ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 31-03-03, 02:48 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي مفهوم التجديد في أصول الفقه ...؟!

ينبغي للمسلم أن يكون واعياً على الثقافة الإسلامية، واقفا على علومها، لا سيما وأن الأمة تعيش تحت مطارق الغزو الرأسمالي، وتصطلي بنيران جيوشه، وأن بلاد الإسلام أصبحت مسرحاً لإمامة الكافر الفكرية، وولايته الأيديولوجية. لقد أدرك الكافر خطورة مفاهيم الثقافة الإسلامية على مساعيه، فركز ضربات معوله عليها حتى سقط بعض المسلمين أمام هذه الضربات، وتأثروا بالأفكار الموبوءة الغازية، وصاروا يؤولون الثقافة الإسلامية ويخرجون عليها، وصار بينهم وبينها فراغٌ لا بد من ردمه ورأب صدعه.

=====================================

ولا يزال أزلام الكافر ـ من أشباه المفكرين ووعاظ السلاطين ـ مستمرين في هجومهم السافر وضربهم لفروع هذه الثقافة، ولا أجد أدل على ذلك من خروجهم المستمر على وسائل الإعلام بآراء تحمل في طياتها السم الزعاف وفي مضامينها الموت الزؤام والتي يكون ضحيتها أصحاب العقول المعقولة عن الفهم من أبناء المسلمين، وما نريد أن نعرضه في هذه الوريقات: مفهوم حاول شياطين الإنس أن ينفذوا من خلاله لدك صرح علم أصول الفقه ـ وهو صرح شاده علماء المسلمين الأساطين وأعلوا من بنائه ـ والإتيان عليه من القواعد وهو مفهوم تجديد أصول الفقه.

إن عملية استخراج الأحكام الشرعية واستنباطها، تتطلب عدة أمور هي:

الأول: وضع الإصبع على أدلة التشريع الراشدة بوحي الله، ورشاد الأدلة بوحي الله: يعني أن يقوم الدليل القطعي على اعتبارها في التشريع من الخالق.

الثاني: تحديد القواعد اللازمة للتعامل مع هذه الأدلة سواء على مستوى أقسام الكتاب والسنة، أم على مستوى أقسام اللغة.

الثالث: شخص محصل لآلة الاجتهاد وجامع لشرائطه يستطيع الولوج في هذا البحر دون أن يغرق، وصعود العقبة الكؤود دون أن تزل قدمه، ومن هنا اشتمل علم أصول الفقه ـ كما عرفه الإمام سيف الدين الآمدي في إحكامه على [أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل].

وقد أولى علماء المسلمين أصول الفقه عنايتهم، وصرفوا فيه جهودهم، لأنه هو الضامن لبقاء التشريعات الإسلامية صافية لا تشوبها الشائبات ولا تكدرها الكدورات من غير جنسها، لا سيما وقد بعد العهد بفجر التشريع ولم يبق اللسان العربي على حاله سليماً، يقول صاحب الفحول: [فإن هذا العلم ـ أي الأصول ـ هو قطاط الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه].

وفي عصرنا هذا، يحاول الكافر وأزلامه ضرب هذا العلم والإجهاز عليه من خلال الدعوة إلى أصول فقه جديد يتواءم مع متطلبات العصر، وظروف الحياة، يقول الترابي في كتابه (تجديد الفكر الإسلامي): [وفي يومنا هذا أصبحت الحاجة إلى المنهج الأصولي الذي ينبغي أن نؤسس عليه النهضة الإسلامية حاجة ملحة، لكن تتعقد علينا المسألة بكون علم الأصول التقليدي الذي نلتمس فيه الهداية لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء...] ا.هـ.

وتظهر ملامح المنهج الأصولي الذي يدعو الترابي إليه من تصفح لكتابه هذا، فهو يرى أن النصوص في مجال الحياة العامة أقل عدداً وأوسع مرونة، وهي نصوص مقاصد أقرب منها إلى نصوص الأشكال، ويرى ـ أيضا ـ أن الإجماع هو: الاستفتاء الشعبي أو رأي الأكثرية أو الأغلبية البرلمانية، ويرى أن القياس: هو القياس الفطري ودعك من المقيس عليه ومن العلة ومن مسالك العلة، وأن الاجتهاد حق لكل الناس حتى العوام وغير ذلك.

إن دعوتهم هذه هي في حقيقتها محاولة لنسف أساس من أسس البنيان التشريعي الإسلامي، وهذا يعني: أنها محاولة لتقويض الشريعة ووأد محاولات العاملين على إعادتها سيدة المجتمع، أي: أن تكون الشريعة هي الحاكمة للعلاقات بقوة الكيان التنفيذي، وهي أيضا تكريس لداء الواقعية والذي يجعل الأمة تركن إلى واقعها الذليل، ولا تنهض من رقدتها المعاصرة، لذا: كان لا بد من رفض هذه الدعوة، بل الهجوم عليها هجوماً يكشف عوارها ويظهر سوأتها أمام الناس.

وإننا إذ ندعو علماء الإسلام الأفذاذ وفقهاء المسلمين الأساطين إلى التنبه إلى هذه الدعوة، والقعود لها كل مرصد، والقيام بواجبهم في بيان زيف هذه الدعوات وخطورتها، نغتنم الفرصة لنذكرهم بما عليهم من عبء وبما في رقابهم من مسؤولية في عدم السكوت عن المنكر الأكبر وهو غياب الشريعة عن سدة الحكم، ووجوب العمل على تغييره وإعادة بناء صرح الخلافة لوضع فقههم موضع التطبيق، فهم في الأرض بمنزلة النجوم من السماء، وحاجة الأمة إلى وقفتهم أعظم من حاجتها إلى الماء والهواء

أبو البيان "عمار" ـ بيت المقدس
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-03-03, 07:20 PM
أبو الوليد الجزائري أبو الوليد الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-02-03
المشاركات: 296
افتراضي

جزاك الله خيرا اخي الكريم على غيرتك على ديننا وشرعة ربنا التي ارتضاها لنا نسال الله العظيم ان يكرمنا برجوع الامة الحميدة اليها.وفي هذا الموضوع ينبغي التنبه الى_ 1_ان مجددينات (جمع مخنث سالم)الاصول هؤلاء لهمـ(ن)اخوة(ات) في خط الرجعة فاذا انكرت الامةعليهم تلاعبهم في الاصول بقي اولئك يلعبـ(و)ـن في الفقه مع شريحة واسعة من ابناء الامةالمتحمسة الى رجوع مجدها التليد فعرف هؤلاء من اي باب يدخلـ(و)ن وباي طعم يصط_ ا _د(و)ن خاصة مع قعود كثير من علمائنا من اهل الحق_ نظريا_عن النزول من صرحهم المشيد العالي, فقويت الشبهة عند العوام وهيهات هيهات للعامة ان تسمع لك ان لم ترك معها في آلامها وآمالها فانا لله وانا اليه راجعون - 2 - اما مادة الاصول التي ورثناها عن ائمتنا فغير خاف على جنابكم ان مناهج التاليف فيها متاثرة جدا بالمدارس الفكرية ،العقدية،والفقهية...لاصحابها وان مدرسة الاصوليين(الشافعية ومن سايرهم)هي مدرسة المتكلمين وان اساطين هذه المدرسة التي سار الركبان في ضوئها هم خمسةمن ائمة الكلام ثلاثة هم ائمة الاشعرية:1-الباقلاني و قد وصف بدر الدين الزركشي كتابه ؛التقريب والارشاد ،بانه اجل كتاب في هذا الفن مطلقا .2-امام الحرمين الجويني وكتابه البرهان 3-ابوحامد الغزالي وكتابه المستصفى.واثنان من ائمة المعتزلةهما:1ـالقاضي عبد الجبار وكتابه العمد وكذا فصول بسيطة(اي واسعة!!)من كتابه المغني 2 ـابو الحسين البصري في كتابيه المعتمد ; وشرح العمد لشيخه السابق . فكما ترى هذه مدرسةالاصولـيين اربابها هم ارباب الكلام المذموم ولا شك ان مدرسة الحنفية (الفقهاء)كتبت بنفسية ماتوريدية فالمعارك الكلامية قد انتقلت مع هؤلاء جميعا الى ميدان جديد هو ميدان اصول الفقه ولا شك ان العمل الرجيح الناصح هو محاولة تصفية هذا العلم الشريف مما علق به عبر العصور مما هو ليس منه وليس هذابمشروع جديد محدث وليس كذلك من مجرد التاثر بمدرسة المتقدمين المطروحة في مثل هذا الملتقى الميمون فقد توالى انكار الائمة من هذا الدخيل عبر العصور بدأ من مناظرات الشافعي في رسالته وغيرها الىابي اسحاق الشيرازي وقيامه على عصرييه من ائمة الكلام ولخص مايراه من اصول اهل السنة في كتابيه اللمع والتبصرة الى ابن السمعاني في قواطع الادلة والخطيب البغدادي (الفقيه و المتفقه)،ابن عبد البر(جامع بيان العلم وفضله)ابن الصلاح(ادب المفتي والمستفتي) آل تيمية ( المسودة)الشاطبي(الموافقات والاعتصام)ابن القيم(اعلام الموقعين ،الصواعق ،بدائع الفوائد...)وقبلهم الاحكام لابن حزم ...وكتاب المستصفى لعله مر على المصفاة مرتين مرة مع روضة الناظر لابن قدامة ثم مذكرة محمد الامين الشنقيطي عليهما وكتاب جمع الجوامع كذلك مرة في نظمه مراقي السعود وفيه يقول الناظم : //منتبذا عن مقصدي ما ذكرا ....لدى الفنون غبره محررا //ثم صفي بشرح العلامة الامين وتلميذه الحبيب في نثر الورود واعمال شيخنا الامام الرباني محمد العروسي بن عبد القادر السوفي الجزائري المكي حفظه الله وقد بدا في هذا المشروع من عقود والعلامة محمد سليمان الاشقر واخوه العلامة عمر وشيخنا محمد المختار بن الامين الشنقيطي المدني والفاضل عمر بن عبد العزيزوغيرهم من المشايخ الكرام ممن يسعون في هذا المضمار وممن هم جديرون بجمع المذكر السالم وانما تسامحت في انزال جمع المخنث السالم على اولئك المذكورين ادناه(ولايستحقون اعلاه!!) اني رايت شيخ طائفتهم الاصلاحية المزعومة يقول بتجديد اللغة العربية ونحت من بقر :بقروت , وصف للشعوب المنقادة للساسة و كان من حقه الاصلاح والنصح لا التعيير و القبح ولما شممت منها عفن الشعوبية انتصرت للعربية بطريقته وهو منهج ابن تيمية في الرد على المخالف والله الموفق والهادي الى سواء السبيل ــ رب وفقني فلا اعدل عن .... سنن الساعين في خير سنن
__________________
ولكنني اسال الرحمن مغفرة ** وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة من ذي حران مجهزة ** تنفذ الاحشاء والكبدا
حتى يقال اذا مروا على جدثي ** ارشده الله من غاز وقد رشدا
قل آمين
ـ
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 31-03-03, 10:56 PM
ابن الجزري ابن الجزري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-03
المشاركات: 24
افتراضي

موضوع تجديد أصول الفقه من الموضوعات المهمة ولا أدري هل كتبت فيه رسائل علمية أو ألفت فيه مؤلفات رصينة لأن هذه الدعوة ليست جديدة وقد دعا إليها بعض أهل العلم قبل الدعاوى الأخيرة التي اشتهر بها الدكتور الترابي

* يذكر الشيخ مشهور حسن في هامش كتاب (رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة) للعلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله ص 9 (يكتب بعض إخواننا أطروحة للدكتوراه بعنوان( ماليس من علم الأصول في كتب الأصول) كان ذلك في عام 1417 فلا أدري هل طبعت هذه الرسالة أم لا؟

وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-04-03, 09:06 AM
أهل الحديث أهل الحديث غير متصل حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 10-07-02
المشاركات: 1,935
افتراضي

موقع الإسلام اليوم

ندوات بحثية

أصول الفقه بين الثبات والتجديد1/2

ورقة ا.د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض:
8/1/1423
22/03/2002


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وبعد
فيمكن القول إن علم أصول الفقه يُعَدّ الفلسفة المميزة للمسلمين . وهو ألمع الجواهر في تاج الثقافة الإسلامية . أنشأه المسلمون على غير مثال سبق ، وكان من ابتكاراتهم الفذّة ، يقولون : "( حيث المجتمع ثمة شرع ، فبابل عرفت شريعة حمورابي ، والإغريق أقاموا الألواح الإثني عشر ، والرومان اتبعوا قوانين جوستنيان ، وليس من أمة عبر التاريخ لم تستن قانوناً أو تنتهج عرفاً ، لكنّ المجتمع الإسلامي امتاز عن (سائر الأمم بأنه أول من وضع منطقاً للشرع تحت اسم (أصول الفقه )" (1) .
وإن أصول الفقه هو منهج البحث عند الفقيه ، أو هو القانون الذي يعصم ذهن المجتهد عن الخطأ في الاستدلال على أحكام الشرع من طرقها المختلفة .
وفي عصرنا هذا ظهرت تيارات واتجاهات فكرية متعددة ، تهدف إلى تغيير المجتمعات ، وتدعو إلى تطوير العلوم الشرعية ، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، واللجوء إلى مقتضيات الواقع ومعطيات العقول . وكان من جملة ما شملته هذه التحركات الدعوة إلى تجديد أصول الفقه ، وقبل أن نعرض إلى هذه الاتجاهات والآراء يجب أن نفهم ماذا يراد بالتجديد .؟. لقد كان السلف يريدون بالتجديد معنى خاصاً بنوه على قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )(2) . وقد فسروا التجديد – في غالب أقوالهم – بإحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما . أي بإماتة البدع وتجريد الدين عنها .
وفي اللغة استعمل تجديد الشيء بمعنى تصييره جديداً (3) . أي بإعادة نضارته ورونقه وبهائه إليه ، كدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في المجالات العقدية ، وعمل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجال الاجتهادات .
غير أن التجديد استعمل في هذا العصر بمعان متعددة ، بعضها يعود إلى ما ذكرناه ، وبعضها لا يتلاءم مع المعنى المذكور . وقد اختلط الكلام في مسألة التجديد ، ودخل في أسماء المجددين من ليسوا منهم ، وفي أسماء الموضوعات ما هو من موضوعات أخر . فبعض من يسمونهم مجددين لا يؤمنون بأساسيات الشرع ، وبعض المجالات التي قيل في التجديد فيها لا تنطبق عليها الدعوى ، وقد نجد من يحاول التوفيق بين الشريعة وواقع المجتمعات، ويفسر ويؤول النصوص بما يتراءى له .
إن الذي يتعلق بموضوعنا هو جانب محدد ، وهو ما أطلق عليه التجديد في أصول الفقه . وأصول الفقه المقصود بها ، بحسب ما نختاره من التعريفات هي :
القواعد التي يُتَوَصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة (4) . فأمامنا ثلاثة أمور هي من موضوعات أصول الفقه ، وهي :
1- الأدلة التي هي مصادر الأحكام الشرعية ، وينابيعها .
2- القواعد أو القوانين التي تبين كيفية استنباط الفقه من الأدلة .
3- المجتهد الذي يستنبط الفقه من الأدلة ، بوساطة القواعد المذكورة .
وإذا أخذنا بالمفاهيم الجديدة في معنى التجديد فسنجد أنه سيختلط معناه بمعانٍ غريبة عنه تتردد بين الشذوذ والانحراف وصدق المحاولات . كما سنجد دوافع متعددة ليس في كثير منها دافع التجديد في أصول الفقه بالفعل ، بل ربما كان وراء ذلك أغراض ونوايا أخرى اتخذت من أصول الفقه سلّماً للوصول إليها .
وقبل أن نعرض إلى المحاولات الجديدة أو المعاصرة ، في هذا المجال ، نذكر بعض الآراء التي اشتهرت قبل هذا العصر ، والتي نعتها جمهور العلماء بالشذوذ أو الانحراف :-
1- ففي أوائل عهد نشاط العلماء في المجال الأصولي اشتهر إبراهيم بن سيار الملقب بالنظّام والمتوفى سنة 231هـ . بإنكاره الإجماع ، وإمكان تحققه ، وعُدَّ رأيه شاذاً (5) . يذكر في المباحث الأصولية عرضاً ، وعلى أنه في الأراء المرفوضة . ولم نعلم أنه قدّم تعديلاً أو حلاً آخر لدليلية الإجماع . وقد شاركه في رأيه عدد آخر من العلماء ، ولكنّهم قصدوا عدم إمكان ذلك على العهود التالية لعصر الصحابة (6) . بناء على أن أهل الحل والعقد كانوا مجتمعين في المدينة ، ولم يكونوا قد تفرقوا في البلدان أو الأمصار . وهم كالنظّام لم يقدموا حلاً أو بديلاً معدلاً لمواصفات الإجماع التي ذكرت في كتب الأصول . وإنما اقتصر كلامهم على الإنكار والرفض .
2- وعلى مقربة من عهد النظّام كان داود بن علي الأصفهاني الظاهري المتوفى سنة 260هـ ، ممن يرفض الرأي والقياس ، وألف كتاباً في إبطال القياس . وكان قدوة لمتبّع مذهبه الإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم المتوفى سنة 456هـ. الذي أوقد نار حرب حامية بينه وبين علماء الجمهور ، وشدّد النكير على الآخذين بالقياس ، مع أنه من المتحمسين للمنطق الأرسطاطاليسي ، ومن الذين كانوا يرون المنطق اليوناني من أساسيات المعرفة ، وألف في ذلك كتاباً سماه ( التقريب لحدّ المنطق ) . ولتضييقه على مذهبه في رفض القياس اضطر إلى التوسع في مجال أصالة الإباحة ، وأن كل نازلة لا نجد لها حكماً في نصوص الشارع فهي على الإباحة الأصلية الشرعية ، أي أنه يستصحب حكمها ، فصار الاستصحاب البديل عن الأخذ بالقياس . ويبدو أن الأخذ بالاستصحاب كان حلاّ لما يشكّله رفض الأخذ بالقياس ، وانقاذاً لورطة خلوّ الوقائع عن الأحكام . ولهذا نجد أن الشيعة ، وهم ممن يرفضون الأخذ بالقياس أيضاً ، توسعوا في الاستصحاب وأكثروا من الكلام عنه ، وعن ثلاثة أصول أخرى ، وسموا الجميع ( الأصول العملية ) ، أو الأدلة الفقاهية ، وهي الاستصحاب ، والبراءة ، والاحتياط، والتخيير ، سواء كانت هذه الثلاثة الأخيرة شرعية أو عقلية . وقالوا إن الرجوع إليها عند الشك ، أو الجهل بالحكم الواقعي ، واليأس من تحصيله والعثور عليه ، والنتيجة المترتبة على هذه الأدلة ، عندهم ، لا يسمونها حكماً ، وإنما يطلقون عليها مصطلح الوظيفة ، لأن الحكم ، عندهم ، مصدره الأدلة الاجتهادية الأخرى أي الكتاب والسنة والعقل. والسنة عندهم واسعة تشمل كل ما ينقل عن أئمتهم الأثني عشر أيضاً . ولا شك أن توسعهم بالأخذ بما ذكرناه من الأصول المنتجة للوظيفة ، هو محاولة لفتح المجال أمام التعرّف على الأحكام الشرعية أو الوظائف ، فيما لا دليل عليه من الشارع .
3- وفي نهاية القرن السادس الهجري طرح سليمان بن عبدالقوي نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716هـ ، رأياً متطرفاً وشاذاً وفق المقاييس الأصولية ، في المصلحة . هو لم يؤلف كتاباً في المصلحة يذكر فيه رأيه ، ولكنه أورد رأيه في شرحه الحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث الأربعين النووية ، وهو قوله :صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضِرار ) . ولم يشر علماء الأصول الذين عاصروه أو جاؤا بعده ، إلى رأيه هذا ، فيما أطلعت عليه من كتبهم . وقد طبع شرحه للأربعين النووية كاملاً باسم ( التعيين في شرح الأربعين ) في السنوات الأخيرة. وهو وإن لم يتكلم عن المصلحة في بعض كتبه كشرحه لمختصر الروضة ، لكنه لم يخرج في ذلك عن رأي الجمهور فيها ، مع نقده تقسيماتهم المصلحة إلى ضرورية وغير ضرورية ، وعدّه ذلك تعسفاً وتكلفاً ، وإنما كان رأيه الخاص والمخالف لرأي جمهور العلماء هو ما أورده في شرحه لحديث ( لا ضرر ولا ضِرار ) ، الذي تكلم في شرحه على المصلحة مطلقاً، لا المصلحة المرسلة . وقد عرّف المصلحة ، بحسب العرف ، بأنها السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع ، كالتجارة المؤدية إلى الربح ، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة (7) .
وبعد أن أقام الأدلة على حجية المصلحة من نصوص الشارع ، ذكر أن رعايتها مقدمة على النصوص والإجماع ، مستدلاً على ذلك بوجوه ، منها :
أ - ( إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح ، فهو إذاً محل وفاق ، والإجماع محل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه .
ب- إن النصوص مختلفة متعارضة ، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه ، ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكان اتباعه أولى ) (8) .
لكنه يقصر ذلك التقديم على جانب المعاملات والعادات وشبهها ، وأما في العبادات والمقدرات ونحوها ، فالمعتبر فيها النصوص والإجماع ونحوهما من الأدلة (9) .
والمصلحة عنده عامة هي مصلحة الناس ، وما يتراءى لهم أنه ذو منفعة . وليس المقصود في ذلك المصالح المرسلة التي يقول بها الإمام مالك . ونجد من المناسب أن نذكر خلاصة لهذا الاعتبار من عبارات الطوفي نفسه . قال : ( ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعاية المصلحة في أدلة الشرع ، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح . ثم إن هذا يقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ، فإنا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها ، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما )((10) .
فالأمور السابقة : الإجماع ، والاستصحاب البديل عن القياس الأصولي المعروف ، والقياس الواسع ، والمصلحة . والسنة كانت مما يدخل في مجال أصول الفقه ، لأنها تتناول الأدلة ، سواء كان بإنكارها ، أو بتوسيع نطاقها ، ولكنها لم يكن ينظر إليها على أنها تجديد ، بل كانت تذكر على أنها آراء شاذة ، باستثناء أفكار الطوفي في المصلحة التي لم نجد لها ذكراً في كلام المتقدمين.
وفي العصر الحاضر نجد دعوات في غاية الخطورة ، لمن يدع أصحابها التجديد في أصول الفقه وإنما كانوا يدعون إلى التغيير بوجه عام ، وإلى اعتماد التشريعات على مناهج وأدلة تأخذ باعتبارها العقل والواقع ، وحيث كانت النصوص الشرعية عائقة لدعواتهم فإنهم لجؤوا إلى طرق متعددة في التعدي على أهم أصلين تستند إليهما الأحكام الشرعية ، وهما الكتاب والسنة . فدعوا إلى تعطيل الكتاب ، أو تفسيره بحسب الأهواء ، والطعن بالسنة بوجوه مختلفة ، بغية استبعادها عن مجال الحياة ، تارة بادعاء عدم استقلالها بالتشريع ، و تارة بترك ما لم يكن معناه في القرآن الكريم أو مؤكداً له ، وتارة بتقسيمها إلى تشريعية وغير تشريعية، وأن لا حجة لغير التشريعية ، وأنه ينبغي أن ينظر إلى العرف والواقع عند تفسير القرآن الكريم أو السنة ، كما يرى ذلك الدكتور محمد عمارة ، أو ترك الأخذ بالأحاديث في تقنين الأحكام المعاصرة كما يرى ذلك محمد إقبال ، أو أن تردّ الأحاديث المخالفة للعقل والواقع ، بحسب ما يراه آخرون .
وقد يتطرف بعضهم كمحمد إقبال ويقول إن السنة غير التشريعية يجب تركها وعدم جعلها أساساً للقوانين ، وأنها خاصة بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك من الآراء .
وقد يكون بعضهم مستنداً إلى ما فعله القرافي في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ، بتقسيم السنة إلى ما صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره مبلِّغاً ومفتياً ، وإلى ما صدرت عنه باعتباره حاكماً ، أو متمسكاً بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم بشأن تأبير النخل : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) .
وليس في ذلك شيء من التجديد ، ولم يقدم أحد منهم مقياساً صحيحاً لما يدعيه ، سوى الواقع والعقل ، وما ذكروه يؤدي إلى الانسلاخ من الشرع في آخر الأحوال . والأدلة التي قامت على حجيّة السنة ليس فيها هذا التفريق . قال تعالى :( ما أتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) و( إن هو إلا وحي يوحى) و (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) وقال صلى الله عليه وسلم :[ لا ألفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ] .
لكن هذه أمور لم يكن الغرض منها الكلام في تجديد أصول الفقه ، وإن كانت تمس بعض موضوعاته ، ولعلّ إثارة هذا الموضوع – أي تجديد أصول الفقه – بخاصة لم تظهر قبل السبعينات من القرن الميلادي السابق ، وقد تكون رسالة ( تجديد أصول الفقه الإسلامي ) الصغيرة للدكتور حسن الترابي ، الصادرة في سنة 1400هـ/ 1980م من أقدم ما صدر بهذا الشأن في العصر الحديث ، وقد نشرت مقالات متعددة في بعض المجلات ، كما نشرت كلمات موجزة لبعض الأساتذة قالوها في مقابلات للدكتور عبدالحليم عويس ، كان ينشرها في ملف الشرق الأوسط الفقهي بعنوان ( أصول الفقه بين التقليد والتجديد ) وهي وما يشبهها في الكتابات العجلى لم تتضمن شيئاً ذا بال .
وقد كثر الكلام في هذا الشأن ، أعني التجديد والدفاع عن الشريعة ، وكان الكثير مما نشر يتعلق بمسألة التوفيق بين الشريعة ومستجدات الحياة ، سواء كانت اقتصادية أو علمية ، أو اجتماعية ، أو غيرها ، وكذلك واقع المجتمعات الإسلامية مما يدخل كثير منه في مجال الاجتهاد والفتوى ، ومنا ينبغي أن يتحقق فيها . ومثل هذه المحاولات بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، مع الشيخ محمد عبده ( ت 1905م )، ثم تتالت بعد ذلك ، وكثرت إلى درجة بلغت الإحاطة بها بالغة الصعوبة ، وغير مجدية ، أيضاً ، لكون الكثير منها مما يكرر ويعاد .
وهذا الاتجاه له سابقة قديمة في بعض التفاسير الشبيهة بالتفاسير العلمية كتفسير ( مفاتيح الغيب ) لفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606هـ، وفي بعض ما كتبه الحكماء ، أو الفلاسفة المسلمون ، مثل ( فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) لمحمد بن أحمد بن رشد الحفيد المتوفى سنة 595هـ . لكن هذا الموضوع لم يكن مختصاً بمسألة التجديد ، أو التطوير ، إن صح التعبير . ولهذا فإن محاولة الدكتور حسن الترابي تمثل مكاناً هاماً في هذا المجال . وسأعرض عن الجزئيات والتفصيلات وشطحات اللسان ، وأقتصر على أهم ما ذكره في مجال الأدلة .
يرى الدكتور الترابي أن الرجوع إلى النصوص ، بقواعد التفسير الأصولية لا يشفي إلا قليلاً ، لقلة النصوص . وأنه يلزمنا أن نطور طرائق الفقه الاجتهادي التي يتسع فيها النظر . وأن علم أصول الفقه الذي من شأنه أن يكون هادياً للتفكير آل إلى معلومات لا تهدي إلى فقه ، ولا تولد فكراً . وقال : إن الفقه يعلمك كيف تستنجي ولكن لا يعلمك كيف تقود سيارة . إلى آخر ذلك من الكلمات التي تنم عن الظلم للفقه وبخسه منزلته . ولا ندري إذا كان من مهمات الفقه ، بل قوانين العالم وشرائعه ، أن تعلم الشخص كيف يقود السيارة .
ومهما يكن من أمر فإن دعوته التجديدية بشأن الأدلة أو مصادر التشريع تتلخص في الأمور الآتية :
1- الأخذ بالقياس الواسع ، بأن نستقرأ بعض النصوص ويؤخذ منها المعنى الجامع ، أو القصد ، فيقاس على ذلك .
2- التوسع في المصالح المرسلة والمقاصد ، وتوسيع نطاقها .
3- الأخذ بالاستصحاب الواسع ، وتفعيل بعض الأصول المبنية عليه .
4- الأخذ بالإجماع وفق صورة جديدة تختلف عن صورة الإجماع التقليدي .
5- جعل أمر الحاكم وقراره مصدراً من مصادر التشريع .
وسنذكر فيما يأتي كلاماً موجزاً عن هذه الأمور :
أما القياس فيرى أنه بمعاييره التقليدية محدود لا يفي بمتطلبات الحياة (11) .وربما صلح استكمالاً للأصول التفسيرية في تبيين أحكام النكاح والشعائر والآداب ، ولكنه لا يجدي في المجالات الواسعة في الدين (12) .ولذلك ينبغي أن لا يكون الأصل المقيس عليه نصاً محددا ً، بل ينظر إلى جملة من النصوص ، ويستنبط منها مقصد معين من مقاصد الدين ، أو مصلحة معينة من مصالحه ، ثم نتوخى ذلك المقصد عند التطبيق على الوقائع أو النوازل الجديدة . وأن هذا القياس الإجمالي الواسع ، أو قياس المصالح المرسلة ، درجة أرقى في البحث عن جوهر مناطات الأحكام (13) .
وما ذكره الدكتور الترابي يدخل في مفهوم القياس بمعنى القاعدة العامة المتوصل إليها باستقراء طائفة من النصوص والأحكام ، وهذا أمر متبع ومعلوم للعلماء ، ولكنهم لم يُلْغُوا بسببه القياس الأصولي المعروف ، أي قياس العلة ، لكونه أقوى في الدلالة على حكم الوقائع من القواعد العامة .
وفي الاستصحاب الذي يقربه جمهور العلماء يرى الدكتور الترابي أن الشريعة لم تبدل كل ما كان في المجتمع الجاهلي القديم ، بل كانت هناك أمور متعارف عليها أقرّها الشرع ، وإنما تدخل في إصلاح ما اعوج منها ، فما لم يرد من الشارع دليل عليه ينبغي الاستمرار في العمل به ، وإبقاؤه على ما كان عليه . وذكر بعض القواعد المبنية على ذلك ، وهي : الأصل في الأشياء الحل ، وفي الأفعال الإباحة ، وفي الذمم البراءة من التكليف ، وكل ما تطوّقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة ، وكل ما أخذ لمتاع الحياة الدنيا عفو متروك إلا أن يرد النص فينفي صفة العفو أو الإباحة عن فعل معين (14) .
وهو يشترط البدء بالنصوص ، ثم النظر في الأصلين الواسعين ، ثم النظر إلى الواقع الذي نعيشه بمصالحة وأسبابه ، لأن الفهم الذي يتبادر من النصوص قد يلغى عند التطبيق مؤدياً إلى حرج عظيم ، قد يأباه نص آخر ، أو مصلحة مقدرة في الدين (15) .
ولسنا نرى في كلامه هذا جديداً ، أو تجديداً ، وما ذكره أمور مقررة قامت على صحتها الأدلة الشرعية ، ولكن لا ينبغي أن تطلق الأقوال ، كما أطلقها ، فليس الأصل في الأشياء الحل مطلقاً ، بل لا بد من التفريق بين ما هو ضار وما هو نافع . فالصواب أن يقال : الأصل في المنافع الحل ، كما أن الأصل في المضار التحريم . وأما أن الأصل براءة الذمة من التكليف فصحيح قبل مجيء الشرع ، وبعد مجئته شغلت الذمة بما أمر به الشارع ، ويبقى ما عدا ذلك على الأصل المذكور ، وقول الدكتور الترابي : ( وكل ما تطوقه المؤمن ، يقصد به وجه الله عبادة مقبولة غير مقبول ). وهو طريق الابتداع في الدين ، وكل مبتدع إنما يتذرع بأنه يقصد وجه الله .
وأما ما يتعلق بالإجماع فإنه بالصورة التي رسمها له الأصوليون ، صعب التحقيق ، إن لم يكن متعذراً – لا سيما إذا اشترطنا فيه انقراض العصر ـ وهو في الماضي أكثر تعذراً مما هو في العصر الحالي .
ولهذا نجد أن محققي الأصوليين كالآمدي المتوفى 631هـ ، اختار بشأن حكم جاحد المجمع عليه التفصيل، وهو أن لا يحكم بكفر من جحده ، إلا إذا كان جاحداً لما كان داخلاً في حقيقة الإسلام ، أو ما ثبت من الدين بالضرورة كالعبادات الخمس ، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة . وأما إن لم يكن كذلك فلا تكفير لجاحده (16) . وقد مالت طائفة من علماء هذا العصر إلى عدم إمكان انعقاده . وأكتفى بذكر رأي عالمين مشهورين في هذا المجال ، هما الشيخ/ محمد الخضري رحمه الله ، والشيخ / عبدالوهاب خلاف رحمه الله .
يقول الشيخ / محمد الخضري :
" ويبقى هذا السؤال ، وهو : هل أجمعوا فعلاً على الفتوى في مسألة عرضت عليهم ، وهي من المسائل الاجتهادية ؟ ويمكن الجواب على ذلك بأن هناك مسائل كثيرة لا نعلم فيها خلافاً بين الصحابة في هذا العصر ، وهذا أكثر ما يمكن الحكم به ، أما دعوى العلم بأنهم جميعاً ، أفتواً بآراء متفقة ، والتحقق من عدم المخالف فهي دعوى تحتاج إلى برهان يؤيدها . أما بعد هذا العصر ، عصر اتساع المملكة ، وانتقال الفقهاء إلى أمصار المسلمين ، ونبوغ فقهاء آخرين من تابعيهم لا يكاد يحصرهم العد ، مع الاختلاف في المنازع السياسة والأهواء المختلفة ، فلا نظن دعوى وقوع الإجماع، إذ ذاك ، مما يسهل على النفس قبوله ، مع تسليم أنه وجدت مسائل كثيرة في هذا العصر ، أيضاً ، لا يعلم أن أحداً خالف في حكمها . ومن هنا نفهم عبارة أحمد بن حنبل من ادعى الإجماع فهو كاذب ، لعل الناس قد اختلفوا ، ولكن يقول : لا نعلم الناس اختلفوا إذا لم يبلغه . وبعض فقهاء الحنابلة يرى أن الإمام يريد غير إجماع الصحابة ..."(17) .
و أما الشيخ عبدالوهاب خلاف ، فيقول :
" والذي أراه الراجح أن الإجماع بتعريفه وأركانه التي بيناها لا يمكن انعقاده ، إذا وكل أمره إلى أفراد الأمم الإسلامية وشعوبها ويمكن انعقاده إذا تولت أمره الحكومات الإسلامية على اختلافها ، فكل حكومة تستطيع أن تعين الشروط التي بتوافرها يبلغ الشخص مرتبة الاجتهاد ، وأن تمنح الإجازة الاجتهادية لمن توافرت فيه هذه الشروط . وبهذا تستطيع كل حكومة أن تعرف مجتهديها وآراءهم في أي واقعة" (18) . وقال :"وأما بعد عهد الصحابة ، وفيما عدا هذه الفترة في الدولة الأموية بالأندلس ، فلم ينعقد إجماع ، ولم يتحقق اجتماع من أكثر المجتهدين لأجل التشريع" (19) .
وإذا كان الأمر كما ذكر فينبغي البحث عن البديل ، وما قدمه الدكتور الترابي بديلاً عن الإجماع ، بحسب الصورة المذكورة في كتب الأصول ،وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – في عصر من العصور على حكم شرعي أو ديني ، أقول: ما قدمه الدكتور الترابي يُعَدّ بديلا غير مقبول . فهو يرى أن نتائج الاجتهاد وفق الفقه الإسلامي التقليدي تحتاج إلى ضبط ، لأن سعتها تؤدي إلى تباين المذاهب والآراء والأحكام ، ولهذا فهي تحتاج إلى الضبط . وأهم الضوابط في رأيه هي أن يتولى المسلمون بسلطان جماعتهم تدبير تسوية الخلاف ، وردُّه إلى الوحدة . ويتم ذلك بالشورى والاجتماع ، يتشاور المسلمون في الأمور الطارئة في حياتهم العامة ، فالذي هو أعلم يبصّر من هو أقل علماً ، والذي هو أقل علماً يلاحق في المسألة من هو أكثر علماً ، ويدور بين الناس الجدل والنقاش حتى ينتهي في آخر الأمر إلى حسم القضية ، إما بأن يتبولر رأي عام ، أو قرار يجمع عليه المسلمون أو يرجحه جمهورهم أوسوادهم الأعظم ، ( أو تكون مسألة فرعية غير ذات خطر يفوضونها إلى سلطانهم ، وهو من يتولى الأمر العام ، حسب اختصاصه بدأً من أمير المسلمين إلى الشرطي والعامل الصغير )(20) . ويرى الدكتور الترابي أنه بهذه العملية ( يمكن أن نرد إلى الجماعة المسلمة حقها الذي كان قد باشره عنها ممثلوها الفقهاء ، وهو سلطة الإجماع . ويمكن بذلك أن تتغيّر أصول الفقه والأحكام ، ويصبح إجماع الأمة المسلمة ، أو الشعب المسلم ، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصلين في أصول الأحكام في الإسلام )(21) .
ولا أظن أن مثل هذا الكلام يمكن أن يسلم به، أو أن يصيح بديلاً عن الإجماع ، وكيف يمكن أن يدخل العوام والجهلة وعموم الشعب في الاستفتاء على مسألة علمية ، ينبغي أن تدخل في الأُطر العامة للتشريع ، وأن لا تعارض النصوص غير القابلة للجدل .
وإذا كنا نرى أن الإجماع غير ممكن بالصورة المطلوبة في كتب الأصول ، فإنه يمكن رد ذلك للمجامع الفقهية في البلاد الإسلامية ، واعتماد الآراء الصادرة عنهم ، سواء كانت بالإجماع ، أو بالأغلبية ، ولهذا فإني أرى أن رأي الشيخ عبد الوهاب خلاف رأي سديد وعملي.
وهذا أجدى من قول الترابي ( فيمكن أن نحتكم إلى الرأي العام المسلم ، ونطمئن إلى سلامة فطرة المسلمين ، حتى لو كانوا جهالاً في أن يضبطوا مدى الاختلاف ومدى التفرق )(22) . ولا أدري كيف يمكن أن يطمئن إلى فطرة الجهلة !!!
وبإزاء ذلك فإن هناك طائفة أخرى تدعي التجديد بوجه عام وتنصب نفسها مفسرة ومؤولة للآيات والأحاديث . وترى أن الشريعة مرحلية ، وخاصة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، أو تجعل الواقع أساساً للأحكام وتقصر الآيات على أسباب النزول ، فتقلب القاعدة الأصولية ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) إلى ( العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ) ، أو تحتال على النصوص بالتفسير المتعسّف ، بغية تعطيلها ، وإلغاء العمل بها ، فرحة بأنها حققت إنجازاً علمياً دون الالتزام بضوابط الاجتهاد ، وقواعد الأصول .
ويبدو أنهم في دعوتهم إلى التخلّص من ضوابط الاجتهاد يرسمون منهج الكاتب الإيرلندي برناردشو في قوله ( إن القاعة الذهبية أن لا قاعدة ) . وقد يكون لما قال وجه في المجالات النقدية في الأدب ، التي كان يمارس عمله فيها ، ولكن ذلك لا يصلح في المجال الذي نحن بصدده ، لان ذلك ستترتب عليه نتائج خطرة ، ومضارّ لا حصر لها .
وأكتفي بأن أمثل لذلك بمحاولات التفسير والتوجيه التي خاض في مجالها طائفة من هؤلاء الساعين فيما يسمونه تجديداً ، إن الذي صنعوه إنما هو نوع من التأويل البعيد ، والذي لم يستوف الشروط . لقد فرق الأصوليون بين النص والظاهر ، واعتبروا النص دالاً على معناه قطعاً ، ومن غير احتمال لغيره . أما الظاهر فهو وإن دل على معناه ، لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً ، ولكونه احتمالاً مرجوحاً لا يجوز اللجوء إليه إلا بشروط ، أهمها :
1- أن يكون الناظر المتأول أهلاً لذلك ، بأن يستوفي الشروط العلمية اللازمة للخوض فيما يخوض فيه .
2- أن يكون اللفظ الظاهر محتملاً لما صرف إليه.
3- أن يكون للمتأول الصارف للفظ عن معناه دليل يقصد به دلالة اللفظ على ما صرفه إليه من المعنى .
وهي شروط – فيما يبدو – تصلح مقياساً معقولاً ومقبولاً للتأويلات والتفاسير التي تذكر للنصوص الشرعية . واعتماداً عليها زيّفوا كثيراً من التأويلات البعيدة وغير المقبولة .
وهذا يبين مدى دقة علم أصول الفقه ، واهتمامه بالضبط ، وإعراضه عن الأمور الخفية المبهمة غير المنضبطة ، الأمر الذي ضاق دعاة التجديد المطلق ذرعاً به ؛ لتضييقه عليهم ، وسدّه مجالات الانفلات عن الفهم الصحيح عليهم ، فأعرضوا عنه وجاءوا بالغرائب التي تضحك من بعضها الثكلى ، بدعوى تأويلها بما يوافق الواقع ومن هذه التأويلات الرامية إلى إلغاء الحدود الشرعية ، والاعتماد على الواقع ، والتوجهات الخاصة ، ما ذكروه بشأن حدّ السرقة :
ففي أحد هذه التأويلات يذكرون أن المجتمع قبل عصر الرسالة كان بدوياً ، ليس فيه سجون يوضع فيها السارق ، فكانت العقوبة البدنية بالقطع مناسبة لذلك ، لكونها تحقق أمرين :
الأول : تعطيل إمكانية السرقة .
والثاني : وسم السارق بعلامة تجعل الناس تعرفه ، وتحذر منه .
ولما جاء عصر الرسالة لم يختلف المجتمع عما كان عليه ، فأبقى الشارع قطع اليد حدّاً للسرقة ، فصار حكماً شرعياً . ومعنى ذلك أنه لا يطبق هذا الحد في عالمنا المتمدِّن الذي فتحت فيه أبواب السجون ، التي تمنع السارق من الهروب ، وتحفظ للآخرين أموالهم ، وتقيهم من أضراره (23) .
وفي تأويل آخر أن النص القرآني لم ترد فيه عبارة ( من سرق) ، بل وردت فيه عبارة ( السارق والسارقة ) وهاتان الكلمتان وصفان لا فعلان ، والوصف لا يتحقق في الشخص إلا بالتكرار ، فلا يقال لمن ظهر منه الجود مرة ، أو مرتين أنه ( جواد ) ، ولا يوصف فرد بأنه ( عاقل ) ، لأنه وجد يعقل مرة أو مرتين ، بل يقصد به من قامت به صفة العقل . وعلى هذا فإن عقوبة قطع اليد هي للسارق الذي تكررت منه السرقة ، أما من لم تتكرر منه فيمكن معاقبته بما يردعه عما هو فيه قطعاً (24) .
ولا ندري كيف غاب هذا الفهم عن علماء السلف ، من لدن عصر الصحابة حتى الآن ،وهم الأعلم باللغة ودلالات ألفاظها من هذا المدعي.!
وإلى جانب من تقدم تبرز طائفة جريئة على الحق ، مجاهرة بالرفض لما جاء في تراث هذه الأمة ، لكنها ليست صنفاً واحداً ، فمنهم من يظهر الإيمان بالله ورسوله ، ويذكرهما بإجلال وتقدير ، ولكنه يعرض عما جاء عنهما من الإحكام ، أو يعطي لأحكامه تفسيراً عاماً ينسج على منواله ، ومنهم من يكفر بالوحي والرسالة ، أو يفسرهما بما يروق له.
فمن الصنف الأول سنكتفي بذكر شخصيتين ، مع وجود الفرق بينهما ، وذلك لاختصار أحدهما على جانب محدد ، وهو خطير ، ونشاط الثاني في مجالات متعددة ، مبثوثة في كتبه ومحاضراته . أما أولهما فهو المستشار محمد سعيد العشماوي الذي يرفض أن يكون ما جاء عن الله ورسوله ، أحكاماً صالحة للتطبيق على مر الزمان ، ويفسر الشريعة تفسيراً مختلفاً عما يفهمه الناس ، ويستدل باللغة اللاتينية ، وبالمعاجم ، وبالتوراة والإنجيل ، على ما يرومه . فهو لا يرى ، كما ذكر ذلك في كتابه ( أصول الشريعة) ، أن الشريعة هي الأحكام ، وإنما هي المنهاج والطريق . يقول : (فالشريعة هي المنهاج الذي يهيمن على الأحكام ، ويطبعها بطابعه ،وليست هي الأحكام بحال من الأحوال). (25) . ثم أخذ يخوض في تحديد معاني الشريعة المختلفة ، فقال:لقد كانت شريعة أوروريس ( ادريس ) هي الدين . وكان الدين عنده هو الشريعة ، الإيمان بالله والاستقامة ... وشريعة موسى هي الحقّ ، فهي تضع الحقوق مع الواجبات وتحدِّد الجزاء لكل إثم ، وتدعو لأعمال الواجبات ، دون تحقيق ، وتطبق الجزاءات بشدة . وشريعة عيسى هي الحب .. الحب الذي يدعو صاحب الحقّ ألا يبحث عن حقه ، ومن له الحق في الجزاء ألا يفكر في الجزاء.
أحبوا أعداءكم .
باركوا لاعنيكم .
أحسنوا لمن يسيئ إليكم .
وشريعة محمد هي الرحمة ، الرحمة التي تزاوج بين الحق والحب . وتمازج الجزاء بالعفو ، والتعامل بالفضل والمعروف (26) .
ثم يشرع بتفاسير عديدة للرحمة ، ثم يذكر أن شريعة الإسلام ، ومنهج القرآن ، لا يمكن أن يكونا قد قصدا إلا الإنسان ، ولقد خلق النص للإنسان ، ولم يخلق الإنسان للنص .
وحبس الإنسان في نص ، والروح في لفظ ، والحياة في قاعدة ، أمر غريب عن الطبيعة ، ومضاد لروح الإسلام الذي يقدم المثل الأعلى في الحركة والتجديد ، ( كل يوم هو في شأن )!! (27) .
ولسنا نفهم من هذا التجديد الذي يقدمه العشماوي غير الانسلاخ من الأحكام الشرعية وترك نصوص الكتاب والسنة والاكتفاء بالمنهج الذي هو الرحمة ، - كما يراه – فشرّع ما تشاء وافعل ما تشاء في نطاق الرحمة المطاطة غير واضحة المعالم . وعلى هذا فأصول الفقه لا حاجة إليها ، لأننا عرفنا أن الشريعة هي المنهاج ، وأن منهاج الشريعة الإسلامية تحقيق الرحمة ، فكل الطرق المؤدية لذلك ، والوسائل المحققة لها من أصول الفقه . والله أعلم.
والمستشار العشماوي وإن لم يدّع أنه مجدد في أصول الفقه،لكن ما قدمه يلغي أصول الفقه المعروف ، ويقيم مقامه ( الرحمة ) ، التي هي ذروة المنهج ، أو الشريعة الإسلامية .
أما الرجل الآخر فهو الدكتور محمد عابد الجابري ، الذي يرى الاعتماد على المقاصد الشرعية طريقاً للفهم والاستنباط ، دون الأحكام الجزئية . ويرى تجديد المقاصد ، وأن يكون العمل بالنص مقتصراً على مكانه وزمانه المتقدمين ، ويرى ضرورة فتح آفاق جديدة للاجتهاد المعاصر ، وأنه لم يظهر مجتهدون تتوفر فيهم الشروط الضرورية لممارسة الاجتهاد إلى الدرجة التي ترقى إلى مستوى طبيعة مشاكل العصر وتحدياته . ويرى أن أهم شروط الاجتهاد العصراني المطلوب ، هي :
1- انفتاح العقل على الحياة والمعطيات الجديدة والاطلاع على مختلف العلوم المعاصرة.
2- الانطلاق من المقاصد الشرعية .
3- جعل ضروريات العصر وحاجياته وتحسينياته جزءاً من المقاصد (28) .
ويرى أن حصر الضروريات في الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، كان منطلقاً فيه من داخل المجتمع الإسلامي الذي كان في وقتهم يشكل عالماً قائماً بذاته ، مستقلاً عن غيره من المجتمعات التي لم يكن لها شأن يذكر.
ويقول: إننا نعيش في مجتمع أصبحنا فيه تابعين لا متبوعين ، وتغيرت فيه الأحوال وتطورت الحقوق .
فهناك اقتراح بأن تضاف الحقوق الأساسية للمواطن والمجتمع المعاصر إلى تلك الضروريات . ومن هذه الحقوق :
الحق في حرية التعبير .
الحق في العمل .
الحق في التعليم.
الحق في العلاج .
ويدخل في الحاجات، الحاجة إلى تنشيط الإبداع الفكري ، والحاجة إلا اكتشاف المعارف الصحيحة.
وليس في هذا الكلام ما هو تجديد لأصول الفقه ، وإنما هو دعوة إلى الاجتهاد الحرّ أو المطلق، انطلاقاً من المقاصد الشرعية التي ينبغي أن تنبعث من ضروريات العصر . ولسنا نرى فيما قدمه من مقاصد ما هو خارج عن الكليات الخمس المطلوب المحافظة عليها شرعاً ، وهي الدين والنفس والعقل والمال والنسب. وإنما هي وسائل وطرق تتحقق بها المحافظة على هذه الكليات .
ولكن إذا لم تربط هذه المقاصد بالضوابط الشرعية ، وبملاحظة نصوص الشارع التي هي الأساس في تكوينها ، فإنها تعدّ انسلاخاً من الأحكام الشرعية ، أي يكفي أن نحدد المقاصد ثم نبني أحكامنا عليها. فتكون أصول الفقه ، على هذا : هي المقاصد بحسب فهمنا وإدراكنا وعقولنا ، وواقعنا ، ومصلحتنا المطلقة التي لا تتقيّد بالاعتبارات الشرعية .
وأما الصنف الثاني فسنذكر من دعاته شخصين أيضاً ،هما الدكتور محمد أركون ، والدكتور حسن حنفي .
فالدكتور محمد أركون له كتب متعددة نشر فيها آراءه ، وبشّر بها . وسنكتفي من ذلك باستعراض بعض آرائه في اثنين من هذه الكتب هما : ( من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي) و ( تاريخية الفكر العربي الإسلامي) . إذ هما يمثلان نموذجاً لما يراه في أصول الفقه الإسلامي ، أو مصادره الأصلية ففي كتابه الأوّل تكلم علن المصدر الأول لأصول الفقه ، وهو القرآن الكريم . فشكّك في صحّته ، وسماه القرآن الرسمي (29) . وفسر الناسخ والمنسوخ بأنه يناسب انتهازية المشرّعين ، وأنه من إنتاج الأصوليين لمواجهة النصوص المتناقضة (30) . ويتهم الصحابة بالتلاعب بالآيات القرآنية من أجل تشكيل علم التوريث (31) . ويتهم محمد بن جرير الطبري في تفسير آيات الكلالة بأنها مقاومة مستبسلة لما يُحدِث وصفاً جديداً يؤدي إلى زعزعة نظام الإرث العربي السابق (32) . ويستخدم المصطلحات النصرانية والأجنبية ، ويسقطها على علماء المسلمين كنعت المذاهب الفقهية بالمذاهب الأرثوذوكسية ، والإجماع بالإجماع الأورثوذوكسي، وهكذا .
وفي كتابه ( تاريخية الفكر العربي الإسلامي ) يتكلم عن المصادر الفقهية الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس بما هو من كلام الملاحدة . فهو يشكك بالكتاب في صحته وفي مصدره أيضاً ، ويرى أن السنة ليست إلا اختلاقا مستمرا فيما عدا بعض النصوص القليلة .وأن الإجماع مبدأ نظري طبق على بعض المسائل الكبرى مثل الصلاة ، والاحتفال بعيد النبي !! وأما القياس فهو – في رأيه – حيلة كبرى أتاحت شيوع ذلك الوهم الكبير بأن الشريعة ذات أصل إلهي ، يحل المشاكل الجديدة ؛ ليتم تقديس كل القانون المخترع (33) .
وعلى هذا فمن الصعب أن يُعَدَّ مثل هذا الطرح داخلاً في مجال بتجديد أصول الفقه إذ هو لا يعتدّ بهذه الأصول حتى يجددها ، وما يبديه من رأي هو نسف وإلغاء لها ، وقلب حقيقة الشريعة ، من أنها مصدر إليهي إلى أنها اجتهاد بشري .
وهذا يؤكد ما ذكرناه من أنه لا توجد أرضية بيننا وبينه ، يمكن أن يرجع إليها عند الاختلاف والاحتجاج ، وحينئذ ليس هناك إلا العقل الذي يلجأ إليه لإثبات الألوهية والنبوة ، وصحة الرسالة ، وهذا ليس موضوع البحث .
أما الدكتور حسن حنفي فإنه صريح ، كما هو محمد أركون ، لكنه يعلن أنه صاحب قضية ، وصاحب فكر شيوعي ، يهدف إلى تهديم بناء الدين الذي مر عليه خمسة عشر قرناً وهو يبنى. الدكتور حسن حنفي أستاذ جامعي ،يرى في كتابه ( التراث والتجديد) أن الدليل النقلي الخالص لا يمكن تصوّره ، لأنه لا يعتمد إلا على صدق الخبر سنداً ، أو متناً ، وكلاهما لا يثبتان إلا بالحس والعقل طبقاً لشروط التواتر . فالخبر وحده ليس حجة ، ولا يثبت شيئاً ، على عكس ما هو سائد في الحركة السلفية المعاصرة ، من اعتمادها شبه المطلق على ( قال الله) و( قال الرسول) ، واستشهادها بالحجج النقلية ، وحدها ، دون إعمال الحس والعقل ، وكأن الخبر حجة ، وكأن النقل برهان (34) .
والغريب أنه يرى أن الشريعة الإسلامية ، أو ما يسميه بالإيمان السلفي ، أخطبوط كبير ، وأنه يهدف إلى تحجيمه . يقول : ونحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن ، نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي ، إلا أنهم أطول باعاً في التاريخ منّا ، وأكثر رسوخاً ، ووراءهم تراث حضاري ضخم ، ونحن الأقلّية ، كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير (35) .
وقال إنه شيوعي ماركسي ، وأنه يرى أن النقد سلبي وليس إيجابياً ، أي أنه يبدؤه بالهدم لعوائق التقدم ، أي للدين . وأنه إذا استطاع ذلك فإنه سيسلم المجتمع العربي إلى إخوته العلمانيين ، لكي يبنوه إيجاباً. ويقول : أنا ماركسي شاب ، وهم ماركسيون شيوخ (36) .
وإذا كان حسن حنفي ، كما قال ، ماركسياً فهو ملحد كافر يؤمن بالمادية الدايلكتيكية ( الجدلية) . يقول ستالين في كتاب المادية التاريخية المترجم للعربية من قبل عزيز شريف ومن قبل خالد بكداش ، رئيس الحزب الشيوعي السوري ، أيضاً : إن كلام الفيلسوف اليوناني القديم ديمقريطس : إن العالم كان وما زال يشتغل بنظام وسيتجمد بنظام لم يخلقه إلاه . ولم يوجده إنسان ، هو عرض رائع لأصول المادية الدايلكتيكية . فإذا كان هذا هو واقع الدكتور حسن حنفي فما هي جدوى الكلام معه في أصول الفقه أساساً ، وهو لا يؤمن بالفقه ولا بأصوله ؟
فإذا لم يحتج بالقرآن نفسه ولا بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ويسخر ممن يقول ( قال الله) و( قال الرسول) . فبماذا نحجه ؟ وكيف لمثله أن يتحدث عن أصول الفقه؟ فالنوايا ليست هي تجديد أصول الفقه ، بل إلغاء كل ما هو نقلي وشرعي ،والاعتماد على العقل والواقع في تقرير الأحكام ،شأن محمد أركون.
هذا ومن الجدير بالذكر أن نذكر إن من تعرضنا إليهم هم عينات في اتجاهات فكرية تعيش في المجتمع الإسلامي يتمذهب بها كثيرون . ولعل لأراء طائفة من المستشرقين اليهود والنصارى كجولد تسهير ، ويوسف شاخت ، ومرجليوث وغيرهم في الأصول التي بني عليها الفقه أثراً في أفكار هؤلاء .
والآن نسأل هل علم أصول الفقه غير قابل للتجديد بالمعنى الذي نفهمه في التجديد ؟ وهل أصبح حصناً مغلقاً لا يمكن اقتحامه ؟ هذا ما لم أقله ، ولست أراه . ومن الممكن أن تكون الخطوات الآتية مما تسهم في هذا المجال:
1- عرض أصول الفقه بطريقة ميسرة ، وقرن القواعد الأصولية بما يبنى عليها من الأحكام ، أي المزج بين أصول الفقه والتخريج على هذه الأصول ، لأن ذلك أدعى إلى الفهم ، وتفعيل القواعد الأصولية ، والجمع بين علمين نظر إليهما على أنهما منفكان عن بعضهما طوال قرون .
2- إعادة ترتيب الموضوعات الأصولية ، ودراستها ضمن مجموعات متجانسة ، كمباحث الأدلة ، ومباحث الأحكام ، والمباحث اللفظية ، وإجراء مناقلة – إن صح التعبير- بين بعض المباحث . وعلى سبيل المثال نرى أن جعل مباحث التعارض والترجيح مع الأدلة وفي نهايتها ، أولى من جعله بعد مباحث الاجتهاد والتقليد . ولا بأس بأن يكون بحث الاجتهاد والتقليد والإفتاء في نهاية تلك المجموعات .
3- إعادة النظر فيما احتوت عليه كتاب الأصول ، وتجريدها مما لا تمس الحاجة إليه، أو مما لا ينبني عليه عمل ، أو مما أدخل فيها وليس هو منها ، أو غير ذلك . ويمكن إجمال بعض ما ينبغي حذفه فيما يأتي :
أ‌- المباحث التي هي من مباحث علوم أخرى ، ليست بذات علاقة ممهدة لاستنباط الأحكام ، كمباحث علم الكلام ، مثل مسألة شكر المنعم ، ومباحث حاكمية الشرع ، وتكليف المعدوم ، والنسخ قبل التمكن ، وهل كان النبي e متعبداً بشرع قبل البعثة ، وحكم الأشياء قبل الشرع وغير ذلك من الأمور التي من هذا النمط.
ب‌- ترك المناقشات والاستدلالات فيما كان الخلاف فيه لفظياً والاكتفاء بالتنبيه إلى ذلك ، في أمثال هذه الاختلافات .
ج‌-وفي مجال الاستدلال يكتفي بذكر الأدلة القوية ، ويهمل ذكر ما كان ضعيفاً منها .
د‌- الاقتصار على ذكر الحدود المختارة ، أو المستوفية لشروط الحدّ، وإهمال الحدود المزيّفة ، والمرفوضة من قبل الجمهور .
هـ ترك الاستدلالات المعتمدة على الأحاديث الموضوعة التي لا أصل لها أو الضعيفة المتروكة ، لعدم الفائدة في ذلك ، لأن أمثال هذه الاستدلالات ستزيف و تنتقد بذلك ، وفي هذا إشغال للدارس في أمر عديم الجدوى.
4- الإفادة من الدراسات اللغوية المعاصرة في مباحث الدلالات ، ومراجعة المعاني اللغوية ، ودلالات الألفاظ على المعاني في كتب التراث . وتصحيح ما ثبت بالدليل أنه مما يستفاد منها الأحكام وفق الأساليب العربية ، ومباحث علم اللغة الحديث .
5- مراجعة الأحكام المنسوبة إلى الأئمة عن طريق التخريج ، فقد اتضح أن بعض الآراء لم تكن نسبتها صحيحة ، بناء على خطأ في التخريج ، ويعرف ذلك من فقه الأئمة أنفسهم ، سواء كان بكتاباتهم ، أو بنقل تلاميذهم عنهم .
6- الاهتمام بمبحث الاستدلال ، واستبعاد الضعيف في طرقه ، والتأكيد على القوية منها ، لا سيما الأدلة العقلية القاطعة التي لا تعارض الشرع والأحكام المبنية على نصوصه.
7- وفي مجال الأدلة أو مصادر الاستنباط فإنه يمكن اتخاذ ما يأتي :
أ‌- دراسة الأدلة ، سواء كانت متفقاً عليها أو مختلفاً فيها ، واستبعاد ما لا حاجة له من شروط الاستدلال بها .
ب‌- من الممكن إقامة مجمع فقهي موحد ، يضمّ المؤهلين من الفقهاء والعلماء من الاختصاصات المتنوعة المحتاج إليها في دراسة وفهم الوقائع والنوازل ، المحتاجة إلى الإفتاء بها ، واتخاذ قراراته مصدراً إضافياً من مصادر الاستنباط .
ج- إدخال القواعد الفقهية ، ولاسيما الكبرى منها ، في مباحث الاستدلال وضبطها ببيان أركانها وشروطها ، وشروط تطبيقها ، وبذلك تصبح مهيأةً للإفادة منها ، ببناء الأحكام عليها.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) الرسالة الرمزية ص 5 .
(2) رواه أبو داود .
(3) المعجم الوسيط .
(4) أصول الفقه – الحد والموضوع والغاية ص 107 .
(5) روضة الناظر بشرح نزهة الخاطر 1/335.
(6) المستصفى 1/185 و 189.
(7) التعيين ص 239.
(8) المصدر السابق ص 259، 260.
(9) المصدر السابق ص 274.
(10) المصدر السابق ص 279، 280.
(11) تجديد أصول الفقه ص 22 .
(12) المصدر السابق ص 23.
(13) المصدر السابق ص 24، 25.
(14) تجديد أصول الفقه ص 27 ، 28 .
(15) المصدر السابق ص 28 .
(16) الإحكام 1/282
(17) أصول الفقه ص 313 ، 314.
(18) علم أصول الفقه ص:44، 55
(19) علم أصول الفقه ص: 44، 55
(20) تجديد أصول الفقه ص 29 ،30.
(21) مفهمو التجديد بين السنة النبوية وأدعياء التجديد للدكتور محمود الطحان ص 23.
(22) المصدر السابق ص 21.
(23) وجهة نظر للدكتور محمد عابد الجابري ص 62 ،63.
(24) مناهج التفسير في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الحميد متولي ص 145.، وقد نسب هذا الرأي إلى كتاب ( الجنايات المتحدة في القانون والشريعة ) للأستاذ رضوان شافعي المتعافى .
(25) أصول الشريعة ص 178.
(26) أصول الشريعة للعشماوي ص 179 ، 180.
(27) المصدر السابق ص 181.
(28) وجهة نظر للدكتور محمد عابد الجابري ص 58 وما بعدها .
(29) من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ص 34.
(30) المصدر السابق ص 69.
(31) المصدر السابق ص 63.
(32) المصدر السابق ص 52.
(33) تاريخية الفكر العربي ص 297 وما بعدها.
(34) التراث والتجديد 1/ 390 ،391.
(35) الإسلام والحداثة ص 218.
(36) المصدر السابق .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-04-03, 09:07 AM
أهل الحديث أهل الحديث غير متصل حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: 10-07-02
المشاركات: 1,935
افتراضي

ندوات بحثية

أصول الفقه بين الثبات والتجديد2/2


2/2/1423
15/04/2002


الورقة الثانية : د. عبد الحميد بن علي أبوزنيد
أستاذ أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقصيم سابقاً
الورقة الثالثة : الشيخ يوسف بن محمد الغفيص
المحاضر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم/قسم العقيدة




--------------------------------------------------------------------------------

الورقة الثانية : د. عبد الحميد بن علي أبوزنيد

منذ مدة طويلة ومن خلال معايشتي لمادة أصول الفقه دراسة وتدريساً مدة تقارب عشرين عاماً وأنا تراودني فكرة الدعوة إلى تنقيح هذه المادة العلمية ، ولكن كنت أقدم رجلا ًوأأخر أخرى لما أعلمه من أن دعوى التجديد في أي ناحية من نواحي الحياة سواءً أكانت في تطوير العلوم والفنون أو التجديد في أسلوب الحياة لابد وأن تلقى الصد والرد والنقد والإعراض ، ولا بد وأن يكون مقدم الصف ورائد الفكرة هدفاً للسهام ومرمى للرماح .
وما أن رأيت الكتيب الذي دعا فيه الأخ الفاضل الدكتور حسن عبد الله الترابي إلى إعادة النظر في قواعد أصول الفقه حتى يكون هذا الفن العظيم ذا أثرٍ فعال في هذه الحياة الصاخبة بحوادثها المتجددة ، والتي لا عهد للقرون الماضية بها حتى شعرت أنه كان بدعوته هذه الدرع الواقي لكل من يدور بخلده الولوج من هذا الباب فيشارك بإظهار رأيه والإدلاء بدلوه في هذه الدعوة .
لقد كان الدكتور حسن عبد الله الترابي رائداً لهذه الفكرة وسابقاً لهذه الدعوة التي تدور في عقول كثير من علماء الأمة . وإنني أرى رأيه في هذه الدعوة من حيث الإجمال وإن كنا قد نختلف في بعض التفاصيل والجوانب ، وهذا أمر طبيعي لأنه اختلاف في وجهات نظر لا قاطع فيها ، وليس اختلافاً في أدلة قطعية وقواعد ثابتة
إن أعظم ما يستمد أصول الفقه مادته منه هو قواعد لغوية ثابتة مستمدة من لغة العرب ودلالات ألفاظها وأساليبها تعين على فهم النصوص الشرعية من كتاب وسنة ثم استنباط الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت بلغة العرب .
فالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والنص والظاهر والمجمل والمبين ودلالات الألفاظ من اقتضاء وإيماء ومفهوم وإشارة وحقيقة ومجاز وأمر ونهي قواعد منشؤها لغة العرب وكلامهم ، وهي وإن كان في بعضها خلاف بين علماء النحو واللغة فليس لنا إلاّ محاولة اختبار الراجح منها وبناء النصوص الشرعية عليها وطرح الأقوال الشاذة منها التي التزم بها أصحابها في بعض الأحيان لنصرة مذاهبهم الفقهية أو العقائدية وبذلك انقلب الأمر ، فبدلاً من أن يُعتمد في فهم النصوص الشرعية على قواعد اللغة أصبح يختار المذهب اللغوي ليوافق المذهب الفقهي أو العقدي ، فكون الزمخشري مثلاً معتـزلياً اختار أن ( لن ) تفيد التأبيد لكي يثبت عدم رؤية الله جل وعلا يوم القيامة ، وكون أبي على الفارسي حنفياً اختار أن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع للأخيرة فقط ، ولهذا أمثلة كثيرة كما أنه يوجد من قواعد الأصول ما هو ثابت بأدلة قطعية كحجية القرآن والسنة الصحيحة والإجماع واستصحاب الحال .
وإنما نحتاج بالنسبة لهذه إلى النظر في بعض القضايا الجزئية كحجية القراءة الشاذة وما يحتج به وما لا يحتج به من الأخبار وإعادة النظر في بعض الشروط الموضوعة للاحتجاج بالأخبار ، وما ينعقد به الإجماع بما يتناسب مع حال هذا العصر من مستجدات سواء أكانت في وسائل الاتصال التي تهيأ الظروف لانعقاد الإجماع أو عدم وجود الحرية التّامة لأهل العلم في إبداء آرائهم ، ثم إعادة النظر في الضوابط الموضوعية لمن يقبل رأيه ومن لا يقبل .
وهذه القواعد الثابتة إذا عقمت عن إنتاج الأحكام الفقهية للقضايا المعاصرة لم يكن عقمها لحاجتها لإعادة النظر فيها بقدر حاجتها إلى إعادة النظر في أسلوب الكتب المؤلفة في أصول الفقه وطرق تدريسه فالعقم في ظني منشأه الأول هو طرق التدريس وطرق التأليف .
فالدارس لأصول الفقه لم يعطه الوقت الكافي والإخلاص التام والتجرد الكامل ، فضن بالوقت والجهد كما أنه لم يجرد النية ، فالسلف بارك الله لهم في وقتهم فلم تستغرق شئون حياتهم من طعام وشراب وسعي في طلب الرزق إلا جزءاً يسيراً من وقتهم والباقي قسموه بين مناجاتهم لبارئهم وطلبهم للعلم كما استعانوا بطيب مطعمهم وورعهم وحسن نيتهم على تحصيل العلوم فحصلت لهم علوم مثمرة أنتجت فقهاً سيّر دفة الحكم وشتى مناحي الحياة في دولة الإسلام التي كانت في يوم ما لا تغرب عنها الشمس .
وأغناهم ذلك عن استيراد الأنظمة والقوانين ، بل كانوا مصدراً من مصادر التشريع لكثير ممن جاورهم من أمم العالم .
وأما الكتب المؤلفة في هذا العلم فهي تهتم بذكر القاعدة الأصولية وتحاول الاستدلال على صحتها بالمنقول والمعقول ولا تهتم بحشد الفروع الفقهية التي بنيت على القاعدة وبيان كيفية ربطها بها ، كما لا تهتم بذكر فروع يمكن بناؤها عليها من واقع العصر الذي نعيشه ، بل ألفت كتبٌ أخرى اعتنت بربط الفروع بالقواعد وهي كتب تخريج الفروع على الأصول وهي قليلة وغير مستوعبة فلا تبل شوقاً ولا تشفي غليلا ، فلو كانت دراسة أصول الفقه جامعة بين إثبات القواعد ، وبيان ما يترب عليها من فروع في شتى أبواب الفقه كما هو الحال في كتب القواعد الفقهية لكان ذلك أجدى وأنفع وأكثر أثراً في بناء شخصية المجتهد فتتسع مداركه ويصفو ذهنه ويسمو فكره ويكون أقدر على إلحاق ما استجد من فروع في خضم هذه الحياة الصاخبة بالأموال والأعمال والمعاملات والعلاقات الفردية والأسرية والدولية والعالمية بالقواعد الثابتة .
وإنني أشاطر الدكتور حسن الترابي الرأي فيما ذهب إليه من الدعوة إلى تجريد أصول الفقه من بعض الأبحاث والمسائل التي لم تعد مثمرة كما لم تكن مثمرة في يوم من الأيام ، بل هي مسائل ومباحث ولدت وترعرعت في أكناف الترف العلمي يوم أن كانت ردهات قصور بعض الحكام والوزراء منتدى لرواد الفكر حيث تعقد المناظرات العلمية التي كان وقت العلماء يتسع لها وتلقى التشجيع والدعم من الأمراء والحكام فظهرت مسائل أصولية مبنية على أصول الاعتزال وقف علماء الإسلام منها موقف الناقد المبطل لها ووافق المعتـزلة في بعضها من أُعجب بحجاجهم ولجاجهم وانبهر بقوة منطقهم وبراعة استدلالهم ، ولا زلنا حتى يومنا هذا نقارع المعتـزلة ونقيم عليهم الحجج تلو الحجج ونسفه أحلامهم ونفند آراءهم دون أن نراهم فما أحرنا أن نجرد أصول الفقه من مثل هذه المسائل ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
أ- مسألة تكليف المعدوم .
ب- فعل المأمور به بكمال شرطه ووصفه هل يجزئ ويسقط القضاء .
ج- إنكار وجود الواجب المخير .
د- اشتراط إرادة الآمر حدوث الفعل المأمور به في الأمر .
هـ- حكم الأشياء قبل ورود الشرع وما يبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين .
و- النسخ قبل التمكن من الفعل .
ز- عدم جواز التكليف بما يعلم الله أن المكلف لا يتمكن منه .
كما يوجد كثير من البحوث والمسائل التي دخلت إلى أصول الفقه في عصور الترف العلمي وهي تقوم مقام التواريخ ولا يستفيد منها الأصولي شيئاً في استنباط الأحكام الشرعية ولا يترتب على النـزاع فيها ثمرة ومنها :
أ – البحث في مبدأ اللغات هل هو توقيفي أو اصطلاحي .
ب – هل كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجتهد أو لم يكن له ذلك .
ولقد كان مما وضعه علماء الأمة الإسلامية من القواعد ما هو مبني على عمومات الشريعة وبالنظر إلى مقاصدها وأهدافها .
ولقد كانت هذه القواعد ملائمة للعصور التي وضعت فيها أو قريبة من الملاءمة ومن ذلك ما وضع من شروط وضوابط لحصول الإجماع .
وهي منذ أزمان طويلة يصعب تحققها في الخارج ولذا ذهب نفر من العلماء إلى أنه لا يتصور وقوع الإجماع إلا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ويحق لهم أن يذهبوا لهذا الرأي لأن الشروط الموضوعة لانعقاده لا يتصور معها إلا ذلك و على هذا لم يعد الإجماع مصدراً من مصادر التشريع منذ عهد الصحابة إلى الآن ، مع أن واقع الفقهاء منذ زمن بعيد يستعملون كلمة الإجماع في كتبهم الفقهية في غير موضعها الاصطلاحي الذي دونت شروطه وضوابطه في كتب أصول الفقه فنجدهم يقولون : أجمع العلماء على كذا إلا فلانا مع أنهم ذكروا في كتب أصول الفقه أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين ولذا لا بد لنا من أحد أمرين الأول منهما عدم تسمية ما خالف فيه الواحد والاثنان إجماعاً أو إلغاء هذا الشرط .
أما أن تبقى هذه الشروط مدونة في كتب أصول الفقه ونبقى نطلقه على ما فيه خلاف يسير فهو من التناقض الذي لا بد من إيجاد مخرج منه .
كما أنه لا بد من تسخير الوسائل العصرية المتاحة وتذليلها لخدمة هذا الأصل وذلك بقيام كل دولة من دول الإسلام بحصر ما عندها من مجتهدين ومعرفتهم بأعيانهم للرجوع لأخذ رأيهم فيما يستجد للأمة من حوادث في حاجة لحكم الشرع .
فإن حصل الإجماع كان ذلك خدمة لهذا الأصل العظيم من أصول الشريعة وإن لم يحصل كان ذلك أيضاًَ خدمة لأصل آخر عظيم من أصول الشريعة ألا وهو الاجتهاد .
ومن أعظم ما يحتاج إلى إعادة نظرٍ من مباحث أصول الفقه ما يتعلق بالاجتهاد وعلى الأخص شروط المجتهد ومن يجوز له الفتيا ومن لا يجوز له .
لقد وضع علماء الأمة شروطاً للمجتهد في العصور المفضلة التي كانت تعج بألوف من جهابذة العلماء ولذا وضعوا شروطاً يمكن تحققها في آلاف العلماء في زمانهم ولكن من العسير تحققها في علماء هذه الأزمان فنتج عن هذا أن الشروط التي دونت في الكتب أصبحت معطلة لأنه يصعب تحققها في الواقع ولذا كان من الواجب التنازل عن بعض هذه الشروط وخاصة وأنها اجتهادية لا نص عليها كما أنه يحسن إضافة غيرها مما يتلاءم مع واقعنا مما استجد في حياتنا من تكنولوجيا حديثة تخدم هذا المصدر العظيم من مصادر التشريع .
في عهد الصحابة والتابعين كان يطاف بالفتوى على الجمع منهم أياماً كل يحيل على غيره تورعاً وخوفاً من أن تزل الأقدام بعد ثبوتها وتعظيماً لشرع الله واستشعاراً لعظم المسؤولية مع كثرة من تتوفر شروط الاجتهاد فيهم وكان سادة العلماء يُضربون ويسجنون على قبول القضاء فلا يستجيبون – وهم أهل لذلك – لأن الأمر غير متعين فيهم حيث يوجد من يكفيهم المؤنة ويسقط به الفرض الكفائي . ثم تغير الحال وأصبح في المجتهدين قلة فتصدى للاجتهاد من لا يعرف من أمر الشرع إلا رسمه وليس له من الاجتهاد إلا اسمه ، فلا يكاد تطرح قضية تحتاج إلى حكم الشرع فيها إلا وكثرت الدلاء ممن خلت قلوبهم من الإيمان وعقولهم من العلم فلم يعفروا جباههم تذللاً لله ولا عمروا قلوبهم بكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فارتقوا منـزلة ليست لهم .
ومنذ عصور غابرة ظهر اهتمام بعض علماء الشريعة بفن من فنونها دون فن مع حصوله على قاعدة مشتركة بينها ، فقامت صيحات تدعو إلى أن الاجتهاد محصور فيمن ينتسب للفقه من علماء الأمة وقامت أخرى تدعو إلى أن الاجتهاد محصور فيمن ينتسب لأصول الفقه ، وادعى علماء الكلام أنهم فرسان الاجتهاد وأهله لمالهم من طول باع في المناظرات والجدل والحجاج .
ونحن في هذه الأيام تغير حالنا وأسلوب تعليمنا فانتشر التخصص بأحد علوم الشريعة بعد الشمول والعموم ، وانطلق طلاب العلم من التقليد الذي ضرب على الأمة عصوراً طويلة ، وأصبحت القدرة عند طالب العلم على سبر الأمور ومعرفة غورها وموازنة الآراء ومقابلتها ، أرى أنه بناء على ذلك لا بد من إعادة النظر في وضع ضوابط الاجتهاد وشروطه بما يتناسب والواقع الجديد الذي أصبحت شروط الاجتهاد التي وضعت قديماً يتعذر توفرها في شخص واحد ، بل يمكن توفر بعضها في شخص وبعضها الآخر في شخص آخر وقد بدأت تلوح في الأفق الآن ظاهرة أخرى جديرة بالدراسة وهي تخصص بعض أهل العلم في باب من أبواب الفقه يحيط بكل ما فيه من نصوص شرعية وفتاوى سابقة ويبحث عن كل ما استجد فيه من أنواع وصور لم تكن في عصور الأمة السابقة فيحصر همه وجهده فيما يتعلق به لأن الهمم قد كلَّت عن الإحاطة بجميع علوم الشريعة وأبوابها وفصولها من الشخص الواحد ، ولذا قد يكون هذا حلاً له وجاهته إن لم تظهر له سلبيات .
ومن الأمور المطروحة في ميدان الاجتهاد (الاجتهاد الجماعي) خاصة ونحن في عصر سَهُلَ فيه الالتقاء بما أنعم الله به على البشرية من وسائل اتصال وانتقال ينبغي تسخيرها لشرع الله .
فلا بد من وضع الضوابط والشروط لذلك ومن يُسمع قولُه ومن لا يُسمع قولُه في ذلك ، فلا يكون الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل من هب ودب من أنصاف المتعلمين والمارقين من الدين الذين لا يعظمون شعائر الله ، وليس من حرية الفكر الذي يلوح بأعلامها دعاة الحرية أن يتولى إصدار الأحكام الشرعية من لا يكاد يقيم لسانه بفاتحة الكتاب فيفتي بشيء رآه في كتاب لا يدري قَصْدَ قائله ولا يعرف دليله ، وقد يروي المنفي مثبتاً والمثبت منفياً فيعبر عن الشيء بضده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وإنني أشاطر الأخ الدكتور حسن في دعوته للاجتهاد الجماعي لأن النظر الجماعي أسد والنتيجة فيه أحكم وأقرب للصواب والحق ، بخاصة إذا خضعت الآراء للنقاش والمناظرات بهدف الوصول للحق لا لنصرة المذهب والرأي ، كما أن هذا النقاش يؤدي إلى تقارب الآراء وتضييق هوة النـزاع والاختلاف إذا خلصت النية ونبل الهدف والآراء لا يظهر لقائليها زيفها إلا إذا عرضت على الآخرين .
كما أنني أشاطره فيما دعا إليه من تدخل ولي أمر المسلمين بإلـزام جماعة المسلمين بما رجح من الأقوال بعد النظر والنقاش في أبواب المعاملات بخاصة لأنه لا يقطع الشغب إلا هذا ، ولو ترك كل قاضٍ وما توصل إليه أصبح الناس في شغب وفوضى كل يريد أن يتحاكم إلى القاضي الذي يظن أن حكمه يوافق مصلحته ،وهذا بشرط أن يكون مَن ولي أمر المسلمين ممن كان هواه تبعاً لما ورد عن الله سبحانه ، وأما أمور العبادات وعلاقة الناس بربهم فكل يتعبد الله بما رجح عنده ولذا حرَّم العلماء على المجتهد تقليد مجتهد آخر ويجب عليه العمل بموجب اجتهاده إلاَّ إذا كان للأمر التعبدي دليل واضح ويترتب على مخالفته مفسدة كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في توعد من يخالف العمل بحديث التقاء الختانين الذي روته عائشة ومن يقول بمتعة الحج ومتعة النساء .
وقد يكون مما يحتاج إلى النظر ما يجرح به الشاهد والراوي مما ذكر في كتب المتقدمين من الأصوليين مما هو مأخوذ من العرف ولم يرد فيه نص وخاصة وأن الأعراف تتغير وتتبدل فما كان جارحاً عند قوم لا يكون جارحاً عند آخرين .
وأما ما دعا إليه الأخ الدكتور حسن من العمل بالقياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الإغريق وتلقفها علماء أصول الفقه فإنني لا أوافقه على هذه الدعوة لأن القياس الفقهي يختلف تمام الاختلاف عن المنطق الصوري ولا يمت له بصلة لا في ماهيته ولا شروطه وأركانه فالمنطق الصوري مبني على إدراج جزئي تحت كلي وهم يدعون أن نتائجه قطعية إذا رتبت المقدمات ترتيباً صحيحاً لا يمكن أن تختلف النتيجة فيه .
وأما القياس الفقهي فهو مبني على إلحاق فرع بأصل يوجد له حكم ثابت لوجود وصف جامع بينهما يسمى العلة وهو ظني النتيجة إلاَّ إذا كان الفرع في معنى الأصل تماماً .
وما وضعه علماء الأصول له من شروط وأركان وقوادح فإنها مرنة جداً يستطيع أن يتعامل معها كل مجتهد بما يتناسب مع مذهبه من التوسع في التطبيق أو عدم التوسع ،والذي يخشى من تقليل ضوابطه وشروطه أضعاف أضعاف ما يخشى من الضوابط والشروط الموضوعة ، فتجريده من القيود والشروط كلاً أو جزءاً عاقبته وخيمة قد تتخذ ذريعة للمروق من الدين أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك .
وقد بنى الأخ الدكتور حسن على قاعدة استصحاب حال البراءة الأصلية وأن الأصل في الأفعال الحل أن كل ما تطوقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة ص 28 فقد يكون لهذه العبارة محملاً صحيحاً ولكن الناس قد تتعلق بظواهر الألفاظ وتستعمل العموم الذي فيها وإن لم يكن مقصوداً لقائله فقد تُوهم هذه العبارة أن الأمر على إطلاقه فيجد الصوفي في العبارة ما يبرر ما استحدثه من عبادات لم يقم عليها دليل شرعي ولذا أحببت أن أنبه أن هذا العموم مقيد في العبادات بقيود كقوله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولقوله للنفر الثلاثة الذين استقالّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من رغب عن سنتي فليس مني ) وغير هذه كثير .
ولكل ما ذكر فإنني أرى أن الدعوة إلى تطوير أصول الفقه دعوة جديرة بأن يتلقاها علماء الأمة وعلى الأخص المختصون في أصول الفقه بالترحاب والتفكير الجدي والتخطيط المثمر للشروع في هذا العمل بعد عقد المناظرات والندوات لتظهر جوانب الموضوع وتتضح الرؤيا ، وخيار الأمر دائماً الاعتدال فلا تقوقع ولا جمود يجعل التشريع متخلفاً وعاجزاً عن مسايرة ركب الحياة المتجدد ، ولا تهور ولا تحلل يؤدي إلى المروق من الدين فخير الأمور أوسطها ، قال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .
اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وألهمنا رشدنا ، ويسر لهذه الأمة من يُحكمِّ فيها كتابك وسنة نبيك ويسلك بها مسلك الخلافة الراشدة إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



--------------------------------------------------------------------------------

الورقة الثالثة :الشيخ يوسف بن محمد الغفيص
" أصول الفقه بين الثبات والتجديد"
البعد الفكري ، والإمكان العملي
قراءة في السببية المطالبة ، وأوجه الإمكان التطبيقية التجديدية

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله وآله وصحبة أما بعد :
فإن تحديد رؤية علمية أمام هذه الفرضية (( تجديد أصول الفقه )) يرتبط بوجود إمكانية مؤهلة من حيث المنهج النظري ، والواقعية التطبيقية لإجراء حوار يتطلع لقراءة مراجعة للكتابة الأصولية التاريخية.
هذه المبدئية أو الاتجاه على أقل تقدير يعطي مراجعة للسببية المطالبة بتجديد أصول الفقه، وربما كان من الرسم الصحيح للشكل العلمي: أن هذه الدعوة إنتاج(للعقل المنفعل حضارياً) أو (للعقل المدني المتحول) وفي تقديري : أن هذا العقل عقل ذرائعي افتراضي بدرجة ذوقية عالية !! ومقدّر: أنه يواجه أزمة تكوين ، وليس أزمة تطبيق ، وليس على علاقة معتدلة مع التراث الإسلامي من حيث الولاء والتصور .
من هنا فإن هذه الفرضية العلمية في شكلها الحضوري لا تحمل إلحاحاً ذاتياً من داخل علم ((أصول الفقه)) أو حتى معطيات علمية وتاريخية قادرة على ترسيم هذا الافتراض .
هذا الإنتاج لا يعني أن (علم أصول الفقه) علم متعالي على التجديد والمراجعة والتصحيح في سائر جزئيات بنيته ، بل هذه مراجعة متاحة ومؤهلة علمياً وتاريخياً بل وممارسة داخل هذا العلم أو عند من قرأه من كبار علماء ونظار المسلمين الذين كتبوا في التصحيح الأصولي .
ثمت فرق بين رؤية تقع استجابة لفرضية حضارية أو أزمة تكوينية فكرية وبين الاستجابة لواقعية علمية تاريخية أو حتى حظورية طارئة . هذا الفرق لا يتمثل في القراءة السببية المجردة بل يرتبط به التكوين التطبيقي ولو بمعدل اللغة التعاملية الأولية . ومن هنا فإن الكشف عن حقيقة هذه الدعوة داخل رؤية واتجاه العقل المدنى المتحول سواء كان في اتجاه ما يسمى "اليسار الإسلامي" أو "العقلاني الحر" أو "الوسط الحداثي" يعد قيمة مهمة في تقييم هذه الدعوة التي يحاول رموزها الفكرية المتحولة إقصاء الاتجاه الوسط الإسلامي المحافظ عن الامتياز التأصيلي .
حسب التقدير الشخصي : فإن الدعوة إلى (تجديد أصول الفقه) بهذه الدرجة من العمومية ، والنسق الفكري الذي ترفع فيه هذه المطالبة جاءت محاولة تجاوز للتنظيم التشريعي المذهبي القائم في القرون الإسلامية ، والممتد في الواقع المعاصر ، أو بعبارة أكثر تطبيقية مع الواقع الثقافي : محاولة تحييد النظامية التشريعية التي يمثلها الوسط العلمي المحافظ عن الممارسة التطبيقية المعاصرة ، وإعطاء واقعية معرفية لحرية العقل المتحول في كثير من الأوساط الثقافية العربية أو حتى في اليسار الثقافي الإسلامي لتجاوز المنهج العلمي الوسطي الذي مثله الفقهاء الأوائل، وهذه التوافقية بين هذين التجمعين الذي ربما صح أن نسميهم : رواد هذه الدعوة ليست توافقية منهجية ، وهذا منطق عدلي يجب أن يكون واضحاً ، فمن المؤكد أن "اليسار الإسلامي" أكثر تعقلاً بل لا يمكن أن يؤهل "العقل الحداثي" لمعادلة تعاملية تجاه هذه الدعوة مع كل الأشكال الإسلامية . لكن ربما كان مهماً أن ندرك أن هذه المطالبة ، أو بتصورية أكثر : الافتراض التحويلي لأصول الفقه ، ليست محاولة علمية داخل التجمع العلمي التخصصي أو اعتباراً شرعياً داخل التمثيل الإسلامي التعددي القائم ، وإن كنا ندرك أن هناك مناقشات وربما إيحاءات قبولية أو رفضية قائمة في هذين المسارين لكن البعد الثقافي المعاصر في أشكاله الاتجاهية الفكرية يتعامل مع هذه الفرضية كنظرية يحاول أن يسجل لها استجابة داخل التجمع العلمي التخصصي أو داخل التطبيق الإسلامي التعددي أي : خلق سببية معرفية أو شرعية ، ورغم وجود مقتضيات نسبية في المحورين فإن تجسير العلاقة مع العقل الوضعي أو العقل المتحول يمثل تسرعاً ولو بمستوى التصويت الأولي لصالح تصحيح النظرية ،وهنا يمكن أن نسجل رفض القبول لهذه الدعوة التي تقع تحت رؤية فكرية متحولة،وليست على علاقة مناسبة مع التراث الوسطي المحافظ بل يكون هذا ضرورة منهجية لازمة التحقيق.
إن هذا العلم الذي بدأ التصنيف فيه – حسب رأي الأكثرين خلافاً لبعض الأحناف – الإمام محمد بن إدريس الشافعي ، في كتابه المسمى : بالرسالة . والتي كانت محاولة وضع قاعدة توافقية بين "مدرسة المحدثين" و"مدرسة الرأي" في التداول الفقهي ، حيث كان في تلك المرحلة التاريخية بعض الامتياز بين هاتين المدرستين في التحصيل الفقهي مع كثير من التوحُّد في أصول التلقي والاستدلال.
وبإمامة الشافعي العلمية المتعددة مثلت رسالته التي أرسلها إلى الإمام عبد الرحمن بن مهدي المحدث ، واقعية تطبيقية تمثلت بعد عصر الشافعي في النظم العلمية المكتوبة في المذاهب الفقهية الأربعة في الفقه وأصوله .
ويدرك القاري لكبار كتب الفقه عند الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة وكذا كبار الكتب الأصولية أن ثمت توافقية في اعتبار نظم التشريع وأصول الاستدلال وكثير من نتائجه وفروعه مع امتياز حاصل نتيجة معطيات متعددة علمية ومذهبية وغيرها ، وربما صح أن بعضاً من الاميتاز المسجل تاريخياً بين المذاهب لأربعة كان مرتبطاً بالطائفية التي تمثلت في التمذهب الشمولي والتعصب والتقليد عند كثير من أتباع الأئمة .
فهو إلى حد كبير لم يكن موقفاً علمياً محضاً فضلاً عن كونه ضرورة منهجية مذهبية تستلزمها الأصول المتحققة عن الإمام المتفقه على مذهبه كمالك والشافعي . بل بعض من الامتياز وإن كان له بناء ورسم علمي إلا أنه ولائي بنسبة مقدرة من حيث التكوين .
ولست ترى أن الأئمة الأربعة يمارسون هذا الامتياز بنفس الدرجة التي يمارسها كثير من أتباعهم ولا سيما متأخريهم .
ومن هنا فإن المحققين من علماء الإسلام الكبار لا يرون تفضيل أحد هذه المذاهب الأربعة في النظم الأصولية أو الفروع الفقهية المحصلة تفضيلاً عمومياً من حيث الأصل بل يرون ثمت تحقيقاً تفاضليا نسبياً بحسب الأبواب المقررة في الفقه وأصوله . كتقديم أحد هذه المذاهب في قواعد القياس والعلة و السبب، أو دلالات الألفاظ ، أو ترتيب و توفيق الأدلة المختلف فيها ونحو ذلك ، وكذا في الأبواب الفقهية كتقديم مذهب في مسائل الطهارة وآخر في المناسك وآخر في الأطعمة و هلم جرا . ومع هذا فلا يقع هذا التفضيل في سائر المسائل المقولة باطراد بل يكون هذا من حيث الجنس الذي يتخلف بعض أفراده . والناظر في كتب الفقه و أصوله يرى تداخلاً في كثير من الفروع والقواعد التطبيقية بين هذه المذاهب فضلاً عن التوافق في أصول الاستدلال ، وجماع الفروع المتفق عليها ، و بخاصة بين الشافعية والحنابلة في الفروع الفقهية ، وبين الشافعية والمالكية المتأخرين في كتب الأصول هذا التداخل الثاني بفعل الجمع المنهجي الكلامي الذي انتجته مدرسة الأشعرية التي أكثر ممثليها من الشافعية ثم المالكية ، حتى أطلق كثير ممن كتب في تاريخ أصول الفقه : أن ثمت طريقتين للتأليف فيه : طريقة المتكلمين الممثلة عند علماء الأصول من الشافعية و المالكية في الجملة ، وطريقة الفقهاء التي تضاف للأحناف ، ويذكر كثيرون وجود منهج توفيقي بين الطريقتين . وهذه القراءة التاريخية في التصنيف المنهجي لصياغة هذا العلم فيها مراجعة ، وعليها سؤالات ليس هنا إمكان للحديث عنها .
لكن المهم قوله هنا : أن أكثر كتب أصول الفقه التي يجري التعامل معها في هذا العصر ، بمعنى : أنها ورقة القراءة المفترضة ، مكتوبة بتكوين علمي مركب إلى حد الاختلاف إذا اعتبرنا الأصول التجذيرية لهذا التركيب ، حيث مثل "علم الكلام" الذي استعمله المعتزلة ثم الأشاعرة و الماتريدية في التقرير العقدي أثراً في التقرير والصياغة الأصولية ، وإن كان ليس بنفس الممارسة العقدية ، لكن حين تقرأ البرهان لأبي المعالي الجويني أو المستصفى لأبي حامد الغزالي أو المحصول لابن الخطيب الرازي أو الأحكام للسيف الآمدي وهم من أعيان الشافعية الأصولية ، المتكلمة على الطريقة الأشعرية أو في المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي الحنفي وترى رسم أصول الفقه عند هؤلاء المصنفين و أمثالهم من أعيان علماء الكلام فهنا يكون من الواضح أثر هذا العلم في صياغة أصول الفقه فضلا عن استعمال المنطق الأرسطي المترجم كآلية للتراتيب الأصولية عند كثير من المتكلمين المصنفين في الأصول ، وربما صار هو قانون العقل كما هو اتجاه الغزالي . وإذا أخذنا الاتجاه المذهبي الفقهي وجدنا أنه يُشكل مع الاتجاه القانوني ( الكلامي ـ المنطقي ) تركيباً متمايزاً ليس أثره يختص بصنعة الحرف والكلمة ،ونسق الصياغة بل يتحصل له أثر في النتائج العلمية، وانقطاع التواصل أحياناً مع المذهب الفقهي ،و ربما صح أن نقول : إن هذا الترتيب المتمايز شكّل العقل الأصولي في الطور الثاني بعد الشافعي .
وهنا من الصعب أن تقرأ علاقة تمامية بين الفقه الذي قرره الشافعي وأئمة أصحابه المتقدمين ، والأصول التي نظمها للمذهب أمثال الجويني والغزالي و الرازي . وهذا مطرد مع كثير من الأصولين من أصحاب مالك المتأخرين وكذا بعض الحنفية كأبي الحسين البصري صاحب المعتمد بل وجمع من الحنابلة وإن كانوا أكثر تسالماً مع فقه إمامهم وأصحابه الأوائل لأن علم الكلام لم يستعمل منهجاً عند الحنابلة كما وقع في غيرهم وإن كان هناك ممارسات كلامية لبعض الحنابلة أو ما هو من النقل الذي دخل عليهم من التحصيل من كتب الأصول التي صنفها متكلمون .
هذه قراءة طويلة بل ومعقدة لكن ربما كان مهماً أن نعرف بعض حركة التركيب التاريخي لهذا العلم .
و حينما نحاول أن نقرأ الأمور حسب مساحتها القائمة فلا يعني أننا نمارس حركة الإغلاق من الداخل لأي مشروع تجديدي ، لكن من الحق أن نعي أن التراث العلمي الأصولي قيمة راقية ، ومع ذلك ففيه مساحة للمراجعة والتجديد حسب قواعد الشريعة و مقاصدها المتقررة في الكتاب والسنة وليس حسب الذوق الفكري المتنصل من الولاء العلمي التاريخي.
إن التجديد فضيلة شرعية ، وهو مصطلح مشرق يعني التخلص من سلطة النفس،والتقليد، والتعصب لما هو بمقتضى أصول الشريعة ليس مؤهلاً لهذا الإلحاح مما هو داخل دائرة الخلاف و الاجتهاد عند أئمة الإسلام وفقهائه إلا أن من المتحقق أن التجديد في هذا العلم ليس فضيلة معاصرة تمثلها دعوة أو اتجاه بل هو ممارسة سابقة على يد كثير من محققي علماء الإسلام ، ومن أخص ذلك الإشارات التي نقد فيها الإمام ابن تيمية في موارد من كتبه كثيراً من المسائل المكتوبة في كثير من الكتب الأصولية و بخاصة ما تحصل بأثر علم الكلام . ويعد ابن حزم من أخص من كتب في هذه المراجعات في مصنفه الأصولي " الأحكام " وإن كانت مراجعته رسماً مذهبياً لأصول الظاهرية أكثر من كونها تصحيحاً بأصول متقررة عند الأئمة المتقدمين كما هو منـزع الإمام ابن تيمية .
بل إنك تقرأ داخل المحور الأصولي نفسه قراءة حوارية أو جدلية بين الأصوليين حسب الإملاء المذهبي العقدي أو الفقهي . ويعد الشاطبي من كبار المراجعين في القراءة و الصياغة الأصولية . صحيح أننا قد نحاول أن نبحث عن تجديد آخر في أصول الفقه أو نستكمل هذه المراجعات هذا لا يبدو مشكلاً ،والتاريخ لا يمكن أن يغلق باب الاجتهاد و التجديد في لحظة معينة ، والأمة لا تزال بحاجة إلى التطوير العلمي ، وحين ننتقد الدعوة المعاصرة " تجديد أصول الفقه " المطروحة في أوساط فكرية معاصرة مختلفة بل ومتناقضة أحياناً فمن "اليسار الإسلامي" إلى "الاتجاه العقلاني الحر" ، إلى "الوسط الحداثي" الذي يحاول بمثل هذه الدعوة تسجيل مصداقية تصحيحية لأنموذجه المختار ، و ثمت أشكال ثقافية أخرى متبنية أو متعاطفة مع هذه الدعوة فهنا يفترض أن نكون أكثر وعياً بسببية هذا النقد فليس هو إنتاجاً لرفض التجديد ، أو محاولة لرسم الإغلاق الثقافي ، أو مشاكسة للإبداع بل محاولة قراءة للأمور كما هي ، وكما تستحق دون مزاحمة عواطف التاريخ القبلية و الحضورية .
إن نقد هذه الدعوة إلى حد الرفض في إطارها الفكري السابق يعد ضرورة منهجية ولزوماً شرعياً.
يبدو من المهم كثيراً أن نتصور مناط التجديد و محوره قبل ترتيب الحكم فحين نتحدث عن التجديد في مشروع إسلامي تعاملي ، أو حركي ،أو وسائلي يرتبط بالواقع الدعوي أو الاجتماعي أو التربوي فهنا ندرك أننا في مساحة واسعة حسب الاجتهاد الشرعي القائم لكن حين نتحدث عن مشروع تجديدي مقدم من دوائر فكرية متقاطعة مع المنهج الشرعي الوسطي المحافظ فهنا يفترض أن نفكر بطريقة واعية وأن ندرك أننا في مساحة ضيقة و معقدة التركيب ، وأننا أمام رؤية تأسيسية ،ومن الصعب أن توجد رؤية تصالحية بل نكون أمام حتمية الرفض كضمان منهجي .
من المهم أن نتجاوز في هذه الورقة لغة الشعارات الحضارية قبولاً أو رفضاً و ألاّ نقرأ هذه الفرضية في التجديد قراءة ذوقية . ومن المهم تماماً أن ندرك أن هذه الدعوة تحمل بعداً فكرياً يمثله معارضون للمنهج السني المحافظ بشكل كبير.
إن هذه الدعوة " تجديد أصول الفقه " في الأوساط الثقافية الفكرية المعاصرة المتمثلة فيما يسمي اليسار الإسلامي ، و الاتجاه العقلاني الحر ،والوسط الحداثي يرى رموز كل اتجاه فيها محاولة لتجاوز المسار المحافظ المعتدل في الوسط الثقافي بسلطة قانونية ، وهنا يمكن أن نتصور أننا نتحرك في المسار التكويني التأسيسي المنهجي، ولسنا أمام قبول أو رفض التجديد و الإبداع .
في التقدير الشخصي فإن مشروع " تجديد أصول الفقه " لا يمكن أن يكون له قاعدة أولية يفضّل المصادقة عليها كفضيلة مجردة وهي " قبولية التجديد " هذه المبدئية فرضية ذهنية كلية لا تتجاوز إلى العقل التصوري. أي : أن تجزئة المشروع لا يمكن أن يكون له وضوح في التطبيق العلمي .
إن إعطاء حكم لدعوة تجديد علمية يرتبط بتصورين :
أ ـ معرفة السببية المطالبة بهذا التجديد .
ب ـ معرفة القدر الذي تتمتع به هذه الدعوة من حيث الإدراك و التصور و الفهم ، أي : نسبة الوعي بهذا العلم في العقلية المطالبة.
وهنا يكون الحكم المنتج أكثر عدلية بين التراث و التجديد .
وهنا نقول : إن القاري لكتب أصول الفقه و التراث الأصولي و لا سيما في طوره الثاني بعد الشافعي الذي يعد الأخصب من حيث سعة التصنيف يدرك أن ثمت تركيباً علمياً في التكوين والبناء يصل أحياناً إلى حد الانعقاد ، وترى أنه رسم بطريقة نظرية مرتبطة بالنص ، والمذهبية الفقهية ، والاتجاه العقدي ، والصنعة الكلامية والمنطقية واللغة العربية و مادة من اللسانيات ، وهذا التكوين جعل كثيرين حتى من المثقفين لا يتمتع بقدرة كافية لقراءة هذه المصنفات بإدراكية مناسبة ، وصار هذا العلم ينغلق تفصيله على الكثير أو الأكثر لضعف الامتياز العلمي و الثقافي حتى إنك ترى في الأكاديميات العلمية المتخصصة جمعاً من المختصين في دراسة الفقه المذهبي أو المقارن ليس على علاقة متناسقة مع التصنيف الأصولي المذهبي أو المقارن كنظام يطبق بصورة بنائية ترتيبية . وهذا وإن كان له سببيات أخرى إلا أن هذا المؤثر أكثر وضوحاً ، و ترى في المختصين بالدراسة الأصولية من لا يتمتع بملكة فقهية تطبيقية حسب قراءته الأصولية .
هذه الإشارة ليست نقداً يوجه للواقع الأكاديمي المتخصص بشكل مقصود لكنها محاولة قياسية لتقرير : أن الوسط الثقافي المطالب يواجه أزمة في سببية المطالبة، وأيضاً في الوعي الإدراكي العلمي الذي يواجه حتى المتخصص في الدراسة الأصولية .
ومن العدل و الإنصاف أن في التجمع المتخصص والثقافي قرّاء ذوي امتياز متقدم في التصور المعرفي لهذا العلم .
لكن حينما تكون المطالبة تواجه أزمة وعي معرفي بهذا العلم فهنا يمكن أن نتصور : أنها مطالبة ذوقية ذرائعية تقع عند كثيرين محاولة استجابة لتجاوز مرحلة من التكوين الفكري .
إن الكتابة في أصول الفقه بطريقة إبداعية يحتاج لثراء علمي ، وهذا ليس إنتاجاً لطبيعة التصنيف الأصولي بل هو حقيقة ذاتية يتمتع بها هذا العلم وهنا يفترض لمن يحاول رسم مشروع علمي أصولي أن يراجع قاعدته العلمية بدرجة كافية !!.
و يمكن ألا نكون مبالغين في التشكيك بوجود تأهيل معرفي داخل كثير من الأوساط الفكرية المطالبة يمكن أن يمارس مصداقية معرفية في مشروعه المقترح إلا إن كان محور مشروعه تقويض البناء الأصولي!!!؟.
وحسب التقدير الشخصي فإن قراء التراث المعرفي بصورة تكاملية في هذه الأوساط لا يمثلون عددية تستطيع أن ترفع شعارات جادة في الوسط الثقافي المتحول .
وإذا كان العقل المدني المتحول يريد أن يعي ذاته ، فمن الضروري أن يعترف بهذا الحق لكل من يتمتع به حتى ولو كان تاريخياً مارس حريته في مرحلة تاريخية فربما كان مؤهلا للاستمرارية ،والوعي والحرية غير مرتبطة بالتسلسل التاريخي . فمن الصعب أن يفرض العقل المتحول سلطة على مساحة الرأي كلها . والعقل الإسلامي الوسطي المحافظ هو الأساس و الصانع لهذا الانتاج فمن المهم أن يمارس سلطته .
إن الصياغة لأصول الفقه تتطلب ثراء علمياً في النصوص و مقاصد الشريعة ولغة العرب وقواعد العقل الإسلامي و سعة علم بأقوال الفقهاء ، و قواعد المذاهب ، ومتطلبات في القدرة والعبقرية بل وإرادة صادقة متدينة .
إن علم أصول الفقه علم متدين وهذا امتياز وليس إشكالية يحاول تجاوزها باسم التجديد . ومع هذه المحاذرة والتشكيك بل رفض التعامل و القبول لهذه الدعوة التي تمثلها اتجاهات فكرية غير متواصلة مع التراث والمسار الوسطي المحافظ المعتدل فإن الفضيلة الشرعية " التجديد " تبقى امتيازاً يخاطب أهل العلم و الاختصاص بتطبيقه حتى في هذا العلم علم أصول الفقه ، و ربما كان من اللغة الخطابية أن نقول : إن التجديد الفاضل هو التجديد في أصول الفقه وليس تجديد أصول الفقه .
إن هذا العلم من أخص تراث الأمة ،والقارئ له يدرك أنه صياغة راقية للنظم الشرعية بل وصياغة للعقل الإسلامي ، وأنه مؤهل في الجملة للاستمرارية في هذا العصر الحضاري إذا كنا نتعامل مع هذا العلم بوعي وإدراك ، ووضوح في المقاصد . حسب التقدير الشخصي فإن هذا العلم بتكوينه التاريخي لم يواجه مشكلة حضارية أو يصطدم بها ، بل هو صياغة علمية شمولية مؤهلة لاستيعاب الطارئ والنازل حسب الإملاء الشرعي الذي بنى عليه هذا العلم ، وليس حسب رؤية "العقل المدني المتحول" المقطوع أو المتنصل من التراث ، الذي يحاول تجاوز المسار المحافظ المعتدل من الداخل .
وهذا لا يعني أنه علم مغلق عن الدراسة و المراجعة والتصحيح حسب قواعد الشريعة وأصولها بل يعد هذا العلم أخصب العلوم المصنفة تصنيفاً شرعياً للمراجعة و التنقيح نظراً لتعدد مادته التكوينية وتأثره بأكثر من محور معرفي ،ومن المناسب هنا أن أشير إلى موارد المراجعة والتصحيح الممكنة بل والمقترحة في كثير من كتب أصول الفقه المصنفة من قِبل كثير من أتباع الأئمة :
1- المورد العقدي في جملة من المسائل الأصولية التي ذكرها متكلمة المعتزلة المصنفين في أصول فقه الحنفية ، وذكرها متكلمة الأشعرية المصنفين في أصول فقه الشافعية و المالكية كالجوينى وأبي حامد الغزالي و الرازي وهم من الشافعية و أمثالهم .
ولعل من أخص مسائل هذا المورد كثير من المسائل المذكورة في التكليف و أحكام خطاب الشارع و حكم العقل ، وهذا يغلب عليه أنه نتيجة لمقولات عقدية يذكرونها في كتب أصول الدين التي صنفوها لتقرير المذهب العقدي عند المعتزلة والأشعرية ، وأكثرها يلحق بترتيب على القول في مسائل القدر والإرادة والتعديل و التجويز التي بحثها أمثال القاضي عبدالجبار بن أحمد المعتزلي في كتبه العقدية كالمغني و شرح الأصول و المحيط بالتكليف وشرحها علماء الأشاعرة المتكلمة في مثل التمهيد للقاضي الباقلاني والشامل و الإرشاد للجوينى ونهاية الإقدام للشهرستاني و أصول الدين للبغدادي والمطالب العالية ونهاية العقول و الأربعين لابن الخطيب الرازي ، وغاية المرام للآمدي وغيرها . وهذه التراتيب على المقولات العقدية لا تختص بهذه المسائل بل ثمت أثر عقدي في مسائل أخرى .
وهنا إشارتان :
أ ـ أن هذه التراتيب ليست لازمة في بعض الأحوال لما اعتبرت به من المقولات العقدية ، وهذا ما قرره الإمام ابن تيمية في كلامه عن جملة من مسائل التكليف الأصولية التي بنيت على الخلاف العقدي في القدر بين المعتزلة و الأشعرية وهذا المعنى أشار إليه بعض محققي نظار المتكلمين و الأصوليين ، و ثمت قدر من هذه التراتيب هو معتبر بالمقولات العقدية بلا منازعة .
ب ـ أن هذه التراتيب المبنية على المقولات العقدية تصاغ كثيراً في الكتب الأصولية خلافاً بين الحنفية والشافعية و تراها من حيث المبنى أو الذكر خلافا بين المعتزلة و الأشعرية في الكتب العقدية ، وعند التحقيق فإن أئمة المذاهب الفقهية كالشافعي و أبي حنيفة ليسوا على اتصال بهذا التقرير الأصولي المرتب وكذا كبار أصحابهم المتقدمين ،ويقع في كثير من كتب الأصول المتأخرة مقالات مخالفة لمذهب الأئمة المتقدمين -الأئمة الأربعة وغيرهم هي عند التحقيق مقالات للمعتزلة أو نحوهم من الطوائف الكلامية المخالفة لمقالات أئمة السلف أهل السنة والجماعة.
2-المورد الثاني المؤهل للمراجعة والتصحيح في الكتب الأصولية : تأثر كثير من هذه الكتب ولا سيما في الطور الثاني من تصنيفه بعلم الكلام .وهو علم أنتج من قبل جملة من النظار لتقرير رأيهم العقدي في الإلهيات من حيث الأصل ثم استعمل في مسائل القدر ،واستعمله كثير من متأخري المتكلمين في تقرير مسمى الإيمان و جملة من مسائله .
وقراءة هذا العلم من التكوين ليس هذا محل يراد له إلا أن من المتحقق أن أئمة المذاهب من المحدثين والفقهاء الأوائل كانوا طاعنين في هذا العلم ومن هؤلاء الأئمة الأربعة ( أبو حنيفة ومالك والشافعي و أحمد ) و كبار أصحابهم المتقدمين ، وطعن هؤلاء في هذا العلم محفوظ بالأسانيد التي رواها المصنفون في أصول السنة من كبار أصحاب الأئمة ، وقد ذكر أبو إسماعيل الأنصاري الهروي نقلاً متواتراً عن الأئمة المتقدمين في ذم هذا العلم في مصنفه " ذم الكلام " وقد صرح بهذا التحقق كثير من حذاق متكلمة الأشعرية كالجويني و الغزالي و الشهرستاني ، لكنهم يتأولون مقصد الشافعي وأمثاله في ذمهم بما لا ينافي اتخاذهم له مع انتحالهم قول الشافعي في الفقه وأصوله .
وهذا العلم " علم الكلام " قد كدّر علم أصول الفقه،كما هيأ للاضطراب والتهوك في أصول الدين عند أربابه السالكين له كما صرح بذلك الشهرستاني في مقدمة كتاب نهاية الإقدام ، والرازي في كتابه أقسام اللذات ، والجو يني والغزالي من قبل ، فليس هذا التصور من إملاء مخالفي المتكلمين فحسب بل قد شهد به كبار رواده ،بل مما يعلم أن الطعن في علم الكلام مجمع عليه بين أئمة السلف رحمهم الله .
3- المورد الثالث : إدخال مسائل نظرية مجردة في كثير من كتب أصول الفقه ليست من المقولات العقدية أو الأصولية بل هي مسائل مجردة و الخلاف فيها جمهوره نظري بل كثير منه لا ثمرة له حتى نظراً وهذا يقع في مسائل مقولة في المقدمات الكلامية و النظرية و اللسانية ، خاصة أن كثيراً من هذا النزاع المذكور يُنصب مع شذاذ في تاريخ المعرفة والفكر كالسفسطائية ، والسمنية وأمثالها من أصحاب الاتجاهات الفلسفية البائدة .
وهذا المورد كثير منه إنتاج لعلم الكلام ودخوله في الصياغة الأصولية كما صرح بذلك الغزالي في مقدمة المستصفى ، وذكر أنه يذكر من هذا القدر اللائق وإن كان نقد كثيراً ممن قبله من متكلمة الأصولية الذين أسرفوا في هذا الخلط حسب عبارة الغزالي ثم شرع في رسم مقدمته المنطقية .
ونقد هذه المسائل النظرية المجردة أشار إليه جمع من الأصوليين كالجويني في البرهان والغزالي في المستصفى وابن حزم في الأحكام و الشوكاني في إرشاد الفحول وغيرهم وإن كان هؤلاء حكوا ما هو من ذلك وذكروه مع انتقادهم لبعض صوره.
ويعد الشاطبي من مقدمي نقاد هذا النوع ، المتباعدين عنه .
4- المورد الرابع : المنطق الأرسطي المترجم وأثره في بناء و صياغة أصول الفقه عند كثير من متكلمة الأصولية. وفي التقدير الشخصي أن أثر المنطق الأرسطي لم يختص في كثير من المصنفات الأصولية التي كتبها النظار بنسق البناء وصورة الصياغة بل شارك في تشكيل العقل الأصولي في الطور الثاني لهذا العلم ، كما تقرأ هذه الإشارة عند كثيرين ومن أخصهم الغزالي صاحب المستصفى .
و المنطق الأرسطي قد نقده كثير من النظار الإسلاميين من الأصوليين و غيرهم حتى من استعمله في بعض أطواره فإنه رجع كثير منهم إلى ذمه ونقده ، وترى الغزالي حينما يكون رياضياً إشراقياً يتجاهل قيمة المنطق. والقراءة في نقد المنطق الأرسطي تعد مراجعة طويلة لكن يمكن الإشارة إلى أن هذا المنطق وضعه أرسطو آلة للمنهج العقلي التجريدي الذي هو قوام فلسفته ، وهذا يعنى أنه غير مؤهل التواصل مع العقل الإسلامي .
ويعد الإمام ابن تيمية من كبار رواد هذا النقد في مصنفات أخصها " نقض المنطق " .
5- المورد الخامس : تأخر أهلية كثير من المصنفين في أصول الفقه عن التكاملية المناسبة المفترضة . ولئن كان الإمام الشافعي الذي وضع فواتح وقواعد هذا العلم كان يتمتع بأهلية علمية ربما صح أن نقول : مثالية . فإنك حين تقرأ سيرة الشافعي تجد أن ثمت ثراء علمياً متعدداً بل إمامه متعددة في الحديث والفقه و العربية و النظر الذي هو الاعتبار الشرعي المقاصدي ، لكن كثيراً من الأصولية بعده مع امتيازهم العقلي و امتلاكهم قوانين نظرية و معرفتهم بالفروع الفقهية و لا سيما في المذهب الإنتمائي إلا أن تأخرهم عن سعة العلم بتفاصيل السنة والحديث النبوي الذي هو أحد معتبرات وضع قواعد المقاصد فضلاً عن الضوابط التفصيلية الإطرادية المذهبية شارك في عدم تمامية كثير من هذه المصنفات ، وصار ثمت نظرية تجريدية في بناء بعض النظم الأصولية ولا سيما إذا عرف أن سببية هذا التأخر في الغالب هي مزاحمة علم الكلام و المنطق الصوري من حيث اشتغال المتكلمين به عن تفاصيل الأحاديث والآثار ، ومن الحقائق التاريخية أن علماء الكلام من المعتزلة و غيرهم و حتى جمهور علماء الكلام الأشعرية ليسوا من أهل الاختصاص بمعرفة السنة والآثار و ما صح وما ورد .
وترى أن أبا حامد الغزالي وهو من أكابر أساتذة علم أصول الفقه مع ثرائه العلمي إلا أنه يذكر عن نفسه : أنه مزجي البضاعة في الحديث .
و لئن كان الأصوليون يذكرون في شروط المجتهد في الأحكام العلم بتفاصيل الأحاديث الواردة في الأحكام والتكليف فإن هذا الشرط أكثر إلحاحاً في حق من يرسم قواعد ونظم التشريع استقراء من مصادر الشريعة .
6- المورد السادس : تطويل هذا العلم بمسائل أصولية مجردة عن الثمرة وهذا نوع أخص من المذكور في المورد الثالث ، وهذا له مثالات ذكرها وأشار إليه كثير من الأصولية أنفسهم وإن كان أكثر هؤلاء أمضاها في تصانيفه .
7- المورد السابع : تركُّب هذا العلم من غير مادة أنتج إشكالية تقاطع هذا العلم مع الفروع الفقهية و عدم وضوح التطبيق كممارسة متاحة ، ولا سيما في التصانيف التي تسمى عند كثيرين : المصنفات على الطريقة الكلامية .
وإن كان يقال عند كثيرين : إن سببية هذا التقاطع أن هذه الطريقة تنتج الفروع وليس يراد أن الفروع تنتجها . لكن هذا عليه سؤلات تأخره عن رتبة الصحة والمناسبة .
8- هنا إمكانية لأهل العلم العارفين بأصول السنة والشريعة لمراجعة بعض القواعد الأصولية الخلافية بين الأصوليين التي لها اتصال بإنتاج أحكام النوازل المعاصرة ، ورسم صياغة شرعية أكثر مناسبة لهذه النوازل .
وفي التقدير الخاص : أن هذا العلم تتجه أكثر مراجعته إلى " التنقيح " وليس هناك وضوح علمي في حاجة هذا العلم إلى إعادة بناء بمعطيات جديدة كما هو ادعاء العقل المدني المتحول .
و من المقدر هنا : أن الواقع الحضاري بمعطياته و نوازله يمكن أن يستوعب داخل هذا العلم حتى في شكله التاريخي البحت إذا كان ثمت امتيازان :
أ- الثراء العلمي لقارئ كتب الأصول ، فهذا العلم في تركيبه انعقاد علمي وتاريخي حتى قال بعض الناظرين فيه: إنه علم لا يحمل استقلالاً ، وهذا وإن خالفه الأكثر إلا أنه إشارة إلى حقيقة تكوين وبناء هذا العلم التعددية .
ب- المصادقة على استمرار حكمية وأهلية التراث العلمي التشريعي المحصل من مصادر التشريع المعتبرة عند علماء الإسلام ، وأن الواقع الحضاري يمكن أن يستوعب من حيث الجملة داخل هذا التراث مع فتح باب الاجتهاد و الترجيح و التجديد لمن يتأهل لذلك من أهل العلم والمعرفة بأصول السنة ومقاصد الشريعة.
و من الصعب أن نتصور أن النظم الأصولية كانت مجرد لحظة استجابة لمعطيات حضورية تاريخية ، وأن الواقع الحضاري يملي علينا استجابة من مقدماتها تجاوز التاريخية العلمية كما هو اتجاه موجود في بعض الأوساط الثقافية الحداثية . في التقدير أن هذه رؤية ذوقية ذرائعية وليست قراءة علمية جادة في التراث.
و في ختم هذه الإدلاء السريع في تقديم رؤية حول هذا الموضوع " تجديد أصول الفقه " يمكن أن نلخص هذه المحاولة : بأن هذا الموضوع يقع في محورين :
1-المحور الفكري المنهجي .
2- المحور العلمي التخصصي . ونتيجة الحكم في المحورين مختلفة بصورة واضحة .
وهذا الرأي المكتوب اجتهاد محتمل في بعض جوانبه وثمت جوانب أساسية ثبوتية داخل هذه الرأي . وأحب أن أشير إلى أنه ليس توافقاً أو رداً لورقة شارك فيها بعض الباحثين في هذه الندوة فلست على اطلاع وقت كتابة هذا الموضوع على المشاركات المتدوالة ، كما أشير إلى أن هذا الموضوع يعتبر الحديث عنه ، فيه انعقاد ويحتاج إلى تصور متميز ومن هنا لست أميل إلى فتح الحوار في هذا الموضوع لسائر طبقات القراء كما هو الشأن في موضوعات التربية والاجتماعيات و قضايا الدعوة الواقعية التي من المهم كثيراً أن تفتح المساحة فيها.
وأخيراً هذا الحديث و المشاركة إملاء من الذهن وليس بحثاً و ملاحقة للحروف المكتوبة في التصانيف ولهذا جردته عن النقل والإحالة وقصدت أن يكون واضح التناول بلغة مقربة لإعطاء رؤية مبسطة عن حقيقة هذه الدعوة وبعده الفكري، وإمكانها العلمي ،وأنهما مساران مختلفان فالرفض للأول لا يعني رفض الثاني وهذه حقيقة فاضلة الإدراك والوعي ،ولم تكن هذه المشاركة محاولة رد مفصل على اتجاه فكري فهذا استقراء آخر .
والله الهادي إلى صراطه المستقيم و الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-04-03, 12:11 AM
ابن الجزري ابن الجزري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-03
المشاركات: 24
افتراضي

الإخوة الأفاضل/ أهل الحديث
جزاكم الله خيرا على هذه البحوث وأتمنى أن تطبع هذه الندوة القيمة في كتاب مع مناقشات ومداخلات الأساتذة كما أرجو من يعرف بحوث في هذا الموضوع يدلنا عليها مشكورا
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-04-03, 11:55 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

تفضلوا هذا الرابط له علاقة بالموضوع :

*** انقر هنا ***


ميمونة - الكويت الاسم
زاد المسير الموضوع
في تجديد أصول الفقه.. إشارات ومنارات العنوان
دكتورنا الفاضل الأستاذ كمال المصري،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بدايةً أشكركم على اهتمامكم، ولقد وصلني جوابكم واستفدتُّ كثيراً من آرائكم في وضع وإعداد الخطَّة، وها قد بدأت بالكتابة مستعينةً بالله تعالى، ثمَّ بإرشاداتكم النيِّرة.
وأرجو من حضراتكم إعطائي فكرةً أو (توضيحاً أكثر) عمَّا ذكرتموه من استكشاف الجديد أو تقديم شيءٍ جديد، حيث إنَّ هذه النقطة أثارت مخاوفي.
فأرجو إفادتي شاكرةً لكم مرَّةً أخرى.
والسلام عليكم ورحمة الله.
ابنتكم: ميمونة. السؤال
كمال المصري المستشار
الرد

أختي الفاضلة ميمونة حفظك الله تعالى ونفع بك،
وفَّقك الله في بحثك ودراستك، ويسَّر لك الخير كلَّ الخير، وفتح على يديك الجديد ممَّا فيه خير أمَّة الإسلام، وبالطبع أهلاً بك دائماً وبأسئلتك وباقتراحاتك وبمشاركاتك، فهذا المكان هو ملتقى الدعاة في كلِّ مكان.

أختي الكريمة،
لا أكتمك حديثاً حين أقول أنَّ سؤالك هذا شغلني وشغل فكري فترةً ليست بالقصيرة، وأخذت أقلِّب الأفكار لأرى كيف يمكن أن أتعرَّض له، فأنا لا أدَّعي أنَّني أصوليٌّ يملك مقاليد هذا العلم ونواصيه، فهذا شرفٌ كم تمنَّيت لو نلته، ولكنَّني لا أدَّعيه، وكلُّ ما قلته لك يا أختي في إجابتي السابقة كان مجرَّد أفكارٍ حول أصول الفقه، بل قولي أحلاما، تمنَّيت لو أجد لها من يفسِّرها إلى واقعٍ ووجود، وأسأل الله تعالى أن تكوني أنت هذا المفسِّر.. اللهمَّ آمين.
وممَّا زادني قلقاً واضطِّراباً ما ارتبط بكلمة "التجديد" من تاريخٍ أسود ارتبط بدعاةٍ أرادوا هدم كلِّ شيء، وطمس هويَّتنا التاريخيَّة وذاتيَّتنا الإسلاميَّة باسم "التجديد"، وكان حديثهم –في معظمه- مرتبطاً بالغرب والسعي إليه وتقليده، وفي هؤلاء قال الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: "إنَّهم يريدون أن يجدِّدوا الدين واللغة والشمس والقمر!!"، وهم الذين أشار إليهم شاعر الإسلام محمد إقبال، حين قال في بعض محاوراته: "إنَّ جديدهم هو قديم أوربا"، وقال: "إنَّ الكعبة لا تجدَّد، ولا تُجلَب لها حجارةٌ من الغرب!"، وهذا اللون من التجديد مرفوضٌ بالطبع شكلاً ومضمونا، ولكنَّه لا يعني أبداً إغلاق الأبواب، بل إغلاق العقول أيضا، لأنَّ: "التجديد الحقيقيَّ مشروعٌ بل مطلوبٌ في كلِّ شيء: في المادِّيَّات، والمعنويَّات، في الدنيا والدين، حتى إنَّ الإيمان ليحتاج إلى تجديد، والدين يحتاج إلى تجديد، وفى الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إنَّ الإيمان ليَخْلَق في جوف أحدكم، كما يَخْلَق الثوب الخَلِق، فاسألوا الله أن يجدِّد الإيمان في قلوبكم"رواه الحاكم، وقال: رواته ثقات، ووافقه الذهبي، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، والبيهقيُّ في المعرفة، عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنةٍ من يجدِّد لها دينها"صحَّحه العراقيُّ وغيره، وذكره في صحيح الجامع الصغير، المهمُّ هو تحديد مفهوم التجديد ومداه، وإذا كان الشارع قد أذِن "بتجديد الدين" نفسه، وعرف تاريخ المسلمين فئةً من الأعلام أُطلِق عليهم اسم "المجدِّدين" من أمثال الإمام الشافعيِّ والإمام الغزاليّ، وغيرهما، فلا حرج علينا إذن من "تجديد أصول الفقه"، وإذا كان "علم أصول الفقه" قد وضعه المسلمون بالأمس ووسَّعوه وطوَّروه ابتداءً من "رسالة " الإمام الشافعيِّ إلى "إرشاد الفحول" للإمام الشوكانيّ، إلى مؤلَّفات المعاصرين، فلا عجب أن يقبل التجديد اليوم، المسلمون هم الذين أسَّسوه، وهم الذين يجدِّدونه" كما يقول أستاذنا الدكتور القرضاوي.

وبعد هذه المقدِّمة الطويلة، وبعد رسالتك هذه – أختي ميمونة- عدتُّ إلى كتب الأصول القديمة والحديثة أبحث عمَّا يمكن أن أكتبه لك، ولا أدَّعي أنَّني وصلت إلى شيءٍ أمسكه بيدي، ولكن وصلت لما يمكن أن نسمِّيه "إشارات" أو "منارات" يمكن من خلالها إنارة طريق السالك، فعذراً على ضعفي وقلَّة بضاعتي.

ما وصلت إليه ذو شقَّين:
الشقِّ الأوَّل: مرتبطٌ بعلم "أصول الفقه" عامَّة.
الشقِّ الثاني: مرتبطٌ بالرخصة والعزيمة.

الشقُّ الأوَّل: ما يرتبط بعلم "أصول الفقه" عامَّة:
الحديث حول تجديد الأصول –في رأيي- يمكن أن يكون في أمرين:
1- لغة الأصول.
2- قطعيَّة الأدلَّة.


1- لغة الأصول: لم أجد –للأسف- في ما كُتب من كتاباتٍ أصوليَّةٍ محدثةٍ كتابةً معاصرةً سلسةً وعميقة، بل لم يستطع علماؤنا المعاصرون إخراج علم الكلام والمنطق منها، فمن كتب اليوم إمَّا قلَّد السابقين حرفيًّا في طريقة العرض ولغة الخطاب ولم يفرِّق بينه وبينهم إلا في شكل الكتاب وحداثة اسم المؤلِّف! وإمَّا مبسِّطٍ مخلٍّ جعل من الأصول مادَّةً تافهةً لا قيمة ولا عمق فيها.
والغريب في الأمر أيضاً أنَّ علماءنا المعاصرين استخدموا نفس الأمثلة الشاهدة على أبواب الأصول وفصوله ومسائله، فما زال علماؤنا حتى اليوم يستدلُّون بنفس الاستدلالات التي وضعها الأقدمون منذ بدأ علم الأصول على يد الإمام الشافعيِّ عام 204 هـ!!
وما أظنُّ أنَّ لغة الأصول هذه ولا أمثلته تصلح كي تفهِّم المسلمين دينهم وتربطهم به، أو تكسر الحاجز النفسيَّ الرهيب بين المسلمين وعلمهم الذي يعدُّه العلماء أحد مفاخر هذه الأمَّة.

2- قطعيَّة الأدلَّة: جرى حديثٌ وجدلٌ كثيرٌ بين العلماء السابقين والمعاصرين حول قطعيَّة الأدلَّة، وأنَّ الأصول إذا لم تكن قطعيَّةً فكيف نجتهد فيها؟ وهي إن دَخَلَها الاجتهاد كغيرها، لم يَعُد لنا معيارٌ نحتكم إليه إذا اختلفنا في الفروع، وهو القول الذي قاد رَكْبه الإمام الشاطبيُّ رحمه الله.

وقد خالف هذا الرأيَ العديدُ من العلماء السابقين والمعاصرين، وعلى رأسهم الإمام الباقلاني، وبعيداً عن هذا الخلاف، أودُّ أن أتساءل كما تساءل غيري: ما المراد بالأصول؟
يقول العلاَّمة الشيخ عبد الله درَّاز على "الموافقات": "تُطلَق الأصول على الكلِّيَّات المنصوصة في الكتاب والسنَّة: مثل "لا ضرر ولا ضرار" الحديث، "ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرى"، "وما جعل عليكم في الدين من حَرَج"، "إنَّما الأعمال بالنيَّات" الحديث، وهكذا، وهذه تسمَّى أدلَّةً أيضاً كالكتاب والسنَّة والإجماع… إلخ، وهي قطعيَّةٌ بلا نزاع.
وتُطلَق أيضاً على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنَّة، التي توزَن بها الأدلَّة الجزئيَّة عند استنباط الأحكام الشرعيَّة منها، وهذه القوانين هي من الأصول، فمنها ما هو قطعيٌّ باتِّفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنِّيَّة والقطعيَّة".
ولعلَّ الخلاف الموجود في كثيرٍ من مسائل الأصول يؤكِّد ذلك، فهناك من الأدلَّة ما هو مختلفٌ فيه بين مثبِتٍ بإطلاق، ونافٍ بإطلاق، وقائلٍ بالتفصيل، مثل اختلافهم في المصالح المرسلة، والاستحسان، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستصحاب وغيرها، بل إنَّ الأدلَّة الأربعة الأساسيَّة فيها كلامٌ كثير، كالخلاف في الإجماع والقياس، والخلاف حول القواعد التي وضعها أئمَّة هذا العلم، لضبط الفهم، والاستنباط من المصدرين الأساسيَّين القطعيَّين: "الكتاب والسنَّة"، وإذا كان مثل هذا الخلاف واقعاً في أصول الفقه، فلا نستطيع أن نوافق الإمام الشاطبيَّ على اعتبار كلِّ مسائل الأصول قطعيَّة، فالقطعيُّ لا يسع مثل هذا الاختلاف ولا يحتمله.

فالنقطة الأولى إذن تكمن في: "أنَّ للاجتهاد في أصول الفقه مجالاً رحبا، هو مجال التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليُّون من قضايا جمَّة، والباب ما يزال مفتوحا لمن وهبه الله المؤهِّلات لِوُلُوجه، ولكلِّ مجتهدٍ نصيب، ولكنَّ الأمر الذي يجب تأكيده بقوَّةٍ هو أنَّ ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ لا يجوز أن ندع للمتلاعبين أن يجترئوا على اقتحام حماه، فإنَّ هذه "القطعيَّات" هي عماد الوحدة الاعتقاديَّة والفكريَّة والعمليَّة للأمَّة، وهي لها بمثابة الرواسي للأرض، تمنعها أن تميد وتضطَّرب، ولا يجوز لنا التساهل مع قومٍ من الأدعياء، يريدون أن يحوِّلوا القطعيَّات إلى محتملات، والمحكمات إلى متشابهات، ويجعلوا الدين كلَّه عجينةً ليِّنةً في أيديهم يشكِّلونها كيف شاءت لهم أهواؤهم، ووسوست إليهم شياطينهم" كما يقول الدكتور القرضاوي.

الشقِّ الثاني: مرتبطٌ بالرخصة والعزيمة.
إشاراتي لك يا أختي في موضوعك "الرخصة" ليست إلا أكثر من تفكيرٍ بصوتٍ عال، وقد يكون بعض ما سأكتب مرتبطاً برسالتك ارتباطاً وثيقا، وقد لا يكون، ولكنَّها تبقى نقاطاً تحتاج إلى النظر من العلماء والمتخصِّصين، وأنت أحدهم أكرمك الله تعالى.
وإشاراتي على قسمين:
القسم الأوَّل: القضايا الفقهيَّة القديمة الجديدة.
القسم الثاني: قضايا معاصرة.

القسم الأوَّل: القضايا الفقهيَّة القديمة الجديدة: وهي القضايا التي ناقشها علماؤنا قديماً وما زالت تلقي بظلالها علينا يوميّا، مثل:
1- رخصة القصر والجمع في الصلاة، وما التبس فيها من فهم:
- تحقيق مسألة الجمع بدون عذر وحدودها وضوابطها: استناداً إلى قول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جمع دون عذر، كما هو معلومٌ معروفٌ عند أهل العلم، وهذا الحديث يأخذ به العديد من الجماعات الإسلاميَّة اليوم ويتوسَّعون فيه.
- الجمع لمن يدرسون في الغرب: حيث قد تضطَّرهم محاضراتهم إلى عدم أداء صلاةٍ ما حتى فوات وقتها، أو لا يوجد مكانٌ مناسبٌ للصلاة أو الوضوء، ما حدود ذلك وما ضوابطه؟

2- رخصة المسح: هل أحذيتنا وجواربنا اليوم داخلةٌ في الأمر، خصوصاً مع توصيف العلماء للخفِّ والجورب بما يخالف ما هو موجودٌ اليوم؟

3- رخصة التيمُّم: مع تيسُّر وجود الماء بدرجةٍ كبيرةٍ في كلِّ مكانٍ اليوم، نحتاج إلى نظرٍ في حدود "التيمُّم".

4- رخصة الفطر:
- رخصة الفطر في الغرب نظراً لاختلاف الأوقات وتداخلها واضطِّرابها وطول فترة الصيام.
– الرأي في من قال بإفطار الطلاَّب في الامتحانات أو حتى لاعبي الكرة.

5- رخصة خلع الحجاب لمن اضطُّرَّ لذلك: وخاصَّةً في الغرب، كما حدث من منع المسلمات في تركيا من دخول الجامعات بالحجاب، أو من يضطَّرها عملها لخلع الحجاب، ما حدود ذلك وما ضوابطه؟

6- رخص المعاملات: وهي ما استجدَّ من صورٍ لم تكن موجودةً من قبل، مثل:
- الشراء عن طريق البنوك وعدم تحقيق مبدأ الاستلام والتسليم، وهل هو نوعٌ من الربا لعدم تحقُّق مسألة القبض؟
– فتح الاعتمادات في البنوك لتحقيق المصالح، وما يحيط ذلك من شُبَه، وما يُقبَل منه كرخصةٍ وما لا يُقبَل تحقيقاً لمصلحة الناس.
- القروض التي تقدِّمها بعض الجهات الاجتماعيَّة لبناء بيتٍ أو لعمل مشروع، كبنوك التسليف والادِّخار وصناديق الضمان الاجتماعيِّ وأمثالها، ما حدود ذلك وما ضوابطه؟

7- رخصة "التلفيق" بين المذاهب: وهي رخصةٌ من نوعٍ جديد، فهل يجوز قبول مبدأ "التلفيق" بين المذاهب الذي كان يرفضه الفقهاء، هل يجوز القبول به اليوم بجواز اتِّباع المرء لمذاهب مختلفةٍ أو لشيوخٍ عدَّةٍ في المسألة الواحدة، نظراً لبعد الناس الشديد اليوم عن تعلُّم الفقه وعلوم الدين؟

القسم الثاني: قضايا معاصرة: وهي ما استجدَّ من رخَصٍ ليس لنا فيها من تراثٍ عند أئمَّتنا، ومنها:
1- حدود رخَص الإكراه والاضطِّرار في واقعنا المعاصر، كموقف الأقلِّيَّات المسلمة في العديد من الدول، وما يجب أن يظهروه من دينهم وما لا يجب، وما ينبغي التساهل فيه وما لا ينبغي، وما إلى ذلك.
(ملاحظة: موضوع رخَص الأقلِّيَّات عموماً يحتاج إلى رسالةٍ خاصَّةٍ أتمنَّى لو تصدَّى لها أحد الإخوة الباحثين الكرام، نظراً لأهمِّيَّة الموضوع وواقعيَّته وشدَّة تداخله والتباسه).

2- رخصة الدخول في العمل السياسيّ: كالانتخابات والمجالس والحكومات، وذلك في الدول غير الإسلاميَّة أو الإسلاميَّة التي لا تطبِّق شرع الله تعالى: كدخول المسلمين في أمريكا انتخابات الكونجرس أو الاشتراك في الأحزاب الموجودة هناك، أو ترشيح المسلمين أنفسهم لانتخابات الكنيست الإسرائيليّ، أو دخول الإسلاميِّين الحكومات أو انتخابات المجالس في الدول الإسلاميَّة التي لا تطبِّق شريعة الله تعالى.
هل تُعَدُّ هذه ضرورات؟ وما حدود الضرورات؟ وهل هو رخصةٌ أم لا؟ على ما هو معروفٌ من خلافٍ بين الجماعات والأفراد في أماكن كثيرة.

3- النظر في مفهوم "مقاصد الشريعة التحسينيَّة": وهل يمكن أن يدخل فيها: الالتزام بقواعد المرور، والحفاظ على البيئة، وقوانين البناء التجميليَّة، وما إلى ذلك؟

أختي الكريمة ميمونة،
هذه بعض الإشارات التي أعلم أنَّ منها ما قد يكون بعيداً بعض الشيء عن رسالتك، ولكنَّها فقط مجرَّد إشاراتٍ ومناراتٍ كما أشرت سابقا، والدور عليك بعد ذلك.

وختاما، يقول الدكتور القرضاوي: "لقد كتبتُ عن حاجة علم الأصول إلى مزيدٍ من التحقيق والتعميق والتطبيق"، ويؤكِّد الإمام الشوكاني في كتابه "إرشاد الفحول" ضرورة التجديد وأنَّه ألَّف في الأصول: "ليكون العالِم على بصيرةٍ في علمه يتَّضح له بها الصواب، ولا يبقى بينه وبين درك الحقِّ الحقيقيِّ بالقبول حجاب، لأنَّ تحرير ما هو الحقُّ هو غاية الطلبات، ونهاية الرغبات، لا سيَّما في مثل هذا الفنِّ الذي رَجَع كثيرٌ من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون، ووقع غالب المتمسِّكين بالأدلَّة بسببه في الرأي البحت وهم لا يعلمون".

أرجو يا أختي ميمونة أن أكون قد أنرت لك الطريق ولو بعض الشيء، وسامحيني فهذه بضاعتي مزجاة، وما حيلة العاجز؟
وفي انتظار أن أسمع منك، وفَّقك الله تعالى ورعاك، وسيري على بركة الله تعالى.




__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]

التعديل الأخير تم بواسطة أبوحاتم ; 03-04-03 الساعة 12:06 PM
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-04-03, 12:08 PM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 29
افتراضي هناك رسالة دكتوراه في هذا الموضوع

عندما رأيت موضوع التجديد في أصول الفقه مطروحاً للنقاش في موقع (الإسلام اليوم) قبل ما يزيد على السنة تقريباً ، ورأيت الدكتور يعقوب الباحسين حفظه الله مشاركاً فيها. ذهبت إلى قسم أصول الفقه بكلية الشريعة في الرياض وسألت عن رسالة كانت حديثة عهد بمناقشة قبلها بشهر تقريباً لباحث أعرفه وكان الدكتور يعقوب أحد المناقشين لها . فدلونا عليها فذهبت فقرأت أغلب فصول الرسالة في مكتبة الرسائل الجامعية الخاصة بقسم أصول الفقه ووجدتها قد أتت على الموضوع من جميع جوانبه ، ولا أظنه قد كتب في بابها مثلها .

وعنوانها (التجديد في أصول الفقه) تقريباً وربما يكون هناك تغيير طفيف في العنوان ، لكن التجديد في الأصول هو موضوعها الأصلي. وتقع في مجلدين ولو طبعت لكانت في مجلد. وقد استغربت عدم إشارة الدكتور يعقوب لها في بحثه على الموقع مع أنه ناقش الباحث فيها قبل طرح الموضوع في الانترنت.

الباحث هو الدكتور هزاع بن عبدالله الحوالي وهو يعمل الآن مديراً لمعهد العلوم الإسلامية في موريتانيا.

أحببت الإفادة لمن كان حريصاً على مثل هذا الأمر وجزاكم الله خيراً
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-04-03, 04:17 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

الأخ / أبو عبدالله البكري

جزاك الله خيراً على هذه الفائدة .

لكن هل تستطيع أن تذكر لنا أبرز المسائل التي طرحها الكاتب في رسالته ؟.

حينها نكون لك من الشاكرين ، وبالتوفيق من الداعين .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-04-03, 05:14 PM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 29
افتراضي أفعل إن شاء الله

سأقوم بعمل ذلك ولكن أحتاج وقتاً لعلي أمر على كلية الشريعة

جزاكم الله خيراً
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:55 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.