ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 08-09-19, 10:50 PM
سلطان فريح سلطان فريح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-14
المشاركات: 29
افتراضي مسائل في صوم عاشوراء

مسائل في عاشوراء
مأخوذة مما كُتِب على أحاديث عاشوراء
من كتاب الجامع بين الصحيحين للحمدان حفظه الله

المسألة الأولى :
فيما رواه مسلم عن أبي قتادة أن صيام عاشوراء يكفر السنة الماضية )
الحديث لم يخرجه البخاري لأنه ليس على شرطه فقد تفرد به الزِّمَّاني عن أبي قتادة قال البخاري في التاريخ الكبير (198/5) في ترجمة عبدالله بن معبد الزماني : ولا نعرف سماعه من أبي قتادة . اهـ وقال في الأوسط : لم يذكر سماعا من أبي قتادة اهـ
وقال في أخرى : لا يُعرف له سماع اهـ
وكلامه هذا :
محتمل عدم ذكر الزماني في السند وفي كلام بعضهم إشارة إلى ذلك
ومحتمل عدم سماعه مطلقا من أبي قتادة
ومحتمل عدم سماعه هذا الحديث بعينه
ويجاب عليها أن صنيع من صحح الحديث كمسلم والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن عبدالبر والخطيب البغدادي يدل على عدم ثبوت انتفاء السماع وممن ذكرنا من يشترط ثبوت السماع كابن حبان مما يدل على ثبوته
وبتصحيحهم انتفاء القول بوهم أحد الرواة بذكر الزماني في السند وفيه أيضا ثبوت السماع أو بالأدق انتفاء عدم السماع مع إمكان اللقاء وهما مرجحان للصحة ومن رجح السماع المزي في "التهديب (168/16) والذهبي وابن حجر .

المسألة الثانية :
يتع2- قوله : باب : ( الأمر بصيام يوم عاشوراء حتى فرض رمضان )
يريد بذكلك القول بأن عاشوراء كان واجبا ثم نسخ إلى الاستحباب ولهذا قدم حديث الربيع بنت معوذ وحديث سلمة بن الأكوع لصراحتهما في الوجوب ثم ذكر نسخ ذلك واستحبابه بحديث عائشة رضي الله عنها وذكر بعد ذلك من كان من الصحابة لا يصوم ذلك اليوم إلا أن يوافق صيامه ورد الوهم الحاصل بعدم السنية من فعلهما بحديث معاوية والتبويب بفضل صيام يوم عاشوراء ، وأخّر شيخنا حفظه الله حديث معاوية ليبين أن المقصود من قوله " ولم يكتب عليكم صيامه " أي لم يجب عليكم حال النطق بالحديث ، وقد كان بعد قوله تعالى : "كتب عليكم الصيام" وهذا التأخير مناسب حكما وسماعا فإن تحمل الحديث وروايته متأخرة لأن معاوية أسلم بعد الفتح والله أعلم
تنبيه:
لم يقدم شيخنا حديث عائشة الذي قدمه الشيخان وذلك لأن ترتيبه هو الأنسب للترتيب الفقهي ومثل هذا يصنعه أبو داود في سننه والترمذي في جامعه فيقدما المنسوخ ثم يعقباه بالناسخ وهذا هو مراد شيخنا كما ذكرنا

وينبغي التنبيه إلى أن صنيع البخاري في باب وجوب صوم رمضان يشير إلى أن عاشوراء مستحب من الأصل
قال ابن حجر : "وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما (ابن عمر وعائشة)محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان "
وهذا الذي جعله يسوق الحديث في باب إذا نوى في النهار صوما مستدلا به على فعل الصحابة على جواز صوم التطوع بنية نهارية والله أعلم.

مسألة : قال النووي :
واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان
فقال أبو حنيفة : كان واجبا ، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين : أشهرهما عندهم : أنه لم يزل سنة من حين شرع ، ولم يكن واجبا قط في هذه الأمة ، ولكنه كان متأكد الاستحباب ، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب" وذكر في المجموع أنه نص الشافعي الصريح
وخالفه ابن حجر وقال بالوجه الثاني عندهم وهو قول الأحناف
وعن أحمد روايتان قدم في الكشاف أنه لم يكن واجبا واختار الموفق والشارح وابن تيمية وجوبه ثم النسخ إلى الاستحباب وهذا الراجح والله أعلم.

المسألة الثالثة :
أولا:
قبل البدء في شرح الحديث لابد من ذكر الخلاف في تعيين يوم عاشوراء :
قال أبو داود : "باب ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع" وذكر عن ابن عباس ما يحتمل التأويل وذكر ماهو تفسير من بعض الرواة وما عند الترمذي صريح من قول ابن عباس أنه العاشر
ولهذا كان تبوب الترمذي : "باب ما جاء عاشوراء أي يوم هو" وبمثله قال النووي : "باب أي يوم يصام في عاشوراء " مع أنه جزم أن قول ابن عباس التاسع
قال الجمهور يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم وهذا الموافق للاشتقاق والتسمية وهو الحق خلافا لما جاء عن ابن عباس والضحاك أنه اليوم التاسع وعمدة من حكى هذا القول عن ابن عباس
ما رواه مسلم عن الحكم بن الأعرج قال انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت أخبرني عن يوم عاشوراء أي يوم هو أصومه قال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد ثم أصبح من التاسع صائما قال فقلت أهكذا كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم قال نعم "
وهذا الحديث وقع في مفهومه خلاف وظاهره أنه يقول أن عاشوراء اليوم التاسع كما قال النووي وخالفه ابن المنير وقوى قوله ابن حجر على أن الحديث لا يدل على ذلك وكذلك هو ظاهر صنيع الترمذي فقد أشارة إلى أن مراد ابن عباس صيام التاسع مع العاشر لا أن التاسع هو عاشوراء
فقد روى بعد هذا الحديث حديث ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر"
وقال :
حديث ابن عباس حديث حسن صحيح واختلف أهل العلم في يوم عاشوراء فقال بعضهم يوم التاسع وقال بعضهم يوم العاشر وروي عن ابن عباس أنه قال صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحق" اهـ
قلت : قوله حسن صحيح عن حديث ابن عباس يحتاج إلى تحرير لأنه من رواية الحسن عن ابن عباس والحسن لم يسمع من ابن عباس ولعل الترمذي يقصد الحديث الذي قبله لأن الكلام عليه .
فائدة:
ما ذكره الترمذي عن ابن عباس صوموا التاسع الخ رواه أحمد مرفوعا بسند ضعيف وصح عند عبدالرزاق من قول ابن عباس . تنبيهات :
الأول :
هل يسوغ لغة تسمية اليوم التاسع عاشوراء ؟ وما الراجح في الخلاف ؟
قال النووي : " أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم ، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل ، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعا ، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة فيكون التاسع عشرا ... وأما تقدير أخذه من ( الإظماء ) فبعيد ، ثم إن حديث ابن عباس الثاني يرد عليه ؛ لأنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه ، فقال : إنه في العام المقبل يصوم التاسع ، وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع ، فتعين كونه العاشر"

التنبيه الثاني :
جاء في مصنف ابن أبي شيبة أن ابن عباس نص على أن عاشوراء هو التاسع ويجاب عن ذلك :
أنه مروي عنه بالمعنى وما فيه من نص عنه فهو من رواية يزيد بن هارون عن الجريري ويزيد سمع منه بعدما اختلط كما نص على ذلك العجلي وفي السند ما يظن فيه ذلك إما بسبب الاختلاط أو بسبب النساخ ففيه الحكم عن الأعرج عن ابن عباس والرواي عن ابن عباس في مسلم وغيره هو الحكم بن الأعرج. المسألة الرابعة :
" قوله : ( باب صوم الصبيان ) أي : هل يشرع ؟
والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ
واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحده أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة ، وحده إسحاق باثنتي عشرة سنة ، وأحمد في رواية بعشر سنين
وقال الأوزاعي : إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا لا يضعف فيهن حمل على الصوم
والأول قول الجمهور ، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان ، ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة ؛ لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها ، ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه ، وقد قال للذي أفطر في رمضان موبخا له : " كيف تفطر وصبياننا صيام؟ ".

المسألة الخامسة :
الفائدة الثانية :
قال بعض أهل العلم أفضل المستحبات هو ما كان واجبا ثم نسخ وهذا منه لكنه معارض بصيام عرفة
وظاهر فضل صيامه يقتضي تقديمه في الفضل على صيام يوم عاشوراء
فقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعا : إن صوم عاشوراء يكفر سنة ، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين "
قال ابن حجر : وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء ، وقد قيل : في الحكمة في ذلك : إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى - عليه السلام - ويوم عرفة منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلذلك كان أفضل " اهـ ولعل هذا هو سبب خروج عاشوراء عن هذا الأصل وأما روي عن ابن عباس مرفوعا" ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء " فمنكر قاله الألباني وقال الذهبي :غريب فيه نكارة اهـ.

فائدة :
ومنها : تعيين وقت الوجوب ووقت النسخ
قال ابن حجر :
"وأفادت تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أول قدومه المدينة ، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول ، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية ، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان ، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فرض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع ".

الثانية : تنبيه:
في حديث عائشة هذا أخبرت أن قريشا كانت تصومه
وعند مسلم من حديث ابن عمر جاء من قول النبي ﷺ قال ﷺ : "ذاك يوم كان يصومه أهل الجاهلية فمن شاء صامه ومن شاء تركه"
وسبب صيام قريش لعاشوراء ما قاله ابن حجر :
"أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك ، ثم رأيت في المجلس الثالث من " مجالس الباغندي الكبير " عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم : صوموا عاشوراء يكفر ذلك ، هذا أو معناه" اهـ
قول ابن حجر : فلعلهم تلقوه من الشرع السالف يشير إلى ما روى أحمد من طريق شبيل بن عوف عن أبي هريرة مرفوعا : "وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا " واستغرب ابن كثير في التفسير ذكر السفينة ونوح وكذلك ابن حجر في تحفة النبلاء
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : فيه حبيب بن عبدالله الأزدي لم يرو عنه غير أبيه .

المسألة السادسة :
ومنها : أن في هذا الحديث جواب على من ظن أن سبب صيام النبي ﷺ هو جواب اليهود وهذا غير صحيح لأن النبي ﷺ كان يصومه في مكة وأما سؤاله ﷺ فقد كان لإثبات صفة الحال ومقدمة لبيان سبب صيام المسلمين له وأن صيامهم ليس تشبها بيهود وإنما لدفع هذا التوهم وأن المسلمين أحق بموسى منهم لأنهم التزموا بالعهد الذي أخذه الله على أنبيائه بخلافهم قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَئك هُمُ الْفَاسِقُونَ(82)" آل عمران.

فائدة :
الثالث:
جاء عند البخاري في راية عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها : "وكان يوما تُستر فيه الكعبة " قد ذكرنا سابقا سبب تعظيم قريش يوم عاشورا
وبسبب هذا التعظيم كانت تصومه وتعظمه بكسوة الكعبة فيه
قال ابن حجر :
" ذكر الواقدي بإسناده عن أبي جعفر الباقر أن الأمر استمر على ذلك في زمانهم ، وقد تغير ذلك بعد ، فصارت تكسى في يوم النحر ، وصاروا يعمدون إليه في ذي القعدة فيعلقون كسوته إلى نحو نصفه ، ثم صاروا يقطعونها فيصير البيت كهيئة المحرم ، فإذا حل الناس يوم النحر كسوه الكسوة الجديدة "
قلت : وفي عصرنا هذا 1438 هجري تُكسى يوم عرفة بعد صلاة العصر بما يقارب 670 كيلو من الحرير الطبيعي و150 كيلو من سلك الذهب والفضة بتكلفة تساوي 17 مليون ريال سعودي .
قال ابن حجر في الفتح :
( تنبيه ) : قال الإسماعيلي جمع البخاري بين رواية عقيل وابن أبي حفصة في المتن ، وليس في رواية عقيل ذكر الستر ، ثم ساقه بدونه من طريق عقيل . وهو كما قال ، وعادة البخاري التجوز في مثل هذا . وقد رواه الفاكهي من طريق ابن أبي حفصة ، فصرح بسماع الزهري له من عروة "اهـ
قلت : وابن أبي حفصة هذا هو محمد المدني نزيل البصرة قال الذهبي في السير :
وقال يحيى القطان : ضعيف . وكذا قال النسائي ، مع كونه روى له في " سننه " ، وروى له الشيخان في المتابعات ، ما أظن أن واحدا منهما جعله حجة ، وقد قال ابن عدي : هو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم .
قال ابن المديني : قلت ليحيى بن سعيد : حملت عن محمد بن أبي حفصة ؟ قال : نعم كتبت حديثه كله ، ثم رميت به بعد ذلك ، ثم قال : هو نحو صالح بن أبي الأخضر .
قلت : بالجهد أن يعد حديثه حسنا . وليس هو بالمكثر" اهـ.

المسألة السابعة فيها ذكر الحكمة :
الرابع :
ذكر شيخنا الجامع تحت حديث الباب حديث ابن عمر عند مسلم وفيه ( قال : قال رسول الله ﷺ : " إن يوم عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء ) الحديث قوله ﷺ : من أيام الله أي : نعمه وقيل : وقائعه وكلا المعنيين صحيح .
ومراده من ذلك ذكر الحكمة وأن من الحكم من صيام هذا اليوم تذكر أيام الله التي نصر فيها أولياءه وأهلك فيها أعداءه وأن النصر مع الصبر وأن العاقبة للمتقين فيتجدد هذا في النفس مع تذكر هذه الأيام بالاجتماع على شكر هذه النعمة.
قال القرطبي في تفسيره :
قوله تعالى: { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } أي قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى. قال ٱبن عباس ومجاهد وقتادة: بنعم الله عليهم؛ وقاله أبيّ بن كعب ورواه مرفوعاً؛ أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم، وقد تسمى النعم الأيام؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وأيـامٍ لنـا غُـرٍّ طِـوالٍ
وعن ٱبن عباس أيضاً ومقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة؛ يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعها. قال ٱبن زيد: يعني الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية؛ وكذلك روى ٱبن وهب عن مالك قال: بلاؤه. وقال الطبريّ: وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم؛ أي بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة؛ وقد كانوا عبيداً مستذلين؛ واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم"اهـ. إشكال :
قال البخاري : " باب إتيان اليهود النبي ﷺ حين قدم المدينة " اهـ
قال ابن حجر في الفتح:
قوله : ( لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء ) استشكل هذا لأن قدومه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان في ربيع الأول
وأجيب باحتمال أن يكون علمه بذلك تأخر إلى أن دخلت السنة الثانية
قال بعض المتأخرين : يحتمل أن يكون صيامهم كان على حساب الأشهر الشمسية فلا يمتنع أن يقع عاشوراء في ربيع الأول ويرتفع الإشكال بالكلية ، هكذا قرره ابن القيم في " الهدي "
قال : وصيام أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس .
قلت : وما ادعاه من رفع الإشكال عجيب ؛ لأنه يلزم منه إشكال آخر وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلمين أن يصوموا عاشوراء بالحساب
والمعروف من حال المسلمين في كل عصر في صيام عاشوراء أنه في المحرم لا في غيره من الشهور نعم وجدت في الطبراني بإسناد جيد عن زيد بن ثابت قال : " ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول الناس ، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة وتقلس فيه الحبشة ، وكان يدور في السنة ، وكان الناس يأتون فلانا اليهودي يسألونه ، فلما مات أتوا زيد بن ثابت فسألوه " فعلى هذا فطريق الجمع أن تقول : كان الأصل فيه ذلك ، فلما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصيام عاشوراء رده إلى حكم شرعه وهو الاعتبار بالأهلة فأخذ أهل الإسلام بذلك ، لكن في الذي ادعاه أن أهل الكتاب يبنون صومهم على حساب الشمس نظر ، فإن اليهود لا يعتبرون في صومهم إلا بالأهلة ، هذا الذي شاهدناه منهم ، فيحتمل أن يكون فيهم من كان يعتبر الشهور بحساب الشمس لكن لا وجود له الآن ، كما انقرض الذين أخبر الله عنهم أنهم يقولون : عزير ابن الله ، تعالى الله عن ذلك . وفي الحديث إشكال آخر سبق الجواب عنه في كتاب الصيام.اهـ. تنبيه لطيف :
ينبغي التنبيه على أمر مهم :
وهو أن يكون سبب عملك هو ابتغاء وجه الله تعالى وطلب رضاه بامتثال الأمر واجتناب النهي دون النظر في الفضل
وذلك لأن هذه النية أعلى مراتب النيات وما دونها تبع لها كالعمل لأجل الثواب فهو داخل ضمنا في نية ابتغاء وجه الله عزوجل
وأما العمل لأجل الثواب فدلالته على الابتغاء باللازم
والفرق اللطيف بينهما هو أن ابتغاء وجه الله تعالى في النية الأولى حاضر وهو الباعث للعمل بخلاف الثانية
وبهذا التنبيه لايصغر عمل في عين طالب الرضا ولا يصغر فضل عمل مع هذه النية فرب عمل تعظمه النية ولذا قالوا هي تجارة العلماء
وما ذكرناه ليس فيه تقليل من شأن الترغيب وطلب الفضائل بل لابد من معرفتها فبها تحصل معرفة الأكمل في رضا الله تعالى وابتغاء وجهه

وقد ذكر ابن النحاس مراتب النيات في كتابه مشارع الأشواق فذكر مراتب النيات في الجهاد وجعل أولها ما ذكرناه والله أعلم.
المسألة الثامنة :
قد يقول قائل كيف يتشبه النبي ﷺ بفعل اليهود وقد أمر بمخالفتهم ؟
والجواب عن ذلك أن النبي ﷺ لم يتشبه بهم بل هذا من الحق المأمور به وفعل يهود لا يرفعه بل نحن أحق به وإلا فمخالفة المشركين فيه أولى فإنهم كانوا يصومنه
ولذا أورد البخاري بعد حديث ابن عباس هذا وحديث أبي موسى الآتي حديثين يشيران إلى المعنى المذكور
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رءوسهم وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ثم فرق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه "
وعنه رضي الله عنهما قال : "هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه يعني قول الله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين"
وسبب إيراده لهما أن الصيام من الحق وليس في صيامه تشبه بل نحن أولى به لاتباعنا الحق كله بخلاف أهل الكتاب ولذا أورد الحديث الثاني بعده

فإن قيل لماذا أمر ﷺ بمخالفتهم في آخر عمره وأمر بصيام التاسع مع العشر ؟
قلنا: لأن النبي ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء حتى فتح الله عليهم مكة خالفهم وأمر بمخالفتهم وسبب بقائه على العاشر فقط بعد فتح مكة لأنه كان ﷺ يحب التخفيف على أمته مالم يُسأل ولذا بقي ﷺ على الحق الذي نحن أولى به حتى سئل عن المخالفة في السنة الحادية عشر فحث عليها
فقد روى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم "
لكن يُشكل على ذلك قول ابن عباس حين صام وقوله : أمر بصيامه
فهما يدلان على أن هذا في أول الأمر لأن في حديث الباب ( فلما فرض رمضان ترك عاشوراء )
والجواب أنه يجب حمله على آخره لأنه منطوق ويمكن حمل الأمر على الاستحباب وحين على وقت صيامه في السنة الحادية عشر.



المسألة التاسعة :
مسألة : قال النووي في المجموع :
وذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجها : ( أحدها ) أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ، وهو مروي عن ابن عباس ، وفي حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا اليهود وصوموا قبله يوما وبعده يوما } .

( الثاني ) أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم ، كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده ، ذكرهما الخطابي وآخرون .

( الثالث ) الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ، ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر . اهـ وبالأول نقول وهو ظاهر الخبر وبه قال ابن حجر

مسألة :
يستحب صيام يوم قبل عاشوراء ويوم بعده إذا اشتبه عليه أول الشهر
قال ابن قدامة في المغني:
وروى عنه عطاء ، أنه قال : { صوموا التاسع والعاشر ، ولا تشبهوا باليهود ، } إذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر لذلك . نص عليه أحمد . وهو قول إسحاق .

قال أحمد : فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام . وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر . اهـ روى ابن أبي شيبة عن طاووس مثل هذا.

أخيرا :
تنبيهات :
1-لا يثبت في تخصيص عاشوراء بشيء من العبادات غير الصيام حديث ولا يثبت في فضل صيامه شيء غير تكفير سنة قبله .
2- لا يثبت في صيام يوم بعده ويوم قبله حديث وإنما جاء موقوفا على ابن عباس وحمله بعضهم على الاحتياط فيمن اشتبه عليه أول الشهر وحمله بعضهم على الكمال كما جاء عن ابن القيم فجعل مراتب صيام عاشوراء ثلاث مراتب
3-ما جاء في أنه عيد نبي قبلنا لا يصح وماجاء في فضل الاغتسال فيه والاختضاب والاكتحال فموضوع
وأما الصدقة فيه فقد روى أبو موسى المديني عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : « من صام عاشوراء فكأنما صام السنة, ومن تصدق فيه كان كصدقة السنة » والغالب على أفراد أبي موسى المديني الضعف
4-ما جاء أن سفينة نوح هبطت فيه على الجودي فلا يصح
وكذلك ما جاء أن الله تاب فيه على آدم وعلى مدينة يونس وأن إبراهيم ولد فيه .
5- ماجاء فيه من أمر المرضعات ألا يرضعن أولادهن فضعيف
6-ما جاء في التوسعة على العيال فضعيف بل حكم ابن تيمية أنه كذب ولذا حكم على أنها بدعة ولعل مراده اعتقاد سنية ذلك بخصوصه وأما استحباب التصدق بالتوسعة عليهم لشرف الزمان فلا أظنه يمنع منه إلا إن كان العمل ظاهرا واشتهر العمل به وداوموا على ذلك فتركه حينئذ مطلوب في الجملة سدا لذريعة البدعة وقد نص على هذا الأصل الشاطبي في الاعتصام(31/2)
وقال بعض أهل العلم بحسن الحديث بمجموع طرقه كالبيهقي والسخاوي وأفرط العراقي فحسن بعض طرقه بذاتها
ولذا استحبوا التوسعة على العيال في يوم عاشوراء
والحق ما قاله حرب قال : سألت أحمد عن الحديث الذي جاء « من وسع على أهله يوم عاشوراء » فلم يره شيئا اهـ وقال العقيلي : هو غير محفوظ ، وقد روي عن عمر من قوله وفي إسناده مجهول لا يعرف اهـ
7-ما جاء في الأمر بقضاء يوم عاشوراء فضعيف .
8- اتخاذ يوم عاشوراء مأتما من البدع المنكرة التي أحدثها الرافضة ، وخالفوا بها أهل السنة والجماعة .
زيادات :
عاشوراء يوم السبت .

مسألة :
فروع :
الأول : الصحيح في مذهب الحنابلة والشافعية كراهة تعمد إفراد يوم السبت بالصوم إلا أن يوافق عادة واستدلوا بحديث عبد الله بن بسر عن أخته واسمها الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه } رواه الخمسة إلا النسائي وهو معارض بحديث جويرية السابق ولذا حمله الحنابلة والشافعية على الإفراد
قال في الإنصاف :
"واختار الشيخ تقي الدين : أنه لا يكره صيامه مفردا ، وأنه قول أكثر العلماء ، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته ، وأن الحديث شاذ ، أو منسوخ ، وقال : هذه طريقة قدماء أصحاب الإمام أحمد الذين صحبوه كالأثرم ، وأبي داود ، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام الإمام أحمد الأخذ بالحديث . انتهى . ولم يذكر الآجري كراهة غير صوم يوم الجمعة ، فظاهره لا يكره غيره" اهـ
قال ابن حجر في تلخيص الحبير ( 2/415) :
قد أعل حديث الصماء بالمعارضة المذكورة ، وأعل أيضا باضطراب ، فقيل هكذا
وقيل : عن عبد الله بن بسر وليس فيه عن أخته الصماء ، وهذه رواية ابن حبان ، وليست بعلة قادحة ، فإنه أيضا صحابي
وقيل : عنه ، عن أبيه بسر
وقيل : عنه ، عن الصماء ، عن عائشة ، قال النسائي : هذا حديث مضطرب
قلت : ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه ، وعن أخته ، وعند أخته بواسطة ، وهذه طريقة من صححه ، ورجح عبد الحق الرواية الأولى ، وتبع في ذلك الدارقطني ، لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج ، يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه ، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث ، فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه ، وليس الأمر هنا كذا ، بل اختلف فيه أيضا على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضا
وادعى أبو داود : أن هذا منسوخ ، ولا يتبين وجه النسخ فيه
قلت : يمكن أن يكون أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر ، ثم في آخر أمره قال : خالفوهم ، فالنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى ، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية ، وهذه صورة النسخ والله أعلم " اهـ

الثاني : قال في كشاف القناع (2/341) :
( ويكره إفراد رجب بالصوم ) ; لما روى ابن ماجه عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامه } وفيه داود بن عطاء ، وقد ضعفه أحمد وغيره ; ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه ولهذا صح عن عمر أنه كان يضرب فيه ويقول : كلوا فإنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه" اهـ
قال في الإنصاف (3/347) :
تنبيه : مفهوم كلام المصنف : أنه لا يكره إفراد غير رجب بالصوم . وهو صحيح لا نزاع فيه . قال المجد : لا نعلم فيه خلافا .
فائدتان . إحداهما : تزول الكراهة بالفطر من رجب ، ولو يوما ، أو بصوم شهر آخر من السنة . قال في المجد : وإن لم يله " اهـ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:42 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.