المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إجابة الشيخ (د . حمزة المليباري) - حفظه الله - على سؤالات (ملتقى أهل الحديث)


خليل بن محمد
17-12-02, 12:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا وإياكم ممن اتبعوهم بإحسان .
أما بعد :
فإني أشكر إخوتي الأفاضل القائمين على هذا الملتقى (المبارك بإذن الله تعالى)، الذي يشكل مرجعا متخصصا في الحديث وعلومه، ومؤسسة تعليمية مفتوحة الأبواب أمام الطلبة والباحثين في دول العالم كلها، كما أنه يتيح لهم جميعا فرص الاطلاع دون عناء على الأبحاث والمناقشات التي تدار فيه كل يوم، بل وطرح إشكالات أو أسئلة، ليستفيد الكل من ذلك.
مما يشد انتباهي أن هذا الملتقى يحافظ بقدر الإمكان على القيم الإسلامية بعيدا عن الغيبة والنميمة والسب والشتم والطعن في أعراض الناس باسم الإسلام، مما يعكس نزاهة القائمين على هذا الملتقى، وحرصهم الشديد على نشر العلم النافع والدفاع عن الحق.
وفقكم الله - إخوتي الأفاضل - لما فيه الخير، وسدد خطاكم ، وحفظكم من كل شر وفتنة تصرفكم عن الانشغال بالأهم.
وعلينا أن نستبشر دائما بقول الله تعالى (إن العاقبة للمتقين) الذي تكرر في كتابه العزيز أكثر من مرة.
وقول الله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين. (العنكبوت 69) وقول الله تعالى : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ، كذلك يضرب الله الحق والباطل ، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، كذلك يضرب الله الأمثال .( الرعد 17) .
وحين أتابع بعض المناقشات والمداخلات التي تدار في هذا الملتقى (المبارك إن شاء الله)، أرى لغة المحدثين النقاد آخذة في بلورتها بين كثير من الشباب والباحثين، وهذا خير كثير يبشرنا بمستقبل هذه الأمة، وما كنا نسمع هذه اللغة العلمية أصلا حين كنا في مرحلة التكوين، بل إن كثيرا من الأساتذة كانوا يفرضون على الطلبة الباحثين التقيد بمراتب الجرح والتعديل في عملية التصحيح والتضعيف والتحسين؛ فما رواه الثقة عندهم يعني صحيح لذاته، وإذا كان الراوي صدوقا فحسن لذاته، وإذا كان ضعيفا فحديث ضعيف، وإذا توبع فحسن لغيره، وما رواه المتروك يسمى متروكا، وما رواه المتهم يطلق عليه حديث واه، أو حديث مطروح، وما رواه الكذاب فموضوع، وما خالف فيه الثقة لمن هو أوثق فشاذ، والراجح الذي رواه الأوثق يقال عنه محفوظ، وما خالف فيه الضعيف للثقة فمنكر، والراجح الذي رواه الثقة فمعروف، بعد أن اعتبروا كتاب التقريب للحافظ ابن حجر دليلا في ذلك.
وهذه هي الخطوات العامة التي يتم تدريب طلاب الدراسات العليا عليها، ورسائل الجامعات خير شاهد على ذلك.
وفي هذه المناسبة لا يسعني إلا أن أدعو الله تعالى أن يوفق إخوتي الأفاضل القائمين على هذا الملتقى، ومسؤوليه، ومشرفيه، ومشاركيه، لمزيد من الإثراء، وتجدد العطاء، وتشييد ما بناه السابقون، حتى يظل هذا الملتقى منارا شامخا ومنبعا صافيا ، ومرجعا موثوقا ، وقدوة حسنة، كما أدعو الله جل جلاله أن يمنهم جميعا بالإخلاص، والرفق في الأمر كله، والتوفيق للتحمل والصبر في سبيل الدفاع عن الحق إيمانا واحتسابا.
كما أتقدم بالشكر والامتنان إلى كل إخواني الذين رحبوا بهذا اللقاء مع هذا العبد الضعيف وأعلنوا حبهم لي وطرحوا أسئلتهم لطفا منهم، وتواضعا للحق، وحرصا على زيادة المعرفة، وأقول لهم جميعا: زادكم الله علما وتقوى وإخلاصا، ومتعة بالعلم والصحة والعافية، وأحبكم الله الذي أحببتموني من أجله.
كما أرجو منكم جميعا التسامح على تأخر الإجابات ، فقد كنت مشغولا ببعض الشواغل العلمية ثم جاءنا شهر رمضان المبارك شهر العبادة.
وها أنا أود أن أركز على إجابة أسئلتكم ، متوكلا على الله تعالى، وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم .

خليل بن محمد
17-12-02, 01:13 PM
س1/ فضيلة الشيخ : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ففرصة سعيدة جداً أن نلتقي بفضيلتكم عبر هذا الملتقى المبارك . وسؤالي : ما هي نصيحتكم ـ بارك الله فيكم ـ لطالب العلم ، وبخاصة علم الحديث .
ج/ نصيحتي لطلبة العلم، أن يخلصوا لله النية، ويتضرعوا إلى الله تعالى دائما دون انقطاع، ويرجوا منه الصحة والعافية والسلامة والتوفيق وسداد الخطوات ونجاح الجهود، ويحاولوا بقدر الإمكان أن يهيئوا أنفسهم من خلال دراسة كتاب مختصر، كخطوة أولى في مجال التكوين، وحفظ ما فيه من المصطلحات أو القواعد، وإن لم يفهم منها شيئا؛ إذ الهدف من ذلك هو تهيئة النفس لدراسة الكتب الأخرى في الموضوع ذاته.
بعد ذلك ينتقل الطالب إلى كتاب آخر لدراسة الموضوع ذاته، لكن بأسلوب آخر، وهو دراسة كل مسألة على حدة عن طريق المقارنة بين أكثر من كتاب، لا سيما بين كتب المتقدمين وكتب المتأخرين، حيث يساعد ذلك على استيعاب الطالب الموضوع الذي يقوم بدراسته.
فإذا لاحظ الطالب في أثناء المقارنة شيئا من الفروقات بين الكتب حول مسألة ما، فعليه أن يتجه نحو أستاذ متخصص ، أو يعتمد على نفسه - إن أمكن - لتحديد الإشكال ثم الإجابة عنه.
لا ينبغي أن يشكّل هاجس الخوف من احتمال وقوع خطأ في فهمه أو استنتاجه مانعا من سعيه شخصيا في سبيل ذلك، وإن كان الخطأ مما لا بد منه في بداية الطريق بشكل طبيعي فإن هذا الأسلوب المتمثل في المقارنة يساعده في المستقبل على تجنب الأخطاء، وتنمية مواهبه العلمية، وذلك فقط إذا كان نفسه مستعدا للنقاش مع إخوانه حول ما استنتجه وتوصل إليه، وقبول الحق منهم، حتى وإن كانوا ممن يكرههم أو أقل منه شأنا.
أما إذا كان متكبرا ومقدسا لما كان يفهمه، ومعظما لنفسه، فعليه أن يترك هذا المجال العلمي لأهله.
إن طريقة المقارنة في الدراسة مفيدة جدا، وعلى الطالب أن يتدربها شيئا فشيئا منذ الخطوة الأولى في مرحلة التكوين، فإذا اعتمد الطالب في بداية حياته العلمية هذا الأسلوب، واستمر على ذلك تحت توجيهات الأساتذة المتخصصين، فإنه بإذن الله تعالى يستطيع أن يكوِّن نفسه تكوينا علميا صحيحا يساعده على إثراء المكتبات العلمية بالإبداع والعطاء العلمي المتجدد.
للأسف الشديد نرى من الباحثين من لا يهتم بدراسة المقارنة إلا لدافع عدائي، فإذا ظهر بينه وبين غيره عداوة سعى جادا في تتبع ما ألقاه من المحاضرات وما كتبه من الأبحاث وما ألفه من الكتب، ونبش المهملات التي تراجع عنها مخالفه، ذلك من أجل المقارنة بين الجديد والقديم، ثم يهيئ نفسه لتوجيه التهم نحوه بالتناقض أو بالانحراف أو غير ذلك. أما في غير ذلك فهو هادئ مقلد ومعيد ومعظم مقدس.
بقي هنا أمر آخر مهم للغاية، وهو ما يتصل بسلوك الطالب؛ فمثلا؛ لما تتبين له الإجابة ويتم حل الإشكال، سواء عن طريق الأستاذ أو بناء على جهده الشخصي، وأصاب الحق في ذلك، فعليه أن يحمد الله تعالى ويشكره، ولا يتخذ من ذلك ذريعة لإثارة الفتن أو للتكبر على زملائه أو أساتذته، ولتحقيرهم، كما يجب عليه أن يعتقد ذلك نعمة من الله تعالى، أعطاه الله تعالى إياها ليبلوه أيشكر أم يكفر. (والله تعالى أعلم) .


س2/ فضيلة الشيخ حفظك الله وسدد خطاك :
معرفة رجال الحديث لا يتقنه أي أحد بالجرح والتعديل ، و لا يسيرعلى منهجه الصحيح إلا من وفقه الله تعالى لذلك ، فأرشدنا حفظك الله للطريق الصحيح لهذا الدرب . وهل هو بسرد كتب الرجال ؟ أم يعتمد ذلك على حفظ الأسانيد؟
أقول: ( وبالله التوفيق ) جزاك الله خيرا، وكم يسرنا أن نسمع من شبابنا اليوم مثل هذا السؤال الذي يدل على مدى اهتمامهم بالحديث وعلومه، وما يلاقونه في سبيل طلب العلم من حيرة، لقلة من يوجههم توجيها سليما.
أحب أن أذكرك بما يلي:
أولا : إن علم الجرح والتعديل ليس أساسا في التصحيح والتعليل، كما هو الشائع لدى الكثيرين، وإنما جاء هذا العلم بعد التصحيح والتعليل كنتيجة، لقد كان النقاد يستثمرون جهدهم في تصحيح الأحاديث وتضعيفها من أجل معرفة أحوال رواتها وتمييز الثقات من الضعفاء ، وتصنيفهم في سلم الجرح والتعديل بدقة متناهية ليكون ذلك معولا عليه في التصحيح والتضعيف عند الضرورة؛ لذا ينبغي أن لا نتوجه مباشرة - قبل أن نعرف حالة الرواية من حيث التفرد والمخالفة والموافقة - نحو ترجمة كل من ورد في السند من الرواة ، وهذا عمل غير منهجي، بل هو عمل مرهق دون فائدة تذكر.
ثانيا: على الباحث أن يستوعب القواعد والضوابط في ترجمة الرواة، التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن المعلمي في الجزء الأول من كتابه التنكيل، ثم طبقها في نماذج كثيرة من تراجم الرواة، وكذلك ما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح العلل.
ثالثا: على الباحث أن يقوم قبل الترجمة بتخريج الحديث تخريجا علميا، ليمهد نفسه للمقارنة بين ما جمعه من المرويات لمعرفة مدى الموافقة بين رواة ذلك الحديث أو المخالفة أو التفرد، ثم يقوم بترجمة الراوي الذي خالف أو الذي تفرد بالحديث، مرتكزا على إبراز
الجوانب التي تقتضيها مناسبة البحث؛ من أهمها الصلة بين الراوي وبين شيخه، ومدى تميزه عن غيره من المحدثين الذين شاركوا معه في رواية ذلك الحديث، وينبغي للباحث أن لا يقتصر جهده على مختصرات المتأخرين؛ بل عليه أن يتتبع المصادر الأصيلة وما اختصره المتأخرون المحققون المدققون كالذهبي وابن حجر وغيرهما، عسى أن يجد فيها ما يساعده على معرفة سبب مخالفته لغيره أو تفرده بما لا يعرفه غيره، وقد يجد نصوص الأئمة صريحة في ذلك أو ما يساعده على فهمه واستنباطه.
كما ينبغي أن يحاول معرفة مخارج التوثيق والتجريح ومناسباتهما، وهذه أمور ينبغي التركيز عليها، وحينئذ تتهيأ نفسه تدريجيا لمعرفة ملابسات الرواية، وقرائنها، وفقه ترجمة الرواة.
هذا وقد شرحنا هذا الموضوع بشئ من التفصيل في كتابي (كيف ندرس علم تخريج الحديث) .
أما حفظ الأسانيد فلا أنكر ما فيه من الفوائد، لكن بدون فقه التراجم فإن جهد الحفظ وفوائده تضيع.
وأما ترجمة كل من ورد في الإسناد بداية دون أن يتأمل في حال الرواية من حيث التفرد والمخالفة والموافقة - كما تعود عليه كثير من المعاصرين – ثم اهتمامه بنقل كل ما ورد في الترجمة من الأقوال فذلك كله يحول بحثه إلى نسخة جديدة من كتب التراجم، وبالتالي يفقد الباحث فرصة التركيز على ما يخدم موضوع بحثه من النقاط العلمية المهمة، والإجابة عما يبحث عنه القارئ. (والله أعلم) .

السلام عليكم حياكم الله فضيلة الشيخ و مرحباً بكم بين أحبابكم :
س3/ ماهي منزلة كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب ؟ و لماذا أهمل في تحقيقه تحقيقاً علمياً ؟
أقول : وفقك الله وسدد خطاك.
كتاب الكفاية له أهمية كبيرة؛ حيث يحتوي على نصوص النقاد في كثير من مسائل علوم الحديث؛ لذا يكون هذا الكتاب أكبر مساعد لطلبة العلم على استيعابهم منهج المحدثين عموما، وبناء تصوراتهم حول علوم الحديث من خلال نصوص النقاد، إلا ما تفرد به الخطيب من الآراء التي يشوبها علم المنطق، والأمور المستجدة في عصره في مجال الحديث
وعلومه. أما الكتاب فبحاجة إلى تحقيق علمي وشرح موضوعي حتى يفهمه القارئ.
أما الإهمال في تحقيقه تحقيقا علميا فهو من المصائب العامة التي تعاني منها الكتب وقراؤها عموما، وأنت إذا نظرت في طريقة كثير من المعاصرين في التحقيق تبين لك أنهم عادة لا يلتفتون إلى أهمية تحقيق الكتاب إلا إذا كان مخطوطا، وأما إذا كان مطبوعا فلا يطمعون في تحقيقه ليس لأن الكتاب غير قيم، وإنما لأغراض أخرى يعرفها الجميع، وللأسف الشديد يخوض الكثيرون في التحقيق دون أن يعرفوا أبجديات علم التحقيق، لذا نراهم لا يتجاوزون بيان الفروقات بين النسخ دون ترجيح وتحقيق، ودون دراسة لاختيار أوثق النسخ ولا تتبع أسانيدها، بل بعضهم يستعجلون عملهم في إخراج الكتاب لئلا يسبقه أحد.
ولذا بقي كتاب فتح المغيث للسخاوي، وغيره من الكتب فترة طويلة بطبعتها السيئة والمحرفة، ومن هنا يعرف سبب إهمال تحقيق كتاب الكفاية تحقيقا علميا، ولا يعني ذلك أنه غير قيم .

س4/ ماهي مرتبة الخطيب البغدادي بين علماء الجرح و التعديل ؟
ج/ : الخطيب البغدادي – رحمه الله تعالى – من الحفاظ وعلماء الجرح والتعديل، وعليه يدل ما قام به من استخلاص الفوائد والنقاط من علم الجرح والتعديل، وأحوال الرواة، وأسانيدهم، وهو الذي أبدع بإفراد تأليف في كثير من مسائل علوم الحديث، وكان اهتمامه قد انصب نحو ذلك، ومع ذلك قام بنقد أحاديث بعض الكتب لبعض معاصريه، ويعرف ذلك بالتخريجات ، والانتخابات، ولم يقتض عمله العلمي عموما أن يخوض في الجرح والتعديل كما خاض القدامى، وعلى كل كلامه في الجرح والتعديل مقبول ومعتمد لا سيما في الرواة المتأخرين. (الله أعلم) .


س6/ سؤال الأخ المنصور .
أما وقد وصل الشيخ _ وفقه الله _ إلينا فلا بد أن أقول مافي نفسي حول مصطلح ( المتقدمين والمتأخرين ) وكنت كتبته سابقاً ، فآمل القرآة بتركيز حفظ الله الجميع :
أرى والله أعلم أن مسائل المصطلح لم تتغير على مر السنين وهي مبثوثة والحمد لله في مصنفات أهل العلم عبر القرون ، ولازال كل عصر يخرج لنا من تصفونهم أنتم بأنهم على منهج المتقدمين ، أما أنا فلا أقول بهذا المصطلح ، لأني إن قلت به فيلزمني كذلك القول به في بقية علوم أهل الإسلام - لاعلوم أهل الكلام - إذاً مالذي يحدث ، فالواقع أننا نرى انحرافاً عن المنهج الصحيح في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ؟
الجواب والله أعلم ذو شقين :
1- قد يجتهد أحد العلماء في تتبع مسائل المصطلح والنظر فيها وتأمل كلام الأئمة الأوائل واقتفاء آثارهم في الجانب النظري ، ثم إذا جاء الى التخريج والتطبيق فقد ينشط وقد يضعف ، وهذا الأمر له أسباب كثيرة جداً ، ولعل من أبرزها : الرغبة في كثرة المؤلفات---- الرغبة في البروز على حساب حديث نبينا صلى الله عليه وسلم ، وهذا إن كان قليلاً في السابقين فهو في وقتنا كثير نوعًا ما ---- إلى غير ذلك من الأسباب كالمرض والضعف وقلة المراجع .....الخ .
وأنت لوسألت هؤلاء عن المسألة الاصطلاحية هل قمت بمراجعتها في الكتب المعتمدة في المصطلح ؟ لأجاب بالنفي ، ولقال لك : الحقيقة أنني خريج كتب التخريج .
فمثلا : مسألة زيادة الثقة .... هذه المسألة لازالت كتب المصطلح تتناقل أن القول الصحيح أنه لابد من تتبع القرائن ثم الحكم على ضوء ذلك ، فالقول الصحيح مبثوث في الكتب ....وهذا الكلام يقال في جميع فنون العلم كذلك .
2- يجب أن نسعى جاهدين لتقرير مسائل المصطلح من طريقين :
أ- بيان طريقة الأئمة في كل أبواب المصطلح دون أن ندعي منهجاً للمتقدمين ، باعتبار أن هذا المنهج موجود يصيبه من بحث عنه شأنه شأن بقية العلوم ، وأن الذي ينبغي أحياؤه هو : روح المحدث الباحث عن الصواب ... ومن هنا ينبغي أن نحذر من إحياء مسألة المتقدمين والمتأخرين دون إحياء روح البحث والهمة في تتبع الطرق والروايات فنقع فيما نقدنا الناس فيه ، فطالب علم الحديث ينبغي أن يتقرر لديه أنه يصحح أو يضعف كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه أن يخلع من رأسه كل غرض دنيوي ، فالتجارة ليس هذا أحد ميادينها.
ب - التطبيق العملي المرافق للدراسة النظرية ، وهنا ينبغي دراسة الأمثلة الصحيحة والواضحة ، مع تربية الطالب على احترام وتقدير أقوال أئمة هذا الفن ، مع كشف حال من يدعي من المحققين المعاصرين أنه وقف على طريق أو شاهد لم يقف عليه أئمة هذا الفن.
والخلاصة - عندي - أن من اجتهد في مسألة المتقدمين والمتأخرين لم يصب، العنوان الصحيح : وهو: ضرورة بذل الوسع والجهد في التصحيح والتضعيف، مع عدم إغفال كلام نقاد الحديث المعتبرين ...والله أعلم .
ج/أقول ( وبالله التوفيق) :
جزاك الله خيرا أخي المنصور، وكلامك جميل، وقرأته بتركيز أكثر من مرة حتى أقف على الخيوط التي تربط أول الكلام بآخره ، لكني فشلت في ذلك، وعلى كل ففيه من الملحوظات ما يأتي:
أولا : مسائل المصطلح لم تكن كما قلتَ ؛ بل إنها تغيرت، مثل بقية علوم الشريعة، بل إن اللغة العربية لم تكن الآن مثل ما هي في العصور السابقة، حتى أصبحت لغة القرآن غير معروفة الآن، لذا كان الناس يحتاجون في معرفة خصائصها إلى معاجم اللغة وكتب التفاسير. إن اللغة لا سيما المصطلحات العلمية كانت تتبدل وتتغير وتتوسع حسب
الظروف العلمية التي تمر عليها؛ لذا لا ينبغي تفسير شئ منها بما استقر عليه الآن من المفاهيم والمعاني دون مراعاة أسلوب القدامى في استخدام تلك الكلمات، ودون تأمل في تاريخ دلالتها اللغوية.
وذلك واضح جدا من خلال نظرة سريعة في مصطلحات العلوم، وقد شرح ذلك
بشئ من التفصيل محققو علمائنا السابقين. على سبيل المثال مصطلح التوسل والوسيلة ، إذ يفسر الآن هذا المصطلح بما هو غير مألوف في العصور الأولى . انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته القيمة في التوسل.
وكذلك مصطلح (الفقيه) يتداول الآن بحيث يضيق معناه الذي وسع فيه القدامى، وكيف يفسر الفقه الذي جاء في حديث (من يرد الله خيرا يفقهه في الدين) ، وما المقصود بالفقه هنا في هذا الحديث؟ هل يعني أنه عالم في فقه العبادات والمعاملات كما هو المتبادر الآن في الأذهان؟ أو عالم في أمور الدين كلها؛ كالسلوك والعقيدة والشريعة ؟
ونرى ذلك التفاوت أيضا في مصطلح (النية) الذي أصبح الآن مصطلحا فقهيا، يتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ما هو أخص من الإخلاص الذي كان هو المقصود بالنية في العصور الأولى .
هذه الأمثلة ذكرتهاكنماذج على وجه السرعة. أما في كتب المصطلح فآثار التغيير ملموسة عند من يملك منهجا سليما في فهم النصوص. من تلك الآثار إطلاق صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره ، والحاكم ، والمسنِد، وغير ذلك مما لن تجد له في نصوص النقاد أثرا.
بل إذا تأملت في كتب المصطلح ترى بأم عينيك أن كثيرا من المصطلحات وتعريفاتها كانت مرتبطة بأحوال الرواة، وبتغيرها تختلف المصطلحات وتعريفاتها، ويشهد على ذلك ما يأتي من المصطلحات وتعريفاتها : صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لغيره وحسن لذاته ، والشاذ والمنكر ، والمحفوظ والمعروف ، والحديث المتروك ، والحديث الموضوع ، وهذه المصطلحات وتعريفاتها قائمة على ربطها بأحوال الراوي، الأمر الذي
أدى إلى فهم كثير من المعاصرين أن التصحيح والتضعيف والتحسين تابع لأحوال الرواة، كما أدى ذلك إلى التباين المنهجي بينهم وبين النقاد القدامى.
أما تصحيح الفقهاء المتأخرين وتضعيفهم للأحاديث فكان على غير نهج المتقدمين النقاد كما صرح بذلك ابن دقيق العيد واللاحقون. وإذا تتبعنا عمل كثير من المتأخرين المحدثين والمعاصرين وجدناهم على منهج الفقهاء .
ومن وقف على هذا الواقع من التباين المنهجي فإنه لا يفسر الصحيح الذي أطلقه الإمام السيوطي مثلا بالمعنى الذي قصده النقاد، ومن لم يقف على ذلك فإنه يكون قد قلب الأمور رأسا على عقب.
ومن أخطر آثار التبديل والتغيير في مسائل المصطلح فصل الإسناد عن المتن في الحكم ، في الواقع أن السند لا يحكم عليه بالاتصال أو الانقطاع أو الإرسال أو التدليس أو الصحة أو الضعف أو الحسن إلا في ضوء المتن ، وإلا فحكم عام يقوم على ظاهر حال الراوي ، والمعاصرة ، واللقاء ، ولا يكون لذلك صلة بذلك الحديث الذي رواه، وبالتالي لا يفهم من ذلك الحكم أن الراوي سمع هذا الحديث ممن هو فوقه، ولا أنه قد أصاب في روايته، أو أخطأ فيها.
إذن يكون قولك إن مسائل المصطلح لم تتغير تنقصه الدقة في نظري، ولا أعني بذلك إلصاق تهمة التبديل إلى أئمتنا السابقين ، إذ أعتقد جازما بأنهم لم يقصروا في جمع ما يتعلق بمنهج النقاد من المسائل، وأضافوا في كتبهم ما استخدموا من المصطلحات، ولم يتركوا شيئا إلا أوردوه فيها، لكن ذلك مبثوث فيها بغير ترتيب، ويحتاج القارئ إلى منهج سليم أساسه المقارنة، وهناك مسائل كثيرة ينبغي تقييدها بما ذكر في مواطن أخرى ، وأحسن مثال لذلك مسألة زيادة الثقة ، وقد شرحت ذلك في بعض أبحاثي حول زيادة الثقة بعد أن رأينا بعض أفاضل العصر يقول زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطح، وإن دل هذا على شيئ فإنما يدل على مدى تغير مسائل المصطلح.
ثانيا : الانحراف في التصحيح والتضعيف .
الذين يصححون الأحاديث ويضعفونها بناء على أحوال الرواة يشكل ذلك منهجا مختلفا عمن يصحح ويضعف بناء على مدى موافقة الراوي للواقع الحديثي أو مخالفته له أو تفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل، سواء أ أطلقنا عليهم مصطلح: المتقدمون والمتأخرون، أم نقاد الحديث وغيرهم، أو غير ذلك؛ فإن التباين المنهجي بين النقاد وغيرهم أمر واقع لا يمكن إنكاره .
ثالثا: مصطلح: المتقدمون والمتأخرون .
هذا مصطلح آثرته لاعتبارات كثيرة؛ من أهمها كونه مألوفا لدى الجميع في جميع انواع العلوم الشرعية، ثم إنه لا مشاحة في الاصطلاح، لذا ينبغي تفسيره بالمعنى الذي بينته في أكثر من موضع من كتبي ، وقد صرحت فيها بأني لا أقصد بذلك جميع المتقدمين ولا جميع المتأخرين، وأن الفاصل بينهم ليس زمنيا، وإنما هو منهجي، ولم يكن استثناء الحافظ ابن خزيمة والحافظ ابن حبان والحاكم من منهج النقاد إلا على ذلك الأساس، وأن هذا الاستثناء متفق لدى الجميع، مع بيان تفاوت مراتبهم في التساهل. فمعنى ذلك أنه من الضرورة استثناء كل من يسلك طريقة هؤلاء الحفاظ المعروفين بالتساهل في التصحيح والتضعيف، سواء كان متقدما أو متأخرا، وبأي مصطلح كان ذلك، والمهم هو عدم الخلط بين المناهج المختلفة في التصحيح والتضعيف، وقواعدهما ومعاني المصطلحات المنبثقة عنها.
أما إذا استخدنا مصطلح: (المحدثون والفقهاء) كما يحب بعض الإخوة؛ فإن ذلك يساعد على رسوخ خطأ فادح في نفوس الأجيال، ألا وهو الفصل بين المحدثين والفقهاء ، وأن المحدثين ليسوا فقهاء، هذا في الحقيقة نكران التاريخ. ثم إن ذلك يوهم أن المحدثين كانوا جميعا يمارسون النقد، وليس الأمر كذلك. ولم يسبقنا أحد باستخدام هذا المصطلح في المجال الذي نحن بصدده، بينما مصطلح : المتقدمون والمتأخرون قد استخدمه من قبلنا ، انظر الحافظ ابن حجر والذهبي والسخاوي وغيرهم ممن أوردنا أسماءهم في كتاب الموازنة.
من المعلوم أن لا مشاحة في الاصطلاح، لذا ينبغي تفسير المصطلح بما اصطلح عليه واضعه.
رابعا: إحياء روح التتبع والبحث 0
إذ نطرح هذه المسألة فإننا نهدف إلى إحياء روح التتبع والبحث في التصحيح والتضعيف وإحياء منهج النقاد فيهما حتى يستوعبه الباحثون، إذ النقاد هم المصدر الأصيل في هذين المجالين، أما المتأخرون فهم عالة عليهم فيما يخص الحديث الشريف رواية ونقدا.
وإذا لم يستوعب الباحث منهج النقاد ولم يفهم مصطلحاتهم فما فائدة التتبع والبحث والهمة والنشاط ؟ وهو كما قلت أنت إذا سألت أحدهم يقول أنا خريج كتب التخريج، أوليس هذا مما ينبغي علاجه أخي المنصور!.

شيخنا المحدث النقاد : جزاكم الله تعالى كل خير على ما تتحفون به طلاب العلم من رائع ما يخطه بنانكم ونسأل الله تعالى أن يديمكم ويوفقكم لرفع كلمته العليا وأن يحفظكم من كل مكروه :
س7/ ما قولكم في مصطلح الإمام الترمذي " حسن غريب " .
س8/ هل يصح في المهدي المنتظر عندكم شيء .
س9/ ما هي مرتبة أقوال الحافظ البيهقي والحافظ الطحاوي في نظركم بين أقوال المتقدمين .
س10/ هل ترون من فرق بين مجرد ذكر ابن حبان لراو في كتابه الثقات دون التنصيص على أنه ثقة وبين من ينص على أنه ثقة أو مستقيم الحديث في ذلك الكتاب . ودمتم ذخرا للإسلام والمسلمين .
ج/ شكرا جزيلا على لطفكم، جزاكم الله خيرا ، ودمتم أيضا ذخرا للإسلام والمسلمين.
أما مصطلح (حسن غريب) فقد شرحته في بعض أبحاثي.
إني أرى - في ضوء تتبعي وحدود فهمي - أن الإمام الترمذي يقصد بهذا المصطلح أن متن الحديث سليم من الشذوذ والغرابة، لكن السند فيه غرابة وإشكال.
ومما يزول به شذوذ المتن أن يكون قد عمل به بعض الصحابة مثلا، وربما تضر غرابة السند بصحة الرواية وثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لذا لا يلزم من تحسين الترمذي لحديث ما أن يكون صالحا للاحتجاج به كما بين ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه (النكت).
أما ما يتصل بالمهدي فلم أقم بدراسته، بل قرأت ما كتبه الدكتور/ عداب قراءة عابرة وسريعة، فوجدته يضعف بعض الأحاديث بتكلف شديد.
أما الحافظ البيهقي فيختلف عن الحافظ الطحاوي، حيث يعد الأول ناقدا بينما لا يعد الثاني كذلك.
أما السؤال الأخير فنعم هناك فرق؛ فمن قال فيه ابن حبان: مستقيم الحديث، فمعناه أن التوثيق كان بناء على تتبع أحاديثه، وكذلك الأمر كلما تضمن تعليقه على الراوي عبارة تدل على أنه قام بتتبع أحاديثه، وأما إذا أورد في كتابه الثقات راويا ولم يصفه بشيء فليس فيه ما يدل على أنه قام بتتبع أحاديثه، قد يكون مجهولا.
وعلى كل فالرواة في ثقات ابن حبان على أقسام ومراتب كما شرح ذلك الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في كتابه التنكيل.

خليل بن محمد
17-12-02, 01:38 PM
الشيخ الفاضل حمزة المليباري حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
س11/ سؤالي الأول هو هل الاقتصار على تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر رحمه الله في الحكم على الرجال منهج سديد ؟
ج/ ليس منهجا سديدا بالنسبة إلى كل الرواة، فقد يكون بعض الرواة مختلفا فيه يقتضي ذلك الوقوف على مخارج التوثيق والتجريح ، وبالتالي ينبغي مراجعة الكتب القديمة من تأليف أئمة الجرح والتعديل أنفسهم.

س12/ سؤالي الثاني هو ما هو عدد الأحاديث النبوية المرفوعة الصحيحة هل بالإمكان حصرها في كتاب معين فإن بعضهم ينكر قول من يقول إنها لا تتجاوز الأربعة آلاف حديث أو عشرة الآف حديث كما جاء عن الذهبي فهل تُحد بحد معين أم أن كلامه صلى الله عليه وسلم كثير فلا يُعقل حصره .
ج/ الله أعلم .

س13/ السؤال الأخير وهو أهمها : أرجو منكم حفظك الله أن تذكروا لمن انتهى من دراسة كتب المصطلح وأتمها وعرف المراد بمصطلحات الأئمة منهجاً في إتمام دراسته سواءً كان ذلك إرشاداً لدراسة كتب الرجال والطريقة المناسبة أو عملاً وتمرناً على التخريج أو جرداً للسنة وشروحها .
وجزاكم الله خير الجزاء .
ج/ جزاك الله خيرا .
فيما أرى أن التخريج هو الأنسب بالنسبة إلى من استوعب مسائل علوم الحديث نظريا ، إذ هو مرحلة تطبيقية لعلوم الحديث ، لكن يجب أن يكون التخريج تخريجا علميا بعيدا عن التخريج الفني الذي يتمثل في تكثير مصادر الحديث وترجمة كل من ورد من الرواة، وإذا كنت راغبا في التدريب على التخريج العلمي فإني أنصحك بقراءة كتاب (كيف ندرس علم تخريج الحديث) قراءة متأنية وواعية.
وإذا قمت بممارسة التخريج العلمي، سيكون ذلك بإذن الله تعالى عونا على استيعاب علوم الحديث نظريا وتطبيقيا، وفهم منهج نقاد الحديث في التصحيح والتضعيف فهما صحيحا.

س14/ الشيخ الفاضل الدكتور حمزة المليباري وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :
أعتذر في البداية على أن سؤالي فيه إطالة، ولكنه معضلة في المصطلح والخلاف فيها واسع، ولم أجد من حرّر ذلك بتفصيلٍ يشفي الغليل ويطفئ ظمئ ويحلّ الإشكال. ألا وهي قضية توثيق من ليس له إلا بضعة أحاديث.
أقول إني أستطيع تصنيف منهج توثيق الرجال (متشدد أم متوسط أم متسهل). هذا في من كان كثير الحديث. أما من كان قليل الحديث فيختلف الأمر كثيراً. والناس فيه على مذاهب:
‏1) مذهب توثيق المجاهيل، حتى لو كانوا لا يعرفون عنهم شيئاً. وهو مذهب ابن حبان والعجلي وابن خزيمة ‏والحاكم.‏
‏2) مذهب توثيق قليل الحديث، من ليس بالمشهور حتى لو لم يكن له إلا حديثٌ واحد. وهو مذهب محمد ‏بن سعد (مع المدنيين)، وابن معين و النسائي وأبو نُعَيْم والبزّار وابن جرير الطبري والدارقطني والبزار وأبو زرعة الرازي. كل هذا وجدت من نصّ عليه ووجدته بالاستقراء كذلك.‏
‏3) مذهب الجمهور: لا يوثقون أحداً حتى يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة. وبذلك يجزمون ‏بقوة حفظ هذا الراوي. وهو مذهب غالب علماء الجرح والتعديل وبخاصة البخاري وأبي حاتم الرازي.‏
‏4) مذهب التضييق في هذا والتشديد في ذلك. كما يفعل ذلك ابن حزم وابن القطان الفاسي حتى أنهم قد ‏يجهّلون أناساً من الثقات أو أناساً لا بأس بهم.‏
المذهب الأول والرابع مردودين. والثالث معتمد. لكن الإشكال في الثاني. ويعتمده أكثر المتأخرون، لكن فيه نظر. والمشكلة في أصحاب المنهج الثاني يوثِّقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروي متابعٌ أو ‏مشاهد، و إن لم يرو عنه إلا واحد و لم يبلغه عنه إلا حديث واحد. و قد يكتفي ابن معين بسماع عدد ‏قليل من الأحاديث كما في محمد بن القاسم الأسدي (كذبه أحمد وأبو داود والدارقطني، وضعفه علماء ‏الحديث كلهم إلا العِجلي وابن معين!).‏
قال المعلمي اليماني في كتابه التنكيل (1\67): "وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً، ‏أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلساً، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سُئِلَ عن الشيخ وثَّقه! وقد يتفق أن ‏يكون الشيخ دجَّالاً استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك. ‏ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس" (وهو توثيق ‏باصطلاحه). فحكى له أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذَّاب، وإلا ‏فإني رأيتُ حديث الشيخ مستقيماً"". قلت: وهذا سبب الاختلاف الكبير الذي نجده أحياناً في أحكام ابن ‏معين على الرجال.‏
وألحق السخاوي (كما في فتح المغيث) الدارقطني والبزار في توثيق المجهول إذا روى عنه اثنان كما يفعل ابن خزيمة وابن حبان. أما ‏البزار فقد عُلِم تساهله. والدارقطني وجدته كذلك: يوثق أحياناً تابعين مجاهيل قليلي الحديث لم يوثقهم أحدٌ ‏قبله. بل إن الدارقطني نص على ذلك في سننه (3/ 174).
أما أغلب علماء الحديث فلا يوثقون أحداً حتى يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، و تكثر حتى ‏يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملَكةً لذلك الراوي. ولذلك تجد البخاري دقيقٌ جداً في أحكامه، وإلا ‏سكت عن الرجل. فإذا جاءك الحكم من البخاري بالتوثيق أو التضعيف فحسبُكَ به. وكذلك كان أبو حاتم ‏شديدٌ في نخل الروايات. فإن لم يجتمع له عدد كافٍ لإصدار حكم على الراوي فإنه قد يسميه شيخاً أو ‏يسكت عنه عادةً.‏
المشكلة يا شيخنا أننا لا يمكن أن نعرف قوة ضبط الراوي إلا بمقارنة حديثه مع حديث غيره. فإن كان له حديث كثير، يكون الحكم عليه ممكناً ودقيقاً. لكن المشكلة فيمن لم تكن له إلا بضعة أحاديث تفرد بها.
فبالله عليك كيف نعرف إن كان ضابطاً أم لا؟
نعم، الأصل في المسلمين العدالة، لكن الكلام على الضبط. النسائي مثلاً مشهورٌ عنه أنه متشدد. لكني وجدت أن ذلك في كثير الحديث فقط.
لكنه متساهل جداً في توثيق المجاهيل حتى ممن لم يرو عنه إلا واحد. وهو بذلك يشابه ابن حبان كثيراً. قال الذهبي في الموقظة" <<وقولهم: ( مجهول ) ، لا يلزمُ منه جهالةُ عينِه ، فإن جُهِلَ عينُه ‏وحالُه ، فأَولَى أن لا يَحتجُّوا به . ‏ وإن كان المنفردُ عنه من كبارِ الأثبات ، فأقوى لحاله ، ويَحتَجُّ بمثلِه ‏جماعةٌ كالَّنسائي وابنِ حِباَّن>>.‏وقد أجد الراوي من الطبقة الثالثة مثلاً يقول عنه ابن المديني أنه مجهول لم يرو عنه إلا واحد. وأجد النسائي (على تأخر زمنه النسبي) قد وثقه أو قال لا بأس فيه. مع أنه ليس له إلا بضعة أحاديث عن تابعي واحد، ولم يرو عنه إلا رجل واحد. وابن سعد كثيراً ما يوثق الراوي رغم قلة حديثه (باعترافه). وقد أجد وصف حال هذا الراوي مطابقة لقول شيخه الواقدي، أي أنه قد اعتمد بتوثيقه على قول الواقدي المتروك. ولطالما نبه ابن حجر على ذلك.
وقال في مقدمة فتح الباري (1\443): "ابن سعد يقلد الواقدي. والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق".
والمشكلة هو ماذا نفعل فيمن يوثقهم إلا هؤلاء؟! ثم إني قد وجدت اضطراباً في منهج هؤلاء أيضاً. فقد رأيت الحافظ الدارقطني - رحمه الله- يجهّل العالية امرأة أبي إسحاق السبيعي (رغم رواية زوجها وابنها عنها وهما من هما)، لأنها تنقل خبراً يعارض مذهبه الشافعي. وقد رد عليه ابن الجوزي. لكنه في المقابل يوثق رجلاً مجهولاً لم يرو عنه إلا مكحول وليس له إلا حديث واحد في القراءة خلف الإمام (وهو المذهب الشافعي) رغم أن خبره شاذ.
ولا ريب أنه لم يفعل ذلك عن قصد منه. ونحن نأخذ أفعال علماء المسلمين على أحسن محمل. فكيف بأمير المؤمنين في الحديث في عصره؟ لكنه غير معصوم أيضاً على أن يخالف مذهبه في التوثيق الذي نص عليه.
إجمالاً فالمشكل في هذه المسألة أني وجدت الكثير من هؤلاء الرواة لم يوثقهم إلا من كان من أصحاب المذهب الثاني. بعض هؤلاء هم مجاهيل فعلاً (إما نص واحد على ذلك، أو لم يكن له إلا بضعة أحاديث ولم يرو عنه إلا واحد). لكن من هؤلاء من أخرج له مسلم في صحيحه، خاصة من قدماء التابعين. فهذا هو الذي يجعلني أحتار كثيراً في أحاديث هؤلاء.
وليتك يا شيخنا الفاضل تخصص لهذا الموضوع كتيّباً من كتبيّباتك القيمة المفيدة. فقد عرفت فيك بعد النظر وسعة الاطلاع وحسن الفهم ما يقل أن يوجد عند غيرك. والموضوع شائك يحتاج فعلاً لكلمة أطول من "نعم" أو "لا". وجزاك الله خيراً على جهودك، وبارك بك. محمد الأمين .
ج/ أقول : جزاك الله تعالى خير الجزاء ، وبارك في جهدك ، وعلمك، وسدد خطاك ، ومداخلاتك قوية تدل على كثرة الاطلاع والتتبع والتحليل.
مسألة الجرح والتعديل مسألة شائكة جدا، وفي كثير من الأحيان لا يصفو كدر الإشكال فيها، لذا يتوقف استيعابها على ممارسة طويلة لنصوص النقاد فيها، لأن مناهجهم – وإن كانت كما شرحت – مؤسسة على المعرفة والخبرة، فكلامهم في الجرح والتعديل منضبط بقواعدهما ، لكن الخلل والغموض والإشكال يأتي دائما من تفسيرنا لمصطلحاتهم، وسوء فهمنا لمقصودهم بها.
الذي ينبغي فهمه في ضوء ما ذكرتَ في السؤال هو ما يأتي :
أ - إذا كان منهج العلماء في الجرح والتعديل معروفا، وطريقة استخدامهم لمصطلح (ثقة) تتفاوت بين ناقد وآخر، أو بين حين وآخر بالنسبة إلى ناقد واحد؛ فإن تفسير هذا المصطلح لا يكون مستقيما إلا إذا راعينا فيه ذلك التفاوت.
فمثلا: علمنا من خلال التتبع أن ابن معين كان يستخدم مصطلح (ثقة) فيمن كثرت أحاديثه واستقامت معظمها، وفيمن لم يعرفه هو إلا بحديث واحد مستقيم، وبالتالي فإن معنى هذا المصطلح لا يكون موحدا في الحالتين؛ فيعني ابن معين في الأولى: أن الراوي كثير الحديث مع استقامة حفظه في رواية معظمه، أو أنه ضابط للأحاديث ولم يختل حفظه فيها، بينما يكون المعنى في الحالة الثانيه غير ذلك، وهو أنه وقف على حديث واحد مستقيم لذلك الراوي، وأنه ثقة في هذا الحديث، ولا يعني أبدا أنه ثقة ضابط في جميع أحاديثه، وإذا فسرناه في الحالتين جميعا بما هو متبادر في الذهن ، ألا وهو قوي الحفظ وضابط لمعظم أحاديثه أو أكثره، فإن مصدر الخلل هنا فيما يخص توثيق ابن معين يكون من سوء فهمنا.
لا شك أن الراوي الذي وثقه ابن معين بناء على استقامة حديث واحددون تتبع لما رواه من الأحاديث قد يكون محل اضطراب، وتذبذ، إذا راجعه أحد بواقع أمره غير رأيه بسهولة.
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى منهج ابن معين في الجرح والتعديل فإنه لا يقدم قوله في توثيق راو جرحه غيره بعد أن جرب أحاديثه.
من المعلوم أن معرفة منهج العلماء في الجرح والتعديل لها فوائد عظيمة، من أهمها الترجيح عند الاختلاف، وفي حال كون الراوي لم يجرحه أحد ولم يوثقه، بل تفرد ابن معين – مثلا - بتوثيقه يكون ذلك التوثيق محتملا للوجهين مما يقتضي التريث والتحفظ في نسبة الحكم إلى ابن معين ، بل يتطلب إلى سبر مرويات ذلك الراوي، وعرضها على رواية الثقات.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علماء الجرح والتعديل- منهم البخاري ومسلم- قد يوثقون الرواة من التابعين ويصححون أحاديثهم مع أنهم لم يعرفوا إلا من جهة راو واحد، وقد أقر ذلك الإمام الدارقطني حين وضع كتابا تحت عنوان (الإلزامات). هذا لا يعني أن ذلك يكون مطلقا ، وإنما يتوقف ذلك على جلالة الراوي الذي روى عنه الحديث، وإمامته، وطبيعة روايته عن الشيوخ عموما، وتحفظه في ذلك.
فالإمام الدارقطني قد وافق البخاري ومسلما في تصحيح أحاديث بعض الرواة التابعين، ممن لم يعرفوا إلا عن طريق أحد الأئمة الأجلاء ، ثم أضاف إلى ذلك الدارقطني عددا آخر من التابعين قياسا على صنيع الشيخين، فعبر عن ذلك بالإلزام. وليس ذلك استدراكا على الشيخين بما فاتهما من الأحاديث، لكن بعض المتأخرين فهموا كذلك، فأجابوا بقولهم بأنه لا يلزمهما؛ إذ لم يشترطوا استيعاب الأحاديث الصحيحة.
وحسب القواعد التي درسناها في كتب المصطلح ، والتصورات التي بنيناها حول مسائل علوم الحديث لا يصفو لنا كدر الإشكال في ذلك الصنيع المتمثل في توثيق بعض التابعين ممن لم يعرفوا إلا عن طريق راو واحد، ويكتنف حولها الغموض ، بل نعدهم من المجاهيل ، فإن الجهالة حسب تلك القواعد لا ترتفع إلا برواية أكثر من واحد، لكن الأمر ليس كذلك عند النقاد، قد يكون الراوي عندهم مجهولا على الرغم من رواية غير واحد عنه، وقد يكون معروفا بل يكون ثقة وصحيح الحديث مع كونه لم يرو عنه إلا واحد ، إذن ليست المسألة متوقفة على العدد، والقياس، وإنما على نوعية الراوي الذي روى عنه. راجع كتاب شرح العلل لابن رجب الحنبلي.
وعليه يكون سبب الإشكال هو الخطأ في فهمنا لمصطلحاتهم وعدم استيعابنا لمنهجهم.
فالإشكال الذي أثرته أخي محمد الأمين - حفظك الله - أرى من هذا القبيل . (والله أعلم) .

نرحب أشد ترحيب و أكبره بفضيلة الشيخ البحاثة الناقد : حمزة المليباري ، و نسأل الله أن يبارك فيه و في علمه ..
و قد حصل لي شرف رؤية الشيخ بمدينة قسنطينة البهية خارج مبنى الجامعة الإسلامية بها ، لكن لم يحصل لي السماع من شخصكم الكريم ! و أستأذنكم في طرح بعض ما لدي من أسئلة :
س15/ : هل الحديث الحسن الإسناد -على حد المتأخرين - له حقيقة عند المحدثين ؟ بل حقيقة في واقع الأمر .
ج/ شكرا جزيلا ، جزاك الله خير الجزاء ، ووفقنا وإياكم لخدمة السنة إيمانا واحتسابا كما وفق سلفنا الصالح لخدمتها.
إن طريقة المتأخرين عموما في الحكم على الحديث هو الاعتماد على أحوال الرواة، لذا يكون الحديث الحسن على حد المتأخرين قد لا يكون كذلك عند النقاد ولا في الواقع . هذا وقد شرحنا هذا الموضوع في ((الموازنة)) .

س16/ ما رأيكم في التسامح في باب الأثار الموقوفة و ما دونها من حيث قبول رواية من تكلم فيه قليلا أو كان فيه سوء حفظ، بشروط و ضوابط / مثل أن لا تعارض شيئا ثابتا عن قائل الأثر أ و لا تكون مما يخالف أصلا ثابتا في أصل الشرع و هكذا ؟
ج/ نعم الأمر كذلك فيما أرى. (الله أعلم) .

س17/ ما رأيكم في تعارض رواية الثقة و الضعيف ، هل تقديم رواية الثقة مطرد ، فإنك تجد من الأئمة من يرجح أحيانا رواية الضعيف أو من تكلم فيه على رواية غيره ممن هو أعلى منه ثقة و ضبطا و يقول : هي أشبه بالصواب لاحتفافها بقرينة كلزوم الثقة للجادة أو كون المتن منكرا أو غير ذلك من القرائن المعرفة بخطأ الراوي أو احتمال خطئه ؟
ج/ نعم يتوقف الترجيح على وجود قرائن وحسب دلالتها، والقرائن غير محصورة، ويتوفق فهمها واعتمادها في الترجيح على الخبرة الحديثية والمعرفة الواسعة، كما الإمام الحاكم: الحجة عندنا الحفظ والمعرفة والفهم لا غير. أما في حال عدم وجود قرائن يكون الثقة مقدما على من دونه بدون شك.

س18/ هل رواية المتروك لا تصلح للاعتبار مطلقا ؟و إن كانت لا تصلح فما تعليقكم على عبارة الترمذي فيما يقول عنه حديث حسن قال ( كل حديث يروى ..و فيه لا يكون في سنده كذاب ) فهل يعني أن روايات المتروكين تدخل ضمن حد الحسن عنده ؟
أو هل يعني أن الحسن عنده لا يراد به النوع المحتج به ؟
أو يدخل فيه ما يكون حجة و ما دونه ؟
و قد قال الدارقطني و هو يعلل حديث يروى عن أبي هريرة و قد حصل فيه اضطراب من رواته الثقات : ( ورواه عبد الله بن زياد بن سمعان عن المقبري عن القعقاع عن حكيم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشبهها بالصواب و إن كان ابن سمعان متروكا ) العلل 8/159 .
ج/ الذي احترز عنه الترمذي بقوله في الحسن هو المتهم بالكذب، ويدخل فيه المتروك المتفق على تركه أيضا، كما أوضح ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح العلل. وإن كان الراوي كذابا أو متروكا متفقا على تركه فإن الأصل المعمول به لدى عامة المحدثين هو أن لا يروى حديثه في كتبهم، لغير بيان الضعف، بخلاف المفسرين وأصحاب السير وغيرهم من الفقهاء ، وقد يروي المحدث عن المتروك، لكن فقط على سبيل التساهل أو غفلة منه، كما وقع في بعض السنن والمسانيد غير المعللة.
أما تحسين الترمذي للحديث فلا يلزم منه أن يكون صالحا للاحتجاج به ، كما سبق شرح ذلك في أكثر من مناسبة.
أما ما ذكرت من ترجيح الدارقطني فمبناه القرائن التي أوضحتها في الأسئلة فيما أرى، ومن نظر في عمل النقاد من جهة أحوال الرواة أشكل ذلك عليه، ومثل هذه المسألة التطبيقية ليس من السهل أن نعلق عليها قبل الفهم، وقد حاولت ذلك من خلال تتبع سريع، لكن وجدت نفسي تميل إلى ما ذكرت أنت أخي من سلوك الرواة الجادة، وأنا مقتنع باحتمال وجود أمور أخرى قد تكون معولا عليها لدى الدارقطني في الترجيح.
وعلى كل لا مانع من القول إن هذا الراوي المتروك لم ينفرد بإضافة الحديث إلى سعيد، وهو مصدر هذا الحديث، وباتفاق جميع الرواة ثبت أن الحديث قد حدث به سعيد، كما أن الحديث مرفوع أيضا باتفاق معظم الرواة، وليس ذلك مما انفرد به ابن سمعان أيضا. لكن الرواة اختلفوا حول شيخ سعيد في هذا الحديث، وحول الصحابي الذي رواه، ثم عند المقارنة بين الوجوه المختلفة نجد ما قاله ابن سمعان أصعب على اللسان أن يسلكه وهما وأن ينزلق إليه بغير شعور، بخلاف ما ذكره غيره مع اختلاف فيما بينهم، فالداقطني قد عبر عن ذلك بعبارة محترمة حين قال : (وهو أشبهها بالصواب و إن كان ابن سمعان متروكا). والله أعلم .
هذا وقد صحح ابن حبان هذا الحديث من رواية الوليد عن الأوزاعي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي قال إذا وطىء أحدكم بنعله في الأذى فإن التراب لها طهور، على الرغم من الاختلاف على الأوزاعي الذي ذكره الإمام الدارقطني.( 4/249)، وقد يكون ذلك التصحيح من تساهل ابن حبان.

س19/ ما هو رأيكم في مسالة اشتراط السماع و اللقي من عدمه بين المتعاصرين و هل اطلعت على ما كتبه الشيخ حاتم العوني ؟ بارك الله فيكم.
ج/ ما ذكره الشيخ حاتم الشريف – حفظه الله تعالى - في كتابه (الإجماع) هو عين الصواب ، وكنت أرى ذلك منذ سنوات حين كنت في الجزائر، وقد طرحنا هذا الموضوع أمام بعض الطلبة هناك، فلما وجدت الشيخ حاتم قد عالج الموضوع بالأدلة الكافية سررت كثيرا، ودعوت له من أجل ذلك .
لا أدري كيف شاع بين العلماء أن مذهب مسلم في حكم الاتصال بالمعاصرة دون اللقاء بين راويين متعاصرين كان مطلقا، بينما يقيد الإمام مسلم ذلك بصريح قوله في المقدمة : ’’أما والأمر مبهم.... ‘‘ ، يعني عند الإبهام، وليس ذلك مطلقا في عنعنة المتعاصرين.
ومن المعلوم بدهيا أن الحكم بظاهر الأمر عند إبهام الحقيقة وفقدان آليات البحث عنها والتفتيش مألوف لدى الجميع، والخارج منه مشدد على نفسه دون أمر شرعي، لذا أصبحت دعوى مسلم بإجماع المحدثين على الحكم بالاتصال بمجرد المعاصرة مع إمكانية اللقاء بشرط أن لا يكون الراوي متهما بالتدليس أمرا واقعيا، ومن المحدثين البخاري وعلي بن المديني.
وأود أن أقول إن الشيخ حاتم ممن أحبه وأحترمه كثيرا لجودة ما كتبه وقدرته على تأسيس فكرته واستنتاجاته، ونفسه الطويل في البحث والتتبع والإبداع، وما يكتبه يعد نموذجا رائعا للأبحاث العلمية المبدعة.
جزاه الله تعالى خيرا وسدد خطاه، وحفظه من كل شر وفتنة تصرفه عن الانشغال بالأهم .

س20/ هل تتفضلون علينا بشرح طريقة مختصرة للحكم على الأسانيد.
ج/ إن شاء الله سأفعل ذلك في المستقبل القريب إن شاء الله .

خليل بن محمد
17-12-02, 02:15 PM
س21/ ماقولكم شيخنا في دعوى عدم احتجاج الإمام احمد بالحديث الضعيف وأن مقصوده الحسن . مع كون الشواهد تثبت قبول احمد بالحديث الضعيف الذي لا وجه لتحسينه .
ج/ فيما أرى أن المسألة فيها شيء من الخلط.
هناعدة نقاط :
الأولى : أن الضعيف الذي يحتجون به أو يستأنسون به أو يقدمونه على الرأي هو الحديث الذي لم يتبين صوابه ولا خطؤه، وذلك لاحتمال أن يكون قولا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد يطلقون عليه بالضعف أو بالحسن.
وأما ما تبين فيه الخطأ، وثبت أنه قول صحابي أو تابعي وليس قولا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يحتج به، ولا مجال لتقديمه على رأي آخر، لتساويهما في الأمر.
الثانية: يظهر معنى احتجاجهم بهذا النوع من الأحاديث الضعيفة، وقصدهم بذلك من خلال النصوص الآتية:
يقول الأثرم : كان أبو عبد الله، ربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه ، مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه ( شرح العلل ص: 188 – 189) .
وقال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن عمرو بن شعيب، : أنا أكتب حديثه وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه شيء.
وقال أبو داود عن أحمد بن حنبل: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه وإذا شاؤوا تركوه ، وقال البخاري : رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين ، قال البخاري : من الناس بعدهم ( التهذيب 8/49) .
وفي ضوء هذه النصوص يمكن القول بأن احتجاجهم بتلك الأحاديث الضعيفة التي لم يتبين فيها الخطأ كان على سبيل الاحتياط لاحتمالها أن تكون مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس احتجاجهم بها كما يحتجون بجميع أنواع الأحاديث الصحيحة وما يقاربها. (والله أعلم) .

س22/ حكم الأثر التالي:
هذا الأثر هو مارواه الطبراني في الكبير 9/163 قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي ثنا أسد بن موسى ثنا وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال قال عبد الله ثم لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم قال وكيع قال الأعمش فأنكرت ذلك فأتيت إبراهيم فذكرته له فقال وما أنكرت من ذلك فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك قال إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر رضي الله عنه.
وإشكالي فيما أرسله النخعي عن ابن مسعود وأقسم عليه، وجدت كلاماً لشيخ الإسلام يفيد صحته ولم أقف له على سند متصل، وكل طرقه من إرسال النخعي أو منصور وأظنه ابن المعتمر.
وهذا الأثر أورده جم غفير من أهل العلم في معرض التقرير أذكر منهم الشيرازي في طبقات الفقهاء، والبري في الجوهرة، والمكي في قوت القلوب، والصفدي في الوافي بالوفيات، والبسوي في معرفة التاريخ، وابن الضياء في تاريخ مكة والمسجد الحرام، وأبونعيم في تاريخ أصفهان، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، والسخاوي في التحفة اللطيف،وابن عساكر في تاريخ دمشق، والمزي في تهذيب الكمال، وابن سعد في الطبقات، والطبري في الرياض النضرة وقال خرجه أبوعمر القلعي، وكذلك ابن الأثير في أسد الغابة، وذكره ابن عبدالبر في التمهيد بالسند، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وكذلك الهيثمي في مجمع الزوائد، والدارمي في سننه، وذكره غيرهم مقرراً له ومن أجلهم عندي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه شمس الدين ابن القيم.
فهل له طريق موصول إلى ابن مسعود رضي الله عنه وأو غيره من الصحابة وأين أجده.
ج/ أخي العزيز جزاك الله خيرا ، فقد أفدتني بما ذكرت، من التخريج، نعم قول إبراهيم عن ابن مسعود منقطع، ولعل العلماء قد اعتمدوا في قبولهم لذلك الأثر المنقطع على صيغة الجزم التي استخدمها إبراهيم النخعي مع التأكيد بالقسم، يبدو أن الرواية هكذا وردت منقطعة، ربمالم يذكره إبراهيم في غير هذه المناسبة؛ لذا يصعب علينا أن نجد الرواية متصلة في موطن آخر؟ (والله أعلم) .

س23/ سؤالي يا فضيلة الشيخ عن تفرّد الإمام الحافظ . ما حكمه من حيث القبول والرد .
جواب هذا السؤال ما قاله الحافظ ابن رجب في شرح العلل: ’’وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه‘‘.
التفرد نوعان : تفرد الراوي بما له أصل ، وتفرده بما ليس له أصل، والأول مقبول ومحتج به، دون الثاني، أيا كان ذلك الراوي المتفرد، لكن من الذي يفرق بينهما ؟ إنما هو الناقد وحده.

فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندي بعض الاسئلة إذا سمحتم وهي :
س24/ من هو القائل وما دليله بالحد الفاصل سنة 300 هـ الذي يعرف فيه بين العلماء المتقدمين والعلماء المتأخرين والتفريق بين علماء امة محمد صلي الله عليه وسلم ، وبهذا يكون :
1) الإمام الدار قطني ( توفي سنة 385 ) 2) الإمام ابن خزيمة ( توفي سنة 311 ) 3) الإمام ابن حبان ( توفي سنة 354 ) 4) الإمام الحاكم ( توفي سنة 405 ) 5) الإمام الطحاوي ( توفي سنة 321 ) 6) الإمام ابن المنذر ( توفي سنة 318 ) 7) الإمام الطبراني ( توفي سنة 360 ) 8) الإمام ابن حزم ( توفي سنة 456 ) 9) الإمام ابن عبد البر ( توفي سنة 463 ) 10) الإمام البيهقي ( توفي سنة 458 ) وغيرهم كثير من العلماء المتأخرين الذي يزهد في قولهم لأنهم ليسوا من العلماء المتقدمين .
وإن كان هناك حد فاصل غير سنة 300 هـ بين العلماء المتقدمين والعلماء المتأخرين فمن هو قائله وما دليله علي تفريق امة محمد صلى الله عليه وسلم بين متقدم ومتأخر.
ج/ أرجو من أخي العزيز – حفظه الله تعالى وسدد خطاه - قراءة كتاب ((الموازنة)) ، فيها جواب كاف عن هذه الأسئلة ، ومع ذلك فهذه إجابات سريعة : من يقرأ كتابا في العلوم الشرعية يجد إطلاق هذين المصطلحين : المتقدمون والمتأخرون في مناسبات عدة.
إذا كان هناك تباين منهجي أو علمي بين العلماء في معالجة شيء من القضايا هل تحب أنت يا أخي الخلط بينهم ؟ وقد صرح ابن دقيق العيد بوجود تباين منهجي بين المحدثين النقاد وبين الفقهاء وعلماء الأصول في التصحيح، وذلك حين قال ابن الصلاح بعد تعريفه للصحيح ، ’’هذا هو الصحيح عند أهل الحديث‘‘. راجع كتاب الموازنة.
وفي ضوء تباين منهجي في ذلك نجد العلماء يفرقون بين النقاد وبين ابن حبان والحاكم وغيرهما من المحدثين مع كونهم من المتقدمين الذين يعتمدون على الرواية المباشرة في نقل الحديث.
إذن يكون التفريق بين العلماء أمرا مهما للغاية إذا وجد بينهم تباين منهجي، وذلك لئلا يقع الخلط بينهم.
ومن هنا نقول: من كان على منهج النقاد سواء كان متقدما أو متأخرا فهو على منهج المتقدمين، ومن كان على غير منهجهم – مهما كان سبب ذلك - ينبغي التفريق بينهم وبين النقاد بأي مصطلح كان، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وإذا تتبعت تصحيح المتأخرين والمعاصرين عموما وجدتهم على غير منهج النقاد، فيصححون ويضعفون بناء على أحوال الرواة عموما. مع الملاحظة أن المتأخرين لم يتكلموا جميعا في التصحيح والتضعيف، كما أن المتقدمين لم يتكلموا جميعا في ذلك . فالمقصود بالمتقدمين هنا هم النقاد، ومن سلك منهجهم ولو كان متأخرا زمنيا، وبالمتأخرين هم الذين يصححون الأحاديث ويضعفونها بناء على ظواهر السند، ولو كان متقدما.
هذا واحد، والأمر الثاني أن الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين فاصل علمي وليس فاصل زمني محدد . فكل من يعتمد على الرواية المباشرة في نقل الحديث فهو من المتقدمين، ومن يعتمد على الكتاب دون السند فهو من المتأخرين. أما تحديدهم بفاصل زمني ففيه صعوبة فإن تحول العادات والأعراف لم يتم إلا على التدرج.
وفي ضوء ذلك فجميع من ذكرتَ أسماءهم في السؤال من المتقدمين.
وعلى هذا الأساس قد فرق بين المتقدمين والمتأخرين ابن الملقن في كتابه (البدر المنير 1/276 )، حين قال: هذا كله كان على رأي السلف الأول، يذكرون الأحاديث بالأسانيد في هذه التصانيف إذ عليه المعول.
وأما المتأخرون فاقتصروا على إيراد الأحاديث في تصانيفهم بدون الإسناد، مقتصرين على العزو إلى الأئمة الأول إلا أفرادا من ذلك وآحادا: كأحكام عبد الحق الكبرى والصغرى والوسطى.
ثم قال: وأنبه – مع ذلك – على ما أظهره الله على يدي مما وقع للمتقدمين والمتأخرين من وهم أو غلط، أو اعتراض ، أو استدراك قاصدا بذلك النصيحة للمسلمين، حاشا الظهور أو التنقيص، معاذ الله من ذلك فهل الفضل إلا للمتقدم.
ولما كان أغلب النقاد من المتقدمين جاء استخدامي لمصطلح (المتقدمين)، وكذلك لما كان أكثر من خالفهم عمليا في طريقة التصحيح والتضعيف هم المتأخرون والمعاصرون أطلقت عليهم جميعا مصطلح (المتأخرون)، ولا مشاحة في ذلك، وليس ذلك أبدا تفريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأئمتهم، وإذا كان التفريق بينهم بالسلف والخلف من حيث العقيدة أمرا مألوفا، فما الذي يمنعنا من الفصل بينهم من حيث المنهج في التصحيح والتضعيف، بعد أن أثبتنا التباين المنهجي فيما بينهم، دون أن نطعن في أحدهم. ( والله أعلم) .
ومن الذي يزهد في علم السابقين لكونهم من المتأخرين؟ وإذا رجح أحد قول النقاد المتقدمين في التصحيح أو التضعيف على من خالفهم من المتأخرين، أو دعى الباحثين إلى ذلك، لا يعني أبدا أنه قد زهد في علم المتأخرين. والذي كان يحتج بنصوص المتأخرين وتحقيقاتهم في هذا المجال كيف يتهم بأنه قد زهد في علمهم؟
والله نحن نقدر جهود علمائنا السابقين انطلاقا من إيماننا، وهم الذين علمونا أهمية الفصل بين المناهج المختلفة، وضرورة الابتعاد عن قلب الأمور رأسا على عقب ، ولذلك تجدوننا ننقل في هذا المجال من نصوص علمائنا المتأخرين. انظر يا أخي الفاضل – هدانا الله وإياكم – ما سطرتُه في الموازنة، واقرأه جيدا . وكم من قول صحيح وآفته الفهم السقيم .

س25/ هل إذا اجتهد أحد من العلماء المتأخرين الذين هم بعد سنة 300 هـ في الحكم علي حديث ( بالصحة ) وخالف أحد من العلماء المتقدمين الذين هم قبل سنة 300 هـ يعد هذا العالم المتأخر مبتدع منهج جديد ؟
ج/ سياق الكلام مقلوب ، يا أخي هناك منهجان في التصحيح والتضعيف هما: منهج قائم على معرفة مدى الموافقة والمخالفة والتفرد، أو بعبارة أخرى: منهج قائم على مدى سلامة الحديث من شذوذ وعلة، ومنهج قائم على ظواهر السند والتجويز العقلي، وقد أفادنا بذلك الإمام السخاوي وابن دقيق العيد وغيرهما من الأئمة المتأخرين؛ أما الأول
فعليه النقاد، وعلى الثاني الفقهاء المتأخرون وتبعهم في ذلك المحدثون المتأخرون والمعاصرون، إلا نادرا .
إذا خالف أحد من المتأخرين نقاد الحديث القدامى غير المتساهلين لا يقال إنه ابتدع منهحا جديدا، وإنما يقال إن هذا المتأخر قد أخطأ في الحكم فقط، أما إذا وجدناه قد اتخذ منهجا عاما في التصحيح والتضعيف، وفق منهج الفقهاء، واستخدم مصطلح (صحيح) فيما إذا كان رواته ثقات ، واتصل سنده ظاهرا، بغض النظر عن سلامته من شذوذ وعلة، وأصبح بذلك يخالف نقاد الحديث بتصحيح ما ضعفوه، أو تضعيف ما صححوه، فعلينا أن نبين ذلك لئلا يقع الخلط بين المناهج المختلفة، ولئلا يفسر قوله (هذا صحيح) بما استخدمه فيه النقاد، كما نبهنا علماؤنا السابقون بتساهل ابن حبان والحاكم وغيرهما، مع كونهم من المتقدمين الذين يعتمدون الرواية المباشرة في نقل الأحاديث .

س26/ هل العالم المتقدم الذي هو قبل سنة 300 هـ معصوم من الخطأ والوهم الذي يقع فيه العلماء المتأخرين الذين هم بعد سنة 300 هـ جميعاً ؟
ج/ كلا ثم كلا ، ولم يقل به أحد فيما أعلم.

س27/ يا شيخ / كثر في هذا الزمان بين طلبة علم الحديث ( خاصة ) من يزهد في العلماء المتأخرين وفي علمهم واجتهادهم حتي إن أحد طلبة العلم يرفض ويزهد في ( فتح الباري ) لابن حجر رحمه الله ويقول ( لا أريد شرح هؤلاء المتأخرين ) .
يا شيخ / ويوجد طلبة علم تقول لهم هذا الحديث صححه ( الحافظ ابن حجر ، والحافظ البيهقي وغيرهم ولا يوجد لهم مخالف من تقدمهم من العلماء فيقول وبكل بساطه وزهد : ( هؤلاء علماء متأخرين ) . إنا لله وإنا إليه راجعون .
ج/ وأنا أقول أيضا إن لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله تعالى العافية والسلامة، وهذا الذي ذكرته سلوك منحرف، وغرور بالنفس، ولا ينبغي أن يكون ذلك سلوك طالب علم يخشى الله تعالى. هذا وجزاك الله خيرا

يا شيخ يا فاضل السلام عليكم ورحمة الله: انتم من اهل العلم والفضل، ولدي اسئلة:
س28/ ما رايكم بكتاب منهج المتقدمين في التدليس لناصر الفهد.
ج/ حتى الآن ما وجدت هذا الكتاب، ولم أجد فرصة سانحة لقراءته، وأحب أن أستفيد منه .

س29/ ما رايكم بمنهج المشايخ عبدالله السعد والشيخ عبدالعزيز الطريفي والشيخ العلوان وحاتم الشريف ومن نحى نحوهم فيما يقولونه عن منهج المتقدمين فالحقيقة جعلونا في حيرة.
ج/ لست أنا خيرا منهم حتى أُسأل عنهم. وإنما يسألون عني .
إن ترك المألوف حتى ولو كان خطأ مما يصعب على الإنسان، ويزداد ذلك صعوبة إذا كان منغلق التفكير، ومقدس الماضي.
وما فعله الشيوخ الكرام إنما هو نهوض بما تقتضيه مستجدات عصرنا من الواجبات نحو السنة ، وتفرضه عليهم فوضى الباحثين المعاصرين في التصحيح والتضعيف.
ولا يسعني إلا أن أقول : جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء . وشكرا لكم.

أستاذ أستاذي، و شيخنا الفاضل حمزة السلام عليكم و رحمة الله وبركاته تأثرت بأفكارك قبل أن أطلع على كتبك عن طريق أستاذي الفاضل الذي يعتبر من أنجب تلاميذك في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة (بوبكر)، ثم ازداد تأثري عندما طالعت ما خطته يمينك، فآمل أن تتحفنا بالمزيد راجين من الله لك التوفيق و السداد .
أما سؤالي فهو:
س30/ إذا كان لا يوجد فرق بين الحسن و الصحيح - حسب اصطلاح المتأخرين - من جهة العمل بهما فما فائدة التقسيم إذن ؟؟
ج/ شكرا جزيلا على لطفك وتواضعك ، وزادك الله إخلاصا وعلما وخلقا حسنا، وسدد خطاك.
التقسيم الذي ذكرته شكلي فقط، وقائم على اعتبار أحوال الرواة ، وتكون فائدة ذلك الترجيح عند التعارض إذا لم تكن هناك قرائن.

س31/ متى و كيف يرتقي الحديث الضعيف إلى رتبة الحسن أو الصحيح ؟؟
ج/ إذا لم يتبين فيه الخطأ .

خليل بن محمد
09-01-03, 05:52 PM
س32/ الي فضيلة الشيخ حمزة المليباري سلمه الله ونفع به،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،لقد شوقني ثناء استاذنا فضيلة الشيخ صلاح الدين الادلبي عليكم، سلمكما الله تعالى، لأن ألقاكم وأستفيد منكم ومن علومكم. فأرجو أن تدعو المولي تعالى أن يشرفني بلقائكم والاستفادة منكم ومن سائر أهل العلم والفضل. كما تعلمون، للدكتور عمراني الحنشي كتاب اسمه ( كيف يرد - بكسر الراء- الخطأ على العلماء الكبار ) وتكلم على حديث ابي ذر رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري والذي فيه سؤال النبي صلى الله عليه وسلم له ( يا أبا ذر هل تدري أين تذهب الشمس حين تغرب؟...فإنها تذهب تسجد تحت العرش..الى آخر الحديث).
وقد أعل الدكتور الحديث بتدليس ابراهيم التيمي (وقد عنعن) بسبب ان الكرابيسي قد وصفه بذلك، ثم العلائي في جامع التحصيل، ثم ابن حجر وصفه بذلك في تقريبه فقط.
وإذا ناقض هذا الوصف بالتدليس وعارضه بأن ابراهيم التيمي هذا لم يصفه بالتدليس احد سواهم ..حتى ان ابن حجر لم يذكره في كتابه المشهور بطبقات المدلسين والذي انما هو اعادة صياغة لكتاب العلائي المذكور..وسائر من ترجم له ذكر انه يرسل عمن لم يلقاهم، ولم يصفوه بالتدليس .
فما هو اختياركم وترجيحكم في حال ابراهيم التيمي من حيث احتياجه اثبات التحديث والسماع ام عدمه، وهل هذا عام في كل مروياته ام ان هناك تفصيل؟
وجزاكم الله خيرا .
ج/ أشكرك جزيل الشكر على سؤالك هذا ، وبارك فيك وفي الشيخ الفاضل الزميل الدكتور/ صلاح الدين إدلبي، ووفقنا جميعا لما فيه الخير في الدارين.
هنا ثلاثة أمور؛ الأول: أن إبراهيم التيمي ثقة إمام، غير أنه تُكلِّم فيه بما يدل على أن روايته عن بعض الصحابة منقطعة، ولعل الكرابيسي جعله من المدلسين بسبب روايته عن زيد بن وهب المخضرم؛ إذ قال: (حدث عن زيد بن وهب قليلا أكثرها مدلسة ) كما في التهذيب، يعني أن إبراهيم التيمي كان يخفي الواسطة بينه وبين زيد، وتبعه في ذلك العلائي وغيره.
وعلى هذا فما رواه إبراهيم عن شيوخه متصل وإن لم يصرح بالسماع، إلا في روايته عن زيد بن وهب، فإن الحكم عليه بالاتصال يتوقف على ثبوت سماعه منه ذلك الحديث بعينه، وكذا روايته عمن لم يسمع منه من الصحابة تكون منقطعة أيضا بدون نزاع، ويتأيد ذلك بتعامل النقاد قاطبة مع رواياته، لا سيما اعتماد الإمامين: البخاري ومسلم عليها في الصحيحين.
أما الحديث الذي نحن بصدده ليس مما ينبغي الشك في اتصاله، إذ رواه عن أبيه، ولم يتكلم في روايته عنه أحد من الأئمة، كما لم يتوقف أحد منهم عن تصحيحها عموما في حدود علمي، وفي هذا الحديث خصوصا، بل هي رواية مشهورة ومعتمدة في الصحيحين. وعليه فما قاله الدكتور المحترم(حفظه الله) حول حديث إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر في سجود الشمس غير سديد لا منهجيا ولا علميا.
والأمر الثاني: ما ذكرتَه في السؤال يعد نموذجا لاجتهادات المعاصرين في التصحيح والتضعيف، يقومون بها قبل أن يستوعبوا منهج النقاد في التصحيح والتضعيف، ويعتبرون ما ورد عن بعض الأئمة في معالجة موضوع ما، قاعدة مطردة قبل أن يفهموا مغزى ذلك، ثم يستعجلون في تطبيق هذه القاعدة على الأحاديث التي صححها هؤلاء الأئمة أنفسهم قرنا بعد قرن، ويستدركون عليهم بالذي ورد عنهم، وهذا غريب ومؤسف جدا.
ومن أجل معالجة هذه الظاهرة التي تسود ساحتنا العلمية اليوم قمنا بإثارة موضوع المتقدمين والمتأخرين، وتوعية الباحثين بأهمية مراعاة التأهل، وفهم منهج القوم في النقد، واحترام ما صدر عنهم من الأحكام، وخطورة مزاحمتهم بأفكار سطحية لا تغيب عنها حتى أذهان الطلبة المبتدئين.
الأمر الثالث : من أهم وسائل الحكم على الحديث بالاتصال والانقطاع أن تجمع الروايات وأن ينظر في مدى تفاوت صيغ أدائها، وحتى القول بانقطاع رواية المدلس المعنعنة يتوقف على ذلك أيضا، ولا يكتفى بمجرد صيغة العنعنة التي ترد في الإسناد، إذ الراوي المدلس قد لا يكون مسؤولا عن تلك الصيغة، وإنما تكون العنعنة من تصرف الراوي المتأخر، ولذلك قد يشكل على بعض الباحثين قول النقاد بانقطاع رواية المدلس مع ورود التحديث فيها أو صيغة السماع، كما يشكل عليه قولهم باتصال روايته مع كونها معنعنة.
وبالنسبة إلى هذا الحديث الذي تكلم عنه الدكتور الفاضل؛ لقد قمت بجمع ما ورد في روايته من الطرق فوجدتها تدور على إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر، دون أن أعثر على شئ يدل على انقطاع هذه الرواية؛ مثل وجود واسطة بين إبراهيم وأبيه، أو صيغة تدل على أن إبراهيم لم يسمع من أبيه هذا الحديث بعينه؛ كأن يقول: بلغني عن أبي ، أو أخبرت عن أبي أو غير ذلك .
ألا يكفي لنا صنيع النقاد في عدم تعرضهم لرواية إبراهيم عن أبيه مع شهرتها، في مناسبة بيان انقطاع ما رواه عن بعض شيوخه، بل احتجاجهم المطلق بما رواه عن أبيه معنعنا يلزمنا القول بصحة ذلك الحديث؟.
الخلاصة : إن رواية إبراهيم عن أبيه متصلة جزما، دون أن يعكرها قول الكرابيسي الخاص بما رواه إبراهيم عن زيد بن وهب. وشكوكنا أو تشكيكنا فيما لم يشك فيه النقاد قاطبة يعد مجازفة خطيرة. (والله أعلم) .

أشكر القائمين على المنتدى على اتاحتهم الفرصة لللقاء بطلبة العلم والمشائخ . شيخنا الكريم : أشهد الله على محبتكم فيه .
سؤالي :

س33/ ما رأيكم في ( محمد بن المصفى ) .
ج/ الذي أفهمه من كلام النقاد أن محمد بن المصفى تكلم فيه بسبب الغرابة في بعض ما رواه ونكارته، وهو في الأصل ثقة صدوق، يعني أن هذه الغرابة وقعت من سوء حفظه، لذا يكون ما تفرد به من الأحاديث بحاجة إلى نظر وتتبع ومقارنة، وعليه فقبول حديثه أو رده أو تحسينه يتوقف أساسا على مدى موافقته مع الآخرين ومخالفته لهم وتفرده بما ليس له أصل، أو تفرده بما له أصل.
ولكل ما يرويه من الأحاديث مناسبة خاصة، تختلف باختلاف شيوخه، أو باختلاف طبيعة حديثه، وحسب ذلك يكون الحكم تصحيحا أو تضعيفا أو تحسينا.
وأما حال محمد بن مصفى فلا يعد مقياسا مطردا للحكم على كل ما يرويه من الأحاديث إلا إذا لم يستغرب الناقد تفرده ويستنكره.
فعلى سبيل المثال إذا تفرد محمد بن المصفى عن شيخ معروف بما لا يعرفه أصحابه المعروفون ثم كان ذلك الحديث معروفا بطريق آخر فإن تفرده يعد منكرا ، كما استنكر الإمام أحمد ما تفرد به عن الوليد عن الأوزاعي عن ابن عباس مرفوعا إن الله تجاوز .. الحديث .
ولو كان سؤالك عن حديث معين مما رواه لكان الجواب محددا وواضحا بإذن الله تعالى.


س34/ ما رأيكم في كتابات ( عداب الحمش ) .
ج/ قرأت بعضها، وقد أعجبني أسلوبه في البحث والتحليل ونفسه الطويل في التتبع، لكني أكره جانب التشدد والتكلف في الدفاع عما يميل إليه، وكنت أتمنى أن تصحب مواهبه العلمية والفكرية بالإنصاف، والاحترام، والتواضع، حتى ينال قبول المنصفين.

س35/ ما رأيكم في تحقيق ( عبد الفتاح أبو غدة ) للسان الميزان .
ج/ لم أطلع بعد .


أولاً : أشكر الإخوة القائمين على هذا الملتقى وافر الشكر ، و أسأل الله أن يديم لهم خير الجزاء .
ثانياً : أسأل الله أن يبارك في الشيخ ، و أن ينفع به .
ثالثا : بالنسبة للدعوة لمنهج المتقدمين في الحديث تتبادر إلى الذهن إشكالات:
س36/ القواعد المحررة المعتمدة في الحكم على الحديث أو سنده هل توجد أم لا ؟ و إذا كانت موجودة فمن الذي جمعها في كتابٍ معتمد يُرْجَع إليه ؟
ج/ يقوم التصحيح والتضعيف عند المحدثين النقاد على قواعد علمية واقعية وواضحة الجوانب، لا يشوبها غموض ولا إشكال، قد يظن البعيد أن ذلك إلهام أو تخمين أو غير منضبط بقواعد النقد أو غير ذلك، وإذا أمعنت النظر – يا أخي الكريم حفظك الله - في كتب النقاد القدامى مع رصيد من الفهم والخبرة وجدت منهجهم منضبطا بالقواعد المعمول بها لدى الجميع. والمشكلة أننا - من خلال دراسة كتب المصطلح ولا أثناء تخريج الأحاديث - لم نُكوِّن تكوينا علميا صحيحا يساعدنا على فهم مصطلحاتهم وأبعادها النقدية.
وأما الكتب التي تعالج تلك القواعد جامعة ومرتبة، وتشرحها شرحا وافيا يغطي جميع جوانبها فأظن أنها غير موجودة، وإن كانت كتب المصطلح قد جمعت مصطلحات الحديث التي تحمل في طياتها قواعد النقد، دون أدنى تقصير، لكنها غير مرتبة ترتيبا موضوعيا، بل هي مبثوثة في بطونها، وهي لا زالت بحاجة ملحة إلى ترتيب علمي موضوعي يسهل على القارئ الفهم والاستيعاب.
وإذا أردت الوقوف على تلك القواعد وأبعادها النقدية أثناء دراسة تلك الكتب فما عليك إلا مراعاة ما يأتي:
1 - أن يقوم بالمقارنة بين جميع المصطلحات التي تتصل بعضها ببعض في المعنى الجوهري.
2 - أن يقوم بالمقارنة بينها وبين جوانبها التطبيقية لنقاد الحديث.
3 - تقييد ما ينبغي تقييده ، وإطلاق ما ينبغي إطلاقه.
4 - أن لا يخلط في ذلك بين أقوال المحدثين النقاد، وآراء أئمة الفقه والأصول، ولكل منهم منهج خاص.
وقد كتبت بعض أبحاثي لبلورة هذه الأمور وأهمية مراعاتها لدى دراسة كتب المصطلح.
ومن الجدير بالذكر أن هناك كتبا عديدة تساعدك على استيعاب منهج المحدثين النقاد، وفهم قواعده، منها مقدمة الإمام مسلم، وكتب العلل عموما، والمعجم الأوسط للطبراني، وكتب الضعفاء لابن عدي وابن حبان، والعقيلي، وشرح العلل لابن رجب، وكتاب النكت للحافظ ابن حجر والتنكيل للشيخ عبد الرحمن المعلمي – رحمهم الله تعالى جميعا - (والله تعالى الموفق) .

س 37/ من خلال نقاشي مع المهتمين بهذا المنهج كشيخنا ( عبد الله السعد ) و أحد كبار طلابه عن المنهج كان منهم إبداءُ أمرٍ مشكلٍ و هو : أن هذا المنهج إنما هو مبنيٌ على فهوم العارف بالأسانيد. فما مدى صحة هذه القولة ؟ و مما لا شكَّ أن منهجاً قام على فهومٍ دون قواعد فمآله إلى انهيار و أفولٍ لنجمه .
ج/ إن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف منضبط بقواعد، ساعدهم على تطبيقها تلقائيا الحفظ والفهم والمعرفة، حتى أصبح هذا التطبيق العملي منبعا أصيلا لقواعد النقد وضوابطه تصحيحا وتعليلا.
ومثلهم في ذلك مثل حافظ القرآن الكريم، إذا كان الحافظ يستطيع بحفظه أن يكتشف تداخل الآيات والسور على من يقرؤها، فكذلك الأمر بالنسبة إلى الحافظ الذي حفظ الأحاديث بشكل منظم، مع رصيد معتبر من الفهم والمعرفة، ولذا فإن الأمر في اكتشاف الخطأ والوهم لن يكون تابعا لأحوال الرواة ولا يكفي في ذلك مجرد حفظ للأحاديث، أو مجرد إطلاع واسع عليها؛ فمن حفظ أو اطلع على أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه، وأحصاها، وأحاديثه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، وأحاديثه عن أبي سلمة عن أبي هريرة مع إحصاء عدد هذه الأحاديث، كل على حده، يقدر أن يعرف من أدخل في أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه ما كان يرويه عن غيره، وحين وقوع تداخل على الراوي في أحاديث الزهري فإن الناقد يعبر عن ذلك بقوله : ’’إنما هو كذا وليس ذلك محفوظا‘‘، أو ’’هذا باطل وإنما هو كذا‘‘، وغير ذلك من العبارات العلمية التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء.
وهذا العمل التطبيقي القائم على الحفظ والمعرفة والفهم هو أساس تنظير قواعد النقد التي تضمها المصطلحات؛ كالصحيح والمعلول والمنكر والمقلوب والمدرج، وغيرها ، وظهور هذه المصطلحات دليل ناصع على دقتهم في النظر وشمولية التفكير، وعدم اعتمادهم على ظاهر أحوال الرواة، ولو كان الحكم تابعا لأحوال الرواة ما ظهر مصطلح العلة وما يتصل بها من الأنواع؛ إذ معنى ذلك تصحيح ما رواه الثقة، وتحسين حديث الصدوق وتضعيف ما رواه الضعيف، والحكم على ما رواه المتروك بأنه متروك أو مطرح أو واه ، وعلى ما رواه الكذاب موضوعا. وإذا قرأت بعض الدراسات والتخريجات المعاصرة ترى فيبها سعيا حثيثا ( طبعا دون أن يشعر الباحث ) على إلغاء مصطلحي المعلول والشاذ ، بسبب التساهل والتوسع في التصحيح والتحسين.
وكذلك المصطلحات المتصلة باتصال السند وانقطاعه، كالمرسل والمعلق والمدلس وغيرها تدل دلالة واضحة على أنهم لم يكتفوا بأحوال الرواة العامة من المعاصرة والسماع واللقاء ، بل كانوا يدققون النظر أيضا هل سمع الراوي ممن فوقه ذلك الحديث بعينه، وإلا فإن كانوا يكنفون بالمعاصرة واللقاء والسماع بشكل عام ما ظهر مصطلح التدليس أبدا ولا الإرسال الخفي.
ويمكن لنا تلخيص قواعد النقد من مصطلحات النقاد بالآتي :
إذا خالف الراوي الواقع المعروف، أو تفرد بما ليس له أصل في الأمر الواقع دل ذلك على خطئه، وإذا تكرر منه ذلك علم أنه سيئ الحفظ عموما. وإذا وافقه أو تفرد بما له أصل دل على صوابه ، وإذا كان ذلك هو الأغلب في أحاديثه أصبح ثقة، وإذا لم يعرف هذا أو ذاك رجع الأمر إلى الأصل الغالب في الراوي، الذي حدد النقاد مراتبه في الجرح والتعديل من خلال مروياته. وحسب ذلك يكون الحكم؛ فقد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا، وإذا لم يعرف الأصل في الراوي يتوقف الحكم فيه.
وعلى هذه الأحوال الثلاث تدور معظم المصطلحات في التصحيح والتحسين والتضعيف . وباختلافها يحتلف الحكم على الحديث ، ولذا قال بعض المحققين من المتأخرين كالحافظ ابن رجب وابن حجر وغيرهما إن الحكم على الحديث ليس تابعا لأحوال الرواة.
ومع ذلك جاءت تعريفات هذه المصطلحات في كتب المصطلح عموما بحيث يفهم القاريء المستعجل أن الأحكام تابعة لأحوال الرواة. وقد شرحنا ذلك بشيء من التفصيل في الكتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد). والله تعالى أعلم .

س38/ التسلسل الزمني للدعوة لهذا المنهج ، فالمعلوم أن من أوائل من دعا إليه هو ( ابن رجب ) ثم تلاه من بعده كـ ( المعلمي ) و ( الغماري ) . فما قبل ( ابن رجب ) و ما بعده _ فيما بينه و بين التالين له _ هل من داعٍ لهذا المنهج ؟
ج/ هذا يحتاج إلى دراسة استقرائية .

س39/ منهجية جمع الأسانيد و المقارنة بينها و استخراج النتيجة من تلك المقارنة حولها مسائل :
الأولى : من هو المؤهلُ لتلك المهمة ؟
الثانية : قواعد الخوض في تلك المهمة ؟
ج/ المؤهل هو حافظ الأحاديث أو المطلع عليها، على الصورة التي سبق ذكرها آنفا عند الإجابة عن السؤال رقم 37 ، وإلا سيكون مضطرا للاعتماد على ظواهر السند، والقواعد التي يعول عليها هذا الباحث غير المؤهل لا تكون إلا شكلية ؛ ترجع في حكمه على الحديث إلى أحوال الراوي.

س40/ جهود المتأخرين كـ ( العراقي ) و ( ابن حجر ) و ( السخاوي ) و غيرهم ما مدى عناية الداعين لهذا المنهج بها ؟
و مما لا شك أنهم حازوا قصب السبق في التحرير للحديث و أصوله لم يدرك درجتهم من تلاهم . أرجو منكم التكرم بالإجابة عن هذه الأسئلة بنوعٍ من التفصيل. و الله يحفظكم و ينفع بكم .
ج/ حفظنا الله وإياكم من سوء الفهم والانفعال، وسدد خطى الجميع .
الذين يدعون إلى منهج المتقدمين إنما وصلوا إلى ذلك عبر جهود هؤلاء الأئمة المحققين، وهم الذين نقلوا لنا ذلك المنهج، بل كانوا يدعون إلى الاستفادة من منهجهم الرائع في تحقيق التراث وحفظه من تصحيف وتزوير وانتحال، كما يفهم ذلك كل منصف يقرأ ما كتب في ذلك من الأبحاث والكتب.
وهنا أود أن ألفت الانتباه إلى ضرورة الفصل بين المصدر الأصيل والمرجع المساعد في علوم الحديث، وعدم الخلط بينهما بأي حال من الأحوال، وبالتالي يرى الباحث ضرورة ملحة في عرض ما وجد في المرجع المساعد على المصدر الأصيل إذا وقع إشكال أو غموض حول مسألة من المسائل، وذلك من أجل التأكد من مدى صواب ذلك ، وأما إذا لم يفصل بين المصادر، وخلط بينها فإنه لا تخطر على باله أبدا أهمية عرض كلام المتأخرين على كلام المتقدمين أو عملهم التطبيقي.
وأما الفصل بينهما فيما يخص الحديث وروايته فلا يختلف فيه إثنان ممن لديهم علم وخبرة في هذا المجال؛ فما أورده الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين مثلا لا يعد مصدرا أصيلا في التخريج .

خليل بن محمد
14-01-03, 08:43 PM
س41/ يقول الشافعي في الرسالة "والعلمُ به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيءٌ فإذا جُمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فُرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجوداً عند غيره.
وهم في العلم طبقات منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقلَّ مما جمع غيره.
وليس قليلُ ما ذهب من السنن على من جمع أكثرَها: دليلاً على أ نيُطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يُطلب عن نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفرَّد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها." ألا يصلح قوله هذا ليكون قاعدة في تضعيف الحديث؟؟ بحيث إذا لم نجد الحديث عند أحد في تلك الطبقة فلا نحكم عليه بالصحة و إن جمع شروطها. و هو يقارب ما قاله ابن الصلاح في الفائدة الثانية.
ج/ كلامك سليم جدا، وقد صرح بذلك الإمام البيهقي ، وقد نقلته في الموازنة ، وبهذا يفسر ما ورد عن الإمام ابن الصلاح من عدم إمكانية تصحيح المتأخرين لما تضمنته كتب المتأخرين كالمشيخات والأثبات وغيرها من الأحاديث التي يروونها . وللأسف نرى في الباحثين المعاصرين من يرفض التفرد الذي أعل به النقاد قائلا : ’’قلت : لم يتفرد وقد وجدت له متابعا‘‘، ثم يورد الحديث من تاريخ دمشق أو تاريخ الخطيب أو من كتب الفوائد أو غيرها من الكتب التي ترتكز أساسا على ذكر الغرائب (والله تعالى أعلم) .

الاخوه الافاضل القائمين على ملتقى اهل الحديث .. وفقهم الله سلام الله عليكم وبعد ..
س42/ سؤالي هو: هل صحت احاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام .. او اثر صحيح يثبت ان في الجن صحابه .. لهم ماللمهاجرين والانصار من فضل .. وهل هناك من السلف من فصل في ذلك ؟ دمتم مأجورين .
ج/ لا أذكر شيئا من هذا القبيل ، وإنما توجد حكايات غريبة يحكيها بعض المتأخرين، كنوادر في كتبهم الخاصة كالمشيخات والفهارس( والله أعلم) .

س43 / هل ينجبر المرسل إذا تُوبِعَ ؟
ج/ نعم ينجبر بالشروط التي ذكرها الإمام الشافعي، وبعد أن تقوى الحديث المرسل قد يكون صحيحا أو حسنا. وحتى أنواع الانقطاع الأخرى تنجبر بالمتابعات والشواهد إذا لم تكن هذه المتابعات والشواهد معلولة بينة الخطأ.

س44 / ما قولكم في الحديث الذي علّقه البخاري عن شيخه ؟
ج/ هو ما شرحه الحافظ ابن حجر في النكت.

س45 / ماذا عن تفرّد الإمام الذهبي بالتوثيق في ((الكاشف)) ، وبخاصه لمن وُصِفَ بالجهالة .
ج/ بما أن الكاشف من أوائل تصنيفات الإمام الذهبي ، وأنه مجرد اختصار لتهذيب الكمال فإنه لا يكون في مرتبة الميزان والسير وغيرهما من الكتب التي ألفها الذهبي بعد أن نضجت موهبته العلمية وصار إماما، ولذا يستأنس فقط بما ذكر في الكاشف . والله أعلم .

س46 / هل هناك فرقٌ بين (الحديث الباطل) و (الحديث الموضوع) .
ج/ الكلام فيه تفصيل، وتتوقف معرفة المقصود بهذين المصطلحين على معرفة مناسبة ورودهما، وإذا تتبعت كتاب علل ابن أبي حاتم وكتب الضعفاء وغيرها وجدت النقاد يطلقون لفظة الموضوع على الباطل، بل على ما رواه الثقة إذا أخطأ، ولا يريدون بذلك أن الحديث قد وضعه راو على النبي صلى الله عليه وسلم متعمدا، وأما إذا ورد هذان المصطلحان في كتب خاصة بذكر الموضوعات والأباطيل يكون المعنى في الغالب أن الحديث مما وضعه الراوي الكذاب . ( والله أعلم ) .

نشكركم يا فضيلة الشيخ الفاضل على تكرّمكم بقبول دعوتنا لعقد هذا اللقاء ، سائلين المولى (عزّ وجلّ) أن يجعل مجهودكم هذا في ميزان حسناتكم يوم القيامة.
أرجو من فضيلتكم التفضّل بالإجابة عن الأسئلة التالية:
س47/ هل هناك دليل صريح على أنّ الشيخين اشترطا لإيراد الحديث في صحيحيهما شروطا ًأشدّ صرامة ممّا اشترطاه لصحة الأحاديث خارج الصحيحين؟ بمعنى: هل هناك أحاديث صحّحها الشيخان ولم يورداها صحيحيهما بسبب كونها لا ترقى لشرطيهما فيهما؟
ج/ ليس لدى الشيخين شرط زائد على ما تضمنه تعريف الصحيح من الشروط، يعرف ذلك من نظر في الصحيحين؛ إذ يحتويان كل أنواع الصحيح، دون أن خصصا بما هو أعلى صحة دون سواه. وربما نجد لديهما اهتماما بالغا ذكر الأصح والأفضل والأجود سندا ومتنا إذا ورد الحديث بطرق تعددة عن إمام مشهور كالزهري مثلا ، فيختار كل منهما من هذه الطرق ا هو أعلى سندا وأجود، ويتميز الإمام مسلم بذكر مجموعة من لروايات في موطن واحد مرتبا إياها حسب الأصحية والأفضلية، وقد رحنا ذلك في كتاب عبقرية الإمام مسلم . ولم تتوقف الأفضلية الأصحية على أحوال الرواة فقط ، بل تكون لذلك معايير علمية لم ستوعبها من خلال دراسة كتب المصطلحات، ومن أهم هذه المعايير
العلمية علو السند، وجودة المتن، كما أن للعلو مقاييس متعددة كرها الإمام الحاكم وغيره من الأئمة، وكثير منها لا يعرف إلا من لال الموازنة بين الروايات، وأحوال الرواة ، ووفياتهم ، وسماعاتهم ، وحلاتهم، ومراتبهم في الجرح والتعديل، وعاداتهم في الرواي والتلقي، وغير ذلك من الخصائص الإسنادية، كالتسلسل والشهرة.
ومن المعلوم أن الإمامين لم يستوعبا ذكر جميع ما صح لديهما؛ لذا توجد بعض الأحاديث التي صححاها ولم يخرجاها في الصحيحين، وسبب ذلك عدم استيعابهما للأحاديث الصحيحة، واكتفائهما بما أوردا فيهما من أصل الحديث، أو لنزول سندهما.
ومما يلفت الانتباه إليه أنهما قد يطلقان على حديث مقبول بصحته ولا يريد بها المعنى المتعارف لمصطلح (صحيح) .

س48/ عندما أطبّق قواعد التفرّد على أحاديث (النهي عن التنعّل قائماً) أَصِلُ (بارك الله فيكم) إلى نتيجة كون الحديث لا يصحّ، فما قول فضيلتكم؟
ج/ نعم، لا يصح الحديث، وهي نتيجة سليمة فعلا، وبها تنسجم – أخي الكريم ، حفظك الله تعالى - مع منهج النقاد؛ كأحمد بن حنبل والبخاري والترمذي وابن عدي وغيرهم( رحمة الله تعالى عليهم) إذ أعلوا هذا الحديث بعبارات مختلفة، واتفقوا على عدم صحته، على الرغم من تعدد طرق هذا الحديث، وفي الوقت ذاته لم يتجاوز المتأخرون موقف النقاد، ولم يعترضوا على تعليلهم، حين اكتفوا بالحكم على ظاهر السند؛ فمنهم من حسن بعض أسانيده، ومنهم من قال إن رواة بعض الأسانيد ثقات، أو الإسناد صحيح ، وهذا الحكم لم يتجاوز ظاهر السند، يعني غاية ما في ذلك أن رواة بعض الأسانيد ثقات، أو فيهم صدوق لا أكثر ولا أقل، بغض النظر عما تكلم النقاد من التفرد، اللهم إلا ما ذكر المباركفوري (رحمه الله تعالى)معقبا على الترمذي بقوله: ’’فقول الترمذي لا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصل محل نظر‘‘.
وأنت ترى أن تعليل النقاد لم يكن مبنيا على أحوال الرواة، وإنما على التفرد والمخالفة، مع أنهم أدرى بأحوالهم، ولم يصدر منهم ما يدل على ضعف الرواة الثقات أو الراوي الصدوق.
وهذا التفاوت المنهجي هو الذي يرتكز عليه أساسا كلامنا حول المتقدمين والمتأخرين؛ فنرى الحافظ المقدسي يحسن سند حديث أنس، بعد أن نقل قول الترمذي بأنه لا يصح عند أهل الحديث ، ويتمثل هذا التفاوت المنهجي بينهما فيما يأتي :
كان الحافظ المقدسي قد حسن السند بناء على أحوال الرواة ؛ يعني أن السند ليس فيه ضعيف، بينما الترمذي يتجه إلى الحديث وروايته بقوله ’’هذا حديث غريب‘‘ ، وأيده بقول البخاري ’’ ولا يصح هذا الحديث ، ولا حديث معمر عن عمار عن أبي هريرة‘‘،كما استنكره الإمام أحمد من قبل، ثم بعد ذلك رجح الدارقطني وقف الحديث على أبي هريرة، وأما المتأخرون فنظروا في ظاهر السند ، ففيهم من حسن السند كالإمام النووي ، ومنهم من قال : رواته ثقات؛ كالهيثمي والمباركفوري، وفيهم من قال: هذا إسناد صحيح ، دون أن يقول: ’’هذا حديث صحيح‘‘، وبين القولين فرق يعرفه من درس كتب المصطلح.
وإذا قمت بتتبع كل ما ورد في رواية الحديث من الطرق، كطريق جابر وأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، وحاولت فهمها على منهج النقاد فإنك لا تقدم أبدا على الاعتراض عليهم بتطبيق قاعدة تعدد الطرق يقوي بعضها بعضا، بحجة أنها ليست من رواية المتروكين.

س49/ ما هي المباحث العلميّة التي تقترحون على طلاب الحديث أن يشتغلوا بها في هذا الوقت؟
ج/ تقع على عاتق طلاب الحديث مسؤولية كبيرة تجاه السنة النبوية التي أصبحت في المرحلة الزمنية التي نعيشها مجالا مفتوحا ومسموحا لكل من هب ودب، فيصححون ويضعفون ويحسنون ويستنبطون الأحكام أو يستدلون بها، دون أن ينضبط ذلك بقواعد التصحيح والتعليل، وأصول التفسير والتأويل ، ولذلك تكون مهمة الطلاب في هذه المرحلة كبيرة، ولا يجوز التهاون بها، لينفوا عن السنة تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين.
وتختلف طبيعة المهمة العلمية تجاه السنة النبوية باختلاف ميل كل منهم. فمن يميل إلى فقه السنة فعليه أن يتحصل على قواعد تفسير النصوص ، ومن يميل إلى نقد الأحاديث فعليه أن يتدرب على التصحيح والتعليل من خلال التخريج العلمي مراعيا فيه أسلوب النقاد.
وبالتعاون مع أصحاب التخصصات العلمية المختلفة يتم إسقاط السنة على الواقع الذي نعيشه، والدفاع عنها دفاعا يقتضيه طبيعة التشكيك في مكانة السنة ونزاهتها.
ومن الجدير بالذكر أن العمل بالحديث لا بد أن يمر على مراحل ثلاثة وهي :
المرحلة الأولى: مرحلة التأكد من مدى صحةالحديث.
والمرحلة الثانية : معرفة المقصود بالحديث وفقهه، وهي تخضع لقواعد وأصول ، لكيلا يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يقصده، ولا يحمل على غير محمله. ومن أصول التأويل أن يكون فهم الحديث وفقا لما يقتضيه سياق النص، أو يفسر في ضوء عمل الصحابة، أو في ضوء الروايات الأخرى لذلك الحديث طبعا بعد التأكد من صحتها، فإن الحديث من طبيعته أن يختلف سياقه وتتفاوت ألفاظه كلما تتعدد طرقه، فمن خلال جمع الروايات يستطيع الباحث الوقوف على سياق الحديث ولفظه الصحيح ، أو يفسر في ضوء النصوص الأخرى التي وردت في الموضوع ذاته، أو في ضوء العناوين التي عنون بها المحدثون لذلك الحديث في كتبهم، أو يراعى في تفسير الكلمات أسلوب العصر النبوي في استخدامها.
والمرحلة الثالثة: مرحلة إسقاط النص على الواقع، فإن النص قد يكون له بعد مقصدي أو بعد زمني أو بعد مكاني، وعلى مراعاة هذه الأمور مرحليا قامت اجتهادات الأمة سابقا. وبمراعاتها يتم الفصل بين التأويل الباطل الذي فيه تكلف أو تعسف وبين التأويل الصحيح.
وهذه صورة عامة لتلك القواعد التي يجب على طلاب العلم اليوم أن يوجهوا عنايتهم نحو تأسيسها، دون أن يضيعوا الأوقات فيما لا يساعده على التكوين العلمي الصحيح الذي تقتضيه المرحلة الزمنية الجديدة، ولا شك أن هذه القواعد بحاجة إلى التوضيح من خلال الأمثلة لكن المناسبة غير صالحة لذلك.

س50/ من خلال إقامتكم في (الأردن): عمّن من طلبة العلم تنصحون أخذ علم الحديث فيه؟
ج/ لم يسألني أحد عن ذلك خلال إقامتي بالأردن، وكان عندي من الطلبة من يعد من تلاميذ العلامة المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني ( رحمه الله )، ومنهم من يصحب الشيخ مشهور حسن، ومنهم من يحضر مجلس الشيخ الحلبي، وكنت أشجعهم على الاستفادة منهم جميعا لكن دون تعصب، وما كنت أتحدث في المحاضرات ولا في مجالس العلم عن الأشخاص بعينهم، ولا عن أخطائهم ، وما كنت أغتاب أحدا منهم، بل أمدحهم وأثني عليهم في مناسبات أخرى، وأحاول بقدر الإمكان إبعاد الطلبة عن سؤالهم عن الأشخاص بعينهم .

س51/ أخيراً ولعلّه ليس آخراً: ( المليباري) نسبة إلى ماذا؟
ج/ هذه النسبة إلى شمال ولاية كيرلا التي تقع بجنوب الهند، وهذه المناطق التي تقع في شمال ولاية كيرلا قد اشتهرت باسم ( المليبار ) قديما بين التجار من العرب، ثم أصبحت النسبة إليها مفضلة لدى مؤلفي الكتب من العلماء القدامى بهذه المناطق.

الشيخ الفاضل حمزة المليباري بارك الله فيكم ، أسئلتي كالتالي:
س52/ هل من الممكن عمليا - لا نظريا - جمع السنة النبوية كلها بمتونهاوأسانيدها؟ وهل في ذلك فائدة ما؟
ج/ أرى ذلك ممكنا جدا لا سيما في عصرنا الذي تطورت فيه التقنيات المعلوماتية، إذا تضافرت الجهود الجماعية تحت إشراف مركز تتوافر فيه جميع الإمكانيات العلمية والمادية، بشرط واحد أن يكون ذلك العمل خالصا لوجه الله، ويعد ذلك خطوة عظيمة في سبيل الدفاع عن السنة، ونشرها بين المجتمع، إذا كان الجمع قائما على التمييز بين المقبول والمردود في ضوء منهج المحدثين النقاد، وعلى التفسير المنضبط بقواعده ، دون تعصب ولا تعسف.

س53/ لم أر شيئا من كتبكم في المغرب. فهل من سبيل للحصول عليها؟
ج/ فيما أعلم أن دار ابن حزم التي تقوم بنشر وتوزيع كتبي، لها اهتمام بالغ بمشاركة جميع المعارض التي تقام في المشرق والمغرب، وإن شاء الله تعالى سأؤمن لك بما تبقى عندي من الكتب ، وأرجو أن تراسلني بالعنوان الآتي:
H_abdella@maktoob.com
Hamza777@gawab.com
س54/ لماذا لم يقع الاعتناء بمسند الإمام أحمد كما وقع للكتب الستة (الشرح،تراجم الرجال، التهذيب..الخ). جزاكم الله خيرا.
ج/ لقد اهتم به العلماء سابقا في جوانب متعددة غير الشرح، فإن طبيعة ترتيب أحاديث المسند لا تساعد على القيام بالشرح إلا إذا رتبت على الأبواب كما عمل الشيخ الساعاتي ( رحمه الله تعالى ) .

خليل بن محمد
19-01-03, 01:18 AM
س55/ قسم علماء مصطلح الحديث الصحيح إلى مراتب :
1ـ ما أخرجه الشيخان .
2ـ ما أخرجه البخاري .
3ـ ما أخرجه مسلم .
4ـ ما كان على شرطهما .
5ـ ما كان على شرط البخاري .
6ـ ما كان على شرط مسلم .
السؤال هو : ما الفرق بين ما كان على شرطهما ، وما كان على شرط البخاري ، مع العلم أن شرط مسلم داخل في شرط البخاري ؟!
ج/ المراتب الثلاثة الأولى للحديث الصحيح لا إشكال فيها ، إلا إذا لم يجعل ذلك التقسيم مطردا ، لأن ما أخرجه مسلم دون البخاري قد يكون أصح مما أخرجاه لأسباب علمية؛ كشهرة الأول وغرابة الثاني – مثلا – كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر وغيره.
أما الأقسام الباقية ففيها كلام ، أولا : ما معنى قولهم: ما كان على شرطهما وما كان على شرط أحدهما ؟ ما المقصود بالشرط هنا؟ وما مصدر هذا التقسيم ؟ إذا علمنا أساس هذا التقسيم، وأن مبناه قول الإمام الحاكم في تضاعيف كتابه المستدرك، ففي جعل تلك الأقسام الثلاث الأخيرة من الصحيح نظر قوي ؛ إذ معنى قوله هذا صحيح على شرط الشيخين أو شرط أحدهما أن رواة الحديث ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما بغض النظر عن مدى سلامة الحديث من الشذوذ والعلة وحتى عن قضية العنعنة التي أثير حولها خلاف بين الشيخين، فبمجرد كون الراوي من رواة البخاري أو مسلم أصبح حديثه على شرطه ، هذا هو الذي نفهمه من تضاعيف كتاب الحاكم ( المستدرك). وحذى حذوه بعض المتأخرين والمعاصرين، وحتى قال بعضهم قياسا على هذا الأسلوب : هذا إسناد صحيح على شروط الستة.
وعلى كلٍّ فالحديث الذي قيل فيه إنه على شرط الشيخين أو شرط أحدهما قد يكون صحيحا أو حسنا أو معلولا واهيا، وقد يكون الإسناد متصلا أو منقطعا، وبالتالي فلا مجال للإشكال الذي ورد في السؤال، حيث إن التقسيم يكون غير سليم أصلا.
ثم إن التقسيم حسب هذا المعنى الذي سبق ذكره لا يوهم أن للصحيح شروطا تختلف باختلاف المحدثين، وشروط الصحيح التي تضمنها تعريف الصحيح متفق عليها لدى المحدثين النقاد، ولم يختلف فيها إلا الفقهاء، وأما إذا كان التقسيم مبنيا على مراعاة شروط الصحيح فإنه يوهم اختلاف هذه الشروط وتنوعها حسب الأشخاص من المحدثين، وليس الأمر كذلك في الواقع، ولم يقل أحد بذلك التنوع.
كما لا يكون هناك فرق بين ما كان على شرطيهما وبين ما أخرجاه؛ لأن الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين لم يخرجاه إلا لوجود شروط الصحيح فيه، وما وُجدت فيه شروط الصحيح فعلا حسب رأي النقاد لا سيما الشيخان، لا يتأخر عن مرتبة ما أخرجاه، لمجرد كون ذلك الحديث الصحيح الذي صححوه غير مخرج في الصحيحين، وأما إذا قال غير النقاد إنه على شرط الشيخين فقد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا معلولا، وبالتالي لا يكون هذا الحديث مثل ما أخرجه الشيخان أو أحدهما قطعا.


فضيلة الشيخ حمزة وفقه الله للخير :
س56/ ما تحرير القول في الخلاف في الحديث المعنعن , وما حقيقة مذهب البخاري ومسلم في هذه المسألة ؟
وما تقييمكم للدراسة التي قام بها الشيخ الشريف حاتم لهذه القضية في كتابه (إجماع المحدثين ) ؟ وفقنا الله جميعا إلى بلوغ الحق, وبرد اليقين .
ج/وفقنا الله وإياكم لمعرفة الحق واتباعه والدفاع عنه إيمانا واحتسابا، ولمعرفة الباطل واجتنابه .
فيما أرى أنه لا خلاف بين الشيخين في مسألة العنعنة، ولم يقصد مسلم بنقده اللاذع الإمام البخاري ولا علي بن المديني ولا أحدا من الأئمة السابقين له، وإنما قصد به من المنتسبين إلى الحديث من استعجل في أمر العنعنة في عصره، ولم يوفق في ذلك لانتهاج منهج الأئمة السابقين ، هذا وقد حدد مسلم مسألة العنعنة بقوله : ’’وأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا‘‘ ولم يكن كلامه ( رحمه الله ) حول عموم العنعنة، كما أوضحنا ذلك في إحدى الإجابات السابقة.وكذلك سبق فيها ما يتعلق بكتاب الشيخ الشريف حاتم .

س57/ ذكر أحد الأفاضل في كتاب له: أنّه عند سرد أقوال أهل العلم في راوٍ معيّن فإنّه لا ينبغي ذكر قول ابن حجر وغيره من المتأخرين في ذلك الراوي جنبا ًإلى جنب أقوال المتقدّمين. وحجّته في ذلك هي أنّ المتأخرين إنّما بنوا قولهم في ذلك الراوي ـ بالدرجةالأولى ـ على أقوال المتقدّمين . فما رأيكم (وفقكم الله لكلّ خير)؟
ج/ هذا هو الصواب للسبب الذي ذكرت في السؤال، وأما في حالة اختلاف أقوال أئمة الجرح والتعديل فيعول على ما رجحه الحافظ ابن حجر أو الذهبي أو غيرهما إذا لم يوجد دليل على خلاف ذلك . (والله أعلم) .

الشيخ الفاضل حمزة بن عبد الله المليباري وفقه الله تعالى ، أحببناك والله تعالى يعلم في الله دون أن نراك يا شيخ ونسأل الله أن نراك بخير وعافية.
عندي عدة أسئلة يا شيخ وفقك الله تعالى :
س58 / ما رأيكم في من أعل أحاديث في مسلم بحجة تدليس أبي الزبير عن جابر مع أنه ليس هناك دليل واحد صحيح على هذه المسألة ،، وفيمن فرق بين ما هو في مسلم حيث حمله على الاتصال وما كان خارجه فهو معلول ؟
ج/ أحسن الله إليك ، وسدد خطاك .
أما رأيي حول ما ورد في سؤالك فذلك استعجال في الحكم وبعيد عن الدقة، ويقع في ذلك كل من يعتمد على ظاهر السند وأحوال رواته العامة في حكمه على الحديث، مطبقا ما درسه في كتب المصطلح من القواعد دون فهم مواقع تطبيقها، أو تساهلا منهم في ذلك.
إن تدليس أبي الزبير عن جابر يقتضي نوعا خاصا من المعالجة يختلف عما تقتضيه بقية انواع التدليس، لأن معنى تدليس أبي الزبير عن جابر : أنه لا يصرح فيما أخذه من الكتاب من أحاديث جابر بأنه وجادة، فإذا ورد عنه حديث من أحاديث جابر، ولم يصرح بالسماع ولم يأت ذلك الحديث عن طريق ليث بن سعد فإنه يحتمل أن يكون مما أخذه وجادة، وما أخذه وجادة دون السماع أو القراءة على الشيخ قد يدخل فيه تصحيف وتحريف وانتحال، وإذا وافقه غيره أمن من ذلك.
لذلك ما ورد عن أبي الزبير من أحاديث جابر معنعنا يقتضي أن يبحث الباحث عن وجود سماع صريح في طريق صحيح من طرق ذلك الحديث، أو ما يدل على ذلك من القرائن، أو راويا آخر يوافق أبا الزبير فيما رواه عن جابر، وفي حال وجود شيء من ذلك يكون السند سليما من الشبهات التي أثارتها العنعنة الواردة فيه.
وفي ضوء ذلك فإطلاق الحكم بانقطاع السند أو بالتدليس بمجرد عنعنة أبي الزبير عن جابر على الرغم من اعتماد مسلم عليه في صحيحه ينطبق عليه ما قيل: (القواعد لدى العالم غير المجرب كالعصا في يد الأعمى), وكذا إطلاق الحكم بالاتصال فيما رواه مسلم والانقطاع في خارج مسلم يكون بعيدا عن الدقة أيضا، لأن الأمر في ذلك يتوقف على التتبع والبحث.
ومن الجدير بالذكر أن مسلما يورد الحديث في الأصول أصح ما عنده من الروايات وأفضله، ويختلف ذلك عما يورده في الشواهد، وعليه فما أورده في أول الباب من حديث أبي الزبير عن جابر لا ينبغي القول فيه إنه معنعن بمجرد أن الباحث لم يطلع إلا على ما وقعت يده عليه من المصادر - مطبوعة كانت أو مخطوطة - ، فإن أولئك الأئمة ينظرون إلى الواقع الذي يعرفونه من خلال معاينة الأصول أو صحبة المحدثين، وليس على مجرد صيغ التلقي والأداء التي قد يكون بريئا منها الراوي المدلس.
يقول الإمام الذهبي : ’’وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَل على الحاكم في تصرفه في المستدرك‘‘ ( الموقظة ص: 46) .
ويقول الحافظ ابن عبد البر في مبحث العنعنة: ’’إنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع‘‘( مقدمة التمهيد1/26).
ويقول ابن حبان : ’’فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه ، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر‘‘ ( صحيح ابن حبان 1/151) نسأل الله تعالى العافية والسلامة.

س59 / أليس اختيار الشيخ سعد آل حميّد وفقه الله تعالى في التسمية ( منهج المحدثين ومنهج الفقهاء ) أوضح من ( المتقدمين والمتأخرين ) علما أني أعلم أنك تقرر في كتبك نفس المعنى كقولك : ولهذا أكرر قولي بأن من كان عمله على اعتبار ظواهر السند في التصحيح والتضعيف فهو على منهج المتأخرين حتى وإن كان في عصر الرواية ، ومن كان اعتماده في ذلك على القرائن فهو على منهج المتقدمين حتى وإن كان من المعاصرين وبالتالي فالذي نصل إليه هو أن تفريقنا بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي تفريق منهجي لا زمني ... . الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين الطبعة الثانية ص 226 ولكن التسمية قد تختلف ؟
ج/ صحيح ، وقد فكرت في هذا المصطلح ( المحدثون والفقهاء ) ، وقد طلب مني إطلاق ذلك بعض أصدقائي في الجزائر ، لكني - مع أنه لا مشاحة في الاصطلاح - أردت أن أحافظ على سمعة المحدثين النقاد بإمامتهم في الفقه وأصوله على تفاوت مراتبهم في ذلك، بما تيسر لنا من الوسائل والمصطلحات ، ولو أطلقنا هذا المصطلح الذي ذكرتَه ثم رسخ ذلك في أذهان الناس سوف يؤدي لا محالة إلى أن يتصور الناس أن المحدثين ليسوا فقهاء، ولذلك آثرت ما ألفنا في الكتب من مصطلح ( المتقدمون والمتأخرون ) مع توضيح المقصود به، وهو كما نقلته من الموازنة. والله تعالى نسأل أن يرشدنا إلى الصواب ، ويجنبنا الخطأ ، ويقينا من شره، اللهم آمين.

س60 / هل المرسل ( عن ابن المسيب ) يقوي رواية عن راو قال فيه الإمام أحمدأحاديثه أحاديث مناكير ، وقال ابن حبان يروي نسخة كأنها موضوعة ( حديث من قرأقل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة ) .
ج/ لا يقوي تلك الرواية إذا كانت منكرة، يعني بذلك أنه إذا كان هذا الراوي المنكر قد أضاف الحديث إلى شيخه خطأ، وهذا الخطأ الذي وقع منه في الرواية لا يمكن جبره بمرسل سعيد بن المسيب مرسلا، لأن المفروض أن يروي هذا الراوي ذلك الحديث مرسلا عن سعيد كما يروي الناس ، غير أنه اختلط عليه ، فأضافه إلى شخص آخر بدل أن يضيفه إلى سعيد المسيب مرسلا. ومثل هذا الأمر لا يتضح إلا بالمثال مع ممارسة منهج القوم.

س61 / أعلَّ الإمام أبو حاتم روايةً ( للأوزاعي عن عطاء ) حيث نص على أن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء بل بينهما رجل ،، وقال البيهقي جود إسناده الراوي عن الأوزاعي ... فهل نرد قول أبي حاتم بهذا الكلام من البيهقي رحمهما الله تعالى علما أن السخاوي في فتح المغيث (1/214) ط العلمية قال ( وأما القدماء فسموه تجويدا حيث قالوا : جوّده فلان، وصورته أن يروي المدلس حديثا عن شيخ ثقة بسند فيه راو ضعيف فيحذفه المدلس من بين الثقتين الذي لقي أحدهما الآخر ، ولم يذكر أولهما بالتدليس ، ويأتي بلفظ محتمل فيسوي الاسناد كله ثقات ) وقد قال الأخ ( الدرع ): (جوده بشر بن بكر) فليس مراده من (جوده) أنه جيد، بل قصده أنه (رواه موصولاً) فبشر بن بكر وصل الحديث فذكر ( عبيد بن عمير ) بينما هو مقطوع كمارواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم يذكر ( عبيد بن عمير ) ولهذا قال الإمام الطبراني في الأوسط ( لم يروه عن الأوزاعي - يعني موصولاً - إلا بشر...) وكلام الأخ ( الدرع ) هو الذي تبين لي من خلال تتبع كثير من إطلاقات أهل العلم لهذا المصطلح ( جوّده ) ، حيث إنهم لا يقصدون به الصحة ، بل يريدون الوصل ، وهم لا يريدون التسوية أيضا ، كما قال السخاوي رحمه الله تعالى . وهل نقبل إعلال أبي حاتم ذلك أم نطالبه بالاسناد الذي فيه الواسطة ( كما يقول بعضهم ) ؟
ج/ ما قاله الأخ الدرع (ولله دره) حق لا مرية فيه، وبهذا لا يوجد تناقض بين قول الإمام أبي حاتم وقول البيهقي ، وأما سؤالك – حفظك الله وسدد خطاك – عما أعله أبو حاتم هل نقبل ذلك أم نطالبه بالإسناد، فجوابه ما قال الحافظ ابن حجر وغيره من أئمتنا المتأخرين : (’’…فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول : وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث‘‘ ( انظر النكت 2/721 واختصار علوم الحديث ص: 64).
وقال السخاوي ’’..ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، ( يعني نقاد الحديث القدامى ) بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة. هذا مع اتفاق الفقهاء على
الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين‘‘. فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك ( إن شاء الله ) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله‘‘ ( فتح المغيث 1/274).

س62 / هناك نقطة مهمة يغفل عنها الكثير من العلماء الذين عرفوا منهج المحدثين الصافي من أكدار أهل الكلام ألا وهي : لماذا لا يكون لكم عمل على كتب السنة تصحيحا وتضعيفا وفق هذه القواعد التي نعلم أنها هي الصواب . فالتقعيد النظري مهم جدا ولكن لا بد من التطبيق العملي حتى يتبين للناس المغالطات الموجودة في كثير من الكتب المحققه باسم المحدثين وهي تخالف كثيرا من قواعد المحدثين الحقيقيين ؟
ج/ خدمة السنة تتوقف على المجتمع ، ولا يقدر فرد أن يقوم بجميع وظائفها ،ولكل منا دوره قدر المستطاع،وأما نحن وبفضل الله تعالى وحده بعد ادراك خطورة المشكلات العلميه التي نعاني منها اليوم وبعد تشخيصها قمنا بمعالجتها من خلال توضيح القواعد وتأسيسها بأبعادها الحقيقية و بعد ذلك يكون الجانب التطبيقي محترما لدى المنصفين وقد نوفق بأداء هذه المهمة أو يوفق غيرنا من طلاب العلم.
وأنت ترى كيف يشغلنا بعض الناس عن توجهنا نحو التطبيق العملي بإثارة مشكلات حول ذلك المنهج الذي انتهجه النقاد، دون أن يقرؤا ما كتب في ذلك من الأبحاث والكتب ، أو يناقشوننا في البراهين التي اعتمدناها، ولذلك قلت إن خدمة السنة عمل جماعي، ولكل دوره، وحتى اعتراض المعترضين أراه دورا فاعلا في سبيل الخدمة، وكل ذلك بأجره عند الله حسب النية، وفقنا الله تعالى وإياكم للإخلاص في العمل، وأن يجنبنا جميعا ما يفسد عملنا،والله ولي التوفيق .

خليل بن محمد
27-02-03, 03:46 AM
س63 / قال الحاكم في علوم الحديث ( ص 82) ( ... فاجتمع جماعة من مشايخ الاسلام، واجتمع عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم بن مربع وأبو الأذان وكليجة وغيرهم فتشاورا من ينتقي لهم علىالشيوخ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه ) .
o ما معنى يكتبون بانتخابه ؟
o لماذا لا يأخذون كل حديث ذلك الراوي ؟
o هل كان الأئمة أحمد وابن المديني ومن قبلهم ينتخبون أحاديث كل الرواة، أم كانوا ينتخبون أحاديث بعض الرواة دون الرواة الآخرين ؟
ج/ الانتخاب على الشيوخ عمل علمي قام به الحفاظ المتقنون ، ويقال عنه الانتقاء أيضا، ولهم فيه أغراض مختلفة، منها منهجي ، ومنها نقدي.
أما المنهجي فمن عادة المحدثين عموما أن يحرصوا على أوقاتهم ، لا سيما إذا كانوا مسافرين ، ويركزون على الأحاديث التي تعد فوائد بالنسبة لهم، أو الأحاديث التي لم يسمعوها بعلو، ويعد هذا من أهم جوانب التنظيم التي يتم بها استثمار الأوقات في سماع ما يعنيهم من المرويات، وقد يكون الانتخاب ضروريا إذا كان الشيخ عسيرا في الرواية.
لذلك يقوم المحدثون قبل لقاء الشيوخ بانتخاب ما يريدون سماعه من مسموعاتهم، ويتبادلون المعلومات حول ما يحتاج إليه كل منهم من أحاديث الشيوخ من خلال المذاكرة فيما بينهم، أو من خلال زملائهم في الرحلة والسماع .
قد ينتخب بعض المحدثين لشيوخهم قبل انعقاد مجلس الإملاء ، ما يملون لهم، حتى يرتكزوا في الإملاء على ما يعني طلابهم من المرويات لعلوها أو لغرابتها وتفردهم بها أو لجودة أسانيدها أو لشهرة رواتها أو غير ذلك من خصائص الأسانيد والرواية، وقصتهم في ذلك مبثوثة في كتب التراجم ، وغاية ما في ذلك كسب الوقت وعدم انشغالهم بما لا يعنيهم من المرويات والمسموعات لكونهم قد سمعوها بعلو من مصادر أخرى، أو سمعوها منه قديما، وهذا هو المعنى الإجمالي لما ورد في السؤال .
وهناك من المحدثين القدامى من يسمع دون انتخاب ويقوم بنسخ كل ما تحتوي أصول الشيخ ويقال عن ذلك : كتابة الحديث على وجهه ، وقد يتفاوت اهتمامهم بهذا الأسلوب الاستيعابي باختلاف الشيوخ والأوقات والظروف.
وعلى كل حال فإن السماع في الحالين : الانتخاب والاستيعاب، يكون له سلبيات وإيجابيات ، ذكرها الأئمة في أكثر من مناسبة . ومن هنا جاء في ذم كتابة الحديث على وجهه، قولهم : فلان حاطب ليل. يعني بذلك يكتب الحديث دون انتخاب. كما جاء أيضا الثناء مثل قولهم : إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش. يعني عليك أن تكتب كل ما لدى الشيوخ من الأحاديث دون انتخاب، وإذا أردت أن تحدث فعليك التفتيش لما تحدث به .
وشرح ذلك مستوفى في كتب المصطلحات، لا سيما في كتاب الخطيب ( الجامع لأخلاق الراوي ).
ومثل هذه الجوانب التاريخية المتصلة بتلقي الأحاديث وكتابتها لا زالت مجهولة لدى فئة كبيرة من الباحثين، وهي بحاجة إلى دراسة علمية متخصصة لبلورتها، لما في ذلك من فوائد جمة. ومشكلتنا تكمن في جهلنا تاريخ أئمتنا السابقين في جانب عنايتهم بتلقي الحديث وكتابته وضبطه التي كانت محل تطور عبر العصور الماضية حسب مستجداتها وأعرافها العلمية. وكانت عنايتهم هذه حرصا منهم - سواء كانوا متأخرين أو متقدمين – على أن يتم نقل الحديث من شخص إلى شخص أو يتم نقل الكتاب من شخص إلى شخص، وهو بعيد عن جميع احتمال التصحيف والتحريف والانتحال. وقد بذلوا جميعا ما في وسعهم في سبيل حماية السنة حسب مقتضيات عصورهم ، ورحمهم الله تعالى ، وجزاهم عنا أحسن جزاء ، ولو لم ينهضوا – سواء في عصور الرواية أو في عصور ما بعد الرواية – بمقتضيات عصورهم لوقعت في السنة تحريفات وتصحيفات وأوهام وافتراءات، وقد شرحنا ذلك في كتاب الموازنة.
وأما الانتخاب لهدف نقدي فكتمييز الصحيح من الضعيف الغريب، قد يكون ذلك بوضع علامات خاصة على الضعيف الغريب ضمن المرويات التي تضمنتها نسخ المحدثين وأصولهم، كما ورد في حديث قتيبة عن الليث في جمع التقديم.
قد يكون ذلك باستخراج أحاديث شيخ معين مع بيان ضعفها وصحتها، كما عمل الخطيب البغدادي بالنسبة إلى بعض كتب أقرانه، مثل )كتاب الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب لأبي القاسم المهرواني، تخريج الخطيب( ، و)كتاب الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب، انتقاء الخطيب البغدادي من حديث الشريف أبي القاسم علي بن إبراهيم( . وللإمام الدارقطني عمل مشهور في هذا المجال.
وقد يكون ذلك الانتخاب تلبية لطلب المحدث الذي لم يكن قادرا على تمييز ما أصاب مما أخطأ فيه من أحاديثه ومروياته، كما انتخب البخاري أحاديث شيخه إسماعيل بن أبي أويس بعد أن طلب منه ذلك.
وقد يكون ذلك لغرض امتحان الشيوخ لمعرفة مدى ضبطهم وإتقانهم، حكى الخطيب البغددي أن فضلك الرازي نصح صالح جزرة عند سفره إلى نيسابور بكتابة الأحاديث عن محمد بن يحيى، فلما قدم إلى نيسابور انتخب ما يريد كتابته عنه من الأحاديث وبعد قراءتها على محمد بن يحيى قال صالح جزرة : أفادني الفضل بن عباس الرازي حديثا عنك عند الوداع فقال : هات، فقلت : حدثكم سعيد بن عامر عن شعبة... فذكر الحديث فقال محمد بن يحيى: من ينتخب مثل هذا الانتخاب ويقرأ مثل هذه القراءة
يقول الخطيب تعقيبا على الحديث الأخير الذي عرضه على محمد بن يحيى : قصد صالح امتحان محمد بن يحيى في هذا الحديث لينظر أ يقبل التلقين أم لا، فوجده ضابطا لروايته حافظا لأحاديثه محترزا من الوهم بصيرا بالعلم . (راجع تهذيب الكمال 26/626، والتهذيب 9/454). والله أعلم .


س64 / الحديث أخرجه ابو بكر بن أبي شيبة في المصنف وأبوداود في السنن(4094) والنسائي(8/208) وابن ماجة(3576) وغيرهم من طريق عبدالعزيز بن أبي رواد عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الاسبال في الازار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة) > قال أبو بكر بن أبي شيبة ( ما أغربه) وقال الحافظ في الفتح(10/262) (وعبدالعزيز فيه مقال) قال أحدهم : ( أما قول ابن أبي شيبة : ( ما اغربه ) فهذا لا يعني التضعيف).
أقول : سئل الإمام أحمد رحمه الله عن حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس (تردين عليه حديقته ... ) ، فقال إنما هو مرسل- يعني أن من وصله فقد أخطأ ـ فقيل لأحمد : إن ابن أبي شيبة زعم أنه غريب ، فقال الإمام أحمد : صدق إذا كان الحديث خطأ فهو غريب . > فما رأيكم في كلامه بارك الله فيك ، وهل الغريب عند ابن أبي شيبة يعني الخطأ ؟ وجزاكم الله خيرا
ج/ إذا أطلق النقاد هذا حديث غريب دون ذكر حكم آخر كالصحيح فمعناه أنه خطأ، أو لفت الانتباه إلى قوة احتمال خطأ فيه. وأما إذا ورد عنهم جمعا بينه وبين الصحيح فيعني أن الحديث صحيح مع تفرد أحد رواته به، ولم يضر التفرد في صحة الحديث كحديث (إنما الأعمال بالنيات). وإذا أراد المحدث أن يبين أن المتن ليس فيه نكارة مع غرابة السند وعدم ثبوت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية فإنه قد يضيف إليه مصطلح حسن ويقول: حسن غريب، ولا يعني بذلك ثبوت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قول القائل إن قول ابن أبي شيبة غريب لا يريد التضعيف - وهو يرى بأم عينيه طبيعة رواية ذلك الحديث وتفرد عبد العزيز به عن سالم الإمام المشهور بالمدينة - فغير دقيق، ولعل هذا القائل أخذ معنى الغريب بعمومه فطبقه هنا في هذا الحديث، دون مراعاة الفوارق الجوهرية بين حال وأخرى، أو من غير اعتبار منهج المحدثين في إطلاق الغريب. (والله تعالى أعلم ).

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله فيك ونفع الله بعلمك يا شيخ حمزة وبارك الله في هذا الملتقى الطيب
س65/ سؤال عن موسوعة رجال الكتب التسعة كتاب موسوعة رجال الكتب التسعة طبعة دار الكتب العلمية 1413هـ تصنيف د . عبد الفغار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن قالوا في المقدمة : فهذا مصنف أسميناه ( موسوعة رجال الكتب التسعة )حيث يدل اسمه للوهلة الأولى على أننا جمعنا فيه كل رواة الأحاديث الذين تضمنتهم مصنفات الكتب التسعة وهم بالترتيب :
1- رجال ورواة أحاديث صحيح البخاري 2رواة أحاديث صحيح مسلم 3سنن أبي داود الترمذي 5النسائي خاصة المجتبى. 6 ابن ماجة . 7 موطأ مالك. 8 سنن الدارمي 9- مسند الإمام أحمد 10- مسند الشافعي 11- مسند أبي حنيفة. وأضيف إلى تراجم هذه الكتب تراجم الكتب التالية - البخاري في التعاليق - البخاري في الأدب المفرد - البخاري في جزء رفع اليدين في الصلاة - البخاري في خلق أفعال العباد - البخاري في جزء القراءة خلف الإمام - مقدمة صحيح مسلم - مراسيل أبي داود - ابو داود في القدر - ابو داود في الناسخ والمنسوخ - أبو داود في فضائل الأنصار - والمسائل - ومسند مالك - والترمذي في الشمائل - والنسائي في اليوم والليلة - والنسائي في مسند مالك - وخصائص علي- ومسند علي - وابن ماجة في التفسير .
فيكون الكتاب قد جمع تراجم التسعة أصلاً وأما فعلاً وواقعاً فقد احتوى التراجم الموجودة في ثلاثين مصنفاً من مصنفات السنة الأصلية هل هذه الموسوعة جيده ويكفي البحث فيها أم لا وماذا يكفي من الكتب للبحث عن رجال الكتب التسعة .
ج/عمل مفيد دون شك من حيث إن هذه الموسوعة قد استوعبت رواة الأئمة المشهورين القدامى التسعة، لكن بالنسبة إلى شيوخ الأئمة اللاحقين ورواة أسانيدهم كابن خزيمة وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي وغيرهم تشتد حاجة الباحث إليها، هذا من جهة .
ومن جهة ثانية فما المصادر التي اعتمدها أصحاب هذه الموسوعة؛ هل استوعبوا الكتب القديمة والمطولة والمختصرة التي قامت بترجمة رواة الأئمة التسعة ؟ وفي حال استيعابها لتلك الكتب القديمة؛ كالسؤالات والتواريخ وغيرها فإن الرجوع إليها يظل ملحا في كثير من الأحوال من أجل التوثيق والتدقيق.
وبما أني لم أقف على هذه الموسوعة فلا أستطيع تقييمها، لكني مقتنع بأننا لا زلنا بحاجة في هذا المرحلة الزمنية إلى تأسيس منهج يمكن القارئ من فقه التراجم، ولا يتم ذلك من خلال الجمع والتأليف الموسوعي وحده.

س66 / هل يشهد الموقوف للمرفوع ، والعكس .
ج/ إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قول أو فعل أو تقرير فلا حاجة إلى قول أحد كائنا من كان، كما أكد ذلك أئمتنا من قبل ، وإنما قول الآخرين هو الذي يحتاج إلى شاهد وتأييد.
وأما إذا ورد إشكال في رواية حديث مرفوع لم يتبين خطأ راويه فإن الموقوف يشهد له ويقويه وقد يجعله صحيحا أو حسنا لا بأس به ، كما ورد في تقوية الأحاديث المرسلة المرفوعة، كما أن كون الحديث غير منسوخ قد يشهد له الموقوف، ولذلك كله نرى الإمام الترمذي يركز على ذكر الموقوف كشاهد حين يقول بعد التصحيح ’’وعليه العمل عند العلماء أو بعضهم ‘‘ ونحو ذلك.

س67/ ما هو المنهج المقترح لطالب علم الحديث .
ج/ سبق أن أجبت عن هذا السؤال .

س68/ ما رأئ فضيلتكم بهذا الكتاب : ((فيما صحّ من آثار الصحابة)) للباكستاني .
ج/ ليس عندي حاليا هذا الكتاب .

الدكتور الفاضل حمزة المليباري -حفظكم الله ورعاكم وسدد للخير خطاكم .
إني والله لأحبك في الله .
س69/ سؤالي : ما هو رأيكم بكتاب " تحرير تقريب التهذيب " ؟
ج/ أحبك الله الذي من أجله أحببتني وجزاك لله خيرا وسدد خطاك .
حين كنت في الأردن زارني بعض الإخوة ليشرح لي أسلوب هذا الكتاب ومحتواه، لكن إلى الآن لم أستطع دراسته والنظر فيه، وما مرت علي مناسبة علمية تفرض علي قراءته قراءة متأنية.

س70/ يقال دوماً أن التلميذ الملازم للراوي يقدم في مسألة الوصل والإرسال، وفي مسألة الرفع والوقف. ولعل ذلك على الغالب. لكن بنظري فمن الممكن أن يكون الراوي يرسل حديثه في الغالب عند طلابه، وهم يثقون بمراسيله فلا يسألونه عنها. فلما يأتي غريب إليه، يطلب منه الإسناد فيسمعه. فهل يقال في هذا الحالة تفرد بإسناده فلان فيما أرسله أصحابه الملازمون؟
لا يخطر ببالي أمثله كثيرة. لكن منها حديث "لا نكاح إلا بولي". وقد رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق مرسلاً وهما أوثق أصحابه. فيما رواه إسرائيل وأبي حنيفة موصولاً، وصححه الأئمة ذلك لأن شعبة وسفيان أخذاه عنه مذاكرة. لكن ألا يمكن أن تطبق هذه الحالة على غيرها كذلك؟ ومثال آخر ما رواه ابن حزم في الإحكام (1\132): "قد روينا عن عبد الرزاق بن همام قال كان معمر يرسل لنا أحاديث فلما قدم عليه عبد الله بن المبارك أسندها له" .
فهذا عبد الرزاق تلميذه الملازم قد سمعها منه مرسلة. أما ابن المبارك فقد سمعها مسندة. والمثال فيه ما فيه من جهة أن كلاهما من أوثق أصحاب معمر، لكن يبقى المثال صالحاً.
فكيف نعرف إن كان إرسال غير الملازم وهماً أم لا؟ هذا طبعاً إن لم يكن عندنا نص صريح من المتقدمين في المسألة.
ج/ قولك سليم للغاية، نعم إذا تبين من خلال القرائن أن الراوي قد حدث مرة بوجه، وأخرى بوجه آخر - كما ورد في سؤالك - , وأن كلا من أصحابه حدث عنه ما سمع، فإنه لا مجال للترجيح بينهم، وأنه لا اعتبار لكون هذا الراوي ملازما لشيخه، أو ذاك أوثق الناس ، كما أنه لا يقال : تفرد فلان بوصله – مثلا - .
ومن المعلوم أنه يرجع في التصحيح والتضعيف والترجيح إلى القرائن الظاهرة التي يشترك في معرفتها الناقد وغيره، كأن يكون الرواي ملازما لشيخه أو هو أوثق الناس فيه ، أو هو صاحب كتاب أو غير ذلك مما يعرف من خلال قراءة التراجم ، لكن فقط في حال ما إذا أحس الناقد بفهمه ومعرفته وحفظه بانعدام قرينة قوية تدل خلاف ذلك، وهذا بالنسبة إلينا صعب للغاية، كما أقر بذلك كبار الأئمة المتأخرين .
وكثيرا ما تكون أصول الشيوخ مرجعا لحل الاختلاف ، ويفهم ذلك من تتبع التاريخ الكبير وغيره من كتب النقاد بفهم ومعرفة. وأين هذه الأصول اليوم؟ إلا ما ورد عن النقاد من النصوص .
غير أن الباحث المجرب والممارس بأسلوب المحدثين والمطلع على طبيعة الروايات قد يوفق بفضل الله لفهم ذلك استقلالا، ولا شك أن معرفة القرائن تتوقف على الممارسة الطويلة مع أصناف كثيرة من الروايات وطبيعة الرواة في سؤالهم للشيوخ ومراجعتهم فيما حدثوه وتحققهم في ذلك، وأحوالهم العامة ومدى صلتهم بشيوخهم وطريقة تلقيهم للأحاديث شخصا شخصا، كما قال بعض الأئمة : الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة ، وقال بعضهم : إنما هو علم أوتينا.
وفي ضوء هذا الواقع إذا رجح الناقد خلاف ما رواه الملازم، أو خلاف ما رواه الأوثق، أو صحح الحديث خلاف ما يقتضيه ظاهر السند أو ضعفه خلاف ما يقتيضه ظاهر السند فما علينا إلا التسليم والقبول ولا ينبغي لنا اتهامه بنقض القاعدة، لأن أقصى ما لدينا بعد البحث والتتبع هو أننا لم نقف على ما وقف عليه الناقد من القرائن . وهذا لا يعني بالضرورة أننا نجعله معصوما من الخطأ والوهم ، وإنما فقط أن نقدم علمهم على علمنا إذا كان لدينا علم بالحديث . (والله أعلم ) .

فضلية الشيخ /حمزة المليباري حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
س71/ هل الاسناد (المعنعن ) مقبول مطلقاً أم هناك خلاف في قبوله .
وهل قول شعبة - رحمة الله - فلان عن فلان ليس بحديث . صحيح وإذا كان كلامه صحيحاً هل خالفه أحد من الائمة في ذلك القول . وجزاكم الله خيراً .
ج/ جزاك الله خيرا ووفقنا وإياكم لما فيه الخير في الدارين .
الإسناد المعنعن متصل إلا إذا لم يعرف من خلال القرائن، أو من نصوص النقاد أنه منقطع أو أنه لم يلتق به أصلا ، أو التقى به لكنه لم يسمع منه شيئا ، أو سمع منه لكنه لم يسمع منه هذا الحديث ، وأما أن نقول باتصاله إذا لم يكن مدلسا ، وانقطاعه إذا كان مدلسا ردا على النقاد فغير سليم منهجيا ولا سلوكيا.
وأنت تعرف جيدا أن ظهور مصطلح التدليس وتحديد مراتب المدلسين دليل ناصع على أن النقاد لم يكتفوا بظاهر أحوال الراوي ، ولا بمعاصرته مع من فوقه في سلسلة السند، بل يبحثون أيضا إذا توفرت لديهم آليات البحث والتتبع عن مدى صحة سماع الراوي لذلك الحديث الذي رواه ممن فوقه، بل أكثر من ذلك أنهم يبحثون أيضا ويحاولون معرفة أن الراوي قد سمع ذلك الحديث بحيث يستطيع ضبطه كتابة أو حفظا، أو أنه وقع في سماعه خلل ما.
ولو أنهم قد اكتفوا بظاهر السند ومعاصرة الراوي مع من فوقه عموما في حكمهم على الإسناد بالاتصال ما قرأنا في كتبهم أصلا مصطلح التدليس ولا علمنا المدلسين ولا مراتبهم.
وأما إذا لم تتوفر لدى الناقد آليات البحث والتتبع فليس له إلا اعتماد الظاهر ، وعليه فعنعنة الراوي تحمل على الانقطاع إذا كان مدلسا، وإلا فتحمل على الاتصال.
وأما قول شعبة (فلان عن فلان ليس بحديث) فقد رواه الإمام ابن عبد البر في التمهيد 1/13، غير أنه رواه عن وكيع أن شعبة قد رجع بعد ذلك إلى قول سفيان إنه حديث يعني حديثا متصلا.
هذا وقد اشتهر عن شعبة قوله بأن الحديث الذي ليس فيه حدثنا وأخبرنا خل وبقل. أورده الأئمة في كتبهم في مناسبة كلامهم عن الإسناد وأهميته. يعني بذلك أن الحديث بدون سند ليس بشيئ، وعليه فقوله الأول خاص بالإسناد المنعنعن، والقول الثاني يكون حول الإسناد وأهميته عموما. ويمكن أيضا أن يكون قصده بالقولين واحدا ، وعليه فإنه قد رجع عنه وقال إنه حديث فيما رواه ابن عبد البر. والله أعلم .

خليل بن محمد
28-02-03, 02:20 PM
س72/ ما قولكم ـ بارك الله فيكم ـ فيمن يقول : أن تعليل الأئمة لا يُقبل حتى يكون مُفسّراً . ويردّ بطريقته هذه كثير من تعليلات الأئمة .
ج/ قد يكون ذلك جهلا من القائل ، أو تعصبا لرأي يتأيد بذلك الحديث الذي أعله النقاد. وأياكان دافع هذا القائل فإن قوله ذاك مستفز لشعور من يعرف منهج المحدثين، بل مضحك مبك في آن واحد لغرابته وجرأته وغروره بالنفس، والأغرب من ذلك أن بعضهم يرد بذلك على النقاد حين يبينون سبب التعليل - كالتفرد والغرابة مثلا- غير أن هذا القائل لم يكن منتبها لحقيقة قصدهم بذلك السبب ، ولا فاهما لأبعاده النقدية.
ومن المعلوم أن طلب السبب واستفسار الوجه إنما يعقل إذا أغرب الناقد برد حديث صححه غيره من النقاد، أو بتصحيح حديث أعلوه، أو إذا أصدر الحكم من لم يكن من أهله، وأما في غير ذلك فيعد تلاعبا بكلام القوم دون أن يشعر.
يقول الحافظ ابن حجر : ’’…فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول : وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ( النكت 2/711) .
ويقول السخاوي في نوع "الموضوع": فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح اهـ ( فتح المغيث 1/237)
ويقول أيضا في مناسبة تعليقه على شرح أبي حاتم منهج النقاد في معرفة صحيح الحديث وضعيفه : ’’وهو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية، لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة‘‘( فتح المغيث 1/274).
ويقول الحافظ ابن كثير : ’’أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذابا، أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم‘‘ (اختصار علوم الحديث ص: 79)


س73 / قرأتُ لأحدهم قوله : أن الحديث لا يكون شاذاً إلا عند المخالفة ، فماقولكم .
ج/ لم يصب هذا القائل، لأن الشاذ عند المحدثين النقاد هو الغريب الذي لا أصل له – سواء تفرد به الثقة أو غيره – وقد نقل عنهم ذلك الحافظ الخليلي ، وحتى الإمام الشافعي يقول : فعليك من الحديث بما تعرفه العامة وإياك والشاذ منه ( الأم 7/703 – 704)
وقال أيضا فيما تفرد به الأوزاعي بعد أن نقل عن أبي يوسف رحمه الله قوله : ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،- قال رحمه الله - : ’’فهو كما قال وقد بلغنا من هذا ما قال الأوزاعي وهو عندنا شاذ والشاذ من الحديث لا يؤخذ به‘‘ (الأم 7 /360)
ومما قال الإمام ابن الصلاح في مبحث العلة : ’’ويستعان على إدراك (العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم ...‘‘ .
وبهذا القول أصبح الإمام ابن الصلاح قد أقر بأن التفرد مثل المخالفة في التعليل ، لكن فقط إذا انضمت القرائن إليهما تنبه العارف بهذا الشأن – سواء أ فهم ذلك غيره ممن لم يتأهل أم لم يفهم - . ويتأيد ذلك بأن النقاد في كتبهم يعلون الأحاديث بالتفرد والغرابة كما يعلون بالمخالفة.
ومن أين لهذا القائل أن الشاذ لا يكون إلا بالمخالفة ؟
ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد فرق بين الشاذ والمعلول، حسب تعريف الشاذ الذي استقرت عليه كتب المصطلح ، إما أن يكون كلاهما مخالفا للصواب ، أو غريبا ليس له أصل في حديث الراوي الذي أضيف إليه، وبالتالي يكون كل منهما مردودا غير مقبول.
وإذا نظرنا إلى واقعنا تبين لنا ذلك بجلاء ، فالإنسان إذا أخطأ في نقل الخبر أو كذب فيه متعمدا إما أن يكون مخالفا لما يعرفه الناس ، أو غريبا ليس له أصل في الواقع ولا يعرفه أحد من الناس . وأما إذا أصاب في النقل وكان صادقا فيه أصبح موافقا لما يعرفه الناس أو غريبا له أصل في الواقع.
وليس كل ما تفرد به راو يعد شاذا منكرا وإنما إذا تفرد بما ليس له أصل في حديث شيخه ، وكذلك لا يعد كل ما خالفه غيره شاذا منكرا وإنما فقط ما خالف فيه الصواب، ولذلك قال ابن الصلاح في النص السابق مقيدا ’’ مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن .....‘‘.
وهذا الأمر ما لا يدركه كل من هب ودب ، وهذا من أبرز المجال الذي ينكشف فيه التساهل والدقة ، ويتميز به الجهل من العلم، رضي من رضي وأبى من أبى.
ومن الباحثين المعاصرين من يتجرأ بقبول حديث الثقة بل حديث الضعيف أيضا ، على الرغم من مخالفته لغيره من الثقات إذا وجد لذلك متابعا أو شاهدا، وبذلك يكون هذا الأخ الباحث قد ألغى – من غير أن يشعر - مصطلحات تركز عليها كتب المصطلح؛ مثل العلة والشذوذ والنكارة.
وقد شرحت هذه المسألة بشيء من التفصيل في الموازنة، والكتاب الجديد (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين). (الله تعالى أعلم)

السلام عليكم ورحمه الله.. فضيلة الشيخ حفظه الله :
س74/ ماهو ضابط الحسن عند المتقدمين وهل الحسن عندهم وصف ام حكم وهل الشاذ والحسن عنده بمعنى واحد.
ج/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ،، أرجو أن تصبر قليلا فإن الجواب يحتاج إلى شيء من التفصيل :
أولا: علينا أن نعرف ونقتنع أن الأحكام ليست تابعة لأحوال الرواة ، كما يتجلى ذلك بوضوح في تضاعيف كتب النقاد، وقد أقر بذلك المتأخرون أنفسهم، وفي طليعتهم الحافظ ابن حجر.
وبقدر ما يتوفر لدى الناقد من الشعور العلمي المبني على التجربة والحفظ والفهم والمعرفة، بمدى صواب الحديث وخطئه كانوا يعبرون عنه بمصطلحات شتى، بغض النظر عن أحوال الرواة، وقد جمع لنا أئمتنا المتأخرون هذه المصطلحات في كتب المصطلح؛ فإذا كان شعور الناقد بأن الراوي قد أصاب في الحديث قال (هذا صحيح) وهو الأغلب ، وقد يقول : (حسن) ، وقد يقول بعضهم (حسن صحيح)، وإن كان ذلك الراوي صدوقا أو ضعيفا.
وإذا كان الناقد قد شعر من خلال المعرفة الحديثية أن الراوي قد أخطأ في الحديث جاء التعبير عنه بقوله: هذا غير محفوظ، أو باطل، أو منكر، أو وهم، أو تفرد به فلان، أو غير ذلك من المصطلحات، وإن كان هذا الراوي إماما.
وأما إذا لم يشعر الناقد بهذا أو بذاك فعبارته تكون دقيقة أيضا؛ مثل قولهم هذا حسن أو لا بأس به أو جيد ، وقد يكون الراوي ثقة أو ضعيفا غير متروك أو صدوقا.
وإذا لم تتوفر لدى الناقد آليات البحث ، أو الخلفية العلمية أو القرائن ، فإن تعويلهم في وصف الحديث بالصحة والحسن والضعف يكون على أحوال الرواة؛ فإن كان راويه ثقة فصحيح مع وجود تفاوت في ذلك فما رواه الأوثق مثلا لا يكون مثل ما رواه الثقة ، وإن كان ضعيفا فحديث ضعيف ، وإن كان صدوقا مثلا فحسن ، وبقدر تفاوت مراتب الرواة في سلم الجرح والتعديل يتفاوت انطباع الناقد تجاه المرويات.
ومن هنا يتجلى أن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف والتحسين منهج نطبقه نحن في معاملاتنا اليومية، وإن لم نلتزم بتلك المصطلحات ذاتها.
وذلك واضح وجلي حين نتأمل قليلا أسلوبنا الذي نعتمده في معالجة الأخبار التي تصلنا؛ إذ لم نكن نعتمد على أحوال الناس في الحكم على ما ينقلون من الأخبار الدنيوية، قبولا أو ردا أو توقفا أو ترجيحا إلا في الحالات التي نفقد فيها آليات التتبع والتدقيق، فإننا حينئذ فقط نعتمد على أحوالهم العامة، وإن كان الأمر كذلك فإن العلوم الدينية والأحاديث النبوية تكون أحق بذلك التدقيق والتحفظ في القبول والرد والتوقف والترجيح.
فالخلاصة أن الأحكام ليست تابعة لأحوال الرواة، إلا في بعض الأحوال التي لم يطلع الناقد فيها على ملابسات الرواية وقرائنها، فحينئذ يميل فيها الناقد إلى أحوال الرواة في قبول الحديث أو رده أو تردده.
وأما عند كثير من الباحثين المعاصرين فصار الأصل هو أن الأحكام تابعة لأحوال الرواة ويردون بذلك أحكام النقاد.
ويحسن بنا أن نقرأ في هذه المناسبة قول الحافظ السخاوي وهذا نصه :
’’.....ربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن، فالأحسن سد هذا الباب ، وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش؛ حيث قال : ’’لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر ‘‘ فتصريحه بالاشتراط يدفعه...‘‘.
يعني أن ما أورده الإمام ابن الصلاح في تعريف الصحيح من سلامة الحديث من شذوذ وعلة شرطا من شروط الصحيح كاف في رد ذلك الذي يفهم مما نقله السخاوي عنه أن عدم العلة هو الأصل الظاهر.
أما لو كانت الأحكام تابعة لأحوال الرواة - كما يظن اليوم - لما قال النقاد: إنما هو علم أوتينا، أو هذا العلم إلهام، أو هذا العلم مثل علم الصيرفي أو الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة .
وفي ضوء هذا الواقع فإن تعريف المصطلحات يحتاج إلى هذا التفصيل المذكور، وإلا سيكون اعتقادنا أن الحكم مرتبط بأحوال الرواة ، وبالتالي تكون المفاهيم والتصورات تجاه علوم الحديث مشوهة ومعوجة، والذي نرى في أبحاث كثير من الباحثين اليوم من الاعتراض على النقاد وعدم فهم مصطلحاتهم إنما هو من نتائج ذلك ، وكلما يكون الباحث متمكنا تقل منه مثل هذه النتائج.
ثانيا الجواب عن سؤالك : إن ضابط الحسن عند النقاد ليس حال الراوي، قد يكون ثقة وقد لا يكون ، وإنما الضابط عندهم شعورهم بعدم وجود الخطأ ولا بأنه صواب في إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبقدر وجود العواضد وعدمها يقترب الحديث من الصحة أو من الضعف. وأما بالنسبة إلينا فشعورنا فليس مؤسسا على الفهم والتجربة.
وأما أن يكون الشاذ حسنا فلا، إلا إذا فسرنا الشاذ بمطلق الغرابة ، وحينئذ قد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا. (والله أعلم)

س75/ هل المنكر عند المتقدمين هو نوع الشاذ المردود أم انه حكم مستقل لوحده.
ج/ عادة لا يستخدم النقاد في التعليل مصطلح الشاذ وكثيرا ما يستخدمون المنكر فيما يصدق عليه الشاذ المردود ، وقد جمع بعضهم بين هذه المصطلحات مثل قول بعضهم : (الحديث الشاذ المنكر الذي لا يعرف) .
وليس المنكر في لغة المحدثين النقاد حكما مستقلا لوحده.

س76/ عند مطالعتي لتخريج حديث : "العقيقة تذبح لسبع أو أربعة عشر أو إحدى وعشرين" في إرواء الغليل وجدت أن الشيخ الألباني أعل بعض روايات الحديث بالانقطاع بين عطاء وأم كرز . وبعد بحث متواضع وجدت أن علي بن المديني قال: لم يسمع عطاء من أم كرز شيئا . فهل تعلمون أحدا من المتقدمين وافق ابن المديني على هذا ؟
ج/ نقله ابن أبي حاتم في مراسيله عن علي بن المديني ، كما نقل عنه المزي أيضا في التهذيب. ويدل على الانقطاع ما وقع في هذا الحديث من الاختلاف على عطاء ، وفي معظم الروايات ذكرت الواسطة بينه وبين أم كرز، مع الاختلاف في تحديد هذه الواسطة، وهذا دليل واضح على انقطاع رواية عطاء عن أم كرز. وقد رجح الحافظ ابن حجر أن الراجح هو عن عطاء عن حبيبة بنت ميسرة عن أم كرز. انظر الإصابة للحافظ ابن حجر ترجمة أم كرز.

شيخنا الفاضل نفع الله بعلومه ، امين .
س77/ ما رأيكم أدام الله عزكم في معنى الحديث ( الحسن ) واختلاف المحدثين فيه وما هو الراجح في تقييد مصطلحه ، وهل يفرق في اطلاقه في العصر الحالي عند نقله عن أحد الأئمه أم يلتزم فيه جادة واحده لا تخالف ، بحيث نأخذ تعريف الخطابي او الترمذي مثلا ونعممه ، أم نقصر ما قصداه في تعريف الحسن على ما أطلقاه هما عليه دون من سواهما ؟
ج/ لم يختلف المحدثون في تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا ، وهذا التقسيم الثلاثي كما حكى الخطابي عن أهل الحديث إنما بالنسبة إلى شعورهم ومعرفتهم ، وإلا فالخبر عموما في الواقع إما الصواب وإما الخطأ .
وإن كان الخبر في الواقع إما صواب وإما خطأ لا ثالث لهما، فإن المخاطب لا يكون قادرا على أن يشعر دائما بما هو في الواقع كما هو، مع قناعتنا التامة أن الأئمة لم يتفقوا على تصحيح ضعيف ولا على تضعيف صحيح. وقد يعرف الناقد أن الخبر صحيح أو خطأ ، وقد لا يعرف هذا ولا ذاك ولا يستطيع أن ينكره في الوقت ذاته ، وبحسب توافر العواضد الخارجية تتفاوت الانطباعات من ناقد إلى آخر ، أو يتفاوت انطباع ناقد واحد من وقت لآخر .
تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا أمر واقعي لا يختلف فيه اثنان، غير أن النقاد لم يتفقوا على تسمية هذه المرتبة المتوسطة بمصطلح خاص مثل الحسن، ولهم في ذلك عبارات مختلفة ولم يكن الخطابي حين قال : الحديث عند أهله صحيح أو حسن أو سقيم، قصد بيان أن المحدثين القدامى قد حددوا هذه الأقسام بهذه التسميات ، وإنما قصده بيان التقسيم الثلاثي للحديث، وأما تسمية هذه الأقسام بمصطلحات خاصة بحيث إذا أطلق مصطلح منها لا يتبادر إلى الذهن إلا ذلك المسمى فكان ذلك في العصور المتأخرة .
وأما الترمذي فلم يعرف الحسن كمصطلح عام ، وإنما عرف أسلوبه في الكتاب فيما يخص هذا المصطلح. ولذا لا ينبغي التزام جادة واحدة في تحديد معنى الحسن الذي يرد في كلام النقاد، لأنهم قد يطلقون الحسن على الصحيح أيضا.

س78 / وأكرر أيضا السؤال في رايكم في كتاب تحرير التقريب ؟
ج/ سبق الجواب عنه .

س79 / جاء في صحيح مسلم عن ابي سعيد الخدري قال : ( بلغنا أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر ) ،فلم يذكر مسلم الإسناد إلى أبي سعيد ، فماذا نسمي هذا النقل في مسلم بلاغا ، أم مرسل صحابي ، مع أني رجعت الى غرر الفوائد المجموعه للرشيد العطار فلم أجده ذكر في المعلقات أو المقطوعات أو غير ذلك؟!
ج/ هذا الحديث يقال له مرسل الصحابي فإنه قال : بلغنا ، وليس معلقا ولا بلاغا ولا مقطوعا، وهو متصل بالإسناد السابق ، والدليل على ذلك ما ورد في آخر حديث أبي سعيد هذا :
’’وليس في حديث الليث (فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين وما بعده) فأقر به عيسى بن حماد‘‘ ، وكان هذا جوابا عن سؤال مسلم لعيسى بن حماد: أخبركم الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. ( والله تعالى أعلم )

الشيخ الفاضل . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
س80/ سؤالي هو: ما هي القاعدة التي نميز بها الأصول من غيرها في الصحيحين ؟ وذلك أن البعض يضعف بعض أحاديث فيهما ثم يقول هي في الشواهد ويطلب إثبات أنها في الأصول .
ج/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ،،
إذا لم يستوف الحديث شروط الحديث الصحيح فهو من الشواهد، وهي بالنسبة إلى صحيح مسلم تكون في آخر الباب في الغالب ، وليس معنى هذا أن كل حديث في آخر الباب فهو من الشواهد ، بل قد تكون جميع أحاديث الباب من الأصول ولكن حسب المناسبة .

خليل بن محمد
07-05-03, 10:24 AM
شيخنا المحدث الفاضل :
س81/ ما قولكم في قضية نقد المتن ؟ هل كان هذا النقد من صنيع المتقدمين الأوائل ؟ وهل هناك مثال نقد فيه الأوائل المتن مع كون السند لا مطعن فيه البتة ؟ وجزاكم الله تعالى كل خير وأتم النفع بكم .
ج/ بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد:
فأعتذر إخواني عن تأخري عن الإجابة على أسئلتهم، وقد كنت منشغلا طوال الأيام الماضية بعدة أمور، ولم أجد وقتا كافيا للنظر فيها، وها أنا بفضل الله أجد الآن بعض الوقت أردت أن أستغله لمخاطبتكم ومشاركتكم في هذا العمل العلمي الجليل، أسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا جميعا. إنه سبحانه وتعالى أهل التقوى وأهل المغفرة .
أما عن سؤالك أخي العزيز – زادك الله علما وإخلاصا وتوفيقا – فأقول :
إن فصل الإسناد عن المتن عند النقد، لم يكن من منهج المحدثين النقاد، بل يعد ذلك أسلوب كثير من المتأخرين والباحثين المعاصرين؛ إذ كان حكهم منصبا على الإسناد دون ربطه بالمتن، لذا اشتهر عنهم القول (إسناد صحيح) أو (إسناد ضعيف) أو (إسناد حسن) بدل قولهم (حديث صحيح) و(حديث ضعيف) و(حديث حسن).
أما على منهج المحدثين النقاد فلم يكن الحكم على الإسناد بانقطاعه واتصاله أو صحته وضعفه دون اعتبار متنه، وإنما يتوجهون في النقد صوب ما أخبر به الراوي عمن فوقه سندا ومتنا دون الفصل بينهنا؛ ذلك لأن الإسناد لا يتحقق إلا بانتهائه إلى المتن، وإلا فبماذا يحدث الشيخ عمن فوقه إذا لم يكن هناك متن.
وحديث ’’تسلبي ثلاثا‘‘ شاذ عند الإمام أحمد وغيره مع أن إسناده سليم من الانقطاع، وجميع رواته ثقات، وذلك لمخالفة أحد رواته في هذا المتن الأحاديث الصحيحة الثابتة في مدة العدة.
كذلك حديث قتيبة عن الليث في جمع التقديم، فقد أعل النقاد متنه مع كون رواته ثقات أجلاء .
وكتب العلل والضعفاء زاخرة بهذا النوع من الأمثلة التي تدل على نقد الأئمة القدامى للمتون مع كون السند متصلا ومسلسلا بالرواة الثقات، بل إن ظهور مصطلح (المدرج) و(المقلوب) و(المعلول) و(الشاذ) و(زيادة الثقة) الذي يتصل بالمتن يعد أوضح دليل على ذلك ؛ لأن هذه المصطلحات تدل على أن النقاد لم يكتفوا في النقد بمعرفة الأحوال العامة لرواة الحديث، بل إنهم ينظرون فيما أخبر به الراوي عمن فوقه سندا ومتنا، ولو اعتمدوا في ذلك على أحوال الرواة لصححوا كل ما رواه الثقة، وما ظهر مصطلح الشاذ ولا المعلول ولا المقلوب ولا المدرج .
كما أنهم في معرفة الانقطاع والاتصال لم يكتفوا بمجرد وجود المعاصرة بين الرواة ولا اللقاء فيما بينهم بل يتتبعون الأدلة والقرائن التي تدل على أن هذا الراوي سمع الحديث ممن فوقه، أو أنه لم يسمعه منه، على الرغم من وجود المعاصرة واللقاء بينهما، وإلا كيف ظهر مصطلح التدليس بكل أنواعه، وكيف استطاعوا إذن أن يبينوا أحوال الرواة وعاداتهم في التدليس بكل تفاصيلها.
والجدير بالذكر أن قول الأخ السائل – حفظه الله - (مع كون السند لا مطعن فيه) معناه أن الرواة ثقات، والسند متصل، بغض النظر عن مدى خلوه من شذوذ وعلة.
وفي الواقع أن الخطأ في المتن لا بد أن يكون من أحد رواته، والسند الذي يضم ذلك الراوي المخطئ – وإن كان إماما – لن يكون سليما، والراوي الثقة إذا أخطأ في المتن فمعناه أنه لم يرو هذا الحديث كما سمع من شيخه، لذا لا يقال إن السند لا مطعن فيه.
ومن هنا أصبح السند وثيقة علمية عظيمة تحمل في طياتها ما يدل على مصدر الخطأ بدقة متناهية، وبذلك لم يستطع أحد لا عمدا ولا سهوا، أن يدخل في حديث الراوي ما ليس منه، إلا وقد اكتشفه النقاد، فضلا عن السنة النبوية، لذلك قال ابن المبارك رحمه الله :
الإسناد من الدين لولاه لقال من شاء ما شاء .

فضيلة الشيخ المحدث المليباري حفظكم ربي وسددكم :
س82/ ما رأيكم في اصطلاحات الترمذي في سننه كقوله ( حديث حسن ) ( حسن صحيح) (حديث غريب ) ( حديث حسن غريب ) ( صحيح غريب ) .
ج / جزاك الله خيرا أخي الكريم وسدد خطاك ، هذه المصطلحات لا يمكن تحديد معانيها بأحوال الرواة، ولا تفسر في ضوء ما تعارف عليه المتأخرون، وإنما ينبغي تفسيرها وفق منهج الإمام الترمذي وغيره من المتقدمين.
من خلال تتبع أمثلة كثيرة من السنن تبين لي أنه (رحمه الله) يطلق مصطلح (حسن صحيح) على الحديث الصحيح، ومصطلح (حسن) على الحديث الذي زال عن متنه شذوذ وغرابة؛ إما لكونه مرويا من طرق أخرى كالشواهد، أو لعمل بعض الصحابة بمقتضاه أو لقوله به، حتى وإن كان سنده ضعيفا أو معلولا بغرابته أو بتفرده. وفي حال كون السند غريبا قد يقول الترمذي (حسن غريب) أو يقول (غريب) فقط دون مصطلح (حسن) وأما (صحيح غريب) فقد يطلقه على ما هو حسن أيضا، وقد يكون معناه حسن صحيح، أو يكون ذلك من اختلاف النسخ.
أما إذا فسرنا هذه المصطلحات في ضوء ربطها بأحوال الرواة فإن ذلك لا يخلو من الإشكال. (والله أعلم) .


س83/ ما رأيكم في رواية أبي اسحاق السبيعي بالعنعنة خارج الصحيح.
ج/ رواية أبي إسحاق بالعنعنة تفيد الاتصال إذا ثبتت من طريق شعبة ويحيى بن سعيد القطان، وعموما فإن عنعنة المدلس لا تكون سببا مباشرا للحكم عليها بالانقطاع، إلا إذا تبين أن الراوي المدلس لم يسمع ذلك الحديث ممن فوقه، أو إذا لم تتوافر لدى الناقد إمكانية البحث وأصبح الأمر في ذلك مبهما فإنه يعول حينئذ على تلك العنعنة وتحمل على الانقطاع . والله أعلم

س84/ ما رأيكم برواية سعيد بن المسيب عن عمر هل هي صحيحة مطلقا وفي كل حال وكذلك رواية النخعي عن ابن مسعود ورواية ابن ابي نجيح وابن جريج وليث عن مجاهد عن ابن عباس.. وما رايكم في رواية ابي عبيدة عن ابيه ابن مسعود هل يطلق القول بصحتها دائما.
ج/ لا أستحضر الآن ما يتصل برواية هؤلاء الأئمة بتفاصيله، وكلام الأئمة حوله مستوفى في كتب التراجم، والذي أعرفه الآن بشكل إجمالي أن رواية سعيد بن المسيب عن عمر منقطعة ، وليس في الصحيحين شيء منها، وكذا رواية النخعي عن ابن مسعود منقطعة،
أما رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد فمتصلة، لقد سمع منه الأحاديث، وأما التفسير الذي يرويه عنه فيه كلام . وليث - هو ابن أبي سليم - ضعيف تكلم فيه وما رواه عن مجاهد وتفرد به لا يعد صحيحا لا سيما إذا روى جمعا بين شيوخه عطاء ومجاهد وطاؤس، لسبب خلطه بين أحاديثهم المختلفة والتلفيق بينها دون بيان وجوه الاختلاف بينهم.
أما رواية أبي عبيدة عن أبيه فهي منقطعة، هذا ما أعرفه الآن، لكني بحاجة إلى الدراسة والتحقيق حول تفاصيل هذه المسائل.

س85/ ما رأيكم في رواية مجالد عن الشعبي التي تعتبر كثيرة جدا هل يتسامح فيها.
ج/ مجالد ضعيف في الشعبي وغيره، ولا ينفعه كثرة روايته عن الشعبي فيما رواه عنه، وإذا روى عنه حديثا وتفرد به ينبغي التوقف عن قبوله.

س86/ هل الإعلال في التفرد يعمل به في الموقوفات؟
ج/ كل تفرد يثير الإشكال ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند الحكم على الرواية، سواء كانت حديثا أو أثرا موقوفا، والذي لا يثير الإشكال فيعول عليه لا سيما في الموقوف.

س87/ ما الصحيح في رواية مجاهد عن عائشة؟ هل ثبت السماع؟
ج/ روايته عنها منقطعة.

س88/ ما صحة حديث القلتين؟
ج/ الحديث صحيح فيما أذكره، والاختلاف في تفسير القلة لا يؤثر في صحته والعمل به، لأن القلة ينبغي حملها على ما اشتهر في الحجاز، وهو قلة هجر باعتباره أقرب إلى المدينة، ومخالفة الآخرين في بلاد أخرى لما اشتهر بالحجاز لا تقدح في العمل بالحديث، هذا وقد تناوله الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتابه التنكيل الجزء الثاني فأجاد فارجع إليه.

س89/ كتب الآثار لمحمد بن الحسن وأبي يوسف هل هي مصادر معتبرة يأخذ منها أهل العلم .
ج/ ليس لي علم عن هذه الكتب.

شيخنا الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نشهد الله أنا نحبك فيه .
س90/ ذكر ابن حجر رحمة الله عليه في أول "طبقات المدلسين " الثالثة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي الرابعة من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم الا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد ) فما الفرق بين الطبقتين مادام أنه لن يحتج بحديث أحدهم إلا ما صرح فيه بالسماع . أفيدونا أكرمكم الله .
ج/ أحبك الله من أجله أحببتني ، وجزاك الله خيرا .
قد ذكر الحافظ ما يدل على الفرق بين المرتبتين، وهو أن الأولى اختُلِف فيها من بعض الأئمة، وأما الثانية فمتفق على عدم الاحتجاج بها للسبب الذي ورد في السياق نفسه، وهو كثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل.
وفي الواقع أنه لا فرق بينهما في عدم قبول العنعنة، والسبب كثرة تدليسهم، وكثرة احتمال التدليس إذا عنعنوا، والجدير بالذكر أن الأساس في تقسيم المدلسين على مراتب هو ندرة التدليس وكثرته، وكلما يندر تدليس الراوي مع كونه ثقة إماما ينبغي حمله على الاتصال إلا إذا دل على أنه لم يسمع ذلك الحديث بعينه ممن فوقه، ويكون في المرتبة الأولى، وذلك لندرة احتمال التدليس إذا عنعن، وحسب كثرة التدليس يدرج الراوي في المراتب التالية. وهناك تفاصيل شرحتها في الموازنة في القسم الثاني.

س87/ ما هو الراجح في رواية أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه .
ج/ سبق الجواب في سؤال رقم 58 .

س88/ ما معنى قول ابن معين إذا سئل عن رجل يقول "صالح " وجزاك الله خيرا .
ج/ يفيد هذا المصطلح أن الراوي ليس متروكا، وليس متهما بالكذب، بل صالح للقبول والكتابة والاعتبار، بل قد يطلق هذا اللفظ مع لفظ ثقة أو صدوق أو ضعيف، وقد يطلق مع هذه المصطلحات جميعا، ويقال: ثقة صدوق ضعيف صالح. يكون معناه: أن الراوي ليس متروكا، وما وقع فيه من الأخطاء ليس تعمدا منه، وقد يخيل ذلك إلى الناظر في منكراته، لكنه رجل صالح لا يتعمد الكذب. والله أعلم .

س91 / هل تعتبر كلمة "لا بأس به" توثيقاً عند غير ابن حبان؟ وجدت ابن أبي حاتم نص على أنها ليست كذلك (في أول كتابه الجرح والتعديل). لكن ابن حجر يعتبر قول أبي زرعة أو أو أبي حاتم "لا بأس به" توثيقاً. وكذلك عن النسائي وغيره.
ج/ لعل الأخ السائل أراد به ابن معين وليس ابن حبان، لأن ابن معين هو الذي نص على أنه يريد به التوثيق.
نعم لا تعتبر كلمة لا بأس به توثيقا عند غير ابن معين، لأن فيه نوعا من التليين بعيدا عن التجريح، ولذا لم يقبل العلامة المعلمي ذلك من الحافظ ابن حجر، بل قال: ينبغي البحث عن ألفاظ النقاد، لأنه قد لا يصرح بأن فلانا ثقة.

س92/ ما حكم الراوي إذا لم نجد فيه إلا التوثيق المعلَّق؟ أقصد مثل قول ابن سعد: "كان ثقة إن شاء الله". أو قول ابن عدي: "وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيماً".
ج/ فيما يبدو أن هذا اللفظ فيه نوع من التليين، ولا يصل إلى مرتبة من قيل فيه ثقة، وقد يستخدم ابن عدي ذلك في حق بعض الثقات الذين تكلم فيهم لسبب ما، لكن الجزم بشئ من ذلك يتوقف على تتبع مواقع استعمال ذلك اللفظ ومقارنة بعضها ببعض.

فضيلة الشيخ العلاّمة حمزة المليباري - والذي أحسبه أحد المجددين في هذا العصر - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
س93/ سؤالي يا فضيلة الشيخ : في قول البخاري ((حديث حسن )) هل هو من قسم الصحيح ؟ وهل الإمام البخاري يشترط لتصحيح الحديث اللقاء حتى خارج الصحيح ؟ مثال: قال الترمذي في العلل الكبير: وسألت محمدا عنه يعني حديث الحسن عن علي بن أبي طالب رفع القلم الحديث فقال: الحسن قد أدرك عليا وهو عندي حديث حسن. هل قوله: ( أدرك عليا ) أي سمع منه أو أن قوله: ( هو عندي حديث حسن) بطرق أخرى. قال الترمذي حدثنا قتيبة ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقرأ على المنبر ((ونادوا يامالك)) سألت محمدا عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن وهو حديث ابن عيينة الذي تفرد به. (العلل الكبير ) .
قال الإمام البخاري في صحيحه : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن صفوان بن يعلي عن أبيه رضي الله عنه قال ثم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك قال سفيان في قراءة عبد الله ونادوا يا مالك) .
ج/ قد شرحت هذه المصطلحات وخلفية النقاد فيها، - منهم البخاري- في كتاب (نظرات جديدة في علوم الحديث)، وخلاصة ذلك أن البخاري وغيره قد يطلقون مصطلح حسن على الحديث الصحيح، وبالعكس أيضا، كما يطلقون الضعيف على الحسن. ومواقع إستخدام النقاد تلك المصطلحات هي التي توضح قصدهم بذلك، ولا يعني بذلك أبدا أن قسم الحسن من قسم الصحيح. بل إنهم متفقون عمليا على تقسيم الحديث تقسيما ثلاثيا كما حكى عنهم الخطابي، لكنهم لم يتفقوا على تسمية هذه الأقسام بألفاظ خاصة. راجع من فضلك كتاب (نظرات جديدة) ففيه شيء من التفصيل حول ذلك، وكذلك كتاب (علوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد).
أما اشتراط اللقاء فأمر لا يختلف فيه أحد من المحدثين النقاد ليتصل السند، أعني بذلك أنه إذا ثبت أن فلانا لم يلتق بفلان لا يكون حديثه متصلا، لكن قد يختلف بعضهم عن بعض حول الاتصال والانقطاع إذالم يتبين لهم ما يدل على ذلك اللقاء، وهذا لا يعني أن بعضهم لا يشترطون اللقاء، وإنما فقط في حال عدم وضوح الأمر فيما يخص لقاء فلان بفلان هل يشترط العلم باللقاء جملة أو لا.
وفي الواقع أن عناصر التصحيح لم يستوعبها جميعا تعريف الصحيح المشهور في كتب المصطلح ، إنما تضمن ما هو الأغلب في التصحيح. ولذا لا ينبغي اعتبار ذلك التعريف معيارا لفهم الصحيح عند النقاد، حتى لا يصطدم ذلك مع حديث البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ) الذي تفرد به سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة ، والمغيرة في لغة كتب المصطلح يعد من المجاهيل أو من المستورين، وشرط الصحيح أن يكون الرواة ثقات .
لذا مجرد حفظ المصطلحات والتعريفات لا يؤهل صاحبه لفهم لغة المحدثين، وإنما يتوقف على مدى احتكاكه مع نصوصهم ومنهجهم واستيعاب طرق إطلاقاتهم ومواقع استعمالهم .

س94 /قال الإمام علي بن المديني : حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني ممسك بحجزكم عن النار قال هذا حديث حسن الإسناد وحفص بن حميد مجهول لا أعلم أحدا روى عنه إلا يعقوب )) كيف الجمع بين قوله مجهول وحسن الإسناد . وهل قوله : (( حسن الإسناد)) هو تصحيح للمتن أيضا؟ عذرا على الإطالة والله يحفظكم يافضيلة الشيخ ويزيدكم من فضله.
ج/ فيما يبدو لي أن المعنى: هذا الحديث ليس فيه راو متروك، بل كل الرواة ثقات إلا حفص وهو وإن كان مجهولا، فالمتن ليس فيه مخالفة لنصوص أخرى ، والله أعلم.

السلام عليكم
س95/ ما رأيكم بكتابات عداب الحمش ؟
س96/ وماذا عن كتابات حسان عبد المنان ؟
ج/ يبدو أن مثل هذا السؤال قد سبق ، إبداء رأي حول الكتب وأصحابها لا يمكن إلا بعد تتبع محتواها بطريقة علمية دقيقة، وأنا لم أتمكن من ذلك حتى الآن.

خليل بن محمد
15-05-03, 10:45 PM
س97/ ما شروط الإجتهاد في التصحيح والتضعيف وهل هذه الشروط متوفرة في أحد المشايخ في عصرنا أو حتى في المتأخرين ؟
ج/ هذا سؤال مهم جدا، وأنا أشكر لك هذا السؤال. وقد يكون الجواب طويلا وأرجو منك الصبر .
يا أخي العزيز – حفظني الله وإياك - ! من المعلوم بديهيا أن لكل علم رجالا متخصصين يشكلون مصادره الأصيلة، ومن خلال عملهم النقدي انبثقت قواعد ذلك العلم ومسائله، لذلك فإن الباحث يكون أكثر أمناً من الخطأ والتخبط في الفهم والتطبيق بقدر رجوعه إلى تلك المصادر الأصيلة، ومداومة الاشتغال بها وإمعان النظر فيها، كما أنه لا يُعد الباحث أو العالم مصدرا أصيلا بمجرد أنه قد ألف كتابا أو كتابين أو كتبا في ذلك العلم أو أنه كان منشغلا به، أو بمجرد كونه إماما في مجال علمي آخر، وإنما يعد فقط مصدرا مساعدا. وهذا كما قال الشاعر :
’’للحرب أقوام لها خلقوا *** وللدواوين كتاب وحساب‘‘ .
وقال مسلم في التمييز ص:20 :( فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم إذا قال: هذا حديث خطأ وهذا حديث صحيح، وفلان يخطيئ في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت أنهم استعضموا ذلك من قول من قاله ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضين وحتى قالوا إن من ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به ومدع علم غيب لا يوصل إليه.
واعلم وفقنا الله وإياك أن لولا كثرة جملة العوام مستنكري الحق وراميه بالجهاله لما بان فضل عالم على جاهل، ولا تبين علم من جهل،ولكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه، وضد العلم هوالجهل، فكل ضد ناف لضده ،دافع له لا محالة، فلا يهولنك استنكار الجهال وكثرة الرعاع لما خص به قوم وحرموه ، فإن تعداد العلم دائر إلى معدنه، والجهل واقف على أهله.
وجاء في تذكرة الحفاظ 3 /1031 :
’’فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلا إمام في النحو ولا يدري ما الحديث ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عري من غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطب، وكمحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءة تالف في الحديث، وللحروب رجال يعرفون بها‘‘.
وقول السخاوي في هذا المجال مشهور ، وهذا نصه:
’’هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم (يعني نقاد الحديث ) في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين‘‘.
’’فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك ( إن شاء الله ) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله‘‘.
ومشكلة إخواننا في المجال العلمي هو خلطهم بين المصادر الأصيلة وبين المصادر المساعدة وإحلال بعضها مكان الآخر أو إهمال الأصيل واعتماد المساعد ومبالغتهم فيه.
ولذا نرى بعضهم يعتمدون على عالم من علماء هذا العصر في دراساته وتحقيقاته، ويدمنون نظرهم في تواليفه، وتقليدهم له ومشيهم وراءه، دون الرجوع إلى نقاد الحديث ونصوصهم وتآليفهم، وذلك لفرط حبهم واحترامهم وتقديرهم له نظرا لما يتميز به من العناية الكبيرة بالحديث وعلومه وانشغاله بها تخريجا وتحقيقا، وبروزه في مجال الدعوة إلى العمل بما صح من الأحاديث ومحاربة البدع، بحيث لا يسوغون لأحد أن يعيد النظر فيما قام به هذا العالم الفاضل المحترم من الدراسات والتخريجات، ومن دعا إلى إعادة النظر فيها، أو انتقده في بعض أخطائه فإنه قد عرض نفسه للخطر، حتى وصل غلو بعضهم في التعصب إلى حد أن يزعم أن ذلك الشخص أعلم من الإمام أحمد بن حنبل.
فما هذا الهراء الذي يسيء إلى هذا العالم وسمعته؟
ولا ينبغي أن يكون حبنا واحترامنا وتقديرنا لشخص ما بهذه الدرجة التي تعمي قلوبنا وتحجبها عن إدراك الحقيقة والصواب، بل يجب أن يكون ذلك في حدود رسمها لنا القرآن الكريم من العدل والإنصاف والحق. وإن كنا لا نسوغ ذلك التعصب والمبالغة في حق الأئمة السابقين الذين هم أكثر علما وعملا وتقوى منا فإن عدم جواز ذلك في حق المعاصرين أولى وأجدر.
زارني في البيت في الصيف الماضي بعض الإخوة وكان من بينهم شاب لا أعرفه، ولفتت انتباهي طبيعة هذا الشاب من بينهم منذ أن دخل معهم في المجلس، وكان عابس الوجه، ولما رأيته غير مبتسم ألح سؤالا في نفسي وهو: لماذا لا أرى هذا الشاب مبتسما في وجهي بخلاف الآخرين.
واستمر هذا السؤال في نفسي لمدة أيام إلى أن جاءني الخبر بأن الشاب يصفني في بعض المواقع بما يأتي :
هذا الهندي المليباري الجاهل لا يعرف حتى اللغة العربية ولا قراءة القرآن الكريم، ولا أدري لماذا يلتف حوله الشباب .
ففهمت أن الشاب كان يكرهني وكان يخبئ ذلك في نفسه لسبب ما، قد يكون – والله أعلم - اهتمامي بتفضيل نقاد الحديث وتقديمهم على الشيخ الألباني وغيره من المعاصرين والمتأخرين، ثم ازداد هو كراهية لما أجبته في ذلك المجلس عن سؤال يتصل بالشيخ الألباني بما لم يعجبه.
ومن المناسبة أن أنقل لك ما جرى بيني وبين هذا الشاب في ذلك المجلس حسب ما يحضرني الآن ؛ بعد ترحيبي بالإخوة الضيوف الكرام ، خاصة الأخ الفاضل المحترم الشيخ أبو الحسن المأربي الذي تميز بتواضعه وأدبه وعلمه، بدأت الحديث بلفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين المصادر الأصيلة لعلوم الحديث وبين مصاردها المساعدة ، وشأن ذلك شأن العلوم كلها ، وذكرت التشريع الإسلامي مثالا لذلك، فإنه لا يختلف أحد في أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأصيلان للتشريع الإسلامي، وأما الأئمة وآراؤهم ومذاهبهم وكتبهم فتشكل فقط مصادره المساعدة ، كما أنه لا يختلف أحد في خطورة التلفيق بين الأصيل والمساعد فيما يخص التشريع الإسلامي، أو إحلال أحدهما مكان الآخر. وكذلك بالنسبة إلى علوم الحديث وغيرها من سائر العلوم، إذن لا بد من التركيز على هذا الجانب الأساس عند دراسة علوم الحديث أو البحث فيها.
وأيدني الشيخ أبو الحسن بصفة عامة . وسألني ذلك الشاب :
هل الشيخ الألباني مؤهل للتصحيح والتضعيف ؟
قلت : يا أخي لا يهمني أن أعرف أن فلانا مؤهل للتصحيح أو غير مؤهل، وإنما يهمني فقط العمل الذي يقوم به، هل هو وفق منهج المحدثين النقاد في ذلك أولا، فما ينسجم معه فذلك المقبول، وما لا يكون كذلك فمرفوض، كائنا من كان، دون تعرض للطعن فيه، وبذلك نستطيع تقييم الباحثين، أما كونهم مؤهلين لذلك أو غير مؤهلين فليس لدي وقت للنظر فيه، ولا أرى في ذلك كبير فائدة.
فقال لي : هل الحافظ ضياء الدين المقدسي مؤهل والحافظ ابن حجر مؤهل ؟
فوجئت بإلحاحه علي في هذا السؤال ؟
قلت له : ما الفائدة من معرفة ذلك ؟
فقال لي : إذا كان مؤهلا نسوغ له مخالفة النقاد، وإلا لا نسمح له بذلك.
قلت له : الأمر لا يتوقف على ما تصدره أنت من الفتوى والحكم، وإنما الذي يهمنا هو من يفهم لغة المحدثين ويوافقهم وينتهج منهجهم في التصحيح والتضعيف.
فسألني الشاب: إسناد يكون مثل الشمس ضعفه الإمام البزار وصححه أحد المتأخرين ، وماذا تقول عنه؟
قلت له : الجواب يتوقف على دراسة هذا السند .
وأنت تقول إسناد مثل الشمس، وذلك نظرا لظاهر حاله، لكنه في الواقع قد لا يكون كذلك عند النقاد لشذوذه وغرابته، بل إن الإسناد إذا كان مثل الشمس حقيقة فمن المستحيل عرفا أن يخفى ذلك على النقاد أو أحدهم، ومع ذلك فإذا ضعفه إمام من الأئمة فذلك دليل واضح على أن الإسناد فيه شيئا ينبغي البحث عن علته. وهذا الإمام الحاكم يقول:
’’إذا وجدت حديثا صحيح الإسناد ولم يخرجه الشيخان فعليك بالبحث عن علته‘‘، وكيف يكون ذلك إذا ضعفه أحد النقاد!
إذا كنا نحن قد وقفنا على نصاعة السند وأنه مثل الشمس فإن ذلك لن يكون بعبقريتنا في نقد الحديث، وإنما بشدة غرورنا بظاهره، ثم إن الإسناد الذي لم يعرفه المتقدمون ولم يشتهر لديهم ثم اشتهر في رواية المتأخرين فلا يمكن إلا أن يكون وهما وخطأ وإن كنت تعده كالشمس. ثم استدللت له بقول الحافظ البيهقي، وأيدني في ذلك الشيخ أبو الحسن المأربي .
ووجدت الشخص يلح في السؤال نفسه ، فقلت له: أنا أذكر لك انطباعي تجاه الشيخ الألباني:
إن الشيخ الألباني – رحمه الله - أكثر الناس اليوم فهما لمنهج المحدثين، وأكثرهم قربا له، وأكثرهم انشغالا بالحديث وعلومه، ومع ذلك فإني أرى أنه ليس مؤهلا لنقد الحديث، واستغرب بعض الإخوة هذا الجواب ومنهم الشيخ أبو الحسن المأربي قبل أن أكمل الكلام.
قلت : نعم ليس مؤهلا لنقد الحديث مثل البخاري ومسلم وأحمد، وحتى الحافظ ابن حجر - فيما أرى - ليس بناقد مثل الأئمة السابقين، ولا الحافظ ضياء الدين المقدسي، وهؤلاء محققون ومدققون لكلام النقاد ومعتمدون عليه.
فقاطعني الشاب بقوله : حتى الحافظ ابن حجر والحافظ المقدسي ليسا من
المؤهلين لتصحيح الحديث ؟
قلت له : نعم ، أسرد لك من نصوص المتأخرين ما يفيد ذلك، وذكرت له قول الحافظ الذهبي وابن حجر والسخاوي، ومع ذلك فلم يقتنع بذلك.
وعند نهاية الجلسة قلت: على كل حال فإننا مطالبون بإنزال الناس منازلهم، ونحن نجد في الإسلام ما يشجعنا على النقد الموضوعي، يقول الله تعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه). ولا يمكن هذا إلا بالنقد الموضوعي، وإلا كيف يعرف الأحسن.
هذا ما يحضرني الآن ، وقد جرى الحديث والنقاش حول الجرح والتعديل ومنهج البخاري في التاريخ الكبير وأبي حاتم في علله ، وتعليلهما أحيانا لحديث صحيح باعتبار بعض طرقه بقولهم هذا باطل، مع أن الحديث صحيح لا نزاع في صحته، وكان الشيخ أبو الحسن – حفظه الله – قد أجاد في ذلك ، وتركت له معظم الأوقات احتراما له وتواضعا.
ثم وصلني في اليوم الثاني خبر مفاده: هناك شائعة حولي يلوك بها بعض الشباب، وهي:
أنني كنت أقول في الشيخ الألباني إنه غير مؤهل للتصحيح، وليس له باع في الحديث، والحافظ ابن حجر غير مؤهل، والحافظ المقدسي غير مؤهل. والشيخ أبو الحسن شرح لهم مقصودي بما قلت أثناء الجلسة، لكنهم لم يقتنعوا بذلك.
قلت لصاحبي الذي حكى لي ذلك: الله المستعان ، هكذا ينقلون الأخبار تشويها لأصحابها ، وهم بعيد عن الأمانة والدقة ، لا لشيئ سوى أنهم لم يروا فيهم ما يرضي وجدانهم وأهواءهم.
أعود إلى الإجابة، اسمح لي هذا الاستطراد يا أخي العزيز:
أما ما يتصل بشروط الاجتهاد في معرفة صحة الحديث وخطئه فيمكن تلخيصه من قول الحافظ ابن حجر :
’’هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غائصا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك، لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن يمارس ذلك. وقد تقصر عبارة المعلل منهم ، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء ، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث‘‘انتهى.
أما اليوم فيكثر المتكلمون في الحديث دون تأهلهم لذلك، ثم يتطاول بعضهم على نقاد الحديث بحجة كم ترك الأول للآخر .
هذا الذي ذكره الحافظ صحيح للغاية ، بل يؤيده الواقع العلمي الذي نعيشه اليوم، ذلك لأنه إذا قارنا بين تصحيح كثير من المعاصرين وتصحيح النقاد وجدنا فرقا واضحا لا يمكن إنكاره، وهو أن المعاصرين يقولون عند التصحيح (إسناده صحيح) أو (رجاله ثقات)، وكذا من صحح الحديث من المتأخرين، بينما النقاد القدامى قالوا (حديث صحيح). هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المتأخرين على اقتناعهم التام بأنهم غير مؤهلين لإدراك العلل والشذوذ، كما أدركها النقاد الجهابذة الذين سبق وصفهم في سياق كلام الحافظ ابن حجر، لأن ذلك من اختصاصهم، وقد صرح المتأخرون أنفسهم بذلك في كتب المصطلح، وأما خلاف ذلك فلن تجد فيه نصا واحدا للأئمة، سوى خزعبلات بعض الباحثين الجدد وما ينسجه خيالهم.
والله إنه لأمر مستغرب ومؤسف أن يقول الباحث المعاصر عن الحديث الصحيح الذي اتفق على صحته النقاد أو الذي صححه أحد النقاد :
’’إسناده صحيح ‘‘، وما قيمة تصحيح هذا الباحث المعاصر الذي لا يتجاوز نظره ظاهر الإسناد وأحوال الرواة، في مقابل قول النقاد إن الحديث صحيح وسليم من شذوذ وعلة؟ أيهما أتم وأدق: تصحيح الباحث أو تصحيح النقاد؟ وهل يحتاج القارئ بعد تصحيح النقاد إلى المعاصر الذي يعبر عن ظاهر السند؟ وهل أتى بشئ جديد يزيد تصحيح الناقد قوة؟ وإذا أجاب أحد منا بنعم فهو عامي متعصب، ينبغي أن نقرأ فيه قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).
ولو صحح المعاصر على منهج المحدثين النقاد لزاد الحديث الصحيح الذي صححه النقاد قوة بعد قوة، كما عمل الحافظ البغوي في كتابه شرح السنة، إذ يقول ( حديث صحيح)، وكما زاد الصحيحين قوة بعد قوة تتبع الإمام الدارقطني وغيره.
والإنسان الذي لا تتوفر لديه من الخلفية العلمية في مجال ما يكون عاجزا عن معرفة حقائقه ودقائق أموره، بل يضطر إلى اعتماد ظواهر الأمور، وقد يشتد غروره بها بحيث يندفع إلى المغامرة إذا كان معاندا، لكن لا يقف على حقيقة فعله ولا يندم على حماقته التي قد تكون قاتلة إلا إذا وقع في المخاطر.
وهذه أمور مجربة في حياتنا اليومية، ومن يخالف هذا المألوف فشاذ خطير معاند.
وأنا لا أرى شخصا مؤهلا لنقد الحديث إلا إذا كان عنده خلفية علمية واضحة حول أحاديث الحفاظ الذين يشكلون مدار الروايات، بحيث إذا انقلب على أحد من الرواة حديث هذا الحافظ بحديث ذاك، أو وقع التلفيق بين حديثين ولو بوجه بسيط، يعلم ذلك دون عناء، ويرجعه إلى أصله.
وإذا تأملنا في سيرة المحدثين النقاد المبثوثة في تضاعيف كتب التراجم، وجدناهم يحفظون الأحاديث مثل ما يحفظون سور القرآن الكريم. فيحفظون الأحاديث مقيدة براويها المدار ، فمثلا: ما رواه مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، ويحصون أحاديثه عددا، وكم أحاديثه في باب كذا. وبذلك لم يستطع أحد من قبل أن يدس فيها ما لم يحدث به مالك ولو كلمة صغيرة إلا وقد اكتشف ذلك من قبل الناقد.
وللحفاظ النقاد وسائل عدة في إحصاء الأحاديث حسب رواتها الذين تدور عليهم رواياتها؛ كتتبعهم للأصول التي يملكها بعض الحفاظ أو ما يتداوله الثقات، أو المذاكرة مع الحفاظ المعاصرين لا سيما مع أثبتهم وأحفظهم، وتعد المذاكرة أكثر الوسائل شهرة لدى الحفاظ في هذا المجال.
وكذا ما رواه مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وما رواه الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وعن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهكذا ما يتصل بأصحاب الزهري ، ممن يشكل مدارا رئيسا في الحديث.
وآثار هذا الإحصاء، ونتائجه تزخر لها كتب التراجم والعلل، وبذلك استطاعوا الجزم بأن فلانا تفرد ، وهذا الحديث إنما يروى هكذا، أو هذا مقلوب ، وغير ذلك من العبارات التي لا تصدر منهم إلا بضبط الأحاديث وإحصائها على الطريقة السابقة.
وبهذا الحفظ والاستيعاب والضبط والإحصاء يكون بعضهم أدرى وأكثر تخصصا في أحاديث بعض الحفاظ، ويقال فلان أعلم الناس بأحاديث فلان، ويقول قتادة: أحفظ أحاديث فلان مثل ما أحفظ سورة البقرة.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا اتكالا على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم.
ورد عن إسرائيل قوله : ’’ كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ سورة الحمد‘‘
وأنا لا أظن أن هذه الحقائق لا تخفى على المشتغلين بالتراجم .
(انظر فقط كتاب معرفة علوم الحديث ص: 140 – 146 ، وص: 164 – 165 ، لتعرف أسلوبهم في حفظ الأحاديث وتركيزهم عليه في المذاكرة ) بالله عليك أرني واحدا فقط من المعاصرين يحفظ الأحاديث مثل ما يحفظ النقاد، أو يحفظ أحاديث أحد الرواة المشهورين فقط، ويفهم ملابسات الرواية مثل ما يفهمون، ويعرفون الواقع في تلك الأحاديث مثل ما يعرفون.
ومن يستطيع اليوم أن يقول: للزهري عن فلان من الأحاديث كذا ؟ ولمالك عن نافع أحاديث كذا، ولشعبة عن قتادة عن أنس مما لم يسمعه ابن أبي عروبة أو هشام الدستوائي كذا، وفي باب كذا أحاديث كذا؟.
إذن أقول لك هو مؤهل للاجتهاد في التصحيح والتضعيف.
ونتذكر ما قاله الحافظ الذهبي :
’’... ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل لكن هم أكثر الناس صوابا وأندرهم خطأ وأشدهم إنصافا وأبعدهم عن التحامل وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح فتمسك به واعضض عليه بناجذيك ولا تتجاوزه فتندم ومن شذ منهم فلا عبرة به فخل عنك العناء وأعط القوس باريها فوالله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر ولئن خطب خاطب من أهل البدع فإنما هو بسيف الاسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فنعوذ بالله من الخذلان‘‘ .
وقال في تذكرة الحفاظ وهو ينصح طلبة الحديث:
’’... ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكى نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها *** ولو سودت وجهك بالمداد
قال الله تعالى عز وجل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
فإن آنست يا هذا من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا وإلا فلا تتعنَّ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأى ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج وينكُب الزغل، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقد نصحتك فعلم الحديث صَلِف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب‘‘.
وقال في موضع آخر من تذكرة الحفاظ :
’’فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بها أعداء الحديث والسنة ، ويسخرون منهم‘‘.
وقال في سير أعلام النبلاء :
’’وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال : من أحمد ؟ وما ابن المديني ؟ ولا يفقهون الرأي .. إلى أن قال: وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل ، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه. ومن تكلم بالجاه وبالجهل أو بالشر والبأو فأعرض عنه ، وذره في غيه ، فعقباه إلى وبال . نسأل الله العفو والسلامة ‘‘.
وقال أيضا : فقد عم البلاء، وشملت الغفلة ، ودخل الدخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون ، فلا عتب على الفقهاء وأهل الكلام.
وأين من قال ’’ لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها ..‘‘ ؟
وأين الذي يردد في كل مناسبة يمر بها: ’’كم ترك الأول للآخر ‘‘؟ وفي الواقع أن كل ما نستطيع معرفته اليوم إنما هو عن طريق التخريج من الكتب المتوفرة لدينا. وإذا حفظ منها الأحاديث فإنما يحفظونها وهي خليطة بين ما ثبت وبين ما لم يثبت، بخلاف النقاد فإنهم يحفظونها من الأصول أو من خلال المذاكرة مع الحفاظ مميزا بين الصواب والخطأ.
ولا يمكن معرفة مصدر الحديث وصاحبه الحقيقي حين قلبه الراوي وهما، إلا إذا استوعب أحاديث شيخه، والإسناد الذي يروى به ذلك الحديث.
انظر إلى العقيلي كيف صدر منه قوله فيما يخص حديث خالد بن عمرو :
’’ ليس له أصل من حديث سفيان الثوري، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه لأن المشهور به خالد هذا ‘‘ ويقول الإمام أحمد: ’’كل شيئ يرويه ابن فضيل عن عمارة إلا هذا الحديث يعني أنه رواه عن أبيه عن عمارة ، وبقية الأحاديث يرويها ابن فضيل عن عمارة ‘‘ وقد قال ابن المبارك : إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم.
وعن عبد الرحمن بن مهدي : كنت عند أبي عوانة فحدث بحديث عن الأعمش فقلت : ليس هذا من حديثك . قال : بلى ! قلت : لا . قال : يا سلامة ، هات الدرج فأخرجت ، فنظرت فيه فإذا ليس الحديث فيه. فقال: صدقت، يا أبا سعيد، فمن أين أتيت ؟ قلت: ذوكرت به ، وأنت شاب، فظننت أنك سمعته .
وهذا يحي بن معين يقول : حضرت نعيم بن حماد بمصر فجعل يقرأ كتابا صنفه فقال : حدثنا ابن المبارك عن عون ، وذكر أحاديث، فقلت : ليس ذا عن ابن المبارك فغضب ، وقال : ترد علي ، قلت إي والله ، أريد زينك ، فأبى أن يرجع، فلما رأيته لا يرجع قلت : لا والله ما سمعت هذه من ابن المبارك، لا سمعها هو من ابن عون قط ، فغضب وغضب من كان عنده، وقام فدخل، فأخرج صحائف ، فجعل يقول _ وهي بيده _ أين الذي يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ نعم يا أبا زكريا غلطت ، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك عن ابن عون .
وكثيرا ما نسمع النقاد يقولون عند نقد الحديث ’’إنما هو كذا وما رواه ليس بصحيح، وهو مقلوب‘‘، وهذا لا يمكن القول به إلا إذا استوعب أحاديث الراوي بإحصاء دقيق، وإلا لا يستطيع الجزم بذلك التعقيب، بل تدور في رأسه شكوك وتساؤلات تعجزه عن الجزم بأن الأمر كذا.
أما نحن فإن كنا لا نفهم قول النقاد ولغتهم العلمية وأسلوب تعليلهم بالتفرد وبالمخالفة فكيف نعلم استقلالا بوجود العلة أو عدمها أو أن الثقة لم يهم ولم يخطئ في الحديث الذي نقله عمن فوقه، ونحن لا ندري ما الذي في الأصول التي يعتمدها النقاد.
وفي الواقع نحن عالة على النقاد القدامى، وعن طريق المتأخرين وقفنا على نصوص هؤلاء النقاد وأعمالهم النقدية، وباحتكاكنا مع هذه النصوص وبقدر انسجامنا معها نستوعب هذا العلم العظيم ونفهم لغة المحدثين ونطبق قواعده كما طبقوها.
ونحن إذ نقوم بتخريج الأحاديث ونحاول معرفة مدار رواياتها فإننا نعتمد في ذلك كله على المراجع المتوفرة اليوم، مطبوعة كانت أو مخطوطة، وكم فاتنا من المصادر التي دونها السابقون؟ وأين مسند الإمام يعقوب بن شيبة الذي لم يكمل منه إلا 30 مجلدا ؟
وأين مسند الإمام الماسرجسي الذي يبلغ 1000 جزءا، وكيف نقف على المسانيد الأخرى التي فقدت؟
ونحن إذا قمنا بتخريج حديث بكل ما أوتينا من قوة ثم قمنا بمقارنة ذلك بما أورده الدارقطني في علله تبين لنا بشكل واضح مقدار عجزنا ومدى علمنا، وجزمنا بأننا عالة على الأئمة القدامى. ومع ذلك قد يستدرك الباحث على الناقد بما رواه لاحقه وهما، وهذه مصيبة أخرى، لكن مما يؤسفني أن بعضهم يبرر ذلك بقوله (كم ترك الأول للآخر )، ولله في خلقه شؤون.
ولا بد أن نتذكر جيدا في هذه المناسبة قول الحاكم الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة.
وبعد فإني أود أن أذكر القارئ بأني لم أقصد بهذه الدردشة السريعة الشيخ الألباني – رحمه الله - ولا الطعن فيه، وإنما قصدي هو تصحيح الأخطاء حين تقع، وتوضيح المفاهيم حين تختلط، ومعالجة الظاهرة السيئة المتمثلة في التعصب على شخص في حساب جهابذة العلماء، وتبرير المخالفة معهم بحجة كم ترك الأول للآخر.
والشيخ الألباني من علمائنا الأفاضل الذين أسهموا في إحياء هذا العلم العظيم، ومن شيمه الرجوع إلى الحق إذا تبين وتصحيح خطئه إذا اتضح. ولايمكن أن يطعن في رجل منصف يرجع إلى الصواب إن وقف على خطئه. ومن منا لا يخطئ؟، وقوع الخطأ ليس عيبا، وإنما العيب في الإصرار على الخطأ، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عنا خير الجزاء.
وهذا لا يمنعني أن أبين خطأه وتساهله إن وقع، وهذا يمثل حقيقة احترامه بل قمته، وبهذا دون أئمتنا تاريخهم المجيد طوال القرون الماضية، واحترم اللاحق السابق. وبهذا النقد واستدراك اللاحق على السابق يكتمل عمل الأمة وخدمتهم. (والله أعلم) .

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي العظيم وأهل كل وصحب كل أجمعين فضيلة الشيخ المليباري لي بعض الاسألة وهي :
س98/ قول بعض الناس ان الامام أحمد رضي الله عنه يحتج بالحديث الضعيف في الاحكام هل هذا صحيح مع العلم ان نص منطوقه يخالف ذلك حين قال اذا روينا في الاحكام شددنا وكذلك تشبيك يديه حين قال اردنا رجالا - أي أثبات ثقات .
ج/ سبق لي أن أجبت عن هذا السؤال . احتجاجه بالحديث الضعيف الذي لم يتبين فيه الخطأ لن يكون مثل احتجاجه بالحديث الصحيح الذي تبين صوابه في رفعه، فالضعيف الذي لم يتبين الخطأ في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم احتج به إن أراد، وتركه إن أراد، يعني ذلك أن الاحتجاج على سبيل الاحتياط فقط. وأما قوله (إذا روينا في الأحكام شددنا) فهو الأصل المعول عليه لدى الإمام أحمد وغيره. وهذا لا يمنع تعاملهم مع الأحاديث الضعيفة على أساس الاحتياط أو الاستئناس، لا سيما في الفضائل.

س99/ ما حقيقة الخلاف بينكم وبين الشيخ ربيع اهو في المنهج العقدي أم في المنهج الحديثي؟
ج/ الخلاف بيني وبينه خلاف في فهم نصوص النقاد ومنهجهم في التصحيح والتضعيف، ولا أقول إنه خلاف علمي لأن الشيخ لا يتكلم منهجيا، وإنما على أساس تصوره الخاص الذي يختلف باختلاف المخاطب، كان يفهم كلام النقاد فهما سطحيا، ويتهم من يفهم خلاف فهمه باطنيا صوفيا يقدس الأشخاص، وقد نشأ هذا الخلاف وبلغ أشده حين ذكرته بأخطائه الفادحة في فهم نصوص النقاد ومنهجهم في التصحيح والتعليل، والغريب أن الرجل لا يعرفني، ولم يرني ولم يسمع صوتي، وأنا أيضا لم ألتق به ولم أسمع صوته حتى هذا اليوم، فإذا به أعلم الناس بي وأكثرهم اطلاعا على ما نفسي؟ والشيء الوحيد الذي أدى إلى إشعال غضبه في أعصابه هو تنبيهي بأخطائه الفادحة في رسالته الماجستير المطبوعة.
وليس الخلاف بيني وبينه خلاف عقدي أيضا لأني لم أتطرق أثناء ذلك النقاش لشيء من ذلك ، لكن الرجل سعى سعيه لتحقيق غرض في نفسه. (يغفر الله لي وله ) .

س100/ من أول من ذكر اسم الحديث الحسن قبل الاصطلاح عليه؟
ج/ مصطلح حسن استخدمه النقاد قديما، لكن يقال إن أول من وضع له تعريفا هو الإمام الخطابي، أما الإمام الترمذي فقد شرح أسلوبه في الكتاب، ولا ينبغي أن نعد ذلك تعريفا لمصطلح حسن ، كما أنه تميز بكثرة استعماله في كتابه السنن .

س101/ ما قولكم فيمن يقول إن الحافظ ابن حجر عنده أوهام كثيرة وكتابه تهذيب التهذب هو عبارة عن رأيه يقبل القبول والرد؟ وان ابن الصلاح ليس له اثر كبير في علم الحديث الا المقدمة ؟ وجزاكم الله كل خير.
ج/ الحافظ ابن حجر محقق ومدقق، ومن أكثر الناس في عصره فهما لمنهج النقاد وعلماء الجرح والتعديل، وكان من عادته أن ينتقد المتأخرين في أخطائهم، ويدافع عن منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف إذا خالفهم المتأخرون في ذلك ، ولذلك أمثلة في كتابه فتح الباري؛ فقد انتقد ابن القطان الفاسي وغيره حين خالفوا النقاد في التصحيح والتضعيف أوالجرح والتعديل.
وعلى إمامته تدل كتبه التي آثرها لنفسه، وليس من الإنصاف أن نحشر جميع كتاباته في خانة واحدة من التحقيق والتدقيق والمستوى العلمي العام، بل هي متفاوتة المستويات كما أقر بذلك هو نفسه ، وذلك لأن المؤلف من طبيعته أن يستفيد من التأليف الذي يمر على مراحل مختلفة من النضج الفكري واستقرار الرأي والاطلاع. ولا يقال إنه كثير الأوهام بمجرد وجود بعض التناقضات في بعض كتبه لا سيما أوائل كتبه، وكثير من الكتب في التراجم مختصرات لكتب السابقين، كتهذيب التهذيب مثلا فإنه مختصر لتهذيب الكمال ، وما فيه من الأخطاء لا ينسب إلى الحافظ، وإنما ينسب إلى السابق، إلا فيما أضافه في التهذيب مميزا بقوله (قلت) كاستدراكاته على السابق. وكتاب التهذيب ليس رأيه، وإنما هو مختصر تهذيب الكمال ، إلا القدر الذي أضافه فيه .
وأما ابن الصلاح – رحمه الله – فكتابه في علوم الحديث يكفي دلالة على قدرته في علم الحديث واستيعابه واطلاعه على كلام الأئمة، وفيه ما ينبغي كتابته بماء الذهب، وقد جمع في هذا الكتاب ما يتعلق بمنهج المحدثين من القواعد والضوابط، لكنها مفرقة ومشتتة في أماكن مختلفة من الكتاب ، ولذا يحتاج إلى جمع وترتيب على الوحدة الموضوعية.
وكفاك دليلا على مكانة هذا الإمام في علوم الحديث اهتمام اللاحقين بهذا الكتاب، وهو كما قال الحافظ ابن حجر. لكنه أحيانا يرجح رأي الفقهاء وعلماء الأصول بسبب تخصصه في الفقه والأصول. ومهما كان الأمر فكتابه في علوم الحديث يعد مصدرا مساعدا ينبغي عرضه على تطبيقات المحدثين النقاد، وذلك لأنه ناقل عن السابقين والله أعلم .

خليل بن محمد
30-05-03, 04:46 PM
102/ شيخنا الفاضل لماذا يشدد العلماء في الروايات الحديثية ية مع أنهم يتسامحون في رواية الضعفاء في أسانيد القراءات .
ج/ الموضوع يحتاج إلى شيء من التوضيح؛ قبول رواية الراوي فيما يخص القراءة وعدم قبولها في الحديث لا يعني بالضرورة أن ذلك تساهل أو تسامح في الأولى وتشدد في الثاني، فإن الراوي قد يكون كثير الاهتمام في جانب دون آخر ومنشغلا به. كما لا يلزم من كون الراوي ضعيفا في الحديث كونه ضعيفا كذلك في القراءات. هذا من ناحية ، ومن
ناحية أخرى فإن القراءات غير المتواترة يشترط في قبولها واعتمادها شروط أهمها أن لا يكون شاذا، بمعنى أن لا تخالف القراءة الرسم العثماني وقواعد اللغة. وبالتالي لا تختلف القراءات عن الحديث في هذا الجانب من التدقيق والتوثيق.
وفي ضوء ذلك فإن التساهل في رواية الضعفاء في أسانيد القراءات أمر غير وارد في نظري. والله أعلم.

س103/ إذا قلنا بتواتر القراءات السبع ألا يلزمنا تصحيح الأوجه التي رواها القراء وهي ضعيفة عند المحدثين كالتكبير بعد سور الضحى عند الإمام المزي . الكثير من ألفاظ القراءة تواترت عند القراء وليس لها أسانيد موثوقة عند المحدثين مثل (الحروف المنفصلة) طه ـ المر ـ وغيرها لم يرد فصلها على شرط المحدثين الا يأخذ التكبير حكمها لكونها جميعا لم تثبت إلا باسانيد القُراء .
ج/ معذرة أخي السائل، لم أفهم قصدك من عبارتك الأخيرة، وعلى كل حال فما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من القراءات يختلف عما لم يتواتر، حيث لا يشترط في الأول ما يشترط في الثاني؛ مثل القراءة المستفيضة، وكذلك ما اشتهر في طبقة متأخرة من طبقات القراء، فإنه يحتاج إلى إسناد متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كما هو الحال
في موضوع التكبير عند ختم القرآن، حيث اشتهر بين القراء في طبقة متأخرة عن القرون الفاضلة دون أن يكون لذاك إسناد متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة. وكم من حديث اشتهر عند علماء اللغة أو الفقه أو الأصول وهو غير ثابت أصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يعده المحدثون موضوعا. وشهرة الحديث عند قوم لا يلزم
منها أن يكون صحيحا في الواقع، ومن الإنصاف الرجوع في كل علم إلى أهله.
وإذا تأملت فيما قاله البزي عن التكبير علمت أن العمل به عند اختتام تلاوة القرآن غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: أن الأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع عنه الوحي فقال المشركون: قلى محمدا ربه فنزلت سورة (والضحى ) فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : الله أكبر .
وذلك لأن البزي قد أقر أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر عند ختمه للقرآن الكريم من سورة (والضحى) إلى آخره، ولا عن الصحابة ولا عن تابعيهم، حين صرح بأن الأصل في التكبير الذي اشتهر بين القراء هو ما ورد في سبب نزول سورة (والضحى)، ولو ثبت العمل بالتكبير عنه صلى الله عليه وسلم ما قال البزي أن الأصل هو
ما ورد في سبب نزول سورة (والضحى).
هذا وفي ثبوت الكلمة الأخيرة ـ وهي قوله ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر ) ـ نظر لعدم اتفاق الرواة على ذكرها في رواياتهم عن جندب ، وبعض هذه الروايات موجودة في صحيح البخاري دون هذه الكلمة، وإنما انفرد بها البزي، ولذا أنكرها بعض المتقدمين عليه.والله أعلم.

س104/ ما قولكم في ما أثاره الشيخ المحدث الطريفي عن اختلاف التدليس عند المتقدمين عن المتأخرين. وتوثيقه لعدد من الروايات في هذا الباب وتشدده في قبول الشواهد!
ج/ في الواقع إنني لم أقرأ كتابه لكنني في شوق كبير إلى قراءته والاستفادة منه. وفي العموم أن هذه المسألة تعد من المسائل الكثيرة التي ينبغي طرحها للنقاش والتأمل لأنها تمثل نقطة تباين واضح بين المتقدمين والمتأخرين، وكذلك ما يتعلق بقبول الشواهد والمتابعات.
ولعل ما نلمسه في كثير من الأبحاث المعاصرة من التساهل والتجاوز في قبول الشواهد والمتابعات قد حرك الشيخ إلى طرح هذه المسألة توضيحا لمنهج المحدثين النقاد والدفاع عنه. والله أعلم .

جزاك الله خيرا ياشيخ حمزة على أبحاثك القيمة في السنة النبوية.
ولدي بعض الأسئلة آمل أن تتكرموا بالإجابة عليها :
س105/ هل صحيح أن السيرة النبوية لا يشترط فيها ما يشترط في الحديث النبوي ، وهل يمكن تطبيق منهج المحدثين على التاريخ الإسلامي ؟
وما رأيكم فيمن ينكر بعض الأعلام في التاريخ الإسلامي أمثال القعقاع بن عمرو وغيره إستنادا إلى تطبيق منهج المحدثين على التاريخ على حد قوله ؟
ج/ جزاك الله خيرا، ووفقنا وإياكم لخدمة الكتاب والسنة بما يناسب مكانتهما خالصة لوجه الله سبحانه. إن المحدثين النقاد قدموا لنا منهجا علميا رائعا، ومتميزا بدقته البالغة في نقد المعلومات التي تقوم على نقل أو رواية، سواء كانت حديثية أو تاريخية أو غير ذلك .
والمشكلة ليست في المنهج ، وإنما المشكلة فينا: هي أن تصوراتنا حول علوم الحديث غير دقيقة، ولا يزال الناس يظنون أن الجرح والتعديل هو الأساس في نقد الحديث عند المحدثين، ولذلك استغربوا واستبعدوا تطبيق هذا المنهج في السيرة والتاريخ وغيرهما، لأنه قد
يكون راويها مجهولا لا يعرفه المحدثون أو يكون متهما في رواية الحديث، أو متكلما فيه من الجانب الحديثي. ولذا يستبعدون تطبيق الجرح والتعديل في نقد التاريخ.
غير أن الصواب أن الجرح والتعديل نتيجة علمية تحصل النقاد عليها خلال نقدهم للأحاديث ومقارنتهم لما رواه الراوي مع ما ثبت واشتهر، وفي ضوء نتائج النقد رتبوا الرواة ترتيبا دقيقا، وبينوا أحوالهم بكل تفاصيلها حتى يتم لهم الرجوع إلى مراتبها عند الضرورة، والاعتماد عليها في التصحيح والتضعيف حين ينقطع البحث عن القرائن والملابسات، ويصبح الأمر مبهما.
وعليه فمنهج المحدثين النقاد في نقد الأحاديث قائم أساسا على إجراء المقارنة بين الروايات، أو بين النصوص، وبالتالي نستطيع تطبيق هذا المنهج في التاريخ والسيرة وغيرهما من المجالات، بغض النظر عن أحوال الرواة فيما يخص رواية الحديث، لكن الباحث يحتاج إلى خلفية علمية واسعة تمكنه من التعرف على جميع المصادر التي لها صلة مباشرة بالموضوع التاريخي أو لها صلة غير مباشرة، كالكتب التي تشكل الجانب التطبيقي لمن سلف، ككتب الفقه وشروح الحديث والتفسير وغيرها، وبذلك يكون موفقا في المقارنة بين ما ورد في مواضع من التاريخ، أوبينه وبين بقية كتب التاريخ، أو بينه وبين مصادر أخرى التي تتمثل في جميع أصناف كتب العلوم الشرعية. والله اعلم .

س106/ كيف تردون على من يتهم أهل الحديث بأنهم لا فقه عندهم، وأنهم مثل الصيادلة نقلة للأخبار من دون فقه ؟
ج/ هذا صحيح بالنسبة إلى المحدثين الذين يتمثل دورهم في رواية الحديث وحفظه وضبطه، وهم الكثر. أما في حق النقاد فليس بصحيح؛ إذ جمعوا بين الحديث والفقه، وحتى النقد لا يكون متكامل الجوانب إلا إذا كان الناقد فقيها، لأنه قد يضطر إلى مقارنة الحديث مع الجانب العملي أو القولي الذي يتمثل في فتاوى الصحابة ومن بعدهم. وما في
سنن الترمذي خير شاهد على ذلك.

س107/ هل ثبت اتهام حسان بن ثابت رضي الله عنه بالخوف ؟
ج/ جاء ذلك في كتب التاريخ ، لكن لم يرد ذكره في كتب التاريخ تهمة في شخصيته ،ونحن لا نتحدث عن الصحابة من هذه الزاوية، ومهما كان الأمر فإنه يكفي له شرفا مع صحبته أنه قد دافع بلسانه وشعره عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا نوع من الجهاد، وكل يجاهد في سبيل الله ويدافع عن دينه ورسوله قدر المستطاع.

س108/ ما هو تقويم فضيلتكم لبرامج الحاسب الآلي ؟ آمل التفصيل إن أمكن .
ثم لي اقتراح حيث قرأت معظم أسئلة الإخوة الكرام فوجدت طائفة كبيرة منها حول التفرقة بين منهج المتقدمين والمتأخرين ، فأقترح على فضيلتكم طرح موضوع أو كتاب خاص حول ( الشبهات حول منهج المتقدمين والمتأخرين ) تجيبون فيه على استفسارات الإخوة طلبة العلم ، وهناك شبه عندي أيضا مع اقتناعي بأصل المسألة، ومنها أن الدعوة لتقليد المتقدمين شبيهة بالدعوة لعدم الخروج على المذاهب الأربعة في الفقه ؟ ونحو ذلك . وجزاكم الله خيرا.
ج/ أما برامج الحاسب الآلي ففائدتها معرفة مواطن النص الذي يكون محل بحث، لكن لا تصلح للاعتماد ا في التوثيق لوجود تصحيف وتحريف وسقط فيها، ولهذا السبب لا يتم البحث في كثير من الأحيان، بل يضطر الباحث إلى تصفح الكتب يدويا.
أما اقتراحك حول تأليف كتاب خاص بمعالجة الشبهات فأشكرك على هذا الاقتراح، وسأحاول إنجاز العمل إن شاء الله بالتعاون مع الإخوة .
وأما ما يخص قولك إن تقليد المتقدمين في التصحيح والتضعيف شبيه بعدم الخروج على المذاهب الأربعة فأقول إن الخروج على المذاهب الأربعة في ضوء الأحاديث الصحيحة التي ثبت العمل بها عند بعض السلف لا يلزم منه ترك إجماع المتقدمين، ولا ترجيح المتأخرين عليهم، فإن اتفاق المذاهب الأربعة على شيء لا يعني أبدا الإجماع، فقد يخالفهم بعض الأئمة المتقدمين، ويمكن أن يكون رأيه أقرب إلى الصواب في ضوء الأحاديث. وكل يجتهد ويستنبط حسب الإمكانية المتاحة له، وليس لأحد منهم استيعاب جميع السنن ، وقد يفوت بعضهم ما يعرفه الآخر، وكلما يمضي الزمن يتوسع العالم بعلمه واستيعابه، فيستدرك اللاحق على السابق كلما تتوافر عنده آليات الاجتهاد .
والسؤال المطروح في هذه المناسبة هو هل يستطيع أحد اليوم أن يفهم من النصوص المتعلقة بالعبادات والمعاملات والعقائد ما لم يفهمه أحد من المتقدمين في العصور الأولى التي صح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم...)؟ وهل يمكن استدراكه على كل من مضى؟ كلا ثم كلا . وهذا لا يعني بالضرورة إنكار إمكانية الاجتهاد في الأمور المستجدة فرادى أو جماعة، وهذا أمر آخر لا صلة له بالمسألة التي نحن بصددها.
نعم يمكن أن نخالف أحدا من الأئمة وحتى الأئمة الأربعة كما ورد في سؤالك، لكن يتم ذلك فقط بناء على رأي إمام آخر من المتقدمين،وبالتالي أصبح مرجحا لرأيه على رأي الأخرين لا مبدعا برأي جديد، .ثم إن المجتهد يجتهد في النصوص المتوفرة لديه، ويستنبط منها ما استطاع استنباطه ، وقد يقف على ما وقف عليه غيره من الأحاديث،وإن كانوا يرون جميعا صحتها دون خلاف بينهم، لكنهم قد يختلفون في فهمها لأسباب كثيرة ، ولهذا لم يحدث في التاريخ اتفاق الأئمة على خطأ ثم استدرك عليهم جميعا من جاء بعدهم . نعم حدث استدراك بعضهم على بعض ، وأما الاستدراك على جميع المتقدمين بما أبدعه المتأخرون في مجال العبادات والمعاملات والعقائد فلم يحدث في التاريخ.
وقد جاء في سير أعلام النبلاء :
قال إسحاق بن راهوية إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة.
واستدرك عليه الذهبي بقوله :
بل السنة ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده. والإجماع هو ما أجمعت عليه علماء الأمة قديما وحديثا إجماعا ظنيا أو سكوتيا فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم لقول باجتهاده احتمل له، فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة فلا يسمى مخالفا للإجماع ولا للسنة، وإنما مراد إسحاق أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالبا، كما نقول اليوم لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها. ـ يعني في الغالب ـ .
وأما تصحيح الحديث وتضعيفه فيتوقف أيضا على الخلفية العلمية الحديثية الواسعة، وبقدر استيعاب الناقد المعلومات اللازمة والخلفيات الحديثية يستطيع الاستدراك على من أخطأ من السابقين، هذا فقط عندما كان العلم يتجه نحو التطور والصعود والتوسع، وأما عند الانحطاط والتقليد فلا يقال: نحن رجال وهم رجال. وكم ترك الأول للآخر؟ . ولا ينبغي النظر إلى من سبق من جهة أنهم استدركوا وصححوا، بل لا بد أن ننظر أيضا كيف استدركوا وصححوا.
ونحن إذ ندعو إلى احترام المتقدمين وتقديم منهجهم في تصحيح الحديث وتعليله فإننا لا نقصد بذلك تعيين عدد من النقاد في عصر من العصور، لا أربعة ولا خمسة، فافترق الأمر عما ورد في سؤالك، فإن الخلاصة عدم إمكانية تصحيح المتأخر ما اتفق المتقدمون على تضعيفه في مختلف العصور، إذ لا يمكن أن يعرف هذا المتأخر ما لم يعرفه أحد من المتقدمين، لا رواية ولا نقدا. وهذا العلم إنما يأتي عن طريقهم، ولا يمكن أن يخفى على جميع النقاد في عصور مختلفة ، ثم يأتي بعدهم من هو أقل علما منهم وأقل فهما، وأضيق معرفة، ليستدرك عليهم جميعا. وأما ما تفرد بتضعيفه أحد من الأئمة المتقدمين ولم يوجد له خلاف عند غيره ثم صححه أحد من المـتأخرين بقوله هذا إسناد صحيح فلا يكون الأمر فيه مثل الخروج على الأئمة الأربعة، بل يسلم الأمر للمتقدم في ضوء نصوص المتأخرين أنفسهم.
هذا كله في عدم وجود المعارضة بين المتقدمين، وأما في حال وجود الخلاف بين المتقدمين فيتوقف الأمر على الترجيح الذي يقوم على معرفة منهجهم والاطلاع على أدلة كل منهم، وفي هذه الحالة فإنه لم يخرج على المتقدمين جميعا، وإنما يخرج على بعضهم بناء على رأي الآخر من المتقدمين. والله أعلم .

خليل بن محمد
11-06-03, 05:48 AM
س 109/أشهد الله أني أحبك في الله ، ولي سؤال :
حديث : ابن آدم تفرغ لعبادتي املاء صدرك غنى .
ج/ جزاك الله خيرا، وأشهد أني أحب في الله طلبة العلم الجادين ، وأرجو أن تكون منهم، وأجعل خدمتهم من أهم واجباتي في الحياة، وأعتبر مجالستهم العلمية من أنفس الأوقات التي أقضيها في الحياة، وأعوذ بالله أن يكون هذا الكلام تزكية لنفسي. حفظنا الله وإياكم من شرور النفس.
وأما الإجابة عن سؤالك فأقول: هذا الحديث تفرد به عمران بن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة. يقول الدراقطني: اختلف على عمران، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة. وقد ورد في كتاب الزهد لهناد السري عن خيثمة قال في التوراة مكتوب يا ابن آدم تفرغ لعبادتي .. إلى آخره. ( انظر كتاب الزهد 2/354 ، وحلية الأولياء 4/117). ولعل أصل هذا الحديث الموقوف من الإسرائيليات (والله أعلم) .

س110/ حديث من أصبح وهمه الآخرة جمع الله له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة (وإن كان ضعيفا فما علته) .
ج/ نظرت فيما أخرجه أحد الإخوة من طرق هذا الحديث ولم أجد فيه ما يشكل علة، بل وجدت الحديث قد اشتهر عن شعبة، ولا أدري ما مدى صحته مرفوعا؟
إن تخريج الحديث ودراسته يحتاج إلى متسع من الوقت، وأنا الآن غير متفرغ ولذا اعتذر للأخ عن عدم الإجابة المتكاملة عن أمر هذا الحديث .

س111/ حديث يا ابن آدم سر في طاعتي يطيعك كل شئ لي عليك فريضة ولك على رزق...) الحديث مشهرو بين العامة والوعاظ .
ج / لم أجد الحديث في حدود بحثي المستعجل ، وتخريجه يحتاج إلى وقت أكثر.

س112/ ما هو حكم زيادة ومغفرته في رد السلام .
ج / لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حدود علمي ، وقد جاء عن ابن عباس - كما في الموطأ - قوله (انتهى السلام إلى البركة)، وكذا ورد عن ابن عمر حسبك (إلى وبركاته)، انتهى إلى (وبركاته ). ولا شك أن الخير هو أن نجعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في جميع مجالات الحياة، ولذا يكون من الأفضل أن ننظر كيف كان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس السلام، وكيف كان صلى الله عليه وسلم يسلم على الصحابة ويرد عليهم حين سلموا عليه، وهو أعلم الناس بالقرآن وأكثرهم تطبيقا له. وقد جاء في القرآن الكريم: قوله تعالى ( فحيوا بأحسن منها أو ردوها).
وأما إذا سلم الرجل على أخيه وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهل يستحب الزيادة عليه بناء على قوله تعالى "فحيوا بأحسن منها أو ردوها"؟. هذا ابن دقيق العيد ينقل عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ من هذه الآية الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ . (فتح الباري 11/6) ، وعلى كل فما قاله ابن عباس هو أقرب إلى السنة فيما أرى، وهو أن السلام ينتهي إلى (وبركاته). ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه زاد على (وبركاته).
وأما الروايات التي فيها ذكر الزيادة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تصح، وليست مما يتقوى بمجموعه ويصير حسنا، لا سيما تلك الروايات التي جاءت غريبة في مقابل المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.

س113/ حكم زيادة وكل ضلالة في النار في خطبة الحاجة؟ أرجو أن تسامحونا على الاطالة وإنما شفاء العيي السؤال والسلام عليكم ورحمة الله .
ج/ حديث الخطبة اشتهر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر.
ورواه عنه كل من عبد الوهاب وسليمان بن بلال ويحيى بن سليم ومصعب بن سلامة ووهيب ويحيى بن سعيد وأبو موسى إسحاق بن موسى دون ذكر كلمة ( وكل ضلالة في النار)، وهكذا رواه مسلم عن طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن جعفر بن محمد، بعد أن صدر الحديث برواية عبد الوهاب الثقفي عن جعفر. كما اتفق الرواة على عدم ذكرها في حديث عرباض بن سارية .
لكن جاءت هذه الكلمة باتفاق الرواة عن ابن المبارك عن سفيان عن جعفر بن محمد، واختلف الرواة على أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن جعفر في ذكرها. كما اختلفوا في ذكرها في حديث ابن مسعود موقوفا عليه.
وقبل أن أتأكد على مدى احتمال رواية ابن المبارك بالمعنى من خلال نصوص النقاد لا أستطيع الجزم بأنها صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.

س114/ ما صحة من يقول إن البخاري قد استوعب كل أحاديث الأحكام التي على شرطه في الصحيح؟ أحاديث غير الأحكام لم يستوعبها يقيناً (كصحيفة وهب بن منبه). لكن وجدت ابن عبد البر يرد الحديث بأن البخاري ومسلم لم يخرجا في ذلك الباب أي حديث فيه. وقد أطال في هذه المسألة الزيلعي في نصب الراية في بحث البسملة في الصلاة (ولعله ينقل عن ابن التركماني). فهل كان منهج البخاري ومسلم استيعاب كل ما هو على شرطهما؟ أم أهم أحاديث الباب؟ أم أنهما لم يستوعبا ذلك أصلاً؟ مثلاً حديث ( لا نكاح إلا بولي) صححه البخاري خارج الصحيح. وصححه الأئمة الكبار من السلف كذلك. وألزم بعضهم (أظنه الإسماعيلي) البخاري بإخراجه لأنه على شرطه. لكن البخاري لم يخرجه بل لم يعلقه أصلاً (على فرض أنه دون شرطه). فما هو السبب يا ترى؟
ج/ لا زالت هذه المسألة معضلة عندي. نعم صرح الإمام البخاري بأنه لم يستوعب الأحاديث الصحيحة، لكن الإجابة به في جميع المناسبات تحتاج إلى شيء من الحذر. وكل من يشتغل بالحديث يرى في كلام السابقين حول هذه المسألة شيئا من الاضطراب. والله أعلم.

س115/ صنف الإمام أحمد مسنده حتى نعرض الحديث عليه فإذا وجدناه في مسنده علمنا أن له أصلاً. لكني لم أجد أحدا من العلماء يضعف الحديث بمجرد عدم إخراج أحمد له. فكيف نوجه كلام الإمام أحمد؟ وهل خلو المسند والسنن والصحيحين من حديث يجعلنا نجزم بضعفه، بمعنى لو لم يرد الحديث إلا في المعجم الأوسط مثلاً فهل نحكم عليه بالضعف دوماً؟
ح/ أستطيع أن أجزم بأن قول الإمام أحمد ليس على ظاهره الذي يتبادر إليه ذهننا. ولذلك لم نجد أحدا من العلماء يضعف الحديث بمجرد عدم وروده في المسند.
وإذا حملنا على ظاهره فيلزم منه القول إن أحمد حفظ جميع السنة، وأودعها جميعا في مسنده، وهذا غير مسلم لدى الجميع، ولم يتم ذلك لأحد، كما لم يدع أحد ذلك من قبل، اللهم إلا ما ورد عن بعض الأئمة في سبيل مدح بعضهم والثناء عليهم مثل قوله: الحديث الذي لم يعرفه البخاري ليس بحديث. هذا مدح وليس حكم.
وهذا قول الإمام أحمد كما نقله الذهبي :
(هذا الكتاب – يعني مسنده - جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة) .
ثم عقبه الذهبي بقوله :
’’قلت: في الصحيحين أحاديث قليلة ليست في المسند، لكن قد يقال: لا تَرِد على قوله؛ فان المسلمين ما اختلفوا فيها، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها. وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة ولكنها قطرة في بحر.... )اهـ.
وتبين بذلك أن قول الإمام أحمد ليس على ظاهره، بل له محمل صحيح، لكن تتوقف معرفته على بحث ومقارنة.

س116/ بعض الناس يقسّم منهج المتقدمين إلى مناهج في علل الحديث. فيقول إن هناك منهج البصريين وهو يشابه منهج أهل الحجاز. ويتزعمه ابن المديني ويعقوب بن شيبة والبخاري وغيرهم. ويقابله منهج أهل الكوفة الذي يتزعمه ابن معين وغيره من أئمة الكوفة. وهناك من جمع بين المنهجين مثل أحمد والدارقطني .
ما هي مصداقية مثل هذا الكلام؟!
ج/ لا أجد لهذا التقسيم أي أساس في الواقع، ولا أشار إلى ذلك أحد ممن تكلم في علوم الحديث من القدامى أو المحدَثين. يبدو أن صاحب هذا التقسيم اخترعه قياسا على اختلاف المدارس الفقهية. أو على اختلاف علماء اللغة والنحو باختلاف بلدانهم.
والواقع أن مبنى النقد وأساسه هو المعرفة الحديثية عن ملابسات رواية الأحاديث، ومن توفرت لديه هذه المعرفة الحديثية حول حديث ما علم صحته وخطأه ، سواء كان كوفيا أو بصريا أو حجازيا.
وعلى سبيل المثال: حديث اشتهر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، لو قلبه أحد من الرواة ، ورواه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة لقال كل من يعرف الواقع في حديث الزهري: هذا خطأ والصواب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. وهذا الفهم يكون موحدا عند جميع من يعرف الواقع، ولا يختلف باختلاف البلدان. نعم يختلف العلماء حول الحكم لكن ليس على أساس اختلاف البلاد، وإنما على مدى استحضار ما ينبغي استحضاره في النقد.
وقد هالني بعض الإخوة حين زعم: إن علوم الحديث قد تشفعت، لا لسبب علمي وإنما لمجرد أن أغلب المؤلفين فيها هم الشافعية. ما هذا الكلام؟ يتحدث الناس عن هذا التراث العلمي العظيم الذي نعده من أقدس تراثنا الإسلامي، بالهوى وبدون دراسة استقرائية ولا مقارنة.
وتمنيت أن يصبر هذا الأخ على ما يدور في خياله، ويحجم عن إثارته أمام الناس، إلى أن يتحقق ذلك في ضوء البحث والاستقراء والدراسة المقارنة. والله المستعان.

السلام عليكم
س117/ هل الخمر نجسة ؟؟؟
ج/ لا أعرف دليلا واضحا على نجاستها.

س118/ من هم علماء العلل وكيف نعرفهم ؟؟؟
ج/ انظر كلام الحافظ العلائي، والحافظ ابن حجر، والسخاوي، وغيرهم.
وقد نقلته عنهم في أكثر من مناسبة، كما نقله غيري في كتبهم من أجل أن يطلع عليه الناس ويصبح مألوفا لديهم لكثرة قراءتهم ذلك.
وهذه نصوصهم مرة أخرى:
قال الحافظ العلائي - وهو بصدد بيان موقف نقاد الحديث من زيادة الثقة - :
(كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أن لا يحكم في هذه المسألة ـ يعني زيادة الثقة ـ بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث حديث) .
وقال الحافظ ابن حجر - وهو بصدد بيان موقف نقاد الحديث من زيادة الثقة - :
(والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة) .
وقال السخاوي في نوع الموضوع:
(ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرا جدا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني
والبيهقي ولم يجىء بعدهم مساو لهم ولا مقارب أفاده العلائي، وقال:
فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح) اهـ .
وهؤلاء مصدر هذا العلم، وكل من ينتهج منهجهم في التصحيح والتضعيف يعد من علماء العلل، بخلاف من يصحح الأسانيد ويضعفها ويحسنها بناء على أحوال الرواة.
وفي الحقيقة أن هذا العلم لا يختلف عن العلوم الأخرى التي نجد الناس يقدرونها بفطرتهم، ويحترم المتخصصون فيها من هو أكثر تخصصا، ويسلمون لهم الأمور المتصلة بها إذا أشكلت عليهم؛ كالطب والهندسة والفيزياء وغيرها. لكن هذا العلم عند كثير من الناس مثل الهوى الذي يعد حقا للناس جميعا في هذه الأرض. والواجب أن يكون هذا العلم من أكثر العلوم احتراما لأنه يتصل بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذير شديد من التساهل في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم. قيضنا الله تعالى وإياكم جميعا للدفاع عن الكتاب والسنة خالصة لوجهه الكريم كما قيض عباده الصالحين لذلك.

خليل بن محمد
05-07-03, 03:14 PM
س119/ السلام عليكم ورحمة الله
وسؤالي فضيلة الشيخ حول هذه المقولة: حديث فيه ضعف والعمل عليه عند أهل العلم وهي مقولة موجودة في أكثر كتب المصطلح والتخريج فما هو دليل هذه المقولة وكيف يعمل أهل العلم بحديث ضعيف ومن المقصود بأهل العلم ؟
ج/ كان الإمام الترمذي يكثر من هذه المقولة، ومعناها أن الحديث وإن كان ضعيفا من حيث الرواية لكنه جرى العمل به في عصور الصحابة والتابعين، وبالتالي فإن الحديث له أصل قوي قد يرتقي إلى الصحة أو الحسن .
وأما إذا كان العمل مبنيا على هذا الحديث الضعيف، إما تساهلا من بعض الفقهاء، فلا يدل قطعا على أن الحديث له أصل. وهنا نجد الفرق واضحا بين قول الإمام الترمذي وبين ما يردده كثير من المتأخرين في كتب الفقه.والله أعلم.

س120/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وجزاكم الله عنا خيرا ذكر البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة أبي إسماعيل التيمي زيادة في السلام "ومغفرته" فما هو رأي فضيلتكم في هذه الزيادة وهل تحسن بكثرة شواهدها.
ج/ وما رواه أبو إسماعيل إبراهيم بن المختار عن شعبة دون أصحابه يعد غريبا منكرا. ولا يثبت به الحديث عن شعبة. ولذلك قال البيهقي في شعب الإيمان 6/456: ’’إن في إسناده إلى شعبة من لا يحتج به‘‘.
وقد قال شعبة مرة حين سئل من يترك حديثه: إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه. أعني بهذا النص الاستدلال به على أن تفرد إبراهيم بن المختار عن شعبة بما لم يعرفه المعروفون من أصحابه يعد غير مقبول. ولهذا أورده البخاري في ترجمة إبراهيم.
وبمثل هذه الروايات الغريبة التي ينفرد بها عن المعروفين غير المعروفين من أصحابهم لا تثبت السنة، ولا مانع من الاستئناس بتلك الروايات، أو العمل بها على سبيل الاحتياط إذا لم يقتنع الباحث بحكم النقاد. و(الله أعلم)

س121/ شيخنا الفاضل ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أرجو أن تكون بصحة جيدة، وصلني سلامك عن طريق شيخي الدكتور هاشم جميل عبد الله ؛ فجزاكما الله خيراً.
وأسألكم عن منهج بعض المحققين يفكون ألفاظ السماع ويذكرونها كما هي من غير اختصار ، مع إضافة ( قال ) وقد وجدت المزي صنع هذا حينما اطلعت على النسخة التي بخطه . فما هو الأحسن ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الدكتور / ماهر ياسين الفحل العراق / الأنبار / الرمادي ص ب 735 al-rahman@uruklink.net>
ج/تشرفت بالتعرف عليكم عن طريق عالم كبير محترم من علماء بغداد، وهو الشيخ الفاضل هاشم جميل – حفظه الله - ، وكنت معجبا بخلقه وتواضعه وعلمه وصبره.
الشيخ ماهر / جزاك الله خيرا، وكنا خائفين عليك، وسررنا لما سمعنا أخبارك بعد الحرب، ونحمد الله تعالى على سلامتك وسلامة إخواننا الآخرين الذين سلموا من وحشية الأعداء، ومع ذلك فإن قلوبنا حزينة بما جرى لإخواننا المسلمين، وبما يجري اليوم في عراقنا بحيث لا نستطيع أن نشاهد صور ذلك عن طريق التلفزة، وكم يحز في نفوسنا حين نرى الأقدام القذرة المحتلة توضع على رقاب إخواننا المسلمين في بلادهم!!.
حمى الله المسلمين في جميع البلاد من شرور الطغات المتكبرين المتجبرين.
والذي يطمئننا دائما هو أن الظلم لا يبقى كثيرا، بل يزول إما آجلا أو عاجلا. وأن العاقبة للمتقين.
وأما سؤالكم يا شيخ ماهر - أعزك الله ورفعك - فإني أرى في الأمر متسعاً.

س122/ السلام عليكم ورحمة الله بركاته .
أولا أريد أن أقول للشيخ حمزة المليباري جزاك الله خيرا ووفقك الله وزادك علما فوق علمك فقد قضينا سنة طيبة معك في علم الحديث ونسأل الله العظيم بأن ندرس عندك مرة أخرى .
السؤال هو : ما الكتب التي تنصح بها لطالب علم مبتدئ ويريد معرفة أساسيات علم الحديث ... وجزاكم الله خيرا ..
ج/ جزاك الله خيرا، ووفقك لكل خير. يبدو أنه سبق لي أن أجبت عن مثل هذا السؤال .
وعلى كل فإن الطالب المبتدئ ينبغي أن يكون همه عند دراسة أي كتاب ابتداء هو التمهيد، أكثر من هدف التحصيل والمعرفة المباشرة. ولذا فإنه ينبغي أن يختار أولا كتابا مختصرا وبذلك يتحقق غرضه، ألا وهو تمهيده إلى التحصيل وإعداده للمعرفة، وتهيئته للتفكير. وكلما يكون الكتاب الذي يبتدئ به أسهل وأوجز يكون أفضل.
ومن المعلوم أن جميع الكتب في علوم الحديث تدور حول فلك واحد، وأي كتاب قرأته وجدت فيه التعريفات والأساليب نفسها عموما. ولا يفوتك شيئ من الأساسيات والمصطلحات والتعريفات باختيارك هذا دون ذاك.
ولذلك لا أريد أن أعين لك كتابا دون آخر. والغرض الذي نريد تحقيقه في مرحلة الابتداء هو التمهيد إلى التحصيل العلمي، وليس التحصيل العلمي مباشرة.
وبعد ذلك يخطو الطالب خطوة خطوة نحو التحصيل العلمي، وذلك من خلال مقارنة بين أكثر من كتاب ثم يقوم بعرض ما فهمه من ذلك على الكتب التي تشكل تطبيقا عمليا لنقاد الحديث. وينبغي أن يكون ذلك على سبيل التدرج، وتحت إرشاد أستاذ ماهر.
هذا ما أريد أن أنصحك أخي الكريم في ضوء تجربتي.أكرمنا الله وإياك بالتقوى والعلم والتواضع والصبر.

س123/ بعض طلبة العلم يطالب بعدم التقليد في مسألة أحوال الرواة وبخاصة التدليس. فهو لا يقبل وصف المتقدمين لأحد بالتدليس حتى يقيم الحجة على ذلك كأمثال وصف النسائي وأبي حاتم لأبي الزبير بالتدليس، ووصف عدد من الأئمة لعطية الكوفي بذلك وأشباه هؤلاء. وبعضهم يعمم هذا فلا يقبل تضعيف راو حتى يسرد من ضعفه الأحاديث التي أنكرت عليه. وإذا لم تكن كثيرة قالوا إن هذا لا يضعف الراوي. السؤال هل من الممكن تطبيق هذا المنهج على جميع الرواة في هذا اليوم؟
ج/ لا يمكن تطبيق هذا المنهج اليوم إذا عرفنا مبلغ علمنا، وحقيقة حالنا، وطريقة دراستنا وتفكيرنا. والواقع أننا عالة على المتقدمين ثم على المتأخرين في علم الحديث.
ونحن نرى المتأخرين أمثال المزي والذهبي وابن حجر في كتبهم يقومون بجمع نصوص النقاد المتقدمين، ويقارنون بينها ثم يرجحون أصح الأقوال أو يوفقون بينها، دون أن نراهم يقومون بسبر مرويات الرواة للحكم عليهم، بخلاف الأئمة المتقدمين.
وهذا كتاب (الكامل) يعد أنموذجا لسبر المتقدمين روايات الراوي وأحاديثهم مع نقل نصوص الأئمة السابقين.
ومن المعلوم أن مصدر الجرح والتعديل هو سبر مرويات الرواة. وهل توفرت لدينا المرويات حتى نقوم بالمقارنة؟ ثم يزداد الأمر تعقيدا أننا لا نميز بين التفرد المقبول وبين التفرد غير المقبول، وبين خطأ الراوي الثقة وبين صوابه.
وكيف نطالَب بعدم تقليد القدامى ؟ والمحدث الناقد أو إمام الجرح والتعديل ليس من عادته عند تضعيف الراوي أن يذكر جميع ما أنكر عليه من الأحاديث، وحتى الإمام ابن عدي الذي يولي اهتماما بالغا بذكر المرويات عند ترجمة الراوي المتكلم فيه في كتابه الكامل لا يوردها على سبيل الاستيعاب في كثير من الأحيان.
ثم إن الإنسان الذي لم يفهم لغة المحدثين، ومصطلحاتهم ومواقع استعمالهم، ولم يطلع على حقيقة هذا العلم، وليس له خبرة علمية كافية في هذا المجال، لا يسعه إلا أن يجمع نصوص النقاد ويحاول فهمها ويحترمها. ولا يمكننا إصدار حكم فيما يخص الإسناد لا بالانقطاع ولا بالتدليس بناء على سبر مرويات الراوي وتمييز ما سمع مما لم يسمع، وكيف يمكننا ذلك ونحن حاطبوا ليل، لا نعرف سوى إطلاق القواعد. فمثلا إذا وجدنا رواية الراوي المدلس معنعنة ورواية أخرى فيها حدثنا نحكم مباشرة بالاتصال دون أن نراعي أو نتأمل في مدى احتمال كلمة (حدثنا) خطأ أو وهما من الراوي المتأخر.
وكل من يعرف قدر نفسه ومبلغ علمه يجزم بذلك. ( رحم الله امرءا عرف قدر نفسه) .
يقول الحافظ ابن عبد البر في مبحث العنعنة: (إنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع) ( مقدمة التمهيد1/26).
وأين الذين يستروحون ويعتمدون ظاهر الرواية، وما ورد فيها من صيغ التلقي دون تدقيقها وتمييز ما صح منها مما لم يصح من هذا النص ؟
فإنهم لا يميزون بمنهجهم هذا بين المدلس وبين غيره.
ويقول ابن حبان : (فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر) ( صحيح ابن حبان 1/151) .
ويقول: (وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدَّخَل على الحاكم في تصرفه في المستدرك) (الموقظة ص: 46) .
ويقول الحافظ ابن كثير: (أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذابا، أو نحو ذلك. فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم) (اختصار علوم الحديث ص: 79).
ويقول الحافظ الذهبي :
(... ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل لكن هم أكثر الناس صوابا وأندرهم خطأ وأشدهم إنصافا وأبعدهم عن التحامل وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح فتمسك به واعضض عليه بناجذيك ولا تتجاوزه فتندم ومن شذ منهم فلا عبرة به فخل عنك العناء وأعط القوس باريها فوالله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر ولئن خطب خاطب من أهل البدع فإنما هو بسيف الاسلام وبلسان الشريعة وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فنعوذ بالله من الخذلان) .
ويقول في تذكرة الحفاظ :
(... ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكى نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى مجالس العلماء والتحري والإتقان وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد
قال الله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } .
فإن آنست يا هذا من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا وإلا فلا تتعنَّ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأى ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج وينكُب الزغل، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فقد نصحتك فعلم الحديث صَلِف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب)اهـ.
هكذا ينبغي أن يكون موقفنا أيضا، ونحن لم نتفوق عليهم بأي إبداع في مجال الجرح والتعديل ولا باكتشاف جديد. وكلما يكون الإنسان مطلعا على حقائق هذا العلم ومقتنعا بشخصية أئمة الجرح والتعديل وعارفا بقدر نفسه يكون أكثر الناس اقتناعا بما يقول هؤلاء العلماء ؟
نعم إذا وجد خلاف بين أئمة الجرح والتعديل حول تضعيف راو وتوثيقه، يجب أن يراعي الباحث الأصول والقواعد التي أجاد فيها الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي في كتابه ((التنكيل)). والله تعالى الموفق .
وفي خاتمة هذا اللقاء الذي تشرفت به أود أن أصرح لكم ـ إخواني الاعزاء ـ بأنني كنت غير متفرغ للإجابة عن أسئلتكم، وكنت قد كتبت كثيرا من الأجوبة أثناء انشغالي بأعمال علمية أخرى، وأرجو من الله أن يقيني وإياكم من شرور أخطائي، ولله الحمد على توفيقه، كما أشكر أخوي : أبا خالد وبطي بن أحمد اللذَين قاما بإرسال الأجوبة كلما تتم ، بعد تصحيح الأخطاء التي ترد فيها .
كما أوجه شكري إلى الشيخ عبد الرحمن الفقيه ، والشيخ خليل ، والشيخ هيثم والشيخ عبد الله ، وغيرهم من الإخوة القائمين بالإشراف على هذا الملتقى : (ملتقى أهل الحديث) .
رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين .
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .
أخوكم / حمزة عبد الله المليباري

خليل بن محمد
05-07-03, 05:05 PM
تـــمّ اللقاء بحمد الله