عرض مشاركة واحدة
  #61  
قديم 08-08-15, 05:39 AM
أبو معاوية البيروتي أبو معاوية البيروتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-08
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,798
افتراضي رد: وقائع عن ولاية بيروت وسكّانها قبل مئة عام ( سنة 1328 هـ / 1910 م )

مقتطفات من رسائل المستشرق الروسي كريمسكي عن بيروت المكتوبة بين عامَي 1896 و1898 م


أقام المستشرق الروسي أغاتانغيل كريمسكي ( 1871 – 1941 م ) في بيروت وجبل لبنان في الفترة الممتدة ما بين أواخر عام 1896 وأواسط 1898 م، ودوّن مشاهداته وانطباعاته في رسائل وجّهها إلى عائلته في روسيا، وقد طُبِعَ كثيرٌ من رسائله في موسكو عام 1973 م ، وتُرْجِمَت إلى العربية وانتُقِي منها، وأصدرها د. مسعود ضاهر في كتاب ((بيروت وجبل لبنان على مشارف القرن العشرين)) المطبوع في دار المدى / بيروت عام 1985 م ، وقد قرأته واقتطفتُ منه بعض الفقرات:

1 – متسوِّلو بيروت – في الواقع – على جانب كبير من البراعة، أعرف اثنين منهم يرابطان على قارعة الطريق، حتى إذا مررتُ بهما ألقيا برأسهما إلى الخلف كأنهما على وشك الموت، تجحظ العينان وتحدِّقان إلى السماء، وتضرب إحدى اليدين الصدر، أما الأخرى فممدودة لطلب الصدقة، والشفتان تتمتمان دون انقطاع: ((الله يخلّيك)). كنتُ في السابق أشفق عليهما، أما الآن فقد توقفتُ عن إعطائهما شيئاً. ثمّة متسولون أسوأ؛ أولئك الذين إذا لم تناولهم نقوداً تظاهروا بالهستيريا، وأنا أهرب منهم هربي من الطاعون، يتظاهر أحدهم بالجنون دون أن ينسى جميع أعياد الطوائف، ففي أعياد الكاثوليك يحمل صورة البابا، وفي أعياد الأرثوذكس يحمل صورة القيصر نيقولا الثاني .

2 – بيروت في 13 - 14 حزيران 1897 م : كلب مسعور عضَّ أكثر من عشرين شخصاً في بيروت، لذلك أمر الوالي - بناءً على نصيحة إحدى الشخصيات المسيحية من عائلة طراد – بتسميم جميع كلاب المدينة، وهكذا نَفَقَ عدد كبير منها تَمَّ رميُها بالبحر، ولكن بعضها استطاع الفرار والاختباء، وقامت النسوة المسلمات بإنقاذ عدد من الكلاب (!!) خُبِّئَت في غرفهنّ – غرف الحريم، وانتشرت جيف الكلاب فانبعثت منها الروائح الكريهة، وتكاثرت الثعالب قرب المدينة ولم تكن تُشاهَد في السابق إلّا في الجبال والقرى النائية، ... كان أحد الكلاب المسعورة قد عضَّ بقرة وأربعة خراف كانت معدَّة للذبح عند أحد الجزارين، ولكي يتلافى اللحّام الخسارة الكبيرة جرَّ تلك الحيوانات الخمسة إلى المسلخ حيث ذبحها وخلط لحمها بلحوم الحيوانات السليمة، ثمّ وزّعها للبيع ببيروت، وعَرَف أحد المواطنين بالأمر صدفة، فانتشر الخبر سريعاً حتى عَمَّ المدينة كلّها، ونظراً لصعوبة تمييز اللحم المريض من السليم حُرِم اللحّامون من بيع غرام واحد من اللحم في بيروت طيلة ثلاثة أيام بالرغم من تخفيض أسعارهم كثيراً، إذ لم يجرؤ أحد على الشراء حتى فسد اللحم وطُرِح به في البحر.

3 – فيما أخطّ هذه الرسالة كنتُ أسمع حديثاً بين الجيران من آل طراد. ثمّة مثل شعبي في بيروت يقول: ((أسرار طرادية))، وتعني تلك التي يتعمّد أصحابها إسماعها للآخرين ... أسرعت السيدة عطايا بالدخول إلى غرفتي وقالت: تذكّرتُ الآن مثلاً شعبيًّا، فخُذْ القلم وسَجِّلْه، يقول المثل: (( ما مقصرو عن الجرد إلّا الحفا ))، ... بالمناسبة أتابع جمع الأمثال الشعبية بدقة، وعندما علم أصدقائي بذلك هبُّوا لمساعدتي في جمع الأمثال.
وقال كريمسكي في رسالة أخرى ( ص 226 ) : ليس من المستبعد أن يحصل عراك بين أهالي بكفيا وأهالي الشوير، إذْ ليس صدفة وجود مَثَل يقول: ((لولا بكفيا والشوير كانت الدنيا بألف خير )).

4 – الشوير في 7 آب 1897 م : تبيّن لي أنّ القرويين في جبال لبنان يملكون رأياً سياسيًّا غريباً، فهم ساذجون جدًّا في الحقيقة، لا يبالون كثيراً بالسياسة، أما في بيروت فأصغر بقَّال – لا بل الفتيان الذين لم يبلغوا السابعة عشرة من عمرهم – يقرأون الصحف بنهم.

5 – حمّانا في 24 – 25 آب 1897 م : ... وصلنا إلى صوفر حيث أقام أغنياء بيروت مركزاً للعبة الروليت، وخصّصوا مبالغ طائلة من المال لبناء فندق كبير، يرتاد المركز أناس كثيرون وبعضهم يخسر كل أمواله في القمار، لكن أغنياء بيروت من آل سرسق وبسترس وغيرهم يرون أنّ ذلك المركز في صوفر لا يؤمِّن لهم كل ما يبغون من الربح، فسَرَت إشاعة تقول إنهم عازمون على تحويل جناح من فندق صوفر إلى بيت للدعارة يجمع الرجال والنساء! وقيل لي أيضاً أنّهم أوصوا على ((نساء)) من مرسيليا وفيينا وغيرهما من مدن أوروبا.

6 – حمّانا في 24 – 25 آب 1897 م : سألتُ صبيًّا عن عمره، فالتفَتَ إلى أمّه قائلاً: ((أمي! قَدَّيش عمري؟)) فأجابت أنّه وُلِد في السنة الأولى من حرب الموسكوب، وبدأوا يحسبون متى كانت حرب الموسكوب (حرب روسيا مع الدولة العثمانية)، لم يستطيعوا التذكر بدقة، فقلتُ لهم إنها كانت في العام 1887 م ، لا يعرف عمر العربي بدقة، فالأم هي التي تتذكر فتقول مثلاً: وُلِد في حرب الموسكوب، أو وُلِد في أيام إبراهيم باشا؛ أي في أيام الحملة المصرية على سوريا، أو تقول: وُلِد في أيام الاضطرابات؛ أي مذبحة 1860 م ، وهلمّ جرّا.

7 – أخبرني القاضي إلياس طراد ( وهو قاض من بيروت ) أن النساء المارونيات – وكنّا في حمّانا ضيوفاً على عائلة مارونية – يتميّزن بسلوكهنّ الطائش وبعدم الوفاء للزوج، في حين عُرِفَت النساء الأرثوذكسيات بحصانتهنّ وعفّتهن.

8 – الشوير في 6 أيلول 1897 م : زارني اليوم كذلك نسيب التبشراني الطالب في كلية البروتستانت الأميركية في بيروت (قال أبو معاوية البيروتي: وأصبحت لاحقاً الجامعة الأميركية )، تحدَّث عن جوّ الفوضى المسيطر عندهم في الكلية، فليس هنالك عقوبات كما قال، ذلك لأنّ طلّاب الكلّية مسلَّحون، ويأتون إليها حاملين سلاحهم، وهم على استعداد لإطلاق النار حتى على الأساتذة! ذات مرّة أقدم أحد الطلّاب على طلي مقعد الأستاذ بالصمغ، بحيثُ اضطرَّ في نهاية الدرس إلى إرسال مَن يحضر له بنطلوناً آخر لأنّ الأول بقي ملتصقاً بالمقعد! ويكثر الطلّاب من إلقاء النكات والقيام بالحركات البهلوانية، وإذا طرح الأستاذ على طالب سؤالاً، فبدلاً من الإجابة يخلع الطالب سترته قائلاً: ((الطقس حار))، وتصل الوقاحة بهم أحياناً للتنكيت على الأستاذ، فإذا حلق أحد الأساتذة ذقنه مثلاً يلحق به بعض الطلّاب وهم يردِّدون عبارة السخرية بصوت عال. الانضباط معدوم إلّا في صفوف التلامذة الصغار.

9 – الشوير في 22 – 23 أيلول 1897 م : حضر الجنازة التي كتبتُ عنها راهب من دير مار إلياس الأرثوذكسي، وهو راهبٌ عربي وليس يونانيًّا، ويُدعى الأب أنفيم، جسده النحيل الشاحب يذكّر بالموتى، وله من العمر ما بين الخمسين والستين عاماً، كان ميخائيل يافث واحداً من أفضل أصدقائي، وحين لفَتُّ نظَره إلى الراهب قال: (( إنّ منظره المخيف هذا نتيجة ممارسته الفسق والفجور باستمرار ))، ودلَّ كلامه أنّ أخبار مغامرات رهبان دير مار إلياس يتحدّث بها أهالي قرية أبو ميزان، وأنّ عشيقات رهبان دير مار يوحنّا في الشوير أيضاً يسكنَّ بلدة ((الحارة)) (؟) القريبة من الدير، وأردف ميخائيل يافث قائلاً: (( تلك أخبار يعرفها الجميع، وأنا مسرور جدًّا بذلك! كان عندنا أمراء، ولكننا تخلّصنا منهم ولله الحمد، لكن بقي لدينا الرهبان! ولمّا كان الجميع شاهدين على مسلكهم وتصرفاتهم فلسوف نتخلّص منهم يوماً ما )).
ثمّ روى لي القصة التالية: (( كان دير مار إلياس في السنة الماضية يضمّ مدرسة للصبيان، وفجأة توقّف الأهالي عن إرسال أولادهم إليها وأظهروا استياءَهم منها. تبيَّن فيما بعد أنّ بعض الرهبان كان يمارس أعمالاً شنيعة! وقد استغلّ الأب حنّا مجاعص استياء الأهالي وفتح مدرسته في الشوير )). ولم يتورَّع أحد الرهبان – وهو الأب ستيفانوس – أن يطلب منّي ترجمة لرسالة تلقّاها من راهبة في دمشق تنمّ عن علاقة غرامية به، كما لم يجد غضاضة في القول: ((الستّات بيحِبُّوني)).

10 – بيروت في 9 شباط 1898 م : المسلمون صائمون، فهم الآن في شهر رمضان، وطوال النهار لا يأكلون ولا يشربون شيئاً، لحسن حظّهم لا زال النهار قصيراً، مشهد طريف أنْ تراقب المسلمين قبل الغروب وهم يتحلّقون جماعات بانتظار طلقة مدفع رمضان معلنة مغيب الشمس، كلّ شيءٍ قد أعدَّ له مسبقاً، خاصة بالنسبة للمدخّنين المسنّين الذين حضّروا النارجيلة (!) وبجانبها فنجان القهوة، فما أنْ تهدر طلقة المدفع حتى يتناول المدخنون نربيش النارجيلة على الفور ثم يرشفون القهوة (قال أبو معاوية البيروتي: بئس الفعل هذا! فالسنَّة الفطر على ماء وتمر، لا على خبيث كالنارجيلة والسيجارة!)، فيما مدخّنون آخرون يحملون السيجارة بيد والكبريتة باليد الأخرى، فيشعلون السيجارة فور سماعهم طلقة المدفع. إنهم لا يُعانون من الجوع كثيراً، فهم يأكلون ليلاً حتى الشبع. فقرابة الثانية والنصف فجراً – وهو موعد طلقة المدفع – يجلس الناس أيضاً لتناول آخر وجبة طعام؛ ويسمُّونها السّحور. طلقة المدفع التي تدوّي قبل الفجر تعني توقّف الصائمين كليًّا عن الأكل والشراب وخلودهم إلى النوم حيث يستيقظون حوالي التاسعة صباحاً، أما الأغنياء فيستيقظون قرابة الظهر ...
لا يجرؤ أيٌّ من المسلمين على الامتناع عن الصيام أمام الناس، حتى أنّ الأطباء المسلمين الذين تلقّوا علومهم في المعاهد الأوروبية يتناولون الطعام سرًّا وحتى خفية عن عائلاتهم، فعبارة ((فاطر في رمضان)) تُعْتَبَر إهانة قاسية. وأما لو أراد المسيحيُّون عدم الصيام في الأوقات المحدّدة له، فلا يخافون إعلان ذلك ويجاهرون بامتناعهم عن الصوم في بيروت على الأقل. ( قال أبو معاوية البيروتي: وهذه منقبة للمسلمين الذين يعظِّمون شعائر دينهم ويخشى المنافقون مخالفتها، ومذمَّة للنصارى الذين يستخفّون بأحكام دينهم المحرَّف، أما أولئك ((الأطباء المسلمين)) الذين ذكرهم كريمسكي فواضح أنّهم شرذمة قليلة فُتِنَت عن دينها أثناء دراستها في المعاهد الأوروبية ).

11 – بيروت في 8 – 9 آذار 1898 م : تسود بيروت حالة من التوتر بسبب جريمة قتل، ففي سوق الطويلة الأكثر ازدحاماً بالناس دخل فتى دكاناً ليبتاع بعض الخضار، أعطاه البائع أسوأها، ولَـمّا رفض الفتى استلامها استشاط صاحب الدكان غضباً فاستلَّ خنجراً، ويقول البعض أنّه تناول آلة حديدية حادة كانت بقربه وطعن بها الفتى فقتله، ثم اختفى البائع بسرعة إذ ساعده أصدقاؤه على الهرب، وبدأ التحقيق. من المحتمل ألّا تتمكّن السلطات من القبض على القاتل لأنّه سوف يختبئ شهرين أو ثلاثة عند أصدقائه ثمّ يفتح دكاناً في مكانٍ آخر وفي شارعٍ آخر.
* الكناشة البيروتية (المجموعة الثالثة)

__________________
((تابعوا فوائد متجددة على قناة التليغرام)) :

https://telegram.me/Kunnash
.
رد مع اقتباس