عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-09-12, 10:16 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: ما هو الصواب في مسألة "التقليد في العقيدة"

هذه نقول عن أهل العلم من أئمة السنة في نسبة منع التقليد في العقائد للمتكلمين ونقضه:
أولا: قال أبو المظفر السمعاني (ت 489ه) في قواطع الأدلة (2/346-348):" وأما الكلام في مسائل الأصول:
فقد ذهب جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء أنه لا يجوز للعامى التقليد فيها، ولا بد أن يعرف ما يعرفه بالدليل وقالوا: العقائد الأصولية عقلية، والناس جميعا مشتركون في العقل، ولأن العلم بها واجب والعلم لا يحصل للمقلد بتقليد غيره، ولأن الدلائل على الأصول ظاهرة وليست غامضة، فتكليف العامى ليعرف الأصول بدلائلها لا يؤدى إلى الحرج الشديد فيسقط عنهم لذلك.
واعلم أن أكثر الفقهاء على خلاف هذا وقالوا: لا يجوز أن نكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك المشقة العظيمة والبلوى الشديدة وهى في الغموض والخفاء أشد من الدلائل الفقهية في الفروع، ولهذا خفى على كثير من العقلاء مع شدة عنايتهم في ذلك واهتمامهم العظيم، فصارت دلائل الأصول مثل دلائل الفروع، ولأنا نحكم بإيمان العامة ونقطع أنهم لا يعرفون الدلائل ولا طرقها، وإنما شأنهم التقليد والاتباع المحض، وإنما طريقهم أخذ شيئين في التقليد:
أحدهما: أنهم عرفوا أن العلماء قد قالوا ما قالوا عن حجة ودليل فيكون اتباعهم لأقوال العلماء اعتقادا عن دليل بهذا الوجه.
وأما لأن العوام يعلمون أن العلماء يقولون ما يقولون عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد عرفوا إقامة النبى صلى الله عليه وسلم من المعجزات ما يعجز عنه البشر، وتحقق في قلوبهم ثبوته بهذا الطريق، وأنه يقول ما يقوله عن الله عز وجل فحصلت عقائدهم عن علم ودليل قام لهم فيها بهذا الوجه.
وأما إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن الصواب، ومتى أوجبنا ذلك متى يوجد في العوام يعرف ذلك وتصدر عقيدته عنه، بل يكون أكثر العوام بحيث لو عرض عليهم تلك الدلائل لم يفهموها أصلا فضلا من أن يصيروا أصحاب دلائل ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية وإنما غاية العامى هو أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى زنة من العلماء ويتبعهم في ذلك ويقلدهم ثم يسلمون عليها بقلوب سليمة طاهرة عن الأدغال والأهوال ثم يعضون عليها بالنواجذ فلا يحولون ولا يزودون ولو قطعوا إربا فهنيئا لهم السلامة والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام والورطات التي تورطوا فيها حتى أدت بهم إلى المهاوى والمهالك ودخلت عليها الشبهات العظيمة وصاروا في الآخرة متحيدين عمين ولهذا لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل لأنهم أعرضوا عن ورع اللسان وأرسلوا بما في صفات الله تعالى بجرأة عظيمة وعدم مهابة وحرمة ففاتهم ورع سائر الجوارح. وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان والإنسان كالبنيان يشد بعضه بعضا وإذا خرب جانب منه تداعى سائر جوانبه للخراب ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك الدليل سواء وغاية الواحد منهم في الفلح والعلو على صاحبه بزيادة الحذق في طريقة الجدل وبينهم أوضاع يناظرون عليها ويطالبون الخصم بطردها فإذا لم يفوا بطردها سموها انقطاعا وعجزا وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به برد اليقين ويزداد به مشقة فيما يعتقده وطمأنينة وأنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذى اعتقدوه وساموا جميع المسلمون سلوك طريقة وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى. ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع وهذا هو الخطر الشقاء والداء العضال وإذا كان السواد الأعظم هو العوام وبهم قوام الدين وعليهم مدار رحى الإسلام ولعله لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة الألف والمائتين الألف ممن يقوموا بالشرائط التي يعتبرونها إلا الفذ الفادر والشاذ النادر ولعله لا يبلغ عند العشرة فمتى يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع ويعتقد أنه لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلا وأنهم أمثال البهائم والدواب المسخرة "اهـ
ثانيا: وقال العلاّمة السفاريني (ت 1188ه) في تقرير مذهب أهل السنه في هذه المسألة (لوامع الأنوار البهية 1/269):" والحق الذي لا محيد عنه، ولا انفكاك لأحد منه، صحة إيمان المقلد تقليداً جازماً صحيحاً وأنّ النظر والاستدلال ليسا بواجبين، وأنّ التقليد الصحيح محصل للعلم والمعرفة"اهـ.
ثالثا: وقال الشوكاني (ت 1250ه) في إرشاد الفحول( المسألة الثانية: حكم التقليد في أصول الدين ).
اختلفوا في المسائل العقلية، وهي المتعلقة بوجود الباري وصفاته، هل يجوز التقليد فيها أم لا؟
فحكى الرازي في "المحصول" عن كثير من الفقهاء أنه يجوز، ولم يحكه ابن الحاجب في "المختصر" إلا عن العنبري. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز.
وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في "شرح الترتيب"عن إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف.
قال أبو الحسين بن القطان: لا نعلم خلافا في امتناع التقليد في التوحيد.
وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين، وطائفة من الفقهاء.
وقال إمام الحرمين في "الشامل": لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة.
وقال الإسفراييني: لا يخالف فيه إلا أهل الظاهر.
واستدل الجمهور بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله عز وجل، وأنها لا تحصل بالتقليد؛ لأن المقلد ليس معه إلا الأخذ بقول من يقلده، ولا يدري أهو صواب أم خطأ.
قال الأستاذ أبو منصور: فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل، فاختلفوا فيه: فقال أكثر الأئمة: إنه مؤمن من أهل الشفاعة، وإن فسق بترك الاستدلال، وبه قال أئمة الحديث.
وقال الأشعري، وجمهور المعتزلة: لا يكون مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين. انتهى.
فيا لله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك أدلته.
وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن، وإن فسق، فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه، بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي، وهو الذي كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، بل حرم كثير منهم النظر إلى ذلك، وجعله في الضلالة والجهالة، ولم يخف هذا من مذهبهم، حتى على أهل الأصول والفقه.
قال الأستاذ أبو إسحاق: ذهب قوم من كتبة الحديث إلى أن طلب الدليل فيما يتعلق بالتوحيد غير واجب، وإنما الغرض هو الرجوع إلى قول الله ورسوله، ويرون الشروع في موجبات العقول كفرا، وأن الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في نفسه، وإنما هو طريق إلى حصول العلم، حتى يصير بحيث لا يتردد، فمن حصل له هذا الاعتقاد الذي لا شك فيه، من غير دلالة قاطعة، فقد صار مؤمنا، وزال عنه كلفة طلب الأدلة، ومن أحسن الله إليه وأنعم الله عليه بالاعتقاد الصافي، من الشبهة والشكوك، فقد أنعم الله عليه بأكمل أنواع النعم وأجلها، حين لم يكله إلى النظر والاستدلال، لا سيما العوام، فإن كثيرا منهم تجده في صيانة اعتقاده أكثر ممن يشاهد ذلك بالأدلة. انتهى.
ومن أمعن النظر في أحوال العوام "وجد هذا صحيحا، فإن كثيرا منهم نجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسي، ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام، المشتغلين به، الخائضين في معقولاته التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه، وتنتقض منه عروة عروة، فإن أدركته الألطاف الربانية نجا، وإلا هلك، ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم، المتبحرين في أنواعها، في آخر أمره، أن يكون على دين العجائز، ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى على من له إطلاع على أخبار الناس.
وقد أنكر القشيري، والشيخ أبو محمد الجويني، وغيرهما، من المحققين صحة هذه الرواية المتقدمة عن أبي الحسن الأشعري " اهـ ( إرشاد الفحول 2/241-242).
رابعا: وقد رجح العلاّمة ابن عثيمين- رحمه الله- صحة التقليد في المسائل التي يُطلَب فيها الجزم، وأشار إلى أنّ القول بمنع التقليد في ذلك ضعيف، واستدّل على ذلك، بما يلي:
1- أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فإسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }، وسؤالهم للأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسل عليهم السلام رجال من العقيدة ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم.
2- وقال تعالى{ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين }، ويسألهم ليرجع إليهم، وإذا كان الخطاب هذا للرسول ق ولم يشك، فعامة الناس إذا شكوا في شيء من أمور الدين فإنهم يرجعون إلى الذين يقرؤون الكتاب (أهل العلم) ليأخذوا بما يقولون، وهذا عام يشمل مسائل العقيدة.
3- أننا لو ألزمنا العامي بمنع التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال تعالى:{ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها{، فالصواب والله أعلم: أن ما يُطلب فيه الجزم يُكتفي فيه بالجزم، سواءٌ عن طريق الدليل أو عن طريق التقليد ( شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين (ص308-309، 312).

قال أبو عبد الباري:
لما رأى بعض أهل الكلام أو المتأثرين بهم خطورة هذا المذهب في منع التقليد في العقائد رد على المتكلمين من أصحابه كالغزالي وأبي الحسن السبكي وابن حزم الظاهري، وهذه أقوالهم:

أولا: قول الغزالي
قال الغزالي:" من أشد الناس غلواً وإسرافاً طائفةٌ من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أنّ من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين"
انظر: فيصل التفرقة ضمن مجموعة رسائل الغزالي (3/140).
وقال أيضا في قواعد العقائد:" (ص 75-80):"
إعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ليحفظه حفظا، ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئا فشيئا، فابتداؤه الحفظ ثم الفهم ثم الإعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أول نشوة للإيمان من غير حاجة إلى حجة وبرهان، وكيف ينكر ذلك وجميع عقائد العوام مباديها التلقين المجرد والتقليد المحض، نعم يكون الإعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الإبتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقى إليه، فلا بد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترشح ولا يتزلزل، وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام، بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه، ويشتغل بوظائف العبادات، فلا يزال إعتقاده يزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها، وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم في الخضوع لله عز وجل والخوف منه والإستكانة له، فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر، وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة، فإن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده، وما يفسده أكثر مما يصلحه، بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب، والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا فناهيك بالعيان برهانا، فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين، فترى إعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق، وعقيدة المتلكم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليدا كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا، إذ لا فرق في التقلد بين تعلم الدليل أو تعلم المدلول، فتلقين الدليل شيء والإستدلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه.
ثم الصبي إذا وقع نشوه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق، إذا لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد، فأما البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوه أصلا، وإن أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له أبواب من الهداية تكشف عن حقائق هذه العقيدة بنور آلهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقا لوعده عز وجل إذ قال {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} اهـ.
ثانيا: قول السبكي الوالد
وقال أبو الحسن السُّـبْـكي عن المقلِّدين: الذين لا دليل عندهم ألبته لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بل عندهم عقيدة جازمة قد صمموا عليها وأخذوها عن آبائهم المؤمنين على ما نشئوا عليه من غير نظر أصلا، وهذا في تصويره عُسْر، فإن الظاهر أنّ الإنسان إذا مضى عليه زمن لا بد أن ينظر ويصل إليه من الدلائل ما يحصل له به الالتحاق إلى الطبقة الأولى.
فإن فُرض من ليس كذلك، وأنه ليس عندهم إلا تصميم تقليدي، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون محل الخلاف، فأبو هاشم يقول بكفره، وطائفة من أهل السنة يقولون بإيمانه, ولكنه عاص بترك النظر, والصحيح من مذهب أهل السنة أنه ليس بعاص بل هو مطيع مؤمن ; لأن الله تعالى لم يكلفه إلا الاعتقاد الجازم المطابق وقد حصل، وأما القيام بتقرير الأدلة ودفع الشبه فذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين "اهـ انظر: فتاوى السبكي (2/368).
ثالثا: قول ابن حزم الظاهري
قال أبو محمد بن حزم ( ت 456ه) في الفصل (4/29-31):"
( هل يكون مؤمنا من اعتقد الإسلام دون استدلال، أم لا يكون مؤمنا مسلما الإمن استدل )
قال أبو محمد: ذهب محمد بن جرير الطبري والأشعرية كلها حاشا السمناني إلى أنه لا يكون مسلما إلا من استدل وإلا فليس مسلما، وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الاشعار من الرجال والنساء أو بلغ المحيض من النساء ولم يعرف الله عز وجل بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال فهو كافر حلال الدم والمال، وقال: إذا بلغ الغلام أو الجارية سبع سنين وجب تعليمها وتدريبهما على الاستدلال على ذلك، وقالت الأشعرية: لا يلزمها الاستدلال على ذلك إلا بعد البلوغ.
قال أبو محمد: وقال سائر أهل الإسلام كل من اعتقد بقلبه إعتقادا لا يشك فيه وقال بلسانه لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإن كل ما جاء به حق وبرئ من كل دين سوى دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مسلم مؤمن ليس عليه غير ذلك.
قال أبو محمد: فاحتجت الطائفة الأولى بأن قالت: قد اتفق الجميع على أن التقليد مذموم، وما لم يكن يعرف باستدلال فإنما هو تقليد لا واسطة بينهما، وذكروا قول الله عز وجل {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} وقال تعالى { قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم }
{ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه} وقال تعالى {أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} وقال تعالى {وقالوا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}. وقالوا: فذم الله تعالى اتباع الآباء والرؤساء، قالوا: وبيقين ندري أنه لا يعلم أحد أي الأمرين أهدى، ولا هل يعلم الآباء شيئا أو لايعلمون الإ بالدليل.
وقالوا: كل ما لم يكن يصح بدليل فهو دعوى، ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما لكن بالدليل، قال الله عز وجل {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} قالوا: فمن لا برهان له فليس صادقا في قوله.
وقالوا: ما لم يكن علما فهو شك وظن، والعلم هو إعتقاد الشئ على ما هو به عن ضرورة أو إستدلال.
قالوا: والديانات لا يعرف صحة الصحيح منها من بطلان الباطل منها بالحواس أصلا، فصح أنه لا يعلم ذلك إلا من طريق الاستدلال، فإذا لم يكن الاستدلال فليس المرء عالما بما لم يستدل عليه، وإذا لم يكن عالما فهو شاك ضال. وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الملك في القبر:" ما تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن أو الموقن فإنه يقول هو محمد رسول الله، قال: وأما المنافق أو المرتاب فإنه يقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" ( ) قالوا: وقد ذكر الله عز وجل الاستدلال على الربوبية والنبوة في غير موضع من كتابه، وأمر به وأوجب العلم به، والعلم لا يكون إلا عن دليل كما قلنا.
قال أبو محمد: هذا كلما موهوا به قد تقصيناه لهم غاية التقصي، وكل هذا لا حجة لهم في شئ منه على ما نبين بحول الله وقوته إن شاء الله تعالى لا إله إلا هو بعد أن نقول قولا تصححه المشاهدة: إن جمهور هذه الفرقة أبعد من كل من يتمنى إلى البحث والاستدلال عن المعرفة بصحة الدلائل فأعجبوا لهذا { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين }.
قال أبو محمد: أما قولهم قد أجمع الجميع على أن التقليد مذموم وأن ما لا يعرف باستدلال فإنما هو أخذ تقليد إذ لا واسطة بينهما فإنهم شغبوا في هذا الإمكان وولبوا فتركوا التقسيم الصحيح ونعم أن التقليد لا يحل البتة وإنما التقليد أخذ المرء قول من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يأمرنا الله عز وجل باتباعه قط ولا يأخذ قوله بل حرم علينا ذلك ونهانا عنه وأما أخذ المرء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي افترض علينا طاعته وألزمنا اتباعه وتصديقه وحذرنا عن مخالفة أمره وتوعدنا على ذلك أشد الوعيد فليس تقليدا بل هو إيمان وتصديق واتباع للحق وطاعة لله عز وجل وأداء للمفترض، فموه هؤلاء القوم بأن أطلقوا على الحق الذي هو اتباع الحق اسم التقليد الذي هو باطل.
وبرهان ما ذكرنا: أن أمرءا لو اتبع أحدا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول قاله لأن فلانا قاله فقط، واعتقد أنه لو لم يقل ذلك الفلان ذلك القول لم يقل به هو أيضا، فإن فاعل هذا القول مقلد مخطى عاص لله تعالى ولرسوله ظالم آثم، سواء كان قد وافق قوله ذلك الحق الذى قاله الله ورسوله أو خالفه، وإنما فسق لأنه اتبع من لم يؤمر باتباعه، وفعل غير ما أمره الله عز وجل أن يفعله، ولو أن امرءا اتبع قول الله عزوجل وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان مطيعا محسنا مأجورا غير مقلد، وسواء وافق الحق أو وهم فأخطأ، وإنما ذكرنا هذا لنبين أن الذي أمرنا به وافترض علينا هو اتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وأن الذي حرم علينا هو اتباع من دونه أو اختراع قول لم يأذن به الله تعالى فقط، وقد صح أن التقليد باطل لا يحل، فمن الباطل الممتنع أن يكون الحق باطلا معا، والمحسن مسيئا من وجه واحد معا، فإذ ذلك كذلك فمتبع من أمر الله تعالى باتباعه ليس مقلدا ولا فعله تقليدا، وإنما المقلد من اتبع من لم يأمره الله تعالى، فسقط تمويههم بذم التقليد، وصح أنهم وضعوه في غير موضعه، وأوقعوا اسم التقليد على ما ليس تقليدا وبالله تعالى التوفيق.
وأما احتجاجهم بذم الله اتباع الأباء والكبراء فهو مما قلنا آنفا سواء بسوء، لأن اتباع الأباء والكبراء وكل من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من التقليد المحرم المذموم فاعله فقط، قال الله عز وجل {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} فهذا نص ما قلنا ولله الحمد.
قال أبو محمد: وأما احتجاجهم أنه لا يعرف أي الأمرين أهدى، ولا هل يعلم الآباء شيئا أم لا إلا بالدلائل، وأن كل ما لم يصح به دليل فهو دعوى، ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما وذكرهم قول الله تعالى {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فإن هذا ينقسم قسمين: فمن كان من الناس تنازعه نفسه إلى البرهان ولا تستقر نفسه إلى تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسمع الدلائل فهذا فرض عليه طلب الدلائل لأنه إن مات شاكا أو جاحدا قبل أن يسمع من البرهان ما يثلج صدره فقد مات كافرا، وهو مخلد في النار وهو بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى المعجزات فهذا أيضا لو مات مات كافرا بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام.
وإنما أوجبنا على من هذه صفته طلب البرهان لأن فرضا عليه طلب ما فيه نجاته من الكفر قال الله عز وجل { قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } فقد افترض الله عز وجل على كل أحد أن يقي نفسه النار فهؤلاء قسم، وهم الأقل من الناس.
والقسم الثاني: من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكن قلبه إلى الإيمان ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله عز وجل له وتيسيرا لما خلق له من الخير والحسنى، فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان ولا تكليف استدلال، وهؤلاء هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والاكرة والعباد وأصحاب الحديث الأيمة الذين يذمون الكلام والجدل والمرآء في الدين " اهـ.

قال أبو عبد الباري:
وبعكس هؤلاء المتكلمين الذين وافقوا أهل السنة وخالفوا جماعتهم، فقد وافق المتكلمين في منع التقليد في العقائد بعض أئمة السنة كابن جرير الطبري والخطيب البغدادي، ولعل يأتي نقل كلامهم في وقت آخر

محبكم أبو عبد الباري.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس