ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-01-20, 02:10 AM
هشام الصدقاوي هشام الصدقاوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-09-12
المشاركات: 28
افتراضي حديث أبيّ في فضل الصلاة على النبيّ

حديث أبيّ في فضل الصلاة على النبيّ

الحمد لله الواحد المعبود، عمّ بحكمته الوجود، وشملت رحمته كل موجود، ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الغفور الودود، ونشهد أن سيّدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله أولي الكرم والجود، وارض عن أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم المشهود . أما بعد: فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، جاءَتِ الرَّاجِفةُ تَتْبَعُها الرَّادِفةُ، جاءَتِ الرَّاجِفةُ تَتْبَعُها الرَّادِفةُ، جاءَ الموتُ بما فيهِ. فقال أُبَيُّ بنُ كعبٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عليكَ، فما أَجعَلُ لكَ مِن صَلاتي ؟ قال: ما شِئْتَ. قلتُ: الرُّبُعَ ؟ قال: ما شِئْتَ، وإنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لَكَ. قلتُ: النِّصْفَ ؟ قال: ما شِئْتَ، وإنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لكَ. قلتُ: الثُّلُثَيْنِ ؟ قال: ما شِئْتَ، وإنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لَكَ. قلتُ: أَجعَلُ لكَ صَلاتي كُلَّها ؟ قال: إذًا يُكفَى هَمُّكَ، ويُغفَرُ لَكَ ذنبُكَ".
قبل الدخول في تفاصيل هذا الحديث الشريف، هيّا بنا نتعرّف على الراوي. هو أُبيّ بن كعب الأنصاري الخزرجي، كنّاه النبيّ بأبي المنذر، وشهد له بالمهارة في قراءة القرآن. وهو كذلك من أوائل كتبة الوحي. من أبرز مناقبه رضي الله عنه، ما رواه أنس بن مالك، أنّ النبيّ قال لأُبَيٍّ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}، قَالَ: وَسَمَّانِي؟! قَالَ: نَعَمْ، فَبَكَى". وهو أحد الأربعة الذين أمرهم النبيّ بجمع القرآن. وهكذا، نرى أن أثر النبيّ في تربية أبيّ واضح وجليّ.
وهذا الحديث ينتصب شاهدا على فراسة أبيّ ابن كعب ووفرة علمه، كيف لا ؟ وقد سأله النبي ذات يوم "يا أبا المنذر، أي آية من كتاب الله أعظم ؟ فأجاب قائلا : الله ورسوله أعلم، وأعاد النبي سؤاله : أبا المنذر، أيّ أية من كتاب الله أعظم ؟ وأجاب أبيّ : الله لا اله الا هو الحيّ القيّوم. فضرب رسول الله صدره بيده، وقال له والغبطة تتألق على محيّاه : ليهنك العلم أبا المنذر". هكذا، هنأه الرسول الكريم بما أنعم الله عليه من علم وفهم. لذلك، فإنه عندما رأى النبيّ قائما في الجزء الأخير من الليل، مخاطبا جميع الناس، يأمرهم، على وجه الإرشاد والنصح، بالإكثار من ذكر الله، إمّا حذرا من قرب الساعة وشدّة أهوالها، أو تحسّبا من حلول الشدائد ونزولها، فعبّر عن ذلك بمجيء الراجفة متبوعة بالرادفة، ثمّ بمجيء الموت بما فيه، تأكيدا لهول الموقف.
لكن، لمّا ورد أمر النبيّ بذكر الله بصيغة العموم، طلب أبيّ التخصيص، واختار، من سائر أنواع الذكر، الصلاة على النبيّ ليصرفها إلى ذلك الظرف العصيب، فقد علم أبيّ أنّ الصلاة على النبيّ تنحلّ بها العقد، وتقضى بها الحوائج وتنال بها الرغائب وحسن الخواتم، ويستجاب بها الدعاء، وتنفرج بها الكربات، وتُكفى بها المهمّات، فضلا عمّا اشتملت عليه من معاني التوحيد وعلامات الإيمان وأسباب المغفرة.
وقد اختزل النبيّ كلّ المعاني التي اختلجت بوجدان أبيّ في استشراف فضل الصلاة عليه، في خصلتين هما جماع خيري الدنيا والآخرة: كفاية الهمّ، وغفران اللمم، فإن من كفاه الله همّه سلم من محن الدنيا وشدائدها؛ لأن كل محنة، وإن كانت يسيرة، لا بد من أن تورث الهمّ في القلب. ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة؛ لأنه لا يوبِقُ العبدَ في الدار الآخرة إلا ذنوبُه.
فأمّا من جهة أنّها تكفي الهمّ وتنجي من الغمّ، فهذا ثابت حتى في عرصات يوم القيامة، وأشدّ من ذلك عند اجتياز الصراط، قفد صحّ عن النبيّ أنه قال "ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحياناً ويتعلق أحياناً، فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته".
وأمّا من حيث أنها تغفر الذنوب، فإنّنا نجد صدى لهذا المعني في قوله تعالى "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)" [الأنفال]. "وهم يستغفرون"، يعني وهم يصلّون عليك، ويترجّح صحّة هذا المعنى باعتماد سياق الآية التي يتعهّد فيها الحقّ سبحانه بأن لا يعذّب الأمّة المحمّدية ما دام النبيّ يعيش بينهم، أو كما يفهم من هذه الآية بعد مماته ، أنّ الله لا يعذبهم ما دامت سُنّتُه فيهم. وتبعا لهذا السياق، يكون المعنى الأنسب للاستغفار هو الصلاة على النبيّ باعتبارها من أعظم أسباب مغفرة الذنوب.
ويجدر التنبيه إلى أن الصلاة على النبيّ ، لا يمكن تحصيل فضلها العميم، بمجرّد ذكرها باللسان فقط، بل ينبغي استحضار القلب والتدبر، إذ هو المقصود من الذكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه، فالتدبُر في الذكر مطلوبٌ، والعمل بمقتضاه مرغوب. فمن أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى فعليه أن يصلّي على النبيّ ، صلاة تفضي به إلى إيثار محبته على جميع المحابّ، وتحمله على طاعته والاعتصام بسنّته والاهتداء بهديه.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:18 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.