أبوحاتم
07-04-03, 04:08 PM
رد خبر الواحد بما يسمى بـ ( الانقطاع الباطن )
حقيقته ، وحكمه وأثره في الفقه الإسلامي
د. ترحيب بن ربيعان الدوسري
الاأستاذ المساعد- بقسم أصول الفقه - كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
ملخص بحث
فكرة البحث ونتائجه :
ذكرت فيه : أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن ، به تضبط الاستنباطات ، والمآخذ الفقهيات ، وهو سياج عن الزلل والخطأ والخلل في التفقه في الدين ، وبالتمكن فيه يسهل الترجيح بين الأقوال والمذاهب الفقهية .
عرفت في البحث الخبر لغة واصطلاحاً وذكرت أقسامه ، وما يفيده كل قسم من العلم أو الظن وذكرت منزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها ، وبينت ما يرد به خبر الواحد عند الحنفية بما يسمونه بالانقطاع الباطن وذكرت اقسامه الأربعة ذاكراً أدلتهم في ردهم لخبر الواحد في كل قسم مبيناً الحق فيها مع ذكر الأمثلة التطبيقية في كل قسم من المسائل الفقهية مع ذكر حجج كُلٍّ في كل مسألة فيما يتعلق بهذا المأخذ ، مخرجاً أقوال الإمام أبي حنيفة في كل مسألة فقهية بما يتفق مع أصوله وأصول بقية الأئمة الثلاثة و المنقولة عنه وعنهم نقلاً لا مجال في الشك فيه من تقديم السنة على الرأي .
وقد توصلت إلى نتائج هامة جداً أهمها :
1-أن هذه المسائل دخيلة على علم أصول الفقه بل صلتها وثيقة بمباحث علم العقيدة .
2-لا خلاف بين أحد من علماء الأمة –لا سيما الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المعتبرين ومنهم الأئمة الأربعة – في وجوب الاحتجاج بالسنة ، معتبرينها صنو القرآن الكريم في التشريع العلمي والعملي .
3- أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى يرون حجية خبر الواحد مطلقاً وأنه يفيد العلم والعمل معاً خلافاً لمن شذ عن طريقهم ممن نَسَبَ نفسه إليهم .
4- أن الطعن في خبر الواحد الصحيح بما يسمى بالانقطاع الباطن لدليل معارض قول مخترع اخترعه عيسى بن أبان ثم تبعه على ذلك أبو زيد الدبوسي ثم تتابع على القول به كثير من علماء الحنفية كالبزدوي والنسفي وعبدالعزيز البخاري حتى أصبح هذا القول أصلاً من أصول الحنفية .
5- لم يَثْبُتْ بناء أي مسألة من المسائل الفقهية على تلك القواعد ، كما لم يثبت عن الإمام أبي حنيفة القول بها .
* * *
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين وعلى من اتبع أثره واستن بسنته إلى يوم الدين . وبعد :
أهمية الموضوع :
فإن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن ، به تضبط الاستنباطات ، والمآخذ الفقهية . وهو سياج عظيم لمن أراد التفقه في الدين من الزلل والخطأ و الخطل. وبالتمكن فيه يسهل الترجيح في المسائل الفقهية المختلف فيها بين أئمة الفقه لإحاطته بالقواعد الأصولية التي بنى الفقهاء والعلماء عليها فقههم ؛ وكلما ازداد رسوخاً في علم أصول الفقه استطاع اختيار القول الراجح بسهولة ويسر مع اطمئنان إلى ما يذهب إليه . إلا أن هذا العلم دخله ما ليس منه – كما دخل غيره من فنون العلم الأخرى – فأذهب بريقه وصفاءه في كثير من مسائله مما يوجب على الباحثين فيه التحري والتحقق من صحة تلك الأصول وتلك القواعد والتأكد من عدم معارضتها لقواعد الشريعة الكلية أو الجزئية .
وقد أوضح فضيلة الدكتور محمد العروسي عبدالقادركثيراً من تلك المسائل التي أدخلت في مباحث أصول الفقه وليست منه ، مبيناً أنها مبنيةٌ على مسائل عقدية منحرفة ، فقال :- ( ولما تصدى هؤلاء المتكلمون للكتابة في أصول الفقه، لم يكتفوا أن خلطوها بعلم الكلام ومقدماته ، بل أدخلوا فيها أموراً افتراضية كتعارض خبرين ثابتين عن النبي r، وكتخصيص عموم الكتاب للسنة، وكجواب الرسول r للسائل بجواب أخص من سؤاله ، وكتمثيلهم في مسألة تكليف ما لا يطاق بالمستحيل لغيره وزعمهم أنه واقع في الشريعة . وكل هذه المسائل لا وقوع لها في الشريعة .
ثم إن المتكلمين يرون أن علم الكلام أساس في معرفة الأصول ، بل قد يفهم من ثنايا كلام القاضي أنه يرى أن التبحر في فن الكلام شرط في استجماع أوصاف المجتهدين ...
لأن كثيراً من هؤلاء الفقهاء أدخلوا فيما كتبوه عن الأصول شيئاً من أصول الأشعري وشيئاً من أصول الكلامية ، فكان حكمهم في الأشياء بحسب معتقداتهم وتصوراتهم لا بحسب الواقع الذي يشهد له الكتاب و السنة ….)([1])
وقال :- أيضاً – ( وقرر القاضي مسائل الأصول وبناها على مذهب أبي الحسن الأشعري – رحمه الله – فإنه كان يذهب مذهبه في القدر والصفات والكلام ، وينافح عنه .
ولما كان بعض مسائل أصول الفقه تشترك مع بعض مسائل أصول الدين ، كمسائل الأخبار ، وحجية المتواتر ، وأخبار الآحاد ، ووقوع النسخ ، ومسائل التكليف ، كالأمر بالشيء والنهي عنه هل يقتضي الأمر والنهي عن ضدهما ؟ والخلاف في جواز كون الأمر مشروطاً ببقاء المأمور على صفات التكليف ، وهل الأمر بالفعل يتعلق به حال حدوثه ؟ ومسألة الاستطاعة ، ومسألة تكليف ما لا يطاق ، والمسائل المتعلقة بالإكراه وغيرها من مسائل الإجماع والقياس والاجتهاد .
وأما حجية الإجماع والكلام في صحته وإثباته فمن مسائل علم الكلام ، ولما كان الأمر كذلك ، استطاع كثير ممن شارك في علم الكلام أو كتب فيه أن يكتب في أصول الفقه ؛ لأنه الميدان الذي ظهر فيه أراء المعتزلة ؛ ولأنه الفن الذي يمكن فيه تقرير مذهب أبي الحسن الأشعري أو مذهب غيره ….
ثم تتابع الأصوليون من المتكلمين أو المنتسبون إليهم كالقاضي البيضاوي وابن الحاجب والإسنوي– وفي عصر هؤلاء – وقبله بقليل ظهرت نزعة الكلام في أصول الحنفية ويتضح ذلك في كتابات شراح البزدوي والمنتخب للأخسيكثي ، ناهيك عن المتأخرين منهم كالنسفي حافظ الدين وابن الهمام . وهؤلاء المتكلمون من الأصوليين منهم من كتب وألف في الأصلين ، ومن له تأليف في أصول الدين وشرح لأحد كتب أصول الفقه ) ([2]).
ومن هذه المسائل التي حُشر بحثها في علم أصول الفقه وليست منه مقررة على خلاف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين ، وعلى خلاف من ينتسب إليه مقرروها ألا وهو مذهب الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – مسألة الانقطاع الباطن في أخبار الآحاد .
سبب اختيار الموضوع :-
لقد دفعني للكتابــة في هذه المســألة غير ما سبق أمورٌ أجمل أهمها فيما يأتي :-
1-توضيح هذه المسألة وبيان تعلقها بمسائل عقدية خطيرة خالف بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة الفقهية فيها أئمتهم .
2-توضيح رأي الأئمة الأربعة ولا سيما رأي أبي حنيفة في هذه المسألة .
3-نصرة الحق وتنقيته مما شابه من باطل .
4-كثرة ما ترتب على القول بها من مسائل فقهية مخالفة للأدلة الشرعية .
5-تبرئة أعلام الحنفية من القول بها وتبيين أن قائلها الأول ليس منهم ، وإن كان قد تبنى القول بها فيما بعد كثير من المنتسبين إلى أبي حنيفة .
6-ترغيب طلاب العلم في تعلم أصول الفقه على طريقة أهل السنة والجماعة حقاً (أهل الحديث والأثر) وذلك بالرجوع إلى أقوال الأئمة المعتبرين أمثال الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والبخاري ومسلم وابن قتيبة والسمعاني وابن عبدالبر وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومن سار على طريقتهم واقتفى أثرهم ، وفي الوقت نفسه تحذيرهم عن سلوك طريق المتكلمين من معتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم .
7-تشجيع طلاب العلم ممن هو متمكن في علم أصل الأصول : العقيدة ، وعلم أصول الفقه للكتابة في المسائل التي اختلط فيها الحابل بالنابل ، والحق بالباطل لتمييزها ، وتوضيحها ، وتنقيتها مما علق بها من شوائب باطل المتكلمين وبعض المنتسبين إلى مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - ممن أصبح فيما بعد يُعد من فقهاء الحنفية .
8- جدة الموضوع فإني لا أعلم أن أحداً من الباحثين أفردها ببحث مستقل.
خطة البحث :-
قسمت البحث إلى مقدمة اشتملت على أهمية الموضوع ، وسبب اختياره ، وخطة البحث ، ومنهجي فيه ، وإلى ستة مباحث على النحو التالي :-
المبحث الأول :- في تعريف الخبر ، وذكر أقسامه .
المبحث الثاني :- في بيان منـزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها وفيه مطلبان :-
المطلب الأول : في بيان منزلة السنة عند الشارع . وفيه أربع مسائل :-
المسألة الأولى :- في منزلة السنة في كتاب الله .
المسألة الثانية :- في منزلة السنة في السنة .
المسألة الثالثة :- في دلالة الإجماع على منزلة السنة .
المسألة الرابعة :- في دلالة المعقول على منزلة السنة .
المطلب الثاني : في بيان منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها .
وفيه ثلاث مسائل :
المسألة الأولى :- في منزلة السنة عند الصحابة .
المسألة الثانية :- في منزلة السنة عند التابعين .
المسألة الثالثة :- في منـزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى:- وفيها فقرتان .
الفقرة الأولى : في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص
الفقرة الثانية : في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة .
المبحث الثالث :- في إفادة خبر الواحد العلم .
المبحث الرابع : في المشهور عند الحنفية .
المبحث الخامس :- في تحرير موطن النزاع وذلك ببيان ما المراد بالانقطاع
الباطن ، وذكر أقسامه وأنواع كل قسم .
المبحث السادس :- في أوجه انقطاع خبر الواحد الباطن لدليل معارض من
القسم الأول . وفيه أربعة مطالب :-
المطلب الأول :في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً لكتاب الله تعالى .وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
المطلب الثاني : في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً للسنة المشهورة .وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
المطلب الثالث :- في رد خبر الواحد لكونه حديثا شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته .وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
المطلب الرابع :- في انقطاع خبر الواحد لكونه حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول. وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
منهجي في البحث
سرت في البحث على النهج الآتي :-
1-عرفت بالمصطلحات العلمية ذات العلاقة بالموضوع ، والكلمات الغريبة .
2-عزوت الآيات القرآنية إلى مواطنها من كتاب الله وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.
3-خرجت الأحاديث من مظانها مبيناً حكم العلماء عليها من حيث الصحة أو عدمها .
4-خرجت الآثار من مظانها .
5-حررت المسألة المبحوثة معتمداً في نسبة الأقوال إلى قائليها والمذاهب إلى أصحابها على الكتب الأصلية والمصادر القديمة .
6-ذكرت في المسائل الأربع أدلة المذاهب المختلفة ، واعتراضات كلٍ .
7-أبرزت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة في تلك المسألة لكونهم القدوة.
8-وثقت المسائل الفقهية من مصادرها المعتبرة .
وختاماً فقد اجتهدت فيما كتبت قدر استطاعتي متوخياً فيه الحق والصواب فإن كنت وفقت إليه فبفضل الله وحده أولاً و آخراً وإن كانت الأخرى فأستغفر الله وأتوب إليه .
هذا .. وقد سميت هذا البحث : بـ ( رد خبر الواحد بما يسمى بالانقطاع الباطن ؛ حقيقته ، وحكمه ، وأثره في الفقه الإسلامي ) .
وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
المبحث الأول : في تعريف الخبر وذكر أقسامه
الخبر في اللغة([3]) هو :- واحد الأخبار . والخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر. وخبره بكذا ، وأخبره : نبأه . و استخبره : سأله عن الخبر وطلب أن يخبره .
وفي الاصطلاح([4]) :- هو الكلام المحتمل للصدق والكذب لذاته .
و المراد بالخبر في هذا البحث: هو الخبر المنقـول عن الشارع ، وهو قسمان :- متواتر وآحاد.
و المتواتر لغة([5]) :- مأخوذ من التواتر وهو التتابع بين أشياء بينها مهلة .
واصطلاحاً([6]) :- خبر عددٍ يمتنع معه لكثرته تواطؤٌ على كذبٍ عن محسوسٍ أو خبرُ عددٍ عن عددٍ كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس .
والمتواتر يفيد العلم الضروري اليقيني عند جمهور العلماء ([7]) خلافاً للكعبي وأبي الحسين البصري المعتزلي وأبي الخطاب والجويني والدقاق الشافعي وغيرهم حيث قالوا إنه يفيد العلم النظري .
وأما الآحــاد فهـو في اللغة([8]) : جمع أحدٍ ، وهمزته مبدلة من الواو فأصل أحد: وحد .
واصطلاحاً([9]) :- هو ما لم يتواتر .
وهذا التعريف يشمل الخبر الصحيح وغيره ، إلا أن المراد هنا بخبر الآحاد أو الواحد :- هو الخبر الصحيح المروي عن رسول الله r بعدد من الرواة لا يبلغ عددهم حد التواتر .
وأما الحديث عمَّا يفيده خبر الواحد فسيأتي في موطنه – إن شاء الله – .
المبحث الثاني : في منـزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها.
وفيه مطلبان :
المطلب الأول: في منـزلة السنة عند الشارع . وفيه أربع مسائل :-
المسألة الأولى : في منزلة السنة في كتاب الله .
للسنة منزلة عظيمة عند الله وعند رسوله r فهي وحي من الله لرسوله كالقرآن إلا أن الفرق بينها وبين القرآن أن القرآن لفظه ومعناه من الله ، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله r .
وهي مصدر للتشريع ككتاب الله. فالقرآن هو الأصل الذي حوى القواعد الكلية الأساسية من أمور العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات وغيرها ، والسنة هي البيان الحقيقي والشرح الدقيق لما أُحتيِجَ فيه من القرآن إلى تبيين .
فمن رام العمل بالقرآن وحده دون الرجوع إلى السنة - ولا سيما السنة الآحادية لكثرتها وقلة أو ندرة المتواتر منها - فقد كذب ، بل هو - في الحقيقة - منسلخ من الإسلام ساعٍ في هدمه ، مستهزئ به وبأهله .
وقد دل على حجية السنة - متواترها وآحادها ، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع ،وأن الواجب على من انتسب إلى الإسلام والإيمان وجوب الرجوع إليها في كل شيء - الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة ، والعقل الصريح ، والنظر الصحيح .
ولقد جاءت آيات كثيرات تدل بدلالات مختلفة ومتنوعة على أن السنة وحي من الله يجب على المكلفين اتباعها والرجوع إليها ، وليس لأحد الخيرة في تركها أو الإعراض عنها .
من ذلك :-
قولـه تعالى :- ) وما ينطــق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ( (النجم 3 ،4) فهذه الآية عامة في جميع ما ينطق به النبي r .
قال ابن حزم([10]) –رحمه الله - :- ( فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله r على قسمين :-
أحدهما :- وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن .
والثاني :- وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول الله r وهذا القسم هو المبين عن الله عز وجل مراده منا . قال تعالى :-) لتبين للناس ما نزل إليهم ( (النحل 44) ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى :) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ( (التغابن 12) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها ، وهي قوله تعالى :-) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ( (النساء 59) فهذا أصل ، وهو القرآن .
ثم قال تعالى :-) وأطيعوا الرسول ( (النساء 59) فهذا ثانٍ وهو الخبر عن رسول الله r ، ثم قال تعالى :-) وأولي الأمر منكم ( (النساء 59) فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله r حكمه ، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجـوع إليهــما عند التـنازع ، قال تعالى :-) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ( (النساء 59) .
قال علي :- والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله r ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنِّة والناس كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله r ، وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا ولا فرق، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله r ...
والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض ، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى ، وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما لما قدمناه آنفاً في صدر هذا الباب ) انتهى كلامه مختصراً .
المسألة الثانية : في منزلة السنة في السنة النبوية .
كما دل الكتاب الكريم على حجية السنة ووجوب العمل بها والانقياد لها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ، وعدم رد شيء منها ، فقد دلت السنة النبوية على ذلك كله . من ذلك :-
أ-قوله r :- ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قالوا يا رسول الله: ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) ([11]) .
ب-قوله r :- (… فمن أطاع محمداً r فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً r فقد عصى الله ، ومحمد فَرَّقَ بين الناس ) ([12]).
ج-قوله r :- ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) ([13]) .
د-قوله r :- ( أوصيكم بتقوى الله تعالى ، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعةٍ ضلالة ) ([14]) .
هـ-قوله r :- ( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ ، وإني أنا النذير العُريان ، فالنجاء ، فأطاعة طائفة من قومه فادلجوا ، فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذَّب بما جئت به من الحق) ([15]).
وهذه الأحاديث السابقة وغيرها تدل على ما دلت عليه الآيات الكريمات السابقات من وجوب طاعة الرسول وأن طاعته من طاعة الله وأنه لا يمكن للعبد أن يطيع ربه من غير طاعة نبيه وأن في طاعته النجاء وفي معصيته الخسران المبين في الدنيا والآخرة ، وأن سنته r باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأنها لا تفترق عن كتاب الله حتى يردا على رسول الله حوضه ، وأن الضلال والانحراف والابتداع هو ترك سنته وهديه ، وأن دعوى من يقول بعدم حجية السنة إنما هي من البدع والاختلافات والضلالات التي حذرنا منها رسول الله r .
وإن من أصرح الأحاديث الدالة على حجية السنة ، وضرورة التمسك بها – غير ما سبق – قوله r :-
و-( من رغب عن سنتي فليس مني ) ([16]) فمن كان لديه عقل أودين كفاه هذا فضلاً عما ذكر من الآيات والأحاديث وما سَيُذكر .
ز-قوله r :- ( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ، فرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه . ثلاثُ لا يَغِلُّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) ([17]) .
قال الإمام الشافعي([18]) :- ( فلما ندب رسول الله صلى الله عليه إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرَأً يؤديها ، والامرءُ واحد : دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّي إليه ، لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ ، وحرام يُجتنب ، وحدٌّ يقام ، ومال يؤخذ ويعطى ، ونصيحة في دين ودنيا ) .
المسألة الثالثة : في دلالة الإجماع على منزلة السنة النبوية .
قال الشوكاني([19]) :- ( اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ….والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام ) .
المسألة الرابعة : في دلالة المعقول على منزلة السنة النبوية .
قال الدكتور عبدالكريم زيدان([20]) :- ( ثبت بالدليل القاطع : أن محمداً r رسول الله ، ومعنى الرسول : هو المبلغ من الله ، ومقتضى الإيمان برسالته : لزوم طاعته ، والانقياد لحكمه ، وقبول ما يأتي به ، وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى . ولا تتصـور طاعـة الله والانقيـاد إلى حكمـه ، مع المخالفة لرسوله r ) .
المطلب الثاني : في منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها .
وفيه ثلاث مسائل :-
المسألة الأولى :- في منزلة السنة عند الصحابة رضي الله عنهم .
لقد كان للسنة النبوية في صدور سلفنا الصالح وأئمتنا منزلة عظيمة جداً فقد كان لها من الحب والاحترام والتقدير ما يهون معه كل شيء ، بل كانوا يرون أن الهدى في الاعتصام بها والتمسك والعمل بها في كل شيء هو دليل التقوى ، وقد تنوع ذلك الحب بين عمل بها وقول يحض ويدعو إلى توقيرها ، والعمل بها ، وحفظها ، وضبطها ، ونشرها ، وهجر لمن أعرض عنها، وتحذير عن هجرها وترك لها .
ولم يكن أحد أكثر حباً لسنة المصطفى والعمل بها والحض عليها والتمسك بها والتحذير من مخالفتها من الصحابة رضي الله عنهم فقد أشتهر عنهم ذلك شهرةً لا تخفى على أحدٍ ، وتواتر عنهم تواتراً لا يُدفع في مواقف كثيرة جداً فاقت العد والحصر .
ولكثرة ما تواتر عنهم في هذا المجال فإني سأكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي تفي بالمراد ، فمن ذلك :-
1- قول أبي بكر الصديق([21]) –رضي الله عنه- : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله r يعمل به ، إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ .
2-قول عمر بن الخطاب([22]) – رضي الله عنه – في تقبيله للحجر الأسود: إنك حجـر لا تنفع ولا تضر ؛ ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلتك .
3-قول علي([23]) رضي الله عنه :- إلا إني لست بنبي ، ولا يوحى إلي ؛ ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد r ما استطعت ([24]) .
المسألة الثانية :- في منزلة السنة عند التابعين .
لقد ربى الصحابة رضي الله عنهم التابعين على حب السنة والعمل بها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ونشرها بين الناس ودعوتهم للعمل بها والتحذير من مخالفتها ومجانبتها فنقل عن التابعين من الآثار الدالة على ذلك كما نقل عن أساتذتهم رضي الله عنهم أجمعين . فمن ذلك :-
1-قول قتادة بن دعامة ( ت 117هـ)([25]) :- والله ما رغب أحد عن سنة نبيه r إلا هلك . فعليكم بالسنة وإياكم والبدعة .
2-قول محمد بن مسلم الزهري(ت 124هـ) ([26]) :- كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ، والعلم يقبض سريعاً ([27]) .
المسألة الثالثة :- في منـزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، وفيها فقرتان : -
الفقرة الأولى :- في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص :-
لقد سار أعلام الهدى من علماء الأمة من بعد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان على طريق سلفهم الصالح من الاحتجاج بالسنة وتقديرها وتوقيرها والرجوع إليها في كل صغيرٍ وكبيرٍ والتحذير عن مجانبتها أو مخالفتها أو تركها أو التقدم عليها وبين يديها ، وقد أُثر عنهم كما أُثر عن سلفهم من الأقوال الدالة على ذلك - وهي كثيرة جداً - إلا أني سأقتصر على بعضها مبتدئياً بذكر أقوال الأئمة الأربعة ؛ لإمامتهم ، وشهرتهم ، ومكانتهم عند عامة الأمة ، ثم أذكر أقوال بعض العلماء من عصرهم ومن غيره - من غير استقراء- للدلالة على أن هذا الموقف هو موقف أهل العلم جيلاً بعد جيل .
فمما جاء عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ما يأتي :-
أولاً :- أقوال الإمام أبي حنيفة ( ت150هـ) رحمه الله في ذلك :-
1-إذا صح الحديث فهو مذهبي ([28]) .
2-دخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة ، والحديث يقرأ عنده ، فقال الرجل : دعونا من هذه الأحاديث . فزجره أبو حنيفة أشد الزجر، وقال له : لو لا السنة ما فهم أحد منا القرآن ([29]) .
ثانياً :-أقوال الإمام مالك (ت 179هـ) رحمه الله في ذلك : -
ما من أحدٍ إلا و مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله r ([30]).
ثالثاً :-أقوال الإمام الشافعي (ت 204هـ ) رحمه الله تعالى في ذلك :-
1-ليس في سنه الرسول الله r إلا اتباعها([31]).
2-كل حديث عن النبي r فهو قولي وإن لم تسمعوه مني([32]) .
رابعاً :-أقوال الإمام أحمد (ت 241هـ ) رحمه الله في ذلك :-
من رد حديث رسول الله r فهو على شفا هلكة([33]) .
الفقرة الثانية :- في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة :-
لقد سبق حكاية الإجماع على حجية السنة ، وأن العلماء سلفاً وخلفاً متفقون على وجوب الاحتجاج بالسنة وتوقيرها واحترامها والذب عنها والاجتهاد في نشرها وتعليمها للعامة والخاصة ، وأنها صنو القرآن في التشريع ؛ لأنها وحي من عند الله سبحانه وتعالى ، وفي هذه الفقرة سأذكر بعض النقول عن بعض الأئمة-لعدم إمكانية الحصر ، ولأن المراد التمثيل - للدلالة على منزلة السنة ومكانتها عند سائر علماء الأمة فمن ذلك :-
قول الحسن بن علي البربهاري (ت 329هـ):- إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها ، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله r فاتهمه على الإسلام ، فإنه رديء المذهب و القول …. القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن([34]) .
المبحث الثالث : في إفادة خبر الواحد العلم
تبين من النقول السابقة عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة المرضيين احتجاجهم بالسنة مطلقاً وعدم التمييز بينها ، وعدم تقسيمها - كما أُحْدِث فيما بعد – إلى : متواتر وآحاد .
حيث إن الجميع عند أئمة الهدى والتقى سنةٌ واجب اتباعها وقبولها مع ضرورة الانقياد لها لكونها وحياً من الله وما كان كذلك وجب قبوله واعتقاده والعمل به سواء كان في العلميات أو العمليات.
ويكفي العاقل المنصف أن يقنع بما ذُكِر من النقول عن علماء الأمة على قبولها والعمل بها والانقياد لها ، و بما نقله العلماء الربانيون من اتفاق السلف وأئمة الدنيا على العمل بالسنة متواترها وآحادها لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات .
قال الإمام الشافعي([35]) –رحمه الله - :-( وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث، يكفي بعض هذا منها . ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل . وقد حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان ….
ومحدِّثي الناس وأعلامهم بالأمصار : كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله ، والانتهاء إليه ، والإفتاء به . ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه ، ويقبله عنه من تحته .
ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة : أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه ، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي ) انتهى باختصار .
وقال([36]) –أيضاً- : ( لم أسمع أحداً -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم– يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله r ،والتسليم لحكمه.بأن الله عز وجل لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه . وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله أو سنة رسوله r . وأن ما سواهما تبع لهما. وأن فرض الله علينا وعلى الناس من بعدنا وقبلنا ، في قبول الخبر عن رسول الله r : واحدٌ. لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله r إلا فرقةٌ ، سأصف قولها إن شاء الله تعالى ) .
قال شـيخ الإسلام ابن تيمية([37]) : ( وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه لكن تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له ،….، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد من الأولين والآخرين ، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع )
المبحث الرابع : في المشهور عند الحنفية
قسم الحنفية الأخبار إلى متواتر ومشهور وآحاد . وجعلوا المشهور في رتبة بين المتواتر والآحاد ، وخصوه بأحكام تُلْحِقُهُ في الاحتجاج به بالمتواتر . وفي هذا المبحث سأتكلم باختصار عن المشهور عند الحنفية خاصة لتعلقه بالمسألة المبحوثة ، ولأن المشهور عند الجمهور من قبيل الآحاد .
فالمش&
حقيقته ، وحكمه وأثره في الفقه الإسلامي
د. ترحيب بن ربيعان الدوسري
الاأستاذ المساعد- بقسم أصول الفقه - كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
ملخص بحث
فكرة البحث ونتائجه :
ذكرت فيه : أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن ، به تضبط الاستنباطات ، والمآخذ الفقهيات ، وهو سياج عن الزلل والخطأ والخلل في التفقه في الدين ، وبالتمكن فيه يسهل الترجيح بين الأقوال والمذاهب الفقهية .
عرفت في البحث الخبر لغة واصطلاحاً وذكرت أقسامه ، وما يفيده كل قسم من العلم أو الظن وذكرت منزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها ، وبينت ما يرد به خبر الواحد عند الحنفية بما يسمونه بالانقطاع الباطن وذكرت اقسامه الأربعة ذاكراً أدلتهم في ردهم لخبر الواحد في كل قسم مبيناً الحق فيها مع ذكر الأمثلة التطبيقية في كل قسم من المسائل الفقهية مع ذكر حجج كُلٍّ في كل مسألة فيما يتعلق بهذا المأخذ ، مخرجاً أقوال الإمام أبي حنيفة في كل مسألة فقهية بما يتفق مع أصوله وأصول بقية الأئمة الثلاثة و المنقولة عنه وعنهم نقلاً لا مجال في الشك فيه من تقديم السنة على الرأي .
وقد توصلت إلى نتائج هامة جداً أهمها :
1-أن هذه المسائل دخيلة على علم أصول الفقه بل صلتها وثيقة بمباحث علم العقيدة .
2-لا خلاف بين أحد من علماء الأمة –لا سيما الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المعتبرين ومنهم الأئمة الأربعة – في وجوب الاحتجاج بالسنة ، معتبرينها صنو القرآن الكريم في التشريع العلمي والعملي .
3- أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى يرون حجية خبر الواحد مطلقاً وأنه يفيد العلم والعمل معاً خلافاً لمن شذ عن طريقهم ممن نَسَبَ نفسه إليهم .
4- أن الطعن في خبر الواحد الصحيح بما يسمى بالانقطاع الباطن لدليل معارض قول مخترع اخترعه عيسى بن أبان ثم تبعه على ذلك أبو زيد الدبوسي ثم تتابع على القول به كثير من علماء الحنفية كالبزدوي والنسفي وعبدالعزيز البخاري حتى أصبح هذا القول أصلاً من أصول الحنفية .
5- لم يَثْبُتْ بناء أي مسألة من المسائل الفقهية على تلك القواعد ، كما لم يثبت عن الإمام أبي حنيفة القول بها .
* * *
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين وعلى من اتبع أثره واستن بسنته إلى يوم الدين . وبعد :
أهمية الموضوع :
فإن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن ، به تضبط الاستنباطات ، والمآخذ الفقهية . وهو سياج عظيم لمن أراد التفقه في الدين من الزلل والخطأ و الخطل. وبالتمكن فيه يسهل الترجيح في المسائل الفقهية المختلف فيها بين أئمة الفقه لإحاطته بالقواعد الأصولية التي بنى الفقهاء والعلماء عليها فقههم ؛ وكلما ازداد رسوخاً في علم أصول الفقه استطاع اختيار القول الراجح بسهولة ويسر مع اطمئنان إلى ما يذهب إليه . إلا أن هذا العلم دخله ما ليس منه – كما دخل غيره من فنون العلم الأخرى – فأذهب بريقه وصفاءه في كثير من مسائله مما يوجب على الباحثين فيه التحري والتحقق من صحة تلك الأصول وتلك القواعد والتأكد من عدم معارضتها لقواعد الشريعة الكلية أو الجزئية .
وقد أوضح فضيلة الدكتور محمد العروسي عبدالقادركثيراً من تلك المسائل التي أدخلت في مباحث أصول الفقه وليست منه ، مبيناً أنها مبنيةٌ على مسائل عقدية منحرفة ، فقال :- ( ولما تصدى هؤلاء المتكلمون للكتابة في أصول الفقه، لم يكتفوا أن خلطوها بعلم الكلام ومقدماته ، بل أدخلوا فيها أموراً افتراضية كتعارض خبرين ثابتين عن النبي r، وكتخصيص عموم الكتاب للسنة، وكجواب الرسول r للسائل بجواب أخص من سؤاله ، وكتمثيلهم في مسألة تكليف ما لا يطاق بالمستحيل لغيره وزعمهم أنه واقع في الشريعة . وكل هذه المسائل لا وقوع لها في الشريعة .
ثم إن المتكلمين يرون أن علم الكلام أساس في معرفة الأصول ، بل قد يفهم من ثنايا كلام القاضي أنه يرى أن التبحر في فن الكلام شرط في استجماع أوصاف المجتهدين ...
لأن كثيراً من هؤلاء الفقهاء أدخلوا فيما كتبوه عن الأصول شيئاً من أصول الأشعري وشيئاً من أصول الكلامية ، فكان حكمهم في الأشياء بحسب معتقداتهم وتصوراتهم لا بحسب الواقع الذي يشهد له الكتاب و السنة ….)([1])
وقال :- أيضاً – ( وقرر القاضي مسائل الأصول وبناها على مذهب أبي الحسن الأشعري – رحمه الله – فإنه كان يذهب مذهبه في القدر والصفات والكلام ، وينافح عنه .
ولما كان بعض مسائل أصول الفقه تشترك مع بعض مسائل أصول الدين ، كمسائل الأخبار ، وحجية المتواتر ، وأخبار الآحاد ، ووقوع النسخ ، ومسائل التكليف ، كالأمر بالشيء والنهي عنه هل يقتضي الأمر والنهي عن ضدهما ؟ والخلاف في جواز كون الأمر مشروطاً ببقاء المأمور على صفات التكليف ، وهل الأمر بالفعل يتعلق به حال حدوثه ؟ ومسألة الاستطاعة ، ومسألة تكليف ما لا يطاق ، والمسائل المتعلقة بالإكراه وغيرها من مسائل الإجماع والقياس والاجتهاد .
وأما حجية الإجماع والكلام في صحته وإثباته فمن مسائل علم الكلام ، ولما كان الأمر كذلك ، استطاع كثير ممن شارك في علم الكلام أو كتب فيه أن يكتب في أصول الفقه ؛ لأنه الميدان الذي ظهر فيه أراء المعتزلة ؛ ولأنه الفن الذي يمكن فيه تقرير مذهب أبي الحسن الأشعري أو مذهب غيره ….
ثم تتابع الأصوليون من المتكلمين أو المنتسبون إليهم كالقاضي البيضاوي وابن الحاجب والإسنوي– وفي عصر هؤلاء – وقبله بقليل ظهرت نزعة الكلام في أصول الحنفية ويتضح ذلك في كتابات شراح البزدوي والمنتخب للأخسيكثي ، ناهيك عن المتأخرين منهم كالنسفي حافظ الدين وابن الهمام . وهؤلاء المتكلمون من الأصوليين منهم من كتب وألف في الأصلين ، ومن له تأليف في أصول الدين وشرح لأحد كتب أصول الفقه ) ([2]).
ومن هذه المسائل التي حُشر بحثها في علم أصول الفقه وليست منه مقررة على خلاف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين ، وعلى خلاف من ينتسب إليه مقرروها ألا وهو مذهب الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – مسألة الانقطاع الباطن في أخبار الآحاد .
سبب اختيار الموضوع :-
لقد دفعني للكتابــة في هذه المســألة غير ما سبق أمورٌ أجمل أهمها فيما يأتي :-
1-توضيح هذه المسألة وبيان تعلقها بمسائل عقدية خطيرة خالف بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة الفقهية فيها أئمتهم .
2-توضيح رأي الأئمة الأربعة ولا سيما رأي أبي حنيفة في هذه المسألة .
3-نصرة الحق وتنقيته مما شابه من باطل .
4-كثرة ما ترتب على القول بها من مسائل فقهية مخالفة للأدلة الشرعية .
5-تبرئة أعلام الحنفية من القول بها وتبيين أن قائلها الأول ليس منهم ، وإن كان قد تبنى القول بها فيما بعد كثير من المنتسبين إلى أبي حنيفة .
6-ترغيب طلاب العلم في تعلم أصول الفقه على طريقة أهل السنة والجماعة حقاً (أهل الحديث والأثر) وذلك بالرجوع إلى أقوال الأئمة المعتبرين أمثال الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والبخاري ومسلم وابن قتيبة والسمعاني وابن عبدالبر وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومن سار على طريقتهم واقتفى أثرهم ، وفي الوقت نفسه تحذيرهم عن سلوك طريق المتكلمين من معتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم .
7-تشجيع طلاب العلم ممن هو متمكن في علم أصل الأصول : العقيدة ، وعلم أصول الفقه للكتابة في المسائل التي اختلط فيها الحابل بالنابل ، والحق بالباطل لتمييزها ، وتوضيحها ، وتنقيتها مما علق بها من شوائب باطل المتكلمين وبعض المنتسبين إلى مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - ممن أصبح فيما بعد يُعد من فقهاء الحنفية .
8- جدة الموضوع فإني لا أعلم أن أحداً من الباحثين أفردها ببحث مستقل.
خطة البحث :-
قسمت البحث إلى مقدمة اشتملت على أهمية الموضوع ، وسبب اختياره ، وخطة البحث ، ومنهجي فيه ، وإلى ستة مباحث على النحو التالي :-
المبحث الأول :- في تعريف الخبر ، وذكر أقسامه .
المبحث الثاني :- في بيان منـزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها وفيه مطلبان :-
المطلب الأول : في بيان منزلة السنة عند الشارع . وفيه أربع مسائل :-
المسألة الأولى :- في منزلة السنة في كتاب الله .
المسألة الثانية :- في منزلة السنة في السنة .
المسألة الثالثة :- في دلالة الإجماع على منزلة السنة .
المسألة الرابعة :- في دلالة المعقول على منزلة السنة .
المطلب الثاني : في بيان منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها .
وفيه ثلاث مسائل :
المسألة الأولى :- في منزلة السنة عند الصحابة .
المسألة الثانية :- في منزلة السنة عند التابعين .
المسألة الثالثة :- في منـزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى:- وفيها فقرتان .
الفقرة الأولى : في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص
الفقرة الثانية : في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة .
المبحث الثالث :- في إفادة خبر الواحد العلم .
المبحث الرابع : في المشهور عند الحنفية .
المبحث الخامس :- في تحرير موطن النزاع وذلك ببيان ما المراد بالانقطاع
الباطن ، وذكر أقسامه وأنواع كل قسم .
المبحث السادس :- في أوجه انقطاع خبر الواحد الباطن لدليل معارض من
القسم الأول . وفيه أربعة مطالب :-
المطلب الأول :في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً لكتاب الله تعالى .وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
المطلب الثاني : في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً للسنة المشهورة .وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
المطلب الثالث :- في رد خبر الواحد لكونه حديثا شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته .وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
المطلب الرابع :- في انقطاع خبر الواحد لكونه حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول. وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أدلة القائلين بها ومناقشتها .
المسألة الثانية : في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها .
منهجي في البحث
سرت في البحث على النهج الآتي :-
1-عرفت بالمصطلحات العلمية ذات العلاقة بالموضوع ، والكلمات الغريبة .
2-عزوت الآيات القرآنية إلى مواطنها من كتاب الله وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.
3-خرجت الأحاديث من مظانها مبيناً حكم العلماء عليها من حيث الصحة أو عدمها .
4-خرجت الآثار من مظانها .
5-حررت المسألة المبحوثة معتمداً في نسبة الأقوال إلى قائليها والمذاهب إلى أصحابها على الكتب الأصلية والمصادر القديمة .
6-ذكرت في المسائل الأربع أدلة المذاهب المختلفة ، واعتراضات كلٍ .
7-أبرزت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة في تلك المسألة لكونهم القدوة.
8-وثقت المسائل الفقهية من مصادرها المعتبرة .
وختاماً فقد اجتهدت فيما كتبت قدر استطاعتي متوخياً فيه الحق والصواب فإن كنت وفقت إليه فبفضل الله وحده أولاً و آخراً وإن كانت الأخرى فأستغفر الله وأتوب إليه .
هذا .. وقد سميت هذا البحث : بـ ( رد خبر الواحد بما يسمى بالانقطاع الباطن ؛ حقيقته ، وحكمه ، وأثره في الفقه الإسلامي ) .
وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
المبحث الأول : في تعريف الخبر وذكر أقسامه
الخبر في اللغة([3]) هو :- واحد الأخبار . والخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر. وخبره بكذا ، وأخبره : نبأه . و استخبره : سأله عن الخبر وطلب أن يخبره .
وفي الاصطلاح([4]) :- هو الكلام المحتمل للصدق والكذب لذاته .
و المراد بالخبر في هذا البحث: هو الخبر المنقـول عن الشارع ، وهو قسمان :- متواتر وآحاد.
و المتواتر لغة([5]) :- مأخوذ من التواتر وهو التتابع بين أشياء بينها مهلة .
واصطلاحاً([6]) :- خبر عددٍ يمتنع معه لكثرته تواطؤٌ على كذبٍ عن محسوسٍ أو خبرُ عددٍ عن عددٍ كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس .
والمتواتر يفيد العلم الضروري اليقيني عند جمهور العلماء ([7]) خلافاً للكعبي وأبي الحسين البصري المعتزلي وأبي الخطاب والجويني والدقاق الشافعي وغيرهم حيث قالوا إنه يفيد العلم النظري .
وأما الآحــاد فهـو في اللغة([8]) : جمع أحدٍ ، وهمزته مبدلة من الواو فأصل أحد: وحد .
واصطلاحاً([9]) :- هو ما لم يتواتر .
وهذا التعريف يشمل الخبر الصحيح وغيره ، إلا أن المراد هنا بخبر الآحاد أو الواحد :- هو الخبر الصحيح المروي عن رسول الله r بعدد من الرواة لا يبلغ عددهم حد التواتر .
وأما الحديث عمَّا يفيده خبر الواحد فسيأتي في موطنه – إن شاء الله – .
المبحث الثاني : في منـزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها.
وفيه مطلبان :
المطلب الأول: في منـزلة السنة عند الشارع . وفيه أربع مسائل :-
المسألة الأولى : في منزلة السنة في كتاب الله .
للسنة منزلة عظيمة عند الله وعند رسوله r فهي وحي من الله لرسوله كالقرآن إلا أن الفرق بينها وبين القرآن أن القرآن لفظه ومعناه من الله ، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله r .
وهي مصدر للتشريع ككتاب الله. فالقرآن هو الأصل الذي حوى القواعد الكلية الأساسية من أمور العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات وغيرها ، والسنة هي البيان الحقيقي والشرح الدقيق لما أُحتيِجَ فيه من القرآن إلى تبيين .
فمن رام العمل بالقرآن وحده دون الرجوع إلى السنة - ولا سيما السنة الآحادية لكثرتها وقلة أو ندرة المتواتر منها - فقد كذب ، بل هو - في الحقيقة - منسلخ من الإسلام ساعٍ في هدمه ، مستهزئ به وبأهله .
وقد دل على حجية السنة - متواترها وآحادها ، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع ،وأن الواجب على من انتسب إلى الإسلام والإيمان وجوب الرجوع إليها في كل شيء - الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة ، والعقل الصريح ، والنظر الصحيح .
ولقد جاءت آيات كثيرات تدل بدلالات مختلفة ومتنوعة على أن السنة وحي من الله يجب على المكلفين اتباعها والرجوع إليها ، وليس لأحد الخيرة في تركها أو الإعراض عنها .
من ذلك :-
قولـه تعالى :- ) وما ينطــق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ( (النجم 3 ،4) فهذه الآية عامة في جميع ما ينطق به النبي r .
قال ابن حزم([10]) –رحمه الله - :- ( فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله r على قسمين :-
أحدهما :- وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن .
والثاني :- وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول الله r وهذا القسم هو المبين عن الله عز وجل مراده منا . قال تعالى :-) لتبين للناس ما نزل إليهم ( (النحل 44) ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى :) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ( (التغابن 12) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها ، وهي قوله تعالى :-) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ( (النساء 59) فهذا أصل ، وهو القرآن .
ثم قال تعالى :-) وأطيعوا الرسول ( (النساء 59) فهذا ثانٍ وهو الخبر عن رسول الله r ، ثم قال تعالى :-) وأولي الأمر منكم ( (النساء 59) فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله r حكمه ، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجـوع إليهــما عند التـنازع ، قال تعالى :-) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ( (النساء 59) .
قال علي :- والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله r ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنِّة والناس كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله r ، وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا ولا فرق، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله r ...
والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض ، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى ، وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما لما قدمناه آنفاً في صدر هذا الباب ) انتهى كلامه مختصراً .
المسألة الثانية : في منزلة السنة في السنة النبوية .
كما دل الكتاب الكريم على حجية السنة ووجوب العمل بها والانقياد لها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ، وعدم رد شيء منها ، فقد دلت السنة النبوية على ذلك كله . من ذلك :-
أ-قوله r :- ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ، قالوا يا رسول الله: ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) ([11]) .
ب-قوله r :- (… فمن أطاع محمداً r فقد أطاع الله ، ومن عصى محمداً r فقد عصى الله ، ومحمد فَرَّقَ بين الناس ) ([12]).
ج-قوله r :- ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) ([13]) .
د-قوله r :- ( أوصيكم بتقوى الله تعالى ، والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعةٍ ضلالة ) ([14]) .
هـ-قوله r :- ( إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ ، وإني أنا النذير العُريان ، فالنجاء ، فأطاعة طائفة من قومه فادلجوا ، فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذَّب بما جئت به من الحق) ([15]).
وهذه الأحاديث السابقة وغيرها تدل على ما دلت عليه الآيات الكريمات السابقات من وجوب طاعة الرسول وأن طاعته من طاعة الله وأنه لا يمكن للعبد أن يطيع ربه من غير طاعة نبيه وأن في طاعته النجاء وفي معصيته الخسران المبين في الدنيا والآخرة ، وأن سنته r باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأنها لا تفترق عن كتاب الله حتى يردا على رسول الله حوضه ، وأن الضلال والانحراف والابتداع هو ترك سنته وهديه ، وأن دعوى من يقول بعدم حجية السنة إنما هي من البدع والاختلافات والضلالات التي حذرنا منها رسول الله r .
وإن من أصرح الأحاديث الدالة على حجية السنة ، وضرورة التمسك بها – غير ما سبق – قوله r :-
و-( من رغب عن سنتي فليس مني ) ([16]) فمن كان لديه عقل أودين كفاه هذا فضلاً عما ذكر من الآيات والأحاديث وما سَيُذكر .
ز-قوله r :- ( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها ، فرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه . ثلاثُ لا يَغِلُّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة للمسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ) ([17]) .
قال الإمام الشافعي([18]) :- ( فلما ندب رسول الله صلى الله عليه إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرَأً يؤديها ، والامرءُ واحد : دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّي إليه ، لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ ، وحرام يُجتنب ، وحدٌّ يقام ، ومال يؤخذ ويعطى ، ونصيحة في دين ودنيا ) .
المسألة الثالثة : في دلالة الإجماع على منزلة السنة النبوية .
قال الشوكاني([19]) :- ( اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ….والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام ) .
المسألة الرابعة : في دلالة المعقول على منزلة السنة النبوية .
قال الدكتور عبدالكريم زيدان([20]) :- ( ثبت بالدليل القاطع : أن محمداً r رسول الله ، ومعنى الرسول : هو المبلغ من الله ، ومقتضى الإيمان برسالته : لزوم طاعته ، والانقياد لحكمه ، وقبول ما يأتي به ، وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى . ولا تتصـور طاعـة الله والانقيـاد إلى حكمـه ، مع المخالفة لرسوله r ) .
المطلب الثاني : في منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها .
وفيه ثلاث مسائل :-
المسألة الأولى :- في منزلة السنة عند الصحابة رضي الله عنهم .
لقد كان للسنة النبوية في صدور سلفنا الصالح وأئمتنا منزلة عظيمة جداً فقد كان لها من الحب والاحترام والتقدير ما يهون معه كل شيء ، بل كانوا يرون أن الهدى في الاعتصام بها والتمسك والعمل بها في كل شيء هو دليل التقوى ، وقد تنوع ذلك الحب بين عمل بها وقول يحض ويدعو إلى توقيرها ، والعمل بها ، وحفظها ، وضبطها ، ونشرها ، وهجر لمن أعرض عنها، وتحذير عن هجرها وترك لها .
ولم يكن أحد أكثر حباً لسنة المصطفى والعمل بها والحض عليها والتمسك بها والتحذير من مخالفتها من الصحابة رضي الله عنهم فقد أشتهر عنهم ذلك شهرةً لا تخفى على أحدٍ ، وتواتر عنهم تواتراً لا يُدفع في مواقف كثيرة جداً فاقت العد والحصر .
ولكثرة ما تواتر عنهم في هذا المجال فإني سأكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي تفي بالمراد ، فمن ذلك :-
1- قول أبي بكر الصديق([21]) –رضي الله عنه- : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله r يعمل به ، إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ .
2-قول عمر بن الخطاب([22]) – رضي الله عنه – في تقبيله للحجر الأسود: إنك حجـر لا تنفع ولا تضر ؛ ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلتك .
3-قول علي([23]) رضي الله عنه :- إلا إني لست بنبي ، ولا يوحى إلي ؛ ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد r ما استطعت ([24]) .
المسألة الثانية :- في منزلة السنة عند التابعين .
لقد ربى الصحابة رضي الله عنهم التابعين على حب السنة والعمل بها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ونشرها بين الناس ودعوتهم للعمل بها والتحذير من مخالفتها ومجانبتها فنقل عن التابعين من الآثار الدالة على ذلك كما نقل عن أساتذتهم رضي الله عنهم أجمعين . فمن ذلك :-
1-قول قتادة بن دعامة ( ت 117هـ)([25]) :- والله ما رغب أحد عن سنة نبيه r إلا هلك . فعليكم بالسنة وإياكم والبدعة .
2-قول محمد بن مسلم الزهري(ت 124هـ) ([26]) :- كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ، والعلم يقبض سريعاً ([27]) .
المسألة الثالثة :- في منـزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى ، وفيها فقرتان : -
الفقرة الأولى :- في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص :-
لقد سار أعلام الهدى من علماء الأمة من بعد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان على طريق سلفهم الصالح من الاحتجاج بالسنة وتقديرها وتوقيرها والرجوع إليها في كل صغيرٍ وكبيرٍ والتحذير عن مجانبتها أو مخالفتها أو تركها أو التقدم عليها وبين يديها ، وقد أُثر عنهم كما أُثر عن سلفهم من الأقوال الدالة على ذلك - وهي كثيرة جداً - إلا أني سأقتصر على بعضها مبتدئياً بذكر أقوال الأئمة الأربعة ؛ لإمامتهم ، وشهرتهم ، ومكانتهم عند عامة الأمة ، ثم أذكر أقوال بعض العلماء من عصرهم ومن غيره - من غير استقراء- للدلالة على أن هذا الموقف هو موقف أهل العلم جيلاً بعد جيل .
فمما جاء عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ما يأتي :-
أولاً :- أقوال الإمام أبي حنيفة ( ت150هـ) رحمه الله في ذلك :-
1-إذا صح الحديث فهو مذهبي ([28]) .
2-دخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة ، والحديث يقرأ عنده ، فقال الرجل : دعونا من هذه الأحاديث . فزجره أبو حنيفة أشد الزجر، وقال له : لو لا السنة ما فهم أحد منا القرآن ([29]) .
ثانياً :-أقوال الإمام مالك (ت 179هـ) رحمه الله في ذلك : -
ما من أحدٍ إلا و مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله r ([30]).
ثالثاً :-أقوال الإمام الشافعي (ت 204هـ ) رحمه الله تعالى في ذلك :-
1-ليس في سنه الرسول الله r إلا اتباعها([31]).
2-كل حديث عن النبي r فهو قولي وإن لم تسمعوه مني([32]) .
رابعاً :-أقوال الإمام أحمد (ت 241هـ ) رحمه الله في ذلك :-
من رد حديث رسول الله r فهو على شفا هلكة([33]) .
الفقرة الثانية :- في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة :-
لقد سبق حكاية الإجماع على حجية السنة ، وأن العلماء سلفاً وخلفاً متفقون على وجوب الاحتجاج بالسنة وتوقيرها واحترامها والذب عنها والاجتهاد في نشرها وتعليمها للعامة والخاصة ، وأنها صنو القرآن في التشريع ؛ لأنها وحي من عند الله سبحانه وتعالى ، وفي هذه الفقرة سأذكر بعض النقول عن بعض الأئمة-لعدم إمكانية الحصر ، ولأن المراد التمثيل - للدلالة على منزلة السنة ومكانتها عند سائر علماء الأمة فمن ذلك :-
قول الحسن بن علي البربهاري (ت 329هـ):- إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها ، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله r فاتهمه على الإسلام ، فإنه رديء المذهب و القول …. القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن([34]) .
المبحث الثالث : في إفادة خبر الواحد العلم
تبين من النقول السابقة عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة المرضيين احتجاجهم بالسنة مطلقاً وعدم التمييز بينها ، وعدم تقسيمها - كما أُحْدِث فيما بعد – إلى : متواتر وآحاد .
حيث إن الجميع عند أئمة الهدى والتقى سنةٌ واجب اتباعها وقبولها مع ضرورة الانقياد لها لكونها وحياً من الله وما كان كذلك وجب قبوله واعتقاده والعمل به سواء كان في العلميات أو العمليات.
ويكفي العاقل المنصف أن يقنع بما ذُكِر من النقول عن علماء الأمة على قبولها والعمل بها والانقياد لها ، و بما نقله العلماء الربانيون من اتفاق السلف وأئمة الدنيا على العمل بالسنة متواترها وآحادها لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات .
قال الإمام الشافعي([35]) –رحمه الله - :-( وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث، يكفي بعض هذا منها . ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل . وقد حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان ….
ومحدِّثي الناس وأعلامهم بالأمصار : كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله ، والانتهاء إليه ، والإفتاء به . ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه ، ويقبله عنه من تحته .
ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة : أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه ، بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي ) انتهى باختصار .
وقال([36]) –أيضاً- : ( لم أسمع أحداً -نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم– يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله r ،والتسليم لحكمه.بأن الله عز وجل لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه . وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله أو سنة رسوله r . وأن ما سواهما تبع لهما. وأن فرض الله علينا وعلى الناس من بعدنا وقبلنا ، في قبول الخبر عن رسول الله r : واحدٌ. لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله r إلا فرقةٌ ، سأصف قولها إن شاء الله تعالى ) .
قال شـيخ الإسلام ابن تيمية([37]) : ( وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ولم يتواتر لفظه ولا معناه لكن تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له ،….، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد من الأولين والآخرين ، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع )
المبحث الرابع : في المشهور عند الحنفية
قسم الحنفية الأخبار إلى متواتر ومشهور وآحاد . وجعلوا المشهور في رتبة بين المتواتر والآحاد ، وخصوه بأحكام تُلْحِقُهُ في الاحتجاج به بالمتواتر . وفي هذا المبحث سأتكلم باختصار عن المشهور عند الحنفية خاصة لتعلقه بالمسألة المبحوثة ، ولأن المشهور عند الجمهور من قبيل الآحاد .
فالمش&