ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 05-05-07, 10:40 PM
نايف الحميدي نايف الحميدي غير متصل حالياً
فرج الله عنه
 
تاريخ التسجيل: 04-03-07
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 330
افتراضي

نفع الله بك وبالشيخ
__________________
اللهم عجل بفكاك أسرى المسلمين
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-05-07, 02:25 PM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي

أحسن الله إليك أخي الحميدي ..
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 06-05-07, 02:30 PM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي الخالق 1

فكرت أن أختصر ما جاء في هذا الإسم الكريم " الخالق" على لسان الشيخ خالد السبت , فلم أستطع أن أفوت شيئا قاله إلا كتبته , لأهميته وعظمته فهي دعوة إلى التأمل ... وهذا الجزء الأول ...

-----


6- الخالق:

· (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ....) الآية , هذه الأسماء الثلاثة مترابطة في المعنى.

· هذا الاسم من أشهر الأسماء , وهو بهذا اللفظ والإطلاق لا يسمى به سوى الله تبارك وتعالى , وإن كان المخلوق بوصف بأنه يخلق كما قال عزوجل عن عيسى عليه السلام: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي... ) الآية , وسيأتي بيانه.

· لله سبحانه أسماء خاصة لا يسمى بها غيره كـ:
( الله - الرحمن - الحكم ( إذا روعي في المعنى) - الخالق - الرب )

· في كلام العرب: مادة خَـلَـقَ تدور على ثلاثة معاني:

1- ملاسة في الشيء ( أن يكون الشيء أملس ) , فهذا يقال عنه خلق هذا الشيء بمعنى صار أملسا , ومن ذلك يقال للثياب القديمة ( خَـلَـقْ ) أي هذا الثوب القديم ذهب ما فيه من أثر النسيج الجديد وما فيه من النتوءات , وهكذا الفرش.

2- تطلق ويراد بها الإيجاد , إما أن يكون هذا الإيجاد على غير مثال سابق , وهذا في خلق الله عزوجل ولا يكون إلا لله تبارك وعلا كخلق السماوات والأرض على غير مثال سابق , وإما أن يكون قد أوجد شيئا على مثال سابق , وكذلك يكون هذا الإيجاد من غير شيء , وإما أن يكون هذا الشيء قد خُـلّق من شيء آخر , كما خُلق الإنسان من نطفة , وآدم من التراب.

3- التقدير فالعرب تقول خلق بمعنى قدّر , ولا شك أن الشيء لا يكون إلا بعد أن قُدّر , فالتقدير يكون أولا ثم بعد ذلك الإيجاد قم يكون التشكيل والتصوير , كما قال زهير بمدحه لملك من الملوك:
لأنت تفري ما خلقت ** وبعض القوم يخلق ثم لا يفري



وهو المراد بالآية التي جاءت في أواخر سورة الحشر , فيصبح الخالق هو المقدر في الآية.

· الذي يصلح أن يقال اسم الله الخالق من أي اُخذ هو المعنى الثاني والثالث أي الإيجاد أو التقدير , وأما الملاسة فلا علاقة له.

· بعض الآيات التي تدل على معنى الإيجاد:

- (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) خلقنا هنا بمعنى أوجدنا وليس بمعنى قدرنا.

- (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) بمعنى أوجدناه بقدر , ولو قلنا أنه بمعنى التقدير لصار ( قدرناه بقدر ) وهذا تكرار لا معنى له.

- (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) بمعنى أوجد كل شيء فقدره تقديرا.

- (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) بمعنى الإيجاد الأول , والإنشاء الأول , حيث خلق الله عزوجل الناس ابتداءا وأوجدهم ثم بعد ذلك يعيدهم مرة أخرى في اليوم الآخر.

- (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي هذا الذي أوجده الله عزوجل وأنشأه على عير مثال سابق.

- (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ ) ليس معناه لما قدّرت بيدي , لأن الله أوجد آدم ثم أمر إبليس بالسجود له , وإنما معناه لماذا لا تسجد لما خلقت بيدي.


· فكما ترون أن الآيات تدل على معنى الإيجاد قطعا.
· وهكذا بعض الآيات تدل على معنى التقدير خاصة ولا تدل على معنى الإيجاد , وهناك آيات أخرى تحتمل الأمرين كقوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) أي أحسن الموجدين المبدعين المنشئين ويحتمل معنى آخر قال به طائفة من السلف وهو بمعنى أحسن المقدرين , ولقائل يقول أنها تدل على معنى ثالث وهو أحسن المصورين الذي أعطى كل مخلوق شكله.


· فإذا تبين من خلال معرفتنا لمعنى الخالق والبارئ والمصور أن في الآية التي في أواخر سورة الحشر أن الخالق هو المقدر , والبارئ هو الموجد بعد أن قدر , ثم بعد ذلك أعطى كل شيء هيئة تخصه وصورة فهذا هو المصور.

· وقد أحسن من جمع بين هذه الأسماء فقال:
خلق الأشياء بقدرته ** وبنور الحكمة صورها

وبراها وفق مشيئته ** وبغير مثال قــدرها
· وقال الآخر:
يا خالق النطفة الأولى وبارئها ** بلا مثال تعالى الخالق البارئ
مصور كل شيء وفق حكمته ** فالماء والطين غير النور والنار

· وقال ثالث:

لا شيء مثلك في وصف ولا ذات ** يا خالق الأرض بدعا والسماوات

وليس قبلك شيء كي نسميه ** وليس بعدك شيء في النهايات
والكون مبتدع إذ أنت موجده ** بلا مثال شبيه في البدايات
بقدرة مالها حد تنظمه ** على الحقيقة في ماض ولا آت


· وقفة تأمل في خلق الله عزوجل:

وقفة تأمل في النطفة:

· النطفة التي تخرج من الإنسان ويخرج منها الملايين من هذه الحيوانات التي يكون الواحد منها ملقحا للبويضة , والعجيب أن هذا الحيوان أو هذه الخلية التي تخرج من هذا الرجل تحمل نصف الخصائص الوراثية , وما يكون عند المرأة في البويضة يحمل النصف الآخر! , ثم بعد ذلك يحصل الازدواج ويحصل التكامل ويحصل هذا الإنسان الذي كونه الله هذا التكوين في أحسن تقويم , من جهة المعنى فجعله الله على الفطرة السوية الصحيحة , ومن جهة المبنى فجعله الله بهذا الخلق العجيب المتناسق , ووضع فيه كل شيء في محله .

فهذه الخلية حينما تخرج من الإنسان لتلقح هذه البويضة تمشي مسافة طويلة بالنسبة لحجمها الصغير , فهي تقطع مثل طولها مائة ألف مرة , وذلك كما لو أن الإنسان الذي لا يتجاوز طوله في كثير من الأحيان عن متر ونصف المتر , كما لو قطع خمسين ومائة كيلو من المترات , ومن غير أن يتوقف لحظه , ومن غير أن يستريح.

وهذه الخلية تبدأ بالانقسام ولا يحصل هناك خلط ولا خلل البتة , فهي تسير سيرا دقيقا وتنقسم انقساما عجيبا لا تفاوت فيه ولا اختلال بوجه من الوجوه , فكل خلية منشعبة تذهب إلى مكانها الصحيح الذي قدر الله عزوجل أن تكون فيه , فهذه تكون كبدا , وهذه تكون كُلى , وأخرى تكون قلبا , وأخرى تكون عينا , فلماذا لا تجتمع هذه الخلايا فتكون أكبادا كثيرة؟ , ولا نشاهد للإنسان إلا قلبا واحدا , (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ).

إذا تأمل العبد هذه القطرة الصغيرة المهينة التي هي مستقذرة التي هي أصل خلق الإنسان والتي لو مر عليها ساعة من الزمان لأنتنت وتغيرت , كيف استخرجها الله عزوجل من صلب الرجل ؟ ومن تراب المرأة! , خلق الله هذا الإنسان من أخلاط من أمشاج وجعله في أطوار, كيف استله في هذا الموضع من الرجل والمرأة ثم جمع بين هذين المائين من طرق ضيقة وخفية , ثم تجري وتستقر في الرحم , من غير الحاجة إلى عملية جراحية , فالله عزوجل ينظم في بطن الأم مئات بل آلاف العمليات الجراحية في كل لحظة في كل ساعة من غير حاجة إلى إدخالها في مستشفى ومن غير حاجة إلى شق البطن أو إضاءة في ظلمات ثلاث , يخلق الله عزوجل الإنسان خلقا من بعد خلق في هذه الظلمات من غير حاجة إلى شق أو إضاءة أو أشعة أو إلى غير ذلك , من الذي يقلبنا في الأرحام كيف يشاء؟ , هو الله الخالق البارئ الذي عرفناه بهذه الأسماء الكريمة من أجل أن نتعبده بها , ومن أجل أن يقوم في القلوب مقتضى هذه الأسماء من الإقرار بوحدانيته سبحانه , لأن الإقرار بربوبيته وأنه هو الخالق وأنه هو البارئ , إن ذلك يستلزم أن يكون هو المعبود وحده لا شريك له.

ثم انظر كيف قدر الله عزوجل اجتماع هذين المائين مع بعد كل منهما عن صاحبه , فكيف ساقهما من أعماق العروق والأعضاء فجمعها في موضع واحد!؟ , فالله يقلب هذه النطفة البيضاء المشرقة يقلبها كيف يشاء , فتصير بعد ذلك علقة حمراء تضرب إلى السواد , ثم بعد ذلك يجعلها في أطوار أخرى وقسمها فيكون لها سمع وبصر وقلب وعقل وأسنان ويد ورجل وما إلى ذلك ولو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا لها شيء من ذلك ما استطاعوا , بل لو اجتمعوا على أن يخلقوا لها شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك , فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السماوات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بناءها ؟ ..

والعلماء من أهل الطب قد درسوا هذه الخلية التي يتكون منها الجنين , وحاولوا أن يتعرفوا سر خلقها , فاكتشفوا أن مركزية هذه الخلية هي ما يسمى بالنواة , بحيث إن غياب هذه النواة يجعل استمرار هذه الحياة مستحيلا إلا في حالات استثنائية كما يقولون , ومن هنا ظن العلماء أن سر الحياة يكمن في النواة فانطلقوا ينقبون ليكشفوا أسرار هذه النواة وعجائبها ثم فوجئوا بأنهم أمام أشكال عجيبة غريبة ضمن هذه النواة , تحب وتتعطش للألوان بشكل غريب , هذه الأشكال الغريبة التي هي أشبه ما يكون بالمقصات هي ما يسمى بالكروموسومات , عثر فيها على سر خطير هو سر الوراثة بالنسبة لخلق الإنسان , فهي ملخص للإنسان في جزء صغير جدا , فكل ما بالإنسان من أخلاط ومزاج وعروق ودم وعروق وسمات ومزايا وأذواق وأشكال ولحم وعظام ولون وقامة كل ذلك قد تلخص بمقدار يسير هو واحد من المليون! جعلت فيه كل هذه الخصائص فانظر إلى دقة صنع الله عزوجل.

البشر لو استطاعوا أن يصنعوا جهازا مسجلا صغيرا أو استطاعوا أن يصنعوا كاميرا صغيرى أو نحو ذلك عُدّ ذلك إنجازا عظيما! , ثم أيضا بعدما يحصل هذا اللقاح لهذه البويضة فإن نمو الإنسان لا يمشي على وتيرة واحدة وتسلسل واحد , فهو يمشي بأحوال وأطوار متعددة , مرة في زيادة الخلايا فتصبح هذه رجل وهذه يد , وفي آخر المراحل يزيد وزن الجنين ليخرج بأحسن صورة , فمن الذي قدر له هذا التقدير؟ فإذا صار الإنسان عمره ثمانين يوما فإنه يبدو على هيئة إنسان صغير , ثم بعد ذلك تتخلق العين والأحشاء والأطراف وما إلى ذلك.


وقفة تأمل في الفم:

· انظر إلى فمك هذا الذي تأكل به الطعام , فحينما تتأمل في هذه الأسنان فإنك تجد ثلاثة أنواع منها: القواطع , والأنياب , والأضراس , وهذه الأخيرة أي الأضراس على نوعين: أضراس أمامية , وأضراس خلفية, وأما القواطع والأنياب فلكل منها جذر واحد , وأما الأضراس الأمامية فلها جذران , والأضراس الخلفية لها ثلاثة جذور نظرا لسعته وضخامته وامتلاءه , فمن الذي دبر هذا التدبير ؟

ثم انظر إلى هذه الملائمة بين هذه الأسنان وبين هذه الأضراس , لماذا لا يخرج لبعض الناس أضراس في مقدمة الفم ؟ وتكون الأسنان في آخر الفم! , هل رأيتم شيئا من ذلك ؟

لماذا لا يكون بعض الناس بهذه المثابة؟ , ثم إذا كان الأمر متحدا في جميع الخلق , فلماذا كانت هذه في الأمام وهذه متوسطة وهذه متأخرة ؟ ويكون بعض الأضراس بعد ذلك ؟ ... أقول كل ذلك قسمه الله عزوجل وقدره ورتبه ترتيبا عجيبا ليتحقق من ذلك الغرض الذي خلق من أجله.

فهذه القواطع يقطع بها الإنسان الخبز ونحوه , ثم هو بعد ذلك بهذه الأنياب التي تنتهي برأس مدبب يناسب لتمزيق اللحوم وما شابهها , وأما الأضراس الأمامية والخلفية فإن نهايتها مسطحة وعليها رؤوس صغيرة مدببة , وذلك من أجل أن تعمل عملها في طحن هذا الطعام الذي قطعته ابتداءا في أول الفم , ثم بعد ذلك يوجهه اللسان يحركه يمنة ويسره ليتوزع على هذه الأضراس , ولولا وجود هذا اللسان لكان الطعام يتكتل في وسط الفم ثم يتعين الإنسان في توجيهه للأضراس , ويحتاج بعد ذلك إلى إعمال الأصابع لتوجيه الطعام للأضراس لتقوم بدورها المطلوب.

ثم انظر إلى هذا اللعاب الذي لو كان مستمرا لتعب الإنسان من كثرة التفل , ولو كان منقطعا قليلا لا يكفي لتعب الإنسان من مضغ الطعام ولغص بأدنى الأشياء , فالله عزوجل جعله يفرز إفرازا مقدرا مرتبا محددا يليق بالحال المطلوبة.

معرفة هذه الأمور ينمي معرفة الرب تبارك وتعالى , ويملأ نفس الإنسان وقلبه تعظيما للخالق جل جلاله , ويقوده قودا إلى الإقرار بوحدانيته.

فأقول في هذا الفم الذي نأكل به الطعام , أقول تأملوا كيف شقه الله عزوجل في أحسن موضع وفي أليق موضع , تصور لو كان هذا الفم في رجل الإنسان ؟ أو في يده ؟ أو كان خلف رأسه ! كيف يكون حاله ؟ وقد أودع الله فيه من المنافع وآلات الذوق والكلام وآلات الطحن والقطع ما يبهر العقول , وجعل الله عزوجل وسط هذا الفم جعل فيه اللسان وجعل فيه ترجمانا للملك أعني القلب , فهو يترجم عن منونات الإنسان ويخبر عما في فؤاده , فهو كالبريد عن القلب وكالرسول له, وجعل هذا البريد في حسن منيع فجعله مصونا محفوظا مستورا غير بارز ولا مكشوف , فالأذن مكشوفة والأنف مكشوف , وكذلك العين مكشوفة , لأن الإنسان يحتاج أن يسمع بإذنه فهي بحاجة إلى أن تكون ظاهرة , والعين الإنسان بحاجة أن يبصر الأشياء بها فلا بد أن تكون ظاهرة , والأنف يحتاج الإنسان أن يتنفس منه فلا بد أن يكون ظاهرا إلى الخارج , وأما اللسان فله شأن آخر فهو مؤد عن القلب ومعبر عنه وليس مستقبلا للقلب , وإنما هو ترجمان له , فجعله الله مستورا لعدم الحاجة لإبرازه , وأيضا جعله الله عزوجل من ألطف الأعضاء ومن ألينها , وجعلها من أشدها رطوبة , وهو لا يتصرف إلا بواسطة هذه الرطوبة المحيطة به , فلو كان بارزا للخارج لكان عرض للحرارة واليبوسة وصار ناشفا , فمنعه ذلك من التصرف وسهولة الحركة , والإنسان إذا أصابه العطس لربما وجد أثر ذلك في لسانه , فهو أحيانا يعجز عن التعبير لشدة الجفاف الذي أصابه , وفيه سبعة عشر عضلة تحركه إلى كافة الإتجاهات , وفيه ثلاثة أعصاب لتنظيم نقل الحس.

وعلى سطح هذا اللسان يوجد تسعة آلاف نتوء ذوقي , وإذا حرك الإنسان لسانه بطريقة معينة صدر منه صوت معين , وإذا حركات باتجاه آخر صدر منه صوت آخر , والإنسان لا يجد كلفة بالكلام فيتكلم بكل يسر وسهولة وطلاقة , من الذي يسر له ذلك؟ , وإذا بدأ الإنسان يأكل الطعام بدأت هذه الغدد بالإفراز وهي محيطة بهذا اللسان عن يمينه وعن شماله ومن أمامه أعني تحته.

فأقول تأمل هذا العجب في صنع الله عزوجل , وكيف أن هذا اللسان نستخدمه في كثير من الأحيان في القيل والقال , نستخدم هذا اللسان فيما لا يرضي الله , بالغيبة والنميمة والسب والشتم والوقوع في أعراض المسلمين وما إلى ذلك.

ثم إن الله عزوجل زين هذا الفم أيضا بالأسنان , فرصها فيه رصا عجيبا , فصارت بطريقة بديعة جميلة , تُحسن الإنسان بحيث لو سقط شيء منها لبدا القبح ظاهرا فيحتاج الإنسان إلى معالجة هذا الأثر فيركب أسنانا أو ضرسا أو يرقع ضرسا مكسورا أو نحو ذلك ليتدارك النقص الذي ظهر فيه , فالإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا إذا فقدها.

ثم أيضا جعله الله عزوجل قوام الإنسان لأنه يأكل عن طريقه , وتصور حال الناس الذين لا يتمكنون من ذلك – نسأل الله لنا ولكم العافية – ممن يصابون بأمراض بالبلعوم أو في المريء أو نحو ذلك , أين يرسل إليهم الطعام؟ من أين يصلهم هذا الطعام ؟ , يصلهم إما عن طريق فتحة في أعلى الصدر , أو عن طريق الأنف بليات وعذاب وشقاء ومما يشبه ذلك.

ثم انظر كيف زينه الله من الخارج بالشفتين , فصار زينة له وحلية , وصار ذلك أيضا سببا في فصاحته , لأن الشفتين تشتركان في عملية التصويت وعملية إبراز الكلام وفصاحته , ثم هي أيضا جعلها الله لحما لا عظم فيه من أجل أن يتمكن الإنسان من الحركة بها في كل يسر وسهولة.

فهو يكشر عن أسنانه ويبتسم ويبدي مشاعره بهذه الشفاه بطريقة عجيبة , ثم أيضا هو يحتاج إلى هذه الشفاه أن تكون بهذه الحالة العجيبة من غير عظام ليتمكن من مص الشراب , ولو كان في الشفتين شيء من العظام لما تمكن من ذلك بيسر وسهولة , ثم جعلها الله عزوجل طبقا وغطاءا , فلولا وجود الشفتين لصار الفم مكشوفا ولصار عرضة للغبار , ولصار شكله في حال من القبح , ولذلك أخبرنا الله عزوجل عن أهل النار أن وجوههم باسرة , ومعنى باسرة في قول طائفة من السلف أنه إذا احترق الوجه فإنها تبدو الأسنان , تتقلص الشفتان فإذا انقلصت ظهرت الأسنان.



وقفة تأمل في اليد:

· إذا تأمل الإنسان في حاله وفي صنع الله عزوجل العجيب في بدنه رأى من ذلك عجائب وغرائب , ومن ذلك اليد التي يبطش بها الإنسان فجعلت عريضة وجعل لها خمسة أصابع , وهذه الأصابع قد جعل لكل واحد منها ثلاثة أعظم سوى الإبهام فله عظمين , ثم انظر كيف جعله الله عزوجل في طرفها , بحيث أن الإنسان يستطيع أن يقبض ويبسط ويستطيع هذا الإبهام أن يلتف عليها جميعا.

الذين يحاولون صنع ما يسمى بالرجل الآلي يقولون أنهم لو استطاعوا أن يصلوا إلى أن هذه اليد لهذا الإنسان الآلي تستطيع أن تربط الخيوط التي تكون في الحذاء يكونون بذلك أنجزوا انجازا كبيرا عظيما!.

ثم انظر كيف شد الله أطراف هذه الأصابع بالأظفار , زينة لها وكي يستطيع الإنسان أن يأخذ بها الأشياء الدقيقة التي لا يستطيع أخذها بمجرد أطراف الأصابع , وجعلها الله سبحانه حماية لأطراف اليد , وأيضا لغير الإنسان سلاحا يقاتل بها أعني المخالب , وأيضا يحتاجها الإنسان ليحك بها , ثم انظر كيف تمتد هذه اليد في كل يسر وسهولة إلى ما احتاج إليه من بدنه فيحك الإنسان جلده ويصلح شؤونه ويفعل ما يريد , حيث طولها الله عزوجل , تأمل لو كانت هذه اليد قصير بقدر شبر كيف يكون حال الإنسان وما مدى انتفاعه بها ؟

ثم انظر إلى أطراف هذه الأصابع كيف جعل الله بها هذه الخطوط الدقيقة التي يقال لها البصمات , ولا يمكن أن يتشابه اثنان في العالم في هذه الخيوط ا, وبذلك استطاع الناس أن يعرفوا بذلك المجرمين , واستطاعوا أن يميزوا الأشخاص بعضهم عن بعض.


وقفة تأمل في العظام:

· وتأمل أيضا فيما جعل الله عزوجل في خلقك من هذه العظام فلو خلا منها الإنسان لصار كتلة من اللحم لا يستطيع أن ينهض ولا يستطيع أن يقوم ولا يستطيع أن يتحرك الحركة المطلوب , ولا يتنقل في شؤونه , ولا يأخذ ويعطي ويقاتل ويدفع ولا غير ذلك , إنما هو قطعة من اللحم تتلبط في مكانها.

فجعل الله عزوجل هذه العظام قواما لهذا البدن , وخلقها الله عزوجل وقدرها تقديرا عجيبا , وفاوت بينها بالخلق , فمنها الصغار ومنها الكبار ومنها الدقاق ومنها الغلاظ ومنها الطويل والقصير والمنحني والمستدير والمجوف والمصمت ومنها ما يكون خشنا ومنها ما يكون أملسا , فالذي يكون في أطرافها وعند نهاياتها يكون أملسا في غاية الملاسة من أجل أن لا يحتك بغيره ومن أجل أن تسهل الحركة , ولو كان خشنا لحصل بذلك احتكاك وفساد لهذه العظام وآلام لا يحصيها إلا الله عزوجل , ثم جعل الله بين هذه المفاصل جعل بينها سائلا , كالزيوت والشحوم التي توضع في مواضع الاحتكاك في الآلات لتسهل الحركة , ثم انظر كيف جعل الله عزوجل هذه العظام على هيئات مختلفة , فحينما تكون الحاجة للاستدارة والحركة في النواحي مختلفة يركبها الله تركيبا يتناسب مع ذلك , انظر إلى رقبة الإنسان تتحرك إلى الأمام وإلى الخلف واليمين والشمال , ويستطيع الإنسان أن يتلفت بكل يسر وسهولة , وانظر إلى نهاية الفخذ مع الورك , كيف أن العظم جعله الله مستديرا , بحيث إن الإنسان يمكن أن يتحرك حركة مرنة بهذا التكوين والتصريف العجيب.
وأما المفصل الذي يكون في الركبة , فإن الله دبره تدبيرا يتناسب مع الحاجة , حيث أنه بحاجة إلى تحريكه إلى الأمام والخلف , ولو كان يتحرك إلى اليمين والشمال لكان هذا سببا في تعثر الإنسان , ثم انظر أيضا كيف جعل الله عزوجل هذه العظام التي في الفم جعلها بهذه الهيئات التي وصفنا في بعض المرات الماضية لتكون آلة للطحن أو القطع أو غير ذلك من الأغراض التي جعلها الله عزوجل لها.

ثم انظر أيضا كيف أن الله فصلك هذا التفصيل , ولو جعلك عظما واحدا لكان ذلك سببا لمشكلات , فأنت لا تستطيع أن تقوم وتنهض وتجلس وتركع وتسجد , ثم لما كان ظهر الإنسان بحاجة إلى حركة في غاية المرونة لم يجعله من عظم واحد أو عظمين , وإنما جعله من هذه الفقار الكثيرة ليتمكن من التحرك بكل يسر وسهولة , ثم أن الله عزوجل شد أطراف هذه العظام بأوتار شدها بعضلات وشدها بعصب وجعلها بمنزلة الأربطة التي تشد طرفا إلى طرف , ثم جعل الله عزوجل في أطراف كل واحد من هذه العظام جعل فيها زوائد وجعل في الطرف الآخر ثغورا ومداخل لأطراف هذا العظم فيدخل هذا في هذا ثم بعد ذلك يتكون منه هذا التركيب البديع, من الذي صنعه ومن الذي أبدعه ومن الذي جعله في هذه الهيئة وفي هذا الموضع وجعله في هيئة أخرى في موضع آخر , فإذا أراد الإنسان أن يتحرك صار ذلك عليه يسيرا سهلا.
ثم انظر كيف جعل الله عزوجل العظام التي بأسفل البدن جعلها قوية ومتينة , لأن البدن يقوم عليها ويعتمد , وأما العظام التي لا يقوم عليها الإنسان في قيامه وقعوده بجعله الله عزوجل دقيقة لا تحتاج إلى هذه الضخامة وهذه القوة.

وقفة تأمل في الأذن:


· ثم انظر إلى هذه الأذن كيف جعلها الله عزوجل ظاهرة لتستقبل الأصوات , فإن الحكمة من خلقها هي أن يستقبل بها الإنسان المسموعات , ثم انظر كيف جعل الله بها هذه الدوائر والغضاريف وذلك لحكم عظيمة , جعل الله عزوجل هذه الإذن كالصدفة لتجمع الصوت ثم تؤديه بعد ذلك إلى داخلها , وجعل هذه التجاويف والتعوجات جعلها لتمسك الهواء والصوت إلى الداخل ثم تنكسر حدته قبل أن يضرب في داخل الإذن فتتأذى منه , ومن حكمة ذلك أيضا أن الله عزوجل يطول بذلك على كل ما أراد أن يدخل بهذه الأذن من النمل والحشرات فهو يحتاج إلى عمل ووقت ومعالجة من أجل الوصول إلى ثقبها ثم يتنبه الإنسان بعد ذلك ثم يخرجه , فلو كانت الأذن مجرد ثقب لكان سهلا أن تدخل عليها الذر وما إلى ذلك فيتأذى بها الإنسان , ثم أيضا جعل الله عزوجل سائلا في هذه الأذن مر الطعم من أجل أنه لا يتمكن شيئا من هذه الحشرات إلى الوصول داخل هذه الأذن , فإذا بلغ هذا الموطن بدأ يبحث على حيلة ليخرج وينجو بنفسه لأن لا يموت , فلا يستطيع أن يتجاوز هذا الموضع داخلا إلى بطن الأذن فهذا من حكمة الرب جل جلاله.



وقفة تأمل في الرأس:

· وأما الرأس فقد جعله الله عزوجل عاليا , وجعل فيه هذه العظام القوية التي تحيط بما حواه من كل جانب , حتى أن بعض العلماء المتقدمين يقولون إن هذه العظام التي ركب الله عزوجل بعضها في بعض بالرأس يقولون أنها تبلغ خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والمقادير والمنافع فجعلها الله عزوجل بهذا التداخل والتشابك حتى صارت كأنها لُحمة واحدة , فإذا أصيب واحد منها سلم الآخر , ثم جعلها الله عزوجل محكمة مشدودة لا يدخل إليها الهواء , وذلك لحماية الدماغ وحماية الحواس التي جعلها الله عزوجل في هذا الرأس , فهذا الرأس هو أكرم شيء في الإنسان فيه الوجه وفيه الحواس السمع والبصر والذوق والشم , وفيه فوق ذلك أيضا فيه الدماغ الذي فيه اتصال بالقلب , وهذا القلب هو موضع العقل , فجعله الله عزوجل مرتبطا بهذا الدماغ وأحاطه بهذه الحماية العجيبة كل ذلك صنع هذا الخالق البديع في صنعه وفي فعله وفي خلقه تبارك وتعالى , وجعله الله عزوجل في الأعلى لأن فيه أغلى الأشياء , ولأن فيه البصر والسمع والإنسان يحتاج في بصره إلى أن يكون في مكان مرتفع , تصور لو كان بصر الإنسان في رجله أو في ركبته! , كيف يكون عرضة لكل لطمة ولكل آفة! , كيف تكون الحماية لهذا البصر لو كان في رجل الإنسان؟ ثم كيف يستطيع أن يبصر الأشياء وبصره في رجله أو بطنه وإنما جعله الله عزوجل في هذا المكان المرتفع كالبرج يبصر به الأشياء من بعيد , وكذلك السمع فهو بحاجة إلى أن يسمع الأصوات من بعيد , فجعله الله عزوجل في هذا الموضع المرتفع في الإنسان , فصار البصر في مقدم الرأس كالطليعة له وكالحارس الكاشف للبدن .


وقفة تأمل في الشعر:

· وقد زين الله هذا الرأس بهذا الشعر الذي صار حسنه به وجعله لباسا له , كل ذلك لحكمة عظيمة , ويعرف الإنسان قدر هذه النعمة إذا فقد شيئا من ذلك , وأنتم ترون الناس يبحثون عن العيادات التي تزرع لهم شعرا اصطناعيا أو تقول أنها تستطيع أن تصنع لهم بصيلات ينبت بها شعر طبيعي لهؤلاء الناس , ما شأن الإنسان حينما يسقط شعره أو يصاب بالصلع؟ , لاسيما إذا كانت امرأة , كثيرا من الناس لربما رفضوا بعض العلاج الضروري كالذين يصابون بالسرطان – أجارنا الله وإياكم من ذلك – بعضهم يرفض هذا العلاج ومن أسباب رفضه أنه يشوه صورته كما يقولون , حيث أن شعره يتساقط , مع أن هذا الشعر لا يتساقط إلى الأبد ولكن يرجع إليه ثانية.

وقفة تأمل في العين:


· ثم انظر بعد ذلك إلى هذه العين التي جعلها الله عزوجل في هذا الرأس , وابن القيم يقول إن الله عزوجل ركب كل عين من سبع طبقات , لكل طبقة وصف مخصوص ومقدار مخصوص ومنفعة مخصوصة , لو فقدت طبقة من تلك الطبقات السبع أو زالت عن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عن الإبصار بالكلية , ثم إن الله عزوجل جعل في وسط هذه الطبقات السبع جعل خلقا دقيقا عجيبا , وهو ما يسمى بإنسان العين وهو صغير جدا بقدر العدسة يبصر به الإنسان , وجعله من العين بمنزلة القلب من الأعضاء فهو ملكها , وتلك الطبقات التي جعلها الله عزوجل بمنزلة الحراس لهذه العين أعني بذلك الأجفان , التي تكون بمنزلة الآلة الماسحة –مثل مساحة السيارة- تمسح عن هذه العين ما يعلق بها من الغبار والأشياء العالقة بالجو , ثم إنها أيضا حماية لها فإذا شعرت العين بالخطر تحرك هذا الجفن بشكل تلقائي , لا يحتاج منك إلى أمر أن تأمره من أجل أن يتحرك ليحمي هذه العين , ثم إنه يريح هذه العين في بعض الأحوال كالنوم ونحوه , فجعله الله عزوجل غطاءا للعين وسترا لها وحفظا وزينة وهما أيضا أعني الجفنين يلقيان الأذى عن هذه العين ويلقيان القذى والغبار ويحميانها من الحر ومن البرد , ثم إن الله عزوجل غرس في أطراف هذه الأجفان غرس فيها الشعر , زينة وحفظا أيضا لهذه العين , ثم إن الله أودع هذه العين هذا البصر الذي يبصر به الأشياء , وإذا انطفأ هذا البصر والنور الذي في هذه العين لم ينتفع الإنسان بها , ثم إن الله عزوجل أجرى في هذه العين عينا ملحا , من أجل أن لا تنتن هذه العين , فهي تحتاج إلى رطوبة , وهي أيضا لو كانت هذه الرطوبة حملة لكان ذلك سببا في تلف شحم العين وتلفا لبعض أعضائها فتضرر من ذلك فتتعفن , فجعل الله عزوجل هذا السائل جعله ملحا , من أجل أن يعقمها وينظفها ويحافظ على رطوبتها من غير أضرار ومن غير آفات يورثها ذلك , والله تعالى أعلم , ثم إذا وقع في هذه العين شيء من القذى أو الأذى فإن هذا الدمع يدر بطريقة تلقائية ليغسل هذه العين ويزيل ما علق عليها من أذى وقذى وغبار ومن آفات , كل هذا أبدعه الله عزوجل وصنعه وركبه في جسمك أيها الإنسان وأنت ساهٍ لاهٍ لا تدري عن شيء من هذه الأمور , وإنما إذا فقد الإنسان شيء منها , أو أصابه الضرر , صار عنده ثقافة واسعة بهذا العضو , وآثار هذا العضو , والحاجة إليه , وما يترتب على فقده , وما هي الأدواء والأمراض التي تصيبه , حينما يصاب الإنسان في مرض في عينه أو في أذنه لربما أخذ ثقافة واسعة عن الأدوية والأسباب والنتائج والآثار الجانبية وما يتعلق بذلك , وصار يحدث الناس , كل من زاره أعطاه تصورا عن هذا العضو الذي لربما كان قبل هذا المرض لم يعرف كيف يعمل هذا العضو , وما هي الآفات التي تصيبه , ولم يخطر بباله شيء من ذلك , وإنما ركب الله ذلك فيه من غير جهد منه ولا كسب ولا عمل فتبارك الله أحسن الخالقين.

وقفة تأمل في الأنف:

· ثم انظر إلى هذا الأنف كيف جعله الله عزوجل على هذه الهيئة , وجعل طرفه الأعلى قصبة دقيقة , ليتحقق الغرض , وهو أن يدخل الهواء دون سائر الأشياء , فهو لا يحتاج أن يكون في طرفه الأعلى عريضا فيدخل معه كل شيء , وإنما هو بحاجة إلى هذه الدقة ليمنع دخول الغبار والقذى والأذى والحشرات وما إلى ذلك , ثم إن الله جعل فيه شعرا ليمنع دخول الغبار ليكون بمنزلة المصفاة ولأن لا يدخل فيه شيئا فيصل إلى الرأس , ثم إن جعل الله عزوجل له منخرين مع أنه عضو واحد أعني الأنف , وذلك أن الإنسان بالنسبة للعين والأذن , كل واحد منها يعد حاسة مستقلة , إذا فقد هذا عوض بالآخر , حتى إن العلماء يقولون إن الإنسان إذا فقد واحدة من أعينه فإن نورها ينتقل إلى الأخرى فيتضاعف نورها , الحاصل أن الأنف لما كان حاسة واحدة جعل الله عزوجل له منخرين , فإذا تأذى هذا أو تضرر أو تعطل بزكام أو بغيره من الآفات , فإن الآخر ينتفع به ويعوض عن الآخر , وجعل طرفه الأسفل جعله عريضا مقارنة بطرفه الأعلى , وذلك ليتحقق الغرض ليدخل الماء فيغسل , ثم ليدخل أكبر قدر من الهواء فيتنفس الإنسان بطريقة سهلة , فيصل ذلك إلى قلبه من غير شعور بالحرج والضيق وانحباس النفس , فالله تبارك وتعالى صنعه هذا الصنع , وأبدعه بهذه الطريقة , كل ذلك لحكم عظيمة بالغة , قد لا نتصورها ولا تخطر لنا على بال.

وقفة تأمل في القلب:

· فهذا القلب الذي هو ملك الجوارح وزنه يقرب من واحدا وعشرين وثلاثمائة غرام , وحجمه بقدر قبضة اليد , تبلغ ضربات الرجل ما يقرب من ستين إلى ثمانين ضربة في الدقيقة الواحدة , وينبض في العام أربعين مليون مرة , وفي كل ضخة يدخل إلى القلب حوالي ربع رطل من الدم , ويضخ في يوم واحد ألفين ومائتين من الجوالين من الدم , وحوالي ست وخمسين مليون جالون على مدى الحياة يعني من الدم , فلو أن الإنسان قيل له تكفل بهذا القلب لمدة ساعة واحدة , فهو كما قلنا في الدقيقة الواحدة تبلغ الضربات ما بين ستين إلى ثمانين ضربة , فلو قيل له أنت موكل بهذا القلب في ساعة واحدة فقط , كيف يكون شانه؟ , لا يستطيع أن يلتفت إلى شيء إطلاقا , لا يستطيع أن يأكل ولا يتكلم مع الناس ولا يناقش ولا ينتفع بأي وجه من وجوه الانتفاع , في شغله في عمله في نومه .. لا يستطيع أن ينام لأن هذا القلب سيتعطل , فانظر كيف تعمل هذه الأشياء دون أن يشعر الإنسان , ولو وكلت إليه لضاع وضيعها , وهذا القلب يستطيع لو أنه استعمل آلة تحرك الأشياء أو رافعة صغيره يستطيع بكل نبضة من هذه النبضات هي بقدر قوة رافعة ترفع شيئا أو ثقلا بمقدار أو على زنة رطلي , ترفعه على مقدار قدمين , بكل نبضة يمكن أن يرفع هذا المقدار من الموزونات على هذا الارتفاع , وذلك بنبضة واحدة! , أما الدم الذي يمر عبر هذا القلب , فإن الدفعة الواحدة التي تمر من خلال القلب بوقت لا يتجاوز نصف الثانية , وأما الطريق من القلب إلى الرئة ثم إلى القلب مرة أخرى , فإن ذلك يستغرق ست ثواني فقط , وأما الدم الذاهب إلى الدماغ فإنه يعود إلى القلب مرة ثانية في ثماني ثواني , بينما يعود الدم الذاهب إلى أصابع القدم في ثماني عشرة ثانية , وهذا الدم فيه تركيب عجيب , فهو يحوي خمسة ملايين من كريات الدم الحمراء , في كل متر مكعب واحد منه , الملي متر فيه خمسة ملايين كرية حمراء من كريات الدم ومجموع ما في الدم من الكريات الحمراء خمس وعشرين مليون كرية حمراء , ولو فرشناها كبساط تفرش سطحا مقداره ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسين مترا مربعا , وإذا صفت واحدة بعد الآخر على هيئة الخيط فإنها من دم الإنسان الواحد , فإن مجموع أقطار هذه الكريات يقولون إنه ينشئ طولا يغلف الكرة الأرضية ست إلى سبع مرات .


وقفة تأمل في النَفس:

· وأما النفس الذي يتنفسه الإنسان , فإنه يتنفس في كل يوم خمسا وعشرين ألف مرة , تصور! لو أعطيت هذه الرئة للإنسان وقيل له تنفس أنت لمدة يوم واحد , ينفه في هذه الرئة ثم يعصرها , ما الذي سيحدث؟ هو سيتعب , لو الإنسان طلب منه أن ينفخ بالونة واحدة لتعب ومل , فالإنسان يتنفس ما يقرب من خمس وعشرين ألف مرة يسحب فيها مائة وثمانين مترا مكعبا من الهواء , وفي مجموع دم الإنسان كما ذكرنا خمس وعشرين مليون كرية دم حمراء تنقل الأكسجين , وخمس وعشرين مليار كرية بيضاء لمقاومة الجراثيم , ولمناعة البدن , ومليون مليون صفيحة دموية لحفظ الدم ضد النزيف , ولإيجاد التخثر عندما تحصل الجروح , والكرية الواحدة من كريات الدم متوسط العمر الذي تعيشه مائة وعشرين يوما , وفي هذه المدة تقطع في العروق مسافة طويل تنقل بها الأكسجين , وقدر هذه الرحلة ما يقرب من خمسين ومائة وألف كيلومتر عبر عروق البدن .






وبقيت وقفات تأمل ستكتب بإذن الله ..
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 06-05-07, 02:32 PM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي الخالق 1

مكرر أرجو حذفه ..
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 07-05-07, 02:46 AM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي الخالق 2

وقفة تامل في البدن عامة:

· وجسم الإنسان يحوي أكثر من ستمائة عضلة , وأكثر من مائتين عظم , وتحوي العضلة المتوسطة الحجم على عشرة ملايين ليف عضلي , وتحوي عظمة الفخذ بمفردها أكثر من ثلاثين ألف عمود من الكلف , أما عضلات الإنسان مجتمعا فإن عملها لو أردنا أن نقدره فإنه يساوي ما حمولته ( في يوم واحد طبعا ) عشرين طنا , وأما المعدة ففيها من غدد الإفراز ما يقارب خمسة وثلاثين مليون غدة , وأما الدماغ ففيه من الخلايا العصبية ثلاث عشرة مليار خلية عصبية , ومائة مليار خلية دبغية استنادية تحرس الخلايا العصبية , وفي العين مائة وأربعين مليون مستقبلا للضوء , وتحت جلد الإنسان من المكيفات التي يقال لها الغدد العرقية لتلطيف البدن فيه ما يقرب من خمسة إلى خمسة عشر مليون مكيف يعني غدة عرقية , وفي كبد الإنسان ما يقرب من ثلاث مائة مليار خلية يمكن أن تتجدد كليا كل أربعة أشهر , وأما الكلى فإن الكلية الواحدة للإنسان تزن خمسين ومائة جرام فقط , هي صغيرة كما تعلمون , وفيها مليون وحدة وظيفية لتصفية الدم , ويرد إلى الكلية الواحدة خلال أربع وعشرين ساعة ألف وثمنمائة لتر من الدم , ويعاد امتصاص معظم ذلك , ويطرح منه حوالي لتر ونصف وهو المعروف بالبول , وكل شيء في هذا الإنسان يتجدد من الخلايا والكريات وغير ذلك ويتغير إلا شيئا واحدا إلا الخلايا العصبية كما يقول الأطباء.

هذه الخلايا العصبية تبقى وتستمر ولا تتلف ولا تتجدد ولا تزداد , والأطباء يقولون لو كانت تتلف وتتجدد فذلك يعني أن الإنسان يفقد ذاكرته تماما كل ستة أشهر , فهو يحتاج إلى أن يتعلم حتى مبادئ اللغة والنطق والحروف من جديد , فانظر إلى رحمة الله وبديع صنعه.

وأنت أيها الإنسان فانظر إلى صنيعك في اليوم الواحد , الإنسان يأكل في اليوم الواحد ما يقرب من ثلاثة إلى أربعة أرطال من الطعام , ويشرب في اليوم الواحد لترا ونصف اللتر من السوائل أو أكثر , ويتنفس ثلاث وعشرين ألف مرة , ويدق قلبه مائة ألف مرة في اليوم , ويختزن في ذاكرته من الصور التي شاهدها نصف مليون صورة جديدة كل يوم! , ويتخلص الإنسان في كل يوم من قدر أوقيه من الأملاح المعدنية , ويفرز لترا ونصف من اللعاب يوميا تقريبا , ويفز أيضا مثل هذا المقدار من العرق , وأما الكريات البيضاء في الدم فإنها تمثل محطات الدفاع الأولى للبدن , فهي بمثابة الفرق والدوريات المتجولة , فتقوم بحراسة هذا البدن من الجراثيم وتهاجمها , وأما الغدد اللمفاوية فهي تصطاد الجراثيم حينما لا تنجح مقاومة الكريات البيضاء لهذه الجراثيم , فهي خط الدفاع الثاني وهي أقوى من الكريات البيضاء , وحينما يحصل هذا العراك بين هذه الغدد اللمفاوية وبين الجراثيم تتضخم هذه الغدد ويزيد حجمها من جراء هذا القتال الدائر مع هذه الجراثيم الغازية , فهذه من الجنود التي خلقها الله عزوجل في بدنك وأنت لا تشعر وأنت ساهٍ لاهٍ , ثم في فترات هذه المعارك الضارية تحصل أشياء وتفاعلات وتعلن حالة الطوارئ فالبدن ليس له شهية إلى أن يأكل , والعرق يتصبب , والحرارة ترتفع , والوجه يتغير , ويشعر الإنسان بشيء من الإرهاق والتعب العام والخمول والضعف ونبضات القلب تتسارع والنشاط العام يحصل فيه شيء من الفتور , كل لك بمقاومة هذا العدو الصائل وأنت لا تدري شيئا عن ذلك كله , فالله عزوجل هو الذي قدر هذا الشيء وقضاه وصنعه وخلقه وبرئه وتبارك الله أحسن الخالقين , وقد أحسن من قال:

يا مدرك الأبصار والأبصار لا ** تدري له ولكنه إدراكا

إن لم تكن عيني تراك فإنني ** في كل شيء أستبين علاكا
· وقفة تأمل في الأفلاك:

· هذه النجوم التي نشاهدها ليلا , يقول أهل الفلك أنها تبتعد في كل ثانية بسرعة فائقة عن مكانها وتتحرك حركة مدهشة سريعة طبقا لنظام محدد وقواعد محكمة , بحيث إنها مع هذه السرعة والانتقال العجيب لا تصطدم مع بعضها , ولا يحصل اختلال في سرعتها , فهي تسرع سرعة منضبطة محددة لا تزيد ولا تنقص.

وهذه الأرض التي نعيش عليها فيها من العجائب والغرائب التي أودعها الله عزوجل فيها شيئا يبعث إلى العجب , فهي تتحرك حول الشمس بحركة منضبطة تمام الانضباط , ولا يمكن أن يحدث أدنى تغيير في سرعتها في هذه الحركة عندما تدور حول الشمس حتى بعد مرور مئات السنين , فإنها تبقى بهذه الحركة لا تزيد ولا تنقص , ولا تضطرب ولا تختل.

وهذا القمر الذي نشاهده ليلا , فهو يتبع حركة الأرض ويدور في فلك مقرب منضبط , مع تفاوت يسير جدا , ويتكرر ذلك بعد كل ثمانية عشر عاما ونصف العام بدقة فائقة , وتلك هي حال جميع الأجرام السماوية.

ويقول أهل الفلك بأن مجرات النجوم يتداخل بعضها في بعض , فتدخل مجرة في مجرة , والمجرة الواحدة يقولون إنها تشتمل على البلايين من السيارات المتحركة فتتداخل مع مجرة أخرى تحمل مثل ذلك أو قريبا من هذا العدد الهائل , وتتحرك سياراتها مع الأخرى , ثم تخرج منها بعد هذا التداخل بسياراتها جميعا , دون أن يحدث أي تصادم بين سيارات المجرتين , فهذا كله يجري بدقة عجيبة من غير اضطراب ولا اختلال ولا تفاوت في هذا الخلق العجيب الذي أبدعه الله تبارك وتعالى.

وقشرة هذه الأرض التي نعيش عليها , يقول العلماء بأن هذه القشرة لو كانت أكثر سمكا بمقدار عشرة أقدام من سمكها الحالي لما وجد الأكسجين , وبدون الأكسجين كما هو معلوم تستحيل الحياة حياة ذوات الأرواح , ولو كان الغلاف الهوائي ألطف مما هو عليه الآن يقولون لاخترقت النيازك كل يوم غلاف الأرض الخارجي , ولرأيناها مضيئة في الليل , ولسقطت على كل بقعة في الأرض وأحرقتها , فهذه النيازك التي تنهال على هذا الكوكب ثم هي تتلاشى في هذا الفضاء يقولون إنها تواصل رحلتها بسرعة أربعين ميلا في الثانية , ونتيجة لهذه السرعة العظيمة , فلو كان هذا الغلاف أضعف مما هو عليه الآن , لخرقت كل شيء يمكن اختراقه على الأرض , حتى تصبح الأرض خضرا بعد عين , وعجائب الله عزوجل لا يمكن عدها وحصرها.

وهذا رجل من علماء الغرب قد تخصص في هذه العلوم الفلكية حصل له موقف عجيب مع أحد علماء المسلمين الذين لهم اشتغال بالعلوم الطبيعية والرياضية , يقول هذا العالم المسلم وهو من علماء الهند وهو ( عناية الله المشرقي ) يقول كان في يوم الأحد من أيام سنة تسعة وتسعمائة بعد الألف , يعني من تاريخ النصارى , يقول كانت السماء تمطر بغزارة وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما , فإذا بي أرى الفلكي المشهور ( السير جمس جنس ) الأستاذ بجامعة كيمبوردج , ذاهبا إلى الكنيسة والإنجيل والشمسية تحت إبطه , فدنوت منه وسلمت عليه فلم يرد علي , فسلمت عليه مرة أخرى , فسألني ماذا تريد مني ؟ فقلت له أمرين: الأول أن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر , فابتسم وفتح شمسيته على الفور , يقول فقلت له وأما الأمر الآخر: ما الذي يدفع رجلا ذائع الصيت في العالم أن يتوجه إلى الكنسية ؟ وأما هذا السؤال توقف لحظة ثم قال عليك أن تأخذ شاي المساء عندي , يقول وعندما وصلت إلى داره في المساء في تمام الساعة الرابعة بالضبط , وجدته ينتظرني وعندما دخلت عليه في غرفته , وجدت عليه منضدة صغيرة موضوع عليها أدوات الشاي , وكان البروفيسور منهمكا في أفكاره , وعندما شعر بوجودي سألني ماذا كان سؤالك؟ ودون أن ينتظر الرد بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية ونظامها المدهش وأبعادها وفواصلها اللامتناهية وطرقها ومداراتها وجاذبيتها حتى أنني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله , وأما هو فوجدت شعر رأسه قائما والدموع تنهمر من عينيه ويداه ترتعدان من خشية الله , وتوقف فجأة ثم بدأ يقول يا عناية الله عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي , وعندما أركع أمام الله وأقول له إنك لعظيم أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء وأشعر بسكون وسعادة عظيمين ( هذا كافر!! ) يقول وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة! , أفهمت يا عناية الله لماذا أذهب إلى الكنيسة! يقول عناية الله فأحدثت هذه المحاضرة طوفانا في عقلي , وقلت له لقد تأثرت جدا من التفاصيل العلمية التي رويتها لي , وتذكرت في هذه المناسبة آية من آي كتابي ( يعني القرآن ) فلو سمحت لي قرأتها عليك , فهز رأسه قائلا بكل سرور اقرأ , فقرأت عليه الآية التالية: (وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) فصرخ هذا الرجل وقال ماذا قلت! إنما يخشى الله من عباده العلماء , مدهش وغريب وعجيب جدا إن الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة , من أنبأ محمدا به ؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة , لو كان الأمر كذلك فاكتب شهادة مني أن القرآن كتابا موحى من عند الله , ( طبعا نحن نعرف أن القرآن هو كتاب موحى من عند الله ولسنا بحاجة إلى شهادته ولسنا بشك من كتابنا , ثم إن هذه الآية: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) إنما هي في علماء الشريعة وليس في علماء الطبيعة , لكن على كل حال هؤلاء قد تقودهم علومهم إلى معرفة الله عزوجل أحيانا كما في مثل هذا الموقف , وقد تقودهم علومهم إلى مزيد من الإلحاد كما هو الغالب ) ثم يقول هذا الرجل لقد كان محمدا أميا ولا يمكنه أن يكشف بهذا السر عن نفسه ولكن الله أخبره بهذا السر , مدهش وغريب وعجيب جدا!.

وهذا طبيب اشترك مع بعض الأطباء في تصنيع قلب اصطناعي , بهره عجيب صنع الله عزوجل في خلق الإنسان فما وسعه إلا أن يقول إن جسمنا هو الكمال ذاته وهو غاية ما تصل إليه التقنية , ومهما يكن نوع الآلة التي يمكن أن تصنع ومهما بلغت من التعقيد والكمال فإننا نجد في تركيب جسمنا ما هو أفضل منها , ونظرة واحدة نلقيها على تكون الطفل في رحم أمه تقنعنا بأعجوبة المراحل التي يمر بها , كما تقنعنا بأنه لا بد من هذه الصنعة المركبة العجيبة من صانع ماهر , وكلما تعمق الإنسان في تشريح جسمه وأدرك دقائقه ازداد إيمانا بوجود الخالق , يقول إن عملية الأكل والبلع والهضم وتحويل الطعام إلى دم وسكر وأحماض والاحتفاظ بالنافع منه وطرح الفضلات كل أولئك يدعو بلسان الواقع إلى الإقرار بوجود الخالق , فهذا رجل ليس من المسلمين بهره دقة صنع الله تبارك وتعالى فيك أيها الإنسان فما وسعه إلا أن يقر بهذا الإقرار , وصدق الله عزوجل حيث يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) فالله تبارك وتعالى يذكر بعجيب خلقه , سواء كان ذلك في خلق الإنسان أم الأفلاك أم في خلق الحيوان , والله تبارك وتعالى يقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) ويقول الله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) والله تبارك وتعالى يذكرنا ويأمرنا بأن ننظر ونتبصر فيما حولنا من المخلوقات التي نعايشها التي توجد في بيئتنا الله جل وعلا يقول: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ).

· وقفة تأمل مع خلق الجمل:


· وهذه المخلوقات التي ذكرها الله تعالى , لو تأملنا واحدا منها فقط عن هذا الجمل الذي أمرنا أن ننظر كيف خلق فإننا نجد هذا الجمل في هيئته الظاهرة قد ركب تركيبا عجيبا , فهو ينقل الناس في الصحراء , فجعل الله عزوجل له من الآلات ومن الخلق ما يتناسب مع هذه البيئة ومع هذا الأمر الذي خلقه من أجله ,فلما كان البعير يقطع المسافات كما قال الله عزوجل حينما ذكر أحكام الفيء : (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) في سورة الحشر , ومعلوم أن الإيجاف بالركاب أي الإسراع بالركاب أي بالإبل يستخدم في المسافات الطويلة البعيدة , وأما الخيل فإنها تستعمل لغارة على العدو , فالله عزوجل يقول : (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) لم تغيروا فيه على عدو ولم تسيروا عليه وتقطعوا شقة بعيدة على الإبل التي يسافر عليها , ولما كان انكسار المسلمين في وقعة أحد , أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن يتتبع المشركين وأن ينظر إليهم , ووجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمر يعرف به قصدهم , فذكر لهم إنهم إن جنبوا الخيل فهم يريدون مكة , يعني إن ركبوا على الإبل فهم يريدون مكة لأن الإبل تستعمل للسفر , وإن ركبوا الخيل فهم يريدون المدينة.

فالحاصل أن هذا الجمل ركبه الله تركيبا عجيبا , فجعل في عينيه في الجفن الأعلى وفي الجفن الأسفل جعل فيه من الشعر الكثيف بحيث أنه يمنع وصول الرمال إلى عينيه , وجعل الله عزوجل في أذنه شعرا كثيفا , بحيث أنه يمنع دخول الرمال إلى داخل الأذن , كما جعل له الله عزوجل شفة مشقوقة , وذلك أن الجمل حينما يسير في وقت الحر وفي وقت الريح , فإنه يستطيع أن يسد أنفه بهذه الشفة المشقوقة , فهو يتفادى بذلك آثار الريح من دخول الأتربة بأنفه , ويتفادى أيضا بذلك آثار دخول الريح من تسبيب العطش له.

وجعل الله عزوجل لهذا الجمل جعل لها سناما , وبعض الجمال تكون من ذوات السنامين , فهذا السنام يكون كالمخزن للغذاء , فيجتمع فيه الدهن والودك فيستطيع الجمل أن يبقى مدة طويلة ولا يأكل ولا يشرب , يستطيع الجمل أن يجلس خمسة عشر يوما لا يشرب , وأيضا فقد جعل الله عزوجل لهذا الجمل قوائم طويلة بحيث أنه يستطيع أن يسرع وأن يقطع المسافات وليكون ذلك متناسبا مع جسمه , فهو مع ضخامته إلا أنه يتحرك بكل خفة , ومعلوم أن الرجل إذا طالت كان ذلك أسرع في المشي , وأنت تشاهد ذلك حينما يمشي الإنسان الكبير مع الطفل الصغير , وكلاهما يمشي على سجيته , وتجد أن هذا الطفل الصغير يبطئ في المشي عن الكبير , وذلك لأن الرجل الطويلة تقطع من المسافة في الخطوة الواحدة أكثر مما تقطعه الرجل الصغيرة , فجعل الله عزوجل قوائم هذا الجمل جعلها طويلة , وجعل في أسفلها هذا الخف الذي هو لين الملمس من أسفله , وذلك في هيئة مفلطحة عريضة بحيث أنه يستطيع أن يطأ على الرمال دون أن يغوص فيها مع ضخامة بدنه ومع ثقل وزنه.

فلماذا ركّبه الله عزوجل هذا التركيب وصنعه بهذه الطريقة العجيبة البديعة , كل ذلك عن علم وحكمة فتبارك الله أحسن الخالقين.

وأما إذا نظرنا في الأحوال الداخلية في هذا الجمل فإننا نجد عجبا قد حير العلماء , ففي جسم الجمل تركيبات لم يصل العلماء إلى سرها حتى الآن , لكنهم عرفوا بعض عملها وبعض أثرها , وهذه التركيبات تعمل على خفض درجة حرارة الجمل , فكلما اشتد الحرارة وارتفعت درجة الحرارة برد داخل الجمل , فلا يعرق ولا يبول فيفقد الماء , كما يتجنب الجمل فقدان الماء عن طريق التنفس بالمحافظة على كمية بخار الماء الموجود بهواء الزفير بفضل الأغشية المخاطية الأنفية والمتصفة بقابليتها لامتصاص الماء الذي يكون في هذا الهواء الخارج من جوف الجمل في عملية التنفس , فهو لا يخسر شيئا من السوائل البتة , حيث إن هذا الهواء حينما يخرج من جوفه فإن الله عزوجل قد ركب في هذا الجمل أشياء تمتص الرطوبة التي تكون في هذا الهواء , فهو لا يتعب مع التنفس ولا يعطش في عملية التنفس الطبيعية.

ويستطيع الجمل أن يفقد قريبا من ثلث السوائل التي في جسده , أو يستطيع أن يفقد من السوائل مقدار ثلث الوزن الذي يزنه هذا الجمل , ومن يستطيع ذلك سوى الجمل , فإذا كان وزن الجمل مثلا ثلاثمائة كيلو فإنه يستطيع أن يفقد من السوائل ما مقدار مائة كيلوا من غير أن يتضرر , ويستطيع أن يعوض هذه السوائل في مدة عشر دقائق , فهو يستطيع أن يشرب في هذه المدة مائة لتر من الماء , ثم هو أيضا يحتاج إلى ساعتين لتصل هذه السوائل إلى جميع أجزاء الجسد وخلاياه.

وأما هذا الوبر الذي يتوهم الإنسان لأول وهلة أنه لربما كان سببا لعنائه في وقت الحر , وأنه سببا لتكالب الحرارة على جسم الجمل وبالتالي زيادة العرق , فإن ذلك على خلاف ما نتوهمه , فهذا الوبر له دور كبير في الموازنة بين حرارة الجسم وبين حرارة الجسد , فهو يجعل جسد الجمل على حد من الحرارة بحيث إنه لا يحتاج إلى فقد مزيد من السوائل عبر الغدد العرقية الموجودة على سطح جلده , وكلما ازدادت كثافة الوبر على جسم الجمل كانت عملية العزل أكبر وأعلى.

أما كيف يحول الجمل الغذاء المدخر إلى دهون ثم يرفعها من أمعائه إلى سنامه ليكون مخزنا له , فهذا شيئا حير العلماء ولا يعرفون له جوابا إلى هذه الساعة!.

فوجود هذا الخلق العظيم المحيط بنا من كل ناحية , دليل أكيد على قدرة الله تبارك وتعالى وعلى عظمته وعلى كماله , والإنسان في كثير من الأحيان يبقى عاجزا منكسرا أمام هذا الخلق فيبهره ولا يستطيع أن يتعرف على كثير مما يحيط به فضلا على أن يصل إلى الإحاطة به من كل جانب , أو إلى الإحاطة في المخلوقات البعيدة عنه التي لا يشاهدها.

وقفة تأمل في التربة:

· فالتربة التي يقف عليها الإنسان فيها من المخلوقات العجيبة الدقيقة التي لا يراها الإنسان الشيء الكثير , حيث أن بعض العلماء يقولون إن ما يقرب من عشرين بالمائة مما في هذه التربة إنما هي مخلوقات وكائنات دقيقة حية , لا نشاهدها وهي تتحرك وتعيش! , ويخبرني بعض الإخوان أنه نظر إلى بعض الكائنات الدقيقة في مكبر , فيقول فرأيت عجبا , يقول رأيت أشياء لها خراطيم , ورأيت أشياء مما لا نشاهده في العين المجردة , يقول رأيتها تتحرك وتمشي وقد خلقها الله عزوجل على خلق عجيب , فهي عندما كبرت في هذا المكبر , صارت في هيئة مرعبة , فيقول لو أن الإنسان يشاهد هذه الأشياء على وسادته وفي فراشه ولربما في الإناء الذي يأكل منه لعافت نفسه هذا الطعام , ولم يستطع أن ينام على هذا الفراش مع أنه مليء من هذه الكائنات الدقيقة , وأنتم تعرفون أن الأطباء يقولون إن هذه الفرض هي بحاجة إلى أن توضع في الشمس بين حين وآخر ليطرد ذلك عنها هذه المخلوقات الدقيقة التي يعج بها هذا الفراش , ولربما رأيتم في الصحف صور بعض الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة حينما تكبر , ويقولون أنها تكون مع الغبار أو أنها من مسببات الربو , فهذه الأشياء يعج بها هذا الكون , ونحن لا نشاهدها ولا نراها , فأقول هذا كله يدل على عظمة الخالق تبارك وتعالى.


ما يؤثره هذا الاسم الكريم في المؤمن:

والله عزوجل أخبرنا في كتابه أنه هو الخالق وحده لا شريك له , وأن كل ما سواه فهو مخلوق مربوب عاجز وضعيف , فليس في هذا الكون سوى خالق واحد , يقول الله عزوجل: (قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) , ويقول سبحانه : (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ) , فالله عزوجل هو الخالق وحده وكل ما سواه فهو محدث كائن بعد أن لم يكن , مخلوق مربوب لربه وخالقه جلت قدرته وتعالى شانه.

فأنت أيها الإنسان الضعيف مسبوق بالعدم , كنت بعد أن لم تكن , والله عزوجل يقول: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) , فينبغي للعبد أن يستحضر هذا المعنى , وأن يعظم الرب الخالق البارئ التعظيم اللائق بجلاله وعظمته , وأن لا يترفع الإنسان ويغتر ويتعالى عن عبادة الله تبارك وتعالى , ثم أيضا إذا عرف العبد أن ربه هو الخالق البارئ , ينبغي أن يثبت أن الله عزوجل لا يزال يتصف بهذه الصفة , فالله يخلق خلقا بعد خلق , فلا زال ربنا تبارك وتعالى يكون ويخلق ويوجد خلقا جديدا , والله عزوجل يقول: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) ويقول: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ) ومعلوم أن التعبير بالفعل المضارع , أن الفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار , وإذا كان الله عزوجل يخلق ما يشاء فمعنى ذلك أنه يوجد خلقا لم يكن موجودا , فلا يزال الله تعالى كذلك.

ثم إن الله تبارك وتعالى لم يستفد اسم الخالق أو البارئ بعد أن خلق الخلق , ولم يستفد هذا الاسم بعد أن براهم , كما أنه لم يستفد اسم البديع بعد أن أبدع الكائنات , فالله عزوجل موصوف بجميع أوصاف الكمال قبل أن يخلق الخلق , فله الكمال المطلق , ولم يكن تبارك وتعالى معطلا عن أوصاف الكمالات في وقت من الأوقات , والله عزوجل يقول: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) , فالذي يخلق يكون كاملا , والله عزوجل له الكمال المطلق منذ الأزل , فالله تبارك وتعالى هو الخالق قبل أن يخلق الخلق.

ثم إن الله تبارك وتعالى إذا كان هو الخالق , فإن معنى ذلك أنه خلق كل شيء ومن ذلك أنه خلق هذا الإنسان وخلق أيضا عمل الإنسان , كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله يصنع كل صانع وصنعته ) يقول الإمام البخاري معلقا عليه: فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.

وإذا عرف العبد هذه الحقيقة , فإنه لا يقول كما يقول بعض أهل البدع والضلال بأن أحدا في هذا الكون لربما يخلق , أو أن العبد يخلق أفعاله , فالله خلقنا وخلق أفعالنا , كما قال عزوجل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) .

ثم إذا كان الله عزوجل هو الخلق , وكان ما سوى الله عزوجل هو المخلوق المربوب , فإن هذا يقتضي أن يعبد وحده لا شريك له , وأن يوحد دون أن يجعل له شريك من هؤلاء العاجزين المربوبين المخلوقين , كيف يجعل لله الخالق تبارك وتعالى شريكا من خلقه ؟ , والله عزوجل يقول : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) فهم ذاهبون عن الحق حيث جعلوا له من هؤلاء المخلوقين المربوبين شركاء , وقد أثبت الله عزوجل عجزهم وضعفهم عن خلق أضعف الأشياء فقال الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ).

وقد زعم بعض الملاحدة أنه يخلق , وحينما طولب بإثبات ذلك , أخذ قطعة من اللحم فشرحها , ثم جعل بين هذه التقاطيع والشرائح من اللحم , جعل بينها روثا , ثم جعل ذلك جميعا في علبة أو في كوز ثم أغلقه وأحكم إغلاقه , ثم أخذه بعد ثلاثة أيام وفتحه فإذا هو يعج بالدود , فزعم أنه هو الذي خلق ذلك , فقال له بعض من حضر على البديهة , هب أنك خلقته فكم عدد هذا الدود؟ فلم يدري ولم يستطع الإجابة , ثم سأله سؤالا آخر فقال كم منه الذكور والإناث ؟ وهل تقوم أنت برزقه , فلم يستطع أن يجيب بشيء.

فالله عزوجل هو الذي خلق جميع الخلق وأحصاهم عددا ,وهو الذي يقوم برزقهم تبارك وتعالى , كما قال جل وعلا: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ).




· ثم أيضا إذا عرف العبد أن ربه هو الخالق , فينبغي أن يتفكر في معنى عظيم , وهو أن هذا الخلق الذي أوجده الله عزوجل أنه لم يكن عبثا , وأن الله سبحانه لم يرد به لعبا أو لهوا تعالى ربنا وتقدس عن ذلك علوا كبيرا , كما قال الله عزوجل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) فالله ينكر عليهم هذا الظن الفاسد أنه خلقهم جل وعلا لا إلى حكمة وإنما خلقهم عبثا من غير قصد عظيم وحكمة كبرى , وقد أبان الله عزوجل هذه الحكمة العظيمة في الخلق فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) فمن تفكر في هذا المعنى هداه بإذن الله عزوجل إلى سلوك الطريق الذي ينبغي أن يسلكه , وهو المعنى الذي خلقه الله عزوجل لأجله , وهو العبودية لله جل جلاله.

أما الذي يشاهد هذه المخلوقات وهذه الأفلاك دون أن يوصله هذا النظر إلى هذا المعنى , فهذا نظر لا خير فيه ولا يورثه نفعا وإنما يكون حجة عليه.

أسأل الله عزوجل أن يبصرنا وإياكم في الدين , وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين , اللهم أصلح لنا شأننا كله دقه وجله , اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك , اللهم أصلح أحوال المسلمين , والحمدلله رب العالمين.





__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 07-05-07, 02:47 AM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي الخالق 2

مكرر للأسف وهذه المشكلة دائمة الحصول ألا وهي تكرار المشاركات ... فلعل الإدارة تنقذنا
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 08-05-07, 03:19 PM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي

7- الحكيم:

· أصل هذه المادة في كلام العرب(حكم) أصلها يدور على معنى واحد في جميع استعمالاتها وهذا المعنى الواحد هو: المنع.

فإذا رأيت هذه اللفظة مهما تصرفت ومهما تقلبت على أنحاء شتى من معاني العرب فإنها تدور على هذا المعنى (المنع).

· الحكيم هو الذي امتنع بما تحلى به من العلم , والقدرة على وضع الأشياء في مواقعها , وامتنع أن يدخل رأيه خطأ أو أن يدخل تصرفه زلل.
فهذا هو الحكيم الذي يبدي الكلام والرأي والفعل عن علم فيوقع ذلك في أحسن موقع.

· الحاكم:هو الذي يمنع أحد الخصمين على التعدي على حق الآخر.
· الحَكَمَة: هي الحديدة التي توضع في فم الدابة فتمنعها من الانفلات.
· الحِكْمة: هي صفة راسخة , توجب لمن اتصف بها صوابا في الرأي وسدادا في العمل , وهي عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم.
· الحُكم: قيل له ذلك لأنه يمنع أحد الخصمين من التسلط على حق الآخر وهكذا..

· الحاصل أن الحكيم على وزن فعيل , ومعلوم أن فعيل في كلام العرب يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مُفعل , فإذا كان بمعنى فاعل فالحكيم بمعنى: الحاكم , وإذا كان بمعنى مُفعل فهو بمعنى: المحُكم يعني الذي يحكم الأشياء ويتقنها.

· سمى الله عزوجل به نفسه بهذا الاسم ( الحكيم ) , وقد ورد في كتاب الله عزوجل في أكثر من 90 موضعا , وغالبا ما يرد هذا الاسم مقترنا باسم الله العليم , وكذا العزيز , وذلك يخبر عن معنى وهو أن حكمة الله عزوجل صادرة عن علم , وصادرة عن عزة.

فمن اقترانه باسم الله العليم قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
ومن اقترانه باسم الله العزيز قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).
ومن اقترانه باسم الله الخبير قوله تعالى: (الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ).
ومن اقترانه باسم الله التواب قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ).
ومن اقترانه باسم الله العلي قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ )
ومن اقترانه باسم الله الواسع قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ).



الحاصل أن اقتران اسم الله عزوجل الحكيم بأسماء أخرى له دلالة وله معنى , وذلك أن حكمة الله صادرة عن علم هذا عندما يقترن بالعليم , وحينما يقترن بالخبير مثلا فهذا يدل على أن حكمة الله عزوجل صادرة عن خبرة وهي معرفة بواطن الأشياء وهذه الخبرة , وحينما يقترن باسم الله عزوجل التواب فهذا يدل على أن الله تبارك وتعالى حينما يوفق بعض العباد للتوبة فإنما ذلك عن علم وحكمة , وهكذا في سائر المواضع.

· التلازم بين الحكم واسم الله الحكيم :

وقد قال بعض أهل العلم في هذا المعنى كلاما حسنا وهو قوله وقد تضمن هذا الاسم يعني الحكم جميع الصفات العلى والأسماء الحسنى إذ لا يكون حكما إلا سميعا بصيرا عالما خبير إلى غير ذلك.
فهو سبحانه الحكم بين العباد في الدنيا والآخرة في الظاهر والباطن وفيما شرع من شرعه وحكم من حكمه وفي كل القضايا التي قضاها على خلقه قولا وفعلا , وليس ذلك لغير الله تعالى , ولذلك قال: (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) وقال: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) , فلم يزل حكيما قبل أن يحكم , ولا ينبغي ذلك لغيره.

· الحَكم والحكام , أيهما أبلغ ؟؟

الله عزوجل سمى نفسه بالحكم , والذي يظهر والله أعلم , أن الحَكم أبلغ من الحاكم والعلم عند الله عزوجل أنه لا يستحق التسمية بالحَكم إلا من كان حاكما مقسطا عادلا على قول طائفة من العلماء , فيرون أن الحَكم من صفات التعظيم والمدح , وأما الحاكم فهي جارية على الفعل بحيث إن ذلك يقال لكل من حَكم فيقال له حاكم , أما الحَكم فذلك يقال لمن صار ذلك صفة له مع قسط وعدل , وقال بعض أهل العلم أيضا أنه لا يقال الحَكم إلا من تخصص في ذلك , يعني من حكم مرة قيل له حاكما , وأما من تخصص في الحكم فإنه يقال له حَكما كما قال الله عزوجل: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ).

ومما يدل والله أعلم على أن الحَكم أبلغ من الحاكم , أنه لا يصح للإنسان أن يكني نفسه بأبي الحكم كما دل عليه حديث هاني بن يزيد رضي الله عنه بإسناد صحيح , وذلك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حينما وفد قومه على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعهم النبي يدعونه بأبي الحكم , فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن علة ذلك , فأخبره أن قومه كانوا إذا اختصموا وتشاجروا جاءوا إليه فحكم بينهم فرضوا بحكمه , فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصفة ولكن بين أمرا آخر فقال: إن الله هو الحَكم وإليه الحُكم , ثم سأله عن أولاده فذكر له عددا من الأولاد فقال من أكبرهم فذكر له شريحا , فقال أنت أبو شريح , فغير النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكنية.



فبعض العلماء أخذ من هذا أنه لا يجوز التكني بأبي الحكم , وقالوا إن ذلك من الأسماء المختصة بالله عزوجل , وبعضهم توسط في هذا الباب ولعله أقرب , وهو أن الإنسان إذا تسمى بذلك أو تكنى به مراعاة للمعنى فذلك لا يجوز , يعني إذا قيل له ذلك بناءا على صفة فيه وهو أن يحكم بين الناس حكما عادلا أو يرتضونه فكني بذلك أو لقب به فذلك لا يجوز لأن فيه مضاهاة لاسم الله عزوجل فالله هو الحكم وإليه الحكم , وأما من سمي به بمجرد التسمية فإن ذلك لا إشكال فيه والله تعالى أعلم , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عن علة ذلك ولم يغيره ابتداءا.

· جمع ابن القيم رحمه الله هذه المعاني في الحَكم والحكيم وذكر ذلك في نونيته ونظمه في بعض الأبيات فقال:
وهو الحكيم وذاك من أوصافه ** نوعان أيضا ما هما عدمان
حكم وإحكام فكل منهما ** نوعان أيضا ثابت البرهان



يعني أن الحكيم يتضمن الحكم , ويتضمن أيضا الإحكام , وحكم الله عزوجل نوعان كما قال ابن القيم رحمه الله فذكر أولا أنواع الحكم فقال:

والحكم شرعي وكوني ولا ** يتلازمان وما هما سيان


يعني أن أحكام الله عزوجل على قسمين:


- أحكام شرعية: وهي الشرائع التي شرعها , الحلال والحرام , فهذه أحكامه في غاية الإتقان , وليس فيها خلل بوجه من الوجوه , وهي أحكام صحيحة لا غلط فيها ولا تضارب ولا تناقض , وهي مبنية على حكم عظيمة وعلى غايات سديدة , فالله عزوجل عندما يأمر وينهى إنما ذلك لحكمة كبرى.

- أحكام كونية: وهي أحكامه الكونية القدرية , (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) , فهذه أحكام الله الكونية حيث أن الله عزوجل يدبر أمور هذا الكون جميعا بقوله كــن , وأحكام الله الكونية أيضا هي في غاية الإتقان , وليس فيها خلل بوجه من الوجوه , وما أراده الله عزوجل كان وما لم يرده لم يكن , مهما حاول الناس منعه أو إيجاده , فالله عزوجل هو الذي يدبر ويقدر المقادير لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه , جلت قدرته وتعالت أسماءه وصفاته , فهو يتصرف بهذا الكون بمقتضى الحكمة , فإذا أمرض أحدا فإن ذلك لحكمة يعلمها , وإذا أفقر أقواما وأغنى أخرين فذلك لحكمة يعلمها.

معنى قول ابن القيم رحمه الله ( لا يتلازمان ) أي لا تلازم بينهما , يعني مثلا الله حينما يأمر بالصلاة , قد يوجد أناس لا يصلون , فوجد بحقهم الحكم الشرعي , ولم يوجد الحكم الكوني , وهو فعل الصلاة من قبل المؤمن , فالمؤمن اجتمع فيه الحكم الكوني والحكم الشرعي , فالله أمر الصلاة تعلق به الحكم الشرعي , صلى تعلق به الحكم الكوني , وأما الكافر فإنه وجد فيه الحكم الشرعي وهو الأمر بالصلاة تعلق به لأنه مكلف , ولا يوجد في حقه الحكم الكوني لأنه لو وجد لصلى هذا الكافر.

وهكذا الأمر بالإيمان , أبو بكر رضي الله عنه حينما آمن , وجد فيه الحكم الكوني لأن إيمانه لم يقع إلا بإرادة الله عزوجل الكونية , ووجد فيه الحكم الشرعي حيث أنه امتثل أمر الله تبارك وتعالى , وأما أبو جهل مثلا فإنه وجد فيه الحكم الشرعي , وهو أنه مخاطب بالإيمان , ولو يوجد فيه الحكم الكوني حيث أنه لم يؤمن , لو أن الله قدر إيمانه لآمن , ولكنه وجد فيه حكم كوني آخر وهو أن الله كتب عليه الخزي والصغار والضلال فكفره فإنما هو بإرادة الله الكونية.

فلا تلازم بين هذه الإرادات , فقد توجد الإرادة الكونية ولا توجد الإرادة الشرعية , فالكافر حينما يكفر هنا هذه ليس إرادة لله شرعية وإنما إرادة كونية , وحينما يتعلق بالكافر الأمر بالإيمان ثم لا يؤمن تكون قد وجدت فيه الإرادة الشرعية دون الكونية وهي وقوع الإيمان فعلا منه , والمؤمن الذي يؤمن بالله عزوجل يكون قد وجد فيه مقتضى الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.

ثم قال ابن القيم رحمه الله:

بل ذاك يوجد دون هذا مفردا ** والعكس أيضا ثم يجتمعان


أي يجتمعان بالصورة التي ذكرت وهي إيمان المؤمن.

لن يخلو المربوب من إحداهما ** أو منهما بل ليس ينتفيان


ثم بعد ذلك بدأ يفرق بين هذه الإرادة وهذه الإرادة , وأن الأحكام الشرعية هي التي يحبها الله , وأن الأحكام الكونية لا تستلزم محبة الله لهذا الأمر.

ثم قال:

والحكمة العليا على نوعين ** أيضا حصلا بقواطع البرهان
إحداهما في خلقه سبحانه ** نوعان أيضا ليس يفترقان

إحكام هذا الخلق إذ إيجاده ** في غاية الإحكام والإتقان

وصدوره من أجل غايات له ** وله عليها حمد كل لسان
والحكمة الأخرى فحكمة شرعه ** أيضا وفيها ذانك الوصفان
غاياتها اللاتي حمدن وكونها ** في غاية الإتقان والإحسان




· فإذا علم العبد أن عبده تبارك وتعالى حكيم في شرعه فإنه يستسلم لهذا الشرع ولأمر الله عزوجل , فلا يعترض ولا يتردد في قبول أحكامه وفي التحاكم إلى دينه وشرعه , ثم أنه يرفض بعد ذلك كل شرع يخالف شرع الله عزوجل حكما وتحاكما , ويؤمن إيمانا جازما أن من شرع دينا ونظاما لم يأذن به الله تعالى وادعى أنه أصلح لحياة الناس ومعاشهم , أو ساواه بشرع الله , أو جوز الحكم به , فإنه قد أشرك بالله عزوجل , ومن أطاعه في ذلك على علم فقد أشرك بالله أيضا , ذلك في أن في ذلك الصنيع كفرا بأسماء الله عزوجل وصفاته ومنها اسمه الحكيم , فوق ما فيه من كفر لتوحيد الألوهية وتوحيد الطاعة والإتباع , والله عزوجل يقول: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) , ويقول تبارك وتعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) , ويقول سبحانه: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) , فهذه الآيات تقرر أن كل من تحاكم لغير شرع الله عزوجل فهو مشرك به تبارك وتعالى.


· يقول العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في التعليق على قوله تعالى: (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) يقول: وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك فيه , جاء مبينا في آيات أخر , كقوله تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ) , وقوله تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ.. ) الآية , وقوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ..) الآية , وقوله: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) , وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) , وقوله: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) , وقوله (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) , وقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ) إلى غير ذلك من الآيات , ويفهم من ذلك كقوله ( ولا يشرك في حكمه أحدا ) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله , أنهم مشركون بالله , وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخرى كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله كما قال المشركون قال للمسلمين محتجين عليهم تقولون ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال , وما ذبحه الله بيده بسكين من ذهب فهو حرام , فأنتم إذا أحسن من الله , فالله عزوجل رد على هذه الفرية والشبهة من المشركين فقال: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) , فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم , وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) , وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً ) , وقوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً ) , أي ما يعبدون إلا شيطانا وذلك بإتباع تشريعه , ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ .. ) الآية , ومن أصلح الأدلة في هذا أن الله جل وعلى في سورة النساء أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله , يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون , وما ذلك إلا أن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب , وذلك في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) , وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلى على لسنة رسله صلى الله عليهم وسلم , أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم. ا.هـ


· يقول ابن القيم رحمه الله في ضمن ما ذكره من الفوائد المستنبطة من هذه الآية: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) يقول: ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه , فإذا انتفى هذا الرد انتفى هذا الإيمان , ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه , ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين , فإنه من الطرفين , وكلا منهما ينتفي بانتفاء الآخر , ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم , وأن عاقبته أحسن عاقبة , ثم أخبر سبحانه أنه من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه , والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبعوع أو مطاع فهو طاغوت , يقول ابن القيم رحمه الله: فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , أو يعبدونه من دون الله , أو يتبعون على غير بصيرة من الله , أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله , فهذه طواغيت العالم , إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت , وعن التحاكم إلى الله والرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت , وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته , وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة من تبعهم , ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معا , ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم لو قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك ولم يستجيبوا للداعي ورضوا بحكم غيره , ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحيكم غيره والتحاكم غيره كما قال تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) , اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق , أي بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما , كما يفعله من يروم التوفيق بينما جاء به الرسول وبينما خالفه , ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق , والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسية ورأي , فمحص الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق وبالله التوفيق , ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم من الدقيق والجليل , ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه , ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما وينقادوا إنقيادا , وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) , فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله , ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا , وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) , أي لا تقولوا حتى يقول ولا تأمروا حتى يأمر , ولا تفتوا حتى يفتي , ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه , روى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما ( يعني في معنى الآية ) : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة , إلى أن قال رحمه الله ( أعني ابن القيم ) والقول الجامع في معنى الآية لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل , وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) , فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم , فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه , أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم؟ , وقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) , يقول ابن القيم: فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه فأولى أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب إلا بعد استئذانه وإذنه معروف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه. انتهى كلامه رحمه الله.

· فهذا هو الحكيم لأن الحكمة كما عرفنا هي العلم الصحيح مع الحكم الصحيح , فهي الصواب في القول والصواب في الرأي والصواب في العمل , فمن كان مصيبا في حكمه وفي علمه وفي كلامه فهو الحكيم.

· يقول العلامة المفسر الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله: وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله , والحرام هو ما حرمه الله ,والدين هو ما شرعه الله , فكل تشريع من غيره باطل , والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه...
إلى أن قال رحمه الله في صفة من يستحق أن يكون مشرعا يقول: اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة صفات من يستحق أن يحكون الحكم له , فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة التي سنوضحها الآن إن شاء الله , ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية , فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع , سبحان الله وتعالى عن ذلك , فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون ليتبع تشريعهم , يقول: وإن ظهر يقينا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك فليقف بهم عند حدهم , ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية , سبحانه وتعالى أن يكون له شريك في عبادته أو حكمه أو ملكه , فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) ثم قال مبينا صفات من له الحكم: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف بأنه هو الرب الذي تفوض إليه الأمور , ويتوكل عليه , وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما على غير مثال سابق , وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجا , وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ...) الآية , وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير , وأنه له مقاليد السماوات والأرض , وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر , أي يضيقه على من يشاء وهو بكل شيء عليم , فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم , ولا تقبلوا تشريعا من كافر خسيس حقير جاهل , ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) فقوله فيها: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) كقوله في هذه: (فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) , ومن الآيات الدالة على ذلك: (لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ) فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض , وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات , وبصره بكل المبصرات , وأنه ليس لأحد دونه من ولي , سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا , ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) , فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد , وأن كل شيء هالك إلا وجهه , وأن الخلائق يرجعون إليه , تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته , ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) , فهل في الكفرة الفجرة المشرعين النظم الشيطانية من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب سماوي بأنه العلي الكبير , سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك , ومن الآيات الدالة على ذلك: (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فهل في مشرع القوانين الوضعية من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة؟ , وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال قدرته وعظمة إنعامه على خلقه؟ سبحان خالق السماوات والأرض جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته أو ملكه , ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون ) فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده وأن عبادته وحده هي الدين القيم. ( انتهى كلامه رحمه الله مع شيء من الاختصار ).

· هذا الذي صدر عنه هذا الشرع أيضا , حكيم يضع الأمور في مواضعها ويوقعها في مواقعها , فيطمئن العبد كل الاطمئنان إلى هذا التشريع الذي صدر من هذا المالك المعبود جل جلاله , حيث أن شرعه تبارك وتعالى كله حكمه , وإنما وضعه لمصالح عظيمة , تقوم بها حياتهم وتقول بها آخرتهم.

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في الكلام على هذا المعنى: فإنه تعالى شرّع الشرائع وأنزل الكتب , فهل هناك كرم أعظم من هذا؟ , فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له , وإخلاص العمل له , وحمده وشكره والثناء عليه , أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق , وأجل الفضائل لمن يمن الله عليه بها , وأكمل سعادة وسرور للقلب وللأرواح , كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية , والنعيم الدائم , فلو لم يكن في شرعه وأمره إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات وأكمل اللذات ولأجلها خلقت الخليقة وحق الجزاء , وخلقت الجنة والنار , لكانت كافية شافية.

يقول: هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير , فأخباره تملأ القلوب علما ويقينا وإيمانا وعقائد صحيحة , وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها , وتثمر كل خلق جميل وعمل صالح وهدى ورشد , وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا , فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة , ولا ينهى إلا عن ما مضرته خالصة أو راجحة , ومن حكمة الشرع الإسلامي أنه كما أنه الغاية لصلاح القلوب والأخلاق والأعمال وللاستقامة على الصراط المستقيم , فهو الغاية لصلاح الدنيا , فلا تصلح أمور الدنيا صلاحا حقيقيا إلا بالدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا مشاهد ومحسوس لكل عاقل , فإن أمة محمد لمّا كانوا قائمين بهذا الدين أصوله وفروعه وجميع ما يهدي ويرشد إليه , كانت أحوالهم في غاية الاستقامة والصلاح , ولمّا انحرفوا عنه وتركوا كثيرا من هداه ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية انحرفت دنياهم كما انحرف دينهم , وكذلك انظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القوة والحضارة والمدنية مبلغا هائلا , لكن لما كانت خالية من روح الدين ورحمته وعدله كان ضررها أعظم من نفعها , وشرها أكبر من خيرها , وعجز علماؤها وحكماؤها وساستها عن تلافي الشرور الناشئة عنها , ولن يقدروا على ذلك ما داموا على حالهم , ولهذا كان من حكمته تعالى أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه.

· أقول للمهزومين من أبناء المسلمين الذين لا يرونه حقا إلا ما أحقه أصحاب العيون الزرقاء , أقول لهم اسمعوا كلام حكماء الغرب , ونحن لسنا بحاجة إلى كلامهم والحمد لله , وليس يصح بالأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل , فنحن لسنا في شك ولله الحمد من شريعة الله عزوجل ومن عدالة حكمه , لكن أقول للمفتونين من أبناء المسلمين الذين يغترون بهؤلاء ويرون أن الصواب عندهم دائما أقول اسمعوا ما يقوله حكماؤهم!:

- يقول ادوار لمبير , وكان ناظرا لمدرسة الحقوق الخديوية بالقاهرة سنة 1906 في تاريخ النصارى , يقول: إن في الشرعية الإسلامية كنزا لا يفنى ومنبعا لا ينضب , وأنه خير ما يلجأ إليه المصريون في الوقت الحاضر في البحوث العلمية حتى يعيدوا لمصر ولبلاد العرب هذا المجد العلمي.

- ويقول آخر واسمه استيلانا في بعض مؤلفاته: إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني إن لم نقل فيه ما يكفي الإنسانية كلها!.
- ويقول ثالث اسمه هولكوم وهو استاذ للفلسفة بجامعة هالفارد : الشريعة الإسلامية تحتوي على جميع المبادئ اللازمة للنهوض.

- ويقول آخر يقال له جبتون وهو من علماء التاريخ المعاصرين : وجاءت الشريعة الإسلامية عامة في أحكامها , يخضع لها أعظم ملك وأقل صعلوك , فهي شريعة حيكت بأحكم منوال شرعي , وليس لها مثيل في العالم.

فهؤلاء كما قيل: الحق ما شهدت به الأعداء! , ولست بحاجة أن أورد هذا الكلام على مسامعكم أيها الإخوان , وأعتذر إليكم من إيراده , ولكن ماذا نقول بمن فتنوا بهؤلاء؟ , وأن من يرون بأن الميزان بين الحق والباطل ما يقرره هؤلاء وما يحقونه أو يبطلونه , فهؤلاء نقول لهم , هذا ما قاله حكماؤهم , فكيف بنا نستحي من أن نتلقى أحكام الله عزوجل , وأن نظهرها , وأن ندعو الناس إليها , وأن ننشرها في العالمين , كيف بنا نتردد في تطبيق ذلك في أنفسنا وفي أسرنا , كيف بنا أن نتحرج أحيانا أن نذكر الحكم الشرعي أمام هؤلاء الكفار , وكأننا نستحي كأن في الشريعة عارا أو نقصا نستحي أن ننتسب إليها أمام هؤلاء العمي البكم الصم الذين هانوا على الله عزوجل فأهانهم وأذلهم ولم ينعم عليهم بمعرفة هذا الحق المبين الواضح , ولم ينعم عليهم ويتفضل بهدايتهم له , فنحمد الله عزوجل حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى على أن هدانا إلى هذه الملة وهذه الشريعة بعد أن أضل عنها أكثر الخلق , ونحمده تبارك وتعالى أن علمنا من أحكامها وبصرنا فيها بأمور تشرح الصدر وتجلب السعادة وتحقق العدالة , وبها يرتفع كل سوء ومكروه عن مجتمعات المسلمين.


· ذكرنا لكم قبل أن أحكام الله عزوجل على قسمين:
- الأحكام الشرعية: وهي الحلال والحرام والأمر والنهي الدين والشريعة.
- الأحكام الكونية والقدرية: وهي قسمان:

القسم الأول: ما للعبد طريق إلى مدافعته , فهذا ينبغي على العبد أن يدافعه , فيدافع أقدار الله بأقدار الله عزوجل , وتوضيح ذلك : أن العبد إذا نزل به المرض فما الذي يصنع؟ هل يستسلم للقدر ؟ عليه أن يرضى ويسلم وعليه أن يصبر , ولكن عليه أن يدافع القدر بالقدر , فيبحث عن العلاج ويتداوى وهذا كله من مدافعة القدر بالقدر فهذا لا إشكال فيه , إذا جاع الإنسان هذا الجوع أليس بقدر الله عزوجل؟ فكيف يدفعه العبد؟ يدفعه العبد أن يأكل , وهذا أمر مشروع , ونحن نعرف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قصد الشام فبلغه أن الطاعون قد نزل بها , ماذا فعل؟ أراد أن يرجع بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم , فاعترض عليه أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه وهو أحد أمراء الأجناد , فقال: يا عمر أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر رضي الله عنه: نفر من قدر الله إلى قدر الله , ثم ذكر له مثالا وقال: لو عندك إبل أو غنم , وعندك أرض معشبة , وأرض أخرى قاحلة , في أي الأرضين ترعى ؟ , قال: في الأرض المعشبة , قال: أفرارا من قدر الله ؟ ألزمه هذا الإلزام , فنحن عندما نفعل هذه الأشياء فإنما نفعله من باب مدافة القدر بالقدر.

القسم الثاني: وهو الذي لا يمكن للعبد أن يدافعه ,وحكم الله عزوجل به ولم يجد العبد المخرج والخلاص من ذلك فعليه أن يستسلم لأقدار الله تبارك وتعالى , فهذا غير القسم الأول , يعني القسم الأول المسلمون مثلا اليوم في ضعف والأعداء قد تسلطوا عليهم , وأخذوا كثيرا من بلادهم , ويذبحونهم ذبح النعاج , هذا بقدر الله عزوجل , لكن هل نستسلم لهذا القدر ؟ الجواب: لا! , علينا أن دافع هذا القدر بقدر آخر , فنبحث عن أسباب القوة وأسباب الضعف لنتخلص من هذه الورطة التي نزلت بنا , فصارت أعراض المسلمات كلأً مباحا , وصارت دماؤهم هدرا , نبحث عن قدر الله عزوجل الذي نخرج به من هذه الورطة , أما القسم الآخر من القدر وهو الذي لا يمكن للعبد أن يدافعه , إذا نزل به الموت , أو مات له حبيب , أو نزل به علة , قال الأطباء لا سبيل للخلاص منها ولا يوجد علاج ولا يوجد شيء , فهنا على العبد أن يستسلم لقدر الله عزوجل وأن يتصبر ويرضى بما قسمه الله عزوجل له , غرقت تجارته , احترق متجره , وقع له حادث , ونحو ذلك , هذا كله بقدر الله عزوجل , ماذا يصنع؟ هل يلطم خده وينتف شعره ويولول على هذه المصيبة التي نزلت به ؟ الجواب: لا , عليه أن يستسلم لقدر الله عزوجل , ويرضى ويعلم أنه ما نزلت مصيبة في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب , والله عزوجل يقول: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ).

فالقسم الأول من الأقدار التي يمكن مدافعتها على العبد أن يرضى ولكن هذا الرضى لا يعني المدافعة , نزل بك المرض ترضى بما قدر الله لك , وتصبر على هذا المرض , لكن تدافع هذه العلة بقدر آخر.

وأما القسم الثاني وهو ما لا سبيل إلى مدافعته , فهنا التسليم التام الكامل , والرضى بحكم الله عزوجل , والانقياد بذلك , فلا يظهر من اللسان التسخط , ولا يظهر من جوارح العبد ما يدل على الاعتراض على حكم الله تبارك وتعالى , وإنما ينقاد لحكم ربه جل وعلا , لأنه يعلم أن ربه حكيم , وأنه كما قال صلى الله عليه وسلم : ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير , إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له , وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ) .

· هذه الأقدار التي يقدرها الله عزوجل إنما قدرها لحكم عظيمة قد تخفى علينا وقد يظهر بعضها وقد يظهر بعضها بعد حين , فتمنى هذا الإنسان أن هذه البنت ما طُلقت , ثم يتبين بعد ذلك أن هذا الطلاق هو عين الخيار لها , قد يتمنى هذا الإنسان أن رجله لم تنكسر , ويحزن لانكسارها ثم يعلم أن ثمة أمر آخر من الشر العظيم الذي حال دونه انكسار هذه الرجل , قد تفوت الإنسان الطائرة وهذا بقدر الله عزوجل , ثم يحزن ويولول ولربما شكى وذم أهله لأنهم لم يوقظوه ثم تسقط هذه الطائرة فيكون هذا القدر الذي وقع وهو فوات هذه الرحلة على هذا الإنسان إنما هو لخير أراده الله عزوجل له.
· يقول ابن القيم عن هذا النوع الأخير من أحكام الله عزوجل الكونية التي تجري على العبد من غير اختيار له ولا طاقة له بدفعها ولا حيلة له في منازعتها يقول:

فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة وترك المخاصمة , وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل , وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة , فهنا يحسن الاستسلام والمسالمة , مع أنه عليه في هذا الحكم عبوديات أخرى سوى التسلم والمسالمة , يعني هو مع تسليمه عليه أن يشهد عزة الحاكم في حكمه وهو الله عزوجل وهو في هذا المقام وعدله في قضائه وحكمته في جريانه عليه , وأنما أصابه لم يكن ليخطئه , وما أخطئه لم يكن ليصيبه , وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة , فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد , فمن رضي فله الرضى , ومن سخط فله السخط , ويشهد أيضا أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الله الحكيم جل جلاله , وصفته الحكمة وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي أن ينزل به , وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل فهو موجب أسماءه الحسنى وصفاته العلى , فله عليه أكمل حمد وأتمه , كما أن له الحمد على جميع أفعاله وأوامره.

· مما يؤثره أيضا الإيمان بأن الله عزوجل حكيم: أن يقر في قلب العبد بمعرفة الله عزوجل وذلك بأن هذه الحكمة تقتضي ثبوت أوصاف الكمالات لله تبارك وتعالى .


وللحكيم جزءا آخرا ... نضعه بعون الله بعد الفراغ منه ..
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 08-05-07, 03:27 PM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي

ولمن أراد أي مشاركة سابقة في ملف وورد منسق فله ذلك , علما بأني بإذن الله سأضع ملف وورد يوجد به كل الشروح ريثما أنتهي منها ..
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 10-05-07, 05:41 PM
عبدالله الوائلي عبدالله الوائلي غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 25-02-07
المشاركات: 2,017
افتراضي الحكيم 2

حينما يقال إن الله حكيم فهذا يقتضي أنه يرسل الرسل , وأيضا يقتضي أنه يجازي المحسنين على إحسانهم والمسيئين على إساءتهم , وأيضا يقتضي الثواب لأهل الإيمان , والعقاب لأهل الكفر , ويقتضي إيجاد الجنة , ويقتضي إيجاد النار.

· يقول ابن القيم رحمه الله: كل هذا العلم من اسمه الحكيم , كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة , والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسدا وباطلا , فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب والعقاب , ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل , وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.
ومعنى هذا الكلام: أي أن العقل يقتضي أن المظلوم لابد له من قصاص من هذا الظالم.

· قال ابن الحصار رحمه الله: وقد تضمن هذا الاسم ( يعني الحكم ) جميع الصفات العلى (تذكير: الحكم والحكيم يتفقان في أصل هذه اللفظة ) إذ لا يكون حكما إلا سميعا بصيرا عالما خبيرا إلى غير ذلك , فهو سبحانه الحكم بين العباد في الدنيا والآخرة , في الظاهر والباطن , وفيما شرع من شرعه وحكم من حكمه , وقضاياه على خلقه قولا وفعلا , وليس ذلك لغير الله تعالى وذلك قال وقوله الحق: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) وقال: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) , فلم يزل حكيما قبل أن يحكم , ولا ينبغي ذلك لغيره.

· مما يؤثر فينا أيضا إذا كان الرب الذي نعبده ونتقرب إليه تعرف إلينا بأنه حكيم :

-أن يعلم العبد ويتقين ويطمئن قلبه , أن هذا الرب الذي اتصف بهذه الصفة الكاملة , أنه لا يسوي بحال من الأحوال بين الأمور المختلفة المتضادة , وكذلك لا يفرق بين الأمور المتماثلة , فالذين يعملون الخير والحسنات لا يحشرهم في زمرة المجرمين , ولا يجعل مصيرهم متحدا مع مصير الظالمين , كما أن هؤلاء الظلمة من المجرمين العتاة , لا يجعل مصيرهم مصير أهل الإيمان الذين يراقبونه ويخافونه ويتقربون إليه بألوان القربات , فالله جل وعلا لا يفعل ذلك لأن هذا مخالف للحكمة , والله يقول وهو أصدق من يقول وأعدل من حكم: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) , ينكر هذا الأمر وأنه لا يتصور ولا يفع منه بحال من الأحوال , (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) حيث إن هذا الحكم من أبطل الأحكام , وإن هذه الدعوة من الدعاوى الكاذبة المجردة عن الحقيقة , لأن من فعل ذلك فهو أبعد ما يكون عن الحكمة.
ويقول أيضا: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) , فالله عزوجل يفرق بين حال هؤلاء وهؤلاء في الدنيا والآخرة , فالذين يكونون من جملة أوليائه يجعل لهم العاقبة في الدنيا بالنصر والتمكين , ويجعل لهم أيضا من انشراح الصدر والقبول في الأرض والسعادة التي لا يدانيها سعادة بمعرفة الله عزوجل واتساع الصدر وانشراحه بهذه المعرفة , فيوفقهم وينقلهم من هدى إلى هدى , كل ذلك لأنهم من أوليائه , وفي الآخرة يجعل منازلهم الجنة , وأما الذين يعادونه ويحاربونه , فإن الله عزوجل يجعل لهم من النكد والحسرة في الحياة الدنيا والخزي والذل ما لا يوصف وما لا يقادر قدره , ويجعل لهم في العذاب في الآخرة والنكال والجحيم مالا يخطر على بال , والله ربنا يقول: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) , ويقول عزوجل: (لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ) , وإذا نفى الله عزوجل المساواة في مثل هذا السياق فإن هذا يدل على نفيه من كل وجه من الوجوه , فلا مقاربة ولا استواء في حال من الأحوال , لا يستوون في الدنيا ولا يستوون في البرزخ ولا في أرض المحشر ولا في المستقر في الجنة أو في النار , بل إن الله عزوجل ينكر على من توهم أن الله يدخل الجنة أحدا من عباده من غير ابتلاء ولا امتحان , ومن غير تمييز للطيب من الخبيث , وللصادق من الكاذب , فإن حكمته تقتضي خلاف ذلك , فالله جل وعلا يقرر هذا المعنى بقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) , العلم الذي يترتب عليه الحكم العلم الذي يترتب عليه الجزاء , فإن الله لا يحاسبنا بمقتضى علمه قبل أن يعمل العبد عمله في الخارج , ويقول جل وعلا: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) , ولذلك فهم المؤمنون هذا المعنى فهما جيدا صحيحا , فلما كان يوم الأحزاب واجتمع الأعداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه من كل جانب وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم , تذكر أهل الإيمان هذه الحقيقة واستحضروها تمام الاستحضار : (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) فالعبد المؤمن يتذكر هذا المعنى دائما إذا نزل به المرض , إذا نزلت به الشدائد , يتذكر وعد الله عزوجل له بالابتلاء , ويتذكر دائما ( أم حسبتم ) وأن هذه الدار هي دار ابتلاء , يتمحص فيها الطيب من الخبيث , فلا بد أن يمر عليه أمور تمحصه وتميز معدنه , فيظهر بذلك الصادق من الكاذب , ويقول الله عزوجل: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) فأنكر عليهم هذه الظنون الكاذبة والأوهام الزائفة .

وأما كون الله عزوجل لا يفرق بين المتماثلين فإن الله قرر هذا المعنى تماما بمثل قوله: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً ) , كما أن المجرمين يحشرون مع نظرائهم وأشباههم , وكذلك أهل الإيمان الذين يطيعون الله ويطيعون رسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء يكونون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , فإن الله لا يفرق بين المتماثلات , ويقول الله عزوجل: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) وبالمقابل: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) , ويقول أيضا في بيان هذا المعنى عن يوسف صلى الله عليه وسلم وما وقع له من العواقب الحميدة (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) وليس ذلك ليوسف فحسب وإنما قال الله مبينا للحكم العام (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) , ويقول الله عزوجل للكافرين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ ) يعني الذين أهلكهم الله عزوجل , فإن هؤلاء متماثلون في الكفر , فأحكام الله جارية عليهم ولهذا قال: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) ويبين هذا من سننه التي لا تتبدل ولا تتغير كما قال الله عزوجل: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) , فسنة الله لا تتبدل ولا تتغير , وهذا كله من مقتضيات حكمته.

· قد يسأل بعضكم فيقول: إذا قلتم بأنه ليس في أفعال الله عزوجل شر , فما معنى خلق إبليس , وما معنى وجود الكفر , وما معنى وجود الأمراض والأسقام والعلل والمصائب والكوارث التي تحل بالناس؟
فيقال: هذه الأمور إنما هي واقعة في مفعولات الله وليست في أفعاله , فأفعاله كلها خير وكلها صواب وكلها حكمة , ولا معقب لحكم الله عزوجل ولا مستدرك عليه , ففعله تبارك وتعالى كله حق وكله هدى وكله صواب وهو في غاية الحكمة , ولكن المفعولات هي التي قد يوجد فيها بعض الشر , هي التي يكون منها ما يكون منها مكروها لكثير من الناس , والفرق بين الأفعال وبين المفعولات , الفعل هو صفة الرب , والمفعول هو الشيء الموجد المخلوق , فحينما نقول الخلق صفة الله عزوجل أنه يخلق هذا فعله , وحينما نقول المخلوق هذا هو المفعول , فالخلق أي أن الله يخلق هذه أفعاله كلها خير وأحكامها كلها خير , وأما المخلوقين الموجودين الذين يوجدهم الله عزوجل , فهؤلاء قد يكون في بعض مخلوقات الله بعض الأضرار وبعض الشرور ونحو ذلك , لا في صفته التي هي الفعل والتخليق , إنما يكون ذلك في نفس المخلوق.
وهذا الشر الذي يوجد في هذه المخلوقات , إنما يوجد لحكم كبار عظيمة , يحصل فيها نفع لكثير من المخلوقين وتتبين كثر من أسماء الله عزوجل , انظروا:

-الله عزوجل خلق هذا الكون , خلق الموت وخلق الحياة , واقتضت حكمته وإرادته جلت قدرته , أن يخلق بعض المخلوقات منقادة مستسلمة لربها وخالقها , قال الله عزوجل للسماوات والأرض: (اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) , والله عزوجل عندما خلق الملائكة خلقهم خلقا منقادا (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) على ضخامة خلقهم وعظمهم ومع ذلك هم منقادون كل الانقياد , وهكذا الأشجار والأحجار , فكل ما في هذا الكون يسبح بحمد الله عزوجل ويقدس له , واقتضت حكمته أن يخلق صنفين من الخلق هما محل الابتلاء والاختبار الجن والإنس , فخلقهم وجعلهم يتناسلون بهذه الطريقة العجيبة الغريبة , لا ينقضي جيل بكامله فجأة ثم يحل محله جيل جديد يخرج إلى الساحة من الجديد , لا وإنما يكون تواجدهم وذهاب آخرين بطريقة لا تشعر أحدا بنقص في الحياة , فيولد أقوام ويموت آخرون بقدر الله عزوجل الذي قدره لهم , فإذا نظرت إلى الحياة رأيتها متسقة , تسير على وتيرة واجدة , لا تشعر فيها بخلل واضطراب أن جيل قد انصرم فجأة ثم جاء جيل فجأة بساعة واحدة أو بأقل من ذلك ! , ثم إن هذا الجيل يحتاج ليتعود على هذه الحياة من جديد ويعيش فيها , لا هؤلاء يوجدون ففي كل مرة تجد أطفال وشباب وتجد شيوخ , هؤلاء يذهبون ويأتي أناس مكانهم بطريقة عجيبة فريدة تنبئ عن حكمة الرب تبارك وتعالى في الخلق , ثم هم هؤلاء يشبون ويشيبون ويترعرعون , ويقلبهم الله عزوجل بين يديه , يقلبهم بين البأساء والضراء , يقلبهم بين الأمراض وبين الأحزان وبين الأفراح وبين الأتراح , يقلبهم بين فتن الشهوات وبين فتن الشبهات , يتقلبون بين يديه فيمحصهم تمحيصا , يتبين المؤمن المحتسب الصادق الثابت القوي في إيمانه , ويتبين الآخر المتضعضع المتردد الذي إذا أصابه خير اطمئن به , وإذا أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة , لم يتركهم سدى وهملا , أرسل إليهم الرسل وهم أفضل البشر وأطهر البشر نفسا وروحا وأفعالا وأعمالا , يدعونهم إلى الله ويذكرونهم من غفلتهم , ويوجد أيضا الشياطين يرسلهم إبليس فيدعونهم إلى الشر إلى الهلكة إلى الردى إلى المصائب إلى معصية الله عزوجل , تارة بالشبهة التي يعمون بها بصيرتهم , وتارة بالشهوة التي يعمون بها أبصارهم , فهؤلاء يدعونهم للخير وهؤلاء يدعونهم للشر , فوجود إبليس ووجود أعوانه من الشياطين ليس شرا محضا , فإنما بذلك يتبين المؤمن الثابت ومن ينقاد لله عزوجل لرسله عليهم الصلوات والسلام ومن يتنكب هذا الطريق وينحرف.

حينما يرسل إليهم هذه الأوجاع والأمراض والخسارات في التجارات وما شابه ذلك , إنما يكون ذلك ليتبين من هو الثابت من الذي يقول الحمدلله رضينا بما قسم الله عزوجل , ومن الذي يضجر ويسخط ويتشكى , فالله ينظر إليهم ويطلع على كل قليل وكثير في قلوبهم وأعمالهم وأقوالهم ينظر كيف يعملون : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) .

فهذه الأمور إذا تفكر فيها العبد يرى ما يحصل فيها من المصالح والخير , ولهذا يقال هذه الأشياء التي تحصل من خسارة من موت لقريب من مرض من مصيبة تنزل بالإنسان , هذه الأشياء جميعا إنما يتمحص فيها الإنسان وترفع درجاته , وقد تكون له منازل بالجنة ما يبلغه بصلاته ولا صيامه , وإنما يبلغها بهذا الأمر الذي قدره الله عزوجل له , فصبر واحتسب فيرفع , وتجد العبد لربما يحزن بسبب هذا الأمر الذي وقع له , ولو علم ما له عند الله عزوجل وماذا يريد الله به من الألطاف لفرح بهذه المصيبة , ولذلك كان بعض السلف يفرحون بالمصائب , كان معاذ رضي الله عنه عندما ظهرت في كفه بثرة الطاعون , والطاعون مرض قاتل , كان يقف على المنبر وهو يخطب أمام الناس ويقبلها أمامهم فرحا بها , أين نحن من هؤلاء! , وعبدالله بن مسعود رضي الله عنه دخل عليه بعض أصحابه فرأوا عنده غلمانا في غاية الحسن كأنهم ذهب فجعلوا ينظرون إليهم , فقال أتعجبون من حسنهم ؟ والله إني لأتمنى موتهم ! , لماذا قال هذا الكلام؟ لما يعلم ماله عند الله إذا احتسب حبيبه إذا فقده من أهل الدنيا , وكذلك عمر بن عبدالعزيز كان يقول لابنه عبدالملك ( مات ابنه وعمره 19 سنة ) كان يقول له: يا بني إني أشتهي موتك قبلي كي أحتسبك , قال والله يا أبي لا أكره ما تشتهي , هذا عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد الخامس من الخلفاء الراشدين , يقول لولده فلذة كبدة أكبر أولادة يقول له إني لأشتهي موتك قبلي ! , وسفيان الثوي يقول ما من أحد أحب إلي من سعيد ( يعني أباه ) والله إن موته أحب إلي من كذا وكذا !! , طبعا هذه قضايا قد لا تبلغها عقولنا لا نتصورها لكن هؤلاء عرفوا ما يكون للإنسان من أجر إذا نزل به من مصاب فاحتسب , فهنا الله عزوجل يرفعه رفعا في الدرجات العالية , ويحط عنه من السيئات ما الله به عليم , فيقدم على ربه تبارك وتعالى ليس عليه ذنب , كما قاله صلى الله عليه وسلم بأن الهم والحزن حتى الشوكة يشاكها المؤمن كل ذلك يكفر الله به من خطاياه , ثم يقدم العبد على ربه تبارك وتعالى حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة , ولا يفهم من ذلك أن أحدا يسوغ له أن يتمنى الابتلاء ولكن العبد إذا نزل به البلاء فعليه أن يصبر , فإن ارتقى مرتبة فعليه أن يرضى , فإن ارتقى مرتبة ثالثة فعليه أن يشكر الله عزوجل على هذه البلوى التي نزلت به لأن الله عزوجل ما ساقها إليه ليهلكه , وإنما ساقها إليها ليمحصه وليرفع درجته ومنزلته , وهكذا يحسن المسلم الظن بربه جل جلاله .

وابن القيم رحمه الله له كلام مفيد نافع في هذا الموضوع حيث يقول رحمه الله في تعليل ذلك وبيان وجهه يقول : وهو الله سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته وسعة رحمته وجوده. فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ويضاده في حكمه ويجتهد في مخالفته ويسعى في مساخطه. بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه ويعافيه، ويمكَّ له من لأسباب ما يتلذذ به من أصناف النعم، ويجيب دعاءه، ويكشف عنه السوء، ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد. ويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع كمالاته. كما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم ) وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ( شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك , وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك , وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد , وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ) أخرجه البخاري , وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذب، ويعافيه، ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته حسنات، ويلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله، ويأمرهم بأن يلينوا له القول ويرفقوا به , إلى أن قال رحمه الله: فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقاً يظهر فيهم أحكامها وآثارها. فلمحبته للعفو خلق من يحسن العفو عنه. ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له ويحلم عنه ويصبر عليه ولا يعاجله بل يكون يحب أمانه وإمهاله ولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته. ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان. فلولا خلق من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها , فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة والنعم السابقة. الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شيء حكمة باهرة كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات وما ذكرناه إنما هو قطرة من بحر وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شيء من خلقه.



· لا يظهر معنى العزيز إلا بأن يقهر الظالمين وأن ينزل بهم ألوان العقوبات , ولا يظهر معنى اسمه الحليم إلا إذا أمهل الظالمين المجرمين وصبر الله تبارك وتعالى على ظلمهم , ولا يظهر من معاني أسمائه الأخرى كالكريم والجواد إلا ذا أغدق النعم على خلقه , وهكذا له في كل فعل من أفعاله وقدر من أقداره له حكم بالغة.

- إذا أيقن العبد أن ربع حكيم استراح قلبه , فقد تخفى عليه بعض الأمور في بعض الأقدار , وفي بعض أعمال الرب تبارك وتعالى , فيرجع إلى هذا الأصل الكبير وهو أن الله حكيم , فلا يشرع إلا لحكمه ولا يقدر إلا لحكمه , فعليه إذا أن ينشرح قلبه ولا يتردد ولا يتشكك ولا يتذمر ولا يتحير وإنما يبقى في غاية الطمأنينة والانقياد والتسليم , فالذين يظنون أن هذا الخلق إنما هو للهو وللعبث هؤلاء الذين ساءت ظنونهم بالله عزوجل , الله يقول: (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) .

- ومما يؤثره أيضا أنه لا يسوغ لأحد أن يتكنى بأبي الحكم , كما ذكرنا في أول اسم الله الحكيم .

· التوازن العجيب في المخلوقات:

· هذه الأفلاك في حركة الشمس وما إلى ذلك من الأفلاك التي تؤثر حركاتها في وجود الفصول الأربعة , وفي وجود الليل والنهار , فالشمس حينما تدور حول نفسها وحينما تدور حول الأرض , فمن هذه التحركات توجد هذه الفصول , فصيف وشتاء وربيع وخريف , وفي كل فصل من هذه الفصول تخرج بعض أنواع النباتات التي ينتفع بها الناس وتنتفع بها دوابهم , وفي هذه الفصول يتغير الهواء ويحصل في ذلك من المنافع ما الله به عليم , ويكون فيه أيضا من طرد الملل عن الناس , فإذا طال الشتاء على الناس سئموا وكذلك في الصيف , ولو أن هذه الأمور كانت تبعا لأهواء الناس لفسدت السماوات والأرض , هب أن الليل بقي علينا سرمدا علينا إلى يوم القيامة كيف تكون حياة الناس ؟ ولو أن النهار بقي مستمرا سرمدا إلى يوم القيامة من يأتيهم بليل يسكنون فيه , أنتم تلاحظون أن الليل فطر الله عزوجل فطرة لا تتبدل ولا تتغير أنه محل للهدوء وللسكون ويصلح للراحة من الهموم والتعب , فتكون نفوسهم متهيئة وأجسامهم مسترخية تطلب النوم , ولو أن الرجل نام ساعة واحدة في الليل فإنه تغنيه عن ساعات من النهار , ولذلك نلاحظ في الناس الذين يألفون البقاء في الليل فإن حياتهم لا تكون مستقرة , كما أن نفوسهم أيضا تكون فيها شيء من الاضطراب وعدم الاستقرار , يعرف ذلك من جربه , فهذه حكم لله تبارك وتعالى في هذا الخلق.


· ثم انظر إلى هذا الغلاف الذي يغطي هذه الأرض , كما يقول أهل الفلك إنه ممتد امتداد طويل إلى نحو 500 ميل في السماء , ثم أيضا هذا الغلاف يغلف الأرض فهو بمنزلة الحماية والوقاية , فكثير من السواقط والأجرام والشهب التي تسقط من النجوم تتحلل في هذا السياج قبل أن تصل إلى الأرض وإلا دمرتها أو أنها لربما أحرقتها , ثم هو أيضا يحفظ هذا التوازن في درجات الحرارة , كل هذا بتقدير الله عزوجل , ثم أيضا له أثر فيما يتعلق في تكوين السحب ونقلها وما شابه ذلك.

· ثم انظر أيضا إلى هذا الهواء الذي تتنفسه ومما يتركب ؟ فالأكسجين الذي لا تستقيم الحياة إلا به , موجود بنسبة محددة مقدرة , وهي تمثل قرابة 21% من الهواء , لو زادت هذه النسبة إلى 40% مثلا لاحترقت كل المواد القابلة للاحتراق , ولو هبطت إلى 10% مثلا لانتهت الحياة على سطح الأرض.

· إذا سرحت طرفك ونظرت في عالم الحشرات مثلا , فهي تبقى أحجامها صغيرة مهما تضخمت , فهذه الحشرات لو كانت تنمو وتكبر ولم يقدر لها الله عزوجل حدا معينا , لصارت البعوضة بمقدار الفيل , وصارت الجعلان بمقادير الجمال , ولما استطاع الناس أن يعيشوا على وجه هذه الأرض , ولكن الله عزوجل قدر لها حدا لا تتجاوزه , فهي ليست من ذوات الرئة مثلا , فلها قصبات معينة يجري عن طريقها التنفس , فهذه القصبات لا يمكن أن تزداد ولا يمكن أن تتسع , فهي باقية إذا بهذا الحجم لا يمكن أن تنمو ولا تتضخم , مع أنك لو وضعت المجهر على بعض الكائنات التي لا ترى بالعين المجردة لرأى عجبا , فلو رآها الناس في هذا الهواء وفي ثيابهم وفي فرشهم لما قر لهم قرار , ولما استطاعوا أن يأكلوا طعاما , ولربما كنت الآية تعج بمثل هذه الكائنات ويلتهما الإنسان , ولربما كان في التهامها بعض الأحيان بعض المصالح.

· وانظر أيضا إلى أمثلة أخرى تدل على التوازن في هذا الخلق , هذا النبات الذي يقال له الصبار , جرب زراعته كسياج على بعض المناطق في استراليا , وهو ينتشر انتشارا كثيرا كما هو معروف , فصار ينتشر انتشارا هائلا فأفسد المزارع وأفسد الأراضي وعم وطم وما استطاع الناس أن يتخلصوا منه , فذهب علماء الحشرات يبحثون عن حشرات تتغذى على هذا الصبار , فوجدوا حشرة لا تأكل إلا مثل هذا النوع من النباتات , فجاءوا بها وكثروها , فتكاثروا بشكل عجيب لكثرة هذا النبات , فقضت عليه ولم يبقى منه إلا أقل القليل , فخافوا من كثرة هذه الحشرة , فلما قل الصبار تهالكت واضمحلت وتراجعت , ولم يبقى منها إلا قليل يكفي لأكل ما تبقى من هذا النبات , فانظر إلى هذا التوازن!.

· هذا حيوان نوع من أنواع الأيل الجبلي , هذا النوع من الحيوانات يعيش في أمريكا الجنوبية , فالحاصل أن هذا النوع من الحيوانات يعيش على نوع من الأزهار , ويوجد على قدر معين , والأزهار هذه أيضا محدودة , ويوجد نوع من الأسود يتغذى على هذا النوع من الحيوانات , وهذه الأسود تتواجد في هذه الأماكن التي تتواجد فيها هذه الحيوانات , فقامت الحكومة وقامت وقتلت هذه الأسود في الجبال من أجل أن يتكاثر هذا النوع من الحيوانات , فتكاثرت كثرة هائلة , ثم أتت على جميع هذه الزهور ثم صارت تأكل النباتات الصغيرة فقضت عليها جميعا , ثم لم تجد شيء تأكله فماتت بأعداد هائلة , فانظر إلى هذا التوازن , هذه الأعداد التي ماتت كانت تأكلها الأسود التي ماتت , فالله عزوجل يخلق كل شيء بمقدار.

· السباع الموجودة المنتشرة في العالم , لو كانت أكثر من ذلك ما الذي يحصل ؟؟؟

· القطة التي نشاهدها هذه , لو عدمت ؟ أو قلت عما كانت عليه , لكثرت الفئران والحشرات وتأذى الناس من ذلك , ولو كثرت هذه القطط لربما ماتت من الجوع , والأمثلة على هذا كثيرة.

· انظر إلى الحيوانات بطبيعتها فيما تأكله وفيما تتغذى عليه , السباع لها أنياب وفمها ليس بالواسع جدا , والحيوانات الأخرى التي تأكل الأعشاب لها قواطع , ثم هذه السباع لما كانت تأكل اللحوم صارت مكونة تكوينا في أجوافها تستطيع هضم هذه اللحوم , والإفرازات التي تفرز في أجوافها غير الإفرازات التي تفرز في اجواف آكلة العشب , ثم آكلة العشب هذه انظر إليها , البقر والغنم والجمال وما شابه ذلك تلتهم ألوان العشب التهاما , ثم إذا كانت في فترة الاستراحة اجتمعت هذه الكميات من العشب في الكرش ولم يتهضم ولم يتحلل فهي تستخرجه في وقت الراحة ثم تبتدأ تجتر فترس هذا الطعام جيدا وتفتته تفتيتا جيدا حتى يكون صالحا للهضم .

· انظر إلى الحيوانات وأشكالها وما خلق الله عزوجل فيها , الحيوانات التي تحتاج للجري قوائمها دقيقة , الحيوانات التي تجر الأثقال أو تحرث الزرع تجد أنها ذات قوائم قصيرة وقوية وممكنة , انظر إلى الجمل لما كان يقطع المسافات على التراب ويمكن أن يغوص على ضخامة جسمه في التراب كان له هذا الخف الواسع الذي يكون لينا كالإسفنجة من أسفل من أجل لا يغوص , هذا الخف لماذا لم يكن للبقرة! لأنها لا تحتاج إليه .

· الفيل كم يجلس ؟ أربعين سنة وهو قائم على رجليه لا يجلس!!! , ولذلك هيئه الله عزوجل ليكون قادرا على هذا الوقوف الطويل , لو أن الفيل كان مما يبرك كان لربما تمزقت أطرافه .

هذا وأسأل الله عزوجل أن يهدينا وإياكم لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق , وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
__________________
قال تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 10-05-07, 05:58 PM
ابو محمد العراقي ابو محمد العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-02-07
المشاركات: 18
افتراضي

اذا سمحنم ممكن احد يكتب لنا ترجمة عن الشيخ خالد السبت ويجزيه الله خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:10 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.