المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطأ متابعة الإمام ابن تيمية في إنكار المجاز


عبدالله الغالبي
17-04-06, 08:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وقفات فيها لفتات مع من أنكر المجاز:
وهي مختصرة من بعض كتب العلماء باختصار مفيد :

أخي مدرس اللغة العربية
ما كان ينبغي أن يخالف في وجود المجاز ووقوعه سواءً أكان في اللغة أم في القرآن الكريم، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه اسرار البلاغة : " ومن قدح في المجاز، وهمَّ أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدف لما لا يخفى". أ ـ هـ

وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي – عليه أفضل الصلاة والسلام –، وقد قال به علماء كُثر في مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة، وتداولته ألسنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً، واستعملته العرب خلفاً عن سلف، .

وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يحرر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبدالقاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما،

وإنكار المجاز – بعد التحقيق – لا يكاد يوجد، لأن من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة، ، وثلاثة من العلماء أنكروه مطلقاً وهم الإمام أبواسحق الاسفرائيني والإمام ابن تيمية وابن القيم الجوزية،رحم الله الجميع وهم وإن أنكروه من جهة فقد أقرّوا به من جهات في كثير من كلامهم ولهذا يقال : إنَّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد.

ولكن في الحقيقة أن الاسفرائيني ثبت أنه لم ينكر المجاز ونسبة إنكار المجاز إلى أبي إسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي إسحاق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الأمام ابن القيم عن الأستاذ في مسألة " العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً ؟" وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في " البرهان" حول مسألة أصولية كذلك وهي: ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: " وقال الأستاذ أبو إسحق: الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى ، وله عنده وجه التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز" فهذا كلام من يقر بالمجاز لا من ينكره. فلم يبق منكراً له مطلقاً إلا الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.
وقد ألّف الدكتور عبد العظيم المطعني كتاب (المجاز في اللغة والقرآن الكريم) وهو بحث ممتع في جزئين في حوالي ألف ومائة وسبعين صفحة أقام الأدلة القاطعة على وجود المجاز في اللغة وفي القرآن (الناشر مكتبة وهبة).
وقد عقد الشيخ الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فصلا في كتابه (المحكم والمتشابه) ج2 ص 522 للرد على إنكارالإماتم ابن تيمية للمجاز ، وكذا رد عليه الدكتور على العماري بكتاب (المجاز) وكذا فضيلة الشيخ/ محمد العزازي كتب رداً عليه في ذلك وكذا في كتاب للشيخ منصور عويس. أما الدكتور/ عبد العظيم المطعني فكتابه المذكور موسوعة شاملة أثبت فيه أن المجاز هو مذهب الكثرة الكاثرة التي لا تحصى عدداً من علماء الأمة في كل التخصصات أي أنه يكاد أن يكون إجماعاً أو هو كذلك بالفعل، وأن المنكرين- بما فيهم ابن تيمية وابن القيم- لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين مع الشك الكبير في ثبوت هذا الإنكار عن بعضهم.
يقول الدكتور المطعني » ومن خلال قراءات متكررة ومتأنية للفصل الذي كتبه الإمام ابن تيمية بخصوص المجاز في كتابه » الإيمان « وجدناه قد اعتمد في إنكار المجاز في اللغة بعامة، وفي القرآن الكريم بخاصة على ما يأتي:
1- أن سلف الأمة لم يقولوا به مثل الخليل ومالك والشافعي وغيرهم من اللغويين والأصوليين وسائر الأئمة، فهو إذن قول حادث؟!
2- إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مجوزوا المجاز ؟!
3- إنكار التجريد والإطلاق في اللغة. حتى يقال أن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن.
4- مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز على وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم « أ.هـ (المجاز) ج2 ص 644.
ثم ذكر الدكتور المطعني أن ابن تيمية له شبه أخرى ولكنها جزئيات تندرج تحت هذه الركائز الأربع، وسنذكر هذه الركائز مع الإشارة إلى ما يبطلها وغالبه من كلام د. المطعني.
الشبهة الأولى لابن تيمية:
وحاصـلها:النـفي البـات أن يكـون أحد من السلف قد قال بالمجاز إلا الإمام أحمد بن حنبل تقسيم الألفاظ إلى حقائق ومجازات لم يحدث إلا بعد المائة الثالثة – محط الإنكار هو على وجود لفظ (المجاز) دون معناه … واعترف خلال ذلك بأن أبا يعلى وابن عقيل وأبا الخطاب الحنابلة قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم.
( هذا نص كلامه يقول : كما في كتاب "الإيمان":(( وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم)) ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي ، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ثبت أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة المجاز، فسيبويه ــ مثلا ــ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبويه:( ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى:) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هنا، ومثله ( بل مكر الليل والنهار) وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهاروالأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعا من المجاز العقلي، وغير سيبويه من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين.
ونواصل كلام المطعني
والرد على ذلك من كلام المطعني :
1- لفظ (المجاز) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع الفن نفسه وخاصة في عصور تدوين العلوم، وخير مثال على ذلك مصطلحات علمي النحو والصرف بل مصطلحات العلوم الشرعية نفسها من فقه وأصول فقه وحديث ومصطلح حديث وغير ذلك.
2- أن التأويل المجازي يصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر تدل عليه القرينة وله علاقة بالمعنى الظاهر، قد عرف منذ القرن الأول وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات من علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة- على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم – والتابعون وقبلهم جميعاً المعلم الأكبر r ومن تأويلاته المجازية: تأويله الخيطين الأبيض والأسود بالنهار والليل.
3- أن سلف الأمة يفهمون معنى المجاز ويستعملونه وإن لم يذكر بعضهم اسمه المصطلح (المجاز) لعدم انتشاره في البداية بل كان بعضهم يطلق عليه (الاتساع في اللغة) كما ورد عن سيبويه (ت قبل 190 هـ) والشافعي (ت 205هـ) وها هو الإمام الشافعي يقول في (الرسالة) عن ألفاظ القرآن: » وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره « فهو بذلك قد عرّف المجاز وبين نوعي القرينة: اللفظية التي لها ذكر في الكلام، والمعنوية التي تفهم من الأحوال وليس لها صورة في الكلام.
4- ذكر بعض السلف ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث (المجاز) بمعناه الفني الاصطلاحي بلفظه وبمعناه وكذا (الاستعارة) وهي أظهر أنواع المجاز. نقل ذلك عنهم من النصف الأول للقرن الثاني الهجري. وإليك ستة نماذج لذلك:
الأول: أبو عمر زبان بن العلاء (ت 154 هـ) أحد القراء السبعة، ذكر (الاستعارة) نصاً على ما هو استعارة فعلاً.
الثاني: أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (ت 170هـ) ذكر مصطلح (المجاز) وشرحه ونصَّ على وجوده في اللغة وفي القرآن الكريم وضرب لذلك أمثله من القرآن ومن أشعار العرب كامرئ القيس وغيره.
الثالث: أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209هـ) ذكر تخريجات مجازية عديدة في كتابه (مجاز القرآن) وهذه الصور المجازية لا تنطبق إلا على المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، كما نقل عنه القول بالاستعارة في التعليق على شعر جرير ورد ذلك في كتاب (النقائض بين جرير والفردق).
الرابع: أبو عبد الله بن زياد ابن الأعرابي (ت 231هـ) شرح الاستعارة الموجودة في بيت شعر ونقل ذلك ابن رشيق في كتابه (العمدة).
الخامس: أحمد بن يحيى المعروف بـ (ثعلب) (ت 291هـ) أكثر من ذكر الاستعارة في كتابه (قواعد الشعر) محللا لها ومشيراً إلى المعنى الأصلي الخارجة عنه.
السادس: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) الشاعر المشهور قال:
لقد تركتني كأسها وحقيقيتي مجاز وصبح من يقيني كالظن
قال الدكتور العماري تعليقا على هذا البيت:
» وأستطيع أن أؤكد أن هذا الاصطلاح: (المجاز) كان معروفا من زمن بعيد، ذلك أن الشعراء ليسوا من أرباب وضع المصطلحات، كما لا يمكن أن يقولوا ما ليس معروفا عند الناس. فلابد أن تكون كلمة (مجاز) المقابلة للحقيقة معروفة مشهورة حتى يستعملها شاعر لم يعرف عنه أنه عني بالدراسات النحوية التي كانت سائدة في عصره « أ.هـ (المجاز) للدكتور العماري ص 25، (المجاز) للدكتور المطعني ص 714 يقول د. المطعني بعد أن بين خطأ الركيزة الأولى لابن تيمية:
» ها نحن أولاء قد فرغنا من الرد على الإمام ابن تيمية في الشبهة الأولى من مجموع الشبه التي بني عليها رأيه في نفي المجاز عن اللغة، وعن القرآن الكريم، وهي: أن أحداً من سلف الأمة لم يقل به؟ قد واجهناه بنقيض دعواه. وبينا أن ثلاثة من الأئمة الفقهاء، وهم الإمام الشافعي، والإمام أبو حنيفة، ومعه صاحباه، والإمام أحمد ابن حنبل قد روى الرواة الثقات أنهم قالوا بالمجاز، وتكرر ذلك منهم، والإمام ابن تيمية يعترف بما ورد عن الإمام أحمد، ولكنه سلك فيه مسلكين:
أحدهما: تضعيف الرواية القوية، وتقوية الرواية الضعيفة الموافقة لمذهبه.
الثاني: تأويل قول الإمام بما يخرجه عن الاحتجاج به عليه على فرض صحته عنده.
كما رأينا كثيراً من اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والبلاغيين والإعجازيين،والمفسرين والمحدثين، والأصوليين والفقهاء قد قالوا بالمجاز، وتوسع بعضهم فيه، ونقلنا عن أبي عبيدة، وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء وثعلب نصوصا صريحة تدفع دعواه هو في نفي المجاز « أ.هـ (المجاز) ص 715.
الشبهة الثانية للإمام ابن تيمية:
أنكر ابن تيمية أن يكون للألفاظ وضع أول يدل على معنى معين لكل منها ثم استعملت الألفـاظ في معانيــها بعد ذلك ويذهب إلى أن كـل لفظ قـد استعمل ابتداء فما أريد منه دون أن يتقدم وضع سابق ثم حاول أن يقدم تفسيراً مقنعا لذلك فقال: أن أصل اللغة إلهام من الله سبحانه ثم كان النطق بالألفاظ مباشرة مستعملة فيما أريد منها.
كل ذلك لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون: إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي وهذا النقل هو أهم ركن من أركان المجاز.
والرد على ذلك:
1- أطبق علماء الأمة في كل زمان ومكان وفي كل فرع من فروع علم اللغة: قواعد وتطبيقات على أن جميع الألفاظ لكل منها وضع أول ويدل على معنى معين. وفكرة المعاجم اللغوية – كما يقول د. المطعني- إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الخلص … وهذه المفردات اللغوية ومعناها العام المتعارف هو ما عرف بالدلالة الوضعية.
2- أن البحث العلمي الحديث قد ضعّف تفسير نشأة اللغة بالإلهام ولم يوافق عليه. بل صفوة القول في ذلك أن هناك ثلاث نظريات تفسر نشأة اللغة:
أ ) التوقيف من الله سبحانه، واحتجوا بقوله سبحانه: } وعلّم آدم الأسماء كلها { .
ب) الاصطلاح والمواضعة، وفسروا الآية السابقة على أن الله أقدر آدم عليه السلام على وضع الأسماء.
ج) المحاكاة والتقليد يقول السيوطي »وذهب قوم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوى الريح وجنين الرعد وخرير الماء وشجيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد« ويعلق ابن جنى على هذا المذهب فيقول: »وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل « انظر المجاز للدكتور المطعني ص 735.
قلت: وفي قصة ابني آدم التي حكاها القرآن ما يشير إلى اعتماد هذا الطريق في التعليم }فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخية … { الآية 31 من سورة المائدة وهذه النظرية هي التي يكاد يجزم بصحتها الباحثون المعاصرون في علوم اللغة. وانظر ما ذكره د. علي عبد الواحد وافي في كتابيه: (علم اللغة)، (نشأة اللغة عند الإنسان والطفل).

يتبع إن شاء الله

عبدالله الغالبي
17-04-06, 09:00 PM
3- الوضع والاستعمال متلازمان:
يقول د. المطعني تحت هذا العنوان:
» وما يوهن دعوى الإمام ابن تيمية أن قوله بالإلهام لا يؤدي إلى إنكار الوضع، وأن قوله بالاستعمال لا ينافي الوضع. بل أن الوضع ملازم لكل مذهب قيل به في أصل اللغات. لأن المراد بالوضع هو النطق أول مرة باللفظة دالا على معناه سواء كان مصدره الإلهام أو المحاكاة أو التوقيف.
والخروج عن الدلالة الأولى للألفاظ مستساغ ومعقول. فبعد أن يستقر استعمال الكلمة في معناها الذي كانت هي من أجله يقع فيها التصرف باستعمالها في دلالة أخرى هي الدلالة المجازية. فسواء كان مصدر نشأة اللغة توقيفا كما يقول ابن فارس وغيره، أو مواضعة كما يرى ابن جنى وآخرون أو إلهاما كما يؤكد ابن تيمية أو محاكاة كما يرى قوم أو غريزة زود بها النوع الإنساني كما يذهب بعض المحدثين فإن الوضع ملازم لهذه الفروض كلها، لأن الوضع هو ورود اللفظ لأول مرة دالا على المراد منه.
وتلازم الوضع للاستعمال مثل تلازم الحياة للحي. ويستحيل استعمال لفظ بمعزل عن اللفظ نفسه، كما يستحيل وضع لفظ بمعزل عن الاستعمال لأن الواضع يضع اللفظ ويعينه للدلالة على معنى. وتصور وضع لفظ دون أن تكون حقيقة معناه ومسماه ماثلة في ذهن الواضع مستحيل مستحيل.
فاالإمام ابن تيمية- مثلا- يرى أن أصل اللغة إلهام واستعمال لا وضع متقدم على الاستعمال. فحين ألهم الله الإنسان أن يستعمل كلمة (بحر) فلابد من أحد أمرين لصحة هذا الاستعمال؟
أحدهما: رؤية مجتمع الماء عيانا حين الاستعمال.
والثاني: تخيل تلك الصورة إذا لم تكن حاضرة مرئية. وفي كلتا الحالتين فكلمة بحر اخترعت مقرونة بالاستعمال إما حسا وإما معنى. ومستحيل أن تخترع كلمة (بحر) أو توضع وليس في ذهن الواضع أو المخترع تصور لمسماها.
وهذا المثال صالح للتطبيق على كل النظريات المفروضة في أصل اللغات. فلا مناص من التسليم بالوضع إذن. فالوضع ملازم لكل نظرية، وللاستعمال. لأن اللغة مظهر خارجي وليست فعلا من أفعال النفس يظل مكتوما بين طواياها.
فليكن الاستعمال ولا وضع كما يرى ابن تيمية. ولكن المجاز جائز ومستساغ حتى مع نفي الوضع وفرض الاستعمال.
فالكلمة في أول استعمال لها حقيقة. وحين تستعمل استعمالا ثانيا بينه وبين الاستعمال الأول صلة معتبرة، ووجدت في السياق قرينة ترجح أو توجب الأخذ بمعنى الاستعمال الثاني دون الأول كان المجاز لا محالة « أ.هـ المجاز ص 742- 743.
الشبهة الثالثة لابن تيمية:
نفى أثر الإضافة في تحقيق المجاز فقال غفر الله له :
1- أن كل الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة بقيود وقرائن توضح المعنى المراد منها. فادعاء علماء اللغة ورود الألفاظ مجردة أو أنها بدون أية قرائن أو قيود تفيد معنى وبالتالي يكون المجرد منها حقيقة والمقيد بالقرائن مجاز هو خطأ غير معلوم من اللغة بل هو محال.
2- التسوية بين الإضافات المختلفة لأي لفظ، وقال بأنه ليس هناك إضافة لما حق اللفظ أن يضاف إليه وإضافة إلى ما ليس حق اللفظ أن يضاف إليه.
وهو في الحالتين ينكر رحمه الله ظاهرة تبادر المعنى الحقيقي للألفاظ عند سماعها مجردة من القرائن الصارفة عن هذا المعنى، .
والرد على ذلك:
1- إنكاره ـ رحمه الله ـ للتجريد في الألفاظ يخالف نص القرآن الكريم: } وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين { الآية 31 من سورة البقرة ويخالف ما قرره العلماء والباحثون في أصول اللغة قديماً وحديثاً من أن أسماء الذوات وهي الألفاظ الدالة على الأشياء مثل: أرض-سماء-بحر- فرس- إنسان.. إلخ هي بداية تعلم اللغة وحين نطق الإنسان الأول بهذه الأسماء فمن المؤكد أنه نطق بها مجردة قاصدا بها الدلالة على الصورة المتكاملة – سمعية بصرية حسية- كما هي مختزنة في خياله على ما شرحه د. أحمد عكاشة، ولم يكن في الوقت توصل إلى إطلاق الألفاظ الدالة على الأفعال ثم الحروف ثم الضمائر في فترات لاحقة كما أوضحه د. على عبد الواحد وافي من قبل.
2- مدلول كلامه أن اللفظ إذا ذكر بمفرده خال من أية قيود أو إضافات لا ينتج المعنى المقصود منه وبطلان هذا الرأى من البدهيات وها هي معاجم اللغة تذكر الألفاظ ومعناها مجردة من أي قيد أو إضافة وقد ضرب د. المطعني نماذج لذلك من معاجم اللغة وقال في موضع آخر: »... وكذلك لما نزل قوله تعالى } وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن … { (الآية 45 من سورة المائدة).
لم يفهم المسلمون من العين إلا العضو الباصر ولا من الأنف إلا العضو الشامّ، ولا من الأذن إلا العضو السامع، ولا من السن إلا الجارحة القاطعة. مع أن هذه الألفاظ لم تضف إلى ما حقها أن تضاف إليه، ولكنها عرفت تعريفا يؤدي نفس المعنى الذي تؤديه الإضافة. ولم ينصرف ذهن السامع إلى معنى آخر غير ما هو مراد في أصل اللغة. لأن هذه الألفاظ تخلو من القيود المؤذنة بصرفها عن الظاهر « أ.هـ (المجاز) ص 756- 757.
يقول الإمام تاج الدين:
» وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه (أسد) فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين:
أ- أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلّم ويرجع البحث لفظيا ( أي خلاف لفظياً )فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن أصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك.
ب- وإن أراد بذلك استواء الكُلّ في أصل الوضع: فقال القاضي في مختصر التقريب (فهذه مراغمة لحقائق فإنا نفهم أن العرب ما وضعت اسم (الحمار) للبليد، ولو قيل للبليد: حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وأن تناول الاسم لها متساو في الوضع، فهذا دنو من جحد الضرورة).
وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقة تمسكا بقوله تعالى } جدارًا يريد أن ينقض { عد ذلك من مستشنع الكلام « أ.هـ انظر الإبهاج في شرح المنهاج 1/298، حاشية البناني على جمع الجوامع 1/385 بألفاظ متقاربة.
3- إذا قيل لماذا لا يحمل تعدد المعاني على أنه من المشترك اللفظي بدلا من القول بالمجاز؟ وهو أن اللفظ الواحد يستخدم للتعبير عن أكثر من معنى وعند إطلاقه بدون قرينة لا يتبادر إلى الذهن معنى واحد منهم بل الجميع على قدم المساواة أو كما عرفه الإمام الأصولي ابن الجزري هو: » الموضوع لحقيقتين فأكثر وضعا واحداً « مثاله: كلمة (قرء) مشتركة بين الطهر والحيض، وكلمة (جون) مشتركة بين السواد والبياض، وكلمة (عسعس) مشتركة بين الإقبال والإدبار. قلنا:
أولاً: المشترك خلاف الأصل، لأنه لو كان المشترك هو الأصل لكان اللفظ عند إطلاقه بدون القرينة مجملا لا يعلم المراد منه ولما لم يكن كذلك بل تبادر إلى الذهن أحد هذه المعاني بمفرده فهذا يدل على أن الانفراد هو الأصل.
وأيضاً لو كان الاشتراك هو الأصل لما أمكن الاستدلال بالنصوص على حكم من الأحكام.
ثانياً: أن الاشتراك أقل من الانفراد واستقراء اللغة يدل على ذلك، والقلة دليل المرجوحية.
ثالثاً: أن الوضع يتبع المصلحة والاشتراك فيه مفسدة بالنسبة للسامع وللمتكلم. للسامع لصعوبة الفهم إلا بالقرائن وللمتكلم لصعوبة التعبير واحتياجه إلى إضافة ما يحدد مقصوده وهذه المفسدة وإن كانت لا تمنع وجود المشترك فلا أقل من أن تقتضي كونه مرجوحا.
رابعاً: أن المجاز كثير جداً في اللغة وذلك ثابت بالاستقراء وعند تردد الأمر بين الاشتراك والمجاز فحمله على المجاز أولى من حمله على الحقيقة المؤدي إلى الاشتراك لأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء والحمل على الأغلب أولى وكما يقول العلامة الإسنوي (والكثرة تفيد الظن في محل الشك).
خامساً أن اللفظ يحمل على المعنى المجازي عند وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وعند عدم هذه القرينة فحمله على المعنى الحقيقي المتبادر للفهم الموضوع له، بخلاف الاشتراك فإنه بدون القرينة يجب التوقف وإهمال اللفظ.
سادساً في حمل اللفظ على المعنى المجازي إثبات للعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه اللفظ وذلك أقرب إلى مراعاة قصد المتكلم.
سابعاً: في المجاز صور بلاغية رائعة سيتم إهمالها حين الأخذ بالاشتراك.
ويمكن الرجوع في هذه النقطة (المقارنة بين الاشتراك والمجاز) إلى كتاب ( المحكم والمتشابه) للدكتور إبراهيم عبد الرحمن ص 539 فما بعدها وكذا إلى كتب أصول الفقه.
4- أن إثبات المجاز في اللغة لم يستند إلى التجرد المحض في الألفاظ يقول الدكتور المطعني:
» … فمن قال بوقوع المجاز في اللغة لم يذهب إلى التجرد المحض في الألفاظ حتى يكون المقيد منها مجازاً والمجرد حقيقة، وإنما أراد بالتجرد: التجرد من قيود خاصة إذا وجدت وجد المجاز وإذا خلا الكلام منها كان الكلام حقيقة« يشير العلامة بذلك إلى القرينة الدالة على المجاز وكذا العلاقة. وهذه القرينة عند علماء البيان مانعة قطعاً من إرادة المعنى الحقيقي، مثل (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فإن الحيوان المعروف لا يرمى بالنشاب، ومثل:
ومن عجب أن الصوارم والقنا تحيض بأيدي القوم وهي ذكور
فإن (الحيض) لغة لم يستعمل إلا في الدم السائل من أرحام النساء، فهذا التعبير استعارة ومجاز والعلاقة إما اللون وإما مطلق السيلان.
وهذه القرائن منها لفظية لها صورا في الكلام، ومنها حالية معنوية ليس لها صورة في الكلام بل تدرك من الأحوال التي عليها المتكلم.
ومصادر القرينة هي اللغة أو الشرع أو العقل أو العادة والعرف أو الحس والمشاهدة.
وقد توسع العلامة د. المطعني في شرح القرائن الدالة على المجاز وكذا الإضافات وضرب أمثلة قاطعة منها:
قـــد رابـــني وهن المنى وانقــابضها وبسط جديد اليأس كفيه في صدري
يقول د. المطعني: » وقد جعل الشاعر لليأس كفين وجعله ممسكا به يكاد يخنق أنفاسه ويحطم عظام صدره « وكما نعلم فاليأس ليس له كفان ولا هو جسم من الأجسام ولكنه كما يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: » … لما أراد له ذلك جعل لليأس كفين واستعارهما له « فهل يستطيع الإمام ابن تيمية أن يقول أن إضافة الكفين إلى اليأس حقيقة! وهل هي نفس الإضافة في الأثر الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع » … فأخرج كفاً له ضخمة كأنها كف بعير … « حديث (973) الأدب المفرد.
فهل إضافة الكف إلى سلمة أو إلى البعير في هذا الخبر كإضافة الكفين إلى اليأس؟! أم أن الشاعر قد صور المعنى الذي يريد نقله في أقصر عبارة بحيث يجذب السامع ويلفت انتباهه؟ يقول أبو هلال العسكري: (وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع مالا تفعل الحقيقة) أ.هـ المجاز 269 للدكتور المطعني..
وأنواع المجاز أربعة:
1- العقلي. 2- المرسل. 3- الاستعارة المفردة. 4- الاستعارة التركيبية.
وأركان المجاز أربعة أيضاً:
1- المعنى الأصلي (الحقيقي) للفظ.
2- المعنى الثاني (المجازي) للفظ.
3- القرينة الدالة على منع إرادة المعنى الأصلي (الحقيقي).
4- العلاقة المعتبرة بين المعنى الأصلي (الحقيقي) والمعنى الثاني (المجازي).
ولكن هل المعنى المجازي لأي لفظ يجب أن يكون منقولا عن العرب؟ يقول الإمام عبد الوهاب السبكي: » فإن قلت إنما يكون من اللغة المجاز الذي تكلمت به العرب. قلت: تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كاف في نسبة المجاز لها « كتاب رفع الحاجب 1/411 وذلك لأن الصور المجازية هي من إبداع خيال الشعراء والبلغاء وغير مقيدة بأن يكون غيرهم قد سبقهم إلى استخدام نفس هذا اللفظ في هذه الصورة وإلا لم يكن هناك إبداع. بل ما نقلته الأمة كلها عن العرب الخلّص هو استخدام اللفظ في هذا الموضع بغير قيود وفي موضع آخر يصنعون قيداً (قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي) في وجود علاقة بين المعنى الحقيقي وبين المعنى الجديد (المجازي).
مثال ذلك إذا قال أحدهم: (رأيت أسداً كبيراً) وقال آخر (رأيت أسداً يرمى بالنشاب) فلا يشك السامع أن الأول رأى الحيوان المعروف لعدم وجود صارف عن ذلك وأن الآخر رأى رجلا شجاعاً يرمي بالنشاب.
ويقول العلامة صدر الشريعة الحنفي : » واعلم أنه يعتبر السماع في أنواع العلاقات لا في أفرادها فإن إبداع الاستعارات اللطيفة من فنون البلاغة « .
يقول الإمام سعد الدين التفتازاني شارحا ذلك: » يعني أن المعتبر في المجاز وجود العلاقة المعلوم اعتبار نوعها في استعمالات العرب، ولا يشترط اعتبارها بشخصها حتى يلزم في آحاد المجازات أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة.
وذلك لإجماعهم على أن اختراع الاستعارات الغريبة البديعة التي لم تُسمَعْ بأعيانها من أهل اللغة هو من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام، فلو لم يصح لما كان كذلك ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم للحقائق « أ.هـ. انظر (شرح التلويح على التوضيح).
جـ1 ص 152-153. دار الكتب العلمية.
الشبهة الرابعة للإمام ابن تيمية : (قوله ببطلان أدلة جمهور الأمة على إثبات المجاز) وهي: الدليل الأول: قوله تعالى: } جداراً يريد أن ينقض … { الآية من سورة الكهف.
يقول رحمه الله : » … فكل لفظ موجود في كتاب الله وسنة رسوله فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز بل حقيقة. ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازاً وذكروا ما يشهد لهم، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: }جداراً يريد أن ينقض{ قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز.
فقيل لهم لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة: يقال (هذا السقف يريد أن يقع)، و (هذه الأرض تريد أن تحرث)، و(هذا الزرع يريد أن يسقى)… « أ.هـ (الإيمان) ص 102-103.
والرد على ذلك: نقول:
1- سبق إبطال كلامه في إنكاره التجريد والإطلاق في الألفاظ.
2- قوله (لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد) وضربه أمثله لذلك، ليس فيه دليل على تساوي استعمال اللفظ في الحالتين بل هو دليل على أن العرب قد نطقت بالحقائق وبالمجازات.
يقول الدكتور المطعني: » ولو كانت إرادة الحيوانات والجمادات مثل إرادة الإنسان لما أهدر الشرع الأضرار التي تقع على الإنسان من العجماوات ولما قال عليه السلام (جرح العجماوات جبار) يعني لا تبعه عليها فيه، ولكان القصاص من الحيوانات إذا رفصت إنساناً فمات ولم يقل بهذا أحداً.
وإذا كان جرح العجماوات هدراً وهي أرقى من الجمادات لما ركب فيها من إحساس وإدراك فإن جرح الجمادات أولى بعدم الإكثرات وليس بعد هذا الفرق من كلام أو نزاع « أ.هـ (المجاز ص 800).
الدليل الثاني: قوله تعالى:} فأذاقها الله لباس الجوع والخوف { الآية 112 من سورة النحل.
يقول الإمام ابن تيمية » … فإن من الناس من يقول: الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس في البدن وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك. بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك « أ.هـ (الإيمان ص 104).
والرد على ذلك: نقول: وهل يوجد الطعم في غير الفم ؟! يقول د. المطعني » فكلمة طعم هذه خاصة بما يؤكل أو يشرب والطعام هو المأكول والطعم أثره في اللسان من حلاوة ومرارة ومزازة … فالخليل إذا لما قال: وجود طعم الشيء اكتفى بذكر (طعم) عن ذكر اللسان فأجمل إجمالا لا يخل بالفهم… نقول: إن عبارة الخليل لا تفيد الإمام ابن تيمية فهى حجة عليه وليست له« أ.هـ (المجاز ص 803- 804).
الدليل الثالث: ذكر الأصوليون وبعض اللغويين من أدلة المجاز: قوله تعالى: } ومكروا مكراً ومكرنا مكراً { الآية 50 من سورة النمل قوله: } فيسخرون منهم، سخر الله منهم { الآية 180 من سورة التوبة.
يقول الإمام ابن تيمية: » وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق كانت ظلماً له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً « أ.هـ الإيمان ص 107 والرد على ذلك:
أن هذه الأمثلة كما يقول د. المطعني من باب المشاكلة وهي تسمية الشيء باسم غيره لوقوعه في صحبته لفظاً أو تقديراً، ولا يتوقف تحقيقها على المجاز، وإن وقع فيها مجاز فذلك ليس من شرطها.
وهنا نصوص أخرى من المشاكلة لا يستطيع نفي المجاز فيها، من هذه النصوص ما يتعلق بالله سبحانه مثل: }وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا{ الآية 34، من سورة الجاثية، }فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم { الآية 14 من سورة السجدة، } نسوا الله فنسيهم{ الآية 67، من سورة التوبة.
ونحن لا نناقش هل الكفار يستحقون ذلك أم لا، أو أن نسيان الله سبحانه وتعالى لهم عدل أم لا؟
لكننا نسأل هل يجوز إسناد النسيان إلى الله سبحانه وتعالى على وجه الحقيقة التي يعلمها الناطقون باللغة العربية وهي صفة نقص في المسندة إليه أم أن ذلك تعبير عن حرمانهم من فضله وإحسانه في ذلك اليوم فهو بذلك مجاز؟
وهناك نصوص أخرى من المشاكلة فيها المجاز جاءت في غير الله سبحانه فمنها قوله تعالى }فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم { الآية 194 من سورة البقرة.
} وجزاء سيئة سيئة مثلها … { الآية 40 من سورة الشورى، } ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل أذن خير لكم{ الآية 61 من سورة المائدة.
وقد شرح د. المطعني وجه المجاز في كل آية.
الدليل الرابع: وهو أشهر الأدلة التي يستدل بها جمهور الأمة وأعلامها يقول إمامنا الشافعي في (الرسالة) تحت عنوان: (الصنف الذي يبين سياقه معناه): قال الله تبارك وتعالى }واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون{ (الآية 163 من سورة الأعراف) فابتدأ جل ثناؤه ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر فلما قال: } إذ يعدون في السبت { دل على أنه إنما أراد أهل القرية لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون « ثم قال:
» وقال } وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين. فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون { (الآيتان 11،12 من سورة الأنبياء) وهذه الآية مثل الآية قبلها فذكر قصم القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها دون منازلها التي لا تظلم. ولما ذكر القوم المنشئين بعدها وذكر إحساسهم البأس عند القصم أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين « أ.هـ الرسالة ص 62-63.ومعلوم أن الإمام الشافعي حجة في اللغة .
يقول العلامة د. المطعني: » وأكاد أجزم أنه أراد بالسياق ما فيه من قرينة دالة على التجوز وهي كما قال: إن القرية باعتبارها مكانا لا تكون فاسقة ولا عادية ولا تكون ظالمة ولا تحس ألم البأس وغير خاف أن الإمام الشافعي يحمل المطلق (القرية باعتبار المكان) على المقيد (القرية بمعنى من فيها من الأهل) وهذا غير ما ذهب إليه الإمام ابن تيمية من إبقاء القرية على ظاهرها حين يتحدث عنها وقد بالغ في هذا حيث قال: (ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمها، فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا لأهلها فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر كما ينال الجسد والروح ما يصيب أحدهما) فهل يا ترى يذهب الإمام ابن تيمية إلى القول بأن الخراب الواقع على القرية هو عقاب لها من حيث أنها قرية ومنازل ؟ !!« أ.هـ المجاز ص 816- 817.
قلت كان الأولى بابن تيمية في هذا النص أن يقول: فكذلك القرية إذا عذب أهلها عذبت وإذا خربت خرب جسد كل فرد من أهلها! وقد سبق له في كتاب الإيمان أن قال: » فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال وكلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحالّ وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك في النهر يقال حفرت النهر وهو المحل وجرى النهر وهو الماء ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء« أ.هـ الإيمان 108.
كل هذا كما قيل في الدليل الأول يثبت أن العرب كما قلنا نطقت بالحقيقة وبالمجاز واستعملت هذا وذاك من أساليبها وها هو يثبت في كلامه اعتبار العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي المنقول إليه عندما شبه القرية وسكانها بجسد الإنسان وروحه وهو يعترف بالقرائن الدالة على إرادة المعنى المجازي والصارفة عن المعنى الحقيقي فماذا لايقر بالمجاز لفظا ومعنى كباقي الأمة؟

وانظر إلى كلام الإمام الشافعي يشير بلفظ (السياق) إلى القرينة اللفظية الموجودة في الكلام ثم ذكر النوع الآخر للقرينة وهي القرينة الحالية المعنوية فيقول تحت عنوان (الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره): » قال الله تبارك وتعالى وهو يحكي قول أخوة يوسف لأبيهم } ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين. واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون{ (الآيتان 81، 82 من سورة يوسف) فهذه الآية في مثل معنى الآية التي قبلها لا تختلف عند أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمساءلة أهل القرية وأهل العير، لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم« الرسالة ص 64.
والقرينة الحالية المعنوية هنا كما يقول الإمام (لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم) فهورحمه الله يؤول لفظ القرية بأهلها ولفظ العير بأهلها أيضاً ولا يبقي اللفظ على ظاهره كما يفعل الإمام ابن تيمية.
ونحن نسأل لو قال قائل (ذهبت إلى قرية كذا) أو (ذهبت إلى العير) بدون أية قرينة أو إضافة أليس المتبادر إلى ذهن السامع أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية وأن الآخر ذهب إلى العير التي هي الجمال (الحيوانات) المعروفة؟ فكلام الإمام الشافعي والأمة كلها معه – يبين أن هذا هو المفهوم من اللفظ حيث إنه لا توجد قرينة تنفي هذا المفهوم أما على طريقة تقرير الإمام تقي الدين ابن تيمية فيجوز أنه ذهب إلى القرية التي هي مكان وأبنية ويجوز أنه ذهب إلى أهلها حتى وإن كانوا خارجها!، ومن ذهب إلى العير يجوز أنه ذهب إلى الحيوانات المعروفة ويجوز أنه ذهب إلى أصحابها في منازلهم بعيداً عن الحيوانات! وهل الإمام الشافعي القرشي الذي هو بإجماع أهل العلم حجة في اللغة العربية، والمولود سنة مائة وخمسين من الهجرة وأدرك أتباع التابعين كالإمام مالكt فبينه وبين الصحابة جيلين فقط ونشأ في مكة المكرمة وسط قريش أفصح العرب وتعلم لغة العرب من مصادرها النقية، أقول هل هذا الإمام الفذ لا يعرف أساليب العرب في التعبير ولا يدرك ما اكتشفه الإمام ابن تيمة في القرن الثامن من أن الألفاظ السابقة ونظائرها حقائق على ظاهرها في جميع الاستعمالات؟ وكذا أبو عبيدة معمر بن المثني ومن قبله أبو زيد القرشي وأبو عمر بن العلاء وأبو حنيفة الذي عاصر أربعة من الصحابة وصاحباه وغيرهم مما يكاد أن يكون إجماعا من الأمة في ذلك العصر، بل هو كذلك بالفعل فلم يكن الشافعي معبراً عن رأيه هو بل عن فكر الأمة كلها فهل كل هؤلاء أخطأوا ونقلوا لنا العربية بصورة غير صحيحة ؟!
هل كان الإمام ابن تيمية يعتقد صحة كلامه في بطلان المجاز ؟
يلاحظ أن ابن تيمية مر بثلاث فترات كان له فيها موقف مختلف في موضوع المجاز.
الفترة الأولى: في نشأة حياته العلمية: وألف فيها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) الذي أطراه وأثنى عليه كمال الدين بن الزملكاني، واستخدم المجاز في الدفاع عن أئمة المذاهب في موضعين أشار إليهما د. المطعني، ويبدو أنه ألف فيها أيضاً رسالة (الحقيقة والمجاز في صفات الله) ردا على سؤال لشيخ سماه (شمس الدين) ونشرها محمد عبد الرازق حمزة، عقب الفتوى الحموية مباشرة وفيها يقر بالمجاز بدون تحفظ.
الفترة الثانية: وهي التي ألف فيها الفتوى الحموية وبدأ يتحفظ فيها في الكلام على المجاز وإن كان ظاهر كلامه الإقرار به في اللغة ومنع تطبيقه في مسائل صفات الله لما رأى تصادم آرائه في العقيدة مع إباحته للمجاز وفي خلال هذه الفترة تصاعدت خلافاته مع علماء عصره .

الفترة الثالثة: إنكاره للمجاز مطلقاً في اللغة والقرآن والسنة وعلى نفس طريقته سار تلميذه ابن قيم الجوزية بعد وفاة ابن تيمية إذا ناقش موضوعات الصفات والنصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه تراه يسرع في إنكار المجاز وإبطاله بكل ما أوتي من قوة حتى يؤكد اسلوب تقرير العقيدة اللذي قرره الإمام ابن تيمية فإذا ناقش أفكاراً أخرى تحتاج جزماً إلى التأويل فيجنح إلى المجاز .

أورد الدكتور المطعني في كتابه تحت عنوان: (التأويل المجازي في أعمال ابن تيمية) حوالي سبعة عشر مثالا تغطى كل أنواع المجاز ومنها خمسة نماذج في صفات الله عز وجل منها تأويل (الرؤية والسمع) انظر ص 834.
ثم ذكر ورود المجاز صريحاً في أعمال ابن تيمية فأورد عشرة أمثلة ذكر فيها المجاز نصا واعترف به.

فلا وجه لمتابعة الإمام العلامة ابن تيمية في هذا الخطأ فإنه تقليد خاطىء وتعصب مذموم لا يرضاه الإمام رحمه الله
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

أبو عبد المعز
18-04-06, 05:54 AM
لماذا أنكر شيخ الاسلام المجاز فى اللغة؟
معظم الذين نقدوا رأي ابن تيمية ذهبوا الى ان شيخ الاسلام يصدر فى رأيه هذا من منطلقات عقدية....فيرون انكاره المجاز من باب سد الذريعة....فقط:فلما كان ابن تيمية لا يقبل تأويل الاسماء والصفات الالهية..فقد ضحى فى سبيل ذلك بالمجاز نفسه...بمعنى ان انكار المجاز ليس بالقصد الاول بل بالقصد الثاني.....
هذا الرأي فى نظري بعيد من الصواب....بل ان شيخ الاسلام كان يصدر من منطلقات لغوية....وفى نقاشه للمجاز..كان فى قلب البحث اللغوي...بغض النظر عن نتائجه العقدية...وهذا ما سنعرض له فى هذا البحث.....

اولا: رفض ابن تيمية لنظرية المجاز.....بسبب هشاشتها..وعدم وضوح مسلماتها...
نظرية المجاز رهينة بنظرية الوضع....فإن سلمت الاخيرة سلمت معها الاولى....لكن هيهات...فمسلمة "الوضع"تضرب فى اعماق الغيب....ولا يمكن الاستدلال عليها...وهذا القدر وحده يكفي للتشكيك فى مصداقية المجاز....عند علماء المناهج....وفقهاء العلم..وهذا بيان ذلك:
عرف صاحب الايضاح:الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح به التخاطب
......والمجاز وهو ما استعمل فيما لم يكن موضوعا له لا في اصطلاح به التخاطب ولا في غيره...