ملتقى أهل الحديث

ملتقى أهل الحديث (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/index.php)
-   استراحة الملتقى (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/forumdisplay.php?f=13)
-   -   نصيحة لمن ابتلي بالتكفير (https://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=384282)

محمود بن أحمد الزويد 21-12-19 07:25 PM

نصيحة لمن ابتلي بالتكفير
 
روى البيهقي: سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال اشهد عليَّ أنَّي لا أُكفِّرُ أحداً من أهل القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما كلُّه اختلاف العبارات.

قلت(الذهبي): وبنحوِ هذا أدين.
وكذا شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) فمن لازم الصلوات فهو مسلم.

سير أعلام النبلاء، (86/15)

فؤاد سليم 19-01-20 06:34 PM

رد: نصيحة لمن ابتلي بالتكفير
 
بيان التّقرير أنّ النّصيحة لِمَنْ ابتُلِيَ بالغلو في التّكفير لا لِمَنْ ابتُلِيَ بالتّكفير:

لطالما تردّدت في التّعقيب على النّصيحة أعلاه المتوجّهة لمن ابتلي بالتّكفير، لظنّي أنّ غيري سيعفيني ويريحني ، لكن لمّا طال الظنّ ، وكادت تنسيني أحداث الزّمن ، أسعفت بهذا البيان ، الذي تقرّر في فقرات مرقّمة كعنوان ، وربّك الرّحمن المستعان .
1) - جميل أن نقوم بواجب النّصيحة ، وأجمل منه أن يتقبّل المنصوح ما هو حقّ له من هذا النّصح الممنوح له قربانا ، والأجمل من ذلك كلّه أن تصفو النّصيحة من التّدليس أو سوء الفهم أو تغيير المسار، فتصيب الحقّ وتتبوّأ مكانتها ويتحقّق المراد ، فيكتمل نصاب العطاء ويرتاح النّاصح ويفرح المنصوح .
2) - إذا كان التّكفير شرّا وابتلاء يستدعي النّصيحة لمن وقع فيه ، فإنّه يكون خيرا وبلاء يستدعي النّصيحة لمن هجره وقلاه سواء بسواء ، وذلك إذا كان التّكفير حقّا شرعيّا مستوفى الشّروط والأركان . فالتّكفير إبتلاء ، والإبتلاء يكون بالشّر والخير، قال تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [الأنبياء: 35] . ولهذا قال ابن أبي العزّ الحنفي : واعلم - رحمك الله وإيّانا - أنّ باب التكفير وعدم التكفير، باب عظُمت الفتنة والمحنة فيه ، وكثر فيه الافتراق ، وتشتّتت فيه الأهواء والآراء ، وتعارضت فيه دلائلهم . كذا في شرح العقيدة الطحّاوية ص316 . فتأمّل كيف قابل التّكفير بترك التّكفير وجمعهما في باب الفتنة والمحنة واستعظم ذلك .
3) - ما نقله البيهقي عن الأشعري أنّه قال : " اشهد عليّ أنّي لا أكفّر أحدا من أهل القبلة ، لأنّ الكلّ يشيرون إلى معبود واحد ، وإنّما هذا كلّه اختلاف العبارات " . وكذلك في تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص149 ، لا يُنتزع منه تعطيل التّكفير، فإنّه من المعلوم أنّ هذا الشّيخ بعد تخلّيه عن فكر الاعتزال ، قد طلع على منبر الجامع بالبصرة بعد صلاة الجمعة ومعه شريط شدّه في وسطه ثمّ قطعه وقال : " اشهدوا عليّ أنّي كنت على غير دين الإِسلام وإنّي قد أسلمت السّاعة وإِنّي تائب ممّا كنت فيه من القول بالاعتزال ثمّ نزل " ، كما في تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص40 ، وهذه شهادة على نفسه بالكفر فيما سلف من حياته التي ظنّ فيها أنّه مسلم ، وأنّ المعتزلة الذين اتّبعهم مدّة أربعين سنة كانوا في نظره كفّارا ، حتّى إنّه لعنهم في حال نزعه . فإن نازع أحدهم في هذا فنفى عنه صحّة تكفيره المعتزلة أو رجم التّكفير بالإحتمال ، فإنّه لا يمكن أن ينازع في كون هذا الأشعري له شروط في باب التّكفير يتصوّرها وفق مبادئه وهي النّواة التي يرتكز عليها مذهبه ، ومن المكابرة أن ينفي وجود ردّة في الدّين .
4) - ما نقله الذّهبي عن شيخه ابن تيميّة من أنّه في أواخر أيّامه يقول : أنا لا أكفّر أحدا من الأمّة ، ويقول : قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : «لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» فمن لازم الصّلوات بوضوء فهو مسلم . كما في سير أعلام النبلاء ج15 ص88 . أكّده ابن تيميّة بنفسه في مواضع من فتاويه كقوله : وهذا يبيّن أنّ عامّة أهل الصّلاة مؤمنون بالله ورسوله ؛ وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته ؛ إلّا من كان منافقا يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرّسول ؛ فهذا ليس بمؤمن . وكلّ من أظهر الإسلام ولم يكن منافقا فهو مؤمن ، له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك وهو ممّن يخرج من النّار ولو كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان ، ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصّفات والقدر على اختلاف عقائدهم . انظر مجموع الفتاوى ج5 ص134 و ج5 ص254 . ومثل هذه النّقول لا تعني سدّ باب التّكفير، فإنّ من المشتهر عند أحباب الشّيخ قبل خصومه ، تكفيره لخلائق ممّن ينتمون إلى هذه الأمّة ويحافظون على الوضوء ممّن تلبّسوا بكفر كمثل مَن استحلّ المحرّمات ، أو قام به شرك كمن طلب الحوائج من أصحاب القبور، أو ممّن تفوّهوا بمقالات تثبت حلول الخالق في المخلوق أو اتّحادهما في عين واحدة وغير ذلك . وعليه فإنّ المحافظة على الوضوء عنده ، لم يكن يوما مانعا من التّكفير إذا لزم وثبت . ولهذا قال الشّيخ عبد اللّطيف بن الشّيخ عبد الرّحمن بن حسن في الرّد على أوراق أرسلها المُلّا داود : وأمّا قوله : " إنّ الشّيخ أحمد بن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة لا يكفّران أحدا من أهل القبلة ". فيقال : لو عرف هذا مَنْ أهل القبلة في هذا الموضع ، ومَنْ المراد بهذه العبارة ، لما أوردها هنا محتجّا بها على دعاء غير الله ، وعدم تكفير فاعله ؟! ومن أعرض عن كلام أهل العلم ورأى أنّ من صلّى وقال : لا إله إلا الله ، فهو من أهل القبلة - وإن ظهر منه من الشّرك والتّرك لدين الإسلام ما ظهر- فقد نادى على نفسه بالجهالة والضّلالة ، وكشف عن حاصله من العلم والدّين بهذه المقالة . وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله قول القائل : لا نكفّر أهل الذنوب ، وهذا يزعم أنّه على مذهب الإمام أحمد ، ومقصود من قالها : إنّما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفّرون بمجرّد الذنوب ، وهذا وضع كلامهم في غير موضعه ، وأزال بهجته ، لأنّه تأوّله في أهل الشرك ودعاء الصالحين ، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال هذا من السّلف . وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله وسنة رسوله ، وبإجماع أهل العلم ، وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب بابا مستقلا في هذه المسألة ، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة ، وقرّروا من المكفّرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه ، وجزموا بأنّ العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه ودعائمه العظام ، لا بمجرّد القول والصّلاة ، مع الإصرار على المنافي ، وهذا يعرفه صغار الطلبة ، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم ، فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب ، فالدّعوى عريضة والعجز ظاهر. انظر الدّرر السّنيّة ج12 ص192-193.
5) - إنّ من لم يكفّر المشركين فهو كافر، لأنّه لم يفرّق بين التّوحيد و الشّرك وهذا واضح وللّه الحمد ، وديننا دين الفرقان . وهذا المناط لا يوجد فيه خلاف البتّة عند جميع المسلمين خواصهم وعوامهم ، لأنّ هذا الأمر متعلّق بفهم حقيقة الإسلام وهو داخل في الكفر بالطاغوت ، فمِنَ الكفر بالطاغوت تكفير أهله لا الحكم بإسلامهم ، فمن حكم بإسلامهم فقد والاهم وصحّح مذهبهم ومن كفّرهم فقد تبرّأ منهم وأبطل مذهبهم ، وكلّ من لم يكفّر مشركا أو شكّ في كفره فهو كافر، كما جاء في نواقض الإسلام .
6) - إنّ من العدل في النّصيحة إن لزم استقرارها وضمان استمرارها أن تتوجّه لمن ابتلي بالغلوّ في التكفير ، وقد أجمع علماء أهل السنّة على كون مذهب الغلو في التكفير مذهب بدعي ضال والغلوّ في التّكفير هو مجاوزة الحدّ الشرعي فيه ، فيلحق التّكفير من ليس بكافر شرعا كمن لم يكن فعله أو قوله صريحا بل كان محتملا للكفر وعدمه كما في المسائل الخفيّة . وكما أنّ من الغلوّ مجاوزة الحد الطبيعي في الزيادة فكذلك في النّقص وهذا ما لم يتفطّن إليه كثير منهم إذ أنكروا على المغالين الزّيادة وأوقعوا أنفسهم من جهة النّقص فيه ، فإنّه في حال النّقص يسمّى غلوّا أيضا ، وهذا إذا بالغ في النّقص ، فيقال : غلا في النّقص . قال بعضهم : " كِلا طرفي قصد الأمور ذميمُ ".
7) - لو ضمن لأحدهم نزاهة الإستقراء وصدق سيرورة سبر الآراء لتبيّن له أنّ الشّريحة التي ابتليت بعدم التّكفير في هذه الأيّام هي الأوسع مجالا والأكثر جرما في خفاء ، ولئن وزن بالقسطاس المستقيم لأدرك مقدار حجم تورّط العلماء والمشائخ في هذه القضيّة ، فلقد نامت في حجورهم هذه العقيدة دون أن يصاحب أنفاسها شخير، بل لعلّها قد ماتت عندهم من دون أن يصرّحوا بالدّفن خوفا من الفضيحة . وكلّما جاء من يوقضها أو يبعثها من جديد ، تحايلوا عليه وتآمروا ضدّه ، واتّهموه بأسوأ الأوصاف ، وقذفوه بأبشع الألفاظ ، ونزعوا منه برنس الوسطيّة ، وألبسوه عمامة التشدّد وعباءة الوهّابيّة ، ووشوا به إلى جهات معنيّة تعبد سلطة بشريّة .
8) - إنّ التّكفير من أصول الشّرائع والأديان ، ولا يتصوّر دين أو شريعة تخلو من تكفير ، فهو صمّام أمان يضبط المعالم والحدود ، ويحدّد الهويّة الشّخصيّة من جهة العبادة للمعبود ، ويغرس الموالاة بين الأتباع والجنود ، فلا يبقى الأمر بعد ذلك سبهللا غير محمود ، ولا يتميّع الدّين فيصير ألعوبة بين يدي كلّ دعيّ وكنود ، يدخل متى شاء ويخرج متى أراد دون رادع أو وازع ، فلا حصانة لاستمراريّة الإلتزام بالعهد ولا مكانة لعمليّة النّقض في قانون الجزاء ، ويستوي مَن لم يؤدّي الشّهادة لربّه ولم يعط العهد لمولاه بمَن أدّى وأعطى ثمّ نكث أو غدر. وإذا كانت الدّول حريصة على الهويّة الوطنيّة ومتشدّدة في اشتراط الجنسيّة وضابطة لتأشيرة العبور على جوازات السّفر حماية لوحدة شعبها وترابها ، فكيف بالمسلمين وهم أولى بضبط الهويّة الشّرعيّة ؟! قال تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [التّغابن: 2] ، فانظر كيف قسّم الخلائق بعد خلقهم إلى مَنْ يدين بدين الكفر، ومَنْ يدين بدين الإسلام ، من باب مقابلة الحال بالحال للتّدبّر والإعتبار، وهذه هي القسمة الشّرعيّة الواجب العمل بأحكامها عند مَن يؤمن بربّه ، والتي تحدّد صفة مَنْ استجاب لدين الخالق ممّن أعرض عنه ، وإلّا فقل لي ما فائدة هذا الخبر ؟! وأشار قوله تعالى : { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } إلى النّظر في دائرة العمل ، ومِنه القول والتّرك ، لأنّ العمل هو الذي يحدّد مقياس الإستجابة أو مدى الإعراض ، فما أبعد من ظنّ أنّ الإيمان قول دون عمل ، أو أنّ الكفر لا يقع إلّا بجحود !
9) - إنّ المؤمن كيّس فطن ، ومن الكياسة والفطانة ألّا يلهث وراء خبر لا يدري ماذا يريد به صاحبه ، وما مآله وما علاقته من الجانب السّلبي أو الإيجابي في الشّريعة ، حتّى إذا خضخضه بالتّوازنات ، وحصحص له الحقّ فيما تناوله من الدّراسات ، وأسفر له صبح ما عالجه من المحتملات ، مضى في ما وافق الشّرع ولو خالف مَن خالف . وأمّا سوى هذا فإنّي أخاف عليه زخرف الشّياطين ، والجهل الذي ينازع علم اليقين .
والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين .


الساعة الآن 02:11 AM.

vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.