ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-12-19, 03:11 PM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 147
افتراضي الفرح والسرور بهلاك أهل الكفر والشرور

الفرح والسرور بهلاك أهل الكفر والشرور:

إن لله تعالى الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.. خلق سبحانه الخير والشر، وخلق للخير أهلاً، وللشر أهلاً.

ولا يزال أهل الخير في كره لأهل الشر، وبغض لأفعالهم، وذود عن حياض الحق، ونصح للخلق.. من سلْك سبلهم، وقفو نسلهم، ولا يزالون في شد وجذب.. حتى يأذن الله تعالى بقطع أوصال المبطلين، ومزق أشلاء المجرمين؛ فيفرح الصالحون، ويسر الفالحون.

وقد جرى بين البعض تجاذب عن هذه المسألة، بين مؤيد ومعارض، ولا دليل مع من منع، سوى العاطفة العاصفة، والرحمة الواجفة!

وأردت في هاته الأحرف، أن أتناول هذه المسألة دون تزيف أو تحرف، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويض أموري واستنادي.
وأقول -وبالله التوفيق، والهداية لأقوم طريق-:

إن الأصل في الفرح بموت الظالمين.. قوله تعالى: "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" أي: استؤصل الظالمون، وأهلكوا عن آخرهم.
ثم حمد نفسه على إهلاكهم، أو أنه تعالى يُعلِّم خلقه، كيف يحمدونه على هلاكهم.

وبنحو هذا؛ قال أكثر المفسرين، وهاك بعض أقوالهم:

قال الزمخشري: "إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم، وأجزل القسم".
(الكشاف: ٢/ ٢٤)

وقال الطيبي: "هؤلاء المشركون الذين تدعوهم إلى الله، وهم يعاندون، ويكذبونك، لا بد أن يكون لهم أسوة بمن قبلهم في هلاكهم وتدميرهم، واستئصال شأفتهم، فإذا تم عليهم ذلك؛ فاحمد الله على طهارة الأرض من عبث الظلمة.
فـ الرب على هذا فيه معنى التربية؛ لأن في هلاكهم؛ تخليصاً لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وإضلالهم، واحتباس الخير النازل من السماء، وذلك نعمة جليلة يجب أن يحمد عليها".
(فتوح الغيب: ٦/ ٨٨)

وقال البغوي: "حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم؛ لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله؛ تعليماً لهم، ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين".
(تفسير البغوي: ٣/ ١٤٤)

وقال الشوكاني: "وفيه: تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلِّها هلاك الظلمة، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد.
اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل لهم".
(فتح القدير: ٢/ ١٣٣)

وقال ابن عاشور: "في المراد منها اعتبارات ثلاثة ... ذكرها، ثم قال: "وفي ذلك كله: تنبيه على أنه يحق الحمد لله عند هلاك الظلمة؛ لأن هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب، وهذا الحمد شكر؛ لأنه مقابل نعمة، وإنما كان هلاكهم صلاحاً؛ لأن الظلم تغيير للحقوق، وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحق والصلاح؛ جاء الدمار والفوضى، وافتتن الناس في حياتهم، فإذا هلك الظالمون؛ عاد العدل، وهو ميزان قوام العالم".
(التحرير والتنوير: ٧/ ٢٣٢)

قلت: ويستدل، بقوله تعالى -عن نوح عليه السلام- "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك".

ففيه دلالة صريحة، على تمني نبي الله نوح، أن يهلك الله الكافرين، وهذا مقتضٍ للفرح؛ لأن مفهومه: أن وجودهم، يسبب له الترح.

ويستدل أيضاً بقوله تعالى -عن نبيه موسى عليه السلام-: "ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم".
والمعنى ظاهر.

ويستدل أيضاً بقوله تعالى: "ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا".
ففيها الفرح بإصابتهم.

ويستدل أيضاً بقوله تعالى -عن فرح الصحابة بهزيمة الفرس وقتلهم- "ويومئذ يفرح المؤمنون" وإن كان المفروح به كافر أيضاً، إلا أنه أقل شراً من خصمهم!

ويستدل أيضاً بقوله تعالى: "قاتلوهم یعذبهم ٱلله بأیدیكم ویخزهم وینصركم علیهم ویشف صدور قوم مؤمنین * ويذهب غيظ قلوبهم".

قال الطبري: "يقول: ويبْرِئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم، وذلك الداء، هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموجدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه".
(جامع البيان: ١٤/ ١٦٠)

ويستدل أيضاً بقوله تعالى: "فما بكت عليهم السماء والأرض".

عن سعيد بن جُبير، قال: أتى ابن عباس رجل، فقال: يا أبا عباس، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين"؛ فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بكى عليه؛ وإذا فقده مُصَلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض.
(جامع البيان: ٨/ ٣٧٣)

وقال ابن جزي: "فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه عبارة عن تحقيرهم، وذلك أنه إذا مات رجل خطير، قالت العرب في تعظيمه: بكت عليه السماء والأرض، على وجه المجاز والمبالغة، فالمعنى: أن هؤلاء ليسوا كذلك؛ لأنهم أحقر من أن يبالى بهم. الثاني: قيل: إذا مات المؤمن بكى عليه من الأرض موضع عبادته، ومن السماء موضع صعود عمله، فالمعنى: أن هؤلاء ليسوا كذلك؛ لأنهم كفار، أو ليس لهم عمل صالح.
الثالث: أن المعنى ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض، والأول أفصح، وهو منزع معروف في كلام العرب".
(التسهيل: ٢/ ٢٦٨)

قلت: فإذا كانت الأرض والسماء تبكي وتحزن على فراق الصالحين؛ فمفهوم المخالفة: أنها تفرح بموتهم وهلاكهم، والمؤمن؛ أولى بذلك؛ لتكليفه، ولمعاناته منهم.
والله أعلم.

وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مر عليه بجنازة، فقال: (مستريح ومستراح منه) قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب).
رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس بن مالك قال: مر بجنازة فأثني عليها خيراً، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شراً، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت وجبت!
قال عمر: فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير، فقلت: وجبت وجبت وجبت.
ومر بجنازة فأثني عليها شر، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أثنيتم عليه خيراً؛ وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً؛ وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض).
رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي الأسود قال: قدمت المدينة، فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمرّت بهم جنازة، فأثني على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت.
ثم مر بأخرى، فأثني على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت.
ثم مر بالثالثة، فأثني على صاحبها شراً، فقال عمر: وجبت.
فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة؛ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؛ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد).
رواه البخاري.

وفي الحديثين: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، وإقرار عمر؛ للصحابة بذكر مساوئ الميت، ويلزم من ذلك: فرحهم بموته!

فهذه الآيات الكريمة، والأحاديث العظيمة.. صريحة في الدلالة على الفرح بهلاك الكافرين والمنافقين والفاسدين.

وهكذا هي جادة السلف ومن جاء بعدهم؛ فقد كانوا يستبشرون، بهلاك المبتدعين والظالمين والفاسقين..

وهاك بعض الآثار عنهم في ذلك:
فرح العلماء واستبشروا بموت المريسي، وشكروا الله تعالى على ذلك.
بل جعل الصبيان يتعادَون (من العَدْو) بين يدي الجنازة ويقولون: من يكتب إلى مالك من يكتب إلى مالك!
(تاريخ بغداد: ٧/ ٦٤).
يعني: من يكتب إلى مالك؛ ليبشره بهلاك المريسي.

وعن بشر بن الحارث، قال: جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي وأنا في السوق، فلولا أنه كان موضوع شهرة؛ لكان موضع شكر وسجود، والحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا.
(تاريخ بغداد: ٧/ ٦٧).

وعندما أُخبر الحسن البصري: بموت الحجاج؛ فسجد.
(تهذيب تاريخ دمشق: ٤/ ٨٥)

وعن حماد، قال: بشرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج، فسجد، ورأيته يبكي من الفرح.
(طبقات ابن سعد: ٦/ ٢٨٠)

وقيل للإمام أحمد بن حنبل: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟
قال: ومن لا يفرح بهذا؟!
(السنة للخلال: ه/ ١٢١)

وقال سلمة بن شبيب: كنت عند عبد الرزاق -يعني الصنعاني-، فجاءنا موت عبد المجيد، فقال: (الحمد لله الذي أراح أمة محمد من عبد المجيد).
(سير أعلام النبلاء: ٩/ ٤٣٥)

ولما جاء نعي وهب القرشي لعبد الرحمن بن مهدي؛ قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه.
(لسان الميزان: ٨/ ٤٠٢)

وقال ابن كثير في (البداية والنهاية: ١٢/ ٣٣٨) عن أحد رؤوس أهل البدع: (أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش، فلله الحمد والمنة، وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله).

وقال ابن كثير أيضاً -عن الخفاف-: كان من أئمة السنة، وحين بلغه موت ابن المعلم -فقيه الشيعة-؛ سجد لله شكراً، وجلس للتهنئة، وقال: ما أبالي أي وقت مِتُّ بعد أن شاهدت موت ابن المعلم!
(البداية والنهاية: ١٢/ ٢٠).

وقد أفتى العز ابن عبد السلام: بأنه لا ملام في الفرح بموت العدو، من حيث انقطاع شره عنه، وكفاية ضرره.
(فيض القدير: ٦/ ٤١١)

ملاحظة: نقلت بعض هذه النقول من بعض المواقع.

بل ترى في تراجم كثير من أهل البدع، من يقال في ترجمته: (لا رحم الله فيه مغرز إبرة)!

وقال الشيخ ابن باز، عن الشاعر نزار قباني: "هذا الشاعر جدير بالذم، والتحذير من سيرته، والفرح بموته؛ لما في أشعاره من الفساد الكبير، والكفر الصريح".
(مجموع الفتاوى: ٢٨/ ٢٤٤)

وسمعت الشيخ عبد الرحمن البراك -عبر الشبكة-، يسأل، بتاريخ ١٤٤٠/٧/١٢: هل يجوز الشماتة بالكفار؟
قال: نعم، كيف، يسرنا ما يسوؤهم؛ لأن في ذلك نصر للإسلام والمسلمين، فيسرنا ما يصيبهم من الكوارث الكونية، قال تعالى "ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا".

وكم هو حنق أهل الحق.. ممن أفسد، أو يسعى في إفساد عقائد وأخلاق الشباب والشابات.. بمظاهر مزرية، وقصص هابطة، وروايات جنسية، وكتابات إلحادية، وكتب تشكيكية.
فكيف -بالله عليكم- لا يفرح بموت أمثال هؤلاء "الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون".

والفرح بموت الظالمين، وعدم الترحم عليهم؛ ليس تحجيراً لرحمة الله سبحانه، ولا حكماً عليهم بالنار، إنما هو حكم دنيوي لا يعارض حكم الله فيهم، وهناك "يوم تبلى السرائر" "وحصل ما في الصدور" و "يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه".
فعلى المسلم: أن يحذر ويُحذر من الفاسقين والبدعيين وأفعالهم، وتكره أعمالهم، ويفرح بهلاكهم.. هذا الذي علينا.
أما ما وراء ذلك، من الحكم عليه بالنار أو الخلود فيها -إلا أن يكون كافراً- فليس إلينا، بل إلى "عالم الغيب والشهادة" سبحانه وتعالى.

شبهة: يستدل بعض الرحماء! بهذه الأحاديث:
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا).
رواه البخاري.

وعن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا الأموات؛ فتؤذوا الأحياء).
رواه الترمذي بإسناد حسن أو صحيح.

وروى النسائي مثله من رواية ابن عباس.

وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.

وعن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذكروا موتاكم إلا بخير).
رواه أبو داود الطيالسي.

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن
مساوئهم).
رواه أبو داوود الطيالسي.
ينظر: (الأحكام الكبرى: ٢/ ٥٥١)

والجواب: قال عبد الحق الإشبيلي: "وأما السب لحاجة شرعية؛ ففيه الحديثان في الباب قبله وغيرهما".
(كتاب خلاصة الأحكام: ٢/ ١٠٣٩)

قلت: يعني: حديث أنس، وحديث أبي الأسود، وقد تقدما.

وفي المسألة القادمة.. فيه زيادة جواب.

مسألة: كيف الجمع بين حديث: (لا تسبوا الأموات)، وحديث: (أثنيتم عليه شراً)؟

الجواب: قال ابن الملك: "وأما هؤلاء (يعني: المنافقين والمظاهرين بفسق وبدعة)؛ فلا يحرم ذكرهم بالشر بعد موتهم؛ تحذيرا من طرائقهم والتخلق بأخلاقهم.
(شرح المصابيح: ٢/ ٣٥٧)

وقال العيني: "فإن قيل: كيف يجوز ذكر شر الموتى، مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى، وذكرهم إلا بخير؟
وأجيب: بأن النهي عن سب الأموات غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق، أو بالبدعة، فإن هؤلاء لا يحرُم ذكرهم بالشر؛ للحذر من طريقهم، ومن الاقتداء بهم".
(عمدة القاري: ٨/ ١٩٥).

وقال جمال الدين محمد بن أبي بكر الأشخر اليمني -في الجمع بين الحديثين السابقين-: "ففيه: تحريم سب الموتي إن كان يفضي الى إيذاء حي محترم مطلقاً، وإلا فمحل النهى في غير الكفار، ومتظاهر بفسق أو بدعة؛ إذ يجوز سب الموتى ... للتحذير من طريقهم، والاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم.
وبه؛ يعلم الجمع بين هذا الحديث، وبين قوله صلى الله عليه وسلم (من أثنيتم عليه خيراً؛ وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً؛ وجبت له النار.. أنتم شهداء الله في الأرض) أخرجه أحمد والشيخان والنسائي من حديث أنس".
(شرح بهجة المحافل: ١/ ٤١٤)

وقال الصنعاني: "قال النووي: يحرم سب الأموات بغير حق ومصلحة يريد، ويجوز للمصلحة كجرح الرواة ونحوه. قال النووي إجماعاً".
(التنوير: ١١/ ١٠٣)

وقال الشيخ عبد الله بن مانع الروقي: سألت شيخنا عن الجمع بين حديث: (لا تسبوا الأموات)، وحديث: (أثنيتم عليه شرا ..)؟
فأجاب: لعله لا يسب، ولا يذكر بما خفي من عمله).
(مسائل الإمام ابن باز: ١٠٧).

قلت: وهو قيد حسن، (لا يذكر ما خفي من عمله)؛ إذ الواجب، هو الستر على الإنسان، وفي الحديث: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وهذا يشمل في الحياة والممات، بل في الممات أولى.
بخلاف من عرف ضره، وشهر شره، وكان من الداعين إلى باطله، والمنافحين عن خاطله، فالتحذير واجب منه ومن أفكاره، في الحياة وبعد الممات؛ إذ يخاف من الوقوع في شركه وشَركه.

وهذا الكتاب -أعني- مسائل ابن باز-؛ حضرت قراءته على شيخنا محمد بن عبد الوهاب الوصابي، في مجالس عديدة، في فجر كل يوم.

تنبيه: يستدل بعض الناس: بقصة شيخ الإسلام مع ابن مخلوف، وهاكم القصة، ثم الإجابة عنها -إن شاء الله-:
قال ابن القيم، في (مدارج السالكين: ٢/ ٣٤٥) -عند درجة "الفتوة"-: "وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: "وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه"!
وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له؛ فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله؛ فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه! ونحو هذا الكلام. فسُرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، -فرحمه الله، ورضي عنه-".

هذه القصة، والإجابة عليها من وجوه:
الأول: إن علي بن مخلوف النويري المالكي؛ كان من أهل العلم والفضل، وقد جرت منه ومن كثير غيره؛ خصومة مع شيخ الإسلام، في مسائل لم يتفطنوا لها، ولم يلهموا الصواب فيها؛ فعادوه، بل وأفتوا بهدر دمه؛ معتقدين أنه غيّر وبدّل! وقد عذرهم شيخ الإسلام، بعذر الجهل أو التأويل.
بل قال الذهبي عنه: "وكان مشكور السيرة"!
(العبر: ٤/ ٤٩)

وقال عنه ابن كثير: "وكان غزير المروءة والاحتمال والإحسان إلى الفقهاء والشهود، ومن يقصده".
(البداية والنهاية: ١٨/ ١٨٥)

ثانياً: على فرض أن ابن مخلوف كان مبتدعاً حقيقة لا متأولاً.. فإن هذه حالة خاصة، لا يعمم عليها حكم شيخ الإسلام فيما سواها.

ثالثاً: على فرض أن هذا هو رأي شيخ الإسلام -وما هو برأيه-؛ فإنا أمرنا باتباع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.. وقد تقدم الكثير من ذلك، في ذلك.

تنبيه: قد يرى بعض الدعاة؛ أن السكوت له أسلم، وعدم التحذير من ذلك؛ أحزم، ويقول: يكفيني، أن أقول: أفضى إلى ما قدم .. وما شأني وشأنه .. وأخشى أن تكون غيبة؟!

أقول له: إن الأسلم والأحكم والأحزم: هو أن تبين زيغ الزائغين، وانحراف الناكبين، بمصلحة ولمصلحة وفي مصلحة، وهذا هو سبيل القرآن الكريم، في كثير من صفحاته الكريمة، "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" وهذا درب السنة المطهرة، وهو ما جرى عليه أهل العلم العالمين العاملين، وهم أورع وأخشى، وأخوف وأتقى.

بل إن الفرح بموت الكافرين والظالمين؛ واجب؛ لما يترتب عليه من خلافه، من الحزن والأسى على فراقهم، أو من اغترار الجاهلين والساذجين؛ بموقفكم تجاههم.

ولعمر الحق؛ إن السكوت وعدم الفرح؛ ليس من الورع في شيء، بل هو من تلبيس إبليس (وكم من مريد للحق؛ لا يدركه)!

ويقول بعضهم: وما يدرينا، لعله تاب قبل موته؟!
أقول له: وما يدريك، لعله لم يتب قبل موته!

ثم إن عندنا قاعدتان كليتان عظيمتان، وهما: (الأصل بقاء ما كان على ما كان) و (اليقين لا يزول بالشك)
وقولكم: (لعله)؛ شك، وكونه لم يتب أصل.. فلا يدفع الشك اليقينَ، فافهم.

ويا أخي: ليس من شأني وشأنك، تاب أم لم يتب، ذاك أمر إلى الله تعالى، لا نعلمه، فهو عالم السرائر، ونحن نحكم بالظواهر، إنما كلامنا عن ضلالات كانت لهذا الهالك، وشناعات لذاك النافق، فافهم.

هذا ما هديت إلى زبره، والكشف عن تبره؛ ليكون تذكرة للعالِمين، وتبصرة للعالَمين.
وأرجو أن يكون التوفيق حليفي، والتحقيق وليفي.
"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل" وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسّكْنا بالإسلام حتى نلقاك به).

وكتب: أبو نعيم وليد بن عبده الوصابي.
١٤٤١/٤/٢٦
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:57 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.