عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 15-11-19, 07:36 PM
حمد الكثيري حمد الكثيري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-06-16
المشاركات: 206
افتراضي {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء}

بدائع الفوائد (4/ 165)

فمن ظن أن الله خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم، فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} .

فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة، فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدر؛ لأن كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه، ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها .

فكما أن ذاته الحق، فقوله الحق، ووعده الحق، وأمره الحق، وأفعاله كلها حق، وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق.


فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار .

فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى" وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان.

ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: {ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى}


*فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خُلِقَ له* .


فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات، كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله.

فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه.

فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها.

وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السموات والأرض باطل فقال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}.
__________________
حمل تحقيق الثلث الأول والأخير من كتاب البحر المحيط للزركشي

https://drive.google.com/open?id=1go...TMPkgoAiXN1MgH
رد مع اقتباس