عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-11-03, 11:53 PM
إسلام بن منصور إسلام بن منصور غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-08-03
المشاركات: 2,709
افتراضي

هذه فقره من كتاب يعد للنشر جامع في معاني أسماء الله وصفاته وأثر الإيمان بها ، للد / إبراهيم عبد المنعم الشربيني .

عين الله

نثبت لله سبحانه وتعالى صفة العين على النحو الذي يليق بجلاله من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه على ما أثبته الخالق البارئ لنفسه في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفيr.

وقد جاء ذكر العين في القرآن الكريم على حالتين:
1) ذكرت العين مضاعفة إلى الضمير المفرد. مثل قوله تعالى:« ولتصنع على عيني» ( ).
2) ذكرت العين بصيغة الجمع مضافة إلى ضمير الجمع مثله قوله تعالى:« تجرى
بأعيننا » ( )، وقوله تعالى لنبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام « واصنع الفلك بأعيننا ووحينا»، وقال تعالى:« واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا»
وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة فقط لان المفرد المضاف يراد به اكثر من واحد، مثل قوله تعالى:« وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها»( ). فالمراد نعم الله المتنوعة التي لا تدخل تحت الحصر والعد. وقوله تعالى:« أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم »( ).
فالمراد بها جميع ليالي رمضان. ولو قال قائل: نظرت بعيني أو وضعت المنظار على عيني لا يكاد يخطر ببال أحد ممن سمع هذا الكلام أن هذا القائل ليست له إلا عين واحدة. هذا ما لا يخطر ببال أحد أبدا( ).
قال الإمام ابن القيم: إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرًا أو مضمرًا فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ، كقوله تعالى:« تجرى بأعيننا»( ). و« فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا»( ). وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله تعالى:« بيدك الخير»( ).، و« بيده الملك »( ). وإن أضيفت إلى جمع جمعت كقوله تعالى:« مما عملت أيدينا»( ).
وتدل النصوص على أن لله تعالى عينين وأما قوله {بأعيننا } في الآيات المذكورة فإن لفظ عينين إذا أضيف إلى ضمير الجمع جمع كما يجمع مثنى قلب إذا أضيف إلى ضمير مثنى أو جمع كما في قوله تعالى:« إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما»( ).
ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في حديث النبي r عن الله وعن الدجال « من أن الدجال أعور» وأن الله ليس بأعور فقد استدل به أهل السنة على إثبات العينين لله سبحانه.
وقد ذكرت العين في السنة في قصة المسيح الدجال في حديث عبد الله ابن عمر الذي يقول فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: « إن الله لا يخفي عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينيه وان المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية» ( ).( ).
وللحديث سبب وهو أن الدجال ذكر عند النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبر أنه ما من نبي إلا وقد أمر أمته أو نصحهم بالاستعاذة منه ثم ذكر أن من صفاته أنه أعور العين اليمنى. وأنه على الرغم من دعوى الألوهية وما يجرى له من الأمور الخارقة للعادة امتحانا واستدراجا فيه عيوب ونقائص وهو عاجز عن دفع ذلك عن نفسه فلن يلتبس عليكم الأمر في شأنه لأنه ناقص إذ به عور، وربكم ليس بأعور، بل له سبحانه عينان يبصر بهما لأنه سميع بصير.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيراً» رأيت رسول الله r يضع إبهامه على أذنه وإصبعه التي تليها على عينه قال أبو هريرة رضي الله عنه:(رأيت رسول الله r يفعل ذلك) .
وأما إشارته عليه الصلاة والسلام بيده إلى عينيه - وهو يخبر عن عور المسيح الدجال وفي حديث أبي هريرة السابق فإنما تفيد تأكيد المعنى الحقيقي للعين على ما يليق بالله تعالى ولا يفهم منها أن عين الله جارحة كأعيننا بل له سبحانه وتعالى عين حقيقة تليق بعظمته وجلاله وقِدَمِهِ. وللمخلوق عين حقيقية تناسب حاله وحدوثه وضعفه وليست الحقيقة كالحقيقة وهذا شأن جميع الصفات التي فيها المشاركة اللفظية مع صفات المخلوق كما تقدم هذا البحث في غير موضع ( ).
وهذه النصوص التي ذكرناها من القرآن والسنة يراد بها إثبات صفة العين لله حقيقية على ما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل لها بعين المخلوقين ولا تحريف لها عن مسماها في لغة العرب.
وسياق الكلام لا تأثير له في صرف تلك الكلمات عن مسماها وإنما تأثيره في المراد بالجمل التي وردت فيها هذه الكلمات( ).
ومعنى ذلك أن هذه النصوص:
أولاً: تفيد إثبات صفة العين لله.
ثانياً: سياق الكلام في هذه الآيات « واصنع الفلك بأعيننا»،«واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا »،« ولتصنع على عيني»
لا يجعلنا نصرف كلمة العين عن مسماها وإنما تأثير سياق الكلام في المراد بالجمل التي وردت فيها هذه الكلمات، فالمقصود بهذه الجمل كلها هو في قوله تعالى:« واصنع الفلك بأعيننا ووحينا» أمر نوح عليه السلام أن يصنع السفينة وهو في رعاية الله وحفظه.
وفي قوله تعالى:« واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا » أمر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن يصبر على أذى قومه حتى يقضي الله بينه وبينهم بحكمه العدل وهو مع ذلك بمرأى من الله وحفظه ورعايته.
وفي قوله تعالى:« ولتصنع على عيني » إخبار موسى عليه الصلاة والسلام بأن الله تعالى قد من عليه مرة أخرى إذا أمر أمه بما أمرها به ليربيه تربية كريمة في حفظه تعالى ورعايته.
وروى عكرمة عن ابن عباس ( ) تفسير قوله تعالى:«واصنع الفلك بأعيننا» أنه قال رضي الله عنه بعين الله تبارك وتعالى .
قال الإمام البيهقي - بعد رواية قول ابن عباس السالف الذكر: ومن أصحابنا من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية. وقال: قوله تعالى: «ولتصنع على عيني» معناه بمرأى مني وقوله:« فإنك بأعيننا» أي بمرأى منا وكذلك قوله: « تجرى بأعيننا» وقد يكون ذلك من صفات الذات. وتكون صفة واحدة والجمع فيه للتعظيم. كقوله «ما نفدت كلمات الله».
ومنهم من حملها على الحفظ والكلاءة. وقال: إنها من صفات الفعل والجمع فيها شائع، ومن قال بأحد هذين زعم أن المراد بالخبر نفي نقص العور عن الله سبحانه وتعالى وأنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص.
ثم قال البيهقي: والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة من إثبات العين صفة، لا من حيث (الحدقة) أولى. وبالله التوفيق( ).
وهذا القول الذي اختاره الإمام البيهقي هو الذي عليه سلف الأمة، وأما محاولة بعض الناس حمل النصوص على خلاف ما يظهر من ألفاظها فمحاولة جهمية معروفه وأما تفسير من فسر الآيات السابقة بالرؤية مع إنكار صفة العين فشبيه بقول الجهمية القائلين: أنه تعالى سميع بلا سمع، بصير بلا بصر عليم بلا علم. وهو قول مرفوض شرعًا وعقلاً كما تقدم في غير موضع. وأما عند أهل السنة فجميع هذه الصفات تساق سوقًا واحدًا خبرية أو عقلية. ذاتية أو فعلية فتثبت بلا كيف. ولا يلزم من إثباتها تشبيه ولا تجسيم كما يظن النفاة بل يلزم من تحريف القول فيها التعطيل. وينتج من ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا ما يلزم النفاة - ولا محالة - وهم كل من ينفي صفة ثابتة بالكتاب والسنة أو بالسنة الصحيحة فقط، أدركوا ذلك أو لم يدركوا. والله المستعان( ).

قال ابن خزيمة: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى وما في السموات العلى وما بينهما من صغير وكبير لا يخفى عليه خافية في السموات السبع والأراضين السبع ولا مما بينهما من صغير وكبير لا يخفى على خالقنا خافية في السموات السبع والأراضين السبع ولا مما بينهم ولا فوقهم( ). ولا أسفل منهن لا يغيب عن بصره من ذلك شيء يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه.

وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فأنهم إنما يرون ما قرب من أبصارهم مما لا حجاب ولا ستر بين المرئي وبين أبصارهم لا ما يبعد منهم وإن كان يقع اسم القرب عليه في بعض الأحوال لان العرب التي خوطبنا بلغتها قد نقول قرية كذا منا قريبة وبلدة كذا قريبة منا ومن بلدنا. ومنزل فلان قريب منا وإن كان بين القريتين وبين المنزلين فراسخ( ). والبصير من بني آدم لا يدرك ببصره شخص آخر( ). من بني آدم وبينهما فرسخان فأكثر، وكذلك لا يرى أحد من الآدميين ما تحت الثرى والأرض إذا كان فوقها( ). المرئي من الأرض والتراب قدر أنملة أو أقل منها بقدر ما يغطي ويواري الشيء.
وكذلك لا يدرك بصره إذا كان بينهما حجاب من حائط أو ثوب صفيق ما يغطي الشيء، عن عين الناظر فكيف يكون – يا ذوي الحجا- مشبها من يصف عين الله بما ذكرنا وأعين بني آدم بما وصفنا ونزيد شرحًا وبيانًا نقول عين الله عز وجل قديمة لم تزل باقية ولا يزال محكوم لها بالبقاء منفي عنها الهلاك والفناء وعيون بنى آدم محدثة كانت عدمًا غير مكونة فَكَوّنها الله وخلقها بكلامه الذي هو صفة من صفات ذاته وقد قضى الله وقدر أن عيون بنى آدم تصير إلى بلاء عن قليل - والله نسأل خير ذلك المصير - وقد يُعمي الله عيون كثير من الآدميين فيذهب بأبصارها قبل نزول المنايا بهم ولعل كثيراً من أبصار الآدميين قد سلط خالقنا عليها ديدان الأرض حتى تأكلها وتفنيها بعد نزول المنية بهم( ). ثم ينشئها الله بعد فنائها على ما قد ذكرنا قبل في ذكر الوجه فما الذي يشبه - يا ذوى الحجا - عين الله التي هو موصوفة بما ذكرنا عيون بنى آدم التي وصفناها بعد.

ولست أحسب لو قيل لبصير لا آفة ببصره ولا علة بعينه ولا نقص بل هو أعين أكحل أسود الحدق شديد بياض العين أهدب الأشفار ، عيناك كعين فلان الذي هو صغير العين أزرق أحمر بياض العينين قد تأثرت أشفاره وسقطت أو كان أخفش العين أزرق أحمر بياض شحمها يرى الموصوف الأول الشخص من بعيد ولا يرى الثاني مثلا ذلك الشخص من قدر عشر ما يرى الأول لعلة في بصرة أو نقص في عينه ، إلا غضب من هذا وأنف منه فلعله يخرج إلى القائل له ذلك إلى المكروه من الشتم والأذى ولست أحسب عاقلاً يسمع هذا المشبه عيني أحدهما بعيني الآخر إلا وهو يكذب هذا المشبه عين أحدهما بعين الآخر ويرميه بالعته والخبل والجنون ويقول له لو كنت عاقلاً يجري عليك القلم لم تشبه عيني أحدهما بعيني الآخر وإن كان يسميان بصيرين إذ ليس بأعميين( ) ويقال لكل منهما عينان يبصر بهما( ). فكيف لو قيل له: عينك كعين الخنزير والقرد والدب أو الكلب أو غيرها من السباع أو هوام الأرض والبهائم، فتدبروا يا ذوي الألباب أبين عيني خالقنا الأزلي الدائم الباقي الذي لم يزل وبين عيني الإنسان من الفرقان أكثر أو مما بين أعين بني آدم وبين عيون ما ذكرنا تعلموا أن المخلوقين من السباع والبهائم والهوام وكلها لها عيون يبصرون بها وعيون جمعهم محدثة مخلوقه خلقها الله بعد أن كانت عدما وكلها تصير إلى فناء وبلى غير جائز إسقاط اسم العيون والأبصار عن شيء منها فكيف يحل لمسلم لو كانت الجهمية من المسلمين أن يرموا من عليه ذلك الاسم ( ). لم يجز قراءة كتاب الله ووجب( ). محو كل آية بين الدفتين فيها( ). ذكر نفس الله أو عينه أو يده( ).
ولوجب الكفر بكل ما في كتاب الله عز وجل من ذكر صفات الرب كما يجب الكفر بتشبيه الخالق إلا أن القوم جهلة لا يفهمون العلم ولا يحسنون لغة العرب فيضلون ويضلون والله نسأل العصمة والتوفيق والرشاد.اهـ
__________________
لا علم إلا بحفظ ، ولا حفظ إلا بفهم، ولا تمكن إلا بملكة .

العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق . (البحر المديد / 3/317)
رد مع اقتباس