محمد بن القاضي
22-02-06, 11:28 PM
الأمثال العربية
بين البعد الحضاري ، والعمق اللغوي
من خلال التفتيش في كتب اللغة والأدب يلاحظ الدارس العاجل أن ( المثل العربي ) يشكل مساحة لا بأس بها من الاهتمام ، فإذا ما ألقي نظرة متأنية في علوم الاجتماع والتاريخ باء بأن مقدار العطاء الذي يمثله ( المثل العربي ) لا يكاد يقل في هذا الميدان عنه في الميدان السابق . ومن هنا تتضح المساهمة الحيوية للمثل العربي ؛ فهو رائد للبحث الاجتماعي عن ثقافة هذه الأمة ، بمفردات تكونيها الاجتماعي المختلفة ، ثم هو مَعين – ومعين أيضا للدرس اللغوي – نحويه وصرفيه وصوتيه – الأمر الذي يغري بإطلالة عجلي على هذه الجوانب – لا تعفيها عجلتها من التوقف عند بعض العلامات البارزة في دراسة المثل العربي – قد تجلي جوانب يشتاق المثقف العادي إلى معرفتها ، ولا يستنكف الدارس من مذاكرتها .
أولاً : المثل في اللغة والاصطلاح
يقول ابن فارس في المقاييس :
" الميم والثاء واللام : أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء وهذا مثل الشيء أي نظيره ، والمثل والمثال في معنى واحد ، وربما قالوا : مثيل – كشبيه … "
" وقولهم : مثل به – إذا نكل ، هو من هذا أيضا ؛ لأن المعنى فيه أنه إذا نكل به جعله مثالا لكل من صنع ذلك الصنيع أو أراد صنعه .. " ( )
وقريب من هذا نجده عند غير العرب من الساميين ؛ فقد ورد المثل ( masal ) بمعنى الشبيه والنظير . وواضح ذلك جدا في العبرانية فلفظ ( مثل ) هو كمثل لفظ ( مثل ) في العربية من حيث الدلالة ؛ حين تجد في سفر التثنية في تحذير موسى لشعبه من سوء مغبة المعصية : ( )
" يذهب بك الرب ، وبملكك الذي تقيمه عليك إلى أمة لم تعرفها أنت ولا آباؤك ، وتعبد هناك آلهة أخرى من خشب وحجر ، وتكون دهشا ومثلا وهزأة في جميع الشعوب الذين يسوقك الرب إليهم "
فكلمة مثل ( ) هنا هي مقابل معنوي لكلمة ( مثل ) في قوله تعالى :
(مضى مثل الأولين ) ( )
( فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) ( )
وإذا كان " مانسون " قد زعم أنه لم يجد هذا الاستعمال في الأناجيل ( ) وتابعه على هذا الزعم بعض الباحثين في الساميات ، فإن قريبا من هذا الاستعمال نجده في بعض أسفار العهد الجديد ، التي يسمونها الأناجيل والرسائل والتي تعبر من حيث اللغة عن لغة كتابها ؛ ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول بولس – بعد أن ذكر الذين يشتهون الشرور : ( ) " .. وهذه الأمور حدثت مثالا لنا حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهى أولئك .. "
وبولس رجل عبري فريس ، وقد كتب رسالته إلى أهل كورنثوس سنة 57م ، ولا شك أنه كتبها باللغة اليونانية ، وهي اللغة التي كتبت بها الأناجيل ( ) – خصوصا أنها موجهة إلـى بلدة يونانية ، فهي تبعد 40 ميلا عن أثينا .( )
أما لفظة المثل بالمعنى اللغوي والاصطلاحي أيضا ، فقد أطلق على جملة من المعارف :
• التنبؤات ، وتهيؤاتت الكاهن : عرف ذلك بوضوح في العبرية حيث يطلق العهد القديم على نبوءات بلعام وميخا ، وحبقوق أمثالا ( )
• الأحاجي والآلغاز : وقد ورد ذلك في سفر حزقيال .
" يا ابن آدم حاج أحجية ، ومثل مثلا لبيت إسرائيل …. " ( )
• الخرافة : وقد وجدت عند كثير من الشعوب السامية ، ومنها العرب . ونقصد بالخرافة القصة الغريبة التي قد يستبعد الناس تصديقها – وإن كانت صدقا ( ) ، وقد أطلق القرآن الكريم اسم المثل على مثل هذه القصص مثل :
" واضرب لهم مثلا أصحاب القرية … " ( )
" .. مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين " ( )
" ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ……………. " ( )
وما يزال الأوربيون يطلقون لفظ “ Fable “ على مثل هذا اللون من الأدب التعليمي .
* الأنشودة أو الترنيمة : وذلك واضح في التوراة – أعنى العهد القديم الذي يسمونه التوراة خصوصا أنه أقرب اشتقاقا إلى الـ ، وهم الماثلون للغناء ، وقد ترجمت في النسخة التي بين يدي إلى أصحاب الأمثال ( )
• المواعظ والرقائق والتعاليم : ويغنى عن التمثيل على ذلك سفر الأمثال من العهد القديم .
• العبارة الموجزة : وقد عبر عن ذلك صاحب قاموس العهد القديم بقوله إن الأمثال " أقوال مختصرة توضح قوانين السلوك ونتائجه بشكل مؤثر ( ) "
وهذا الاصطلاح الأخير هو الاصطلاح المقصود بكتب الأمثال عامة في الأدب العربي وهو أيضا اصطلاح شائع في الآداب السامية القديمة ، وقد قال بعض الباحثين إن في العهد القديم " بضعة أمثال شعبية " ( ) ، وكلمة " بضعة " توحي بالقلة – مع أن العهد القديم يمتلئ بهذا اللون من المثل الشعبي ، وأورد " قاموس الكتاب المقدس " حوالي اثني عشر مثلا منها – على اعتبار أنها أمثله لأشهرها . ( )
وإذا انتقلنا إلى تعريف المثل في الثقافة العربية وجدنا التهانوي يعرفه بقوله :
" المثل في الأصل بمعنى النظير ، ثم نقل إلى القول السائر – أي الفاشي – الممثل بمضربه وبمورده ، والمراد بمورده الحالة الأصلية التي ورد فيها ، و بالمضرب الحالة المشبهة بها – التي ورد فيها الكلام " ( )
موقف الأمثال المدونة من هذا الاصطلاح :
ولكن :
هل كل الأمثال المدونه ينطبق عليها هذا الاصطلاح ؟
تحتاج الإجابة على هذا السؤال تقليب الصفحات التي سودت في المثال من أي كتاب دونها . والذي يتأمل هذه الأمثال يعتقد أن هذا التعريف ينبغي أن يمنع كثير من التعابير التي وردت في كتب الأمثال من الولوج فيه ، أو بعبارة أخرى ، فإن دواوين الأمثال العربية – وغير العربية حسب معلوماتي التي تيسرت – لم تلتزم هذا التعريف في إيراد الأمثال ؛ بل توسعت منذ بدء التدوين في جمع هذه المادة التي سميت الأمثال
فنستطيع أن نجزم أن القول الذي يعبر عن قانون اجتماعي أو خلقي معين ، أو القول الذي كان له مورد واقع أو مفترض ثم طار في الآفاق ، وأخذه الناس مأخذ المثل – هذا القول الذي هذه صفته ليس هو وحده الذي دونه جماع الأمثال ، بل ربما لم يشكل أغلبية المادة المجموعة ، وقد نستطيع أن نقسم معظم المادة المجموعة في كتب الأمثال إلى ما يأتي :
[1] المثل : ونقصد به : القول الذي ينطبق عليه التعريف الأخير ، وما دار حول معناه .
وذلك له مورد ومضرب .
المــورد : هو الموقف الذي قيلت فيه العبارة أول ما قيلت .
والمضرب : هو كل موقف يمكن أن يتمثل بها فيه .
وهذا مثال :
( كفى برغائها مناديا ) ( )
مورد هذا المثل :
ما رووه من أن ضيفا أناخ بفناء رجل ، فجعلت راحلته ترغو ، فقال الرجل : ما هذا الرغاء ؟ أضيف أناخ بنا فلم يعرفنا مكانه فنقدم قراه ؟ فقال الضيف : كفى برغائها مناديا !
وأما مضربه :
فيضرب مثلا للشيء يكتفي بمنظره عن تعرف حاله .
ويلاحظ هنا أن مورد المثل يمكن أن يكون خيالياً ، وأو خرافيا إن شئت الدقة ؛ مثل قولهم :
( كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ؟ ) ( )
حيث يزعمون أن الذي قال ذلك هو ( الحية ) التي قتلت رجلا كان أخا لصاحبها وصديقها ، فحاول صديقها قتلها انتقاما ، ولكنها أفلتت منه ، فهدمت فأسه جحرها ، فحاول أن يعيد خطب ودها ، فأجابته بذلك .
[2] الحكمة :
وهي قريبة من المثل في أنها تسير في الناس ، ولكنها تفتقر إلى قصة المورد ؛ وذلك مثل قولهم :
( ما كل سوداء تمرة ) ( )
وقولهم :
( من حفر مغواة وقع فيها ) ( )
وأحيانا كثيرة تكون هذه الحكمة جزءا من بيت أو شطراً منه أو بيتاً من الرجز، مثل الحكمة التي صارت كالمثل :
( عند الصباح يحمد القوم السرى )( )
وليست العلاقة بين المثل والحكمة بعيدة ؛ فالمثل حكمة بوجه من الوجوه ، وها هو أبو عبيد القاسم بن سلام يقول – أو ينسب إليه في مقدمة رسالته عن الأمثال – التي طبعت في الأسيتانة سنة 1302 هـ :
" هذا كتاب الأمثال ، وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام " فهو يرى أن المثل هو حكمة العرب .
وقد سميت الحكمة مثلا عند العبرانيين أيضا ، حتى إن سفر الأمثال نفسه هو مجموعة من الحكم ، تبدأ بقول جامعها :
" أمثال سليمان بن داود ملك إسرائيل ، لمعرفة حكمة وأدب ، لإدراك أقوال الفهم … لفهم المثل واللغز أقوال الحكماء وغوامضهم " ( )
وسفر الأمثال في مجموعه جملة من الحكم المجموعة ، ومن المستبعد أن تكون كلها لسليمان وحده أو لغيره وحده ، لأنه " مجموعة من الأمثال لا تربط بينها رابطة ، وليس في أسلوبها وحده أو تناسق ، فالسفر – فيما نعتقد – ليس من فعل شخص واحد ، ولا نتاج عصر واحد ، وإنما هو من الآداب الشعبية التي تتناقلها الأجيال ، وتدخل عليها كثيرا من الزيادة والنقصان " ( )
ويبدأ مواعظه بقوله :
" .. اسمع يا بني تأديب أبيك ، ولا ترفض شريعة أمك ؛ لأنهما إكليل نعمة لرأسك وقلائد لعنقك ، يا بني إن تملقك الخطاة فلا ترض .. " ( )
وهذه حكم ومواعظ سميت أمثالا .
وأما النوع الثالث لما ورد في كتب الأمثال العربية من تعابير ؛ فهو ما يمكن أن نسميه (القالب اللغوي الذي يجمع بين الإيجاز والعطاء المتجدد ، من غير أن يحمل كل خصائص المثل ومقوماته ) ؛ وذلك مثل قولهم : " لألحقن حواقنه بذواقنه " ( )
وقولهم : لأرينه لمحا باصرا " ( )
وهما يضربان للتهديد ، ومعنى المثل الأول : ( لأفسدنه ) ، أو ( لأجعلنه لا يلتئم على نفسه )
ومعنى الثاني : ( ليعرفن مني ما لم يعرف )
وكذلك قولهم :
" فلان لا يعرف الحي من اللي "
قال العسكري :
" يقال ذلك للأحمق الذي لا يعرف شيئا "
ومنه - يعني من هذه التعابير – قولهم :
" حلف بالسمر والقمر " ( )
وكل هذه التعابير ليس فيها مقومات المثل ، من حيث المورد ولا من حيث إنه حكمة قصد بها التوجيه ، وإنما أخذ منه السيرورة واعتباره قالبا متجددا مسمى مثلا ، وهذا كثير عندهم .
وزن أفعل وثقافة القبائل والشعوب
[4] الأمثال التي على وزن أفعل :
ومنها ما هو مثل اصطلاحا ، وكثير منها لا ينطبق عليه مصطلح المثل ، وإن كانت سائرة كالحكم ، ولها مواضع تضرب فيها ؛ فالملاحظ أنها – تفتقر إلى المورد ، ويبدو أنهم اعتاضوا في موردها عن القصة أو الخرافة بالحس والتجربة واستشهاد الطباع والطبائع ، وانظر إلى قولهم :
" أخف من النسيم " ( )
تجد أنه لا يحتاج إلى قصة لمورده ، وإنما مورده ظاهر في أن طبيعة النسيم الخفة ، فهذه الأمثال تنسب إلى الأشياء أظهر ما فيها من طباع ، ثم تتجاوز ذلك إلى وصف غيرها بما هو أكثر مما فيها منها ، وذلك على سبيل المبالغة والتناهي ، لا على سبيل الحقيقة ، فليست العرب تقصد أن هناك ما هو أخف من النسيم أو أدق من الهباء ( ) ، أو أرفع من السماء ( ) ، أو أشام من البسوس ( ) ، ولكنها تطلق ( أفعل ) لتدل على المبالغة في وصف الذي أطلق عليه هذا التعبير بهذه الصفة ، فحين يقال :
" هذا الخبر أشهر من الشمس "
لا يراد لفظه ، فليس هناك أشهر من الشمس ، وإنما يراد وصفه بالشهرة المتناهية ، ولذلك عبر العسكري حين سرد هذا اللون من الأمثال بقوله : " الأمثال المضروبة في المبالغة والتناهي ( ) " ولو وقفنا قليلا أمام أمثال المبالغة نلاحظ :
أ - أنها تعبر عن تفاوت الناس في اعتبار " المثل الأعلى " لصفة بعينها – باعتبار أن هذه الأمثال لم تخرج من فم رجل واحد أو قبيلة واحدة أو حتى بلد واحد .
ولو أخذنا مثالا على ذلك الأمثال المضروبة في الشؤم – أعاذنا الله منه – لوجدنا أنها – على حسب رواية العسكري ستة عشر مثلا ، وهذا يعنى أن هناك تسعة عشر(مثلا أعلى ) للشؤم هي :
أحمر عاد ، والأخيل ، وبراقش ، والبسوس ، وخميرة ، وخوتعة ، وداحس ، ورغيف الحولاء وزحل ، وزرقاء ، والزماح ، والسراب ( والمقصود بها الناقة ) ( ) ، والشقراء ، وطويس ، وطير العراقيب ، وغراب البين ، وقاشر ، وقدار، ومنشم . ( )
ومن المقطوع به – تاريخا – والراجح جدا – عادة – ألا تكون هذه الأمثال قيلت من مصدر واحد ، وهذا يدل على أن مقياس الشؤم ومعارف القبائل ، وتاريخها ، وموقعها – كل ذلك أثر في اختيار " المثل الأعلى للشؤم " ؛ فالبعض اعتبره شخصا – ذكرا أو أنثى – ارتبط شؤمه بوقائع تاريخية بعينها : مثل البسوس التي كانت سببا في معـارك دامـت بـين بطون ( ربيعة ) – بل بين بني وائل خاصة أربعين سنة ( ) أو مثل " منشم " على رأى من قال إنها امرأة ( ) ، ومنهم الأصمعي – لأنها ارتبط عطرها بالرجال القاصدين الحرب بعهدهم أن يستميتوا في الحرب حتى الموت ، يعنى أن الذي يذهب إليها لا يعود . وعلى زعم أبى عمرو الشيباني لأنهم كانوا يشترون منها حنوط القتلى إذا ماتوا . وفي تفسير قصتها مزاعم أخرى .
- والبعض يرى ذلك المثل الأعلى في حيوان كان سببا في خسارة لنفسه أو لأصحابه : مثل ( الشقراء) وهي فرس لقيط بن زرارة – على حد رواية أبي عبيدة – أو لثور بن هدية بن لاطم – على حد رواية الكلبي ، وتتفق الروايات – على اختلافها – في معنى محدد ، وهو أن اعتزاز صاحبها بها كان سببا في إجهادها وإتعابها كل دهرها ( )
- ويذهب البعض مذهبا أكثر موضوعية في تصوره لهذا المثل الأعلى ، فلا يراه محدودا في كائن بعينه ، وإنما يراه في ( ظاهرة ) – أو ( كائن معبر عن ظاهرة ) – إن صح التعبير مثل :
• غراب البين : وذلك " لأنه إذا بان الحي للنجعة انتاب منازلهم يلتمس فيها شيئا يأكله فتشاءموا به ، لأنه يعتريها إلا إذا بانوا " ( )
ب – وإذا كان المبرر في اختلاف الناس حول ( الشؤم ) – وهو معنى – واسعا ، فإن المبرر في الحسيات أضيق ، ومع ذلك فالتعددية موجودة في أمثال الحسيات ؛ كالبصر ، والخفة ، والرقة ( الحسية ) والسرعة ، وقوة الشم ، والصغر ، والضيق ، والطول …. الخ .
فحسب جمع العسكري نلاحظ أن :
- البصر : له سبعة أمثال مختلفة ( )
- الخفة : لها ستة أمثال مختلفة ( غير خفة الرأس أو الحلم ) ( )
- الطول : له عشرة أمثال مختلفة ( غير طول الصحبة أو الذماء ) ( )
وسنتوقف عند الطول قليلا ، لنحاول استكشاف سبب الاختلاف ؛ فتلاحظ أن هذه الأمثال اختلفت باختلاف الأساس الذي بني عليه كل منهم ( مثله الأعلى ) في الطول :
- فالبعض نظر إليه نظرة حسية بحتة ؛ مثل الذي قال :(أطول من السكاك) ( ) وهو الهواء بين السماء و الأرض ، وليس يعرف العربي شيئا حسيا أطول من هذا .
وإذا كان هؤلاء صدروا فـي نظرتـهم الحسية صـدورا ( مكانيا ) فالذيـن اعتبروا ( الدهر ) مقياسا للطول – صدروا عن صدور ( زماني ) ، فقالوا : ( أطول من الدهر ) ( )
- بينما رأى آخرون – حين قدموا ( المقياس النفسي ) – إن صح التعبير – أن ( يوم الفراق ) أطول . فقالوا :
( أطول من يوم الفراق ) ( )
• والذي أهمهم – في نظرتهم النفسية – طعامهم وشرابهم ، قالوا :
( أطول من السنة الجدبة ) ( )
والدراسة المتأنية لهذه الأمثال ، وغيرها ، تحتاج إلى عناية خاصة ، ليس من شأن هذه المساحة تغطيتها ، وإنما أردت أن ألفت إلى شيء من أهميتها عسى أن تكون موضع دراسة مستقبلة إن شاء الله تعالى .
المثل والتركيب اللغوي
ولست أقصد بالتركيب اللغوي أن نقتحم دراسة ( فونيمية ) أو ( بنيوية ) على النحو الذي يصنعه المعمليون ، ودعاة البنية التحتية والدلالية ، وإنما أقصد ما هو أيسر من ذلك ، وهو لمس عناصر الإيجاز والدلالة في المثل العربي .
وقد نجد أمثلة كثيرة على هذه الناحية ، كما قد نفيد - بعض الفائدة – من الطرح الجيد الذي طرحه د . عابدين في كتابه عن ( الأمثال في النثر العربي القديم ) لكننا لا نطمح في هذه العجالة إلى درك المنتهى من البحث ، فحسبنا أن ندلل على كل جزئية بارزة بمثل .
1- التركيب الشرطي :
تكثر الأمثال التي تتخذ شكل الشرط ، وما يشبهه ، وهو أمر طبيعي للقول الذي يكتب له الخلود ، فهو يتسم بالعمومية الملائمة لهذا الخلود ، على أنه يلفتنا أن أمثال الشرط يغلب عليها الإيجاز والدلالة ؛ مثل :
( إذا عز أخـوك فهن )
( من حقـر حــرم )
( من عـز بـــز )
( سمن كلبك يأكـلك )
2- استخدام ( رب ) :
وهو طريق في التعبير مناسب أيضا لعموم الداخلين في الحكم أو القيمة التي يطرحها المثل ، ولو توقفنا مع الأمثال التي استخدمت فيها ( رب ) ، فستلاحظ أن هذا التركيب في المثل يوحي بأحد المعاني الآتية :
أ – تحذير من أمر قد لا يدرك عواقبه ، مثل :
"رب أكلة تمنع أكلات"
قال العسكري : " يضرب مثلا للخصلة من الخير تنال على وجه الصواب ، فتكون سببا في منع أمثالها " … وقال ابن العلاف :
كم أكلة خالطت حشا شره فأخرجت روحه من الجسد ( )
ب – تنبيه إلى حقائق تغيب عن بعض الأذهان لدقتها ؛ مثل :
" رب أخ لك لم تلده أمك " ( )
و" رب سامع بخبري لم يسمع عذري "
ت ـ توجيه تربوي إلى محاسن أشياء لا يدرك محاسنها غير المتأمل ؛ مثل :
" رب عجلة تهب ريثا " ( )
و" رب قول أنفذ من صول " ( )
ث – تعجب من أمور عجيبة أو منكرة ؛ مثل :
" رب ساع لقاعد " ( )
أو " رب فروقه يدعى ليثا " ( )
والفروقة : الشديد الخوف
3-استخدام ( أفعل )
وقد مر بنا أمثلة مركزة في دلالاته .
4- المثل العربي والمجاز :
المجاز شيء أصيل في اللغات ، والأمثال خاصـة مستودع هذا المجاز، والناظر في أمثال ( العهد القديم ) يرى أنها شخصت كثيرا من الموجودات بصورة فذة ، نقرأ في سفر أشعيا : ( )
" هل تفتخر الفاس على القاطع بها ؟ ، أو يتكبر المنشار على مردده " .
وهذا التشخيص تجده في أمثال العربية بارزا ، ولكنه أقرب إلأى تشخيص الأحوال ، وهو أمر فلعل الذي يسمع المثل القاتل :
" عنز استتيست "
وهو يصور – بإيجاز شديد – حال الرجل " المهين يصير نبيلا – أي كان عنزا فصار تيسا ، ومثل قول الشاعر :
أعجبت أن ركب ابن حزم بغلة فركوبه ظـهر المـنابر أعجـب
جعل ابن حزم حاجبيـن لبابه سبحان من جعل ابن حزم يحجب " ( )
وانظر أيضا إلى ما يثيره المثل :
" بين حاذف وقاذف "
من تصوير لهيئة رجل منحوس قلق ، لا يخرج من هم إلا إلى مثله ، تتعاقبه ألوان الهموم ، وصروف البلايا ، قال العسكري :
" القاذف بالحجر ، والحاذف بالعصا " ( )
وقد يتعجب المثل من حالة فكرية عوجاء ؛ كحال الذي " يقيس الملائكة إلى الحدادين"( )
والحدادون : السجانون
وانظر إلى الهوة بين الكبار والصغار ، وبين أهل الخير وأهل الشر 0
وثمة أمثال تقدر على تصوير الواقد تصويرا ( صوتيا ) – إن صح التعبير – : لأنه لا يعتمد على إدراك المعنى الجزئي بقدر اعتماده على سماع لفظ المثل ؛ واسمع مثلا :
" بعد الهياط والمياط " ( )
" وقع حيص بيص " ( )
وأظن أنه سيغنيك سماعه عن فهم معناه .
5- المثل بين اللغويين والنحاة :
إيجاز المثل وبعد مرماه ، وصعوبة التعرف على مورده أحيانا ، وعلى لغة قائله أحيانا أخرى ، كل ذلك جعله عرضة لأهل النحو واللغة ، وثروة أعانت على تشقيق الكثير من القواعد ، ووضع الكثير من الاستثناءات من القواعد العامة ؛ وإليك بعض الأمثلة :
أ – ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) ( )
شاهد عندهم على الإسناد إلى الفعل معروف ، والقاعدة النحوية مؤداها – اضطرادا – أن المسند إليه يشترط أن يكون اسما ، وجعله شارح الكافية شاهدا على جواز إضمار (أن) المصدرية بغير عمل كثيرا ( )0
وقد تكلم ابن هشام في شرحه لشذور الذهب على اختلاف الرواية ، والتقدير فيه بشيء من الإفاضة . ( )
ومثله في هذا الموضوع :
" خذ اللص قبل يأخذك " ( )
فقد استشهد به ابن مالك على جواز إضمار ( أن ) ( ) ، وتابعه السيوطي في إعراب المسند ( ) ، وإن كان الأبشيهي قد جعله من أمثال العامة والمولدين منفرداً بذلك ، دون أن يبرره ( ) .
ب – ( عسى الغوير أبؤسا ) ( )
فيكاد النحاة يتفقون على أن ( أبؤسا ) هي خبر لكان المحذوفة ، والتقدير : ( .. أن يكون أبؤسا ) ، وهو صريح قول المبرد ( ) . وقال سيبويه : " جعلوا عسى بمنزلة كان " ( ) أما السهيلي – وهو نحوي دقيق الفهم – فهو يذهب مذهبا مـؤداه أنهـم جـعلوا عسى بمنزلة ( صار) ، وأصل هذا في رأيه أن ( الزباء ) – مصدر المثل – " حين تكلمت بعسى ، ثم أدركها اليقين ؛ فقالت : " عسى الغوير " – وهي متوقعة شرا ، ثم غلب على ظنها الشر ، فختمت الكلام بحكم ما غلب على ظنها ، لا بحكم ( عسى ) ، لأن ( عسى ) لا يكون خبرها اسما غير حدث ، فكأنها قالت : صار الغوير أبؤسا ) ( ) " 0 وهو هنا يدخل المثل في دائرة الإضراب – كما هو مفهوم من سياق الموضوع عموما - ويؤكد هذا المفهوم الذي ذهب إليه السهيلي نحوي آخر هو ابن الطراوة ، إذ يقول بعد أن ذكر مثلما قال السهيلي : " … وهذا التحول في المقام الواحد من حال إلى حال في كلام العرب واستعمال العامة أكثر من أن يخص وأعم وأشهر من أن يشهر و ينمي " ( )
وكثيرا ما وقف النحاة أمام الشواهد النثرية من المثل خاصة ، ليثري بحثهم النحوي بالمفيد ، بل والغريب أحيانا على نحو ما مر بنا في كلام السهيلي وابن الطراوة السابق ، ولعل وجود نحو خمسين مثلا في كتاب سيبويه – وهو أقدم كتاب وصل إلينا في النحو - يدل على مدى اهتمام النحاة بهذه الظاهرة .
أما اللغويون فقد وجدوا في المثل ضالتهم المنشودة ، إذ يتسم المثل في كثير من الأحيان بما يمكن أن يسمي ( جاهلية الألفاظ ) ، بل ربما ظهرت فيه عناصر خاصة بقبائل بعينها ، من حيث سمات اللهجة ، صوتيا ، وصرفيا ، ولغويا . وحينما نعلم أن حرفا واحدا من حروف معجم ( العباب ) للصنعاني – وهو حرف الفاء وحده قد احتوى - حسب فهرسة الشيخ محمد حسن آل ياسين – على أكثر من سبعين شاهدا ، فهذا دليل على مدى اعتناء هؤلاء اللغويين بالمثل شاهدا لغويا ( ) ، فمن أمثلة ذلك استشهادهم بالمثل :
آبل من حنيف الحناتم "
على أنه جاء اسم التفصيل من غير فعل أصلا ، قال الرضي في شرح الكافيه :
" لم يستعمل منه فعل ، على ما قال سيبويه ، وقال الجوهري : أبل يأبل إبالة … : إذا قام بمصلحة الإبل " ( )
فأنت ترى أن هذا المثل يثير نشاطا لغويا على محورين مختلفين :
الأول : تنظيري يحاول إعمال القاعدة العامة ، ونسبة الشذوذ إليه .
والثاني : ميداني يحاول البحث عن أصول لغوية تسمح بإدراج المثل تحت القاعدة العامة .
ولعله من أجل هذا اطلعنا على اهتمام كبير للغويين منذ عهود مبكرة بالمثل – جمعا ، وتصنيفا ، وشرحا ، ودراسة وتوجيها . وهو الأمر الذي لن يتسع له المقام الآن ، وربما كان لدراسته مجال آخر إن شاء الله .
لعل هذه المقالة تكون فاتحة لمناقشة أو فائدة .
المصادر و المراجع :
- الأمثال في النثر العربي القديم مع مقارنتها بنظائرها في الآداب السامية 0 د0 عبد المجيد عابدين . الطبعة الأولى دار مصر للطباعة .
- جمهرة الأمثال : لأبى هلال العسكري . تحقيق د0 أحمد عبد السلام و محمد سعيد بن بسيوني زغلول 0 ط / دار الكتب العلمية – بيروت . الطبعة الأولى 1408 هـ.
- الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة : للإمام حمزة بن الحسن الأصبهاني . تحقيق عبد المجيد قطامش ط / دار المعارف بمصر .
- شواهد التوضيح والتصحيح في حل مشكلات الصحيح : لابن مالك . تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
- عقود الزبرجد في إعراب المسند : جلال الدين السيوطي . تحقيق د0 سلمان القضاة .
ط / دار الجيل – بيروت 1414 ه ـ 1994 م .
- قاموس الكتاب المقدس : صدر عن مجمع الكنائس في الشرق . الطبعة الثانية – بيروت 1971 .
- الكتاب : لسيبويه . تحقيق عبد السلام هارون . الطبعة الثالثة 1408 هـ – 1988 م . ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
- الكتاب المقدس . ط / دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط .
- كشاف اصطلاحات الفنون : للتهانوي . ط / الهيئة المصرية للكتاب .
- مجمع الأمثال . للميداني – ط/ فؤاد بيبان وشركاه بيروت 1962
- المستقصى في أمثال العرب : للزمخشري . الطبعة الثالثة 1407 هـ 1987 م
ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
- المسند : للإمام أحمد بن حنبل . الطبعة الخامسة 1405 ه ـ 1985 ط / المكتب الإسلامي بيروت .
- معجم مقاييس اللغة : لأبى الحسين أحمد بن فارس . تحقيق عبد السلام هارون . ط / مطبعة مصطفىالحلبي بمصر (الطبعة الثانية) 1389 هـ – 1969.
- مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب : لابن هشام . تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد
ط/مطبعة المدني القاهرة.
- المقتضب : لأبى العباس المبرد . تحقيق د / محمد عبد الخالق عضيمة . ط / المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – وزارة الأوقاف بمصر 1415 ه ـ 1994 م .
- نتائج الفكر : للسهيلي . تحقيق إبراهيم مهنا . ط / دار الاعتصام – القاهرة0
- اليهودية : د/ أحمد شلبي . ط / مكتبة النهضة المصرية .
بين البعد الحضاري ، والعمق اللغوي
من خلال التفتيش في كتب اللغة والأدب يلاحظ الدارس العاجل أن ( المثل العربي ) يشكل مساحة لا بأس بها من الاهتمام ، فإذا ما ألقي نظرة متأنية في علوم الاجتماع والتاريخ باء بأن مقدار العطاء الذي يمثله ( المثل العربي ) لا يكاد يقل في هذا الميدان عنه في الميدان السابق . ومن هنا تتضح المساهمة الحيوية للمثل العربي ؛ فهو رائد للبحث الاجتماعي عن ثقافة هذه الأمة ، بمفردات تكونيها الاجتماعي المختلفة ، ثم هو مَعين – ومعين أيضا للدرس اللغوي – نحويه وصرفيه وصوتيه – الأمر الذي يغري بإطلالة عجلي على هذه الجوانب – لا تعفيها عجلتها من التوقف عند بعض العلامات البارزة في دراسة المثل العربي – قد تجلي جوانب يشتاق المثقف العادي إلى معرفتها ، ولا يستنكف الدارس من مذاكرتها .
أولاً : المثل في اللغة والاصطلاح
يقول ابن فارس في المقاييس :
" الميم والثاء واللام : أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء وهذا مثل الشيء أي نظيره ، والمثل والمثال في معنى واحد ، وربما قالوا : مثيل – كشبيه … "
" وقولهم : مثل به – إذا نكل ، هو من هذا أيضا ؛ لأن المعنى فيه أنه إذا نكل به جعله مثالا لكل من صنع ذلك الصنيع أو أراد صنعه .. " ( )
وقريب من هذا نجده عند غير العرب من الساميين ؛ فقد ورد المثل ( masal ) بمعنى الشبيه والنظير . وواضح ذلك جدا في العبرانية فلفظ ( مثل ) هو كمثل لفظ ( مثل ) في العربية من حيث الدلالة ؛ حين تجد في سفر التثنية في تحذير موسى لشعبه من سوء مغبة المعصية : ( )
" يذهب بك الرب ، وبملكك الذي تقيمه عليك إلى أمة لم تعرفها أنت ولا آباؤك ، وتعبد هناك آلهة أخرى من خشب وحجر ، وتكون دهشا ومثلا وهزأة في جميع الشعوب الذين يسوقك الرب إليهم "
فكلمة مثل ( ) هنا هي مقابل معنوي لكلمة ( مثل ) في قوله تعالى :
(مضى مثل الأولين ) ( )
( فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ) ( )
وإذا كان " مانسون " قد زعم أنه لم يجد هذا الاستعمال في الأناجيل ( ) وتابعه على هذا الزعم بعض الباحثين في الساميات ، فإن قريبا من هذا الاستعمال نجده في بعض أسفار العهد الجديد ، التي يسمونها الأناجيل والرسائل والتي تعبر من حيث اللغة عن لغة كتابها ؛ ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول بولس – بعد أن ذكر الذين يشتهون الشرور : ( ) " .. وهذه الأمور حدثت مثالا لنا حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهى أولئك .. "
وبولس رجل عبري فريس ، وقد كتب رسالته إلى أهل كورنثوس سنة 57م ، ولا شك أنه كتبها باللغة اليونانية ، وهي اللغة التي كتبت بها الأناجيل ( ) – خصوصا أنها موجهة إلـى بلدة يونانية ، فهي تبعد 40 ميلا عن أثينا .( )
أما لفظة المثل بالمعنى اللغوي والاصطلاحي أيضا ، فقد أطلق على جملة من المعارف :
• التنبؤات ، وتهيؤاتت الكاهن : عرف ذلك بوضوح في العبرية حيث يطلق العهد القديم على نبوءات بلعام وميخا ، وحبقوق أمثالا ( )
• الأحاجي والآلغاز : وقد ورد ذلك في سفر حزقيال .
" يا ابن آدم حاج أحجية ، ومثل مثلا لبيت إسرائيل …. " ( )
• الخرافة : وقد وجدت عند كثير من الشعوب السامية ، ومنها العرب . ونقصد بالخرافة القصة الغريبة التي قد يستبعد الناس تصديقها – وإن كانت صدقا ( ) ، وقد أطلق القرآن الكريم اسم المثل على مثل هذه القصص مثل :
" واضرب لهم مثلا أصحاب القرية … " ( )
" .. مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين " ( )
" ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ……………. " ( )
وما يزال الأوربيون يطلقون لفظ “ Fable “ على مثل هذا اللون من الأدب التعليمي .
* الأنشودة أو الترنيمة : وذلك واضح في التوراة – أعنى العهد القديم الذي يسمونه التوراة خصوصا أنه أقرب اشتقاقا إلى الـ ، وهم الماثلون للغناء ، وقد ترجمت في النسخة التي بين يدي إلى أصحاب الأمثال ( )
• المواعظ والرقائق والتعاليم : ويغنى عن التمثيل على ذلك سفر الأمثال من العهد القديم .
• العبارة الموجزة : وقد عبر عن ذلك صاحب قاموس العهد القديم بقوله إن الأمثال " أقوال مختصرة توضح قوانين السلوك ونتائجه بشكل مؤثر ( ) "
وهذا الاصطلاح الأخير هو الاصطلاح المقصود بكتب الأمثال عامة في الأدب العربي وهو أيضا اصطلاح شائع في الآداب السامية القديمة ، وقد قال بعض الباحثين إن في العهد القديم " بضعة أمثال شعبية " ( ) ، وكلمة " بضعة " توحي بالقلة – مع أن العهد القديم يمتلئ بهذا اللون من المثل الشعبي ، وأورد " قاموس الكتاب المقدس " حوالي اثني عشر مثلا منها – على اعتبار أنها أمثله لأشهرها . ( )
وإذا انتقلنا إلى تعريف المثل في الثقافة العربية وجدنا التهانوي يعرفه بقوله :
" المثل في الأصل بمعنى النظير ، ثم نقل إلى القول السائر – أي الفاشي – الممثل بمضربه وبمورده ، والمراد بمورده الحالة الأصلية التي ورد فيها ، و بالمضرب الحالة المشبهة بها – التي ورد فيها الكلام " ( )
موقف الأمثال المدونة من هذا الاصطلاح :
ولكن :
هل كل الأمثال المدونه ينطبق عليها هذا الاصطلاح ؟
تحتاج الإجابة على هذا السؤال تقليب الصفحات التي سودت في المثال من أي كتاب دونها . والذي يتأمل هذه الأمثال يعتقد أن هذا التعريف ينبغي أن يمنع كثير من التعابير التي وردت في كتب الأمثال من الولوج فيه ، أو بعبارة أخرى ، فإن دواوين الأمثال العربية – وغير العربية حسب معلوماتي التي تيسرت – لم تلتزم هذا التعريف في إيراد الأمثال ؛ بل توسعت منذ بدء التدوين في جمع هذه المادة التي سميت الأمثال
فنستطيع أن نجزم أن القول الذي يعبر عن قانون اجتماعي أو خلقي معين ، أو القول الذي كان له مورد واقع أو مفترض ثم طار في الآفاق ، وأخذه الناس مأخذ المثل – هذا القول الذي هذه صفته ليس هو وحده الذي دونه جماع الأمثال ، بل ربما لم يشكل أغلبية المادة المجموعة ، وقد نستطيع أن نقسم معظم المادة المجموعة في كتب الأمثال إلى ما يأتي :
[1] المثل : ونقصد به : القول الذي ينطبق عليه التعريف الأخير ، وما دار حول معناه .
وذلك له مورد ومضرب .
المــورد : هو الموقف الذي قيلت فيه العبارة أول ما قيلت .
والمضرب : هو كل موقف يمكن أن يتمثل بها فيه .
وهذا مثال :
( كفى برغائها مناديا ) ( )
مورد هذا المثل :
ما رووه من أن ضيفا أناخ بفناء رجل ، فجعلت راحلته ترغو ، فقال الرجل : ما هذا الرغاء ؟ أضيف أناخ بنا فلم يعرفنا مكانه فنقدم قراه ؟ فقال الضيف : كفى برغائها مناديا !
وأما مضربه :
فيضرب مثلا للشيء يكتفي بمنظره عن تعرف حاله .
ويلاحظ هنا أن مورد المثل يمكن أن يكون خيالياً ، وأو خرافيا إن شئت الدقة ؛ مثل قولهم :
( كيف أعاودك وهذا أثر فأسك ؟ ) ( )
حيث يزعمون أن الذي قال ذلك هو ( الحية ) التي قتلت رجلا كان أخا لصاحبها وصديقها ، فحاول صديقها قتلها انتقاما ، ولكنها أفلتت منه ، فهدمت فأسه جحرها ، فحاول أن يعيد خطب ودها ، فأجابته بذلك .
[2] الحكمة :
وهي قريبة من المثل في أنها تسير في الناس ، ولكنها تفتقر إلى قصة المورد ؛ وذلك مثل قولهم :
( ما كل سوداء تمرة ) ( )
وقولهم :
( من حفر مغواة وقع فيها ) ( )
وأحيانا كثيرة تكون هذه الحكمة جزءا من بيت أو شطراً منه أو بيتاً من الرجز، مثل الحكمة التي صارت كالمثل :
( عند الصباح يحمد القوم السرى )( )
وليست العلاقة بين المثل والحكمة بعيدة ؛ فالمثل حكمة بوجه من الوجوه ، وها هو أبو عبيد القاسم بن سلام يقول – أو ينسب إليه في مقدمة رسالته عن الأمثال – التي طبعت في الأسيتانة سنة 1302 هـ :
" هذا كتاب الأمثال ، وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام " فهو يرى أن المثل هو حكمة العرب .
وقد سميت الحكمة مثلا عند العبرانيين أيضا ، حتى إن سفر الأمثال نفسه هو مجموعة من الحكم ، تبدأ بقول جامعها :
" أمثال سليمان بن داود ملك إسرائيل ، لمعرفة حكمة وأدب ، لإدراك أقوال الفهم … لفهم المثل واللغز أقوال الحكماء وغوامضهم " ( )
وسفر الأمثال في مجموعه جملة من الحكم المجموعة ، ومن المستبعد أن تكون كلها لسليمان وحده أو لغيره وحده ، لأنه " مجموعة من الأمثال لا تربط بينها رابطة ، وليس في أسلوبها وحده أو تناسق ، فالسفر – فيما نعتقد – ليس من فعل شخص واحد ، ولا نتاج عصر واحد ، وإنما هو من الآداب الشعبية التي تتناقلها الأجيال ، وتدخل عليها كثيرا من الزيادة والنقصان " ( )
ويبدأ مواعظه بقوله :
" .. اسمع يا بني تأديب أبيك ، ولا ترفض شريعة أمك ؛ لأنهما إكليل نعمة لرأسك وقلائد لعنقك ، يا بني إن تملقك الخطاة فلا ترض .. " ( )
وهذه حكم ومواعظ سميت أمثالا .
وأما النوع الثالث لما ورد في كتب الأمثال العربية من تعابير ؛ فهو ما يمكن أن نسميه (القالب اللغوي الذي يجمع بين الإيجاز والعطاء المتجدد ، من غير أن يحمل كل خصائص المثل ومقوماته ) ؛ وذلك مثل قولهم : " لألحقن حواقنه بذواقنه " ( )
وقولهم : لأرينه لمحا باصرا " ( )
وهما يضربان للتهديد ، ومعنى المثل الأول : ( لأفسدنه ) ، أو ( لأجعلنه لا يلتئم على نفسه )
ومعنى الثاني : ( ليعرفن مني ما لم يعرف )
وكذلك قولهم :
" فلان لا يعرف الحي من اللي "
قال العسكري :
" يقال ذلك للأحمق الذي لا يعرف شيئا "
ومنه - يعني من هذه التعابير – قولهم :
" حلف بالسمر والقمر " ( )
وكل هذه التعابير ليس فيها مقومات المثل ، من حيث المورد ولا من حيث إنه حكمة قصد بها التوجيه ، وإنما أخذ منه السيرورة واعتباره قالبا متجددا مسمى مثلا ، وهذا كثير عندهم .
وزن أفعل وثقافة القبائل والشعوب
[4] الأمثال التي على وزن أفعل :
ومنها ما هو مثل اصطلاحا ، وكثير منها لا ينطبق عليه مصطلح المثل ، وإن كانت سائرة كالحكم ، ولها مواضع تضرب فيها ؛ فالملاحظ أنها – تفتقر إلى المورد ، ويبدو أنهم اعتاضوا في موردها عن القصة أو الخرافة بالحس والتجربة واستشهاد الطباع والطبائع ، وانظر إلى قولهم :
" أخف من النسيم " ( )
تجد أنه لا يحتاج إلى قصة لمورده ، وإنما مورده ظاهر في أن طبيعة النسيم الخفة ، فهذه الأمثال تنسب إلى الأشياء أظهر ما فيها من طباع ، ثم تتجاوز ذلك إلى وصف غيرها بما هو أكثر مما فيها منها ، وذلك على سبيل المبالغة والتناهي ، لا على سبيل الحقيقة ، فليست العرب تقصد أن هناك ما هو أخف من النسيم أو أدق من الهباء ( ) ، أو أرفع من السماء ( ) ، أو أشام من البسوس ( ) ، ولكنها تطلق ( أفعل ) لتدل على المبالغة في وصف الذي أطلق عليه هذا التعبير بهذه الصفة ، فحين يقال :
" هذا الخبر أشهر من الشمس "
لا يراد لفظه ، فليس هناك أشهر من الشمس ، وإنما يراد وصفه بالشهرة المتناهية ، ولذلك عبر العسكري حين سرد هذا اللون من الأمثال بقوله : " الأمثال المضروبة في المبالغة والتناهي ( ) " ولو وقفنا قليلا أمام أمثال المبالغة نلاحظ :
أ - أنها تعبر عن تفاوت الناس في اعتبار " المثل الأعلى " لصفة بعينها – باعتبار أن هذه الأمثال لم تخرج من فم رجل واحد أو قبيلة واحدة أو حتى بلد واحد .
ولو أخذنا مثالا على ذلك الأمثال المضروبة في الشؤم – أعاذنا الله منه – لوجدنا أنها – على حسب رواية العسكري ستة عشر مثلا ، وهذا يعنى أن هناك تسعة عشر(مثلا أعلى ) للشؤم هي :
أحمر عاد ، والأخيل ، وبراقش ، والبسوس ، وخميرة ، وخوتعة ، وداحس ، ورغيف الحولاء وزحل ، وزرقاء ، والزماح ، والسراب ( والمقصود بها الناقة ) ( ) ، والشقراء ، وطويس ، وطير العراقيب ، وغراب البين ، وقاشر ، وقدار، ومنشم . ( )
ومن المقطوع به – تاريخا – والراجح جدا – عادة – ألا تكون هذه الأمثال قيلت من مصدر واحد ، وهذا يدل على أن مقياس الشؤم ومعارف القبائل ، وتاريخها ، وموقعها – كل ذلك أثر في اختيار " المثل الأعلى للشؤم " ؛ فالبعض اعتبره شخصا – ذكرا أو أنثى – ارتبط شؤمه بوقائع تاريخية بعينها : مثل البسوس التي كانت سببا في معـارك دامـت بـين بطون ( ربيعة ) – بل بين بني وائل خاصة أربعين سنة ( ) أو مثل " منشم " على رأى من قال إنها امرأة ( ) ، ومنهم الأصمعي – لأنها ارتبط عطرها بالرجال القاصدين الحرب بعهدهم أن يستميتوا في الحرب حتى الموت ، يعنى أن الذي يذهب إليها لا يعود . وعلى زعم أبى عمرو الشيباني لأنهم كانوا يشترون منها حنوط القتلى إذا ماتوا . وفي تفسير قصتها مزاعم أخرى .
- والبعض يرى ذلك المثل الأعلى في حيوان كان سببا في خسارة لنفسه أو لأصحابه : مثل ( الشقراء) وهي فرس لقيط بن زرارة – على حد رواية أبي عبيدة – أو لثور بن هدية بن لاطم – على حد رواية الكلبي ، وتتفق الروايات – على اختلافها – في معنى محدد ، وهو أن اعتزاز صاحبها بها كان سببا في إجهادها وإتعابها كل دهرها ( )
- ويذهب البعض مذهبا أكثر موضوعية في تصوره لهذا المثل الأعلى ، فلا يراه محدودا في كائن بعينه ، وإنما يراه في ( ظاهرة ) – أو ( كائن معبر عن ظاهرة ) – إن صح التعبير مثل :
• غراب البين : وذلك " لأنه إذا بان الحي للنجعة انتاب منازلهم يلتمس فيها شيئا يأكله فتشاءموا به ، لأنه يعتريها إلا إذا بانوا " ( )
ب – وإذا كان المبرر في اختلاف الناس حول ( الشؤم ) – وهو معنى – واسعا ، فإن المبرر في الحسيات أضيق ، ومع ذلك فالتعددية موجودة في أمثال الحسيات ؛ كالبصر ، والخفة ، والرقة ( الحسية ) والسرعة ، وقوة الشم ، والصغر ، والضيق ، والطول …. الخ .
فحسب جمع العسكري نلاحظ أن :
- البصر : له سبعة أمثال مختلفة ( )
- الخفة : لها ستة أمثال مختلفة ( غير خفة الرأس أو الحلم ) ( )
- الطول : له عشرة أمثال مختلفة ( غير طول الصحبة أو الذماء ) ( )
وسنتوقف عند الطول قليلا ، لنحاول استكشاف سبب الاختلاف ؛ فتلاحظ أن هذه الأمثال اختلفت باختلاف الأساس الذي بني عليه كل منهم ( مثله الأعلى ) في الطول :
- فالبعض نظر إليه نظرة حسية بحتة ؛ مثل الذي قال :(أطول من السكاك) ( ) وهو الهواء بين السماء و الأرض ، وليس يعرف العربي شيئا حسيا أطول من هذا .
وإذا كان هؤلاء صدروا فـي نظرتـهم الحسية صـدورا ( مكانيا ) فالذيـن اعتبروا ( الدهر ) مقياسا للطول – صدروا عن صدور ( زماني ) ، فقالوا : ( أطول من الدهر ) ( )
- بينما رأى آخرون – حين قدموا ( المقياس النفسي ) – إن صح التعبير – أن ( يوم الفراق ) أطول . فقالوا :
( أطول من يوم الفراق ) ( )
• والذي أهمهم – في نظرتهم النفسية – طعامهم وشرابهم ، قالوا :
( أطول من السنة الجدبة ) ( )
والدراسة المتأنية لهذه الأمثال ، وغيرها ، تحتاج إلى عناية خاصة ، ليس من شأن هذه المساحة تغطيتها ، وإنما أردت أن ألفت إلى شيء من أهميتها عسى أن تكون موضع دراسة مستقبلة إن شاء الله تعالى .
المثل والتركيب اللغوي
ولست أقصد بالتركيب اللغوي أن نقتحم دراسة ( فونيمية ) أو ( بنيوية ) على النحو الذي يصنعه المعمليون ، ودعاة البنية التحتية والدلالية ، وإنما أقصد ما هو أيسر من ذلك ، وهو لمس عناصر الإيجاز والدلالة في المثل العربي .
وقد نجد أمثلة كثيرة على هذه الناحية ، كما قد نفيد - بعض الفائدة – من الطرح الجيد الذي طرحه د . عابدين في كتابه عن ( الأمثال في النثر العربي القديم ) لكننا لا نطمح في هذه العجالة إلى درك المنتهى من البحث ، فحسبنا أن ندلل على كل جزئية بارزة بمثل .
1- التركيب الشرطي :
تكثر الأمثال التي تتخذ شكل الشرط ، وما يشبهه ، وهو أمر طبيعي للقول الذي يكتب له الخلود ، فهو يتسم بالعمومية الملائمة لهذا الخلود ، على أنه يلفتنا أن أمثال الشرط يغلب عليها الإيجاز والدلالة ؛ مثل :
( إذا عز أخـوك فهن )
( من حقـر حــرم )
( من عـز بـــز )
( سمن كلبك يأكـلك )
2- استخدام ( رب ) :
وهو طريق في التعبير مناسب أيضا لعموم الداخلين في الحكم أو القيمة التي يطرحها المثل ، ولو توقفنا مع الأمثال التي استخدمت فيها ( رب ) ، فستلاحظ أن هذا التركيب في المثل يوحي بأحد المعاني الآتية :
أ – تحذير من أمر قد لا يدرك عواقبه ، مثل :
"رب أكلة تمنع أكلات"
قال العسكري : " يضرب مثلا للخصلة من الخير تنال على وجه الصواب ، فتكون سببا في منع أمثالها " … وقال ابن العلاف :
كم أكلة خالطت حشا شره فأخرجت روحه من الجسد ( )
ب – تنبيه إلى حقائق تغيب عن بعض الأذهان لدقتها ؛ مثل :
" رب أخ لك لم تلده أمك " ( )
و" رب سامع بخبري لم يسمع عذري "
ت ـ توجيه تربوي إلى محاسن أشياء لا يدرك محاسنها غير المتأمل ؛ مثل :
" رب عجلة تهب ريثا " ( )
و" رب قول أنفذ من صول " ( )
ث – تعجب من أمور عجيبة أو منكرة ؛ مثل :
" رب ساع لقاعد " ( )
أو " رب فروقه يدعى ليثا " ( )
والفروقة : الشديد الخوف
3-استخدام ( أفعل )
وقد مر بنا أمثلة مركزة في دلالاته .
4- المثل العربي والمجاز :
المجاز شيء أصيل في اللغات ، والأمثال خاصـة مستودع هذا المجاز، والناظر في أمثال ( العهد القديم ) يرى أنها شخصت كثيرا من الموجودات بصورة فذة ، نقرأ في سفر أشعيا : ( )
" هل تفتخر الفاس على القاطع بها ؟ ، أو يتكبر المنشار على مردده " .
وهذا التشخيص تجده في أمثال العربية بارزا ، ولكنه أقرب إلأى تشخيص الأحوال ، وهو أمر فلعل الذي يسمع المثل القاتل :
" عنز استتيست "
وهو يصور – بإيجاز شديد – حال الرجل " المهين يصير نبيلا – أي كان عنزا فصار تيسا ، ومثل قول الشاعر :
أعجبت أن ركب ابن حزم بغلة فركوبه ظـهر المـنابر أعجـب
جعل ابن حزم حاجبيـن لبابه سبحان من جعل ابن حزم يحجب " ( )
وانظر أيضا إلى ما يثيره المثل :
" بين حاذف وقاذف "
من تصوير لهيئة رجل منحوس قلق ، لا يخرج من هم إلا إلى مثله ، تتعاقبه ألوان الهموم ، وصروف البلايا ، قال العسكري :
" القاذف بالحجر ، والحاذف بالعصا " ( )
وقد يتعجب المثل من حالة فكرية عوجاء ؛ كحال الذي " يقيس الملائكة إلى الحدادين"( )
والحدادون : السجانون
وانظر إلى الهوة بين الكبار والصغار ، وبين أهل الخير وأهل الشر 0
وثمة أمثال تقدر على تصوير الواقد تصويرا ( صوتيا ) – إن صح التعبير – : لأنه لا يعتمد على إدراك المعنى الجزئي بقدر اعتماده على سماع لفظ المثل ؛ واسمع مثلا :
" بعد الهياط والمياط " ( )
" وقع حيص بيص " ( )
وأظن أنه سيغنيك سماعه عن فهم معناه .
5- المثل بين اللغويين والنحاة :
إيجاز المثل وبعد مرماه ، وصعوبة التعرف على مورده أحيانا ، وعلى لغة قائله أحيانا أخرى ، كل ذلك جعله عرضة لأهل النحو واللغة ، وثروة أعانت على تشقيق الكثير من القواعد ، ووضع الكثير من الاستثناءات من القواعد العامة ؛ وإليك بعض الأمثلة :
أ – ( تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) ( )
شاهد عندهم على الإسناد إلى الفعل معروف ، والقاعدة النحوية مؤداها – اضطرادا – أن المسند إليه يشترط أن يكون اسما ، وجعله شارح الكافية شاهدا على جواز إضمار (أن) المصدرية بغير عمل كثيرا ( )0
وقد تكلم ابن هشام في شرحه لشذور الذهب على اختلاف الرواية ، والتقدير فيه بشيء من الإفاضة . ( )
ومثله في هذا الموضوع :
" خذ اللص قبل يأخذك " ( )
فقد استشهد به ابن مالك على جواز إضمار ( أن ) ( ) ، وتابعه السيوطي في إعراب المسند ( ) ، وإن كان الأبشيهي قد جعله من أمثال العامة والمولدين منفرداً بذلك ، دون أن يبرره ( ) .
ب – ( عسى الغوير أبؤسا ) ( )
فيكاد النحاة يتفقون على أن ( أبؤسا ) هي خبر لكان المحذوفة ، والتقدير : ( .. أن يكون أبؤسا ) ، وهو صريح قول المبرد ( ) . وقال سيبويه : " جعلوا عسى بمنزلة كان " ( ) أما السهيلي – وهو نحوي دقيق الفهم – فهو يذهب مذهبا مـؤداه أنهـم جـعلوا عسى بمنزلة ( صار) ، وأصل هذا في رأيه أن ( الزباء ) – مصدر المثل – " حين تكلمت بعسى ، ثم أدركها اليقين ؛ فقالت : " عسى الغوير " – وهي متوقعة شرا ، ثم غلب على ظنها الشر ، فختمت الكلام بحكم ما غلب على ظنها ، لا بحكم ( عسى ) ، لأن ( عسى ) لا يكون خبرها اسما غير حدث ، فكأنها قالت : صار الغوير أبؤسا ) ( ) " 0 وهو هنا يدخل المثل في دائرة الإضراب – كما هو مفهوم من سياق الموضوع عموما - ويؤكد هذا المفهوم الذي ذهب إليه السهيلي نحوي آخر هو ابن الطراوة ، إذ يقول بعد أن ذكر مثلما قال السهيلي : " … وهذا التحول في المقام الواحد من حال إلى حال في كلام العرب واستعمال العامة أكثر من أن يخص وأعم وأشهر من أن يشهر و ينمي " ( )
وكثيرا ما وقف النحاة أمام الشواهد النثرية من المثل خاصة ، ليثري بحثهم النحوي بالمفيد ، بل والغريب أحيانا على نحو ما مر بنا في كلام السهيلي وابن الطراوة السابق ، ولعل وجود نحو خمسين مثلا في كتاب سيبويه – وهو أقدم كتاب وصل إلينا في النحو - يدل على مدى اهتمام النحاة بهذه الظاهرة .
أما اللغويون فقد وجدوا في المثل ضالتهم المنشودة ، إذ يتسم المثل في كثير من الأحيان بما يمكن أن يسمي ( جاهلية الألفاظ ) ، بل ربما ظهرت فيه عناصر خاصة بقبائل بعينها ، من حيث سمات اللهجة ، صوتيا ، وصرفيا ، ولغويا . وحينما نعلم أن حرفا واحدا من حروف معجم ( العباب ) للصنعاني – وهو حرف الفاء وحده قد احتوى - حسب فهرسة الشيخ محمد حسن آل ياسين – على أكثر من سبعين شاهدا ، فهذا دليل على مدى اعتناء هؤلاء اللغويين بالمثل شاهدا لغويا ( ) ، فمن أمثلة ذلك استشهادهم بالمثل :
آبل من حنيف الحناتم "
على أنه جاء اسم التفصيل من غير فعل أصلا ، قال الرضي في شرح الكافيه :
" لم يستعمل منه فعل ، على ما قال سيبويه ، وقال الجوهري : أبل يأبل إبالة … : إذا قام بمصلحة الإبل " ( )
فأنت ترى أن هذا المثل يثير نشاطا لغويا على محورين مختلفين :
الأول : تنظيري يحاول إعمال القاعدة العامة ، ونسبة الشذوذ إليه .
والثاني : ميداني يحاول البحث عن أصول لغوية تسمح بإدراج المثل تحت القاعدة العامة .
ولعله من أجل هذا اطلعنا على اهتمام كبير للغويين منذ عهود مبكرة بالمثل – جمعا ، وتصنيفا ، وشرحا ، ودراسة وتوجيها . وهو الأمر الذي لن يتسع له المقام الآن ، وربما كان لدراسته مجال آخر إن شاء الله .
لعل هذه المقالة تكون فاتحة لمناقشة أو فائدة .
المصادر و المراجع :
- الأمثال في النثر العربي القديم مع مقارنتها بنظائرها في الآداب السامية 0 د0 عبد المجيد عابدين . الطبعة الأولى دار مصر للطباعة .
- جمهرة الأمثال : لأبى هلال العسكري . تحقيق د0 أحمد عبد السلام و محمد سعيد بن بسيوني زغلول 0 ط / دار الكتب العلمية – بيروت . الطبعة الأولى 1408 هـ.
- الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة : للإمام حمزة بن الحسن الأصبهاني . تحقيق عبد المجيد قطامش ط / دار المعارف بمصر .
- شواهد التوضيح والتصحيح في حل مشكلات الصحيح : لابن مالك . تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
- عقود الزبرجد في إعراب المسند : جلال الدين السيوطي . تحقيق د0 سلمان القضاة .
ط / دار الجيل – بيروت 1414 ه ـ 1994 م .
- قاموس الكتاب المقدس : صدر عن مجمع الكنائس في الشرق . الطبعة الثانية – بيروت 1971 .
- الكتاب : لسيبويه . تحقيق عبد السلام هارون . الطبعة الثالثة 1408 هـ – 1988 م . ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
- الكتاب المقدس . ط / دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط .
- كشاف اصطلاحات الفنون : للتهانوي . ط / الهيئة المصرية للكتاب .
- مجمع الأمثال . للميداني – ط/ فؤاد بيبان وشركاه بيروت 1962
- المستقصى في أمثال العرب : للزمخشري . الطبعة الثالثة 1407 هـ 1987 م
ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
- المسند : للإمام أحمد بن حنبل . الطبعة الخامسة 1405 ه ـ 1985 ط / المكتب الإسلامي بيروت .
- معجم مقاييس اللغة : لأبى الحسين أحمد بن فارس . تحقيق عبد السلام هارون . ط / مطبعة مصطفىالحلبي بمصر (الطبعة الثانية) 1389 هـ – 1969.
- مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب : لابن هشام . تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد
ط/مطبعة المدني القاهرة.
- المقتضب : لأبى العباس المبرد . تحقيق د / محمد عبد الخالق عضيمة . ط / المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – وزارة الأوقاف بمصر 1415 ه ـ 1994 م .
- نتائج الفكر : للسهيلي . تحقيق إبراهيم مهنا . ط / دار الاعتصام – القاهرة0
- اليهودية : د/ أحمد شلبي . ط / مكتبة النهضة المصرية .