ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-12-19, 01:14 PM
طارق اللبدي طارق اللبدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-06-13
المشاركات: 77
افتراضي رضاع الكبير

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
روى مسلم وغيره من حديث عائشة أن سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ جاءت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى فِى وَجْهِ أَبي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « أَرْضِعِيهِ ». فَقَالَتْ: إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ. فَقَالَ: « أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِى وَجْهِ أَبي حُذَيْفَةَ ». فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُهُ في وَجْهِ أَبي حُذَيْفَةَ.
وفي رواية: قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: « قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ.

أثارت هذه القصةُ قديماً وحديثا جدلاً حولَ مسألة رَضاعِ الكبير، وهل هو مؤثرٌ أم لا؟ وكيف يرتضع رجل كبير من امرأة أجنبية عنه لتحرم عليه؟ وقديما كانت المسألةٌ تُذكر وتبحث غالبا لقصد معرفة وجه الصواب، ومعرفة حكم الشرع، والآن صارت تذكر سخريةً ولإثارة الشُّبَهِ حول الإسلام. والله -عز وجل- جعل من شأن دينه أنّ فيه شبهاتٍ لا يعلمها كثير من الناس، ومن حِكمة ذلك أن ديننا قائم على التسليم لله تعالى، فتكون مثلُ هذه الشبهاتِ كاشفةً حالَ من تعرِضُ له مثل هذه الشبه هل يقبل التسليم وإن اختلط عليه الفهم، أم يشك في دينه، ويجد لنفسه مساغا ليخرج عن شرع ربه، ويكون طوع هواه؟ ويقلب الله القلوب كيف يشاء.
وبحمد الله مثل هذه المسألة لمن تأملها، وأحسن بحثها يجد أن الأمر أَيسرُ من أَن تستهجنَه النفوسُ المؤمنة، والفطر السليمة.
ومن أهم ما يتعلق بهذه القصة من المسائل: هل الرضاعُ المحرِّمُ يتوقف على مصِّ اللبن من الثديِ، أم إذا حُلب في إناء وشربه الرضيع كان رضاعا معتبرا عند جمهور العلماء؟
ويرى جماهير أهل العلم في هذه المسألة أنه محرم سواء ارتضع من الثدي مباشرة أو شربه محلوبا في إناء أو تغذى به بأي وسيلةٍ، وسيأتي مزيد بيان لهذا من كلام ابن حجر.
وقد فهم بعضُ أهلِ العلم من سياق الحديث أنّ الذي وقع لسالمٍ أنه رضع منها مباشرة؛ وذلك أنّ سهلةَ استغربت من أَمرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- لها بأن ترضَعَه وهو كبير ذو لحية، ووجهه: أن استغرابها كان من أن تلقمَه ثديَها وهو كبير ذو لحية، ومع هذا كرر لها النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمرَ فقال: أرضعيه. وايضاً فإن ما تقضيه اللغةُ من معنى الرَضاع هو أن يلتقم الثديَ.
وهذا الذي ذهبوا إليه وجيه، وقوي من حيث الدلالة، وإن كانت النفس تميل إلى أن ما حصل لسالم هو أنها حلبت له في إناء فشربه؛ وذلك أن ثمةَ احتمالٍ آخرَ لوجه استغرابها من إرضاعه وهو كبير، وهو أنها استغربت من كون إرضاع الكبير يحصل به التحريم، والمعلوم عندهم أن الرضاع يكون في الحولين. وأيضا فإنه قبل حصول التحريم لا يحل له مسُّها فضلا عن أن يَلْقَمَ ثديَها. ثم إنها أتتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- تذكر له حالَ أبي حذيفة من دخول سالم وكراهتَه ذلك، فإذا كان هذا من مجرد دخوله عليها، فكيف به إذا رضع منها مباشرةً؟
وقد أجاب النووي عن احتمال التقامِه ثديَها مع أَنها أجنبيةٌ عنه بأنه عُفي عنه للحاجة.
وعلى أيٍّ كان فإن سالما هذا لم يحصل منه أدنى ريبة؛ لا قبل الرضاع ولا بعدها، وسهلةُ إنما أتَتِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لتذكر له كراهةَ أبي حذيفةَ لدخول سالم عليها، ولم تَشتكِ شيئا من حال سالم. وسالم هذا قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خذوا القرآن عن أربع...) وذكر منهم سالما، وهذه شهادة نبوية كريمة، بل هذه تزكيةٌ من الله تعالى له؛ حيث جعله أحدَ الأربعةِ المُقَدمين في أَخذ القرآن عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهيأهم لحفظ كلامه تعالى، فمثلُ هذا يبعد في حقه الريبة جدا، خاصة وأنه تربى مع آل أبي حذيفة من صغره، وكان أبو حذيفة قد تبناه قبل تحريم التبني، فكان كأنه واحد من أهل بيته؛ بل كواحد من أبنائه، وكان يصعب عليهم أن يتخلوا عنه. إضافة إلى أنه كان من أوائل المهاجرين مع آل أبي حذيفة، وكان من أهل بدر، وفضائله كثيرة. وقد لخص حاله الذهبي في السير فقال: مِنَ السَّابقِين الأَوَّلِين، البَدريِّين، المُقَرَّبِين، العالِمين.
ثم إن هذه الحادثة وقعت قبل اكتمال الشريعة، حيث مثلُ هذه الوقائع تلائمُ ذاك الزمانَ الذي كان الله ينزعُ فيه النفوسَ من حال إلى حال، فكان حدوثُ مثل هذه الوقائع يناسبُ حالهم، وتتقبلها نفوسهم، بخلاف من حالُه بعد اكتمال الشرع فيستغربُ وقوعَها، ولا مانع أن يعطيَ الله أولئك القوم من الخصائص ما لا يعطي غيرَهم؛ كمثل إباحة زواج المتعة مدة من الزمان يسيرةً ثم نسخ ذلك.

ومما يتعلق في هذه القصة من المسائل هل رضاع الكبير يثبت به التحريم أم هي واقعة عين خاصة في سالم؟ والمراد بالكبير من جاوز الحولين.
فذهب الجمهور إلى أن رضاع الكبير لا يثبت به التحريم، وأن هذا كان خاصا بسالم، واستدلوا بأدلة منها: حديث أمِّ سلمة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ في الثَّدْي وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم: أن الرضاعةَ لا تُحَرِّمُ إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يُحرِّم شيئا.

أما قوله: (في الثَّديِ) فقد جاء في "تحفة الأحوذي": أي كائنا في الثدي، فائضا منه سواء كان بالارتضاع أو بالإيجار. ولم يُرد به الاشتراطَ في الرضاع المحَرِّم أن يكون من الثدي، قاله القاري. وقال الشوكاني: قوله: (في الثدي) أي في زمن الثدي، وهو لغة معروفة؛ فإن العرب تقول: مات فلان في الثدي أي: في زمن الرَّضاع قبل الفطام، كما وقع التصريح بذلك في آخر الحديث.
واستدلوا بما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها وعندها رجلٌ، فكأنه تغير وجهه؛ كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي! فقال: انْظُرْنَ ما إِخوانُكُنَّ؛ فإنما الرضاعةُ من المجاعة.
قال ابن حجر: قوله: (من المجاعة) أي الرضاعةُ التي تثبت بها الحرمة وتحِلُّ بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلا؛ لِسَدِّ اللبنِ جوعَتَه؛ لأن مَعِدتَه ضعيفةٌ يكفيها اللبنُ، ويَنبتُ بذلك لحمُه فيصيرُ كجزء من المرضعةِ فيشترك في الحرمةِ مع أولادها، فكأنه قال: لا رضاعة معتبرةٌ الا المغنيةُ عن المجاعةِ أو المُطعمةُ من المجاعة.
ثم قال: واستُدل به على أن التغذيةَ بلبن المرضعةِ يُحرِّمُ؛ سواءٌ كان بشربٍ أَم أُكلَ بأيِّ صفةٍ كان، حتى الوَجور والسَّعوطُ والثردُ والطبخُ وغير ذلك إذا وقع ذلك بالشرط المذكور من العدد؛ لأن ذلك يطرد الجوعَ، وهو موجود في جميع ما ذُكر فيوافق الخبرَ والمعنى، وبهذا قال الجمهور، لكن استثنى الحنفيةُ الحقنةَ، وخالف في ذلك الليثُ وأهلُ الظاهرِ فقالوا: إن الرضاعةَ المحرِّمةَ إنما تكون بالتقام الثدي ومص اللبن. انتهى كلام ابن حجر.
واستدل الجمهور أيضاً بآثارٍ جاءت عن الصحابة رضي الله عنهم تدل على أن رضاع الكبير لا يؤثر، فمن ذلك:
ما جاء عن أبي عطية الوادعي قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فقال: إن امرأتي حُبِس لبَنُها في ثديها، فجعلت أمصه، ثم أَمُجُّه فدخل في بطني شيءٌ منه، فقال: حرمت عليك. فأتى عبد الله، قال أبو عطية: فقام وقمنا معه، فقال: ارْضَعْ ثديَ هذا، فإنما الرضاعُ ما أنبتَ اللحمَ والدمَ"، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين ظهرانيكم. رواه الطبراني في "الكبير" وعبد الرزاق في "المصنف".
ورواه أبو داود عن ابن مسعود بلفظ : (لا رضاعَ إلا ما شدَّ العظمَّ وأنبت اللحمَ) فقال أبو موسى: لا تسألونا وهذا الحَبْر فيكم) . صححه الألباني.
ومنها ما روى مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر، رضي الله عنه، قال: (لا رضاعة إلا لمن أُرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير).
وبما روى مالك أيضا عن عمر, رضي الله عنه، أنه قال لمن سأله بأن امرأته أرضعت جارية له كان يطؤها فقال له: أوْجِعْها وَأْتِ جاريتك؛ فإنما الرضاعةُ رضاعةُ الصغي. وإسناده صحيح .
وروى مسلم عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَقُولُ : أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَائِينَا.
قال ابن بطال: وذلك من أَجلِ التَّبَني الذى انضاف إليه، ولا يوجد هذا فى غيره، وقد نسخ الله التَّبني، فلا ينبغي أن يتعلقَ به حكمٌ. وقوله تعالى: {حَوْلينِ كامِلَيْنِ لمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعةَ}، وقولِه عليه السلام: (الرضاعةُ من المجاعةِ) قاطعٌ للخلاف فى هذه المسألة، وما جعله الله حدًا لتمامٍ فلا مزيدَ لأحد عليه.

ومذهب عائشةَ وبعضِ السلف والظاهريةِ أن رضاعَ الكبير يُحرّم، مستدلين بما وقع لسالم.

وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى الجمع بين القولين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واختار أن رضاعَ الكبير لا يؤثر ولا يعتبر إلا عند الحاجةِ القوية إليه، واختاره الصنعاني، فقال في "سبل السلام": والأحسنُ في الجمع بين حديث سهلةَ وما عارضه: كلامُ ابن تيمية؛ فإنه قال: إنه يعتبر الصِغرُ في الرضاعةِ إلا إذا دعت إِليه الحاجةُ كرضاعِ الكبير الذي لا يُستغنى عن دخوله على المرأةِ، وشقَّ احتجابُها عنه، كحال سالمٍ مع امرأةِ أبي حذيفةَ، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجةِ أثّر رَضاعُه. وأما من عداه, فلا بد من الصغر. انتهى. فإنه جَمْعٌ بين الأحاديث حسنٌ، وإعمال لها من غير مخالفةٍ لظاهرها باختصاص, ولا نسخٍ, ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث. انتهى.
وإلى هذا ذهب ابن القيم أيضا، وقال: والأحاديثُ النافيةُ للرضاعِ في الكبير إِما مُطلقةٌ فتُقَيّدُ بحديثِ سهلةَ، أو عامةٌ في الأَحوال، فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ، ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقربُ إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعدُ الشرع تشهد له والله الموفق. "زاد المعاد".

أما المعاصرون فالذي عليه عامَّتُهم أن رضاعَ الكبير لا يفيد التحريم. وبهذا أفتى الشيخ ابن باز رحمه الله، واللجنةُ الدائمة للإفتاء، ورأَوْا أن حديثَ سالم خاص به.
واختار الشيخ ابن عثيمين أن حديثَ سالم ليس خاصاً به، ولكنه ينطبق على مَنْ حاله تشبه حالَ سالم، ولكن بيّن أن هذا غيرُ ممكنٍ الآن؛ لأَن التبنيَ قد حرمه الله تعالى، وبهذا يتفق قوله مع قول جماهير العلماء بأن رضاع الكبير لا يثبت به التحريم الآن.
قال رحمه الله في "الشرح الممتع":
ويرى بعضُ العلماء أن مطلقَ الحاجةِ تبيح رضاعَ الكبير، وأن المرأة متى احتاجت إلى أن ترضع هذا الإنسان وهو كبير أرضعته وصار ابناً لها، ولكننا إذا أردنا أن نحقق قلنا: ليس مطلقَ الحاجة، بل الحاجةُ الموازية لقصةِ سالم، والحاجة الموازية لقصة سالم غير ممكنةٍ؛ لأن التبَنيَّ أُبطل، فلما انتفت الحال انتفى الحكم، ويدل لهذا التوجيه أن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لما قال: «إياكم والدخول على النساء» قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو ـ وهو قريب الزوج كأخيه مثلاً ـ قال: «الحمو الموت»، والحمو في حاجة أن يدخلَ بيت أخيه إذا كان البيت واحداً، ولم يقل عليه الصلاة والسلام: الحمو ترضعه زوجة أخيه، مع أن الحاجةَ ذكرت له، فدل هذا على أن مطلقَ الحاجة لا يبيح رضاع الكبير؛ لأننا لو قلنا بهذا لكان فيه مفسدة عظيمة، وكانت المرأة تأتي كل يوم لزوجها بحليب من ثديها، وإذا صار اليوم الخامس صار ولداً لها، وهذه مشكلة، فالقول بهذا ضعيف أثراً ونظراً، ولا يصح. ثم قال: والخلاصة أنه بعد انتهاء التبني نقول: لا يجوز إرضاع الكبير، ولا يؤثر إرضاع الكبير، بل لا بد إما أن يكون في الحولين، وإما أن يكون قبل الفطام، وهو الراجح. اهـ.

ومال "الأزهر" في فتاويه إلى المنع. فجاء في فتاوى "الأزهر" بعد ذكر المسألة: والخلاصةُ أن لكلٍّ من الرأيين دليلُه ووجهةُ نظره، وقد ارتضى الفقهاءُ أَن إِرضاعَ الكبير لا يُحرمُ الزواجَ، فلتكن عليه الفتوى.

وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أنه يوجدُ صورٌ قليلةٌ نادرة يمكن قياسُها على قصةِ سالم، تكون فيها الحاجةُ قويةً للعمل بحديثِ سهلةَ؛ مثلُ من أراد أن يكفل يتيما، كأن يأخذه من ملجأ الأيتام، ويقوم بتربيتِه في بيته، فقد يكون هذا اليتيم قد جاوز الحولين أو الفطامَ، فإن زوجةَ هذا الرجل ترضعه ليحرمَ عليها وعلى بناتها.

والخلاصة أن الصوابَ في المسألة دائرٌ بين اعتبار رضاع الكبير حالةً خاصةً في سالم، وبين جواز ذلك عند الحاجة الملحة، وتكون في صور نادرة، فيحصل بذلك التوسعة عند الضرورة. أما إباحته لمطلق الحاجة فهو ضعيف، وإن قال به أهل الظاهر وبعض الفقهاء، ولا يخفى ما فيه من المفاسد. والله أعلم.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-12-19, 01:23 PM
طارق اللبدي طارق اللبدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-06-13
المشاركات: 77
افتراضي رد: رضاع الكبير

...........
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-12-19, 04:05 PM
أبو بحر بن عبدالله أبو بحر بن عبدالله متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-01-15
المشاركات: 1,092
افتراضي رد: رضاع الكبير

للفائدة
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو بحر بن عبدالله مشاهدة المشاركة
هذه المسألة ناقشها (عبدالله رمضان موسى ) بتوسع في رده على أحد القساوسة. تجدون ذلك في كتابه
( كشف أكاذيب القسيس حول إرضاع الكبير ) في المباحث الثامن والتاسع والعاشر.

والملخص الذي جاء به الكاتب سدده الله الآتي :

قال أنه لم يثبت هذه الفتوى عن أمنا عائشة رضي الله عنها. بل الذي ثبت عنها وبلفظ صريح هو العكس تماماً وهي أحاديثها -رضي الله عنها - والتي يستدل بها العلماء عن فترة الرضاع التي تثبت المحرمية كحديث ( فإنما الرضاعة من المجاعة ) في صحيح مسلم.

فكيف يُقال بعد ذلك أنها تفتي بعكس ذك ؟

وفي مسند على بن الجعد ، قال : أنبأنا شعبة عن الحكم ، قال سمعت قيس بن حازم وأبا الشعثاء ، عن عائشة قالت ( يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم ).



ماذا عن رواية عطاء عن عائشة ؟
قال : هي رواية منقطعة فعطاء لم يسمع من عائشة رضي الله عنها.



ماذا عن قول الزهري عن عائشة الزائد عن حديث سهلة في مصنف عبدالرزاق ؟
رد الكاتب : بأن ذلك هو وهم من الزهري رحمه الله . وبالأخص أن عائشة ورد عنها التصريح في فترة الرضاعة التي يثبت فيها المحرمية.
فالذي يثبت من حديث سهلة هو ما أوصله الزهري بسند متصل عن عائشة. أما قوله ( وكانت عائشة تفتي ..) فهذا قول منه هو رحمه الله .
بل جاءت روايات أخرى يصرح الزهري بها بقوله (فيما بلغنا أن عائشة كانت...)، فهذه الزوائد من بلاغات الزهري.



كيف وقع الوهم من الزهري في أن عائشة رضي الله عنها تفتي بجواز رضاع الكبير ؟

يقول الكاتب : أن هذا الوهم حصل من قصة سالم بن عبدالله بن عمر حين أرسلته عائشة رضي الله عنها إلى أختها. حيث توهم أنها رضي الله عنها أرسلته وهو كبير. وبالأخص أن الزهري هو الذي حدث بحديث سهيلة.
ففي مصنف عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري أن عائشة ( أمرت أم كلثوم ، أن ترضع سالما ، فأرضعته خمس رضعات ، ثم مرضت ، فلم يكن يدخل سالم على عائشة ). لكن هذا وهم منه رحمه الله.
لأن تفصيل هذه القصة موجود في الموطأ . فعن مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره (أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق فقالت أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي قال سالم فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعني غير ثلاث رضعات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات) ، وبهذا يثبت أن عائشة رضي الله عنها قد أرسلت سالماً وهو صغير . وهذه الرواية أساساً موجودة في الموطأ تحت باب ( باب رضاعة الصغير).
وهي موجودة كذلك في المصنف بدلالة صريحة أيضاً
أخبرنا ابن جريج قال : سمعت نافعا ، يحدث أن سالم بن عبد الله ، حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم (أرسلت به إلى أختها أم كلثوم بنة أبي بكر لترضعه عشر رضعات ليلج عليها إذا كبر ، فأرضعته ثلاث مرات ، ثم مرضت ، فلم يكن سالم يلج عليها قال : زعموا أن عائشة قالت : " لقد كان في كتاب الله عز وجل عشر رضعات ، ثم رد ذلك إلى خمس ، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم )

فلو كانت عائشة تفتي برضاع الكبير، فلمَ لم ترسل سالماً بعد أن كبر؟ فهو لم يتمكن من الدخول عليها لأنه فاتته فترة الرضاع الذي يحرم.

يقول الكاتب : الإمام عبد البر رحمه الله يقع في الخطأ نفسه ،حيث قال في التمهيد
(الذي عليه جاء هذا الحديث رضاعة الكبير ، والتحريم بها ، وهو مذهب عائشة من بين أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حملت عائشة حديثها هذا في سالم مولى أبي حذيفة على العموم فكانت تأمر أم كلثوم ، وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها . وصنعت عائشة ذلك بسالم بن عبد الله بن عمر ، وأمرت أم كلثوم فأرضعته فلم تتم رضاعه فلم يدخل غيرها هذا الحديث خصوصا في سالم وسهلة بنت سهيل ) ، وعائشة إنما أرسلت سالماً وهو صغير كما هو مصرح به في الموطأ وفي المصنف.



هل كل الأئمة وقعوا في الخطأ في إدراك مذهب عائشة رضي الله عنها وتحريره ؟

يقول الكاتب : لا . بل أدرك حقيقة مذهب عائشة رضي الله عنها أئمة كبار مثل الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن حيث قال "وقد روي حديث عائشة ؛ الذي قدمناه في رضاع الكبير؛ على وجه آخر؛ وهو ما روى عبد الرحمن بن القاسم ؛ عن أبيه؛ أن عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان؛ حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا؛ فإذا ثبت شذوذ قول من أوجب رضاع الكبير؛ فحصل الاتفاق على أن رضاع الكبير غير محرم؛ وبالله التوفيق" ا.هـ

والكيساني في بدائع الصنائع حيث قال " وأما عمل عائشة رضي الله عنها فقد روي عنها ما يدل على رجوعها فإنه روي عنها أنها قالت : لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم .
وروي أنها كانت تأمر بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا على أن عملها معارض بعمل سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن كن لا يرين أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحد من الرجال ; والمعارض لا يكون حجة
." ا.هـ




ماذا عن حديث أم سلمة مع عائشة في صحيح مسلم ؟
فعن زينب بنت أم سلمة قالت قالت أم سلمة لعائشة إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي قال فقالت عائشة أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة قالت إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله (إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعيه حتى يدخل عليك ).

يقول الكاتب : أن هذه الواقعة وهذا الحديث غير صريح في مذهب عائشة رضي الله عنها. والإمام الشافعي رحمه الله يقول "وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال نزلها منزلة العموم في المقال، ولا يعارضه قاعدته الأخرى أنه إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال، لأن هذه في الوقائع الفعلية وتلك في الوقائع القولية".
فالذي يظهر -والعلم عند الله - أن عائشة رضي الله عنه (توسعت) في إرسال (الأطفال الصغار) ليسترضعوا من أخواتها ليدخلوا عليها كباراً مستدلة بالرخصة التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لسالم. فإذا كانت هذه الرخصة أعطيت لكبير فمن باب أولى أن تكون للصغار. ولعل هذا ما كان ينكرنه بقية أمهات المؤمنين على عائشة رضي الله عنهن أجمع. أي ( التوسع في هذا المباح )، لكن عائشة رضي الله عنها كانت عالمة مفتية مكثرة. فكانت تريد إبلاغ هذا العلم دون مشقة للتابعين وأبناء الصحابة . رضي الله عنها وأرضاها .


ملاحظة : نقلي عن الكاتب كان بتصرف.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-12-19, 07:07 PM
طارق اللبدي طارق اللبدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-06-13
المشاركات: 77
افتراضي رد: رضاع الكبير

جزاك الله خيرا على الفائدة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:03 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.