أبو عبدالله الأثري
26-11-05, 11:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
من الأمور المقررة عند النحاة الجر بالمجاورة, واستدلوا على هذا بما ينقلونه عن العرب قولَهم : (( هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ )), فالأصل أن يُقال : (( خربٌ )) لأنه صفة للجحر لا الضب, ولكنه أخذ حركة الضب وهي الكسرة بسبب المجاورة, هذا ما يذكره النحاة, وقد وقعت على كلامٍ لعلامة الجزائر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ( ت 1384 - 1964 ) رحمه الله حول هذا الموضوع, فأحببتُ أن أنقله لإخواني لأستفيد مِن تعليقاتهم عليه, والكلام موجود في: ( آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 2/44 ظ.دار الغرب الإسلامي ) وهذا هو: يقول رحمه الله:
((.... ولكن المثال البارد الفج (( الصامط “1” )) الذي لا يثير في النفس اهتماماً, بل يثير فيها اغتماماً؛ هو المثال الذي تعلمناه من كتب النحو, وهو قولهم: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ.
يُمثلون به للجر بالمجاورةِ أو بالتوهمِ لا أدري! وإنما الذي أدريه هو أنَّ هذا النوع مِن الجرِّ مسموعٌ عن العرب, وهو مِن شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم, وهو مقبول منهم, لكنه مقصورٌ على ما سُمِعَ منهم, فلا يسوغ لنا نحن طرده من كلامنا حتى لا نفسد اللغة على أنفسنا بهدم القواعد الصحيحة والجريِ على غير منهاج, ولهذه الشذوذات في العربية فلسفةٌ خاصة لم يُشبعنا أحد بالحديث عنها حتى الآن, ولو وجدتُ متسعاً من الوقت لكتبت فيها ما يصح أن يكون نواةً في الموضوعِ؛ إذا تعاهده الباحثون أصبح شجرةً ذات أكل شهي, ولفيلسوف هذا الفنِّ أبي الفتح عثمان بن جني جُمَلٌ متفرقة في هذا الموضوع, لكنها تنطوي على نظراتٍ سديدة, وتدلُّ على انفساح ذرع الرجل في هذا العلم, وإذا كان هذا النوع مِن الجرِّ مسموعاً موقوفاً على السماع فلستُ على ثقةٍ من أن مثال النحاة مسموعٌ من العرب, وإنما هو مثالٌ سوقيٌّ انتحلوه, ثم قلَّد آخرُهم أولَهم فيه على عاداتهم, وهل يصحُّ لهم أن يمثلوا لمسألةٍ سماعيةٍ بمثالٍ مصنوع؟ لا.
ودليلي على أن المثال مصنوع أمران:
ننن الأول: أنَّ نطق العرب لا يساعد على ما ادَّعاه النحاة فيه؛ لأن كلمة خرب التي يَدَّعي النحاة جرها جاءت مقطعاً في الجملة لم تعقبها كلمة أخرى, فإذا نطق بها عربيٌّ نطق بها ساكنةَ الآخِر بلا شك, فمن أين يظهر الجرُّ الذي ادَّعوه فيها؟
ووددت لو ذاكرتُ بعض نحاة العصر المفتونين بالمباحث اللفظية العقيمة في هذا التوجيه لأسمع رأيهم, وما عسى أن يأتوا به من حججٍ فارغة, وكم في كلام الفارغين من تسليةٍ للهمِّ وتزجيةٍ للوقت وترويحٍ للخواطر المكدودة, بشرط أن يكون السامع موفور الحظِّ مِن الصبر.
ننن والثاني: أن معنى المثال على برودته وجفافه لا يتفق مع ما يَعرف العرب عن الضب مِن أنه لا يحفر جحره إلا في الكدى ( جمع كدية ) وهي جبيلٌ صلبُ الأرض متماسكُ التراب, ولذلك يضيفونه إليها كثيراً, فيقولون: ضب الكدية, وضب الكدى, يستعملون هذا كثيراً في كلامهم, وفي مقصورة ابن دريد بيت مختومة بضب الكدى ولا أذكرها الآن وليس عندي ما أراجعها فيه, وقد قال الشاعر:
سقى الله أرضاً يعلمُ الضبُّ أنَّها ننن ننن بعيدٌ عن الأدواءِ طيبةُ البقلِ
بنى بيتَهُ فيهِ على رأسِ كُدَيَّةٍ ننن ننن وكلُّ امرئٍ في حرفةِ العيش ذو عقلِ
فقد وصف هذه الأرضَ التي اختارها الضب لسكناه بأنَّ الضب - وهو الاختصاصي في هذه الهندسة - كأنه يعلم أنها بعيدة من الآفات, وأكبر الآفات في نظر الضب السقوط والانهيار والخراب.
وقال الشاعر الآخر فزاد المعنى المراد توضيحاً وهو يتحدَّث عن الضب:
ويحفر في الكدى خوفَ انهيارِ ننن ننن ويجعل بيتَه رأس الوجينِ
والوجين: هو الأرض الصلبة الغليظة, ومن هذه الكلمة جاء قولهم: رجل موجّن؛ قوي عظام الأضلاع والصدر, ومنها ميجنة الثياب؛ آلة تدق بها, ومنها جلد موجّن؛ مضروب بعد الدبغ حتى تتداخل أجزاؤه وتلطف فيلين مع القوة, فهذا البيت شاهدٌ على أنه " ليس جحرُ ضبٍّ خرباً ", ولهذه الخاصية في اختيار الضب للكدى, تصفه العرب بصفة ملازمة فيقولون " ضب دامي الأظافير " جمع أظفور, قال الشاعر:
ترى الشرَّ قد أفنى دوائرَ وجههِ ننن ننن كضبِّ الكدى أفنى أناملَهُ الحَفْرُ
ومِن تهكمات المعري وهمزاته أنَّ صاحبه أبا القاسم المغربي المشهور في علم التاريخ والأدب بالوزيرِ المغربي اختَصَرَ في حداثةِ سنه كتاب ( إصلاح المنطق ) ليعقوب بن السكيت, وأهدى منه نسخة إلى صفيِّه المعري, وكانت بينهما أسبابٌ متينة العُرى, فكتب له المعري جواب الإهداءِ رسالةً مِن أبدع رسائله, وفيها نقدٌ لكتاب ابن السكيت على طريقة المعري الغريبة في سخريته العجيبة يقول فيها إن لم تخني الذاكرة: " وقد أكثر يغقوب من الاجتهاد, في إقامة الأشهاد - يعني الشواهد -, حتى ذكر رجز الضب, وإن مَعَدًّا مِن ذلك لجِدُّ مُغضَب, أعَلَى فصاحته يُستعانُ بالقرض, ويُستشهد بأحناش الأرض, ما رُؤبة عنده في نفير, فما قولك في ضبٍّ دامي الأظافير ... ".
وهذه الرسالة الرائعة مطبوعة مصححة فيما طبع ( كامل الكيلاني ) مع رسالة الغفران, فإن كانت عندك "2" فراجعها, فلعلَّ الحافظة لم تضبط ألفاظها, ومحل الشاهد فيها لموضوعنا وصفه الضبَّ بما كانت تصفه العرب مِن أنَّه ( دامي الأظافير ), ولا سبب لذلك إلا حفره لجحره في الكدى الصلبة, وهذه كلها دلائل على فساد مثال النحاة إعراباً ومعنىً, ولا ننكر أنَّ بعض جحر الضباب تخرب, وقد خربت مدائن الرومان والفراعنة فضلا عن جحور الضباب, ولكنه "3" باردٌ جاف متخاذل خاذل لحافظه, إذ يوهمه خلاف الواقع, ومنه ومِن أمثاله خُذل المتأدبون بكتب النحو الذين قعدت بهم همتهم عن التأدب بلغة العرب مِن شعرهم وخطبهم, ولم يحصل واحد منهم ملكة صحيحة في هذه اللغة ولا ذوقاً صحيحاً في أدبها, والواجب في الأمثال أن تكون جملاً حكيمة ذات معانٍ مستقيمة وألفاظٍ قويمة حتى يحصل الحافظ لها فائدتين: الحكم اللفظي, والمعنى الذي يترك أثراً في النفس, ومِن مجموع هذه الأمثلة يتكون الأدب والأديب, وقد نعى ابن خلدون في زمنه هذا الذي نَعَيْنَاه, وانتقد مِن مزاولي النحو ما انتقدناه - وهو لعمري – نقد صحيح ما عليه غبار )) أ.هـ بنصه.
________________________
"1" كلمة عامية معناها: ثقيل الظل.
"2" هذا الكلام مأخوذ من رسالة أرسلها الشيخ إلى أحد تلاميذه وهو الأستاذ أحمد ابن أبي زيد قضيبة, فهو المعنيُّ بقوله: عندك, وعنوان الرسالة: رسالة الضب, وهي رسالة جميلة تتكلم عن جوانب عديدة تتعلق بالضب.
"3" أي العبارة: جحر ضب خرب.
من الأمور المقررة عند النحاة الجر بالمجاورة, واستدلوا على هذا بما ينقلونه عن العرب قولَهم : (( هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ )), فالأصل أن يُقال : (( خربٌ )) لأنه صفة للجحر لا الضب, ولكنه أخذ حركة الضب وهي الكسرة بسبب المجاورة, هذا ما يذكره النحاة, وقد وقعت على كلامٍ لعلامة الجزائر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ( ت 1384 - 1964 ) رحمه الله حول هذا الموضوع, فأحببتُ أن أنقله لإخواني لأستفيد مِن تعليقاتهم عليه, والكلام موجود في: ( آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 2/44 ظ.دار الغرب الإسلامي ) وهذا هو: يقول رحمه الله:
((.... ولكن المثال البارد الفج (( الصامط “1” )) الذي لا يثير في النفس اهتماماً, بل يثير فيها اغتماماً؛ هو المثال الذي تعلمناه من كتب النحو, وهو قولهم: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ.
يُمثلون به للجر بالمجاورةِ أو بالتوهمِ لا أدري! وإنما الذي أدريه هو أنَّ هذا النوع مِن الجرِّ مسموعٌ عن العرب, وهو مِن شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم, وهو مقبول منهم, لكنه مقصورٌ على ما سُمِعَ منهم, فلا يسوغ لنا نحن طرده من كلامنا حتى لا نفسد اللغة على أنفسنا بهدم القواعد الصحيحة والجريِ على غير منهاج, ولهذه الشذوذات في العربية فلسفةٌ خاصة لم يُشبعنا أحد بالحديث عنها حتى الآن, ولو وجدتُ متسعاً من الوقت لكتبت فيها ما يصح أن يكون نواةً في الموضوعِ؛ إذا تعاهده الباحثون أصبح شجرةً ذات أكل شهي, ولفيلسوف هذا الفنِّ أبي الفتح عثمان بن جني جُمَلٌ متفرقة في هذا الموضوع, لكنها تنطوي على نظراتٍ سديدة, وتدلُّ على انفساح ذرع الرجل في هذا العلم, وإذا كان هذا النوع مِن الجرِّ مسموعاً موقوفاً على السماع فلستُ على ثقةٍ من أن مثال النحاة مسموعٌ من العرب, وإنما هو مثالٌ سوقيٌّ انتحلوه, ثم قلَّد آخرُهم أولَهم فيه على عاداتهم, وهل يصحُّ لهم أن يمثلوا لمسألةٍ سماعيةٍ بمثالٍ مصنوع؟ لا.
ودليلي على أن المثال مصنوع أمران:
ننن الأول: أنَّ نطق العرب لا يساعد على ما ادَّعاه النحاة فيه؛ لأن كلمة خرب التي يَدَّعي النحاة جرها جاءت مقطعاً في الجملة لم تعقبها كلمة أخرى, فإذا نطق بها عربيٌّ نطق بها ساكنةَ الآخِر بلا شك, فمن أين يظهر الجرُّ الذي ادَّعوه فيها؟
ووددت لو ذاكرتُ بعض نحاة العصر المفتونين بالمباحث اللفظية العقيمة في هذا التوجيه لأسمع رأيهم, وما عسى أن يأتوا به من حججٍ فارغة, وكم في كلام الفارغين من تسليةٍ للهمِّ وتزجيةٍ للوقت وترويحٍ للخواطر المكدودة, بشرط أن يكون السامع موفور الحظِّ مِن الصبر.
ننن والثاني: أن معنى المثال على برودته وجفافه لا يتفق مع ما يَعرف العرب عن الضب مِن أنه لا يحفر جحره إلا في الكدى ( جمع كدية ) وهي جبيلٌ صلبُ الأرض متماسكُ التراب, ولذلك يضيفونه إليها كثيراً, فيقولون: ضب الكدية, وضب الكدى, يستعملون هذا كثيراً في كلامهم, وفي مقصورة ابن دريد بيت مختومة بضب الكدى ولا أذكرها الآن وليس عندي ما أراجعها فيه, وقد قال الشاعر:
سقى الله أرضاً يعلمُ الضبُّ أنَّها ننن ننن بعيدٌ عن الأدواءِ طيبةُ البقلِ
بنى بيتَهُ فيهِ على رأسِ كُدَيَّةٍ ننن ننن وكلُّ امرئٍ في حرفةِ العيش ذو عقلِ
فقد وصف هذه الأرضَ التي اختارها الضب لسكناه بأنَّ الضب - وهو الاختصاصي في هذه الهندسة - كأنه يعلم أنها بعيدة من الآفات, وأكبر الآفات في نظر الضب السقوط والانهيار والخراب.
وقال الشاعر الآخر فزاد المعنى المراد توضيحاً وهو يتحدَّث عن الضب:
ويحفر في الكدى خوفَ انهيارِ ننن ننن ويجعل بيتَه رأس الوجينِ
والوجين: هو الأرض الصلبة الغليظة, ومن هذه الكلمة جاء قولهم: رجل موجّن؛ قوي عظام الأضلاع والصدر, ومنها ميجنة الثياب؛ آلة تدق بها, ومنها جلد موجّن؛ مضروب بعد الدبغ حتى تتداخل أجزاؤه وتلطف فيلين مع القوة, فهذا البيت شاهدٌ على أنه " ليس جحرُ ضبٍّ خرباً ", ولهذه الخاصية في اختيار الضب للكدى, تصفه العرب بصفة ملازمة فيقولون " ضب دامي الأظافير " جمع أظفور, قال الشاعر:
ترى الشرَّ قد أفنى دوائرَ وجههِ ننن ننن كضبِّ الكدى أفنى أناملَهُ الحَفْرُ
ومِن تهكمات المعري وهمزاته أنَّ صاحبه أبا القاسم المغربي المشهور في علم التاريخ والأدب بالوزيرِ المغربي اختَصَرَ في حداثةِ سنه كتاب ( إصلاح المنطق ) ليعقوب بن السكيت, وأهدى منه نسخة إلى صفيِّه المعري, وكانت بينهما أسبابٌ متينة العُرى, فكتب له المعري جواب الإهداءِ رسالةً مِن أبدع رسائله, وفيها نقدٌ لكتاب ابن السكيت على طريقة المعري الغريبة في سخريته العجيبة يقول فيها إن لم تخني الذاكرة: " وقد أكثر يغقوب من الاجتهاد, في إقامة الأشهاد - يعني الشواهد -, حتى ذكر رجز الضب, وإن مَعَدًّا مِن ذلك لجِدُّ مُغضَب, أعَلَى فصاحته يُستعانُ بالقرض, ويُستشهد بأحناش الأرض, ما رُؤبة عنده في نفير, فما قولك في ضبٍّ دامي الأظافير ... ".
وهذه الرسالة الرائعة مطبوعة مصححة فيما طبع ( كامل الكيلاني ) مع رسالة الغفران, فإن كانت عندك "2" فراجعها, فلعلَّ الحافظة لم تضبط ألفاظها, ومحل الشاهد فيها لموضوعنا وصفه الضبَّ بما كانت تصفه العرب مِن أنَّه ( دامي الأظافير ), ولا سبب لذلك إلا حفره لجحره في الكدى الصلبة, وهذه كلها دلائل على فساد مثال النحاة إعراباً ومعنىً, ولا ننكر أنَّ بعض جحر الضباب تخرب, وقد خربت مدائن الرومان والفراعنة فضلا عن جحور الضباب, ولكنه "3" باردٌ جاف متخاذل خاذل لحافظه, إذ يوهمه خلاف الواقع, ومنه ومِن أمثاله خُذل المتأدبون بكتب النحو الذين قعدت بهم همتهم عن التأدب بلغة العرب مِن شعرهم وخطبهم, ولم يحصل واحد منهم ملكة صحيحة في هذه اللغة ولا ذوقاً صحيحاً في أدبها, والواجب في الأمثال أن تكون جملاً حكيمة ذات معانٍ مستقيمة وألفاظٍ قويمة حتى يحصل الحافظ لها فائدتين: الحكم اللفظي, والمعنى الذي يترك أثراً في النفس, ومِن مجموع هذه الأمثلة يتكون الأدب والأديب, وقد نعى ابن خلدون في زمنه هذا الذي نَعَيْنَاه, وانتقد مِن مزاولي النحو ما انتقدناه - وهو لعمري – نقد صحيح ما عليه غبار )) أ.هـ بنصه.
________________________
"1" كلمة عامية معناها: ثقيل الظل.
"2" هذا الكلام مأخوذ من رسالة أرسلها الشيخ إلى أحد تلاميذه وهو الأستاذ أحمد ابن أبي زيد قضيبة, فهو المعنيُّ بقوله: عندك, وعنوان الرسالة: رسالة الضب, وهي رسالة جميلة تتكلم عن جوانب عديدة تتعلق بالضب.
"3" أي العبارة: جحر ضب خرب.