أبو يحيى التركي
26-11-06, 03:30 AM
الحلقة الأولى هنا
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=40811
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضله وشرفه :
شرف المعلوم بشرف متعلقه ، ولا شك أن فهم الكتاب والسنة يتعلق بمباحث من علم الصرف ، بل إن بلاغة القرآن لن يصل المرء إليها إلا بعد علم الصرف ، لأن البيان من شرطه تحقيق القواعد الصرفية . ولذلك كان هذا العلم فاضلا شريفا من جهة تعلقه بالكتاب والسنة .
قال السيوطي في المزهر :
وأما التصريف فإن مَنْ فاته علْمُه فاته المُعْظَم لأنا نقول : وَجَد وهي كلمة مُبهمة فإذا صرفت أَفْصَحْت فقلت في المال : وَجْداً وفي الضَّالة : وجْدانا وفي الغضب : مَوْجدَةً وفي الحُزْن : وَجْداً
ويقال : القاسط للجائر والمُقْسطُ للعادل فتحوَّلَ المعنى بالتصريف من الجَوْر إلى العَدْل
ويقولون للطريقة في الرَّمْل : خبَّة
وللأرض ( بين المخْصبَة والمجْدبة ) خُبَّة
ونقول في الأرض السهلة الخوّارة : خارت تخور خَوراً وخُؤوراً وفي الإنسان إذا ضعُف : خَار خَوَراً وفي الثور : خارَ خُوَاراً .
وقال ابن عصفور في الممتع :
التصريف أشرف شطري العربية وأغمضهما .
فالذي يميز شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية من نحوي ولغوي إليه أيما حاجة ، لأنه ميزان العربية ... ومما يبين شرفه أنه لا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به .
قال في مراح الأرواح:
اعلم أن الصرف أم العلوم والنحو أبوها ، ويقوى في الدرايات داروها ، ويطغى ـ أي يضل ـ في الروايات عاروها .
قال ابن كمال باشا في الفلاح شرح المراح تعليقا على كون الصرف أم العلوم :
أي أصلها ومبدؤها ، لأنها يبدأ منها العلوم ، ثم قال : وإنما شبه الصرف بالأم في التولد ، يعني كما أن الأم تلد الولد فكذلك الصرف يلد الكلمة إشعارا بشدة احتياج العلوم إليها ، لأن الأم لا يكاد يستغني الولد عنها اهـ وبمثله قال ديكنقوز في شرحه على المراح .
الثمرة
1 ـ فهم الكتاب الكريم والسنة المطهرة فهما صحيحا سليما ، والترجيح بين أقوال الأئمة . انظر على سبيل المثال تفسير قوله تعالى : ولا يضار كاتب ولا شهيد ، وقوله : ثلاثة قروء . فالخلاف يرجع إلى التصريف كما ذكر ذلك بعضهم .
2 ـ عدم الوقوع في اللحن في المفردات العربية ، سواء كان في الخطاب الشخصي أو في الألفاظ النبوية الكريمة ، وقد بحث الإخوة موضوعا رائعا حول الألفاظ النبوية واللحن فيها .
3 ـ تلوين الخطاب وتنويعه والتعبير عن المعاني الكامنة في النفس بالألفاظ المناسبة الصحيحة ، فالتعبير عن الزمان والمكان والآلة له صيغ يعبر بها ، لا يصل المعنى المراد إلا عند استخدام هذه الصيغ .
4 ـ أن علم البيان مما لا ينكر فضله أحد من الناس ، وله ثمرة كبرى في فهم الكتاب والسنة ، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد من علم الصرف لأنه لا يوصل للبيان إلا بعد العلم بالصرف .
قال في البرهان :
وفائدة التصريف حصول المعاني المختلفة المتشبعة عن معنى واحد فالعلم به أهم من معرفة النحو في تعرف اللغة لأن التصريف نظر في ذات الكلمة والنحو نظر في عوارضها وهو من العلوم التي يحتاج إليها المفسر .
قال ابن فارس من فاته علمه فاته المعظم لأنا نقول وجد كلمة مبهمة .... إلى أن قال : وقد ذكر الأزهري أن مادة دكر بالدال المهملة مهملة غير مستعملة فكتب التاج الكندي على الطرة ما ذكر أنه مهمل مستعمل قال الله تعالى وادكر بعد أمة . فهل من مدكر . وهذا الذي قاله سهو أوجبه الغفلة عن قاعدة التصريف فإن الدال في الموضعين بدل من الذال لأن ادكر أصله اذتكر افتعل من الذكر وكذلك مدكر أصله مذتكر مفتعل من الذكر أيضا فأبدلت التاء ذالا والذال كذلك وأدغمت إحداهما في الأخرى فصار اللفظ بهما كما ترى
وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى سول لهم سهل لهم ركوب المعاصي من السول وهو الاسترخاء وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا يعرض بابن السكيت . وانظر ما بعده
قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في دروس التصريف :
ومتى درست علم الصرف أفدت عصمة تمنعك من الخطأ في الكلمات العربية ، وتقيك من اللحن في ضبط صيغها ، وتيسر لك تلوين الخطاب ، وتساعدك على معرفة الأصلي من حروف الكلمات والزائد .
والحق أن علم الصرف من أجل علوم العربية موضوعا ، وأعظمها خطرا ، وأحقها بأن نعنى به ، وننكب على دراسته ، ولا ندخر وسعا في التزود منه ، ذلك بأنه يدخل في الصميم من الألفاظ العربية ، ويجري منها مجرى المعيار والميزان ، وعلى معرفته وحده المعول في ضبط الصيغ ومعرفة تصغيرها والنسبة إليها ، وبه وحده يقف المتأمل فيه على ما يعتري الكلام من إعلال أو إبدال أو إدغام ، ومنه وحده يعلم ما يطرد في العربية وما يقل ، وما يندر وما يشذ من الجموع والمصادر والمشتقات ، وبمراعاة قواعده تخلو مفردات الكلام من مخالفة القياس التي تخل بالفصاحة وتبطل معها بلاغة المتكلمين . اهـ
وأقول : من المسلم عند كل طالب علم أهمية علم البيان والبلاغة ، فإن استقر في الأذهان ذلك فلا بلاغة بغير صرف ، كما أنه لا بيان بدون نحو ، والله الموفق .
والأصل تقديم علم الصرف على النحو لأن متعلق الصرف هو الكلمة المفردة ، ومتعلق النحو هو الكلام المركب ، ولذلك لا توصف الكلمة قبل التركيب بإعراب ولا بناء ، ولذا فمعرفة الجزء مقدمة على معرفة الكل ، فوجب حينئذ تقديم علم الصرف ، إلا أنه يبدأ بالنحو لأمرين اثنين :
1 ـ صعوبة علم الصرف ، فيبدأ بما هو أسهل ليكون ذلك حافزا له على تعلم ما هو أدق منه .
2 ـ ولكون النحو أتم فائدة منه ، وأكثر نفعا ، مع أن الفائدة والنفع متحقق في الصرف ، فيبدأ بما هو أكثر نفعا .
وقد أشار لنحو من ذلك ابن جني في المنصف .
وهنا أنبه أن بعضهم ذكر أن الصرف داخل في علم النحو بلا خلاف .
ألا ترى أن ابن مالك رحمه الله يقول : مقاصد النحو بها محوية . مع أنه ذكر علم الصرف في آخره .
والأئمة المتقدمون يجمعون بين العلمين ، ولذا فإني أقول ، ولا أدري قائلا بهذا ، لكنه حسب معرفتي اليسيرة :
لا يتم التبحر في النحو والإلمام بمقاصده إلا بعد العلم بالصرف .
ولا أقول : لا يتم تصور النحو إلا بالصرف ، وإلا لكنت مخالفا للحقائق والواقع .
لكني أقول : لا تتم الإحاطة بالنحو ودقائقه وتصوره تصورا تاما على وجه سليم إلا بعلم الصرف .
وثم ترابط جد وثيق بين علوم النحو والبيان والصرف .
والله الموفق .
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=40811
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضله وشرفه :
شرف المعلوم بشرف متعلقه ، ولا شك أن فهم الكتاب والسنة يتعلق بمباحث من علم الصرف ، بل إن بلاغة القرآن لن يصل المرء إليها إلا بعد علم الصرف ، لأن البيان من شرطه تحقيق القواعد الصرفية . ولذلك كان هذا العلم فاضلا شريفا من جهة تعلقه بالكتاب والسنة .
قال السيوطي في المزهر :
وأما التصريف فإن مَنْ فاته علْمُه فاته المُعْظَم لأنا نقول : وَجَد وهي كلمة مُبهمة فإذا صرفت أَفْصَحْت فقلت في المال : وَجْداً وفي الضَّالة : وجْدانا وفي الغضب : مَوْجدَةً وفي الحُزْن : وَجْداً
ويقال : القاسط للجائر والمُقْسطُ للعادل فتحوَّلَ المعنى بالتصريف من الجَوْر إلى العَدْل
ويقولون للطريقة في الرَّمْل : خبَّة
وللأرض ( بين المخْصبَة والمجْدبة ) خُبَّة
ونقول في الأرض السهلة الخوّارة : خارت تخور خَوراً وخُؤوراً وفي الإنسان إذا ضعُف : خَار خَوَراً وفي الثور : خارَ خُوَاراً .
وقال ابن عصفور في الممتع :
التصريف أشرف شطري العربية وأغمضهما .
فالذي يميز شرفه احتياج جميع المشتغلين باللغة العربية من نحوي ولغوي إليه أيما حاجة ، لأنه ميزان العربية ... ومما يبين شرفه أنه لا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به .
قال في مراح الأرواح:
اعلم أن الصرف أم العلوم والنحو أبوها ، ويقوى في الدرايات داروها ، ويطغى ـ أي يضل ـ في الروايات عاروها .
قال ابن كمال باشا في الفلاح شرح المراح تعليقا على كون الصرف أم العلوم :
أي أصلها ومبدؤها ، لأنها يبدأ منها العلوم ، ثم قال : وإنما شبه الصرف بالأم في التولد ، يعني كما أن الأم تلد الولد فكذلك الصرف يلد الكلمة إشعارا بشدة احتياج العلوم إليها ، لأن الأم لا يكاد يستغني الولد عنها اهـ وبمثله قال ديكنقوز في شرحه على المراح .
الثمرة
1 ـ فهم الكتاب الكريم والسنة المطهرة فهما صحيحا سليما ، والترجيح بين أقوال الأئمة . انظر على سبيل المثال تفسير قوله تعالى : ولا يضار كاتب ولا شهيد ، وقوله : ثلاثة قروء . فالخلاف يرجع إلى التصريف كما ذكر ذلك بعضهم .
2 ـ عدم الوقوع في اللحن في المفردات العربية ، سواء كان في الخطاب الشخصي أو في الألفاظ النبوية الكريمة ، وقد بحث الإخوة موضوعا رائعا حول الألفاظ النبوية واللحن فيها .
3 ـ تلوين الخطاب وتنويعه والتعبير عن المعاني الكامنة في النفس بالألفاظ المناسبة الصحيحة ، فالتعبير عن الزمان والمكان والآلة له صيغ يعبر بها ، لا يصل المعنى المراد إلا عند استخدام هذه الصيغ .
4 ـ أن علم البيان مما لا ينكر فضله أحد من الناس ، وله ثمرة كبرى في فهم الكتاب والسنة ، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد من علم الصرف لأنه لا يوصل للبيان إلا بعد العلم بالصرف .
قال في البرهان :
وفائدة التصريف حصول المعاني المختلفة المتشبعة عن معنى واحد فالعلم به أهم من معرفة النحو في تعرف اللغة لأن التصريف نظر في ذات الكلمة والنحو نظر في عوارضها وهو من العلوم التي يحتاج إليها المفسر .
قال ابن فارس من فاته علمه فاته المعظم لأنا نقول وجد كلمة مبهمة .... إلى أن قال : وقد ذكر الأزهري أن مادة دكر بالدال المهملة مهملة غير مستعملة فكتب التاج الكندي على الطرة ما ذكر أنه مهمل مستعمل قال الله تعالى وادكر بعد أمة . فهل من مدكر . وهذا الذي قاله سهو أوجبه الغفلة عن قاعدة التصريف فإن الدال في الموضعين بدل من الذال لأن ادكر أصله اذتكر افتعل من الذكر وكذلك مدكر أصله مذتكر مفتعل من الذكر أيضا فأبدلت التاء ذالا والذال كذلك وأدغمت إحداهما في الأخرى فصار اللفظ بهما كما ترى
وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى سول لهم سهل لهم ركوب المعاصي من السول وهو الاسترخاء وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا يعرض بابن السكيت . وانظر ما بعده
قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في دروس التصريف :
ومتى درست علم الصرف أفدت عصمة تمنعك من الخطأ في الكلمات العربية ، وتقيك من اللحن في ضبط صيغها ، وتيسر لك تلوين الخطاب ، وتساعدك على معرفة الأصلي من حروف الكلمات والزائد .
والحق أن علم الصرف من أجل علوم العربية موضوعا ، وأعظمها خطرا ، وأحقها بأن نعنى به ، وننكب على دراسته ، ولا ندخر وسعا في التزود منه ، ذلك بأنه يدخل في الصميم من الألفاظ العربية ، ويجري منها مجرى المعيار والميزان ، وعلى معرفته وحده المعول في ضبط الصيغ ومعرفة تصغيرها والنسبة إليها ، وبه وحده يقف المتأمل فيه على ما يعتري الكلام من إعلال أو إبدال أو إدغام ، ومنه وحده يعلم ما يطرد في العربية وما يقل ، وما يندر وما يشذ من الجموع والمصادر والمشتقات ، وبمراعاة قواعده تخلو مفردات الكلام من مخالفة القياس التي تخل بالفصاحة وتبطل معها بلاغة المتكلمين . اهـ
وأقول : من المسلم عند كل طالب علم أهمية علم البيان والبلاغة ، فإن استقر في الأذهان ذلك فلا بلاغة بغير صرف ، كما أنه لا بيان بدون نحو ، والله الموفق .
والأصل تقديم علم الصرف على النحو لأن متعلق الصرف هو الكلمة المفردة ، ومتعلق النحو هو الكلام المركب ، ولذلك لا توصف الكلمة قبل التركيب بإعراب ولا بناء ، ولذا فمعرفة الجزء مقدمة على معرفة الكل ، فوجب حينئذ تقديم علم الصرف ، إلا أنه يبدأ بالنحو لأمرين اثنين :
1 ـ صعوبة علم الصرف ، فيبدأ بما هو أسهل ليكون ذلك حافزا له على تعلم ما هو أدق منه .
2 ـ ولكون النحو أتم فائدة منه ، وأكثر نفعا ، مع أن الفائدة والنفع متحقق في الصرف ، فيبدأ بما هو أكثر نفعا .
وقد أشار لنحو من ذلك ابن جني في المنصف .
وهنا أنبه أن بعضهم ذكر أن الصرف داخل في علم النحو بلا خلاف .
ألا ترى أن ابن مالك رحمه الله يقول : مقاصد النحو بها محوية . مع أنه ذكر علم الصرف في آخره .
والأئمة المتقدمون يجمعون بين العلمين ، ولذا فإني أقول ، ولا أدري قائلا بهذا ، لكنه حسب معرفتي اليسيرة :
لا يتم التبحر في النحو والإلمام بمقاصده إلا بعد العلم بالصرف .
ولا أقول : لا يتم تصور النحو إلا بالصرف ، وإلا لكنت مخالفا للحقائق والواقع .
لكني أقول : لا تتم الإحاطة بالنحو ودقائقه وتصوره تصورا تاما على وجه سليم إلا بعلم الصرف .
وثم ترابط جد وثيق بين علوم النحو والبيان والصرف .
والله الموفق .