عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 26-12-16, 02:04 PM
عيسى النابلسي عيسى النابلسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-08-06
المشاركات: 1,229
افتراضي رد: مختصر البداية والنهاية لابن كثير (289 هـ)

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عيسى النابلسي مشاهدة المشاركة
وَرَوَى الْخَطِيبُ بِسَنَدِهِ عَنْ صَافِي الْحُرَمِيِّ الْخَادِمِ قَالَ: انْتَهَى الْمُعْتَضِدُ وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى مَنْزِلِ شَغْبَ , وَابْنُهُ الْمُقْتَدِرُ جَعْفَرٌ جَالِسٌ فِيهِ , وَحَوْلَهُ نَحْوٌ مَنْ عَشْرٍ مِنَ الْوَصَائِفِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي سِنِّهِ عِنْدَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ مِنْ فِضَّةٍ , فِيهِ عُنْقُودُ عِنَبٍ - وَكَانَ الْعِنَبُ إِذْ ذَاكَ عَزِيزًا جِدًّا - وَهُوَ يَأْكُلُ عِنَبَةً وَاحِدَةً , ثُمَّ يُفَرِّقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُلَسَائِهِ عِنَبَةً عِنَبَةً
فَتَرَكَهُ الْمُعْتَضِدُ وَجَلَسَ نَاحِيَةً فِي بَيْتٍ مَهْمُومًا
فَقُلْتُ لَهُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟
فَقَالَ: وَيْحَكَ , وَاللَّهِ لَوْلَا النَّارُ وَالْعَارُ , لَأَقْتُلَنَّ هَذَا الْغُلَامَ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ صَلَاحًا لِلْأُمَّةِ
فَقُلْتُ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْعَنِ الشَّيْطَانَ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا صَافِي , إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ فِي غَايَةِ السَّخَاءِ , لِمَا أَرَاهُ يَفْعَلُ مَعَ الصِّبْيَانِ , فَإِنَّ طِبَاعَ الصِّبْيَانِ تَأْبَى الْكَرَمَ , وَهَذَا فِي غَايَةِ الْكَرَمِ , وَإِنَّ النَّاسَ مِنْ بَعْدِي لَا يُوَلُّونَ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِي (حتى تعلم أن الناس لهم يد في الكوارث التي اجتاحتهم) فَسَيَلِي عَلَيْهِمُ الْمُكْتَفِي , ثُمَّ لَا تَطُولُ أَيَّامُهُ لِعِلَّتِهِ الَّتِي بِهِ , وَهِيَ دَاءُ الْخَنَازِيرِ، ثُمَّ يَمُوتُ , فَيُوَلَّى عَلَى النَّاسِ جَعْفَرٌ هَذَا، فَيَصَرِفُ جَمِيعَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى الْحَظَايَا , لِشَغَفِهِ بِهِنَّ , وَقُرْبِ عَهْدِهِ مِنْ تَشَبُّهِهِ بِهِنَّ , فَتَضِيعُ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ , وَتُعَطَّلُ الثُّغُورُ , وَتَكْثُرُ الْفِتَنُ وَالْهَرْجُ وَالْخَوَارِجُ وَالشُّرُورُ
قَالَ صَافِي: وَاللَّهِ لَقَدْ شَاهَدْتُ مَا قَالَهُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ
.
وفي رواية أخرى للخطيب البغدادي /تاريخ بغداد /(8/ 126) , حديث رقم : 3645
قال صافي : ومات المعتضد وولي المكتفي، فلم يطل عمره ومات
وولي المقتدر، فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينها، فكنتُ كلما وقفت عَلَى رأس المقتدر وهو يشرب ورأيته قد دعا بالأموال فأُخرجت إليه، وحُللت البِدر ( أكياس الأموال ) وجعل يفرقها عَلَى الجواري والنساء ويلعب بها، ويمحقها ويهبها، ذكرتُ مولاي المعتضد وبكيت.
وَقَالَ صافي: كنت يوما واقفا عَلَى رأس المعتضد، فَقَالَ: هاتم فلانا الطيبي، خادم يلي خزانة الطيب، فأُحضر، فَقَالَ لَهُ: كم عندك من الغالية؟
فَقَالَ: نيف وثلاثون حبا صينيا مما عمله عدة من الخلفاء
قَالَ: فأيها أطيب؟
قَالَ: ما عمله الواثق
قَالَ: أحضرنيه
فأحضره حبا ( إناء ) عظيما يحمله خدم عدة بدهق ومصقلة، ففتح , فإذا بغالية ( نوع من الطيب ) قد ابيضت من التعشيب وجمدت من العتق، فِي نهاية الذكاء
فأعجبت المعتضد وأهوى بيده إِلَى حوالي عنق الحب، فأخذ من لطاخته شيئا يسيرا من غير أن يشعث رأس الحب، وجعله فِي لحيته، وَقَالَ: ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث عَلَى هذا الحب، شيلوه
فرُفع.
ومضت الأيام، فجلس المكتفي للشرب يوما وهو خليفة , وأنا قائم عَلَى رأسه، فطلب غالية، فاستدعى الخادم وسأله عَنِ الغوالي
فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه
فاستدعى غالية الواثق
فجاءه بالحب بعينه ففُتح
فاستطابه، وَقَالَ: أخرجوا منه قليلا.
فأخرج منه مقدار ثلاثين، أو أربعين مثقالا
فاستعمل منه فِي الحال ما أراده، ودعا بعتيدة ( زجاجة صغيرة ) لَهُ فجعل الباقي فيها ليستعمله عَلَى الأيام، وأمر بالحب فختم بحضرته ورفع.
ومضت الأيام , وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنتُ عَلَى رأسه، فأراد أن يتطيب , فاستدعى الخادم وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه
فَقَالَ: هات الغوالي كلها.
فأُحضرت الحباب كلها
فجعل يُخرج من كل حب مائة مثقال وخمسين، وأقل وأكثر، فيشمه ويفرقه عَلَى مَن بحضرته , حتى انتهى إِلَى حب الواثق فاستطابه، فَقَالَ: هاتم عتيدة حتى يخرج إليها من هذا ما يُستعمل
فجاءوه بعتيدة , وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحب ناقصا والعتيدة فيها قدح الغالية ما استُعمل منه كبير شيء، فَقَالَ: ما السبب فِي هذا؟
فأخبرته بالخبر عَلَى شرحه
فأخذ يعجب من بُخل الرجليْن ويضع منهما بذلك، ثم قَالَ: فرِّقوا الحب بأسره عَلَى الجواري، فما زال يخرج منه أرطالا أرطالا
وأنا أتمزق غيظا، وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد، إِلَى أن مضى قريب من نصف الحب، فقلت لَهُ: يا مولاي إن هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، وما لا يعتاض منه، فلو تركتَ ما بقي فيها لنفسك وفرَّقت مِن غيرها كان أولى.
قَالَ صافي : وجرت دموعي لمَّا ذكرت له كلامَ المعتضد
فاستحيى مني ورفع الحب، فما مضت إلا سنين من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إِلَى عجن غالية بمال عظيم.
__________________
الذي لا يعرف التاريخ .. يشبه القبطان الذي لا يفهم البوصلة ؛ كلاهما تحت خطر الجنوح
يقول ابن خلدون في مقدمته : " الماضي أَشبه بالآتي مِن الماء بالماء "
رد مع اقتباس