طارق الحمودي
23-04-07, 07:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله منطق اللسان بالسحر الحلال ، و جاعل الفصاحة و البلاغة من أحسن الخلال ، و الفهاهة و الغرابة و التعقيد من أقبح الخصال ، و الصلاة و السلام على رسوله الذي أوتي جوامع الكلم ، و على آله و أصحابه الذين فاز محبهم و من المكروه سلم .
أما بعد :
فإني اطلعت على أوراق لبعضهم يدعي فيها أن فعل "ترجم" الرباعي يجوز قراءته بصيغة "تَفَعَّلَ" الخماسي ، مخالفا بذلك ما جاء في كتب اللغة كلها ، قديمها وحديثها ، و عادلا عن سبيل العلم و قويم المنهج ، إلى سواية الجهل و السبيل الأعوج ، مدعيا أن سلوكه ذلك المسلك هو توليد و اجتهاد ، و هو عند ذوي العلم لحن وجهل .
و ما علم أن المولد إنما هو المجتهد في اللغة العربية بجميع فنونها ، و المتصرف فيها تصرفا تاما ، يقدر على إلحاق فروعها بأصولها ، و هو المسمى بالأديب ، و قد ذكر الإمام شهاب الدين الرعيني في مقدمة كتابه "طراز الحلة "أن علوم الأدب ستة ، وهي : اللغة ، و التصريف ، و النحو ، و المعاني ، و البيان ، و البديع . و نقله عنه البغدادي في مقدمة "الخزانة ".
و ما علم هذا "البعض " أن التوليد له أسباب تدعو إليه ، و شروط تصححه .
و لو كان كل من لحن لحنا فاحشا تقبل منه دعوى التوليد ، و أن لحنه له وجه صحيح في اللغة العربية يخرج عليه ، ما عرف في الدنيا مخطئ من مصيب ، و لا جاهل لحان عامي من عالم أديب ! . و ليت شعري ؛ ما فائدة دراسة علوم اللغة العربية ؛ ولا سيما التعليمي منها ؟!! إذا كان المشتغلون بها ، و المهتمون بشأنها ، لا يحسنون تطبيقها ، و لا يسيرون وفق قواعدها في القراءة و الكتابة و الإلقاء ! ، و إنما يسيرون مشرقين حين تسير مغربة !!
سارت مشرقة و سرت مغربا شتان بين مشرق و مغرب .
و الحق أقول إن هذا البعض كان في غنى عن هذا التكلف الذي ما أجداه و لا أفاده ، و إنما ضاره ، و لو رجع إلى كتب اللغة قبل أن يتناول صحيح البخاري ، و لو تعلم طريقة البحث من أفواه الرجال ، أهل العلم المتخصصين ، الذين لهم ذوق لغوي وحس أدبي ، و هم كثر بحمد الله ، فإن للعلماء مقاصد في تآليفهم ، لا يدركها إلا المتخصصون أهل العلم الذين لهم ملكة . و لو فعل ذلك ما احتاج إلى هذا الدفاع ، الذي ما أفاده ، و لا حصل به نفع و لا انتفاع ، زيادة على ما ضاع في ذلك من وقت ومداد ، و فضلا عن تسويده لناصع بياض أوراق عبثا و بغير قصد و لا اعتماد ، شأن أهل التطفل ، و من يقدم على الأمور بلا علم و لا روية ، و لقد أحسن الــشاعر : ( المتنبي )
يرى أنه البصيـــــــــــــــــر بـهــــــذا و هو في العمى ضائع العكاز .
و قال الآخر : ( أبو نواس )
أيها المدعي ولاء سليـــــــــــم لست منهمو و لا قلامة ظفــــــــر .
إنما أنت من سليـــــــم كـــواو ألحقت في الهجــــا ظلمــــا بعمرو .
و ما أحسن قول محمود : " و من لم يتق الله في تنزيله ، فاجترأ على تعاطي تأويله و هو غير معرب ، ركب عمياء ، و خبط خبط عشواء ، و قال ما هو تَقَوُّل و هراء و افتراء " .
و بكل إنصاف ، لا بالتعصب و التعسف و الاعتساف ، أقول : إن تلك الأوراق لا تستحق الالتفات إليها ، فضلا عن قراءتها ، و فضلا عن الاشتغال بها و الاحتفال في شأنها ، و لولا إلحاح بعض الإخوان الكرام ، ما وضعت سوادا في بياض ، و لاستغرقت الوقت الغالي الثمن فيما فيه فائدة ، لا فيما لا يعود بفائدة و لا عائدة .
و لما كانت تلك الأوراق غفلا لا تحمل اسما ، اصطلحت على أن أسميها " رسالة الترجم "، و سميت الرد :
(( بيان العي و التضجم ، الواقعين في رسالة الترجم . ))
و بالله أستعين ، إنه هو المعين .
أقول : أول خطأ يطالعك قوله في الخطبة : "و شرف هذا اللسان العربي بالبيان على كل لسان " .
فقد جعل البيان خاصا باللغة العربية ، و هو خلاف العقل و النقل ؛ أما العقل : فإن كل عاقل يدرك بداهة أن كل لغة تعرب عن قصد صاحبها ، لا فرق في ذلك بين العربية و غيرها ، فالبيان بالعجمية بين العجم ، كالبيان بالعربية بين العرب ، و لا بيان بالعربية عند من يجهلها ، كما هو الشأن في العجمية كذلك .
و أما النقل : فإن القرآن دل على أن البيان يكون بجميع اللغات ، و لا يختص بلغة دون أخرى ، قال تعالى : ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﭼ سورة إبراهيم: ٤ . وقال تعالى : ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ سورة الرحمن: 3 ـ 4 . فإن الآية الأولى جاءت في مقام الحصر ، و الثانية جاءت في مقام الامتنان ، وكلتاهما مفيدة للمطلوب .
و لم يثبت ما يدل على أن المراد بالإنسان في الآية الثانية إنما هو العربـي فقط .
و البيان : الجمهور على أن المراد به الكلام و الفهم و هو الراجح ، و قيل : بيان الحلال والحرام ، و الهدى و الضلال ، و قيل : الخير و الشر .
و في مجمع البيان : " البيان الكشف عن الشيء و هو أعم من النطق ؛ مختص بالإنسان " .
و في الكشاف : " ثم ذكر ما يتميز به من سائر الحيوان من البيان ، و هو المنطق الفصيح المعبر عما في الضمير ". اهــ .
و لكون البيان لا يختص بالعربية قال : "ثم ذكر ما يتميز به من سائر الحيـــــوان " ، و لم يقل أحد أن البيان من خصائص اللغة العربية ، و لو قالها لرد عليه شاهد العيان ، وصريح العقل ، و صحيح النقل .
و لو اقتصر على أن اللسان العربي هو لغة القرآن - و كفى بذلك شرفا و فخرا ــــ ما وقع في هذا الخطأ و الخطأ الذي بعده ، و هو قولـــه : "و أنه لغة أهل الجنـــان " .
و هذا مبني على حديث واه بل موضوع ، رواه الحاكم في " المستدرك " ، و"المعرفة " ، و العقيلي في " الضعفاء "، و الطبراني و غيرهم .
وفيه عند هؤلاء جميعا :
× العلاء بن عمرو الحنفي ، و هو متروك .
× و يحيى بن يزيد ـــــ كذا ـــ ، و هو ضعيف .
×و ابن جريج مدلس و قد عنعن .
فمثل هذا يقول عنه علماء الحديث : إسناده مظلم !.
و متابعة محمد بن الفضل لا تنفع لكونه متهما بالكذب ، و المتابع متروك . ولذا قال الحافظ الذهبي : " و أما ابن الفضل فمتهم ، و أظن الحديث موضوعا ".اهـ.
و له شاهد من حديث أبي هريرة ؛ رواه الطبراني في "الأوسط "، و فيه :عبد العزيز بن عمران و هو متروك ، و انظر "الكامل "لابن عدي ، و "مجمع الزوائد ".
و من الأخطاء الواقعة في تلك الرسالة ، قوله :" إن من سنة شراح البخاري أن يقولوا : إن البخاري ترجم لكذا "..الخ .
و وجه كون هذا خطأ ، أن السنة العادة الجارية المطردة ، و الأصل الذي تدور عليه :" جريان الشيء و اطراده في سهولة " ، كما يقول ابن فارس في : "معجم المقاييس ".
و عليه يكون المعنى : عادة شراح البخاري الجارية و المطردة أن يقولوا : "ترجم لكذا .."، و هذا ليس بصحيح ؛ يعلم بطلانه من استقراء شروح البخاري وتصفح أجزائها .
فــ"فتح الباري " ، وهو من أهم شروح البخاري المنشورة و المتداولة ، جاء فيــــه : "ترجم عليه "، و "ترجم به "، و "ترجم له "، كما جاء فيه لفظ الترجمة مضافا إلى المفعول .
وصاحب "عمدة القاري " إنما يذكر "بوب " في الغالب ، وفي النادر يذكر : "ترجم عليه "، و كأنه أراد بذلك مخالفة الحافظ ابن حجر في تعديته ترجم بعدة حروف .
وبتتبع "عمدة القاري "و مقابلته بــ"فتح الباري "يعلم أن "البدر "يقصد مخالفة "الشهاب" ــــ الذي تفوق على البدورـــ متعمدا .
أما العلامة الناصر ابن المنير فقد استعمل :" ترجم عليه" في موضع واحد أو موضعين من "المتواري "، حسبما وصل إليه تصفحي .
و أما صاحب "كوثر المعاني الدراري" الشيخ الشنقيطي ؛ فإنه استعمل : "ترجم به" ، و "ترجم عليه ".
أفمع هذا يصح أن يقال : "إن من سنة شراح البخاري أن يقولوا ترجم له " ؟!! ومن هم هؤلاء من غير شراح البخاري الذين يقولون : "ترجمه "، و "ترجم له "، و تلك سنتهم وعادتهم المطردة ؟!!.
وقوله :" إن المعاجم التي بين يدي ما ذكرت هذا الفعل المتعدي باللام ، وإنما ذكرت المتعدي بنفسه ،و بعن ، بوزن فعلل لاغير " اهـ . من أقوى الأدلة على أن هذا "البعض "يجهل اللغة العربية و مناهج المعاجم ، و لا سيما التمييز بين المتعدي واللازم ، و لو علم أن العرب تستعمل الفعل الواحد متعديا بنفسه تارة ، و بالهمزة أخرى ، و بحرف الجر تارة ، و بدون ذكر متعلق أخرى ، كما أن العلماء يستعملون هذا ، ما قال ما قال !
فمن ذلك "نشر "يقال :نشر الموتى حيوا ، و نشرهم الله أحياهم .
و هذه أمثلة من "القاموس ":
قال في مادة "بكر" :" ابتكر : أدرك أول الخطبة "، فلم يذكر له مفعولا مع أنه متعد . و لو ذكر المفعول لقال : ك ابتكر الخطبة : أدرك أولها .
و قال : "احتطب المطر : قلع أصول الشجرة ". فلم يذكر له مفعولا ، و لو ذكره لقال : : احتطب المطر أصول الشجرة : قلعها .
و كثير من الأئمة لا يفرقون بين المتعدي بنفسه والمتعدي بالحرف توسعا واعتمادا على فهم السامع .
فمن ذلك : "جاء "؛ يستعمل لازما ومتعديا بنفسه وبالحرف ، يقال : جاء زيد : حضر ، و جئت شيئا حسنا : فعلته ، و جئت به : أحضرته معك ، و جئت إليه : ذهبت إليه .
و من ذلك : "أتى "، يقال : أتى الأمر : فعله ، و أتى عليه الدهر : أهلكه ، وأتى الرجل : جاء .
ومن ذلك : "ذهب" ؛ يقال ذهب : سار و مر ، و ذهب في الدين مذهبا : رأى فيه رأيا ، وذهب الشيء : أذهبه ، و ذهب عليه : نسي ، و ذهب عنه : ترك ، و ذهب إليه : توجه .
ومن ذلك : "بحث "؛ يقال : بحثه ، و بحث عنه : فتش ، و بحث في الأرض : حفــرها .
هذه الأمثلة و غيرها من اطلع عليها و علم الدواعي التي دعت إلى فعل ذلك ، علم أن هذا الصنيع لا يدل على أن غيره لا يجوز ، و علم مدى جهل هذا "البعض "بمناهج علماء اللغة في معاجمهم !، و سيأتي بيان ما فعله الحافظ في "الفتح "من تعديته ترجم بنفسه ، و بحروف متعددة في مكان لاحق بحول الله .
و مما جاء في تلك الرسالة : "و في "المعجم الوسيط" : ترجم الكلام بينه ووضحه ، و كلام غيره ، و عنه نقله من لغة إلى أخرى ، و سلك فيه مسلك المرجعين السابقين ؛ إلا أنه زاد ما نحن بصدده ! فقال : ترجم لفلان ذكر ترجمته ، ثم ذكر عقبه رمزا يشير إلى أنه غير عربي ، و إنمــا هــو مولــــــــد... الخ ".
و عليه في هذا القول مؤاخذات :
المؤاخذة الأولى ـــ أنه جعل "المعجم الوسيط" مثل كلام "اللسان "و "القاموس "وبين الكلامين بون شاسع ! قال في "اللسان ": ترجم كلامه : فسره بلسان آخر "، هذا في باب الراء . و في باب التاء : "الترجمان هو الذي يترجم الكلام ، أي : ينقله من لغة إلى أخرى " اهـ كلام "اللسان ".
و في "القاموس "مع "التاج "فصل التاء من باب الميم : "الترجمان المفسر اللسان ، و قد ترجمه عني و ترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر ، و قيل نقله من لغة إلى أخرى " اهـ .
فأنت ترى أن "المعجم الوسيط "يطلق في معنى الترجمة ، ولا يقيد بتفسير لغة بلغة ، ولا بنقل لغة إلى لغة ، بخلاف المعجمين الآخرين !
المؤاخذة الثانية ـــ أن ما هو بصدده إنما هو ترجمة للمسألة و ليس ترجمة للشخص ، فإن تراجم الإمام البخاري هي عناوين المسائل ، و تراجم الأشخاص إنما هي سيرهم ، و لذا يقال : كتب التراجم ، كما يقال : كتب السير ، ولذلك سمى الإمام الذهبي كتابه الفذ في التاريخ "سير أعلام النبلاء" و منه "سيرة النبي e ".
وسيأتي بيان ما تستعمل فيه الترجمة بالأصالة وبالتوليد ، إن شــاء الله تـعـالى .
المؤاخذة الثالثة ـــ أنه جهل مراد "المعجم الوسيط "بالتوليد فراح يخبط ، والتوليد أنـواع : منها الاشتقاق ، ومنها التعريب ، ومنها النحت ، ومنها تحويل الدلالة . و صاحب "المزهر" لما ذكر أمثلة من المولد جره الكلام إلى ذكر أمثلة هذا النوع المرفوض والمردود ، و هو لحن العامة على سبيل الاستطراد . و قد كتب فيه من الأقدمين الكسائي "ما تلحن فيه العامــــــــة "، و الزبيدي الأندلسي "لحن العامة "، و الحريـري "درة الغـــــــــــــــــــــواص "وابن مكي الصقلي "تثقيف اللسان "، والصفدي "تصحيح التصحيف "، و مما كتبه في ذلك بعض المعاصرين "معجم الأخطاء الشائعــــــة "، و "معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة "، و كلاهما لمحمد العدناني ، و"الأخطاء الشائعة "لماجد الصائغ .
إن "ترجم الشخص " إنما هو من تحويل الدلالة ، و هو الباب المطروق و السبيل المسلوك .
وإن تعجب ؛ فأعجب ما استدل به هذا "البعض "على تصويب خطئه ، وأغربه وأطرفه ، أنه جعل "ترجم" على وزن الخماسي من لحن العامة ، الذي هو من المولد المذموم . قال بعدما ذكر أنه لم يظفر ب"ترجم" في المعاجم التي بين يديه على كثرتها و تنوعها : "فما المانع من قبولها ــ يعني ترجم على وزن تفعل ـــ مولدة أيضا ، و قد جاء في "أمالي "ثعلب : سئل عن التغيير فقال : هو كل شيء مولد ، قال السيوطي في "المزهر" : و هذا ضابط حسن يقتضي أن كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه ، أو تسكين أو تحريك ، أو نحو ذلك مولد ، و هذا يجتمع منه شيء كثير ". اهـ.
قلت : قد أصاب في جعل اختياره السيء من لحن العامة ، و أيضا حيث استدل على الخطأ بالخطأ ، لما بين ذلك من مشاكلة ، و أخطأ حيث بنى كلامه واستدلاله على مقدمات كاذبـة لا تــوصــل إلى المطلوب .و لم يدر أن ما اختاره و دافع عنه دفاعا مستميتا هو من لحن العامة ، و من الخطأ المذموم عند أهل العلم باللغة ، و لقد كفى غيره مؤنة الرد فاعجب !.
وهذه هي المؤاخذة الرابعة .
أ هكذا يكون المجتهد المولد؟!. إن هذه الأوراق لأكبر شاهد على عامية مزمنة لا يرجى برؤها و لا علاج صاحبها !!
و قد قدمنا ما كتب في ذم اللحن فلا نعيده .
ومما جاء في تلك الرسالة : "و كتاب "مجمع اللغة العربية "! ينص في صحيفته التاسعة ! أنه قصر همه على اللغة قديمها و حديثها و توسع في المصطلحات ..." قال : "وأقر كثيرا من الألفاظ المولدة و المعربة الحديثة وشدد في هجران الوحشي و الغريب وقد برهنت لجنة "مـجـمـع اللغـــة العربية "على أن باب الاجتهاد مفتوح ، كما هو مفتوح في الفقه و التشريع ! وأن العربية في آن واحد حديثة و قديمة , وقد استعادت في القرن العشرين حياة و حركة لم يؤلفا فيها منذ عدة قرون " إهـ .
هذا الكلام الذي هو محض نقل وقع لناقله فيه أخطاء كثيرة .
الخطأ الأول- قوله : "كتاب مجمع اللغة العربية "فهذا الكتاب لم يوجد , ولا يمكن أن يقرأ ولا تكون له صفحات !!
إن مجمع اللغة العربية جمعية لغوية تأسست في مصر , غرضها خدمة اللغة العربية تتكون من أشخاص وليس من صفحات ! فليس له صفحة تاسعة ولا عاشرة . و الصواب : كتاب "المعجم الوسيط "..الخ , وهو كتـــــــاب أصــــــدره "مجمع اللغة العربية بالقاهرة "!
الخطأ الثاني ــــ قوله :"في صحيفته التاسعة" ! والصحيفة الورقة بصفحتيها ، والصواب : "في الصفحة التاسعة ".
الخطأ الثالث ــ أنه تصرف في الكلام ، و في مثل هذا ينبغي للناقل أن يبين أنه تصرف في الكلام ، ليعلم الواقف عليه أنه لم يبق على تصنيف الأصل ، و أنه قد دخله التغيير ، و كثيرا ما يفسد النقلة الكلام بتصرفهم فيه ، فيحسب من لم يعرف حقيقة الأمر أن ذلك من الأصل . لذا ينبغي أن يتوفر في ا لمتصرف في كلام الناس الشروط المتوفرة في الراوي بالمعنى ، و أين هذا في صاحب الرسالة ؟!!
الخطأ الرابع ــ أنه أبدل لفظ الحوشي بالوحشي مع أن الموجود في "المعجم" الحوشي ، و معناها صحيح كما يعلم من كتب اللغة .
الخطأ الخامس : أن كلام المعجم موجه للمجتهدين أو المتخصصين في اللغة العربية ، ولا مكان فيه للعاميين الذين يجهلون أبجدية اللغة العربية ! .
و الذين باب الاجتهاد مفتوح لهم إنما هم أفذاذ من فرسان اللغة العربية الذين كانوا موجودين في القرن الهجري الماضي ، الذي أسس فيه مجمع اللغة العربية في مصر . أمثال الشيخ احمد فارس الشدياق الذي من آثار أعماله في اللغة العربية "الجاسوس على القاموس "و "الساق على الساق "و "سر الليال في القلب و الإبدال "و "كشف المخبا عن فنون أوروبا "، و أنستاس ماري الكرملي صاحب "نشوء اللغة العربية "، و عبد السلام هارون الذي أثرى المكتبة العربية ، فبلغ إنتاجه فيها ما بين تأليف و تحقيق واحدا وعشرين ومائة ، و بمطالعة القسم الثالث من كتابه القيم "قـطــــــــوف أدبيــــــة "الذي عنونه بعنوان "بيني وبين الشعراء "تتبين مكانة الرجل اللغوية ، و تعلم كيف يكون المولد المجتهد في اللغة !!
و غير هؤلاء كثيرون و فيهم أهل الدرجة العليا و الوسطى و الدنيا المقبولة ، ولا مكان بينهم للعاميين !
على أن التجديد الذي يقوم به "المجمع" هو عمل جماعي ، قام به و عكف عليه نخبة من الناطقين بالضاد ، ألف بينهم وشيجة حب اللغة العربية وخدمتها ، فانصهرت أعمالهم في هذا المعجم و غيره ، و مع ما لأسرة "المجمع" من حنكة و تجربة ميدانية واضطلاع بما يقومون به ، يقبلون النصح إذا قدم لهم و يلتزمون بقبوله ، و إلحاق كل ما يستدرك عليهم في الطبعة اللاحقة ، فعليه أن يعمل بنصح "المجمع" إذا كان حقا يطبق نصيحته ، و يقبل كل ما يقدم إليه من نصح !!
علما أن عمل "المجمع" عمل جماعي ، و مثل هذا العمل له منعة تعصمه من الخطأ ، أو تجعل خطأه أقل ، بخلاف العمل الفردي ؛ فإنه معرض للخطأ والخطل ، و لا سيما إذا كان الفرد ممن يصدق عليه أنه "تزبب قبل أن يتحصرم" !
قوله : "و عليه فلي رأي في أن الكلمة مولدة كانت بتخفيف الجيم أو بتشديدها ، و أؤكد أن المتحدث عنه الفعل المتعدي باللام ....الخ ". فيه بناء باطل على باطل ، و هو مشتمل على أخطاء :
الخـطأ الأول ـــ أنه بنى كلامه على أنه مجتهد في اللغة العربية !ــــ وقد علمت بطلان هذه الدعوى بالبراهين القاطعة و الحجج الدامغة ــــ ،و بنى على هذه الدعوى أن له حق التجديد ، و لو في كلمة واحدة صدرت عنه فلتة على سبيل اللحن ، فلم يجد سبيلا إلى التخلص من عار اللحن و وصمة الجهل بأبسط بسائط قواعد اللغة العربية إلا أن يدعي التوليد !
الخطأ الثــاني : أنه جعل "ترجم" الرباعي مولدا إذا عدي باللام ، و هذا خرق لإجماع علماء اللغة العربية ؛ فإن كل من ذكره منهم إنما عده من اللغة العربية الفصحى ، و بعضهم ــــ و هو الصولي في "أدب الكاتب" ــ جعله مما عربته العرب فصار من صميم لغتها , ولم يذكر أحد أنه مولد . و إلى كونه مما عربته العرب يشير صاحب "التاج" : "وهل هو عربي أم معرب "درغمان "فيه خلاف نقله شيخنا ". اهــ .
و على أنه عربي أصلي فقيل التاء أصلية , وهو ما يقتضي تصرف صاحب "القاموس "حيث ذكره في فصل التاء , وكذلك صاحب "اللسان "حيث ذكره في التاء ، وإن أعاده في الراء , ولم يقل أحد أن ترجم على وزن تفعلل إلا ما فهمه هذا "البعض "من كلام "المعجم الوسيط" : "ترجم لفلان ذكر ترجمته ", وهذا الفهم لم يدر في خلد عضو من أعضاء "المجمع" و لا يمكن أن يكون كذلك .
و قول المعجم : "مو "؛ إنما أراد به تحويل الدلالة ، أي : أن ترجم بمعنى ذكر السيرة إنما استعمله المولدون ولم تعرفه العرب.
و لم يقصد المعجم أن "ترجم للشخص "مولد إذا عدي باللام ، و عربي فصيح إذا عدي بنفسه !
و تحويل الدلالة هو :" إعطاء الكلمة العربية معنى مختلفا عما كان العرب يعرفونه "، و هو أكثر أنواع التوليد استعمالا .
فمن ذلك كلمة "أدب "، معناها الأصلي : حسن الخلق ، و فعل المكارم ، ثم أطلقت على علوم العربية على سبيل التوليد لما بين ذلك من ملابسة و مناسبة .
و من ذلك "المقامة "معناها الأصلي : مكان القيام ، ثم أطلقت على نوع من القصص المسجوع على سبيل التوليد .
و من ذلك "الفعل "و معناه الأصلي : مطلق الحدث ، ثم أطلق على الحدث و الزمان على سبيل التوليد .
ومن ذلك كلمة "نظم" معناها الأصلي جمع اللؤلؤ في سلك , ثم أطلقت على نظم الكلام على سبيل التوليد . وهذا يعبر عنه بالاصطلاح في مقابلة الأصل , يعنون بالاصطلاح المعنى المولد , وبالأصل المعنى اللغوي.
الخطأ الثالث ــــ أنه إنما قدم ما قدم من كلام باطل ليبني عليه أن "ترجم" يصح قراءته بصيغة الخماسي ، و لم يدر أن هذا النوع من التوليد لا يوجب تغيير البنية وإنما يوجب تغيير الدلالة . فاستعمال الترجمة في عنوان المسألة وسيرة الشخص لا يوجب تغير البنية .
ولو سلمنا جدلا أن هذا النوع من التوليد يوجب التغيير لبنية الكلمة لكان بقاؤها على "فعلل" أولى لعدة أوجه :
الأول ــــ كونها أخف , والعرب تختار الأخف .
الثاني ــــ كونها أكثر استعمالا في التوليد.
الثالث ــــ المعاني التي استعملت فيها "ترجم" مناسبة لفعلل لا لتفعل .
وذلك أن الترجمة تكون بمعنى التفسير , و بمعنى العنوان , و بمعنى السيرة , وكلهن فيه معنى الظهور , و "فعلل "هي التي تستعمل في معنى الظهور , لا تفعل , كما نص على ذلك في "معجم المقاييس ". و جاء في "فتح الأقفال" : "السادس : إظهار الشيء كعسلجت الشجر ، و برعمت ، أظهرت عساليجها وبرعمها ".
و من الأدلة على أن الفعل على وزن "فعلل" لا "تفعل "، المصدر الذي هو الترجمة ، و"الفعللة " قياسية في "فعلل "، و قد أجمع كل من تعرض لهذه المادة أن يذكر الترجمة لا الترجّم .
الخطأ الرابع ـــ فهمه التوليد من كون الفعل متعديا بالحرف ، و بنى عليه جواز قراءته بصيغة "تفعل "، و الحق أن كون الفعل يعدى بنفسه تارة وبالحرف مرة أخرى ، يعد تضمينا ، و هو قياسي عند البصريين .
الخطأ الخامس ــــ أن "المعجم الوسيط" إنما ذكر التوليد في "ترجـــم للشخص "، و لم يتعرض لــــ"ترجم للمسألة "، علما أن ترجم للشخص يدخل تحت الترجمة بمعنى السيرة ، و ترجم للمسألة يدخل تحت الترجمة بمعنى العنوان ، فلا يلزم من كون ترجم للشخص مولدا أن يكون ترجم للمسألة مولدا !!.
ومما يضحك الثكلى قوله :"ولي رأي آخر إن لم يتعين فهو أحسن من الأول ؛ أن ترجم على وزن "تفعل "عربية لا مولدة , و توجيه هذا الرأي , أن باب الاجتهاد مفتوح كما نقلت لك , و عليه فيجب أن تحترم السماع , ولكنا لا نقف عليه جامدين إذا وجدنا ما يسوغ القياس , ألا ترى أن النحويين يقولون : أن من الكلام ما كان على : "فعل "فتكسيره على : "أفعل "، ككلب و أكلب ..."، قال : "و ليت شعري ، هل قالوا هذا ليعرف وحده ، أو ليعرف ليقاس عليه غيره ، ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة بل سمعته منفردا ! أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره ، قال : كذلك لو احتجت إلى تكسير عجر ، من قولهم ، و ظيف عجر ، أي : صلب شديد ، كنت تقيسه على يقظ أو أيقــــاظ ، و إن لم تسمع أعجارا ، و كذلك إن كان الماضي ..."اهــ
و فيه أمور :
الأمر الأول : قوله : "إن لم يتعين فهو أحسن من الأول "، يكاد ينادي بإبطال ما أتعب به نفسه !! و قارئ أوراقه ، و ذلك أن الأول الذي دافع عنه ـــ و هو كون ترجم على فعلل أو تفعل مولدا !! كما سبق أن أبطلناه بالحجج الدامغة ــــ انقلب باطلا مرجوعا عنه ، أو ضعيفا مرجوحا !! و بالتالي وقع في تناقض مكشوف ، و ذلك أنه جعل في أول كلامه ترجم على وزن فعلل أو تفعل مولدا إذا عدي باللام ، و فصيحا إذا لم يعد باللام ، و في كلامه الأخير جعل ترجم على وزن تفعل عربية فصيحة سواء عدي باللام أو بغيرها !!.
الأمر الثاني : أنه بنى ذلك اللحن الفاحش على اجتهاده ( المفتوح على مصراعيه ! ) ثم في نفس الكلام يقول : "إنه يجب احترام السماع ". أي معنى لهذا الكلام ؟! . إن احترام السماع معناه أن الكلمة المسموعة من العرب لا يجوز تغييرها بدعوى الاجتهاد ! إذا كان ذلك يؤدي إلى مخالفة كلام العرب ! ثم هو أول من خالف هذا الكلام ، و ناقضه بالكلمة المطروحة ، و هي "ترجّم "حيث أن العرب لم تنطق إلا بترجم بوزن الرباعي ، ثم خالفهم بدعوى الاجتهاد ، فيجوز فيها ترجم بوزن الخماسي ، فاعتبر ! هكذا يكون الاجتهاد و إلا فلا !!
الأمر الثالث : أنه جعل ترجم بصيغة الخماسي ، عربية بعدما جعلها مولدة ! فاعجب .
و نظّر ذلك بجمع "فعل "على "أفعل" ، و هذا مع ما فيه من خبط و خلط غير صحيح ؛ لكذب إحدى مقدمتيه : و المقدمتان اللتان يتألف منهما القياس هما : ترجم بمعنى اتخاذ التراجم ، و كل ما كان بمعنى الاتخاذ يجوز مجيئه على وزن تفعل ، و الصغرى كاذبة قطعا ؛ لأن قوله : "ترجم للشيء" اتخذ له ترجــمة ، كلام باطل ، و من الصواب عاطل ؛ لأن ترجمت للمسألة ليست كتبنيت زيدا ، أي: اتخذه ابنا . و زاد الطين بلة ، و الموضوع فســادا و علة ، أنه جعل ترجم من باب تفعل الذي للتكلف ، مثل : تشجع و تحلم ، إذا تكلف الشجاعة و الحلم .
و بطلان ترجم التي على وزن تفعل للتكلف لا للاتخاذ أمر لا يختلف فيه اثنان ، و لا يتناطح فيه كبشان ، و ما بني عليه باطل أيضا .
الأمر الرابع : أنه جعل قياسه مقدما على السماع ، و هذا من أكبر الأدلة أنه جاهل بضروريات النحو و الصرف التي منها أن السماع مقدم على القياس ، و حيث سمع من العرب ترجم على وزن فعلل لم يبق مجال للاجتهــــاد ؛ إذ الاجتهاد إنما يجوز في موضع لا نص فيه !!
الأمر الخامس : أنه خلط بين القواعد التعليمية و ما هو مركب من النظري والتعليمي ، فإن القواعد التعليمية إنما يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب و إلى الابتعاد من الخطأ ، فإنه لا أحد ممن جاء بعد زمان العرب شافهته العرب و سمع ما تكلمت به .
فلم يسمع من العرب من جاء بعد زمانهم رفع الفاعل و نصب المفعول وجر المجرور بالحرف أو بالإضافة أو غير ذلك .
أما كون المادة الفلانية فيها معنى الاتخاذ فيجوز فيها التفعل فيحتاج إلى تحقيق كون ذلك المعنى في تلك المادة .
و كلمة ترجم التي هي مطروحة للبحث خير مثال ؛ فإن ترجم للشيء ليس فيه معنى الاتخاذ .
و إنما قلنا إنه مركب من النظري و التعليمي ؛ لأن قول القائل إن مادة ( ر ج م ) فيها معنى الاتخاذ يحتاج إلى نظر في المعنى ، فإن صح المعنى صحت المقدمة التي بني عليها الدليل المؤلف من مقدمتين ، وهنا لم يصح المعنى فلم تصح إحدى مقدمتي الدليل ، و هي الصغرى التي هي نظرية محضة ، و الكبرى التي هي تفعل تكون للاتخاذ ، و هي إن كانت صادقة فإن كذب الصغرى ، و هي " أن ترجم فيها معنى الاتخاذ "يمنع صدق النتيجة ، إذ لابد من صدق المقدمتين معا مع باقي الشروط ، إذا علمت هذا علمت بطلان قوله :" إن النحويين يقولون : أن من الكلام ما كان على : "فعل "فتكسيره على : "أفعل "اهــ ، من اللغو الضائع و الكلام الموضوع في غير الموضع المناسب ! ، و أشد منه قوله : "و كذلك لو احتجت إلى تكسير عجر ، من قولهم : وظيف عجر ، أي : صلب شديد ، كنت تقيسه على يقظ أو أيقاظ ، و إن لم تسمع أعجارا "، اهــ.
هذا مع كونه منقولا عن الخصائص فعليه فيه أخطاء لــكونه لم يحسن النقل .
الخطأ الأول : أن فعلا بضم شاذ في الوصف فكان عليه أن يعرف ذلك قبل أن ينقل ما لا يدري ! .
الخطأ الثاني : أن جمع "فعل "الوصف على "أفعال "شاذ ؛ قال سيبويه ، رحمه الله تعالى : "و أما ما كان فعلا فإنه لم يكــسر على ما كسر عليه اسما لقلته في الأسماء ، و لأنه لم يتمكن في الأسماء للتكثير و الكثرة و الجمع كفعل فلما كان كذلك و سهلت فيه الواو و النون و ذلك حذرون وعجلون و يقظون و تدرسون فألزمونه هذا إذا كان فعل و هو أكثر منه قد منع بعضه التكسير نحو : صنعون و رجلون ولم يكسروا الفعل عليه , و إنما صارت الصفة أبعد من المفعول و الفعال ؛ لأن الواو و النون يقدر عليهما في الصفة و لا يقدر عليهما في الأسماء ؛ لأن الأسماء أشد تمكنا في التكسير , وقد كسروا أحرفا منه على أفعال كما كسروا فعلا قالوا : " نجد وأنجاد ويقظ وأيقاظ " اهـــ .
أفمع هذا يصح أن يقال أن عجر يقاس في الجمع على يقظ و إيقاظ ؟!
فإن كان هذا الناقل لكلام ابن جني مجتهدا ؟! فعليه أن يطبق القواعد ويجري على وفقها ، و إن كان مقلدا فتقليد سيبويه أولى ! على أن كلام سيبويه مدعوم بالبراهين والحجج التي مرت على مسامعك ! و لو كان جمعه على "أفعال "شاذا مخالفا للقياس مقيدا بكون الثلاثي اسما . قال في الخلاصة :
"و غير ما أفعل فيها مطرد * من الثلاثي اسما بأفعال يرد"
و قد نص على ذلك سيبويه أيضا .
و لو صح هذا لكان في واد وما نحن فيه في واد . فإن قيل : إن جمع فعل وصفا على أفعال ورد في القرآن فكيف يكون ما ورد في القرآن هو الشاذ المنافي للفصاحة ، لأن الفصاحة شرط للبلاغة ، و القرآن بلغ الدرجة العليا في ذلك ، بل بلغ حد الإعجاز .
وقد أحيا القرآن ألفاظا قد أماتتها العرب فلم تعرف إلا عن طريق القرآن , وهذا من إعجازه أيضا . على أن صاحب "اللسان" نقل عن سيبويه أن أيقاظا عنده جمع يقظ بكسر القاف ؛ لأن فعلا بكسر العين في الصفات أكثر من فعل بضم العين و الله أعلم .
ومن الكلام المثير للسخرية قوله :"ويوصون بإدخال الأجزاء ! كلها تحت الحدود ! وما جرت عادتهم لأن يذكروا الحدود و الأجزاء الداخلة تحتها وهذا مذهب العلماء بلغة العرب ! و ما ينبغي أن يعمل به و يؤخذ به ! فاسلك مع مذهب غير هائب و لا مرتاب !!! "اهــ .
هذا الكلام ينبئك بمستوى صاحبه و يغني عن التعليق عليه ويؤكد لك صحة حجة ما قلناه في غير ما موضع من هذه الرسالة من أن صاحب هذه الأوراق عاميته لا يرجى برؤها !
و نقول : إن اصطلاح الحد و الرسم ، و الجزء و الجزئي و الجزئية ، والكلي والكلية ، اصطلاح يرجع في فهمه إلى علم المنطق ، و إن كان يذكره غير المناطقة ، والحد يطلق على التعريف بالذاتي الشامل للجنس ، والفصل ينقسم إلى تام وناقص ، فما كان الجنس والفصل مجتمعين فيه مرتبين يسمى حدا تاما ، و ما كان بالفصل فقط أو بالجنس مؤخرا عن الفصل يسمى حدا ناقصا ، و الرسم يطلق على التعريف بالخاصة ـــ و هي ما يخص المعرف ويميزه عن غيره كالضاحك بالنسبة للإنسان وينقسم أيضا إلى تام وناقص ، و يلحق به التعريف اللفظي و التعريف بالمثال و التقسيم .
و التعريف بجميع أنواعه إنما هو تمييز الشيء عن غيره فلا يدخل في باب الاستدلال إلا عرضا .
أما الجزء فهو ما تركب منه و من غيره كل ، و ينقسم إلى طبعي ومادي .
و أما الكل فهو ما تركب من أجزاء و هو أيضا طبعي و مادي .
و أما الكلي فهو الشيء الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه كالإنسان فإن تصورك له لا يمنع من صدقة على زيد وعمرو وخالد مثلا ، وهو حقيقي وإضافي ، و تفصيله يعرف من علم المنطق و الوضع !
و الجزئي ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه كمحمد وأحمد وخالد المعينين عند المخاطب .
و الكلية الحكم على كل فرد من أفراد الموضوع الكلي بالمحمول مع الاستقلال مثل ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﭼ .
و الجزئية الحكم على فرد معين بالمحمول مثل : محمد مسافر . وتفاصيل هذا يرجع إليها في كتب المنطق .
إذا علمت هذا علمت معنى قوله : "و يوصون بإدخال الأجزاء كلها تحت الحدود ". فإن كان نقله يكون قد نقل كلاما استعمل في غير اصطلاح أهله . وإن كان اجتهد فيه ! كان دليل صدق ما قلناه ! والمناسب هنا الجزئيات و الكليات أي : و يوصون بإدخال الجزئيات تحت الكليـــــات ؛ أي يدخلون : قام زيد ، أو جلس عمرو ، وانطلق خالد ، مثلا ، تحت كلية : "كل فاعل مرفوع" ، ويدخلون : غلام زيد ، وولد بكر ، وباب الدار ، مثلا ، تحت قاعدة "كل مضاف إليه مجرور ". و "ما جرت عادتهم أن يذكروا المحدود و الأجزاء ". و المناسب الكليات و الجزئيات ، والأجزاء هي أجزاء المعرف الطبعية مثل : الحيوان ؛ فإنه جزء طبعي من حقيقة الإنســــــان ، و مثل الناطق فإنه جزء طبعي من حقيقة الإنسان أيضا ، و كيفما كان الحال فإن هذا الكلام يشتمل على تناقض عريض ، فإنهم ــ على لغته ـــ إذا كانوا يوصون بإدخال الأجزاء تحت المحدود ، لزم أن يوصوا بإدخال الأجزاء تحت الحدود إذ الحدود تدل على المحدود .
فمع ما علمت كيف يصح في عقل العاقل صدق قوله : "يوصون بإدخال الأجزاء تحت المحدود ! و ما جرت عادتهم أن يذكروا الحدود والأجزاء "! . لعله أراد أن يقول أنهم ما جرت عادتهم بذكر جميع الجزئيات من كل قاعدته ، و إنما يكتفون بالقاعدة ؛ إذ هي مستلزمة لجميع جزئياتها على الخلاف في أن دلالتها عليها مطابقة أو التزاما ، اختار ابن السبكي والمحلي الأول . و لا محل للجزء ـــ كالحيوان والناطق للإنسان ـــ هنا ! و انظر ما معنى قوله : "و هذا مذهب العلماء بلغة العرب ! و ما ينبغي أن يعمل عليه ! ويؤخذ به "! و كذلك قوله :" فاسلك مع مذهب غير هائب و لا مرتاب "!!! فاعجب !!!
إذا علمت هذا الذي قدمناه لك مشفوعا بالحجج و مدعما بالبراهيـــــن ، علمت مبلغ بطلان كلام هذا البعض و هو قوله : "و كلمة ترجم من هذا القبيل بلا شك و لا ارتياب ....الخ" كما أنك تتيقن بطلان قوله : "و إذا كانت المعاجم لم تذكر هذه المادة نصا و منطوقا ؛ فقد ذكرت نظيراتها فلا تعد ساكتة عنها..."، و تزداد يقينا أنه لا يفرق بين موضوع المعاجم و موضوع غيرها من كتب العربية ! و من المثير للاستغراب قوله :" فما بال بعض الإخوان يقف جامدا ! مكتوف اليد لا يتقدم ولا يتأخر ! محتجا بالسماع أو عدمه ! أيريد أن يكون أمره مطردا لا ينخرم ! وإذا قال : نعم ، فما فائدة دراسته للقواعد النحوية ! والفقهية!ّ!! و البلاغية ! والعروضية ! و الأصولية !!! وما فائدة ذكر الحدود و الضوابط ! و قد درس ألفية ابن مالك غير ما مرة ! و هي محطة ! لتدريس قواعد نحوية و لغوية ! وصرفية ! جليلة وتحتها جزئيات تتضمنها !!! لأن مذهب ابن مالك معلوم ومتميز بهذا المزج النحوي واللغوي والصرفي ! ينجلي واضحا لمتدبر ألفيته ! وغيرها من المؤلفات في هذا الشأن ! و إذا كنت متأثرا بمذهب ابن مالك ...! الخ "
الذي يفهم من هذا الهذيان الذي يستحيل أن يصدر عمن يعرف ما يخرج من مخه :
"فما بال بعض الإخوان يقف : أي لا ينحني و لا يجلس و لا يضطجع حالة كونه جامدا لا حياة فيه ؛ إذ تلك هي حقيقة الجامد ، ثم حالة كون هذا البعض المتصف بالجمود مكتوف الأيدي ، ذلك الجامد الذي ليس بحي له أيد مكتوفة و مشدودة إلى خلف كتفيه ! ثم حالة كونه لا يتقدم و لا يتأخر ، أي جموده و كتف يديه منعاه من التقدم و التأخر ! هكذا يكون الاجتهاد و التوليد ! وتأويــله حدث عن بطلانه و لا حرج ! ثم حالة كون بعض هؤلاء الإخوان الموصوف بالجمادية و كتف الأيدي وعدم التقدم و التأخر محتجا بالسماع أو عدمه ؛ أي : محتجا بالسماع أو بعدم السماع الشامل للقياس و التوليد و الجهل ! ثم ينكر على هذا البعض من الإخوان الموصوف بما مر بك "أيريد أن يكون أمره مطردا لا ينخرم" أي لا ينبغي لبعض هؤلاء الإخوان ... أن يريد كون أمره ــــ الشامل للتنفس والحركة والأكل والشرب وقضاء الحاجة و غير ذلك من أموره ــــ مطردا و عادة جارية لا تنخرم . ليس في هذا ما ينكر فإن الناس جميعا يحبون أن يكون أمرهم مطردا غير منخرم ومن هذا الذي لا يحب ذلك ؟!!!!
و إن أراد بالأمر ما تعلق باللغة العربية ، فكل مثقف يحب أن يكون حاله في ذلك مطردا وغير منخرم و لا داعي لاستنكار ذلك فاعجب !
"إذا قال : نعم ، فما فائدة دراسته للقواعد النحوية والفقهية والبلاغية والعروضية والأصولية "!!! ( و الطبية و الفلكية و الهندسية ) وإذا تكلفت شرحه لكان المعنى : إذا قال هذا البعض الجامد الذي يحب أن يكون أمره مطردا غير منخرم ، نعم أحب أن يكون أمري مطردا غير منخرم ، خلافا لمن أبى ذلك ، فإنه يسأل سؤالا آخر على سبيل الإنكار ، و هو : "ما فائدة دراسته للقواعد النحوية والفقهية و البلاغية و العروضية و الأصولية "، أي : أن فائدة دراسته للنحو ...لتكون أموره مطردة غير منخرمة ! و أيضا إنما درس النحو ليجعل اللحن توليدا ، و يكون أمره منخرما غير مطرد ! ودرس الفقه والبلاغة والأصول والعروض ليجعل اللحن توليدا ! وليكون أمره منخرما غير مطرد ! هذا هو المعنى المناسب لهذا المولد !!! و إلا فأي علاقة للنحو بالتوليـــد ؟! بله الفقه والأصول والبلاغة والعروض !! و لو سن لمثل هذا جائزة تسجيل الرقم القياسي في الخلط و الخبط لكان ذلك مستحسنا !
ومن الإغراق في اللغو :" ولقد درس ألفية ابن مالك غير ما مرة ، وهي محطة لدراسة قواعد نحوية ...الخ ، ومن أين له أن الألفية محطة لدراسة قواعد اللغة العربية ؟! و ما علاقة الألفية التي هي كتاب صغير في قواعد النحو التعليمية ، يتعلم منه المبتدئ و الشادي قواعد تعصمه من اللحن في التعبير و الكتابة و القراءة ، بما ذكر . أما التوليد و الاجتهاد في اللغة فشيء آخر ! فهي مختصر نافع و منفذ يسلك منه طلاب علم العربية إلى المطولات وهو نافع للأذكياء ! و المتوسطين ! أما البله فلم يعرفوا الغاية من دراسة الألفية ، و لم يتصوروا موضوعها ، فافهم !
و يفهم من كلامه أن اجتهاده الذي وصله إلى توليد ترجم على وزن تفعل إنما بلغ إليه بدراسته لألفية ابن مالك المشتملة على قواعد نحوية و صرفية و لغوية !
و لقد ستر الله هذا الكاتب فأبى إلا فضح نفسه ، و كشف حقيقة طالما خفيت على الناس !
و لضيق الوقت أكتفي بهذا القدر ، مرجئا بيان ما في تلك الأوراق بتفصيل أكثر ، و مؤخرا له ، إلى فرصة أخرى .
و لما كان الباعث على ما أقدمت عليه إبداء النصح و بيان الحق الذي تحبه النفوس ثم ترويض القلم ، أعتذر للكاتب كائنا من كان ، وأسأل المغفرة لي وله ولجميع المسلمين .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .
سبحانك اللهم و بحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك . و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
و كتبه حامدا لله مصليا على نبيه :
أبو طه محمد محفوظ البحراوي
ضحى الثامن و العشرين من ربيع الثاني عام سبعة عشر و أربعمائة و ألف للهجرة ، على صاحبها أفضل الصلاة و أزكى التسليم .
الحمد لله منطق اللسان بالسحر الحلال ، و جاعل الفصاحة و البلاغة من أحسن الخلال ، و الفهاهة و الغرابة و التعقيد من أقبح الخصال ، و الصلاة و السلام على رسوله الذي أوتي جوامع الكلم ، و على آله و أصحابه الذين فاز محبهم و من المكروه سلم .
أما بعد :
فإني اطلعت على أوراق لبعضهم يدعي فيها أن فعل "ترجم" الرباعي يجوز قراءته بصيغة "تَفَعَّلَ" الخماسي ، مخالفا بذلك ما جاء في كتب اللغة كلها ، قديمها وحديثها ، و عادلا عن سبيل العلم و قويم المنهج ، إلى سواية الجهل و السبيل الأعوج ، مدعيا أن سلوكه ذلك المسلك هو توليد و اجتهاد ، و هو عند ذوي العلم لحن وجهل .
و ما علم أن المولد إنما هو المجتهد في اللغة العربية بجميع فنونها ، و المتصرف فيها تصرفا تاما ، يقدر على إلحاق فروعها بأصولها ، و هو المسمى بالأديب ، و قد ذكر الإمام شهاب الدين الرعيني في مقدمة كتابه "طراز الحلة "أن علوم الأدب ستة ، وهي : اللغة ، و التصريف ، و النحو ، و المعاني ، و البيان ، و البديع . و نقله عنه البغدادي في مقدمة "الخزانة ".
و ما علم هذا "البعض " أن التوليد له أسباب تدعو إليه ، و شروط تصححه .
و لو كان كل من لحن لحنا فاحشا تقبل منه دعوى التوليد ، و أن لحنه له وجه صحيح في اللغة العربية يخرج عليه ، ما عرف في الدنيا مخطئ من مصيب ، و لا جاهل لحان عامي من عالم أديب ! . و ليت شعري ؛ ما فائدة دراسة علوم اللغة العربية ؛ ولا سيما التعليمي منها ؟!! إذا كان المشتغلون بها ، و المهتمون بشأنها ، لا يحسنون تطبيقها ، و لا يسيرون وفق قواعدها في القراءة و الكتابة و الإلقاء ! ، و إنما يسيرون مشرقين حين تسير مغربة !!
سارت مشرقة و سرت مغربا شتان بين مشرق و مغرب .
و الحق أقول إن هذا البعض كان في غنى عن هذا التكلف الذي ما أجداه و لا أفاده ، و إنما ضاره ، و لو رجع إلى كتب اللغة قبل أن يتناول صحيح البخاري ، و لو تعلم طريقة البحث من أفواه الرجال ، أهل العلم المتخصصين ، الذين لهم ذوق لغوي وحس أدبي ، و هم كثر بحمد الله ، فإن للعلماء مقاصد في تآليفهم ، لا يدركها إلا المتخصصون أهل العلم الذين لهم ملكة . و لو فعل ذلك ما احتاج إلى هذا الدفاع ، الذي ما أفاده ، و لا حصل به نفع و لا انتفاع ، زيادة على ما ضاع في ذلك من وقت ومداد ، و فضلا عن تسويده لناصع بياض أوراق عبثا و بغير قصد و لا اعتماد ، شأن أهل التطفل ، و من يقدم على الأمور بلا علم و لا روية ، و لقد أحسن الــشاعر : ( المتنبي )
يرى أنه البصيـــــــــــــــــر بـهــــــذا و هو في العمى ضائع العكاز .
و قال الآخر : ( أبو نواس )
أيها المدعي ولاء سليـــــــــــم لست منهمو و لا قلامة ظفــــــــر .
إنما أنت من سليـــــــم كـــواو ألحقت في الهجــــا ظلمــــا بعمرو .
و ما أحسن قول محمود : " و من لم يتق الله في تنزيله ، فاجترأ على تعاطي تأويله و هو غير معرب ، ركب عمياء ، و خبط خبط عشواء ، و قال ما هو تَقَوُّل و هراء و افتراء " .
و بكل إنصاف ، لا بالتعصب و التعسف و الاعتساف ، أقول : إن تلك الأوراق لا تستحق الالتفات إليها ، فضلا عن قراءتها ، و فضلا عن الاشتغال بها و الاحتفال في شأنها ، و لولا إلحاح بعض الإخوان الكرام ، ما وضعت سوادا في بياض ، و لاستغرقت الوقت الغالي الثمن فيما فيه فائدة ، لا فيما لا يعود بفائدة و لا عائدة .
و لما كانت تلك الأوراق غفلا لا تحمل اسما ، اصطلحت على أن أسميها " رسالة الترجم "، و سميت الرد :
(( بيان العي و التضجم ، الواقعين في رسالة الترجم . ))
و بالله أستعين ، إنه هو المعين .
أقول : أول خطأ يطالعك قوله في الخطبة : "و شرف هذا اللسان العربي بالبيان على كل لسان " .
فقد جعل البيان خاصا باللغة العربية ، و هو خلاف العقل و النقل ؛ أما العقل : فإن كل عاقل يدرك بداهة أن كل لغة تعرب عن قصد صاحبها ، لا فرق في ذلك بين العربية و غيرها ، فالبيان بالعجمية بين العجم ، كالبيان بالعربية بين العرب ، و لا بيان بالعربية عند من يجهلها ، كما هو الشأن في العجمية كذلك .
و أما النقل : فإن القرآن دل على أن البيان يكون بجميع اللغات ، و لا يختص بلغة دون أخرى ، قال تعالى : ﭽ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﭼ سورة إبراهيم: ٤ . وقال تعالى : ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﭼ سورة الرحمن: 3 ـ 4 . فإن الآية الأولى جاءت في مقام الحصر ، و الثانية جاءت في مقام الامتنان ، وكلتاهما مفيدة للمطلوب .
و لم يثبت ما يدل على أن المراد بالإنسان في الآية الثانية إنما هو العربـي فقط .
و البيان : الجمهور على أن المراد به الكلام و الفهم و هو الراجح ، و قيل : بيان الحلال والحرام ، و الهدى و الضلال ، و قيل : الخير و الشر .
و في مجمع البيان : " البيان الكشف عن الشيء و هو أعم من النطق ؛ مختص بالإنسان " .
و في الكشاف : " ثم ذكر ما يتميز به من سائر الحيوان من البيان ، و هو المنطق الفصيح المعبر عما في الضمير ". اهــ .
و لكون البيان لا يختص بالعربية قال : "ثم ذكر ما يتميز به من سائر الحيـــــوان " ، و لم يقل أحد أن البيان من خصائص اللغة العربية ، و لو قالها لرد عليه شاهد العيان ، وصريح العقل ، و صحيح النقل .
و لو اقتصر على أن اللسان العربي هو لغة القرآن - و كفى بذلك شرفا و فخرا ــــ ما وقع في هذا الخطأ و الخطأ الذي بعده ، و هو قولـــه : "و أنه لغة أهل الجنـــان " .
و هذا مبني على حديث واه بل موضوع ، رواه الحاكم في " المستدرك " ، و"المعرفة " ، و العقيلي في " الضعفاء "، و الطبراني و غيرهم .
وفيه عند هؤلاء جميعا :
× العلاء بن عمرو الحنفي ، و هو متروك .
× و يحيى بن يزيد ـــــ كذا ـــ ، و هو ضعيف .
×و ابن جريج مدلس و قد عنعن .
فمثل هذا يقول عنه علماء الحديث : إسناده مظلم !.
و متابعة محمد بن الفضل لا تنفع لكونه متهما بالكذب ، و المتابع متروك . ولذا قال الحافظ الذهبي : " و أما ابن الفضل فمتهم ، و أظن الحديث موضوعا ".اهـ.
و له شاهد من حديث أبي هريرة ؛ رواه الطبراني في "الأوسط "، و فيه :عبد العزيز بن عمران و هو متروك ، و انظر "الكامل "لابن عدي ، و "مجمع الزوائد ".
و من الأخطاء الواقعة في تلك الرسالة ، قوله :" إن من سنة شراح البخاري أن يقولوا : إن البخاري ترجم لكذا "..الخ .
و وجه كون هذا خطأ ، أن السنة العادة الجارية المطردة ، و الأصل الذي تدور عليه :" جريان الشيء و اطراده في سهولة " ، كما يقول ابن فارس في : "معجم المقاييس ".
و عليه يكون المعنى : عادة شراح البخاري الجارية و المطردة أن يقولوا : "ترجم لكذا .."، و هذا ليس بصحيح ؛ يعلم بطلانه من استقراء شروح البخاري وتصفح أجزائها .
فــ"فتح الباري " ، وهو من أهم شروح البخاري المنشورة و المتداولة ، جاء فيــــه : "ترجم عليه "، و "ترجم به "، و "ترجم له "، كما جاء فيه لفظ الترجمة مضافا إلى المفعول .
وصاحب "عمدة القاري " إنما يذكر "بوب " في الغالب ، وفي النادر يذكر : "ترجم عليه "، و كأنه أراد بذلك مخالفة الحافظ ابن حجر في تعديته ترجم بعدة حروف .
وبتتبع "عمدة القاري "و مقابلته بــ"فتح الباري "يعلم أن "البدر "يقصد مخالفة "الشهاب" ــــ الذي تفوق على البدورـــ متعمدا .
أما العلامة الناصر ابن المنير فقد استعمل :" ترجم عليه" في موضع واحد أو موضعين من "المتواري "، حسبما وصل إليه تصفحي .
و أما صاحب "كوثر المعاني الدراري" الشيخ الشنقيطي ؛ فإنه استعمل : "ترجم به" ، و "ترجم عليه ".
أفمع هذا يصح أن يقال : "إن من سنة شراح البخاري أن يقولوا ترجم له " ؟!! ومن هم هؤلاء من غير شراح البخاري الذين يقولون : "ترجمه "، و "ترجم له "، و تلك سنتهم وعادتهم المطردة ؟!!.
وقوله :" إن المعاجم التي بين يدي ما ذكرت هذا الفعل المتعدي باللام ، وإنما ذكرت المتعدي بنفسه ،و بعن ، بوزن فعلل لاغير " اهـ . من أقوى الأدلة على أن هذا "البعض "يجهل اللغة العربية و مناهج المعاجم ، و لا سيما التمييز بين المتعدي واللازم ، و لو علم أن العرب تستعمل الفعل الواحد متعديا بنفسه تارة ، و بالهمزة أخرى ، و بحرف الجر تارة ، و بدون ذكر متعلق أخرى ، كما أن العلماء يستعملون هذا ، ما قال ما قال !
فمن ذلك "نشر "يقال :نشر الموتى حيوا ، و نشرهم الله أحياهم .
و هذه أمثلة من "القاموس ":
قال في مادة "بكر" :" ابتكر : أدرك أول الخطبة "، فلم يذكر له مفعولا مع أنه متعد . و لو ذكر المفعول لقال : ك ابتكر الخطبة : أدرك أولها .
و قال : "احتطب المطر : قلع أصول الشجرة ". فلم يذكر له مفعولا ، و لو ذكره لقال : : احتطب المطر أصول الشجرة : قلعها .
و كثير من الأئمة لا يفرقون بين المتعدي بنفسه والمتعدي بالحرف توسعا واعتمادا على فهم السامع .
فمن ذلك : "جاء "؛ يستعمل لازما ومتعديا بنفسه وبالحرف ، يقال : جاء زيد : حضر ، و جئت شيئا حسنا : فعلته ، و جئت به : أحضرته معك ، و جئت إليه : ذهبت إليه .
و من ذلك : "أتى "، يقال : أتى الأمر : فعله ، و أتى عليه الدهر : أهلكه ، وأتى الرجل : جاء .
ومن ذلك : "ذهب" ؛ يقال ذهب : سار و مر ، و ذهب في الدين مذهبا : رأى فيه رأيا ، وذهب الشيء : أذهبه ، و ذهب عليه : نسي ، و ذهب عنه : ترك ، و ذهب إليه : توجه .
ومن ذلك : "بحث "؛ يقال : بحثه ، و بحث عنه : فتش ، و بحث في الأرض : حفــرها .
هذه الأمثلة و غيرها من اطلع عليها و علم الدواعي التي دعت إلى فعل ذلك ، علم أن هذا الصنيع لا يدل على أن غيره لا يجوز ، و علم مدى جهل هذا "البعض "بمناهج علماء اللغة في معاجمهم !، و سيأتي بيان ما فعله الحافظ في "الفتح "من تعديته ترجم بنفسه ، و بحروف متعددة في مكان لاحق بحول الله .
و مما جاء في تلك الرسالة : "و في "المعجم الوسيط" : ترجم الكلام بينه ووضحه ، و كلام غيره ، و عنه نقله من لغة إلى أخرى ، و سلك فيه مسلك المرجعين السابقين ؛ إلا أنه زاد ما نحن بصدده ! فقال : ترجم لفلان ذكر ترجمته ، ثم ذكر عقبه رمزا يشير إلى أنه غير عربي ، و إنمــا هــو مولــــــــد... الخ ".
و عليه في هذا القول مؤاخذات :
المؤاخذة الأولى ـــ أنه جعل "المعجم الوسيط" مثل كلام "اللسان "و "القاموس "وبين الكلامين بون شاسع ! قال في "اللسان ": ترجم كلامه : فسره بلسان آخر "، هذا في باب الراء . و في باب التاء : "الترجمان هو الذي يترجم الكلام ، أي : ينقله من لغة إلى أخرى " اهـ كلام "اللسان ".
و في "القاموس "مع "التاج "فصل التاء من باب الميم : "الترجمان المفسر اللسان ، و قد ترجمه عني و ترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر ، و قيل نقله من لغة إلى أخرى " اهـ .
فأنت ترى أن "المعجم الوسيط "يطلق في معنى الترجمة ، ولا يقيد بتفسير لغة بلغة ، ولا بنقل لغة إلى لغة ، بخلاف المعجمين الآخرين !
المؤاخذة الثانية ـــ أن ما هو بصدده إنما هو ترجمة للمسألة و ليس ترجمة للشخص ، فإن تراجم الإمام البخاري هي عناوين المسائل ، و تراجم الأشخاص إنما هي سيرهم ، و لذا يقال : كتب التراجم ، كما يقال : كتب السير ، ولذلك سمى الإمام الذهبي كتابه الفذ في التاريخ "سير أعلام النبلاء" و منه "سيرة النبي e ".
وسيأتي بيان ما تستعمل فيه الترجمة بالأصالة وبالتوليد ، إن شــاء الله تـعـالى .
المؤاخذة الثالثة ـــ أنه جهل مراد "المعجم الوسيط "بالتوليد فراح يخبط ، والتوليد أنـواع : منها الاشتقاق ، ومنها التعريب ، ومنها النحت ، ومنها تحويل الدلالة . و صاحب "المزهر" لما ذكر أمثلة من المولد جره الكلام إلى ذكر أمثلة هذا النوع المرفوض والمردود ، و هو لحن العامة على سبيل الاستطراد . و قد كتب فيه من الأقدمين الكسائي "ما تلحن فيه العامــــــــة "، و الزبيدي الأندلسي "لحن العامة "، و الحريـري "درة الغـــــــــــــــــــــواص "وابن مكي الصقلي "تثقيف اللسان "، والصفدي "تصحيح التصحيف "، و مما كتبه في ذلك بعض المعاصرين "معجم الأخطاء الشائعــــــة "، و "معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة "، و كلاهما لمحمد العدناني ، و"الأخطاء الشائعة "لماجد الصائغ .
إن "ترجم الشخص " إنما هو من تحويل الدلالة ، و هو الباب المطروق و السبيل المسلوك .
وإن تعجب ؛ فأعجب ما استدل به هذا "البعض "على تصويب خطئه ، وأغربه وأطرفه ، أنه جعل "ترجم" على وزن الخماسي من لحن العامة ، الذي هو من المولد المذموم . قال بعدما ذكر أنه لم يظفر ب"ترجم" في المعاجم التي بين يديه على كثرتها و تنوعها : "فما المانع من قبولها ــ يعني ترجم على وزن تفعل ـــ مولدة أيضا ، و قد جاء في "أمالي "ثعلب : سئل عن التغيير فقال : هو كل شيء مولد ، قال السيوطي في "المزهر" : و هذا ضابط حسن يقتضي أن كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة بهمز أو تركه ، أو تسكين أو تحريك ، أو نحو ذلك مولد ، و هذا يجتمع منه شيء كثير ". اهـ.
قلت : قد أصاب في جعل اختياره السيء من لحن العامة ، و أيضا حيث استدل على الخطأ بالخطأ ، لما بين ذلك من مشاكلة ، و أخطأ حيث بنى كلامه واستدلاله على مقدمات كاذبـة لا تــوصــل إلى المطلوب .و لم يدر أن ما اختاره و دافع عنه دفاعا مستميتا هو من لحن العامة ، و من الخطأ المذموم عند أهل العلم باللغة ، و لقد كفى غيره مؤنة الرد فاعجب !.
وهذه هي المؤاخذة الرابعة .
أ هكذا يكون المجتهد المولد؟!. إن هذه الأوراق لأكبر شاهد على عامية مزمنة لا يرجى برؤها و لا علاج صاحبها !!
و قد قدمنا ما كتب في ذم اللحن فلا نعيده .
ومما جاء في تلك الرسالة : "و كتاب "مجمع اللغة العربية "! ينص في صحيفته التاسعة ! أنه قصر همه على اللغة قديمها و حديثها و توسع في المصطلحات ..." قال : "وأقر كثيرا من الألفاظ المولدة و المعربة الحديثة وشدد في هجران الوحشي و الغريب وقد برهنت لجنة "مـجـمـع اللغـــة العربية "على أن باب الاجتهاد مفتوح ، كما هو مفتوح في الفقه و التشريع ! وأن العربية في آن واحد حديثة و قديمة , وقد استعادت في القرن العشرين حياة و حركة لم يؤلفا فيها منذ عدة قرون " إهـ .
هذا الكلام الذي هو محض نقل وقع لناقله فيه أخطاء كثيرة .
الخطأ الأول- قوله : "كتاب مجمع اللغة العربية "فهذا الكتاب لم يوجد , ولا يمكن أن يقرأ ولا تكون له صفحات !!
إن مجمع اللغة العربية جمعية لغوية تأسست في مصر , غرضها خدمة اللغة العربية تتكون من أشخاص وليس من صفحات ! فليس له صفحة تاسعة ولا عاشرة . و الصواب : كتاب "المعجم الوسيط "..الخ , وهو كتـــــــاب أصــــــدره "مجمع اللغة العربية بالقاهرة "!
الخطأ الثاني ــــ قوله :"في صحيفته التاسعة" ! والصحيفة الورقة بصفحتيها ، والصواب : "في الصفحة التاسعة ".
الخطأ الثالث ــ أنه تصرف في الكلام ، و في مثل هذا ينبغي للناقل أن يبين أنه تصرف في الكلام ، ليعلم الواقف عليه أنه لم يبق على تصنيف الأصل ، و أنه قد دخله التغيير ، و كثيرا ما يفسد النقلة الكلام بتصرفهم فيه ، فيحسب من لم يعرف حقيقة الأمر أن ذلك من الأصل . لذا ينبغي أن يتوفر في ا لمتصرف في كلام الناس الشروط المتوفرة في الراوي بالمعنى ، و أين هذا في صاحب الرسالة ؟!!
الخطأ الرابع ــ أنه أبدل لفظ الحوشي بالوحشي مع أن الموجود في "المعجم" الحوشي ، و معناها صحيح كما يعلم من كتب اللغة .
الخطأ الخامس : أن كلام المعجم موجه للمجتهدين أو المتخصصين في اللغة العربية ، ولا مكان فيه للعاميين الذين يجهلون أبجدية اللغة العربية ! .
و الذين باب الاجتهاد مفتوح لهم إنما هم أفذاذ من فرسان اللغة العربية الذين كانوا موجودين في القرن الهجري الماضي ، الذي أسس فيه مجمع اللغة العربية في مصر . أمثال الشيخ احمد فارس الشدياق الذي من آثار أعماله في اللغة العربية "الجاسوس على القاموس "و "الساق على الساق "و "سر الليال في القلب و الإبدال "و "كشف المخبا عن فنون أوروبا "، و أنستاس ماري الكرملي صاحب "نشوء اللغة العربية "، و عبد السلام هارون الذي أثرى المكتبة العربية ، فبلغ إنتاجه فيها ما بين تأليف و تحقيق واحدا وعشرين ومائة ، و بمطالعة القسم الثالث من كتابه القيم "قـطــــــــوف أدبيــــــة "الذي عنونه بعنوان "بيني وبين الشعراء "تتبين مكانة الرجل اللغوية ، و تعلم كيف يكون المولد المجتهد في اللغة !!
و غير هؤلاء كثيرون و فيهم أهل الدرجة العليا و الوسطى و الدنيا المقبولة ، ولا مكان بينهم للعاميين !
على أن التجديد الذي يقوم به "المجمع" هو عمل جماعي ، قام به و عكف عليه نخبة من الناطقين بالضاد ، ألف بينهم وشيجة حب اللغة العربية وخدمتها ، فانصهرت أعمالهم في هذا المعجم و غيره ، و مع ما لأسرة "المجمع" من حنكة و تجربة ميدانية واضطلاع بما يقومون به ، يقبلون النصح إذا قدم لهم و يلتزمون بقبوله ، و إلحاق كل ما يستدرك عليهم في الطبعة اللاحقة ، فعليه أن يعمل بنصح "المجمع" إذا كان حقا يطبق نصيحته ، و يقبل كل ما يقدم إليه من نصح !!
علما أن عمل "المجمع" عمل جماعي ، و مثل هذا العمل له منعة تعصمه من الخطأ ، أو تجعل خطأه أقل ، بخلاف العمل الفردي ؛ فإنه معرض للخطأ والخطل ، و لا سيما إذا كان الفرد ممن يصدق عليه أنه "تزبب قبل أن يتحصرم" !
قوله : "و عليه فلي رأي في أن الكلمة مولدة كانت بتخفيف الجيم أو بتشديدها ، و أؤكد أن المتحدث عنه الفعل المتعدي باللام ....الخ ". فيه بناء باطل على باطل ، و هو مشتمل على أخطاء :
الخـطأ الأول ـــ أنه بنى كلامه على أنه مجتهد في اللغة العربية !ــــ وقد علمت بطلان هذه الدعوى بالبراهين القاطعة و الحجج الدامغة ــــ ،و بنى على هذه الدعوى أن له حق التجديد ، و لو في كلمة واحدة صدرت عنه فلتة على سبيل اللحن ، فلم يجد سبيلا إلى التخلص من عار اللحن و وصمة الجهل بأبسط بسائط قواعد اللغة العربية إلا أن يدعي التوليد !
الخطأ الثــاني : أنه جعل "ترجم" الرباعي مولدا إذا عدي باللام ، و هذا خرق لإجماع علماء اللغة العربية ؛ فإن كل من ذكره منهم إنما عده من اللغة العربية الفصحى ، و بعضهم ــــ و هو الصولي في "أدب الكاتب" ــ جعله مما عربته العرب فصار من صميم لغتها , ولم يذكر أحد أنه مولد . و إلى كونه مما عربته العرب يشير صاحب "التاج" : "وهل هو عربي أم معرب "درغمان "فيه خلاف نقله شيخنا ". اهــ .
و على أنه عربي أصلي فقيل التاء أصلية , وهو ما يقتضي تصرف صاحب "القاموس "حيث ذكره في فصل التاء , وكذلك صاحب "اللسان "حيث ذكره في التاء ، وإن أعاده في الراء , ولم يقل أحد أن ترجم على وزن تفعلل إلا ما فهمه هذا "البعض "من كلام "المعجم الوسيط" : "ترجم لفلان ذكر ترجمته ", وهذا الفهم لم يدر في خلد عضو من أعضاء "المجمع" و لا يمكن أن يكون كذلك .
و قول المعجم : "مو "؛ إنما أراد به تحويل الدلالة ، أي : أن ترجم بمعنى ذكر السيرة إنما استعمله المولدون ولم تعرفه العرب.
و لم يقصد المعجم أن "ترجم للشخص "مولد إذا عدي باللام ، و عربي فصيح إذا عدي بنفسه !
و تحويل الدلالة هو :" إعطاء الكلمة العربية معنى مختلفا عما كان العرب يعرفونه "، و هو أكثر أنواع التوليد استعمالا .
فمن ذلك كلمة "أدب "، معناها الأصلي : حسن الخلق ، و فعل المكارم ، ثم أطلقت على علوم العربية على سبيل التوليد لما بين ذلك من ملابسة و مناسبة .
و من ذلك "المقامة "معناها الأصلي : مكان القيام ، ثم أطلقت على نوع من القصص المسجوع على سبيل التوليد .
و من ذلك "الفعل "و معناه الأصلي : مطلق الحدث ، ثم أطلق على الحدث و الزمان على سبيل التوليد .
ومن ذلك كلمة "نظم" معناها الأصلي جمع اللؤلؤ في سلك , ثم أطلقت على نظم الكلام على سبيل التوليد . وهذا يعبر عنه بالاصطلاح في مقابلة الأصل , يعنون بالاصطلاح المعنى المولد , وبالأصل المعنى اللغوي.
الخطأ الثالث ــــ أنه إنما قدم ما قدم من كلام باطل ليبني عليه أن "ترجم" يصح قراءته بصيغة الخماسي ، و لم يدر أن هذا النوع من التوليد لا يوجب تغيير البنية وإنما يوجب تغيير الدلالة . فاستعمال الترجمة في عنوان المسألة وسيرة الشخص لا يوجب تغير البنية .
ولو سلمنا جدلا أن هذا النوع من التوليد يوجب التغيير لبنية الكلمة لكان بقاؤها على "فعلل" أولى لعدة أوجه :
الأول ــــ كونها أخف , والعرب تختار الأخف .
الثاني ــــ كونها أكثر استعمالا في التوليد.
الثالث ــــ المعاني التي استعملت فيها "ترجم" مناسبة لفعلل لا لتفعل .
وذلك أن الترجمة تكون بمعنى التفسير , و بمعنى العنوان , و بمعنى السيرة , وكلهن فيه معنى الظهور , و "فعلل "هي التي تستعمل في معنى الظهور , لا تفعل , كما نص على ذلك في "معجم المقاييس ". و جاء في "فتح الأقفال" : "السادس : إظهار الشيء كعسلجت الشجر ، و برعمت ، أظهرت عساليجها وبرعمها ".
و من الأدلة على أن الفعل على وزن "فعلل" لا "تفعل "، المصدر الذي هو الترجمة ، و"الفعللة " قياسية في "فعلل "، و قد أجمع كل من تعرض لهذه المادة أن يذكر الترجمة لا الترجّم .
الخطأ الرابع ـــ فهمه التوليد من كون الفعل متعديا بالحرف ، و بنى عليه جواز قراءته بصيغة "تفعل "، و الحق أن كون الفعل يعدى بنفسه تارة وبالحرف مرة أخرى ، يعد تضمينا ، و هو قياسي عند البصريين .
الخطأ الخامس ــــ أن "المعجم الوسيط" إنما ذكر التوليد في "ترجـــم للشخص "، و لم يتعرض لــــ"ترجم للمسألة "، علما أن ترجم للشخص يدخل تحت الترجمة بمعنى السيرة ، و ترجم للمسألة يدخل تحت الترجمة بمعنى العنوان ، فلا يلزم من كون ترجم للشخص مولدا أن يكون ترجم للمسألة مولدا !!.
ومما يضحك الثكلى قوله :"ولي رأي آخر إن لم يتعين فهو أحسن من الأول ؛ أن ترجم على وزن "تفعل "عربية لا مولدة , و توجيه هذا الرأي , أن باب الاجتهاد مفتوح كما نقلت لك , و عليه فيجب أن تحترم السماع , ولكنا لا نقف عليه جامدين إذا وجدنا ما يسوغ القياس , ألا ترى أن النحويين يقولون : أن من الكلام ما كان على : "فعل "فتكسيره على : "أفعل "، ككلب و أكلب ..."، قال : "و ليت شعري ، هل قالوا هذا ليعرف وحده ، أو ليعرف ليقاس عليه غيره ، ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة بل سمعته منفردا ! أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره ، قال : كذلك لو احتجت إلى تكسير عجر ، من قولهم ، و ظيف عجر ، أي : صلب شديد ، كنت تقيسه على يقظ أو أيقــــاظ ، و إن لم تسمع أعجارا ، و كذلك إن كان الماضي ..."اهــ
و فيه أمور :
الأمر الأول : قوله : "إن لم يتعين فهو أحسن من الأول "، يكاد ينادي بإبطال ما أتعب به نفسه !! و قارئ أوراقه ، و ذلك أن الأول الذي دافع عنه ـــ و هو كون ترجم على فعلل أو تفعل مولدا !! كما سبق أن أبطلناه بالحجج الدامغة ــــ انقلب باطلا مرجوعا عنه ، أو ضعيفا مرجوحا !! و بالتالي وقع في تناقض مكشوف ، و ذلك أنه جعل في أول كلامه ترجم على وزن فعلل أو تفعل مولدا إذا عدي باللام ، و فصيحا إذا لم يعد باللام ، و في كلامه الأخير جعل ترجم على وزن تفعل عربية فصيحة سواء عدي باللام أو بغيرها !!.
الأمر الثاني : أنه بنى ذلك اللحن الفاحش على اجتهاده ( المفتوح على مصراعيه ! ) ثم في نفس الكلام يقول : "إنه يجب احترام السماع ". أي معنى لهذا الكلام ؟! . إن احترام السماع معناه أن الكلمة المسموعة من العرب لا يجوز تغييرها بدعوى الاجتهاد ! إذا كان ذلك يؤدي إلى مخالفة كلام العرب ! ثم هو أول من خالف هذا الكلام ، و ناقضه بالكلمة المطروحة ، و هي "ترجّم "حيث أن العرب لم تنطق إلا بترجم بوزن الرباعي ، ثم خالفهم بدعوى الاجتهاد ، فيجوز فيها ترجم بوزن الخماسي ، فاعتبر ! هكذا يكون الاجتهاد و إلا فلا !!
الأمر الثالث : أنه جعل ترجم بصيغة الخماسي ، عربية بعدما جعلها مولدة ! فاعجب .
و نظّر ذلك بجمع "فعل "على "أفعل" ، و هذا مع ما فيه من خبط و خلط غير صحيح ؛ لكذب إحدى مقدمتيه : و المقدمتان اللتان يتألف منهما القياس هما : ترجم بمعنى اتخاذ التراجم ، و كل ما كان بمعنى الاتخاذ يجوز مجيئه على وزن تفعل ، و الصغرى كاذبة قطعا ؛ لأن قوله : "ترجم للشيء" اتخذ له ترجــمة ، كلام باطل ، و من الصواب عاطل ؛ لأن ترجمت للمسألة ليست كتبنيت زيدا ، أي: اتخذه ابنا . و زاد الطين بلة ، و الموضوع فســادا و علة ، أنه جعل ترجم من باب تفعل الذي للتكلف ، مثل : تشجع و تحلم ، إذا تكلف الشجاعة و الحلم .
و بطلان ترجم التي على وزن تفعل للتكلف لا للاتخاذ أمر لا يختلف فيه اثنان ، و لا يتناطح فيه كبشان ، و ما بني عليه باطل أيضا .
الأمر الرابع : أنه جعل قياسه مقدما على السماع ، و هذا من أكبر الأدلة أنه جاهل بضروريات النحو و الصرف التي منها أن السماع مقدم على القياس ، و حيث سمع من العرب ترجم على وزن فعلل لم يبق مجال للاجتهــــاد ؛ إذ الاجتهاد إنما يجوز في موضع لا نص فيه !!
الأمر الخامس : أنه خلط بين القواعد التعليمية و ما هو مركب من النظري والتعليمي ، فإن القواعد التعليمية إنما يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب و إلى الابتعاد من الخطأ ، فإنه لا أحد ممن جاء بعد زمان العرب شافهته العرب و سمع ما تكلمت به .
فلم يسمع من العرب من جاء بعد زمانهم رفع الفاعل و نصب المفعول وجر المجرور بالحرف أو بالإضافة أو غير ذلك .
أما كون المادة الفلانية فيها معنى الاتخاذ فيجوز فيها التفعل فيحتاج إلى تحقيق كون ذلك المعنى في تلك المادة .
و كلمة ترجم التي هي مطروحة للبحث خير مثال ؛ فإن ترجم للشيء ليس فيه معنى الاتخاذ .
و إنما قلنا إنه مركب من النظري و التعليمي ؛ لأن قول القائل إن مادة ( ر ج م ) فيها معنى الاتخاذ يحتاج إلى نظر في المعنى ، فإن صح المعنى صحت المقدمة التي بني عليها الدليل المؤلف من مقدمتين ، وهنا لم يصح المعنى فلم تصح إحدى مقدمتي الدليل ، و هي الصغرى التي هي نظرية محضة ، و الكبرى التي هي تفعل تكون للاتخاذ ، و هي إن كانت صادقة فإن كذب الصغرى ، و هي " أن ترجم فيها معنى الاتخاذ "يمنع صدق النتيجة ، إذ لابد من صدق المقدمتين معا مع باقي الشروط ، إذا علمت هذا علمت بطلان قوله :" إن النحويين يقولون : أن من الكلام ما كان على : "فعل "فتكسيره على : "أفعل "اهــ ، من اللغو الضائع و الكلام الموضوع في غير الموضع المناسب ! ، و أشد منه قوله : "و كذلك لو احتجت إلى تكسير عجر ، من قولهم : وظيف عجر ، أي : صلب شديد ، كنت تقيسه على يقظ أو أيقاظ ، و إن لم تسمع أعجارا "، اهــ.
هذا مع كونه منقولا عن الخصائص فعليه فيه أخطاء لــكونه لم يحسن النقل .
الخطأ الأول : أن فعلا بضم شاذ في الوصف فكان عليه أن يعرف ذلك قبل أن ينقل ما لا يدري ! .
الخطأ الثاني : أن جمع "فعل "الوصف على "أفعال "شاذ ؛ قال سيبويه ، رحمه الله تعالى : "و أما ما كان فعلا فإنه لم يكــسر على ما كسر عليه اسما لقلته في الأسماء ، و لأنه لم يتمكن في الأسماء للتكثير و الكثرة و الجمع كفعل فلما كان كذلك و سهلت فيه الواو و النون و ذلك حذرون وعجلون و يقظون و تدرسون فألزمونه هذا إذا كان فعل و هو أكثر منه قد منع بعضه التكسير نحو : صنعون و رجلون ولم يكسروا الفعل عليه , و إنما صارت الصفة أبعد من المفعول و الفعال ؛ لأن الواو و النون يقدر عليهما في الصفة و لا يقدر عليهما في الأسماء ؛ لأن الأسماء أشد تمكنا في التكسير , وقد كسروا أحرفا منه على أفعال كما كسروا فعلا قالوا : " نجد وأنجاد ويقظ وأيقاظ " اهـــ .
أفمع هذا يصح أن يقال أن عجر يقاس في الجمع على يقظ و إيقاظ ؟!
فإن كان هذا الناقل لكلام ابن جني مجتهدا ؟! فعليه أن يطبق القواعد ويجري على وفقها ، و إن كان مقلدا فتقليد سيبويه أولى ! على أن كلام سيبويه مدعوم بالبراهين والحجج التي مرت على مسامعك ! و لو كان جمعه على "أفعال "شاذا مخالفا للقياس مقيدا بكون الثلاثي اسما . قال في الخلاصة :
"و غير ما أفعل فيها مطرد * من الثلاثي اسما بأفعال يرد"
و قد نص على ذلك سيبويه أيضا .
و لو صح هذا لكان في واد وما نحن فيه في واد . فإن قيل : إن جمع فعل وصفا على أفعال ورد في القرآن فكيف يكون ما ورد في القرآن هو الشاذ المنافي للفصاحة ، لأن الفصاحة شرط للبلاغة ، و القرآن بلغ الدرجة العليا في ذلك ، بل بلغ حد الإعجاز .
وقد أحيا القرآن ألفاظا قد أماتتها العرب فلم تعرف إلا عن طريق القرآن , وهذا من إعجازه أيضا . على أن صاحب "اللسان" نقل عن سيبويه أن أيقاظا عنده جمع يقظ بكسر القاف ؛ لأن فعلا بكسر العين في الصفات أكثر من فعل بضم العين و الله أعلم .
ومن الكلام المثير للسخرية قوله :"ويوصون بإدخال الأجزاء ! كلها تحت الحدود ! وما جرت عادتهم لأن يذكروا الحدود و الأجزاء الداخلة تحتها وهذا مذهب العلماء بلغة العرب ! و ما ينبغي أن يعمل به و يؤخذ به ! فاسلك مع مذهب غير هائب و لا مرتاب !!! "اهــ .
هذا الكلام ينبئك بمستوى صاحبه و يغني عن التعليق عليه ويؤكد لك صحة حجة ما قلناه في غير ما موضع من هذه الرسالة من أن صاحب هذه الأوراق عاميته لا يرجى برؤها !
و نقول : إن اصطلاح الحد و الرسم ، و الجزء و الجزئي و الجزئية ، والكلي والكلية ، اصطلاح يرجع في فهمه إلى علم المنطق ، و إن كان يذكره غير المناطقة ، والحد يطلق على التعريف بالذاتي الشامل للجنس ، والفصل ينقسم إلى تام وناقص ، فما كان الجنس والفصل مجتمعين فيه مرتبين يسمى حدا تاما ، و ما كان بالفصل فقط أو بالجنس مؤخرا عن الفصل يسمى حدا ناقصا ، و الرسم يطلق على التعريف بالخاصة ـــ و هي ما يخص المعرف ويميزه عن غيره كالضاحك بالنسبة للإنسان وينقسم أيضا إلى تام وناقص ، و يلحق به التعريف اللفظي و التعريف بالمثال و التقسيم .
و التعريف بجميع أنواعه إنما هو تمييز الشيء عن غيره فلا يدخل في باب الاستدلال إلا عرضا .
أما الجزء فهو ما تركب منه و من غيره كل ، و ينقسم إلى طبعي ومادي .
و أما الكل فهو ما تركب من أجزاء و هو أيضا طبعي و مادي .
و أما الكلي فهو الشيء الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه كالإنسان فإن تصورك له لا يمنع من صدقة على زيد وعمرو وخالد مثلا ، وهو حقيقي وإضافي ، و تفصيله يعرف من علم المنطق و الوضع !
و الجزئي ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه كمحمد وأحمد وخالد المعينين عند المخاطب .
و الكلية الحكم على كل فرد من أفراد الموضوع الكلي بالمحمول مع الاستقلال مثل ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀﮁ ﭼ .
و الجزئية الحكم على فرد معين بالمحمول مثل : محمد مسافر . وتفاصيل هذا يرجع إليها في كتب المنطق .
إذا علمت هذا علمت معنى قوله : "و يوصون بإدخال الأجزاء كلها تحت الحدود ". فإن كان نقله يكون قد نقل كلاما استعمل في غير اصطلاح أهله . وإن كان اجتهد فيه ! كان دليل صدق ما قلناه ! والمناسب هنا الجزئيات و الكليات أي : و يوصون بإدخال الجزئيات تحت الكليـــــات ؛ أي يدخلون : قام زيد ، أو جلس عمرو ، وانطلق خالد ، مثلا ، تحت كلية : "كل فاعل مرفوع" ، ويدخلون : غلام زيد ، وولد بكر ، وباب الدار ، مثلا ، تحت قاعدة "كل مضاف إليه مجرور ". و "ما جرت عادتهم أن يذكروا المحدود و الأجزاء ". و المناسب الكليات و الجزئيات ، والأجزاء هي أجزاء المعرف الطبعية مثل : الحيوان ؛ فإنه جزء طبعي من حقيقة الإنســــــان ، و مثل الناطق فإنه جزء طبعي من حقيقة الإنسان أيضا ، و كيفما كان الحال فإن هذا الكلام يشتمل على تناقض عريض ، فإنهم ــ على لغته ـــ إذا كانوا يوصون بإدخال الأجزاء تحت المحدود ، لزم أن يوصوا بإدخال الأجزاء تحت الحدود إذ الحدود تدل على المحدود .
فمع ما علمت كيف يصح في عقل العاقل صدق قوله : "يوصون بإدخال الأجزاء تحت المحدود ! و ما جرت عادتهم أن يذكروا الحدود والأجزاء "! . لعله أراد أن يقول أنهم ما جرت عادتهم بذكر جميع الجزئيات من كل قاعدته ، و إنما يكتفون بالقاعدة ؛ إذ هي مستلزمة لجميع جزئياتها على الخلاف في أن دلالتها عليها مطابقة أو التزاما ، اختار ابن السبكي والمحلي الأول . و لا محل للجزء ـــ كالحيوان والناطق للإنسان ـــ هنا ! و انظر ما معنى قوله : "و هذا مذهب العلماء بلغة العرب ! و ما ينبغي أن يعمل عليه ! ويؤخذ به "! و كذلك قوله :" فاسلك مع مذهب غير هائب و لا مرتاب "!!! فاعجب !!!
إذا علمت هذا الذي قدمناه لك مشفوعا بالحجج و مدعما بالبراهيـــــن ، علمت مبلغ بطلان كلام هذا البعض و هو قوله : "و كلمة ترجم من هذا القبيل بلا شك و لا ارتياب ....الخ" كما أنك تتيقن بطلان قوله : "و إذا كانت المعاجم لم تذكر هذه المادة نصا و منطوقا ؛ فقد ذكرت نظيراتها فلا تعد ساكتة عنها..."، و تزداد يقينا أنه لا يفرق بين موضوع المعاجم و موضوع غيرها من كتب العربية ! و من المثير للاستغراب قوله :" فما بال بعض الإخوان يقف جامدا ! مكتوف اليد لا يتقدم ولا يتأخر ! محتجا بالسماع أو عدمه ! أيريد أن يكون أمره مطردا لا ينخرم ! وإذا قال : نعم ، فما فائدة دراسته للقواعد النحوية ! والفقهية!ّ!! و البلاغية ! والعروضية ! و الأصولية !!! وما فائدة ذكر الحدود و الضوابط ! و قد درس ألفية ابن مالك غير ما مرة ! و هي محطة ! لتدريس قواعد نحوية و لغوية ! وصرفية ! جليلة وتحتها جزئيات تتضمنها !!! لأن مذهب ابن مالك معلوم ومتميز بهذا المزج النحوي واللغوي والصرفي ! ينجلي واضحا لمتدبر ألفيته ! وغيرها من المؤلفات في هذا الشأن ! و إذا كنت متأثرا بمذهب ابن مالك ...! الخ "
الذي يفهم من هذا الهذيان الذي يستحيل أن يصدر عمن يعرف ما يخرج من مخه :
"فما بال بعض الإخوان يقف : أي لا ينحني و لا يجلس و لا يضطجع حالة كونه جامدا لا حياة فيه ؛ إذ تلك هي حقيقة الجامد ، ثم حالة كون هذا البعض المتصف بالجمود مكتوف الأيدي ، ذلك الجامد الذي ليس بحي له أيد مكتوفة و مشدودة إلى خلف كتفيه ! ثم حالة كونه لا يتقدم و لا يتأخر ، أي جموده و كتف يديه منعاه من التقدم و التأخر ! هكذا يكون الاجتهاد و التوليد ! وتأويــله حدث عن بطلانه و لا حرج ! ثم حالة كون بعض هؤلاء الإخوان الموصوف بالجمادية و كتف الأيدي وعدم التقدم و التأخر محتجا بالسماع أو عدمه ؛ أي : محتجا بالسماع أو بعدم السماع الشامل للقياس و التوليد و الجهل ! ثم ينكر على هذا البعض من الإخوان الموصوف بما مر بك "أيريد أن يكون أمره مطردا لا ينخرم" أي لا ينبغي لبعض هؤلاء الإخوان ... أن يريد كون أمره ــــ الشامل للتنفس والحركة والأكل والشرب وقضاء الحاجة و غير ذلك من أموره ــــ مطردا و عادة جارية لا تنخرم . ليس في هذا ما ينكر فإن الناس جميعا يحبون أن يكون أمرهم مطردا غير منخرم ومن هذا الذي لا يحب ذلك ؟!!!!
و إن أراد بالأمر ما تعلق باللغة العربية ، فكل مثقف يحب أن يكون حاله في ذلك مطردا وغير منخرم و لا داعي لاستنكار ذلك فاعجب !
"إذا قال : نعم ، فما فائدة دراسته للقواعد النحوية والفقهية والبلاغية والعروضية والأصولية "!!! ( و الطبية و الفلكية و الهندسية ) وإذا تكلفت شرحه لكان المعنى : إذا قال هذا البعض الجامد الذي يحب أن يكون أمره مطردا غير منخرم ، نعم أحب أن يكون أمري مطردا غير منخرم ، خلافا لمن أبى ذلك ، فإنه يسأل سؤالا آخر على سبيل الإنكار ، و هو : "ما فائدة دراسته للقواعد النحوية والفقهية و البلاغية و العروضية و الأصولية "، أي : أن فائدة دراسته للنحو ...لتكون أموره مطردة غير منخرمة ! و أيضا إنما درس النحو ليجعل اللحن توليدا ، و يكون أمره منخرما غير مطرد ! ودرس الفقه والبلاغة والأصول والعروض ليجعل اللحن توليدا ! وليكون أمره منخرما غير مطرد ! هذا هو المعنى المناسب لهذا المولد !!! و إلا فأي علاقة للنحو بالتوليـــد ؟! بله الفقه والأصول والبلاغة والعروض !! و لو سن لمثل هذا جائزة تسجيل الرقم القياسي في الخلط و الخبط لكان ذلك مستحسنا !
ومن الإغراق في اللغو :" ولقد درس ألفية ابن مالك غير ما مرة ، وهي محطة لدراسة قواعد نحوية ...الخ ، ومن أين له أن الألفية محطة لدراسة قواعد اللغة العربية ؟! و ما علاقة الألفية التي هي كتاب صغير في قواعد النحو التعليمية ، يتعلم منه المبتدئ و الشادي قواعد تعصمه من اللحن في التعبير و الكتابة و القراءة ، بما ذكر . أما التوليد و الاجتهاد في اللغة فشيء آخر ! فهي مختصر نافع و منفذ يسلك منه طلاب علم العربية إلى المطولات وهو نافع للأذكياء ! و المتوسطين ! أما البله فلم يعرفوا الغاية من دراسة الألفية ، و لم يتصوروا موضوعها ، فافهم !
و يفهم من كلامه أن اجتهاده الذي وصله إلى توليد ترجم على وزن تفعل إنما بلغ إليه بدراسته لألفية ابن مالك المشتملة على قواعد نحوية و صرفية و لغوية !
و لقد ستر الله هذا الكاتب فأبى إلا فضح نفسه ، و كشف حقيقة طالما خفيت على الناس !
و لضيق الوقت أكتفي بهذا القدر ، مرجئا بيان ما في تلك الأوراق بتفصيل أكثر ، و مؤخرا له ، إلى فرصة أخرى .
و لما كان الباعث على ما أقدمت عليه إبداء النصح و بيان الحق الذي تحبه النفوس ثم ترويض القلم ، أعتذر للكاتب كائنا من كان ، وأسأل المغفرة لي وله ولجميع المسلمين .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .
سبحانك اللهم و بحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك . و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
و كتبه حامدا لله مصليا على نبيه :
أبو طه محمد محفوظ البحراوي
ضحى الثامن و العشرين من ربيع الثاني عام سبعة عشر و أربعمائة و ألف للهجرة ، على صاحبها أفضل الصلاة و أزكى التسليم .