عرض مشاركة واحدة
  #118  
قديم 08-04-06, 12:11 PM
الفهمَ الصحيحَ الفهمَ الصحيحَ غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-04
المشاركات: 2,649
افتراضي

ومن المباحث الدقيقة المتعلقة بالمدونة؛ مسألة اختلاف شارحيها في فهم مسائلها، هل تعد أقوالا في المذهب أم لا؟
وقد وقفت على مبحث مصغر حول هذا الأمر في مقال للأستاذ: عبد السلام العسري [ تعدد الأقوال والروايات في المذهب المالكي وطرق الترجيح بينها ] جمع فيه أقوال بعض أئمة المالكية في هذه المسألة، مع شئ من البيان والإيضاح لمرامي أقوالهم، فأحببت نقله هنا لما فيه من الفائدة.
أرجع الأستاذ العسري في بحثه أسباب تعدد الأقوال في المذهب إلى أمرين:

الأول: ناتج عن اجتهاد أصحاب الإمام.

والثاني: ناتج عن شرح المدونة التي تعتبر المصدر الأساسي للفقه المالكي.

ثم أردف ذلك موضحا:


( وأما الأمر الثاني ،أي: تعدد الأقوال نتيجة لشرح المدونة نلخص أسبابه فيما يلي:

- تعددت الأقوال عند شرح مسألة من مسائل المدونة، بسبب اختلاف الشراح في فهم المراد من لفظ المدونة في تلك المسألة.

- قد تكون هناك أقوال خارج المدونة، فيريد كل شارح لها أن يحمل لفظ المدونة على قول من تلك الأقوال.

ـ قد ينظر شراح المدونة في الأدلة الشرعية فيقتضي نظر أحدهم فيها خلاف مقتضي نظر الآخر، فيحمل كل منهم نص المدونة على ما اقتضاه نظره، فتكون تأويلاتهم للفظ المدونة أقوالا حقيقية لا مجرد تفاسير للفظها.
والملاحظ أن الشيخ خليل في مختصره، عبر عن اختلاف شراح المدونة في الفهم بالتأويلين والتأويلات، ولم يعبر بالقولين والأقوال، وذلك لاختلاف الفقهاء المالكيين هل تعد تلك الاختلافات الواقعة في فهم تلك المسألة أقوالا أم لا ؟

ونعرض فيما يلي رأي كل فريق:

رأي ابن عبد السلام ومن تبعه :

يذهب ابن عبد السلام الهواري التونسي (ت 749هـ) ومن اتبعه إلى أن اختلاف شراح المدونة في معنى المسألة لا يعد أقوالا فيها، لأن الشراح إنما يبحثون عن تصوير اللفظ وتوضيحه، والقول الذي ينبغي أن يعد خلافا في المذهب هو ما يرجع إلي التصديق، أي أدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، وذلك أن الشراح للفظ الأمام, إنما يحتجون على صحة مرادهم بقول ذلك الإمام وبقرائن كلامه من عود ضمير وما أشبهه, وغير الشراح من أصحاب الأقوال, إنما يحتج لقوله بالكتاب والسنة أو بغير ذلك من أصول صاحب الشريعة، فلا ينبغي أن تعتبر تلك التفسيرات المتعلقة بالمسألة كأنها أقوال متضمنة لأحكام مختلفة، وإنما ينبغي أن يعد الكلام الذي شرحوه قولا، ثم الخلاف إنما هو في تصوير معناه، لأن مراد الشارح تصوير معنى من اللفظ وبيان مراد صاحبه به، سواء أكان في نفسه صحيحا أم فاسدا، ومراد صاحب القول بيان حكم المسألة، من حيث الثبوت والانتفاء، أو الصحة والبطلان، وإلى رأي ابن عبد السلام الهواري ذهب ابن عاصم في أرجوزته مرتقى الأصول حيث قال:

وكل ما فهمه ذو الفهم ليس بنص لعروض الوهم
فالخلف بين شارحي المدونة ليس بقول عند من قد دوّنه
لأنه يرجع للتصور فعده قولا من التهور

رأي ابن الحاجب وكثير من المتأخرين:

يرى هؤلاء أن اختلاف شراح المدونة يعد أقوالا فيها، لأن الاختلاف في فهم اللفظ؛ آيل إلى الاختلاف فيما ينبني على ذلك من أحكام، فكل شارح يقول: هذا معنى هذه المسألة، ولا معنى لها غيره، فآل الاختلاف في معنى اللفظ إلى الاختلاف في الأحكام المأخوذة من معنى ذلك اللفظ، ولو لم تكن تلك التأويلات أقوالا يجوز العمل بها؛ لم تكن لها فائدة، وتكون باطلة، وتصير المسألة المشروحة ملغاة، إذا لم يترجح تأويا أحدهما على الآخر بمرجح.
ويوضح الشيخ عليش هذا الرأي فيقول: " إن مفهومات الشراح منها – أي المسألة المشروحة – يعد أقوالا في المذهب، يعمل ويفتى ويقضى بأيها إن استوت، وإلا فبالراجح أو الأرجح، وسواء وافقت أقوالا سابقة عليها منصوصة لأهل المذهب أم لا؟ وهذا هو الغالب، فإن قيل: المدونة ليست قرآنا ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستنبط الأحكام منها؟ قيل: إنها كلام أئمة مجتهدين عالمين بقواعد الشريعة والعربية، مبينين للأحكام الشرعية، فمدلول كلامهم حجة على من قلدهم منطوقا كان أو مفهوما، صريحا كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث الصحيح بالنسبة لجميع المؤمنين!!".

ويجدر التنبيه هنا: أن الشيخ عليش – رحمه الله – لا يقصد بكلامه أن كلام الأئمة له قداسة القرآن والحديث الصحيح، وإنما يقصد أن المنهج المتبع في تفسير نصوص القرآن والحديث يتبع أيضا في تفسير أي كلام عربي آخر، الذي راعى قواعد اللغة العربية التي راعاها القرآن والحديث، فقواعد العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمفهوم والمنطوق وغيرها من القواعد، إنما هي قواعد لغوية، استعملها الأصوليون في الاستنباط من القرآن والحديث لأنهما عربيان يخضعان لقواعد اللغة العربية، وعلى هذا أيضا يمكن تطبيق ذلك في تفسير أي نص قانوني وضعي خاضع لقواعد اللغة العربية.

والملاحظ أن قضية استخلاص الحكم وتفريع الأقوال من ألفاظ المدونة؛ شغل كثيرا من فقهاء المالكية.

ونورد فيما يلي سؤالا في الموضوع وجهه فقهاء غرناطة إلى الشيخ ابن عرفة وجوابه عليه نقلهما الونشريسي في المعيار، والسؤال هو : " إن الفقهاء يسردون الأقوال ينسبونها للمدونة وغيرها ويقيمونها استنباطا من لفظ محتمل، أو مفهوم، وربما عارضه منطوق في محل آخر، وكثيرا ما يستدلون بمفهوم كلام مالك وابن القاسم وغيرهما، والمفهوم في كلام الشارع فيه من النظر والخلاف ما فيه، فكيف به من كلام ليس بعربي، وأيضا ربما استنبطوا الخلاف من ضبط الحروف، فيا سيدي هل ما انتحلوه من ذلك صحيح جار على قوانين الشريعة، أم هو على غير ذلك؟".
وأجاب ابن عرفة : " إن استنباط الأقوال من لفظ محتمل؛ فإن أريد به محتمل على التساوي فهذا لا يصح الاستنباط منه، وهذا لا أظن يفعله مقتدى به، وإن أريد به محتمل على التفاوت والاستنباط من الراجح؛ فهذا هو الأخذ بالظاهر، وعليه أكثر قواعد الشريعة، وقول السائل: إنهم يستدلون بمفهوم كلام مالك وابن القاسم.
والجواب: إن هذا لا مانع منه، لأن مالكا وابن القاسم وأمثالهما علماء عارفون باللسان العربي، وبقواعد أصول المذهب التي منها معرفة النص والظاهر والمفهوم وغير ذلك، فكلام مالك وابن القاسم في الأمهات العلمية جار على قواعد اللغة العربية، وإذا ثبت هذا؛ فالأخذ بالمفهوم من كلامهما مقبول".

ويؤكد ابن عرفة وجهة نظره هذه في كتابه المختصر حيث ذكر أن العمل بمفهومات المدونة هو المعهود من طريقة ابن رشد وغيره من الشيوخ، وإن كان ابن بشير يذكر في ذلك خلافا.

ويخالف أبو عبد الله المقري ما ذهب إليه ابن عرفة، فقد ذكر المقري في قواعده أنه: " لا تجوز نسبة التخريج والإلزام بطريقة المفهوم أو غيره إلى غير المعصوم عند المحققين، لإمكان الغفلة أو الفارق أو الرجوع عن الأصل عند الإلزام، أو التقييد بما ينفيه أو إبداء معارض في المسكوت أقوى، أو عدم اعتقاد العكس إلى غير ذلك، فلا يعتمد في التقييد، ولا يعد في الخلاف، وقد قيل: إن اللخمي قد اشتهر بذلك، حيث فرق بين الخلاف المنصوص والخلاف المستنبط، فإذا قال: واختلف فهو الأول، أي الخلاف المنصوص، وإذا قال: ويختلف فهو الثاني، أي الخلاف المستنبط ".

وقال المقري أيضا في بعض مقيداته: " إياك ومفهومات المدونة، فقد اختلف الناس في القول بمفهوم الكتاب والسنة، فما ظنك بكلام الناس، إلا أن يكون من باب المساواة أو الأولى، أما مفهوم المخالفة فلا يجوز أخذ القول منه، إذا كان كلاما غير القرآن والسنة ".

ونؤكد هنا على ما سبق أن علقنا به على كلام الشيخ عليش من أن مناهج تفسير القرآن والحديث والاستنباط منهما يمكن استعمالها في أي كلام عربي ما دام البحث والشرح مركزين على ألفاظ عربية، ويتعلقان ببيان مدلول الألفاظ). انتهى كلام الأستاذ العسري.

قلت: وقد تناول هذه المسألة بالذكر كل من ابن فرحون في [ كشف النقاب الحاجب ] 140، نقل فيه كلام ابن عبد السلام الهواري ولم يتعقبه بشئ، واللقاني في [ منار الفتوى ...]. وعقد لها العلامة النابغة الغلاوي – مع مثيلات لها – فصلا في منظومته [ بوطليحية ] بعنوان: < فصل في التحذير من البحث والفهم وأنهما غير نص > صـ 116- 122، لخص فيه – كما ذكر - كلام الهلالي في [ نور البصر ] واللقاني في [ المنار ].
__________________
[ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ]
رد مع اقتباس