ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-04-12, 12:46 AM
محمود البغدادي محمود البغدادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-04-12
المشاركات: 144
افتراضي ملخص عن المعتزلة للشيخ ناصر الأحمد

بسم الله الرحمن الرحيم
المعتزلة
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد لله..
أما بعد:
الاعتزال لغة: مأخوذ من اعتزال الشيء بمعنى تنحى عنه، واعتزلت القوم أي فارقتهم، ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [(21) سورة الدخان].
اصطلاحاً: هو اسم يطلق على فرقة ظهرت في الإسلام في أوائل القرن الثاني، وسلكت منهجاً عقلياً متطرفاً في بحث العقائد الإسلامية، وهم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل عن مجلس الحسن البصري.
لماذا سموا بهذا الاسم:

اسم الاعتزال ظهر أثناء الحروب التي حصلت في عهد علي -رضي الله عنه- فمن اعتزل السياسة أطلقت عليه، ومن اعتزل العبادة أطلقت عليه، لكن هذا الاسم لم تطلق على فئة معنية بعينها.
ثم إن هذه الحروب أورثت خلافاً بين المسلمين، وهذا الاختلاف أدى إلى الاختلاف في بعض المسائل كل يرى بأن الصواب معه، ثم أخذوا يبحثون في حكمها وصار هناك فرق وأصبحت كل فرقة تضع حكماً مخالفاً للأخرى.
ومن هذه المسائل التي طرحت على بساط البحث مسألة مرتكب الكبيرة، فصارت كل فرقة تضع حكماً فصار هناك أحكاماً متناقضة على إثرها حصلت قصة السائل المشهورة الذي أتى إلى الحسن البصري -رحمه الله- في حلقته.
والقصة كما ذكرها الشهرستاني وغيره أنه دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، فلا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
ففكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً بل هو في منـزلة بين المنـزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزلنا واصل فسمي هو وأصحابه المعتزلة.
بعض الألقاب التي تطلق على المعتزلة:
- المعتزلة: أي المنشقين، وقد بينا سبب تسميتهم بذلك، وبعدما ثبت هذا الاسم عليهم ورأوا أنه لا خلاص لهم من هذا الاسم أخذوا يبرهنون على فضله وأن المراد به الاعتزال عن الأقوال المحدثة والمبتدعة، وبرهنوا على ما يقولون ببعض النصوص مثل قوله تعالى: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [(10) سورة المزمل] وذلك لا يكون إلا بالاعتزال منهم.
- ويطلق عليهم أيضاً الجهمية: وسبب تسميتهم بهذا الاسم هو أنه لما كانت الجهمية سبقت المعتزلة في الظهور واشتهرت ببعض آرائها ثم خرجت المعتزلة وكانت موافقة للجهمية في مسائل كثيرة، مثل نفي الرؤية والصفات وخلق القرآن فكأن توافق الفرقتين جعلها كالفرقة الواحدة، وبما أن الجهمية أسبق بمسائلها، والمعتزلة أخذتها منها لذا أصبح يطلق على كل معتزلي جهمي وليس العكس، ولذلك أطلق أئمة الأثر لفظ الجهمية على المعتزلة، فالإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" والبخاري في الرد على الجهمية إنما يعنون بالجهمية المعتزلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المئة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى... وطلبوا أهل السنة للمناظرة... لم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلياً؛ لأن جهماً أشد تعطيلاً لنفيه الأسماء والصفات..."
- ويطلق عليهم أيضا المعطلة: كان أهل السنة يطلقون على الجهمية الأولى نفاة الصفات اسم المعطلة لتعطيلها الله تعالى عن صفاته، أي تجريده تعالى منها وكانوا يقصدون من وراء هذه التسمية ذم الجهمية، وحين قام المعتزلة واقتبسوا عن الجهمية الأولى قولها بنفي الصفات لزمهم اسم المعطلة، لذا نجد من كلام أهل السنة كابن القيم -رحمه الله- يستعمل في كلامه عن المعتزلة لفظ المعطلة للدلالة عليهم وقد وضع كتابه -الصواعق المرسلة في الرد على الجهميه والمعطلة- وهو يقصد الرد على المعتزلة بالدرجة الأولى.
متى وأين ظهرت المعتزلة؟
يقول المعتزلة في كتبهم - وقولهم باطل وغير صحيح - يقولون بأن مذهبهم قديم أقدم من واصل بن عطاء، وهم يعدون كثيراً من أهل البيت من رجال مذهبهم، ولذلك يقولون بأن الاعتزال إنما يعود إلى علي بن أبي طالب، وأن ابنه محمد بن الحنفية أخذ عنه هذا المذهب ثم أورثه محمد لابنه أبي هاشم أُستاذ واصل.
والصحيح بأن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء المولود سنة 80 هـ والمتوفى سنة 131 هـ وأنه نشأ في البصرة ما بين سنة 105 هـ إلى 110 هـ نتيجة المناظرة التي ذكرناها في أمر صاحب الكبيرة، فخرج واصل برأيه المخالف لشيخه الحسن البصري، وبعد ذلك أضاف إلى رأيه في مرتكب الكبيرة آراء أخرى أصبحت فيما بعد من أصول المعتزلة، ومن ثم أخذ كل عالم من علمائهم يأتي برأي حتى تكونت هذه الفرقة.
والمتأمل في آراء المعتزلة يجد أنها خليط من آراء ومعتقدات فرق أخرى سبقت المعتزلة، ففكرة الاختيار ومسئولية الإنسان عن أفعاله أخذها المعتزلة عن القدرية.

والقول بنفي الصفات وخلق القرآن وعدم رؤية الله بالأبصار في الآخرة، أخذها المعتزلة عن الجهمية. وأخذوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الخوارج، واتفقوا مع الشيعة في كثيرٍ من الآراء الخاصة بالإمامة كقولهم بوجوب وجود الإمام في كل عصر.
أما المكان، فلا خلاف بأن البصرة هي مكان نشأة الاعتزال، وإن كان المعتزلة أنفسهم يقولون بأن منشأهم بالمدنية؛ حيث يقولون بأن أول من قام بالاعتزال أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية، والاثنان كانا يسكنان المدينة، وفي المدينة ولد واصل بن عطاء وسكن فيها في صباه وأخذ واصل الاعتزال عن أبي هاشم ثم حمله معه من المدينة إلى البصرة.
ما هي أسباب أو عوامل ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم:
1- تخلي الأمة عن مهمات الأمور التي وجدت لأجله:
إن هذه الأمة أمة رسالة، ومن رسالة هذه الأمة الجهاد في سبيل الله حصلت في بعض الفترات ركود حركة الفتح واستقرار المسلمين في الأمصار فأدى هذا الفراغ إلى نشوء مشاكل اجتماعية كثيرة، وكان لزاماً على علماء المسلمين أن يدرسوا هذه المشاكل ويجدوا لها الحلول الشرعية الشافية ومن هذه المشاكل التي أثيرت مسألة مجرمي الأمة أو ما يدعون مرتكبي الكبائر التي ما دون الشرك؛ وذلك أنه كثر تجرؤ الناس على ارتكاب الكبائر، على خلاف ما كان من قبل، وتوسع الناس في ضروب اللهو والترف وأسباب الفساد فحزّ ذلك في نفوس القوم ولا سيما أهل العلم والأخيار، وساءهم أن يروا إخوانهم المسلمين يجترئون على المعاصي فعكفوا على دراسة هذه المشكلة، وهذه المشكلة ما ظهرت أصلاً إلا بعد توقف الجهاد فترة وإلا والناس مشتغلون بمهمات الأمور لا يكفرون بسفاسفها، ولوجود آراء مختلفة أصلاً ومدارس عقدية مختلفة صار كل يدلى بدلوه ويصدر حكماً في هذه المسألة، ومن الذين أفتى في المسألة المعتزلة مساهمة منهم في حل بعض المشاكل الموجودة فزادوا المشاكل مشاكل وأحدثوا من البدع والأقوال المخالفة للكتاب والسنة ما يتضح لك بعد قليل.
رأي أهل السنة في مرتكبي الكبيرة التي ما دون الشرك أنه مؤمن، فكبيرته لا تخرجه من الإيمان ولا تدخله في الكفر، ولهم في ذلك أدلة، منها النصوص الناطقة بإطلاق المؤمن على المعاصي كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [(178) سورة البقرة] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} [(8) سورة التحريم]، ومنها إجماع الأمة من زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى وقتهم على الصلاة على من مات من المسلمين من غير توبة والدعاء له ودفنه في مقابر المسلمين مع علمهم بحاله.
رفض الخوارج حكم أهل السنة وقالوا: بأن مرتكب الكبيرة والصغيرة كافر بمجرد ارتكاب الذنب فهو كافر مخلد في النار.

اعترض المرجئة على حكم الخوارج وكونوا رأياً كان بمثابة الرد على الخوارج فقالوا: نظراً لأن الإيمان هو عمود الدين وليس العمل داخلاً في الإيمان وأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة قالوا: بأن مرتكب الكبيرة مؤمن وأرجؤوا أمر معصيته إلى الله تعالى يوم القيامة ليحكم فيه بما يشاء.
تم تعاظم الخلاف بين الفرق الإسلامية واحتدم الجدل، وصارت تعقد حلقات المناظرة في مساجد البصرة بهذا الشأن ومن أهمها حلقة الحسن البصري والقصة التي ذكرناها.
ومما يلفت الانتباه أن واصلاً عندما خرج بهذا الرأي الشاذ الغريب خالف الخوارج وقال بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر؛ لأن الخوارج تقول بكفره، وافقهم على تخليده في النار يوم القيامة، لكنه استدرك على نفسه كما يقول البغدادي فقال: يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار.
ومن الطوام التي قال بها واصل أنه قال في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال إن أحد الفريقين لا محالة فاسق مخطئ غير أنه لا يستطيع أن يعين أيهما المخطىء، لذا فلا يقبل شهادتهما كذلك قال في أصحاب الجمل وصفين أن أحدهما مخطئ فاسق وقد يكون الفسقة في الفريقين، ولما كان يشك فيهما كليهما ولا يعرف أيهما الفاسق، رفض شهادتهما.
وذهب صاحبه عمرو بن عبيد إلى أبعد من ذلك فحكم بفسق الفريقين من أصحاب الجمل وصفين ولم يقبل شهادتهما جميعاً.
ولا نريد التفصيل في كل آراء المعتزلة وطوامهم لكن نخلص إلى أن محاولة منهم في إيجاد حلول لبعض هذه المسائل والمشاكل المطروحة، بسبب الفراغ من جهة، والترف الفكري من جانب آخر كل هذا وغيره ساعد على ظهور وبروز المعتزلة وانتشار أفكارهم.
2- العامل الثاني من عوامل ظهور المعتزلة: أثر الديانات الأخرى:
بعد أن ظهر الإسلام وانتشر في الجزيرة لم يبق محصوراً فيها بل أخضع المسلمون أراضي كثيرة تحت حكم الإسلام، ولاشك أن تلك البلاد كانت لها دياناتها قبل الإسلام.
ففي الشام ومصر كانت المسيحية واليهودية، وفي العراق وفارس كانت المجوسية. فكان لزاماً على المسلمين أن يعيشوا بين أرباب تلك الأديان، وكان لابد لهم من الاتصال المستمر بهم وهذا الاتصال والاحتكاك لابد وأن يكون له تأثير، مع أن أئمة السلف كانوا لا يقرون ولا يرضون بهذا التأثير لكن تم التأثير بطرق مختلفة:
- منها ترجمة بعض الكتب القديمة وبعض العلوم والفلسفات والتي أثرت على عقائد بعض المسلمين.
- ومنها دخول أهل الملل الأخرى في الإسلام حيث جاءوا بمعارف مختلفة أثرت على عقائد المسلمين.
- ومنها أن بعض من دخل في الإسلام نقل بعض المعتقدات معه عن غير عمد ونشرها بين أهله، فكان لها دور في التأثير.

- ومنها أن بعض من اعتنق الإسلام لم يكن عن إيمان وإنما لغايات في نفوسهم، فبعضهم طمعاً لمال أو جاه، وبعضهم بدافع الحقد؛ لأن المسلمين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فصاروا يُروّجون بين أبناء المسلمين أفكاراً لا تقره عقيدتهم فكان لها شأن من التأثير.
ثم لما توطدت أركان دولة الإسلام وتوسعت أعمالها في عهد بني أمية، صاروا يعتمدون في تصديق شئون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين فأسندوا إليهم أعمال الدواوين، وكانوا بلا شك يحيون بين ظهراني المسلمين ويحتكون دوماً بهم والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي، والآراء سريعة الانتقال، وكان من أولئك من يثيرون بعض المسائل العقدية بين المسلمين، وكان العلماء يحذرون الناس من ذلك ومن الخوض فيها لكن قام من بين المسلمين رجال كان عندهم شيء من الجرأة وحب الاستطلاع فأقبلوا على بعض علوم أولئك القوم يدرسونها ويقابلونها بتعاليم الإسلام ثم كان أولئك الرجال هم المعتزلة، فكانوا يحتكون بالديانات السائدة وهذا كان عاملاً قوياً في ظهور المعتزلة، حيث تأثروا بتلك الديانات.
فكان لليهود بعض الأثر في ظهور المعتزلة: فهم الذين نشروا المقالة في خلق القرآن - يروي ابن الأثير أن أول من نشرها من اليهود هو لبيد بن الأعصم- عدو النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يقول بخلق التوراة، ثم أخذ ابن أخته طالوت هذه المقالة عنه وصنف في خلق القرآن، فكان أول من فعل ذلك في الإسلام.
وذكر الخطيب البغدادي أن بشراً المريسي أحد كبار الدعاة إلى القول بخلق القرآن، كان أبوه يهودياً صباغاً في الكوفة، وبهذا يتضح أثر اليهود في المعتزلة.

أما المسيحية فكان تأثيرهم أكبر وإليك بعض الأدلة:
1- الأمويين -عفا الله عنا وعنهم- قربوا النصارى واستعانوا بهم وأسندوا إليهم بعض المناصب، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان "سرجون بن منصور الرومي" المسيحي كاتبه وصاحب أمره، وبعد وفاة معاوية بقيت لسرجون مكانته، فكان يزيد يستشيره في الملمّات ويسأله الرأي، ثم ورث تلك المكانة ولده "يحيى" الذي خدم الأمويين، فاحتكاك المسلمين بأولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثراً، ثم ذكرت كتب التاريخ أنه اشترك المسلمون والمسيحيون في مناظرات دينية وطال بينهم الجدل كانوا في غنى عنها.
2- ومن الأدلة: ما ورد في كتب التاريخ نصوص تشير إلى أن المسلمين أخذوا عن المسيحيين بعض أقوالهم، فأول من تكلم في القدر في الإسلام معبد الجهني الذي أخذ هذه المقالة عن نصراني يقال له أبو يونس.
3- ومن الأدلة: الشبه الكثير بين عقائد المعتزلة وبين أقوال يحيى ابن سرجون كاتب معاوية فمنها:
- القول بخير الله: كان يحيى يقول: إن الله خير ومصدر كل خير، والمعتزلة كانوا يذهبون إلى أن الله لا يفعل الشر.

- ومنها: القول بالأصلح: كان يحيى يرى أن الله يهيء لكل شيء في الوجود ماهو أصلح له، وهذا شبيه بعقيدة الأصلح عند المعتزلة الذين يقولون بأن الله لا يفعل إلا ما فيه صلاح العباد.
- ومنها: نفي الصفات: فكان يحيى ينفي الصفات الأزلية وعقيدة المعتزلة قائم على نفي الصفات.
من هذا العرض يتضح لنا أن للديانات الأخرى أثر في نشأة المعتزلة وخصوصاً اليهودية والمسيحية وأن أثر المسيحية أكبر من غيره.

3- العامل الثالث من عوامل ظهور المعتزلة: مناصرة بنى العباس لهم:
كان ظهور المعتزلة في العصر الأموي، وكانوا قد أدركوا نقطة مهمة جداً استفادوها من تجارب التاريخ وهو نقمة ونكاية الخلفاء ببعض الفرق قبلهم كالقدرية، فعلموا أنه لا بقاء لهم دون سند قوي يشد من أزرهم فخطر لهم أن يستعينوا بالسلطة والحكام، وبذلوا في ذلك وبعد جهاد طويل دام ما يقارب قرناً من الزمان، حققوا ما يريدون، فبدأوا بالالتفات حول اليزيد بن الوليد بن عبد الملك، كذلك التفوا حول مروان بن محمد -آخر خلفاء بني أمية- حتى أنه صار يلقب بالجعدي؛ لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبة في خلق القرآن، ولما مضى الأمويون وابتدأ حكم العباسيين أخذ المعتزلة يرفعون رؤوسهم في حكم أبي جعفر المنصور -ثاني خلفاء بني العباس- ذلك أن عمرو بن عبيد كان صديقاً لأبي جعفر المنصور، قبل أن يتولى الخلافة ثم خفت صوتهم زمن المهدي ابن المنصور، حيث كان شديداً على الزنادقة والمخالفين فقد جدّ سنة 167هـ في طلبهم والبحث عنهم وعين لذلك موظفاً خاصاً وقتل منهم جماعة، ولما بدأ عصر الرشيد رفعوا رؤوسهم ثانية، لكن كان الرشيد شديداً في أمور الدين فلم يجسروا على نشر مقالاتهم والجهر بآرائهم.
توفي الرشيد فجاء ولده الأمين وكان أشد من أبيه في مسائل الدين فانكمش نفوذهم واستمروا مضطهدين إلى أن قُتل الأمين وخلفه أخوه المأمون فابتسم لهم الدهر وبدأ دور عزهم وقوتهم؛ لأن المأمون كان يعتبر نفسه من علماء المعتزلة فشايعهم وقربهم وجعل منهم وزراء، وكان يعقد المناظرات بينهم وبين الفقهاء، واستمر على ذلك حتى كانت السنة التي توفي فيها وهي 218هـ حيث انتقل من المناظرات العلمية إلى التهديد بالأذى الشديد، وذلك برأي وتدبير وزيره وكاتبه أحمد بن أبي دؤاد، وكانت محنة الإمام أحمد -رحمه الله- المشهورة، واستمرت تلك الفتنة طوال مدة المعتصم والواثق وذلك لوصية المأمون بذلك حتى جاء المتوكل فرفع المحنة.

وهذا العامل بلا شك أهم العوامل التي ساعدت على بروز المعتزلة وانتشارهم؛ فبعد أن كانت محصورة كثرت وتشعبت.
4- العامل الرابع من عوامل ظهور المعتزلة: الدفاع عن الإسلام:
معلوم أنه بعد انتشار الإسلام دخل طوائف من المجوس واليهود والنصارى في الإسلام، منهم من كان صادقاً ومنهم من كان كاذباً، وبينهما درجات، ثم ظهرت فرق مخالفة لمنهج السلف كالمجسمة والروافض وغيرهم. ثم ظهرت حركات عقائدية مناوئة للإسلام كالزنادقة والراوندية، وبدأ التشكيك في الدين وصارت المناظرات، فكان للمعتزلة دور بارز في تلك المناظرات مع شتى الملل والنحل، حيث عُرفوا بعلم الكلام والمنطق والجدل والفلسفة فارتفع بذلك شأنهم ووضعوا كتباً في الرد والمناظرات كان معظمها مع الفرس، وأول من فعل ذلك رئيسهم واصل بن عطاء.
تقول زوجته أنه كان إذا جن الليل يصف قدميه يصلي وأمامه لوح ومحبرة فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها ثم عاد في صلاته، وأثر عن عمرو بن عبيد أنه ناظر جرير بن حازم الأزدي في البصرة فقطعه، وأما أبو الهذيل العلاف فقد كان من أكثر من ألف الكتب في نقض مذاهب المخالفين وإبطال حججهم، وكان هناك رجل يسمى ميلاس مجوسياً فأسلم وسبب إسلامه أنه جمع بين أبي الهذيل وبين بعض الثنويه فقطعهم أبو الهذيل وأظهر باطلهم.
كذلك النظام عرف بقوة الحجة والمناظرة، وأيضا بشر بن المعتمر ألّف أرجوزة في أربعين ألف بيت رد فيها على المخالفين جميعاً، وأيضا كانوا يرسلون الوفود من أتباعهم لهذا الغرض إلى البلاد التي يكثر فيها المجوس أو الوثنيين فقد أرسل واصل بن عطاء عبد الله بن الحارث إلى المغرب وحفص بن سالم إلى خراسان فأجابهما خلق كثير ودخلوا في الإسلام.
فهذا الجهد الذي بذله المعتزلة دفاعاً عن الدين والدعوة له كان من العوامل التي أظهرتهم ونشرت مذهبهم.
5- العامل الخامس: دراسة الفلسفة:
حين أخذ المعتزلة على أنفسهم مهمة الدفاع عن العقائد الإسلامية والدعوة إليها وحين تعرضوا لمخالفيهم يجادلونهم تبين لهم أن أولئك القوم أمضى منهم سلاحاً وأقدر على الجدل والمناظرة، وكان لهم معرفة بالفلسفة والعلوم العقلية، فاستطاعوا أن يرتبوا عقائدهم على أصول فلسفية وأن يوجدوا لأنفسهم كلاماً منطقياً مدققاً.
عندها شمّر المعتزلة عن سواعدهم لمناهضتهم ووجدوا أنفسهم أنهم لن يتمكنوا من مجاراتهم ولا الغلبة عليهم ما لم يعمدوا مثلهم إلى دراسة الفلسفة، فأقبل المعتزلة على دراسة الفلسفة؛ لأجل أن يتأتى لهم محاربة خصومهم بنفس سلاحهم.

ولعل هذه الحاجة الماسة إلى الفلسفة عندهم هي التي دفعت المنصور إلى تشجيع الترجمة، ولعلها أيضاً هي التي حملت الرشيد والمأمون على الاهتمام بنقل الكتب اليونانية إلى العربية.
يقول المقريزي: إنه ترجم بأمر المأمون في بضعة أعوام عددا من الكتب فتلقاها المعتزلة وأقبلوا على تصفحها والنظر فيها.
وأول معتزلي استفاد من تلك الكتب النظّام. يقول الشهرستاني بأن النظّام طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة ثم اقتدى به غيره فكان المعتزلة أقدم المتكلمين في الإسلام.
وهنا نقطة هامة ينبغي التنبيه إليها وهي:
أن المعتزلة في أول أمرهم لجؤوا إلى دراسة الفلسفة لا لذاتها وإنما ليستخدموها في الرد على خصوم الدين، إلا أنهم بذلك دخلوا في دور جديد من أدوار تاريخهم؛ هذه الفلسفة أحدثت في حياتهم انقلاباً خطيراً نتج عنه أمران:
الأول: أنهم صاروا يعظمون الفلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى من النظرة السابقة، حتى وصل الأمر إلى أنهم اعتبروا أقوالهم مكملة لتعاليم الدين.
الأمر الثاني: أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية؛ فبعد أن كان دفاعاً عن الدين صار انصرافاً إلى المسائل الفلسفية والبحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والوجود والعدم والجزء الذي لا يتجزأ، وكل هذا ساعدهم على الظهور والاشتهار.
نقولات لبعض أقوال أئمة المعتزلة والتي تدل على تناقض هذا المذهب وعلى أنهم هم لا يفهمونه في كثير من الأحيان:
- القول بنفي الصفات الثابتة لله في الكتاب والسنة، والحجة في ذلك أنه يستحيل وجود إلهين قديمين أزليين، ومن أثبت معنى وصفة قديمه فقد أثبت إلهين.
- أن علم الله -سبحانه وتعالى- هو الله وقدرته هي هو.
- المكلف قبل ورود السمع "أي الوحي" يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصّر في المعرفة استوجب العقوبة أبداً.
- إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلقه هي خلقه له، وخلق الشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل.
- الحجة في الأخبار الماضية الغائبة عن الحواس لا تثبت بأقل من عشرين رجلاً، فيهم واحد أو أكثر من أهل الجنة.
- الأمة في كل عصر لا تخلو من عشرين ولياً واحد من أهل الجنة على أقل تقدير.
- لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئاً، ولا على أن ينقص منه شيئاً وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة أو يخرج أحداً من أهلها وليس ذلك مقدوراً له.
- لا عرض في الدنيا إلا الحركة، وأن السكون حركة اعتماد والعلوم والإرادات من جملة الحركات؛ لأنها حركات النفس.

- الكمون: ما هو الكمون؟ هو أن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، معادنَ ونباتاً وحيواناً وإنساناً ولم يتقدم خلق آدم -عليه السلام- على خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها في مكانها دون حدوثها ووجودها.
- أن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة، أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعاً وخلقه خلقةً إذا دفعته اندفع وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه طبعاً.
- الطفرة: وهو أن الجسم يكون في المكان الأول ثم يصير منه إلى المكان العاشر من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر ومن غير أن يصير معدوماً في الأول ومُعاداً في العاشر!
- عوام الدهرية والزنادقة في الآخرة لا يكونون في جنة ولا نار، بل إن الله يجعلهم تراباً.
- إن الإنسان ليس الصورة التي نشاهدها وإنما هو شيء في هذه الصورة يتصف بالعلم والحياة والقدرة والإرادة، ثم لا متحرك ولا ساكن ولا يحل موضعاً دون موضع ولا يحصره زمان ومع ذلك فهو المدبر للجسد، وإذن فعلاقته بالجسد علاقة تدبير وتصريف وليست علاقة حلول وتمكن.

- المعجزات ليست من فعل الله؛ لأنها أعراض، والله لا يخلق الأعراض وإنما تخلقها الأجسام.
- النار من طبيعتها أنها تعلو على كل شيء، إن كانت نقية من الشوائب حتى تتجاوز السماوات والعرش. -وكم في هذا القول من روائح المجوسية -.
- الإنسان يخلق اللون والرائحة والسمع والبصر وجميع الإدراكات على سبيل التولد، وكذلك يخلق الحرارة والبرودة.
- من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى.
- الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون باختيارهم.
- من كان مؤمناً إلا أنه في علم الله يموت كافراً فهو الآن عند الله كافر وكذلك العكس من كان كافراً إلا أنه في علم الله يموت مؤمناً فهو الآن مؤمن.
- الجنة والنار غير مخلوقتين الآن إذ لا فائدة في وجودهما جميعاً خاليتين.
- فساق هذه الأمة شر من اليهود والمجوس والزنادقة.
- من سرق حبة واحدة وهو ذاكر لتحريمها فهو منسلخ من الإيمان والإسلام مخلد في النار.
- إن الله تعالى قادر على ظلم الأطفال والمجانين، وليس بقادر على ظلم العقلاء البالغين.
- القرآن الكريم جسم فيجوز أن ينقلب مرة رجلاً ومرة حيواناً.
- إن الله لا يدخل أحداً النار بل هي تجذب أهلها بطبعها، ثم أهلها في النهاية يصيرون إلى طبيعة النار نفسها.
- إن الله لا يرى نفسه ولا يراه غيره.
- لا تقبل توبة الكاذب بعد خرس لسانه عند الكذب.
هذه بعض أقوال أئمة المعتزلة ومن وافقهم عن معتقدهم الفاسد:
وهناك نقولات لم أنقلها عنهم لما فيها من الشناعة في الكلام خصوصاً المتعلقة بالله -عز وجل-.
وهنا نقطة ينبغي التنبيه عليها وهي أننا عندما نقول بأن بعض أقوال أئمة المعتزلة فإن هذا لا يستلزم بأن كل معتزلي يعتقد ويقول كل ما مضى من الأقوال؛ فإن المعتزلة هم بأنفسهم قد افترقوا إلى ما يقارب اثنين وعشرين فرقة، وكل فرقة تقول ببعض ما مضى من الأقوال ولا تعتقد ببعضها، وقد تقول بغيرها، لكن جميع فرق المعتزلة يتفقون ويقولون بما يسمى عندهم الأصول الخمسة، فالاثنين والعشرين فرقة يجمعها الأصول الخمسة ويختلفون فيما بينهم في بقية الآراء.
وهذا ينقلنا إلى الحديث عن هذه الأصول الخمسة، لكن قبلها أسرد عليكم سرداً فقط الاثنين والعشرين فرقة للمعتزلة وهذه الفرق هي: الواصلية، العمروية، الهذلية، النظامية، الثمامية، المعمرية، البشرية، الشامية، المردارية، الجعفرية، الأسوارية، الإسكافية، الخابطية، الحديثة المويسية، الصالحية، الجاحظية، الشحامية، الخياطية، الجبائية، الكعبية، البهشمية، الحمارية.
أما أصولهم الخمسة فهي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنـزله بين المنـزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأصل الأول: التوحيد عند المعتزلة:
التوحيد عند المعتزلة يدور حول ما يثبت لله وما ينفى عنه من الصفات، ومذهب المعتزلة في الصفات كما سيأتي، ويتبين بعد قليل هو النفي، والسلف لم يبحثوا في الصفات ولم يقولوا فيها شيئاً فكيف نشأت هذه المشكلة؟.
إن أول من تكلم في الصفات في الإسلام الجعد بن درهم، فإنه نفاها وقال بخلق القرآن، وعن الجعد أخذ الجهم بن صفوان هذه المقالة ونشرها في خراسان.
وقد أنكر المسلمون هذا القول ونظروا إليه كبدعة، فضللوا الجهمية وحذروا الناس منهم وذموا من جالسهم وكتبوا في الرد عليهم، ثم إن المعتزلة لما ظهروا أخذوا في جملة ما أخذوه من الجهمية القول بنفي الصفات.
مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء كان ينفي الصفات؛ معتقداً أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، وذلك شرك ولذا كان يقول: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين".

نلاحظ أنه من خلال استدلالهم العقلي التزموا بنفي الصفات، وأداهم ذلك إلى إثبات خلق القرآن وإلى عدم رؤية المؤمنين لله سبحانه يوم القيامة، وإلى نفي استواء الله على عرشه كما يأتي تفصيله بعد قليل وكل هذا هو التوحيد عند المعتزلة، فناقضوا بذلك محض العقيدة الإسلامية.
ومنشأ نفى الصفات عند المعتزلة، أنهم أثبتوا وجود الله ابتداءً بالعقل وبطريقة الحدوث: فقالوا: إن الأجسام يوجد بها أعراض معينة - وهي كل ما يطرأ على الجسم من تغيرات - كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق وصفات الأجسام فالجسم يتحرك ثم يسكن، وقد يكون ساكناً ثم يتحرك فهذه أعراض يتعرض لها خلاف ذاته، وهذه الأعراض التي هي الحركة والسكون... حادثة؛ لأنها تتغير والقديم ثابت لا يتغير ولا يطرأ عليه تبديل، وقد رأينا أن كل جسم لا يخلو من أعراض في كل وقت على الدوام.
فالأجسام إذن محدثة -أي حدثت بعد أن لم تكن- وليست قديمة، ثم إذا ثبت أن الأجسام محدثة فلابد لها من مُحدث؛ إذ إنها لا تخلو من أن تكون أحد ثلاثة أقسام:
إما مستحيلة الوجود: وهذا خلاف الغرض؛ لأننا نتحدث عن أجسام موجودة.
وإما واجبة الوجود: وهذا مستحيل؛ لأن الواجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، والمحدث كان معدوماً قبل وجوده.
وإما ممكنة الوجود: وعلى هذا التقدير يكون المحدث دائر بين احتمالين، إمكان وجوده أو إمكان عدم وجوده وكلاهما متساويان، وحدوث المُحدَث وإيجاده بعد العدم بالفعل يحتاج إلى مرجح ليرجح إيجاد المحدث في وقت مخصوص ومكان مخصوص، وهذا المرجح هو الله.
ثم لما تم لهم إثبات الصانع بهذا الأسلوب فكروا في صفاته الإلهية التي وصف الله بها نفسه كالسمع والبصر والعلم واليد والرضى والغضب إلى سائر صفاته سبحانه التي أثبتها لنفسه.
قالوا: إنه قد تبين لنا أن الصفات هي أعراض للأجسام فهي محدثة، ولو أثبتنا لله صفة قديمة فكأننا نقول بقديمين؛ وذلك حيث أن الصفات زائدة على الذات لما عرف من اختلاف الصفة عن الموصوف.
إذن: فالله لا يجوز أن يوصف بصفة فيها معنى إيجابي كالعلم والقدرة بل الأمثل هو أن نصفه بصفات سلبية محضة.

فقالوا: بأن الله ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا بحس ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض ولا أجزاء ولا بذي جهات ولا بذي يمين وشمال... إلى آخر ما وصفوه به من سلوب بلا ولا...
أما عن صفاته كالسمع والبصر فقد منعوا ذلك وقالوا: عليم بلا علم، وقادر بلا قدرة، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر... وهكذا.
وقد فسر بعض المعتزلة بأن معنى علمه أنه لا يجهل ومعنى قدرته أنه لا يعجز... وهكذا.
ثم عرجوا على سائر صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه كاليد والعين والوجه وقالوا: إن ذلك مناف للتنـزيه اللائق بالله تعالى، كما أنه يستدعي أن يكون له جسم فلا بد من تأويل الآيات التي ورد فيها ذكر هذه الصفات، فزعموا أن وجه الله هو الله، وأن يد الله كرمه، وأن عينه علمه وإحاطته؛ بدعوى التنـزيه عن مشابهة الخلق للخالق.
وقالوا بنفي الاستواء على العرش من حيث أن الاستواء لا يكون إلا من جسم مماس لجسم آخر وهذا لا يكون في حق الله تعالى، فذهبوا إلى تأويل آيات الاستواء إلى أنه الاستيلاء، ونفوا علو الله على خلقه؛ بدعوى أن ذلك يستلزمه أن يكون متحيزاً في جهة والله لا يتحيز ولا تحده الحدود، وقالوا إذا قلنا أنه في جهة فهو إذن موجود داخل شيء مخلوق وهو الجهة هذا هو التوحيد عند المعتزلة.
وقالوا أيضا إن القرآن مخلوق. إذ لو كان القرآن كلام الله غير مخلوق لكان قديماً مع الله، وهذا قول -على حد زعمهم- أن هناك إلهين.
وأيضا قالوا: بأن القرآن يشتمل على أوامر ونواهٍ وحوادث وقصص قد وقعت في أزمنة متعددة، فلا يمكن أن يكون الله لم يزل متكلما بها منذ الأزل.
وقال بعضهم بأن كلام الله جسم وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا جسم ولهم في ذلك شبه طويلة وعريضة، ليس هذا مجال بسطها والرد عليها فمن أرادها رجع إلى مظانّها.
ومن جملة التوحيد عند المعتزلة: أنهم أنكروا رؤية الله في الآخرة وقالوا أنه لا يمكن أن يراه المؤمن في الآخرة، فعمدوا إلى الآيات القرآنية وقالوا بأنها مجاز فأولوها فمثلا قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [(22-23) سورة القيامة] قالوا بأن كلمة -إلى- بمعنى نِعَمْ، مشتق من الآلاء وليست حرف جر، وناظرة بمعنى منتظرة، فيكون معنى الآية وجوه يومئذ ناضرة، نِعَمَ ربها منتظرة.
وقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [(26) سورة يونس] قالوا: الزيادة هو ما يزيد على الثواب وهو التفضل ويدل عليه قوله تعالى: {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [(38) سورة النــور]، وهكذا تتبعوا جميع الآيات المثبتة للرؤية فأولوها.
أما الأحاديث فقالوا أنها أحاديث آحاد، وأحاديث الآحاد لا تؤخذ منها العقيدة، بل طعنوا في صحة أسانيدها ورواتها، والشقان من كلامهم غير صحيح؛ فقولهم بأنها أحاديث آحاد غير صحيح بل إن الأحاديث الدالة على الرؤية كما يقول شارح الطحاوية أحاديث متواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن.
وقولهم بأن أحاديث الآحاد لا تؤخذ منها العقيدة أيضا قول غير صحيح، بل ومردود عليهم فالحديث إذا ثبت صحته سواء كان متواتراً أم آحاداً يؤخذ منه الفقه ويؤخذ منه العقيدة، وليس هذا مجال بسط هذه المسألة لكن هذا هو خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
ومن توحيد المعتزلة أيضاً إنكار جميع الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين والساق، وقالوا بأن هذا تجسيم والله منـزه عن التجسيم.
فأولوا الوجه وقالوا بأن المراد بالوجه هو الذات، وأولوا اليد وقالوا بأن المراد بها القدرة أو القوة أوالنعمة.
وقالوا عن العين بأن المراد بها العلم، والساق قالوا المراد بها الشدة.
الأصل الثاني: العدل:
العدل عند المعتزلة هو البحث في أفعال الله تعالى، ويعرفون العدل بأنه بيان أن أفعال الله كلها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح ولا يخل بما هو واجب عليه، وبناء على هذا فإذا كان الله لا يفعل القبيح بوجه من الوجوه فكذلك لا يريده، واستدل المعتزلة على أنه تعالى لا يريد القبيح بأدلة منها قوله تعالى: {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [(205) سورة البقرة]، وقوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [(7) سورة الزمر] وترتب على هذا الكلام وهو مبالغة المعتزلة في نفي القبيح عن الله أن نفوا أن يكون خالقاً لأفعال العباد، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه؛ لأن أفعاله منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح، فلو كان الله خالقها لكان فاعلاً للقبيح.
فيقال لهم: أما أن أفعال الله كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح فهذا مما نتفق معكم، وأما أنه تعالى لا يخل بما هو واجب عليه: فإن أهل السنة يفصلون في هذا، فإن كان المراد بالواجب شيء أوجبه غيره عليه فهذا لا نوافقكم عليه؛ لأنه يلزم أن لا يكون تعالى فاعلاً مختاراً، وهذا باطل بالأدلة الدالة على أنه تعالى له التصرف المطلق فيما شاء من مخلوقاته.
وإن كان المراد بالواجب ما أوجبه الرب سبحانه على نفسه، فهذا نوافقكم عليه، لكن لا نعتبر هذا الواجب متحتماً عليه بحيث لو لم يفعله تعالى لأخل بما هو واجب عليه؛ لأن هذا الواجب تفضل من الله تعالى والمتفضل مختارٌ بما تفضل به.
وبناء على هذا الكلام فإن عدل المعتزلة أدى إلى نفي القدر، وقالوا: إن العدل يستلزم أن لا يحاسب أحداً إلا على ما جنت يداه، والله يقول: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [(46) سورة فصلت] فهذا يستدعي أنه لم يقدر شيئاً على عباده ولم يقض عليهم بأمره في الأزل، بل إن العباد مختارون لأفعالهم، أحرار في عملها بكامل مشيئتهم وإرادتهم، والإرادة الإلهية لا دخل لها بهذه الأفعال التي يقوم بها العباد.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ} [(79) سورة البقرة] وأولوا الآيات الدالة الصريحة على أن الله هو الخالق لأفعال العباد مثل قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [(96) سورة الصافات] وقوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [(62) سورة الزمر].
ومن العدل عند المعتزلة مسألة التحسين والتقبيح: تقول المعتزلة بأن العقل هو الحاكم بالحسن والقبح، أي أن العقل يعلم العلم الكامل بحسن الفعل وقبحه! بل ذهبوا إلى أبعد من هذا وهو أن العقل يحكم على الفعل أيضاً إما بالثواب أو بالعقاب!!
يقول أبو الهذيل -وهو أحد منظري المعتزلة- يقول: "ويجب على المكلف قبل ورود السمع أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبداً، ويعلم أيضاً حسن الحسن وقبح القبيح فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور".
وقالوا أيضاً بأن الشرع إنما يأتي ليقرر ما يراه العقل وليس ليثبته ابتداءً، وبنوا على معتقدهم هذا أمرين:
الأول: أن التوحيد الذي هو أحسن الأمور وأفضلها وكذلك الأفعال حسنها وقبيحها يمكن إدراكها بالعقل قبل إرسال الرسل، ومن ثم فالإنسان مثاب ومعاقب على ما يفعله من حسنات أو سيئات حتى دون إرسال الرسل وإنزال الكتب.

الثاني: أن العقل هو الحكم النهائي في إدراك حسن الأفعال وقبحها ومن ثم فهو الحكم في قبول ما ورد من أحاديث تحسن بعض الأشياء وتقبح بعضها، مثاله: إذا أَدّاهم العقل إلى عدم صحة أو معقولية أن يغسل النائم يده بعد الاستيقاظ من النوم قبل وضعها في الإناء فهو القول عندهم وإن ورد الحديث الصحيح بذلك.
ولا شك من وضوح انحراف المعتزلة في هذا الباب، ولذا فأهل السنة والجماعة يرون بأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة وأن هناك من الأمور ما يمكن للعقل أن يدرك حسنها وقبحها، لكن لا يترتب على حسنها ثواب ولا على قبحها عقاب إلا بالشرع؛ كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [(15) سورة الإسراء]، وأيضاً هناك من الأمور مالا يدرك حسنها وقبحها بالعقل، مثل حسن الصدق الضار أو قبح الكذب النافع، ولا شك أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى تعريف من الشارع ويضبط بإطار الشرع.
ومن العدل عند المعتزلة: مسألة أفعال العباد: المعتزلة يقسمون أفعال العباد إلى قسمين: أفعال مباشرة وأفعال تولد:
أولاً: الأفعال المباشرة وهي الأفعال الاختيارية للعبد، هذه باتفاق المعتزلة أنها مخلوقة للعباد، وأن الله غير خالق لها، ولهم في ذلك أدلة نقلية وعقلية: فمن أدلتهم النقلية قوله تعالى: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ} [(3) سورة الملك]، قالوا وأفعال العباد فيها تفاوت، فيقال لهم استدلالكم بهذه الآية ناتج عن سوء فهمكم فالمراد بـ{خَلْقِ الرَّحْمَنِ} هي السماوات، كما قال ذلك القرطبي وغيره من علماء التفسير.
وأيضا استدلوا بقوله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}
[(88) سورة النمل]، قالوا بأن أفعال العباد ليست كلها متقنة، فإن أفعال العباد يشمل على التهود والتنصر والتمجس وليس شيئاً من ذلك متقناً.
يُرد عليهم: بأن الإتقان لا يحصل إلا في المركبات فيمتنع وصف الأعراض بها، وإذا لم توصف الأعراض بالإتقان بطل الاستدلال بالآية.

ومن أدلتهم العقلية: قالوا: لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم، لوجب أن لا يستحقوا الذم على قبيحة والمدح على حسنه؛ لأن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير لا يصح.
نقول بأن كلامكم هذا ينبني عليه أن العباد لا فعل لهم، بمعنى أنهم مجبورون على ما يكون منهم من تصرفات وهذا الكلام ظاهر البطلان وأهل السنة لا يقولون به.
وبعضهم حاول التوفيق فقال بأن الأفعال من الخلق ومن الله، أي مشتركة بينهما، وهذا القول أيضاً باطل؛ لأن الشركة بين المشتركين لا يجب إلا باتفاقهما فيما اشتركا فيه.
فالفعل خلق الله وكسب العبد وبرهان ذلك: إن أموالنا ملك لنا وملك لله -عز وجل- بإجماع منا أهل السنة والمعتزلة، وليس ذلك بموجب أن نكون شركاء فيها؛ لاختلاف جهات الملك؛ لأن الله تعالى إنما هو المالك لها؛ لأنها مخلوقة له تعالى، وهي ملك لنا؛ لأنها كسب لنا وملزمون بأحكامها، ومثل ذلك أفعالنا فهي مخلوقة لله وكسب لنا، فلسنا شركاء له.
ومن أدلتهم العقلية قالوا: إن أفعالنا واقعة على حسب قصدنا، فوجب أن تكون خلقاً لنا؛ فإن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام، وإذا أراد أن يقعد قعد، وإذا أراد أن يتحرك تحرك، وإذا أراد أن يسكن سكن، وغير ذلك، فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده دل ذلك على أن أفعاله خلق له.
يُرد عليهم: بأن هذا الكلام ليس بصحيح على إطلاقه؛ فإنا نرى من يريد شيئاً ويقصده ولا يحصل له ما يريده، وما يقصده فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ وربما أراد أكلاً لقوة وصحة فيضعف ويمرض، وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه، إلى غير ذلك فبطل بهذا استدلال المعتزلة وصح أن فعله خلق لغيره.
ومن أدلتهم العقلية: نفي الظلم عن الله تعالى، قالوا: إن أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان تعالى خالقاً لها لوجب أن يكون ظالماً جائراً.
الرد: هذا الإلزام غير صحيح؛ لأن كون الله تعالى خالقاً لا يوجب أن يتصف بما خلق من ظلم وكذب ومعصية؛ لأن هذه الصفات إنما هي لمن قامت به، فالظلم مثلاً صفة للظالم، ألا ترى أن اللون الأسود صفة لمن قام به السواد ولا يكون صفة لله تعالى، وإن كان سبحانه هو خالق السواد فكذلك الظلم والكذب صفات لمن حلت به ولا يوجب ذلك وصف خالقها بها.
نخلص إلا أن رأي أهل السنة في أفعال العباد المباشرة الاختيارية أن أفعال العباد خلق الله وكسب العبد بمنـزلة الأسباب للمسببات فالعباد لهم قدرة ومشيئة بإرادة، لكنها داخلة تحت قدرة الله ومشيئته وإرادته كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ} [(30) سورة الإنسان]، فالمضاف إلى الله هو خلقها، والمضاف إلى العباد والذي عليه الحمد والذم هو كسبها قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [(286) سورة البقرة )].
ثانياً: أفعال التولد: يقصدون بأفعال التولد هي الأفعال التي تتولد من فعل الإنسان نفسه، هذه ناقشها المعتزلة هل هي من فعل الإنسان أم من فعل الله أم من فعل الطبيعة كما قال بعضهم؟ ولعل المثال يوضح مرادهم بأفعال التولد: ذبح شخص حيواناً، فهل خروج الروح -الذي يعتبره المعتزلة الآن أنه فعل متولد؛ لأن الفعل المباشر هو الذبح- فهل خروج الروح من فعل الذابح أيضاً كفعله للذبح؟.

مثال آخر: رجل أسقط حجراً من رأس جبل، ثم مات الرجل في الفترة من إسقاط الحجر إلى أن يصل الحجر إلى أسفل الجبل، وبعدما وصل الحجر سقط على شخص آخر فمات فهل مقتل الشخص الثاني من فعل الأول؟.
هذه المسألة اختلف فيها المعتزلة أنفسهم، فقال بعضهم بأن أفعال التولد من فعل العبد وخلقه كالأفعال المباشرة، وقال بعضهم بل هي من فعل الله لكن فعله المباشر من خلقه هو، وقال آخرون بل إن الأفعال المتولدة من فعل الطبيعة.

والمتأمل لهذه المسألة يرى كيف أن التعمق أحياناً في القضايا العقلية يؤدي بالإنسان إلى دركات لا تحمد عقباها، وإلا فإن المسألة واضحة وضوح الشمس ولله الحمد عند أهل السنة وهو أن الأفعال الاختيارية المباشرة إذا كانت من خلق الله فإن أفعال التولد من باب أولى أن تكون من خلق الله؛ لأنها متولدة من الأفعال الاختيارية، ثم إن الذي يهمنا في هذا الجانب الناحية العملية منه وهي مدى مسئولية العبد عما يترتب على فعله من آثار، فإنه بشكل عام إن ترتب عليه خير أثيب عليه وإن ترتب عليه أذى فالقصد والنية لهما دخل في الأمر سواء في الدنيا أو في الآخرة، وهو في كل حال مؤاخذ بما جنت يداه قصد إليه أم لم يقصد طالما أن الأذى لحق بغيره، وأما في الآخرة فإنه إن كان قاصداً للأذى عوقب عليه واقتُص للعبد منه، وإن لم يكن قاصداً فعفو الله واسع ورحمته سابغة.
ومن العدل عند المعتزلة: مسألة الصالح والأصلح: يقول المعتزلة بأن الله يجب عليه فعل الصالح، بل هو لا يقدر على أن يفعل خلاف ما فيه صلاحهم، ولا يقدر أن ينقص من نعيم أهل الجنة ذرة؛ لأن نعيمهم صلاح لهم، ونقصان ما فيه صلاحهم ظلم.
واختلفوا في الأصلح وجمهورهم أن الأصلح أيضاً يجب على الله وأنه إن لم يفعل الصالح والأصلح لهم كان ظالماً لهم.
ولا شك في بطلان هذا القول فإنه لا أحد يوجب على الله فعل شيء أو تركه، وقولهم هذا يدل على أنهم لم يقدروا الله حق قدره.
ورأى أهل السنة هذه المسألة بأنه اقتضت حكمة الله البالغة ورحمته الواسعة أن لا يفعل شيئاً إلا لحكمة وعلة مقصودة، فإنه تنـزه سبحانه عن العبث.
وقد أجمع أهل السنة على أن أحكامه سبحانه معللة بالمصالح، أي أنها تراعي مصلحة البشر بشكل عام، وإن لم يمكن أن نتتبع تلك المصلحة في أفراد الناس وفي كل حالة على حدة، كما أن المصالح التي يقصد الحق إليها ليست متعلقة بأحكام الدنيا فقط بل هي تشمل خيري الدنيا والآخرة والعقل البشري قاصر على أن يصل إلى الإحاطة بتلك الأسرار والحكم على وجه التفصيل.
فالمعتزلة يقولون هو واجب على الله سبحانه أن يراعي الأصلح للناس؛ فهو مقتضى عدله، وأهل السنة يقولون بل هو تفضل ومنّ من الله تعالى على عباده، وهو مقتضى عدله وحكمته ورحمته وعلمه وشتان بين القولين.
ومن أجمل من رد على هذه المسألة الإمام الغزالي -رحمه الله- فقال لهم: نفرض ثلاثة أطفال مات أحدهم وهو مسلم في الصبا وبلغ الآخر وأسلم ومات مسلما بالغاً، وبلغ الثالث كافراً ومات على الكفر، فإن العدل عندكم أن يخلد الكافر البالغ في النار، وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم، فإذا قال الصبي يا رب: لم حططت رتبتي عن رتبته؟ فيقول: لأنه بلغ فأطاعني، وأنت لم تطعني بالعبادات، فيقول: يا رب لأنك أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع فأنال رتبته، فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين، وكنت قادراً على أن تؤهلني لها؟

فلا يكون له جواباً إلا أن يقول: علمت أنك لو بلغت لعصيت وما أطعت وتعرضت لعقابي وسخطي، فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من العقوبة، فينادي الكافر البالغ من النار، ويقول يا رب أو ما علمت أني إذا بلغت كفرت؟ فلو أمتني في الصبا وأنزلتني في تلك المنـزلة النازلة لكان أحب إلي من التخليد في النار وأصلح لي، فلم أحييتني، وبهذا يظهر انقطاع أصحاب هذا القول وأن الأصلح ليس بواجب.
ومن العدل عند المعتزلة: مسألة بعثة الرسول: فالمعتزلة يرون وجوب بعثة الرسل على الله، ولو لم يفعل لأخل بما هو واجب عليه.

يقول أهل السنة: لا أحد يوجب على الله شيئاً وإرسال الرسل مِنّة من الله وفضل وليس من قبيل الواجب.
الأصل الثالث: الوعد والوعيد:

فأولاً: الوعد:
الوعد هو الخبر المتضمن إيصال النفع إلى الغير أو دفع الضرر عنه في المستقبل، فالمعتزلة يقولون بأن الله وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد به لا محالة ولا يجوز عليه الخلف والكذب.
فقالوا: بأن الله يجب عليه أن ينفذ وعده، بل وأن المكلف ينال ما وعد به عن طريق الاستحقاق، أي أنه مستحق لهذا الثواب.

ولهم في ذلك شبه منها قوله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ} [(100) سورة النساء].
قالوا: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ} أي فقد وجب ثوابه عليه؛ لأن حقيقة الوجوب هو الوقوع والسقوط كما قال تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [(36) سورة الحـج]: أي سقطت، وأيضاً لفظ الأجر فان الأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقاً فذلك لا يسمى أجراً بل هبة، وأيضاً قوله "على الله" وكلمة على للوجوب كما قال تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [(97) سورة آل عمران].
فيقال: لا ننازع في دلالة الآية على الوجوب لكن بحكم الوعد والتفضل والكرم لا بحكم الاستحقاق؛ لأن العبد لا يدخل الجنة بعمله وإنما يدخلها بفضل الله ورحمته بسبب عمله؛ قال تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} [(35) سورة فاطر] فهذا الحق والوعد أوجبه الباري على نفسه ولم يوجبه العبد عليه بعمله.
فرأي أهل السنة في الوعد أن الله إذا وعد عباده بشيء كان وقوعه واجباً عليه بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق؛ فإن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئاً.

الثاني: الوعيد:
هو كل خبر يتضمن إيصال الضرر إلى الغير أو تفويت نفع عنه في المستقبل، يقول المعتزلة بأن الله توعد العصاة بالعقاب وأنه يفعل ما توعد به لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب.
وقالوا: بأن الله قد توعد المستحق؛ لأنه إذا خرج عن المستحق دخل في حد الظلم وإن توعده هذا ليس بمقصور على الكفار فحسب بل يشمل الفساق أيضاً، وبناءً عليه: فيرى المعتزلة في الوعيد بأن الفاسق إذا مات على غير توبة عن كبيرة ارتكبها فإنه يستحق النار مخلداً فيها؛ لأن الله توعده بذلك ولابد أن ينفذ وعيده، لكن عذابه يكون أخف من عذاب الكافر.
ولهم في ذلك شبه منها قوله تعالى: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [(81) سورة البقرة].
يُرد عليهم بما قاله ابن كثير بأن الآية رد على بنى إسرائيل الذين زعموا أنهم لم تمسهم النار إلا أياماً معدودة، بأن الأمر ليس كما زعموا بل إن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع أعماله سيئات فهو من أهل النار.
وعلى هذا فلا حجة للمعتزلة بالآية على خلود صاحب الكبيرة في النار؛ لأن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط به خطيئته لكون قلبه ولسانه منـزهاً عن الخطيئة.
ومن شبههم أيضاً قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [(74) سورة الزخرف]، قالوا: إن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعاً فيجب أن يكونا مرادين.
يُرد عليهم بأن المقصود بالمجرمين في هذه الآية: الكافرين، قال ابن جرير وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر بالله، ثم على التسليم بعموم الآية وأنها ليست خاصة بالكفار فإنها مخصصة بنصوص العفو والتوبة، والنصوص الدالة على خروج الموحدين من النار، مثل قوله تعالى في الحديث القدسي: ((أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)).
ومعارض أيضاً بنصوص الوعد كقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [(7) سورة الزلزلة]، وكما يقول العلماء بأن ترجيح عمومات الوعد أولى؛ لأنها أدخل في باب الكرم من عمومات الوعيد، ولأنه اشتهر أن رحمة الله سابقة غضبه.
ولهم آيات غير هذه تعلقوا بها في تخليد صاحب الكبيرة في النار، فالذي عليه أهل السنة والجماعة في مسألة الوعيد أن الله تعالى يمكن أن يخلف وعيده في حق الموحد العاصي الذي مات وهو مرتكب للكبائر من غير توبة، قال الله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [(48) سورة النساء]، وقال -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبادة بن الصامت: ((ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه))؛ لأن خلف الوعيد لا يعتبر كذباً ولا قبيحاً بل هو جود وكرم.
قال شيخ الإسلام: "إن أهل السنة قالوا:"يجوز أن يعفو الله عن المذنب، وأن يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها من أهل التوحيد أحداً".
وبناءً على المسألة السابقة وهو قول المعتزلة بإنفاذ الوعيد وخلود مرتكب الكبيرة في النار أنكر المعتزلة كل ما يرونه يتعارض مع رأيهم، فأنكروا الشفاعة لأهل الكبائر واقتصروا على الشفاعة للتائبين من المؤمنين دون الفسقة؛ لأن إثبات الشفاعة للفساق في رأيهم ينافي مبدأ الوعيد، واستدلوا على هذا القول بقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [(48) سورة البقرة]. قالوا: تدل الآية على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي -صلى الله عليه وسلم- له ولا ينصره.
ويرد عليهم بإجماع المفسرين على أن المراد بالنفس في الآية النفس الكافرة لا كل نفس فهي من العام الذي أريد به الخاص، وقد تظاهرت الأخبار عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))
[رواه أبو داود والترمذي وهو صحيح].
فإذا ثبتت الشفاعة لأهل الكبائر فلا بد من أن تكون الشفاعة المنفية في الآية إنما هي الشفاعة للكفار وذلك جمعاً بين الآية والحديث، قال شيخ الإسلام: "فقد تواترت الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها". [الفتاوى 7/486].
ومن مسائل الوعيد عند المعتزلة: مسألة الإحباط: وهو زوال الطاعات بالمعاصي.
اختلف المعتزلة أنفسهم في مسألة الإحباط على أقوال أهمها:
- رأي جمهور المعتزلة: وهو أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ثم ارتكب كبيرة من الكبائر فإنها تبطل جميع أعماله السابقة.
- القول الثاني قول الجبائي من المعتزلة: يرى أن الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، مثاله: رجل أطاع عشرين مرة وعصى عشر مرات يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه وتبقى معاصيه فيصبح رصيده عشر طاعات وعشر معاصي.
- القول الثالث: وهو ما يسمونه بالموازنة، كما تحبط الطاعات المعاصي كذلك تحبط المعاصي الطاعات.
ولاشك أن قول المعتزلة بالإحباط باطل؛ فإن قولهم بأن الذنب الواحد يحبط جميع الأعمال خلاف قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}
[(114) سورة هود]، وأيضاً قولهم هذا ينبني على زعمهم أن مرتكب الكبيرة يستحق النار مخلد في النار، وقد أبطلنا قولهم فيما مضى، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.
رأي أهل السنة في الإحباط: قال شيخ الإسلام: "إن الله جعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة".
[الفتاوى 12/483]
الأصل الرابع: المنـزلة بين المنـزلتين:
إن هذا الأصل هو نقطة البدء في نشأة المعتزلة، كما مر معنا، وأن الخلاف الذي نشأ بين الحسن البصري وواصل بن عطاء في الفاسق الملي، فخرج واصل بهذا القول الغريب، وهو أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر لا في الاسم ولا في الحكم بل في منـزلة بين المنـزلتين، فلا يسمى مؤمناً ولا يسمى كافراً، بل يسمى فاسقاً، وحكمه كذلك بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه يخلد في النار، لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر.
شبهة المعتزلة في هذه القضية كما يقول واصل بن عطاء: يقول وجدت أحكام الكفار المنصوص عليها في القرآن لا تنطبق على صاحب الكبيرة فهو ليس بكافر، وأيضاً لا ينطبق عليه أحكام المنافقين فهو ليس بمنافق، وحكم الله في المؤمن الولاية والمحبة والوعد بالجنة فوجدت أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن وصاحب الكبيرة حكم الله عليه باللعنة في قوله: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [(18) سورة هود]، وحكم الله عليه بالنار في الآخرة بقوله: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [(14) سورة الانفطار]، لذا وجب تسميته فاسقاً فاجراً ويكون مخلداً في النار لتوعد الله له بذلك، لكن عذابه أخف من عذاب الكافر.
يُرد عليه: أما قولك أنه ليس بكافر فهذا نوافقك عليه، وأما قولك أنه ليس بمنافق فهذا أيضاً نوافقك عليه، وأما قولك أنه ليس بمؤمن فهذا على إطلاقه لا نوافقك عليه، بل نقول هو مؤمن ناقص الإيمان قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
ويدل على أن الفاسق لم تخرجه كبيرته من الإيمان ما يلي:
- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [(178) سورة البقرة]، فقد سمى الله القاتل أخاً للمقتول، وهي الأخوة الإيمانية، وقبل ذلك خاطبهم جميعاً بلفظ الإيمان.
وقال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [(9) سورة الحجرات]، فهذا أيضاً يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجهما من الإيمان.
- وأيضا إجماع الأمة من عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا على الصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة، والدعاء والاستغفار لهم مع العلم بارتكابهم للكبائر.
وقولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار ثم مناقشتها عند أصل الوعد والوعيد فلا داعي للتكرار، قال شيخ الإسلام: "ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات وسيئات ويستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب". [7/679]
إذن: خلاصة كلام أهل السنة أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر كما تقول الخوارج، وليس بكامل الإيمان كما تقول المرجئة، وليس في منـزلة بين المنـزلتين كما تزعمه المعتزلة، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، وفي الآخرة لا يخلد في النار، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على قدر ذنبه ثم أخرجه من النار وأدخله الجنة، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [(48) سورة النساء].
الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يرى المعتزلة بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفائي، وهم في هذا يوافقون أهل السنة، هذا من ناحية الحكم، أما التقسيم فإن المعتزلة يقسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارين: باعتبار الحكم وباعتبار القائمين به:
- أما باعتبار الحكم فقالوا: بأن المعروف منه ما هو واجب ومنه ما هو مندوب، أما الواجب فالأمر به واجب، وأما المندوب فإن الأمر به غير واجب، وهذا الكلام أيضاً هم يوافقون فيه أهل السنة.
- أما المنكر فقالت المعتزلة المنكر كله باب واحد فوجب النهي عنه، وهذا الكلام عند أهل السنة باطل؛ لأن المنكر منه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه، فالمحرم يجب النهي عنه لكن المكروه لا يجب على الإنسان تركه فكيف نوجب النهي عنه.
- أما باعتبار القائمين به فالمعتزلة لهم في ذلك قسمين:
الأول: ما يقوم به الأئمة وذلك كإقامة الحدود وحفظ بيضة الإسلام وسد الثغور وتنفيذ الجيوش وما أشبه ذلك.
الثاني: ما يقوم به غير الأئمة من كافة الناس، وذلك مثل النهي عن شرب الخمور والزنا والسرقة وما أشبه ذلك.

وفي هذا أيضا هم يوافقون فيه أهل السنة. قال شيخ الإسلام "إن المحتسب له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة، كأمر العامة بالصلاة في مواقيتها وتعاهد الأئمة والمؤذنين فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحكم والحرب، وأما القتل ونحوه فليس للمحتسب التعرض له؛ إذ أنه من خصائص السلطان ولذا فإنهم يعتبرون أولى الأمر صنفين، أهل اليد والقدرة وهم الأمراء وأهل العلم والكلام وهم العلماء.
ومما له علاقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الوسيلة: ماهي الوسيلة المستخدمة في الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر؟.
يرى المعتزلة أن الوسيلة في الأمر بالمعروف أن يبدأ بالحسنى، فإن لم يفد انتقلنا إلى اللسان، فإن لم يفد انتقلنا إلى اليد، فإن لم يفد انتقلنا إلى السيف، فهم إذن يبدؤون من الأسهل إلى ما هو أكبر منه، ولو أحوج الأمر إلى السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بأس في ذلك، واستدلوا على قولهم هذا بقوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [(9) سورة الحجرات]. قالوا: إن الله تعالى أمر بإصلاح ذات البين أولاً، ثم بعد ذلك بما يليه إلى أن انتهى إلى المقاتلة.
يُرد عليهم: بأن الآية وردت بخصوص فئتين متقاتلتين ولا يمكن أن يكون أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلا بمحاولة الصلح أولاً ثم بقتال من لم يقبل ذلك.
ثانيا لأن الحال الذي عليه كل من الفئتين يقتضي ذلك.
أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عموماً فإن المعتزلة خالفت أهل السنة في الترتيب فهو عندنا مرتب بترتيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو باليد أولاً وذلك بمحاولة منع ارتكاب المعاصي التي حرمها الله وليس بقتال من يرتكبها، وإذا لم يستطيع المسلم أن يغير المنكر بيده فليكن نهيه عن المنكر وأمره بالمعروف بلسانه، فإذا كان فعل اللسان سيترتب عليه ضرراً لا يستطيع معه الأمر والنهي فلينكر المنكر بقلبه، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، فهذا هو الترتيب الذي سار عليه السلف.
ثم إن أهل السنة لا يستخدمون السيف في تغيير المنكر؛ وذلك لأن الحديث لم يشر إلى السيف، وللأحاديث الناهية عن حمل السلاح: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) [رواه مسلم].
واستناداً للقاعدة العامة إذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الراجح، وبما أن إنكار المنكر بالسيف قد يؤدي إلى مفسدة أكبر من المنكر الموجود؛ لما فيه من إثارة الفتن وسفك الدماء، لذا كان تركه أولى.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة: أنهم قالوا: بوجوب الخروج على السلطان الجائر، والسلطان الجائر عندهم هو الذي لا يعتقد بمعتقد المعتزلة، والسلطان الجائر عندهم هو الذي يخالفهم في أصولهم.
ولاشك ببطلان هذا القول؛ لأن السلطان لا يجوز الخروج عليه إلا إذا ارتد عن الإسلام، ((إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان)).
أما السلطان الجائر أو المخالف فإن الأدلة من الكتاب والسنة تأمر بطاعة الأئمة حتى ولو كانوا جائرين، ماداموا يقيمون الصلاة قال -صلى الله عليه وسلم-: ((اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)) [رواه مسلم]. ففي هذا الحديث أمر بالسمع والطاعة للإمام حتى ولو كان جائراً، ولأن الخروج على الأئمة فيها من المفاسد أكثر من المصالح.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة: جواز قتال عامة الناس إذا صاروا جماعة وكان في مقدورهم ذلك حتى يعتقدوا بمعتقداتهم ويوافقوهم في أصولهم.
فيقال لهم: إن عامة الناس إذا كفروا وارتدوا عن الدين، فنحن نوافقكم على ذلك؛ بدليل عمل الصديق -رضي الله عنه- مع أهل الردة، أما إن كان قتالهم لأنهم خالفوا أصولكم بارتكابهم الكبائر، فارتكاب الكبائر لا يوجب قتالاً، وذلك لأمور:
الأول: أن بعض الكبائر لها حدود فيقام الحد على مرتكبيها.
الثاني: أن قولكم بقتال مرتكب الكبيرة يناقض قولكم في المنـزلة بين المنـزلتين؛ لأنكم ترون أن صاحب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن بل في منـزلة بينهما، فكيف هنا تقاتلون صاحب الكبيرة وهذا من التناقضات العجيبة في معتقد المعتزلة.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة: أنهم لا يفرقون بين قتال الكافر والفاسق، وهذا مردود؛ لأن أهل السنة يفرقون بين الكفر والفسق، لكن المعتزلة لتكفيرهم الفاسق - الذي هو صاحب الكبيرة - لذا فلا يفرقون بين قتال الكافر والفاسق، والله -عز وجل- قد فرق بينهما، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [(7) سورة الحجرات].
وأخيراً أنكرت المعتزلة شرط القرشية في الإمامة، وزعموا أن حديث الأئمة من قريش حديث آحاد لا يعول عليه، وغالى بعضهم حتى قالوا بأنه إذا تساوى القرشي والأعجمي فالأعجمي أولى بالولاية.
مذهب المعتزلة في الحديث:
اهتم العلماء بهذا المصدر من مصادر الشريعة خصوصاً عندما أطلت المبتدعة برؤوسها وصاروا يضعون الأحاديث التي توافق مذاهبهم الفاسدة، فاتخذوا علم الجرح والتعديل وأسماء الرواة وغير ذلك.
روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
خرجت المعتزلة ببدعة رد أخبار الآحاد، وقالوا بأنها لا تفيد اليقين، بينما حكم العقل يقين؛ إذ إنه مناط التكليف، وعلى ذلك قالت المعتزلة: يجب تقديم الحكم العقلي على خبر الآحاد مطلقاً سواء في العقائد أو في الشرائع العملية، بل ردوا أخبار الآحاد في العقائد جملة؛ بدعوى أن العقيدة يجب أن تثبت بطريق قطعي يقيني لا بطريق ظني كخبر الواحد، ولم يفرقوا بين ما هو صحيح من الأحاديث أو ضعيف، بل يكفى رد الحديث لعدم موافقته العقل، بل والقدح في رواته بغاية الجرأة والوقاحة.

وكان من جراء ذلك أن رد المعتزلة الكثير من العقائد الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كعذاب القبر والإيمان بالحوض والصراط والميزان والشفاعة ورؤية الله في الآخرة، وردوا كثيراً من الأحكام الشرعية الصحيحة الثابتة بدعوى معارضتها للعقل.
فمن تحليلاتهم العقلية حديث: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده))، قالوا: كل الناس تعلم أين باتت يدها، فردوا هذا الحديث.
ولا شك أن هذا مسلك خاطئ، والأحاديث عند أهل السنة إذا ثبتت صحته فإنه يعمل به سواء كان في باب العقائد أو في باب الأحكام، وقد دل فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الصحابة على قبول خبر الآحاد، فأهل قباء عندما جاءهم رجل واحد من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبرهم بتحويل القبلة تحولوا. وكان -عليه الصلاة والسلام- يبعث الرسل والعمال فرادى يدعون الناس للإسلام.
موقف المعتزلة من الصحابة:
طعن المعتزلة في أكابر الصحابة وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب ونسبوا إليهم التناقض، مثاله: قول النظام -وهو من كبار شيوخ المعتزلة- في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- عندما رماه بالتناقض حين سئل عن آية من كتاب الله فقال: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله"، وحين سئل في الكلالة قال: "أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني".
قال النظام: هذا تناقض كيف يجترئ ويقول برأيه ويدعي الخوف من الله في القول الأول.
وكذب النظام؛ فإن قول الصديق الأول إنما قاله حين سئل عن آية من المتشابه من القرآن وهو جواب الراسخين في العلم حين يسألون عن المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. أما قوله الثاني فإن واجب العلماء أن يبينوا للناس أحكام دينهم وأن يجتهدوا لهم حتى لا يكون الأمر فوضى والرأي في مثل هذه المواطن من الرأي المحمود وليس الرأي المذموم.

ولهم مطاعن أخرى في علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة لا يستوعب هذا البحث بسط الكلام فيه.
وأخيراً:
هل المعتزلة فرقة اندثرت في التاريخ لا وجود لها الآن؟ أم أن هناك امتدادا لتلك المدرسة؟:
المعتزلة لم تندثر، بل مازالت موجودة وهي مدرسة فكرية قائمة إلى الآن، وقد وجد في عصرنا هذا من أطل برأسه وصار ينادي بما ادعته المعتزلة، فقالوا: أليس المعتزلة من المسلمين، ألا يحق لنا الاقتباس منهم والرجوع إليهم؟ وما لنا نجمد مع الجامدين من الفقهاء والأئمة والمحدثين من السلف ونلتزم طريقهم ولا نقتبس عن المعتزلة المسلمين مواقفهم العقلية التحررية؟
وحصلت هناك أحداث في العالم الإسلامي وحصل اختلاط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي عن طريق البعثات التعليمية، فتأثر تلامذة البعثات بما وجدوه في أوربا، ونقلوا ذلك في كتبهم بقصد أو بدون قصد، ثم جاء الدور الجبار الذي لعبه جمال الدين الأفغاني، ويكفي أنه أنتج تلميذاً كمحمد عبده صاحب المدرسة العقلية الاعتزالية، والتي سميت بالمدرسة الإصلاحية، والتي خرج من تحت عباءتها كثير من الكتاب، وإليك بعض الأمثلة:
- يقول أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام": والآن يحق لنا أن نتساءل هل كان في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المحدثين.
- ويقول زكي نجيب محمود في كتابه "تجديد الفكر العربي": يبدو لكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن لعصرنا أن يرثها في وجهة نظرها -أعني أن يرثها في طريقتها ومنهاجها عند النظر إلى الأمور- هي جماعة المعتزلة، التي جعلت العقل مبدأها الأساس كلما أشكل أمر.
- ويقول عرفان عبد الحميد في كتابه "دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية": المعتزلة أول مدرسة كلامية ظهرت في الإسلام، وكان لها دور كبير في تطوير الفكر الديني والفلسفي فيه؛ فهي التي أوجدت الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية، وجعلت للنـزعة العقلية في الفكر الإسلامي مكانة مرموقة، ورفعت من شأن العقل وإحكامه وقدرته في الوصول إلى الحقيقة.
- ويرى محمد أسد المستشرق النمساوي الذي أسلم عام 1926م، يقول: بأن الله لا يوصف إلا بالصفات السلبية تماماً كما قالت المعتزلة، وينحو منحى محمد عبده في إنكار المعجزات المادية، كتفسير إهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل.
- ويمجد حسن الترابي من قدرات العقل فيدعو إلى تجديد الأصول فيقول: "إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقلاً إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضاً".
- ويعبر د. فتحي عثمان عن حجاب المرأة ومسألة عدم الاختلاط بقوله: "فإذا التقى الرجل بالمرأة في ظروف طبيعية هادئة محكمة، فلن يغدو هذا اللقاء قارعة شديدة الوقع، سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثة المرأة ومعاملة المرأة في إطار من الدين والخلق تحدد معالمه تربية الأسرة وعرف المجتمع ورعاية الدولة، وستألف المرأة بدورها الرجل فيهدأ السعار المضطرم، ولا يكون هناك مجال للانحراف والشذوذ، وتتجمع لدى الطرفين خبرات وحصانات وتجارب".
- ويقول محمد إقبال في كتاب "تجديد الفكر الديني في الإسلام": وعلى هذا فإني أميل إلى اعتبار الجنة التي جاء ذكرها في القرآن تصويراً لحالة بدائية يكاد يكون الإنسان فيها مقطوع الصلة بالبيئة التي يعيش فيها.
- ويقول محمد فتحي عثمان في كتاب "الفكر الإسلامي والتطور": وسيظل الدين أيضاً معرضاً لتجدد القوالب في الفهم والعرض والتطبيق يتأثر بزوايا الشعاع الساقط عليه، وقد يزيغ اتجاهه بين انعكاسات الأضواء وانكساراتها، وتؤثر ظروف الأفراد والجماعات على جهاز الرؤيا والإدراك، فيتعرض الدين لما يتعرض له الإنسان في الوجود.
- ويقول عبد العزيز كامل في كتاب "الإسلام والعصر": ونحن في منطقة الشرق الأوسط نؤمن بالتوحيد بطريقة أو بأخرى، وأقولها واضحة يستوي في هذا الإسلام والمسيحية واليهودية حتى الإيمان بالأقانيم الثلاثة في الفكر المسيحي يختم بإله واحد.
- ويقول فهمي هويدي: لقد سمعت واحداً من خطباء الجمعة اعتلى المنبر ليحدثنا أن المسلمين خير أمة أخرجت للناس، وذهب به الحماس حداً دفعه إلى أن يسفه غير المسلمين جميعاً ويتهمهم بمختلف النقائص والمثالب، ثم يدعو الله قي الختام وحوله مئات من المصلين يؤمنون أن يدك بيوتهم ويزلزل عروشهم ويفرق شملهم ويهلك نسلهم وحرثهم، كنت جالساً في الصف الأول من مسجد فرش بسجاد صنع في ألمانيا الغربية، وترطب حرارته مكيفات أمريكية، وتضيئه لمبات تونجرام الهنغارية، بينما كلمات الخطيب تجلجل في المكان عبر مكبرات للصوت هولندية الصنع، وعندما هبط شيخنا ليؤمنا في الصلاة تفرست في طلعته جيداً لأجد عباءته من القماش الإنجليزي، وجلبابه من الحرير الياباني، وساعته سويسرية، وقد وضع إلى جوار المنبر حذاء إيطاليا لامع السواد.
- ويقول محمود أبو ريه في كتابه "دين الله واحد": أنه شهد مجلساً لبعض المشايخ، وجرى الحديث عمن سيدخلون الجنة ومن سيحرمون منها، فسألهم أبو ريه: وما قولكم في أديسون مخترع النور الكهربائي؟
فقالوا: إنه سيدخل النار، فقال لهم أبو ريه بعد أن أضاء العالم كله حتى مساجدكم وبيوتكم باختراعه؟ فقالوا ولو؛ لأنه لم ينطق بالشهادتين، فقال لهم: إذا كان مثل هذا الرجل العظيم وغيره من الذين وقفوا حياتهم على ما ينفع البشرية جمعاء بعلومهم ومخترعاتهم لا يمكن بحسب فهمكم أن يدخلوا الجنة شرعاً؛ لأنهم لم ينطقوا بالشهادتين أفلا يمكن أن يدخلوها عقلاً بفضل الله ورحمته ماداموا يؤمنون بخالق السماوات والأرض؟ قالوا: ولا هذا.

- ويقول عبد الحميد نور الدائم كرنكي: وقد أخطأ المسلمون الحديثون كثيراً جداً حينما انفعلوا بوجدانهم القديم وعواطفهم التاريخية الوراثية العصبية، ولم يتفهموا حقيقة العلاقة بين النبي الأعظم، واليهود ظنوا أن اليهود خصوم أزليون أبديون بغض النظر عن أي متغيرات ومعاملات في السياسة والتاريخ والاجتماع والزمن، وهذا الاتجاه الفقهي في رفض إسرائيل يبرز عجز الفقه السلفي عن استيعاب تحدي المعاصرة مهما كان هذا التحدي خطراً ومباشراً وواضحاً، وقد تغذى هذا الاتجاه الفقهي من الفقه الإعلامي الأهوج.
- ويقول عبد الله العلايلي في كتاب "أين الخطأ": في العبادات ينبغي الأخذ بالقرآن وما صح من الحديث، وفي المعاملات يؤخذ بالقرآن وحده ويستأنس بالحديث استئناساً فقط.

ويقول أيضاً: إن العقوبات المنصوصة ليست مقصورة بأعينها حرفياً بل بغاياتها أعني أن العقوبة المذكورة غايتها الردع الحاسم، وكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها، وتظل هي الحد الأقصى والأقسى بعد أن لا تفي الروادع الأخرى وتستنفد.
- ويقول وحيد الدين خان في كتاب "مسئوليات الدعوة": لاشك أن الجهاد أفضل العبادات في الإسلام، ولكن القول بأن الجهاد هو القتال قول خاطىء تماماً مثل حذف الجهاد من الدين، والحقيقة أن جهاد الأمة المحمدية هي الدعوة بأن القرآن الكريم يخبرنا بأن بذل الطاقة لأجل شهادة الحق هو الجهاد.
ويقول أيضاً: إن الحاجة تقتضي إبعاد الإسلام عن كل الصراعات المادية والسياسة، وأن نبرز الإسلام كمجهود أخروي وليس كمجهود دنيوي، والحركات الإسلامية التي قامت على غير هذا الأساس ستقطع جنودها على أيدي الأعداء.

- ويقول حسن الترابي في كتاب "تجديد الفكر الإسلامي": ليست الأشكال التي اتخذها الدين في عهد من العهود هي أشكاله النهائية وإنما يزدهر الدين بإذن الله في شكل جديد عهداً بعد عهد، وتجاوز تلك الأشكال التاريخية لا يعني تجاوز الدين أبداً؛ فقد تتسم أشكال الدين بغير ما اتسمت به في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-.
ويقول أيضاً في كتاب "المرأة بين تعاليم الإسلام وتقاليد المجتمع": وتطبيق معيار الفتنة منوط من الجانب الشخصي بما يجده المرء في نفسه، وذلك فرع من تربيته ومغالبته لهواه، ومهما كان سد الذرائع فلا يجب أن ينسخ أصل النظام الإسلامي العام والذي يقضي بإشراك الرجال والنساء واشتراكهم في الحياة العامة بصفاء وطهارة، فإن العزلة إن كانت تحمي المرأة من الفتنة فإنها تحرمها من فوائد اجتماع المسلمين وتعاونهم على العلم والعمل الصالح.
ويقول أيضاً في كتابه "تجديد الفكر الإسلامي": بالرغم من أن النصوص القرآنية والسنية تقرر للحكومة نصيباً من أصول الأحكام الظاهرة في الكتاب والسنة، وكذلك الشورى الإسلامية كانت تجعل لعامة المسلمين من الأمة دوراً في إصدار الأحكام الفرعية في الأقضية المطروحة للمسلمين، فإن عسر انعقاد الشورى والإجماع وأحوال المسلمين المادية والثقافية دعت الفقهاء في عهد فائت إلى أن يكفوا عن حق الشعب في تبنى ما يختار من اجتهادات الفقهاء.
- ويقول أحمد كمال أبو المجد: ومهما قال الأصوليون من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا أيضاً لا يؤخذ بغير مناقشة؛ فكم من فعل للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله نوع من أنواع السنن جاء مرتبطاً بإطار موضوعي معين معالجاً لظروف قائمة ثابتة وعارضة، ومن هنا لا يستغني مجتهد عن معرفة ذلك كله والتأمل فيه.
- ويقول د. عبد المنعم النمر في كتاب "السنة والتشريع": وهناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقرض ولقطة وسلم لا يحرسها وحي مباشر أو سكوتي أو إقراري.
- ويقول جودت سعيد في كتاب "العمل قدرة وإرادة": ولكن أكثر الذين يتحدثون عن مصائبنا وهزائمنا يرون السبب في عدم الإيمان أو نقص الإرادة... إن العلم المطلوب تحصيله هو الذي يغير ما بالنفوس، ولكن جهود العلماء في العصر الحديث اتجهت في الغالب إلى تصحيح العقيدة والدفاع عن الإسلام وتمجيده.
- ويقول د. محسن عبد الحميد في كتاب "المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري": إننا عندما نقول مخطط الإسلام التغييري لا نقصد آراء الفقهاء التي قد تكون مرتبطة بظروفها الزمانية والمكانية؛ إذ أن بعض تلك الآراء كثيراً ما انطلقت من ضغط العادات والأعراف وحاولت محاصرة الغرائز بل كبتها من منطلق الخوف الموهوم على أخلاق الناس ومن مبدأ اتخاذ التحريم أصلاً في كل حالة من غير دليل شرعي قاطع أو حتى قوي.
- ويقول علي عبد الرزاق في "الإسلام وأصول الحكم": وصف الخلافة بأنها خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها؛ فهو لم يعارضها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهى عنها وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
ويقول: كل ما جرى من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر.
- ويقول د. عماد عبد الحميد النجار: بعض الشباب الذين ينادون بالإسلام إنما يرونه في لباس المرأة ممتداً من منبت شعرها إلى أخمص قدميها، وبالنسبة للحجاب واختلاط المرأة بالرجل في الحياة العامة فهذه مسألة يقدرها المجتمع بحسب ظروفه، فلكل مجتمع ولباسه وقواعد تسيير أفراده، وأن ما جاء في القرآن بشأن الحجاب إنما كان بخصوص نسوة الرسول، وأن هذه الأحكام ليست بالضرورة متعلقة بسائر النسوة.
- ويقول عبد العزيز جاويش: أن نقتصر على تحريم الله في كتابه وهو ربا النسيئة المضاعف الذي نزل في القرآن، وليس في العرب ربا سواه، وهنا نخالف الجمهور بحكم العقل أو بحكم الضرورة فنتجاوز عما قل من الفائدة التي تماثل الدين قدراً ولا تؤدي إلى غبن المدين غبناً فاحشاً، كما فعلت الحكومتان العثمانية والفارسية.
- ويقول د. السنهوري في كتاب "مصادر الحق": أما اليوم وقد تطورت النظم الاقتصادية وانتشرت الشركات وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج لا قروض استهلاك، فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور في الحضارة من تطور الأحكام.
- ويقول مالك بن بني في كتاب "المسلم في عالم الاقتصاد": وفي هذا الاتجاه لم يبق على الاقتصادي السياسي المسلم إلا أن يطبق المنهج الاشتراكي دون مراجعة أسسه المذهبية البعيدة ولا يفيد المسئولين العرب الذين يطبقون الاشتراكية في بلادهم إذا لم يقدر لها النجاح الذي حققته في بلاد أخرى مثل رومانيا التي انطلقت من نفس المنطلق فللمجتهد أصاب أو أخطأ أجر بحسب نيته.
ويقول توفيق الحكيم في كتاب "وثائق في طريق عودة الوعي": إذا كانت العلمانية في أوربا هي موقف ضد دينهم كما فسرته الكنيسة فهي عندنا الحقيقة المعبرة عن نقائل موقف الإسلامي في هذا الموضوع فمسيحية أوربا حاربت العلمانية؛ لأنها ضدها أما إسلامنا فإنه علماني.
- ويقول محمد سليم العوّا في كتاب "أصول النظام الجنائي في الإسلام": ولذلك فإن المشرع الكويتي والليبي حين جعل عقوبة شرب الخمر والاتجار فيها الحبس والغرامة لم يجاوز الأصول الإسلامية في هذا الباب بل أحسن فيه الاتباع.
- ويقول د. شوقي الفنجري في كتاب "المذهب الإقتصادي في الإسلام" والاقتصاد الإسلامي اقتصاد إلهي من حيث المذهب وضعي من حيث النظام.
- ويقول د. محمد عمارة في كتاب "الإسلام والسلطة الدينية": وسنة الرسول -عليه الصلاة والسلام- أي قوله وفعله وإقراره لا تأتي في باب بحثنا هذا شيئاً واحداً ذا طبيعة واحدة، بل إن بينها تمايزا، فمنها ما هو دين ومنها ما هو سياسة ودنيا، أما من درج من السنة النبوية تحت أمور السياسة جميعها وشئون الدنيا كلها فهو ليس ديناً، فليس الحكم والقضاء وليست السياسة وشئون المجتمع السياسية ديناً وشرعا ً.
- ويقول د. محمود أبو السعود: إن الله تعالى في القرآن ورسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- في السنة لم يبينا أبداً معنى النقود أو وظائفها، ولم يبينا لنا لماذا حرمت الفائدة بشدة، والإسلام أعطانا بعض القواعد الخاصة بتبادل السلع وتركها مفتوحة لنا لنبني على أساسها القوانين بناء نراه مناسباً وملائماً لظروف مدنيتنا الاقتصادية المتغيرة باستمرار.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

منقول من موقع الشيخ علوي السقاف
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ملخص , للشيخ , الميلي , المعتزلة , ناصر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:51 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.