ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 17-10-12, 11:46 PM
ابو يعقوب العراقي ابو يعقوب العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-05-07
الدولة: في قلب كل محب
المشاركات: 2,252
افتراضي رد: تَعَالَوْا نَتَّفَقَهُ فِيْ تَفْسِيرِ كَلامِ اللهِ وَبَيْانُ مَعَاْنِي مُفرداتهِ فِيْ آي الذِكْرِ الحَكِيمِ [ الجزءُ الأولُ]

نكمل وبه نستعين ...

قوله تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
قال الامام الرازي في تفسيره : 1 / 344 : فإن قيل كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به ، والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء ، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين .

قوله : { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } فالمعنى أنهم ما ربحوا في تجارتهم ، وفيه سؤالان :
السؤال الأول : كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟
الجواب : هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري .
السؤال الثاني : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب : هذا مما يقوي أمر المجاز ويحسنه.


قوله تعالى : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) (17)
اليهود كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبيّ صلى الله عليه وسلم ويطلبونه ، فلما قدم عليهم ، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به ، فأذهب الله عنهم نوره ، { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } الكفر والشك والنفاق ، انظر: البحر المديد - 1 / 25.

قال الماوردي : النكت والعيون : 1 / 22 :
المثل بالتحريك والتسكين ، والمَثَل بالتحريك مستعمل في الأمثال المضروبة ، والمِثْل بالتسكين مستعمل في الشيء المماثل لغيره .
وقوله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً } فيه وجهان :
أحدهما : أنه أراد كمثل الذي أوقد ، فدخلت السين زائدة في الكلام ، وهو قول الأخفش .
والثاني : أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء ، والنار مشتقة من النور .
قوله عز وجل : { ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ } فيه وجهان :
أحدهما : نور المستوقِد ، لأنه في معنى الجمع ، وهذا قول الأخفش .
والثاني : بنور المنافقين ، لأن المثل مضروب فيهم ، وهو قول الجمهور .

قال طنطاوي في الوسيط: 1 / 32 :
ومعنى : { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } سلبه منهم ، وفي إسناد ذهب إلى الله تعالى - إشعار بأن النور الذي سلب عنهم لن يستطيع أحد أن يرده عليهم ، لأن الذي سلبه عنهم إنما هو الله الغالب على أمره .
وقال { بِنُورِهِمْ } ولم يقل بنوره ، مع أن الضمير يعود { الذي استوقد } وهو بحسب الظاهر مفرد ، لأن { الذي } قد يطلق أحيانا قد يطلق بمعنى الذين ، كما في قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا } أو لأن { الذي } أريد منه جنس المستوقد ، لا مستوقد بعينه ، فصار في معنى جماعة من المستوقدين . وصح أن يعود عليه ضمير الجمع في قوله { بِنُورِهِمْ } لذلك .
وأورد الظلمات بصيغة الجمع للمبالغة في شدتها ، فكأنها لشدة كثافتها ظلمات بعضها فوق بعض ، وأكد هذا بقوله { لاَّ يُبْصِرُونَ }.

قوله تعالى : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (18)
، وأصل الصَّمَمُ الإنسداد ، يقال قناة صماء ، إذا لم تكن مجوفة ، وصممت القارورة ، إذا سددتها ، فالأصم : من انسدَّتْ خروق مسامعه .

{ بُكْمٌ } البكم وفيه اربعة اقوال:
قال ابن عبد السلام في – تفسيره : 1 / 23:
أحدها : أنه آفة في اللسان ، لا يتمكن معها من أن يعتمد على مواضع الحروف .
والثاني : أنه الذي يولد أخرس .
والثالث : أنه المسلوب الفؤاد ، الذي لا يعي شيئاً ولا يفهمه .
والرابع : أنه الذي يجمع بين الخَرَس وذهاب الفؤاد .

وجاء في البحر المديد : 1 / 26:
المطر ، فَيْعِلٌ ، من صاب المطر إذا نزل ، وهو على حذف مضاف ، أي : أو كذي صيب ، وأصله : صيوب ، كسيد ، قلبت الواو ياء وأدغمت ، ولا يوجد هذا إلا في المعتل كميت وهين وضيق وطيب .
و { الرعد } : الصوت الذي يخرج من السحاب .
{ البرق } : النور الذي يخرج منه.

قال العلامة النشقيطي في الاضواء : 1 / 12 :
قوله تعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } الآية -
ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم ، والبكم ، والعمى . ولكنه تعالى بين في موضع أخر أن معنى صممهم ، وبكمهم ، وعماهم ، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم ، وقلوبهم ، وأبصارهم وذلك في قوله جل وعلا : { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [ الأحقاف : 26 ] .


وقوله تعالى : ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (20)
قال العلامة الشنقيطي في الاضواء : 1 / 12 :
قوله تعالى : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء } الآية
الصيب : المطر ، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم بالمطر . لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح ، كما أن بالمطر حياة الأجسام .
وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا : { والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } [ الأعراف : 58 ] . وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : « إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضاً . فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأَ والعشب الكثير ، وكانت منها أَجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها ، وسقوا وزرعوا ، وأَصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً . فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به ، فعلم وعلَّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذي أَرسلت به » .


للامام الرازي تفسيره في :1 / ص 350:
كلام عجيب لحسنه ودقة تفسيره وتحليله للنص القراني فانقله كاملا لما فيه من فائدة تغنيني عن غيره
قال: اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه :
أحدها : أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته . وتعظم الظلمة في عينه ، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة ، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذ كانوا لا يرون طريقاً ولا يهتدون .
وثانيها : أن المطر وإن كان نافعاً إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلاً ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضرراً في الدين .
وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت ، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم ، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر.
ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فراراً من الموت والقتل ، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه .
وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذي يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار .
وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة ، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق .
وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين ، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة ، والمراد من قوله : { كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ } أنه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين : { وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذٍ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه .


__________________
الأدب قبل الطلب
قال مخلد بن الحسين : « نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث »
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 31-10-12, 10:57 PM
ابو يعقوب العراقي ابو يعقوب العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-05-07
الدولة: في قلب كل محب
المشاركات: 2,252
افتراضي رد: تَعَالَوْا نَتَّفَقَهُ فِيْ تَفْسِيرِ كَلامِ اللهِ وَبَيْانُ مَعَاْنِي مُفرداتهِ فِيْ آي الذِكْرِ الحَكِيمِ [ الجزءُ الأولُ]


قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
بعد ان استعرض الله تعالى طوائف الناس الثلاث : المؤمنين المتقين ، والكافرين ، والمنافقين وجّه دعوة للناس جميعاً الى عبادته والايمان بالكتاب الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، وخاطبهم ب { يَاأَيُّهَا الناس } ينظر : تفسير القطان 1 /10.
وقال ابو حيان في البحر المحيط : 1 / ص 108 : وزعم بعضهم أنها اسم فعل معناها : أنادي ، وعلى كثرة وقوع النداء في القرآن لم يقع نداء إلا بها ، وهي أعم حروف النداء ، إذ ينادي بها القريب والبعيد والمستغاث والمندوب.
وأمالها بعضهم ، وقد تتجرد للتنبيه فيليها المبتدأ والأمر والتمني والتعليل ، والأصح أن لا ينوي بعدها منادي.

فقوله : { يا أيهاالناس } خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز ، وأيضاً فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة ، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً وما لا يكون إنساناً لا يدخل تحت قوله : { يا أَيُّهَا الناس } فإن قيل : فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعاً . قلنا : لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم . قاله الرازي في "تفسير" 1 / 358.
وقال ابو حيان في البحر المحيط : 1 / ص 109 : خطاب لجميع من يعقل ، قاله ابن عباس ، أو اليهود خاصة ، قاله الحسن ومجاهد ، أو لهم وللمنافقين ، قاله مقاتل ، أو لكفار مشركي العرب وغيرهم ، قاله السّدي ، والظاهر قول ابن عباس لأن دعوى الخصوص تحتاج إلى دليل.
ونقل ابن عطية قول ابي علي : « اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً فكان يجتمع تعريفان ، و » ها « تنبيه وإشارة إلى المقصود ، وهي بمنزلة ذا في الواحد ، و { الناس } نعت لازم لأي » .
وقال مجاهد : { يا أيها الناس } حيث وقع في القرآن مكي ، و { يا أيها الذين آمنوا } مدني .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية ، وقد يجيء في المدني { يا أيها الناس } ، وأما قوله في { يا أيها الذين آمنوا } فصحيح . ينظر : المحرر الوجيز : 1 / 39.
وجاء عن عباس رضي الله عنهما رواية اوردها في تفسير " مدارك الترتيل وحقائق التأويل " : 1 / 26 : قوله : كل عبادة في القرآن فهي توحيد.

قوله تعالى : (رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (21)
وانظر لحسن مجيء الرب هنا ، فإنه السيد والمصلح ، وجدير بمن كان مالكاً أو مصلحاً أحوال العبد أن يخص بالعبادة ولا يشرك مع غيره فيها. انظر : تفسير البحر المحيط : 1 / 110.

قوله : { الذي خلقكم } صفة مدح ، وإن كان لمشركي العرب كانت للتوضيح ، إذ لفظ الرب بالنسبة إليهم مشترك بين الله تعالى وبين آلهتهم ، ونبه بوصف الخلق على استحقاقه العبادة دون غيره ، { أفمن يخلق كم لا يخلق } أو على امتنانه عليهم بالخلق على الصورة الكاملة ، والتمييز عن غيرهم بالعقل ، والإحسان إليهم بالنعم الظاهرة والباطنة ، أو على إقامة الحجة عليهم بهذا الوصف الذي لا يمكن أن يشرك معه فيه غيره ، ووصف الربوبية والخلق موجب للعبادة ، إذ هو جامع لمحبة الاصطناع والاختراع ، والمحب يكون على أقصى درجات الطاعة لمن يحب.
وقالوا : المحبة ثلاث ، فزادوا محبة الطباع كمحبة الوالد لولده


قوله تعالى :( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (21)
لعل : حرف ترجّ في المحبوبات ، وتوقع في المحدورات ، ولا تستعمل إلا في الممكن ، لا يقال : لعل الشباب يعود ، ولا تكون بمعنى كي ، خلافاً لقطرب وابن كيسان ، ولا استفهاماً خلافاً للكوفيين ، وفيها لغات لم يأت منها في القرآن إلا الفصحى ، ولم يحفظ بعدها نصب الاسمين ، وحكى الأخفش أن من العرب من يجزم بلعل ، وزعم أبو زيد أن ذلك لغة بني عقيل. انظر: البحر المحيط : 1 / ص 108
وقال سيبويه ورؤساء اللسان : هي على بابها ، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر ، أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى



قوله تعالى : (الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً ) 22
صفة ثانية ، أو مدح منصوب ، أو مرفوع ، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا وجعل من الأفعال العامة يجيء على ثلاثة أوجه : بمعنى صار ، وطفق فلا يتعدى كقوله :
فَقَدْ جعلتُ قلوصَ بني سُهَيل ... مِنْ الأَكْوارِ مرتعُها قَريبُ
وبمعنى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد كقوله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } وبمعنى صير ، ويتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } والتصيير يكون بالفعل تارة ، وبالقول أو العقد أخرى ،
قاله البيضاوي في تفسيره : 1 / 46.

قوله تعالى : { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ }
عطف على ( جعل ) ، وخروج الثمار بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سبباً في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان ، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما.
وأصل { ماء } موه يدل على ذلك قولهم في الجمع مياه وأمواه ، وفي التصغير مويه
واختار سبحانه لفظ السماء على السموات موافقة للفظ الأرض وليس في التصريح بتعددها هنا كثير نفع ، ومع هذا يحتمل أن يراد بها مجموع السموات
والأنداد جمع ند كعدل أو أعدال أو نديد كيتيم وأيتام والند مثل الشيء الذي يضاده ويخالفه في أموره وينافره ويتباعد عنه وليس من الأضداد على الأصح ، وأصله من ند ندوداً إذا نفر ، وقيل : الند المشارك في الجوهرية فقط ، والشكل المشارك في القدر والمساحة ، والشبه المشارك في الكيفية فقط ، والمساوي في الكمية فقط ، والمثل عام في جميع ذلك ، وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله في ذاته تعالى وصفاته ولا تخالفه في أفعاله . وأنما عبدوها لتقربهم إليه سبحانه زلفى إشارة إلى استعارة تهكمية حيث استعير النظير المصادر للمناسب المقرب كما استعير التبشير للإنذار والأسد للجبان ، وإن أريد بالند النظير مطلقاً لم يكن هناك تضاد وإنما هو من استعارة أحد المتشابهين للآخر ، فإن المشركين جعلوا الأصنام بحسب أفعالهم وأحوالهم مماثلة له تعالى في العبادة ، وهي خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم ، ولعل الأول أولى ، وفي الإتيان بالجمع تشنيع عليهم حيث جعلوا { أَندَاداً } لمن يستحيل أن يكون له ند واحد.
انظر: تفسير الألوسي - : 1 / 211- 214)



قال صاحب النكت والعيون : 1 / 24 :
{ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : وأنتم تعلمون أن الله خلقكم ، وهذا قول ابن عباس وقتادة .
والثاني : معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم .

والله اعلم واحكم ...
__________________
الأدب قبل الطلب
قال مخلد بن الحسين : « نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث »
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:51 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.