عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 25-05-16, 07:02 PM
أبو معاذ إبراهيم الشناوي أبو معاذ إبراهيم الشناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-09-15
المشاركات: 824
افتراضي ما لا يسع الطالب جهله 1- العروض 2- القافية (دروس يومية من الصفر إلى الإتقان)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد
فهذه دروس يومية في علمي العروض والقافية، والمخاطب بذلك أصالة طلاب العلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير ...الخ لا طلاب العربية؛ فهم أدرى به مني.
ولهذا فأنا أبدأ مع الطالب خالي الذهن وأستمر معه -إن شاء الله تعالى- حتى إتقانه لهذين العِلْمَيْنِ، وهما أيسرُ علمَيْنِ يمكن للطالب الانتهاء منهما.
وقد كنت أعزم على البدء فيهما بعد رمضان ولكن ...
هذا، ولم أعمد إلى الاختصار فإن هذا العلم يحتاج إلى الإيضاح، ولا إلى البسط فإن المراد من هذا العلم فائدته وثمرته؛ فلهذا أخذت مِنْ عَيْنِهِ إنسانَها وتركت بياضها وسوادها، حتى تم لي بعض ما أردت، ومنه أنني أعرضت عن كثير مما لم يرد في الشعر العربي وليس له شواهد إلا ما يصنعه العروضيون شاهدا، أو ما يضطرهم إليه حكم الدائرة؛ فلذا ربما وقفتَ على شيء من القصور في الظاهر وليس به في الحقيقة فمثلا ربما لا تجد هنا بعض الأعاريض والأضرب الشاذة أو المنتحلة الملفقة ونحو ذلك، فاعلم أني عمدا تركتها، فإني أردت أن أكتب العروض العَمَلِيَّ لا النظَرِيَّ.
__________________________________
وهذه مقدمة في بيان أهمية علم العروض:
أوجز هذا في عدة نقاط:
1- كثيرا ما أعان العروضُ الباحثين في اكتشاف خطأِ النساخ لوقوعهم في اختلال الوزن أثناء النسخ، وهو بهذا لا يقتصر على علم دون آخر بل يحتاجه كل من يعالج تحقيق المخطوطات سواء كان في التفسير او الحديث أو الفقه ...الخ
2- كثرة المنظومات في كل علم ففي العقيدة مثلا تجد منظومات بعضها قليلة أبياتُها كحائية ابن أبي داود وبعضها متوسطة كسلم الوصول وبعضها طويلة كنونية ابن القيم التي جاوت خمسة آلف بيت، وفي الفقه تجد كثرة المنظومات أيضا وبعضها طويل أيضا كمنظومة البهجة الوردية في الفقه الشافعي التي جاوزت خمسة آلاف بيت أيضا، وفي علوم الحديث تجد البيقونية وألفية العراقي والسيوطي ...الخ وقل مثل ذلك في الأصول وغيرها من علوم الشريعة، والمراد أن هذا العلم لا يستغني عنه طالب علم يريد أن يضبط ما يحفظه ويقرؤه بطريقة صحيحة تعينه على فهم ما يقرأ ويحفظ، وبالطبع فلم أتعرض لعلوم اللغة من نحو وصرف وعروض وبلاغة ... لأن المراد تنبيه غير اللغوي على أهمية هذا العلم، وعلى أهمية أن يكون عنده إلمام بأوليات علم العروض لا ليكون شاعرا بل ليكون في مأمن من الخطأ في قراءة أبيات يستشهد بها أو يحفظها أو يضبطها في تحقيق ...الخ
3- ربما يقوم أحدنا بإلقاء محاضرة أو خطبة أو درس من دروس العلوم الشرعية مثلا، وفي أثناء ذلك ربما استشهد ببيت أو أبيات من الشعر وربما اقتضاه الحال أن يلقيه بشدة وينفعل في إلقائه، ثم ينشده مع خلل في الوزن يشعر به بعض السامعين دونه فترى ابتسامة قد ارتسمت على وجوههم، أو نظرة ذات مغزى ينظرها بعضهم إلى بعض، ولست أرضى أن يقع لك مثل ذلك وأنت في مقام التعليم.
4- كثير من التراث الأدبي لا يفهم إلا حيث كان المرء ملما بمصطلحات هذا العلم كقوله:
وبقلبي مـن الجفـــــاءِ (مَديــــــــدٌ) *** و(بسيـــط) و(وافـــــــر) و(طــــــــــويل)
لم أكـن عالـما بــــــذاك إلى أن *** (قَطَّـع) القلبَ بالفــــــــراق (الخليــــــــــلُ)
فمن الذي يمكنه فهم هذين البيتين وما فيهما من معنى وتورية إذا لم يكن مُلِمًّا بمصطلحات هذا العلم، وانظر أيضا إلى قول الآخر:
يا (كاملا) شوقي إليه (وافــــــــرٌ) *** و(بسيطُ) وَجْدِي في هواه عزيز
عاملتُ (أسبابي) إليك بـ(قطعها) *** (والقطع في الأسباب ليس يجوز)
فإذا لم يكن المرء عالما بهذه المصطلحات فكيف السبيل إلى فهم هذه الأبيات؟! ومعرفة ما يريده الشاعر من معنى وتورية. ومن الذي يفهم قول المعري:
بُعْدِي عن الناسِ خيرٌ مِنْ لقائهمُ *** فقربُهُمُ بالحِجَى والدينِ إزْرَاء
كالبيتِ أُفْــــــرِدَ لا (إِيطَاءَ) يَدْخُلُـــهُ *** ولا (سِنَادَ) ولا بالبيت (إِقْواءُ)
إذا لم يكن عالما بمصطلحات علم القافية
5- كثيرا ما يقابلك في كتب التراث أن الشاعر ارتكب هذه المخالفة للضرورة الشعرية وأن الوزن اضطره إلى ذلك، فإذا لم تكن على معرفة بهذه الأوزان تقبلت ما يقال لك مقلِّدا غيرَ مطمئن إلى ما يقال لك.
6- يُمَكِّنُكَ العروضُ من التمييز بين الشعر وغيره كالسجع، فيمكن المرء أن يعرف أن القرآن ليس بشعر
7- دعا الخليفةُ الناصرُ أبا علي القالي البغدادي صاحب (الأمالي) إلى الأندلس فذهب لاستقباله جماعةٌ منهم ابنُ رفاعة الألبيري، فأنشد القالي وهم في طريقهم:
ثُــمَّــةَ قُمْنَا إِلَى جُرْدٍ مُسَوَّمَةٍ *** أَعْرَافُهَا لِأَيْدِينَا مَنَادِيلُ
فاستعاده الألبيري فأعاد إنشاده كما بدأ؛ فانصرف الألبيري غاضبا آسفا على استقباله(1).
فمَنْ لم يعرف العروض كيف يمكنه معرفة الخطأِ في هذا البيت وكيف يفهم هذا النص على وجهه فهما صحيحا دون تسليم بما فيه...

________________________________________
(1) اللباب في العروض والقافية للأستاذ كامل السيد شاهين ص128. ط. الأزهر. 
رد مع اقتباس