عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 01-02-10, 12:26 PM
خزانة الأدب خزانة الأدب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-10-04
المشاركات: 1,923
افتراضي رد: [ هل تصح نسبة كتاب فتوح الشام للواقدي أم لا ]

الأخ الفاضل (خالد بن عمر) - وفقه الله - لم يستجب لطلبي بأن يقرأ بضع صفحات من أول الكتاب، بدعوى أن الطبعة سقيمة.
ولم يقتنع بما ذكرتُه من أن أهل الشأن يعتبرونه منحولاً، ولا بأن نصوص الكتاب وأشعاره وأسماء رجاله تدل على انتحاله!
وإنما نشط للقول بأن (إجابتي غير شافية وطريقتي غير جيدة)، وأن كلامي مراسيل ، وأن (نسبة الكتاب إلى الواقدي مشهورة ولم أر أدلة من ينفي صحته لأتحقق من صحتها ، فلا بد لمن أراد أن ينقض القول بصحة نسبته إلي الواقدي أن يظهر أدلته - إن كانت موجودة - سواء كانت بالإحالة إلى كلام من يقلده ، أو بالأدلة التي ظهرت له هو ، لا أن يطلب من معارضه أن يبحث عنها)، ... إلخ.
وذهب يطلب النقول لتصحيح الكتاب.
مع أن الأخ الكريم يقرِّر أنه جديد على الموضوع، وأنه لم يسمع بالشكّ فيه إلا بعد كتابة مشاركته.

وقد كان المنهج العلمي يقتضي أن يطالبني بإثبات دعوى أن الشك في الكتاب هو المستقر لدى أهل الاختصاص. وهو بالخيار بعد ذلك: إما أن يقبل برأيهم، أو يشمِّر عن السواعد لإثبات صحة الكتاب، وأضعف الإيمان يقرأ بضع صفحات منه قراءة نقدية!
أما أن يكون رأيه - وهو الجديد على الموضوع - هو الأصل، وأكون أنا المطالَب بإثبات العكس، فهذا هو الأسلوب غير العلمي.

وحقُّه أن أوضِّح له رأي أهل الصناعة في الكتاب، وأن الذي يقول بصحَّته هو الذي يسير على عكس التيار.
فإليك طائفة من أقوالهم:
• فناشره المستشرق ناسوليس كتب على غلاف الكتب (Commonly ascribed to Al-Waqidi)، أي الذي جرت العادة بنسبته إلى الواقدي. وأكد في مقدمة التحقيق (ص xiii) أن الكتاب ليس له، مشيراً إلى أن المستشرق همكر قد وصل إلى نفس النتيجة في شأن الكتاب الآخر (فتوح مصر)، ورجَّح أن يكون فتوح الشام قد نسب إلى الواقدي بواسطة ناسخ جاهل قدبم، خطأً لا عمداً، قبل أن تنتشر نسخ الكتاب. ورأي المستشرق هذا غير صحيح، لأسباب كثيرة، منها أنه لا يفسِّر كثرة كتب الفتوح المنحولة للواقدي، وأنها من جنس واحد!
• ولم أستطع قراءة مقدمة المستشرق همكر لكتاب فتوح مصر، لأنها باللاتينية، وفحواها كما تقدَّم، إلا قوله على الغلاف (vulgo adscriptus)، وتعني نفس معنى الشك في النسبة.
• وقال المستشرق بتلر في (فتح العرب لمصر)، ص 33 (وأما تلك الكتب التي تحمل اسمه، مثل فتوح مصر، فإنها تنسب إليه خطأً، ولكنها في العادة تنسب إلى اسمه تسهيلاً في القول، بدل أن يقال: المدَّعى بأنه الواقدي).
• وقال المستشرق جونز في مقدمة كتاب المغازي 16 (أما فتوح الشام وفتوح العراق فقد فقدا ولم يعثر على أثر لهما. وما يتداوله الناس اليوم باسم فتوح الشام وفتوح العراق وغيرها ليست له، إذ إنها متأخرة عنه. وقد نقل البلاذري في فتوح البلدان كثيراً عن الواقدي‏، ولا عجب في ذلك، فقد كان من تلاميذ ابن سعد كاتب الواقدي‏. وكذلك نجد كثيراً من هذه النقول عند الطبري وابن كثير).
• وقال الخير الزركلي في الأعلام 6 / 311 (وينسب إليه كتاب فتوح الشام، وأكثره مما لا تصح نسبته إليه). ولا يخفى أن قوله (أكثره) هو للاحتراس لا غير، وليس معناه أن جزءاً من الكتاب ثابت النسبة إليه. وقال في ترجمة جورج سيل 3 / 150 (وفي دائرة المعارف البريطانية: مما يؤسف له كثرة اعتماده في تأليف كتابه، على مخطوطة من كتاب فتوح الشام المنسوب للواقدي، وهو أقرب إلى أن يكون قصة خيالية من أن يكون تاريخا).
• وقال سزكين 1 / 2 / 104 (ولا بد من دراسة عميقة لمعرفة أصالة كل مخطوطات كتب الفتوح التي وصلت إلينا للواقدي)، وقال عن فتوح البهنسا (المرجح أن مؤلفه هو أبو الحسن البكري).
• وقال الدكتور شاكر مصطفى في كتاب التاريخ العربي والمؤرخون 1 / 164 في سياق تعداد مصنفاته (كتب الفتوح: فتوح الشام وفتوح العراق، وفي نسبتها إليه كثير من الشك ... ويلاحظ على هذه الكتب أنها تحمل الطابع الأسطوري الذي لا يعرفه الواقدي، كما أن فيها إشارات إلى شخصيات من القرن السادس والسابع (سيدي أبو مدين - سيدي أبو الحجاج الأقصري)، مما يكاد يجزم [كذا] بأن هذه الكتب - في حالتها التي وصلت إلينا بها على الأقل - ليست للواقدي، وقد دخلتها الأسطورة في الغالب بعد القرن السابع الهجري).
• وورد مثل هذا القول في كتاب (المؤرخون والتأريخ عند العرب ) للمدعو محمد ترحيني، ولكنه مسروق من كتاب شاكر مصطفى!
• وكذلك كلام أحمد تمام أعلاه، فهو مسروق من كتاب شاكر مصطفى!
• وقال الأستاذ المحقِّق إبراهيم الأبياري في مقدمة فتوح مصر لابن عبدالحكم (ويرى بعض المؤرخين المحققين أن الكتاب الأصلي [فتوح مصر] للواقدي قد ضاع، وأن المطبوع منسوب إليه خطأ. ولهؤلاء المحققين في دعواهم أدلة كثيرة مقبولة)
• وورد في مقالة عن كتب الفتوح في مجلة التاريخ العربي (له العديد من الكتب المتعلقة بالفتوح، وكثير مما طبع منها كتب أسطورية لا تصح نسبتها للواقدي، وإن كان من المتوقع أن كتبه الأصلية ربما لا يزال بعضها موجوداً ضمن المخطوطات المحفوظة في المكتبات لكنها لم تر العناية الدقيقة من الباحثين. كما أن المخطوط منها لا يتفق بعضها مع بعض في الغالب، وإن اتفقت في التسمية، مما يدل على استخدام القصاص لاسم الواقدي ونسبة أساطيرهم وما اخترعوه من روايات إليه، وبالتالي ضياع كتبه الأصلية أمام هذا الكم الهائل مما نسب إليه ... من هذه الكتب المنسوبة للواقدي: فتوح إفريقية - فتوح الإسلام لبلاد العجم وخراسان - فتوح البهنسا - فتوح الشام - فتوح العراق والعجم - فتوح الجزيرة والخابور وديار بكر - فتوح مصر - فتح منف والإسكندرية). وقال (فما ورد من حكايات وأشعار في ما نسب للواقدي من كتب الفتوح يعد في إجماله من الشعر المنحول). وقال عن فتوح الشام (طبع الكتاب طبعات مختلفة، أقدمها طبعة شركة الهند الشرقية، كلكتا، 1854 م؛ كما طبع في القاهرة 1978 م، و 1891 م، و 1895 م، و 1912 م، و 1929 م، و 1935 م. ومن هذه الطبعات طبعة بيروت عن دار الجيل. ويشك كثير من الباحثين في نسبة الكتاب للمؤلف. راجع، صالحية، المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع، ج 5، ص. 324).
• وقال الأستاذ أحمد الإسكندري في نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان، بمجلة المنار (ومن الأمور التي لم يتحرَّ فيها المؤلف الحقيقة والصواب قوله في في تعداد كتب الواقدي: 2 - كتاب فتوح الشام : هو أشبه بالقصص منه بالتاريخ؛ لما حواه من التفاصيل والمبالغات ؛ لكنه مؤسس على الحقيقة . وفيه حقائق لا توجد في سواه من كتب الفتوح ... وأكثر كتبه محشوة بالمبالغات لا يُعول عليها ، وفي مجلة المشرق البيروتية مقالة انتقادية في الواقدي ومؤلفاته. أقول : إني لم أطلع على مجلة المشرق ولا على انتقادها ، ولكن الأمر لا يجهله من له أدنى إلمام بتمييز كتابات العصور المختلفة أو بالتاريخ أن كتب المغازي التي تطبع في مصر من مثل فتوح الشام ومصر والبهنسا وفتح خيبر وفتح مكة ، ورأس الغول ونحوها ـ هي من الكتب الموضوعة الخيالية المشتملة على بعض حقائق تاريخية ، والأقرب أنها وضعت هي وقصة عنترة و ذات الهمة وغيرها زمن الحروب الصليبية ؛ لتغرس في الناس فضيلة الشجاعة والاقتداء بالسلف الصالح ، لا أنها هي نفس كتب الواقدي الحقيقية ، وإن الذين سموها بهذه الأسماء هم جماعة الوراقين والنساخين ؛ لترويج سلعهم عند القراء ، كما نسب مؤلف قصة عنترة وروايتها إلى الأصمعي ، وزعم أنه عمر وأدرك الجاهلية وقابل شيبوبًا أخا عنترة ، وإني لأخجل أن أرى مثل مؤلفنا قد انخدع بهذا الباطل ، وطوح به الأمر أن قال في كتب الواقدي أبي التاريخ : إنها محشوة بالمبالغات لا يعول عليها ، وليت شعري على من نعول في تاريخ الفتوح إذا لم نعول عليه وهذا ابن سعد كاتب الواقدي وتلميذه نقل عنه أكثر أخبار الفتوح في كتابه الكبير طبقات ابن سعد ، البالغ بضعة عشر مجلدًا ، وهو أصح كتاب في طبقات الصحابة . على أن المؤلف لو راجع عبارة بعض هذه الكتب المنحولة للواقدي وبعض الكتب الأخرى الصحيحة النسبة إليه كفتح إفريقية وفتح العجم ؛ لميز بين الصحيح والموضوع ، ولكن قاتل الله العجلة ، وخاصة العجلة في التأليف). فالناقد والمنقود متفقان على أن كتب الفتوح منحولة للواقدي، والإسكندري يدافع عن الواقدي لأنه يظن أن زيدان يطعن فيه.
إلى غير ذلك من أقوال المؤرخين.

وهؤلاء المشكِّكون في صحة الكتاب علماء معتبرون، وقد قرأوا الكتاب قراءة نقدية، ونظروا في أسانيده ومتونه ورجاله وأسلوبه، على ضوء المصادر الوثيقة، كالمغازي للواقدي، والطبقات لتلميذه ابن سعد، وفتوح الشام للأزدي، والفتوح لابن أعثم، وفتوح البلدان للبلاذري، وتاريخ الطبري، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ حلب لابن العديم، ومعجم البلدان لياقوت، والاكتفاء للكلاعي، وتواريخ الصحابة لابن عبدالبر وابن الأثير وابن حجر، وغيرها كثير.
وهم أعرف الناس باختلاف المخطوطات والمطبوعات، لو كان في ذلك مسوِّغ لتصحيح الكتاب.

وأما نقول الزيلعي والسبكي و ابن الهمام فهي نقول متأخرة، بعد أن وُجد الكتاب منسوباً للواقدي. وتواريخ النُّسخ تدل على وجوده في العصر المملوكي بيقين.
وتحسن الإشارة إلى أن نقل الزيلعي موجود في الكتاب (الطبعة الأوربية) بنفس السند، وقد يكون وقع الاختصار في طبعة بيروت نقلاً عن الطبعات المصرية القديمة.
بقي ابن النديم وابن عساكر: فابن النديم لم ينقل من الكتاب الموجود، بل ذكر الكتاب الأصلي باسمه. ونقول ابن عساكر الثلاثة لا توجد في الكتاب الذي يدور عليه الكلام! وظاهر أنه كان ينقل من الكتاب الأصلي الذي ذكره ابن النديم، وما أحرى كتاباً في فتوح الشام لمثل الواقدي لم يعرفه مثل ابن عساكر أن يكون منحولاً .

وأختم القول بنص من خاتمة الكتاب، وقد وقعت عليه عرضاً من غير تفتيش:
قال الواقدي‏:‏ حدثنا حامد بن المزيد، عن أبي صالح، عن ابن نوفل المرادي‏، قال‏:‏ كان بمدينة البهنسا أربعمائة بقّال حين فتحها يبيعون البقل وغيره. وكانت مدينة عظيمة، فلما وقع بين بني أمية وبني هاشم ما وقع أخرجوا منها جماعة واختلّ أكثرها‏.‏ قال‏:‏ وتسلسل إليها جماعة من العربان حتى جاء الحسن وإخوته في خلافة بني العباس فعمر جامعًا وأكثر من الزوايا والربط وأقام بها حتى مات‏.‏
الواقدي وُلد سنة 130، ولكنه يروي ما وقع في أيامه بسند فيه ثلاثة رجال!
وحقّ ابن نوفل المرادي أن يكون من الصحابة، ولكنه يروي للواقدي بالوسائط الكثيرة ما وقع بعد قيام دولة بني العباس بزمن لعله غير قليل!
ومن الواضح أن الكتاب لم تُختصر أسانيده، بل هو مليء بالأسانيد المظلمة!
إلا أن يقال: كلام ابن نوفل ينتهي بعبارة (يبيعون البقل وغيره)، وبقية الكلام للواقدي. وهذا لا يزيل الإشكال، لأن النص يتضمن أن العربان تسلسلوا إلى مصر، إلى أن جاء (الحسن وإخوته)، وأكثر الزوايا والأربطة، إلى أن مات بها. ولم أحرِّر من هو الحسن، ولكن السياق والألفاظ تدل على أنه كان بعد عصر الواقدي بكثير!
ويكاد الكتاب كله يكون على هذه الشاكلة!
فالشكّ فيه - كما ترى - يقوم على أسس قوية.
__________________
أستاذ جامعي (سابق)
رد مع اقتباس