ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-12-10, 08:15 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي سلسلة كشف شبهات الصوفية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه سلسلة لكشف شبهات الصوفية والرد عليها وأسأل الله التوفيق فيها وستضم ردودا لأهل العلم على شبهات الصوفية.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-12-10, 08:19 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

في شبهة حصر القبوري النهي عن اتخاذ القبر مسجدًا
بالصلاة عليه أو إليه
للشيخ محمد علي فركوس حفظه الله

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
ففي معرض فقه معنى «اتخاذ القبور مساجد» أراد القبوري ‑هداه الله‑ أن يحصره في الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها، وكذا في استقبالها بالصلاة والدعاء، مستندًا إلى أنّ فهم العلماء لأحاديث النهي محصورة في هذين المعنيين، وأخرج بذلك المسجد الذي به ضريح، وقصد الصلاة فيه من معنى اتخاذ القبر مسجدًا، ثمّ ناقض كلامه في الأخير عند بيانه لحكم العلماء الفحول من أصحاب المذاهب الأربعة على الصلاة في مسجد فيه ضريح، حيث يقول ‑هداه الله‑ ما نصُّه:
[واتخاذ القبر مسجدًا الذي ورد فيه النهي عن النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم؛ ليس هو ما ذكرنا من بناء المسجد بجوار ضريح مُتَّصل به أو منفصل عنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(١- أخرجه البخاري في «صحيحه» (1/446)، ومسلم في «صحيحه»: (1/376))، وفي رواية لمسلم بلفظ: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ»(٢- أخرجه مسلم في «صحيحه»: (1/377)). بزيادة: «وصالحيهم».
فعلماء الأُمَّة لم يفهموا من هذا الحديث أنَّ المقصود النهي عن اتصال المسجد بضريح نبي أو صالح، وإنما فسروا اتخاذ القبر مسجدًا التفسير الصحيح، وهو أن يُجعل القبر نفسه مكانًا للسجود، ويسجد عليه الساجد لمن في القبر عبادة له، كما فعل اليهود والنصارى؛ حيث قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، فهذا هو معنى السجود الذي استوجب اللعن، أو جعل القبر قِبلَةً دون القبلة المشروعة، كما يفعل أهل الكتاب؛ حيث يتوجَّهون بالصلاة إلى قبور أحبارهم ورهبانهم، فتلك الصور هي التي فهمها علماء الأُمَّة من النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
فكان ينبغي على المسلمين أن يعرفوا الصورة المنهي عنها، لا أن ينظروا إلى ما فعله المسلمون في مساجدهم، ثمَّ يقولون: إنَّ الحديث ورد في المسلمين، فهذا فعل الخوارج والعياذ بالله، كما قال ابن عمر رضي الله عنه ذهبوا إلى آيات نزلت في المشركين، فجعلوها في المسلمين. فليست هناك كنيسة للنصارىولا معبد لليهود على هيئة مساجد المسلمين التي بها أضرحة، والتي يصرُّ بعضهم أنَّ الحديث جاء في هذه الصورة.
ولكن العلماء فهموا المراد بنظر ثاقبٍ وهو ما اتضح في شروحهم لهذه الأحاديث، فها هو الشيخ السندي يقول بشأن هذا الحديث: «ومراده بذلك أن يحذِّر أُمَّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد، إمَّا بالسجود إليها تعظيمًا أو بجعلها قِبلةً، يتوجَّهون في الصلاة نحوها، قيل: ومجرَّد اتخاذ مسجد في جوار صالح تبرُّكًا غير ممنوع(٣- «حاشية السندي»: (2/41))».
وقد نقل العلاَّمة ابن حجر العسقلاني وغيرُه من شُرَّاح السُّنن قول البيضاوي؛ حيث قال: «قال البيضاوي: لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قِبلة، ويتوجَّهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانًا، لَعَنَهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، ونهاهم عنه، أمَّا من اتخذ مسجدًا بجوار صالح أو صلى في مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه، ووصول أثر من آثار عبادته إليه، لا التعظيم له، والتوجُّه فلا حرج عليه، ألا ترى أنَّ مدفن إسماعيل في المسجد الحرام ثمَّ الحطيم؟ ثمَّ إنَّ ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي بصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة لما فيها من النجاسة. انتهى»(٤- «فتح الباري»: (1/524)، و«شرح الزرقاني»: (4/290)، و«فيض القدير»: (4/466)).
وقد نقل كذلك المباركفوري في شرحه لجامع الإمام الترمذي قول التوربشتي فقال: «قال التوربشتي هو مخرج على الوجهين: أحدهما: كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم وقصد العبادة في ذلك. وثانيهما: أنهم كانوا يتحرَّون الصلاة في مدافن الأنبياء، والتوجُّه إلى قبورهم في حالة الصلاة والعبادة لله؛ نظرًا منهم أنَّ ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند الله لاشتماله على الأمرين»(٥- «تحفة الأحوذي» للمباركفوري: (2/226)).
وممَّا سبق يتبيَّن أنَّ حكم الصلاة بالمسجد الذي به ضريح يكون، إذا كان القبر في مكان مُنعزِل عن المسجد، أي: لا يصلى فيه، فالصلاة في المسجد الذي يجاوره صحيحة، ولا حرمة ولا كراهة فيها، أمَّا إذا كان القبر في داخل المسجد، فإنَّ الصلاة باطلة ومحرَّمة على مذهب أحمد بن حنبل، جائزة وصحيحة عند الأئمة الثلاثة، غاية الأمر أنهم قالوا: يكره أن يكون القبر أمام المصلى؛ لما فيه من التشبه بالصلاة إليه، والله تعالى أعلى وأعلم].
فالجواب على القبوري ‑هداه الله‑ بحصره النهي عن اتخاذ القبر مسجدًا بالصلاة عليه وإليه فقط ما يلي:
1‑ تفسير ورود الصورة المنهي عنها في حديث لعن اليهود والنصارى في اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد على من يجعل القبر نفسه مكانًا للسجود، ويسجد عليه الساجد لمن في القبر عبادة له، أو جعل القبر قبلة دون القبلة المشروعة تفسير لا شك في صحته، وللمعنيين شواهد لأحاديث عدة ثابتة عن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لم يُعرِّج عليها القبوري ‑هداه الله‑ وسأورد بعضًا منها على الوجه التالي:
‑ أمَّا المعنى الأول من معاني اتخاذ القبر مسجدًا والسجود لها فإنه يشهد لهذا المعنى:
قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تُصَلُّوا إِلَى قَبْرِ، وَلاَ تُصَلُّوا عَلَى قَبْرِ»(٦- أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: (11/376)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (3/13)).
«نَهْيُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْنَى عَلَى القُبُورِ، أَوْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا، أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهَا»(٧- أخرجه أبو يعلى في «مسنده»: (2/297)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/191): «رجاله ثقات»، وصححه الألباني في «تحذير الساجد»: (29)).
«نَهْيُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ إِلَى القُبُورِ»(٨- أخرجه ابن حبان في «صحيحه»: (6/93)، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع»: (6893)).
- أمَّا المعنى الثاني من معاني الاتخاذ: وهو السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء فيشهد له النهي الصريح في قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا»(٩- أخرجه مسلم كتاب «الجنائز»: (1/430)، رقم: (972)، والنسائي كتاب «القبلة»: (760)، وأحمد: (4/135)، من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه)، ويؤيِّده فهم الصحابة رضي الله عنهم، فقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْ قَبْرٍ فَرَآنِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «القَبْر، القَبْر»، فَرَفَعْتُ بَصَرِي إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَا أَحْسَبُهُ يَقُولُ: القَمَرَ»(١٠- أخرجه البخاري تعليقا: كتاب «الصلاة»، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد: (1/111)، قال ابن حجر في «فتح الباري» (1/659): «رويناه موصولا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري...وله طرق أخرى بينتها في «تعليق التعليق»»)، وعند عبد الرزاق بزيادة: «إِنَّمَا أَقُول القَبْرَ، لاَ تُصَلِّ إِلَيْهِ»(١١- «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني: (1/404)، والأثر صححه الألباني في: «تحذير الساجد»: (35)).
فهذا المعنى والذي قبله استدلّ لهما القبوري ‑هداه الله‑ بكلام السِّندي والبيضاوي وما نقله المباركفوري عن قول التوربتشي، فهما صحيحان بلا شكّ لدلالة النصوص الحديثية والآثار عليهما لكنهما لا يمثلان ‑في حقيقة الأمر‑ سوى مفهومين لمعنى اتخاذ القبور مساجد، ومفهومه أوسع من ذلك، قال الصنعاني ‑رحمه الله‑: «واتخاذ القبور مساجد أعمُّ من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها»(١٢- «سبل السلام» للصنعاني: (1/317-318))، وقال ‑أيضًا‑: «والمراد من الاتخاذ أعمّ من أن يكون ابتداعًا أو اتباعًا فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت»(١٣- نفس المصدر السابق).
قلت: بل إنَّ الأحاديث الصحيحة المتقدِّمة المتضمِّنة للوعيد الشديد تشمل ‑باللزوم‑ معنى ثالثًا في النهي عن اتخاذ القبور مساجد وهو البناء عليها، ووجه اللزوم من السجود إليها بناء المساجد عليها على غرار ما يلزم من بناء المساجد عليها السجود إليها، ذلك لأنّ الشارع «إذا أمر ببناء المساجد فهو يأمر ‑ضمنًا‑ بالصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ‑ضمنًا‑ عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا، وهذا بيِّن لا يخفى على العاقل»(١٤- «تحذير الساجد» للألباني: (43))، وقد بيَّنه المناوي ‑رحمه الله‑ في معرض شرحه للحديث حيث قال: «أي: اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل، وإن اتخاذها مساجد لازم، لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم»(١٥- «فيض القدير» للمناوي: (4/466))، هذا، وقد ترجم الإمام البخاري ‑رحمه الله‑ لمعنى هذا الحديث بقوله: «باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور»(١٦- «صحيح البخاري» بشرح فتح الباري: (3/200))، قال ابن حجر ‑رحمه الله‑: «قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاد القبر مسجدًا، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم»(١٧- «فتح الباري» لابن حجر: (3/201)).
وبناءً على تفسيره لمعنى اتخاذ القبر مسجدًا أن يجعل القبر مكانًا للسجود فإنه ‑فضلاً عن شموله لبناء المسجد عليه بطريق اللزوم كما تقدَّم من أقوال أهل العلم‑ فقد صحَّ ‑عن طريق النقل‑ ما يثبت النهي الصريح لبناء المساجد على القبور بالنصوص الحديثية التالية:
أولاً: قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ»(١٨- أخرجه البخاري كتاب «المساجد»، باب الصلاة في البيعة: (1/112)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/239) رقم: (528)، من حديث عائشة رضي الله عنها)، والحديث صريح بأنَّ من أسباب كونهم شرار الخلق بناء المساجد على قبور الصالحين، قال ابن رجب ‑رحمه الله‑: «هذا الحديث يدلُّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين»(١٩- «فتح الباري» لابن رجب: (3/197))، وهذا المعنى الذي أشارت إليه عائشة رضي الله عنها بقولها: «فَلَوْلاَ ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»(٢٠- أخرجه البخاري كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره: (1/333)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/239)، رقم: (529)، من حديث عائشة رضي الله عنها)، أي: لولا مخافة الوقوع في اللعن الذي استحقَّه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد لجعل قبره صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في أرضٍ بارزةٍ ظاهرةٍ مكشوفةٍ، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكُلُّ موضع يُصلَّى فيه يُسمَّى مسجدًا كما قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»(٢١- أخرجه البخاري كتاب «التيمم»، باب التيمم: (1/87)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/236)، رقم: (521)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما).
ثانيًا: قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ القُبُورِ، المُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرَجَ»(٢٢- أخرجه أبو داود كتاب «الجنائز»، باب في زيارة النساء القبور: (3236)، والترمذي كتاب « الصلاة »، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا: (320)، وأحمد: (3108)، من حديث أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث بهذا السياق ضعيف، قال ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» (3/201): «وقال مسلم في كتاب التفصيل: هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس». لكن ورد له شواهد تقويه في «لعن زائرات القبور»، مثل الحديث الذي أخرجه الترمذي (1056) وغيره: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ»، وأخرى في «اتخاذ المساجد على القبور» وقد تواتر ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم. انظر: «الإرواء»: (3/212)، و«السلسلة الضعيفة»: (1/393) للألباني)، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑: «ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبنيها ويتعيَّن إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين»(٢٣- «اختيارات ابن تيمية» للبعلي: (81)).
ثالثًا: «نَهْيُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ»(٢٤- أخرجه مسلم كتاب «الجنائز»: (1/430)، رقم: (970)، وأبو داود كتاب «الجنائز»، باب في البناء على القبر: (3225)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما)، والحديث دلَّ على أنَّ البناء على القبر مُنهَى عنه مطلقًا يسيرًا كان أو كثيرًا، بل الكثير والكبير أحرى بالنهي من طريق فحوى الخطاب؛ لأنَّ البناء اليسير على القبر منهى عنه كالقبة مثلاً فيدخل في النهي عن بناء الكبير كالمسجد دخولاً أولويًّا.
ولهذا لا يجتمع في دين الإسلام قبر ومسجد مُطلقًا، ولا فرق ‑في المحذور‑ بين بناء المسجد على القبر أو إدخال القبر في المسجد، وضمن هذا المنظور السُّنِّي يقول ابن القيم ‑رحمه الله‑ «فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيُّهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعَا معًا لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا تصحُّ الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه، وغربته بين الناس كما ترى»(٢٥- «زاد المعاد» لابن القيم: (3/572))، ونقل المناوي عن الحافظ العراقي في هذا المعنى بقوله: «قال الزين العراقي: والظاهر أنه لا فرق، فلو بنى مسجدًا بقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط أن يدفن فيه لم يَصِحَّ الشرطُ لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدًا»(٢٦- «فيض القدير» للمناوي: (5/274)).
هذا، وأمَّا ما استظهر به القبوري ‑هداه الله‑ من كلام البيضاوي بقوله: «أمَّا من اتخذ مسجدًا بجوار صالح أو صَلَّى في مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه، ووصل أثر من آثار عبادته إليه، لا التعظيم له والتوجه فلا حرج عليه، ألا ترى أنَّ مدفن إسماعيل في المسجد الحرام ثمَّ الحطيم؟ ثمَّ إنَّ ذلك المسجد أفضل مكان يتحرَّى المصلي بصلاته، والنهي عن الصلاة في المقابر مختصٌّ بالمنبوشة لما فيها من النجاسة».
فجوابه من ثلاث جهات:
الأولى: أنَّ تقرير الجواز مخالف لعموم الأدلة الناهية عن الصلاة في المقبرة وما يلحق بها من المساجد المبنية على القبور، قال الألوسي: «هذا، واستدلَّ بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة فيها، وممَّن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد»(٢٧- «تفسير الألوسي»: (11/196))، ثمَّ استدلَّ على ذلك بالأخبار الصحيحة والآثار الصريحة على فساد هذا المعتقد.
الثانية: أنَّ تعليل النهي عن الصلاة في المقابر بالنجاسة الحِسِّية غير ظاهر مع أنَّ المؤمن لا ينجس حيًّا أو ميّتًا، كما ثبت في الحديث(٢٨- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ المسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ». أخرجه البخاري: (1/75)، ومسلم: (1/175). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «المسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا» أخرجه البخاري معلقا: (1/300)، ووصله ابن أبي شيبة: (2/469) انظر: «فتح الباري» لابن حجر: (1/33))، وإنما ورد النهي سدًّا للذريعة خشية أن يُعبَدَ فيها المقبور لقرينة خبر: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»(٢٩- أخرجه أحمد في «مسنده»: (7352)، وأبو يعلى في « مسنده»: (1/312)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحح إسناده الألباني في «تحذير الساجد»: (22))، فكان النهيُ لأجل نجاسة الشِّرك اللاحقة بمن عصاه، وهي نجاسة معنوية، قال الصنعاني ‑رحمه الله‑ متعقِّبًا على البيضاوي «قوله: «لا لتعظيم له»، يقال: قصد التبرك به تعظيم له، ثمّ أحاديث النهي مطلقة ولا دليل على التعليل بما ذكر، والظاهر أنّ العلة سدّ الذريعة والبعد عن التشبُّه بعبدة الأوثان، الذين يعظِّمون الجمادات التي لا تنفع ولا تضرُّ، ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية؛ ولأنه سبب لإيقاد السرج عليها الملعون فاعله، ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر»(٣٠- «سبل السلام» للصنعاني: (1/318)).
وقال ابن القيم ‑رحمه الله‑: «وبالجملة: فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أنَّ هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة: «لا تفعلوا»، وصيغة: «إني أنهاكم»، ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقلَّ نصيبه أو عدم عن تحقيق شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فإنَّ هذا وأمثاله من النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه شرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه»(٣١- «إغاثة اللهفان» لابن القيم: (1/189)).
- أمَّا قول البيضاوي: «ألا ترى أنَّ مدفن إسماعيل في المسجد الحرام ثمَّ الحطيم؟».
فجوابه من جهة عدم التسليم بصحة الدعوى أولاً، ثمَّ من جهة التسليم ‑جدلاً‑ بصحَّتها ثانيًا على ما يأتي:
الجهة الأولى: إنَّ دعوى وجود قبر إسماعيل عليه السلام أو غيره من الأنبياء الكرام مدفونين في المسجد الحرام تحتاج إلى نقلٍ صحيحٍ مؤيّدٍ يصح الاستدلال به، وهو مفتقر إليه لعدم ثبوت أي خبر مرفوع في الدواوين المعروفة، قال الألباني ‑رحمه الله‑: «وذلك من أعظم علامات كون الحديث ضعيفًا بل موضوعًا عند بعض المحقِّقين، وغاية ما روي في ذلك آثار معضلات، بأسانيد واهيات موقوفات، أخرجها الأزرقي في «أخبار مكة»، فلا يلتفت إليها وإن ساقها بعض المبتدعة مساق المسلمات»(٣٢- «تحذير الساجد» للألباني: (109-110)).
الجهة الثانية: وعلى فرض بصحة الآثار ووجود قبور الأنبياء الكرام فإن العبرة في هذه المسألة بالقبور المشرفة والمرتفعة بأن يبنى عليها أو تشرف بكبر الأعلام التي توضع عليها وهي «النصب» أو «النصائب» أو تشرف بالتلوين أو برفع تراب القبر عما حوله فيكون بيِّنًا ظاهرًا كما هو حال الأضرحة والقباب؛ لأنّ القبور المشرفة يزداد الغلو فيها وتقع مفاسد الشركيات والوثنيات عندها وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي الهيَّاج قال: قال لي عليٌّ: «أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ لاَ تَدَعَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ»(٣٣- أخرجه مسلم كتاب «الجنائز»: (1/429) رقم: (969)، وأحمد: (1/96)، من حديث علي رضي الله عنه).
وعليه فلا يصح الاستدلال بهذه الآثار على جواز اتخاذ المساجد على القبور –ولو كانت حقيقية‑ لاندراسها وخفائها وعدم ظهورها، إذ المعلوم ضرورة أن الأرض كلها مقبرة الأحياء كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25، 26]، وإذا افترقت الصورتان في معنى الظهور والبروز والإشراف فلا مجال للتسوية بينهما أو نفي الفارق عنهما.
وقد ورد هذا المعنى في جواب علي القاري ‑رحمه الله‑ على من ذكر أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيًّا حيث قال: «وفيه أنّ صورة قبر إسماعيل عليه السلام وغيره مندرسة فلا يصلح الاستدلال»(٣٤- «مرقاة المفاتيح» للقاري: (2/416)).
- وأمَّا قوله: «ثمَّ إنَّ ذلك المسجد أفضل مكان يتحرَّى المصلي لصلاته».
فجوابه أنه: من الخطإ البيِّن الاعتقاد أنَّ فضيلة المسجد الحرام عن سائر المساجد إنما طرأت بدفن إسماعيل عليه السلام، ولو مع فرض التسليم بصحة الآثار الواردة بدفنه فيه فلم يثبت أي دليل يُفصح عن حدوث فضيلته بالطروء، ولم ينقل ذلك أحد من السلف، بل فضيلة المسجد الحرام مرتبطة به وأصيلة فيه، ومؤكدة منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام القواعد من البيت كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]، وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، فشأن المسجد الحرام في التصاق الفضيلة به كشأن فضيلة المسجد النبوي، فإن أجر الصلاة فيه بألف صلاة بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدفن فيه أحد.
هذا، وقد ساق القبوري ‑هداه الله‑ فهم العلماء لمعنى اتخاذ القبر مسجدا بالصلاة عليه أو إليه أي من غير أن يفهموا ‑في زعمه‑ من نص الحديث: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(٣٥- أخرجه البخاري كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره: (1/333)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/239)، رقم: (529)، من حديث عائشة رضي الله عنها) النهي عن بناء المساجد وقصد الصلاة فيها ثمّ تناقض في آخر رده عند نقله عن أئمة المذاهب بتحريم الصلاة في المسجد الذي به قبر أو ضريح وبطلانها على مذهب أحمد بن حنبل وكراهتها عند الأئمة الثلاثة، فمن أين يأتي التحريم والكراهة إذا لم يفهموا من الحديث النهي عن بناء المساجد على القبور يا ترى؟!!
وقد نقلتُ ‑فيما مضى‑ تصريح عامة الطوائف والمذاهب بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة من غير اختلاف بين الأئمة المعروفين، وإن أطلقت طائفةٌ منهم لفظ «الكراهة» فإنه ينبغي حمله على الكراهة التحريمية إحسانًا بالظن بالعلماء، ولأنه هو المعنى الشرعي في الاستعمال القرآني فيحمل عليه لا على المعنى الاصطلاحي في الأصول عند المتأخرين، ومن الاستعمال القرآني للفظ «الكراهة» بمعنى «التحريم» قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7]، كما ذكر الله تعالى -أيضًا- بعد النهي عن قتل الأولاد، وقربان الزنا، وقتل النفس، وغير ذلك، هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]، أي: محرمًا؛ لأن هذه المذكورات والتي قبلها كلها محرمات، ويؤيد ذلك أن الأصل في النهي عند مالك والشافعي وأحمد وغيرهم يحمل على التحريم إلا إذا دل دليل يصرف النهي إلى التنزيه ولا صارف استظهروه في الأحاديث الناهية بتحريم بناء المساجد على القبور.
وفي هذا المعنى من حمل لفظ «الكراهة» عند الأئمة المتقدِّمين على «التحريم» عند الإطلاق ما ذكره ابن القيم ‑رحمه الله‑ عن الإمام الشافعي ‑رحمه الله‑ فيمن أراد نسبة القول إليه بإباحة تزوج الرجل من بنته من الزنا بدعوى تصريحه بكراهة ذلك، وأنَّ الكراهة لا تنافي الجواز إذا ما حملت على التَّنْزِيه فيقول ‑رحمه الله‑: «ومن هذا ‑أيضًا‑ أنه نصّ على كراهة تزوج الرجل ابنته من ماء الزنا، ولم يقل قط إنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلاله وإمامته ومنصبه الذي أجلَّه الله به من الدين أنَّ هذا للكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ «الكراهة»؛ لأنَّ الحرام يكرهه الله ورسوله، وقد قال تعالى عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿فلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات، ثمَّ قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوها﴾، وفي الصحيح: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ»(٣٦- أخرجه البخاري «الزكاة»، باب قول الله تعالى: «لا يسألون الناس إلحافا»، وكم الغنى: (1/357)، ومسلم كتاب «الأقضية»: (2/820)، رقم: (1715)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه).
فالسلف كانوا يستعملون «الكراهة» في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، أمَّا المتأخِّرون فقد اصطلحوا على تخصيص «الكراهة» بما ليس بمحرم، وتركه أرجح من فعله، ثمَّ حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث»(٣٧- «إعلام الموقعين» لابن القيم (1/42-43)).
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 29 رجب 1430ﻫ
الموافق ﻟ: 21 يوليو 2009م
١- أخرجه البخاري في «صحيحه» (1/446)، ومسلم في «صحيحه»: (1/376).

٢- أخرجه مسلم في «صحيحه»: (1/377).

٣-«حاشية السندي»: (2/41).

٤- «فتح الباري»: (1/524)، و«شرح الزرقاني»: (4/290)، و«فيض القدير»: (4/466).

٥- «تحفة الأحوذي» للمباركفوري: (2/226).

٦-أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: (11/376)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (3/13).

٧- أخرجه أبو يعلى في «مسنده»: (2/297)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/191): «رجاله ثقات»، وصححه الألباني في «تحذير الساجد»: (29).

٨- أخرجه ابن حبان في «صحيحه»: (6/93)، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع»: (6893).

٩- أخرجه مسلم كتاب «الجنائز»: (1/430)، رقم:(972)، والنسائي كتاب «القبلة»:(760)، وأحمد: (4/135)، من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.

١٠- أخرجه البخاري تعليقا: كتاب «الصلاة»، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد: (1/111)، قال ابن حجر في «فتح الباري» (1/659): «رويناه موصولا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري...وله طرق أخرى بينتها في «تعليق التعليق»».

١١- «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني: (1/404)، والأثر صححه الألباني في: «تحذير الساجد»: (35).

١٢- «سبل السلام» للصنعاني: (1/317-318).

١٣- نفس المصدر السابق.

١٤- «تحذير الساجد» للألباني: (43).

١٥- «فيض القدير» للمناوي: (4/466).

١٦- «صحيح البخاري» بشرح فتح الباري: (3/200).

١٧- «فتح الباري» لابن حجر: (3/201).

١٨- أخرجه البخاري كتاب «المساجد»، باب الصلاة في البيعة: (1/112)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/239) رقم: (528)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

١٩- «فتح الباري» لابن رجب: (3/197).

٢٠- أخرجه البخاري كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره: (1/333)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/239)، رقم: (529)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٢١- أخرجه البخاري كتاب «التيمم»، باب التيمم: (1/87)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/236)، رقم: (521)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

٢٢- أخرجه أبو داود كتاب «الجنائز»، باب في زيارة النساء القبور: (3236)، والترمذي كتاب « الصلاة »، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا: (320)، وأحمد: (3108)، من حديث أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث بهذا السياق ضعيف، قال ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» (3/201): «وقال مسلم في كتاب التفصيل: هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس». لكن ورد له شواهد تقويه في «لعن زائرات القبور»، مثل الحديث الذي أخرجه الترمذي (1056) وغيره: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ»، وأخرى في «اتخاذ المساجد على القبور» وقد تواتر ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم. انظر: «الإرواء»: (3/212)، و«السلسلة الضعيفة»: (1/393) للألباني.

٢٣- «اختيارات ابن تيمية» للبعلي: (81).

٢٤- أخرجه مسلم كتاب «الجنائز»: (1/430)، رقم: (970)، وأبو داود كتاب «الجنائز»، باب في البناء على القبر: (3225)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

٢٥- «زاد المعاد» لابن القيم: (3/572).

٢٦- «فيض القدير» للمناوي: (5/274).

٢٧- «تفسير الألوسي»: (11/196).

٢٨- عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: «سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ المسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ». أخرجه البخاري: (1/75)، ومسلم: (1/175). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «المسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا» أخرجه البخاري معلقا: (1/300)، ووصله ابن أبي شيبة: (2/469) انظر: «فتح الباري» لابن حجر: (1/33).

٢٩- أخرجه أحمد في «مسنده»: (7352)، وأبو يعلى في « مسنده»: (1/312)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحح إسناده الألباني في «تحذير الساجد»: (22).

٣٠- «سبل السلام» للصنعاني: (1/318).

٣١- «إغاثة اللهفان» لابن القيم: (1/189).

٣٢- «تحذير الساجد» للألباني: (109-110).

٣٣- أخرجه مسلم كتاب «الجنائز»: (1/429) رقم: (969)، وأحمد: (1/96)، من حديث علي رضي الله عنه.

٣٤- «مرقاة المفاتيح» للقاري: (2/416).

٣٥- أخرجه البخاري كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره: (1/333)، ومسلم كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»: (1/239)، رقم: (529)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٣٦- أخرجه البخاري «الزكاة»، باب قول الله تعالى: «لا يسألون الناس إلحافا»، وكم الغنى: (1/357)، ومسلم كتاب «الأقضية»: (2/820)، رقم: (1715)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

٣٧- «إعلام الموقعين» لابن القيم (1/42-43).








المصدر
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-12-10, 08:22 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

الرد على قبـوري
محتج بشبهة إجماع الصحابة رضي الله عنهم


للشيخ محمد علي فركوس حفظه الله
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فقد احتجَّ من يستحبُّ الصلاةَ في المساجد المبنية على الأضرحة والقبور ‑هداه الله‑ بشُبهة إجماع الصحابة رضي الله عنهم، وقد جاء نصُّ احتجاجه على ما يلي:
«أمَّا فِعل الصحابة رضي الله عنهم يتَّضح في موقف دفن سيِّدنا رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم واختلافهم فيه، وهو ما حكاه الإمام مالك رضي الله عنه عندما ذكر اختلاف الصحابة في مكانِ دَفْنِ الحبيب صَلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: «فقال ناسٌ: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِيَّ فِيهِ فَحفرَ لَهُ فِيهِ»(١- رواه مالك في «الموطأ»: (1/231).)، ووجه الاستدلال أنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم اقترحوا أن يدفن صَلَّى الله عليه وآله وسلم عند المنبر وهو داخل المسجد قطعًا، ولم ينكر عليهم أحدٌ هذا الاقتراح، بل إنَّ أبا بكر رضي الله عنه اعترض على هذا الاقتراح ليس لحرمة دفنه صَلَّى الله عليه وآله وسلم في المسجد، وإنما تطبيقًا لأمره صَلَّى الله عليه وآله وسلم بأن يُدفن في مكانِ قَبْضِ روحه الشريف صَلَّى الله عليه وآله وسلم.
وبتأمُّلنا إلى دفنه صَلَّى الله عليه وآله وسلم في ذلك المكان؛ نجد أنه صَلَّى الله عليه وآله وسلم قُبض في حجرة السيِّدة عائشة رضي الله عنها، وهذه الحجرة كانت متصلةً بالمسجد الذي يصلي فيه المسلمون. فوضع الحجرة بالنسبة للمسجد كان -تقريبًا- هو نفس وضع المساجد المتصلة بحجرة فيها ضريح لأحد الأولياء في زماننا، بأن يكون ضريحه متصلاً بالمسجد والناس يصلون في صحن المسجد بالخارج.
وهناك من يعترض على هذا الكلام ويقول: إنَّ هذا خاصٌّ بالنبي صَلَّى الله عليه وآله وسلم، والردُّ عليه أنَّ الخصوصية في الأحكام بالنبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم تحتاج إلى دليل، والأصل أنَّ الحكم عامٌّ ما لم يرد دليلٌ يثبت الخصوصيةَ، ولا دليل، فَبَطَلَتْ الخصوصية المزعومة في هذا الموطن، ونزولاً على قول الخصم من أنَّ هذه خصوصية للنبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم -وهو باطل كما بيَّـنَّا- فالجواب أنَّ هذه الحجرة دفن فيها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، ومن بعده سيدنا عمر رضي الله عنه، والحجرة متَّصلة بالمسجد، فهل الخصوصية انسحبت إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أم ماذا؟ والصحابة يصلون في المسجد المتصل بهذه الحجرة التي بها ثلاثة قبور، والسيدة عائشة رضي الله عنها تعيش في هذه الحجرة، وتصلي فيها صلواتها المفروضة والمندوبة، ألا يُعدُّ هذا فعل الصحابة وإجماعًا عمليًّا لهم».
فالجواب عنه على التفصيل التالي:
- إنَّ ما استند إليه القبوريُّ ‑هداه الله‑ من حديث مالكِ بن أنسٍ ‑رحمه الله‑ بقوله: «وهو ما حكاه مالك ‑رحمه الله‑ عندما ذكر اختلاف الصحابة في مكان دفن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم» فإنما أورده مالك ‑رحمه الله‑ في «الموطأ» بلاغًا منقطعًا دون إسناد، وجاء في سياقه «أنه بلغه أنَّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء وصَلَّى الناس عليه أفذاذًا، لا يؤمُّهم أحد، فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يقول: مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ..»(٢- «موطأ مالك بشرح تنوير الحوالك» للسيوطي: (1/229-231).).
وهذا الحديث معضلٌ، قال الحافظ ابن عبد البر ‑رحمه الله‑: «هذا الحديث لا يُروى على هذا النسق بوجه من الوجوه غير بلاغ مالكٍ هذا، ولكنه صحيح من وجوه مختلفة وأحاديثُ شتى جمعها مالك»(٣- «التمهيد» لابن عبد البر: (24/398-399).)، ثم تناول الحافظ ابن عبد البر ‑رحمه الله‑ الحديث ببيان جميع شواهد فقراته ما عدا تلك المتعلقة بالدفن عند المنبر فلم يذكر لها ما يشهد لها بالصحة.
وقد رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» قال: «أخبرنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قال أبو بكر أين يدفن رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم؟ قال قائلٌ منهم: عند المنبر، وقال قائل منهم: حيث كان يصلي يؤمُّ الناس، فقال أبو بكر: بل يدفنُ حيث توفى الله نفسَه، فأخَّر الفراش ثمَّ حفر له تحته»(٤- «الطبقات الكبرى» لابن سعد: (1/552).).
وسنده ضعيفٌ لإرساله، فأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبي بكر، «قال أبو زرعة: هو عن أبي بكر مرسلٌ»(٥- «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (12/117).)، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب كانت ولادته في خلافة عثمان ولم يسمع من أبي بكر(٦- المصدر السابق نفسه: (11/250).)، ومحمَّد بن عمرو بن علقمة صدوقٌ له أوهام(٧- المصدر السابق: (9/375)، و«تقريب التهذيب» لابن حجر: (2/196).).
والحديث رواه محمَّد بن إسحاق موصولاً، أخرجه ابن ماجه في «السنن»(٨- «سنن ابن ماجه» (1/520) (رقم: 1628).) والبزار(٩- «مسند البزار» (1/70) (رقم: 18).) وأبو يعلى(١٠- «مسند أبي يعلى» (1/45، 46) (رقم: 22، 23).) والبيهقي في «دلائل النبوة»(١١- «دلائل النبوة» للبيهقي (7/260).)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر(١٢- «مسند أبي بكر» (66) (رقم: 26، 27).)، وابن هشام(١٣- «السيرة النبوية» لابن هشام (2/663).)، وابن كثير(١٤- «البداية والنهاية» لابن كثير (5/266).) قال: «حدثني حسين بنُ عبد الله عن عكرمة عن ابن عباسٍ قال: .. وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يقول: مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلاَّ دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ».
والحديث ضعيف لأنَّ في سنده حسين بن عبد الله بن عبيد ضعَّفه ابنُ معينٍ والنسائي وأبو زرعة والبخاري، وكثيرٌ من أهل الحديث لم يحتجوا بحديثه(١٥- انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (1/537)، و«تهذيب التهذيب»: (2/341)، و«تقريب التهذيب» كلاهما لابن حجر: (1/176).)، والحديث ضعَّفه الألباني(١٦- «ضعيف سنن بن ماجه» للألباني (127-128).).
وتابعه من هو دونه وأوهى منه، قال السيوطي: «وصله ابن سعد من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة»(١٧- الته«تنوير الحوالك» للسيوطي: (1/230).ميش).
قلت: فقد رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» قال: «أخبرنا محمَّد بن عمر، أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما فرغ من جهاز رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يوم الثلاثاء وُضع على سرير في بيته، وكان المسلمون قد اختلفوا في دفنه فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه بالبقيع، قال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مَاتَ نَبِيٌّ إِلاَّ دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ»، فرفع فراش النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الذي توفي عليه ثم حفر له تحته»(١٨- «الطبقات الكبرى» لابن سعد: (1/552).).
وسند هذا الحديث ضعيف جدًّا، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ضعيف وعنده مناكير(١٩- انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (1/19)، و«تقريب التهذيب» لابن حجر: (1/31).)، وداود بن الحُصين ثقة إلا في عكرمة ورمي برأي الخوارج كما صرح ابن حجر في «التقريب»(٢٠- «تقريب التهذيب» لابن حجر: (1/231).)، ومحمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي هو الواقدي متروك الحديث، فلا يصلح هذا الطريق لا في المتابعات ولا في الشواهد.
ولا يشفع لحال الواقدي إسناده الآخر الذي ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»: «قال الواقدي حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عثمان بن محمَّد الأخنسي عن عبد الرحمن بن سعيد قال: لما توفي النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم اختلفوا في موضع قبره، قال قائل: في البقيع، فقد كان يكثر الاستغفار لهم، وقال قائل: عند قبره، وقال قائل، في مُصلاَّه، فجاء أبو بكر فقال: إن عندي من هذا خبرًا وعلمًا، سمعت رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يقول: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلاَّ دُفِنَ حَيْثُ تُوُفِّيَ»(٢١- «البداية والنهاية» لابن كثير: (5/267).).
وهذا الحديث مرسل، وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي لم يدرك أبا بكر، وفيه الواقدي ‑كما ترى‑.
وأمَّا طريق ابن هشام بن عروة فليس فيه ذكر لمحلِّ الشاهد.
هذا، والناظر في مجموع طرق الحديث يدرك أنَّ الطريق الأول وإن كان ضعيفًا من جهة الإرسال وليس فيه تهمة في صدق الراوي وديانته إلاَّ أنَّ الطرق الأخرى لا تخلو من ذلك, فإنَّ طريق عكرمة عن ابن عباس فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس تركه أحمد وله أشياء منكرة، وقال النسائي: متروك، وتركه البخاري، وقال: يقال إنه متهم بالزندقة(٢٢- «تهذيب التهذيب» لابن حجر (2/341-342).).
أمَّا الطريق الثالث ففيه إبراهيم بن أبي حبيبة ضعيف له مناكير، وفيه الواقدي متروك الحديث، وكذا الطرق الأخرى.
وعليه، فلا يتقوى الحديث بكثرة طرقه مهما تعدَّدت؛ لأنها ناشئة من تهمة في صدق الرواة ودينهم، وإنما يرتقي ويتقوَّى بكثرة الطرق إذا كان ضعف رواته في مختلف الطرق ناشئًا من جهة سوء حفظهم كما نبَّه إليه أهلُ الحديث.
هذا، وعلى فرض صحة الأثر فإنَّ قول القائل: «ندفنه في مسجده» أو «عند المنبر» معارض بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «لما نزل برسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال: وهو كذلك: لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ. يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبْرِزَ قبرُه، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا»(٢٣- أخرجه البخاري (3/628) كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومسلم (1/239)، كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» رقم: (529).).
والمرادُ أنه لولا تحذير النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ما صنعوا ولعن مَن يفعل ذلك لدفن خارج بيته، غير أنه خَشِي [أي النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم] أن يُتخذ قبرُه مسجدًا على رواية الفتح، أمَّا «خُشِيَ» على رواية الضم فهي خشية واقعة من الصحابة رضي الله عنهم، ولا تعارضها روايةُ عائشة رضي الله عنها: «غير أني أخشى»؛ لأنَّ إخبار وقوع الخشية من فرد لا ينافي وقوعها في مجموع الأفراد.
ومن جهة أخرى: يجوز أن يشير أحدُهم بأن يدفن في بيته ‑قطعًا لذريعة الشرك‑ وليس في ذهنه إلاَّ تلك الخشية، وبعضهم يشير إلى الرأي نفسه ومعه علم بأن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلاَّ دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ»، كما يجوز على بعضهم أن لا يتفطن إلى هذا المعنى لغلبة معنى آخر في الرأي فيشير إلى دفنه بالبقيع لعلة أنه كان كثيرًا ما يستغفر لهم فيدفن مع أصحابه، أو يشير بعضهم إلى أنَّ دفنه في مسجده أو عند منبره لعلة موضع خطابته وصلاته وإمامته بالناس مع غياب المعنى الأول، وهو ‑بلا شك‑ قول موقوف على اجتهاد صحابي لم يعينه الحديث مع احتمال أنه لم يبلغه التحريم، وخاصة أن أحاديث التحريم كانت قريبة العهد بوفاته صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ولا يلزم من سكوت الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الوقت سكوتهم في أي وقت وإقرارهم على مبلغ اجتهاده، فهم أعلم بذلك الظرف ومناسبته لمقام الإنكار فيه من عدمه، علمًا بأنَّ جمهور الصحابة رضي الله عنهم قد بيَّنوا الحكمَ بيانًا يسقط وجوب الإنكار فيما نقلوا من أحاديثَ مرفوعةٍ ومتواترة وصريحة في تحريم بناء المساجد على القبور، وهي نصٌّ في المسألة. ويؤيِّد قيام الإنكار من النبيِّ صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ما روى ابن سعد بسند صحيح عن الحسن (وهو البصري) قال: «ائتمروا(٢٤- أي: تشاوروا. انظر: «النهاية» لابن الأثير (1/66).) أن يدفنوه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في المسجد فقالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان واضعًا رأسه في حجري إذ قال: «قَاتَلَ اللهُ أَقْوَامًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة(٢٥- «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/516).).
- وفي قوله ‑هداه الله‑: «وبتأمُّلنا إلى دفنه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في ذلك المكان، نجد أنه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قبض في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها…».
فجوابه من وجوه:
• الوجه الأول: أنَّ النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لم يدفن في مسجده، إذ المسجد بناه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في حياته، وإنما دفن حيث قبض في أحد بيوته صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وهي حجرة عائشة رضي الله عنها التي كانت بجوار المسجد وخارجة عنه، يفصل بينهما جدار فيه باب، وإنما دفنه الصحابة رضي الله عنهم في ذلك المكان عملاً بمقتضى الحديث، وحتى لا يتركوا مجالاً لمن بعدهم أن يتخذ قبره عيدًا ومسجدًا.
• الوجه الثاني: أن توسيع مسجده صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في عهد خلافة عمر بن الخطاب ثمَّ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهما لم يُدخِلاَ القبر فيه، وإنما تَمَّ توسيعهما للمسجد من الجهات الأخرى دون تعرُّض للحجرة الشريفة عملاً بمقتضى الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد، وإنما أدخلت الحجرة النبوية في المسجد في أواخر القرن الأول في عهد خلافة الوليد بن عبد الملك الذي أمر بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجُرِ أزواج رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إليه، وذلك سنة ثمان وثمانين من الهجرة (88ﻫ)، كما صرَّح بذلك الطبري(٢٦- «تاريخ الطبري» (5/222-223).) وابن كثير(٢٧- «البداية والنهاية» لابن كثير: (9/74-75).)، وعليه يتجلَّى بوضوح أنَّ إدخال الحجرة الشريفة في المسجد ليس ممَّا أجازه الصحابة رضي الله عنهم، ولا أجمعوا عليه كما يَدَّعي ‑هداه الله‑ إذ لم يكن ‑آنذاك بالمدينة النبوية‑ أحدٌ من الصحابة على قيد الحياة، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما سنة ثمان وسبعين (78ﻫ)، ومع ذلك أنكر هذا العمل بعض كبار التابعين كسعيد بن المسيب ‑رحمه الله‑(٢٨- لمصدر السابق: (9/75).).
قال الحافظ محمَّد بن عبد الهادي: «وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله، وتوفي في خلافة عبد الملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وقذ ذكر أبو زيد عمر بن شبَّة النميري في كتاب «أخبار المدينة» مدينة رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن أشياخه عمن حدثوا عنه أنَّ عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه»(٢٩- «الصارم المنكي» لابن عبد الهادي: (136-137).)، فأين حصل إجماع الصحابة رضي الله عنهم المزعوم يا ترى؟!
- وقوله ‑هداه الله‑: «والسيدة عائشة رضي الله عنها تعيش في هذه الحجرة، وتصلي فيها صلواتها المفروضة والمندوبة، ألا يُعدُّ هذا فعل الصحابة وإجماعًا عمليًّا لهم».
فجوابه: أنَّ حجرة عائشة رضي الله عنها كانت مفصولةً بجدارٍ بينها وبين قبرِ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ويدلُّ عليه ما أخرجه أحمد في «مسنده» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وإني واضعٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلمَّا دُفن عمر معهم فوالله ما دخلت إلاَّ وأنا مشدودة على ثيابي حياءً من عمر رضي الله عنه»(٣٠- أخرجه أحمد في أخرجه أحمد في «مسنده»: (6/202)، والحاكم في «المستدرك»: (3/63)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/57): «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في «دفاع عن الحديث النبوي»: (95).).
فالحديث يشير إلى أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تدخل حجرتها بعدما فصلت بجدار عن قبر النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: إذ لا يستقيم في العادة أن تبقى مشدودة على ثيابها فلا تضعه ولو في وقت راحتها. ويؤيِّده ما أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» أنَّ مالك بن أنس قال: «قُسم بين عائشة باثنين: قسم كان فيه القبرُ، وقسم كان تكون فيه عائشة، وبينهما حائط، فكانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فُضُلاً، فلما دُفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها»(٣١- «الطبقات الكبرى» لابن سعد: (1/553).).
• الوجه الثالث:
والذين أدخلوا القبر النبوي في المسجد مع اعترافهم بمخالفة الهدي الصريح في النهي عن بناء المساجد على القبور ومخالفة سنة الخلفاء الراشدين المهديين وسيرة الصحابة الكرام لذلك حاولوا تقليل المخالفة ما وسعهم بالمبالغة في الاحتياط درءًا للفتنة وصيانة لجناب التوحيد لئلاَّ يتخذ قبره عيدًا ووثنًا يعبد.
قال ابن رجب ‑رحمه الله‑: «قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سدِّ الذريعة في قبر النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ثمَّ خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلةً إذا كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره، ولهذا المعنى قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره»(٣٢- «فتح الباري» لابن رجب: (3/217).).
فهذا الاحتياط المبالغ فيه حيال القبر الشريف وقبري صاحبيه إنما هو استجابة دعائه صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»(٣٣- أخرجه أحمد في «مسنده»: (7352)، وأبو يعلى في « مسنده»: (1/312)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحح إسناده الألباني في «تحذير الساجد»: (22))، فحماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه. وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية ‑رحمه الله‑: «ولهذا لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل في خلافة الوليد بن عبد الملك ‑كما تقدم‑ بنوا عليها حائطًا وسنموه وحرفوه لئلاَّ يصلي أحد إلى قبره الكريم صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وفي موطأ مالك عنه أنه قال: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمِ مَسَاجِدَ»، وقد استجاب الله دعوته فلم يُتخذ ‑ولله الحمد‑ وثنًا كما اتخذ قبر غيره، بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة، وقبل ذلك ما كانوا يمكِّنون أحدًا من أن يدخل إليه ليدعو عنده، ولا يصلي عنده، ولا غير ذلك ممَّا يفعل عند قبر غيره، لكن من الجهال من يصلي إلى حجرته، أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه، وهذا إنما يفعل خارجًا عن حجرته لا عند قبره، وإلا فهو ‑ولله الحمد‑ استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثنًا، فإنه في حياة عائشة رضي الله عنها ما كان أحد يدخل إلاَّ لأجلها، ولم تكن تمكِّن أحدًا أن يفعل عند قبره شيئًا مما نهى عنه، وبعدها كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسدَّ بابها وبني عليها حائط آخر، كلُّ ذلك صيانة له صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا، وإلاَّ فالمعلوم أنَّ أهل المدينة كلهم مسلمون ولا يأتي إلى هناك إلا مسلم، وكلهم مُعظِّمون للرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة، فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم، بل فعلوه لئلاَّ يتخذ وثنًا يعبد، ولا يتخذ بيته عيدًا، ولئلاَّ يفعل به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم»(٣٤- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (27/237-328).).
وفي هذا السياق نختم بقول ابن القيم ‑في نونيته‑ وهو من أشد الناس إنكارًا على شبهات الشرك كشيخه ابن تيمية ‑رحمهم الله تعالى‑ قال:
وَلَقَدْ نَهَانَا أَنْ نُصَيِّرَ قَبْرَهُ
وَدَعَا بِأَنْ لاَ يُجْعَلَ القَبْرُ الَّذِي
فَأَجَابَ رَبُّ العَالَمِينَ دُعَاءَهُ
حَتَّى اغْتَدَتْ أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ
وَلَقَدْ غَدَا عِنْدَ الوَفَاةِ مُصَرِّحًا
وَعَنَى الأُلَى جَعَلُوا القُبُورَ مَسَاجِدًا
وَاللهِ لَوْلاَ ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ
قَصَدُوا إِلَى تَسْنِيمِ حُجْرَتِهِ ليمـ
قَصَدُوا مُوَافَقَةَ الرَّسُولِ وَقَصْدُهُ


عِيدًا حَذَارِ الشِّرْكَ بِالرَّحْمَنِ
قَدْ ضَمَّهُ وَثَنًا مِنَ الأَوْثَانِ
وَأَحَاطَهُ بِثَلاَثَةِ الجُدْرَانِ
فِي عِزَّةٍ وَحِمَايَةٍ وَصِيَانِ
بِاللَّعْنِ يَصْرُخُ فِيهِمْ بِأَذَانِ
وَهُمُ اليَهُودُ وَعَابِدُوا الصُّلْبَانِ
لَكِنْ حَجَبُوهُ بِالحِيطَانِ
ـتنع السُّجُودُ لَهُ عَلَى الأَذْقَانِ
التَّجْرِيدُ لِلتَّوْحِيدِ لِلرَّحْمَنِ
(٣٥- «الكافية الشافية» لابن القيم: (2/352-354).)

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 28 ربيع الأول 1430ﻫ
الموافق ﻟ: 25 مارس 2009م

١-رواه مالك في «الموطأ»: (1/231).

٢- «موطأ مالك بشرح تنوير الحوالك» للسيوطي: (1/229-231).

٣- «التمهيد» لابن عبد البر: (24/398-399).

٤- «الطبقات الكبرى» لابن سعد: (1/552).

٥- «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (12/117).

٦- المصدر السابق نفسه: (11/250).

٧- المصدر السابق: (9/375)، و«تقريب التهذيب» لابن حجر: (2/196).

٨- «سنن ابن ماجه» (1/520) (رقم: 1628).

٩- «مسند البزار» (1/70) (رقم: 18).

١٠- «مسند أبي يعلى» (1/45، 46) (رقم: 22، 23).

١١- «دلائل النبوة» للبيهقي (7/260).

١٢- «مسند أبي بكر» (66) (رقم: 26، 27).

١٣- «السيرة النبوية» لابن هشام (2/663).

١٤- «البداية والنهاية» لابن كثير (5/266).

١٥- انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (1/537)، و«تهذيب التهذيب»: (2/341)، و«تقريب التهذيب» كلاهما لابن حجر: (1/176).

١٦- «ضعيف سنن بن ماجه» للألباني (127-128).

١٧- «تنوير الحوالك» للسيوطي: (1/230).

١٨- «الطبقات الكبرى» لابن سعد: (1/552).

١٩- انظر: «ميزان الاعتدال» للذهبي: (1/19)، و«تقريب التهذيب» لابن حجر: (1/31).

٢٠- «تقريب التهذيب» لابن حجر: (1/231).

٢١- «البداية والنهاية» لابن كثير: (5/267).

٢٢- «تهذيب التهذيب» لابن حجر (2/341-342).

٢٣- أخرجه البخاري (3/628) كتاب «الجنائز»، باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومسلم (1/239)، كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» رقم: (529).

٢٤- أي: تشاوروا. انظر: «النهاية» لابن الأثير (1/66).

٢٥- «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/516).

٢٦- «تاريخ الطبري» (5/222-223).

٢٧- «البداية والنهاية» لابن كثير: (9/74-75).

٢٨- المصدر السابق: (9/75).

٢٩- «الصارم المنكي» لابن عبد الهادي: (136-137).

٣٠- أخرجه أحمد في أخرجه أحمد في «مسنده»: (6/202)، والحاكم في «المستدرك»: (3/63)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/57): «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في «دفاع عن الحديث النبوي»: (95).

٣١- «الطبقات الكبرى» لابن سعد: (1/553).

٣٢- «فتح الباري» لابن رجب: (3/217).

٣٣-أخرجه أحمد في «مسنده»: (7352)، وأبو يعلى في « مسنده»: (1/312)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحح إسناده الألباني في «تحذير الساجد»: (22).

٣٤- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (27/237-328).

٣٥- «الكافية الشافية» لابن القيم: (2/352-354).






المصدر
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-12-10, 08:26 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

الرد على شبهة قبوري متمسِّك بقصة
بناء أبي جندل مسجدا على قبر أبي بصير رضي الله عنهما


للشيخ محمد علي فركوس حفظه الله
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فقد تمسَّك من يحارب السنة وأهلها في موضع شبهة أخرى لا تشفع له زعمه بجواز بناء المساجد على قبور الصالحين، واستحباب الصلاة فيها حيث احتجَّ بحديث أبي بصير رضي الله عنه الذي رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا: «إنَّ أبا بصير انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية، وذهب إلى سيف البحر، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو، انفلت من المشركين أيضًا، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أبو بصير، وكان يقول: «الله العلي الأكبر من ينصر الله يُنصر». فلمَّا لحق به أبو جندل، كان يؤمُّهم، وكان لا يمر بهم عير لقريش إلاَّ أخذوها، وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم تناشده الله والرحم، إلا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن، وكتب رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وبنى على قبره مسجدًا». ثم عَلَّقَ على الحديث بأنه ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب»: (4/1614)، وصاحب «الروض الأنف»، (4/59)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»: (4/134)، وصاحب «السيرة الحلبية»: (2/720)، ورواه –أيضًا- موسى بن عقبة في «المغازي»، وابن إسحاق في «السيرة»، ومغازي موسى بن عقبة من أصح كتب السيرة، فكان يقول الإمام مالك عنها: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصحّ المغازي، وكان يحيى بن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب.
فالجواب عن هذه الشبهة الثانية من السُّنة في قصة بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدًا على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من الحيثيتين التاليتين:
الحيثية الأولى من حيث السند: فإنَّ القصةالتي أوردها ابن عبد البر في «الاستيعاب»بدون زيادة «وَبَنَى عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة لكونها مرسلة؛ لأنَّ مدار هذه القصة على الزهري على اعتبار أنه تابعي صغير سمع من أنس بن مالك رضي الله عنه وإلاَّ فهي معضلة.
أمَّا الزيادة في موضع الشاهد في قوله: «وبنى على قبره مسجدًا» فهي زيادة منكرة لعلتين:
العلة الأولى: كونها مُعضلة فقد صرَّح ابن عبد البرّ بأنها من رواية موسى بن عقبة(١- «الاستيعاب» لابن عبد البر: (4/1613).)، وليس من مرسل الزهري ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه، ولا نشك في أنَّ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي ثقة فقيه إمام في المغازي، إلاَّ أنَّه من صغار التابعين ولم يسمع أحدًا من الصحابة(٢- «ميزان الاعتدال» للذهبي: (4/214)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (10/362)، «تقريب التهذيب» لابن حجر: (2/286))، وقد قال الإسماعيلي في كتاب «العتق» إنه لم يسمع موسى بن عقبة من الزهري شيئًا(٣- «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (10/362)).
العلة الثانية: أنَّ تلك الزيادة لم يروها الثقات، فقد روى البخاري في كتاب «الشروط» من صحيحه، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (5/329)، وأحمد في «مسنده» (4/328) وغيرهما هذه القصة موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر، قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة.
قال المحدِّث محمَّد ناصر الدِّين الألباني رحمه الله: «وكذلك أوردها ابن إسحاق في "السيرة" عن الزهري مرسلاً كما في "مختصر السيرة" لابن هشام (3/331-339) ووصله أحمد (4/323-326) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم، وليس فيها هذه الزيادة، وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه (3/271-285) من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة فدلَّ ذلك كُلّه على أنها زيادة منكرة لإعضالها، وعدم رواية الثقات لها»(٤- «تحذير الساجد» للألباني: (119)).
لذلك فالحديث ليس له إسناد تقوم به الحجة، ولم يروه أصحاب «الصحاح» و«السنن» و«المسانيد» وغيرهم، وإنما أورده ابن عبد البر في ترجمة أبي بصير رضي الله عنه مرسلاً والزيادة فيه منكرة -كما تقدم-.
الحيثية الثانية:
من حيث فرض صحة الزيادة موضع الشاهد في القصة المذكورة، والتي استُدلَّ بها على إقراره صلى الله عليه وآله وسلم على بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجدًا على قبر أبي بصير رضي الله عنه فيمكن الجواب عنها من جهتين:
الجهة الأولى: عدم التسليم بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّ هذا البناء؛ لأن الفعل -في ذاته- لم يكن واقعًا بين يديه، وإنما وقع في زمانه، وهو خفي غير مشتهر حتى يعلم به، إذ من شرط الإقرار الذي هو حُجَّة هو أن يعلم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكون قادرًا على الإنكار، وأن لا يكون قد بَيَّن حكمه قبل ذلك بيانًا شافيًا يسقط عنه وجوب الإنكار كما قرَّره أهل الأصول(٥- انظر: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (437) بتحقيقي. دار تحصيل العلوم).
قلت: فإن لم يعلم أنّه بيَّن حكمه قبل العلم به والسكوت عنه فقد بيَّن صلى الله عليه وآله وسلم حكمه بعد ذلك بيانًا شافيًا في الأحاديث الصحيحة المحكمة التي تقدم ذكرها في شبهته بآية سورة الكهف.
الجهة الثانية: في حالة التسليم -جدلاً- بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم ببناء أبي جندل رضي الله عنه المسجد على قبر أبي بصير رضي الله عنه وأقرَّه على ذلك فإنه يتعارض -حتمًا- مع النصوص الحديثية الصريحة في تحريم البناء على القبور، والمعلوم -حال التعارض- أنَّ من طُرُق دفعه إذا تعذَّر وجود ناسخ بالنصِّ صار الناظر إلى الجمع والتوفيق بين الدليلين المتعارضين فإن تعذَّر الجمع صار إلى النسخ الاحتمالي، وإلاَّ دَفَع التعارض بترجيح أقوى الدليلين(٦- انظر: «الإنارة شرح كتاب الإشارة» للمؤلف على الموقع: تحت عنوان «طرق دفع التعارض»). وفي هذا المقام -وعلى فرض صحة الزيادة موضع الشاهد- فإنه يظهر جليًّا قَبول مدلولهما للنسخ الاحتمالي للعلم بتاريخهما وتفاوت المدة بينهما، إذ أنَّ الأحاديث الصريحة في تحريم البناء على القبور ثبتت في آخر حياته بخلاف الزيادة المذكورة فكانت متقدِّمة عنها، ونسخ المتقدم بالمتأخر متحقق بمعرفة تاريخ كل منهما، وعليه فلا يصح ترك النص المتأخر للمتقدم عند حصول التعارض بينها على ما تقرر أصوليًّا.
هذا، وعلى تقدير عدم معرفة التاريخ أو عدم الأخذ بمبدإ النسخ الاحتمالي فإنه يصار إلى الترجيح بين الدليلين المتعارضين، وبغض النظر عن مآل ترجيح الأحاديث الصحيحة والصريحة في النهي والحظر بقوة سندها، فإنها ترجح أيضًا من جهة مدلولها ومتنها، ويظهر ذلك من الجهتين الأصوليتن الآتيتين:
1-من جهة المدلول:
إذا تعارض حاظر ومبيح يُقدَّم الحاظر على المبيح، والأحاديث الصحيحة والصريحة في بناء المساجد على القبور تفيد التحريم والحظر، بينما زيادة «وبنى على قبره مسجدًا» يفيد الإقرار عنه الجواز والإباحة، وقد تقرَّر عند الأصوليين أنَّ الدليل الحاظر مُقدَّم على المبيح؛ لأنَّ في التحريم دفعَ مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها بخلاف الجواز والإباحة فقد تحصل بها مصلحة أو تكمّلها، ولا يخفى اهتمام الشريعة وعنايتها بدرء المفاسد وآكديتها من جلب المصالح، ومن جهة أخرى إذا كان الوجوب مُقدَّمًا على الإباحة، والحظر مقدمًا على الوجوب على أرجح الأقوال، فمن بابٍ أولى تقديم الحظر على الإباحة والجواز، إذ ترك المباح لاجتناب المحرم أولى من العكس؛ ولأنَّ في التحريم مفسدة وعقابًا بخلاف الإباحة.
2-من جهة المتن:
إذا تعارض القول مع الإقرار يقدَّم القول عليه؛ لأنه أقوى وأبلغ في البيان من الإقرار والسكوت، ولأنه إذا كان قوله صلى الله عليه وآله وسلم أوكد من فعله إذ طاعته صلى الله عليه وآله وسلم في أمره أولى من موافقته في فعل لم يأمرنا بموافقته فيه، وتقرير هذا الحكم في تقديم القول على الفعل يقع من باب أولى على إقراره وسكوته.
فالحاصل أنَّ التمسُّك بقصة بناء أبي جندل رضي الله عنه على قبر أبي بصير رضي الله عنه مسجدًا شبهة غاية في الضعف والسقوط من المناحي السالفة البيان، والاستدلال بها إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين برد النصوص المحكمات بالمتشابهات، نعوذ بالله من الخذلان.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 20 صفر 1430ﻫ
الموافق ﻟ: 15 فبراير 2009م
١- «الاستيعاب» لابن عبد البر: (4/1613).

٢- «ميزان الاعتدال» للذهبي: (4/214)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (10/362)، «تقريب التهذيب» لابن حجر: (2/286).

٣- «تهذيب التهذيب» لابن حجر: (10/362).

٤- «تحذير الساجد» للألباني: (119).

٥- انظر: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني: (437) بتحقيقي. دار تحصيل العلوم.

٦- انظر: «الإنارة شرح كتاب الإشارة» للمؤلف على الموقع: تحت عنوان «طرق دفع التعارض».




المصدر
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-12-10, 08:53 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

في رد شبهة قبوريبآية:
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾
[الكهف: 21]


للشيخ محمد علي فركوس حفظه الله
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
ففي محاولة الهجوم على دعوة التوحيد وتحقير الدعاة إليه وتهوين مكانتهم، وجعل قضية المساجد التي بها قبور قضية فقهية فرعية لا ترقى في أن تكون سببًا للتهوين في التفريق بين المسلمين والتنابز بالألقاب والتباعد والهجران، وفي ظل تعظيم القبور والمشاهد والأضرحة تولى من يؤيِّد تشييد المساجد عليها واعتبار أن الصلاة فيها تصل إلى درجة الاستحباب بالانتصار لهذا المعتقد بشبهة من آية من سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]، حيث قال -هداه الله-:
«ووجه الاستدلال بالآية أنَّها أشارت إلى قصَّة أصحاب الكهف، حينما عثر عليهم الناس، فقال بعضهم: نبني عليهم بُنيانًا، وقال آخرون: لنتَّخذنَّ عليهم مسجدًا.
والسياق يدلُّ على أنَّ الأَوَّل: قول المشركين، والثاني: قول الموحِّدين، والآية طرحت القولين دون استنكار، ولو كان فيهما شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه، وتدلُّ على بطلانه بقرينة ما، وتقريرها للقولين يدلُّ على إمضاء الشريعة لهما، بل إنَّها طرحت قول الموحِّدين بسياقٍ يفيد المدح، وذلك بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحِّدين قاطعًا ﴿لَنَتَّخِذَنَّ﴾ نابعًا من رؤية إيمانية، فليس المطلوب عندهم مجرَّد البناء، وإنَّما المطلوب هو المسجد. وهذا القول يدلُّ على أنَّ أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.
قال الرازي في تفسير ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾:نعبد الله فيه، ونستبقي آثارَ أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد(١- «تفسير الرازي» (11/106).).
وقال الشوكاني: ذكر اتخاذ المسجد يُشعر بأنَّ هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل: هم أهل السلطان والملوك من القوم المذكورين، فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوَّل أولى(٢- «فتح القدير» في التفسير للشوكاني: (3/277).). وقال الزجاجي: هذا يدلُّ على أنَّه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور؛ لأنَّ المساجد للمؤمنين. هذا بخصوص ما ذكر في كتاب الله فيما يخصُّ مسألة بناء المسجد على القبر».
وبعد الأمانة في النقل أقول -وبالله التوفيق والسداد-:
فلا دلالة في الآية على جواز الصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحدِ الأنبياء عليهم السلام أو الصالحين، بَلْهَ أن تصل إلى درجة الاستحباب؛ لأنَّ غاية ما يدل عليه أنَّ الذين اتخذوا مسجدًا على قبور الصالحين كانوا من النصارى الذين لعنهم النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم كما صرَّح به غير واحدٍ من أهل التفسير، وقد بَيَّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إنكاره هذا الصنيع المسنون لليهود والنصارى في أربعة عشر حديثًا منها:
- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في مرضه الذي لم يقم منه: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أن يُتخذَ مَسجدًا(٣- أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره: (1324)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1184)، من حديث عائشة رضي الله عنها.).
- وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم قَالاَ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولَ اللهِ، طَفِقَ يَطْرَحُ خمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذلِكَ: «لَعْنَةُ اللهُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارى. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مِثْلَ الَّذِي صَنَعُوا(٤- أخرجه البخاري: كتاب المساجد، باب الصلاة في البيعة: (425)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1187)، من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.).
- وعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه سَمِعَ النَّبِيَّ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «... أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذٰلِكَ»(٥- أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1188)، من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.).
- وعن عائشة رضي الله عنها: لَمَّا كانَ مَرَضُ رسولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَذَاكَرَ بعضُ نسائِهِ كنيسةً بأرضِ الحَبَشَةِ يقال لها مَارِيَةُ، وقد كانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيْبَةَ رضي الله عنهما قد أَتَتَا أرضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرْنَ من حُسْنِهَا وتصاوِيْرِهَا قالتْ: فقالَ النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيْهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئَِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ»(٦- أخرجه البخاري: كتاب المساجد، باب الصلاة في البيعة: (424)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1181)، واللفظ للبيهقي في «السنن الكبرى»: (7321)، من حديث عائشة رضي الله عنها.).
قال القرطبي -رحمه الله-: «قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنَّسوا برؤية تلك الصُّوَر ويتذكَّروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عزَّ وجلَّ عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثمَّ أنهم خَلَف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أنَّ آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها؛ فحذَّر النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم عن مثل ذلك، وشدَّد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسدَّ الذرائع المؤدِّية إلى ذلك، فقال: "اشتدَّ غضب الله على قوم ٱتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد"»(٧- «تفسير القرطبي»: (2/85) (10/380).).
وقال ابن رجب -رحمه الله-: «هذا الحديث يدلُّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما محرَّم على انفراد، فتصوير صور الآدميِّين محرَّم، وبناءُ القبور على المساجد بانفراده محرَّم كما دلَّت عليه النصوص أخرى يأتي ذكر بعضها... فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شكَّ في تحريمه، سواء كانت صورًا مجسّدة كالأصنام أو على حائطٍ ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة.
فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلم أنَّ أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتَّنَزُّه بذلك والتلهي محرَّم، وهو من الكبائر وفاعله من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى»(٨- «فتح الباري» لابن رجب: (3/197).).
وقال الألوسي -رحمه الله-: «هذا، واستدلَّ بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة فيها وممَّن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطلٌ عاطلٌ فاسدٌ كاسدٌ فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَعَنَ اللهُ تَعَالَى زَائِرَاتِ القُبُورِ وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرَجَ»(٩- أخرجه أبو داود (3236)، والترمذي (320)، والنسائي (2043)، وأحمد: (3108)، من حديث أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث بهذا السياق ضعيف، قال ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» (3/201): « وقال مسلم في كتاب التفصيل: هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس ». لكن ورد له شواهد تقويه في «لعن زائرات القبور»، مثل الحديث الذي أخرجه الترمذي (1056) وغيره: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ»، وأخرى في «اتخاذ المساجد على القبور» وقد تواتر ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم. انظر: «الإرواء»: (3/212)، و«السلسلة الضعيفة»: (1/393) للألباني.)... إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة.
وذكر ابن حجر في «الزواجر»(١٠- انظر: «الزواجر» للهيثمي: (194) في الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها.): «أنه وقع في كلام بعض الشافعية عدّ اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر»(١١- «تفسير الألوسي»: (11/196).).
قلت: وليس النهي منقولاً عن الشافعية فقط بل عند كافَّة المذاهب، فمن ذلك ما قاله القرطبي المالكي رحمه الله -في معرض إيراده حديث عائشة رضي الله عنها-: «قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد»(١٢- «تفسير القرطبي»: (10/380).). وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-: «ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولأنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر ما صنعوا...، ولأنَّ تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرُّب إليها، وقد روينا أنَّ ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها»(١٣- «المغني» لابن قدامة: (1/360).). وقال الزيلعي الحنفي -رحمه الله-: «ويكره أن يبنى على القبر أو يقعد عليه أو ينام عليه أو يوطأ عليه أو يقضى عليه حاجة الإنسان... أو يصلى إليه أو يصلى بين القبور... ونهى عليه الصلاة والسلام عن اتخاذ القبور مساجد»(١٤- «تبيين الحقائق» للزيلعي: (1/246).). وهكذا صرَّح عامَّة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها مُتابعةً منهم للسُّنَّة الصحيحة الصريحة من غير اختلافٍ بين الأئمة المعروفين، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها وبنيها ويتعيَّن إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين»(١٥- «اختيارات ابن تيمية» للبعلي: (81).).
هذا، وإن كان المنقول عن طائفة أهل العلم أطلقت الكراهة على بناء المساجد على القبور، فإنه ينبغي أن تحمل على الكراهة التحريمية إحسانًا للظنِّ بالعلماء لئلاَّ يُظنَّ بهم أنهم يجوزون نهيًا تواتر عن رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم أنّه لَعَن فاعله وشدَّد النكير والوعيد على فعله.
فالحاصل أنه اجتمع في اتخاذ القبور مساجد فتنتين وقع بسببها الضلال والانحراف العقدي:
الأولى: فتنة القبور، وهي أعظم الفتنتين ومبتدأها حيث عظموها تعظيمًا مبتدعًا آل بهم إلى الشرك.
الثانية: فتنة التماثيل والصور التي وضعت للتأسي والتذكار ثمَّ نسي القصد وآل بهم الأمر إلى عبادتها.
فكان المغضوب عليهم والضالون يبنون المساجد على قبور أنبيائهم وصالحيهم، وقد جاءت النصوص الصحيحة والصريحة متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنهي أُمَّته عن ذلك والتغليظ فيه في غير موطن حتى في وقت مفارقته الدنيا.
قال ابن القيم -رحمه الله-: «وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أنَّ هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه: صيغة: «لا تفعلوا»، وصيغة: «إني أنهاكم» ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقلّ نصيبه أو عدم عن تحقيق شهادة أن لا إله إلاَّ الله. فإنَّ هذا وأمثاله من النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم صيانةً لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابًا لنهيه، وغرَّهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين. وكُلَّما كنتم أشدّ لها تعظيمًا، وأشدّ فيهم غلوًّا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.
ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم»(١٦- «إغاثة اللهفان» لابن القيم: (1/189).).
هذا، وعلى فرض أنَّ الذين غلبوا على أمرهم -في الآية- لم يكونوا نصارى فلا يتمُّ التسليم بأنهم كانوا مؤمنين، بل هم الملوك والولاة كما ذكر ذلك ابن رجب وابن كثير والآلوسي وغيرهم(١٧- انظر: «روح المعاني» للآلوسي: (15/236). «فتح الباري» لابن رجب: (3/194). و«تفسير ابن كثير»: (3/78).)، وقد كانوا أهل شرك أو فجور، حيث إن لفظة «لَنَتَخِذَنَّ» تلائم أهل القهر والغلبة من الملوك والولاة، دون «اتخذوا» بصيغة الطلب المعبر بها الطائفة الأولى؛ ذلك لأنَّ مثل هذا الفعل تنسبه الولاة إلى نفسها، وضمير «أَمْرهِمْ» هنا للموصول المراد به الولاة، ومعنى غلبتهم على أمرهم: أنهم إذا أرادوا أمرًا لم يتعسَّر عليهم، ولم يحل بينه وبينهم أحد، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: 21].
قال ابن رجب -رحمه الله-: «فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى»(١٨- «فتح الباري» لابن رجب: الجزء والصفحة نفسها.).
قلت: وليس في الآية إقرار على فعلهم، بل فيها إنكار، لأنه يكتفى في الردِّ على الكفار أو الفجار عزو حكاية القول إليهم، إذ المعلوم -أصوليًّا- أنَّ من شرط الإقرار أن لا يكون المسكوت عنه صادرًا من كافر أو فاجر فلا عبرة فيه لما علم بالضرورة إنكاره صَلَّى الله عليه وآله وسلم لما يفعله الكفار والفجار، كما أنَّ من شرط الإقرار أن لا يكون الشارع قد بَيَّن حكمه بيانًا يسقط عنه وجوب الإنكار وقد لعنهم الله تعالى على لسان نبيِّه صَلَّى الله عليه وآله وسلم فأيُّ إنكار أوضح من هذا؟
وإذا سلَّمنا -جدلاً- أنهم كانوا مسلمين فلا يتمُّ التسليم بأنَّ فعلهم محمودٌ شرعًا ورد -على وجه الصلاح- تمسُّكًا بشريعة نبي مرسل.
قال ابن كثير -رحمه الله- بعد ما حكى عن ابن جرير القولين: «والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ واَلنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء من الملاحم وغيرها»(١٩- «تفسير ابن كثير»: (3/78).).
وعلى تقدير أنهم أهل إيمان وصلاح، ووقع صنيعهم محمودًا بالنظر لتمسكهم بشريعة نبي مرسل، فجوابه من جهتين:
الجهة الأولى: لا يلزم الأخذ بمضمون الآية الدالة على جواز بناء المسجد على القبر؛ لأنَّ ما تقرر -أصوليا- «أنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعٌ لَنَا»، ولا يحلُّ الحكم بشريعة نبيّ مَن قبلنا لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]، ولقوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ» فذكر منها: «أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بُعِثَ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ وَالنَّاسِ كَافَّةً»(٢٠- أخرجه مسلم، كتاب «الصلاة»: (1167)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواية «الأحمر والأسود» أخرجها: الدارمي في «سننه»: (2375)، وأحمد (20792)،من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وأحمد كذلك: (2737)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/261): «رجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث»، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (4/261)، والألباني في «الإرواء»: (1/316). )، فدلَّ ذلك على أنه لم يبعث الله تعالى إلينا أحدًا من الأنبياء غير محمَّد صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم، وإنما كان غيره يبعث إلى قومه فقط لا إلى غير قومه.
الجهة الثانية: وعلى تقدير أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا فمشروط بعدم التصريح في شرعنا ما يخالفه، ويبطله، فإن ورد في شرعنا ما ينسخه لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف، كالأصرار والأغلال التي كانت عليهم في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]، وقد جاءت النصوص الحديثية متضافرةً ومتواترة تنسخ هذا الحكم وتنهى عن بناء المساجد على القبور وتغلِّظ النكير.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: «فإنَّ الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور»(٢١- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (1/300).).
وقال ابن كثير -رحمه الله-: «وهذا كان شائعاً فيمن كان قبلنا، فأمَّا في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم أنه قال: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر ما فعلوا»(٢٢- «البداية والنهاية» لابن كثير: (2/116).).
قال الآلوسي -رحمه الله-: «مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا، لكن لا مُطلقًا، بل إن قصَّ اللهُ تعالى علينا بلا إنكار، وإنكارُ رسوله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم كإنكاره عزَّ وجلَّ، وقد سمعتَ أنه عليه الصلاة والسلام لَعَنَ الذين يتخذون المساجد على القبور، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفًا احتجاج الأئمة بها، وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك، وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسِّي بهم، فمتى لم يثبت أنَّ فيهم معصومًا لا يدل على فعلهم -فضلاً عن عزمهم- على مشروعية ما كانوا بصدده. وممَّا يقوِّي قِلة الوثوق بفعلهم القول بأنَّ المراد بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة»(٢٣- «روح المعاني» للآلوسي: (5/31).).
فالحاصل: إن كان بناء المساجد على القبور سُنَّة النصارى، فإن كان شرعًا لهم فقد نسخه الإسلام بما نطقت الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة، وإن كان بدعةً منهم فأجدر بتركها والتخلي عنها إذ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ»(٢٤- أخرجه النسائي كتاب «صلاة العيدين»،باب كيف الخطبة: (1578)، من حديث جابر رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في «الإرواء»: (3/73).)، ولا يستدلُّ بالآية بمعزل عمَّا تقتضيه الأحاديث الثابتة اكتفاءً بالقرآن الكريم واستغناءً عن السُّنَّة المُطهَّرة فإنَّ هذا من صنيع أهل الأهواء والبدع، وأهلُ الحقِّ يؤمنون بالوحيين، ويعلمون أنَّ طاعة الرسول من طاعة الله تعالى، ويعملون بمقتضاهما، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: 80]، وقال صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»(٢٥- أخرجه أحمد: (16722)، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. وأخرجه أبو داود كتاب السنة، باب في لزوم السنة (4604) بلفظ: «أَلاَ إِني أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، والحديث صححه الألباني في «المشكاة»: (1/57).)، وفي روايةٍ: «أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْل مَا حَرَّمَ اللهُ»(٢٦- أخرجه أحمد: (16743)، والدارمي: (592)، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع»: (8186).)، وفي سياق تمثيل من يكتفي بالقرآن ويستغني عن السُّنَّة، يقول الألباني -رحمه الله-: «وما مثل من يستدلُّ بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدِّمة إلاَّ كمثل من يستدلُّ على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله تعالى في الجِنِّ الذين كانوا مُذَلَّلِين لسليمان عليه السلام: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13]، يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير، وما يفعل ذلك مسلمٌ يؤمن بحديثه صَلَّى الله عليه وآله وسلم»(٢٧- «تحذير الساجد» للألباني: (83).).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليمًا.

الجزائر في: 16 المحرم 1430ﻫ
الموافق ﻟ:13 جانفي 2009م
١- «تفسير الرازي» (11/106).

٢- «فتح القدير» في التفسير للشوكاني: (3/277).

٣- أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره: (1324)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1184)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٤- أخرجه البخاري: كتاب المساجد، باب الصلاة في البيعة: (425)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1187)، من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.

٥- أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1188)، من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

٦- أخرجه البخاري: كتاب المساجد، باب الصلاة في البيعة: (424)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة: (1181)، واللفظ للبيهقي في «السنن الكبرى»: (7321)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

٧- «تفسير القرطبي»: (2/85) (10/380).

٨- «فتح الباري» لابن رجب: (3/197).

٩- أخرجه أبو داود (3236)، والترمذي (320)، والنسائي (2043)، وأحمد: (3108)، من حديث أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث بهذا السياق ضعيف، قال ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» (3/201): « وقال مسلم في كتاب التفصيل: هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس ». لكن ورد له شواهد تقويه في «لعن زائرات القبور»، مثل الحديث الذي أخرجه الترمذي (1056) وغيره: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ»، وأخرى في «اتخاذ المساجد على القبور» وقد تواتر ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم. انظر: «الإرواء»: (3/212)، و«السلسلة الضعيفة»: (1/393) للألباني.

١٠- انظر: «الزواجر» للهيثمي: (194) في الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها.

١١- «تفسير الألوسي»: (11/196).

١٢- «تفسير القرطبي»: (10/380).

١٣- «المغني» لابن قدامة: (1/360).

١٤- «تبيين الحقائق» للزيلعي: (1/246).

١٥- «اختيارات ابن تيمية» للبعلي: (81).

١٦- «إغاثة اللهفان» لابن القيم: (1/189).

١٧- انظر: «روح المعاني» للآلوسي: (15/236). «فتح الباري» لابن رجب: (3/194). و«تفسير ابن كثير»: (3/78).

١٨- «فتح الباري» لابن رجب: الجزء والصفحة نفسها.

١٩- «تفسير ابن كثير»: (3/78).

٢٠- أخرجه مسلم، كتاب «الصلاة»: (1167)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواية «الأحمر والأسود» أخرجها: الدارمي في «سننه»: (2375)، وأحمد (20792)،من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وأحمد كذلك: (2737)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/261): «رجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث»، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (4/261)، والألباني في «الإرواء»: (1/316).

٢١- «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (1/300).

٢٢- «البداية والنهاية» لابن كثير: (2/116).

٢٣- «روح المعاني» للآلوسي: (5/31).

٢٤-أخرجه النسائي كتاب «صلاة العيدين»،باب كيف الخطبة: (1578)، من حديث جابر رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في «الإرواء»: (3/73).

٢٥- أخرجه أحمد: (16722)، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. وأخرجه أبو داود كتاب السنة، باب في لزوم السنة (4604) بلفظ: «أَلاَ إِني أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، والحديث صححه الألباني في «المشكاة»: (1/57).

٢٦- أخرجه أحمد: (16743)، والدارمي: (592)، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع»: (8186).

٢٧- «تحذير الساجد» للألباني: (83).




المصدر
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-12-10, 09:17 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

أثر ادعاء الصوفية تحقق رؤية الله في الدنيا

للشيخ ابن جبرين رحمه الله

فدعاوي هؤلاء الصوفية لا أصل لها ولا حقيقة لها , الذين يدعون أنهم رأوا الله تعالى قد وصل بهم الأمر إلى أن ادعوا أنهم مستغنون عن الشرع بما يفتح على قلوبهم في زعمهم, وبأنهم تحدثهم قلوبهم بما يلقى فيها, أو يقذف فيها, فيقول بعضهم: حدثني قلبي عن ربي. وفي النظم الذي ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان شيء مما ينتقد على مثل هؤلاء, المنظومة التي أولها:
ذهب الرجال وجال دون مجالهم
زمر من الأوباش والأنـذال
زعـموا بأنهمُ على آثارهم
ساروا.. ولكن سيرة البطال
إن قلت قال الله قال رسوله
همزوك همز المنكر المتغالي
أوقلت قد قال الصحابة والألى
تبعوهمُ في القول والأفعال
أوقلت قال الآل آل المصطفى
صلى عليه الله أفضـل آل
أوقلت قال الشافعي ومالك
وأبو حنيفة والإمام العـالي
أوقلت قال صحابهم من بعدهم
فالكل عنـدهم كشبه خيال
ويقول قلبي قال لي عن سره
عن سر سري عن صفا أحوالي
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي
عن شاهدي عن واردي عن حـالي
عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي
عن سر ذاتي عن صفات فعالي
دعوى إذا حققتها ألفيتهـا
ألقاب زور لفقـت بمحـالِ
فالحاصل أن هذه هي دعواهم: حدثني قلبي عن ربي, أو يقول مثل ما قال هنا: قال لي قلبي, أو قال لي سري, أو مثل ما ذكر
عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي
عن سر ذاتي عن صفات فعالي
فلا شك أن هؤلاء الذين يقولون مثل هذا, ويعرضون عما كان عليه السلف الصالح, وما جاءت به الشريعة أنهم أضل الناس, وأبعدهم عن الصواب, فلا يغتر بهم.
فالحاصل أن في هذه الوصية تحذير لأتباع عدي ولمن يخاف عليه من هذه الأقوال التي يروجها الصوفية, يخاف عليهم أن ينخدعوا بمثل هذه الحكايات وهذه الروايات فيتركوا الشريعة, ويتبعوا هؤلاء الكذابين، ولا شك أنهم إذا تبعوا ما توحيه إليه أنفسهم, وما توسوس إليهم به شياطينهم, مخرقوا في الكلام, وصدوا عن سبيل الله, وأوهموا أتباعهم أنه لا حاجة بكم إلى هذه العبادات, ولا إلى تحريم هذه المحرمات, وما أشبهها, مما يكون سببا في تعطيل الشريعة, فينتبه لمثل هذا, ويكون المؤمن حذرا من أن يسمع, أو يقرأ في كتبهم؛ لما فيه مدح مريديه ورفع مقامه, وأنهم وصلوا إلى ما لم يصل إليه نبي أو رسول.
نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله العفو والغفران, وفيما يأتي يتبين أيضا زيادة الإيضاح لمقالة هؤلاء، والله تعالى أعلم.
صحيح أننا قد ذكرنا في أول الكلام أن قوله: رأيت ربي في أحسن صورة, وأنه وضع يده على صدري حتى وجدت برد أنامله في صدري أن هذه رؤيا منام، وأن الإنسان يرى الله تعالى في المنام, ولكن لا تدل تلك الرؤية على أن الله على تلك الصفة, ولا على تلك الحالة؛ ذلك لأن النائم يتخيل إليه ما يتخيل من الأشياء الغيبية, أو من الأمور الخفية, أو ما أشبه ذلك, فيقول: رأيت كذا, وهو إنما رأى خيالات, فرؤية الله تعالى في المنام إنما هي تصور شيء يتصوره في اليقظة, أو يتصوره في المنام, ولا تدل على أن الله على تلك الكيفية.


المصدر
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-12-10, 09:21 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

اطلاق الصوفية بأنهم صفوة الله من خلقه خطأ

للشيخ ابن جبرين رحمه الله


قال الكاتب: الصوفية هم صفوة الله من خلقه وقدوتهم أهل الصُفَّة الذين مدحهم الله وأثنى عليهم في محكم كتابه؛ لأنهم عبدوه محبة فيه وشوقا لرؤيته، وإمام الجميع المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بتوجيه من الله عز وجل، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة ... إلخ.


جوابه أن يقال: يعتقد هذا الكاتب وأمثاله أن اشتقاق اسم الصوفية من الصفاء أي صفاء القلوب، أو من الصفوة أي أنهم صفوة خلق الله أي خيرتهم وأفضلهم، وهذا خطأ؛فإن الصوفية إنما وُجِدوا في أثناء القرن الثاني، واشتهروا بالزهد والتقشف ولبسوا الصوف المنسوج من صوف الضأن لخشونته، قال الشيخ تقي الدين في الفتاوى 11\28:
وكذلك في المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ الصوفي؛ لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد، ومن قال: إن الصوفي نسبة إلى الصفة أو إلى الصفا فهي أقوال ضعيفة ... إلخ. وقال أيضا (ج 11 ص 195): واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح. وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل إلى أهل الصفة، وقيل إلى الصفا، وقيل إلى الصفوة وقيل إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى، وهذه أقوال ضعيفة، فإنه لو كان كذلك لقيل صفي أو صفائي أو صفوي ولم يقل صوفي. اهـ
وهذا الكاتب جعل الصوفية هم صفوة الله من خلقه، فإما أن يقصد سبب التسمية أو يقصد الميزة والفضيلة، فقد عرفت أن اشتقاق التسمية من الصوف لا من الصفوة، وعرفت مما قدمناه أن الصوفية الأقدمين كانوا من صفوة عباد الله في ذلك الزمان، لكن ليسوا أفضل من أنبياء الله ورسله، ولا من الصحابة والسابقين الأولين.
فإطلاق الكاتب بأنهم صفوة الله من خلقه خطأ؛ فإنه يلزم منه تفضيلهم على ملائكة الله ورسله وعلى أكابر الصحابة والخلفاء الراشدين والسابقين إلى الإسلام، وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم الذين لم يلبسوا الصوف ولم ينتسبوا إلى الصوفية، ولا شك أن مراد الكاتب بهم صوفية هذا الزمان ومن سبقهم من أئمتهم، كابن عربي وابن سبعين والحلاج ونحوهم ممن انتحلوا مذهب الاتحاد الذي هو كفر صريح، وخروج عن عقيدة الأنبياء وأتباعهم، فهؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء فضلا عن أن يكونوا صفوة الله من خلقه.
فأما جعله أهل الصفة هم قدوتهم فهو أيضا خطأ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (11\ 38): أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت في مؤخر المسجد النبوي في شمالي المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه؛ حيث يكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء والأغنياء والأهلين والعزاب، فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد، بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له، ويجيء ناس بعد ناس، فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون؛ فتارة يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر، وتارة يكونون ستين وسبعين.. إلخ.
فعُلِم من هذا أن أهل الصفة هم فقراء المهاجرين، ولكن ليسوا قدوة لأهل التصوف ولا لغيرهم، وليسوا أفضل من أكابر الصحابة من المهاجرين الذين لم يأووا إلى تلك الصفة ومن الأنصار الذين هم أهل المدينة والله تعالى مدح الصحابة والسابقين الأولين عموما، ولم يخص أهل الصفة بمدح ولا ثناء يتميزون به عن غيرهم، ولا شك أن جميع الصحابة عبدوا الله محبة له وشوقا لرؤيته وطلبا لثوابه، وأهل الصفة من جملتهم، فلا مبرر لتخصيص أهل الصفة بأنهم عبدوه محبة فيه وشوقا لرؤيته ما دام هذا الوصف يدخل فيه معهم غيرهم.
فأما قول هذا الكاتب وإمام الجميع المعصوم -صلى الله عليه وسلم- بتوجيه من الله عز وجل، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة .. إلخ. فنقول:
صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إمام جميع أمة الإجابة الذين صدقوه وشهدوا له بالرسالة، ولكنه لم يشرع لأمته هذه الشطحات، ولا نقلت عنه تلك المواجيد والأذواق المزعومة، فأما خلوته في غار حراء فذلك تمهيد من الله لنزول الوحي عليه، ففي تلك الخلوة تصفية لسريرته وتفريغ لقلبه عن الشواغل، وإبعاد عن المجتمع المليء بالشرك والمعاصي والمخالفات.
لكنه بعد أن نزل عليه الوحي لم يرجع إلى غار حراء وما حفظ أنه بعد النبوة صعد ذلك الجبل، ولا حاول الخلوة والتفرد ولا انقطع عن الناس، بل لم يزل مع الناس ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو إلى توحيد الله ويخالط الناس ويجالسهم، ويعاشر أهله، ويعلم أتباعه ما أوحى إليه ويبلغ الناس رسالة ربه، وهكذا بعد أن هاجر إلى المدينة استمر في الدعوة والتعليم، وكان يجلس مجالس عامة يقرأ فيها القرآن، ويبين معانيه ويتلقى عنه أصحابه علم الشريعة وتفاصيلها، مع ما يقوم به من غزوات بنفسه، وبعث جيوش أو سرايا ودعاة إلى الله وجباة، وبعث رسل وكتب لشرح تفاصيل الإسلام.
كل هذه الأعمال ونحوها تنافي أعمال الصوفية التي معظمها يدور على الخلوة والابتعاد عن مجتمع الناس، وعلى ترك الشهوات المباحة، من النكاح وتناول الطيبات وإعطاء النفس حظها من المباح الذي يتقوى به على عبادة الله، وقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني . فأين في سنته فعل الخلوة أو مدح الانقطاع عن الناس، أو التواجد والطرب عند السماع أو نحو ذلك، بل إنه قد نهى عن السماع الذي يستعمله الصوفية وذم أهله، فأما ما يرويه الصوفية من تواجده وطربه في بعض المناسبات فكله كذب لا أصل له والله الموفق.


المصدر
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-12-10, 10:52 AM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

السؤال: يا شيخنا الفاضل كثرة الفرق الضالة في زماننا هذا ومن هذه الفرق الضالة الصوفية والتجانية حيث أن لها أنصار يدعون أنهم على طريقة صحيحة وأنهم على حق نرجو منكم يا شيخ محمد معالجة هذه الطرق الباطلة وإبانة الحق لأولئك المنخدعين والمغرورين بهذه الطرق الضالة؟ الجواب
الشيخ: الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد فإن الجواب على هذا السؤال مأخوذ مما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته كان يقول في خطبته أما بعد أي أعني خطبة الجمعة يؤخذ الجواب على هذا السؤال مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وللنسائي وكل ضلالة في النار في هذه الطرق التي أشار إليها السائل وفي غيرها من الطرق الأخرى هل تنطبق على هدي النبي صلى الله عليه وسلم أو لا تنطبق فإن كانت منطبقة فهي صحيحة وهي خير الهدي وهي الطريق الموصل إلى الله عز وجل وهي الهدى والشفاء والصلاح والإصلاح والاستقامة وإن كانت مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فهي ضلال وشقاء على أصحابها وعذاب عليهم لا يستفيدون منها إلا التعب في الدنيا والعذاب في الآخرة وكلما كانت أشد مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكثر ضلالاً وقد تصل بعض هذه الطرق إلى الكفر البواح مثل أولئك الذين يقولون إنهم يقولون أنهم وصلوا إلى حد يعلمون به الغيب أو أن أولياؤهم يعلمون الغيب أو أن فلان ينجي من الشدائد أو يجلب الخير أو ينزل الغيث أو ما أشبه ذلك ما يدعى لهؤلاء الذين يزعمون أنهم أولياؤهم وأئمتهم فإن الله عز وجل يقول في كتابه (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ألا الله) فمن أدعى أن أحداً يعلم الغيب فقد كذب هذه الآية الكريمة فمن أدعى أنه يعلم الغيب أو أن أحداً من الناس يعلم الغيب فقد كذب بهذه الآية الكريمة ويقول الله تعالى أمر لنبيه أن يعلن للملأ أن (لا أقول لكم أن عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم أني ملك إن اتبع ألا ما يوحى إلي) وفي قوله تعالى (إن أتبع ألا ما يوحى إلي) دليل على أنه صلى الله عليه وسلم عبد مأمور وقد كان صلى الله عليه وسلم كذلك أنه أعظم الناس عبودية لله وأتقاهم له وأقومهم بدين الله صلوات الله وسلامه عليه ويقول الله تعالى لنبيه محمداًَ صلى الله عليه وسلم أمراً إياه (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) فإذا كان هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم فما بالك بمن دونه من الخلق بل ما بالك ممن أدعى أنهم أولياء وأنهم هداة وهم في الحقيقة أعداء وضلال وطغاة وبغاة فنصيحتي لهؤلاء ولغيرهم ممن من خرجوا ببدعهم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي تفسير للقرآن وبيان له وليرجعوا إلى هديه صلوات الله وسلامه عليه الذي هو تطبيق لشريعة الله تماماً و إلى هدي الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أما هذه الطرق وهذه البدع المخالفة لدين الله فإنها ضلال مهما اطمأن إليها قلب الإنسان ومهما أنشرح صدره بها ومهما زينت له فإن العمل السيئ قد يزين للإنسان كما قال الله تعالى (أفمن زين له سوء علمه فراءه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) وقد ينشرح الصدر للكفر كما قال الله تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فلا يقولن أصحاب هذه البدع إن صدورنا تنشرح بهذه البدع وإن قلوبنا تطمئن لأن هذا ليس بمقياس ولكن المقياس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه الراشدون من الحق والهدى ولهذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن نتبعه وأن نتبع سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور وهم أعني أصحاب هذه البدع سواء أن كانت في الطرق والمنهاج أم في العقيدة هم إذا رجعوا إلى الحق سيجدون سروراً للنفس ونعيماً للقلب وسلوكاً جامعاً بين القيام بحق الله وحق النفس وحق العباد أفضل مما هم عليه بكثير وسيتبين لهم أن ما كانوا عليه من قبل شر وضلال ومحنة وعذاب نعم.


فتاوي نور على الدرب
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-12-10, 10:54 AM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

السؤال: لقد زعم بعض الصوفية لأن لأهل القبور كرامات واستدلوا بقوله تعالى في سورة الكهف (وأما الجدار فكان لغلامين) الآية وقالوا أيضاً لو لا أن آباهم ما كان صالحاً ما خرج الكنز وعدوا هذه من الكرامات له بعد موته فضيلة الشيخ أرجو الشرح والتوضيح لإزالة الغموض و نرجو الرد ورد دعوى الصوفية الباطلة التي أضلت العباد شيخ محمد أيضاً في ملحوظة في نهاية رسالته يقول نحن في السودان نعيش في مجتمع تكثر فيه الشركيات والخرافات والبدع نسأل الله الإنقاذ وبرنامجكم هذا له الدور العظيم في الإنقاذ وكثيراً من الأسر اتجهت إليه نرجو الإفادة جزاكم الله خيرا؟ الجواب
الشيخ: هذا السؤال سؤال عظيم وجوابه يحتاج إلى بسط بعون الله عز وجل فنقول إن أصحاب القبور ينقسمون إلى قسمين قسم توفي على الإسلام ويثني الناس عليه خيراً فهذا يرجى له الخير ولكنه مفتقر لإخوانه المسلمين يدعون الله له بالمغفرة والرحمة وهو داخل في عموم قوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) وهو بنفسه لا ينفع أحداً إذ أنه ميت جثه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضر ولا عن غيره ولا أن يجلب لنفسه النفع ولا لغيره فهو محتاج إلى نفع إخوانه غير نافع لهم والقسم الثاني من أصحاب القبور من أفعاله تؤدي إلى فسقه الفسق المخرج من الملة كأولئك الذين يدعون أنهم أولياء ويعلمون الغيب ويشفون من المرض ويجلبون الخير والنفع بأسباب غير معلومة حساً ولا شرعاً فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر لا يجوز الدعاء لهم ولا الترحم عليهم لقول الله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) وهم لا ينفعون أحداً ولا يضرونه ولا يجوز لأحد أن يتعلق بهم وإن قدر أن أحداً رأى كرامات لهم مثل أن يتراءى له أن في قبورهم نوراً أو أنه يخرج منها رائحة طيبة أو ما أشبه ذلك ومعروفون أنهم ماتوا على الكفر فإن هذا من خداع إبليس وغروره ليفتن هؤلاء العباد بأصحاب هذه القبور وإنني أحذر أخواني المسلمين من أن يتعلقوا بأحد سوى الله عز وجل فإنه سبحانه وتعالى هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ولا يجيب دعوة المضطر إلا الله ولا يكشف السوء إلا الله قال الله (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) ونصيحتي لهم أيضاً ألا يقلدوا في دينهم ولا يتبعوا أحداً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) ولقوله تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ويجب على جميع المسلمين أن يزنوا أعمال من يدعي الولاية بما جاء في الكتاب والسنة فإن وافق الكتاب والسنة فإنه يرجى أن يكون من أولياء الله وإن خالف الكتاب والسنة فليس من أولياء الله وقد ذكر الله تعالى في كتابه ميزاناً قسطاً عدلاً في معرفة أولياء الله حيث قال (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فمن كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً ومن لم يكن كذلك فليس بولي لله وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيء من الولاية ومع ذلك فإننا لا نجزم لشخص بعينه بشيء ولكننا نقول على سبيل العموم كل من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً لقول الله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وليعلم أن الله عز وجل قد يفتن الإنسان بشيء من مثل هذه الأمور قد يتعلق الإنسان بالقبر فيدعو صاحبه أو يأخذ من ترابه يتبرك به فيحصل مطلوبة ويكون ذلك فتنة من الله عز وجل لهذا الرجل لأننا نعلم بأن هذا القبر لا يجيب الدعاء وإن هذا التراب لا يكون سبباً لزوال ضرر أو جلب نفع نعلم ذلك لقول الله تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) والآيات في هذا المعنى كثيرة تدل على أن كل من دعي من دون الله فلن يستجيب الدعاء ولن ينفع الداعي ولكن قد يحصل المطلوب المدعو به عند دعاء غير الله فتنة وامتحاناً ونقول إنه حصل هذا الشيء عند الدعاء أي عند دعاء هذا الذي دعي من دون الله لا بدعائه وفرق بين حصول الشيء بالشيء وبين حصول الشيء عند الشيء لأننا نعلم علم اليقين أن دعاء غير الله ليس سبباً في جلب النفع أو دفع الضرر في الآيات الكثيرة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه ولكن قد يحصل هذا الشيء عند هذا الدعاء فتنة وامتحاناً والله تعالى قد يبتلي إنسان بأسباب المعصية ليعلم سبحانه وتعالى من كان عبداً لله ومن كان عبداً لهواه ألا ترى إلى أصحاب السبت من اليهود حيث حرم الله عليهم أن يصطادوا الحيتان في يوم السبت فابتلاهم الله عز وجل ابتلاهم فكانت الحيتان تأتي يوم السبت بكثرة بكثرة عظيمة وفي غير يوم السبت تختفي فطال عليهم الأمد وقالوا كيف نحرم أنفسنا هذه الحيتان ثم فكروا وقدروا ونظروا فقالوا نجعل شبكة نضعها في يوم الجمعة ونأخذ الحيتان منها يوم الأحد فأقدموا على هذا الفعل الذي هو حيلة على محارم الله فقلبهم الله تعالى قردة خاسئين قال الله تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ ـ أي نختبرهم ـ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) وقال عز وجل (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ* فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) فأنظر كيف يسر الله لهم هذه الأسباب أو كيف يسر الله لهم هذه الحياتان في اليوم الذي منعوا من صيدها ولكنهم والعياذ بالله لم يصبروا فقاموا بهذه الحيلة على محارم الله فلننظر لما حصل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حيث ابتلاهم الله تعالى وهم محرمون بالصيود المحرمة على المحرم فكانت في متناول أيديهم ولكنهم رضي الله عنهم لم يجرءوا على شيء منها فقال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) كانت الصيود العادية الطائرة في متناول أيديهم يمسكون الصيد باليد يمسكون الصيد العادي باليد و ينالون الصيد الطائر بالرماح فيسهل عليهم جداً ولكنهم رضي الله عنهم خافوا الله عز وجل فلم يقدموا على أخذ شيء من الصيود وهكذا يجب على المرء إذا هيأ الله له أسباب الفعل المحرم أن يتقي الله عز وجل وألا يقدم على هذا الفعل المحرم وأن يعلم أن تيسير الله له أسبابه من باب الابتلاء والامتحان فليحجم وليصبر فإن العاقبة للمتقين نعم.


فتاوي نور على الدرب
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-12-10, 04:59 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

حكم الصلاة في المساجد التي بها قبور وشبهة وجود قبر النبي في المسجد النبوي .


الصلاة في المساجد التي فيها قبور لا تصح ولا تجوز, ولا يجوز الدفن في المساجد بل هذا من عمل اليهود والنصارى, والرسول-صلى الله عليه وسلم -لعنهم على هذا العمل قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا مشابهتهم وأن تكون قبورهم خارج مساجدهم في مقابر خاصة, أما المسجد فلا يجوز الدفن فيه، ولا يصلى في المسجد الذي فيه القبور لأنن وجود القبر في المسجد وسيلة إلى الشرك، وسيلة إلى أن يدعى من دون الله وأن يستغاث به فلا يجوز للمسلمين الدفن في المساجد، بل يجب على المسلمين أن يدفنوا موتاهم خارج المساجد في مقابر خاصة، كما فعل النبي-صلى الله عليه وسلم –كانوا يدفنوه في البقيع، ودفن الشهداء في محل قتلهم في أحد، أما قبره - صلى الله عليه وسلم-فهو في بيته ليس في المسجد، دفنه الصحابة في بيت عائشة خوفاً أن يغلى فيه إذا كان في البقيع بارزاً, فدفنوه في بيته خشية أن يحصل فيه غلو, وأن يتخذ قبره مسجداً، فدفنوه في البيت، ثم لما وسع المسجد أدخل في المسجد البيت نفسه، الحجرة، لما وسعه الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين في زمانه على رأس المائة الأولى من الهجرة, وأدخل الحجر حجر النبي-صلى الله عليه وسلم-في المسجد دخلت حجرة عائشة من ضمنها, وكان علماء وقته قد نصحوه بأن لا يدخله ولكنه رأى أن إدخاله لا يضر؛ لأنه مدفون في بيته والتوسعة تدعو إلى ذلك، وقد أساء في هذا يعفوا الله عنا وعنه وعن كل مسلم, فالمقصود أنه - صلى الله عليه وسلم- دفن في بيته وليس في المسجد, وإنما البيت أدخل في المسجد فهو الآن في بيته لا في المسجد, ولا يجوز أن يقتدى بذلك فيقول ندفن في المسجد؛ لأن قبر النبي المسجد، لا، قبر النبي في بيته، في بيته-صلى الله عليه وسلم- ولكن أدخلت الحجرة برمتها في المسجد من أجل التوسعة, فالواجب على المسلمين أن يحذروا الدفن في المساجد, وأن يمتثلوا أمر الرسول-صلى الله عليه وسلم-في النهي عن ذلك، يقول - صلى الله عليه وسلم-:(لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فالمساجد لا يدفن فيها، بل تكون القبور خارج المساجد، فالمساجد معدة للصلاة والعبادة والقراءة فلا يكون فيها قبور.

للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله
نورعلى الدرب
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 14-12-10, 02:14 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

اتهام من يدعو إلى التوحيد بالوهابية

للعلاّمة ابن باز رحمه الله


يوجد طائفة من الناس إذا دعوناهم إلى الله سبحانه وتعالى وإلى ترك الشرك بالله اتهمونا بالوهابية، كيف نواجههم لو تكرمتم؟


يعلمون، الوهابية ما لها مذهب وهابي، إنما هو طاعة الله ورسوله، فالوهابية تدعو إلى ما قاله الله ورسوله، الشيخ محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى – الذي تنسب إليه الوهابية هو رجل قام في النصف الثاني من القرن الثامن عشر يدعو الناس إلى ما قاله الله ورسوله، يدعو الناس إلى عقيدة السلف الصالح، إلى اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم – والسير على منهج أصحابه في الأقوال والأعمال، وهو حنبلي المذهب، ولكنه وفقه الله لدعوة الناس إلى إصلاح العقيدة وترك الشرك بالله -عز وجل- وترك البدع والخرافات التي قام بها وتخلق بها المتصوفة أو أصحاب الكلام، فهو يدعو إلى عقيدة السلف الصالح في العمل وفي العقيدة، وينهى عن ما عليه أهل الكلام من البدع وما عليه بعض الصوفية الذين خرجوا عن طريق الصواب إلى البدع، فليس له مذهب يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، بل هو يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة فقط، فإذا دعوت أحداً إلى التوحيد ونهيته عن الشرك فقال: الوهابية! قل: نعم أنا وهابي وأنا محمدي، أدعوكم إلى طاعة الله وشرعه، أدعوكم إلى توحيد الله، فإذا كان من دعا إلى توحيد الله وهابي فأنا وهابي، وإذا كان من دعا إلى توحيد الله ناصبي فأنا ناصبي، وإذا كان من دعا إلى توحيد الله شيعي فأنا شيعي، المهم الدعوة إلى ما كان عليه الرسول وأصحابه، والتنفير الذي ينفر به الناس عن الدعوة لا قيمة له، الواجب على المؤمن أن يتقي الله وأن يستقيم على أمر الله ولو قال له الناس ما قالوا، ولو قالوا منافق، ولو قالوا وهابي، ولو قالوا شيعي، ولو قالوا كذا، إذا عرف أنه يدعو إلى توحيد الله وإلى طاعة الله ورسوله كما قال الله ورسوله فلا يضره المشاغبون والمنفرون بالألقاب التي يخترعونها له، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له الكفار صابئ وقالوا له مجنون، وقالوا له شاعر، وقالوا كاهن وقالوا ساحر ما ضره ذلك، استمر في دعوته إلى الله وعلم الناس توحيد الله ولم يبالي بقولهم له إنك ساحر وكاهن أو ما أشبه ذلك، وهكذا أتباع الحق لا يضرهم إذا قيل لهم وهابي أو قيل له كذا أو قيل له كذا أو قيل متشدد أو قيل متشدد أو قيل منفر، أو قيل متطرف أو قيل متعمق، أو كذا أو كذا يلقبونه حتى ينفروا منه الناس لا يضره هذا عليه أن يصبر وأن يوضح للناس في الحق وأنه ليس عنده شيء يخالف شرع الله المطهر الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فالوهابية هم هكذا، الوهابية دعاة إلى توحيد الله وإلى طاعة الله ورسوله وليس لهم مذهب جديد إنما هم دعاة إلى توحيد الله وإلى اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهم في الفقه على الغالب على مذهب الحنابلة إلا إذا وجدوا شيئاً في المذهب الحنبلي يخالف الأرجح من أقوال العلماء يعني لوجود الدليل الذي يؤيد ما قاله الآخرون أخذوا بالدليل.

من موقع الشيخ رحمه الله
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 14-12-10, 02:18 PM
محمود المغناوي محمود المغناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 263
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

لمز من أنكر البدع بإنه وهابي

للعلاّمة ابن باز رحمه الله


إن الذي يؤمن بالكتاب والسنة والرسل في قريتنا أو في مدينتنا، ولا يؤمن في الأسياد الذين يضربون أنفسهم -كما ذكرت- يقولون عنه: أنت وهابي، ويزعمون أن هذا المذهب لا يعترف حتى بالرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام؟ أفيدونا جزاكم الله خير الجزاء. وأرجو أن يطول الشرح عن ذلك.


هؤلاء -مثل ما تقدم- جُهَّال أو يلبسون مخادعون قاصدون لإضلال الناس، فهم بين جهل وضلال، وبين خداع وتلبيس، فالذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويعلم أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام ينكر عملهم هذا السيئ، ينكر علمهم وطعنهم أنفسهم بالسلاح أو إدخالهم أنفسهم في النار، أو تقربهم إلى أسيادهم بالذبائح والنذور، كل هذا ينكره أهل العلم بالله، وينكره أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحذر منه؛ لأنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وليس هذا العمل من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من أمر أصحابه ولا دين الله الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو باطل. وأما الوهابية فهم أتباع الشيخ محمد، الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي رحمه الله، وهو إمام مشهور دعا إلى الله عز وجل في نجد في القرن الثاني عشر، دعا إلى توحيد الله وإلى التمسك بالإسلام، وإلى تحكيم الشريعة المطهرة، وحذر الناس من الغلو في الأنبياء والصالحين وعبادة القبور وعبادة الأسياد والأحجار، ودعا الولاة في زمانه والأمراء والعامة إلى توحيد الله والإخلاص له، وإتباع الشريعة وتعظيمها، وإقامة الصلوات في المساجد، والمحافظة على شعائر الله، فيسر الله له الأنصار والأعوان من آل سعود، وقام دين الله بأسباب دعوته في الجزيرة العربية، وظهر الحق وانتصر الحق، وخذل الله الباطل وحكمت الشريعة الإسلامية في هذه الجزيرة بأسباب دعوته، ولم تزل -بحمد الله- في آثارها وفي بقائها، نسأل الله أن يثبتنا وأن يميتنا على الحق والهدى. فالشيخ محمد رحمه الله وأتباعه هم من أنصار الحق ومن دعاة الهدى، وهم الذين نصروا دين الله في وقت الغربة في القرن الثاني عشر، وأعلوا كلمة الله، وجاهدوا عليها، وحكموا شرع الله. وهو يدعو إلى الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى تعظيم شريعته واتباع ما جاء به، والناس يكذبون عليه وعلى أتباعه يقولون: إنه لا يصلي على النبي، ..... كل هذا من الباطل ومن أكاذيب أعداء الله، فهو يعتقد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحب الناس إليه، وأنه أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، سيد ولد آدم، فهو أفضل عباد الله، وهو إنما قام يدعو إلى شريعته وإلى اتباع ما جاء به عليه الصلاة والسلام، وهو يعظم أمر الله ونهيه، وينادي في بلاده: أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ويرى -رحمه الله- أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التحيات في آخر الصلاة يراها ركناً من أركان الصلاة، فكيف يقال إنه لا يصلي عليه، وهو يرى أن الصلاة عليه ركن من أركان الصلاة في آخر التحيات في آخر الصلاة. ولكن أعداء الله عندهم شيء وعندهم تلبيس وعندهم بهتان وعدم مبالاة بأمر الله ورسوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر:
موقع الشيخ ابن باز رحمه الله
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 16-12-12, 06:17 PM
عبدالله الكوردستاني عبدالله الكوردستاني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-12-12
الدولة: العراق/ أربيل
المشاركات: 125
افتراضي رد: سلسلة كشف شبهات الصوفية

بارك الله بكم
أذكر اني في احدى المرات دخلت موقعا صوفيا اسمه روض الرياحين -على ما اعتقد- فرأيت افتراءات على شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، فناظرتهم بالحجة والدليل، فلم أجد ردّا منهم إلا قولهم: إنك وهّابي مبتدع، فقلتُ: إن كنت تسمي حب ابن تيمية مبتدعا فأنا أول المبتدعين.
جزيتم خيرا.
__________________
يقول الإمام ابن بطه العكبري رحمه الله:
« فرحم الله عبدا لزم الحذر واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة ».
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الصوفية , سلسلة , شبهات , كشف

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:12 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.