المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصيدة أحمد شوقي في مدح النبي صلى الله عليه و سلم


زكرياء توناني
25-11-06, 12:54 PM
من يدلني على قصيدة أحمد شوقي ( الميمية ) التي يمدح فيها النبي صلى الله عليه و سلم ؟

الفهمَ الصحيحَ
25-11-06, 02:50 PM
وفقك الله.

لعلك تعني القصيدة التي يقول في مطلعها - رحمه الله -:

ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ ننن ننن ننن أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ

إن كانت هي فتجدها في الموسوعة الشعرية هنا:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=74497

زكرياء توناني
25-11-06, 04:18 PM
نعم هي التي أريد ، و ألقد أعطيتني المفتاح الذي به وجدتها ، و ها هي :
1 ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ ** أَحَلَّ سَفكَ دَمي فـي الأَشهُـرِ الحُـرُمِ
2 رَمى القَضاءُ بِعَينَي جُؤذَرٍ أَسَداً ** يا ساكِنَ القـاعِ أَدرِك ساكِـنَ الأَجَـمِ
3 لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً ** يا وَيحَ جَنبِـكَ بِالسَهـمِ المُصيـبِ رُمـي
4 جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي ** جُرحُ الأَحِبَّـةِ عِنـدي غَيـرُ ذي أَلَـمِ
5 رُزِقتَ أَسمَحَ ما في الناسِ مِن خُلُقٍ ** إِذا رُزِقتَ اِلتِماسَ العُذرِ في الشِيَـمِ
6 يا لائِمي في هَواهُ وَالهَوى قَدَرٌ ** لَو شَفَّكَ الوَجـدُ لَـم تَعـذِل وَلَـم تَلُـم
7 ِلَقَد أَنَلتُـكَ أُذنـاً غَيـرَ واعِيَـةٍ ** وَرُبَّ مُنتَصِـتٍ وَالقَلـبُ فـي صَمَـمِ
8 يا ناعِسَ الطَرفِ لا ذُقتَ الهَوى أَبَداً ** أَسهَرتَ مُضناكَ في حِفظِ الهَوى فَنَمِ
9 أَفديكَ إِلفاً وَلا آلو الخَيالَ فِدىً ** أَغـراكَ باِلبُخـلِ مَـن أَغـراهُ بِالكَـرَمِ
10 سَرى فَصادَفَ جُرحاً دامِياً فَأَسا ** وَرُبَّ فَضـلٍ عَلـى العُشّـاق لِلحُلُـمِ
11 مَنِ المَوائِسُ باناً بِالرُبى وَقَنـاً ** اللاعِبـاتُ بِروحـي السافِحـاتُ دَمـي
12 السافِراتُ كَأَمثالِ البُدورِ ضُحىً ** يُغِرنَ شَمسَ الضُحى بِالحَليِ وَالعِصَـمِ
13 القاتِـلاتُ بِأَجفـانٍ بِهـا سَقَـمٌ ** وَلِلمَنِيَّـةِ أَسـبـابٌ مِــن السَـقَـمِ
14 العاثِراتُ بِأَلبابِ الرِجالِ وَما ** أُقِلـنَ مِـن عَثَـراتِ الـدَلِّ فـي الرَسَـمِ
15 المُضرِماتُ خُدوداً أَسفَرَت وَجَلَت ** عَـن فِتنَـةٍ تُسلِـمُ الأَكبـادَ لِلضَـرَمِ
16 الحامِلاتُ لِواءَ الحُسـنِ مُختَلِفـاً ** أَشكالُـهُ وَهـوَ فَـردٌ غَيـرُ مُنقَسِـمِ
17 مِن كُلِّ بَيضاءَ أَو سَمراءَ زُيِّنَتا ** لِلعَيـنِ وَالحُسـنُ فـي الآرامِ كَالعُصُـمِ
18 يُرَعنَ لِلبَصَرِ السامي وَمِن عَجَـبٍ ** إِذا أَشَـرنَ أَسَـرنَ اللَيـثَ بِالغَنَـمِ
19 وَضَعتُ خَدّي وَقَسَّمتُ الفُؤادَ رُبيً ** يَرتَعنَ في كُنُـسٍ مِنـهُ وَفـي أَكَـمِ
20 يا بِنتَ ذي اللَبَدِ المُحَمّى جانِبُهُ ** أَلقاكِ في الغابِ أَم أَلقـاكِ فـي الأُطُـمِ
21 ما كُنتُ أَعلَمُ حَتّى عَنَّ مَسكَنُـهُ ** أَنَّ المُنـى وَالمَنايـا مَضـرِبُ الخِيَـمِ
22 مَن أَنبَتَ الغُصنَ مِن صَمصامَةٍ ذَكَرٍ ** وَأَخرَجَ الريمَ مِن ضِرغامَةٍ قَـرِمِ
23 بَيني وَبَينُكِ مِن سُمـرِ القَنـا حُجُـبٌ ** وَمِثلُهـا عِفَّـةٌ عُذرِيَّـةُ العِصَـمِ
24 لَم أَغشَ مَغناكِ إِلّا في غُضونِ كِرىً ** مَغنـاكَ أَبعَـدُ لِلمُشتـاقِ مِـن إِرَمِ
25 يا نَفسُ دُنياكِ تُخفى كُلَّ مُبكِيَـةٍ ** وَإِن بَـدا لَـكِ مِنهـا حُسـنُ مُبتَسَـمِ
26 فُضّي بِتَقواكِ فاهاً كُلَّما ضَحِكَـت ** كَمـا يَفُـضُّ أَذى الرَقشـاءِ بِالثَـرَمِ
27 مَخطوبَةٌ مُنذُ كانَ الناسُ خاطِبَةٌ ** مِن أَوَّلِ الدَهرِ لَـم تُرمِـل وَلَـم تَئَـمِ
28 يَفنى الزَمانُ وَيَبقى مِن إِساءَتِها ** جُـرحٌ بِـآدَمَ يَبكـي مِنـهُ فـي الأَدَمِ
29 لا تَحفَلي بِجَناها أَو جِنايَتِها ** المَـوتُ بِالزَهـرِ مِثـلُ المَـوتِ بِالفَحَـمِ
30 كَم نائِمٍ لا يَراها وَهـيَ ساهِـرَةٌ ** لَـولا الأَمانِـيُّ وَالأَحـلامُ لَـم يَنَـمِ
31 طَوراً تَمُدُّكَ في نُعمى وَعافِيَـةٍ ** وَتـارَةً فـي قَـرارِ البُـؤسِ وَالوَصَـمِ
32 كَم ضَلَّلَتكَ وَمَن تُحجَب iiبَصيرَتُهُ ** إِن يَلقَ صابا يَـرِد أَو عَلقَمـاً يَسُـمُ
33 يا وَيلَتاهُ لِنَفسي راعَها وَدَها ** مُسـوَدَّةُ الصُحـفِ فـي مُبيَضَّـةِ اللَمَـمِ
34 رَكَضتُها في مَريعِ المَعصِياتِ وَما ** أَخَذتُ مِن حِميَـةِ الطاعـاتِ لِلتُخَـمِ
35 هامَت عَلى أَثَرِ اللَذّاتِ تَطلُبُها ** وَالنَفسُ إِن يَدعُهـا داعـي الصِبـا تَهِـمِ
36 صَلاحُ أَمـرِكَ لِلأَخـلاقِ مَرجِعُـهُ ** فَقَـوِّمِ النَفـسَ بِالأَخـلاقِ تَستَقِـمِ
37 وَالنَفسُ مِن خَيرِها في خَيرِ عافِيَةٍ ** وَالنَفسُ مِن شَرِّها في مَرتَـعٍ وَخِـمِ
38 تَطغى إِذا مُكِّنَت مِن لَذَّةٍ وَهَوىً ** طَغيَ الجِيادِ إِذا عَضَّـت عَلـى الشُكُـمِ
39 إِن جَلَّ ذَنبي عَنِ الغُفرانِ لي أَمَلٌ ** في اللَهِ يَجعَلُني فـي خَيـرِ مُعتَصِـمِ
40 أَلقى رَجائي إِذا عَزَّ المُجير عَلى ** مُفَرِّجِ الكَرَبِ فـي الدارَيـنِ وَالغَمَـمِ
41 إِذا خَفَضتُ جَناحَ الذُلِّ أَسأَلُهُ ** عِـزَّ الشَفاعَـةِ لَـم أَسـأَل سِـوى أُمَـمِ
42 وَإِن تَقَـدَّمَ ذو تَقـوى بِصالِحَـةٍ ** قَدَّمـتُ بَيـنَ يَدَيـهِ عَبـرَةَ الـنَـدَمِ
43 لَزِمتُ بابَ أَميرِ الأَنبِيـاءِ وَمَـن ** يُمسِـك بِمِفتـاحِ بـابِ اللَـهِ يَغتَنِـمِ
44 فَكُـلُّ فَضـلٍ وَإِحسـانٍ وَعارِفَـةٍ ** مـا بَيـنَ مُستَلِـمٍ مِنـهُ وَمُلتَـزِمِ
45 عَلَّقتُ مِن مَدحِهِ حَبلاً أُعَزُّ بِهِ ** فـي يَـومِ لا عِـزَّ بِالأَنسـابِ وَاللُحَـمِ
46 يُزري قَريضي زُهَيراً حينَ أَمدَحُهُ ** وَلا يُقاسُ إِلى جـودي لَـدى هَـرِمِ
47 مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحمَتُـهُ ** وَبُغيَـةُ اللَـهِ مِـن خَلـقٍ وَمِـن نَسَـمِ
48 وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ **مَتى الوُرودُ وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمـي
49 سَناؤُهُ وَسَناهُ الشَمسُ طالِعَةً ** فَالجِـرمُ فـي فَلَـكٍ وَالضَـوءُ فـي عَلَـمِ
50 قَد أَخطَأَ النَجمَ ما نالَت أُبُوَّتُهُ ** مِـن سُـؤدُدٍ بـاذِخٍ فـي مَظهَـرٍ سَنِـمِ
51 نُموا إِلَيهِ فَزادوا في الوَرى شَرَفاً ** وَرُبَّ أَصلٍ لِفَرعٍ فـي الفَخـارِ نُمـي
52 حَواهُ في سُبُحاتِ الطُهرِ قَبلَهُمُ ** نـورانِ قامـا مَقـامَ الصُلـبِ وَالرَحِـمِ
53 لَمّا رَآهُ بَحيـرا قـالَ نَعرِفُـهُ ** بِمـا حَفِظنـا مِـنَ الأَسمـاءِ وَالسِيَـمِ
54 سائِل حِراءَ وَروحَ القُدسِ هَل عَلِما ** مَصونَ سِـرٍّ عَـنِ الإِدراكِ مُنكَتِـمِ
55 كَم جيئَةٍ وَذَهابٍ شُرِّفَت بِهِما ** بَطحـاءُ مَكَّـةَ فـي الإِصبـاحِ وَالغَسَـمِ
56 وَوَحشَةٍ لِاِبنِ عَبدِ اللَهِ بينَهُما ** أَشهى مِـنَ الأُنـسِ بِالأَحسـابِ وَالحَشَـمِ
57 يُسامِرُ الوَحيَ فيها قَبلَ مَهبِطِـهِ ** وَمَـن يُبَشِّـر بِسيمـى الخَيـرِ يَتَّسِـمِ
58 لَمّا دَعا الصَحبُ يَستَسقونَ مِن ظَمَإٍ ** فاضَت يَداهُ مِـنَ التَسنيـمِ بِالسَنَـمِ
59 وَظَلَّلَتـهُ فَصـارَت تَستَظِـلُّ بِـهِ ** غَمامَـةٌ جَذَبَتهـا خـيـرَةُ الـدِيَـمِ
60 مَحَبَّةٌ لِرَسـولِ اللَـهِ أُشرِبَهـا ** قَعائِـدُ الدَيـرِ وَالرُهبـانُ فـي القِمَـمِ
61 إِنَّ الشَمائِلَ إِن رَقَّت يَكادُ بِها ** يُغرى الجَمـادُ وَيُغـرى كُـلُّ ذي نَسَـمِ
62 وَنودِيَ اِقرَأ تَعالى اللَهُ قائِلُها ** لَـم تَتَّصِـل قَبـلَ مَـن قيلَـت لَـه بِفَـمِ
63 هُنـاكَ أَذَّنَ لِلرَحَمَـنِ فَاِمتَـلَأَت ** أَسمـاعُ مَكَّـةَ مِـن قُدسِيَّـةِ النَـغَـمِ
64 فَلا تَسَل عَن قُرَيشٍ كَيفَ حَيرَتُها ** وَكَيفَ نُفرَتُهـا فـي السَهـلِ وَالعَلَـمِ
65 تَساءَلوا عَن عَظيمٍ قَـد أَلَـمَّ بِهِـم ** رَمـى المَشايِـخَ وَالوِلـدانِ بِاللَمَـمِ
66 يا جاهِلينَ عَلى الهادي وَدَعوَتِهِ ** هَل تَجهَلـونَ مَكـانَ الصـادِقِ العَلَـمِ
67 لَقَّبتُموهُ أَمينَ القَومِ فـي صِغَـرٍ ** وَمـا الأَميـنُ عَلـى قَـولٍ iiبِمُتَّهَـمِ
68 فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم ** بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسـنٍ وَمِـن عِظَـمِ
69 جاءَ النبِيّـونَ بِالآيـاتِ فَاِنصَرَمَـت ** وَجِئتَنـا بِحَكيـمٍ غَيـرِ مُنصَـرِمِ
70 آياتُـهُ كُلَّمـا طـالَ المَـدى جُـدُدٌ ** يَزينُهُـنَّ جَـلالُ العِتـقِ وَالقِـدَمِ
71 يَكادُ في لَفظَـةٍ مِنـهُ مُشَرَّفَـةٍ ** يوصيـكَ بِالحَـقِّ وَالتَقـوى وَبِالرَحِـمِ
72 يا أَفصَحَ الناطِقينَ الضادَ قاطِبَةً ** حَديثُـكَ الشَهـدُ عِنـدَ الذائِـقِ الفَهِـمِ
73 حَلَّيتَ مِن عَطَلٍ جيدَ البَيانِ بِهِ ** فـي كُـلِّ مُنتَثِـرٍ فـي حُسـنِ مُنتَظِـمِ
74 بِكُلِّ قَولٍ كَريـمٍ أَنـتَ قائِلُـهُ ** تُحـيِ القُلـوبَ وَتُحـيِ مَيِّـتَ الهِمَـمِ
75 سَرَت بَشائِرُ باِلهادي وَمَولِدِهِ ** في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ
76 تَخَطَّفَت مُهَجَ الطاغينَ مِن عَرَبٍ ** وَطَيَّرَت أَنفُسَ الباغيـنَ مِـن عُجُـمِ
77 ريعَت لَها شَرَفُ الإيوانِ فَاِنصَدَعَت ** مِن صَدمَةِ الحَقِّ لا مِن صَدمَةِ القُدُمِ
78 أَتَيتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِم * * إِلا عَلى صَنَمٍ قَـد هـامَ فـي صَنَـمِ
79 وَالأَرضُ مَملوءَةٌ جَوراً مُسَخَّـرَةٌ ** لِكُـلِّ طاغِيَـةٍ فـي الخَلـقِ مُحتَكِـمِ
80 مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّتِهِ ** وَقَيصَرُ الرومِ مِـن كِبـرٍ أَصَـمُّ عَـمِ
81 يُعَذِّبـانِ عِبـادَ اللَـهِ فـي شُبَـهٍ ** وَيَذبَحـانِ كَمـا ضَحَّيـتَ بالغَنَـمِ
82 وَالخَلقُ يَفتِكُ أَقواهُـم بِأَضعَفِهِـم ** كَاللَيـثِ بِالبَهـمِ أَو كَالحـوتِ بِالبَلَـمِ
83 أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إِذ مَلائِكُهُ ** وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلـى قَـدَمِ
84 لَمّا خَطَرتَ بِهِ اِلتَفّـوا بِسَيِّدِهِـم ** كَالشُهـبِ بِالبَـدرِ أَو كَالجُنـدِ بِالعَلَـمِ
85 صَلّى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذي خَطَـرٍ ** وَمَـن يَفُـز بِحَبيـبِ اللَـهِ يَأتَمِـمِ
86 جُبتَ السَمـاواتِ أَو مـا فَوقَهُـنَّ بِهِـم ** عَلـى مُنَـوَّرَةٍ دُرِّيَّـةِ اللُجُـمِ
87 رَكوبَةً لَكَ مِن عِزٍّ وَمِن شَرَفٍ ** لا في الجِيادِ وَلا فـي الأَينُـقِ الرُسُـمِ
88 مَشيئَةُ الخالِقِ البـاري وَصَنعَتُـهُ ** وَقُـدرَةُ اللَـهِ فَـوقَ الشَـكِّ وَالتُهَـمِ
89 حَتّى بَلَغتَ سَماءً لا يُطارُ لَهـا ** عَلـى جَنـاحٍ وَلا يُسعـى عَلـى قَـدَمِ
90 وَقيلَ كُـلُّ نَبِـيٍّ عِنـدَ رُتبَتِـهِ ** وَيـا مُحَمَّـدُ هَـذا العَـرشُ فَاِستَلِـمِ
91 خَطَطتَ لِلدينِ وَالدُنيا عُلومَهُما ** يا قارِئَ اللَـوحِ بَـل يـا لامِـسَ القَلَـمِ
92 أَحَطتَ بَينَهُما بِالسِرِّ وَاِنكَشَفَت ** لَكَ الخَزائِـنُ مِـن عِلـمٍ وَمِـن حِكَـمِ
93 وَضاعَفَ القُربُ ما قُلِّدتَ مِن مِنَنٍ ** بِلا عِـدادٍ وَمـا طُوِّقـتَ مِـن نِعَـمِ
94 سَل عُصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً ** لَولا مُطارَدَةُ المُختـارِ لَـم تُسَـمَ
95 هَل أَبصَروا الأَثَرَ الوَضّاءَ أَم سَمِعوا ** هَمسَ التَسابيحِ وَالقُرآنِ مِـن أُمَـمِ
96 وَهَل تَمَثَّلَ نَسجُ العَنكَبوتِ لَهُم ** كَالغابِ وَالحائِمـاتُ وَالزُغـبُ كَالرُخَـمِ
97 فَأَدبَروا وَوُجوهُ الأَرضِ تَلعَنُهُـم ** كَباطِـلٍ مِـن جَـلالِ الحَـقِّ مُنهَـزِمِ
98 لَولا يَدُ اللَهِ بِالجارَينَ ما سَلِما ** وَعَينُـهُ حَـولَ رُكـنِ الديـنِ لَـم يَقُـمِ
99 تَوارَيا بِجَنـاحِ اللَـهِ وَاِستَتَـرا ** وَمَـن يَضُـمُّ جَنـاحُ اللَـهِ لا يُضَـمِ
100 يا أَحمَدَ الخَيرِ لي جاهٌ بِتَسمِيَتي ** وَكَيـفَ لا يَتَسامـى بِالرَسـولِ سَمـي
101 المادِحونَ وَأَربابُ الهَوى تَبَـعٌ ** لِصاحِـبِ البُـردَةِ الفَيحـاءِ ذي القَـدَمِ
102 مَديحُهُ فيكَ حُبٌّ خالِصٌ وَهَوىً ** وَصادِقُ الحُـبِّ يُملـي صـادِقَ الكَلَـمِ
103 اللَهُ يَشهَدُ أَنّي لا أُعارِضُهُ ** من ذا يُعـارِضُ صَـوبَ العـارِضِ العَـرِمِ
104 وَإِنَّما أَنـا بَعـضُ الغابِطيـنَ وَمَـن ** يَغبِـط وَلِيَّـكَ لا يُذمَـم وَلا يُلَـمِ
105 هَذا مَقـامٌ مِـنَ الرَحمَـنِ مُقتَبَـسٌ ** تَرمـي مَهابَتُـهُ سَحبـانَ بِالبَكَـمِ
106 البَدرُ دونَكَ في حُسنٍ وَفي شَرَفٍ ** وَالبَحرُ دونَكَ في خَيـرٍ وَفـي كَـرَمِ
107 شُمُّ الجِبالِ إِذا طاوَلتَها اِنخَفَضَت ** وَالأَنجُمُ الزُهـرُ مـا واسَمتَهـا تَسِـمِ
108 وَاللَيثُ دونَكَ بَأساً عِندَ وَثبَتِهِ ** إِذا مَشَيـتَ إِلـى شاكـي السِـلاحِ كَمـي
109 تَهفو إِلَيكَ وَإِن أَدمَيتَ حَبَّتَهـا ** فـي الحَـربِ أَفئِـدَةُ الأَبطـالِ وَالبُهَـمِ
110 مَحَبَّةُ اللَـهِ أَلقاهـا وَهَيبَتُـهُ ** عَلـى اِبـنِ آمِنَـةٍ فـي كُـلِّ مُصطَـدَمِ
111 كَأَنَّ وَجهَكَ تَحتَ النَقعِ بَدرُ دُجىً ** يُضيءُ مُلتَثِماً أَو غَيـرَ مُلتَثِـمِ

سعد حسين
25-11-06, 04:25 PM
ميمية شوقي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هي هذه التي أشار إليها الأخ " الفهم الصحيح" سماها "نهج البردة" عارض بها بردة الإمام البوصيري رحمه الله، وهي أشهر من نار على علم، وله في الموضوع نفسه قصائد أخرى كالهمزية التي مطلعها
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
والبائية التي مطلعها
سلوا قلبي غذاة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا
ولا أظن أن له ميمية في مدح الرسول عليه السلام ووفق الله الجميع

خالد الأنصاري
25-11-06, 07:23 PM
بردة الإمام البوصيري رحمه الله


الإمام البوصيري ؟!!!!!!!!!

زكرياء توناني
25-11-06, 07:44 PM
ميمية شوقي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم هي هذه التي أشار إليها الأخ " الفهم الصحيح" سماها "نهج البردة" عارض بها بردة الإمام البوصيري رحمه الله، وهي أشهر من نار على علم، وله في الموضوع نفسه قصائد أخرى كالهمزية

من الإمام البوصيري ؟؟!!!!!!!!!! آلذي يقول :
فإن من جودك الدنيا و ضرتها ننن ننن ننن و من علومك علم اللوح و القلم

و يقول :

لو ناسبت قدرَه آياتُه عظما ننن ننن ننن لأحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم

زكرياء توناني
25-11-06, 07:50 PM
طريفة : حاول بعض العوام الجزائريين أن ينسج بيتا على وزن البردة الصوفية ، فقال - باللغة العامية - :
و الْعَرْبِي بَاشْ يَدَّاوَا *** وْ تْلِيقْلُو مْيَاةْ هْرَاوَهْ *** مْنَجْرَا بِالقُدُمِ
( ابتسامة عريضة للجزائريين )

فواز الحربي
27-11-06, 06:45 AM
48 وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ **مَتى الوُرودُ وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمـي


هل إعراب الرسل في هذا البيت مضاف إليه أم ماذا ؟

وجزاكم الله خيرا

زكرياء توناني
27-11-06, 09:28 AM
نعم مضاف إليه ، و " الرسْل " بسكون السين للوزن .

أبو علي الطيبي
27-11-06, 07:18 PM
لعل الأخ الذي جعل البوصيري إماما يظن أنه صواحب الزوائد فألبسه الإمامة!!..
وصاحب زوائد ابن ماجة وغيرها فهو الإمام أحمد بن أبي بكر الكناني، المتوفى سنة أربعين وثمانمئة.. وهو من تلاميذ الحافظ.
أما صاحب البردة فهو: البوصيري (شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي، المولود في غرة شوال سنة ثمان وستمئة، والممتوفى بالإسكندرية سنة خمس وتسعين وستمئة) الدلسي الأصل (يعني من الجزائر يا شيخ زكريا.. وكتب البلدان تضبطها هكذا: دلاص.. وليس إلا دلّس: بكسر الدال، واللام المضعفة المكسورة، وليست من قرى بني سويف من قرى الصعيد كما توهم البعض) وهذا، ليس إماما (ولا حاجة) إنما هو شاعر فقط.. مجيد أحيانا.. ومسف أحيانا أخرى!! ولكن، والحق يقال، قصيدته الشهيرة بـ البردة (واسمها: الكواكب الدرية في مدح خير البرية صصص ) من أحسن ما قالت العرب من الشعر.. في كل عصورها.. لولا ما فيها مما تعلمون!
وبالرغم من ذلك فإن بعض مقاطعها جليل نقي، عظيم..
لكنه ليس بإمام!!
فائدة: نشرت وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، مؤخرا، قصيدته الهمزية.. بشرح وتعليق الوزير (ذات نفسه-كما يقول المصريون!) بوعبد الله، غلام الله (الشاذلي) ووزعت أيام المعرض الدولي للكتاب مجانا!!

أبو سلمى رشيد
27-11-06, 07:46 PM
طريفة : حاول بعض العوام الجزائريين أن ينسج بيتا على وزن البردة الصوفية ، فقال - باللغة العامية - :
و الْعَرْبِي بَاشْ يَدَّاوَا *** وْ تْلِيقْلُو مْيَاةْ هْرَاوَهْ *** مْنَجْرَا بِالقُدُمِ
( ابتسامة عريضة للجزائريين )

جزاك الله خيرا أخي زكرياء
و أنا أقترح وأظن أن الأفضل منه
و الْصوْفي بَاشْ يَدَّاوَا *** يْلِيقْلُو مشحاط للهْرَاوَهْ *** مسلس ليندم

( ابتسامة عريضة لأهل المغرب العربي )

عصام البشير
27-11-06, 07:46 PM
هل إعراب الرسل في هذا البيت مضاف إليه أم ماذا ؟

وجزاكم الله خيرا

وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلُ سائِلَةٌ **مَتى الوُرودُ، وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمـي

(الرسل) مبتدأ خبره (سائلة)
و(صاحب) خبر مبتدأ محذوف تقديره (هو).
و(يوم) منصوب على الظرفية.
و(جبريل) مبتدأ خبره (ظمي).

والله أعلم.

زكرياء توناني
27-11-06, 08:12 PM
وكتب البلدان تضبطها هكذا: دلاص.. وليس إلا دلّس: بكسر الدال، واللام المضعفة المكسورة،

ذكرتني بمكان يُدعى " دلاص " - و هي تسمية حديثة - في مدينة " بوقرة " بولاية البليدة !!! ابتسامة

زكرياء توناني
27-11-06, 11:07 PM
وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلُ سائِلَةٌ **مَتى الوُرودُ، وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمـي

(الرسل) مبتدأ خبره (سائلة)
و(صاحب) خبر مبتدأ محذوف تقديره (هو).
و(يوم) منصوب على الظرفية.
و(جبريل) مبتدأ خبره (ظمي).

والله أعلم.

جزاكم الله خيرا

هل لكم في ذكر معنى البيت على هذا الإعراب

زكرياء توناني
27-11-06, 11:11 PM
جزاك الله خيرا أخي زكرياء
و أنا أقترح وأظن أن الأفضل منه
و الْصوْفي بَاشْ يَدَّاوَا *** يْلِيقْلُو مشحاط للهْرَاوَهْ *** مسلس ليندم

( ابتسامة عريضة لأهل المغرب العربي )

( ابتسامة + ضحكة )

و الْصوْفي بَاشْ يَدَّاوَا *** وْ تْلِيقْلُو مْيَاةْ هرَاوَهْ *** مْسَلْسَ لِيَنْدِمِ

الفهمَ الصحيحَ
28-11-06, 12:12 AM
بل أنت اشرح لنا معنى البيت أضحك الله سنك.

و الْصوْفي بَاشْ يَدَّاوَا *** وْ تْلِيقْلُو مْيَاةْ هرَاوَهْ *** مْسَلْسَ لِيَنْدِمِ

أما بيت شوقي فأمره سهل قريب.

حمزة الكتاني
28-11-06, 02:11 AM
هل إعراب الرسل في هذا البيت مضاف إليه أم ماذا ؟

وجزاكم الله خيرا

بل الرسل هنا مرفوعة، أي يوم تكون الرسلُ سائلة متى الورود، وهو السؤال عن وقت الحساب إذ تكون الشفاعة بيد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله وجبريل الأمين ظمي، فيه ما فيه لولا أنه جاء على طريقة الشعراء من المبلاغة في التشبيه، وهو أمر حسن في البلاغة مؤاخذ عليه عند المحدثين...

أما البوصيري؛ فباستثناء بعض أبيات البردة والهمزية التي انتقدها البعض ولا نسلم الانتقاد لهم، فإنهما تدلان على إمامة عظمى في مختلف الفنون والعلوم، وحكمة بالغة وفتح كبير، وبمطالعتهما يعرف مقدارهما...

وقد اعتنى بشرح قصيدتيه كبار علماء المسلمين شرقا وغربا؛ وكلهم وصفوه بالإمام، فمن أهل الغرب: ابن مرزوق، ومحمد بن أحمد بنيس، ولابن زكري معارضة للهمزية وشرح، وكلهم من أئمة المغرب المشهود لهم بالفضل والسبق. بل كانتا تدرسان في مختلف مساجد المغرب ومنها جامع القرويين الأعظم بفاس إلى وقت قريب.

ومن المشرق إمام متأخري الشافعية ابن حجر الهيتمي، وغيره، وسمى شرحه "المنح المكية"، وهو مطبوع مشهور، وقد شهد له أيضا بالإمامة في العلم والحكمة...

قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}...

محمد بشري
28-11-06, 02:19 AM
أخي حمزة هل لك أن تذكر لنا ترجمة وافية للبوصيري دالة على إمامته في سائر العلوم ،ولكم الأجر والثواب.

حمزة الكتاني
28-11-06, 02:31 AM
على كل أنا لم آت للمناظرة، إنما للإنصاف، واقرأ البردة والهمزية لتعلم ذلك، خاصة الهمزية فقد ضمت من مختلف العلوم والفنون ما يبهر قارئها، وسأنقل لك قريبا بإذنه تعالى بعض ترجمته وثناء الأعلام عليه، ولا يخفى أن قصيدة أحمد شوقي - على لطافتها - لا ترقى للبردة ولا لمعشارها، لا شاعرية ولا ما تضمنته من العلوم والفوائد، وأنواع البديع وفنون البلاغة، وتفاصيل السيرة والذب عن الإسلام، وعلوم السلوك والسيرة، والتربية، والمواعظ، والمناظرة، والعقيدة...إلخ...

محمد بشري
28-11-06, 02:48 AM
لا يا أخي رعاك الله لم أقصدالمناظرة ولا الجدل ،بل أنا أبحث فعلا عما يدل على إمامة البوصيري وتقدمه في سائر العلوم ،وذلك أن أكثر من يترجم له-أو على الأقل ما اطلعت عليه- لم يسعفني في بغيتي.

زكرياء توناني
28-11-06, 11:01 AM
بل أنت اشرح لنا معنى البيت أضحك الله سنك.

و الْصوْفي بَاشْ يَدَّاوَا *** وْ تْلِيقْلُو مْيَاةْ هرَاوَهْ *** مْسَلْسَ لِيَنْدِمِ

أما بيت شوقي فأمره سهل قريب.

و الصوفي : معروف .
باش يداوى : أي : بأي طريقة يتداوى ، أي : أي طريق نسلكه معه ليتداوى من صوفيته .
و تْليقلو : أي : اللائق بدائه ( التصوف ) .
مياةْ : أي : مائة .
هراوة : معروفة ، و هي العصا .
مْسَلْسَه : أي عصا مستوية و مستقيمة .
ليندم : على تصوفه .

ابتسامة عريضة جدا ...............

زكرياء توناني
28-11-06, 11:11 AM
أما البوصيري؛ فباستثناء بعض أبيات البردة والهمزية التي انتقدها البعض ولا نسلم الانتقاد لهم، فإنهما تدلان على إمامة عظمى في مختلف الفنون والعلوم، وحكمة بالغة وفتح كبير، وبمطالعتهما يعرف مقدارهما...

قال عبد الرءوف محمد عثمان في كتابه : " محبة الرسول بين الاتباع والابتداع " :

[ يقول البوصيرى في البردة التي يترنم بها ملايين الصوفية :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

فهذا الشاعر خلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أوصاف الربوبية والألوهية ما لا يليق وصف أحد به إلا الله وحده ، فجعل الرسول وحده ملاذه ومعاذه عند حلول الخطوب ونزول الشدائد ثم نسب إلى الرسول الشفاعة مطلقا كما يعتقده المشركون في الشفاعة الشركية التي تكون بدون إذن ولا رضى من المشفوع عنده وإنما تكون بجاه الشافع ومكانته فقط .
ثم نراه يجعل الدنيا والآخرة من جوده ، وأن علم اللوح والقلم من بعض علومه وهذا مع ما فيه من الشرك كفر بالله عز وجل . لأن كل ما ذكره من أوصاف الربوبية والألوهية لا يجوز بأي حال من الأحوال وصف أي مخلوق بها وإنما أي من صفات الخالق وحده .
قال تعالى : { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } . وقال تعالى : { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ } . . . الآية . وقال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ] اهـ المقصود .

و قال العلامة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في التمهيد في شرح كتاب التوحيد :
[ أما الغلو فيهم مجاوزة ذلك الحد ، وهو بحر لا ساحل له ، فمما حصل من الغلو فيهم أنهم جعلت فيهم خصائص الإلهية كما ادعاه في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أنه يعلم سر اللوح والقلم ، وأنه من جوده الدنيا وضرتها كما قاله البوصيري في قصيدته المشهورة ، المسماة بـ (البردة) :

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

ومن المعلوم : أن هذا لا يليق إلا بالله ، فهذا من الغلو المنهي عنه ، وكذلك قوله في النبي عليه الصلاة والسلام ، غاليا فيه أعظم الغلو :

لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
يقول : إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعط آية تناسب قدره ، قال الشراح : حتى القرآن لا يناسب قدر النبي صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله . يقولون : والقرآن المتلو بخلاف غير المتلو عند الأشاعرة ؛ لأنهم يفرقون بين هذا وهذا .
فهذا البوصيري يغلو ويقول : لو ناسبت قدره - يعني النبي عليه الصلاة والسلام - آياته عظما - يعني في العظمة - أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ، فالذي يناسب قدره ، عند البوصيري أنه إذا ذكر اسمه على ميت قد درس ، وذهب رميمه في الأرض ، وذهبت عظامه أن تتجمع هذه العظام وتحيى ، لأجل ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، وهذا من أنواع الغلو الذي يحصل من الذين يعبدون غير الله - جل وعلا - ويتوجهون إلى الأنبياء والرسل ، ويجعلون في حقهم من خصائص الألوهية ما لا إذن لهم به ، بل هو من الشرك الأكبر بالله جل وعلا ، ومن سوء الظن بالله ، ومن تشبيه المخلوق بالخالق ، وهذا كفر والعياذ بالله ] .

و ممن أنكر هذا العلامة ابن عثيمين في القول المفيد .


و الله أعلم

أبو سلمى رشيد
28-11-06, 12:55 PM
جزاك الله خيرا أخي زكرياء
معك الحق
بارك الله فيك
نسأل الله تبارك وتعالى أن يقينا شرور الصوفية
آمين

حمزة الكتاني
29-11-06, 01:23 AM
أخي حمزة هل لك أن تذكر لنا ترجمة وافية للبوصيري دالة على إمامته في سائر العلوم ،ولكم الأجر والثواب.

هاك أخي بعضا مما كتبه أئمة الإسلام حوله، وبعض ما أقيم من الأبحاث حول مؤلفاته:

قال الإمام ابن حجر الهيتمي في "المنح المكية بشرح الهمزية البوصيرية" ج1 ص105: "وإن من أبلغ ما مدح به النبي صلى الله عليه وسلم من النظم الرائق البديع، وأحسن ما كشف عن كثير من شمائله من الوزن الفائق المنيع، وأجمع ما حوته قصيدة من مآثره وخصائصه ومعجزاته، وأفصح ما أشارت إليه منظومة من بدائع كمالاته، ما صاغه صوغ البسر الأحمر، ونظمه نظم الدر والجوهر، الشيخ الإمام، العارف الكامل الهمام، المتفنن المحقق، البليغ الأديب المدقق، إمام الشعراء، وأشعر العلماء، وبليغ الفصحاء، وأفصح الحكماء، الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد بن حماد بن محسن بن عبد الله بن صنهاج بن هلال الصنهاجي...البوصيري"..

"..أخذ عنه الإمام أبو حيان، والإمام اليعمري أبو الفتح ابن سيد الناس، ومحقق عصره العز ابن جماعة...وغيرهم، وتوفي سنة ست أو سبع وتعين وستمائة"...

"...وكان من عجائب الدهر في النظم والنثر، ولو لم يكن له إلا قصيدته المشهورة بالبردة ...لكفاه بذلك شرفا وتقدما، كيف وقد ازدادت شهرتها إلى أن صار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن...فاق أهل زمانه ورزقه الله تعالى من الشهرة والحظ ما لم يصل إليه أحد من أقرانه"..

ووصف همزيته بقوله: "العذبة الألفاظ، الجزلة المباني، العجيبة الأوضاع، البديعة المعاني، العديمة النظير، البديعة التحرير، إذ لم ينسج أحد على منوالها، ولا وصل إلى عُلا حسنها وكمالها، حتى إن الإمام البرهان القيراطي المولود سنة ست وعشرين وسبعمائة المتوفى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، فإنه مع جلالته وتضلعه من العلوم النقلية العقلية، وتقدمه على أهل عصره في العلوم العربيةوالأدبية، لا سيما علم البلاغة، ونقد الشعر، وإتقان صنعته، وتمييز حلوه من مره، ونهايته مع بدايته؛ أراد أن يحاكيها، ففاته الشنب، وانقطعت فيه الحيل، عن أن يبلغ من معارضتها أدنى أرب".

"وذلك لطلاوة نظمها، وحلاوة رسمها، وبلاغة جمعها، وبداعة صنعها، وامتلاء الخافقين بأنوار جمالها، وإدحاض دعاوى أهل الكتابين ببراهين جلالها، فهي دون نظائرها الآخذة بأزمة العقول، والجامعة بين المعقول والمنقول، والحاوية لأكثر المعجزات، والحاكية للشمائل الكريمة على سنن قطع أعناق أفكار الشعراء، عن أن تشرئب إلى محاكاة تلك المحكيات، والسالمة من عيوب الشعر، من حيث فن العروض، كإدخال عروض على آخر، وضرب على آخر، من حيث فن القوافي، كالإيطاء وهو تكرير لفظ القافية بمعناه قبل سبعة أبيات، وقيل عشرة، وكالإكفاء وهو اختلاف حرف الروي، والإقواء وهو اختلاف حركته...إلخ" ويكفيها شهادة من إمام مذهب الشافعية تبع له.

وقال الإمام العلامة المشارك محمد بن أحمد بنيس الفاسي رحمه الله في شرحه للهمزية ص6: "هو – رحمه الله الإمام العلامة الهمام، العارف بالله، الصادق في محبة سيدنا رسول الله؛ أبو عبد الله سيدي محمد بن سعيد..إلخ".

وممن شرح البردة من الأعلام: علي البسطامي، ومحمد بن محمد الغزي، ومحمد شيخ زادة، والقاضي بحر الهاروني، ومحمد بن يعقوب الفناري، وعلي اليزدي، وابن الصائغ، وحسين الخوارزمي، وابن هشام النحوي، وخالد الأزهري، ومحمد بن أحمد المحلي الشافعي، وخضر العطوفي، وطاهر ابن حسن المعروف بابن حبيب الحلبي، ومحمد ابن مرزوق التلمساني، وأحمد بن مصطفى، وجلال الدين الخجندي، وأبو شامة المقدسي، وأحمد الأزدي القصار، ويحيى بن منصور الحسني، وأحمد الشيرازي، ومحمد الكردي السهراني، وعلي القاري، والشهاب القسطلاني، وزكريا الأنصاري، وابن حجر المكي، وأبو الفضل المالكي، وعثمان العرياني، ومحمد الجوجري...وغيرهم عشرات من أئمة المشرق والمغرب.

وترجمت وشرحت للغات التركية، والفارسية، والألمانية، والإنجليزية، والتترية، والفرنسية، واللاتينية...إلخ، مما بدل على عظمة الإقبال عليها من كافة أمم العالم. كما ذكر ذلك د. محمد درنيقة في "معجم أعلام شعراء المدح النبوي" ص356.

وللبوصيري – رحمه الله – تراجم نفيسة في كل من: "فوات الوفيات" 3/ 362-369، و"الأعلام" للزركلي 6/ 139، ومعجم كحالة 10/ 28، و"الوافي بالوفيات" للصفدي 3/ 105-113، و"شذرات الذهب" 5/ 432، و"كشف الظنون" 2/ 1331-1336، وترجم له الشيخ محمد رشيد رضا في "الوحي المحمدي" ص135.

ويا أخي؛ لو كان في البردة أو الهمزية بعض الأبيات قد تستنكر، فإن بقية أبياتها البردة نحو مائة وسبعين، والهمزية نحو خمسمائة، كلها من عظيم الشعر، ورقيق المعاني، وجزيل الألفاظ، وبالغ العلوم..

وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر في الجلد الأول من كتاب "الاستغاثة" بأنه لا يكاد يخلو شعر من شعر المداحين في النبي صلى الله عليه وسلم، من تجاوزات، ولم يكفرهم أو يشتمهم، بل سمى الصرصري وشعره فيه من الاشتغاثات أكثر من البوصيري ب"حسان السنة"..فتنبه، واعلم كيف يعامل العلماء..

ثم يا أخي؛ يقبل في الشعر ما لا يقبل في غيره، فالشعر مبني على المبالغة في الوصف والتشبيه، وليس تقريرا لعقائد كما لا يخفى على مطلع، فها هي عائشة الصديقة رضي الله عنها تقول عن النبي صلى الله عليه وسلم:

خلقتَ مرأ من كل عيب===كأنك قد خلقت كما تشاء

فكأنها فضلت مشيئته على مشيئة الحق تعالى، ومشيئة الحق أبلغ وأحكم وأرقى كما لا يخفى، ولم يلمها أحد على ذلك...

ويكفي الرجل فضلا أن تفرغ لمدح سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم، فكان حريا أن يشفع لنا ذلك فيه، ونتأدب في الحديث عنه، كيف وقد تورط حسان بن ثابت رضي الله عنه في مسألة الإفك، فلم تطعن فيه عائشة، وغفرت له، ونهت عن الطعن فيه قائلة: لا أشتمه وهو القائل:

فإن أبي ومالي ثم عرضي====لعرض محمد منكم وقاء

حمزة الكتاني
29-11-06, 01:51 AM
قال عبد الرءوف محمد عثمان في كتابه : " محبة الرسول بين الاتباع والابتداع " :

[ يقول البوصيرى في البردة التي يترنم بها ملايين الصوفية :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

فهذا الشاعر خلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أوصاف الربوبية والألوهية ما لا يليق وصف أحد به إلا الله وحده ، فجعل الرسول وحده ملاذه ومعاذه عند حلول الخطوب ونزول الشدائد ثم نسب إلى الرسول الشفاعة مطلقا كما يعتقده المشركون في الشفاعة الشركية التي تكون بدون إذن ولا رضى من المشفوع عنده وإنما تكون بجاه الشافع ومكانته فقط .
أخي الكريم، العجب أن كثيرا ممن ينتقد البردة لا يكون ممن قرأها، أو متحاملا من غير علم ولا وعي، وقد أسلفت أنه يقبل في الشعر من المبالغة وأشباهها ما لا يقبل في غيره....

فقول القائل أعلاه عن تلك الأبيات، يدل على أنه لم يفهم ما قرأ، أو لم يستوعبه، أو أنه متحامل من غير بينة، فصاحب البردة - رحمه الله - قالها في معرض الحديث عن الشفاعة يوم القيامة، ولا شك أن أهل الموقف يلجؤون إلى الأنبياء، فيردهم كل نبي إلى أن يصلوا للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، والحديث بذلك موجود في الكتب الستة، وهو من عقائد الإسلام..

فالكاتب إما لم يفهم، أو أنه مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة من أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من سيلجأ إليه أهل المحشر لطلب الدعاء إلى الله تعالى من أجل تفريج ما هم فيه، وليس سواه من الخلق، بل ولا الخالق، من سيلجأون إليه..فكلام البوصيري هناك عين الصواب...

وقد بين ذلك بقول: "ولن يضيق رسول الله جاهك بي، إذا الكريم تجلى باسم منتقم"...يعني يوم القيامة...

ثم نراه يجعل الدنيا والآخرة من جوده ، وأن علم اللوح والقلم من بعض علومه وهذا مع ما فيه من الشرك كفر بالله عز وجل . لأن كل ما ذكره من أوصاف الربوبية والألوهية لا يجوز بأي حال من الأحوال وصف أي مخلوق بها وإنما أي من صفات الخالق وحده .
قال تعالى : { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } وقال تعالى : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } . وقال تعالى : { وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ } . . . الآية . وقال تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ] اهـ المقصود /quote]

هذا فيه من التحامل وعدم الفهم ما لا يصور، لأن كلام الناظم في الشطر الأول يقتضي معنيين:

إما أن من جوده خير الدنيا، وخير الآخرة، وحذف لفظة "خير" للمجاز، فلا ضير ولا خلاف في ذلك، إذ باتباع شريعته صلى الله عليه وسلم يحصل خير الدنيا والآخرة، كما تقرر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الكثيرة...حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله في مقدمة "الرسالة": "فلا نعمة تصيبنا في الدنيا والآخرة حسا ومعنى إلا وهو الواسطة فيها صلى الله عليه وسلم"..أو كلاما هذا معناه، فليرجع إلى لفظه فيها..

وإما أنه يقصد أن الدنيا والآخرة من جوده صلى الله عليه وسلم، بمعنى استمرارهما وبقاؤهما، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم "رحمة للعالمين" بنص القرآن، والعالمين جمع عالم، والدنيا والآخرة عالمان من العالمين، ولولا الرحمة لما قاما، فلا يشك مؤمن في ذلك، بنص الكتاب والسنة والإجماع...

وأما قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم...فهو يقصد القرآن الكريم، لأن فيه نبأ كل شيء كما في الكتاب والسنة، و"شيء" عام، ولا شك أن الله تعالى ما أرسله بالقرآن حتى علمه صلى الله عليه وسلم معانيه، ومستنبطاته، وعلومه...إلخ. فكلام البوصيري هنا لا غبار عليه..وراجع علوم الكتاب وما ورد فيها من أقوال السلف والخلف، وما وردت فيها من الأحاديث والإعجاز، فكل ذلك من علوم النبي صلى الله عليه وسلم..

أما أن يظن ظان - كما قاله بعض المنتقدين - بأن علم الله تعالى مقصور على اللوح والقلم؛ فيستحق أن يتلى عليه: "وما قدروا الله حق قدره"...

[quote=زكرياء توناني;504768]لو ناسبت قدره آياته عظما ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
يقول : إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعط آية تناسب قدره ، قال الشراح : حتى القرآن لا يناسب قدر النبي صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله . يقولون : والقرآن المتلو بخلاف غير المتلو عند الأشاعرة ؛ لأنهم يفرقون بين هذا وهذا .
فهذا البوصيري يغلو ويقول : لو ناسبت قدره - يعني النبي عليه الصلاة والسلام - آياته عظما - يعني في العظمة - أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ، فالذي يناسب قدره ، عند البوصيري أنه إذا ذكر اسمه على ميت قد درس ، وذهب رميمه في الأرض ، وذهبت عظامه أن تتجمع هذه العظام وتحيى ، لأجل ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، وهذا من أنواع الغلو الذي يحصل من الذين يعبدون غير الله - جل وعلا - ويتوجهون إلى الأنبياء والرسل ، ويجعلون في حقهم من خصائص الألوهية ما لا إذن لهم به ، بل هو من الشرك الأكبر بالله جل وعلا ، ومن سوء الظن بالله ، ومن تشبيه المخلوق بالخالق ، وهذا كفر والعياذ بالله ]

هذا كلام مخالف للصواب، عري عن التحقيق؛ لأن البوصيري هنا يصف ويتلذذ بالوصف والمناجاة، ولا يقرر عقيدة، ثم هو أنكر أن تحيا الموتى بذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فما مناسبة التحامل عليه وقد أنكر الموضوع؟...

ثم إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أحيى الله به القلوب، فما المانع من أن يحيي به الموتى، إلا أنه تعالى لم يفعل ذلك لحكمة يريدها تعالى...

وهاهو عزير عليه السلام، وعيسى عليه السلام، وهما أدون قدرا من المصطفى صلى الله عليه وسلم كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد أحيى الله تعالى على أيديهما الموتى...

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بنص القرآن "رحمة للعالمين"، ومن عموم الرحمة إحياء الموتى، ولكن لم يكن ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم، فلو ناسبت قدره آياته عظما، لعمت رحمته حتى الموتى فأحياهم الله تعالى عند ذكر اسمه الشريف صلى الله عليه وسلم...

وقوله بأن الشراح قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤت معجزة تناسب قدره، حتى القرآن الكريم...

أقول: هذا بهتان كبير، فمن قال بذلك من الشراح، وما هو نصه، وأين يقع؟...لم نر ولم نسمع قط بهذا...ولا يقتضيه لفظ الشاعر أبدا، ولا يفهم منه ذلك قطعا...

وختاما، هذه رقائق ومبالغات لا حصر لها في كلام الشعراء قديما وحديثا، من مدح سعدى وسلما، والدن والدنان، ومن مدح الأنبياء والرسل عليهم السلام، فلا يجب أن نتعامل معها كما نتعامل مع النصوص الفقهية والبحوث الأصولية، لأنه تعارف أنها ألفاظ لا تقتضي ظواهرها، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا كما لا يخفى على من يعلم علم الأصول...والله الموفق للصواب، والسلام...

عبدالله بن خميس
29-11-06, 05:18 AM
وصف البوصيري بالإمام مبالغة أيا كان قائلها فما أحد ذكر أنه من العلماء الراسخين في الشريعة والفقه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


http://saaid.net/feraq/sufyah/39.htm


أقوال علماء السنة في قصيدة البردة






السلام عليكم
نظرا لما ينشر عن البردة ونظرا لتلك الادعاءات التي يدعيها البعض من ان هذه القصيدة لا تحوي بين طياتها شركا ولا بدعا
ارتايت ان اقدم لاعضائنا الاعزاء وزوارنا الكرام هذه الفتاوى بشان هذه القصيدة ليكون الجميع على بينة

الفتوى الاولى1 ـ
كلام الإمام محمد بن عبدالوهاب في قصيدة البردة

قال : الإمام محمد بن عبدالوهاب : " في تفسير سورة الفاتحة "
وأما الملك فيأتي الكلام عليه ، وذلك أن قوله: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وفي القراءة الأخرى ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله ك ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {17} ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {18} يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ {19}‏ ([ سورة الانفطار الآيات: 17/19].
فمن عرف تفسير هذه الآية ، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم ، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها ، وسبب الجهل بها دخل النار من دخلها، فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعني والإيمان بما صرح به القرآن ، مع قوله صلى الله عليه وسلم : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) [ أخرجه البخاري في صحيحة: كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب رقم: 2753 ، والنسائي في سننه: كتاب الوصايا إذا أوصى لعشيرته الأقربين (6/ 248-250) رقم : 3644، 3646، 3647، من حديث أبي هريرة.
من قول صاحب البردة:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** اذا الكريم تحلي بأسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يازلة القدم
فليـتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها ، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعى أنه من العلماء واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن .
هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) وقوله: : (( يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاُ )) لا والله ، لا والله لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق ، وأن فرعون صادق ، وأن محمداً صادق على الحق ، وأن أبا جهل صادق على الحق . لا والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان.
فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة ، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام وعرف أن العدل واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا، ليس عن التكفير والقتال ، بل هم الذين بدءونا بالتكفير وعند قوله: ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) [سورة الجن الآية : 18].وعند قوله: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) [سورة الإسراء: الآية : 57]. وقوله: ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) [سورة الرعد الآية: 14].
فهذا بعض المعاني في قوله : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) بإجماع المفسرين كلهم ،وقد فسرها الله سبحانه في سورة ( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ) ( الإنفطار : 1 ) كما قدمت لك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفسير سورة الفاتحة من مؤلفات الإمام محمد بن عبدالوهاب ص 13 المجلد الخامس
يقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في أحد رسائلهِ الشخصية –كما في الدرر السنية 2/44- إلى الأخ حسن:
" وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية كيف لم يعرفوا الالهية إذا أقروا بالربوبية هل هو كذا أو كذا أو غير ذلك.فهو لمجموع ما ذكرت وغيره.
وأعجــــــب من ذلك ما رأيت وسمعت ممن يدعي أنه أعلم الناس،ويفسر القرآن،ويشرح الحديث بمجلدات،ثم يشرح (البردة) ويستحسنها،ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك،ويموت ما عرف ما خرج من رأسه ،هذا هو العجب العجاب!!أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم ولا يعرفون جنة ولا ناراً،ولا رسولاً ولا إلهاً."



كلام العلامة المجدد عبدالرحمن بن حسن في البردة

قال العلامة المجدد عبدالرحمن بن حسن :
وقد ذكر شيخ الإسلام ، عن بعض أهل زمانه : أنه جوّز الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث فيه بالله . وصنف في ذلك مصنفاً ، رده شيخ الإسلام ، ورده موجود بحمد الله .
ويقول : إنه يعلم مفاتيح الغيب ، التي لا يعلمها إلا الله . وذكر عنهم أشياء من هذا النمط . نعوذ بالله من عمى البصيرة .
وقد اشتهر في نظم البوصيري ، قوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم !َ!
وما بعده في الأبيات ، التي مضمونها : إخلاص الدعاء ، واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات ، وأعظم الاضطرار لغير الله .
فناقضوا الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقشة ، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة .
وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم ، في قالب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه . وأظهر لهم التوحيد والإخلاص ، الذي بعثه الله به في قالب تنقصه .
وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون ، أفرطوا فى تعظيمه بمانهاهم عنه أشد النهي ، وفرطوا في متابعته . فلم يعبؤوا بأقواله وأفعاله ، ولارضوا بحكمه ولاسلموا له ، وأنما يحصل تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعظيم أمره ونهيه .
وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر . فخالفوا ما بلَّغ به الأمة ، وأخبر به عن نفسه صلى الله عليه وسلم . فعاملوه بما نهاهم عنه : من الشرك بالله ، والتعلق على غير الله ، حتى قال قائلهم :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل : يا زلة القد
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
فانظر إلى هذا الجهل العظيم ، حيث اعتقد أنه لا نجاة له إلا بعياذه ولياذه بغير الله .
وانظر إلى هذا الإطراء العظيم ، الذي تجاوز الحد في الإطراء ، الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبدٌ ، فقولوا عبدالله ورسوله " رواه مالك وغيره . وقد قال تعالى : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكن إني ملك ) [ الأنعام : 50 ] .
فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة ، والمحادة لله ورسوله . وهذا الذي يقوله هذا الشاعر هو الذي في نفوس كثير ، خصوصاً ممن يدعي العلم والمعرفة ، ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك وتعظيمها من القربات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد
باب ماجاء أن سبب كفر بنى آدم وتركهم دينهم هو الغلو ( 1 / 381 )
باب قول الله تعالى ( فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) ( 2 / 693 )

................

كلام العلامة ـالمحدث ـ سليمان بن عبدالله في البردة :

قال : العلامة المحدث سليمان بن عبدالله في كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد : :
ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قول البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ***** إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي ***** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك .
منها : أنه نفى أن يكون له ملاذٌ إذا حلت به الحوادث ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو .
الثاني : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه ، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية .
الثالث : سؤاله منه أن يشفع له في قوله :
ولن يضيق رسول الله ... البيت ...
وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه والشفاعة عند الله ، وذلك هو الشرك ، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداء .
الرابع : قوله : فإن لي ذمة ... إلى آخره .
كذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك .
تناقض عظيم وشرك ظاهر ، فإنه طلب أولاً أن لا يضيق به جاهه ، ثم طلب هنا أن يأخذ بيده فضلاً وإحساناً ، وإلا فيا هلاكه .
فيقال : كيف طلبت منه أولاً الشافعة ثم طلبت منه أن يتفضل عليك ، فإن كنت تقول : إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله ، فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وسلم وترجوه وتسأله الشفاعة ؟ فهلا سألتها من له الشفاعة جيمعاً ، الذي له ملك السموات والأرض ، الذي لا تكون الشفاعة إلا من بعد إذنه ، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله .
وإن قلت : ما أريد إلا جاهه ، وشفاعته ، بإذن الله .
قيل : فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين ، فهذا مضاد لقوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدرك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } [ الانفطار ] ، فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا .
وإن قلت : سألته أن يأخذ بيدي ، ويتفضل عليَّ بجاهه وشفاعته .
قيل : عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله ، وذلك هو محض الشرك .
السادس : في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن ، فأين هذا من قوله تعالى : { إياك نبعد وإياك نستعين } [ الفاتحة ] ، وقوله تعالى : { فإن تولوا فقـل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلـت وهـو رب العـرش العظيم } [ التوبة ] ، وقوله : { وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيراً } [ الفرقان ] ، وقوله تعالى : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغاً من الله ورسالاته } . [ الجن ]
فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم شفاعته فيا هلاكه . قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما دعاه أول مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط والدعاء ، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط ، كما قال نوح عليه السلام : { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } . [ هود ]
ومنهم من يقول : نحن نعبد الله ورسوله ، فيجعلون الرسول معبودا .
قلت: وقال البوصيري :
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من جوده ، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ ، وهذا هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس ، وكل ذلك كفر صريح . ومن العجب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته عليه السلام وتعظيمه ومتابعته ، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، لأن هذا ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه ، فإن التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبداً رسولاً ، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين .
....... فكيف بمن يقول فيه ؟ !
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
ويقول في همزيته :
هذه علتي وأنت طبيبُ ***** ليس يخفى عليك في القلب داء

وأشباه هذا من الكفر الصريح .
ــــــــــــ
كناب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ( ص 621 )

.............

كلام العلامة محمد بن على الشوكاني في البردة :

فانظر رحمك الله تعالى ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقوله صاحب البردة رحمه الله تعالى :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبدالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لله وإنا إليه راجعون .
وهذا باب واسع ، قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب ، ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب .
ومن ذلك قول من يقول مخاطباً لابن عجيل :
هات لي منك يابن موسى إغاثة ***** عاجلاً في سيرها حثاثة
فهذا محض الاستغاثه التي لاتصلح لغير الله لميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى من مئات السنين .
وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس ، ووقع أيضاً لمن تصدى لمدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر ، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدةٌ فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ( 59 / 60 )

..........

كلام العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في البردة

قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في كتابه الرد على البردة :
قوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل : يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
مقتضى هذه الأبيات إثبات علم الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم وأن الدنيا والآخرة من جوده وتضمنت الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم من أعظم الشدائد ورجاءه لكشفها وهو الأخذ بيده في الآخرة وإنقاذه من عذاب الله ، وهذه الأمور من خصائص الربوبية والألوهية التي ادعتها النصارى في المسيح عليه السلام وإن لم يقل هؤلاء إن محمداً هو الله أو ابن الله ولكن حصلت المشابهة للنصارى في الغلو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله " والإطراء هو المبالغة في المدح حتى يؤول " الأمر إلى " أن يجعل المدح شيء من خصائص الربوبية والألوهية .
وهذه الألفاظ صريحة في الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم كقوله :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواكأي وإلا فأنا هالك والنبي
أي وإلا فأنا هالك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : " لا ملجأ منك إلا إليك " .
وقوله :
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** ومنقذي من عذاب الله والألم
أو شافعاً لي ...... إلخ . [ أي ] وإلا هلكت ، وأي لفظ في الاستغاثة أبلغ من هذه الألفاظ وعطف الشفاعة على ما قبلها بحرف أو في قوله : " أو شافعاً لي " صريح في مغايرة ما بعد أو لما قبلها وأن المراد مما قبلها طلب الإغاثة بالفعل والقوة . فإن لم يكن فبالشفاعة .
والناظم آل به المبالغة في الإطراء الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا الغلو والوقوع في هذه الزلقة العظيمة ونحو ذلك قوله في خطابه للنبي صلى الله عليه وسلم :
الأمان الأمان إن فؤادي ***** من ذنوب أتيتهن هراء
هذه علتي وأنت طبيبي ***** ليس يخفى عليك في القلب داء
فطلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه علة قلبه ومرضه من الذنوب فتضمن كلامه سؤاله من النبي صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنبه وصلاح قلبه ، ثم أنه صرّح بأنه لا يخفى عليه في القلب داء فهو يعلم ما احتوت عليه القلوب . وقد قال سبحانه : { وممن حولكن من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ( التوبة آية 101 ) وقال : { وآخرون من دونهـم لا تعلمونهم الله يلعمهم } ( الأنفال آية 60 ) وخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمر الذين أنزل الله فيهم : { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } ( النساء آية 107 ) الآيات حتى جاء الوحي وخفى عليه صلى الله عليه وسلم أمر أهل الإفك حتى أنزل الله القرآن ببراءة أم المؤمنين رضي الله عنها وهذا في حياته فكيف بعد موته وهذا يقول : " وليس يخفى عليه في القلب داء " يعني أنه يعلم ما في القلوب والله سبحانه يقول : { والله عليم بذات الصدور } ( آل عمران آية 154 / والمائدة آية 7 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من النار " .
ـــــــــــــ
كتاب الرد على البردة للعلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ( ت / 1282 هـ ) ( ص 361 / 362 / 363 / 387 / 388 / )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين في البردة من كتابه كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس .
قال العلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين :
قول الناظم : إن من جودك الدنيا وضرتها : أ ي من عطائك وإنعامك وإفضالك الدنيا والآخرة ، وهذا كلام لا يحتمل تأويله بغير ذلك ، ووازن بين قول الناظم من جودك الدنيا وضرتها وبين قوله تعالى : ( قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً) [ الجن : 21 ] . وقوله ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) [ الأنعام : 50 ] .
قال ابن كثير : " قل لا أقول لكم عندي خزائم الله " أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون ( ولا أعلم الغيب ) فأخبركم بما غاب مما مضى وما سيكون ( ولا أقول لكم إني ملك ) ؛ لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي .
وقوله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السـوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) [ الأعراف : 118 ] . ص / 25
ــــــــــــ
وازن بين قول يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك ، وبين قول الذي له النبي صلى الله عليه وسلم : " أجعلتني لله ندًّا حيث قال له ما شاء الله وشئت " . فهذا لو قال ما لي من ألوذ به إلا الله وأنت ، لكان أقبح من قول القائل ما شاء الله وشئت ؛ لأن الله أثبت للعبد مشيئة لقوله : لمن شاء منكم أن يستقيم [ التكوير 28 ] فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا [ الإنسان : 29 ] فكيف إذا أفرد الرسول باللياذ والالتجاء من عذاب ذلك اليوم لا تكلم فيه نفس إلا بإذنه ! . ص / 45
ـــــــــــ
قول صاحب البردة
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** ومنقذي من عذاب الله والألم
هو استغاثة بل من أبلغ ألفاظ الاستغاثة، كقول الأبوين ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنـا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 23 ] . وقول نـوح : (وإلا تغفر لي وترحمني أكـن من الخاسرين [ هود : 47 ] . وقول بني إسرائيل : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ) [ الأعراف : 149 ] . أترى أن الأبوين وجميع المذكورين يخبرون الله بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون وأن هذا منهم مجرد إخبار ، بل كل أحد يعرف أن هؤلاء الذين أخبر الله عنهم بهذا الكلام يسألون الله ويرغبون إليه في أن يغفر لهم ويرحمهم ومعترفون بأنه إن لم يغفر لهم ويرحمهم فهم خاسرون .
وأما قول صاحب البردة وقول المشطِّر :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي**** ومنقذي من عذاب الله والألم
................................. ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
أي وإن لم تأخذ بيدي وتنقذني من عذاب الله فقل يا زلة القدم . أي فأنا خاسر أو هالك ، فهـو كقول الأبوين ( وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكـونن من الخاسريـن ) [ الأعراف : 23 ] . وقول نـوح : ( وإلا تغفـر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) [ هود : 47 ] . وقول بني إسرائيل ( لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) [ الأعراف : 149 ] . ص / 58 / 59
ـــــــــــ
كتاب تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس . ص ( 25 / 45 / 58 / 59 )
للعلامة عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين ـ رحمه الله ـ

...............

كلام العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ـ رحمه الله ـ في البردة

قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218) :
وقد ضل من زعم أن لله شركاء كمن عبد الأصنام أوعيسى بن مريم عليه السلام ، وكذلك بعض الشعراء الذين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق ؛ كقول بعضهم يخاطب ممدوحاً له :
فكن كمن شئت يامن لاشبيه له ***** وكيف شئت فما خلق يدانيك
وكقول البوصيري في قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم :
يا أكرمَ الخلْقِ مالي مَن ألوذُ به ***** سواك عند حدوثِ الحادثِ العَمــم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يازلة القدم
فإن مِن جودك الدنيا وضَرتهـــا ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: وهذا من أعظم الشرك لأنه جعل الدنيا والآخرة من جود الرسول صلى الله عليه وسلم، ومقتضاهُ أن الله جل ذكره ليس له فيهما شيء.
وقال -أي: البوصيري - [ومن علومك علم اللوح والقلم]، يعني : وليس ذلك كل علومك ؛ فما بقي لله علمٌ ولا تدبيرٌ ـ والعياذ بالله ـ . أ. هـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* "القول المفيد على كتاب التوحيد " (1/218)

...........

كلام العلامة صالح بن فوزان الفوزان في على البردة

قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد :
قوله تعالى ; ولا شفيعٌ ; أي : واسطة ، يتوسط له عند الله ، ما أحد يشفع لـه يوم القيامة إلا بإذن الله سبحانه وتعالى ، وبشرط أن يكون هذا الشخص ممن يرضى الله عنه ، هذه شفاعة منفيّة فبطل أمر هؤلاء الذين يتخذون الشفعاء ويظنون أنهم يخلصونهم يوم القيامة من عذاب الله كما يقول صاحب " البردة " :
يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً ***** بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلّة القدم
هذا على اعتقاد المشركين أن الرسول يأخذ بيده ويخلصه من النار ، وهذا ليس بصحيح ، لا يخلصه من النار إلا الله سبحانه وتعالى إذا كان من أهل الإيمان .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 241 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أنس رضي الله عنه : أن أناساً قالوا يارسول الله ، ياخيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، فقال (( يا أيها الناس قولوا بقولكم ، ولايستهوينكم الشيطان ، أنا محمد رسول ؛ عبد الله ورسوله ، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل )) رواه النسائي بسند جيد .
فهذان الحديثان يُستفاد منهما فوائد عظيمة :
الفائدة الأولى : فيه التحذير من الغلوّ في حقِّه صلى الله عليه وسلم عن طريق المديح ، وأنّه صلى الله عليه وسلم إنّما يوصف بصفاتِه التي أعطاهُ الله إيَّاها : العبوديّة والرِّسالة ، أمّا أن يُغلي في حقَّه فيوصف بأنّه يفرِّج الكُروب ويغفر الذنوب ، وأنه يستغاث به - عليه الصلاة والسلام بعد وفاته ، كما وقع فيه كثيرٌ من المخرِّفين اليوم فيما يسمّونه بالمدائح النبوية في أشعارهم : " البردة " للبوصيري ، وما قيل على نسجها من المخرفين، فهذا غلو أوقع في الشرك،
كما قال البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ***** ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا غلوٌّ - والعياذ بالله - أفضى إلى الكفر والشِّرْك ، حتى لم يترُك لله شيئاً ، كلّ شيء جعله للرسول صلى الله غليه وسلم : الدنيا والآخرة للرسول ، علم اللوح والقلم للرسول ، لا ينقذ من العذاب يوم القيامة إلا الرسول ، إذاً ما بقي لله عز وجل ؟
وهذا من قصيدةٍ يتناقلونها ويحفظونها ويُنشدونها في الموالد .
وكذلك غيرُها من الأشعار ، كلّ هذا سببه الغلوّ في الرّسول صلى الله عليه وسلم .
وأمّا مدحُه صلى الله عليه وسلم بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول ، وأنه أفضل الخلق ، فهذا لا بأس به ، كما جاء في أشعار الصحابة الذين مدحوه ، كشعر حسان بن ثابت ، وكعب بن زهير ، وكذلك كعب بن مالك ، وعبدالله بن رواحة ، فهذه أشعار نزيهة طيبة ، قد سمعها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها ، لأنها ليس فيها شيءٌ من الغلو ، وإنما فيها ذكر أوصافه صلى الله عليه وسلم .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 2 / 312 )
ـــــــــــــــــــــــ
ففي قوله : " عبدالله " ردٌّ على الغلاة في حقه صلى الله عليه وسلم .
وفي قوله : " رسوله " ردٌ على المكذبين الذين يكذّبون برسالته صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنون يقولون : هو عبدالله ورسوله .
هذا وجهه الجمع بين هذين اللفظين ، أن فيهما رداً على أهل الإفراط وأهل التفريط في حقه صلى الله عليه وسلم .
وفيه : ردٌ على الذين غلو في مدحه صلى الله عليه وسلم من أصحاب القصائد ، كقصيدة البُردة والهمزية وغيرهما من القصائد الشركية التي غلت في مدحه صلى الله عليه وسلم ، حتى قال البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
فنسي الله سبحانه وتعالى .
ثم قال :
إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ***** فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
يعني : ما ينجيه من النار يوم القيامة إلاّ الرسول .
ثم قال :
فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ***** ومن علومك علم اللّوح والقلم
الدنيا والآخرة كلها من وجود النبي صلى الله عليه وسلم ، أما الله فليس له فضل ، هل بعد هذا الغلو من غلو ؟؟ .
واللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب الله به المقادير هذا بعض علم النبي صلى الله عليه وسلم ، ونسي الله تماماً - والعياذ بالله - .
وكذلك من نهج على نهج البردة ممن جاء بعده ، وحاكاه في هذا الغلو ، هذا كله من الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومن الإطراء .
أما المؤمنون فيمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة والعبودية ، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، كما عليه شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه وأقرّهم ، مثل : حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زُهير ، وعبدالله بن رواحة ، وغيرهم من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه بصفاته صلى الله عليه وسلم ، وردوا على الكفّار والمشركين .
هذا هو المدح الصحيح المعتدل ، الذي فيه الأجر وفيه الخير ، وهو وصفه صلى الله عليه وسلم بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان .
ومن الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم : إحياء المولد كل سنة ، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم ، فبعض المسلمين تشبه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة ، لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها ، وإنما حدث بعد المائة الرابعة ، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة ، فهو بدعة ، وهو من التشبه بالنصارى .
وتبين هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث باختصار :
المسألة الأولى : التحذير من الغلو في مدحه صلى الله عليه وسلم ، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك ، كما أدى بالنصارى إلى الشرك .
المسألة الثانية : فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه صلى الله عليه وسلم ، كصاحب البردة ، وغيره .
المسألة الثالثة : فيه النهي عن التشبه بالنصارى ، لقوله : " كما أطرت النصارى ابن مريم " .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 274 / 280 / 281 )
ــــــــــ
فإذا كان الرسول أنكر الاستغاثة به فيما يقدر عليه ، فكيف بالاستغاثة به فيما لا يقر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ؟ ، وكيف بالاستغاثة بالأموات ؟ . هذا أشد إنكاراً.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم منع من الاستغاثة الجائزة في حياته تأدُّباً مع الله ، فكيف بالاستغاثة به بعد وفاته ؟ ، وكيف بالاستغاثة بمن هو دونه من الناس ؟ . هذا أمر ممنوع ومحرّم . وهذا وجه استشهاد المصنّف رحمه الله بالحديث للترجمة .
إذاً فقول البوصيري :
يا أكرم الخلق ما لي من أولذ به ***** سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذاً ***** بيدي فضلاً وإلا قل يا زلّة القدم
فإن من جودك الدّنيا وضرّتها ***** ومن علومك علم اللّوح والقلم
أليس هذا من أكبر الشرك ؟
يقول : ماينقذ يوم القيامه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولايخرج من النار إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، أين الله سبحانه وتعالى ؟ .
ثم قال : إن الدنيا والآخرة كلها من جود الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلم اللوح المحفوظ والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله هو بعض علم الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب .
وهذه القصيدة ـ مع الأسف ـ تطبع بشكل جميل وحرف عريض ، وتوزع ، وتقرأ ، ويُيعتنى بها أكثر مما يعتنى بكتاب الله عز وجل ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 202 )
ـــــــــــــــــــــ
بل إن بعض الغلاة يقول : إن التسمي بمحمد يكفي ، يقول صاحب البردة :
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمداً ***** وهو أوفى الخلق بالذمم
لاينفع عند الله إلا العمل الصالح ، لا الأسماء ولا القباءل ، ولا شرف النسب ، ولا كون إنسن من بيت النبوة ، كل هذا لاينفع إلا مع العمل الصالح والاستقامة على دين الله عز وجل .
نعم القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت مع العمل الصالح لها فضل لاشك فيه ، فأهل البيت الصالحون المستقيمون على دين الله لهم حق ، ولهم شرف كرامة ، ويجب الوفاء بحقهم ، طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه أوصى بقرابته وأهل بيته ، لكن
يريد القرابة وأهل البيت المستقيمين على طاعة الله عز وجل ، أما المخرّف والدجّال والمشعوذ الذي يعتمد على قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه في العمل مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذا لا يُعنيه شيئاً عند الله ، لو كان هذا ينفع أبا لهب ، ونفع أبا طالب، ونفع غيرهم ممن لم يدخلوا في دين الله ، وهم من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالواجب أن نتنبّه لهذا .
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 201 )
ـــــــــــــــــــ
راجع كتاب إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ العلامة / صالح بن فوزان الفوزان


هذا الموضوع نقله الأخ الفاضل الدر المنثور لسفينة النصح من أنا السلفي ولقد نقلتها وأضفت إليها التعليق الثاني لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله

نقلها المنهج - شبكة الدفاع عن السنة

عبدالله بن خميس
29-11-06, 05:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ هَذِهِ القَصِيدَةِ ؟


قَوَادِحٌ عَقَدِيَةٌ فِي بُرْدَةِ الُبوصِيرِي
د . عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - مـن أشـهــــر الـمــدائـح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن الـمـشـطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحـهـــــا الـمكتوبة خمـسـيـن شــرحـــــاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.
يـقــول الـدكـتـور زكـي مـبــارك : وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عـقـــــد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كـانـت تـتـلـقـاهــــا جماهير من الطلاب، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مـثــل هذا الـــدرس لم يـكـــن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ(1).

وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لـكـعـــــب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ فقد اشتهر أن النـبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - (2) فـقــــد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!

وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ الكواكب الدرية في مدح خير البرية(3). كما أن لهذه البردة اسماً آخـــــر هو الـبرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشـدائــد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.
وقـد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون(4).

يقــــول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة -: ولم يكـتـف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضــع مثلها لقراءة القرآن، منها : التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابـهــــــا، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفـيــة الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين(5).
وأما عن مناسبة تألـيـفـها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثـــم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فـعـمـلـتـهـــا، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بــردة، فـانـتـبـهــت ووجــدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : أيّها؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله -صلى الله عـلـيــــه وسلم-، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكــر الفقير ذلك، وشاع المنام(6).
ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله -.
ثم ادعى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل بــــه - كما ثبت في الحديث -.
ثـم ادعــى أن النبي في -صلى الله عليه وسلم- مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسـلــم، وأن الرســــــول -صـلـى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي -صلــى الله عليه وسلم- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب.
قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله(7).
وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه.

يقول شيخ الإسلام : ثم سـبـب قـضــــاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فـإنــــه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مبــاح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة(8).
وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محـمــــد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة 608هـ، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهـــــــل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقـف مــــــع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل.
ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها!
توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع(9).

وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل.
1- يقول البوصيري :

وكيف تدعو إلى الدنيا ضـرورة مـن *** لـولاه لم تُخرج الدنيا من العدم

ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نـبـيـنــا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال - سبحانه: ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]،
وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك(10).

2- قال البوصيري :

فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق *** ولـم يـدانــوه في عــلـــم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس *** غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبيـاء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنــــــه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالـة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين(11).

3- ثم قال :

دع ما ادعته النصارى في نـبـيـهم *** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في الـمـسـيـــح - غالباً - : إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة(12).
لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مـريـم إنـمــــــــا أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله(13)، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هـــــو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام -، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى(14).
ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر(15).

4 - وقال أيضاً :

لو ناسبت قــدره آيــاتــه عِظماً *** أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم

يقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره(16).
يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟(17).

5- وقال أيضا :

لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه *** طوبى لمنتشق منه وملتثم

فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد(18).

6- ثم قال :

أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له *** من قلبه نسبةً مبرورة القسم

ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك(19).
وقال ابن عبد البر - رحمه الله - :لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه... إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد(20).

7- قال البوصيري :

ولا التمست غنى الدارين من يــده *** إلا استلمت الندى من خير مستلم

فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال : ((ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) [النحل:53]، وقال - سبحانه - : ((فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ)) [العنكبوت:17]، وقال - تعالى - : ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) [يونس:31]، ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)) [سبأ:22] .
وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : ((قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ)) [الأنعام:50].

8- قال البوصيري :

فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي *** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم

وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد!
و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك(21).
فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة(22).

9- وقال البوصيري :

إن لم يـكـن في معادي آخذاً بيدي *** فضلاً وإلا فقل يا زلة الـقــدم

والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الزمر:13].
ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : ((ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس:18]، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً(23).

10- وقال :

يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم

يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :
منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية(24).
وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه ؛ فقد اشتد نكيره -صلى الله عليه وسلم- عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله : ((وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)) [الجن: 6]، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب(25).
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون(26).

11- وقال البوصيري :

ولن يضيق رسول الله جاهك بي *** إذا الكريم تحلى باسم منتقم

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً(27).

12- وقال أيضا :

فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم

فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله - سبحانه وتعالى - يقول : ((وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى)) [الليل:13](28).
وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه - : ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65] وقال - عز وجل - : ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) [الأنعام:59]، والآيــات فـي هـذا كثيرة معلومة(29).

وأخـيـراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنـمـا يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة.
وإن كـــان لا بد مـن قـصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي.
اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد. (*)

======================
الهوامش :
(1) المدائح النبوية، ص 199.
(2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) : ورد في بعض الروايات ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاه بردته حن أنشده القصيدة.. وهذا من الأمور المشهورة جداً، ولكن لم أر ذلك في شيء، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم .
(3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري، ص 29.
(4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك، ص 197.
(5) مقدمة ديوان البوصيري، ص 29، 30.
(6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي، 2/258.
(7) مجموع الفتاوى، 11 /598.
(8) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/692، 693، باختصار.
(9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني، ص 5 - 44، وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد .
(10) انظر : الصنعاني في موضوعاته، ص 46 ح (78)، والمسلسلة والموضوعة للألباني، 1/299، ح(282).
(11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان، ص 169 - 196.
(12) الدرر السنية، 9/81، وانظر 9/48، وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا)، ص 88.
(13) أخرجه البخاري، ح ./3445.
(14) انظر القول المفيد، 1 /376، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ، ص 236، ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان، ص 208 .
(15) فتح الباري، 12 /149.
(16) غاية الأماني للآلوسي، 2 /349.
(17) غاية الأماني للآلوسي، 2/ 350، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان، ص 136.
(18) الرد على الأخنائي، ص 41.
(19) رواه أحمد، ح. /4509، والترمذي، ح./ 1534.
(20) التمهيد، 14/366، 367 .
(21) تيسير العزيز الحميد، ص 22.
(22) انظر الدرر السنية، 9 /51.
(23) انظر الدرر السنية، 9/49، 82، 271.
(24) تيسير العزيز الحميد، ص 219، 220.
(25) الدرر السنية، 9/ 80، وانظر 9/49، 84، 193، ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ص 212.
(26) الدر النضيد، ص 26.
(27) تيسير العزيز الحميد، ص 220، وانظر الدرر السنية، 9/52.
(28) انظر الدرر السنية، 49، 50، 81، 82، 85، 268.
(29) انظر الدرر السنية، 9/50، 62، 81، 82، 268، 277.
(*) المصدر : مجلة البيان - العدد 139 - ربيع الأول 1420 هـ


--------------------------------------------------------------------------------

مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي
سليمان بن عبد العزيز الفريجي

منذ أن انتشر الإسلام أقبل الأدباء على مدح نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بمدائح كثيرة ، حفظ لنا التاريخ شيئاً منها ، ومن أقدمها ما جاء عن أم معبد - رضي الله عنها - من وصفها للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما حل بخيمتها في طريق هجرته إلى المدينة ، وكان من وصفها : ( إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأجمله من قريب ، حلو المنطق ، لانزر ولا هزر ) [1] .

كما كان لشعراء الرسول - صلى الله عليه وسلم - كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير وكعب بن مالك والعباس بن مرداس وغيرهم قصائد عدة في مدحه ورثائه ، منها قصيدة حسان بن ثابت - رضي الله عنه - التي مطلعها :

بطيبة رَسْم للرسول ومَعهد * * * منير ، وقد تعفو الرسوم وتهْمَد
ولا تنمحي الآيات من دار حُرْمة * * * بها منبر الهادي الذي كان يصعد

ومنها قصيدة كعب بن زهير - رضي الله عنه - التي قالها عند إسلامه ، واعتذر بها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وألقاها بين يديه في مسجده وسط صحابته ، ومطلعها :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * * * مُتَيَّم إثرها لم يُجْزَ مكبول

وفيها يقول :

أنبئت أن رسول الله أوعدني * * * والعفو عند رسول الله مأمول
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة * * * القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لذاك هيب عندي إذ أكلمه * * * وقيل إنك مسبور ومسؤول
من ضيغم من ضراء الأُسْد مُخْدرة * * * ببطن عثَّر غيل دونه غيل
إن الرسول لسيف يُستضاء به * * * مهند من سيوف الله مسلول

بل إن هناك من شعراء الكفار من مدحه وأثنى على أخلاقه الكريمة ، كعمه أبي طالب في قصيدته المشهورة ، ومنها قوله :

وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجهه * * * ثمالُ اليتامى ، عصمة للأرامل

وكالأعشى الكبير ميمون بن قيس الذي مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصيدة رائعة ، وجاء بها ليسلم عنده ويلقيها بين يديه ، ولكن قريشاً أغرته بالدنيا فعاد ومات كافراً . ومن قصيدته قوله :

نبيٌ يرى ما لا ترون ، وذكره * * * أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صَدَقاتٌ ما تُغِبُّ ونائل * * * وليس عطاءُ اليوم مانعه غدا

وهكذا اتصل مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته ورثائه بعد مماته ، وذكر أخلاقه وأوصافه عند أصحابه والتابعين دون غلو أو تجاوز لحدود المشروع .

وبعد قيام دولة بني أمية والحوادث التي جرت لآل بيت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وتشيع من تشيع لهم بدأت المبالغة في مدحهم والثناء عليهم ، حتى اشتهر شعراء بذلك ، وأكثروا منه ، كالكميت الأسدي ودعبل الخزاعي والشريف الرضي ومهيار الديلمي ، وهؤلاء جاءت مبالغتهم من غلوهم في رجالات آل البيت ، وتفضيلهم على من يرونهم أعداء لهم من الأمويين وغيرهم ؛ فموقفهم في الحقيقة سياسي أكثر من كونه معتمداً على اقتناعاتهم الشرعية ؛ فلهذا جاء كلامهم على آل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - دون غيرهم ، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قل مديحهم له في مقابل مديحهم لآل بيت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .

ومن أشعارهم هاشميات الكميت وأشهرها : البائيتان واللامية والميمية ، يقول في إحدى البائيتين :

إلى النفر البيض الذين بحبِّهم * * * إلى الله فيما نالني أتقرِّب
بني هاشم رهط النبي فإنني * * * بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب

وما جاء عن هؤلاء من المدح الخاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يكاد يكون مدحاً معتاداً لا نجد فيه ما سنجده في مدائح الصوفية في القرن السابع . ومن ذلك قول الكميت :

وأنت أمين الله في الناس كلهم * * * عليها وفيها احتار شرق ومغرب
فبوركت مولوداً وبوركت ناشئاً * * * وبوركت عند الشيب إذ انت أشيب
وبورك قبرٌ أنت فيه وبوركت * * * به وله أهـل لذلك يثرب
لقد غيَّبوا بِراً وصدقاً ونائلاً * * * عشية واراك الصفيح المنصَّب

ومع ذلك كان مدح من مضى لآل البيت أكثره صادقاً ، لأنهم يمدحونهم والدنيا ليست بأيديهم خلاف شعراء الدولة العبيدية المنتسبة - زوراً - إلى فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - التي كان الشعراء يتزلفون إلى حكامهم بمدحهم ومدح آل البيت ومنه مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وهذا المدح غير داخل في حقيقته في المدائح النبوية ، لأنه مدح من أجل الدنيا ، لا لحبهم أو التقرب إلى الله بمدحهم ، ولهذا وصل الأمر ببعضهم إلى حد الشرك كابن هانئ الأندلسي ، حيث يقول في مدح المعز لدين الله الفاطمي :

ما شئتَ ، لا ما شاءت الأقدار * * * فاحكم فأنت الواحد القهار

ويقول :

ولك الجواري المنشآت مواخراً * * * تجري بأمرك والرياح رخاءُ

ولهذا كان مدح هؤلاء منصباً على حكام الدولة العبيدية ومن يزعم هؤلاء الحكام محبتهم من رجالات آل البيت ، ويقل فيه مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وتستمر المدائح النبوية دائرة حول أوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم- الخُلُقية والخَلْقية المعروفة ، ولا نجد ذلك الغلو الذي يخرج بالمدائح النبوية إلى رفع النبي -صلى الله عليه وسلم- فوق مقامه البشري ، وإضفاء بعض الصفات الإلهية عليه إلا في القرن السابع الذي يعرف في التاريخ الإسلامي بانتشار التصوف فيه إلى حد كبير ، مما أثر تأثيراً كبيراً على الشعراء الذين تسابقوا في مضمار المدائح النبوية ، بنَفَسٍ يخالف المدائح السابقة ، ويوافق الفكر التصوفي .

وكانت البداية الفعلية لهذه المدائح بهذا النَفَس الصوفي المتميز على يد محمد بن سعيد البوصيري ، المتوفى في الإسكندرية سنة695 هـ ، فقد نظم عدة قصائد في المدائح النبوية ، وأشهرها قصيدتان :

الأولى الميمية ، وهي على رواية الديوان (160) بيتاً ومطلعها :

أمن تذكُّر جيرانٍ بذي سلم * * * مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

والأخرى الهمزية ، ومطلعها :

كيف ترقى رقيَّك الأنبياء * * * يا سماء ما طاولتها سماءُ

والميمية أشهر وأذيع عند عامة المتصوفين ومقلديهم ، وقد نسجت حولها المنامات والأساطير ، ابتداء بناظمها الذي جاء عنه أنه بسبب استشفائه بهذه القصيدة مسح النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام عليه فبرئ من فالج كان أبطل نصفه وألقى عليه بردة ، فسميت القصيدة لذلك بالبردة ، ونسجت الأساطير لكل بيت من أبياتها ، وشاع التبرك والاستشفاء بها ، فصارت تسمى أيضاً : البُرْأَة ، والبُروة ، وقصيدة الشدائد ، وغالى المتصوفة وأتباعهم فيها ( حتى عملوها تميمة تعلق على الرؤوس ، وزعموا فيها مزاعم كثيرة من أنواع البركة ، وهم على ذلك إلى يومنا هذا ) [2] .

ويظهر أن كل هذه التسميات كانت بعد موت البوصيري ، أما هو فسماها :

(الكواكب الدريَّة في مدح خير البرية) .

وقد أجمع معظم الباحثين على أن ميمية البوصيري أفضل قصيدة في المديح النبوي من الناحية الفنية الأدبية - لا الشرعية - إذا استثنينا لامية كعب بن مالك (البردة الأم) ، حتى قيل : إنها أشهر قصيدة في الشعر العربي بين العامة والخاصة .

ومهما يكن من أمر فقد أثّرت ميمية البوصيري في المدائح النبوية تأثيراً عميقاً ، حيث نقلتها مضموناً وقالباً . أما من حيث المضمون فقد نقلت المدائح النبوية من المدح المعتاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأوصافه المشهورة المعروفة إلى أوصاف غلو ومبالغة ( على نحو إعجازي خارق ، بالغ المثالية ، بالغ الكمال ، وبالغ الجلال ... يرقى بالنبي إلى درجة ربانية ) [3] ، ويسمون هذه الأوصاف : (الحقيقة المحمدية) التي يدعي المتصوفة أن غيرهم لا يعرفونها ؛ ولهذا فهم يحملون كل غلو في ميمية البوصيري وغيره ممن سار على دربه على أنه من الحقيقة المحمدية التي ينفردون بمعرفتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

أما من حيث القالب فقد جعل المدائح النبوية تتكون من ثلاثة أجزاء : الأول يسمى النسيب النبوي ، وهو التشوق إلى المدينة النبوية التي تضم قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها جرى أغلب أحداث سيرته ، ويتلو هذا النسيب بعض الحِكَم التي تحذر من الدنيا وأهواء النفس ، وهذا الجزء يمثل من ميمية البوصيري الأبيات من (1 - 33) ، ومن أجملها قوله :

والنفس كالطفل إن تهمله شب على * * * حب الرضاع ، وإن تفطمه ينفطم

وقوله :

وخالف النفس والشيطان واعصهما* * * وإن هما محَّضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصماً ولا حكماً * * * فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

والجزء الثاني مديح النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرض سيرته ، وهذا الجزء هو غرض القصيدة ، وفيه يذكر الشاعر سيرته من مولده إلى وفاته - صلى الله عليه وسلم - ، ويتكلم على معجزاته وخصائصه ... ويمثل هذا الجزء من القصيدة الأبيات من (34-139) ، ويبدؤه بقوله :

محمد سيد الكونين والثقلي * * * ن والفريقين من عُرب ومن عجم

وفي هذا الجزء أغلب الغلو المشار إليه من قبل ، وكأن بعض المتأخرين عن البوصيري أحسَّ شدة هذا الغلو فأراد أن يخففه فزاد في القصيدة - وما أكثر ما زيد عليها - بيتاً ناشزاً ألقاه في مكان غير مناسب في القصيدة ، وهو قوله :

فمبلغ العلم فيه أنه بشر * * * وأنه خير خلق الله كلهم

ولم يرض كثير من الصوفية هذا البيت للنص فيه على بشريته وأنها منتهى العلم فيه ، فغيروه إلى :

مولاي صلِّ وسلم دائماً أبداً * * * على حبيبك خير الخلق كلهم

ونسبوا فيه مناماً خاصاً للبوصيري ، فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي ألقى بشطره الثاني على البوصيري .

والجزء الثالث هو إقرار الشاعر بذنوبه وطلب العفو عنها ، ويشمل هذا الجزء الأبيات من (140-160) ويبدأ إقراره بقوله :

خدمته بمديح أستقيل به * * * ذنوب عُمْرٍ مضى في الشعر والخدم

ثم يقول :

لم تشتر الدين بالدنيا ولم تَسم * * * فيا خسارة نفس في تجارتها

ولكن طلبه للعفو كان موجهاً للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا من أكبر انحرافات البوصيري ، وقد كرر هذا في عدة أبيات ، منها :

إن آت ذنباً فما عهدي بمنتقض * * * من النبي ، ولا حبلي بمنصرم
فإن لي ذمةً منه بتسميتي * * * محمداً ، وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي * * * فضلاً فقل يا زلة القدم
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به * * * سواك عند حلول الحادث العَمِمِ

وعندما ذكر العفو والرحمة من الله رجا أن تكون الرحمة مقسومة حسب العصيان ، لا الإحسان ، فقال :

لعل رحمة ربي حين يقسمها * * * تأتي على حسب العصيان في القسم

وفي آخر هذا الجزء يختم القصيدة بالصلاة والسلام الدائمين على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الجزء يكثر فيه دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- والاستغاثة به وإضافة صفات ربانية إليه ، وإن كان الجزءان السابقان لا يخلوان من مثل ذلك ، كقوله :

أقسمت بالقمر المنشق أن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسم

وقوله :

ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به * * * إلا ونلت جواراً منه لم يُضم

هذه هي ميمية البوصيري التي كان لها أعظم الأثر في المديح النبوي ، وتحويلها من مسارها السليم إلى مسار مليء بالانحرافات الشرعية ، وقد ساعد المتصوفة وأصحاب الطرق على نشرها بغنائها وانشادها وتلحينها في كل مناسبة حتى الحروب فضلاً عن الأفراح والأحزان والموالد المبتدعة واحتفالات الحجيج .

ولم يقتصر أثرها على العامة ، بل تعداه إلى الخاصة ؛ إذ تزاحم الشعراء العرب وغير العرب على تقليدها ، وتفننوا في ذلك حتى أنشؤوا فيها فنوناً أدبية منها :

أ- البديعيات التي تسير على نهجها وزناً وروياً ومضموناً وأجزاءً ، ويكون كل بيت من أبياتها خاصاً بلون من ألوان علم البديع في البلاغة كبديعية صفي الدين الحلي (750 هـ) ومطلعها :

إن جئت سلعاً فسل عن جيرة العلم * * * واقرا السلام على عرب بذي سلم

وبديعية عز الدين الموصلي ومطلعها :

براعة تستهل الدمع في العلم * * * عبارة عن نداء المفرد العلم

ب- المدائح النبوية التي فيها التورية بكل سور القرآن ، ومن أشهرها قصيدة ابن جابر الأندلسي (780 هـ) ، ومطلعها :

في كل فاتحة للقول معتبرة * * * حق الثناء على المبعوث بالبقرة

وقد عارض ابن جابر في قصيدته هذه عدة شعراء حتى أُلِّف فيها كتاب مستقل وهو كتاب : (المدائح النبوية المتضمنة لسور القرآن الكريم لهاشم الخطيب) .

ج - معارضتها وتشطيرها وتخميسها وتسبيعها ... ومن أشهر من عارضها من المحدثين : محمود سامي البارودي بمطولة بلغت (447 بيتاً) هي : (كشف الغمة في مدح سيد الأمة ! ) ، ومطلعها :

يا رائد البرق يمم دارة العلم * * * واحْدُ الغمام إلى حي بذي سلم

وأحمد شوقي في قصيدة في (190 بيتاً) سماها : (نهج البردة) ، مطلعها :

ريم على القاع بين البان والعلم * * * أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

وقد زاد الغلو في المدائح النبوية منذ عهد البوصيري إلى بدايات العهد الحديث ، ومن أمثلة هذا الغلو والمغالين محمد بن أبي بكر البغدادي الذي صنف ديواناً كاملاً باسم : (القصائد الوترية في مدح خير البرية) نظم فيه 29 قصيدة ، وكل قصيدة منها 21 بيتاً . بحيث تبدأ أبيات كل قصيدة بحرف وتنتهي به نفسه ، ومن مدحه الغالي قوله :

أغثني ، أجرني ، ضاع عمري إلى متى * * * بأثقال أوزاري أراني أُرزأُ

وقوله :

ذهاباً ذهاباً يا عصاةُ لأحمد * * * ولوذوا به مما جرى وتعوَّذوا
ذنوبكم تُمحى وتعطون جنة * * * بها دُرَرٌ حصباؤها وزمرد

ومن أشد الغالين : عبد الرحيم البرعي اليماني ، فله ديوان شعر أكثره مدائح نبوية ، ومن مدحه الغالي قوله :

سيد السادات من مضر * * * غوث أهل البدو الحضر

وقوله :

يا سيدي يا رسول الله ، يا أملي * * * يا موئلي ، يا ملاذي ، يوم تلقاني
هب لي بجاهك ما قدمت من زلل * * * جوداً ورجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني * * * من الخطوب ونفِّس كُلَّ أحزاني

وكذلك أكثر من عارض البردة قديماً وحديثاً - وما أكثرهم - تأثر بما فيها من غلو .

وقد تأثر كذلك المتأخرون بهذا الغلو ، فمستكثر ومستقل ، فهذا البارودي يقول :

أبكاني الدهر حتى إذ لجأت به * * * حنا علي وأبدى ثغر مبتسم

وهذا أحمد شوقي يقول :

فالطف لأجل رسول العالمين بنا * * * ولا تزد قومه خسفاً ولا تسُمِ

ويقول في أحد المدائح الخديوية :

إذا زرت يا مولاي قبر محمد * * * وقبَّلت مثوى الأعظم العطرات
فقل لرسول الله : يا خير مرسل * * * أبثك ما تدري من الحسرات

وهذه شاعرة معاصرة ألفت كتاباً كاملاً من شعر التفعيلة باسم : (بردة الرسول) من أجل أن تشفى من مرض عانت منه طويلاً ، ملأته بالغلو ، ومن مثل قولها :

يا سيدي ، اسمع دعائي ... كن مًعين
وأجب رجائي ، يا محمدنا الأمين

أما هذا الغلو عند شعراء الصوفية ومقلديهم فأشهر من أن أشير إليه هنا .

ومما سبق نستخلص أن المدائح النبوية الغالية منذ البوصيري ومن قلده لا علاقة لها بالمدائح النبوية قبلها ؛ لأنه شتان بين التصور الواقعي البشري كما صوره شعراء المديح النبوي الأوائل من أمثال كعب بن زهير وكعب بن مالك وحسان بن ثابت ، ومعاصريهم ، وبين التصور المتأخر للرسول - عليه الصلاة والسلام - عند شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين أحالوا شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى سلسلة طويلة من الخوارق والمعجزات والقدرات فوق الطبعية ، حتى بات النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا طبيعة إلهية لا بشرية [4] .

ومع هذا فقد بقي كثير من الشعراء قديماً وحديثاً بمعزل عن هذا الغلو ، ولكن الحديث الآن ليس عنهم ، والله أعلم .

________________________
(1) المستدرك على الصحيحين ، 9/3 ، وغريب الحديث لابن قتيبة 1/ 463 ، وانظر الإصابة في ترجمة أم معبد .
(2) دراسة محمد النجار لبردة البوصيري ، ص 62 عن كتاب المقفى للمقريري .
(3) دراسة محمد النجار للبردة ، ص 11 .
المصدر : مجلة البيان - العدد 139 - ربيع الأول 1420 هـ

عبدالله بن خميس
29-11-06, 05:20 AM
وانصح أخي حمزة الكتاني بترك الصوفية والمنافحة عنها فلهم طوام وطوام

أبو علي الطيبي
29-11-06, 01:30 PM
وانصح أخي حمزة الكتاني بترك الصوفية والمنافحة عنها فلهم طوام وطوام

تعالوا عن مثل هذا يا أهل الحديث.. وليكن كلامكم قصدا، نصحا أو مناقشة.. بارك الله فيكم
أيها الشيخ حمزة، حفظكم الله تعالى
لا شك، أن "البردة" من أعظم ما قالت العرب.. ولا شك أن ما فيها من التضمينات والإشارات لدليل على علم الرجل، وسعة اطلاعه.. لكنه ليس إلا شاعرا!! وشائع في المحكمين لصنعة الشعر، إلمامهم بالتاريخ، والفقه، فضلا عن الأمثال، والأيام، والأنساب...الخ وهذا الذي يفوّق بعضهم على بعض.. ولا يخفاكم ما في شعر أبي الطيب، وأبي تمام وأمثالهما من ذلك..
بل وإن اطلاع بعضهم تجاوز إلى الفرق، والأديان.. وفلسفاتها.. كما قال أبو الطيب لسيف الدولة:
وكم لظلام الليل عندك من يد ** تنبّئ أن المانوية تكذب!
لكن لا أحد من الناس جعل أبا الطيب، على جلالته، وأبا تمام، على جزالته.. إماما!!
فإن أردنا إلى المعنى اللغوي، فنعم.. لقد كان البوصيري إماما في صنعة "النسيب النبوي" كما تسمى..
فقد احتذى حذوه مئات الشعراء، بين معارض لبردته، ومشطر، ومخمس..
والإمام هو الرجل المتبع، وهو كذلك
والإمام في لغة العرب كذلك شاقول البناء.. وهو كذلك، شاقول بناء هذا الفنّ من المديح للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
أما إمامة الدين، وليسمح لنا الشيخ حمزة، فلا!
ونعم.. قد قرأت ما نقلتم عن العلماء والفضلاء.. لكنا لسنا مقلدين في هذا أحدا! فلتعذرونا..
ألئنَّ البوصيري، مدح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقصيدتين (نعم، خلدتا.. ونشرتا.. واشتهرتا.. ولعل البوصيري كان في كتابتهما مخلصا في حبه لرسول الله صصص وإلا فكيف نفسّر ذيوع صيتها.. وطول عمرها هكذا؟؟!) يصير بهما إماما؟؟
الإمامة شيئ آخر..
وارجع إلى من ترجم له أيها الشيخ الفاضل، التراجم المطولة.. أو مك كتب عنه، تقرأ له بعض الشعر.. الهزيل تارة، والماجن السفيه تارة أخرى!
نعم.. إن في بردته خاصة، وفي قصيدتيه معاً، تضمينات، وإشارات عجيبة غريبة.. لا يتفطّن إليها إلى أخو ألمعية وزكانة
لكن هذا دليل على أنه "أديب مقتدر.. وشاعر مفلق" ثم كفى!
إن "بردته" حاشا ما فيها من أبيات "مختلف فيها!" (إن شئتم) تثير "الغرام الساكن" (كما يقول ابن الجوزي!) لكنها تشهد بشاعرية عظيمة.. لا بالإمامة الكبرى!
ثم لي رأي آخر يخالف رأيكم، عما يجوز للشاعر من الضرائر وما لا يجوز (ضرائر المعاني، لا ضرائر المباني!) لا ابث خبره..
وحفظكم الله تعالى من كل سوء
واعذروني على أسطري المُفَكَّة، وجملي الرَّكَّة.. فإنني أرتجل الكتابة
والسلام عليكم

حمزة الكتاني
29-11-06, 03:07 PM
الأخ ابن خميس، بداية نحن لا نذب عن الصوفية، نحن نتحدث عن قصيدة انتقد البعض أبياتا فيها، فلم نجد فيما انتقدوه ممسكا....

والفقرة الأولى من جوابك، أجبنا عنها أعلاه بما لا زيادة عليه، وأن كلامه عن الشفاعة، وهو الأمر الذي درج عليه الشراح ويقتضيه سياق الكلام، فمن هول بالشرك والكفر إنما لعدم علمه بما يتحدث عنه...وهي:

يا أكرم الخلق...إلخ.

وقوله:

فإن من جودك الدنيا...إلخ، فقد تحدثنا عليه أعلاه بما لا زيادة عليه، وكلام من رده إنما جاء من سوء الفهم والتحامل لا غير..

وفي بعض الأبيات التي نقلها الشيوخ النجديون أعلاه تحريفا لا يوجد في أي من نسخ القصيدة، فلتصوبوه...

أحمد محمود الأزهري
29-11-06, 04:23 PM
إخواني الأفاضل
اسمحوا لي أن أشاركم طرف الحديث في موضوعكم..
وأرجو ألا أُفْهَم خطأ مما يجعل البعض يظن تصوفي أو دفاعي عن التصوف وأهله، فإنني أربأ بنفسي أن أكون كذلك.
أرى والله أعلم أن كلام علمائنا من أهل السنة والجماعة كلام معتبر ككلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره حول ما تضمنته قصيدة البوصيري.
والكلام الذي أدلى به أخونا حمزة الكتاني حول ما تتضمنه أبيات القصيدة من معان كلام معتبر كذلك.
وقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجها ثم احتملت الإيمان من وجه واحد حُملت على أحسن المحامل وهو الإيمان.
وإذا كان كلام البوصيري يحتمل الإيمان والكفر؛ فإن الحدود تدرء بالشبهات.
ومحمل كلام الأدباء والشعراء يختلف عن محمل كلام غيرهم؛ حيث إن الأسلوب الأدبي يحتمل في طياته ما لا يحتمله الأسلوب العلمي، ويسع فيه ما لا يسع في غيره.
هذا والله تعالى أعلم.

عصام البشير
29-11-06, 05:15 PM
وقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجها ثم احتملت الإيمان من وجه واحد حُملت على أحسن المحامل وهو الإيمان.
وإذا كان كلام البوصيري يحتمل الإيمان والكفر؛ فإن الحدود تدرء بالشبهات.


أحب التنبيه على محل النقاش: (هل يصح إطلاق القول بأن البوصيري إمام)؟

أما ما ذكره الأخ الأزهري فيصح جوابا لمن قال بتكفير البوصيري.
وبين الأمرين مفاوز.

حمزة الكتاني
29-11-06, 07:26 PM
أخي الحبيب عصام، لا مشكل عندنا فليكن إماما أو لا يكون، وصفه بالإمامة أئمة معتبرون، وانتقده أئمة معتبرون، ولكنهم لم يطعنوا في علمه وفضله، وعلى كل فبردته وهمزيته مليئان علما وحكمة، يمكن الوقوف عليهما...

والبوصيري - رحمه الله - ليس نبيا ولا معصوما، ولا صحابيا لا يجوز انتقاده، ولكن قرأنا كلاما كثيرا حول أبيات في البردة والهمزية، تبين لنا أنه لا يصح أو على الأقل يحتمل أوجها أخرى محاملها مقبولة اتفاقا...وقد تلقت الأمة قصيدتيه بالقبول، فالأحرى أن نفهم معناها على وفق ظاهرة الشريعة من أن نطعن في صحابها بما ربما لم نفهم مراده...

حمزة الكتاني
29-11-06, 08:02 PM
كلام الإمام الشافعي في مطلع "الرسالة" رحمه الله تعالى، هذا نصه: "وصلى الله عز وجل على نبينا محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى الله عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأزكى ما صلى أحد من خلقه...فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، ودفع عنا بها مكروه فيهما وفي أحد منهما إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى أرشدها"...إلخ، فلتراجع..انظر "مسالك الحنفا" للقسطلاني ص535..

فانتقاد من هو أعلاه قوله:

يا أكرم الرسل مالي من ألوذ به===سواك عند حلول الحادث العمم

وما بعدها من الأبيات أسلفنا أنه يتحدث فيها عن الشفاعة يوم القيامة...

وقوله:

إن لم يكن في معادي آخذا بيدي===فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

هي الحوض والكوثر، وأنه صلى الله عليه وسلم يشربنا بيديه الكريمتين شربة لا نظمأ بعدها أبدا، لا حرمنا الله وإياكم من ذلك..

وقوله:

فإن لي ذمة منه بتسميتي===محمدا، وهو أوفى الناس بالذمم

وردت أحاديث ضعيفة في الموضوع، ذكرها ابن القيم في كتابه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا ابن الرصاع في شرحه لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك يعمل به في الفضائل، ويستأنس به، ولا يعد ضلالا ولا كفرا بحال، خاصة في الشعر والتملق والتحبب فإنه مما لا حرج من ذكره...لأن الباب فيه واسع إجماعا..

وقوله:

ولا التمست غنى الدارين من يده===إلا ونلت الرضا من خير مستلم

هو كلام الشافعي أعلاه، بمعنى أن الاهتداء بهديه، والاقتفاء لأثره صلى الله عليه وسلم يوجب خير الدنيا والآخرة، والأحاديث والآثار كثيرة في هذا، منها: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له"، وهذا مما لا يشك مؤمن فيه...

وقوله:

لولاه لم تخرج الدنيا من العدم

العدم لغة كما في "اللسان" و"التاج": الحمق، وفقدان الشيء، وهو كناية عن الضلال والزيغ والكفر، ولا شك أنه لولا النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم تخرج الدنيا من الكفر والضلال والضياع، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الغر المحجلين، والذي قال فيه تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، وقد كان العالم في كفر وجهل عميق حتى بعث الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، فنسخ به الأديان، ولم يقبل تعالى إيمان أحد إلا بالإيمان به صلى الله عليه وسلم، فأخرجها الله تعالى به من العدم والجهل، ألم تر الحق تعالى يقول في سورة الضحى: {ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى}؟، فما بالك في بقية الناس؟...

وقوله:

فاق النبيين في خَلق وفي خُلق===ولم يساووه في علم ولا كرم

فهذا من صميم عقائدنا، أما في الخَلق، فقالت عائشة الصديقة رضي الله عنها:

خلقت مبرأ من كل عيب===كأنك قد خلق كما تشاء

وفي حديث الشمائل الترمذية أن يوسف حاز نصف الجمال، ومحمدا صلى الله عليه وسلم حاز كل الجمال، بأبي هو وأمي...

أما خُلقه صلى الله عليه وسلم، فقد قال الحق تعالى: {وإنك لعلى خلقٍ عظيم}، فماذا يقول الواصفون في خلق وصفه رب السماوات والأرض بأنه عظيم؟، لقد تكسرت دون ذلك الأعناق، وأيس العالمين هنالك عن اللحاق...وقد قالت عائشة الصديقة سلام الله عليها، عندم سئلت عن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرآن"..

أما علمه وكرمه صلى الله عليه وسلم، فلا يشك عاقل بأنه فاق في ذلك الوصف، ولست أفهم ما معنى انتقاد المنتقد لهذا البيت؟، وكأنه لا يؤمن بمضمونه وهو من أولويات عقائد الإسلام لا السنة فحسب...

وقوله:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم====واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف===وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

فلست أدري ما المنتقَد هنا؟، فقد نسب النصارى عيسى عليه السلام للألوهية، فنهانا الشاعر عن ذلك، قائلا بأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم قد حاز الكمال، وحاز منتهى الجمال الخَلقي والخُلقي، فكل وصف يوصف به خلا ما هو من صفات الألوهية، كالنفع والضر، والخلق والقتل...إلخ مما هو من صفات اللوهية، لا يعدو أن يكون صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم، وهذا من باب المبالغة في المدح والتعظيم، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم حري بذلك، ولله در القائل:

هام الورى في معان أنت جامعها===فكلهم لك عشاق وما علموا

فجعل أن كل صفة من صفات الكمال قد حازها النبي صلى الله عليه وسلم، حتى صار كل من أحب صفة من صفات الكمال والجمال إنما أحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يشعر...

حتى قيل بأن الشعراء الأول؛ من أهل القرون الأولى، عزفوا عن المدح النبوي، هيبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعجزا أن يأتوا ببعض البعض من أوصافه، حتى قال أبو نواس غفر الله له ورحمه، وقد سئل لماذا لم بمح الإمام عليا الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي، وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله، فقال:

قِيل لي: أنت أفصح الناس طُرّاً===في فنونٍ من الـكـلام النـبـيهِ

لك من جوهر الـكـلام بـديع===يُثمر الدرَّ في يدَي مُـجـتنـيهِ

فـعلامَ تركتَ مدحَ ابن مـوسى===والخـصالِ التي تجمّعن فـيـهِ

قلتُ: لاأستطيـع مـدح إمـامٍ===كـان جـبريل خادمـاً لأبـيـهِ

بل ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره، أو "البداية والنهاية" الشك مني، أن حسانا أول ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى قومه، سألوه أن يهجوه لهم فقال:

لما نظرتُ إلى أنواره سطعت===وضعتُ من خيفتي كفي على بصري

خوفا على بصري من حسن صورته===فلست أنظره إلا على قدري

لَنْوار من نوره في نوره غرقت===والوجه منه طلوع الشمس والقمر

روح من النور في جسم من القمر===كحلة نسجت بالأنجم الزهُر

لنوار، يعني: الأنوار. فانظر إلى جزالة اللفظ، وعذوبة الأسلوب، ورقة المعاني، وهي أمور لا يعدو البوصيري رحمه الله أن يكون مقتبسا منها...

والبيتان لا يدعوان إلى اختلاق الأقاصيص في ذكر أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا منهي عنه إجماعا، إنما هو مباهاة وفخر بالنبي صلى الله عليه وسلم - درج على ذلك جل الشعراء - بأن أوصافه بلغت كمال الكمال، ومنتهى الجمال والجلال، ولله در القائل:

فلو سمعوا في مصر أوصاف خده====لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
وصحب زليخا لو رأين جبينه====لآثرن بالقطع الفؤاد على الأيدي!

وبيتا البوصيري لا يعدوان أن يكونا ترجمة لما قالته عائشة رضي الله عنها:

وأجمل منك لم تر قط عيني===وأكمــــل منك لم تلد النساء
خلقـــت مبرأ من كل عيب===كأنك قد خلقت كما تشاء

-يتبع-

حمزة الكتاني
29-11-06, 08:55 PM
أما قوله:

لو ناسبت قدره...البيت..

فقد مر الحديث عنه...

وقوله:

لا طيب يعدل تربا مس أعظمه===طوبى لمنتشق منه ومنتسم

فهذا فيه من الرقة، وعذوبة اللفظ ما لا يكيف، وفيه من الشاعرية والتحبب والتقرب للنبي صلى الله عليه وسلم ما يعلمه أهل البلاغة والبديع والمعاني، فأخذ ألفاظه على ظاهرها فيه ما فيه من التكلف والبداوة..

على أن ظاهر اللفظ لا خلاف فيه أيضا، فإن الله حرم الأرض على أجساد الأنبياء كما في الحديث الصحيح، ولا شك أن أكابر من الأمة نبشت قبورهم فوجد بها من روائح المسك والعطور ما لا يكيف، ومنهم جدنا الرابع الإمام محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى، فقد نقل من قبره لقبر آخر بعد موته بسنتين، فوجد كما هو لم تمسه الأرض، وفاحت روائح المسك والعطور بحيث شمها أهل منطقة القباب وباب الفتوح، وخرجوا لجنازته في العاشرة ليلا، وهو أمر متواتر ما زال من حضره أحياء بفاس إلى الآن...

ناهيك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو سيد الكونين والثقلين والفريقين من عُرب ومن عجم...وفي الحديث أن قبر المؤمن روضة من رياض الجنة، وأنه يملأ نورا وطيبا، والبيت أعلاه تصديق لهذا، ولا شيء فيه أصلا، ولا انتقاد...

أما قوله:

أقسمت؛ بالقمر المنشق إن له===من قلبه نسبة مبرورة القسم

فلم أفهم وجه الإنكار؟، وكأن المنكِر فهم أن المؤلف - رحمه الله - أقسم بالقمر المنشق، وهذا غير صحيح، وباعتباره يبقى لا معنى للبيت أصلا..

فقوله: "أقسمت": قسم محذوف المقسوم به، نحو قولك: أقسمت إنك عظيم القدر كريم الشيم، وكقولك: أقسمت إن محمدا لعلى خلق عظيم...فهو يقول: "أقسمت إن لمحمد صلى الله عليه وسلم من قلبه بالقمر المنشق نسبة موفورة القسم"..

وهو هنا يتحدث عن معجزة انشقاق القمر في بحر حديثه عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، والآيات التي أظهر الله بها دينه، ويقول بأن القمر المنشق له من قلب النبي صلى الله عليه وسلم نسبة موفورة القسم، كما أن للبدر في ليلة أضحيان - كما في شمائل الترمذي - من وجهه صلى الله عليه وسلم نسبة موفورة القسم..ومعنى ذلك؛ أنه لصدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته، انشق له القمر مبشرا ومعجزا برسالته، فكما تفطر قلبه حرصا على هداية الناس "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"، فكذلك انشق القمر تأثرا بذلك، وهو ضرب من ضروب البلاغة والمبالغة في التشبيه والاستعارة، يعلمها أهلها..

أو كما أن قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم انشق بأنوار الهداية والتبشير، انشق القمر مبرزا في آية انشقاقه نور التصديق للرسالة المحمدية، فبينهما نسبة وقسمة موفورة القسم...

ولو قلنا بأنه أقسم بالقمر المنشق لما عاد للبيت معنى، فلتتفهم...

أما قوله:

ما سامني الدهر ضيما واستجرت به===إلا ونلت جوارا منه لم يضم

فهو بعد قوله:

وقاية الله أغنت عن مضاعفة===من الدروع وعن عال من الأطم

فهو يتحدث عن الحق تعالى لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلتتفهم..

وقول من قال أعلاه بأن الصوفية دسوا بيتا، وهو:

مولاي صلي وسلم دائما أبدا===على حبيبك خير الخلق كلهم

فكلام لا أصل له، والقصة المروية إنما هي عكس ما أراد الإشارة إليه ذلك الكاتب، فالقصة هي أن البوصيري عندما كان يكتب قصيدته قال: فمبلغ العلم فيه أنه بشر...وعجزت شاعريته عن الإتمام، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم مناما يقول: وأنه خير خلق الله كلهم.. فأضافها للبيت، وهذه الزيادة لا إشكال فيها دينا ولا معنى...

هدانا الله لما فيه رضاه، وتاب علينا وغفر لنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...