عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 16-03-03, 03:15 AM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

اطلعت بفرط العجب على ما كتبه الأخ الفاضل مبارك – بارك الله في علمه – معقباً على بحثي المتواضع الذي كتبته في التفرقة بين منهج المتقدمين والمتأخرين من المحدثين ، وقد أفرحني تعقب الأخ الفاضل لما لمست في كلامه من حرص على السنة ، ولكن أثارت انتباهي مسائل عدة أوقفتني كثيراً عند كلامه سطرت الجواب عنها في نقاط سائلاً الله تعالى أن ينفع بي وبه الإسلام والمسلمين ، وإن مما أثار انتباهي أنه كتب المقال وكرره ثلاث مرات ؛ ولو كان من غيره لقلت إنه يريد تكثير الكلام . لكن عتبي على الأخوة المشرفين كيف لم ينتبهوا إلى حذف كلامه المكرر :
أما نقدي له فيتلخص بالآتي :
1- في الفقرة الأولى من كلام الأخ المبارك تخليط فاحش إذ إنه أراد أن يحلل كلام الإمام البخاري ثم عجز عنه . وذكر أن الطريقين الذين ذكرهما البخاري لا يقاومان رواية هشام لضعفهما ، وهذا منه عجيب ولا أدري كيف ذهب هذا المذهب ، إذ إن الإمام البخاري -الذي لم تنجب الدنيا مثله في الحفظ والإتقان -لم يذكر طريق عبد الله بن سعيد المقبري للاستدلال به ؛ وإنما ليوضح وهم هشام بن حسان في رفع الحديث ، وأن الوهم دخل إليه بسب رواية عبد الله بن سعيد المقبري .
ثم ذكر بعده طريق يحيى بن صالح عن عمر بن حكم بن ثوبان سمع أبا هريرة ، فذكره موقوفاً . مشيراً بذلك إلى أن الرواية الموقوفة هي الصواب خصوصاً إذا ما علمنا أن النسائي ذكر طريقاً أخر لهذا الحديث بسند صحيح من طريق عبد الله بن المبارك،عن الأوزاعي ، عن عطاء بن أَبِي رباح ، عن أَبِي هريرة ، به ، موقوفاً أيضاً ، وهذه الرواية تعضد رواية يحيى بن صالح .
2- إن عدم إفصاح الإمام الجليل أحمد بن حنبل رحمه الله لا يضر ؛ إذ إن من المعلوم أن الأئمة الأعلام قد لا يذكرون السبب اكتفاءاً منهم بالرفض مطلقاً ؛ فجهابذة العلماء لمجرد ردهم وقولهم برفض أمر ما لا يسألون عن السبب ؛ إذ إنهم ليسوا من المبتدئين الذي يطالبون بالدليل ، وليس المقصود من ذلك تهوين أمر الدليل . وعلى كل حال فإن الدليل موجود وقد تقدم شرحه .
وقد شرح الخطابي كلام الإمام أحمد فقال :(( يريد أن الحديث غير محفوظ )) نصب الراية 2/448 ، وقال المناوي في فيض القدير 6/128 : (( أنكره أحمد )) .
أما من حيث تصحيح الإمام ابن خزيمة فقد ذكره في صحيحه ( 1960 و1961 ) ، وإذا علمنا أن منهج الإمام ابن خزيمة هو تخريج الأحاديث التي يكون ظاهر إسناده الصحة ؛ إذ قَالَ في مقدمة الصحيح : (( مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ، بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه  من غير قطع في أثناء الإسناد ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشية الله تعلى )) .
وحديث هشام مستوفٍ لشرطه ، ومع هذا ففيه علة خفية في متنه ، وهي الوقف كما سبق إيضاحه ، أي أن تصحيح ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم -رحمهم الله -يعود إلى اجتهادهم في ذلك ، ولا يصح اعتباره رداً على حكم الإمام أحمد رحمه الله .
ومعلوم لدى المبتدئين إنهم متساهلون في تصحيح الأخبار ، ولا يبلغون رتبة الإمام أحمد .
3-وبالنسبة إلى كلام البيهقي -رحمه الله -وأنه راجع إلى اختيار الإمام أحمد والإمام البخاري فهذه مسألة مُسَلَّمْ بها ولا ضير فيها ؛ إذ له الحق في أن لا يعول على غيرهما فهو لم يتابع شيخه الحاكم في تصحيح الحديث ، وإنما ينقل كلام الإمامين الجليلين من غير رد عليهما ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على موافقته لهم ، والله أعلم بالصواب .
4- قوله : زعم تفيد القول بلا دليل .
نقول : إن هذا الذي بتَّ به مبارك وكأنه أمرٌ مسلم به لا ينـزل ليناقش أو يمحص ، يظهر بعد التمحيص وأدنى مناقشة على غير ما اعتقد وبتَّ .
ف‍ ( زعم ) كلمة تطلق ويراد بها الحق وغيره وتتكفل بمعرفة معناها السياقات والقرائن التي تكتنف هذه الكلمة ، وإن كانت تطلق أكثر ما تطلق على المشكوك به . إلا أنه ليس وجهاً عاماً قَالَ الزبيدي في تاج العروس 8/24 : (( وقيل – أي ربما – هو القول يكون الحق ويكون الباطل قَالَ ابن الأعرابي :
وإني أدين لكم أنه يجيزيكم ربكم ما زعم ))
وهل زعمُ الرب إلا وعده الحق الذي لا يخلفه .أما تفسيرها في كثير من المعاجم بأنه الكذب وما شاكله فهو تفسيرٌ مجرد من القرائن والسياقات وهذا هو منهج المعاجم ، ويفصله ما نقلناه عن الزبيدي وما قاله النووي في شرح حديث ضمام بن ثعلبة-مسلم 1/41-الذي قَالَ لرسول الله : (( وزعم رسولك أنك تزعم ... )) قَالَ النووي 1/141 شارحاً ومبيناً : ( قوله : ( زعم
وتزعم ... ) مع تصديق رسول الله  إياه دليل على أن زعم ليس مخصوصاً بالكذب ، والقول المشكوك فيه ، بل يكون أيضاً في القول المحقق ، والصدق الذي لا شك فيه ، وقد جاء من هذا كثيرٌ في الأحاديث ، وعن النبي  قَالَ : ( زعم جبريل كذا ) . وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله : زعم الخليل ، زعم أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق . وقد نقل جماعات من أهل اللغة وغيرهم ، ونقله أبو عمر الزاهد في "شرح الفصيح" عن شيخه أبي العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين ، والله أعلم ) .
5-أما من حيث كلام العلامة الألباني فقد أوضح الشيخ الكريم أن تعقب الألباني كان بعد نقل كلام الإمام البخاري بينما كان تعقبه بعد نقله لكلام الإمام الترمذي ، ونبهنا على ذلك لكي يتثبت الناقل مما ينقله .
6-أما قول العلامة الألباني من أن البخاري وغيره ضعفوا الحديث لتفرد عيسى بن يونس فمردود ؛ لأن من ادعى تفرد عيسى بن يونس به هو الإمام الترمذي فقط .
7-أما من حيث كلامه إن هشام ثقة ممن احتج به الشيخان فأقول : بأن أوثق الرواة من الممكن أن يقعوا في الوهم .
8- قوله : ربما تفيد التقليل لا الديمومة .
أقول : سلَّم الشيخ بأن ربما تفيد التقليل لا الديمومة ، وكأنه أمر متواتر مقطوع به لا يقبل النقض ولا يرقى إليه خلاف . ونحن لا نعتنق مذهبه فقد قَالَ ابن هشام في "مغني اللبيب" 1/180 :
[ وليس – أي ربما – معناها التقليل دائماً ولا التكثير دائماً ... بل ترد للتكثير كثيراً ، وللتقليل قليلاً ، ومنها قوله تعالى  رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ  الحجر:2 ، وفي الحديث
(( يا ربَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة )) البخاري 1/62 ( 1126 ) ] . وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 5/442 : (ودعوى الاتفاق على أنها موضوعة للتقليل باطلة ) . هذا ، وفي معنى ربَّ خلاف يعرفه أدنى مطالع للمعاجم العربية أو كتب النحو .
ثم أقول : إن الكلمات لا تؤخذ معانيها مجردة عما هي فيه من جمل وما يحفها من سياقات وقرائن .

9- إن تضعيف الإمام أحمد لرواية الدراوردي عن عبيد الله لم يكن أمراً اعتباطياً ، إنما هو نتيجة من هذا الإمام المبجل ، عن استقراء وسبرٍ تامين لمرويات الدراوردي عن عبيد الله .
وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 5/395 : (( ما حدث عن عبيد الله بن عمر فهو عن عبد الله بن عمر )) . ( وهو في تهذيب الكمال 4/528 ) .
وفيه أيضا 5/396 : (( وربما قلب حديث عبد الله العمري ، يرويه عن عبيد الله بن عمر )) .
وقال النسائي : (( حديثه عن عبيد الله العمري منكر )) التقريب : (4119) .
وشيخنا الدكتور بشار وشعيب الأرناؤوط ، على الرغم من أنهما حاولا جاهدين انتقاد ابن حجر ، إلا أنهما قالا في هذا الموضع : (( وكتاب الدراوردي صحيح ، كما قال الإمام أحمد وغيره ، لكنه كان يغلط في أحاديث عبد الله بن عمر العمري الضعيف ، فيجعلها عن عبيد الله بن عمر الثقة ، ومن أجل هذا الأمر تكلم فيه من تكلم ، فيلاحظ هذا . وباقي حديثه صحيح )) التحرير 2/372 .
ثم من هؤلاء الحفاظ الذين ذكرتهم قبلوا رواية الدراوردي عن عبيد الله ؟ مخالفين إمام أهل السنة والجماعة الإمام المبجل أحمد بن حنبل .
ذكرت يعقوب ، ومن يعقوب أمام الإمام أحمد ؟ ومن يعقوب أمام الإمام النسائي ؟ ثم لم تذكر لنا قوله وعبارته !! وكذلك ذكرت أنَّ من صححها الترمذي وابن خزيمة والحاكم وابن حزم وضياء الدين المقدسي . أين ألفاظهم ؟ وماهي عباراتهم ؟ ، أم أنك تعد تخريجهم لحديث الدراوردي عن عبيد الله تصحيحاً ، وأنت قبل غيرك تعلم أنهم متساهلون في التصحيح ، وأن التخريج والحكم على الأحاديث يختلف عن الحكم عن الرجال .
10-وذكرت أن ابن حجر صحح رواية الدراوردي عن عبيد الله ،أين ومتى وكيف ؟ ؟ وفي التقريب ما يرُّد على كلامك ، ثم أنت أحلت في مناقشة كلام النسائي إلى موضوعٍ آخر وأنت تعلم قبل غيرك أن مثل هذا في المناظرة ممنوعٌ .
11- طعنت في رواية وكيع عن العمري عن نافع ...
أقول : على الرغم من أن العمري هنا يحتمل أن يكون عبيد الله أو عبد الله - لأن المزي لا يستوعب الرواة عن المترجمين ، إنما يختصر على الكتب الستة ويزيد أحياناً من غير ذكر الرقوم - فهو متابع كما في الروايات الأخرى الموقوفة التي تكلفت بغمزها .
12-فإحداها : طعنت فيها بعثمان بن إبراهيم الحاطبي ؛ إذ اعتمدت على اللسان فذكرت ما ينفعك وتركت ما يضرك فالترجمة في الميزان 3/30 : (( له ما يُنكر ، وقال أبو حاتم عن أبيه : له أحاديثٌ منكرة )) وقد صحح ابن حجر هذا ، فقال : (( لفظ أبي حاتم روى عنه ابنه عبد الرحمان أحاديث منكرة وذكره ابن حبان في الثقات )) . اللسان 4/130-131 .
فيعلم من هذا أن الروايات المنكرة ما جاءت من طريق ابنه ، ثم إنك قد أهملت قوله : (( وذكره ابن حبان في الثقات )) . وهو في الثقات 5/159 ، وهذا لو كان من غيرك لاعتبرناه مخلاً بالأمانة .
فمثله إذاً يصلح للمتابعات وقد توبع .
13-أما الرواية الثانية : فلا أدري كيف تجرأت بغمزها بكليب ، وهو من رجال البخاري ، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره ولم يغمزه سوى أبو حاتم ؛ لذا لم يستطع الحافظ ابن حجر في التقريب (5663) أن ينـزله عن مرتبة صدوق . فهل مثله عندك لا يصلح للمتابعات .
14-ثم إنك قد غمزت خلاد بن يحيى بن صفوان ، وقد قال فيه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (2814) : (( ثقة أحد شيوخ البخاري )) .
وقد ذكره الإمام الذهبي في الميزان 1/657 لخطئه القليل وصدر الترجمة بعلامة التصحيح بمعنى أن الصحيح قبول توثيقه .
بعد هذا لاشك في صحة الرواية الموقوفة ، ولا أدري كيف قلت ما قلت ، وتركت قول الإمام المبجل أحمد بن حنبل : (( إنما هو موقوف )) الضعفاء الكبير 3/21 ، وسير أعلام النبلاء 8/367 .
وفي هذين المصدرين أن الإمام أحمد أنكر الرواية المرفوعة ، فعلى هذا يكون آخر قول الأخ الفاضل فيه ما فيه .
ختاماً : أنصح الأخ الفاضل مبارك بالتأني والتأتي قبل إصدار أحكامه ، وقبل مصادرته لكلام الآخرين ؛ فإن هذا العلم بحرٌ لا ساحل له يفنى عمر الإنسان ولا يستطيع أن يبلغ نهايته ، وأرجو أن لا يحمل في قلبه شيئاً علي ، فوالله ما كتبت انتصاراً لنفسي ؛ وإنما هو النصح لي وله ، فأسأل الله أن يحسن عاقبتي وإياه في الأمور كلها ، وأن يجيرنا من خزي الدنيا والآخرة .
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس