاً ـ هو صاحب الحال وهو في محل رفع. وعامل الرفع فيه الابتداء، في حين نجد الذي عمل النصب في الحال هو " ها " التنبيه (لأنها عندهم تتضمن معنى الفعل: " أنَبّه " وتقوم مقامه في نصب الحال) فلا يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، وذلك محظور عند كثرتهم " وخالفهم سيبويه في المسألتين ".
قد يكون رأيهم مقبولا، وطاعتهم واجبة لو لم ترد النصوص الصريحة الناصعة مخالفة لهم. وهم يرونها فيرفضونها أو يتأولونها تأولا يثير الدهش والألم معاً بدل أن يعيدوا النظر في قاعدتهم. من ذلك ما نقهل الخضري في تأييده لسيبويه، وتسجيل رأيهم. قال ما نصه (1):
(يشهد له ـ أي سيبويه ـ أعجبني وجه زيد مبتسما، وصوته قارئا؛ فإن عامل الحال الفعل، وعامل صاحبها المضاف. وفي قوله: " لمية موحشا طَللٌ " عمل فيها الظرف وفي صاحبها الابتداء. وفي قوله تعالى: " إن هذه أمتكم أمة واحدة "، " وأن هذا صراطي مستقيما " عمل فيها حرف التنبيه وفي صاحبها إن. وفي قوله: " هابيّناً ذا صريح النصح فاصغ له " عمل فيه التنبيه وفي صاحبها غيره) ا هـ.
فأنت ترى أن الأمثلة الصحيحة المأثورة من القرآن وغيره، تخالفهم وتشهد عليهم. فماذا يقولون؟ استمع إلى " الخضري " يجيب عنهم فيقول بعد ذلك مباشرة:
ــــــــــ
(1) حاشية الخضري عند شرح بيت ابن مالك في الحال:
وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه مؤخرا لن يعملا
/ صفحه 384/
(لك أن تمنع أن " موحشا " حال من " طلل ". بل من ضميره في الظرف ليكون حالا من المعرفة. وأما البواقي فالاتحاد موجود فيها تقديرا، إذ المعنى: أشير إلى أمتكم وإلى صراطي، وتنبه لصريح النصح. أي: فالعامل في الحقيقة الفعل الذي أشير إليه بهذه الأدوات؛ كأتمني وأترجي، وفعل الشرط في أما " في نحو: أما علماً فعالم " فغسناد العلم اليها ظاهري فقط. وأما مثالا الاضافة فصلاحية المضاف فيهما للسقوط تجعل المضاف إليه كأنه معمول الفعل. وعلى هذا فالشرط عند الجمهور الاتحاد تحقيقاً أو تقديراً، ومن هنا يظهر وجه منعهم الحال من المتبدا لأن الابتداء لا يصلح عاملا في الحال لضعفه فيحتاج إلى عامل غيره، والاختلاف ممنوع، وأجازه سيبويه بناء على مذهبه من جواز ذلك. قال الرضيّ وهو الحق: إذ لا دليل على وجوب الاتحاد، ولا ضرورة تلجئ لذلك) ا هـ.
أليس الشرط عند ما سماهم الخضري " بالجمهور " مثيراً للدهش والألم كما أسلفنا؟ كيف ساغ له أن يتناول الكلام الأصيل الرفيع ـ قرآناً وغير قرآن ـ بالتأويل، وحرم علينا أن نحاكيه إلا بذلك الشرط العجيب؟ وكيف ارتضى التأويل في أسمى النصوص وأوضح المثل، ولم يرتض لقاعدته التحويل والتبديل؟ وأي شرط هذا الذي يريده ليصح الكلام به؟ إنه الاتحاد في التقدير!! ومعنى هذا الاتحاد أن نخلق في الوهم ـ لا في الحقيقة ـ عاملا يسيطر بتأثيره على الحال وصاحبها معاً، وأن ندع الخيال يخترع هذا العامل ويبتكره. وبهذا الخلق والاختراع الوهمي الخيالي يصح القاسد، ويستقيم المختل!! وهل يعجز خيال عن هذا الذي يريده النحاة؟ وكأن المسألة اعتبارية كما يقولون؛ فإن وجدت الاتحاد قائماً في اللفظ فيها، والا فاعتبره موجوداً في التقدير، فتحل العقدة، وتختفي المشكلة، بل لا داعي لأن تكلف نفسك التقدير الحقيقي الذي تشغل به عقلك؛ فبحسبك أن تستريح منه معتمداً على فهم النحاة إياه، فأى جدلٍ هذا؟ وكيف يرضاه من النحاة جمهورهم وينصرفون عن رأي سيبويه الذي لا دليل يعارضه، ولا ضرورة تدعو لمخالفته كما يقول الرضي بحق وتوفيق؟.
بقي شئ أهم، وسؤال أخطر!! أهذا التأويل الخيالي الوهمي يبيح القياس
/ صفحه 385 /
على ذلك الكلام الاصيل أو لا يبيح؟ إن كان غير مبيح فاصطناعه عبث وإفساد، وإن كان مبيحاً فما أيسره علاجاً نرضاه!! لكن النحاة لا يرضون به ولا يبيحونه.
ب ـ أنت ـ في الشدة ـ العون. إنك ـ من الدنيا ـ رجاؤنا. وعليك ـ في مطالب الحياة ـ اعتمادنا. والاعتراف واجب فضلك... هذه الأمثلة وأشباهها سقيممة بل فاسدة عند النحاة على الرغم من جريانها على ألسنة الأدباء، وكثرة تداولها اليوم. وحجتهم على فسادها صناعةً أن كلا منهما يشتمل على مصدر قد سبقه معموله أو فصل بينهما. وكلاهما محظور عندهم؛ فلا يجوز تقديم معمول المصدر أو شئ يتعلق بالمصدر، عليه. ولا يجوز أن يفصل بينه وبين معموله بأجنبي. ذلك أن المصدر عامل ضعيف (لأنه فرع الفعل والمشتق في العمل، وإن كان أصلهما في المادة؛ ومن شأن الفرع في المادة أن يكون فيه ما في الاصل وزيادة (1)) وما دام ضعيفاً فلن يستطيع أن يؤثر في معموله المتقدم أو المفصول منه بفاصل أجنبي، فهذا الفاصل الأجنبي بمثابة حاجز حصين أمام مؤثر ضعيف.
وشيء آخر يقوله النحاة (2)؛ هو أن المصدر مع معموله كالموصول مع صلته، كلاهما بمنزلة الجزء من الآخر، ولا يقتدم شيء من الصلة على الموصول ولا يفصل بينهما بأجنبي، فكذلك المصدر مع معموله. فنسائلهم: ما ترون في قوله تعالى: " فلما بلغ ـ معه ـ السعي... " وقوله: " ولا تأخذكم ـ بهما ـ رأفة... " وقوله: " إنه على رجعه ـ لقادر ـ يوم تبلى السرائر... " وقول الشاعر:
وبعض الحلم عند الجهـ ل ـ للذلة ـ إذعان
وقول الآخر:
المن ـ للذم داع ـ بالعطاء فلا تمننْ فتلفَى بلا حمد ولا مال...؟
ونسائلهم ما ترون في الموصولات التالية وصلاتها من قوله تعالى: " وكانوا فيه من الزاهدين... " " إني لكما لمن الناصحين... " " وأنا على ذلكم من الشاهدين ".
ــــــــــ
(1) الأشموني: باب المفعول المطلق.
(2) الأشموني: آخر باب إعمال المصدر.
/ صفحه 386 /
وقول الشاعر:
لا تظلموا سنورا فإنه ـ لكمُ ـ من الذين وَفَوا في السر والعلن
وقوله: (وأعْرِضُ ـ منهم ـ عمن هجاني...).
وقوله: (فإنك ـ مما أحدثت ـ بالمجرب)...؟
فيجيبون: هذا مؤول!! ويعرضون ألواناً من التأويل تفزع منها النفس، ويقف أمامها العقل حائراً؛ كيف تقع هذه التأويلات من أئمة أعلام نحارير في أسمى أسلوب عربي؟ وكيف يحملها الزمان عصراً فعصراً ويطوي بها القرون؛ لا يصادفها من يقف في طريقها ويحول بينها وبين سلامة الوصول إلينا؟ ومن شاء أن يرجع إلى هذا التأويل فأمامه المراجع المطولة " ومنها همع الهوامع، باب الموصول. والأشموني وحاشيته، باب إعمال المصدر. وفيهما الكفاية الواسعة ".
وقد يقنع من ذلك بأن يعلم أنهم يؤولون في أمثلة المصدر بتقدير مصدر آخر يتصل بالمعمول الموجود، ولا يُفصل منه بفاصل أجنبي كما لا يفصل من توابعه، وبذا يكون في الكلام مصدران أحدهما مقدّر، والآخر ظاهر موجود أول الأمر.
وقد يقدرون عاملا آخر غير مصدر إن اقتضى الأمر ذلك. يقولون في الأمثلة السابقة: فلما بلغ ـ معه ـ السعي، تقديره: فلما بلغ السعي، مع السعي. ولا تأخذكم ـ بهما ـ رأفة، تقديره: ولا تأخذكم رأفةٌ بهما رأفة. إنه على رجعه ـ لقادر ـ يوم تبلى السرائر، تقديره: إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر يرجعه. وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان، تقديره: وبعض الحلم عند الجهل إذعان للذلة إذعان.
المن ـ للذم داع ـ بالعطا، تقديره: المن للذم داع، المن بالعطا.
ومثل هذا يفعلون بالموصول وصلته وما تعلق بها، يقولون:
وكانوا فيه من الزاهدين، تقديره: وكانوا من الزاهدين فيه من الزاهدين. إني لكما لمن الناصحين، تقديره: إني لمن الناصحين لكما لمن الناصحين. وأنا على ذلك من الشاهدين، تقديره: وأنا من الشاهدين على ذلك من الشاهدين.
لا تظلموا سنورا فإنه لكم من الذين وفوْا، تقديره: لا تظلموا سنورا فإنه من
/ صفحه 387/
الذين وفوا لكم من الذين وفوا لكم. وأعرض ـ منهم ـ عمن هجاني، تقديره: وأعرض عمن هجاني منهم عمن هجاني. فإنك ـ مما أحدثت ـ بالمجرب، تقديره: فإنك بالمجرب مما أحدثت بالمجرب.
بهذه الطريقة أو بما يشببها يتأولون (1)، ولنَدع المشكلة الإعرابية الكَئُود التي جَدّت ونشأت من هذا التأويل، ونتركها لحرب جدلية أخرى مرهقة يثيرونها ويخوضون غمارها لنسألهم هنا كما سألناهم من قبل: أبهذا التأويل تنفرج الأزمة، وتنحل العقدة، فيصح ذلك الكلام، ويصح محاكاتهن والقياس عليه، أم تبقى المحاكاة ممنوعة والقياس محرما؟ إن كان الجواب هذا أو ذاك فالاعتراض عليه معروف مما سبق على نظيره.
وشبيه بهذا أو قريب منه من حيث أثر الوهم والخيال والتقدير في تصحيح بعض الألفاظ والتراكيب أو تخطئتها ما يقولون من أن متعلق الظرف والجار والمجرور الواقع خبراً ـ يصح أن يكون مفرداً مشتقاً أو فعلا. فمحمد عندك أو في البيت، يُقدَّر: بمحمد مستقر، أو استقر عندك، أو في البيت، أو نحو ذلك (إلا بعد أما وإذا الفجائية فيتعين التعلق باسم الفاعل نحو: أما عندك فزيد، وخرجت فإذا في الباب زيد، لأن " أما " و " إذا " الفجائية لا يليهما فعل ظاهر ولا مقدر) (2) قال الأشموني: (على أن ابن جني سأل أبا الفتح الزعفراني: هل يجوز إذا زيدا ضربته (3)؟ فقال نعم. فقال ابن جني: يلزمك إيلاء إذا الفجائية الفعل ولا يليها إلا الأسماء. فقال لا يلزم ذلك لأن الفعل ملتزم الحذفن ويقال مثله في أما. فالمحذور ظهور الفعل بعدهما لا تقديره بعدهما، لأنهم يغتفرون في المقدرات ما لا يغتفرون في الملفوظات. سلمنا أنه لا يليهما الفعل ظاهراً ولا مقدرا، لكن لا نسلم أنه وليهما فيما نحن فيه، إذ يجوز تقديره بعد المبتدا، فيكون التقدير: أما في الدار فزيد استقر وخرجت فإذا في الباب زيد حصل. لا يقال إن الفعل
ــــــــــ
(1) إلا الرضي فإنه يجيز تقديم الظرف والجار والمجرور على المصدر.
(2) الأشموني والصبان، باب المبتدا والخبر.
(3) يريد: خرجت فإذا زيد ضربته ـ للمفاجأة.
/ صفحه 388/
وإن قدر متأخرا فهو في نية القديم، إذ رتبة العامل قبل المعمول؛ لأنا نقول هذا المعمول ليس في مركزه، لكونه خبراً مقدما) ا هـ.
فهل بعد هذا عبث وإضاعة وقت وبذلك جهد فيما لا طائل وراءه؟ وهل كان العربي الأصيل يعلم شيئاً من هذه المحاورات والمجادلات أو يقدرها أو يدخل في حسابه ـ وهو يتكلم بسليقته وبمقتضى فطرته ـ قليلا أو كثيراً منها؟.
ومن ذلك قولهم:(1) (زيدٌ ضربت عمرا أخاه، فإن قدرت أخاه بدلا امتنعت المسألة ـ أي لم تصح الجملة ـ بناء على المشهور من أن عامل البدل ليس عامل المبدل منه بل مقدر فكأن الضمير من جملة أخرى) ا هـ. لكن لو جعلنا أخاه عطف بيان صح المثال وتوقف القتال كما توقف للسبب عينه في عدة مسائل أباحوا أن تكون عطف بيان لا بدلا وسردوا الكثير منها آخر باب عطف البيان من كتب النحو المطولة كلها.
وقد يرون أن اختصاص العامل لا ينطبق على أمثلة أخرى كثيرة صحيحةن فلا يجدون بداًَ أن يتأولوها أو يبيحوها بحجة أنه قد يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل(2)، أو يقدرون لها عاملا آخر مناسباً (3)، أو غير ذلك مما هو منثور مفرق في كتبهم، وبعضه مجموع " كالذي في الجزء الثاني من المغني في باب خاص بما يغتفر بالثواني ".
وإذا كانت المخالفة في ظرف أو جار ومجرور قالوا إنه يتوسع فيهما مالا يتوسع في غيرهما وهكذا.
ومثل هذا في:
إذا السماء انشقت...، وإن أحد من المشركين استجارك
.................. إذا قبب بابطحها بنينا
حيث يُحرمون أن يكون المرفوع بعد أداة الشرط فاعلا مقدما " لأن الفاعل
(1) حاشية الصبان عند الكلام على رابط المبتدأ ج 1 ص 160.
(2) لذلك بعض الأمثلة في حاشية الصبان ج 1 باب المبتدا عند شرح بيت ابن مالك: (وقس وكاستفهام النفي...).
(3) لذلك بعض الامثلة في حاشية الصبان ج 1 باب المبتدا عند شرح بيت ابن مالك: (وقس وكاستفهام النفي...).
/ صفحه 389 /
لا يتقدم عند البصريين " أو أن يكون مبتدا بحجة أن هذه الأداة مختصة بالدخول على الأفعال وحدها، فدخولها على الأسماء غير سائغ، ومن ثم يكون التركيب خطأ إلا إن قدرنا وقوع فعل بعدها مباشرة يفسره الفعل المذكور، ويكون الفعل المقدر هو العامل في الاسم المرفوع ولا دخل للفعل المذكور به من حيث العمل.
وكتحريمهم في باب الاشتغال " وهو باب عجييب يمكن الاستغناء عنه وإحالة مسائله كلها وتفريقها على أبواب أخرى غيره " أن يكون الاسم المتقدم معمولا للعامل الظاهر المتاخر " في نحو محمدا أكرمته... " بحجة أن العامل لا يعمل في الاسم وفي ضميره معاً... ومثل... ومثل... ومثل... مما لا يكاد يتسع لحصره هذا البحث.
(ج) إن عليًّا وصالحٌ مسافران: هذا التركيب خطأ عند النحاة الذين يقررون أن العطف على اسم إن قبل مجئ الخبر يوجب نصب المعطوف، ولا يجوزون الرفع إذ لا وجه له عندهم (فإنه إن كان معطوفاً على الضمير المرفوع المستكن في الخبر يلزم عليه تقديم المعطوف ولا قائل به، وإن كان معطوفا على محل اسم إن ـ وأصله مبتدا ـ صار مبتدا مثله حكما واعتباراً وعلم في الخبرن وترتب على هذا توارد عاملين على معمول واحد، أحدهما ما أصله المبتدا حقيقة، والثاني المعطوف الذي اكتسب هذا الاسم اعتباراً وتقديرا) (1).
هذا ما يقرره النحاة، فإذا قرأنا عليهم قوله تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى مَن آمن... " وأسمعناهم قراءة من قرأ: " إن الله وملائكته يصلون على النبي " برفع ملائكة. وقول الشاعر:
فمن يكن أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب
أجابوا: هذا مؤول، وخرجوه على التقديم والتأخير، أو حذف الخبر من الأول... أو... أو... أو... مما بسطوه في مطولاتهم (2) وأجازوه في القرآن
ــــــــــ
(1) الخضرئ باب (إن) عند الكلام على العطف على اسمها. بتوضيح في العبارة.
(2) راجع ابن عقيل مع حاشية الخضري، والأشموني مع حاشية الصبان: حيث ترى الغرائب، وفيهما الكفاية.
/ صفحه 390/
ولم يجيزوه في كلامنا!! ولا حاجة بنا إلى مناقشة هذا الرأي، فالأمر فيه وفي الحكم عليه كالأمر والحكم فيما سبقه. ولكن لا يفوتني أن أشير إشارة عابرة إلى كلمة غريبة فرَطَت من سيبويه حين يقول: في هذه المسألة كما روى الأشموني: (أعلم أن ناساً من العرب يغلطون فيقولون إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان) فكيف يغلطون وهم من العرب؟ وكيف يعده غلطا مع انطباقه على ما جاء القرآن به والشعر الصحيح؟ إن الأمر لا يحتاج إلى تعليق.
د ـ إن ـ بالعلم ـ محمدا مغرم. هذا الأسلوب وأشباهه خطأ عند كثرة النحاة لما فيه من تقديم معمول خبر إن على الاسم وهو محرم كتقديم الخبر نفسه إذا كان غير ظرف أو جار ومجرور. قال الخضري وغيره: (وإنما روعى الترتيب مع معمولي إنَّ، ولم يراع في كان لضعف إن بالحرفية والفرعية مثل ما وأخواتها، وجاز تقديم الخبر الظرف والجار والمجرور هنا دون " ما " لقوة هذه الأدوات بشبهها الفعل فيما مر، ولأنها محمولة على الفعل المتصرف، وما محمولة على الجامد وهو ليس) (1).
فإذا عرضنا عليهم قول الشاعر:
فلا تَلَحنِي فيه فإنَّ ـ بحبها ـ أخاك مصاب القلب جم جلا بله
حيث قَدَّم ـ بحبها ـ على متعلقه الخبر (مصاب) قالوا هذا جائز عند قوم دون آخرين.
هـ محمد هند مكرمها: هذا المثال خطأ عند البصريين، والواجب عندهم أن تقول محمد هند مكرمها هو، فتبرز الضمير المستكن في المشتق " ما دام الخبر قد جرى على غير من هو له " سواء أكان اللبس مأمونا كالمثال السابق أم غير مأمون، نحو محمد عمرو مكرمه هو. أما الكوفيون فلا يرون ضرورة لإبراز الضمير عند أمن اللبس، قال الخضري: (قال بعضهم محل الخلاف إنما هو الوصف، أما الفعل فلا يجب فيه الإبراز عند الأمن اتفاقا، ولعل سره أصالته في العمل وتحمل الضمير)(2).
ــــــــــ
(1) الخضري في تعليقه على شرح بيت ابن مالك: وراع ذا التريب إلا في التي...
(2) الخضري. باب المبتدا والخبر عند شرح بيت ابن مالك: وأبرزنه مطلقا حيث تلا.
/ صفحه 391 /
فإذا عرضت عليهم ما يستدل به الكوفيون من نحو قول الشاعر:
قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان
أجابوا: (باحتمال أن يكون دا المجد معمولا لوصف محذوف يفسره المذكور والأصل بانون ذرا المجد بانوها. وفيه أن اسم الفاعل عنا بمعنى المضى ومجرد من أل فلا عمل له فلا يفسر عاملا. وأجيب بأنه لا مانع من أن يراد بالوصف الدوام والاستمرار فيكون منزلة الحال في صحة العمل فيفسر عاملا كما قاله الناصر) (1) ا هـ.
فهل رأيت إباحة وتحريما وجدلا عقيما ووقتا مضيعاً كهذا...؟
و ـ حضر وخطب محمود: لمن الفاعل منهما؟ هذه إحدى مسائل باب التنازع. والثاني أولى عند البصريين في هذا المثال وأشباهه؛ لقربه ولو كان أضعف من الأول في العمل " كما يقول الصبان " في بعض الصور، والكوفيون يفضلون الأول لسبقه...
لعل فيما أوردناه من الأمثلة ما ينهض دليلا على أن " العامل " قد تجاوز اختصاصه حين أخرجه النحاة من دائرته المحمودة إلى التحكم في الألفاظ والتراكيب؛ ذلك التحكم الذي هو داعية الدهش بل السخط، وسبب من أسباب الإساءة إلى اللغة، وتعسيرها على المتعلمين، والراغبين فيها، والناطقين بها. ولا يكاد باب من أبواب النحو يخلو من أمثال تلك المسائل التي قدمناها نماذج وصورا موضحة، لم نقصد إلى تصيدها، ولم نرد بها الحصر أو ما يشبهه؛ فنظائرها كثيرات تتجاوز العشرات إلى المئات؛ لا مبالغة في هذا ولا تزيد. فلا عجب أن كان النحو بسببها معيبا، ومن أجلها قاصراً عن الإفادة المرجوة، والنفع الأكمل. ولا منص من تطهيره منها إن أردنا له صلاحا، وللغتنا تيسيراً.
والوسيلة الصحيحة لذلك أن ندع كل تأويل وتخريج، وأن نجري في الأمور على ظواهر الألفاظ كما رويت الينا (2)، ونبيح القياس عليها ومحاكاتها، ونغير من أصول القواعد النحوية ما يحرم هذا أو يعارضه؛ فتسلم الألفاظ والأساليب القديمة بغير حاجة إلى تخيل وتوهم، ويتسع مجال التعبير أمامنا من غير كلفة، ولا معاناة، ولا طول دراسة
ــــــــــ
(1) الصبان. عند مناقشة شرح الأشموني لبيت ابن مالك: وأبرزته مطلقا.
(2) بحيث لا يفسر لمعنى المراد.
/ صفحه 392/
صناعية للقواعد النحوية، ونكاد نجري في هذا على مقتضى السليقة، ووحي القراءة الأدبية المحببة، لا القواعد النحوية المعقدة، ومجادلات النحاة المسرفة المغرقة.
وأمامنا الأمثلة السالفة التي عرضناها نأخذها كما وردت؛ لا نغير من ظواهرها شيئا، ولا نربط تصحيحها بعامل محذوف يفسره المذكور، ولا نوقف تصحيحها على التقديم من تأخير، ولا على أشباه هذا مما تخيلوه وتمحلوا له، واصطنعوه في تكلف وتصيد، وركاكة أوهت الأسلوب، وأفسدت المقام.
ولا يقولن قائل إن هذا قد يوقعنا فيما نحاول الفرار منه؛ وهو: تعدد الضبط في الكلمة الواحدة وكثرة الوجوه فيها. ذلك أن التعدد هنا لن يكون نتيجة اختلاف بين النحاة، هذا يرى رفع الكلمة، وذاك يرى نصبها، وثالث يرى أنها مبتدا، ورابع يرى أنها لا تصلح مبتدا إلا شذوذا... إنما هو نتيجة الإباحة وإطلاق اللسان من غير قيد ظالم يحبسه، أو يوجهه. فنحرره لينطلق بما يشاء في الميدان المباح. على أننا لو أردنا أن نبالغ في الدقة والضبط ونقصره على ضبط واحد دون غيره اختصاراً وتيسيراً على الناشئة في تعلم القواعد، لم يقم دون ذلك حائل، ولوجب الاقتصار على لغة القرآن وحده؛ نتخير ما يسير معها ـ كما سبق عند بحث المشكلة الأولى ـ فإذا جاء القرآن بضبطين كالحالة التي نحن بصددها وجب أن نبيحهما معاً، ولا مندوحة لنا عن ذلك.
بكل ما سبق نُساير منطق الوقائع، ونجري مع طبيعة الأشياء في ميدانها الصحيح، ونطهر النحو من آثار الفِكَر السقيمة التي اوحت إلى بعض أصحابها قديماً أن يقولوا في إقناع واقتناع: " لو لا الحذف والتقدير لفهم النحو الحمير "!!.
فياليت ما كان بالأمس محذورا يصبح اليوم ميسورا. اذاً لسهل النحو، واستراح النحاة وغيرهم، واختفى كثير من المسائل القاعدية التي لا خير فيها، بل التي لها ضرر محقق باختفاء هذا الحذف والتقديرن اللهم إلا فيما لا غني عنه، ولا ضرر فيه؛ كحذف المبتدا؛ أو الخبر حين يسأل السائل: من سافر؟ فنجيبي عَليّ...





/ صفحه 49 /
.صريح الرأى في النحو العربى ْ
داؤهُ وَ دَواؤه
للأستاذ عباس حسن
أستاذ اللغة العربية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة
ومشكلة التعليل ،كيف وُلِدَتْ و نَمَت ْ وامتدت ؤصولا وفروعا على الوجه الذي نرى في مطولات النحو؟ تتسرب إلى كل مسألة ،وتسلل لكل قاعدة ،وتملأ الصفحات الكثيرة بكل مُجَاف للعقل ،بعيد من الحق ،إلا في أقل المسائل ،وأنذر القواعد .وبسببها نشأت آراء متعددة; فتحت أبوابا جديدة للخلاف ،وتَشَعُّب المذاهب غير الأبواب المفتحة من اللهجات العربية .وبحسبى أن أنقل منها نماذج ،إن كان الأمر في حاجة إلى دليل يقوم ،ومثل يحضر .
وقبل أن أنقلها أشير إلى حقيقة معروفة ;هى: أن علوم اللغة العربية على اختلاف فروعها ،وتعدد أنواعها -مستقاة من الكلام العربى الأصيل ،ومَرَدها جميعاً إلى ما نطق به الفصحاء من أهل «الضاد»الذين يستشهد بكلامهم ،ويحتج بلسانهم ،فإذا نطقنا باللفظ المفرد أو المركب وصُغْنا الأسلوب صياغة خاصة ،وجرينا في تأليفه على نظام معيّن -فلا تعليل لذلك إلا محاكاة العرب والنَّسْج ِعلى منوالهم ولا شى ء غير هذا .ولو أن سائلا سألنى: لم بَنيَت الكلمة على ثلاث أو أكثر ؟ولم ضبطت حروَفها بضبط خاص؟ ولم جَرَيْتَ في تركيب الأسلوب على نظام معين؟ ولم....؟ولم....؟ماكان الجواب إلا واحداً;هو: أنى في هذا المقام أحاكى ما فعله العرب في مثله ،وأنقل عنهم طريقتهم ،وآخذ من مادتهم ووسائل استخدامها مثل ما كانوا يأخذون .وكذلك جواب كل فرد ;فالكلكات التي ننطق بها اليوم من حيث مادة تكوينها ومن حيث مظاهر هيئاتها بوضعها في الجملة وبضبط
/ صفحه 50 /
حروفها إنما نخضع في شأنها للمأثور عن العرب وحده وليس ما نخضع له طائعين أو مرغمين إلا ذلك المأثور ،وكل إجابة غير هذه فضول ،وهزل ،لا صواب فيه ولا جدّ،ولا أمانة .لم رفعت أواخر الكلمات ؟لم نصبت أو جرّت أو جزمت ؟لم كانت على وزن فَعل..أو فَاعَل َ...أو....أو..لم تقدمت في أسلوبها أو تأخرت ؟لم ذُكرْت أو حُذمت ؟لم كان هذا التعبير أبلغ وأقوى من ذاك؟ لم كان هذا أرق وأعذب؟...لم...لم...؟لا شىء إلامجاراة العرب الفصحاء ،والأخذ بمنهاجهم فيما نحن بصدده مع التصرف المحمود في حدود ذلك المنهاج ،والتزام أصوله العامة بحيث نوائم بينه وبين حرية التصرف المأمونة .وإذا كان الأمر على ما وصفنا فما هذه العلل والتعليلات المرهقة التي تطفح بها المراجع النحوية ،وتضيق بها صدر المتعلمين وأوقاتهم ممن كتب الله عليهم الرجوع إلى تلك المطولات ;لاستخلاص بعض القواعد النحوية؟إن النظرة الْعَجَلى الصائبة لتحكم من غير تردد بأن جميع هذه العلل والتعليلات زائفة لا تَمُت ُّ إلى العقل والواقع بصلة ما ،ولو كانت واهية .وإن احترام ذلك العقل يفرض علينا أن ننبذها ونطهر النحو منها اللهم إلا ذلك النحو الصحيص الصادق الذي يسمونه:«علل التْنظير »يريدون به ما أشرنا إليه قَبْلاً حين ترفع آخر كلمة أو تنصبه أو تجره أو تجزمه وحين تجعل الكلمة على وزان معين ،وتسلك بها في التركيب مسلكا خاصا .لم رفعتها ؟لأنهانظير زميلتها في الكلام العرب .ولم نصبتها أو جررتها أو جزمتها ؟لسبب السالف .ولم جعلتها على وزن كذا؟ولم قدمتها أو أخرتها ؟لم استخدمتها إداة استفهام أو حصر أو نفى أو مدح أو...؟...؟لأنّ نظريتها في كلام العرب كذلك .وإن شئت فقل لمن سألك :لم رفعت الفاعل والمبتدأ...ونصبت المفاعيل وأتبعت التوابع لأصحابها (المتبوعة )وجريت في المستثنى على كذا وفي اسم لاوالنواسخ..وغيرها على كذا ؟لم أفعل ْذلك لشى ء إلا لأنها نظيرة أخرى في كلام العرب جرت على هذا النمط الذي أسايره ولا علة إلا التنْظير.(أى قياس الشى ء على نظيره).
/ صفحه 51 /
فالنظير العربىّ هو الأصل الذي نتمثله دائما في كل ما يتصل باللغة كلاماً،وكتابة ،وإليه المفزع حين نريد التعيبر ،هو القالب الذي نشكل ما نريد على مثاله وحده ،وفيه -دون غيره - نصوع كلامنا على كلامهم ،إقراراًوتركيباً،وهيئة. والآن أعود إلى سرد بعض الأمثلة لتكون دليلا صارخا على ماأصاب النحو من بلاء التعليل سأقتصر في اختيارها على الجزء الأول من كتاب الأشمونى .حاشية الصبان ،ومن شاء استزادة فعليه بكتاب سرّ الصناعة لابن جنى فإنه من فرسان هذا الميدان المجلين فيه ،أو كالإنصاف لابن الأنبارى ،أو أشباههما :جاء في باب واحد منه:هو:باب المعرب والمبنى مايلى من التعليلات ومن البدائة المكررة أنها تعليلات خاطئة قطعا وأن العلة الحقة هى أن العربى نطق هكذا ،وأنها هكذا خلقت ليس غير .قال:
1ـ تنبيه: مابنى من الأسماء على السكون فيه سؤال واحد;لم بُنى ؟ومابنى منها على الحركة فيه ثلاثة أسئلة ;لم بنى ؟ولم حُرِّك ؟ولم كانت الحركة كذا؟ وما بنى من الأفعال أو الحروف على السكونن لايُسأل عنه.ومابنى منهما على حركة فيه سؤالان :لم حُرك ؟ولم كانت الحركة كذا؟وأسباب البناء على الحركة خمسة ،التقاء الساكنين كأين ،وكون الكلمة على حرف واحد كبعض المضمرات ،أو عرضة لأن يُبتدأ بها كباء الجر ،أولها أصل في التمكن كأول ،أو شابهت المعرب كالماضى ;فإنه أشبه المضارع في وقوعه صفة ،وصلة،وحالا،وخبراً...وأسباب البناء على الفتح طلب الخفة كأين ،ومجاورة الألف كأيان ،وكونها حركة الأصل نحو يا مضار;ترخيم مضارر اسم مفعول :والفرق بين معنيين بإداة واحدة نحو يالزيد لعمر،والإتباع نحو كيف ;بنيت على الفتح اتباعاً لحركة الكاف ;لأن الياء بينهما ساكنة ;والساكن حاجز غير حصين:وأسباب البناء على الكسر التقاء الساكنين كأمس ،ومجانسة العمل كباء الجر،والحمل على المقابل كلام الأمر كُسِرتْ حملا على لام الجر فإنها في الفعل نظيرتها في الاسم ،
/ صفحه 52 /
والإشعار بالتأنيث نحو أنت (أى :لأن الكسر المعنوى -وهو التكسر والفتور والتدلل خاص بالإناث -!!يناسب المؤنث فيكون في الكسر اللفظى إشعاربه!!)وكونها حركة الأصل ،نحويا مضار ترخيم مضارر اسم فاعل :والفرق بين أداتين ،كلام الجر;كسرت فرقا بينها وبين لام الابتداء في نحو ،لموسى عبد ،والإتباع نحوذهِ وتهِ بالكسر في الإشارة للمؤنثة;
وأسباب البناء على الضم ألا يكون للكلمة حال الإعراب ،نحو لله الأمر من قبل ومن بعد بالضم .ومشابهة الغايات نحو يازيد فإنه أشبه قبل وبعد،قيل من جهة أنه يكون متكلمنا في حالة أخرى ،وقيل من جهة أنه لاتكون له الضمة حالة الإعراب .وقال السيرافي :من جهة أنه إذا نُكِّرَ أو أضيف أعرب. ومن هذا «حيث»فإنها إنما ضمت لشبهها بقبلى وبعد،من جهة أنها كانت مستحقة للإضافافة إلى المفرد كسائر أخواتها فمنعت ذلك كما منعت قبل وبعد الإضافة .وكونها حركة الأصل ،نحو :يا تحاجج مصدر تحاج إذا سمى به وكونه في الكلمة كالواوفي نظيرتها كنحن ونظيرتها ههمو وكونه في الكلمة مثله في نظبرتهانحو اخشوا القوم ونظيرتها قل ادعوا والأتباع كمنذ .ا ه.
فهل يتفق شى ء من هذا مع العقل أو الواقع؟وما حكمهما على ماقاله الصبان تعليقاًعلى كثير مما سبق ;فكان تعليقة ضِغْثا على إبّالة وإيغالاً في اللغو ؟وهل أدل ّعلى ذلك من قوله في حاشيته:(قوله كنحن )حاصله أن «نحن»ضمير لجماعة الحاضرين ،و«همو»ضمير لجماعة الغائبين فهما نظيرتان .فلما بنوا «نحن»على حركة لالتقاء الساكنين اختاروا الضمة لتناسب الواو في نظيرتها .ولما كانت «نحن»لعدد أقله اثنان وهمو لعدد أقلة ثلاثة ،كانت همو أقوى ;فاستحقت واوها أن تكون أصلا يحمل عليه الضم عند فقد سبب آخر له .وكون علة الضم ما ذكر أحد أقوال).اه
(قوله اخشوا القوم)حَاصله أنهم ضموا آخر قل عند وصله بنحو ادعوا ،أتباعا لثالث ما اتصل به لا نقلا لأن الهمزة همزة وصل فلما أرادوا تحريك واو «اخشوا»التي هى لكونها فاعلا بمنزلة الجزء الأخير من الفعل عند اتصال نحو
/ صفحه 53 /
القوم به اختاروا الضمة حملا للشىء على نظيره فوجه السبه بين الضمتين كون كلّ في َخر الفعل أعم من أن يكون آخر حقيقة أو تنزيلا .وأورد على الشارح أن ضمة الواو لمناسبتهالها كما قالوا في «لتبلون»فهى ضمة بناء وضمة «قل»لإتباع ثالث ما بعده ،فهى ضمة اتباع ،لاضمة بناء .وأصل تحريكها للتخلص من التقاء الساكنين ،وكلا منا في أسباب ضم البناء .فكان الأوْلى إسقاط هذا الأخير )اه فما عسى أن يقول المنصف في مثل هذا وأن يكون حكمه عليه ؟وهل كان العربى الأصيل ومن معه من الناطقين الأوائل بهذه الكلمات يفكرون ويقدرون ويرتبون هذه القضايا الجدلية قبل أن ينطقوا بالكلمة ويعدون الأقيسة التى تنتج نتائج مُعَيّنة في البناء والإعراب وحركة البنَاء والإعراب ؟ولماذا كانت الحرة ولم يكن السكون ؟ولم كانت الحركة الفتحة أو الكسرة أو الضمة... أو...أو...ژ.ليس معنى هذا أن ذلك العربى الأول كان فيلسوفا، ناضجاً،ومنطقياًعالما؟ فمن أين جاءله ولأمته في عهد نشأتها وبدء تكوينها ذلك المنطق ،وذلك التعليم الفلسفى وغير الفلسفى وهما لايظهران إلا بعد تمام النضج العلمى ،والوعى الحضرى;والرقّى الذي تسبقه دراسات وبحوث منظمة في نواحى العلوم المختلفة ؟ولن يكون من هذا شىء في بداية الأمم وجاهليتها وأطوارنشأتها الأولى .ولو أنَّ العربى الأول ومن معه في عهود نشأتهم العيتقة فَكَّر في كل كلمة على هذا النحو وأطال النظر في بنائها وإعرابها ومايتصل بذلك على الوجه العجيب الغريب الذي سجله النحاة لَوَدَّع الحياة ،وخرج هو و.هل جيلة من دنياهم قبل أن يفرغوا من بحث بْضعِ كلمات قليلة على الوجه السالف ;ذلك أن أعمارهم قصيرة لا تتسع لمثل هذا البحث المستقصى العنيف ،والدراسة العقلية المستفيضة .بل إن أعمار أجيال متتابعة لاتتسع لمثل هذا ولا للفراغ منه .وإذاًفكيف كانوا يتكلمون قبل الانتهاء والفراغ من تلك الدراسة العجيبة ؟
/ صفحه 54 /
وشىء ثالث -وراء ماسبق تقريره من أن العقل والواقع يأبيان أن يقع شىء من البحث المنظم والتفكير العلمى والدراسة المنطيقية في جاهلية الأمم وبدايتها ،وأن عمر الفرد بل الجيل والأجيال لا يمتد ولا يتسع لإنجازها على فَرْض وقوعها -هبْها وقعت فكيف تم لهم ذلك ؟أكانوا يجتمعون في مؤتمرات موَحدة -كما يقول بعض الباحثين -ليدرسوا ويُمَحِّصوا ويجادلوا ،ويسوقوا الأدلة والحجج .حتى إذا ماانتهوا إلى قرار حاسم أذاعوه ؟ومن أعضاء المؤتمر .وكيف يختَارون ؟وما الوسائل الناجحة التي يذيعون بها القرار في الناس ليؤمنوا به ،ويسيروا عليه؟ أم كان الأمر متروكا للفرد يبحث ويعلل ثم يذيع ما يستقر عليه رأيه ؟وما وسيلته في النشر ؟وماسلطانه الذي يفرض به القرار على الأفراد والجماعات ؟أليس ذلك كله دليلا أى دليل على بطلان مانحن بصدده ،وفساد الخطة التي رسمها النحاة في كثير من بحوثهم ،وانهيار تعليلانهم في تأييد تلك البحوث (1) .وفي بقية الأمثلة التالية من الأشمونى وحاشيته .مايزيد الأمر وضحاً(من غير تعليق )
2ـنيابة الحرف عن الحركة في الاسم تكون في ثلاثة مواضع :الأسماء الستة ،والمثنى ،والمجموع على حده. فبدَأ بالأسماء الستة لأنها أسماء مفردة والمفرد سابق المثنى والمجموع ،ولأن إعرابها على الأصل في الإعراب بالفرع من كل وجه...».
(قوله ولأن إعرابها على الأصل...)أى :لأن الأصل في المعرب بالفرع وهو الحرف أن يكون رفعه بالواو ،ونصبه الألف ،وجره بالاياء ،ليجانس الفرع الأصل .ويؤخذ من هذه العلة الثانية وجه تقديم ما ناب فيه حرف عن حركة على ماناب فيه حركة ;لأنه لم يَجْرِ على الأصل ولا من بعض الوجوه بخلاف
(1) ومن الانصاف أن نسجل هنا أن فريقا من قدامى العلماء قد أشاروا لهذا ،وأنحوا باللائحة على أصحابه ،ووصفوه بأنه عيب وقع من جهه متأخرى المشارقة الذين نظروا في الفلسفة والمنطق ،ولم يراعوا مقاصد أرباب الفنون كما جاء في هامش النصريح ج 1 ص18 في باب شرح الكلام ومايتألف منه .
/ صفحه 55 /
ماناب فيه حرف عن حركة ;فإن بعضه جاء على الأصل في الإعراب بالفرع من كل وجه ;كالأسماءالستة. وبعضة جاء على الأصل من بعض الوجوه كالمثنى والجمع على حده ;فإن الأول جاء على الأصل في الجر ،والثانى جاء عليه في الرفع والجر )اه .
3ـمذهب سيبوية أن ذو معنى صاحب وزنها فَعل بالتحريك ولامها ياء .ومذهب الخليل أن وزنها فَعْل ولامها واو،فهى من باب قوة وأصله ذَوْوٌ .وقال ابنكيسان تحتمل المزنين جميعاً.(قوله :وزنها فَعَل بالتحريك ولامها ياء...)أماالأول فلا نقلاب لامها ألفاًفي نحو:«ذواتاً».وقيل «ذاتاً».أيضاًبلارد اللام كما في النسهيل .وأما الثانى فلأن يائىّ اللام أكثر من واويّه ،والحمل على الأكثر أرجح ;فأصلها ذوى حذفت الياء اعتباطاً ونقلت حركة الإعراب إلى الواو ،وحركت الذال بحركة الواو ،اتباعاًلها .ثم في حال الرفع حذفت ضمه الواو للثقل ،وفي حال النصب قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وفي حال الجر حذفت كسرة الواو للثقل ;فوقعت الواو متطرفة إثر كسرة ;فقلبت ياء .فإن قلت :لا وجه للنقل والإتباع في حال النصب لفتح الواو والذال فتحاًأصلياً. قلت :يقدر ذهاب فتحهما الأصلى وفتح الواو بفتحة الإعراب التي كما اللام المذوفة وفتح الذال بفتحة الإتباع لتكون حالة النصب كحالتى الرفع والجر على قياس ما يأتى للشارح ترجيحه في «أب» قبيل التنبيه الآتى .ولك ألا تتكلف ذلك على قياس مقابله الآتى.).ا ه.
4ـفى إعراب الأسماء الخمسة عشرة مذاهب....(قوله عشرة مذاهب )بل اثنا عشر مذهباً ساقها السيوطى في همع الهوامع فراجعه .اه.(تنبيه. إنما أعربت هذه الأسماء بالأحرف توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حده