مشاهدة النسخة كاملة : شرح المفصل للزمخشري
أبوحاتم المصري
24-11-06, 06:01 PM
هذا شرح لطيف علقته على كتاب المفصل لأبي القاسم الزمخشري أرفعه إليكم في هذه الصفحة بشكل دوري مستمدا من الله فيه العون وملتمسا في إتمامه التوفيق ومتحريا فيه نفع إخواني من طلبة العلم والمتحققين بأوصاف أهله والله المستعان وعليه التكلان .
أبوحاتم المصري
24-11-06, 06:19 PM
مقدمة
أما بعد ..
فهذا شرح لطيف مختصر على كتاب المفصل في النحو لصاحبه العلامة رأس البلاغة أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري المنسوب إلى زَمَخْشَر و هي قريةٌ من قرى خُوَارَزْم ولد بها سنة سبعٍ و ستين و أربعمائة و لهذا يقال في نسبه الزمخشري الخوارزمي .
رحل إلى بغداد و خراسان وغيرهما و سمع في بغداد من نَصْرِ بن البَطَرِ و غيرِه و ضُّعِّفَ في الحديثِ لكونه داعيةً إلى نحلة أهل الاعتزال بل كان رأس المعتزلة في عصره ، و رغم ذلك فلم يكن هذا موجبًا لهجر نتاجه الفكري اللغوي فالرجل و إن كان معتزليًا مبتدعًا فقد كان فيه صلاحٌ و عبادة و اتُفِقَ على إمامتِه في اللغة و سعةِ علمِه و معرفتِه بعلومِ العربية ، قال السمعاني : برع في الآداب وصنف التصانيف و ورد العراق وخراسان و ما دخل بلدًا إلا واجتمعوا عليه وتتلمذوا له وكان علَّامةً نسابةً جاور مدة حتى هبت على كلامه رياح البادية اﻫ .
و لم يزل العلماءُ يديمون النظر في كتبه و يعولون عليها و لم أعلم أن أحدًا من أهل العلم كان ينهى عن قراءة كتبه و مطالعتها وإنما كانوا يُحَذِّرون من كشَّافِه في التفسير لأنه شحنه ببدع المعتزلة و تأويلات الجهمية .
قال الإمام أبو محمد بن أبي حمزة في شرح البخاري له لما ذكر قوما من العلماء يغلطون في أمور كثيرة قال : ومنهم من يرى مطالعة كتاب الزمخشري – يعني الكشاف - ويؤثره على غيره من السادة كابن عطية ويسمى كتابه الكشاف تعظيما له قال : والمناظر في الكشاف إن كان عارفا بدسائسه فلا يحل له أن ينظر فيه لأنه لا يأمن الغفلة فتسبق إليه تلك الدسائسُ وهو لا يشعر أو يحملُ الجهالَ بنظره فيه على تعظيمه ... قال : وإن كان غيرَ عارف بدسائسه فلا يحل له النظر فيه لأن تلك الدسائسَ تسبقُ إليه وهو لا يشعر فيصيرُ معتزليًا مرجئًا اﻫ.
والحقُّ أنه لا يجوزُ للشبيبةِ الأغمار ، ممن لا دراية لهم بالسنن و الأخبار ، و لا لهم معرفةٌ بمآخذ و خلافات النُّظَّار - أن يديروا النظرَ فيه لأن مثلهم لا يُؤْمَن منهم الغفلةُ فتنطلي عليهم شبهُه و تدخل عليهم دسائسُه ، و أما من رسخت قدمُه في العلم و كانت له دراية واسعة بالسنن و مقالات الناس و مواضع الاتفاق و الاختلاف فلا يُخْشَى على أمثالهم منه .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : وأما التفسير فقد أُولعَ الناس به وبحثوا عليه وبينوا دسائسَه وأفردوها بالتصنيفِ ومن رسُخت قدمه في السنة وقرأ طرفًا من اختلاف المقالات انتفع بتفسيرِه و لم يضرَّه ما يخشى من دسائسِه اﻫ .
و أما كتبه الأخرى فهي كثيرة نافعة و متداولة و من أحاسنها كتاب أساس البلاغة و هو كتاب كبير الحجم عظيم الفحوى من أركان فن الأدب بل هو أساسه ذكر فيه المجازات اللغوية والمزايا الأدبية وتعبيرات البلغاء على ترتيب موادها .
و كتابه الفائق في غريب الحديث من أنفس الكتب لجمعه المتفرق في مكانٍ واحد مع حسن الاختصار و صحة النقل .
و أما كتابه المفصل في علم النحو و الذي نحن بصدد شرحه فهو كتاب عظيم القدر رفيع المنزلة جمع فيه مؤلفه أصول هذا العلم و فصوله ، و أوجز لفظه ، و أحكم بناءه ، و أتقن نظمه و ترتيبه حتى قال فيه أحدهم :
و لولا التقى قلت المفصَّلُ معجزٌ كآيٍ طوالٍ من طوالِ المفصلِ
غير أنه لكثرة مسائله و وجازة لفظه قد اشتمل على ضروب منها لفظٌ أغربت عبارته فأَشْكَل ، و لفظٌ تتجاذبه معانٍ فهو مجمل ، و منها ما هو بادٍ للأفهام إلا أنه خالٍ من الدليل مهمل ، فاحتاج لذلك إلى شروحٍ تحل إشكاله ، و توضِّح مجملَه ، و تُتْبِعُ كل حكم من أحكامه حججه و علله ، و قد اعتنى كثيرٌ من علماءِ هذا الفنِّ - لأجل ذلك - بشرحِه فصنفوا عليه شروحًا كثيرة تباينت في طولها و قصرها و إيجازها و إيعابها منها شرحُ الشيخ أبي عمرو عثمان بن عمرو المعروفِ بابنِ الحاجب النحْويّ المُتوفَّى سنة ستمائة و ست و أربعين وسمى شرحه " الإيضاح " ، و شرحُ الشيخ العلامة النحوي أبي البقاء عبد الله بن الحسين العُكْبَريّ صاحبِ التصانيفِ المشهورة في فنون الإعراب و المتوفَّى في سنة ستمائة و ستَ عشرةَ و سَمَّى شرحَه " الإيضاح " أيضًا، و شرحُ الشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروفِ بابن مالكٍ النحوي المتوفَّى سنة ستمائة و اثنتين و سبعين ، و شرحا الشيخ الإمام العلامة أبي الحسن علي بن محمد السخاويّ المتوفى سنة ستمائة و ثلاث و أربعين جعل أحدهما أربعةَ أجزاء و سماه " المفضَّل " و الآخر سماه " سفر السعادة و سفير الإفادة " ، و شرحُ الشيخ العلامة موفَّقِ الدين يعيشَ بن عليِّ بن يعيشَ النحوي المتوفَّى سنة ثلاثٍ و أربعين و ستمائة ، وقد قسَّمه إلى عشرةِ أجزاء ، و طبع في دار المتنبي بالقاهرةِ في مجلدينِ ، و هو شرحٌ وافٍ إلا أنه توسَّع فيه في ذكر العلل و أغرق في تفاصيلها بما طول الكتاب بلا داعٍ محوجٍ إلى التطويل ، و شرحُ الشيخِ تاجِ الدين أحمدَ بن محمودِ بن عمرَ الجِنْديِّ و سماه " الإقليد " ، و شرحُ الشيخ حسامِ الدينِ حسامِ بن عليٍّ السغناقي المتوفَّى سنةَ سبعمائة و عشرة و سماه " الموصل " جمع فيه بين " الإقليد " للجندي و " المقتبس في بيان ما التَبَس " للإسغندري المتوفَّى سنةَ ستمائة و ثمانٍ و تسعينَ ، وغيرُها من الشروح الكثيرة المعروفة إلا أن المطبوع منها قليل جدًا و لم أر من شروحه المطبوعة سوى شرح الشيخ ابن يعيش - رحمه الله - و هذا ما جعلني أجسرُ - رغم كثرة شروحه - على إملاء شرح عليه محترزًا عن التطويل فيما لا فائدة فيه و مجتنبًا ذكر و مناقشة كثير من الخلافات التي لا حاصل تحتها ، و لا ثمرةَ مرجوةٌ من ورائها .
هذا و قد اختصر المؤلف كتابه المفصل في كتاب آخر سماه الأنُْمُوذَج جعله مقدِّمةً للمبتدئين ، و تناوله العلماء أيضًا بالشَّرح و الإفادة , و له كتابٌ آخرُ تعرَّضَ فيه إلى بعض مشكلات المفصَّل .
وتعقب الزمخشريَّ بالرد على كتابه المفصل كثيرٌ من العلماء في تصانيف مفردة ، منها تعقُّبُ الشيخ أبي الفضل المريسي المتوفى سنة خمسٍ و خمسين و ستمائة و أورد فيه سبعين مأخذًا و منها تعقُّبُ الشيخ ابن معزوزٍ الأندلسي المتوفى سنة خمسٍ و ثلاثين و ستمائة وسماه " التنبيه على أغلاط الزمخشري في المفصل و ما خالف فيه سيبويه "
وكانت وفاة أبي القاسم الزمخشري في ليلة عرفة من سنة ثمان و ثلاثين و خمسمائة فرحمه الله و سامحه .
وقد شرعت في تعليق هذا الشرح مستمدًا من الله العون في شهر شعبان من سنة ألفٍ و أربعمائةٍ و ستٍ و عشرين .
وكتبه / أبو حَاتمٍ المِصْرِي
أبوحاتم المصري
24-11-06, 07:10 PM
الدرس الثاني
قال المصنف - رحمَهُ اللهُ - : { اللهَ أَحْمَدُ على أَنْ جَعَلَنِي مِنْ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّةِ }
فيه مسائل :
( الأولى ) لفظ الجلالة ( الله ) عَلَمٌ على الرب تبارك و تعالى وقيل هو اسم الله الأعظم لأنه يوصف بجميع الأسماء و لا توصف الأسماء به ، و لأنه اسمٌ لم يسم به غيره .
( الثانية ) ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن لفظ الجلالة اسمٌ جامدٌ لا اشتقاق له و نقله القرطبيُّ عن جماعةٍ منهم الشافعيُّ و الخطابي و إمام الحرمين و الغزالي و غيرُهم و احتجوا بما سبق من كونه لم يسمَّ به غيره و بأن الألف و اللام فيه لازمة و لهذا تقطع في النداء و القسم ؛ و الصحيح ما ذهب إليه سيبويه في المشهور عنه و الكسائي و الفراء و الأخفش و قطرب و جماعةٌ إلى أنه مشتق و أن أصله "إِله" على وزن "فِعال" حذفت الهمزة ثم دخلت الألف و اللام لإفادة التعظيم و لدفع الشيوع و للتعويض عن الهمزة المحذوفة فلزمتا و صح القطع في النداء و القسم ثم أدغمت اللام الأولى في الثانية ؛ ويدل لاشتقاقه من "إله" قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ } مع قوله : {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} .
( الثالثة ) إذا قلنا باشتقاقه -وهو الراجح- فاشتقاقه من الإلاهة أو التأله و هو مصدر لِ "ألَه يألَه" بمعنى "عبَد يعبُد" فالتأله أو الإلاهة هي العبادة و الإله هو المعبود فكل ما عُبِد فهو إله سواءٌ عبد بحقٍ أو لا و لهذا سميت الأوثان التي عبدها المشركون آلهةً و إن كانت عبوديتها باطلة ؛ و قد جاء التصريح بلفظ المصدر في قول رؤبة :
لله دَرُّ الغانيــــات المُـدَّهِ سَبَّحْنَ وَ اسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَألُّهي
و في قراءة ابن عباس : {و يذرك و إلاهتك}.
قال الحافظ أبو جعفر بن جرير في تفسيره : حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن عمرو بن الحسن عن ابن عباس أنه كان يقرأ {ويذَرَكَ و إلاهتَك} وقال : إنما كان فرعون يُعبَدُ ولا يَعبُد .
( الرابعة ) قوله ( أَحْمَدُ ) أخَّرَهُ و قدَّم معمولَه لإفادة التخصيص أي أحمدُ اللهَ لا أحمدُ غيرَه و الحمد هو الثناء على المحمود باللسان و قد يكون مرادفًا للشكر إذا كان في مقابلة النعمة و قد يكون مفارقًا له إذا كان لمجرد ما يحمله المحمود من الصفات الحميدة التي يستحق من أجلها الحمدَ و الثناءَ فبَيْنَهما عمومٌ و خصوصٌ من وجهٍ فالحمدُ أعمُّ من جهة كونه في مقابلة النعمة وغيرها و الشكر أعم من جهة أنه يكون باللسان و غيره كما قال أحد الحكماء : " الشكر ثلاثُ منازل ضمير القلب و نشر اللسان و مكافأة اليد " ، و قال الشاعر :
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً يدي و لساني و الضميرَ المحجَّبَا
( الخامسة ) لم أر للمصنف وجهًا في البدءِ بالحمد دون البسملة و إنما كَرِهَ البدء بالبسملة مَنْ كَرِهَه في كُتُبِ الشعر خاصَّة ، وأما غيرها من الكتب فلا خلاف في جواز كتابة البسملة في صدرها وإن اشتملت على حكاية بعض الأشعار وقد اعتمد من كره ذلك على بعض الآثار الضعيفة كأثر الزهري والشعبي وقد رواهما الخطيب في جامعه وكلاهما لا يصح إسنادًا فالصحيح جواز البدء بها في أول كل كتاب من غير كراهة ، قال القرطبي : " اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل فإن كان الكتاب ديوان شعر فروى مجالد عن الشعبي قال : أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر { بسم الله الرحمن الرحيم} وقال الزهري :مضت السنة ألا يكتبوا في الشعر { بسم الله الرحمن الرحيم } وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين قال أبو بكر الخطيب : وهو الذي نختاره ونستحبه"انتهى من الجامع.
وربما اعتُذر له بأنه استغنى بالحمد عن البسملة لدلالة كل منهما على الثناء والمشهور الاقتصار على البسملة والاستغناء بها عن الحمدلة كما فعل أبوبكر رضي الله عنه في كتاب الصدقة الذي أرسله إلى أنسٍ لما استعمله على البحرين فقد قال في كتابه " بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة ...." قال الماوردي : يستدل به على إثبات البسملة في ابتداء الكتب وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرط .
أبو القاسم المقدسي
24-11-06, 11:48 PM
جزاكم الله خيرا أخي المفضال أبا حاتم..على هذا الشرح المستطاب..
فواصل وصلك الله بطاعته
أبوحاتم المصري
25-11-06, 06:28 PM
( السادسة ) قوله ( على أن جعلني من علماء العربية ) أي أشكره على أن صيرني من أهل المعرفة بقواعدها وأسرارها ومقاصدها ومنازع كلام أصحابها وفيه إشارة إلى أن العبد مفتقر إلى الله في تحصيل العلوم والحذق بها والتحقق بأوصاف أهلها وهو أمر تظاهرت أدلة الشرع على إثباته ومنه قوله تعالى : "وعلمناهُ صنعةَ لبوسٍ لكم" وقوله : "ففهمناها سليمان" وقوله : "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملاً متقبلاً" وقوله : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" وفيه نقض لعقيدة المصنِّف في القدر فإن المعتزلة يعتقدون أن أفعال العباد مخلوقةٌ لهم ويسمون ذلك العدل ، وكلامُ المصنِّف يدل على أنها مخلوقة لله كما هو اعتقاد أهل السنة .
( السابعة ) قوله ( من علماء العربية ) ليس من شرط العالم بالعربية أن يكون خبيرًا متبحرًا في كل علومها فمن برع في شيءٍ من علوم العربية فهو من علمائها على أن تكون له درايةٌ بما يكفيه من أصول ما لم يبرع فيه منها .
وفي قوله ( من علماء العربية ) تزكيةٌ خفَّفَ منها سَوْقُها في مَعرِض إظهارِ الافتقار إلى الرب والاعترافِ بفضله وأنه صاحبُ المنِّ والعطاء ومجيئُها في سياق الاحتجاج على الشعوبية المبغضةِ للعربية والحانقةِ على أهلها .
وفي كلامه إشارةٌ إلى فضل العربية على سائر اللغات وانفرادها دونها بأشرف الخصال وأسنى الميزات وقد دلل على ذلك بما ذكره في معرض احتجاجه على الشعوبية من أن الله خصها وشرفها ورفع منارها بأن أرسل بها خيرة رسله وأنزل بها خير كتبه فيسر لها بذلك أسباب البقاء وجنبها عوارض الفناء بخلاف غيرها من اللغات التي اعتورتها عواملُ التقادم وشابتْها سُنَنَ التطور فصار المتأخر من العجم لا يفهم لغة من تقدمه إلا بوساطة قاموس أو تَرْجُمان .
ومن دلائل فضلها أن الله تعالى وصفها في كتابه الخاتم بأحسن النعوت وأبلغ الأوصاف فقال : " وإنه لتنزيلُ ربّ العالمين نَزَل بِهِ الرُّوح الأمين عَلَى قلبك لِتكُون من المُنذِرين، بلسانٍ عربيٍّ مبين "
قال ابن فارس رحمه الله : فوصَفه جلّ ثناؤه بأبلغ مَا يوصَف بِهِ الكلام وهو البيان ، قال جلّ ثناؤه: " خَلَق الإنسان علَّمه البيان " فقدّم جلّ ثناؤه ذكر البيان عَلَى جميع مَا توحَّد بخلقه وتفرَّد بإنشائه، من شمسٍ وقمرٍ ونجمٍ وشجرٍ وغيرِ ذَلِكَ من الخلائق المحْكمة والنشايا المُتْقَنة. فلمّا خصَّ جلَّ ثناؤه اللسانَ العربيَّ بالبيانِ عُلم أن سائر اللغات قاصِرَةٌ عنه وواقعة دونه .
قال : وَقَدْ قال بعضُ علمائنا حين ذكر مَا للعرب من الاستعارة والتمثيل والقلب والتقدير والتأخير وغيرها من سنن العرب فِي القرآن فقال: ولذلك لا يقدر أحد من التراجم عَلَى أن ينقله إِلَى شيء من الألسنة كما نُقل الإنجيل عن السريانية إِلَى الحَبشية والرُّومية وترجمت التوراة والزَّبور وسائرُ كتب الله عزّ وجلّ بالعربية، لأن العجم لَمْ تتَّسع فِي المجاز اتساع العرب، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقُل قوله جلّ ثناؤه: " وإما تخافَنَّ مِن قوم خِيانةً فانْبذْ إليهم عَلَى سواء " لَمْ تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ المؤدِّية عن المعنى الَّذِي أَوْدِعَتْه حَتَّى تبسُط مجموعها وتصِل مقطوعها وتُظهر مستورها فتقول: " إِن كَانَ بَيْنَك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضاً فأعلمهم أنّك قَدْ نقضت مَا شرطته لهم وآذِنْهم بالحرب لتكون أنت وهم فِي العلم بالنقض عَلَى استواء " وكذلك قوله جلّ ثناؤه: " فضربنا عَلَى آذانهم فِي الكهف " .
قال : ولو أراد معبّرٌ بالأعجمية أن يعبر عن الغنيمة والإخفاق واليقين والشكّ والظاهر والباطن والحق والباطل والمبين والمشكل والاعتزاز والاستسلام لعيّ بِهِ. والله جلّ ثناؤه أعلم حَيْثُ يجعل الفضل .
قال : وممّا لا يمكن نقْله البتَّةَ أوصافُ السيف والأسد والرمح وغير ذَلِكَ من الأسماء المترادفة ومعلوم أن العَجَم لا تعرف للأسد غير اسم واحد ، فأما نحن فنُخرج لَهُ خمسين ومائة اسم .
وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعت أبا عبد الله بن خالَوَيْهِ الهمذاني " يقول: جمعت للأسد خمس مائة اسم وللحيَّة مائتين .
وأخبرني عليُّ بنُ أحمد بنِ الصبَّاح قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمه أن الرشيد سأله عن شعر ل ابن حزام العُكْلِيّ ففسره ، فقال : " يَا أصمعي، إِن الغريب عندك لغَيْرُ غريب " فقال: " يَا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وَقَدْ حفظتُ للحَجَر سبعين اسماً؟ " . وهذا كما قاله الأصمعي. ولكافي الكفاة أدام الله أيامه وأبقى للمسلمين فضله - فِي ذَلِكَ كتاب مجرد فأين لسائر الأمم مَا للعرب ؟ ومن ذا يمكنه أن يُعبّر عن قولهم: ذات الزُّمَيْن، وكَثْرَة ذات اليد ، ويد الدهر ، وتخاوَصَت النجوم ، ومَجَّت الشمسُ ريقها ، ودَرأ الفيءَ ومفاصل القول ، وأتى بالأمر من فصِّه ، وهو رَ حْب العَطَن ، وغَمْرُ الرداء ، ويخْلق، ويَفري ، وهو ضيّق المَجَمّ قلِق الوَضِين ، رابط الجأش ، وهو ألْوى ، بعيد المُسْتَمَرّ ، وهو شراب بِأنقع ، وهو جُذَيْلُها المحكَّك وعُذَيقُها المُرَجَّب ، وَمَا أشبه هَذَا من بارع كلامهم من الإيماء اللطيف والإشارة الدّالة وَمَا فِي كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب العالي أكثر وأكثر، قال الله جلّ وعزّ: " ولكم فِي القصاص حياة " و " يحسبون كلَّ صَيْحة عليهم " ، و " وأُخرى لن تَقْدروا عَلَيْهَا قَدْ أحاط الله بِهَا " و " إِن يتّبعون إِلاَّ الظَّنَّ وإن الظن لا يُغني من الحقّ شيئاً " و " إنما بَغيكم عَلَى أنفسكم " " ولا يَحيقُ المكر السّيّئ إِلاَّ بأهله " وهو أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ .
وللعرب بعد ذَلِكَ كَلِمٌ تلوح فِي أثناء كلامهم كالمصابيح فِي الدُّجى، كقولهم للجَموع للخير: قَثُوم ، وهذا أمر قاتِم الأعماق ، أسود النواحي ، واقتحف الشرابَ كلّه ، وَفِي هَذَا الأمر مصاعبُ وقُحَم ، وامرأة حييّة قدِعة وتَقَادَعوا تقادُعَ الفراش فِي النار ، وَلَهُ قَدَم صِدق، وذا أمر أنت أردته ودبّرته ، وتقاذَفَتْ بِنَا النَّوى ، واشْتَفَّ الشراب، ولك قُرعة هَذَا الأمر خياره ، وَمَا دخلت لفلان قريعة بيت ، وهو يَبْهَر القرينة إِذَا جاذبته ، وهم عَلَى قرو واحد أي طريقة ، وهؤلاء قَرَابينُ الملك ، وهو قشع إِذَا لَمْ يثبت عَلَى أمر ، وقشبه بقبيح لطخه وصبي قصِع لا يكادُ يشبّ وأقلت مَقاصِرُ الظلام ، وقطَّع الفرسُ الخيلَ تقطيعاً إِذَا خلَّفها، وَلَيْسَ أقعَس لا يكاد يبرح ، وهو منزول قفر .
وهذه كلمات من قرحة واحدة، فكيف إِذَا جال الطرف فِي سائر الحروف فجالَه؟ ولو تقصينا ذَلِكَ لجاوزنا الغرض ولما حوته أجلادٌ وأجلاد . انتهى كلامه رحمه الله بتصرف من كتاب الصاحبي
أبو مالك العوضي
26-11-06, 11:48 AM
جزاك الله خيرا أخي الكريم
للتحميل: كتاب (المفصل في صناعة الإعراب (http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=16&book=1070)) للزمخشري
للتحميل: (شرح أبيات المفصل للجرجاني (http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=14&book=435))
أبو مالك العوضي
03-12-06, 11:34 PM
يا ليتك تختصر في الشرح أخي الفاضل، حتى يسهل الإكمال عليك
وقديما قالوا:
وما كل هاو للجميل بفاعل ......... ولا كل فعال له بمتمم
زكرياء توناني
04-12-06, 04:08 PM
يا ليتك تختصر في الشرح أخي الفاضل، حتى يسهل الإكمال عليك
وقديما قالوا:
وما كل هاو للجميل بفاعل ......... ولا كل فعال له بمتمم
اقتراح طيب
الاسكندري
13-05-07, 06:34 PM
السلام عليكم :
هل لديك كتاب شرح المفصل للتحميل ؟
أبو مالك العوضي
14-05-07, 05:16 AM
شرح المفصل لابن يعيش:
http://www.almaknaz.com/show.php?cat=22&book=123
الاسكندري
14-05-07, 08:28 AM
وفقك الله بتوفيقه يا أبا مالك .
ابو يعقوب العراقي
14-05-07, 04:23 PM
بارك الله فيك
اخي الحبيب هل تكمل الشرح ان شاء الله
vBulletin® v3.7.0, Copyright ©2000-2008, TranZ by Almuhajir