المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام العربية يقضى فيها على وفق ما ورد عن أهلها


أبو مالك العوضي
28-02-07, 03:34 PM
أحكام العربية يقضى فيها
على وفق ما ورد عن أهلها

قال الشيخ (محمد محيي الدين عبد الحميد) في تحقيقه لشرح ابن عقيل:
(( ولكثرة شواهد هذه المسألة نرى أن ما ذهب إليه الأخفش - وتابعه عليه أبو الفتح ابن جنى، والإمام عبد القاهر الجرجاني، وأبو عبد الله الطوال، وابن مالك، والمحقق الرضي - من جواز تقديم الفاعل المتصل بضمير يعود إلى المفعول، هو القول الخليق بأن تأخذ به وتعتمد عليه، ونرى أن الإنصافَ واتباعَ الدليل يوجبان علينا أن نوافق هؤلاء الأئمة على ما ذهبوا إليه وإن كان الجمهورُ على خلافه؛ لأنَّ التمسكَ بالتعليل مع وجودِ النصِّ على خلافه مما لا يجوزُ، وأحكامُ العربية يُقضى فيها على وَفْقِ ما وَرَدَ عن أهلها )).

ولقد ذكرني هذا بعبارة مشهورة نفيسة من كلام أبي حيان، وهي:
(( ...... وإنما ذكرتُ هذا وأطلتُ فيه لئلا يطلع غمر على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيسيء ظنا بها وبقارئها، فيقارب أن يقع في الكفر بالطعن في ذلك. ولسنا متعبَّدين بقول نُحاةِ البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حُكمٍ ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكمٍ ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرفُ ذلك من له استبحارٌ في علم العربية، لا أصحابُ الكنانيس المشتغلون بضُروب من العلوم الآخذون عن الصحف دون الشيوخ )).

أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي

أحمد محمود الأزهري
28-02-07, 04:54 PM
أستاذنا الكريم
هذا الموضوع أثار عندي سؤالا:
هل هناك من قال بأن كلام العرب في شعرهم، ليس فيه ضرورة شعرية.. بمعنى أن ما يعده العلماء من الضرورات الشعرية ليس كذلك، وإنما له وجه جائز حتى في غير الشعر؛ لأن الشعر ديوان العرب؟
وجزاكم الله خيرا

أبو مالك العوضي
28-02-07, 04:56 PM
لم أقف على من قال بذلك، والله أعلم

الدكتور مروان
28-02-07, 06:01 PM
لقد ردّ الشاطبي على ابن مالك ، في هذه المسألة ،
وملخص رد الشاطبي على ابن مالك يتمثل في الآتي:

أولاً: إن النحاة قد أجمعوا على عدم اعتبار هذا المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبراً لنبهوا عليه.

ثانياً: أن الضرورة لا تعني عند النحويين أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذكر؛ لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره، دليل ذلك الراء في كلام العرب، فإنها من الشياع في الاستعمال بمكان لا يُجهل، ولا يكاد ينطق أحد بجملتين تعريان عنها. وقد هجرها واصل بن عطاء (131هـ) [41]لمكان لثغته فيها، بل كان يناظر الخصوم ويخطب على المنبر فلا يُسمع في نطقه راءٌ، حتى صار مثلاً. وإن الضرورة الشعرية لهي أسهلُ من هذا بكثير، وإذا كان الأمر هكذا أدى إلى انتفاء الضرورة في الشعر وذلك خلاف الإجماع، وإنما معنى الضرورة أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظة ما اقتضت ضرورة النطق بها في ذلك الموضع زيادة أو نقص أو غير ذلك، في الوقت الذي قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيءٍ يزيل تلك الضرورة.

ثالثاً: أنه قد يكون للمعنى الواحد أكثر من عبارة بحيث يلزم في إحداها ضرورة ولكنها هي المطابقة لمقتضى الحال، وهنا يرجع الشاعر إلى الضرورة؛ لأن اعتناء العرب بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ. وإذا تبيَّن في موضع ما أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أية جهة يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال؟

رابعاً: أن العرب قد تأبى الكلام القياسي لعارض زحاف فتستطيب المزاحف دون غيره أو بالعكس فتركب الضرورة لذلك[42].

ومن أقوال ابن هشام في الرد على ابن مالك قوله: "إذا فُتح هذا الباب - يعني زعم القدرة على تغيير بنية الشعر وألفاظه - لم يبق في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر"[43].

ومن أقواله أيضاً: إن كثيراً من أشعار العرب يقع عن غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخيّر الوجه الذي لا ضرورة فيه.

كما أن الشعر لمّا كان مظنة للضرورة استُبيح فيه ما لم يُضطرّ إليه، كما أُبيح قصر الصلاة في السفر؛ لأنه مظنة المشقة مع انتفائها أحياناً والرخصة باقية[44].

هذا الكلام قاله ابن هشام في رده على ابن مالك إذ زعم أن إيراد الضمير المتصل بعد "إلاَّ" في قول الشاعر[45]:

وما نبالي إذا ما كنتِ جارتَنا
ألاّ يجاورنا إلاَّكِ ديارُ[46]

ليس ضرورة، لتمكن قائله من أن يقول:

ألا يكون لنا خلٌّ ولا جارُ [47]

ثم إن الشاعر قد يتاح له في حرارة التجربة الشعرية غير عبارة عن الفكرة الواحدة، لكنه لا يختار من الألفاظ إلا ما يأنس فيه الملاءمة التامة للمعنى الذي ينشده وإن ساوره قلق فني في دقة لغته، وقدرتها على التعبير عنه. فإذا ثبت هذا وأنه هو واقع الشعر اللغوي فإن التفكير بنفي الضرورة، ومحاولة استبدالها بما لا ضرورة فيه أمرٌ من الصعوبة بمكان على الشاعر، ناهيك عن الناقد اللغوي، والنحوي وذلك لتفاوت القدرات على تخيّل الألفاظ، واستحضارها من المعاجم الذهنية المختلفة في سعتها، وتنوعها، وصفائها[48].

وقد حاول بعض المحدثين[49] الاعتذار لابن مالك بأنه كان يعمل ثقافته، وفكره حين بيّن رأيه في الضرورة الشعرية. فكان يضع في اعتباره لهجات العرب المتباينة، والقراءات القرآنية، والحديث النبوي الشريف بحيث إذا ورد فيها شيء قال النحاة عن نظيره في الشعر إنه ضرورة لم يعدّه هو كذلك، بل يرجع كل ظاهرة إلى أصلها، وأحياناً ينصّ على أنه لهجة قبيلة معينة وضرورة عند غيرهم. فنراه - مثلاً - يقول عن تسكين هاء الغائب واختلاس حركتها: "وقد تسكن أو تختلس الحركة بعد متحرك عند بني عُقَيل، وبني كلاب اختياراً، وعند غيرهم اضطراراً"[50].

وقد ذكر في كتاب "التسهيل" جملة من المسائل يعدّها بعضهم ضرورة ولا يراها هو كذلك كحذف نون الوقاية من "ليس"، و "ليت"، و "عن"، و "قد"، و "قط"[51]، وزيادة "ال" في العلم، والتمييز، والحال[52]، وإسكان عين "مع"[53]، والفصل بينها وبين تمييزها[54]، وتأكيد المضارع المثبت[55]، ومجيء الشرط مضارعاً، والجواب ماضياً[56]، وإجراء الوصل مجرى الوقف[57].

وفي بعض كتبه الأخرى يشير إلى أن بعض الظواهر تكثر في الشعر دون النثر[58].

(ولعله في هذا متأثر بسيبويه. وهذا يشعر بأنهما يدركان أن للشعر نظاماً خاصاً به في صرفه، ونحوه ينبغي أن يدرس وحده منفصلاً عن النثر، ولكن النظرة السائدة إلى وحدة اللغة جعلت هذه الملاحظة تقف عند حدّ الإدراك الذي لم يؤيده التنفيذ العملي)[59].

ثانياً: رأي ابن جني والجمهور:

يرى أبو الفتح عثمان بن جني (392هـ) وكثير من النحويين أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء كان للشاعر عنه مندوحة أم لا؟ ولم يشترطوا في الضرورة أن يضطر الشاعر إلى ذلك في شعره، بل جوّزوا له في الشعر ما لم يجز في الكلام؛ لأنه موضع قد أُلفت فيه الضرائر. دليل ذلك قول الشاعر[60]:

كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا
وكريمٍ بخله قد وضَعَهْ [61]

في رواية من خفض "مقرف"، حيث فصل بين "كم" وما أضيفت إليه بالجار والمجرور، وذلك لا يجوز إلا في الشعر، ولم يضطر إلى ذلك إذ يزول الفصل بينهما برفع "مقرف" أو نصبه[62].

ومما استدل به صاحب هذا المذهب - أيضاً - قول الآخر[63]:

فلا مزنةٌ ودقت ودقَها
ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها [64]

ألا ترى أنه حذف التاء من أبقلت، وقد كان يمكنه أن يثبت التاء وينقل حركة الهمزة فيقول: أبقلت ابقالها[65].

قال ابن جني في قول الشاعر[66]:

فزججتها بمزجة
زجَّ القلوصَ أبي مزاده [67]

(فصل بينهما بالمفعول به)، هذا مع قدرته على أن يقول:

زجّ القلوص أبو مزاده

كقولك: سرَّني أكلُ الخبز زيدٌ... فارتكب هاهنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها[68].

وإلى هذا المذهب ذهب كل من الأعلم الشنتمري (476هـ)، والرضي[69] (686هـ)، وأبو حيان، وابن هشام[70]، والبغدادي، والشيخ محمد الأزهري المعروف بـ "الأمير" (1232هـ).

قال الأعلم: "والشعر موضع ضرورة يحتمل فيه وضع الشيء في غير موضعه دون إحراز فائدة ولا تحصيل معنى وتحصينه، فكيف مع وجود ذلك"[71]؟

وقال أبو حيان - في التذييل والتكميل -: "لا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإلا كان لا توجد ضرورة؛ لأنه ما من لفظ أو ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع ذلك في كلامهم النثريّ، وإنما يستعملون ذلك في الشعر خاصة دون الكلام"[72].

أما البغدادي فيقول عن الضرورة: "والصحيح تفسيرها بما وقع في الشعر دون النثر سواء كان عنه مندوحة أوْ لا"[73].

وخالف الأمير قول ابن مالك بحجة أنه - كما يقول -: "يسد باب الضرورة، فإن الشعراء أمراء الكلام قل أن يعجزهم شيء. على أنه لا يلزم الشاعر وقت الشعر استحضار تراكيب مختلفة"[74].

وما احتج به أصحاب هذا الرأي لم يسلم من المعارضة من قبل أنصار الرأي الأول كاعتراضهم على الاحتجاج بقول الشاعر:

بأنه يحتمل أن يكون الذي اضطره إلى حذف التاء أنه ليس من لغته النقل، فلو قال: أبقلت ابقالها من غير نقل على لغته لم يصل للوزن[75].

ولعل أهم ثمرة للخلاف بين الجمهور من جهة، وسيبويه وابن مالك من جهة أخرى؛ أن الضرورة واسعة المدلول حسب رأي الجمهور؛ فهي تشتمل كل ما ورد في الشعر، أو كَثُر فيه سواء أكانت له نظائر في النثر أم لا. فكثرت أنواع الضرائر نتيجة لهذا؛ لأنهم لا يريدون تمزيق القاعدة، أو الإكثار من القواعد فاستندوا إلى هذا الحكم (الضرورة في كل بيت يخالف القاعدة. وأما على رأي سيبويه، وابن مالك فإن ما يجد الشاعر عنه بدلاً لا يعدُّ ضرورة، بل نوع من التغيير يجوز في الشعر والنثر على حد سواء)[76].

( من بحث قيم :

الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين دراسة تطبيقية على ألفية ابن مالك

لإبراهيم بن صالح الحندود )

===========================

[41] أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزّال. رأس المعتزلة. ولد بالمدينة سنة 80هـ، ونشأ بالبصرة.

(أمالي المرتضى 1/163 - 165، وفيات الأعيان 6/7-11، النجوم الزاهرة 1/313، 314).

[42] انظر: شرح الألفية للشاطبي ج2 لوح 57.

[43] تخليص الشواهد 82.

[44] انظر: المصدر السابق 83.

[45] لم أجد من سمَّاه.

[46] البيت من "البسيط". يقال: ما بها ديَّار، أي ما بها أحد.

والشاهد في قوله: " إلاَّك " حيث أوقع الضمير المتصل بعد "إلاَّ" للضرورة الشعرية، والقياس: إلا إياك والبيت في: الخصائص 1/307، 2/195، المفصل 129، أمالي ابن الحاجب 2/105، المغني 577، التصريح 1/98، 192، شرح الأشموني 1/109، الدرر 1/176.

[47] انظر: شرح التسهيل 2/276.

[48] الضرورة الشعرية. دراسة لغوية نقدية 147 ( بتصرف) .

[49] هو الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه: الضرورة الشعرية في النحو العربي ص141.

[50] التسهيل 24.

[51] انظر: المصدر السابق 25.

[52] انظر: التسهيل 42.

[53] انظر: المصدر السابق 98.

[54] انظر: المصدر السابق 124.

[55] انظر: المصدر السابق 216.

[56] انظر: المصدر السابق 240.

[57] انظر: المصدر السابق 331.

[58] الضرورة الشعرية في النحو العربي 141، 142 ( بتصرف).

[59] المصدر السابق 142.

[60] هو أنس بن زُنَيْم. شاعر صحابي. عاش إلى أيام عبيد الله بن زياد.

( المؤتلف والمختلف 55، الإصابة 1/81، 82، الخزانة 6/473).

[61] البيت من "الرمل" من قصيدة قالها الشاعر لعبيد الله بن زياد بن سميّة.

المقرف: النذل اللئيم الأب. ومعنى البيت: إن الجود قد يرفع اللئيم بينما كريم الأب قد يتضع بسبب بخله.

والبيت في: الكتاب 1/296، المقتضب 3/61، الأصول 1/320، الإنصاف 1/303، شرح المفصل 4/132، شرح شواهد الشافية 53، الدرر 4/49، 6/204.

[62] انظر: ضرائر الشعر لابن عصفور 13.

[63] هو عامر بن جُوَيْن الطائي. شاعر، فارس، من أشراف طيّىء في الجاهلية.

( رغبة الآمل 6/235، الأزمنة والأمكنة 2/170، الخزانة 1/53).

[64] البيت من " المتقارب " في وصف أرض مخصبة بما نزل بها من الغيث.

المزنة: هي السحابة المثقلة بالماء، والودق: المطر. وقوله: أبقلت إبقالها: أي نبت بقلها.

=انظر البيت في: الكتاب1/240، الخصائص 2/411، المغني 860، 879، أوضح المسالك 2/108، المقاصد النحوية 2/464، التصريح 1/278، الخزانة 1/45، 49،50.

[65] انظر: شرح الجمل 2/550.

[66] لم أقف على اسمه.

[67] قال البغدادي: "يقال: زججته زجًّا: إذا طعنته بالزُّجّ - بضم الزاي - وهي الحديدة في أسفل الرمح.

وزج القلوص: مفعول مطلق، أي زجاً مثل زج. والقَلوص - بفتح القاف - الناقة الشابة. وأبو مزادة: كنية رجل".

وقول العيني: الأظهر أن الضمير في زججتها يرجع إلى المرأة ؛ لأنه يخبر أنه زج امرأته بالمزجة كما زج أبو مزادة القلوص كلامٌ يُحتاج في تصديقه إلى وحي، وقد انعكس عليه الضبط في "مزجَّة" فقال: هي بكسر الميم، والناس يلحنون فيها فيفتحون ميمها " الخزانة 4/415.

والبيت في: معاني القرآن 1/358، 2/81، وفيه "متمكناً" بدل: "بمزجة"، مجالس ثعلب 1/125، الخصائص 2/406، الإنصاف 2/427، المقاصد النحوية 3/468.

[68] الخصائص 2/406.

[69] انظر: الخزانة 1/33.

[70] انظر: تخليص الشواهد 82.

[71] تحصيل عين الذهب 86.

[72] التذييل والتكميل ج2 لوحة 37. وانظر: الهمع 5/332.

[73] الخزانة 1/31.

[74] حاشية الأمير على المغني 1/48.

[75] انظر: شرح الجمل 2/550.

[76] انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي 152، 153

أبو مالك العوضي
28-02-07, 06:09 PM
أستاذنا الفاضل ( الدكتور مروان )

الذي فهمتُه من سؤال السائل يختلف عما تفضلتَ بإيراده، فلعل السائل يوضح مراده من السؤال.

الدكتور مروان
28-02-07, 06:23 PM
إذا ياأخي الحبيب اللبيب العالم أبا مالك العوضيّ
كلّ منا فهم المراد من وجهة نظره
ولعلّ أخانا السائل يستفيد من الإجابتين
وفي كلّ خير
بمشيئة الله
وجزاك الله خيرا

أحمد محمود الأزهري
01-03-07, 03:25 PM
جزاكما الله خير الجزاء ونفع بكما إن شاء الله..
أولا:

وخالف الأمير قول ابن مالك بحجة أنه - كما يقول -: "يسد باب الضرورة، فإن الشعراء أمراء الكلام قل أن يعجزهم شيء. على أنه لا يلزم الشاعر وقت الشعر استحضار تراكيب مختلفة"[74].
والسؤال: هل المقصود بسد باب الضرورة أنه يعد الضرورة جائزة في غير الشعر، أم أنه ينكر على الشعراء لجوءهم إلى الضرورة؟
ثانيا:

ولعل أهم ثمرة للخلاف بين الجمهور من جهة، وسيبويه وابن مالك من جهة أخرى؛ أن الضرورة واسعة المدلول حسب رأي الجمهور؛ فهي تشتمل كل ما ورد في الشعر، أو كَثُر فيه سواء أكانت له نظائر في النثر أم لا. فكثرت أنواع الضرائر نتيجة لهذا؛ لأنهم لا يريدون تمزيق القاعدة، أو الإكثار من القواعد فاستندوا إلى هذا الحكم (الضرورة في كل بيت يخالف القاعدة. وأما على رأي سيبويه، وابن مالك فإن ما يجد الشاعر عنه بدلاً لا يعدُّ ضرورة، بل نوع من التغيير يجوز في الشعر والنثر على حد سواء)[76].

فهمت منه أن سيبويه وابن مالك ذهبا إلى أن الضرورة ما لم يجد الشاعر عنه بدلا، أما إن وجد بدلا مع استقامة الوزن فليس بضرورة وإنما يجوز فيما أتى به الشاعر أن يكون في الشعر وغيره.. أليس كذلك؟