ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-06-07, 05:14 PM
محمد عامر ياسين محمد عامر ياسين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-08-06
المشاركات: 1,378
Exclamation منهج الجصاص في كتابه أحكام القرآن2-2

منهج الجصاص في كتابه أحكام القرآن2-2
الشيخ / سلطان بن فهد الطبيشي

بين الكاتب في العدد السابق منزلة الجصاص وكتابه، والمؤلفات في أحكام القرآن قبله، وأبان عن طريقته في تأليفه، وفي هذا العدد يكمل الحديث عن المأخذ على الكتاب بالتفصيل وما وُجّه إلى المؤلف من نقد في بعض أرائه .
موضع كتابه بين كتب أحكام القرآن:
لا شك أن كتاب أحكام القرآن للجصاص ليس الأول في هذا الباب، بل سبقه علماء إلى هذا الفن والكتابة فيه، لكن كتاب الجصاص امتاز بقوة استنباط مؤلفه من آيات الأحكام، مع ذكر اختلاف العلماء، ثم ينبسط في ذكر الأدلة بتوسع من الكتاب والسنة واللغة العربية والنظر، مع ما أمتاز به مؤلفه عن عقلية فذة وبراعة تامة في توجيه الأدلة، مما لا تجده عند غيره.
مع أن مكانة كتابه قد لا تتبين من خلال الكتب التي جاءت بعده؛ لعدة أمور منها:
1 ـ قلة انتشار الكتاب.
2 ـ تعصبه لمذهبه واستطراده له.
ومع ذلك، فإن الكتاب قد جمع في المسائل التي حواها وناقشها أدلة الأحناف فيها؛ حتى إنك لا تتعداه إلى غيره، وناقش أدلة المخالفين وفندها، وبين وهنها مع ثبوت بعضها، هذا يتبين من خلال هذه الرسالة في الباب الثاني. والكتاب أبرز الفقه الحنفي من خلال كتابه، وسد ثغرة للأحناف في هذا الباب.
وامتاز الكتاب بعدة مزايا:
1 ـ استيعابه لآيات الأحكام، حيث تعرض في كتابه لهذه الآيات، فبين خلاف السلف فيها.
2 ـ يبين خلاف العلماء في أحكام الآيات، ويذكر أدلة كل فريق.
3 ـ يذكر الأحاديث والآثار غالباً بالأسانيد، ويتكلم على بعضها.
4 ـ جمع أدلة الأحناف وحاول استيعابها؛ حتى إنك لا تتعداه إلى غيره في جمع أدلة الأحناف، وناقش كذلك أدلة المخالفين وفندها، وهذا في كل مسألة غالباً.
ومع هذا كله استفاد منه بعض المفسرين، حيث اعتمدوا على كتابه أو نقلوا منه فممن اعتمدوا عليه ونقلوا عنه منهم:
1 ـ الكيا الهراس في أحكام القرآن.
2 ـ الفخر الرازي في التفسير الكبير.
3 ـ ابن العربي المالكي، في كتابه «أحكام القرآن».
4 ـ القرطبي في الجامع لأحكام القرآن.
5 ـ وابن حجر في فتح الباري.
6 ـ والسيوطي في «الإكليل في استنباط التنزيل».
7 ـ والشوكاني في نيل الأوطار.


المآخذ على كتابه:
من يقرأ كتاب أحكام القرآن يرى فيه فوائد جمة: من تبويب، وتوسع في مسائل الفقه، ودقة واستنباط، وغير ذلك، ولكن لا يخلو هذا الكتاب من مآخذ ظهر لي منها :
1 ـ تكرار تسمية الأبواب، فمثلاً قال: باب التجارة في الحج في موضعين(1)، وباب بر الوالدين في موضعين(2).
2 ـ استطراده في بعض المسائل الفقهية البعيدة عن فقه الآية، فهو لا يقتصر في كتابه على ذكر الأحكام المستنبطة من الآيات، بل يستطرد في كثير من المسائل الفقهية، ويذكر الخلاف بين العلماء، مع ذكر الأدلة بتوسع كبير، وهذا الاستطراد كثيراً ما يكون إلى مسائل فقهية لا صلة لها بالآية إلا عن بعد.
فمثلاً نجده عندما عرض لقوله تعالى في سورة البقرة: (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) (البقرة:25) يستطرد لمذهب الحنفية في أن من قال لعبيده: من بشرني بولادة فلانه فهو حر ، فبشره جماعة واحداً بعد واحد أن الأول يعتق دون غيره(3).


3 ـ تعصبه لمذهبه الحنفي:
الجصاص ـ رحمه الله ـ متعصب لمذهب الحنفية إلى حد كبير، مما جعله في كتابه هذا يتعسف في تأويل بعض الآيات حتى يجعلها تؤيد مذهبه، أو إنها غير صالحة للاستشهاد بها من جانب مخالفيه. والذي يقرأ الكتاب يلمس روح التعصب في كثير من المواقف، وهذا مع ظهور أدلة المذاهب الأخرى وصلاحها للاستدلال.
فمثلاً: عند تفسيره لقوله تعالى: ( ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ) (البقرة:187) بين أنها تدل على أن من دخل في صوم التطوع لزمه إتمامه، مع أن الآية إنما هي في صوم الفرض(4).


4 ـ حملة الجصاص على مخالفيه:
لقد كان الجصاص ـ رحمه الله ـ شديداً على مخالفيه، مثل: الشافعي، ومع ذلك كان يترضى عنهم، فقال: قال أصحابنا والشافعي رضي الله عنهم(5). وأين الشافعي وإمامته من الجصاص الذي هو عالة وغيره على علم الشافعي.
فمثلاً: عندما عرض لآية المحرمات من النساء في سورة النساء، نجده يعرض للخلاف الذي بين الحنفية والشافعية في حكم من زنى بامرأة، هل يحل له التزوج ببنتها أو لا؟ ثم يذكر مناظرة طويلة جرت بين الشافعي وغيره في هذه المسألة، ويناقش الشافعي فيما يرد به على مناظره، ويرميه بعبارات شنيعة لاذعة، كقوله: فقد بان أن ما قاله الشافعي، وما سلمه له السائل كلام فارغ، لا معنى تحته في حكم ما سئل عنه(6).
وقوله: ما ظننت أن أحداً ممن ينتدب لمناظرة خصم يبلغ به الإفلاس من الحجاج أن يلجأ إلى مثل هذا، مع سخافة عقل السائل وغباوته. ؟
وقوله حين لم يرقه أحد أجوبة الشافعي على سؤال مناظره: ولو كلم بذلك المبتدئـون مــن أحـداث أصحابنا، لما خفي عليهم عوار هذا الحجاج وضعف السائل والمسئول فيه.
وهكذا، كان الجصاص شديداً على من خالفه، ومن لم يره محقاً، وفي عباراته شيء من القسوة .


5 ـ كلام الجصاص في الأئمة:
وذلك أنه في تضعيفه لبعض الأحاديث يجرح بعض الأئمة بكلام غير مسبوق، وهو مردود عليه بلا ريب، فمثلاً قال في:
أ ) سفيان بن عيينة: أنه سيئ الحفظ، كثير الخطأ (7). وهذه زلة عظيمة من الجصاص ، ولم أجد أحداً سبق الجصاص إلى ذلك. وقد ذكر الذهبي ابن عيينة في الميزان، وقال فيه: «وكان يدلس، لكن المعهود منه أن لا يدلس إلا عن ثقة، وكان قوي الحفظ، وما في أصحاب الزهري أصغر سناً منه، ومع هذا فهو من أثبتهم»(8).
ب) زكريا بن يحيى الساجي، قال فيه الجصاص: إنه غير مأمون(9). وقال الذهبي في الميزان عن الساجي: أحد الأثبات، ما علمت فيه جرحاً أصلاً. وقال أبو الحسن بن القطان: «مختلف فيه في الحديث، وثقه قوم وضعفه آخرون»(10). وتعقب ابن حجر كلام ابن القطان، وقال: «ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد قط كما أشار إليه المؤلف»(11). وكذلك أقول لا يلتفت لكلام الجصاص في الساجي الإمام الثبت.
ج ـ طاوس بن كيسان، حيث قال فيه: «إنه كثير الخطأ»(12). ولم يذكره الذهبي في الميزان ولا غيره في الضعفاء. بل قال فيه الذهبي: «الحافظ الفقيه القدوة عالم اليمن»، ونقل عن ابن معين ، وأبي زرعة توثيقه(13). وقال ابن حجر: «ثقة فقيه فاضل»(14). وطاوس عالم حافظ ثقة لا يلتفت لكلام الجصاص فيه .
د ـ ونافع مولى ابن عمر حيث قال فيه الجصاص: (قال نافع … بعد ما كبر وذهب عقله) (15). ولم يذكر أهل السير أن نافعاً بعدما كبر ذهب عقله .


6 ـ كلام الجصاص في الخلفاء:
أ ) تكلم في خلفاء بني أمية، وعلى رأسهم معاوية الصحابي الجليل رضي الله عنه.
يقول: «وهذه صفة الخلفاء الراشدين، الذين مكنهم الله في الأرض، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ـ رضي الله عنهم ـ وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم، لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مكنوا في الأرض قاموا بفروض الله عليهم، وقد مكنوا في الأرض، فوجب أن يكونوا أئمة قائمين بأوامر الله، منتهين عن زواجره ونواهيه، ولا يدخل معاوية في هؤلاء؛ لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، وليس معاوية من المهاجرين، بل هو من الطلقاء(16). أهـ
ومثلاً: عند قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ) (النور:55) يقول: «وفيه الدلالة على صحة إمامة الخلافة الأربعة أيضاً؛ لأن الله استخلفهم في الأرض، ومكن لهم كما جاء الوعد ، ولا يدخل فيهم معاوية؛ لأنه لم يكن مؤمناً في ذلك الوقت(17).
وعند قوله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) (الحجرات: 9)، نجده يجعل عليا (هو المحق في قتاله، أما معاوية ـ ومن معه ـ فهم الفئة الباغية، وكذلك كل من خرج على علي(18).
وما كان أولى بالجصاص أن يترك هذا التحامل على كاتب الوحي وأمير المؤمنين معاوية الصحابي الجليل، ولا يلوي مثل هذه الآيات إلى ميوله وهواه. وفهمه الخاطئ!
ب) وقال في يزيد بن معاوية: يزيد اللعين(19). قلت: والمتقرر عند أهل العلم أنه لا يجوز لعن المسلم .
جـ) وقال في عبدالملك بن مروان: «ولم يكن في العرب، ولا آل مروان أظلم ولا أكفر من عبدالملك»(20).
د ) وقال في الحجاج بعد كلامه في عبدالملك: «ولم يكن في عماله أكفر، ولا أظلم، ولا أفجر من الحجاج». قلت: وكل ذلك من الجصاص زلة وخطأ لا يقر عليها ، والله أعلم بحال كل إنسان.
الجصاص والاعتزال؟:
ذكر بعض المؤرخين أن الجصاص من المعتزلة، وقالوا: أن الجصاص من إحدى طبقات المعتزلة، واختلفت تعبيراتهم في ذلك، فبعضهم جعله من إحدى طبقات المعتزلة، والبعض الآخر قال: إنه يميل إلى الاعتزال.
فعده الحاكم الجشمي ضمن الطبقة الثانية عشرة من طبقات المعتزلة(21)، كما ذكره القاضي عبدالجبار ضمن الطبقة نفسها في كتابه «فرق وطبقات المعتزلة»(22).
وأيضاً في كتاب «تراجم الرجال» قال الجنداري: «ذكره المنصور بالله في طبقات المعتزلة»(23).
أما الذهبي فقد قال عنه: «إنه يميل إلى الاعتزال»، حيث قال في ترجمته: «وقيل: كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها»(24).
ومن المعاصرين: الدكتور محمد حسين الذهبي(25)، والدكتور مساعد مسلم آل جعفر، ومحي هلال السرحان(26)، قالوا: «إن له ميولاً اعتزالية».
ومن الملاحظ أن الكتب التي ترجمت له ـ وخصوصاً «تراجم الحنفية»(27) ـ لم تذكر أنه من المعتزلة سوى ما ذكرت.
ومن استقرائي لكتابه «أحكام القرآن» وجدت أن له بعض الآراء يميل فيها إلى ما ذهب إليه المعتزلة، وربما عن طريقها نسب إلى الاعتزال، وتقدم قول الذهبي عنه «إنه يميل إلى الاعتزال» ومن هذه الآراء:


1 ـ رأيه في الرزق:
ذكر الجصاص عند قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة:3) ما يؤخذ منها، فقال: «ولما مدح هؤلاء بالانفاق مما رزقهم الله، دل ذلك على أن إطلاق اسم الرزق إنما يتناول المباح منه دون المحظور، وأن ما اغتصبه وظلم فيه غيره لم يجعله الله رزقاً؛ لأنه لو كان رزقاً له لجاز إنفاقه وإخراجه إلى غيره على وجه الصدقة والتقرب به إلى الله تعالى»(28). فالذي سار عليه من أن الرزق إنما يطلق على الحلال دون الحرام هو ما تذهب إليه المعتزلة.
يقول ابن عطية عند تفسيره للآية نفسها: «والرزق ـ عند أهل السنة ـ ما صح الانتفاع به حلالاً كان أو حراماً، بخلاف قول المعتزلة: إن الحرام ليس برزق»(29).


2 ـ رأيه في السحر:
بين الجصاص في كتابه عند تفسيره لقوله تعالى: (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) (البقرة:102) القول في السحر، ومعناه عند أهل اللغة، وعند إطلاقه، ثم خلاف الفقهاء فيه. ومما قال في معناه: «إنه متى أُطلق فهو اسم لكل أمر مموه باطل لا حقيقة له ولا ثبات»(30).
وقال أيضاً بعد أن أورد بعض القصص عن السحر: "ومن صدق هذا فليس يعرف النبوة، ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ من هذا النوع، وأنهم كانوا سحرة... وقال الله تعالى: ( وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طه:69)...
وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع، وذلك أنهم زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر، وأن السحر عمل فيه، حتى قال فيه: "إنه يتخيل لي أني أقول الشيء وأفعله، ولم أقوله ولم أفعله"، وأن امرأة يهودية سحرته في جف طلعة ومشط ومشاقة، حتى أتاه جبريل ـ عليه السلام ـ فأخبره أنها سحرته في جف طلعة، وهو تحت راعوفة البئر، فاستخرج، وزال عن النبي صلى الله عليه وسلم العارض. وقد قال الله تعالى مكذباً للكفار فيما ادعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال جل من قائل: ( وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَّسْحُورًا) (الفرقان:8)، ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين…"(31).


فيظهر مما قاله الآتي:
1 ـ أن السحر لا حقيقة له.
2 ـ اعتراضه على الأحاديث الواردة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها غير صحيحة؟.
وتحقيقُ المقام أن نقول: اختلف في أمر السحر: هل له حقيقة وتأثير في الواقع، أو ليس له حقيقة وتأثير؟ على قولين:
الأول: ذهب جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة إلى: أنه ثابت، وله حقيقة وتأثير، ومن أدلتهم على ما يلي:
1 ـ قوله تعالى: ( سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: 116) فهذه الآية تدل على إثبات حقيقته.
2 ـ قوله تعالى: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) (البقرة:102)، حيث تدل على أن السحر له حقيقة وأثر، إذ أمكنهم بواسطته أن يفرقوا بين الرجل وزوجته، وأن يوقعوا العداوة والبغضاء بين الزوجين.
3 ـ قوله تعالى: ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ ) (البقرة:102)، حيث أثبت الضرر للسحر، ولكنه متعلق بمشيئة الله.
4 ـ قوله تعالى: (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) (الفلق:4)، حيث تدل على عظيم أثر السحر، حتى أمرنا أن نتعوذ بالله من شر السحرة الذين ينفثون في العقد.
5 ـ ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لَبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشة أشعر أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب(32)، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة(33)، قال: وجب(34) طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان»(35). قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة(36) الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين»، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت»(37).
الثاني: ذهبت المعتزلة ، وأبو حنيفة إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام؛ لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة، وشبهتهم ما يلي:


1 ـ قوله تعالى: (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) (طه:66)، حيث تفيد أن هذا السحر كان تخييلاً لا حقيقة.


2 ـ قوله تعالى: (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ) (الأعراف:116)، حيث تدل على أن السحر إنما كان للأعين فحسب.


3 ـ قوله تعالى: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طه:69)، حيث تثبت أن الساحر لا يمكن أن يكون على حق لنفي الفلاح عنه(38).


والصحيح ـ من وجهة نظري، والله أعلم ـ : رأي جمهور أهل السنة للأدلة السابقة، أما ما استدل به المعتزلة فقد ردَّ عليهم القرطبي في تفسيره، إذ يقول: «وهذا لا حجة فيه؛ لأننا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل، وورد بها السمع، فمن ذلك: ما جاء في هذه الآية(39) من ذكره وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر الله تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدل على أنه حقيقة. وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون( وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: 116)، وسورة الفلق، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما خرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم…. الحديث"، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر: «إن الله شفاني»، والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أنه له حقاً وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة ـ مع اتفاقهم ـ بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان، وتكلم الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله(40).
وقال الشوكاني: «وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيراً في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة»(41).
وأما اعتراض الجصاص على الأحاديث الواردة في سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: «إنها من وضع الملاحدة» فهذا قول باطل ولا حجة معه، بل هي أحاديث صحيحة خرجها الشيخان وغيرهما.


4 ـ رأيه في الرؤية:
ذكر الجصاص عند تفسيره لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) (الأنعام:103) معنى هذه الآية، فقال: «معناه: لا تراه الأبصار، وهذا تمدح ينفي رؤية الأبصار، كقوله تعالى: ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) (البقرة:255)، وما تمدح الله بنفيه عن نفسه، فإن إثبات ضده ذم ونقص، فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما لو بطل استحقاق الصفة بـ ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ )
(البقرة: 255) لم يبطل إلا إلى صفة نقص، فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه، لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال، إذ كان فيه إثبات صفة نقص. ولا يجوز أن يكون مخصوصاً بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: 22 ـ 23)؛ لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب ـ كما روي عن جماعة من السلف ـ فلما كان ذلك محتملاً للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه. والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبه ولا تعرض فيه الشكوك؛ لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة"(42).
فيظهر من كلام الجصاص إنكاره لرؤية الله عز وجل، وتأويله للأحاديث المروية فيها، وهذا هو عين مذهب المعتزلة.
يقول البغوي عند تفسيره لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) (الأنعام:103): «يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل، ومذهب أهل السنة: إثبات رؤية الله عز وجل عياناً، قال تعالى: (صلى الله عليه وسلم ( ( ) (القيامة: 22 ـ 23)، وقال: (كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) (المطففين: 15). قال مالك رضي الله عنه: «لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعير الله الكفار بالحجاب. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (يونس: 26) فسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل. أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، أنبأنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن حازم، عن جرير بن عبدالله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم عياناً» (43).
وأما قوله:( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)(الأنعام: 103) علم منه أن الإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو: الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية: المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك.
قال الله تعالى في قصة موسى ـ عليه السلام ـ :( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) (الشعراء: 61 ـ 62)، وقال: ( لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى) (طه: 77)، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة، كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به. قال الله تعالى: ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) (طه: 110)، فنفي الإحاطة مع ثبوت العلم. قال سعيد بن المسيب: «لا تحيط به الأبصار»، وقال عطاء: «كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به»، وقال ابن عباس ومقاتل: «لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة»(44).
ويؤخذ من هذا: أن الجصاص له بعض الآراء التي يميل فيها إلى ما تذهب إليه المعتزلة.
على أن العلماء رجحوا ـ بعد هذا كله ـ أن الإمام الجصاص من أهل السنة، ولا يمت إلى المعتزلة بصلة، وذلك لعدة أمور أهمها:
أولاً: أن ذكره في طبقات التراجم مع المعتزلة كما فعل الجشمي، والقاضي عبدالجبار(45) ليس شرطاً أن يجعله منهم، وقد جُعل الجصاص في الطبقة الثانية عشرة والأخيرة.
ولكن يؤخذ على الجشمي، والقاضي عبدالجبار عدم تمسكهما بما يذهب إليه المعتزلة: من أنه لا يطلق وصف الاعتزال على أحد منهم حتى يعتقد أصولهم الخمسة. يقول أبو الحسين الخياط المعتزلي: «وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فإذ كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي»(46).
ويؤخذ عليهما أيضاً: أنهما عدّا الخلفاء الراشدين ضمن الطبقة الأولى من طبقات المعتزلة؟ وكذا جعلا عدداً من الصحابة: كابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت.. وغيرهم. والطبقة الثانية ضمت: الحسن، والحسين، وابن المسيب… وغيرهم.


ثانياً: تعرضه لمسائل عديدة يخالف فيها المعتزلة ويتفق مع أهل السنة، ودفاعه عن أهل السنة والجماعة، ودليل ذلك جاء في كتابه «أصول الفقه» عن: القرآن كلام الله، ومرتكب الكبيرة، والوعد والوعيد… وغير ذلك.


ثالثاً: اتخاذه رأس شيخه أبي حنيفة في إنكار حقيقة السحر منبعاً، وليس من المعتزلة كما ذكر البعض.


رابعاً: مجرد إنكاره رؤية الله بالبصر، وزلته في هذا الجانب، لا تضفي عليه أن يُصنف مع المعتزلة؛ لأنها زلة صغيرة، لا يعتد برأيه فيها؛ لعدم وجود حجة له ولا دليل، ولا تكفي أن يصنف هكذا مذهبياً، وهو حنفي المذهب كما ذكرنا.
خامساً: أن الناظر في شيوخ الجصاص يلحظ أن بعضهم من المعتزلة مثل الحسن بن أحمد الفارسي، وعلي ابن أحمد التنوخي، ومحمد بن عمر الجعابي، ولا بد أن لهؤلاء الشيوخ أثر في أراء الجصاص فربما دُخل عليه من ذلك.
والحق يقال، إن الجصاص لم يأخذ برأي المعتزلة ـ وإن مال إليهم في بعض الجوانب ـ ولكنه حنفي، يتبع الإمام أبي حنيفة النعمان ـ رحمه الله ـ ، فإن كان أبو حنيفة قد وافق المعتزلة في الرأي القائل: إن السحر خداع لا أصل له ولا حقيقة، فأصل هذا الرأي ـ عند الجصاص ـ جاء من تقليده لصاحب المذهب، ولم يكن برؤية المعتزلة المطلقة والله أعلم.


الهوامش:
(1) أحكام القرآن 1/386، 5/66.
(2) أحكام القرآن 3/155، 5/19.
(3) أحكام القرآن 1/36.
(4) أحكام القرآن 1/289.
(5) أحكام القرآن 1/135.
(6) أحكام القرآن 3/58.
(7) أحكام القرآن 1/186.
(8) ميزان الاعتدال 2/170.
(9) أحكام القرآن 1/140.
(10) ميزان الاعتدال 2/79.
(11) لسان الميزان 2/488.
(12) أحكام القرآن 2/95.
(13) سير أعلام النبلاء 5 / 38.
(14) تقريب التهذيب 281.
(15) أحكام القرآن 2 / 40 .
(16) أحكام القرآن 5/83.
(17) أحكام القرآن 5/191.
(18) أحكام القرآن 5/280.
(19) أحكام القرآن 4/319.
(20) أحكام القرآن 1/87.
(21) في شرح العيون 391.
(22) فرق وطبقات المعتزلة للقاضي عبدالجبار 125.
(23) تراجم الرجال للجنداري 4.
(24) سير أعلام النبلاء للذهبي 16/341.
(25) التفسير والمفسرون 2/441.
(26) مناهج المفسرين 147.
(27) انظر هذه الكتب في الحاشية في أول ترجمته.
(28) أحكام القرآن للجصاص 1/29.
(29) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1/102.
(30) أحكام القرآن 1/52.
(31) أحكام القرآن 1/60.
(32) مطبوب: أي مسحور، يقال: طب الرجل إذا سحر. (فتح الباري 10/239).
(33) مشط ومشاطة: المشط: ما يمشط به الشعر، والمشاطة: الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه. (فتح الباري 10/239).
(34) وجب: الجب: هو وعاء طلع النخل. (فتح الباري 10/240).
(35) بئر ذي أروان: هي بئر بالمدينة في بستان بني زريق. (فتح الباري 10/240).
(36) نقاعة: هي الماء الذي ينقع فيه الحناء. (فتح الباري 10/241).
(37) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في «الطب» 10/232، باب «السحر» رقم 5763، ومسلم في صحيحه، في «السلام» 14/250، باب «السحر» رقم 2189.
(38) انظر في ذلك الجامع لأحكام القرآن 2/246، وفتح القدير 1/119.
(39) وهي قوله تعالى: (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) (البقرة: 102) .
(40) الجامع لأحكام القرآن 2/46.
(41) فتح القدير 1/121.
(42) أحكام القرآن للجصاص 3/4، 5 .
(43) الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:" وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" الفتح 8/179.
(44) معالم التنزيل للبغوي 2/166، 167.
(45) انظر: فرق وطبقات المعتزلة للقاضي عبدالجبار 214، وشرح العيون للجشمي 391 .
(46) الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد لأبي الحسين الخياط المعتزلي 93.
__________________
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-06-12, 10:34 AM
عمر سعد خالد مهدي عمر سعد خالد مهدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-04-12
المشاركات: 2
افتراضي رد: منهج الجصاص في كتابه أحكام القرآن2-2

السلام عليكم ياشيخ اني طالب ماجستير واكتب حاليا رسالة ماجستير في موضوع صيغ التكليف عند الامام الجصاص رحمه الله فارجوا مساعدتي في هذا الموضوع جزاكم الله عني كل الخير.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:44 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.