ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 20-07-07, 09:48 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ رجب نوري مشوح

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني النبلاء إليكم حاشية دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن رجب نوري مشوح وهذه الحاشية بمثابة شرح مختصر ودليل لطالب العلم المحتاج لفهم متن المنهاج وقد اشتملت هذه الحاشية فوائد ولطائف تجدها متناثرة في الكتاب كَدَرِّ السَّحاب لِتَكُنَ حول المتن كَدُرِّ السِّخاب ؛ فجزى الله علماءنا عنا خير الجزاء على ما قدموه لنا ويسروه ...فاللهم يسر لهم أمورهم في الدارين واجعل لهم لسان صدق في الدارين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين ...آمين
الجزء الأول
(ذكر نسب الشافعي وطرفاً من أخباره)
هو محمد بن إدريس بن العباس بن شافع يلتقي نسبه برسول الله (ص) بعبد مناف جد النبي (ص) وقيل: إن شافعاً لقي النبي (ص) وهو مراهق للبلوغ.
ولد الشافعي بغزة سنة خمسين ومئة فمكث بها سنتين ثم حمل إلى مكة وتعلم بها القرآن على سفيان بن عُيينة وغيره وتتلمذ في مكة على مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة. ثم قصد المدينة فلزم مالكاً –رحمه الله- وقرأ عليه الموطأ وحفظه وكان سنه حين قدم المدينة ثلاث عشرة سنة ثم دخل بغداد وأقام بها سنتين وصنف كتبه القديمة ثم عاد إلى مكة وأقام بها سنة ثم عاد إلى بغداد وأقام بها دون السنة ثم خرج إلى مصر فصنف بها كتبه الجديدة وأقام بها إلى أن مات بها ودفن هناك في يوم الجمعة آخر ليلة من شهر رجب عام 204 للهجرة وكان عمره أربعاً وخمسين سنة.
أما كتبه القديمة فهي: الحجة والأمالي ومجمع الكافي وعيون السائل والبحر المحيط وأما كتبه الجديدة فهي: الأم والإملاء وجامعا المزني الكبير والصغير ومختصر المزني ومختصر الربيع والبويطي والرسالة وقد جمعها البيهقي في مناقب الشافعي.
وأما اصحابه البغداديون فهم: الحسن بن محمد بن الصبَّاح الزعفراني والحسين الكرابيسي وأبو ثور بن خالد الكلبي وأحمد بن حنبل وأتقنهم لرواية القديم الزعفراني.
وأما أصحابه المصريون فهم: إسماعيل بن يحيى المزني والربيع بن سليمان المرادي والربيع بن سليمان الجيزي ويوسف بن يحيى البويطي وحرفلة بن يحيى التجيبي ويونس بن عبد الأعلى.
وأما شيوخه في الحديث النبوي فهم:
- مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر.
- سفيان بن عينية عن عمر وابن دينار عن ابن عمر وابن عباس.
- مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس.
قال: المزني دخلت على الشافعي –رحمه الله- في علته التي توفي فيها فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً ولكأس المنية شارباً ولسيء أعمالي ملاقياً وعلى الله الكريم وارداً فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وأنشد:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي
تعاظمني ذنبي فلما قرنته
وما زلت ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل
فإن تعف عني تعف عن ذي إساءة
وإن تنتقم مني فلست بأيس



جعلت الرجا منِّي لعفوك سلما
بعفوك ربي كان عفوك أعظما
تجود وتعفو منة وتكرما
ظلوم غشوم لا يزايل مأثما
ولو دخلت روحي بجرمي جهنما


قال الشافعي: يا ربيع رضاء الناس غاية لا تدرك فعليك بما يصلحك فالزمه فإنه لا سبيل إلى رضاهم واعلم أن من تعلم القرآن جل في أعين الناس ومن تعلم الحديث قويت حجته ومن تعلم النحو هِيبَ ومن تعلم العربية رق طبعه ومن تعلم الحساب جَزُلَ رأيه ومن تعلم الفقه نبل مقداره ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه وملاك ذلك كله التقوى.
ودخل يوماً على أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد وقال له موصياً: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنته والقبيح عندهم ما كرهته عِّلمهم كتاب الله عز وجل ولا تكرههم عليه فيملوه ولا تزكهم منه فيهجروه ثم زودهم من الشعر أعقله ومن الحديث أشرفه ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم.
قال الماوردي في الحاوي: كل موضع يقول فيه الشافعي: قال بعض الناس: يريد أبا حنيفة وكل موضع يقول فيه قال بعض أصحابنا يريد مالكاً وإذا أراد غيره ذكره باسمه.
وقال الحاكم: إذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن حميد الطويل فإنما يريد بالثقة إسماعيل بن عُلَيَّة.
شرح مقدمة المصنف
(بسم الله الرحمن الرحيم) أي أبتدئ وأفتتح بالبسملة
(الحمد لله) والحمد لغة الوصف بالجميل وعرفاً فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه وقد بدأ المصنف بالبسملة ثم بالحمد اقتداء بالكتاب العزيز وعملاً بالخبر "كل أمر ذي بال لايُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع". رواه أحمد والبيهقي وعبد القاهر الرهاوي عن أبي هريرة, وحسنه ابن الصلاح والتقوى وصححه ابن حبان أي أن كل أمر مهم لا يبدأ فيه بالبسملة فهو ناقص غير تام.
(البر) أي المحسن وقيل الصادق في وعده.
(الجواد) والجواد هو كثير العطاء.
(الذي جلت) أي عظمت واستقرت في النفوس عظمة.
(نعمة) والنعمة لغة: هي مطلق المُلائم للاستعمال قال تعالى: [وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها] لنحل:18.
(عن الإحصاء) أي الحصر والضبط.
( بالأعداد) أي عظمت أن تضبط أو تُعَد بعدد. قال تعالى: [وأحصى كل شيئ عدداً) الجن:28. فالله سبحانه قد عمله من جهة الحصر والضبط بالعدد.
(المان) مشتق من المنة وهي النعمة فهو المنعم تفضلاً منه لا وجوباً عليه أما الحنَّان فهو الذي يقبل على من أعرض عنه. قال تعالى: [لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم] آل عمران:164
(الهادي إلى سبيل الرشاد) أي الموصل إلى طريق الرشد والخير والرشد ضد الغي.
(الموفق) أي المعين (للتفقه) أي التفهم والفقه لغة: الفهم من فَقِه فإن صار الفقه سجية له قيل فَقُهَ والفقه اصطلاحاً: العلم بالأحكام الشرعية العملية الناشئة عن الاجتهاد، وموضوعه: فعل المكلف، وفائدته: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وغايته: انتظام أمر المعاش والمعاد مع الفوز بكل خير دنيوي وأخروي.
(في الدين) وهو ما شرعه الله سبحانه لعباده من الأحكام.
(من لطف به) أي أراد له الخير وسهله عليه بما منَّ عليه من الفهم التام
(واختاره) أي اصطفاه (من العباد) أي من الناس أشار بذلك إلى قول النبي (ص) "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" رواه الشيخان عن معاوية وفي رواية القطيعي في جزئه بسند صحيح عن ابن مسعود "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده"، وأورد صاحب الإحياء أن النبي (ص) قال: "قليل من التوفيق خير من كثير من العلم".
(أحمده) أي أصفه بجميع صفاته إذ كل منها محمود والاهتمام بجميعها أبلغ في التعظيم .
(أبلغ حمد) أي أكمله من حيث الإجمال لا التفصيل؛ لأن البشر جميعاً عاجزون عن ذلك فمن دعائه (ص) "لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" رواه مسلم.

(وأكمله) أي أتمه وقالوا: الإتمام غير الإكمال مستندين إلى قوله تعالى [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً] المائدة:3 فالإكمال لإزالة العوارض مع تمام الأصل والإتمام لإزالة نقص الأصل.
(وأزكاه) أي أطيبه وأكثره نماءً
(وأشمله) أي أعمَّه
(وأشهد أن لا إله) أي لا معبود بحق (إلا الله)
(الواحد) في ذاته وصفاته فلا تعدد له بوجه ولا نظير له بوجه وكذلك في أفعاله [ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر على ترى من فطور] الملك:3
(الغفار) أي الستار لذنوب من شاء من عباده فلا يؤاخذهم بها.
(وأشهد أن محمداً عبده) وصفه بالعبودية؛ لأنه ليس للمؤمن صفة أتم ولا أشرف من العبودية [سبحان الذي أسرى بعبده] الاسراء:1، [فأوحى إلى عبده ما أوحى] النجم:10 [نزّلَ الفرقان على عبده] الفرقان:1
(المصطفى) أي المستخلص من الصفوة. روى مسلم عن واثلة أن النبي (ص) قال "إن الله تعالى اصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم".
(المختار) من العالمين فهو أفضلهم بنص الكتاب [كنتم خير أمة أخرجت للناس] آل عمران:110 إذ أن كما الأمة تابع لكمال نبيها [فبهداهم اقتده] الأنعام:90 روى أحمد وابن ماجة والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد أن النبي (ص) قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم ومن دونه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر".
(أما بَعْدُ) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه وهي للانتقال من أسلوب إلى آخر وكان الرسول (ص) يأتي بها في خطبه. قيل وأول من قال بها داود عليه السلام..
(فإن الاشتغال بالعلم) وهو العلم المعهود شرعاً ًوهو: التفسير والحديث والفقه وما يخدمهما وما هو آلة لهما.
(من أفضل الطاعات) وأفضل العلوم معرفة الله سبحانه وتعالى؛ لأن العلم يشرف بشرف معلومه ومعرفة الله تعالى واجبة إجماعاً قال تعالى: [قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون] الزمر:10، وقال تعالى: [يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات] المجادلة:11، وروى الشيخان عن معاوية أن النبي (ص) قال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، وروى الشيخان عن ابن مسعود أن النبي (ص) قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" والمقصود بالحسد هنا الغبطة.
وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"
وروى الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة".
(وأولى ما أنفقت من نفائس الأوقات) أي في تعلمه وتعليمه.
(وقد) للتحقيق (أكثر أصحابنا) أي ممن سلك مذهب الشافعي (رحمهم الله) تفاؤلاً برحمة الله تعالى. قال تعالى [والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان] الحشر:10.
(من التصنيف) أي من التأليف وهو جعل الشيء أصنافاً متميزة.
(من المبسوطات) وهي ما كثر لفظها ومعناها.
(والمختصرات) وهي ما قل لفظها وكثر معناها.
(وأتقن مختصر) أي أحكم المختصرات هو كتاب (المحرر) أي المهذب المنقى وسمي مختصراً؛ لقلة لفظه لا لكونه ملخصاً من كتاب آخر.
(للإمام) وهو من يُقتدى به في الدين (أبي القاسم الرافعي) نسبة للصحابي الجليل رافع بن خديج كما هو محكي عن خط الرافعي نفسه وقيل: نسبةٍ لرافعان وهي بلدة من بلاد قزوين حيث أصل قومه.
(ذي التحقيقات) أي صاحب المسائل المحققة بدليلها مع الرد على قوادحها توفي –رحمه الله- سنة ثلاث أو أربع وعشرين وستمائة عن نيف وستين سنة وأما المصنف وهو الإمام النووي فقد ولد بعد وفاة الرافعي بنحو سبع سنين بمدينته نوى وهي قرية من دمشق من قرى حوران (وهو) أي كتاب المحرر (كثير الفوائد) بما حوى من مسائل وتعليقات لم يسبق إليها والمحرر (عمدة في تحقيق المذهب) يعتمد عليه في معرفة ما ذهب إليه الشافعي وأصحابه من الأحكام.
(مُعْتَمَدٌ) أي: يرجع إليه (للفتي) أي المجيب في معرفة حرام الشرع وحلاله بما يرجحه أو يستنبطه (وغيره) أي: وغير المفتي وهو من يستفيد لنفسه أو لإفادة غيره.
(من أولي الرغبات) أي: أصحاب الرغبة في الخير الساعين لحيازة معالي الأمور.
(وقد التزم مصنفه -رحمه الله-) كما صرح بذلك في خطبة الكتاب (أن ينص) في مسائل الخلاف (على ما صححه معظم الأصحاب) أي أكثرهم لأن الخطأ إلى القليل أقرب منه إلى الكثير كما أن نقل المذهب من باب الرواية يرجح بالكثرة قال ابن العطار تلميذ الإمام النووي: إنما يرجع إلى قول الأكثر إذا لم يظهر دليل بخلافه؛ لأن العادة تقضي بأن الخطأ إلى القليل أقرب (ووفي) أي الرافعي رحمه الله (بما التزمه) حسب ما ظهر للمصنف في وقته وينافي ذلك أنه استدرك عليه بعض الأمور (وهو) أي ما التزمه (من أهم) المطلوبات (أو) بل هو (أهم المطلوبات) لمن يريد الراجح في المذهب لأن الراجح في المذاهب هو الأهم لمن أراد الإحاطة بالمدارك كما أنه الأهم لمن أراد الإفتاء والعمل وعليه خالف الشافعيُّ وأصحابُه في مسائل عديدة أكثر العلماء.
(لكن) أراد الإجابة على السؤال. إذا كان المحرر بهذه الكمالات فلماذا اختصرته؟ فأجاب على ذلك بإبداء عذرين أولهما (في حجمه كَبِرٌ) اقتضى أن يعجر (عن حفظه أكثر أهل العصر) الراغبين في حفظ مختصر في فقه الإمام الشافعي عن ظهر قلب (إلا بعض أهل العنايات) أي أصحاب الاهتمام والجد من أهل العصر فإنهم لا يعظم عليهم حفظه فأردت أن يعم العلم وينتشر وذلك بأن يكثر الحافظون لمختصر في فقه الإمام الشافعي رحمه الله.
(فرأيت) بسبب ما تقدم (اختصاره) مستوعباً لمقاصده بحسب الإمكان (في نحو نصف حجمه) أي قريباً من نصف حجمه بزيادة أو نقص. (ليسهل حفظه) على من رغب في ذلك.
(مع ما أضمه إليه إن شاء الله تعالى من النفائس والمستجدات) أي المعدات جياداً لبلوغها أقصى الكمال الممكن (منها) أي من هذه النفائس (التنبيه) وهو العذر الثاني الذي دفعه إلى اختصار المحرر وهو الإشارة (على قيود في بعض المسائل) وهي قليلة قيل: هي عشر مسائل فقط (هي من الأصل) أي من المحرر (محذوفات) سهدُاً أو اختصاراً أو إحالة على المطولات (ومنها مواضع يسيرة) قيل: هي نحو من خمسين موضعاً (ذكرها في المحرر على خلاف المختار من المذهب) أي على خلاف الراجح في المذهب (كما ستراها إن شاء الله تعالى) في مخالفتها للمختار من المذهب نظراً للأدلة وعليه فسيذكر الراجح فيها ذكراً واضحاً (واضحات) مفعول ثانٍ لترى أي لترى ذلك واضحاً رغم التزامه بالنص؛ لأنهم قد يرجحون ما عليه الأقل لقوة الدليل.
(ومنها إبدال ما كان من ألفاظه غريباً) أي غير مألوف الاستعمال ومع ذلك لم يغير لفظه "ده يازده" لأن وقوعها في ألسنة السلف ثم الخلف يخرجها عن الغرابة أو (موهماً) أي موقعاً في الوهم (خلاف الصواب) بأن كان المتبادر إلى الذهن غير المراد والإتيان بدلاً من ذلك (بأوضح) قد ألفه الناس (وأخصر منه بعبارات جليات) لاخفاء فيها في أداء المراد لخلوها من الغرابة والإيهام واشتمالها عن حسن السبك ورصانة المعنى.
(ومنها بيان القولين) أو الأقوال للشافعي رضي الله عنه وقد ذكر المصنف عبارات يُعْلَمُ منها أن الخلاف أقوال للإمام أو أوجه لأصحابه أو مركب منهما وحاصل ما ذكره أحد عشر صيغة: ستة منها للأقوال وهي: الأظهر والمشهور والقديم والجديد وفي قول، وفي قول قديم وثلاثة منها للأوجه وهي: والأصح والصحيح وقيل: وواحد لها وهو النص وواحدة للجميع وهي المذهب وإذا أجمعوا على قولين لم يجز إحداث ثالث إلا إذا كان مركباً منهما وذلك بأن يكون مٌفصِّلاً وكل من شفبه قال به أحدهما ثم الراجح منهما ما تأخر إن عُلِم وإلا فما نُصَّ على رُحْجانه وإلا فما فُرِّع عليه وحده وإلا فما قال عن مقابله مدخول أو يلزمُه فساد وإلا فما أفرده في محل أو جواب وإلا فما وافق مذهب مجتهد لِتَقِّويهِ به. فإن خلا عن ذلك كله فهو لتعادل النظرين وهذا يدل على سعة العلم أولاً كما يدل على هيمنة الورع حذراً من الترجيم من غير اتضاح دليل. وزعم قوم أن صدور قولين في مسألة واحدة لا يجوز وهذا غلط؛ فإن الإجماع على جوازه وقد وقع من الصحابة فَمَنْ بعدهم وقد وقع ذلك للشافعي في ثمانية عشر موضعاً. ولقد نقل القرافي المالكي في كتابه الفروق أن الإجماع منعقد على تخيير المقلد بين قولي إمامه أي: على جهة البدل لا على جهة الجمع وذلك إذا لم يظهر ترجيح أحدهما فمثلاً من أداه اجتهاده إلى تساوي جهتين فله أن يصلي إلى أيهما شاء إجماعاً. ولكن يمتنع ذلك إذا كان في حكمين متضادين كإيجاب وتحريم. ويجوز تقليد الأئمة الأربعة مالم يلزم من ذلك تلفيق لم يقل به واحد منهم كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة أو أن يأخذ هو بشفعة الجوار تقليداً لأبي حنيفة فإذا استحقت عليه تركها وقلد الشافعي ولذا قال ابن الصلاح رحمه الله: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة أي في قضاء أو إفتاء ومحل ذلك وغيره من سائر صور التقليد ما لم يتتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه وإلا أثم به بل قيل فسق وهو وجيه هذا إذا تتبعها من المذاهب الأربعة المدونة وإلا فسق قطعاً.
فالأقوال إذن هي أقوال الإمام في القديم أو الجديد أو القديم والجديد معاً وقد يرجِّح بينهما وقد لا يرجِّح.
(والوجهين) أي وبيان الوجهين أو الأوجه: وهي أقوال أصحاب الشافعي التي خرجوها على قواعده ونصوصه وقد يجتهدون في مسائل من غير أخذ عن أصوله فلا تسمى وجهاً كما فعل المزني وأبو ثور فتنسب هذه المسائل إليهم ولا تعد وجوهاً في المذهب.
(والطريقين) أي: وبيان الطريقين أو الطرق وهو اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب فيحكي بعضهم نصين أو نصوصاً ويحكي بعضهم نصوصاً مغايرة كأن يقول أحدهم: في المسألة قولان أو وجهان فيقول الآخر: بل قول واحد أو وجه واحد أو يقول أحدهم: في المسألة تفصيل فيقول الآخر: بل فيها خلاف مطلق.
(والنص) أي وبيان النص وهو ما كتبه الشافعي أو أُسْنِد إليه من غير معارض
(ومراتب الخلاف) من حيث القوة والضعف وهي في الأقوال والأوجه لتمييز الراجح من غيره.
(في جميع الحالات) أي أنه إذا ذكر خلافاً بيَّن مرتبته خاصة إذا كان الذي يقابل النص وجه أو تخريج.
(فحيث أقول الأظهر أو المشهور فَمِنْ) أي أن أحدهما كائن من جملة (القولين أو الأقوال) للإمام الشافعي (فإن قَوِيَ الخلاف) لقوة دليل غير الراجح وعدم شذوذه أو تكافؤ دليليهما في أصل الظهور. ويمتاز الراجح بكون معظم الأصحاب عليه أو بكون دليله أوضح وأحياناً لا يقع تمييز بين الراجح وغيره.
(قلت الأظهر) وهو الرأي الراجح من القولين إذا كان الاختلاف قوياً؛ لأن كلاً منهما يعتمد على دليل قوي وقوله الأظهر يشير إلى قوة مقابله وأحياناً يشار إلى ذلك بقولهم: وفي قول (وإلا) يَقْوَ الخلافُ (فالمشهور) المشعر بغرابة مقابله فالمشهور إذن هو الراجح من القولين أو الأقوال إذا كان الاختلاف ضعيفاً وفي مقابله المرجوح الضعيف ويقال فيه أيضاً: وفي قولٍ.
(وحيث أقول: الأصم أو الصحيح فمن الوجهين أو الأوجه فإن قوي الخلاف قلت الأصح) أي أن الأصح هو الحكم الراجح في المذهب من بين آراء الأصحاب وذلك عند قوة الخلاف ولكل وجهٍ دليل ظاهر وقوي وأحياناً يكون الأصح من الوجوه والآراء بترجيح مجتهد آخر (وإلا) يَقْوَ الخلاف (فالصحيح) وهو الراجح من آراء الأصحاب فالوجه المعتمد من آرائهم هو الصحيح وهو المشعر بانتقاء الصحة عن مقابله وأنه فاسد وضعيف ويعبرون عنه بقولهم: وفي وجهٍ وقد أطبق علماء المذهب على أن التعبير بالصحيح قاضٍ بفساد مقابله وعلى هذا نُدِبَ الخروج منه وإذا قلنا إن الفساد حقيقي فقد يكون بالنسبة لقواعدنا دون قواعد غيرنا فليتنبه لذلك.
(وحيث أقوال المذهب فمن الطريقين أو الطرق) أي هو اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب فيقول بعضِهم مثلاً: في المسألة قولان أو وجهان ويقول بعضهم: في المسألة تفصيل ويقول بعضٌ هو قول واحد ولا نص سواءْ ويقول بعض: في المسألة خلاف مطلق وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وقد وقع ذلك في المهذب في مسألة ولوغ الكلب وقد يستعملون القولين بدلاً من الوجهين كما في المهذب في باب كفارة الظهار إذا أفطرت المرضع ومنه قول صاحب المهذب في زكاة الدين المؤجل وجهان أحدهما على قولين والثاني يجب ثم المذهب هو الرأي الراجح قولاً أو وجهاً عند اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب بذكرهم الطرق.
(وحيث أقول النص فهو نص) الإمام (الشافعي) ويراد به ما كتبه الشافعي أو أسْنِد إليه
(–رحمه الله-)
وهو أول من تكلم في أصول الفقه وأول من قرر ناسخ الحديث ومنسوخه قال للربيع أنت راوية كتبي فعاش الربيع المرادي بعده نحواً من سبعين سنة حتى صارت الرواحل تشد إليه لسماع كتب الشافعي.

(ويكون هناك وجه) مقابل للنص (ضعيف) وهو خلاف الراجح لا يعتمد وإن كان في دليله قوة (أو قول مخرج) والتخريج أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين ولم يظهر الفرق بينهما فينقل الأصحاب جوابه في كل صورة إلى الأخرى فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص ومخرج أحدهما في الأولى والآخر في الثانية والغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على التخريج بل منهم من يُخرِّج ومنهم من يبدي فرقا ًبين الصورتين ومن ذلك النص في مُضْغة قال القوابل لو بقيت لتصورت إنساناً دليل على انقضاء العدة؛ لأن مدار العدة على براءة الرحم وقد وجد وعدم حصول أمية الولد لأن مدارها على وجه الولد ولم يوجد.
(وحيث أقول الجديد فالقديم خلافه أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه) والقديم ما قاله الشافعي –رحمه الله- قبيل دخوله مصر والجديد ما قاله في مصر أو بعد خروجه الأخير من بغداد تصنيفاً أو إفتاءً ومنه المختصر والبويطي والأم والقديم ما كان قبل ذلك والعمل على الجديد؛ لأن القديم مرجوع عنه إلا في نحو من عشرين مسألة ولقد أفتى أصحابنا ببعض هذه المسائل على القديم حيث أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله وهم مجتهدون فأفتوا به ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسألة: إنها مذهب الشافعي قال أبو عمرو بن الصلاح فيكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختياره مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه فإنه إن كان ذا اجتهاد اتبع اجتهاده مقيداً
مشوباً بتقليد نقبل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام وإذا أفتى بيَّن ذلك في فتواه فيقول: مذهب الشافعي كذا ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة وهو كذا والمسائل التي اتفقوا على الإفتاء بها بالقديم هي:

- التثويب في أذان الصبح وهو أن يقول بعد الحيلتين: الصلاة خير من النوم مرتين.
- التباعد عن النجاسة في الماء الكثير القديم لا يشترط.
- قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين القديم لا يستحب.
- الاستنجاء بالحجر فيما جاوز المخرج القديم جوازه.
- لمس المحارم القديم لا ينقض الوضوء.
- تعجيل العشاء القديم أنه أفضل.
- وقت المغرب في القديم امتداده إلى غروب الشفق.
- المنفرد إذا نوى الاقتداء أثناء الصلاة القديم جوازه.
- أكل الجلد المدبوغ القديم تحرميه.
- تقليم أظفار الميت القديم كراهته.
- شرط التحلل من الإحرام بمرض ونحوه القديم جوازه.
- الجهر بالتأمين في صلاة جهرية القديم استحبابه.
- من مات وعليه صوم القديم يصوم عنه وليه.
- الخط بين يدي المصلي إذا لم تكن معه عصا ًالقديم استحبابه.
- وإذا امتنع أحد الشريكين من عمارة الجدار أجبر على القديم.
- والصداق في يد الزوج مضمون ضمان اليد على القديم وهو ضمان المثل في المثلي والمتقوم بقيمته يوم التلف قال النووي –رحمه الله- في المجموع: وأما حصر المسائل التي يُفتى فيها على القديم فضعيف فإن لنا مسائل غير التي ذكرت صحح الأصحاب أو أكثرهم أو كثير منهم فيها القديم.
(وحيث أقول وقيل كذا فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه) لأن قيل: صيغة وتليين (وحيث أقول وفي قول كذا فالراجح خلافه) لأن اللفظ يشعر بذلك وبذا يكون الراد بالضعيف خلاف الراجح؛ لأنه جعل مقابله الأصح تارة والصحيح تارة أخرى. ونلاحظ أنه وصف الوجه بالضعف دون القول تأدباً مع الإمام الشافعي لأن القول له.
(ومنها مسائل نفيسة) أي من الأمور التي رأى من أجلها اختصار المحرر وجود مسائل تمس الحاجة إليها ويعم نفعها (أضمها إليه) أي إلى مختصر المحرر (ينبغي) وهي كلمة تدل في أغلب استعمالاتها على المندوب أو الواجب وقد تستعمل للجواز أو الترجيح ولا ينبغي تكون للتحريم أو الكراهة.
(أن لا يخلى الكتاب) وهو المختصر وما ضم إليه (منها) لأهميتها والحاجة إليها (وأقول في أولها قلتُ وفي آخرها والله أعلم) لتتميز عن مسائل المحرر وهذا على الوجه الغالب فقد ذكر –رحمه الله- زيادات من غير تمييز (وما وَجدْتَهُ) أيها الدارس لهذا المختصر (من زيادة لفظة) أي كلمة بدون قلت (ونحوها على ما في المحرر فاعتمدها فلابد منها) حيث أنه لا غنى ولا عوض عنها لطالب العلم لتوقف صحة الحكم أو المعنى أو ظهوره عليها فقد زاد على قوله في التيمم: إلا أن يكون بجرحه دم أو الشين الفاحش في عضو فزاد [كثير] وظاهر لتصبح العبارتان: إلا أن يكون بجرحه دم كثير أو الشين الفاحش في عضو ظاهر.
(وكذا ما وجدته فيه من الأذكار مخالفاً لما في المحرر وغيره من كتب الفقه فاعتمده فإني حققته) أي دققته وقارنته حتى صرت على يقين منه لأني رجعت في ذلك إلى كتب الحديث المعتمدة فإنهم يعتنون بلفظه بخلاف الفقهاء فإنهم إنما يعتنون غالباً بمعناه.
(وقد أقدم بعض مسائل الفصل لمناسبة) أي أجعله مقدماً على موضعه من المحرر لربطه بموضوع آخر أو لتعلقه بغيره أو (اختصاراً) من حيث اللفظ كما فعل في باب الجراح حيث أخر بحث المكره عن بحث السبب الموجب للقَوَد ليُجْمع أقسام المسألة في بحث واحد وكما فعل في باب الإحصار فإنه أخره عن الكلام على الجزاء والمحرر قدمه عليه.
(وربما قدمت فصلاً للمناسبة) كما في فصل كفارات محرمات الإحرام حيث قدمه على باب الإحصار والفوات.
(وأرجو) أي آمل (إن تم) وقد تم بحمد الله تعالى (هذا المختصر أن يكون) أي هذا المختصر والذي سماه المنهاج (في معنى الشرح) أي التبيين والتوضيح (للمحرر) أي لشرح دقائقه وخفي ألفاظه وبيان صحيحه وما يحتاج من مسائله إلى قيد وإبدال الغريب والموهم من ألفاظه وعباراته.
(فإني لا أحذف منه شيئاً) أي لا أسقط شيئاً (من الأحكام أصلاً) هو تأكيد منه أنه لم يحذف شيئاً من الأحكام التي في المحرر. والحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف والشيء عند الأكثرين ما يصح أن يُعْلم ويُخْبَر.
(ولا) أحذف شيئاً من الخلاف ولو كان واهياً) أي ضعيفاً جداً لا ساقطاً وقد حذف المصنف أشياء من المحرر منها: أنه بَّين في المحرر مجلس الخلع ولم يبينه هنا ومنها أنه حذف التفريع القديم في ضمان ما ستجب وقد ذكره صاحب المحرر وأجيب على ذلك بأنه إنما ذكر الأصول وذلك لا ينافي حذف بعض الفروع
(وقد شرعت) وذلك بعد شروعه في المختصر (في جمع جزء ٍلطيف) أي كتاب صغير في حجمه (على صورة الشرح لدقائق) ودقائق الشيء هي ما احتج في فهمه إلى مزيد من التأمل أي: أنه ألف كتاباً في دقائق المنهاج (هذا المختصر) لعبارة المحرر (ومقصودي به التنبيه على الحكمة) أي أن غايتي بيان السبب (في العدول عن عبارة المحرر وفي إلحاق قيد) للمسألة (أو حرف) أي كلمة وهو من باب إطلاق الجزء على الكل (أو شرط للمسألة) والشرط لغة: تعليق أمر مستقبل بمثله. (وأكثر ذلك) المذكور (من الضروريات التي لابد منها) لمن أراد الكمال بمعرفة الأشياء على وجهها والتي يخل عدم وجودها بالمقصود (وعلى الله) لا على غيره (الكريم اعتمادي) أن يعينني على إتمامه كما أعانني على الشروع فيه فإنه سبحانه لا يرد من اعتمد عليه وفيه إخبار بأنه وضع مقدمة الكتاب قبل الشروع فيه (وإليه تفويضي) أي إليه وحده أفوض أمري وأبرأ من حولي وقوتي وأرضى بما قسم لي (واستنادي) فإنه سبحانه لا يخيب من استند إليه وقصد عونه (وأسأله النفع به) أي بتأليفه في الدنيا والآخرة (لي ولسائر المسلمين) وذلك بأن يلهمهم الاعتناء به كتابة ودراسة ووقفاً وفهماً وتطبيقاً (ورضوانه عني وعن أحبائي) وهم من أحبهم ويحبونني وإن لم يأت زمنهم؛ لأنه على المسلم أن يحب في الله كل من اتصف بالكمال سابقاً ولاحقاً. ثم يختم بتكرار الدعاء (وجميع المؤمنين) المصدقين بكل ما جاء به محمد (ص).
كلمة عن المصنف –رحمه الله-
هو الإمام يحيى محي الدين أبو زكريا بن شرف الجزامي النوادي ثم الدمشقي المتفق على إمامته وديانته وورعه وزهده كان يقرأ في اليوم والليلة اثني عشر درساً في عدد من العلوم وكان يديم الصيام ولا يأكل إلا أكلة واحدة بعد العشاء وكان كثير السهر في العبادة والتصنيف آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر يواجه الملوك فمن دونهم ناصحاً ومنبهاً حج حجتين مبرورتين لا رياء فيهما ولا سمعة طهر الله قلبه من الفواحش تولى رئاسة دار الحديث الأشرفية سنة خمس وستين وستمائة ولد في العاشر من محرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى من أعمال حوران ثم انتقل إلى دمشق سافر إلى أبويه زائراً فمرض عندهما توفي ليلة الأربعاء رابع عشر من شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة ودفن ببلدته. من كتبه: منهاج الطالبين، تهذيب الأسماء واللغات، الدقائق، تصحيح التنبيه. وكلها في الفقه، والمنهاج في شرح مسلم، والتقريب والتيسير في مصطلح الحديث وحلية الأبرار، والمعروف بالأذكار النووية، وخلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام، ورياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، وبستان العارفين، والإيضاح في المناسك والمجموع وشرح المهذب للشيرازي، وروضة الطالبين، والتبيان في آداب حملة القرآن، ومختصر طبقات الشافعية لابن الصلاح، ومناقب الشافعي، والأربعون حديثاً النووية.
ما المقصود بالأصحاب وما هو طريق العراقيين وطريق الخراسانيين؟

الأصحاب في المذهب: هم أصحاب الآراء في المذهب الذين يخرجون الأوجه على أصول الشافعي يستنبطونها من قواعده ولهم اجتهادات في مسائل على غير أصوله منهم أبو حامد الإسفرايني والقفال المروزي الصغير وحين نقول: العراقيين فنقصد جماعة من الفقهاء المتقدمين في القرن الخامس الهجري منهم أبو حامد الإسفراييني وتوفي سنة 406هـ والمُحامِلي وتوفي 415هـ والبُنْديْنَجِي وتوفي 425هـ وسليم الرازي وتوفي 477هـ والقاضي أبو الحسن الماوردي وتوفي 450هـ وأشهرهم صاحب التصانيف أبو اسحاق الشيرازي وتوفي 476هـ وأما الخراسانيون فمنهم القفال الصغير وتوفي 417هـ والمسعودي وتوفي 420هـ وأبو علي السنجي وتوفي 430هـ وأبو محمد الجويني وتوفي 438هـ والفوراني وتوفي 461هـ والقاضي حسين وتوفي 462هـ.
واعلم أن نقل العراقيين أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين والخراسانيون أحسن بحثاً وتفريعاً وترتبياً.
ولقد جمع ثلة من أصحاب مذهب الشافعي بين الطريقتين منهم القاضي الروياني وتوفي 452هـ وابن الصباغ وتوفي 478هـ وإمام الحرمين عبد الملك بن يوسف الجويني وتوفي 478هـ والمتولي وتوفي 478هـ وأبو حامد الغزالي وتوفي 505هـ والعِمْراني صاحب البيان وتوفي 558هـ والرافعي صاحب المحرر والكثير من كتب الفقه وتوفي عام 623هـ والنووي صاحب التصانيف ومنها المنهاج وتوفي 676هـ.
مسائل لابد منها لدارس الفقه.
1- إذا قال الصحابي قولاً ولم يخالفه غيره ولم ينتشر فليس إجماعاً والراجح عند الشافعي أنه ليس بحجة أما إذا انتشر وخولف فيه فهما دليلان تعارضا فيرجح أحدهما على الآخر بكثرة العدد فإن استويا في العدد قُدِّم ما عليه إمام منهم على ما لا إمام عليه أما إذا انتشر ولم يُعارَضْ فهو حجة وإجماع عند أكثر الأصحاب وهو الوجه الصحيح في المذهب.
2- قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف وقالوا إنما يجوز الاحتجاج من الحديث في الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن وأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد وتجوز روايته وأما الموضوع فتحرم روايته ممن علم به إلا مبيناً ويجوز العمل بالضعيف في غير الأحكام كالقصص وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب والصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة ومذهب الشافعي في الشاذ أنه رواية الثقة ما يخالف الثقات وقيل هو رواية الثقة ما لم يرده الثقات والعلة معنى: خفي في الحديث قادح فيه ظاهره السلامة منه وإنما يعرفه الحذاق المتقنون.
وأما الحديث الحسن فقسمان: أحدهما: ما لا يخلو إسناده من مستور لم يتحقق أهليته للرواية وليس مغفلاً كثير الخطأ ولا ظهر منه سبب مفسق ويكون متن الحديث معروفاً برواية وليس مغفلاً كثير الخطأ ولا ظهر منه سبب مفسق ويكون متن الحديث معروفاً برواية مثله أو نحوه من وجه آخر. والقسم الثاني: أن يكون راوية مشهوراً بالصدق والأمانة إلا أنه يقصر في الحفظ والإتقان عن رجال الصحيح بعض القصور.
وأما الضعيف: فهو الذي لا يحمل صفة الصحيح ولا صفة الحسن.
3- إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا أو مضت السنة بكذا أو السنة كذا ونحو ذلك فكله مرفوع إلى رسول الله (ص) على مذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير. أما إذا قال التابعي من السنة كذا ففيه وجهان: الصحيح منهما والمشهور أنه موقوف على بعض الصحابة والثاني أنه مرفوع إلى رسول الله (ص) ولكنه مرفوع مرسل.
4- إذا قال الصحابي:كنا نفعل كذا أو نقول كذا أو كانوا يقولون كذا أو يفعلون كذا أو لا يرون بأساً بكذا فاختلفوا فيه هل يكون مرفوعاً إلى رسول الله (ص) أم لا؟ قال
أبو إسحاق الشيرازي في اللُّمَع إن كان ذلك مما لا يخفى في العادة كان كما لو رآه النبي (ص) ولم ينكره فيكون مرفوعاً ، وإن جاز خفاؤه عليه (ص) لم يكن مرفوعاً كقول بعض الأنصار: كنا نجامع فنكسل ولا نغتسل فهذا لا يدل على عدم وجوب الغسل من الإكسال.

وقال غيره إن أضاف ذلك إلى حياة رسول الله (ص) كان مرفوعاً حجة كقوله كنا نفعله في حياة رسول الله (ص) أو في زمنه أو هو فينا أو وهو بين أظهرنا وإن لم يضفه فليس بمرفوع وهذا قول الغزالي في المستصفى. وقال الاسماعيلي لا يكون مرفوعاً أضافه أو لم يضفه قال النووي: وظاهر استعمال كثير من المحدثين وأصحابنا في كتب الفقه أنه مرفوع مطلقاً إضافة أم لم يضفه.
5- الحديث المرسل لا يُحتُّج به عندنا وعند جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء وجماهير أصحاب الأصول ومرادنا بالمرسل هنا ما انقطع إسناده فقط من رواته واحد فأكثر وخالفنا في ذلك أكثر المحدثين فقالوا: هو رواية التابعي عن رسول الله (ص) قال الشافعي –رحمه الله- : واحتج بمرسل كبار التابعين إذا أُسْنِدَ في جهة أخرى أو أرسله من أخذ من غير رجال الأول مما يُقْبَل عنه العلم أو وافق قول بعض الصحابة أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه. قال –رحمه الله- ولا أقبل مرسل غير كبار التابعين ولا مرسلهم إلا بالشرط الذي وصفته.
وقد رجح الشافعي بإرسال سعيد بن المسيَِّب وقال: وإرسال ابن المسيَِّب عندنا حسن.
6- اختلف المحدثون وأصحاب الأصول في جواز اختصار الحديث في الرواية على مذاهب أصحها يجوز رواية بعضه إذا كان غير مرتبط بما حذفه بحيث لا تختلف الدلالة ولا يتغير الحكم بذلك ولم نر أحداً منهم منع من ذلك في الاحتجاج في التصانيف وهكذا أطبق عليه الفقهاء من كل الطوائف وأكثر منه الإمام البخاري –رحمه الله- في صحيحه وهو القدوة


(كتاب أحكام الطهارة)

والكتاب: لغة الضم والجمع ومنه قولهم تكتبت بنو فلان إذا اجتمعوا.
واصطلاحاً: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول غالباً تقول كتب إذا خط بالقلم لما في ذلك من جمع الحروف والكلمات. والطهارة مصدر طهَرَ أو طَهُرَ وفتح الهاء أفصح من ضمها أما إذا جاءت الطهارة بمعنى اغتسل فهي مثلته الهاء أي طَهَرَ أو طهُرَ أو طَهِِر.
والطهارة لغة: هي الخلوص من الدنس ولو كان الدنس معنوياً. وشرعاً: فعل ما يستباح به الصلاة ونحوها وبهذا عرفها المصنف بأنها رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناها كالتيمم وطهر السلس أو ما كان على صورتها كالغسلة الثانية والطهر المندوب. وبدأوا بالطهارة لخبر الحاكم وغيره "مفتاح الصلاة الطهور" والخبر المشهور "بني الإسلام على خمس" وبدأوا من مقدمات الطهارة بالماء؛ لأنه الأصل في آلتها قال الله تعالى:[وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً]الفرقان:48 فافتتح الكتاب بالآية الكريمة تبركاً وتعظيماً والطهور عندنا هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره.
فقوله تعالى: [ماء طهوراً] يوضح أن المِنَّة بالطاهر ولا مِنَّة بالنجس ويسمى الماء الطاهر بالماء المطلق وهو ما يقع عليه اسم الماء بلا إضافة كماءِ الورد أو بلا صفة كماء دافق وهو المتعين لرفع الحدث. قال تعالى: [فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً] النساء:43 وأخرج مالك وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح عن أبي هريرة أن النبي سُئل عن ماء البحر فقال: [هو الطهور ماؤه الحل ميتته] فخص الماء باسم الطهور فدل على أنه لا يسمى غيره بهذا الاسم.
(يشترط لرفع الحدث) والحدث في اللغة الشيء الحادث وفي الشرع يطلق الحدث على أمر اعتباري يكون بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص ولا فرق هنا بين الحدث الأصغر وهو ما نقض الوضوء والمتوسط وهو ما أوجب بالغسل والأكبر وهو ما كان حيضا ًأو نفاساً إذ المُحَّرم بهما أكبر من غيره.
(والنجس) وهو في اللغة الشيء المبعد أو المستقذر وفي الشرع المستقذر الذي يمنع من صحة الصلاة أو هو وسف يقوم بالمحل عند ملاقاته لعين من الأعيان النجسة مع وجود رطوبة في أحد الجانبين يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص ولا فرق فيه بين المخفف كبول الصبي الذي لم يطعم غير اللبن والمتوسط كبول غيره من غير كلب والمغلظ كبول الكلب.
ويجب لسائر الطهارات (ماء مطلق) وذلك باستعماله لإزالة النجس ورفع الحدث على وفق ما أوجبه الشرع لأمره تعالى بالتيمم عند فقده.
قال تعالى: [وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً] النساء:43
(وهو) الماء المطلق (ما يقع عليه اسم ماءٍ بلا قيد) قال الشافعي –رحمه الله- (وما عد ذلك –أي ما عدا الماء المطلق- من ماء ورد أو شجر أو عصفر أو ماء زعفران أو عَرَق فلا يجوز التطهر به). فلا يجوز رفع الحدث بغير الماء المطلق من المائعات الطاهرة.
وماء الورد: هو المتخذ أصلاً من عصير الورد، وأما ماء الشجر فهو أن يقطع الشجر رطباً فيجري منه الماء أو يعتصر الماء من الشجر القائم بإحداث ثقب فيه وأما ماء العصفر والزعفران فهو المتخذ من عصرهما أو من نقعهما بالماء فيتروح الماء ويتلون بها.
وأما العَرَق فهو عَرَق الآدميين وقيل: ما خرج من عروق الشجر والأصح الأول وأما قوله: بلا قيد فيقصد القيد اللازم كماء الورد أو صفة لازمة كماء دافق وأما القيد غير اللازم فلا حاجة للاحتراز منه كماء البحر أو ماء البئر أو ماء المطر فإنه يطلق عليه اسم الماء ويدخل في التعريف ما نزل من السماء وهو ثلاثة:
المطر وماء ذوب الثلج والبَرَد وما نبع من الأرض وهو أربعة: ماء العيون وماء الآبار وماء الأنهار وماء البحار. وكذلك يدخل فيه رشح البخار من الطهور المغلي أو ما جُمع من الندى وعلى (هذا فالمتغير بمستغنىً عنه) أي المختلط بشيء طاهر يمكن تجنيب الماء عنه (كزعفران) وهو نبات معروف يستخدم في صبغ الثياب وفي التوابل ومثله الثمر الساقط في الماء والطُحُلب والقَطِران وكل ما يغير الماء من الطاهرات (تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء) لكثرته ولو تقديراً. (غير طهور) لأنه عندئذ لا يسمى ماءً سواء كان الماء كثيراً أم قليلاً فلذا لو حلف لا يشرب ماءً فشربه لم يحنث (ولا يضر)في طهورية الماء (تغير لا يمنع الاسم) لتعذر صون من التغيرات القليلة بسبب الريح والمجاورة والإناء والممر والمطر (ولا متغير بمكث) والمكث: هو الإقامة والبقاء والمعنى أن بقاء الماء في موضع معين لا يضر في طهوريته وإن فحش التغير (و) لا يضر (طين وطحلب) نابت في الماء وكذلك لا يضر ما يجري عليه الماء من الملح ولا يضر ورق شجر وقع فيه وإن تفتت. (وما في مقره وممره) لا يضر في طهوريته ومن ذلك دهن القرب القطرات من باطنها ليحفظ فيها الماء ومن ذلك مواسير المياه ولو صنعت من نحو طين محروق وكبريت ومعدن وإن فَحُش التغير لتعذر صون الماء منه وكذا لا يضر في طهورية الماء مروره على الكُحْل وهو كل ما يوضع في العين بقصد الاستشفاء أو الزينة كالإثمد وغيره والزِّرنيخ وهو حجر له بريق وهو ذو تركيب سام والنُّورة وأصلها حجر الكَلْس وتخلط بمواد أخرى كالزِّرنيخ وتستخدم لإزالة الشعر وما أشبه وذلك من المواد التي يمر عليها الماء.
(وكذا) لا يضر في الطهورية (متغير بمجاور) طاهر على أي حال كان المجاور (كعود ودهن) مطيبين تغير به ريح الماء؛ لأنه تغير عن مجاورة وكذا لو تغير ريحه بجيفة بقربه.
(أو بتراب) طرح في الماء أو مر الماء عليه؛ لأن التراب يوافق الماء في التطهير وقيل: التراب لا يسلب الطهورية باعتبار المجاورة وقيل باعتبار عدم إمكان صون الماء عنه وهنا يجب التفريق بين التراب الذي أُلقي في الماء وبين التراب الذي مر عليه الماء أو ألقته الريح فيه فالأول يمنع الطهارة (طرح) في الماء لا لتطهير مغلط وإلا لم يضر إلا إذا تغير بحيث لم يُسَّم إلا طيناً رطباً (في الأظهر) والثاني يضر كالمتغير ينجس مجاور إذا ما شككنا في أنه مخالط أو مجاور ولأن حكم دخان الشئ كحكم الشئ لأنه منه وهذا ضعيف وحكم الدخان في الماء هو حكم الجيفة الملقاة على الشط أو حكم التراب الذي يجعل في الماء كدودة فقط.
(ويكره) تنزيهاً (المشمس) وهو الذي سخنته الشمس ولو مغطىً بحيث تفصل الشمس بحدتها منه زهومة وهي مادة لزجة تعلو الماء وذلك إذا كان الماء بإناء - منطبع وهو ما يمتد تحت المطرقة - ولو بالقوة كالحديد والنحاس ونحوهما من غير الذهب والفضة؛ لأن الزهومة كما قال بعض الأطباء: تقبض على مسامَّ البدن فتحبس الدم كما روى أحمد عن أنس "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". فإذا توضأ أو اغتسل المحدث بالماء المشمس ارتفع حدثه إجماعاً والكراهة لخوف البرص والحديث الوارد فيه باطل وهذا لا يمنع صحة الطهارة ولا يكره مسخن بالنار فقد روى البيهقي والدارقطني وصححه عن عمر "أنه كان يسخن له الماء في قُمْقُم فكان يتوضأ به، والقُمْقُم إناء من نحاس". وأخرج الطبراني في المعجم الكبير والضياء في المختارة والبيهقي وابن مردويه عن الأصلع بن شريك قال: "أجنبت وأنا مع النبي في سفر فجمعت أحجاراً وسخنت ماءً فاغتسلت به فأخبرت النبي بذلك فلم ينكر علي) ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم. قال تعالى [فلم تجدوا ماءً فتيمموا] النساء:43 وهذا ماءٌ والناس يفعلون ذلك من لدن النبي (ص) إلى وقتنا هذا من غير نكير ولكن إذا كثر من يطلب ماء زمزم كما هو الحال في زماننا فيكره ذلك لما فيه من التضييق على المسلمين فقد روى عبد الرزاق في المصنف عن العباس بن عبد المطلب أنه قال في ماء زمزم " اللهم إني لا أحلها لمغتسل ولكن هي لشارب قال: ومتوضئ حل وبلٌّ] والبل الشفاء ويكره الطهر بفضل ماء طهارة المرأة للخلاف فيه.
(والمستعمل في فرض الطهارة) أي المستعمل في الغسلة الأولى ولو من طهر صبي لم يميز أو استعمل في الطهارة من سلس أو الطواف أو صلاة نفل أو استعمل في طهر كتابية انقطع دمها لتحل لحليلها المسلم أو مجنونة أو ممتنعة عن الغسل ألزمها حليلها المسلم بالطهارة لتحل له كل ذلك غير طهور؛ لأنه حصل به زوال المنع من نحو الصلاة فانتقل المنع إلى الماء حيث لما أثرت الغسالة في المحل تأثرت به (قيل: وفي نفلها) أي وقيل إن الماء المستعمل في نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة والغسل المسنون والوضوء المتجدد (غير طهور)؛ لأن مداره على تأدية العبادة ولو مندوبة ويرد هذا القول بأنه لا مانع انتقل إلى الماء فمنع طهوريته وإنما كان هذا القول (في الجديد) لا في القديم؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عما يتقاطر عليهم منه ولقد روى الشيخان أن النبي (ص) عاد وجابراً في مرض فتوضأ وصب عليه من وضوئه كما أن الصحابة والتابعين كانوا يسافرون ويعدمون الماء فيتيممون وما روي عن أحدٍ منهم أنه توضأ بالماء المستعمل. ومن هذا نخلص إلى أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر فقد روى أبو داود والنسائي بسند صحيح عن الحكم بن عمرو الغفاري أن النبي (ص) نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة.
(فإذا جمع) الماء المستعمل (فبلغ قلتين فطهور) وإن قلَّ بعد ذلك بتفريقه (في الأصح)؛ لأن الماء المتنجس إذا جمع فبلغ قلتين ولا تغيَُر به صار طاهراً قطعاً والنجاسة أشد من الاستعمال فيحكم بطهارته. وقيل: غير طهور؛ لأنه لا يقع عليه اسم الماء المطلق وإنما يُسَمى ماءً مستعملاً وإن كان كثيراً كما أن التفريق أزال قوته (ولا تنجس قلتا الماء) أي: إذا بلغ الماء قلتين ولو احتمالاً (بملاقاة نجس) للخبر الصحيح الذي رواه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر مرفوعاً: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) أي لم يقبل النجس كما في رواية ابن حبان (لم ينجسه شيئ). بشرط أن تكون القلتان من محض الماء لم يختلط به مائع يوافقه حتى يبلغ قلتين (فإن غيره) أي غير النجسُ الماءَ (فنجس) أي الماء اجماعاً ولو غيره بوصف واحدٍ من ريح وكون وطعم (فإن زال تغيره بنفسه) بأن لم ينضم إليه شيء كطول مكث مثلاً (أو بماء) انضم إليه ولو كان المضاف متنجساً (طَهُرَ) لزوال سبب التنجس.
[ملحوظة]: من قال بناجسة لحم الجَلَّالة فإنه قال: لابد من علف طاهر لأن؛ الظاهر عنده أن سبب نجاستها هو رداءة لحمها وهي لا تزول إلا بالعلف الطاهر.
(أو) زال تغيره (بمسك) غَيَّر ريحه (أو زعفران) غَيَّر لونه أو بخل غَيَّر طعمه (فلا) يطهر للشك هل التغير زال حقيقة أو استتر؟ (وكذا) لا يطهرإذا غيره (تراب وجصٌّ) والجص هو: ما تسميه العامة الجبس (في الأظهر) للشك أيضاً؛ لأن التراب والجِصَّ يكورِِّان الماء والكدورة من أسباب الستر (ودونها) أي دون القلتين (ينجس بالملاقة) أي بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير لمفهوم حديث القلتين وقد اختار جمع أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وهو مذهب مالك رحمه الله ولكَّن الحديث صريح في التفصيل (فإن بلغهما) أي القلتين (بماء) ولو متنجساً أو متغيراً أو مستعملاً أو ملحاً مائياً أو ثلجاً أو بَرَداً ذاب في الماء (ولا تغير) بالماء (فطهور) للخبر السابق ولو كان النجس أو الطاهر بحفرة أو حوض آخر بحيث يتحرك ما في أحدهما بتحرك الآخر تحركاً عنيفاً وإن لم تَزُلْ كدورة أحدهما.
[ملحوظة] البئر كثير الماء إذا تَفتَّتَ فيه شيء نجس كفأرة مثلاً وتمعط شعرها وانتشر في الماء فينبغي أن ينزح الماء كله ليخرج الشعر معه فإذا كانت عين البئر فوَّارة بحيث يتعسر نزح جميع الماء فينزح منه ما يغلب على الظن أن الشعر كله خرج معه (فلو كُوِثَر) الماء (بإيرادٍ) بماء (طهور) أكثر منه (فلم يبلغهما) أي القلتين (لم يطهر) واعلم أن الإناء المتنجس يطهر بإدراة الماء الطاهر على جوانبه مرة واحدة ولو مكث المتنجس فيه مدة من الزمان.
(وقيل): إذا كان الوارد على المتنجس أكثر منه فهو (طاهر لا طهور) بشرط أن لا يكون به نجاسة جامدة ولكن يرده حديث القتين (ويستثنى) مما يُنجِّسُ قليل الماء (ميتة) لا دم لها أصلاً (سائل) بحيث يسيل عند شِقِّ عضو منها في حال حياتها: كذباب وبعوض وقمل وبراغيث وخنافس وبق وعقرب ووزغ ولو شك في شيء أيسيل دمه أو لا ولم يجرح؟ فله حكم ما لا يسيل دمه (فلا تُنِّجُس مائعاً على الشهور) لما روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: [إذا وقع الذباب في شراب فليغ مسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داءً والآخر شفاءً] وإنما يقدم السُّم ويؤخر الشفاء.
والمَقْل: الغَمْس وقد يكون الطعام حاراً فيموت الحيوان بالمقل فيه فلو كان ينجسه لما أمر بمقله.
وروى الدارقطني وضعفه عن سلمان أن النبي (ص) قال: "أيما طعام و شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضؤوه" والمعروف أن الذباب لا يمكن الاحتراز منه دوما ًفلو لم يُعْفَ عنه لم تؤكل كثير من المأكولات؛ لأن الذباب لا ينفك يقع فيها وقِيْسَ بالذباب غيرهُ مما لا دم له متعفن؛ لأن عدم الدم المتعفن يقتضي خفة النجاسة على أنه يجب الانتباه إلى أن طرح الميت في المائع يُنِّجسه إذ لا ضرورة في ذلك، (وكذا) يستثنى (في قول: نجس لا يدركه) لقلته ولو احتمالاً عملاً بأصل الطهارة.
(طرف) أي بصرٌ معتدل بشرط مخالفته لون الواقع عليه وإن تعددت أماكن وقوعه (قلتُ: ذا القول أظهر) من الذي يقول بالتنجيس وعدم العفو (والله أعلم) لعسر الإحتراز من ذلك ويستثنى أيضاً من التنجيس صور أخرى ومنها ما يكون على رجل الذباب إذا وقع على نجاسة ثم على ثوب ويسير شهر أو ريش من نجس غير كلب وعن كثير شَعْرِ مركوب ويُعفى عن قليلِ دخانٍ نجسٍ وغبارِ زبْلٍ وعن الدم الباقي على اللحم والعظم ويعفى أيضاً من بخار تصاعد من كنيف ويعفى عن ريح دبر رطْب ٍكما يطهر فم الهرة التي أكلت نجساً إذا غابت وأمكن ولوغها ماءً ومثل الهرة كل حيوان طاهر.
(والجاري) أي من الماء وهو ما اندفع في منحدر أو مستور (كراكد) في تفصيله السابق من تنجس قليله بالملاقاة وكثيره بالتغير.
(وفي القديم لا ينجس) قليل الماء (بلا تغيُّرٍ) لأنه ماءٌ وارد على النجاسة فلم ينجس من غير تغيُّر كالماء الذي أُزيلت به النجاسة وعلى الجديد فالجريان وإن اتصلت حساً فهي منفصلة حكماً فكل جرية وهي الدفعة من الماء بين حافتي النهر أي ما يرتفع منه عند تموجه تحقيقاً أو تقديراً طالبة لما أمامها هاربة مما وراءها فإن كانت دون قلتين حيث لم يبلغ حجمها بضرب أبعادها الثلاثة قلتين تنجست بمجرد الملاقاة وإن بلغت قلتين أو أكثر فماؤها طاهر ما لم يتغير بالنجاسة. وإذا كانت النجاسة واقفة والماء يجري عليها فالماء الذي قبل النجاسة طاهر والماء الذي بعد النجاسة مما لم يمر على النجاسة طاهر أيضاً وأما الجريه التي فوق النجاسة فإن كانت متغيرة بالنجاسة فهي نجسة وإن كانت غير متغيرة فإن كل الماء قلتين فأكثر فهو طاهر.
وإذا كان في الماء الجاري موضع منخفض فركد فيه الماء ووقعت فيه نجاسة فإن الماء الذي قبل الموضع المنخفض طاهر والجاري بعد المنخفض وقبل وصول ماء النجاسة إليه طاهر وأما الماء في الموضع المنخفض والجرية التي تجري بجنبه فإن كانا متغيرين بالنجاسة فهما نجسان وإن كانا غير متغيرين فإن بلغا جميعاً قلتين فهما طاهران وإن كانا دون القلتين فهما نجسان. وإذا كانت الجرية تبلغ قلتين وفيها نجاسة جارية معها والماء غير متغير فهو طاهر. وإذا وقعت نجاسة في مائع غير الماء كاللبن والخل والدهن حُكِمَ بنجاسته سواء كان قليلاً أو كثيراً وسواء تغير أو لم يتغير لأنه لا قوة له في دفع النجاسة من غيره فلا يدفعها عن نفسه بخلاف الماء.
[فائدة]: الذراع= 44سم تقريباً، والذراع والربع= 55سم تقريباً.
500 × 406.25 = 203.125 كجم
1000


(والقلتان) بالحجم تعدل حجم مكعب طول ضلعه ذراع وربع طولاً ومثله عرضاً ومثله عمقاً الحجم = 66.375 لتراً وبالوزن 500 رطل = فقد روى الشافعي والترمذي والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: "إذا بلغ الماء قلتين (بقلال هَجَر) لم ينجس" وهَجَر قرية بقرب المدينة كان ابتداء عمل القلال بها فنسبت إليها. قال ابن جريج رأيت قلال هَجَر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئاً. قال الإمام الشافعي: والاحتياط أن تجعل قربتين ونصفاً والقربة بالحجاز تسع مئة رطل فالقلتان إذاً (خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح) فلا يضر نقص رطلين أو ثلاثة وقيل: رطل أو رطلين؛ لأن تقدير الشافعي للقلة أمر تقريبي.
(والتغير المؤثر بطاهر أو نجس طعمٌ أو لونٌ أو ريحٌ) أي إذا حدث تغير لأحد الثلاثة: الطعم أو اللون أو الريح حُكِم على الماء بعدم الطهورية وأما التغير اليسير بطاهر فلا يضر وإذا كان التغير بنجس ضر بالإجماع (ولو اشتبه) على من فيه أهلية الاجتهاد ولو صبياً مميزاً (ماءٌ) أو تراب. وذَكَر الماء؛ لأن الخبر ورد فيه (طاهر) أي طهور (بنجس) أي متنجس أو بمستعمل (اجتهد) وإن قل عدد الطاهر كواحد في مئة فيبحث عن أمارة يظن بها ما يقتضي الإقدام أو الإحجام وجوباً مضيقا ًإن ضاق الوقت وموسعاً إن اتسع الوقت إن لم يجد غير المشتبهين ولم يبلغا بالخلط قلتين فإن ضاق الوقت عن الاجتهاد تيمم بعد إراقتهما أو خلطهما حتى لا يبقى معه ماء طاهر بيقين (وتطهر بما ظن) بالاجتهاد (طهارته) منهما فلا يجوز الهجوم من غير اجتهاد ولا أن يعتمد ما وقع في نفسه طهارته من غير أمارة على ذلك فإن فعل لم يصح طُهْرُهُ وإن بان أن ما استعمله هو الطهور (وقيل إن قدر على طاهر) مطهر غيرهما (بيقين فلا) يجوز له الاجتهاد في الإناءين بل يتطهر به (والأعمى كالبصير في الأظهر) فيما مر؛ لأنه يدرك الأمارة باللمس أو الشم أو الذوق أما إذا فقد الأعمى هذه الحواس التي يدرك بها ذلك عادة فلا يجتهد بل يقلد بصيراً فإذا اختلف بصيران في الاجتهاد فإنه يتيمم.
(أو) اشتبه (ماء وبول) انقطعت رائحته (لم يجتهد) فيهما (على الصحيح) لأن البول لا اصل له في التطهير حتى يرد إليه بالاجتهاد ولا اعتبار للقول بأن أصله ماء لأنه استحال إلى حقيقة أخرى مغايرة للماء اسماً وطبعاً بخلاف الماء المتنجس فإنه ماء اسماً وطبيعة (بل يخلطان) الماء والبول أو يراقان (ثم يتيمم) فإن تيمم قبل خلطهما لم يصح لأنه تيمم بحضرة ماء متيقن الطهارة مع تقصيره بترك اعدامه والخلط شرط لصحة التيمم أو شرط لعدم وجوب القضاء وجهان (أو) اشتبه عليه ماء (وماء ورد) أو ماء شجر انقطعت راحته ولم يميز لم يتحر فيهما وجهاً واحداً ولكن (توضأ بكل) منهما (مرة) ليسقط الفرض بيقين (وقيل: له الاجتهاد) فيهما كالماءين لكن هذا القول ضعيف لوجود الفرق بين ماء الورد والماء لأن ماء الورد وماء الشجر لا أصل لهما في التطهير (وإذا استَعْمَل ما ظنه) الطاهر من الماءين بالاجتهاد (أراق (الآخر) ندباً إن لم يحتج إليه لئلا يغلط ويتشوش ظنه (فإن تركه) بلا إراقة فإن لم يبق من الأول بقية لم يجز الاجتهاد لأن شرط الاجتهد في متعدد حقيقة (وَتغيَّر ظنُّه) فيه من النجاسة إلى الطهارة (لم يعمل بالثاني) من الاجتهادين (على النص)؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالإجتهاد (بل تيمم) لأنه لا يمكن استعمال ما معه ويصلي (بلا إعادة في الأصح) إذ ليس معه ماء طاهر بيقين وقيل: يعيد؛ لأن معه ماءً طاهراً بالظن.
(ولو أخبره بتنجسه) أي بتنجس الماء أو غير الماء عدل (مقبول الرواية) ولو عبد أو امرأة لا فاسق ومجنون ومجهول ولا صبي ولو كان مميزاً ولكن قال جماعة: لو وجدت شاه مذبوحة فقال ذمي تحل ذبيحته: أنا ذبحتها أنه تحل وكفر به فسقا وبين) المخبر (السبب) في تنجسه أو طهارته (أو كان) المخبر (فقيهاً) بما يُّنِّجس (موافقاً) للمُخَبرِ في مذهبه (اعتمده) لغلبة الظن أنه يَعْرِفُ الراجح في المذهب في المتنجس وغيره.
(ويحل استعمال كل إناء طاهر في الطهارة) وغيرها إجماعاً ولقد توضأ رسول الله (ص) من جلد ومن قدح من خشب ومن مخضب من حجر ومن إناء من صُفْر. فقد روى الشيخان عن أبي ثعلبة الخُشني [أن النبي (ص) توضأ من مزادة مشركة] والمزادة قربة كبيرة ولا تكون إلا من جلدين وتسمى الراوية أيضاً وأخرج البيهقي في السنن عن أسلم [أن عمر بن الخطاب توضأ في جرة نصرانية] وأما قوله تعالى: [إنما المشركون نجس] التوبة:28 فالمقصود نجس الشرك لا الأبدان والثياب والأواني.
وأما الذين يتدينون باستعمال النجاسة وهم المجوس فهم يتطهرون بالبول ويتقربون بأرواث البقر فالأصح أنه يجوز استعمال أوانيهم وثيابهم لأن الأصل فيها الطهارة إلا ما تيقنا نجاسته.
(إلا ذهباً أو فضة) أي إناؤهما المصنوع من أحدهما أو منهما ولو باباً أو مِرْوداً لمُكْحُلة أو خلالاً لأسنان (فيحرم) استعماله في أكل أو غيره وإن لم يُؤْلَفْ هذا الاستعمال كإناء وضعه على رأسه من غير ضرورة. أما استعمال ما غطاه الصدأ أو غشي بغيره بحيث لا يظهر أصله فلا يحرم؛ لانتفاء الخيلاء ويحرم تبخير المنزل بمجمرة مصنوعة من الذهب أو الفضة أو منهما فقد روى الشيخان عن أم سلمة أن النبي (ص) قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم" والجرجرة هي جرع الماء متتابعاً بحيث يسمع له صوت وروى الشيخان عن حذيفة بن اليمان أن النبي (ص) نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة.
وروى الترمذي وأبو داود عن حذيفة [أن النبي (ص) نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة] ولم يفرق بين الشرب وغيره. (وكذا) يحرم (اتخاذه) من غير استعمال (في الأصح) لأنه يجر إلى الاستعمال غالباً كآلة اللهو ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت بآنية الذهب والفضة وكذا تمويه السقوف بهما إ ذا كان يخرج منه شيء بالكشط والحك أو بالنار (ويحل المموه) أي المطلي بذهب أو فضة فإن مُوِّهَ شيء بهما أو بأحدهما كإناء نحاس وخاتم وآلة حرب ولم يحصل منه شيء ولو بالعرض على النار حل استعماله وفي تحلية آلة الحرب خلاف وهي إلى الجواز أقرب للحاجة إلى ذلك ولإرهاب العدو. أخرج الترمذي وغيره عن أنس وقال حديث حسن "أنه حديث كان قبيعة سيفه (ص) من فضة" والقبيعة من السيف وغيره هي ما تكون على طرف مقبضه (في الأصح) لقلة المموه به فإن كثر التمويه حَرُمَ وعله التحريم مركبة من تقليل التداول في النقدين: الذهب والفضة والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
(ويحل) الإناء (النفيس) في ذاته (كياقوت) ومرجان وعقيق وعنبر (في الأظهر) لأنه لم يرد فيه نهي ولا يعرفه إلا الخواص فلا تنكسر باستعماله قلوب الفقراء (وما ضبب) أي والإناء الذي ضبب (بذهب أو فضة ضبة كبيرة) عرفاً (لزينة) ولو في بعضها بأن يكون بعضها لزينة وبعضها لحاجة (حَرُمَ) لما روى الشيخان عن حذيفة بن اليمان أن النبي (ص) قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وأما التضبيب فإنه إصلاح كسر الإناء بما يمسكه (أو) ما ضبب بضبة (صغيرة لزينة أو كبيرة لحاجة جاز) مع الكراهة فيهما (في الأصح) لأن الاستعمال منسوب إلى جميع الإناء لا إلى موضع الضبة.
(قلت المذهب تحريم) إناء (ضبة الذهب مطلقاً) لأن الخيلاء فيه أشد وأما قوله: مطلقاً أي من غير تمييز بين الضبة الكبيرة والضبة الصغيرة لأن قدح رسول الله (ص) كان مسلسلاً بالفضة" رواه الشيخان عن عاصم الأحول قال: "رأيت قدح رسول الله (ص) عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة" ولا يلزم من جواز الفضة جواز الذهب لأنها أوسع في الإباحة بدليل جواز خاتم الفضة للرجل وحرمة خاتم الذهب له. وقيل إن الذهب والفضة سواء لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله منهما أو من احدهما فضلا ًعن المضبب به. وعند الاضطرار يباع الذهب مطلقاً لما روى أبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح وصحح ابن حبان عن عَرْفَجَة بن أسعد وقد أصيبت أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن فأمره النبي (ص) أن يتخذ أنفاً من ذهب]
[ تتمة ]
1- يسن إذا جن الليل تغطية الإناه ولو بعرض عود ويسن إيكاء السقاء وإغلاق الأبواب مسمياً عند ذلك باسم الله تعالى ويسن كف الصبيان والماشية أول الليل وإطفاء المصباح للنوم.
2- أواني المشركين الذين لا يتعبدون باستعمال النجاسة كآنية المسلمين في الاستعمال ويكره استعمال أواني المشركين الذين يتعبدون باستعمال النجاسة كالمجوس الذين يغتسلون ببول البقر كما يكره استعمال أواني مدمني الخمر والقصابين الذين لا يتحترزون من النجاسة.

باب أسباب الحدث

والمراد عند الإطلاق الحدث الأصغر غالباً والأسباب جمع سبب وهو كل شيء يتوصل به إلى غيره وهنا يقدم أسباب الحدث (وهي أربعة) لأن الإنسان كما ذكروا يولد محدثاً وأسباب الحدث ثابتة الأدلة وعلة النقض بها غير معقولة المعنى فلا يقاس عليها غيرها فلا نقض بالبلوغ بالسن ولا بمس الأمرد ولا بمس فرج البهيمة ولا بأكل لحم الجزور على المذهب في هذه الأربعة وإن صحح المصنف النقض بأكل لحم الجزور من جهة الدليل ثم أجاب من جهة المذهب فقال: أقرب ما يُستروح إليه في ذلك قول الخلفاء الراشدين وجماهير الصحابة ومما يضعف النقض به أن القائل به لا يعد به إلى شحمه وسنامه مع أنه لا فرق ولا بالقهقهة في الصلاة وما روي أنها نتقض فضعيف قال الإمام النووي في المجموع: "نواقص الوضوء محصورة فمن ادعى زيادة فليثبتها ولا ينقض ما خرج من النجاسة من غير الفرج كالفصد والحجامة" فقد روى الدارقطني والبيهقي عن أنس "أن النبي (ص) احتجم وصلى ولم يزد على غسل محاجمه" والمَحاجم جمع مَحْجَم وهو موضع الحجامة فيندب غسله وروى أبو داود بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله "أن رجلين من أصحاب رسول الله (ص) حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع فقام أحدهما يصلي فرماه رجل من الكفار بسهم فنزعه وصلى ودمه يجري وعلم النبي (ص) به ولم ينكره ولا ينتقض الوضوء بنزع الخف لأن نزعه يوجب غسل الرجلين فقط
(أحدها) أي أحد أسباب الحدث (خروج شيء) ولو عوداً أو رأس دودة وإن عادت إلى الجوف ولا يضر إدخال شيء إلى الجسد وإنما امتنعت الصلاة بالخروج لحمل المصلي متصلاً بنجس إذ ما في الباطن لا يحكم بنجاسته إلا إذا اتصل به شيء من الظاهر (من قُبُلِهِ) أي من قبل المتوضيء ولو ريحاً من ذكره أو قُبُلها أو بللاً رآه على قبله ولم يحتمل كونه من خارج أو خرجت رطوبة من فرجها إن كان الخارج من وراء ما يجب عليها غسله وهو ما يظهر من المرأة عند جلوسها لحاجتها (أو دبره) كالدم الخارج من الباسور الموجود داخل الدبر لا خارجه وكذلك ينقض الريح أو الغائط أو الصوت لقوله تعالى [أو جاء أحدٌ منكم من الغائط] المائدة:6
وروى الشيخان عن علي بن أبي طالب قال: [كنت رجلاً مذاءً فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري" وأخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". قال البيهقي: هذا حديث ثابت قد اتفق الشيخان على إخراج معناه ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة سواء كان في الصلاة أو خارجاً عنها فقد روى الشيخان عن عبد الله بن يزد "أن النبي (ص) سئل عن الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة فقال: لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
وروى الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين أليتيه فيقول: أحدثت أحدثت... فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
(إلا المني) أي مني المتوضيء وحده الخارج منه فلا نقض به حتى أن غسله يصح وإن لم يتوضأ اتفاقاً وذلك كأن يمني بمجرد النظر أو باحتلام وهو ممكن مقعدته فلا ينتقض الوضوء لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل أما مني غيره أو منيه إن عاد فينتقض الوضوء بخروجه والمشهور من مذهب الشافعي أن المني ظاهرٌ ما لم تصبه نجاسة فقد روى الإمام مسلم وغيره عن عائشة أنها قالت: [كنت أفرك المني من ثوب رسول الله فيصلي فيه] ولو كان نجساً لما انعقدت معه الصلاة ولأنه أصل حيوان طاهر فكان طاهراً.
(ولو انسد مخرجه) أو خلق منسد الفرجين بأن لم يخرج منهما شيء نقض خارجه من أي مكان كان ولو الفم أو أحدهما نقض المناسب له أو لهما سواء كان انسداده تاماً أم لا (وانفتح تحت معدته) أي انفتح مخرج تحت معدته وهي من المنخسف تحت الصدر إلى السرة (فخرج المعتاد) خروجه (نقض) إذا لابد للإنسان من مخرج يخرج منه حدثه (في الأظهر) كالمعتاد (أو) انفتح (فوقها) أي فوق المعدة أو فيها أو محاذياً لها (وهو) أي الأصلي (منسد) انسداداً طارئاً (أو) انفتح (تحتها) أي تحت المعدة (وهو منفتح فلا) ينتقض الوضوء بالخارج سواء كان معتاداً أو نادراً (في الأظهر) لأنه عندئذ بالقيء أشبه لأن ما تحيله المعدة تلقيه إلى أسفل عادة. وقال الماوردي -رحمه الله- إن كل منفتح له حكم الأصلي.
(الثاني) من أسباب الحدث (زوال العقل) أي التمييز بجنون أو إغماء أو نحو سكر ولو كان ممكناً مقعدته من الأرض اجماعاً أو نوم فقد روى أبو داود عن الإمام علي –رضي الله عنه- أن النبي (ص) قال "العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ" والسَّه: حلقة الدبر والوكاء هو الخيط الذي يربط به الشيء والمعنى أن اليقظة هي الحافظة لما يخرج والنائم قد يخرج منه لشيء ولا يشعر به ولا ينقض النعاس وحديث النفس وأوائل نشوة السكر ومن علامات النوم الرؤيا ومن علامات النعاس سماع كلام الآخرين وإن لم يفهمه والعقل لغة المنع لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب الفواحش ولذا قيل إن العقل لا يُعطي لكافر إذ لو كان له عقل لآمن قال تعالى: [ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] الملك:10 وأما التعريف الاصطلاحي للعقل وهو منسوب للشافعي: العقل صفة يميز بها الإنسان بين الحسن والقبيح (إلا نوم ممكن مقعده) متربعاً كان أو غير متربع إذا كان ممكناً ألييه من مقره من أرض وغيرها فلا ينتقض وضوؤه عندئذ فقد روى الإمام مسلم وغيره عن أنس قال: [كان أصحاب النبي (ص) ينتطرون العشاء فينامون قعوداً ثم يصلون ولا يتوضؤون] وفي رواية أبي داود حتى تخفق رؤوسهم الأرض ومن شك هل نام أو نعس؟ فلا ينتقض وضوؤه.
(الثالث) من أسباب الحدث (التقاء بشرتي الرجل والمرأة) المشتهاة طبعاً يقيناً لذوي الطباع السليمة وإن كان أحدهما مكرهاً أو ميتاً. قال تعالى [أو لامستم النساء] النساء:43 أي لمستم ذكرها كما قرئ به في السبع وحقيقة اللمس: باليد روى الشيخان عن أبي سعيد قال [نهى رسول الله (ص) عن بيع الملامسة]. وأما ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن عائشة [أن النبي (ص) كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ فضعيف من طرقيه الوارد منهما. وأما ما رواه الأمام أحمد ومسلم عن عائشة أنها قالت: "افتقدت رسول الله (ص) ليلة في الفراش فظننت أنه قد ذهب إلى بعض نسائه فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو يصلي فلما فرغ من صلاته قال: مالك يا عائشة أَغِرْتِ؟ أقد جاءك شيطانك؟" فلعل يدها وقعت على أخمس قدمه من وراء حائل واللمس ينقض الوضوء لأنه مظنة الالتذاذ والمحرك للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر أما إذا كان اللمس من وراء حائل فلا ينتقض الوضوء لأنه لا يقع عليه اسم اللمس ولهذا: لو حلف لا يلمسها فلمسها من وراء حائل فلا يحنث.
(إلا مَحْرماً) بنسب أو رضاع أو مصاهرة فلا ينقض لمسه (في الأظهر) لأنه ليس مظنة للشهوة (والملموس) في انتقض وضوئه (كلامس في الأظهر) لاشتراكهما في مظنة اللذة كالمشتركين في الجماع.
(ولا نتقض صغيرة) ولا صغير لم يبلغ كل منهما حداً يُشتها عرفاً وقيل من له سبع سنين فما دون لانتفاء مظنة الشهوة وكذلك لا تنتفي الطهارة بمس عجوز لا تُشتها.
(وشعر وسن وظفر) لا ينقض في (الأصح) لأن معظم الالتذاذ في هذه الحالة بالنظر دون اللمس ويلحق بالظفر كل عظم ظهر إن كان متصلاً أو منفصلاً
(الرابع) من أساب الحدث (مَسُّ قُبُل الآدمي) ذكراً كان أو أنثى من نفسه ومن غيره متصلاً كان أو منفصلاً (ببطن الكف) من غير حائل لما روى أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عن بسرة بنت صفوان أن النبي (ص) قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ".
وروى أحمد والدارقطني وابن حبان عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ" وفي رواية ابن حبان "وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ" والإفضاء عند أهل اللغة المس بباطن الكف فثبت النقض في فرج نفسه بالنص ففي فرج غيره أولى لأنه أفحش لما في ذلك من هتك حرمة غيره ولهذا لا يتعدى النقض إلى الملموس وأما خبر عدم النقض بمس الفرج فقد قال ابن حبان وغيره إنه منسوخ والمراد بالمس مس جزء من الفرج بجزء من بطن الكف والمقصود ببطن الكف راحة اليد مع بطون الأصابع والمقصود بفرج المرأة ملتقى الشفرين على المنفذ فلا نقض بمس الأنثيين ولا باطن الأليتين ولا ما بين القبل والدبر ولا العانة والمكره والناسي كغيرهما.
(وكذا في الجديد حلقة دبره) أي مس حلقة دبر الآدمي لا ينقض الوضوء قياساً على القبل بجامع النقض لأن؛ كلاً ينقض خارجه كما أنه يسمى فرجاً وقد روى أحمد والدارقطني والبيهقي عن ابن عمرو أن النبي (ص) قال [أيما رجل مس فرجه فليتوضأ].
(لا فرج بهيمة) ولا طير ولا ينقض مسه قياساً على عدم وجوب ستره وعدم تحريم النظر إليه ولأنه غير مشتهىً عند ذوي الطباع السليمة.
(وينقض فرج الميت والصغير) لشمول الاسم لهم (ومحل الجَبِّ) أي القطع ينقض الوضوء لأنه أصل الذكر أو الفرج ولو بقى من الفرج أدنى جزء شاخص نقض قطعاً (والذكر) ومثله الفرج (الأشل) ينقض مسه (واليد الشلاء) إذا كان المس فإن الوضوء ينتقض (في الأصح) لشمول الاسم لها واليد الشلاء هي اليد التي بطل عملها.
(ولا تنقض رؤوس الأصابع وما بينها) ولا حرفها ولا حرف الكف لخبر [ إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ] وضابط ما ينقض من اليد ما يستر عند وضع إحدى اليدين على الأخرى مع تحامل يسير.
(ويحرم بالحدث) حيث لا عذر (الصلاة) بأنواعها بالإجماع ولخبر الصحيحين عن أبي هريرة "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وخبر مسلم عن ابن عمر "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غُلُول" والغُلُول هنا السرقة من مال الغنيمة ومن الصلاة صلاة الجنازة وسجود التلاوة والشكر وخطبة الجمعة أما عند العذر فلا تحرم بل قد تجب الصلاة من غير طهارة إن فقد الماء والتراب وضاق الوقت (والطواف) يحرم فرضه ونقله لما روى الحاكم وصححه عن ابن عباس مرفوعاً. "الطواف صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" (وحمل المصحف ومس ورقه) يحرم من غير طهارة قال تعالى [لا يمسه إلا المطهرون] الواقعة:79 وهو خبر بمعنى النهي وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه ابن حبان عن عمرو بن حزم "أن النبي (ص) قال في الكتاب الذي كتبه إلى أهل اليمن لا يمس القرآن إلا طاهر". وحمل المصحف أبلغ من مسه فلأن منع المحدث من مسه فحمله من باب أولى إلا لضرورة كخوف عليه من غرق أو حرق أو نجاسة أو أن يقع في يد كافر بل يجب أخذه حينئذ ذكر ذلك النووي رحمه الله في التحقيق وشرح المهذب.
(وكذا جلده) المتصل به يحرم مسه على المحدث (على الصحيح) لأنه كجزء منه ويؤخذ من هذا أنه لو جُلِّد مع المصحف غيره حرم مس الجلد الجامع لهما من سائر جهاته لأن وجود غيره معه لا يمنع من نسبه الجلد إليه (و) يحرم حمل ومس (خريطة وصندوق) أُعِدَّا ليكون (فيهما مصحف) وحده لشبههما بجلده بخلاف ما لو أعدا لغيره أو لم يكن فيهما فيحل حملها ومسها حينئذ (وما كتب لدرس قرآن كلوح) حَرُمَ مسه (في الأصح) لأن القرآن إنما أثبت فبه للدراسة فأشبه المصحف والصحيح أنه يجوز مسه لأنه لا يراد للدوام كالمصحف وأما ما كُتب لغير الدراسة كالتبرك والتمائم فلا يحرم مسها ولا حملها لما روى الشيخان عن أبي سفيان أن النبي (ص) كتب كتاباً إلى هرقل وفيه [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً] آل عمران:64. ولم يأمر حاملها ولا صاحبها بالمحافظة على الطهارة كما يجوز للمحدث أن يمس ثوباً أو بساطا ًنقش عليه القرآن لأن القصد منه التزيين دون القرآن وكذلك يجوز له حمل ومس الدراهم التي نقش عليها بعض كلمات القرآن كما يجوز للصبيان حمل الألواح التي كتب فيها القرآن وهم محدثون لأن حاجتهم إلى ذلك كثيرة وطهارتهم لا تنحفظ فلو شرطنا طهارتهم لأدى ذلك إلى تنفيرهم من القرآن (والأصح حل حمله) أي القرآن في (أمتعه) إذا لم يكن مقصوداً للحمل بل كان تبعاً أو لم يقصد الحامل شيئاً بعينه (وتفسير) إذ كان التفسير أكثر من القرآن لأنه لا يسمى قرآناً (ودنانير) عليها سورة الإخلاص أو غيرها لأن القرآن لم يقصد هنا كما يجوز أكل طعام وهدم جدار نقش عليها قرآن (لا قلب ورقة بعود) أي ولا يحل حمل قلب ورقة بعود ونحوه لأنه نقل للورقة فحكمه كحكم الحمل والثاني يجوز لأن العود منفصل عن الشخص فليس له حكمة (وأن الصبي) المميز (المحدث) ولو حدثاً أكبر (لا يمنع) في الأصح من مس أو حمل لوح يتعلم به ولا مصحف يتعلم منه وأما غير المميز فيمنع منه حتى لا ينتهكه.
(قلت: الأصح حل قلب ورقه) أي المصحف (بعود) ونحوه (وبه قطع العراقيون) لأن التقليب ليس بحمل ولا في معنى الحمل ومن (تيقن طهراً وحدثاً وشك) أي تردد باستواء أو رجحان (في ضده) أطرأ عليه أم لا (عمل بيقينه) باعتبار استصحاب الحال وذلك أن النبي (ص) "نهى الشاك في الحدث من أن يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" رواه البخاري عن عبد الله بن زيد. (فلو تيقنهما) أي الطهر والحدث (وجهل السابق) منهما (فضد ما قبلهما) يأخذ به (في الأصح) فإن كان قبلهما محدثاً فهو الآن متطهر لتيقنه الطهر وشكه في تأخر الحدث عنه والأصل عدم تأخره أو متطهر فهو الآن محدث ليتقن رفع الحدث مع الشك في تأخر الطهر الآخر والأصل عدم تأخره ولو تيقن طهراً وحدثاً نظر لما قبل قبلهما وهكذا فإن لم يعلم ما قبلهما لزمه الوضوء في كل حال لتعارض الاحتمالين بلا مرجح.


(فصل في آداب قضاء الحاجة)

أي فصل في آداب الخلاء والاستنجاء وبدأ المصنف بآداب الخلاء فقال: (يقدم داخل الخلاء) لو كان دخوله لحاجة غير قضاء الحاجة ولو كان بصحراء يقدم (يساره) وكذلك في الدخول على كل مستقذر كأماكن الربا وما يصنع فيه التماثيل وآلات اللهو (والخارج) يقدم (يمينه) على العكس من المسجد وكذلك في كل مكان فيه التكريم ويسمى أيضاً مكان قضاء الحاجة المرفق والكنيف والمرحاض والخلاء ويستحب لمن أراد الخلاء أن يقول بسم الله اللهم إن أعوذ بك من الخبث والخبائث فقد روى الشيخان عن أنس أن النبي (ص) كان يقول إذا أراد دخول الخلاء: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" أما البسملة فرواها ابن السني بسند صحيح.
ويندب لمن أراد دخول الخلاء أن يعد أحجار الاستنجاء فقد روى أبو داود والنسائي عن عائشة أم المؤمنين أن النبي (ص) قال: [إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يتطيب بها فإنها تجزئ] أو تعد الماء إن أراد الاستنجاء به أو هما إن أراد الجمع وهو الأفضل فقد أخرج ابن ماجه وآخرون عن جابر وأنس وأبي أيوب لما نزلت [فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين] التوبة:108 دعا النبي (ص) الأنصار فقال: "إن الله عز وجل قد أحسن عليكم الثناء فما تصنعون؟ فقالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة فقال: هل غير هذا؟ فقالوا: لا إِلاَّ أن أحدنا إذا خرج من الخلاء أحب أن يستنجي بالماء فقال رسول الله (ص) هو ذاك فعليكم به" وهذا يدل على أنهم كانوا يستعملون الحجارة أولاً لأنهم لا يخرجون إلا بعد استعمال الحجارة.
(ولا يحمل) في الخلاء (ذكر الله تعالى) أي لا يحمل شيئاً مكتوب فيه ذكر الله تعالى لما روى الترمذي عن أنس "أن النبي (ص) إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" وإنما وضعه لأنه كان مكتوباً عليه محمد رسول الله ثلاثة أسطر. قال الإسنوي وفي حفظي أنه كان يقرأ من أسفل فصاعداً ليكون اسم الله فوق الجميع قال الإمام ابن حجر: حمل عليه اسم الله على الخلاء مكروه لا حرام ولم يثبت فيه خبر صحيح. ومن أراد الخلاء فلا يدخل المحل حافياً ولا مكشوف الرأس فقد روى البيهقي عن حبيب بن صالح مرسلاً "أن النبي (ص) كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه" ويثبت هذا موقفاً بسند صحيح عن الصديق كما في مصنف ابن أبي شيبة.
(ويعتمد) ندباً في حال قضاء حاجته (جالساً يساره) وينصب اليمنى تكريماً لها بأن يضع أصابعها على الأرض ولأن ذلك أسهل لخروج الخارج فقد أخرج البيهقي عن سراقة أن النبي قال: [ إذا قعد أحدكم لحاجته فليعتمد على رجله اليسرى] ويستحب ألا يطيل الجلوس على قضاء الحاجة لما في ذلك من الضرر
(ولا يستقبل القبلة) أي الكعبة (ولا يستدبرها) أدباً مع ساتر ارتفاعه ثلثا ذراع فأكثر ويدنو من الساتر ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي وكل هذا في غير المعد لقضاء الحاجة (ويحرمان) أي الاستقبال والاستدبار بعين الفرج الخارج منه البول أو الغائط (بالصحراء) بدون الساتر المذكور لما روى الشيخان عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي (ص) قال: "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره ولكن شرقوا أو غربوا"
وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله (ص) أن تستقبل القبلة ببول أو غائط فرأيته قبل أن يُقْبض بعام يستقبلها] فحملوا الخبر المفيد للحرمة على الفضاء وما ألحق به لسهولة اجتناب المحاذاة فيه بخلاف البناء غير المذكور مع الصحراء أما إذا كانت هناك ضرورة كهبوب الريح فلا حرج في الاستقبال أو الاستدبار. فقد أخرج ابن أبي حاتم وعبد الرازق في المصنف بسند ضعيف مرفوعاً والأصح وقفه على مولى أبي عيينة عن سراقة "أن النبي (ص) كان يأمرهم باستمخار الريح إذا أراد أحدهم أن يبول" ومعنى يتمخر: ينظر من أين هبوبها.
(ويبعد) ندباً عن الناس في الصحراء بحيث لا يسمع لخارجه صوت ولا يشم له ريح فقد روى أصحاب السنن عن المغيرة "أن النبي (ص) كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد بحيث لا يراه أحد" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(ويستتر) عن أعين الناس بشيء بحيث لا ترى عورته لما روى أصحاب السنن عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستتر به فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لم يفعل فلا حرج" ويحصل الستر بوهدة أو راحلة أو بإرخاء ذيله. قال النووي في شرح مسلم: "ويجوز كشف العورة في محل الحاجة كحالة الاغتسال والبول ومعاشرة الزوجة ويحرم ذلك في حضرة الناس".
(ولا يبول) ولا يتغوط (في ماء راكد) قل أو كثر لما روى مسلم عن جابر [ أن النبي (ص) نهى عن البول في الماء الراكد] لأنه ربما أفسده ومثل البول الغائط بل هو أولى منه أما الماء الجاري فلا يكره التبول والتغوط فيه إن كان كثيراً لقوته.
(وحُجْر) أي ولا يبول ولا يتغوط في حجر لما روى أحمد أبو داود والحاكم عن عبد الله بن سَرْجِس "أن النبي (ص) نهى عن البول في الجحر قيل لقتادة: فما بال الجحر؟ فقال: يقال: إنها مساكن الجن" صححه ابن خزيمة وابن السكن والذهبي ولأنه قد يكون فيه حيوان قوي فيؤذيه أو حيوان ضعيف فيتأذى والجحر هو الخرق المستدير النازل في الأرض وأما السرب فهو الشق المستطيل في الأرض (ومهب الريح) أي لا يتبول في مهب الريح حتى لا ترد الريح عليه رشاش البول ولا يستحم في مكان الغائط الذي لا منفذ له لأنه مظنة النجاسة وكثرة الوسواس فقد روى أبو داود عن عبد الله بن مُغَفَّل أن النبي (ص) قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه" (و) لا يتبول في (متحدث) الناس أي مكان اجتماعهم في الشمس شتاءً أو الظل صيفاً (و) لا في (طريق) لهم يسلكونه فقد روى أبو داود بسند جيد عن معاذ أن النبي (ص) قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة: البُرَاز في الموارد وقارعة الطريق والظل المقصود] وسميت ملاعن لأن من رأى ذلك قال: من فعل هذا لعنه الله أي لأنها كانت سببا ًللعن. والموارد الطرق إلى الماء ويستحب أن يجلس إذا أراد أن يبول ولا يبول قائما ًمن غير عذر فقد روى الترمذي عن عائشة أنها قالت من حدثكم أن النبي (ص) كان يبول قائماً فلا تصدقوه أما عند العذر فإن ذلك جائز فقد ثبت في الكتب الستة عن حذيفة "أن النبي (ص) أتى سباطة قوم فبال قائماً" وأخرج البيهقي في السنن بسند ضعيف عن أبي هريرة "أن النبي (ص) بال قائماً لعلة بمأبضه" والمَأْبض ما كان تحت الركبة وقد نقل صاحب الإحياء عن بعض الأطباء أنه قال: البول في الحمام قائما ًفي الشتاء خير من شربة دواء. (و) لا يتبول (تحت) شجرة (مثمرة) ولو كان الثمر مباحاً (ولا يتكلم) حال البول والغائط إلا لمصلحة لما ردُى أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن خزيمة في صحيحه عن أبي سعيد أن النبي (ص) قال: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك"
(ولا يستنجي بماء في مجلسه) بل ينتقل عنه ولو قليلاً لئلا يعود عليه فينجسه إلا في الأَخْلِيَة المُعَّدة لذلك فلا ينتقل لأنه لا يناله رشاش فيها أما المستنجي بالحجر فلا يلزمه الانتقال لعدم وجود الرشاش ويكره أن يبول في موضع وضوئه أو غسله لحديث أبي داود عن عبد الله بن مُغَّفل أن النبي قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه"
(ويستبرئ من البول) والغائط ندبا ًوقيل: وجوباً بنحو تنحنح ومشي وأكثر ما قيل في المشي سبعون خطوة ونتر وكيفية النتر أن يمسح بيسراه من دبره إلى رأس ذكره وينتره بلطف ليخرج ما بقي إن كان ويكون ذلك بالإبهام والمسجة وأما المرأة فتضع أطراف أصابعها اليسرى على عانتها وتستنجي في مواضع البول بالأحجار والماء كالرجل وأمر الاستبراء مختلف باختلاف الناس والمقصود منه أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه فمنهم من يحصل له ذلك بأدنى عصر ومنهم من يحتاج إلى تنحنح ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي في ذلك إلى حد الوسوسة. ومعلوم أن الأحجار تجزئ في قلع النجاسة كما أنه من المعلوم أن الأحجار لا يمكن أن تزيل أثر النجاسة تماماً؛ لذا استحب الاستبراء ولم يجب وأما ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن النبي مر بقبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمية وأما الآخر فكان لا يستنزه في البول" وفي رواية "لا يستبرئ من البول" فمحمول على ما إذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرئ خرج منه شيء ويكره حشد مخرج البول من الذكر بنحو قطن.
(ويقول) ندباً (عند دخوله) لمحل قضاء حاجته أو دخوله لبابه وإن بَعُدَ محل الجلوس عنه (باسم الله) فإن نسي حتى دخل قاله بقلبه (اللهم إن أعوذ بك من الخبث) أي أتحصن بك من الخبث وهم ذكران الشياطين (والخبائث) وهو جمع خبثة وهن إناث الجن للاتباع فقد روى الشيخان عن أنس أن النبي (ص) كان يقول إذا أراد دخول الخلاء: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وقيل أيضاً: إن الخبث هو الشر وأما الخبائث فهي الشياطين. (وعند خروجه منه) أي قضاء الحاجة يقول: (غفرانك) أي اغفر لي (الحمد لله الذي أذهب عنِّيَ الأذى) بتسهيل خروجه (وعافاني) للاتباع فقد روى ابن ماجه عن أنس أن النبي كان يقول إذا خرج من الخلاء: "الحمد لله الذي أذهب عنِّيَ الأذى وعافاني" (ويجب الاستنجاء) من كل خارج ملوث (بماء) على الأصل في إزالة النجاسة (أو حجر) لما روى أبو داود عن عائشة أم المؤمنين أن النبي قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بها" وروى مسلم عن سلمان الفارسي أنه قال "أمرنا رسول الله (ص) أ ن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار"
والاستنجاء عبادة مسقلة فيجوز تأخيره عن الوضوء على أن لا يمس شيئاً من عورته فيصح الوضوء ولا يصح التيمم والفرق بينهما أن الوضوء يرفع الحدث وذلك يصح مع بقاء النجاسة والتيمم لا يرفع الحدث وإنما يستباح به فعل الصلاة ولا استباحتة مع بقاء النجاسة وقيل: لأن الماء أقوى من التراب. وإذا كان على البدن نجاسة في غير موضع الوضوء أو التيمم فيصح وضوؤه مطلقاً وتيممه إذا كانت في غير موضع الاستنجاء لأن وجود النجاسة لا يمنع صحة الطهارة على أنه لا تصح الصلاة حتى يطهر بدنه وثوبه من النجاسة.
(وجمعهما) في بول أو غائط (أفضل) من الاقتصار على أحدهما على أن يقدم الحجر على الماء (وفي معنى الحجر كل جامد طاهر قالع غير محترم) كخشب وخزف وصوف لحصول المقصود على أن يكون طاهرا ًفقد أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "أتيت النبي (ص) بحجرين وروثة ليستنجي به فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال: إنها ركس" والركس هو الرجس وكل مستقذر ولأن الماء النجس لا يجوز إزالة النجاسة به فكذلك الجامد النجس ولايجوز الاستنجاء بمحترم كجزء حيوان متصل به ومطعوم آدمي كالخبز والدقيق والنخالة ويمنع الاستنجاء بالعظم فقد روى مسلم عن ابن مسعود أن النبي (ص) نهى عن الاستنجاء بالعظام وقال: "هي زاد إخوانكم من الجن" ويجوز بمطعوم البهائم كالحشيش ويحرم بما فيه اسم معظم ويجوز بالثياب القديمة والجديدة (وجلد دُبِغ) فإنه يجوز الاستنجاء به لانتقاله من طبع اللحم إلى طبع الثياب؛ فلذا جاز بيع جلد بجلدين.
(وشرط الحجر) وما في معناه في جواز الاستنجاء (أن لا يجف النجس) فإن جف النجس تعين الماء (ولا ينتقل) عن المخرج وما حوله مما ينتشر إليه في العادة فإن انتشر النجس إلى ظاهر الأليتين أو جاوز الحشفة لم يجزئه إلا الماء في الحالتين لأن ذلك يندر (ولا يطرأ) على المحل المتنجس (أجنبي) نجس أو طاهر رطب أما الطاهر الرطب فلا يؤثر فإن طرأ اجنبي تعين الماء. (ولو ندر) الخارج (أو انتشر فوق العادة ولم يجاوز) الغائط (صفحته) وهو ما ينضم من الأليين عند القيام (و) لم يجاوز البول (حشفته) وهي ما فوق محل الختان (جاز الحجر في (الأظهر) إلحاقاً له بالمعتاد لأن تكليف إزالته بالماء مضاد وللترخص (ويجب) عند الاستجمار بالحجر (ثلاث مسحات) للنهي الصحيح عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار لخبر مسلم عن سلمان قال: "نهانا رسول الله (ص) عن الاستنجاء بأقل من ثلاث أحجار" وفي معناها ثلاثة أطراف لحجر واحد لأن المقصود عدد المسحات وقد حصل.
(فإن لم يُنَّق) المحل (وجب الإنقاء) برابع فإن أنقى بالرابع أجزأه ولا يلزمه استيفاء ستة أحجار وإن أنقى بحجر أو حجرين لزمه استيفاء الثلاثة لخبر سلمان (وسن الإيتار) فإن حصل النقاء برابعة فليأت بخامسة لما روى الشيخان عن أبي هريرة [من استحجر فليوتر] (وكُلُّ حَجَرٍ لكل مَحَلِّه) بأن يبدأ بالمسحة الأولى من مقدم صفحته اليمنى ويديره إلى محل ابتدائه وبالثانية من مقدم اليسرى ويديره كذلك ويمر الحجر الثالث على مسربته وصفحته جميعاً ويديره قليلاً قليلاً (وقيل يُوَّزعْنَ) أي الأحجار (لجانبيه والوسط) فيمسح بحجر الصفحة اليمنى وثانٍ اليسرى وبثالث الوسط (ويسن الاستنجاء بيساره) بماء أو نحو حجر لما روى مسلم عن سلمان قال: "نهانا رسول الله (ص) أن نستنجي باليمين] ويسن تقديم القبل على الدبر في الاستنجاء بالماء ويعكس عند استعمال الحجر ويسن أن ينضح بعد الاستنجاء فرجه وإزاره من داخله دفعاً للوسواس ولا يجب (الاستنجاء لدود وبعر بلا لوث) أي إذا لم يكن الخارج مختلطاً بالنجاسة (في الأظهر) لأن المقصود من الاستنجاء إزالة النجاسة أو تخفيفها ولا نجاسة هنا فكان كخروج الريح. وقيل: يجب الاستنجاء لمظنة التلوث ولا يضر في النجاسة شم ريحها بيده لأنه لا يدل على بقائها على المحل. ولا استنجاء من نحو نوم أو ريح قال نصر المقدسي بتأثيم فاعله؛ لأنه تنطع في الدين ونقل مثل ذلك عن الإمام أحمد –رحمه الله-.
(باب الوضوء)

الوُضوء اسم مصدر والأفصل ضم واوه إذا أريد به الفعل أي إذا أريد به استعمال الماء في الأعضاء مع النية وإذا أريد بالوضوء الماء الذي يتوضأ به فالأفصح فتح واوه (الوَضُوء) وهو مأخوذ من الوضاءة وفي موجبه أوجه: أحدها الحدث ووجوبه وجوباً موسعاً وثانيهما القيام للصلاة. وللوضوء شروط وفروض وسنن أما شروطه ومثله الغسل فماء مطلق ولو ظنا وعدم الحائل وجري الماء على العضو وعدم المنافي من نحو حيض ونفاس في غير أغسال الحج ومس ذكر وعدم الصارف عنه وعبر عنه بدوام النية وإسلام وتميز ومعرفة كيفية الوضوء وأن يغسل مع المغسول جزءا ًيتصل به ويحيطه ليتحقق استيعاب الغسول ويزيد السلس بوجوب دخول الوقت وتقديم نحو استنجاء وتحفظ احتيج إليه والولاء بينهما وبين الوضوء وبين الصلاة.
(فرضه) أي أركانه ستة أربعة بنص القرآن واثنان بالسنة (أحدها نية رفع الحدث) أي نية رفع حكم الحدث كحرمة نحو الصلاة فالقصد من الوضوء رفع ذلك والحدث هنا هو الأسباب المانعة والأصل في وجوب النية ما رواه الشيخان عن عمر بن الخطاب أن النبي (ص) قال: "إنما الأعمال بالنيات" والمقصود بالأعمال الأعمال المعتد بها شرعاً ولما كان الوضوء عبادة محضة طريقها الأفعال فلم يصح من غير نية كالصلاة (أو استباحة مفتقر إلى طهر) أي وضوء فلو قال نويت استباحة ففقد لوضوء أجزأه؛ لأن ذلك متضمن لنية رفع الحدث (أو) نية (أداء فرض الوضوء)أجزأه أيضاً وتدخل المسنونات في هذا تبعاً (ومن دام حدثه كمستحاضة) ومن به سلس بول أو استطلاق ريح (كفاه نية الاستباحة)المتقدمة (دون)نية (الرفع) لأن حدثه لا يرتفع (على الصحيح فيهما) قياساً على التيمم بجامع بقاء الحدث وقيل: يصح فيهما الاستباحة والرفع (ومن نوى تبرداً) أو تنظفاً (مع نية معتبرة) مستحضراً عند نية التبرد أو التنظف نية الوضوء (جاز) له ذلك (على الصحيح) لحصول ذلك من غير نية كمُصَلٍ نوى في صلاته الصلاة ودفع الغريم فإنها تجزؤه لأن اشتغاله عن الغريم لا يفتقر إلى نية وقيل يضر لوجود التشريك بين قربه وغيرها (أو) نوى استباحة (ما يندب له وضوء كقراءة) لقرآن أو حديث أو علم شرعي أو كتابة شيء من أو توضأ لغضب أو حمل ميت (فلا) يكفيه ذلك في رفع الحدث (في الاصح) لأن قصده لا يتضمن مصدر رفع الحدث نعم إن نوى الوضوء للقراءة لم يبطل إلا إن قصد التعليق بها أولاً. (ويجب قرنها) أي النية (بأول) مغسول (من الوجه) لتقترن بأول الفرض كالصلاة (وقيل يكفي) قرنها بسنة (قبله) أي قبل الوجه لأنها من جملة الوضوء هذا إن لم تدم النية إلى أول مغسول من الوجه أما إذا دامت كفت قطعاً لاقترانها بالواجب حينئذ. أما إذا اقترنت النية بالاستننجاء فال تجزئ عن الوضوء قطعاً لأن الاستنجاء عبادة مستقلة (وله) أي للمتوضيء (تفريقها) أي النية (على أعضائه) أي على أعضاء وضوئه كأن ينوي عند غسل الوجه رفع الحدث عنه وهكذا بالنسبة لبقية الأعضاء (في الأصح) وقيل: لا تجزئ قال بن الصلاح؛ لأن النية الثانية تقطع النية الأولى والفرض (الثاني) من فروض الوضوء (غسل) ظاهر (وجهه) لقوله تعالى: [فاغسلوا وجوهكم] المائدة:6 وللإجماع فيه (وهو) أي الوجه طولاً (ما بين منابت) شعر (رأسه غالباً و) تحت (منتهى لحْييه) وهما العظمان اللذان عليهما الأسنان السفلى عرضاً (ما بين أذنيه) لأن الوجه ما تقع به المواجهة وأما داخل الفم والأنف والعين فلا يجب غسل شيء من ذلك قطعاً بل ولا يستحب غسل داخل العين ويدخل في الوجه الواجب غسله موضع الغمم ولذا قال المصنف (فمنه موضع الغمم) لحصول المواجهة به وموضع الغمم هو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة وذلك بأن يسيل شعر الرأس حتى تضيق الجبهة والقفا وكذا (التخديف في الأصح) لمحاذاته بياض الوجه وهو ما بين العذار والنزعة وهو الداخل إلى الجبين من جانبي الوجه وضابط موضع التحذيف كما جزم بذلك النووي في الدقائق هو ما يكون تحت الخط الواصل من أعلى الأذن إلى أعلى الجبهة وقال قوم: موضع التحذيف من الرأس وهو الصحيح لأنه متصل بشعر الرأس ولأن الله سبحانه وتعالى خلقه رأساً فلا يصير وجهاً بفعل الناس (لا النزعتان) فإنهما من الرأس (وهما بياضان يكتنفان الناصية) والناصية مقدم الرأس من أعلى الجبهة (قلت صحح الجمهور هو أن موضع التحذيف من الرأس ويجب) لاتصال شعره بشعر الرأس والله أعلم ويسن غسل كل ما قيل إنه من الوجه كالصلع والترعتين والتحذيف (غسل كل هُدْبٍ ) وهو الشعر النابت على أجفان العين (وحاجب) وسمي بذلك لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس (وعذار) وهو الشعر الخفيف المحاذي للأذن النابت على العظم الناتئ بإزاء الأذن وهو اول شعر ينبت للأمرد (وشارب) وهو الشعر النابت على الشفة العليا (وخد) وهو الشعر النابت على الخد (ووعنفقة) وهو الشعر النابت على الشفة السفلى (شعراً وبشراً) أي ظاهراً وباطناً (وقيل لا يجب شعر عَنْفَقَة كثيفة) أي يغسل ظاهراً دون الباطن أي يغسل الشعر دون البشرة حيث لها أحكام اللحية (واللحية) وهي بكسر اللام وفتحها وهي الشعر النابت على الذقن فإن كان لا شعر على لحيته أو عارضيه بأن كان أمرد أو (أَثطَّ): والأثط هو الذي لم تخلق له لحية فإنه يجب عليه غسل جميع الوجه لقوله تعالى: "فاغسلوا وجوهكم" المائدة:6 وإذا كان قد نبت على لحيته وعارضيه شعر فإن كان الشعر خفيفاً وجب تخليل الشعر وهذا قول المصنف (إن خفت) أي اللحية فهي (كهُدب) فيجب غسل ظاهرها وباطنها (وإلا) بأن كثفت حتى لم تر البشرة من خلال الشعر في مجلس التخاطب (فليغسل ظاهرها) ولا يجب غسل باطنها لما روى البخاري عن ابن عباس "أن النبي (ص) توضأ فغرف غرفة فغسل بها وجهه" ومعلوم أن لحية النبي (ص) كانت كثيفة وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى باطن الشعر من اللحية فإن خف بعضها وكثف بعضها فلكل حكمه وأما المرأة فيجب غسل شعر الوجه منها ظاهراً وباطناً وإن كثف الشعر لندرة ذلك ولأنه يسن لها نتفه أو حلقه لأن وجود الشعر في وجهها مُثْلَةٌ بالنسبة لها.
(الثالث) من فروض الوضوء (غسل يديه) من كفيه وذراعيه (مع مرفقيه) قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق] المائدة:6 وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله (ص) "أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى شرع في العضد ثم اليسى حتى أشرع في العضد" (فإن قُطع بَعْضُه) أي بعض ما يجب غسله من اليدين (وجب) غسل (ما بقي) منه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور فقد روى أحمد ومسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم]. (أو) قطع (من مرفقيه) وذلك بأن سُلَّ عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد (فرأس عظم العضد) هو الذي يجب غسله (على المشهور) لأن رأس العظم من المرفق (أو) قطع (من فوقه) أي كان القطع من فوق المرفق (نُدب) غَسْلُ (باقي عضده) لئلا يخلو العضد من الطهارة ولتطويل التحجيل وإذ كان القطع من منكبه ندب غسل محل القطع بالماء كما نص عليه الشافعي رحمه الله ويجب غسل شعر على اليدين ظاهراً وباطناً وإن كثف لندرته وغسل ظفره وإن طال وغسل باطن ثقب وشقوق فيهما إن لم يكن جرح غائر ويجب غسل سلعة سواء جاوزت الأصل أما لا وإن نتنت السلعة بغير محل الفرض فيجب غسل ما حاذى منها محل الفرض.
(والرابع) من فروض (الوضوء مسمى مسح لبشرة رأسه أو شعر في حده) أي في حد الرأس بأن لا يخرج بالمد عنه فلو خرج بالمد عن الرأس لم يجزئ مسحه حتى ولو كان الشعر متجعداً قال تعالى: [وامسحوا برؤوسكم] المائدة:6 والباء للتبعيض فيكفيه مسح ما يقع عليه اسم المسح ولو بعض شعره وروى الإمام مسلم عن المغيرة بن شعبة "أنه (ص) مسح بناصيته وعلى العمامة" والباء إذا دخلت على متعدد كما هو في الآية [ وامسحوا برؤوسكم ] كانت للتبغيض أو دخلت على غير متعدد كانت للإلصاق كما في قوله تعالى: [وليطوفوا بالبيت العتيق] الحج:28 (والأصح جواز غسله) أي جواز غسل الرأس لأن الغسل مسح وزيادة (ووضع اليد بلا مد) لحصول المقصود وهو وصول بلل الماء إلى شعر الرأس ويجزئ مسح ببرد وثلج لا يذوبان ولو حلق رأسه بعد مسحه لم يعد المسح وكذلك لو قطعت يده بعد الغسل.
(الخامس) من فروض الوضوء (غسل رجليه) بإجماع من يعتد بإجماعه (مع كعبيه) من كل رجل والكعبان هما العضوان الناتئان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم وفي كل رجل كعبان لما روى البخاري عن النعمان بن بشير أن النبي قال: "أقيموا صفوفكم فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه" ومن قرأ [وارجلكم إلى الكعبين] المائدة:6 أي بالجر فإنما هو الجر على المجاورة وقيل لجواز تخفيف الماء والعرب تقول لمن خفف الماء مسح.
(السادس) من الفروض (ترتيبه هكذا) من تقديم غسل الوجه فاليدين فالرأس فالرجلين لفعله (ص) كذلك فقد روى ابن ماجه عن أُبيِّ بن كعب أن النبي (ص) توضأ مربتاً مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" ولما روى النسائي عن جابر بسند صحيح أن النبي (ص) قال في حجة الوداع: "ابدأوا بما بدأ الله به" قال تعالى: [إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين] المائدة:6 فبدأ الله تعالى بالوجه ثم باليد بعده والرأس أقرب إلى الوجه فلو جازت البداية بالرأس أي لو لم يلزم الترتيب لذكره بعد الوجه لأنه أقرب إليه كما أنه أدخل مسح الرأس بين غسل اليدين وغسل الرجلين فأدخل ممسوحاً بين مغسولين فدل على أنه قصد إيجاب الترتيب (فلو اغتسل محدث) في ماء كثير أو قليل بنية رفع الحدث الأصغر أو الأكبر غالطاً وكان حدثه أصغراً (فالأصح أنه) (لإن أمكن تقدير ترتيب بأن عطس ومكث) بقدر ترتيب الأعضاء (صح) وضوؤه (وإلا) يمكن تقدير ترتيب بأن خرج حالاً (فلا) يصح وضوؤه (قلت) أي الإمام (النووي الأصح الصحة بلا مكث والله أعلم) لأن الغسل إذا أتى به بنية يكفي عن الأكبر فأولى أنه يكفي عن الأصغر ولا نظر لكون المنوي حينئذ طهراً غير مرتب لأن الترتيب يتم في لحظات لطيفة وإن لم تحس (وسننه) أي الوضوء (السواك) وهو لغة الدلك وآلته وشرعاً استعمال عود أو نحوه كأُشنان في دلك الأسنان وما حولها والأصل فيه ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ووقته في الوضوء بعد غسل الكفين أو بعد التسمية (عرضاً) أي في عرض الأسنان وقيل: يراد به عرض الفم فقد روى أبو داود مرسلاً عن عطاء أن النبي (ص) قال: "استاكوا عرضاً وادهنوا غباً واكتحلوا وتراً" والدهان الغب أن يتطيب يوماً ويتركه يوماً أو يتطيب في وقت ويتركه في وقت آخر من اليوم ويمكن الاستياك (بكل خشن) مزيل للقَلَح ورائحة الفم وأولى العيدان ذو الرائحة الطيبة وأولاها الأراك ثم بعده النخل كما في البخاري ي مرضه (ص) "جريدة رطبة وفيه لأنه آخر سواك استاك به رسول الله (ص) ثم الزيتون لما روى الطبراني في الأوسط وفي مسند الشاميين وصعفة الحافظ في التلخيص الدارقطني عن معاذ أن النبي (ص) قال: "نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة تطيب الفم وتذهب الحَفَر والحَفَر داء يصيب الأسنان "وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي". ويجب أن يكون السواك طاهراً فقد روى ابن حبان وابن خزيمة بسند جيد عن عائشة أن النبي قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" (لا أصبعه) فلا يحصل بها أصل السنة في الاستياك ولو كانت خشنة (في الأصح) لأنها لا تسمى سواكاً ويجب أن يستاك بيمينه لشرفها لما روى الشيخان عن عائشة قالت [كان النبي (ص) يحب التيامن في كل شيء] وفي رواية أبي داود [يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله وسواكه].
(ويسن) السواك (للصلاة) ولو نفلاً لخبر الصحيحين عن أبي هريرة [لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة] (وتغير الفم) أي ويسن أيضاً لتغير رائحة الفم بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل لخبر الصحيحين عن حذيفة قال: "كان رسول الله (ص) إذا قام من النوم يشوص فاه" أي يدلكه بالسواك وقيس بالنوم غيره بجامع التغيير ويتأكذ السواك لقراءة قرآن أو حديث أو لعلم شرعي ولذكر الله تعالى وعند السحر وعند الاحتضار فيقال: لأنه يسهل خروج الروح (ولا يكره) السواك بحال (إلا للصائم بعد الزوال) لخبر الصحيحين عن أبي هريرة "لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" والخلوف تغير رائحة الفم والمراد به بعد الزوال لما روى البيهقي عن جابر أن النبي (ص) قال: "أعطيت أمتي في رمضان خمساً .. ثم قال: أما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك" والمساء ما كان من الوقت بعد الزوال (والتسمية أوله) أي ومن سنن الوضوء التسمية لخبر النسائي بإسناد جيد عن أنس أنه قال [طلب بعض أصحاب النبي وضوءاً فلم يجدوا فقال (ص) هل مع أحد منكم ماء؟ فأُتي بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: توضؤوا باسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابعه حتى توضأ نحو سبعين رجلاً] (فإن ترك) التسمية ولو عمداً (ففي أثنائه) أي يأتي بها أثناء الوضوء تداركا ًلها (وغسل كفيه) إلى كوعيه وإن تيقن (طهرهما فإن لم يتيقن طهرهما(بأن تردد في طهرهما (كره غمسهما) أو إحداهما في (الإناء) الذي فيه الماء دون القلتين (قبل غسلها) ثلاثاً لنهي المستيقظ عن غمس يده في الإناء الذي فيه الماء معللاً ذلك بأنه لا يدري أين باتت يده الدال على أن سبب النهي هو توهم النجاسة فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده" وهذه الغسلات هي المندوبة أول الوضوء لكن ندب تقديمها عند الشك على غمس يده في الماء (والمضمضة) وتسن بعد غسل الكفين (والاستنشاق) بعد المضمضة ولو لم يدر الماء في فمه لما روى الإمام مسلم عن عمرو بن عبسة أن النبي (ص) قال: "ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم يستنثر إلا خرجت خطايا فه وخياشيمه مع الماء" وفي رواية "جرت" أي مع الماء ويسن أخذ الماء باليمنى (والأظهر أن فصلهما) أي المضمضة والاستنشاق (أفضل) من جمعها بماء واحد لأنه أبلغ في النظافة فقد روى أبو دواد عن طلحة بن مطرِّف عن أبيه عن جده قال: "رأيت رسول اله (ص) يفصل بين المضمضة والاستنشاق" (ثم الأصح) على هذا القول (يتمضمض بغرفة ثلاثاً ثم يستنشق بأخرى ثلاثاً) حتى لا ينتقل من عضو إلى عضو إلا بعد كمال ما قبله وقيل: يتمضمض ثلاثاً متوالية أو متفرقة بثلاث غرفات ويستنشق مثلها لأن هذا أنظف (ويبالغ فيهما) أي المضمضة والاستنشاق (غير الصائم) للأمر بذلك فقد روى الترمذي وصححه عن لقيط بن صُبره أن النبي قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" فلا يبالغ الصائم خشية السبق إلى الحق أو الدماغ فيفطر به الصائم وعلى هذا حَرُمَت القبلة المحرِّكة للشهوة لأن أصلها غير مندوب والإنزال المتولد منها لا حيلة في دفعه (قلت الأظهر تفضيل الجمع) بين المضمضة والاستنشاق على الفصل لصحة أحاديث الجمع فقد روى البخاري عن ابن عباس في صفة وضوء رسول الله (ص) قال: "فأخذ غرفة من ماء تمضمض بها واستنشق: قال النووي: وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلاً وإنما جاء فيه حديث
طلحة بن مطرف وهو ضعيف (والله أعلم) والسنة تتأدى بواحدة من هذه الكيفيات وإنما الخلاف في الأفضل ومن سنن الوضوء (تثليث الغسل والمسح) إلا في مسح الخف والعمامة والجبيرة فقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: "وهكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" ولم يجب التثليث لما روى ابن ماجه عن أُبِّي بن كعب أن النبي (ص) توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ثم توضأ مرتين مرتين وقال: من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم" (ويأخذ الشاك باليقين) في الاستيعاب والعدد وجوباً في الواجب وندباً في المندوب (ومسح كل رأسه) فالمستحب أن يمسح جميع رأسه وذلك بأن يجعل الماء في كفيه ثم يرسله ثم يضع إبهامه على صدغيه وسبابته على مقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه. رواه الشيخان عن عبد الله بن زيد لمن صفته وضوء رسول الله (ص) (ثم) بعد مسح رأسه يمسح (أذنيه) بباطن أنملتي سبابتيه وإبهاميه بماء غير ماء الرأس ولم يرد في مسح الرقبة خبر صحيح أما خبر "مسح الرقبة أمان من الغل" فموضوع وأما خبر ابن عمر"من توضأ ومسح عنقه وقي الغل يوم القيامة" فغير معروف (فإن عَسُر رفع العمامة) أو القلنسوة أوالخمار أو لم يرد ذلك (كمّل بالمسح عليها) وإن لم يضعها على طهر "لأن النبي (ص) توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة" رواه مسلم عن المغيرة بن شعبة (وتخليل اللحية الكثة) من سنن الوضوء فقد روى الترمذي عن عثمان بن عفان "أن النبي (ص) كان يخلل لحيته" ولما روى أبو داود عن أنس "أن النبي (ص) كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي" وأما المحرم فيخلل لحيته برفق لئلا يتساقط من شعرها شيء (وأصابع) يديه يسن تخليلهما وذلك بتشبيكهما وكذلك يسن تخليل اصابع رجليه وبأية كيفية كان ذلك حصلت السنة والأفضل بخنصر اليسرى مبتدئاً بخنصر الرجل اليمنى ومنتهياً بخنصر الرجل اليسرى ويكون ذلك من أسفل الرجل في باطن القدم فقد روى الدار قطني والبيهقي "عن عثمان أنه توضأ فخلل بين أصابع قدميه وقال: رأيت رسول الله (ص) فعل كما فعلت كما يجب تحريك الخاتم حتى يصل الماء إلى إلى العضو وقد روى البخاري عن ابن سيرين أنه كان يحرك خاتمه" (وتقديم اليمنى) على اليسرى في سنن الوضوء وذلك في كل عضوين لا يسن غسلهما معاً كاليدين والرجلين فثد روى ابن خزيمة وصححه عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم" (وإطالة غرته) من سنن الوضوء وذلك بأن يغسل مع الوجه مقدم رأسه وأذنيه وصفحتي عنقه (و) إطالة (تحجيله) بأن يغسل مع اليدين بعض العضدين ومع الرجلين بعض الساقين لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" أي يدعون بيض الوجوه من أثر الوضوء (والموالاة) ومن سنن الوضوء الموالاة بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني مع اعتدال الهواء (وأوجبها) أي الموالاة (القديم) لما روى أبو داود عن خالد بن معدان "أن النبي (ص) رأى رجلاً على قدمه لمعة قَدْرَ درهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة الوضوء والصلاة" ودليل الجديد ما أخرجه البخاري تعليقاً عن ابن عمر "أن النبي (ص) توضأ في السوق فغسل وجهه ورجليه ومسح رأسه فُدعي إلى جنازة فأتى المسجد فدعا بماء فمسح على خفيه وصلى عليها" قال الشافعي: لعله قد جف وضوؤه؛ لأن الجفاف قد يحصل بأقل مما بين السوق والمسجد. وقال النووي إن الحديث الذي استند إليه في القديم ضعيف (وترك الاستعانة) بالصب عليه لغير عذر من سنن الوضوء لأنه ترفه لا يليق بمتعبد (و) ترك (النفض) للماء من سنن الوضوء لأنه كالتبري من العبادة فهو خلاف الأولى. قال النووي في شرح مسلم: إنه الأشهر (وكذا) ترك (التنشيف) من السنن (في الأصح) لأنه يزيل أثر العبادة لما روى الشيخان عن ميمونة قالت: "أتي رسو الله (ص) بمنديل فلم يمسه وجعل يقول بالماء هكذا ... أي ينفضه] واختار النووي في شرح مسلم إباحة التنشيف مطلقاً لما روى أحمد بسند ضعيف عن ابن ماجه عن قيس بن سعد قال: "أتانا رسول الله (ص) فوضعنا له غسلاً فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسَّية فالتحف بها فرأيت أثر الوَرْس على عُكَنِهِ" والملحفة ثوب يلبس فوق الثياب والوَرْس نبات أصفر وعُكَنه أي طيات بطنه من السمن وثبت في مستدرك الحاكم وحسنه الألباني عن عائشة –رضي الله عنها- أن النبي (ص) "كان له خرقة ينشف بها بعد الوضوء" وفعله صلى الله عليه وسلم ذلك لبيان جواز التنشيف. (ويقول بعده) أي عقب الوضوء (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) لخبر مسلم عن عمر رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: [من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أي باب شاء] (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وزاد الترمذي على مسلم (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) وسبحانك تعني براءة الله من السوء أي أننا نعتقد تنزيهه عما لا يليق بجلاله وسبحانك منصوبة على (المصدرية وحذفت دعاء الأعضاء) أي أن المصنف –رحمه الله- حذف الدعاء المذكور في المحرر وغيره والذي يذكر عند غسل الأعضاء (إذ لا أصل له) في كتب الحديث ومن السنن المشهورة استقبال القبلة في جميع الوضوء والدلك وتجنب الإسراف في الماء ونختتم الباب بهذه الفائدة: شرط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ألا يكون شديد الضعف وأن يدخل تحت أصل عام وألا يعتقد سنيته بذلك الحديث.

(باب مسح الخف)
ومسح الخف جائز وهو بدل غسل الرجلين فلذلك ذكره المصنف عقب باب الوضوء والأخبار في جواز المسح على الخفين كثيرة منها ما رواه الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: "رأيت رسول الله (ص) بال ثم توضأ ومسح على خفيه" قال: الترمذي وكان يعجبهم حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول سورة المائدة وعليه فلا يكون الأمر الوارد بغسل الرجلين ناسخاً للمسح. وروى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: "حدثني سبعون من الصحابة أن النبي (ص) مسح الخفين" وروى ابن خزيمة وابن حبان عن أبي بكرة: "أنه (ص) أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما" (يجوز في الوضوء) المسح على الخفين لا على خف رجل مع غسل أخرى بدلاً من غسل الرجلين فالواجب على لابس الخف الغسل أو المسح (للمقيم) ومن كان سفره لا يبيح القصر (يوماً وليلة وللمسافر) سفر قصر (ثلاثة أيام بلياليها) وابتداء المدة يحسب (من) انتهاء (الحدث) كبول أو نوم أو مَسٍّ (بعد لُبْسٍ) لأن وقت المسح يدخل به ولا تحسب المدة إلا من الحدث بعد اللُّبْس لأنه وقت جواز المسح الرافع للحدث. روى مسلم عن شريح بن هانئ قال: سألت علي بن أبي طالب على المسح على الخفين فقال: [جعل رسول الله (ص) ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم. (فإن مسح) بعد الحدث (حضراً ثم سافر أو عكس) بأن مسح سفراً ثم أقام (لم يستوف مدة السفر) تغليباً للحضر (وشرطه) أي الخف ليجوز المسح عليه أن (يُلْبس بعد كمال طهر) لحديث أبي بكرة أو شريح السابق "أرخص رسول الله (ص) للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما" فلو غسل رِجْلاً وأدخلها ثم الأخرى وأدخلها لم يجز المسح حتى ينزع الأولى لأنه أدخلها قبل كمال الطهر ولو ابتدأ لبسها بعد تمام طهره وأحدث قبل تمام لُبْسهما لم يجز (ساتر) أي الخف (محل فرضه) ومحل فرضه هو قدمه بكعبيه من سائر جوانبه غير الأعلى عكس العورة لأن الخف يلبس من أسفل ولا يضر تخرق البطانة والظهارة لا على التحاذي لاتصال البطانة بالخف بخلاف جورب تحته لا يجزئ لعدم اتصاله بالخف وأن يكون الخف (طاهراً) لا نجساً ولا متنجساً بما لا يُعفى عنه نعم يعفى عن محل خرزه بشعر نجس ولو من خنزير لعموم البلوى بذلك لكن الأولى تركه وأن يكون قوياً (يمكن) لقوته (تباع المشي فيه لتردد مسافر لحاجته) فإن كان مُخرَّقاً يمنع متابعة المشي وكذا لو كان رقيقاً أو ثقيلاً لا يمكن للابسه التردد فيه لحوائجه التي يحتاج إليها غالباً في مدة المسح لم يجز المسح عليه؛ لأن الحاجة لا تدعو لُلبْسه ولا يجزئ واسع الرأس أو ضيق لا يتسع بالمشي عن قرب ويجزئ رقيق ضعيف لا يشف الماء قد جُلِّد قدمه (قيل وحلالاً) فلا يجزئ المسح على المغصوب لأن المسح رخصة والرخص لا تناط بالمعاصي والأصح يجوز المسح عليه لأنه خف طاهر يمكن متابعة المشي عليه وأما المعصية فلا تختص بالُلبْس فلم تمنع صحة الصلاة كالصلاة في الدار المغصوبة خلافا ًلسفر المعصية فهو المجوِّز للرخصة. (ولا يجزئ منسوج لا يمنع ماء ًفي الأصح) وإن كان قوياً يمكن تباع المشي عليه وقيل: يجوز؛ لأن المقصود ماء المسح لا ماء الغسل والمذهب الأول (ولا) يجزئ (جُرْمُوقان) وهو وخف صالح فوق خف صالح وقد مسح على أحدهما فلا يجزئ (في الأظهر) لأن الرخصة إنما وردت على خف تعم الحاجة إليه ولكن شدة البرد قد تحوج إلى لُبْسه قال البغوي وعندي أن الخف ذو الطاقين (أي الطبقتين) غير الملتصقتين كالجرموقتين يجوز المسح على الأعلى فقط لأن الجميع خف واحد ولو لبس خفاً على جبيرة لم يجز المسح عليه لأنه ملبوس فوق ممسوح فأشبه العمامة (ويجوز مشقوق قدم شد) بالعُرى بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض كما في أحذية الرياضة اليوم فإن كان محلولاً لم يجز المسح عليه سواء بانت منه الرِّجْل أو لم تبن لأنه إذا مشى بانت منه الرجل (في الأصح) لحصول الستر به (ويسن مسح أعلاه) أي أعلى الخف الساتر لمشط الرجل (وأسفله) وعقه وحروفه (خطوطاً) وذلك بأن يضع يسراه تحت عقبه ويمناه على ظهر أصابعه ثم يمر اليمنى باتجاه ساقه واليسرى باتجاه أطراف أصابعه مفرجاً بين أصابع يديه ولا يضمهما فقد روى الترمذي وأبو داود عن المغيرة بن شعبة قال: "وضأت رسول الله (ص) في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله"
(ويكفي مُسمِّى مسح) كمسح الرأس فكيفما أتى بالمسح أجزأه سواء كان بيده أو ببعضها أو بخشبة أو بخرقة وسواء مسح قليلاً أو كثيراً لأن المسح ورد مطلقاً فتعين الاكتفاء بما ينطق عليه الاسم بحيث (يحاذي الفرض) أي من الظاهر لا من الباطن (إلا أسفل الرِّجل وعقبها فلا يكفي المسح عليهما (على المذهب) لأنه مو ضع لا يُرى من الخف غالباً فلم يجز الاقتصار عليه كمسح باطن الخف الذي يلي الرِّجل (قلت: حرفه كأسفله) فلا يجزئ المسح عليه والله أعلم بجامع عدم الرؤية (ولا مسح لشاك في بقاء المدة) والمسافر والمقيم سواء في ذلك (فإن أجنب) لابس الخف أو حصل منه ما يوجب الغسل من نحو حيض أو نفاس في أثناء المدة (وجب تجديد لُبْس) وذلك بأن ينزعه ويتطهر ثم يلبسه ولا يجزؤه لمسح بقية المدة الغسل في الخف لما روى الترمذي وصححه عن صفوان بن عسال قال: "كان رسول الله (ص) يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سَفْراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بليالهن إلا من جنابة" (ومن نزع) خفيه أو أحدهما أو انفتحت العروة أو انخرق الخف فظهرت الرِّجل (وهو بطهر المسح غسل قدميه) فقط لبطلان طهرهما دون غيرهما؛ لأن الأصل الغَسْلُ والمسح بدلٌ عنه فإن قدر على الأصل تعين (وفي قول: يتوضأ) لأن الوضوء عبادة يبطلها الحدث فتبطل كلها ببطلان بعضها.


(باب الغسل)

(موجبه موت) لمسلم غير شهيد (وحيض ونفاس) إجماعاً لكن مع انقطاعهما لقوله تعالى: [فاعتزلوا النساء في المحيض] البقرة:222 وروى البخاري عن عائشة أن النبي قال
لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" والنفاس هو دم حيض مجتمع فله حكم الحيض (وكذا ولادة بلا بلل) ولو كان علقة أو مضغة قال القوابل: لو بقيت لتخلفت فإنه توجب الغسل (في الأصح) لأن ذلك مًنِيٌّ منعقد فأقيم مقامه (وجنابة) فإنها توجب الغسل لقوله تعالى: [وإن كنتم جنباً فاطهروا] المائدة:6 وروى الإمام مسلم عن عائشة أن النبي قال: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" وفي رواية مسلم عن أبي هريرة "أنزل أو لم ينزل" وأما خبر الماء من الماء فمنسوخ فقد روى الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن النبي قال: "إذا قعد بين شعبها الأربع وألصق ختانه بختانها فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل" وهذا نص ويجب الغسل (بدخول حشفة) ولو بلا قصد (أو قدرها) من مقطوعها (فرجاً) ولو كان غير مشتهيً كأن كان من بهيمة أو ميتة أو دبر ذكر أو كان على الذكر خرقة وتحصل الجنابة أيضاً (بخروج منٍّي) فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخُدْري أن النبي (ص) قال: "الماء من الماء" ولخبر الصحيحين عن أم سلمة قالت جاءت أم سُلَيْم إلى النبي فقالت: إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ "قال: نعم إذا رأت الماء" أما الخنثى المُشْكل إذا خرج المني من أحد فرجيه فلا غسل عليه لاحتمال أن يكون زائداً ولا فرق في وجوب الغسل بخروج المني (من طريقه المعتاد) إجماعا ًولو مرض (وغيره)أي خروج المني من منفتح تحت الصلب وهو آخر فقرات الظهر وقد انسد الأصلي أو ترائب المرأة وهي عظام الصدر وقد انسد الأصلي (ويعرف المني بتدفقه) بأن يخرج بدفعات قال تعالى: [من ماء دافق] الطارق:6 (أو لذة بخروجه) وإن لم يتدفق لقلته مع فتور الذكر عقه غالباً (أو ريح عجين) لحنطة ونحوها أو طلع نخل (رطباً أو) ريح (بياض بيض) لدجاج أو غيره حال كون (المني جافاً فإن فقدت الصفات السابقة فلا غسل) لأن الخارج غير المني فإن احتمل كون الخارج منياً أو غيره كَوَدِيٍّ أو مَذِيٍّ تميز بينهما فإن جعله منياً اغتسل أو غيره توضأ وغسل ما أصابه لأنه إذا أتى بمقتضى أحدهما بريء (والمرأة كالرجل) في حصول الجنابة بالطريقن: الإيلاج وخروج المني.

فرع: لو رأى في فراشه أو ثوبه منياً لا يحتمل أنه من غيره لزمه الغسل وإعادة كل صلاة يحتمل حدوثها بعده (ويحرم بها) أي الجنابة (ما حرم بالحدث) الأصغر لأنها أغلظ منه وكذلك يحرم شيئان آخران أحدهما (المكث في المسجد) أو التردد فيه لغير عذر قال تعالى: [لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا] النساء:43 قال ابن عباس: أي لا تقربوا مواضع الصلاة وروى الترمذي وصححه عن علي أنه قال: "ما كان رسول الله (ص) يمنعه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة" (لا عبوره) لقوله تعالى: [إلا عابري سبيل] النساء:43 وحيث عبر لا يكلف الإسراع بل يمشي على العادة وليس للكافر ولو غير جنب دخول المسجد إلا أن يكون لحاجة كإسلام وسماع قرآن أو بإذن مسلم أو إذا قعد الحاكم في المسجد فيدخل ليسمع أقواله.
[فائدة]: لا بأس بالنوم في المسجد لغير الجنب فقد كان أهل الصفة وغيرهم ينامون فيه على زمن النبي (ص) ولا يحرم إخراج الريح فيه ولكن الأولى اجتنابه لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم (و) ثانيهما (القرآن) أي يحرم بالجنابة قراءة القرآن باللفظ بحيث يسمع نفسه لا بالقلب لحديث الترمذي عن ابن عمر "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن" إلا فاقد الطهورين فإنه يقرأ الفاتحة في صلاته لتوقف صحة الصلاة عليها (وتحل) لجنب وحائض ونفسه (أذكاره) ومواعظه وأخباره وأحكامه (لا بقصد قرآن) كقوله عند ركوبه: "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين" وقوله في المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون" ولا ما جرى به لسانه من غير قصد فإن قصد القرآن وحده أو قصده مع الذكر حَرُمَ (وأقله) أي وأقل الغسل للحي من جنابة أو غيرها ولو سنة إذ الغسل المندوب كالمفروض في الواجب من جهة الاعتداد به (نية رفع جنابة) ويدخل فيها نية رفع حدث حيض ونحوه أو (استباحة مفتقر إليه) أي مفتقر إلى الغسل كقراءة القرآن أو الصلاة (أو أداء فرض الغسل) أو الغسل أو واجب الغسل أو رفع الحدث أو الطهارة من الحدث أو الطهارة ويصح رفع الحيض بنية النفاس وعكسه (مقرونة) أي النية (بأول فرض) وهو أول جزء يغسل من الجسم من أعلى أو من أسفل إذ لا يجب هنا الترتيب (وتعميم شعره) ظاهراً وباطناً وإن كَثُفَ ويجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض (وبشره) حتى الأظفار وما تحتها وما ظهر من صماخ الأذن ومن فرج المرأة عند جلوسها لحاجتها وما تحت القلفة من الأقلف وسائر معاطف البدن ولكن يُعفى عن الشعر المنعقد بنفسه ولو كثر (ولا تجب مضمضة واستنشاق) بل يسن فقط كما في الوضوء (وأكمله إزالة) القذر كالمني أو الودي ثم بعد إزالة القذر (الوضوء) كاملاً ومنه التسمية رواه الشيخان عن ميمونة في صفة غسل النبي (ص) (وفي قول يؤخر غسل قدميه) فقد روى الشيخان في صفة غسل النبي (ص) "أنه توضأ وضوءه للصلاة غير غسل القدمين" وروى الشيخان والترمذي واللفظ له عن عائشة قالت: "كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثم غسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة ثم يُشرِّب شعره الماء ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات" قال النووي في المجموع: وسواء أقدم الوضوء كله أم بعضه أم أخره أم فعله في أثناء الغسل فهو مُحصِّل للسنة لكن الأفضل تقديمه. (ثم) بعد الوضوء (تُعُهُّدُ مَعَاطِفِه) كأن يأخذ الماء بكفه فيجعله على المواضع التي فيها انعطاف والتواء كالأذنين وطبقات البطن وداخل السرة لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء. (ثم) بعد تعهد معاطفه (يفيض) الماء (على رأسه ويخلله) وذلك بأن يدخل أصابعه العشرة مبلولة في أصول شعره والأَوْلَى له قبل الإفاضة على رأسه أن يخلل لحيته إن كان له شعر كثيف فقد روى الشيخان عن جبير بن مطعم قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة فقال النبي (ص) "أما أنا فيكفيني أن أصب الماء على رأسي ثلاثاً ثم أفيض الماء بعد ذلك على سائر جسدي" وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "تحت كل شعرة جنابة" (ثم شقه الأيمن ثم الأيسر) لما روى الشيخان عن عائشة أنه (ص) "كان يحب التيمن في طهوره" (ويدلك) ما وصلت إليه يده احتياطاً وخروجاً من خلاف ما أوجبه (ويُثِّلثُ) كما في الوضوء (وتتبع) المرأة غير المحرمة والمحدة (لحيض) أو نفاس ولو كانت خلية أو بكراً (أثره) أي أثر دم الحيض (مِسْكاً) وذلك بأن تجعله في قطنة وتدخلها فرجها الواجب غسله لما روى الشيخان عن عائشة أن امرأة جاءت إلى النبي (ص) تسأله عن الغسل من الحيض فقال: "خذي فَرْصة من مِسْك فتطهري بها فقالت كيف أتطهر بها؟ فقال: (ص) سبحان الله. واستتر بثوبه: تطهري بها فاجتذبها عائشة فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم" والفِرْصة هي قطعة من قماش أو قطن والمسك تسميه العرب المشموم وكان النبي (ص) يحبه ويسميه أطيب الطيب (وإلا) أي إذا لم تجد المسك (فنحوه) أي من الطيب وأولاه أكثره حرارة كقسط أو أظفار أو طين أو ماء جديد أو ملح وأما المحدة فتقتصر على شيء يسير من قسط أو أظفار ولا يضر ما بهما من الطيب (ولا (يسن تجديده) أي الغسل (بخلاف الوضوء) فيسن تجديده لما روى أبو داود عن ابن عمر قال: "كان رسول الله (ص) يقول: من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقد كان أول الإسلام مفروضاً لكل صلاة فنسخ وجوبه (ويسن ألا ينقص ماء الوضوء) في معتدل الجسم (عن مد) وهو ربع صاع (والغسل عن صاع) لما روى مسلم عن سفينة أن النبي (ص) كان يغسله الصاع يوضئه المد (ولا حد له) أي لا حد لماء الغسل والوضوء والمهم الإسباغ ويكره الاغتسال في الماء الراكد لخبر مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يغتسل أحدكم في الماء الراكد وهو جنب" قيل لأبي هريرة كيف يفعل إذا؟ قال يتناوله تناولاً ويستحب لمن أجنب أن يؤخر غسله من بوله لئلا يخرج معه فضلة منية فيبطله.
(ومن به نجس يغسله ثم يغتسل) لأنه الأبلغ في التطهير (ولا تكفي لهما غسلة) واحدة (وكذا (في الوضوء) بل يغسل النجاسة ثم يغتسل إن كان حدثه أكبر ويغسلها ثم يتوضأ إن كان حدثه أصغر (قلت) أي الإمام النووي (الأصح تكفيه) غسلة واحدة لهما لأن مقتضى الطهارتين واحد فكفاهما غسلة واحدة كما لو كان عليها غسل جنابة وغسل حيض (ومن اغتسل لجنابة) أو حيض أو نفاس (وجمعة) أو عيد فأن نواهما (حصلا) معاً وإن كان الأكمل إفراد كل بغسل فمبني الطهارات على التداخل بخلاف الصلاة فلا يصح نية فرض الظهر ونفله أو نية ظهر وكسوف (أو) نوي الاغتسال (لأحدهما حصل فقط) عملاً بما نواه وأما تحية المسجد فتحصل بغيرها لأن المقصود منها إشغال البقعة بالعبادة. (قلت ولو أحدث ثم أجنب أو عكسه) أي أجنب ثم أحدث أو وجدا معاً (كفى الغسل) وإن لم يُنْوِ معه الوضوء ولا رتب أعضاءه (على المذهب والله أعلم) لاندراج الوضوء في الغسل لأن الأصغر اضمحل مع الأكبر فلم يَبقَ له حكم فقد روى ابن ماجه عن جُبير بن مُطْعم أن النبي (ص) قال: "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت" فلم يفصِّل النبي (ص) والجنابة قلما تخلو عن الحدث فتداخلا كالجنابة والحيض.

باب الحيض
وهو لغة السيلان تقول العرب حاضت الشجرة إذا سال سمغها وحاض الوادي إذا سال وشرعاً دم جبلة تقتضيه الطباع السليمة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة في أوقات معلومة وأما الاستحاضة فهي دم مرض يسيل من عِرْقٍ من أدنى الرحم يقال له العاذل وسواءً فيه أخرج بعد حيض أم لا والأصل في الحيض قوله تعالى: [يسألونك عن المحيض قل هو أذى] البقرة:223 وخبر الصحيحين عن عائشة قال: [(ص) في الحيض هذا شيء كتبه الله على بنات آدم].
(أقل سنّهٍ) الذي يحكم فيه على أن الدم النازل منها حيض هو (تسع سنين) قمرية كاملة ولا ضابط شرعي له ولا لغوي قال الإمام الشافعي أعجب من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحضن لتسع سنين (وأقله) مدةً (يوم وليلة) أي قدرها متصلاً وهو أربع وعشرون ساعة ولا يعني أن يستمر الدمُ أربعاً وعشرين ساعة لا يتخللها طهر بل المعنى أنها لو جمعت ساعات رؤية الدم لكانت أربعاً وعشرين ساعة أو أزيد (واكثره خمسة عشر) يوماً (بلياليها) وإن لم تتصل الدماء كأن رأت الدم أول النهار ولم تره في ليلته ثم رأته في اليوم الثاني وهكذا وغالبه ستة أو سبعة وأما خبر أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثرة عشرة أيام فضعيف وأما حديث تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي قال النووي باطل لا يعرف (وأقل طهر بين الحيضتين) زمناً (خمسة عشر) يوماً بلياليها لأنه أقل ما ثبت وجوده أما الطهر بين حيض ونفاس فيمكن أن يكون أقل من ذلك سواءٌ تقدم الحيض أو تأخر، وغالب الحيض ست أو سبع وباقي الشهر غالب الطهر لخبر أبي داوود وغيره أنه (ص) قال لحمنة بن جحش: " تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة كما تحيض النساء ويطهرن" ولكن الحديث لا أصل له عند المحدثين (ولا حد لأكثره) إجماعاً فإن المرأة قد لا تحيض أصلاً (ويحرم به) أي الحيض (ما حرم بالجنابة) من صلاة وغيرها لأنه أغلظ، ويدل على أنه أغلظ منها أنه يحرم به ما يحرم بها (و) أشياء أخر أحدها (عبور المسجد إنْ خافت تلويثه) بالدم أثناء مرورها، فإن أمنته كُرِهَ لغلظ حدثها (و) ثانيها (الصوم) فلا يصح اجماعاً قال إمام الحرمين: "وكون الصوم لا يصح منها لا يدرك معناه فهو أمر تعبدي لأن الطهارة ليست مشروطة في الصوم" (ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة) إجماعاً للمشقة لحديث عائشة عند مسلم: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، ولما روى الترمذي عن الأسود عن عائشة: "كنّا نحيض على عهد رسول الله (ص) فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة" بل يكره الصوم للحائض وقيل يحرم (و) يحرم (ما بين سرتها وركبتها) إجماعاً في الوطء ولو بحائل بل من استحله كفر، ولخبر أبي داود بإسناد جيد أنه (ص) سُئِلَ عن ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: "ما فوق الإزار" وخَصَصَ بمفهومه حديثَ مسلمٍ عن أنس: "اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح" (وقيل لا يحرم غير الوطء) لخبر مسلم السابق ورجحوا الأول لما فيه من الاحتياط ولخبر الشيخين عن النعمان بن بشير: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"، ويسن للواطئ المتعمد المختار العالم التحريم في أول الدم وقوته التصدق بدينار وفي آخره بنصف دينار لما روى أبو داود والحاكم عن ابن عباس: "إذا واقع الرجل أهله وهي حائض إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار وإن كان أصفر فليتصدق بنصف دينار" ويكفي التصدق ولو على فقير واحد ويقاس النفاس على الحيض (فإذا انقطع) دم الحيض لزمن إمكانه ومثله النفاس (لم يِحْلُ قبل الغُسْلِ غيرُ الصوم والطلاق) لزوال المعنى المقتضي للتحريم وما بقي من المحرمات لا يزول إلا بالغسل أو بدله لبقاء المقتضي من الحدث المغلظ، وأما قوله تعالى: [ولا تقربوهن حتى يطهرن] البقرة:222 فقد قُرئ بالتشديد والتخفيف في السبع فقراءة التشديد صريحة في التحريم وأما قراءة التخفيف إن كان المراد بها انقطاع الحيض فقد ذكر بعده شرطاً آخر وهو قوله تعالى: "فإذا تَطَهّرْنَ" فلابد منهما معاً (والاستحاضة حدث دائم كسلس) أي لهما نفس الحكم، والسلس دوام بول أو نحوه والاستحاضة: دم ينزل في غير وقت الحيض والنفاس (فلا تمنع الصوم والصلاة) وغيرهما مما يحرم بالحيض كالوطء ولو حال جريان الدم والتضمخ بالنجاسة، لما روى البخاري عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي جبيش إلى النبي (ص) فقالت: "إني امرأة استحاض فلا أطهر أفدع الصلاة قال: لا إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (فتغسل المستحاضة فرجها) قبل الوضوء أو التيمم (وتعصبه) بأن تشدَّ بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدها من أمامها والآخر من خلفها وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كتكة السراويل فإن احتاجت في دفع الدم أو تقليله إلى حشو بنحو قطن وهي مفطرة وجب عليها إن لم تتأذى، أما إذا كانت صائمة أو كانت تتأذى من ذلك فتتركه (و) عقب العصب (تتوضأ) وجوباً فلا يجوز لها تأخير الوضوء عنه ولا يجوز لها أن تتوضأ إلا (وقت الصلاة) لا قبله لأنه طهارة ضرورة كالتيمم (وتبادر بها) أي الصلاة عقبةُ تخفيفاً للحدث ما أمكن (فلو أخرت لمصلحة الصلاة كستر) لعورة (وانتظار جماعة) واجتهاد في قبلة (لم يضر على الصحيح) لندب التأخير لذلك فلا تُعَدٌّ مقصرة، (وإلا فَيَضرُ على الصحيح) وذلك بان أخرت لغير مصلحة كأكل وشرب وحديث، فيبطل وضوؤها وتجب الإعادة والاحتياط (ويجب الوضوء لكل فرضٍ) ولو منذوراً وتتنفل ما شاءت، لما صح عن النبي (ص) أنه قال لمستحاضة: "توضئي لكل صلاة (وكذا تجديد العصابة في الأصح) قياساً على تجديد الوضوء ولو ظهر الدم على العصابة أو زالت عن محلها زوالاً مؤثراً وجب تجديد الوضوء قطعاً (ولو انقطع دمها بعد الوضوء) أو فيه وقبل الصلاة أو فيها (ولم تعتد انقطاعه وعوده) وجب الوضوء لاحتمال الشفاء (أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع) بحسب العادة (وضوءاً والصلاة وجب الوضوء) وإزالة ما على الفرج من الدم لاحتمال الشفاء ولإمكان أداء الصلاة على الكمال في الوقت، ومن دام خروج منيه يلزمه الغسل لكل فرض ولو استمسك السلس بالقعود دون القيام وجب عليه أن يصلي قاعداً ولا يجوز له أن يعلق قارورة ليتقطر فيها بوله لأنه يصير حاملاً للنجاسة في غير محلها بلا ضرورة و يجوز وطء المستحاضة في طهرها ولا كراهة في ذلك وإن كان الدم جارياً.

فصل في أحكام المستحاضة
إذا (رأت) المرأة الدم (لسن الحيض) أي ما بعد تسع سنين (أقله ولم يعبر أكثره) وأقله يوم وليلة وأكثره خمس عشرة ليلة (فكله حيض) سواءً أكان أسود أم لا فلو رأت خمسة أسود ثم أحمر حكمنا على الأحمر بأنه حيض أيضاً إلا أن يكون عليها بقية طهر أي تجاوز الخمسة عشر كأن رأت ثلاثة أيام دما ًثم اثني عشر نقاءً ثم ثلاثة دماً ثم انقطع فالثلاثة الأخيرة دم فساد لا حيض ولو رأت معتادة وهي التي تُعْرَفُ لها عادة تحيض في أيام محددة العدد والوقت عملت بعادتها كما لو رأت خمستها المعهودة أول الشهر ثم نقاءً أربعة عشر ثم عاد الدم واستمر فيوم وليلة كمال الخمسة عشر من أول العائد طهر ثم تحيض خمسة أيام منه ويستمر دورها "الحيض والطهر" عشرين يوماً وبمجرد رؤية الدم لزمن إمكان الحيض يجب التزام أحكامه ثم إن انقطع قبل يوم وليلة بان لا شيء فتقضي صلاة ذلك الزمن وإن زاد بان أنه حيض وكذا في الانقطاع بأن كانت لو أدخلت القطنة خرجت بيضاء نقية فيلزمها حينئذ التزام أحكام الطهر ثم إن عاد قبل خمسة عشر كَفّتْ وإن انقطع فعلت وهكذا حتى تمضي خمسة عشر فحينئذ تَرُدُّ كلاً إلى مردها فإن لم تجاوزْها بان أن كلاً من الدم والنقاء المحسوس حيض وفي الشهر الثاني لا تعيد لأن الظاهر أنها فيه كالأول (والصفرة والكدرة حيض في الأصح) لأنها من الأذى الذي ذكرته الآية [يسألونك عن المحيض قل هو أذى] النساء: 222 روى مالك عن أمِّ علقمة عن عائشة في قصة النساء اللاتي كنَّ يرسلن إليها بالكُرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول: "لا تعجلن حتى ترينَّ القصة" وعلقه البخاري. والقصة البيضاء هو الطهر بأن تدخل المرأةُ القطنَ فرجها لترى أثر الدم وأصل القَصّة الجِص أو الجبس (فإن كانت مبتدأة) أي أول ما ابتدأها الدم (مميزه بأن ترى) في بعض الأيام دماً (قوياً و) في بعضها دماً ضعيفاً (فالضعيف استحاضة) وإن طال (والقوي حيض إن لم ينقصْ) القويُ (عن أقله) أي الحيض وهو يوم وليلة (ولا عَبَرَ أكثره) أي تجاوز خمس عشرة ليلة (ولا نقص الضعيف عن أقل الطهر) وهو خمسة عشر يوماً ولاءً ليجعل طهراً بين الحيضتين فلو رأت يوماً وليلة أسود ثم أحمر مستمراً سنيناً كثيرة فإن الضعيف كله طهر لأن أكثر الطهر لا حد له وإن اجتمع قوي وضعيف وأضعف فالقوي مع ما يناسبه منهما وهو الضعيف حيض بشروط ثلاثة: وهي أن يتقدم القوي ويتصل به الضعيف وأن لا يزيد مجموعها عى أكثره كخمسة سواداًً ثم خمسة حمرة ثم اطبقت الصفرة فالأولان حيض لأنهما قويان بالنسبة لما بعدهما فإن لم يصلحا للحيض كعشرة سواداً وستة حمرة ثم اطبقت الصفرة أو صَلُحَا لكن تقدم الضعيف كخمسة حمرة ثم خمسة سواداً ثم اطبقت الصفرة أو تأخر لكن لم يتصل الضعيف بالقوي كخمسة سواداً ثم خمسة صفرة ثم اطبقت الحمرة فحيضها في ذلك السواد فقط (أو مبتدأة لا مميزة بأن رأته بصفة) واحدة وهي التي جاوز دمها أكثر الحيض (أو) مميزه بأن رأته بصفات مختلفة لكن (فقدت شرط تمييز) وتسمى مميزة غير مُعْتَدٍّ بتمييزها (فالأظهر أن حيضها يوم وليلة وطهرها تسع وعشرون) لتيقن سقوط الصلاة عنها في الأقل وما بعدها مشكوك فيه واليقين لا يترك إلا بمثله لكنها في الدور الأول كما ذكرنا تصبر إلى خمسة عشر يوماً لعله ينقطع ثم يعدها إن استمر الدم على صفته أو تغير لأقل الحيض اغتسلت وصلت وفي الدور الثاني وما بعده تغتسل وتصلي بمجرد مضي يوم وليلة وتقضي ما زاد على يوم وليلة في الدور الأول وعبر بتسع وعشرين لا ببقية الشهر لأن شهر المستحاضة الذي هو دورها لا يكون إلا ثلاثين ثم شرع في المستحاضة الثالثة وهي المعتادة غير المميزة فقال (أو) كانت ممن جاوز دمها أكثر الحيض (معتادة) غير مميزة (بأن سبق لها حيض وطهر) وهي تعلمها قدراً ووقتاً (فتردُّ إليهما قدراً ووقتاً) لما روى مالك والشافعي وأحمد عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله (ص) فاستفتيت لها رسولَ الله فقال: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتطهر ثم لتستثغر بثوب ثم لتصل. قال النووي: إسناده على شرط الشيخين. ومعنى تهراق الدم أي تصبه أي تستحاض (وتثبت) العادة (مرة في الأصح) فلو حاضت في شهر خمسة ثم صارت ستة ثم استحيضت رُدّت للستة هذا إن لم يكن لها أكثر من عادة كأن تحيض في شهر خمسة وفي الآخر ستة فترد إليهما (ويحكم للمعتادة المميزة) حيث خالفت العادة التميز (بالتمييز لا العادة) كأن كانت عادتها خمسة من كل شهر فاستحيضت فرأت خمسة حمرة ثم سبعة سواداً ثم حمرة مطبقة فيكون حيضها السواد فقط والثاني يحكم بالعادة لأن العادة قد ثبتت واستقرت.
تنبيه: المبتدأة وغير المميزة والمعتادة كذلك تترك الصلاة وغيرها مما تتركه الحائض بمجرد رؤية الدم لأن الظاهر أنه حيض فتتربص فإن قُطعَ الدمُ لدون يوم وليلة فليس بحيض لتبين أنه دم فساد فيقضين الصلاة وكذا الصوم، أما إذا انقطع ليوم وليلة فأكثر ولدون خمسة عشر فالكل حيض ولو كان قوياً وضعيفاً وإن تقدم الضعيف على القوي فإن جاوز الخمسة عشر ردت كل منهما إلى مردها وقضت كل منهن صلاة وصوم ما زاد على مردّها ثم في الشهر الثاني وما بعده يتركن التربص ويصلين ويفعلن ما تفعله الطاهرات فيما زاد على مردهن لأن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها فإن شفين في دور قبل مجاوزة أكثر الحيض كان الجميع حيضاً كما في الشهر الأول فَيُعْدِنَ الغسل لتبين عدم صحته حيث وقع في حيض (أو متحيرة بأن نسيت) أو جهلت وقت ابتداء الدور أو (عادتها قدراً ووقتاً) لنحو غفلة (ففي قولٍ كمبتدأة) غير مميزة فيكون حيضها يوماً وليلة على الأظهر من أول الهلال لأنه الغالب وطهرها بقية الشهر لما فيه من الاحتياط (والمشهور وجوب الاحتياط) لأن كل زمن يمر عليها محتمل للحيض والطهر والانقطاع وإدامةُ حكم الحيض عليها باطل إجماعاً والطهر ينافيه الدم والتبعيض تحكم فاقتضت الضرورة الاحتياط إلا في عدة الفراق فإنها بثلاثة أشهر لأن كل شهر لا يخلو من حيض وطهر نظرا ًللغالب (فيحرم) على حليلها (الوطء) ويحرم عليها تمكينه لاحتمال الحيض (ومس المصحف) والمكث بالمسجد إلا لصلاة أو طواف أو اعتكاف ولو نفلاً (والقراءة في غير الصلاة) أما في الصلاة فجائزة مطلقا ًوقيل: تباح لها القراءة مطلقاً خوف النسيان بخلاف الجنب لقصر زمن الجنابة وقيل: يباح لها المكث في المسجد والاعتكاف إذا أمنت التلويث (وتصلي الفرائض أبداً) وجوباً ولو منذورة قال الأسنوي: والقياس أن صلاة الجنازة كذلك (وكذا النفل) أي لها صلاته وطوافه وصيامه (في الأصح) ندباً لأنه من مهمات الدين (وتغتسل لكل فرض) بعد دخول وقته وجوباً وذلك لاحتمال الانقطاع كل وقت ولو تذكرت وقت الانقطاع كعند الغروب مثلاً اغتسلت عنده كل يوم فقط (وتصوم رمضان) لاحتمال أنها طاهر جميعه (ثم شهراً) آخر (كاملين) حال من رمضان وشهراً (فيحصل) لها (من كل) منهما (أربعة عشر) يوماً لاحتمال أن حيضها الأكثر وأنه طرأ أثناء يوم وانقطع أثناء السادس عشر فيبطل منه ستة عشر يوماً (ثم) إن بقي عليها يومان (تصوم من ثمانية عشر) يوماً ستة أيام (ثلاثة أولها وثلاثة آخرها فيحصل اليومان الباقيان) لأن الحيض إن طرأ أثناء أول صومها حصل الأخيران أو ثانيهُ فالأول والثامن عشر أو ثالثهُ فالأولان أو أثناء السادس عشر حصل الثاني والثالث أو السابع عشر فالثالث والسادس عشر أو الثامن عشر فالسادس عشر والسابع عشر ويوجد صور أخرى (ويمكن قضاء يوم بصوم يوم ثم) صوم (الثالث) من الأول (والسابع عشر) منه لوقوع يوم من الثلاثة في الطهر بكل تقدير على الكيفية الأولى (وإن حفظت) أي المتحيرة (شيئاً) من عادتها ونسيت شيئاً كالوقت فقط أو القدر فقط (فلليقين حكمه) وهذه تحيرها نسبي فلذلك جعلها عقب المتحيرة السابقة المطلقة (وهي في) زمن (المحتمل كحائض في الوطء) ومس المصحف (وطاهر في العبادة) المحتاجة للنية احتياطاً كالمتحيرة المطلقة (وإن احتمل انقطاعاً وجب الغسل لكل فرض) احتياطياً أيضاً وإلا فالوضوء لكل فرض ففي حفظ القدر فقط كأن قالت: كان حيضي ستة أيام من العشر الأول من كل شهر فالخامس والسادس حيض يقيناً وما بعد العاشر طهرٌ يقيناً ومن السابع للعاشر يحتمل الانقطاع فتغتسل لكل فرض ومن الأول للخامس لم يحتمل الانقطاع فوجب الوضوء فقط فيسمى محتمل الانقطاع طهرا ًمشكوكاً فيه والذي لا يحتمله حيضاً مشكوكاً فيه وهذه لا تخرج عن التحير المطلق إلا بحفظ قدر الدور وابتدائه وقدر الحيض ومن المتحيرة الحافظة للقدر دون الوقت كأن تقول: حيضي خمسةٌ ودوري ثلاثون ولا أعرف ابتداءه فكل زمن يمر عليها محتمل للثلاثة الحيض والطهر والانقطاع فهي متحيرة مطلقاً ومنها حفظ الوقت فقط كأن قالت: أعلم أني أحيض في الشهر مرة وأكون في سادسه حائضاً فالسادس حيض يقيناً والعشر الأخير طهر يقيناً ومنه للعشرين يحتمل الانقطاع دون الدم ومن الأول للسادس يحتمل الدم فقط (والأظهر أن دم الحامل) حيض ولو بين توأمين لأنه متردد بين دم الجبلة والعلة والأصل السلامة من العلة وإن لم تنقض به العدة لأنها لطلب براءة الرحم وهي لا تحصل بالأقراء مع وجود الحمل إلا إذا كان الحمل من زنى لأن حمل الزنى كالمعدوم (والنقاء بين أقل الحيض حيضٌ) بشرط ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً ولا تنقص الدماء عن أقل الحيض وأن يكون النقاء محتوشاً بين دمي حيض فإذا كانت ترى وقتاً دماً ووقتاً نقاءً واجتمعت الشروط السابقة حكمنا على الكل بأنه حيض وهو ما يسمى السحب والثاني أن النقاء طهرٌ وهو ما يسمى اللقط أو التلفيق (وأقل النفاس) وهو الدم الخارج بعد فراغ جميع الرحم وإن وضعت علقة أو مضغة (لحظة) وقال غيره مَجَّةٌ ويقال لذات النفاس نُفَسَاء (وأكثره ستون) يوماً (وغالبه أربعون) يوماً بالاستقراء وأما خبر أبو داود عن أم سلمة: "كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله أربعين يوماً" قال الترمذي: هذا حديث غريب وقال الدارقطني: لا تقوم به حجة، وعلى فرض صحته فلا ينفي الزيادة فهو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات (ويحرم به ما يحرم بالحيض) حتى الطلاق إجماعاً لأنه دم حيض يجتمع قبل نفخ الروح وبعد النفخ يكون غذاءً للولد (وعبوره ستين) يوماً (كعبوره) أي الحيض (أكثره) أي فله ذات أحكامه.
خاتمة: يجب على المرأة تعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض والنفاس فإن كان زوجها عالماً وجب عليه تعليمها وإلا لزمها الخروج لسؤال العلماء ويحرم عليه منعها.

كتاب الصلاة
وهي لغة: الدعاء بخير قال تعالى: [وصلِّ عليهم] التوبة:103 أي: ادع لهم وشرعاً: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة وسميت بذلك لاشتمالها على الدعاء (المكتوبات) أي المفروضات العينية (خمسٌ) معلومة من الدين بالضرورة في كل يوم وليلة والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: [واقيموا الصلاة] وقوله: [إن الصلاة كات على المؤمنين كتاباً موقوتاً] النساء:103 وخبر الصحيحين: "فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمساً في كل يوم وليلة" (الظهر) أي صلاة الظهر، سميت بذلك لأنها تفعل في وقت الظهيرة أي: شدة الحر وقد تأسى المصنف بالابتداء بها بقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" الأسراء:78، (وأول وقته زوال الشمس) أي عقب وقت ميلها عن وسط السماء والمسمى بالاستواء إلى جهة الغرب وذلك بزيادة ظل الشيء على ظله حالة الاستواء أو بحدوثه إن لم يبق عنده ظل (وآخره مصير ظل الشيء) الموجود عند الزوال وهو (أول وقت العصر) فإذا جاوز (ظل الشيء مثله) بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر أي أن الفاصل بين وقت الظهر وأول وقت العصر صغير جداً (ويبقى) وقته (حتى تغرب) الشمس لما روى الشيخان عن أبي هريرة من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" وروى مسلم: "وقت العصر ما لم تغرب الشمس" (والاختيار ألا تؤخر عن مصير الظل مثلين) لحديث جبريل: "فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فصلى العصر حين صار كل شيء مثله ثم جاء المغرب فصلى المغرب حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فصلى حين غاب الشفق ثم جاءه الفجر فصلى حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه المغرب وقتاً واحداً لم يَزُل عنه ثم جاء العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاءه الفجر حين أسفر جداً فقال: قم فصله فصلى الفجر ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت "أي وقت الصلاة" رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن ابن عباس وللعصر وقت فضيلة وهو أول الوقت ووقت اختيار ووقت كراهة وهو عند اصفرار الشمس ووقت حرمة وهو بحيث لا يبقى من وقتها وقت يسعها وإن قلنا: إنها أداء، والعصر هي الصلاة الوسطى وإنما فضلوا جماعةَ الصبحِ والعشاء لأن الجماعة فيها أشق (والمغرب) يدخل وقتها (بالغروب) لحديث جبريل وسميت بذلك لفعلها عقب الغروب أي غيبوبة قرص الشمس وإن بقي الشعاع (ويبقى) وقتها (حتى يغيب الشفق الأحمر في القديم) لخبر مسلم عن اذبن عمرو ووقت المغرب مالم يغب الشفق، والشفق هو حمرة الشمس (وفي الجديد ينقضي بمضي قدر وضوءٍ وستر عورة وأذان وإقامة وخمس ركعات) لأن جبريل صلاها في اليومين في وقتٍ واحد وهذا هو وقت الفضيلة وأمّا السابق فهو وقت الجواز أي إلى غياب الشفق (ولو شرع في الوقت) على القول الجديد (ومدَّ) بتطويل القراءة وفي سائر الصلوات إلا الجمعة (حتى غاب الشفق الأحمر جاز على الصحيح) لأن ذلك المد لا كراهة فيه لما صحَّ أن الصِّديق طوّل في الصبح فقيل له: كادت الشمس أن تطلع قال: "لو طلعت لما تجدنا غافلين" ولما روى الحاكم على شرط الشيخين أن الرسول (ص) كان يقرأ بالأعراف في ركعتي المغرب، وقيل لا يجوز لوقوع بعضها خارج الوقت، (قلت القديم أظهر والله أعلم) قال في المجموع: بل هو الجديد أيضاً لأن الشافعي علق القول به في الإملاء وهو من الكتب الجديدة لخبر مسلم: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (والعشاء) يدخل وقتها (بمغيب الشفق) الأحمر وينبغي تأخيرها لزوال الأصفر والأبيض خروجاً من خلاف من أوجب ذلك وأصل العشاء الظلام وسميت به الصلاة لفعلها حينئذ (ويبقى) وقتها (إلى الفجر) الصادق لخبر مسلم عن ابن عباس "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى"، خرجت الصبح إجماعاً فيبقى على مقتضاه في غيرها (والاختيار ألا تؤخر عن ثلث الليل) لخبر جبريل السابق (وفي قول نصفه) لما روى الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس "لولا أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل" (والصبح) يدخل وقتها (بالفجر الصادق) لأن جبريل صلاّها أول يوم حين حرم الفطر على الصائم وإنما يحرم بالصادق إجماعاً ولا نظر لمن شذَّ فلم يحرمه إلى طلوع الشمس فهو مخالف للإجماع (المنتشر ضوؤه معترضاً بالأفق) أي نواحي السماء بخلاف الكاذب فإنه يطلع مستطيلاً بأعلاه ضوء كذنب السرحان: أي الذئب ثم تعقبة ظلمة قيل شُبِّه بذنب السرحان لأن الضوء يكون في أعلاه والشعر يكون في أعلى ذنب السرحان دون أسفله (حتى تطلع الشمس) لخبر مسلم "وقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" وبذلك يكفي طلوع بعضها بخلاف الغروب (والاختيارأن لا تؤخر عن الاسفار) بحيث يميز الناظرُ القريبَ منه لحديث جبريل (قلت يكره تسمية المغرب عشاءً) وتسمية (العشاء عتمة) لخبر البخاري عن ابن عمر "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم وتقول الأعراب هي العشاء" وفي خبر مسلم "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا أنها العتمة وهم يُعتمون بالإبل" وفي رواية بحلاب الإبل أي يؤخرونها إلى شدة الظلمة والمنع للكراهة لأن النبي (ص) قال: "لو تعلمون ما في الصبح والعتمة لأتيتموها ولو حبواً" متفق عليه. قيل ذلك لبيان الجواز (و) يكره (النوم قبلها) أي قبل فعلها بعد دخول وقتها لأن النبي (ص) يكره ذلك رواه الشيخان ولأنه ريما نام حتى دخل وقت الأخرى ويجري ذلك في سائر الصلوات إلا أن يغلبه النوم أو غلب على ظنه أنه يستيقظ (و) يكره (الحديث بعدها) لنهي النبي عن ذلك رواه الشيخان (إلا) لمنتظر الجماعة أو المسافر لخبر أحمد عن ابن مسعود "لا سَمَرَ بعد العشاء إلا لمصلٍ أو مسافر أو لعذر" أو (في خير) كعلم شرعي أو موعظة أو مذاكرة آثار الصالحين (والله أعلم) لما صح أنه (ص) كان يحدثهم عامة ليلة عن بني إسرائيل رواه الحاكم عن عمران بن حصين (وَيُسَنُّ تعجيل الصلاة لأول الوقت) إذا تيقنه ولو عشاء لقوله (ص) حين سُئِلَ أي الأعمال أفضل قال: "الصلاة في أول وقتها" قال الحاكم على شرط الشيخين. وعن ابن عمر مرفوعاً "الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله" رواه الترمذي. قال الشافعي رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين ولو اشتغل أول الوقت بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان والستر وأكل لُقمٍ توفر خشوعه وتقديم سنة راتبة ثم أحرم بعد ذلك حصلت له فضيلة أول الوقت ويندب للإمام الحرص على أول الوقت لكن بعد مضي وقت يجتمع الناس فيه عادةً وإن قلَّ ولا ينتظر ولو نحو شريف وعالم فإن انتظره كره فقد ثبت أن النبي (ص) تأخر مرتين عن وقت عادته فأقاموا الصلاة فتقدم أبو بكر مرة وابن عوف أخرى مع أنه لم يطل تأخره بل أدرك صلاتيهما واقتدى بهما وصوّب فعلهما (وفي قول: تأخير العشاء أفضل) لخبر الشيخين أنه كان (ص) يستحب أن يؤخر العشاء والحكمة في تأخيرها إلى وقت الاختيار لتكون وسط الليل بإزاء الظهر فإنه وسط النهار والمشهور استحباب التعجيل لعموم الأحاديث ولأنه هو الذي واظب عليه رسول الله والخلفاء الراشدون من بعده وهو الذي يجب أن يُفْعَلَ اليوم لاعتياد الناس على الاجتماع بعد الأذان (ويسن الإبراد بالظهر في شدة الحر) إلى أن يصير للحيطان ظلٌ لخبر البخاري عن أبي هريرة "إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم" أي غليانها وانتشار لهبها وخرج بالظهر الجمعة فلا يسن فيها الإبراد لخبر الصحيحين عن أنس أنه (ص) كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس ذلك لأن الناس مأمورون بالتبكير إليها (والأصح اختصاصه) أي الإبراد (ببلد حار) كالحجاز والعراق (وجماعة مسجد) أو أي مكان (يقصدونه من بُعْدٍ) فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولا يسن الإبراد لمن يصلي منفرداً وضابط البعد ما يتأثر قاصده بالشمس (ومن وقع بعض صلاته في الوقت) وبعضها خارجه (فالأصح أنه إن وقع) في الوقت منها (ركعة) كاملةٌ (فالجميع أداء وإلا فقضاء) سواءً أخّر لعذر أم لا لخبر الشيخين: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" قال النووي في الروضة: "ولو شرع في صلاته وقد بقي من الوقت ما يسعها فمدها بتطويل القراءة حتى خرج الوقت لم يأثم قطعاً ولا يكره على الأصح" (ومن جهل الوقت) لنحو غيم أو حبس في مكان مظلم (اجتهد) إن قدر على اليقين (بورد) كقراءة ودرس (ونحوه) كصنعةٍ وصياح ديك مجرب أو إخبار ثقةٍ لقول أنس: كنا إذا "كنا مع رسول الله (ص) في السفر فقلنا زالت الشمس أو لم تزل صلّى الظهر" قيل: وفي هذا دلالة على الاجتهاد ونصب الأدلة وقيل: للمبادرة أو الوقت ولانهم علموا استحالة شكهم مع صلاة رسول الله (ص) ويستنبط أيضا ًجواز تقليد العَدْلِ في الوقت والجهة (فإن) اجتهد وصلى ثم (تيقن صلاته) أي إحرامه فيها (قبل الوقت قضى في الأظهر) لفوات شرطها وهو الوقت (وإلا) أي: وإن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت (فلا) قضاء عليه (ويبادر بالفائت) وجوباً إن كان الفوات بغير عذر وجوازاً إن فات بعذر تعجيلاً لبراءة ذمته لما روى الشيخان عن أنس "من نسي صلاةً أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (ويسن ترتيبه) أي الفائت فيقضي الصبح قبل الظهر خروجاً من خلاف من أوجبه (و) يسن (تقديمه على الحاضرة التي لا يخاف فوتها) لأن النبي (ص) فاتته صلاة العصر يوم الخندق فصلاها بعد المغرب، متفق عليه، فإن لم يرتب ولم يقدم الفائته جاز لأن كل واحدة عبادة مستقلة والترتيب إنما وجب في الأداء لضرورة الوقتَ وفِعْلُهُ (ص) المجرد من غير أمر إنما يدل عندنا على الاستحباب فإن خاف فوات الحاضرة لزمه البراءة بها لئلا تصير فائتة أيضاً (وتكره الصلاة عند الاستواء) لما روى مسلم عن عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله (ص) ينهانا أن نصلي فيهم أو نقبر موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف للغروب" وقيل: النهي للتنزيه لأننا مأمورون بالصلاة في أول الوقت والظهيرة شدة الحر وقائمها هوالبعير يكون باركاً فيقوم من شدة حر الأرض وتضيف أي تميل ووقت الاستواء لطيفٌ لا يتسع لصلاة والأمر تعبديٌ (إلا يوم الجمعة) لاستثنائه في خبر ابي داود وغيره (وبعد) أداء صلاة (الصبح حتى ترتفع الشمس) فيها (كرمح) في رأي العين وطوله نحو سبعة أذرع (و) بعد أداء صلاة (العصر) ولو لمن جمع تقديماً (حتى) تصفو الشمس بخلافه قبل فعلها فيجوز النفل مطلقاً ومن الاصفرار حتى (تغرب) لمن صلى العصر ومن لم يصلها (إلا لسبب) لم يقصده متقدم على الفعل (كفائته) ولو نافلة اتخذها ورداً لصلاته كما قضى النبي (ص) سنة الظهر بعد العصر لما شغل عنها (وكسوفٍ) لأنها معرضة للفوات (وتحية) لم يدخل المسجد بقصد صلاتها فقط (وسجدة شكر) وتلاوة لأن كعب بن مالك فعلها بعد الصبح لما نزلت توبته وركعتي طواف وصلاة جنازة ولو على غائب وقد نقل ابن المنذر الإجماع على فعل الفائتة وصلاة الجنازة بعد الصبح والعصر وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه (ص) قال لبلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دفّ خفق" نعليك بين يديَّ في الجنة، قال ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي. أما ما يمكن التصرف بسببه عن تأخير أو تقديم فلا تنعقد صلاته كركعتي الاستخارة والإحرام لأن الاستخارة والإحرام سببهما متأخر عنهما كما يقول الفقهاء أما مثل صلاة الاستسقاء فسببها متقدم عليها وهو القحط وصلاة الكسوف سببها متقدم عليها وهو انكساف الشمس وصلاة الجنازة سببها متقدم عليها وهو الموت... (وإلا في حرم مكة) المسجد وغيره مما حرم صيده (على الصحيح) لما روى الترمذي وصححه "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" لزيادة فضلها فلا يُحْرَمُ من ثوابها المقيم لأن الطواف صلاة.

فصل فيمن تلزمه الصلاة أداء وقضاء
(فصل: إنا تجب الصلاة على كل مسلم) فلا تجب على كافر وجوب مطالبة في الدنيا لعدم صحتها منه (بالغ عاقل طاهر) فلا تجب على مجنون ولا تجب على صغير ولا تجب على حائض ولا نفساء ولا مغمى عليه (ولا قضاء على الكافر) إذا أسلم لقوله تعالى: [قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف] الأنفال:138 (إلا المرتد) فيلزمه قضاء ما فاته زمن الردة حتى زمن جنونه أو إغمائة أو سكره ولو بلا تعدٍّ تغليظاً عليه لأنه التزمها بالإسلام فلا تسقط عنه بالجحود (ولا الصبي) فلا يقضي الصبي لعدم تكليفه أثناء صباه فلا يقضي بعد بلوغه (ويؤمر) الصبي المميز (بها) فيأمره والده بها مع الالحاح والتهديد إن لزم ذلك ويؤمر بجميع شروطها وبسائر الشرائع الظاهرة (لسبع) أي بعد استكمال سبع سنين (ويضرب عليها) أي على تركها (لعشر) سنين لما روى الترمذي وصححه عن ابن عمرو "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها] وحكمة ذلك التمرين عليها ليعتادها وأخّر الضرب للعشر لأنه عقوبة والعشر زمن احتمال البلوغ مع قوة البدن والسبع عادة سن التمييز ولا ضابط له في السن وأحسن ما قيل فيه أن يصير الطفل بحيث يأكل ويشرب ويستنجي وروى أبو داود أن النبي (ص) سئل متى يصلي الصبي قال "إذا عرف شماله من يمينه" قال الدميري: والمراد إذا عرف ما يضره وما ينفعه (ولا على ذي حيض) فلا قضاء على ذات حيضٍ أو نفاس إذا تطهرت وإن كان سبب الحيض أو النفاس دواءً (أو جنون أو إغماء) فلا قضاء على مجنون أو مغمى عليه أو معتوه أو سكران من غير تعدٍ إذا أفاق لما روى الحاكم وصححه عن عائشة "رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يبلغ والنائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يبرأ" (بخلاف السكر) أو الجنون أو الإغماء المتعدي به إذا أفاق منه فإنه يلزمه القضاء وإن ظن متناول المسكر أنه لا يغمى عليه لتعديه (ولو زالت هذه الأسباب) المانعة من وجوب الصلاة مثل الكفر الأصلي والصبا والحيض والجنون (وبقي من الوقت تبكيره) أي: قدر تكبيرة فأكثر (وجبت الصلاة) أي: صلاة الوقت إذا بقي زمنٌ يسع الصلاة (وفي قول: يشترط ركعة) لأن الجمعة لا تدرك إلا بركعة ولمفهوم الحديث: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" ويشترط للوجوب بقاء السلامة من الموانع وزمن يسع الطهارة والصلاة أخف ما يمكن (والأظهر وجوب الظهر بإدراك تكبيرة آخر العصر) لاتحاد وقتي الظهر والعصر (والمغرب آخر العشاء) لاتحاد وقتهما في العذر (ولو بلغ فيها) أي: بلغ في الصلاة بالسن لأنه لا يحتملُ بالاحتلام لأنه يفسدها (أتمها وأجزأته على الصحيح) ولو جمعة لأنه أداها صحيحة بشرطها فلم يؤثر فيها تغير حاله وكون أولها نفلاً لا يمنع وقوع باقيها واجباً كحج التطوع (أو بعدها فلا إعادة) أي: بعد فعلها وبلوغه بالسن أو بغيره (على الصحيح) هذا إذا نوى الفرضية أما إذا لم ينو فهو لم يصلِّ شيئاً (ولو حاضت أو جُنّ أول الوقت) واستغرق المانع وقت الصلاة (وجبت تلك) الصلاة (إن أدرك) من الوقت قبل حدوث المانع (قدر الفرض) الذي يلزمه مع إدراك طهر لصلاته وإلا فلا تجب الصلاة لانتفاء التمكن كما لو هلك نصاب الزكاة قبل أن يتمكن من دفعها.

فصل: في الأذان والإقامة
والأذان لغة: الإعلام قال تعالى: [وأذن بالناس في الحج] الحج:27 أي:اعلمهم وشرعاً: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: [وإذا ناديتم إلى الصلاة] المائدة:58 وخبر الصحيحين: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم" والإقامة في الأصل مصدر أقام وسمي ذكر المخصوص بها إقامة لأنه يُقيم إلى الصلاة والأذان والإقامة مشروعان بالإجماع، قال المصنف: كلٌ منهما (سنة) لأنه (ص) لم يأمر بها في حديث الأعرابي مع ذكره الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة ولقوله (ص): "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه" رواه البخاري ولأنهما للإعلام بالصلاة فلم يجبا كالصلاة (وقيل: فرض كفاية) لخبر الشيخين: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ولأنهما من الشعائر الظاهرة فحكمها كالجماعة واختار جمع أنه يُقاتَلُ أهل بلد تركوهما أو أحدهما بحيث لم يظهر الشعار (وإنما يشرعان المكتوبة) دون المنذورة وصلاة الجنازة والسنن لعدم ثبوتهما فيها وقيل: يكرهان في غير المفروضة. (ويقال في العيد ونحوه) من كل نفل شرعت فيه الجماعة ككسوف واستسقاء وتراويح لا جنازةٍ لأن المشيعين حاضرون غالباً (الصلاة جامعة) لوروده في الصحيحين في كسوف الشمس وقيس عليه الباقي وقيل يُنْصَبانِ (الصلاةَ جامعةً) حيث نصب الأول على الإغراء والثاني على الحال أي: احضروا الصلاة والزموها حالة كونها جامعة (والجديد ندبه) أي الأذان (للمفرد) في بلدٍ أو صحراء وإن بلغه أذان غيره (ويرفع صوته) أيك المنفرد بالأذان لما روى البخاري: "إذا كنت في غنمك أو باديتك فاذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوتك جنٌ ولا إنٍسٌ ولا شيءٌ إلا شهد لك يوم القيامة" (إلا بمسجد وقعت فيه جماعة) أو صلوا فرادى وانصرفوا (فلا يندب فيه رفع الصوت) لئلا يوهموا بدخول صلاة أخرى (ويقيم للفائتة ولا يؤذن في الجديد) أي إذا فاتته المكتوبة فيقيم ولا يؤذن لما روى الشافعي وأحمد "أن النبي (ص) فاته يوم الخندق صلوات فقضاها ولم يؤذن لها (قلت: القديم أظهر والله أعلم) لما روى مسلم أن النبي (ص) لما نام في الوادي هو وأصحابه حتى طلعت الشمس فساروا حتى ارتفعت الشمس ثم نزل فتوضأ وأذن بلالٌ فصلى ركعتين ثم الصبح" وذلك كان بعد الخندق (فإن كان فوائت لم يؤذن لغير الأولى) أي إذا أراد قضاءها متوالية أذن مرة واحدة ولأن النبي (ص) جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين رواه الشيخان (ويندب لجماعة النساء الإقامة لا الأذان على المشهور) لأن الأذان يُخَافُ من رفع المرأة الصوت به الفتنةُ أما الإقامة فلاستنهاض الحاضرين فلا يخشى من رفع الصوت محذور وقيل: يندبان (والأذان مثنى) أي: أغلبه اثنان اثنان إذ التكبير أوله أربع والتشهد آخره واحد (والإقامة فرادى إلا لفظ الإقامة) للحديث المتفق عليه أن النبي أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (ويسن إدراجها) أي إسراعها (وترتيله) أي التأني في الأذان (والترجيع فيه) وهو أن يأتي بالشهادتين سراً قبل أن ياتي بهما جهراً لثبوت ذلك في خبر مسلم عن أبي محذورة (والتثويب في الصبح) وهو الصلاة خير من النوم بعد الحيعلتين روى ذلك أبو داود بإسناد جيد وخُصَّ بالصبح لما يعرض للنائم من التكاسل بسبب النوم ويسن أن يقول في الليلة المطيرة أو المظلمة ذات الريح بعد الأذان: ألا صلوا برحالكم ولو جعله بعد الحيعلتين أو عوضاً عنهما جاز رواه البخاري، (ويسنُّ أن يؤذن قائماً) وعلى عالٍ لأنه أبلغ في الإعلام ولخبر الصحيحين: "قم يا بلال فناد بالصلاة" وأن يكون متوجهاً (للقبلة) فيهما لأها أشرف الجهات وهي المنقولة سلفاً وخلفاً فلو ترك الاستقبال أو القيام مع القدرة أجزأه مع الكراهة ويسن الالتفات بعنقه في حيعلان الأذان والإقامة روى الشيخان عن أبي جحيفة قال: رأيت بلالاً يؤذن فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح ولا يلتفت في قوله: الصلاة خير من النوم (ويجب ترتيبه) الأذان والإقامة للاتباع رواه مسلم وتجب (موالاته) أي موالاة كلمات الأذان والإقامة لأن ترك الموالاة يخل بالإعلام (وفي قول لا يضر كلام وسكوت طويلان) كسائر الأذكار لا يضرها الكلام الكثير خلالها وكذا السكوت (وشرط المؤذن الإسلام) وكذا المقيم فلا يصحان من كافر لأنه ليس أهلاً للعبادة. والتمييز وغير المميز كالطفل والسكران (والذكورة) ولو عبداً أو صبياً مميزاً ولا يصح أذان المرأة ولو لمحارم لها كما لا تصح إمامتها لهم وأذانها للنساء جائز ولا يندب.
ويصح من الأعمى فإن ابن مكتوم كان راتباً وقيل يشترط أن يكون عالماً بالمواقيت والأصح أن لا يشترط إذا عرفها بخبر ثقة فابن مكتوم كان لا يؤذن حتى يُقال له أصبحت أصبحت "رواه البخاري" (ويكره) كل منهما (للمحدث) غير المتيمم لخبر الترمذي "لا يؤذن إلا متوضئ" (وللجنب أشد) لأن حدثه أغلظ (والإقامة أغلظ) لقربها من الصلاة (ويسنُّ صّيتٌ) أي عالي الصوت لزيادة الإعلام (حسن الصوت) لأنه أدعى إلى الإجابة ولقوله (ص) لعبد الله بن زيد ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً" رواه ابو داود وروى الدارمي أن النبي (ص) أمر عشرين رجلاً فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة فعلمه الأذان (عدلٌ) لِيُقْبَلَ خبرةُّ بالوقت (والإمامة أفضل منه في الأصح) لمواظبته (ص) وخلفاؤه عليها ولأن القيام بالشيء أولى من الدعاء إليه واختاره السبكي وقال: إن السلامة في تركها (قلت الأصح أنه أفضل منها والله أعلم) لقوله تعالى: [ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل عملاً صالحاً] فصلت:33 قالت عائشة: هم المؤذنون ولما روى ابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشدِ اللهُ الأئمة واغفر للمؤذنين" فجعل المؤذن أميناً والإمام ضامناً والأمين خير من الضامن (وشرطه الوقت إلا الصبح) لأنه للإعلام بدخول الوقت ولا يحوز قبله اجماعاً لما في ذلك من الإلباس (إلا الصبح فمن نصف الليل) لخبر الصحيحين: عن ابن عمر "إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أمِّ مكتوم – زاد البخاري وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يُقال أصبحت – أصبحت. وحكمته أن الفجر يدخل وفي الناس النائم والجنب فيحتاجوا للوقت ليتهيؤوا للصلاة ولا يشترط أن يطول الفصل بين الأذانين ويندب للأمام الأمر بتسوية الصفوف (وَيُسَنُّ مؤذنان للمسجد) تأسياً برسول الله (ص) فقد روى الشيخان أنه كان للنبي مؤذنان: بلال وابن أمِّ مكتوم ومن فوائد ذلك أن (يؤذن واحد) الصبح (قبل الفجر وآخر بعده) للخبر السابقة (ويسن لسامعه مثل قوله) بأن يأتي بكل كلمة عقب فراغ المؤذن منها لخبر الشيخين: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن وتناولت عبارته الجنب والحائض وقيل لا يجيب الجنب ولا الحائض للأخبار الصحيحة: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر. وكان يذكر الله على كل أحيانه إلا لجنابة (إلا حيعليته) وهي حي على الصلاة حي على الفلاح (فيقول) عقب كل واحدة (لا حول ولا قوة إلا بالله) أي لا عصمة من المعصية ولا قوة على الطاعة إلا بعون الله ولما روى الشيخان "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة" (قلت و في التثويب) في أذان الصبح (فيقولُ صدقتَ وبررت والله أعلم) أي صرت ذا برٍّ ولخبر ورد فيه أو يقول صدق رسول الله (ص): الصلاة خير من النوم (ولكلٍ أن يصلي على النبي (ص) بعد فراغه) أي من لاأذان لخبر مسلم إذا سمعتم المؤذن قولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىَّ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً (ثم) يقول (اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة) السالمة من النقص (والصلاة القائمة) التي ستقوم (آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه الله مقاماً محموداً الذي وعدته) لقول النبي (ص) من قال ذلك حين يسمع النداء حلت له شفاعتي يوم القيامة رواه البخاري: وروى مسلم أن الوسيلة منزلة في الجنة وقيل هي المراد بقوله تعالى: [عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً] الإسراء:79 وهو مقام الشفاعةعند فصل القضاء يوم القيامة. ويسنُّ الدعاء بين الأذان والإقامة لأنه لا يرد كما في الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد فادعوا" رواه الترمذي وحسنه عن أنس.
ويكره للمؤذن وغيره الخروج من محل الجماعة بعد الأذان وقبل أداء الصلاة إلا لعذر ويُسنُ تأخير الصلاة إلى حين يجتمع الناس في العادة إلا في المغرب لشدة الخلاف في وقتها لأنه إذا فعل ذلك أدرك الناسُ فضيلةَ أول الوقتِ.

(فصل في استقبال الكعبة)
(فصل إستقبال القبلة) بالصدر لا بالوجه وليس منها الحِجْرُ والشاذروان لأن ثبوتهما منها ظني (شرط لصلاة القادر) على ذلك بالمعاينة أو المسِّ لقوله تعالى: [فوِّل وجهك شطر المسجد الحرام] البقرة:149 بدليل أن النبي (ص) ركع ركعتين في وجه الكعبة وقال: "هذه القبلة" متفق عليه قال الخطابي: قوله: هذه القبلة معناه أن أمرها استقر على هذه البنية "هذه الكعبة" فلا ينسخ أبداً فصلوا إليها في قبلتكم. وقد يعارضه خبر "ما بين المشرق والمغرب قبلة" رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً وحسنه. قال شريح هو لمن اجتهد فأخطأ وقيل هو لأهل الأمصار الذين لا يعاينون البيت (إلا في) صلاة (شدة الخوف) فيما يباح فيه القتال أو الهرب ونحوه فليس التوجه شرطاً لقوله تعالى: [فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً]. قال ابن عمر: مستقبلي القبلة أو غير مستقبلها. رواه البخاري (وإلا نفل السفر) فلا يجب التوجه إلى الكعبة لحديث جابر كان رسول الله (ص) يصلي على راحلته حيث توجهت به فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة رواه البخاري (فللمسافر التنفل راكباً وماشياً) قياساً على الراكب (ولا يشترط طول سفره على المشهور) لعموم الحاجة مع المسامحة في النفل (فإن أمكن استقبال الراكب في مرقد) كطائرة وسفينة وسيارة كبيرة (وإتمام) الأركان كلها أوبعضها (نحو ركوعه وسجوده لزمه) الاستقبال وإتمام الأركان (وإلا) يمكنه ذلك (فالأصح أنه سهل الاستقبال) كحالة وقوف وسيلة الركوب (وجب) الاستقبال لتيسره (وإلا فلا) فإن صعب التوجه فلا يجب للمشقة واختلال السير (ويختص) وجحوب الاستقبال حيث سهل (بالتحرم) فلا يجب فيما بعده وإن سهل (وقيل يشترط في السلام أيضاً) لأنه ختام الصلاة كالتحرم ويُرَدُّ بأنه يحتاط للانعقاد ما لا يحتاط للخروج ومن ثم وجب اقتران النية بالأول دون الثاني. (ويحرم انحرافه عن طريقه إلا إلى القبلة) لأنها الأصل حتى لو انحرف بركوبه مقلوباً صوب القبلة اغتفر له ذلك ولو انحرفت الدابة بنفسها فلا يضر (ويوميء بركوعه وسجوده) ويكون سجوده (أخفض) من ركوعه (والأظهر أن الماشي يتم ركوعه وسجوده) لسهولة ذلك عليه (ويستقبل فيها وفي احرامه) وجلوسه بين السجدتين (ولا يمشي إلا في قيامه) فسقط عنه التوجه في مشيه لئلا ينقطع سيره (وتشهده) ولو التشهد الأول وسلامه لطوله فيجوز له المشي وله العدو وإركاض الدابة لحاجة تتعلق بسفره كخوف تخلفه عن الرفقة (ولو صلى فرضاً على دابة واستقبل وأتمَّ ركوعه وسجوده وهي واقفة جاز) وإن لم تكن الدابة معقولة كما لو صلى على سرير (أو سائرة فلا) يجوز لنسبة سيرها إليه بدليل جواز الطواف عليها لأن السير منسوب إليه وليس إليها وقالوا يجوز على السرير المحمول من قبل الرجال لثبات سيرهم خلافاً للدابة فإنها لا تثبت على حال ومثل السرير الطائرة إذا ثبت اتجاهها وكذلك السفينة فإن تحولت فجأة بريح أو غيره وجب ردُّ صدره إلى القبلة أما من خاف مشقة من النزول كأنقطاع رفقة أو انشغال عن طائرة تسافر فيصلي عليها بشرط إتمام الأركان وبشرط الاستقبال قال القاضي حسين: ولا إعادة عليه (ومن صلى في الكعبة واستقبل جدارها أو بابها مردوداً أو مفتوحاً مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع) بذراع الآدمي تقريباً وهو قرابة 30 سنتيمتراً (أو على سطحها) صلى فرضاً أو نفلاً (مستقبلاً من بنائها) أو ما ألحق بها كعصا مسمرة أو ثابتة أو بناء عليها أو تراب جمع فوق سطحها (ما سبق جاز) لتوجهه إلى جزء من البيت وإن بَعُدَ الشاخص الملحق بها أكثر من ثلاثة أذرع جاز ذلك لأنه مستقبل بعضها ببعض جسمه ومستقبل هواءها بالبعض الآخر.
(ومن أمكنه علم القبلة) بأن يراها أو أقام الأدلة الثابتة على جهتها (حرم عليه التقليد) أي الأخذ بقول مجتهد لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً (والاجتهاد) كمجتهد وجد النصَّ ومثله الحاكم الذي يرى نصاً بالحكم فلا يجتهد بخلافه أما إذا حال بينه وبين البيت حائل منع المشاهدة جاز له الاجتهاد ومحله إذا فقد المخبر عن علم فإن وُجد فهو مقدم على الاجتهاد ولا يجوز الاجتهاد في محاريب المسلمين التي نشأ بها المسلمون قروناً وإن صغرت قواهم ومدنهم أو خربت إذا سلمت من الطعن لأنه إنما نصبت بوجود جمع من أهل المعرفة بالأدلة إلا انحرافاً صغيراً تيامناً أو تياسراً فيجوز إذ لا يبعد الخطأ بخلافه في الجهة ولا يجوز ذلك في محراب النبي (ص) لأنه لا يُقَرُّ على خطأ وأصل المحراب صدر المجلس (وإلا أخذ بقول ثقة) مقبول الرواية ولو امرأة لا كافر قطعاً ولا فاسق (يخبر عن علم) كقوله هذه الكعبة أو قوله لقد رأيت المسلمين يصلون لهذه الجهة ويجب عليه السؤال عمن يخبره بذلك للحاجة (فإن فقد) الثقة الذي يخبر عن علم (وأمكنه الاجتهاد) لعلمه بأدلة القبلة وهي كثيرة أضعفها الرياح لعدم استقرارها ومنها الساعات وأجهزة تحديد القبلة (حرم التقليد) لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً بل يجتهد (فإن تحير) لنحو غيم أو تعارض أدلة (لم يقلد في الأظهر وصلى كيف كان) لحرمة الوقت (ويقضي) وجوباً إن ظهرت له القبلة بعد الوقت لأنه نادر ويؤدي إن ظهرت له القبلة في الوقت (ويجب تجديد الاجتهاد لكل صلاة) فريضة أو منذورة (تحضر على الصحيح) أي يدخل وقتها سعياً في إصابة الحق ما أمكن وقيل لا يجب لاستمرار الظن الأول (ومن عجز عن الاجتهاد وتَعَلُّم الأدلة قلد) وجوباً (ثقة عارفاً) لقوله تعالى: [فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون] النحل:43 فالعامي في الأحكام يقلد مجتهداً فيها فإن اختلف عليه مجتهدان قلَّدَ أعلمهما وأوثقهما (وإن قدر) على تعلم الأدلة (فالأصح وجوب التعلم) عند إرادة السفر ولا مساجد في طريقه أو مقصده لكثرة الاشتباه أما في الحواضر فلا يجب ذلك لأن الأدلة منصوبة (فيحرم التقليد) ضاق الوقت أو اتسع ويجب عليه الإعادة والثاني لا يجب عليه التعلم بخصوص ذاته بل هو فرض كفاية فيجوز له التقليد ولا يقضي ما يصليه (ومن صلى بالاجتهاد فتيقن الخطأ) في جهة ولو يمنة أو يسرة برؤية البيت أو محراب أو إخبار ثقة (قضى في الأظهر) الحاكم يجد النص بخلاف حكمه فينقض الحكم (فلو تيقنه فيها وجب استئنافها) أي الصلاة لعدم الاعتداد بما مضى (وإن تغير اجتهاده) ثانية (عمل بالثاني) وجوباً لأنه الصواب في ظنه سواءً أكان في الصلاة أم لا (ولا قضاء) لما فعله أولاً لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد والخطأ غير مؤكد (حتى لو صلى) صلاةً عدد ركعاتها أربعة وكانت الصلاة (أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد) لحصول الشرط المتقدم بتغير الاجتهاد (فلا قضاء) لأن كل ركعة مؤداةٍ باجتهاد ولم يتعين فيها الخطأ فإن تساوى اجتهاد في جهتين أو أكثر تحير إذ لا مزّية لإحداهما على الأخرى.

(باب صفة الصلاة)
أي كيفيتها وتشتمل على فروض داخلة في أعمالها وتسمى أركاناً وفروض خارجةٌ عنها وتسمى شروطاً كما تشتمل على أبعاضٍ وهي السنن المجبورة بسجود السهو وعلى هيئات وهي السنن التي لا تحتاج إلى سجود سهو (أركانها ثلاثة عشر) على اعتبار أن الطمأنينة في محالها الأربعة صفة تابعة للركن وقال في الروضة: أركانها سبعة عشر بناءً على أن الطمأنينة ركن مستقلٌ أحدها (النية) وقيل أنها شرطٌ لأنها قصد الفعل والقصد خارج عن الفعل والأصل فيها قوله تعالى: [وما أمرو إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين] البينة:15 قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم النية وقوله (ص): "إنما الأعمال بالنيات" (فإن ملى فرضاً) أي أراد صلاته (وجب قصد فعله) وهو العزم على فعله من حيث كونه صلاة لتتميز عن غيرها من الأفعال (وتعينه) من ظهر أو عصر (والأصح وجوب نية الفرضية) في مكتوبة وصلاة نذر لتتميز الصلاة عن النفل وعن الصلاة المعادة في وقت الظهر حيث الأولى هي الفرض (دون الإضافة إلى الله تعالى) فالصلاة لا تكون إلا له وقيل تجب لتحقق معنى الإخلاص وخروجاً من خلاف من أوجبه.
تنبيه: لا ينافي اعتبار التعيين أنه قد ينوي القصر ويتم لظهور أن إمامه مقيم وينوي الجمُعَةَ ويصلي الظهر لخروج وقتها لأنه هنا باعتبار ذات الصلاة وصلاته غير ما نواه ثم باعتبار عارض اقتضاه.
والأصح (أنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه) إذا عذر بنحو غيم أو قصد المعنى اللغوي إذ كل يطلق على الآخر لغة واستنبط البارزي الحموي في هذه القاعدة أنه من صلى عشرين سنة الصبح قبل وقتها فإنه يقضي واحدة فقط إن لم يتعمد ولا تجب نية الأداء والقضاء فيكفي نية صلاة الظهر مثلاً بل تسنّ حيث تنصرف إلى المؤَاداة وقيل يجب التعرض لنية القضاء دون الأداء لأن الأداء يتميز بالوقت دون القضاء (والنفل ذوالوقت أو السبب كالفرض فيما سبق) من اشتراط قصد الفعل وتعيينها إما بما اشتهرت به كالتراويح والضحى والوتر سواء أصلاها واحدة أو أزيد أو بالإضافة كعيد الفطر وخسوف القمر وسنة الظهر القبلية وإن قدمها أو البعدية.
تنبيه: الوتر صلاة مستقلةٌ فلا يضاف إلى العشاء فإن أوتر بواحدة أو أكثر ووصل نوى الوتر وإن فصل نوى بالواحدة الوتر ويتخير من غيرها بين نية صلاة الليل أو نية سنة الوتر أو ركعتين من الوتر وغاية الوتر إحدى عشرة ركعة (وفي نية النفلية وجهان) قيل تجب كالفرض وقيل لا (قلت: الصحيح لا تُشْتَرطُ نية النفلية والله أعلم) بخلاف الفرض فإنها قد تكون فرضاً وقد تكون معادة ولا يضر الخطأ باللفظ إذا علم وقت الصلاة التي يؤديها إلا إذا كان متعمداً فإنه يبطلها (ويكفي في النفل المطلق) وهو ما لا يتقيد بوقت أو سبب (نية فعل الصلاة) لأن النفل أدنى درجات الصلاة (والنية بالقلب) بالإجماع لأن النية قصد الفعل (ويندب النطق قبيل التكبير) بالمنوي ليساعد اللسان القلب وخروجاً من خلاف من أوجه وإن شذَّ وقياساً على الحج (الثاني: تكبيرة الإحرام) لخبر أبي داود والترمذي عن علي بسند صحيح "مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" مع قوله للمسيء صلاته في الخبر المتفق عليه "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطئن ساجداً ثم ارفع حتى تستوي قائماً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه الشيخان عن رفاعة بن رافع بن مالك.
(ويتعين على القادر الله أكبر) النطق بها للاتباع مع خبر البخاري عن مالك بن الحويرث "صلوا كما رأيتموني أصلي" أي علمتموني إذ الأقوال لا ترى فلا يكفي الله كبير ولا تسكين الرحمن أكبر ويسنُّ جزم الراء وليس بواجب وحديث التكبير جزٌم لا أصل له (ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم) أي اسم التكبير إن كانت بعده مطلقاً (كالله) أكبر من كل شيء وكالله (الأكبر) لأنها مفيدة للمبالغة في التعظيم بإفادتها حصر الكبرياء والعظمة بسائر أنواعها في الله تعالى ومع ذلك هي خلاف الأولى (وكذا الله الجليل أكبر) أو عز وجل (أكبر في الأصح) لأنها زيادة يسيرة بخلاف الطويلة (لا أكبر الله على الصحيح) لأنه لا يسمى تكبيراً (ومن عجز) عن النطق بالعربية (ترجم) عنه وجوباً بأي لغة شاء ولا يعدل لذكر آخر(ووجب التعلم إن قدر) عليه ولو بسفر إن وجد مؤنته (ويسن) للمصلي (رفع يديه في تكبيره) الذي للتحرم إجماعا (حذو منكبيه) لحديث ابن عمر "أنه (ص) كان يرفع يديه خذو منكبيه إذا افتتح الصلاة" متفق عليه والصفة في ذلك أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه للاتباع الوارد في طرق صحيحة متعددة لكنها مختلفة الظواهر فجمع الشافعي بين هذه الآثار ويسن كشف يديه ونشر أصابعه وتفريقهما تفريقاً وسطاً (والأصح) في وقت الرفع أن يكون (رفعه مع ابتدائه) أي رفع يديه مع ابتداء التكبير لحديث ابن عمر "أنه (ص) كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة" متفق عليه. والأفضل أن يكون انتهاؤهما "التكبير والرفع" معاً ولا يضر انتهاء أحدهما قبل الآخر (ويجب قرن النية بالتكبير) أي تكبيرة الإحرام لأن النية هي أول الأركان على أن يستحضر في النية كل مُعْتبَّر في صلاته كالقصر والإمامة والجمعة والقدوة مع عدم المنافي للصلاة كالتردد في الخروج منها أو الاستمرار فيها ولا يتعلق قطعها بحدوث شيء (الثالث) من الأركان (القيام في فرض القادر) ولو بمعين لخبر البخاري عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي (ص) عن الصلاة فقال: "صلِ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب زاد النسائي فإن لم تستطع فمستلقياً [لا يكلف الله نفساً إلا وسعها] وخرج بالفرض النفلُ وراكب السفينة إذا خشى نحو دوار في رأسه إذا قام والغزاة وأهل الكمائن في الجهاد إذا خافوا أن يراهم العدو إذا قاموا فيفسد تدبيرهم وأيضاً سلس لا يستمسك بوله إلا قاعداً (وشرطه) أي لقيام الاعتماد علي قدميه أو أحدهما و (نصب فقاره) وهو مفاصل الظهر لأن اسم القيام لا يوجد إلا معه ولا يضر استناده إلى ما لو زال لسقط (فإن وقف منحنياً) إلى الأمام أو الخلف بأن يعيد إلى أقل الركوع أقرب (أو مائلاً) ليمينه أو يساره (بحيث لا يسمى قائماً) عرفاً (لم يصح) لتركه الواجب بلا عذر (فإن لم يطق) انتصاباً (وصار كالراكع) لكبر وغيره (فالصحيح أنه يقف كذلك) هلى هيئته وجوباً لقربه من الانتصاب لقول النبي (ص) في الحديث الصحيح: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (ويزيد) وجوباً (انحناؤه لركوعه إن قدر) على الزيادة تميزاً بين الركوع والسجود (ولو أمكنه القيام دون الركوع والسجود) لعلة بظهره تمنعه الانحناء (قام وفعله) أي الركوع والسجود (بقدر إمكانه) فيحني قدر إمكانه صلبه ثم رقبته ثم رأسه ثم طرفه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور ولو أمكنه الركوع فقط كرره عن الركوع والسجود (ولو عجز عن القيام) بأن لحقته مشقة ظاهرة أو شديدة (قعد كيف شاء) إجماعاً ولا ينقص ثوابه لعذره (وافتراشه أفضل من تربعه) لأنه المعهود في الصلاة وأفضل من توركه أيضاً لأن التورك معهود في التشهد الأخير فقط وقيل إن التربع للمرأة أفضل لأنه الأستر لها (ويكره) الجلوس ماداً رجليه و(الإقعاء) هنا وفي جميع قعدات الصلاة لما أخرج ابن ماجة وغيره عن أنس أن النبي (ص) "نهى عن الإقعاء في الصلاة ونهى عن التورك" (بأن يجلس على وركيه ناصباً ركبتيه) وهو أن يُلصِقَ الرَّجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه وهو ما تسميه العرب الاحتفاز والاستيفاز زاد أبو عبيد ويضع يديه على الأرض وهو قول أهل اللغة أما الفقهاء فيقولون أن يضع يديه على ركبتيه ومن الإقعاء ما هو محمود وهو أن يلصق بطون رجليه بالأرض ويضع رجليه على عقبيه لخبر مسلم الإقعاء سنة نبينا (ص) قال الشافعي وهو مندوب بين السجدتين وفي كل جلوس قصير كجلسة الاستراحة (ثم ينحني لركوعه بحيث تُحاضي جبهته ما قدام ركبتيه) أي تقابل جبهته ما أمام ركبتيه وهو أقل الركوع (والأكمل أن تحاذي) جبهته (ووضع سجوده) وركوع القاعد في النفل كذلك قياساً على أقل ركوع القائم وأكمله أن يحاذي قريباً من محل سجوده (فإن عجز عن القعود صلى لجنبه) مستقبلاً القبلة بوجهه ومقدم بدنه (فإن عجز) عن الجنب (فمستلقياً) على ظهره وأخمصاه للقبلة ولابد من وضع نحو وسادة تحت رأسه ليستقبل بوجهه القبلة ويركع ويسجد بقدر إمكانه.
تنبيه: لو قدر في أثناء صلاته على القيام أو القعود أتى بالمقدور وبنى على قراءته.
(وللقادر) على القيام (التنفل قاعداً) بالإجماع (وكذا مضطجعاً) والأفضل على جنبه الأيمن لحديث البخاري عن عمران "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وصلاة النائم "أي المضجع" على النصف من صلاة القاعد" ويلزمه أن يقعد للركوع والسجود أو يومئ بهما.
(الرابع القراءة) للفاتحة (ويسن بعد التحرم) لفرض أو نفل (دعاء الافتتاح) إلا لمن أدرك الأمام في غير القيام أو خشى ضياع الفاتحة إن قرأ دعاء الافتتاح وورد فيه أدعية مشهورة وأفضلها "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت لقوله تعالى: [فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم] النحل:98، والرجيم هو المطرود، وقيل المرجوم بالشهب، وأفضل صيغ التعوذ "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ويسرهما) وأنا من المسلمين" رواه مسلم عن علي (ثم التعوذ) قبل القراءة أي الافتتاح والتعوذ (ويتعوذ في كل ركعة على المذهب) لابتداء قراءة جديدة (والأولى آكد) أي الاستعاذة في الركعة الأولى أكد منها في الركعات الأخرى (وتتعين الفاتحة في كل ركعة) في قيامها بأن يقرأها حفظاً أو من مصحف أو تلقيناً لخبر الشيخين عن عبادة "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب" وأما قوله تعالى: [فاقرأوا ما تيسر من القرآن] المزمل:20 فوارد في قيام الليل (إلا ركعة مسبوق) فإنها لا تتعين وإن وجبت عليه لأن الإمام يتحملها عنه (والبسملة آية منها) لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف مع تحريهم تجريده عما ليس بقرآن والأخبار منها أنه (ص) قرأ بفاتحة الكتاب فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية رواه الشافعي عن أبي مليكة عن أم سلمة. وروى البيهقي وابن خزيمة والدار قطني عن أم سلمة أنه (ص) قرأ القرآن فبدأ بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" فعدها آية ثم قرأ "الحمد لله رب العالمين" فعدها ست آيات وروى الدارقطني عن أبي هريرة: "إذا قرأتم فاتحة الكتاب فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أمُّ القرآن والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها".
(وتشديداتها) هيئات لحروفها والشدة حرفان أولهما ساكن وعدد التشديدات أربع عشرة منها ثلاث في البسملة ولو شدد المخفف أساء وتعمد ترك التشديد مبطل للصلاة. (ولو أبدل ضاداً بظاء) أي أتى بالظاء بدل الضاد (لم تصح في الأصح) لتغييره النظم إذا معنى ضلَّ غاب وظلّ يفعل كذا استمر يفعله والعاجز عن التمييز يجزئه مع الإبدال قطعاً والمتعمد لا يجزئه قطعاً بل تبطل صلاته به والثاني تصح لعسر التمييز بين الحرفين على كثير من الناس. وقيل الأصح أن يقول ولو أبدل ظاءً بضاد لأن الباء تدخل على المأخوذ لا على المتروك قال الطفيل بن عمرو الدوسي لما أسلم زمن النبي (ص) فألهمني هداي الله عنه وبدل طالعي نحسي بسعدي (ويجب ترتيبها) بأن يأتي بها على نظمها المعروف للاتباع ولأنه مناط الأعجاز (وتجب موالاتها) بأن يصل الكلمات بعضها ببعض ولا يفصل إلا بقدر التنفس للاتباع ولخبر "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه الشيخان عن مالك بن الحويرث (فإن) فصل بأكثر من سكتة التنفس سهواً أو لتذكر الآية وإن طال لم يضر وكذلك لو كرر آية في محلها و(تخلل ذكر) أجنبي لا يتعلق بالصلاة كالحمد للعطاس والفتح على غير الإمام (قطع الموالاة) وإن قلَّ لإشعاره بالإعراض عن الصلاة وإن كان ذلك عمداً أما عنَد السهو والجهل لم يقطعها (فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه) إذا سكت بقصد القراءة وكسجوده معه لتلاوة وكسؤال رحمة أو استعاذة من عذاب عند قراءة إمامه آيتيهما.
ويجب التنبيه: إلى أن الفتح على الإمام يكون إذا توقف الإمام لتلقينه الآية أما إذا ما زال يردد التلاوة فلا يفتح عليه ولا يقطع المولاة سكوتٌ يسير للتفكر والتذكر (في الأصح) (ويقطع) المولاة (السكوت) العمد (الطويل) وهو ما يشعر مثله بقطع القراءة (وكذا يسير قصد به قطع القراءة في الأصح) لتأثير الفعل مع النية كنقل المُودع الوديعة بنية الخيانة فإنه يضمن تلفها وإن لم يضمن بأحدهما فقط وإذا شك قبل الركوع هل قرأ الفاتحة أما لا لزمه قراءتها أو بعد الركوع فلا (فإن جهل الفاتحة) لعدم معلم أو مصحف أو بلادة أو إهمال (فسبع آيات) يقرأ بهن بدلاً عن الفاتحة إن أحسنها لأن هذا العدد ثابت في قوله تعالى: [ولقد آتيناك سبعاً من المثاني] الحجر:87. فيراعى هذا العدد في بدل الفاتحة ولا يجوز له أن يترجم عنها لقوله تعالى: [إنا أنزلناه قرأناً عربياً] يوسف:2 فدل على أن العُجْم ليست بقرآن ولا يكون التعبد إلا بالقرآن ومن هنا جاز ترجمة النية والتشهد والتسليمة لأنها ليست بقرآن (متوالية) لأنها أشبه بالفاتحة ولمراعاة نظم القرآن (فإن عجز فمتفرقة) لأنه المقدور عليه (قلت الأصح المنصوص) في الأمِّ (جواز المتفرقة) من سورة أو سور وإن لم تفد معنىً منظوماً (مع حفظه متواليةً والله أعلم) كما في قضاء رمضان ولحصول قراءة القرآن (فإن عجز أتى بذكر) متنوع لما روى ابن حبان وغيره أن رجلاً جاء إلى النبي (ص) فقال: "يا رسول الله إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلمني ما يجزيني عن القرآن" وفي لفظ الدارقطني "فعلمني ما يجزيني في صلاتي قال: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولاحول ولا قوة إلا بالله" ويجزئ الدعاء المتعلق بالآخرة فإن عجز فما تعلق بالدنيا والآخرة (ولا يجوز نقض البدل) من قرآن أو ذكر (عن الفاتحة) وهي الفاتحة وكلماتها وتشديداتها (في الأصح) كما لا يجوز النقص عن عدد آياتها وهي سبعة (فإن لم يحسن شيئاً) من قرآن وغيره وعجز عن التعلم (وقف) وجوباً (قدر الفاتحة) أي مدة قرائها المعتدلة (ويسن عقب الفاتحة) لقارئها ولو خارج الصلاة آمين مع سكتة لطيفة بينهما تمييزاً لها عن القرآن لما روى وائل بن حُجْر قال: "صليت خلف النبي (ص) فلما قال: "ولا الضآلين" قال: "آمين" ومدّ بها صوته" رواه الترمذي وأبو داود وصححه الدارقطني ولما روى البخاري عن أبي هريرة: "إذا قال الإمام: "ولا الضآلين" فقولوا: "آمين" فإن من وافق قوله قول الملائكة –أي في الزمن وقيل في الإخلاص- غفر له ما تقدم من ذنبه" وروى البيهقي عن عائشة: "حسدنا اليهود على القبلة والجمعة وقولنا خلف الإمام: "آمين" (خفيفة الميم بالمد) وهي اسم فعل مبني على الفتح بمعنى استجب ويسكن عند الوقف (ويجوز القصر) مع تخفيفها لأنه لا يخل بالمعنى وقيل: يجوز التشديد مع المد ومعناها قاصدين (ويؤمن مع تأمين إمامه) للخبر السابق وليوافق تأمينه تأمين الملائكة (ويجهر به في الأظهر) أي التأمين للاتباع وروى ابن ماجة عن أبي هريرة: "كان رسول الله (ص) إذا أمّنَ أمّنَ منْ خلفَهُ حتى أن للمسجد ضجةً" وكذا روى البخاري عن عطاءٍ أن ابن الزبير كان يؤمّن هو ومن وراءه بالمسجد الحرام حتى أن للمسجد لَلَجَّة" أي اختلاط أصوات وح عن عطاء أنه قال: "أدركت مئتين من صحابة رسول الله إذا قال الإمام: "ولا الضآلين" رفعوا أصواتهم بآمين (ويسن سورة بعد الفاتحة في غير فاقد الطهورين وصلاة الجنازة إلا) في (الثالثة) من المغرب (والرابعة في الأظهر) لثبوته عن فعل النبي (ص) يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية (قلت: فإن سُبق بهما) أي أدرك الثالثة والرابعة مع الإمام وهما الأوليان من صلاة نفسه ولم يتمكن من قراءة السورة فيهما (قرأها فيهما) أي بعد تسليم إمامه (على النص والله أعلم) لئلا تخلو صلاته من السورة بلا عذر وإنما قضى السورة دون الجهر لأن السنة آخر الصلاة ترك الجهر وليست كذلك في السورة (ولا سورة للمأموم) الذي يسمع صوت الإمام في صلاة جهرية (بل يستمع) لقراءة إمامه قال تعالى: "[وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له] وقال (ص): إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بأم القرآن" (فإن بَعُد) المأموم أولم يسمعها أو سمع صوتاً لا يميز حروفه (أو كانت سرية قرأ في الأصح) لفقد السماع الذي هو سبب النهي ولا معنى لسكوته أما إذا جهر الإمام بالسرية فليستمع المأموم (ويسن للصبح والظهر طوال المفصل) للخبر الصحيح الدال على ذلك (وللعصر والعشاء أوساطه وللمغرب قصاره) لخبر النسائي في ذلك والمفصّل المبين المميز قال تعالى: [كتاب فصلت آياته] أي جعلت تفاصيل في معانٍ مختلفة من وعدٍ ووعيد وحلالٍ وحرام وغير ذلك وسمي المفصل كذلك لكثرة الفصل بين سوره، وطوال المفصل من الحجرات إلى عَمَّ وأوساطه من عَمَّ إلى الضحى وقصاره منها إلى آخر القرآن (ولصبح الجمعة الم ( ) تنزيل وفي الثانية هل أتى) بكمالهما لثبوته عن النبي (ص) رواه الشيخان عن أبي هريرة قال الفارقيُّ: "ولو ضاق الوقت عنهما أتى بالممكن" والمسافر يسن له في صبح الجمعة وغيرها الكافرون ثم الإخلاص إيثاراً للتخفيف وللاتباع.
فرع: تسن سكتة يسيرة بقدر سبحان الله بين التحرم ودعاء الافتتاح وبينه وبين التعوذ وبينه وبين البسملة وبين آخر الفاتحة وآمين وبين آمين والسورة وبين آخر السورة وتكبيرة الركوع، ويندب للإمام أن يسكت في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة إذا علم أنه يقرؤها في سكتته والسنة أن يقرأ على ترتيب المصحف لأن تغيير الترتيب يزيل بعض أنواع الإعجاز قال الحليمي: "خلط سورة بسورة خلاف الأدب ويسن وصل البسملة بالحمد للإمام قاله في المجموع وألا يقف على "أنعمت عليهم" لأنه ليس بوقف ولا منتهى آية (الخامس ركوع) لقوله تعالى: [اركعوا] ولحديث المسيء صلاته وللإجماع (وأقله أن ينحني قدر بلوغ راحتيه ركبتيه) مع اعتدال خلقته وسلامة ركبتيه ويديه لما روى البخاري وغيره عن ابن حميد الساعدي "أنه (ص) كان ينحني حتى تنال راحتاه ركبتيه (بطمأنينةٍ) لما أخرج ابن حبان أن رسول الله (ص) قال للأنصاري الذي جاء يسأل عن الصلاة: "إذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك ثم فَرِّج بين أصابعك ثم امكث حتى يأخذ كل عضو مأخذه" (بحيث ينفصل رفعه عن هويه) أي سقوطه فلا تقوم زيادة الهويِّ مقام الطمأنينة (ولا يقصد به غيره) اي لا يقصد بالهوي غير ركوع (فلو هوى لتلاوةٍ) أو أخذ شيءٍ (فجعله) عند بلوغه حد الركوع (ركوعاً لم يكف) بل يلزمه أن ينتصب ثم يركع لصرفه هويه لغير الواجب فلم يقم عنه وكذا سائر الأركان ولو شك وهو ساجد هل ركع لزمه الانتصاب ثم الركوع لأن الركوع لا يكون إلا من قيام (وأكمله لتسوية ظهره وعنقه) بأن يمدها حتى يصيرا كالصفيحة الواحدة لما روى الإمام مسلم: "كان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه ولم يصّوبه" (ونصب ساقيه وأخذ ركبتيه بيديه) لما روى أبو داود عن أبي حميد: "كان (ص) يمسك راحتيه على ركبتيه كالقابض عليهما ويفرج بين أصابعه (وتفريق أصابعه للقبلة) لأنها أشرف الجهات أي احترز بذلك عن أن يوجه أصابعه لغير القبلة من يمنة أو يسرة (ويكبر في ابتداء هويه) للركوع (ويرفع يديه كإحرامه) قال البخاري: "الرفع لليدين عند الركوع رواه سبعة عشر من الصحابة ولم يثبت عن أحدٍ منهم عدم الرفع" (ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً) لما روى الشافعيُّ وأبو داود وابن ماجه أن النبي قال: "إذا ركع أحدكم فقال: سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقد تم ركوعه" ولما روى أبو داود وغيره من حديث عقبة بن عامر لما نزلت [فسبح باسم ربك العظيم] الواقعة:74 قال: "اجعلوها في ركوعكم" فلما نزلت: [سبح اسم ربك الأعلى] قال: "اجعلوها في سجودكم" وزاد أبو داود "كان إذا ركع قال: "سبحان ربي العظيم وبحمده" وأقل التسبيح في الركوع واحدة وأكمله إحدى عشرة والثلاثة أدنى الكمال (ولا يزيد الإمام) على الثلاث (ويزيد المنفرد) ما شاء ومثله إمام محصورين أي بالعدد رضوا بالتطويل كما يدعو ("اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي") رواه مسلم عن علي وتكره القراءة في غير القيام للنهي عنها ولا تبطل بها الصلاة عمداً أو سهواً ويستحب الإكثار من الدعاء في الركوع والسجود لما روى الشيخان "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (السادس الاعتدال قائماً مطمئناً) للخبر الصحيح: "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" وفي رواية صحيحة: "فإذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها" ورواية أخرى: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره" (ولا يقصد غيره فلو رفع فزعاً من شيءٍ لم يكف) كما مرّ في الركوع إلا إذا شك في الفاتحة فقام ليقرأها ثم تذكر أنه قرأها فقد أجزأه ذلك (ويسن رفع يديه) حذو منكبيه كما في التحرّم (مع ابتداء رفع رأسه قائلاً سمع الله لمن حمده) أي تقبل ويسن للإمام والمبلغ الجهر به لأنه ذكر الانتقال روى الإمام مسلم وأحمد وغيرهما عن عبد الله بن أبي أوفى: أن النبي كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت بعدُ" (فإذا انتصب قال:) كلٌّ من الإمام والمنفرد والمأموم سرّاً (ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعدُ) أي بعد السماوات والأرض كالعرش والكرسي وغيرهما مما لا يحيط به إلا علم علام الغيوب، ويجوز في ملء الرفع على الصفة والنصب على الحال (ويزيد المنفرد) وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل سراً (أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذو الجدِّ) بفتح الجيم أي صاحب الغنى أو الحظ أو الشرف (منك الجد) أي لا ينفع عنك جَدُّه وإنما الذي ينفعه رضاك ورحمتك وروي الجد بالكسر أيضاً ويعني الاجتهاد والدأب في العمل رواه الشيخان (ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح) لما روى الدار قطني أن النبي (ص) قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم ترك فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، قال الحافظ ابن حجر رواه الدارقطني من حديث عبد الله بن موسى عن أنس ورواه أحمد عن عبد الرزاق ورواه البيهقي عن حديث عبيد الله بن موسى وصححه الحاكم في كتاب القنوت وأول الحديث في الصحيحين من طريق عاصم الأحول عن ابن عباس وأما باقيه فلا. ورواية عبدالرزاق أصح من رواية عبيد الله بن موسى ولفظه عن الربيع بن أنس قال: "قال رجل لأنس ابن مالك: أقنت رسول الله شهراً يدعو على حي من أحياء العرب؟ قال: فزجره أنس وقال: ما زال رسول الله يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا أخرجه الطحاوي بلفظه في شرح معاني الآثار والبغوي - في شرح معاني السنة- (وهو: أي القنوت اللهم اهدني فيمن هديت إلى آخره) أي وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت، قال البيهقي: حديث صحيح ورواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة (والإمام يقنت بلفظ الجمع) يسن له ذلك للخبر الصحيح الذي رواه البيهقي بلفظ الجمع وللنهي عن تخصيص الإمام نفسه بالدعاء وأنه إن فعل فقد خانهم رواه الترمذي وحسنه، ونقل ابن المنذر عن الإمام الشافعي أنه قال: "لا أحب للإمام تخصيص نفسه بالدعاء دون القوم" وذكر ابن القيم: "أن أدعية النبي كلها بالإفراد ولم يذكر الجمهور التفريق بين الإمام وغيره إلا في القنوت وكأن الفرق بين القنوت وغيره أن الكل مأمورون بالدعاء بخلاف القنوت فإن المأموم يؤمن فقط أ.هـ" (والصحيح سنُّ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره) لصحته في قنوت الوتر الذي علمه النبي (ص) الحسن بن علي رضي الله عنه وقيس به قنوت الصبح (ورفع يديه) فيسن رفع يديه في جميع القنوت للاتباع رواه البيهقي بإسناد جيد وفي سائر الأدعية رواه الشيخان وأما في الاستسقاء فيسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء لأنه يريد رفع البلاء (ولا يمسح وجهه) أي لا يسن له مسح وجهه بيديه بعد انتهاء الدعاء والخبر الوارد في ذلك واهٍ في جميع طرقه، وقال ابن عبد السلام: "أما مسح الوجه فلا يفعله إلا جاهل" ونهى عنه (وأن الإمام يجهر به) للاتباع رواه البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي (ص): كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد يجهر بذلك". (وأنه يؤمن المأموم للدعاء) لما روى أبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس: "كان النبي (ص) يقنت ونحن نؤمن خلفه" (ويقول الثناء) سراً وهو فإنك تقضي ولا يقضى عليك وأنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت بيدك الملك تباركت ربنا وتعاليت (إن لم يسمعه قنت) لبعد المأموم عن الإمام أو لصمم في المأموم ويقنت سراً (ويشرع القنوت في سائر المكتوبات النازلة) العامة والخاصة التي في معنى العامة لعود ضررها على المسلمين كوباء وطاعون وقحط ومطر مضر وغلبة عدوّ وأسر مسلم وقتل عالم لما روى الشيخان أنه قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة ولا قنوت في صلاة العيدين والاستسقاء وكافة النوافل (لا مطلقاً على المشهور) فلا يسنُّ لغير نازلةٍ لعدم وروده لغير النازلة، وفارقت الصبح غيرها لشرفها (السابع) من الأركان (السجود) مرتين في كل ركعة لقوله تعالى: (اركعوا واسجدوا) ولخبر المسيء صلاته (وأقله مباشرة بعض جبهته مصلاهُ) لما روى ابن حبان في صحيحه: "إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقراً" ولما روى البيهقي وغيره عن خباب: "شكونا إلى رسول الله (ص) حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا" أي لم يزل شكواهم وهذا يدل على وجوب كشف الجبهة أثناء السجود، (فإذا سجد على متصل به جاز إن لم يتحرك بحركته) لأن غير المتحرك حكمه حكم الشيء مستقراً كما أفاده خبر (مكن جبهتك) وإذا سجد على عصابة جُرْحٍ أو نحوه بأن شق عليه ازالتها لم يلزمه الإعادة للعذر وإذا غطى المتحرك بعض الجبهة والبعض الآخر مكشوف أجزأه السجود على المكشوف (ولا يجب وضع يديه وركبتيه وقدميه في الأظهر) لأن الجبهة هي المقصودة بالوضع ولأنه لو وجب وضع غيرها لوجب الإيماء به عند العجز قال تعالى: [سيماهم في وجوههم من أثر السجود] وقال (ص): "إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض" (قلت الأظهر وجوبه والله أعلم) للخبر المتفق عليه أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وذكر الجبهة وأشار بيده إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين وإنما لم يجب الإيماء بها عند العجز وتقريبها من الأرض كالجبهة لأن معظم السجود على الجبهة وهي غاية في الخضوع دون غيرها من الأعضاء (ويجب أن يطمئن وينال مسجده: نقل رأسه) لحديث المسيء صلاته وللخبر السابق "فمكن جبهتك من الأرض" وذلك لأن يتثاقل برأسه على الأرض وهذا يدل على أن الجبهة وحدها هي التي يجب تمكينها من الأرض (وأن لا يهوى لغيره) أي لغير السجود نظير ما مرَّ في الركوع (فلو سقط لوجهه) أي على وجهه قهراً (وجب العود إلى الاعتدال) مع الطمأنينة ليهوى من اعتدال، نعم لو سقط أثناء الهوي على جبهته أو على جنبه فاعتدل ومكن جبهته دون القيام أجزأه (وأن ترتفع أسافله) أي عجيزته وما حولها (على أعاليه) وهي جبهته (في الأصح) لما روى أحمد وأصحاب السنن وصحح ابن حبان "كان إذا سجد بسط كفيه ورفع عجيزته وخوى" أي مال. نعم من به علة لا يمكنه معها ارتفاع أسافله يسجد إمكانه إلا أن يمكنه وضع نحو وسادة ويحصل التنكيس فيجب (وأكمله) السجود أن (يكبر لهويه بلا رفع) ليدين رواه البخاري (ويضع ركبتيه ثم يديه ثم جبهته وأنفه) رواه أبو داود وغيره عن مصعب بن سعد وحسنه الترمذي ولو اقتصر على الجبهة دون الأنف أجزأه مع الكراهة (ويقول) بعد ذلك الإمام والمأموم والمنفرد (سبحان ربي الأعلى ثلاثاً) كما مرّ في الركوع ويزيد عليه (المنفرد) وإمام قوم رضوا بالتطويل (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين) رواه مسلم عن علي (ويضع يديه حذو منكبيه) أي مقابل منكبيه رواه أبو داود وصححه (وينشر أصابعه مضمومة للقبلة) رواه البخاري (ويفرق) الذكر (ركبتيه) وبين قدميه قدر شبر (ويرفع بطنه عن فخذيه ومرفقيه عن جنبيه في ركوعه وسجوده) رواه أحمد وغيره بسند صحيح (وتضم المرأة والخنثى) ندباً بعضها إلى بعض وتلصق بطنها بفخذيها في جميع الصلاة لأنه أستر لها (الثامن: الجلوس بين سجدتيه مطمئناً) ففي الصحيحين إذا رفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالساً (ويجب أن لا يقصد برفعه غيره) فلو رفع لخوف أو ألم أعاد (وأن لا يطوله ولا الاعتدال) لأنهما ركنان قصيران غير مقصودين لذاتهما (وأكمله يكبر) بلا رفع يديه (ويجلس مفترشاً) رواه الترمذي لأن جلوسه يعقبه حركة (واضعاً يديه) على فخذيه (قريباً من ركبتيه) بحيث تسامت رؤوس أصابعه ركبتيه ولا بأس بإنعطاف رؤوسها على الركبة (وينشر أصابعه) مضمومة للقبلة كما ورد في السجود (قائلاً: ربِّ اغفر لي وارحمني وأجبرني وارفعني وارزقني واهدني) روى بعضه أبو داود بسند صحيح (ثم يسجد الثانية كالأولى) في الأكمل وما يجزئ (والمشهور سنُّ جلسة خفيفة) ولو في نفل (بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها) أي لا يعقبها تشهد رواه البخاري والثاني لا تسنُّ لخبر وائل بن حجر أنه (ص) كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً. قال النووي: غريب ولكن أخرج ابن المنذر من حديث النعمان بن أبي عياش قال: "أدركت غير واحد من أصحاب النبي (ص) فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس (التاسع والعاشر والحادي عشر) من الأركان (التشهد وقعوده والصلاة على النبي (ص)) بعد التشهد سمي بذلك من باب اطلاق الجزء وهو الشهادتان على الكلِّ لقوله (ص) لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله إلخ رواه الدارقطني والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود ولما كان التشهد الأخير فرض فإن الجلوس له فرض لأنه محله فيتبعه وأما الصلاة على النبي والجلوس لها فسيأتي عند الحديث عن التشهد الذي يعقبه سلام (وإلا فسنتان) إن لم يعقبهما سلام لجبرهما بسجود السهو لخبر الصحيحين عن أبي هريرة أنه (ص) لما قام من اثنتين من الظهر أو العصر فلم يجلس فسبح الناس به فلم يعد فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين ثم سلم. (وكيف قع جاز) إجماعاً (و) لكن (يسنُّ في) التشهد (الأول الافتراش فيجلس على كعب يسراه) بعد أن يضجعها بحيث يلي ظهرها الأرض (وينصب يمناه) أي قدمها (ويضع أطراف) بطون (أصابعه) منها على الأرض متوجهة للقبلة (وفي الآخر التورك وهو كالافتراش ولكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض) أخرجه البخاري وخولف به ليتذكر به أي ركعة هو فيها وليعلم المسبوق أي تشهد هو فيه ولأن بعد الأول يوجد قيام فالهيئة الأولى أسهل للقيام (والأصح يفترش المسبوق والساهي) في تشهده الأخير لأنه ليس آخر صلاتهما (ويضع فيهما) أي التشهدين (يسراه على طرف ركبته) اليسرى بحيث تسامت رؤوسها أول الركبة (منشورة الأصابع) للاتباع رواه مسلم (بلا ضم) بل يفرجها تفريجاً وسطاً (قلت الأصح الضم والله أعلم) لأن تفريجهما يُزيُل بعضها كالإبهام عن القبلة (ويقبض من يمناه الخنصر والبنصر وكذا الوسطى في الأظهر) للاتباع رواه مسلم من حديث ابن عمر وقيل يحلق بين الوسطى والإبهام برأسيهما رواه أحمد عن وائل بن حجر (ويرسل المسبحة) في كل تشهد (ويرفعها عند) همزة (إلا الله) للاتباع رواه مسلم ولا يضعها إلى آخر التشهد ناوياً بذلك التوحيد والإخلاص (ولا يحركها) عند رفعها لحديث أبي داود عن ابن الزبير وقيل يحركها لثبوت ذلك في خبر البيهقي عن وائل بن حجر وقدمها الأول على الثاني لأن التحريك في الثاني مقصود به الرفع وقيل لأن الحركة في الصلاة مبطلة فأخذوا بعدم تحريك الأصبع (والأظهر ضم الإبهام إليها) إلى المسبحة (كما كعاقد ثلاثة وخمسين) وهو قول الأقدمين وشرطها عند الحساب أن يجعل طرف الخنصر على البنصر. والثاني يضع الإبهام على الوسطى المقبوضة كعاقد ثلاث وعشرين للاتباع رواهما مسلم وقيل يقبض الإبهام على راحة الكف تحت المسبحة وتحصل السنة بالجميع والخلاف في الأفضل ويشير بالسبابة على الأقوال كلها عند الشهادة عند كلمة الإثبات –إلا الله-لا عند كلمة النفي (والصلاة على النبي (ص) فرض في التشهد الأخير) أي الواقع آخر الصلاة وإن لم يسبقه تشهد آخر كتشهد صبح وجمعة ومقصورة لقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه] وقد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها ولخبر قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد إلخ متفق عليه عن أبي حميد الساعدي وفي رواية كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد إلخ.. رواه الدارقطني وابن حبان والحاكم في مستدركه وقال إنه على شرط مسلم والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب فيه بعد التشهد لأنه خاتمة الصلاة.

فصل مبطلات الصلاة وسننها ومكروهاتها
(تبطل بالنطق بحرفين) من كلام البشر ولو من منسوخ أو من حديث قدسي أنهما أولا من كلام العرب وغيره ولو لمصحلة الصلاة عمداً من غير القرآن والذكر والدعاء فخبر مسلم عن زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت [وقوموا لله قانتين] البقرة:238 فأمرنا بالسكون ونهينا عن الكلام وعن معاوية بن الحكم السلمي "قال بينما أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل فقلت له يرحمك الله، فرماني الناس بأبصارهم، فقلت واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتوني سكت. فلما صلى النبي (ص) قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان والبيهقي (أو حرف مفهم) مثل فِ من الوفاء وقِ من الوقاية وعِ من الوعي لأنه كلام تام لغةً وعرفاً وإن أخطأ في مَدَّهُ حذف هاء السكت منها (وكذا مَدّه بعد حرف في الأصح) لأن المدة إما ألف أو واو أو ياء وقيل لا لأن المدة قد تأتي لإشباع الحركة ولا تعتبر حرفاً وتبطل بإجابة الأبوين ولا تجب إجابتها في فرض مطلقاً بل في نفل إن تأذيا بعدمها (والأصح أن التنحنح والضحك والبكاء والأنين والنفخ إن ظهر به) أي بكل مما ذكر (حرفان بطلت وإلا فلا) تبطل به والثاني لا تبطل بذلك مطلقاً لأنه لا يسمى كلاماً في اللغة ولا يكاد يتبين منه حرف محقق وخرج بالضحك التبسم فلا تبطل به الصلاة مطلقاً (ويعذر في يسير الكلام إن سبق لسانه) إليه (أو جهل تحريمه) فيها (إن قرب عهده بالإسلام) بخلاف بعيد العهد بالإسلام لتقصيره بترك التعلم (لا كثيره) فإنه لا يُعْذر به ودليل الناسي حديث ذي اليدين فقد روى الشيخان عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله (ص) الظهر أو العصر فسلم من ركعتين ثم أتى خشبة المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لأصحابه أحق ما يقول ذو اليدين؟ قال نعم فصلى ركعتين أخرتين ثم سجد سجدتين ودليل الجاهل حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم خلف النبي (ص) ورمقه القوم بأبصارهم (في الأصح) لأن الكلام الكثير يقطع نظم الصلاة واليسير بالعرف خمس كلمات فما دون والكثير المبطل ستة فما فوق وقيل هو القدر الواقع في حديث ذي اليدين (و) يعذر (في) اليسير عرفاً من (التنحنح ونحوه) كالسعال والعطاس وإن ظهر به حرفان للغلبة والمراد من الغلبة عدم قدرته على دفعه أما إذا ابتلي شخص بنحو سعال دائم بحيث لم يخل زمن من الوقت يسع الصلاة منه فيعفى عنه ولا قضاء ونظير ذلك من به حكة لا يصبر معها على عدم الحك فيعفى عن ذلك ولو كثرت حركته (وتعذر القراءة) في الفاتحة والتشهد وكل واجب قولي فيعذر فيه ولو ظهر حرفان في التنحنح والسعال والعطاس للغلبة لأنه لا يمكن الاحتراز عنها (لا الجهر على الأصح) لأن الجهر سنة فلا ضرورة للتنحنح من أجل الجهر وفي معنى الجهر سائر السنن كقراءة السورة بعد الفاتحة والقنوت وتكبيرات الانتقال للمنفرد والمأموم ولا بأس بالتنحنح للجهر بأذكار الانتقالات عند الحاجة لإسماع المأمومين (ولو أكره على الكلام بطلت في الأظهر) لندرة الإكراه في الصلاة وكذلك ندرة الإكراه على الحدث (ولو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم كيايحيى خذ الكتاب) بقوة مفهماً بها من يستأذن بأخذ شيء أن يأخذه فإن قصد القرآن مع التفهيم لم تبطل علله بعضهم بالقياس على التسبيح الوارد في الفتح على الإمام (إن قصد معه قراءة لم تبطل) لأنه كمن أراد القراءة فقط (وإلا بطلت) إن قصد التفهيم فقط (ولا تبطل بالذكر والدعاء إلا أن يخاطب) لأن الدعاء مناجاة لله تعالى فهو من جنس الذكر إلا أن يخاطب غير الله تعالى وغير نبيه (ص) سواءً في الغير الملك والشيطان والميت والحي والجماد (كقوله لعاطس يرحمك الله) لأنه من كلام الآدميين أما خطاب الله كإياك نعبد وخطاب النبي (ص) كالسلام عليك أو سمع ذكره (ص) فقال: السلام عليك أو الصلاة عليك يا رسول الله أو نحو ذلك لم تبطل ولو قال إمامه إياك نعبد وإياك نستعين فقالها بطلت صلاته إن لم يقصد تلاوة أو دعاءً (ولو سكت طويلاً) عمداً في غير ركن قصير وبلا قصد قطع الصلاة لم تبطل ومثله نوم ممكن مقعدته من الأرض (بلا غرض لم تبطل) لأن السكوت لا يخرم هيئة الصلاة وكذا السكوت لتذكر آية أو تذكر ما نسيه من صلاته (ويسن لمن نابه شيء) في صلاته (كتنيه إمامه) على سهو (وإذنه لداخل) أي لمستأذن في الدخول (وإنذاره أعمى) أن يقع في بئر أو حفرة أو نجس (أن يسبح) الرجل بقوله سبحان الله (وتصفق) المرأة (بضرب) بطني (اليمين على ظهر اليسار) فلو ضربت على بطنها على وجه اللعب بطلت وإن كان قليلاً لمنافاة اللعب للصلاة والأصل في ذلك حديث الصحيحين "من نابه شيء في صلاته فليسبح وإنما التصفيق للنساء" (ولو فعل في صلاته غيرها إن كان من جنسها) كزيادة ركوع أو سجود (بطلت) لتلاعبه (إلا أن ينسى) فلا تبطل لأنه (ص) صلى الظهر خمساً وسجد للسهو ولم يعدها رواه الشيخان. وأما الزيادة موافقةً للإمام فلا تضر فلو اقتدى حال سجود الإمام سجد معه ولا تضر الزيادة لوجود المتابعة وأما نقل القول من مكانه أو قراءته مرتين كالفاتحة أو التشهد لم تبطل ولذلك جاء في المتن بكلمة "فصل" دون "أتى" ليشير إلى الركن الفعلي (وإلا) إن لم يكن من جنسها كالمشي والضرب (فتبطل بكثيره لا قليله) لأنه (ص) صلى وهو حامل أُمامة بنت ابنته فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها متفق عليه وأنه أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب وخلع نعليه في صلاته رواه أبو داود. كما أن المصلي يصعب عليه السكون على هيئة واحدة في زمان طويل ولابد من رعاية التعظيم فعفي عن القليل الذي لا يغل بالتعظيم دون الكثير (والكثرة بالعرف) وكذلك القلة (فالخطوتان أو الضربتان قليل والثلاث كثير إن توالت) لا إن تفرقت لحديث خلع نعليه (ص) في الصلاة (وتبطل بالوثبة الفاحشة) لمنافاة الوثبة للصلاة فتبطل بالوثبة قطعاً إلحاقاً لها بالعمل الكثير (لا الحركات الخفيفةالمتوالية كتحريك أصابعه في سبحة) أو عقد شيء أو حله (أي فك في الأصح) إلحاقاً لها بالقليل ومثله تحريك لسانه أو أجفانه أو شفتيه (وسهو الفعل) الكثير (كعمده) في إفساد الصلاة (في الأصح) لندور السهو في الكثير والفاحش (وتبطل بقليل الأكل) لأن الأكل يشعر بالإعراض عن الصلاة ويشمل المشروب أيضاً (قلت: إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً تحريمه والله أعلم) فلا تبطل بقليله كسائر الأفعال القليلة بخلاف كثيره فتبطل به مع النسيان أو جهل التحريم 0فلو كان بفمه سكرة فبلع ذوبها بمص ونحوه (بطلت) صلاته (في الأصح) لمنافاته للصلاة كما أن المضغ مبطل للصلاة وإن لم يصل الممضوغ إلى الجوف (ويسن للمصلي إلى جدار أو سارية أو عصاً مغروزة أو بسط مصلىً) كسجادة (أو خط قبالته) أي تجاهه خطاً لخبر الحاكم: "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" ولخبر أبي داود عن أبي هريرة "إذا صلى أحدكم فليجعل أمام وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصاً فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً" وطول المذكورات حتى الخط ثلثا ذراع فأكثر أي ثلاثون سنتيميتراً وبينها وبين المصلي ثلاثة أذرع فأقل أي مترٌ وربع تقريباً فإذا صلى إلى شيءٍ منها سُنَّ له (دفع المارِّ) بينه وبين سترته لخبر الشيخين: "إذا صلى أحدكم إلى شيءٍ يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان" (والصحيح تحريم المرور حينئذ) وإن لم يجد المار سبيلاً آخر لخبر الشيخين: "لو يعلم المار بين يدي المصلي –أي إلى السترة- ماذا عليه من الإثم لكان يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه" أما لو صلى إلى غير سترة أو تباعد عنها فليس له الدفع لتقصيره ولا يحرم المرور بين يديه والسنة أنه إذا صلى إلى سترةٍ أن يجعلها مقابلة ليمينه أو شماله ولا يصمد لها تلقاء وجهه إلا أن تكون جداراً عريضاً يعسر فيه ذلك، وإذا دفع دفع بالأسهل فالأسهل كدفع الصائل، ولا تبطل الصلاة بمرور شيءٍ بين يدي المصلي أما خبر مسلم: "يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار" فالمراد منها قطع الخشوع للشغل بها (قلت: يكره الالتفات) في الصلاة يمنة أو يسرة (لا لحاجة) لحديث عائشة سألت رسول الله (ص) عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" رواه البخاري وروى أبو داود والنسائي: "لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه" ولا يكره لحاجة لأنه (ص) كان في سفر فأرسل فارساً في شعب من أجل الحرس فجعل يصلي وهو يلتفت إلى الشعب أي الرسول" رواه أبو داود بإسناد صحيح أما تحويل صدره عن القبلة فيبطل الصلاة (ورفع بصره إلى السماء) فيكره ذلك لحديث البخاري "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبارهم والمنع في الصلاة فقط فلا يكره في غيرها بل يندب في دعاء الوضوء كما أورده صاحب الإحياء ويكره النظر غلى ما يلهي عن الصلاة كثوبٍ له أعلام لما روى الشيخان عن عائشة: كان النبي (ص) يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ قال: "ألهتني هذه، إذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأمبجانيته" والخميصة كساء أسود فيه خطوط وأما لاأمبجانية فهي ثوب يتخذ من الصوف وله خمل ولا علم له وهو كالقطيفة وهو من أدون الثياب الغليظة (وكف شعره أو ثوبه) أي ملبوسه لحديث: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً" رواه الشيخان واللفظ لمسلم، والحكمة في ذلك: أن يسجد معه وقيل: للانشغال به عن الصلاة (و) يكره (وضع يده على فمه بلا حاجة) لحديث أبي هريرة : "نهى رسول الله (ص) أن يغطي الرجل فاه في الصلاة" رواه أبو داود وصححه ابن حبان ولا يكره لحاجة كالتثاؤوب بل يسن لخبر مسلم: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال: هاها ضحك الشيطان منه "ويكره النفخ لأنه عبثٌ ويكره مسح الحصى ونحوه عندما يسجد لخبر أبي داود عن محيقيب الدوسي "لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلاً فواحدةٌ "تسوية للحصى" ولأنه يخالف الخشوع (والقيام على رجل) واحدة لأنه تكلف ينافي هيئة الخشوع هذا إذا رفع الرجل عن الأرض وهو المسمى بالصافن وأما كونها على الأرض مع عدم الاعتماد عليها لراحة مثلاً فلا يكره ويندب تفريق قدميه بنحو شبر ويكره ضمهما ويسمى الصافد (والصلاة حاقباً) أي مدافعاً للبول (أو حاقباً) أي مدافعا للغائط أو حازقاً وهو الذي يدافع الريح فيستحب أن يفرغ نفسه من ذلك إذا اتسع الوقت وإن فاتته الجماعة (أو بحضرة طعام يتوق إليه) أي يشتاق لحدي مسلم: "لا صلاة –أي كاملة- بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان –أي البول والغائط" وتكره أيضاً مدافعة الريح وسواء في الطعام المأكول والمشروب (وأن يبصق قبل وجهه أو عن يمينه) لخبر الشيخين عن أنس "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن يساره" زاد البخاري فإن عن يمينه ملكاً ولكن عن يساره أو تحت قدمه، قال النووي في شرح المهذب: هذا في غير المسجد فإن كان في مسجد حرم البصاق فيه والأولى أن يبصق في ثوبه أو منديله لحديث الشيخين: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها بل يبصق في طرف ثوبه في جانبه الأيسر ككمه وبصق وبزق لغتان بمعنى واحد وفي رأي بصاقاً أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله وأن يطب محله وتكره الصنائع في المسجد واتخاذه حانوتاً للبيع لأن فيها تضيققاً على المصلين وازدراءً به (ووضع يده على خاصرته) بغير ضرورة لحديث أبي هريرة: "أن النبي (ص) نهى أن يصلي الرجل مختصراً" رواه الشيخان عن أبي هريرة في رواية ابن حبان: "الاختصار في الصلاة راحة أهل النار" قال ابن حبان: يعني اليهود والنصارى، وفق تفسيرات الاختصار الأخرى أن يتكئ على عصا ومنها أن يختصر السورة أو يختصر الصلاة وما ذكره المصنف هو الأصح لأنه فعل المتكبرين وحكى المنف في شرح مسلم أن إبليس هبط من الجنة كذلك (والمبالغة في خفض الرأس في ركوعه) لمجاوزته أكمله والذي هو فعل النبي (ص) وسواء في ذلك خفض رأسه وحده أو مع صدره فقد كان (ص) إذا ركع لم يشخص رأسه أي لم يرفعه ولم يصوبه أي لم يخفضه مع تسوية ظهره (و) تكره (الصلاة في الحمام) في الجديد والقديم قيل لأنه مأوى الشياطين وقيل لكثرة النجاسة لما روى ابن حبان بسند صحيح الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام وقيل كل محل معصية أو غضب كدور اللهو وأماكن القمار (والطريق) وهو محل مرور الناس في وقت المرور فيه ولو في برية ومثله الأسواق ورحاب المساجد لانشغال المصلي بالمارين ومثله الصلاة خلف الشبابيك المطلة على الشوارع إذا كانت تشغله ويرقب فيها حركة الناس (والمزبلة) وهي مجمع الزبل ومثله المجزرة وهو موضع ذبح الحيوان (والكنيسة) وهيمعبد النصارى وفي البيعة وهي معبد اليهود ونحوهما من أماكن الكفر فهي مأوى الشياطين (وعطن الإبل) وهو المكان الذي تنحى إليه الإبل ليشرب غيرها فإذا اجتمعت سيقت إلى المرعى لقوله (ص) "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الأبل فإنها خلقت من الشياطين" رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان لنفارها المشوش للخشوع خلافاً للغنم ولا تختص الكراهة بالعطن بل مواضعها كلها كذلك (والمقبرة الطاهرة) بأن لم تنبش (والله أعلم) لنهيه (ص) عن الصلاة في سبعة مواطن "في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق بيت الله العتيق" رواه الترمذي وقال إسناده ليس بالقوي وأما المقبرة المنبوشة فلا تصح الصلاة فيها من غير حائل ويكره استقبال القبر في الصلاة لخبر مسلم "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها قال النووي في التحقيق ويحرم استقبال قبره (ص) ويقاس به سائر قبور الأنبياء.
تنبيه: أحكام المسجد:يَحْرُمُ تمكين الصبيان غير المميزين والمجانين والحيض والبهائم والسكران من دخوله إن غلب تنجيسهم له والإ كُره وكذا يحرم دخول كافر إليه إلا بإذن مسلم مكلف ويستحب الأذن له فيه لسماع قرآن ونحوه كفقه وحديث رجاء إسلامه ويكره نقس المسجد واتخاذ الشرفات لها بل إن كانت مما وقف عليه حَرُمَ لأن فيه إتلافاً للمال ويكره دخوله بلا ضرورة لمن أكل ما له ريح كريه كثوم ويكره عمل صناعة فيه فإن كانت خسيسة تزري بالمسجد حرم ولا بأس بإغلاقه في غير أوقات الصلاة صيانة له وحفظاً إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه وأما إذا دعت الحاجة إلى فتحه كمرور مصلين عليه أو أن يكون مسجد أسواق فالسنة عدم إغلاقه ولا يجوز منع الشرب من ماء مسبل فيه ولا بأس بالنوم والوضوء والأكل فيه إذا لم يتأذ بشيء من ذلك المصلون ويسن أن يقدم رجله اليمنى دخولاً واليسرى خروجاً وأن يقول اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك ثم يقول بسم الله ويدخل لما روى مسلم أنه (ص) قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني اسألك من فضلك وتكره الخصومة ورفع الصوت ونشد الضالة ولا بأس أن يعطى السائل خارجه شيئاً ولا بأس بإنشاد الشعر فيه إن كان مدحاً للنبوة والإسلام أو كان حكمة أو في مكام الأخلاق أو دعوة إلى الزهد ودعوة إلى الإنفاق..
باب بيان سجود السهو واحكامه
(سجود السهو سنة) مؤكدة ولو في نافلة ما عدا صلاة الجنازة وهو دافع لنقص الصلاة (عند ترك مأمور به) من الصلاة ولو احتمالاً بأن شك هل فعله أم لا (أو فِعْل منهي عنه) فيها ولو أحتمالاً (فالأول) من أسباب السجود وهو ترك المأمور به (إن كان ركناً وجب تداركه) بفعله ولا يغني عنه السجود لأن حقيقة الصلاة لا توجد بدونه (وقد يشرع) مع تداركه (السجود كزيادة) مثلاً (حصلت بتدارك ركن كما سبق) بيان تلك الزيادة يأتي (في) آخر مبحث (الترتيب) وقد لا يشرع السجود بأن تحصل زيادة كما لو ترك النية أو تكبيرة الإحرام فلا صلاة له فعليه إنشاء صلاة جديدة ولا يسجد للسهو وكما لو كان المتروك السلام فتذكره عن قرب ولم ينتقل من موضعه فيسلم من غير سجود للسهو (أو) كان المتروك (بعضاً وهو القنوت أو قيامه) أي القنوت في الصبح أو وتر النصف الثاني من رمضان أو كان قيامهُ لا يسع قنوتاً أو لم يحسن القيام فكان منحنياً من غير عذر فإنه يسن له القيام بقدر القنوت زيادة على الذكر الوارد في الاعتدال (أو التشهد الأول أو قعوده) بأن لم يحسنه لأن السجود إذا شرع لترك التشهد شرع لترك جلوسه لأنه مقصود ويتصور ذلك بأن لا يحسن التشهد فإنه يسن له أن يجلس أو يقف بقدره فإن لم يفعله سجد للسهو لأنه (ص) ترك التشهد الأول من الظهر ناسياً وسجد قبل أن يسلم رواه الشيخان عن عبد الله بن بُحينة (وكذا الصلاة على النبي (ص) فيه في الأظهر) بناءً على أنها سنة في القنوت أو التشهد الأول (سجد) لتركه وإن كان الترك متعمداً (وقيل إن تركه عمدا ًفلا) يسجد لتقصيره بتفويت السنة على نفسه وردوه بأن خلل العمد أكثر فكان إلى الجبر أحوج (قلت وكذا صلاة على الآل حيث سنناها والله أعلم) في التشهد الأول على وجه وفي التشهد الأخير على الأصح فإنه يسجد لتركها (ولا تجبر سائر السنن) لأنه لم يرد فيها سجود للسهو وليست في معنى ما يُسجَدُ له وذلك مثل أذكار في الركوع والسجود وقنوت النازلة وتكبيرات الانتقال وتسبيحات الركوع والسجود (والثاني) من أسباب سجود السهو وهو فعل المنهي عنه (إن لم يبطل عمده كالالتفات والخطوتين لم يسجد لسهوه) ولا لعمده لعدم ورود السجود له (وإلا) بأن أبطل عمده كركعة زائدة (سجد) لسهوه لأنه (ص) صلى الظهر خمساً وسجد للسهو متفق عليه عن ابن مسعود هذا (إن لم تبطل) الصلاة (بسهوه) فإن بطلت بسهوه (ككلام كثير) فإنه يبطلها (في الأصح) فلا يسجد للسهو لأنه ليس في صلاة (وتطويل الركن القصير) بسكوت أو ذكر لم يشرع وهو في الاعتدال بقدر ما يسع الفاتحة وفي الجلوس بين السجدتين بقد ر ما يسع التشهد الواجب (يبطل عمده) الصلاة (في الأصح) ولأن تطويل الركن القصير يخل بالموالاة كما هو تغيرٌ لموضوع الركن ويستثى من ذلك ما لو سجد للسهو ثم سها قبل سلامه فلا يسجد ثانية (فيسجد لسهوه) قطعاً والثاني لا يبطل عمده لما روى مسلم عن أنس قال: كان رسول الله (ص) إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى يقولَ القائل نسي والأصح يسجد للسهو (فالاعتدال مقيد) لأنه للفصل بين الركوع ولاسجود والمختار جواز تطويل كل اعتدال بذكر غير ركن كالفاتحة والتشهد (وكذا الجلوس بين السجدتين في الأصح) لأنه للفصل بين السجدتين والذكر المشروع فيه أقصر من المشروع في الاعتدال (ولو نقل ركناً قولياً كفاتحة) أو بعضها (في ركوع أو) جلوس (تشهدٍ) آخر وكتشهد أو بعضه في قيام (لم تبطل بعمده في الأصح) لأنه لا يخل بصورتها بخلاف الركن الفعلي فإنه يخل بصورة الصلاة (ويسجد لسهوه في الأصح) لغفلته وتركه التحفظ المأمور به في الصلاة (وعلى هذا تستثنى هذه الصورة من قولنا:) المتقدم (ما لا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لا سجود لسهوه) واستثى معه أيضاً ما لو أتى بالقنوت أو بكلمة منه بنية فعله قبل الركوع أما لو صلى على النبي قبل التشهد أو قرأ السورة قبل الفاتحة لأن ذلك محله (ولو نسي التشهد الأول) مع قعوده أو وحده (فذكره بعد انتصابه لم يعد له) إذا كان صار إلى القيام أقرب فلا يقطع الفرض لسنةٍ (فإن عاد) إلى الجلوس عامداً (عالماً بتحريمه بطلت) لزيادته قعوداً عمداً (أو ناسياً فلا) ويلزمه القيام عند تذكره (ويسجد للسهو أو جاهلاً) لتحريم العود (فكذا في الأصح) أي لا تبطل الصلاة كالناسي لأنه مما يخفي على العوام ويلزمه القيام عند العلم ويسجد للسهو (وللمأموم) إذا انتصب دون الإمام سهواً (العود لمتابعة إمامه في الأصح) لأن المتابعة فرضٌ فرجوعه رجوع إلى فرضٍ وله البقاء قائماً لأنه متلبس بفرض (قلت: الأصح وجوبه والله أعلم) لأن المتابعة آكد ولهذا سقط بالمتابعة القيام والقراءة عن المسبوق (أما إذا تعمد فلا يلزمه العود بل يسن) كما إذا ركع قبل إمامه لأن له قصداً صحيحاً من انتقاله من واجب لمثله فاعتد بمثله وخير بينهما بخلاف الساهي فكأنه لم يفعل شيئاً (ولو تذكر) الإمام أو المنفرد التشهد الأول الذي نسيه (قبل انتصابه عاد للتشهد) ندباً لأنه لم يتلبس بفرض (ويسجد) للسهو (إن صار إلى القيام أقرب) منه إلى القعود لأنه أتى بفعل غيّر به نظم الصلاة (ولو نهض عمداً) أي قاصداً ترك التشهد (فعاد بطلت) صلاته (إن كان إلى القيام أقرب من القعود) لأنه زاد في صلاته عمداً ما لو وقع منه سهواً جبره بالسجود فكان عمده مبطلاً (ولو نسي قنوتاً فذكره في سجوده لم يعد له) لتلبسه بفرض (أو مثله عاد) لعدم التلبس به (وسجد للسهو إن بلغ حد الراكع) في هوية لزيادته ركوعاً بخلاف إذا لم يبلغه فلا يسجد (ولو شك في ترك بعضٍ) كالقنوت لا هيئةٍ كتسبيح الركوع (سجد) لأن الأصل عدم فعله (أو ارتكاب نهي) أي منهي يجبر بالسجود ككلام قليل ناسياً (فلا) يسجد لأن الأصل عدم الارتكاب (ولو سها وشك هل سجد) أو لا أو هل سجد سجدتين أو واحدة (فليسجد) ثنتين في الأولى وواحدة في الثانية لأن الأصل عدم سجوده وهذا كله جريٌ على القاعدة المشهورة: (أن المشكوك فيه كالعدم) والشك هو التردد (ولو شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً أتى بركعة) لأن الأصل عدم فعلها (وسجد) للسهو للتردد في زيادتها والأصل في ذلك حديث مسلم عن أبي سعيد إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته" أي ردتها السجدتان إلى الأربع ويحذفان الزيادة لأنهما جابران الخلل الحاصل من النقصان تارة ومن الزيادة أخرى وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا رغماً للشيطان" (والأصح أن يسجد وإن زال شكه قبل سلامه) بأن تذكر أنها رابعة لفعلها مع التردد ومقابل الأصح لا يعتبر تردد بعد زواله (وكذا حكم ما يصليّه متردداً واحتمل كونه زائداً) فيسجد للتردد في زيادته (ولا يسجد لما يجب بكل حال إذا زال شكه مثاله شك في الثالثة أثالثة هي أم رابعة فتذكر فيها) أنها ثالثة وأتى برابعة (لم يسجد أو في الرابعة) بأن استمر تردده المتقدم في الثالثة حتى قام إلى الرابعة (سجد) لأن مافعله قبل التذكر فَعَلَهُ متردداً وإنما قام احتياطاً مع احتمال أنها خامسة (ولو شك بعد السلام في ترك فرضٍ لم يؤثر على المشهور) لأن الظاهر وقوع الصلاة على التمام (وسهوه حال قدوته يحمله إمامه) كما يحمل عنه الجهر والسورة وغيرهما (فإن ظن سلامة فسلم فبان خلافه) أي خلاف ظنه (سلم معه) أي مع إمامه (ولا سجود) لأن سهوه في حال القدوة فيتحمله الإمام (ولو ذكر في تشهده ترك ركن غير النية والتكبيرة قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) التي فاتت بفوات الركن كأن ترك سجدة من غير الأخيرة فإن كانت الأخيرة سجد سجدةً يكملها (ولا يسجد) لأن سهوه كان حال قدوته (وسهوه بعد سلامه) أي بعد سلام إمامه.

(ولو ذكر في تشهده ترك ركن غير النية والتكبيرة) أي تذكر بعد القدوة ترك ركن لا يعرف ما هو لكنه غير النية وتكبيرة الأحرام لم يعد لتدراكه لما فيه من ترك المتابعة الواجبة للإمام و(قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) التي فاتت بفوات الركن (ولا يسجد) لكون سهوه كان حال القدوة (فسهوه بعد سلامه لا يحمله) أي أن سهو المأموم بعد سلام إمامه لا يحمله الإمام لانتهاء القدوة (فلو سلم المسبوق بسلام إمامه) أي بعد سلام إمامه فقام المسبوق ظاناً إمامه سلم فعليه العود لمتابعة إمامه وما فعله لا يحسب من صلاته لعدم المتابعة فيأتي بالناقص بعد سلام إمامه ولا يسجد لأن السهو كان حال القدوة أما إذا سلم إمامه فقام ظاناً نقص ركعة ثم تذكر أن لا نقص رجع إلى الجلوس و (بنى) على صلاته (وسجد) لأن سهوه بعد انقطاع القدوة (ويلحقه سهو امامه) أي يلحق المأموم سهو إمامه كما يحمل الإمام سهوه لخبر ليس على مَنْ خَلْفَ الإمامِ سهو فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو رواه الدارقطني وضعفه البيهقي (فإن سجد لزمته متابعته) أي: أذا سجد إمامه للسهو لزمه متابعته حتى ولو لم يعلم بسهوه لأنه لمحض المتابعة خلافاً لما إذا قام إمامه لخامسة فلا يتابعه لأن صلاة المأموم قد تمت بل لو بقي على المأموم ركعة لم يتابع الإمام إذا قام إلى الخامسة لانتهاء القدوة. (وإلا) أي وإن لم يسجد إمامه (فيسجد على النص) سواء ترك الإمام السجدتين أو إحدهما أو كان يرى السجود بعد السلام لانقطاع القدوة (ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه وكذا قبله في الأصح وسجد) الإمام (فالصحيح) في الصورتين (أنه) أي المسبوق (يسجد معه) رعاية للمتابعة (ثم في آخر صلاته) يسجد ثانية لأنه محل سجود السهو ومقابل الصحيح أنه لا يسجد مع إمامه بل يتمَّ صلاته ثم يسجد للسهو وأصح الأقوال أنه لا يسجد لا في آخر صلاته ولا في آخر صلاة إمامه لأنه لم يدرك السهو وقيل يسجد مع إمامه للمتابعة ولا يسجد في آخر صلاته (فإن لم يسجد الإمام سجد آخر صلاة نفسه على النص) أي يسجد المأموم وفي قول مقابله لا يسجد (وسجود السهو وإن كثر سجدتان) أي بنية السهو وجوباً بالقلب دون التلفظ ولا يحتاج المأموم إلى نية لأن نية الإمام لهما (كسجود الصلاة) في واجباته ومندوباته (والجديد أن محله بين تشهده وسلامه) أي بعد الصلاة على النبي والآل وقبل السلام وفي القديم
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-07-07, 10:08 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ رجب نوري مشوح

الجزء الثاني
باب بيان سجود السهو واحكامه
(سجود السهو سنة) مؤكدة ولو في نافلة ما عدا صلاة الجنازة وهو دافع لنقص الصلاة (عند ترك مأمور به) من الصلاة ولو احتمالاً بأن شك هل فعله أم لا (أو فِعْل منهي عنه) فيها ولو أحتمالاً (فالأول) من أسباب السجود وهو ترك المأمور به (إن كان ركناً وجب تداركه) بفعله ولا يغني عنه السجود لأن حقيقة الصلاة لا توجد بدونه (وقد يشرع) مع تداركه (السجود كزيادة) مثلاً (حصلت بتدارك ركن كما سبق) بيان تلك الزيادة يأتي (في) آخر مبحث (الترتيب) وقد لا يشرع السجود بأن تحصل زيادة كما لو ترك النية أو تكبيرة الإحرام فلا صلاة له فعليه إنشاء صلاة جديدة ولا يسجد للسهو وكما لو كان المتروك السلام فتذكره عن قرب ولم ينتقل من موضعه فيسلم من غير سجود للسهو (أو) كان المتروك (بعضاً وهو القنوت أو قيامه) أي القنوت في الصبح أو وتر النصف الثاني من رمضان أو كان قيامهُ لا يسع قنوتاً أو لم يحسن القيام فكان منحنياً من غير عذر فإنه يسن له القيام بقدر القنوت زيادة على الذكر الوارد في الاعتدال (أو التشهد الأول أو قعوده) بأن لم يحسنه لأن السجود إذا شرع لترك التشهد شرع لترك جلوسه لأنه مقصود ويتصور ذلك بأن لا يحسن التشهد فإنه يسن له أن يجلس أو يقف بقدره فإن لم يفعله سجد للسهو لأنه (ص) ترك التشهد الأول من الظهر ناسياً وسجد قبل أن يسلم رواه الشيخان عن عبد الله بن بُحينة (وكذا الصلاة على النبي (ص) فيه في الأظهر) بناءً على أنها سنة في القنوت أو التشهد الأول (سجد) لتركه وإن كان الترك متعمداً (وقيل إن تركه عمدا ًفلا) يسجد لتقصيره بتفويت السنة على نفسه وردوه بأن خلل العمد أكثر فكان إلى الجبر أحوج (قلت وكذا صلاة على الآل حيث سنناها والله أعلم) في التشهد الأول على وجه وفي التشهد الأخير على الأصح فإنه يسجد لتركها (ولا تجبر سائر السنن) لأنه لم يرد فيها سجود للسهو وليست في معنى ما يُسجَدُ له وذلك مثل أذكار في الركوع والسجود وقنوت النازلة وتكبيرات الانتقال وتسبيحات الركوع والسجود (والثاني) من أسباب سجود السهو وهو فعل المنهي عنه (إن لم يبطل عمده كالالتفات والخطوتين لم يسجد لسهوه) ولا لعمده لعدم ورود السجود له (وإلا) بأن أبطل عمده كركعة زائدة (سجد) لسهوه لأنه (ص) صلى الظهر خمساً وسجد للسهو متفق عليه عن ابن مسعود هذا (إن لم تبطل) الصلاة (بسهوه) فإن بطلت بسهوه (ككلام كثير) فإنه يبطلها (في الأصح) فلا يسجد للسهو لأنه ليس في صلاة (وتطويل الركن القصير) بسكوت أو ذكر لم يشرع وهو في الاعتدال بقدر ما يسع الفاتحة وفي الجلوس بين السجدتين بقد ر ما يسع التشهد الواجب (يبطل عمده) الصلاة (في الأصح) ولأن تطويل الركن القصير يخل بالموالاة كما هو تغيرٌ لموضوع الركن ويستثى من ذلك ما لو سجد للسهو ثم سها قبل سلامه فلا يسجد ثانية (فيسجد لسهوه) قطعاً والثاني لا يبطل عمده لما روى مسلم عن أنس قال: كان رسول الله (ص) إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى يقولَ القائل نسي والأصح يسجد للسهو (فالاعتدال مقيد) لأنه للفصل بين الركوع ولاسجود والمختار جواز تطويل كل اعتدال بذكر غير ركن كالفاتحة والتشهد (وكذا الجلوس بين السجدتين في الأصح) لأنه للفصل بين السجدتين والذكر المشروع فيه أقصر من المشروع في الاعتدال (ولو نقل ركناً قولياً كفاتحة) أو بعضها (في ركوع أو) جلوس (تشهدٍ) آخر وكتشهد أو بعضه في قيام (لم تبطل بعمده في الأصح) لأنه لا يخل بصورتها بخلاف الركن الفعلي فإنه يخل بصورة الصلاة (ويسجد لسهوه في الأصح) لغفلته وتركه التحفظ المأمور به في الصلاة (وعلى هذا تستثنى هذه الصورة من قولنا:) المتقدم (ما لا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لا سجود لسهوه) واستثى معه أيضاً ما لو أتى بالقنوت أو بكلمة منه بنية فعله قبل الركوع أما لو صلى على النبي قبل التشهد أو قرأ السورة قبل الفاتحة لأن ذلك محله (ولو نسي التشهد الأول) مع قعوده أو وحده (فذكره بعد انتصابه لم يعد له) إذا كان صار إلى القيام أقرب فلا يقطع الفرض لسنةٍ (فإن عاد) إلى الجلوس عامداً (عالماً بتحريمه بطلت) لزيادته قعوداً عمداً (أو ناسياً فلا) ويلزمه القيام عند تذكره (ويسجد للسهو أو جاهلاً) لتحريم العود (فكذا في الأصح) أي لا تبطل الصلاة كالناسي لأنه مما يخفي على العوام ويلزمه القيام عند العلم ويسجد للسهو (وللمأموم) إذا انتصب دون الإمام سهواً (العود لمتابعة إمامه في الأصح) لأن المتابعة فرضٌ فرجوعه رجوع إلى فرضٍ وله البقاء قائماً لأنه متلبس بفرض (قلت: الأصح وجوبه والله أعلم) لأن المتابعة آكد ولهذا سقط بالمتابعة القيام والقراءة عن المسبوق (أما إذا تعمد فلا يلزمه العود بل يسن) كما إذا ركع قبل إمامه لأن له قصداً صحيحاً من انتقاله من واجب لمثله فاعتد بمثله وخير بينهما بخلاف الساهي فكأنه لم يفعل شيئاً (ولو تذكر) الإمام أو المنفرد التشهد الأول الذي نسيه (قبل انتصابه عاد للتشهد) ندباً لأنه لم يتلبس بفرض (ويسجد) للسهو (إن صار إلى القيام أقرب) منه إلى القعود لأنه أتى بفعل غيّر به نظم الصلاة (ولو نهض عمداً) أي قاصداً ترك التشهد (فعاد بطلت) صلاته (إن كان إلى القيام أقرب من القعود) لأنه زاد في صلاته عمداً ما لو وقع منه سهواً جبره بالسجود فكان عمده مبطلاً (ولو نسي قنوتاً فذكره في سجوده لم يعد له) لتلبسه بفرض (أو مثله عاد) لعدم التلبس به (وسجد للسهو إن بلغ حد الراكع) في هوية لزيادته ركوعاً بخلاف إذا لم يبلغه فلا يسجد (ولو شك في ترك بعضٍ) كالقنوت لا هيئةٍ كتسبيح الركوع (سجد) لأن الأصل عدم فعله (أو ارتكاب نهي) أي منهي يجبر بالسجود ككلام قليل ناسياً (فلا) يسجد لأن الأصل عدم الارتكاب (ولو سها وشك هل سجد) أو لا أو هل سجد سجدتين أو واحدة (فليسجد) ثنتين في الأولى وواحدة في الثانية لأن الأصل عدم سجوده وهذا كله جريٌ على القاعدة المشهورة: (أن المشكوك فيه كالعدم) والشك هو التردد (ولو شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً أتى بركعة) لأن الأصل عدم فعلها (وسجد) للسهو للتردد في زيادتها والأصل في ذلك حديث مسلم عن أبي سعيد إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته" أي ردتها السجدتان إلى الأربع ويحذفان الزيادة لأنهما جابران الخلل الحاصل من النقصان تارة ومن الزيادة أخرى وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا رغماً للشيطان" (والأصح أن يسجد وإن زال شكه قبل سلامه) بأن تذكر أنها رابعة لفعلها مع التردد ومقابل الأصح لا يعتبر تردد بعد زواله (وكذا حكم ما يصليّه متردداً واحتمل كونه زائداً) فيسجد للتردد في زيادته (ولا يسجد لما يجب بكل حال إذا زال شكه مثاله شك في الثالثة أثالثة هي أم رابعة فتذكر فيها) أنها ثالثة وأتى برابعة (لم يسجد أو في الرابعة) بأن استمر تردده المتقدم في الثالثة حتى قام إلى الرابعة (سجد) لأن مافعله قبل التذكر فَعَلَهُ متردداً وإنما قام احتياطاً مع احتمال أنها خامسة (ولو شك بعد السلام في ترك فرضٍ لم يؤثر على المشهور) لأن الظاهر وقوع الصلاة على التمام (وسهوه حال قدوته يحمله إمامه) كما يحمل عنه الجهر والسورة وغيرهما (فإن ظن سلامة فسلم فبان خلافه) أي خلاف ظنه (سلم معه) أي مع إمامه (ولا سجود) لأن سهوه في حال القدوة فيتحمله الإمام (ولو ذكر في تشهده ترك ركن غير النية والتكبيرة قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) التي فاتت بفوات الركن كأن ترك سجدة من غير الأخيرة فإن كانت الأخيرة سجد سجدةً يكملها (ولا يسجد) لأن سهوه كان حال قدوته (وسهوه بعد سلامه) أي بعد سلام إمامه.

(ولو ذكر في تشهده ترك ركن غير النية والتكبيرة) أي تذكر بعد القدوة ترك ركن لا يعرف ما هو لكنه غير النية وتكبيرة الأحرام لم يعد لتدراكه لما فيه من ترك المتابعة الواجبة للإمام و(قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) التي فاتت بفوات الركن (ولا يسجد) لكون سهوه كان حال القدوة (فسهوه بعد سلامه لا يحمله) أي أن سهو المأموم بعد سلام إمامه لا يحمله الإمام لانتهاء القدوة (فلو سلم المسبوق بسلام إمامه) أي بعد سلام إمامه فقام المسبوق ظاناً إمامه سلم فعليه العود لمتابعة إمامه وما فعله لا يحسب من صلاته لعدم المتابعة فيأتي بالناقص بعد سلام إمامه ولا يسجد لأن السهو كان حال القدوة أما إذا سلم إمامه فقام ظاناً نقص ركعة ثم تذكر أن لا نقص رجع إلى الجلوس و (بنى) على صلاته (وسجد) لأن سهوه بعد انقطاع القدوة (ويلحقه سهو امامه) أي يلحق المأموم سهو إمامه كما يحمل الإمام سهوه لخبر ليس على مَنْ خَلْفَ الإمامِ سهو فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو رواه الدارقطني وضعفه البيهقي (فإن سجد لزمته متابعته) أي: أذا سجد إمامه للسهو لزمه متابعته حتى ولو لم يعلم بسهوه لأنه لمحض المتابعة خلافاً لما إذا قام إمامه لخامسة فلا يتابعه لأن صلاة المأموم قد تمت بل لو بقي على المأموم ركعة لم يتابع الإمام إذا قام إلى الخامسة لانتهاء القدوة. (وإلا) أي وإن لم يسجد إمامه (فيسجد على النص) سواء ترك الإمام السجدتين أو إحدهما أو كان يرى السجود بعد السلام لانقطاع القدوة (ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه وكذا قبله في الأصح وسجد) الإمام (فالصحيح) في الصورتين (أنه) أي المسبوق (يسجد معه) رعاية للمتابعة (ثم في آخر صلاته) يسجد ثانية لأنه محل سجود السهو ومقابل الصحيح أنه لا يسجد مع إمامه بل يتمَّ صلاته ثم يسجد للسهو وأصح الأقوال أنه لا يسجد لا في آخر صلاته ولا في آخر صلاة إمامه لأنه لم يدرك السهو وقيل يسجد مع إمامه للمتابعة ولا يسجد في آخر صلاته (فإن لم يسجد الإمام سجد آخر صلاة نفسه على النص) أي يسجد المأموم وفي قول مقابله لا يسجد (وسجود السهو وإن كثر سجدتان) أي بنية السهو وجوباً بالقلب دون التلفظ ولا يحتاج المأموم إلى نية لأن نية الإمام لهما (كسجود الصلاة) في واجباته ومندوباته (والجديد أن محله بين تشهده وسلامه) أي بعد الصلاة على النبي والآل وقبل السلام وفي القديم إن سها بنقص سجد قبل السلام أو سها بزيادة فبعد السلام وفي قديم آخر يتخير إن شاء قبله وإن شاء بعده للاحاديث الصحيحة بذلك لأنه (ص) صلى بهم الظهر فقام من الأوليين ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم رواه الشيخان عن عبد الله بن بحينة وأما حديث ذي اليدين فهو صريح بالسجود بعد السلام قال البيهقي والمشهور عن الزهري من فتواه "سجود السهو قبل السلام" روي عن الزهري أنه قال سجد النبي قبل السلام وبعده وآخر الأمرين قبل السلام رواه الشافعي (فإن سلم عمداً فات في الأصح) أي سلم المصلي وهو يعلم أنه قد سها لقطعه له بسلامه (أو سهواً وطال الفصل فات في الجديد) أي طال الفصل بقدر صلاة لتعذر البناء (وإلا فلا على النص) أي وإن لم يطل الفصل فلا يفوت لعذره بالسهو لأن النبي صلى خمساً وسلم فقيل له فسجد للسهو بعد السلام متفق عليه عن ابن مسعود (وإذا سجد صار عائداً إلى الصلاة في الأصح) فيجب أن يعيد السلام وإذا أحدث بطلت صلاته ومقابل الأصح لا يكون عائداً وإنما هو جبر فلو أحدث فلا شيء لأنه تحلل من صلاته بالسلام (ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوتها أتموها ظهراً) أي بان لهم بعد سجود السهو فوت وقت الجمعة فوجب اتمامها ظهراً (وسجدوا) للسهو ثانياً آخر صلاتهم لبيان أن السجود الأول ليس آخر صلاتهم وأنه وقع لغواً (ولو ظن سهواً فسجد فبان عدمه) أي تبين بعد سجود السهو أن لا سهو (سجد في الأصح) لزيادته سجوداً يبطل عمده فيوجب سهوه سجود السهو وقيل لا يسجد لأن سجود السهو يجبر نفسه كما يجبر غيره.
خاتمة: لو نسي في صلاته ركناً وسلم منها بعد فراغها ثم أحرم عقبها بأخرى لم تنعقد لأنه يحرم بالأولى فإن تذكر قبل طول فصلٍ بنى على صلاته الأولى وإن طال الفصل انعقدت الثانية لبطلان الأولى.

باب في سجود التلاوة والشكر
(تسن سجدات التلاوة) بالاجماع وبالأحاديث الصحيحة منها خبر ابن عمر أن النبي (ص) كان يقرأ علينا القرآن فإذا مرَّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه رواه أبو داود والحاكم. ومنها ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرتُ بالسجود فعصيت فَليَ النارُ. وخبر الصحيحين عن ابن مسعود أنه (ص) قرأ والنجم فسجد وسجد معه الجن والإنس إلا أمية بن خلف فقتل يوم بدر مشركاً. وإنما لم تجب لخبر الشيخين عن زيد بن ثابت "قرأت على النبي (ص) سجدة والنجم فلم يسجد فيها" وروى مسلم عن أبي هريرة سجدنا مع النبي (ص) في [إذا السماء انشقت] و [اقرأ باسم ربك] روى البزار عن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت النبي (ص) سجد في [إذا السماء انشقت عشر مرات] وروى البخاري عن ابن عمر أمرنا بالسجود "يعني التلاوة" فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. فإن قيل قد ذمَّ الله تعالى من لم يسجد فقال: [وإذا قُرئ عليهم القرآن لا يسجدون] الانشقاق:21 أجيب بأن الآية في الكفار بدليل ما قبلها وما بعدها (فهنَّ) أي السجدات (في الجديد أربع عشرة منها سجدتا الحج) وتسع في الأعراف، والرعد، والنمل، والإسراء، ومريم، والفرقان، والنحل، آلم تنزيل "السجدة"، وحم "فصلت". وثلاث في المفصل في النجم، الانشقاق، إقرأ وفي القديم احدى عشرة سجدة باسقاط سجدات المفصل واستدل للقديم بحديث ابن عباس: أنه (ص) لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة، رواه أبو داود وضعفه البيهقي (لا ص~) فإن سجدة ص~ ليست من سجدات التلاوة (بل هي سجدة شكر) لله تعالى لخبر البخاري عن عكرمة عن ابن عباس ص~ ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله (ص) يسجد فيها، وروى الشافعي في الأم عن ابن عيينة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي قال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً (وتستحب في غير الصلاة وتحرم فيها في الأصح) أي تبطلها في الأصح لمن علم ذلك فإن جهله أو نسي أنه في صلاة فلا تبطل ويسجد للسهو ومقابل الأصح لا يبطلها ولا يسجد للسهو لتعلقها بالتلاوة (ويسن للقارئ والمستمع) وقاصد السماع لجميع الآية وليس لموضع السجدة فقط (ويتأكد له بسجود القارئ) أي يتأكد السجود للمستمع (قلت ويسن للسامع) من غير قصد (والله أعلم) لحديث ابن عمر "يسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته متفق عليه (وإن قرأ في الصلاة سجد الإمام والمنفرد لقراءته فقط) أي يسجد كل منهما لقراءة نفسه (والمأموم لسجدة إمامه) أي لا يسجد لقراءته فقط من غير سجود مالم يفارقه والمفارقة عن الإمام لا تكون إلا بعذر لأنها تفقد فضل الجماعة (فإن سجد إمامه فتخلف أو انعكس) أي سجد هو من غير إمامه (بطلت صلاته) لمخالفته ولا يسجد المأموم لقراءة نفسه حال قدوته (ومن سجد خارج الصلاة) أي أراد السجود من غير صلاة (نوى وكبر للإحرام رافعاً يديه) كالرفع لتكبيرة الإحرام (ثم للهوى بلا رفعٍ) ليديه (وسجد) سجدة واحدة (كسجدة الصلاة ورفع) رأسه (مكبراً) وجلس (وسلم) من غير تشهد كتسليم الصلاة (وتكبيرة الأحرام شرط على الصحيح وكذا السلام في الأظهر) والشرط هنا ما لابد منه ولكن الأصح أنه لا يسلم ولا يتشهد وهو المنصوص في البويطي عن نص الشافعي وقيل يقاس السلام على التحرم وسبب الخلاف في هذه الثلاثة أن سجدة التلاوة ملحقة بالصلاة فيشترط أو غير ملحقة بها فلا يستحب التشهد والسلام ولا تجب تكبيرة الإحرام والأصل أن تكبيرة الإحرام ركن (وتشترط شروط الصلاة) كالطهارة والستر والاستقبال (ومن سجد فيها) أي في الصلاة (كبر للهوى وللرفع) من السجدة ندباً لأن النبي (ص) كان يكبر في كل خفض ورفع في الصلاة ومن أراد الركوع فبلغ حد الراكعين ثم بدا له أن يسجد لم يسجد لفوات محله (ولا يرفع يديه) فيهما لعدم وروده (قلت ولا يجلس للاستراحة والله أعلم) لعدم ورود شيء من ذلك (ويقول) في سجوده (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته) فتبارك الله أحسن الخالقين رواه جمع بسند صحيح إلا وصوّره فرواه البيهقي وحده (ولو كرر آية في مجلسين سجد لكلٍ) أي سجد لكل عقبها لتجدد السبب فإن لم يسجد للأولى كفاه السجود عنهما مرة واحدة (وكذا المجلس في الأصح) أي لو كرر الآية فيه سجد لكل مرة عقبها والقول الثاني تكفيه السجدة الأولى عن السجدة الثانية والثالثة وهكذا إن لم يطل الفصل أي على طول سورة طويلة (وركعة كمجلس) فيما ذكر من حكم (وركعتان كمجلسين) فيسجد في كل منهما (فإن لم يسجد) من سًنَّن له السجود عقب القراءة وطال الفصل (لم يسجد) وإن عذر بالتاخير لأنها من ترابع القراءة ولا مدخل للقضاء فيها لأنها لسبب عارض كالكسوف فإذا انجلت الشمس لم يصل الكسوف (وسجدة الشكر لا تدخل الصلاة) لأن سببها لا تعلق له بالصلاة فلو سجدها فيها عامداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته (وتسن لهجوم نعمة) كحدوث ولدٍ أو نصر للمؤمنين أو خروج من سجن ظلماً أو موت طاغية أو هلاك عدو (أو اندفاع نقمة) كنجاة من حريق أو غرق لما روى أبو داود وغيره أنه (ص) كان إذا جاءه أمر يَسُرُّه خرَّ ساجداً وروى البيهقي عن البراء بن عازب أن النبي (ص) سجد حين جاءه كتاب علي من اليمن بإسلام همدان وقال إسناده صحيح وأصل الحديث في البخاري وفي حديث توبة بن كعب بن مالك أنه خرَّ ساجداً لما جاءه البشير رواه البخاري (أو رؤية مبتلى) في عقله أو بدنه شكراً لله سبحانه على سلامته منه لخبر الحاكم أنه (ص) سجد لرؤية زَمٍن] أي مبتلى (أو عاص) كافرٌ أو فاسقٌ مجاهر (ويظهرها للعاصي) ندباً (لا للمبتلى) لئلا يتأذى أما العاصي فلعله يتوب ويرجع عن معصيته (وهي كسجدة التلاوة) خارج الصلاة في كيفيتها وشروطها (والأصح جوازها على الراحلة للمسافر) أي سجدة التلاوة وسجدة الشكر لأنهما نفل فسومح بهما (فإن سجد لتلاوة صلاة جاز عليها قطعاً) أي على الراحلة تبعاً للنافلة كسجود السهو بالإيماء.
تنبيه: لو تقرب إلى الله بسجدة من غير سبب حرم ولو بعد صلاة كما يحرم بركوع مفرد لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة ومما يحرم ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ولو إلى القبلة أو قصده لله تعالى ومن ذلك الركوع عند تحية العظماء والرؤساء فهو حرام باطل بل هو كفر إن قصد تعظيمهم كتعظيم الله قاله العلامة الرملي.

باب في صلاة النفل
وهو لغة الزيادة واصطلاحاً ما عدا الفرائض ويرادف النفل السنة والمندوب والمستحب والمرغَبُ فيه والحسن وأفضل عبادات البدن بعد الإسلام الصلاة لخبر الصحيحين "أي الأعمال أفضل؟ فقال الصلاة لوقتها" والصلاة تجمع ما في سائر العبادات وتزيد عليها بوجوب الاستقبال ومنع الكلام ولا تسقط بحال ويقتل تاركها بخلاف غيرها وقد ورد في صلاة النوافل وفضلها أحاديث صحيحة كثيرة منها. حديث ابن عمر "صليت مع رسول الله (ص) ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته قال وحدثتني أختي حفصة أن النبي (ص) كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر. متفق عليه وركعتين بعد الجمعة في بيته أخرجه البخاري. ومنه حديث عائشة "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتاً في الجنة أربع قبل الظهر والباقي كما ورد في حديث ابن عمر. قال الترمذي غريب ومنه حديث: رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً أبو داود والترمذي وحسنه ومنه حديث أنس: صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله (ص) قيل له هل رآكم رسول الله (ص) قال: نعم رأنا فلم يأمرنا ولم ينهنا ومثله عند مسلم وعند البخاري عن أنس: لقد رأيت كبار أصحاب رسول الله (ص) يبتدون السواري عند المغرب حتى يخرج النبي (ص) زاد النسائي وهم يصلون ومنها رواية "الوتر حق مسنون "واجب" فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل رواه الدارقطني بلفظ حق واجب وصححه الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري ووافقه الذهبي.
وأخرج أبو داود عن عائشة لم يكن رسول الله (ص) يوتر بأكثر من ثلاث عشرة وروى مسلم عن عائشة أنه (ص) أوتر بتسع لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة وبسبع لا يجلس إلا في السادسة والسابعة. ومنه خبر الشيخين عن ابن عمر "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" وروى احمد وغيره عن أبي الدرداء: أوصاني خليلي (ص) بثلاث لا أدعهن أوصاني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ولا أنام إلا على وتر وسبحة الضحى " في السفر والحضر وأصل الحديث عند مسلم إلا ذكر "السفر والحضر. وأخرجه البخاري عن أم هانئ: أنه (ص) صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمانٍ يسلم من كل ركعتين وحديث عائشة: لم يكن النبي على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر. متفق عليه وروى مسلم عن عائشة: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها متفق عليه وروى البخاري أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أُبي بن كعب في صلاة التراويح. (صلاة النفل قسمان قسم لا يُسنُّ جماعةً) أي لا تسن فيه الجماعة فلو صلى جماعةلم يكره بل هو خلاف الأولى (فمنه الرواتب مع الفرائض وهي ركعتان قبل الصبح وركعتان قبل الظهر وكذا بعدها وبعد المغرب والعشاء) لحديث الباب عن ابن عمر ومعنى الراتبة التابعة لغيرها وعلى ما يتوقف فعله على غيره وعلى ماله وقت معينٌ (وقيل لا راتبة للعشاء) لأن الركعتين بعدها المذكورتين في حديث ابن عمر يمكن أن يكونا من صلاة الليل (وقيل أربع قبل الظهر) لحديث مسلم عن عائشة (وقيل وأربع بعدها) لحديث من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله تعالى على النار، صححه الترمذي. (وقيل وأربع قبل العصر) لخبر الترمذي عن علي أنه (ص) كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم (والجميع سنة وإنما الخلاف في الراتب المؤكد) والمؤكد فيها العَشَرَةُ الواردة في خبر ابن عمر لا غير لأن النبي (ص) واظب عليها (وقيل ركعتان خفيفتان قبل المغرب) لخبر أنس السابق (قلت هما سنة) غير مؤكدة (على الصحيح ففي صحيح البخاري الأمر بهما) لكن بلفظ صلوا قبل صلاة المغرب قال: في الثالثة "لمن شاء" كراهة أن يتخذها الناس سنة لازمة (وبعد الجمعة أربع وقبلها ما قبل الظهر) لخبر الشيخين عن ابن عمر أنه (ص) كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ولخبر مسلم إذا صلى أحدكم الجمعة ليصل بعدها أربعاً ثنتان مؤكدتان قياساً على الظهر ولخبر البخاري بين كل أذانين صلاة ولخبر ابن ماجة أنه قال لسليك الغطفاني لما جاء وهو يخطب أصليت قبل أن تجيء؟ قال لا، قال فصل ركعتين وتجوز فيها (ومنه الوتر) أي من الذي لا يسن جماعة الوتر (وأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة) وأدنى الكمال ثلاثة وأكمل منه خمس ثم سبع ثم تسع لأحاديث الباب ولخبر أبي داود من شاء أن يوتر بخمسة فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل (ولمن زاد على ركعة الفصل) بين كل ركعتين بسلام (وهو أفضل) من الوصل لأن أحاديثه أكثر ولا بأس في الوصل خروجاً من خلاف من أوجبه (والوصل بتشهد أو تشهدين في الآخرتين) لأحاديث الباب وقيل بتشهد واحد أفضل للنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب (ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر) ولو بعد المغرب في جمع التقديم (وقيل شرط الإتيار بركعة سبق نفل بعد العشاء) بناءً على أن الوتر يوتر سنة قبله والأصح أنه يكون وتراً في نفسه لما قبله من فرض أو سنة (ويسن جعله آخر صلاة الليل) لخبر الباب "اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً" فمن خاف إذا نام لم يستيقظ سُنَّ له أن يوتر قبل أن ينام ومن وثق باستيقاظه أواخر الليل استُحِبَ له أن يؤخر الوتر ليفعله آخر الليل لخبر مسلم عن جابر من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل (فإن أوتر ثم تهجد لم يُعْدهُ) لخبر لا وتران في ليلة رواه أبو داود وحسنه الترمذي عن طلق بن علي (وقيل يشفعه بركعة) بأن يأتي بها أول التهجد (ثم يعيده) بعد تمام تهجده (ويندب القنوت آخر وتره في النصف الثاني من رمضان) لخبر أبي داود أن أُبي بن كعب قنت فيه لما جمع عمر الناس عليه فصلى بهم صلاة التراويح وجمع النساء على سليمان بن أبي حتمة ليصلي بهنَّ (وقيل في كل السنة) قياساً على قنوت الصبح (وهو كقنوت الصبح) في لفظه ومحله والجهر به واقتضاء السجود بتركه وفي رفع اليدين به ويجب الانتباه إلى أن الرفع من الركوع ركن قصير وقد تقدم حكمه (ويقول قبله اللهم إنا نستعينك ونستغفرك إلى آخره) أي ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى وَنَحْفِدْ أي نسرع نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجِدَّ مُلحِقٌ أي لاحق (قلت الأصح بعده) أن يقول الدعاء بعد القنوت لأن قنوت الصبح ثابتٌ عن النبي (ص) والثاني من قول عمر والجمع بين القنوتين للمنفرد ولإمام قومٍ محصورين رضوا بالتطويل وأن غيرهما يقتصر على قنوت الصبح ولا يزيد (و) الأصح (أن الجماعة تندب في الوتر) المأتي به (عقب التراويح جماعة والله أعلم) بناءً على ندب الجماعة في التراويح ووتر غير رمضان لا يندب فيه الجماعة (ومنه الضحى) أي ومما لا يسن له الجماعة صلاة الضحى (وأقلها ركعتان) لخبر البخاري عن أبي هريرة أن النبي أوصاه بهما وأنه لا يدعهما (وأكثرها ثنتا عشرة) ركعة ويسلم من كل ثنتين لما روى البيهقي عن أبي ذر وإن صليتها "الضحى" اثنتي عشرة ركعة بنى الله لك بيتاً في الجنة والأصح أنها ثمان ركعات كما في حديث الباب عن أم هانئ ووقتها من ارتفاع اشمس إلى ما قبل الاستواء قال الماوردي ووقتها المختار إذا مضى ربع النهار (وتحية المسجد) غير المسجد الحرام لداخله على وضوء لخبر الشيخين إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين قال النووي فإن صلى أكثر من ركعتين جاز إن كانت بتسلمية واحدة وكانت كلها تحية لاشتمالها على الركعتين (وتحصل بفرض أو نفل آخر) سواء أنواها معه أم لا لأن المقصود من تحية المسجد وجود صلاة قبل الجلوس وقد وجدت بالفرض أو بالنفل (لا ركعة) فلا تحصل بها التحية (على الصحيح) للخبر السابق (قلت وكذا الجنازة وسجدة تلاوة وشكر) فلا تحصل بشيء من ذلك تحية المسجد للحديث السابق (وتتكرر) التحية (بتكرر الدخول على قرب في الأصح والله أعلم) وكذا تكرر بدخول متباعد لوجود سببها (ويدخل وقت الرواتب قبل الفرض بدخول وقت الفرض وبعده بفعله) لأنها تابعان له ففعل القبلية بعد الفريضة أداء لكن الاختيار أن لا تؤخر عنه إلا لمن حضر والصلاة تقام وأما فعل البعدية قبله فلا تنعقد ويسن فعل السنن الراتبة في السفر لكنها في الحضر أكد وَلْيُعْلَم أنه من واظب على ترك الراتبة ردت شهادته (ويخرج النوعان بخروج وقت الفرض) لتبعيتهما للفرض (ولو فات النفل المؤقت) كصلاتي العيد والضحى ورواتب الفرائض (ندب قضاؤه في الأظهر) كما تُقْضَى الفرائض والثاني لا تقضى لاشتراط الوقت في الاعتداد بها وخرجت الفريضة بخبر الصحيحين: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها واستدل للأول بأنه (ص) قضى ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر وركعتي الفجر بعد الشمس لما نام في الوادي روى الأول الشيخان وروى الثاني أبو داود بإسناد صحيح.
(وقسم يسن جماعة كالعيد والكسوف والاستسقاء) وأفضلها العيدان (وهو أفضل مما لا يسن جماعة) لتأكده بسنِّ الجماعة فيه (لكن الأصح تفضيل الراتبة) للفرائض (على التراويح) لمواظبته (ص) على الرواتب دون التراويح فإنه صلاها ثلاث ليالٍ فلما كثر الناس في الثالثة حتى غصَّ بهم المسجد تركها خوفاً من أن تفرض عليهم فيعجزوا رواه الشيخان عن عائشة (و) الأصح (أن الجماعة تسنُّ في التراويح) وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان بين صلاة العشاء وطلوع الفجر روى ابن حبان ابن خزيمة عن جابر قال: صلى بنا رسول الله (ص) في رمضان ثماني ركعات ثم أوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا وكأن جابراً إنما حضر في الليلة الثالثة والرابعة وانقطع الناس عن فعلها جماعة في المسجد إلى زمن عمر بن الخطاب وكان الناس يصلونها أوزاعاً متفرقين فجمعهم عمر على أبي بن كعب فصلى بهم في المسجد قبل أن يناموا رواه البخاري وروى البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة وروى مالك في الموطأ بثلاث وعشرين وجمع البيهقي بين الرواتين بأنهم كانوا يوترون بثلاث وسميت تراويح لأنهم كانوا يتروحون عقب كل أربع أي يستريحون ولا بأس بصلاتها على الانفراد إن أمنوا التكاسل عنها (ولا حصر للنفل المطلق) وهو مالا يتقيد أي ما ليس محدداً بوقت ولا معلقاً بسبب للحديث الصحيح أن النبي (ص) قال لأبي ذر الصلاة خير موضوع فاستكثر منها أو أقل. رواه ابن حبان في صحيحه فَلَهُ صلاةُ ما شاء ولو من غير نيةِ عددٍ ولو ركعة بتشهد بلا كراهة (فإذا أحرم بأكثر من ركعة فله التشهد في كل ركعتين) في الرباعية وفي كل ثلاث في الثلاثية بل (وفي كل ركعة) لحل التطوع بالركعة الواحدة (قلت الصحيح منعه في كل ركعة والله أعلم) لأنه لا نظير له أصلاً في الصلوات والمقصود هنا أن يتشهد عقب الركعة الأولى مع إحرامه بأكثر منها وله جمعُ عددٍ من الركعاتِ كثيرٍ بتشهد آخره (وإذا نوى عدداً فله أن يزيد وينقص بشرط تغيير النية قبلها) أي قبل الزيادة والنقصان (وإلا) بأن زاد أو نقص قبل التغير عمداً (فتبطل) صلاته لمخالفته لما نواه (فلو نوى ركعتين فقام إلى ثالثة سهواً) فتذكر (فالأصح أنه يقعد ثم يقوم للزيادة إن شاء) الزيادة ثم يسجد للسهو في آخر صلاته لزيادة القيام وقيل لا يلزمه القعود إن أراد الزيادة بل يمضي فيها كما لو نواها قبل القيام وإن لم يشأ الزيادة قعد وتشهد وسجد للسهو وسلم (قلت نفل الليل) المطلق (أفضل) وأفضل من نفل النهار المطلق لخبر مسلم: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل وروي أنه في كل ليلة ساعة إجابة (وأوسطه أفضل) من طرفيه إذا قسمنا الليل ثلاثاً لأن الغفلة فيه أتم والعبادة فيه أثقل وأفضل منه السدس الرابع والخامس لخبر الشيخين "أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" (ثم آخره) أي نصفه الآخر إن قسمه نصفين لقوله تعالى: [وبالأسحار هم يستغفرون] الذريات:18 ولخبر الشيخين: ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقولُ من يدعوني فاستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له (وأن يسلم من كل ركعتين) بأن ينويهما ابتداء أو يقتصر عليهما إذا أطلق أو نوى أكثر منهما بشرط تغيير النية لخبر الشيخين "صلاة الليل مثنى مثنى" وللحديث الصحيح الذي رواه أصحاب السنن الأربعة "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" ولا يستحب التنفل بالأوتار ويجوز أن يصلي أربعاً أو ستاً بتسليمة واحدة ولكنه خلاف الأولى. (ويسن التهجد) لقوله تعالى: [ومن الليل فتهجد نافلة لك] الأسراء:79 ولمواظبة النبي (ص) عليه ويسن للتهجد القيلولة وهو النوم قبل الزوال ولا بأس به بعد الظهر لخبر "استعينوا بالقيلولة على قيام الليل" رواه ابن ماجة عن ابن عباس والتهجد هو التنفل في الليل بعد نوم (ويكره قيام الليل دائماً) لقوله (ص) لعبد الله بن عمرو بن العاص صمْ وأفطر وقم ونمْ رواه الشيخان لما في ذلك من ضرر في البدن والمصالح (وتخصيص ليلة الجمعة بقيام) يكره لخبر مسلم عن أبي هريرة "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" (وترك تهجداً اعتاده) ويكره ترك التهجد بلا عذر (والله أعلم) لقوله (ص) لعبد الله بن عمرو بن العاص "لا تكن مثلَ فُلان كان يقوم الليل ثم تركه" ويسن أن يفصل بين سنة الفجر والفريضة باضطجاع على يمينه وأن يقرأ في ركعتي الفجر والمغرب والاستخارة وتحية المسجد [قل يا أيها الكافرون] وفي الثانية الإخلاص. وأن يتوسط في القراءة في قيام الليل وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين وإطالة القيام في نوافل أفضل من تكثير عدد الركعات ويتأكد اكثار الدعاء والاستغفار في جميع ساعات الليل وفي النصف الآخير وأفضله عند السحر.

كتاب صلاة الجماعة
(1) روى الشيخان والشافعي عن ابن عمر: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة قال الترمذي كل من رواه قالوا: خمساً وعشرين إلا ابن عمر.
(2) وروى أحمد أبو داود وغيرهم عن أُبي بن كعب "صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل وما زاد فهو أحب إلى الله..
(3) وروى أحمد وأصحاب السنن والحاكم عن أبي الدرداء: ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان.
(4) وروى مسلم عن ابن مسعود لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة وقال: إن رسول الله علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يُؤَذَنُ فيه.
(5) روى الترمذي عن أنس أنه قال "من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق.
(6) إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار رواه الشيخان من حديث أبي قتاده.
(7) وروى البخاري ومسلم عن ابي مسعود البدري الأنصاري أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا فما رأيت رسول الله (ص) في موعظه أشد غضباً منه يومئذ ثم قال: إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة.
(8) وروى الشيخان عن نافع عن ابن عمر أنهأذن في ليلة ذات برد وريح ومطر وقال في آخر ندائه ألا صلوا في رحالكم ألا صلوا في رحالكم ثم قال: إن رسول الله (ص) كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول ألا صلوا في رحالكم".
(9) روى مسلم عن عائشة "لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان.
(10) روى الشيخان عن ابن عمر "إذا حضر العشاءُ وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشَاءِ.
(11) وروى البخاري عن عمرو بن سلمة أنه كان يَوُمُ قومه على عهد رسول الله (ص) وهو ابن سبع سنين.
(12) روى البخاري ومسلم عن أبي بكر أنه دخل المسجد ورسول الله في الركوع فركع ثم دخل الصف وأخبر النبي (ص) بذلك ووقعت ركعة معتدٌّ بها.
(13) وروى البخاري: أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج.
والأصل فيها قبل الإجماع قولع تعالى: [وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة] النساء:102 أمر بها في الخوف ففي الأمن أولى وأقل الجماعة إمام ومأموم (هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة) لأن النبي (ص) واظب عليها ووصى بها كما في أحاديث الباب أما في الجمعة فالجماعة شرط في صحتها (وقيل فرض كفاية للرجال) العقلاء البالغين الأحرار المقيمين "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تٌقام فيه الجماعة إلا استحوذ "أي هيمن وغلب" عليهم الشيطان". وإذا تقرر انها فرض كفاية (فتجب) ليسقط الحرج عن الباقين في مؤداة من الخمس ليظهر بها شعار الإسلام (بحيث يظهر الشعار) في البادية والحاضرة والشعار هو العلامة الدالة على إقامتها والمدار في القلة والكثرة ليس على سعة المدينة إنما على كثرة المصلين وقلتهم (فإن امتنعوا كلهم) عن اقامتها وإظهار الشعار (قوتلوا) أي قاتل الممتنعين الإمامُ أو نائبُهُ لإظهار هذه الشعيرة العظيمة ولكن لا يفجأهم بالقتال بل يدعوهم وينبههم ويحضهم على أقامتها (ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح) لخشية المفسدة مع كثرة المشقة (قلت الأصح المنصوص أنها فرض كفاية) للخبر السابق (وقيل عين) لخبر لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً يصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حُزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار متفق عليه ويجاب عليه بأن الحديث في قوم منافقين (وفي المسجد لغير المرأة أفضل) لخبر أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. متفق عليه. أي أن المكتوبة في المسجد أفضل أما المرأة فجماعتها في بيتها أفضل لخبر "لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهنَّ" رواه أبو داود وقال الحاكم هو على شرط الشيخين وإمامة الرجل لهن أفضل من إمامة المرأة ويكره حضور غير العجائز المساجد خوف الفتنة (وما كثر جمعه أفضل) مما قلَّ جمعه لقول النبي (ص) "وما كان أكثر فهو أحبَّ إلى الله تعالى" (إلا لبدعة إمامه) التي لا تقتضي اخراجه من الملة كرافضي لا يتعرض للصحابة أو فاسق (أو تعطل مسجد قريب لغيبته) لكونه إماماً أو أن الناس يحضرون بحضوره أو إذا كان وجوده جامعاً للناس مانعاً للخلاف فيما بينهم (وإدراك تكبيرة الإحرام فضيلة) أي مع الإمام لأحاديث الباب ولأنها صفوة الصلاة ولقد روى البزار من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء مرفوعاً "لكل شيء سفوة وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها" (وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم وعقب تحرم إمامه) فإن لم يحضرها أو تراخى عن اللحوق بها فاتته الفضيلة (وقيل بإدراك بعض القيام) تحصل فضيلة التكبيرة لأن القيام محل التحرم (وقيل) تحصل بإدراك بعض من (أول ركوع) لأنه يكون مدركاً الصلاة كاملة (والصحيح إدراك الجماعة) في غير الجمعة (ما لم يسلم) إمامه أي يتمَّ لفظ السلام (وليخفف الإمام مع فعل الأبعاض والهيئات) بحيث لا يأتي بأقل الواجب ولا يستوفي الأكمل للأمر بالتخفيف كما مرَّ (إلا أن يرضى بتطويله محصورون) بمسجد غير مطروق لا يأتيهم غير هذا العدد المحصور ولقد خفف رسول الله (ص) عندما سمع بكاء الصبي وأنكر على معاذ في تطويله الصلاة في قومه (ويكره التطويل ليلحقه آخرون) للإضرار بالحاضرين مع تقصير المتأخرين بعدم المبادرة على أنه يندب تطويل الأولى ليدرك الناس الجماعة (ولو أحسَّ في الركوع أو التشهد الأخير بداخل) إلى محل الصلاة (لم يكره انتظاره في الأظهر) ليدرك الجماعة ولا ينتظره قبل الصلاة وبعد الإقامة فإن ذلك حرام (إن لم يبالغ فيه) أي إن لم يبالغ في الانتظار بحيث يكون لهذا الانتظار أثر محسوس في الركن (ولم يَفْرُقُ بين الداخلين) بانتظار بعضهم لنحو قرابة أو صداقة دون الآخرين بل يسوى بينهم (قلت المذهب استحباب انتظاره) بشرط عدم المبالغة في الانتظار وعدم التفريق بين الداخلين أعانه على إدراك الركعة في الركوع وإدراك الجماعة في التشهد الأخير (ولا ينتظر في غيرهما) أي في غير الركوع والتشهد الأخير من قيام وغيره (ويسن للمصلي) فريضة مؤداة (وحده وكذا جماعة في الأصح إعادتها مع جماعة يدركها) في الوقت وقوله يدركها بأن لا ينفرد وفي جزء منها بسبب نقص في الأولى أو خلل أو انفراد أو قلة جماعة لما روى الترمذي وصححة عن يزيد بن الأسود أن النبي (ص) سلم عن صلاة الصبح في مسجد الخيف فرأى رجلين لم يصليا فسألهما فقالا: صلينا في رحالنا فقال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيمتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة" وقوله: صليتما يصدق به الانفراد والجماعة وقيل: ذلك مقصور على الانفراد لأن المصلي في جماعة حاز فضلها فلا تطلب منه الإعادة (وفرضه الأولى في الجديد) للحديث السابق، وفي القديم إحداهما لا بعينها فينوي عند دخوله فيها الفرض ويكون المراد بالنافلة في الحديث مطلق الزيادة (والأصح أن ينوي بالثانية الفرض) أيضاً وقال إمام الحرمين ينوي الصلاة ظهراً أو عصراً مثلاً دون أن يتعرض للفرض ويستحب لمن صلى إذا رأى من يصلي ذات الفريضة وحده أن يصليها معه لتحصل له فضيلة الجماعة لخبر أبي داود والترمذي عن أبي سعيد أن رجلاً جاء المسجد بعد صلاة رسول الله (ص) فقال رسول الله (ص): من يتصدق على هذا فيصلي معه فصلى معه رجل قيل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفي هذا الحديث فوائد منها: استحباب اعادة الصلاة في جماعة وإن كانت الثانية أقل من الأولى وأنه يستحب الشفاعة إلى من يصلي مع الحاضر ممن له عذر في عدم حضور الجماعة وأن الجماعة تحصل بإمام ومأموم وأن المسجد المطروق وهو ما يمر عليه الناس كثيراً ويكون قريباً من أسواقهم وأماكن عملهم لا تكره فيه جماعة بعد جماعة (ولا رخصة في تركها) أي الجماعة (وإن قلنا سنة إلا عذر) لخبر: من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له. رواه ابن ماجة وصححه الحاكم وقال على شرط الشيخين. وقوله لا صلاة أي: كاملة (عام كمطر) يبل الثوب ليلاً أو نهاراً (أو ريح عاصف بالليل) لعظم مشقتها مع الظلمة دون النهار (وكذا وَحَلٌ شديد على الأصح) ليلاً أو نهاراً لأنه أشق من المطر ولا يأمن معه التلوث أو الزلق (أو خاص كمرض) مشقته كمشقة المشي في المطر أو أكثر (وحر وبرد شديدين) بليل أو نهار لا يمكن فيهما الحركة إلا بصعوبة أو ضرر (وجوع وعطش ظاهرين) أي شديدين لكن يشترط أن يكون المأكول أو المشروب حاضراً أو آن وقت حضوره لخبر الصحيحين: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه" على أن يأكل منه لقماً ثم يدرك الجماعة إن لم يخشَ ضرراً أما إذا خشي الضرر فيأكل حتى يشبع وإن فاتته الجماعة (ومدافعة حدثٍ) بول أو غائط أو ريح لخبر مسلم: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان" (وخوف ظالم على نفس أو مالٍ) له أو لمن يجب عليه الدفع عنه. قال الأسنوي: "ومن الخوف على المال أن يكون خبزه في التنور وقَدْرُهُ على النار فخشي إن ذهب إلى الجماعة تلفهما (وملازمة غريم معسر) أي أن يراه وهو خارج إلى الجماعة غريمه وهو لا يجد وفاءاً لدينه ولا بينة على إعسارة والغريم يطلق لغة على المدين والدائن (وعقوبة يرجى تركها إن تغيب أياماً) أي عقوبة تقبل العذر كقود وحد قذفٍ وتعزير لله تعالى إن غاب زماناً يسكن فيه غضب المستحق (وعري) بأن لا يجد إلا ما تختل مروءته بلبسه أو لم يعتد لبسه أو ما لا يستر إلا العورة (وتأهب لسفر مع رفقة ترحل) كطائرة أو باخرة أو أصدقاء يشق عليه مفارقتهم (وأكل ذي ريح كريه) كمن يظهر منه الريح كبصل وثوم وكرات وفجل إذا لم يمكنه إزالة ريحه بغسل ونحوه لخبر الصحيحين : "من أكل بصلاً أو ثوماً أو كراثاً فلا يقربنَّ مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم. قال جابر: "ما أراه إلا نيئاً" وفي رواية الطبراني زيادة "أو فجلاً" ويؤخذ مما ذكر أن من به مرض يعدي أو ينفر الناس (وحضور قريب مُحْتضر) وإن كان له متعهد لتألم قريبه بغيابه (أو مريض بلا متعهد) له أو كان له متعهد مشغول (أو يأنس به) أي يأنس بحضوره فتأنيسه أفضل من حفظ الجماعة. ومن أعذار ترك الجماعة غلبة نعاس وسمنٌ مفرط وليلة زفاف وعميً مع عدم وجود قائد وسعي في استرداد مالٍ اعتقد حصوله ونشدان ضالة.

فصل في صفات الأئمة
(لا يصح اقتداؤه بمن يعلم بطلان صلاته) وذلك كأن علم بحدثه أو نجاسة ثوبه لأنه ليس في صلاة (أو يعتقده) من حيث الاجتهاد كاجتهاد في القبلة والأواني أو في طهارة الثوب (كمجتهدين اختلفا في القبلة أو اناءين) من الماء طاهر ونجس بأن أدى اجتهاد احدهما إلى غير ما أدى إليه اجتهاد الآخر فصلى كل لجهة أو توضأ كل من إناء فليس لأحدها الاقتداء بالآخر (فإن تعدد الطاهر) من الآنية كأن كانت ثلاثة آنية والمجتهدون ثلاثة (فالأصح الصحة) في اقتداء بعضهم ببعض (ما لم يتعين إناء الإمام للنجاسة) وهو الإناء الثالث أي إناء إمام الثالثة مع إناء إمام الأولى وإناء إمام الثانية بافتراض أن كل واحد منهم صلى إماماً في صلاة. قال الإمام ابن حجر الهيتمي ويؤخذ منه كراهة الاقتداء هنا للخلاف في بطلانه ولا ثواب للجماعة لأن كلَّ مكروهٍ من حيث الجماعة يمنع فضلها (فلو اشتبه خمسة فيها نجس على خمسة فظن كل طهارة إناء فتوضأ به) ولم يظن شيئاً في الأواني الأخرى (وأمَّ كلٌ في صلاة) من الخمس مبتدئين بالصبح (ففي الأصح يعيدون العشاء) لتعين النجاسة في إناء إمامهم بزعمهم لأن كلَّ واحد اعتقد طهارة إنائه ولابد أن يكون أحدها نجساً فإن اجتهدنا في الأربعة واعتقدنا طهارتها فقد حكمنا بنجاسة الأخير إذ لا سبيل إلى الحكم بصحة الاقتداء بالكل لتيقن النجاسة (إلا إمامها) لاعتقاده بطهارة إنائه (فيعيد المغرب) لتعين انائها بحقه بالنجاسة ولعل سائلاً يسأل لماذا اعتبرنا الأخيرة هي الباطلة قيل لأن الأصل في فعل المكلف وهو هنا الاقتداء هو صونه عن الابطال ما أمكن فإذا حكمنا بصحة صلواته السابقة ونحن على اليقين بوجود النجس فوجب باختيار المقتدي بطلان صلاة الأخير والضابط هنا أن يقال يعيد كل منهم ما صلاه مأموماً آخراً بعدد النجس فلو كان النجس اثنين أعاد كل منهم صلاتين وهكذا (ولو اقتدى شافعي بحنفي مسَّ فرجه أو افتصد فالأصح الصحة) أي صحة القدوة (في الفصد دون المسِّ اعتباراً بنية المقتدي) أي عملاً باعتقاد المأموم أن الفصد لا ينقض الوضوء وأن المسَّ ينقض الوضوء (ولا تصح قدوة بمقتد) لأنه أصبح تابعاً ومتبوعاً فهو يلحقه سهو إمامه ومن شأن الإمام أن يحمل سهو غيره فلا يجتمعان (ولا بمن تلزمه إعادة كمقيم تيمم) حيث أن المقيم إذا تيمم في محل يغلب فيه وجود الماء عادة وجب عليه الإعادة لندرة فقد الماء فكان في صلاته نقص (ولا قارئ بأمي في الجديد) لأنه ليس أهلاً لتحمل عن المأموم لو أدركه راكعاً مثلاً ومن شأن الإمام التحمل والقديم يصح اقتداؤه به في السرية لقراءة المأموم ثم يعّرِفُ الأميَّ (وهو من يخل بحرف أو تشديدة من الفاتحة) بأن لا يحسنها بخلاف غيرها كالتشهد والسلام وتكبيرة الأحرام على المعتمد لأنه لا يسمى أمياً (ومنه أرت يدغم في غير موضعه) إما بالإبدال كقارئ مستقيم بتاء مشددة (متقيم) أو (مسقيم) أو كقراءة مالك بتشديد اللام (وألثغ يبدل حرفاً بحرف) ولو مع الادغام كإبدال الراء عيناً وجعل السين ثاءً نعم لا تضر لثغة بسيرة بأن لم تمنع أصل مخرج الحرف وإن كان غير صافٍ (وتصح) قدوة أمي (بمثله) وأرت بأرت أو ألثغ وألثغ بمثله لأن كل أرت ألثغ ولا عكس (وتكره بالتمتام) وهو من يكرر التاء (والفأفاء) وهو من يكرر الفاء وذلك في غير الفاتحة إذ لا فاء فيها وكذلك كل من يكرر حرفاً لزيادة حرف ولنفور الطبع عن سماعه (واللاحن) لحناً لا يغير المعنى مثل فتح دال نعبد وكسر بائها أو نونها لبقاء المعنى (فإن غير معنى كأنعمت بضم أو كسر أبطل صلاة من أمكنه التعلم) ولم يتعلم وكمن قرأ المستقيم "المستقين" لأنه ليس بقرآن (فإن عَجَزَ لسانُهُ أو لم يمض زمن إمكان تعلمه) منذ أن أسلم فيمن طرأ إسلامه وَمِنْ سنِّ التمييز في غيره (فإن كان في الفاتحة فكأمّي) فقدوة مثله به صحيحة وقدوة صحيح اللسان به كقدوة قارئ بأمي (وإلا فتصح صلاته والقدوة به) في غير الفاتحة لأن الفاتحة ركن فلا تسقط بنحو جهلٍ أو نسيان (ولا تصح قدوة رجل ولا خنثى بامرأة ولا خنثى) مشكل لأن الأنثى ناقصة عن الرجل وقد قال (ص) "لن يفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة" رواه البخاري عن أبي بكرة وروى ابن ماجة أن النبي قال: "لا تَؤمنَّ امرأة رجلاً" ويصح اقتداء خنثى بانت أنوثته برجل أو خنثى بانت ذكورته (وتصح للمتوضئ بالمتيمم) أي تصح قدوة المتوضئ بالمتيمم الذي لا يعيد لكمال صلاته (وبماسح الخف وللقائم بالقاعد والمضطجع) ولأحدهم بالآخر فقد روى الشيخان عن عائشة أنه (ص) صلى في مرض موته قاعداً وأبو بكر والناس قياماً وهذا قبل موته بيوم أو يومين وهو ناسخ لخبر الشيخين عن عائشة إنما جعل الإمام ليؤتم به إلى أن قال: وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون والقيام هو الأصل وإنما وجب القعود لمتابعة الإمام فحين إذ نسخ زال اعتبار المتابعة فلزم وجوب القيام لأنه الأصل (و) تصح (للكامل بالصبي والعبد) للاعتداد بصلاتهما لخبر البخاري عن عمرو بن سَلِمَةَ وأن عائشة كان يؤمها عبدها ذكوان رواه البخاري نعم البالغ أولى من الصبي والحر أولى من العبد (والأعمى والبصير سواء على النص) والبصير أولى للتحرز من النجاسة وقيل الأعمى أولى لأنه أخشع في صلاته (والأصح صحة قدوة السليم بالسلس والطاهر بالمستحاضة غير المتحيرة) لصحة صلاته من غير قضاء وللعفو عن نجاستها (ولو بان إمامه) بعد الصلاة على خلاف ظنه (امرأة أو كافراً معلناً) بكفره كاليهودي والنصراني (قيل أو مخفياً وجبت الإعادة) أي مخفياً كفره كزنديق والمقتدي بواحد منهم يعيد لتقصيره بترك البحث عنهم بخلاف مخفي الكفر فإنه لا اطلاع عليه فلا تجب الإعادة فيه في الأصح (لا جُنُباً وذا نجاسة خفية) في ثوبه أو بدنه إذا لا أمارة عليها فلا تقصير (قلت الأصح المنصوص هو قول الجمهور أن مخفي الكفر هو كمعلنه والله أعلم) إذ إن الكافر لا صلاة له فهو ليس أهلاً للإمامة فهو ناقص بالكفر بخلاف المحدث فلا نقص فيه بالحدث (والأمي كالمرأة في الأصح) بجامع النقص فتجب الاعادة ومثله كلُّ ما شأنه عدم الخفاء كترك القيام مع القدرة والسترة والقراءة وتكبيرة الأحرام والتشهد والسلام فيجب في كل ذلك الإعادة على المقتدى بهم ولو بان أثناء صلاته أن إمامه محدث أو جنب نوى المأموم المفارقة وضابط ذلك كل ما وجب فيه الإعادة بعد الفراغ إذا تبين في الأثناء تجب فيه المفارقة حالاً من غير استئناف أما لو بان أن إمامه امرأة فيقطعها حالاً ويستأنف صلاة جديدة لبطلانها أصلاً. (ولو اقتدى رجل بخنثى فبان رجلاً لم يسقط القضاء في الأظهر) لأن القدوة غير صحيحة لعدم الجزم بالذكورة عند التحرم (والعدل أولى) بالإمامة (من الفاسق) وإن اختص بزيادة فقه لأنه يخاف منه ألا يحافظ على شرائط الصلاة وأركانها والصلاة وراء الفاسق صحيحة مع الكراهة (والأصح أن الأفقة أولى من الأقرأ) وهو الأكثر قرآناً (والأورع) أي أن الأفقة أولى من الأكثر عدالة وعفة وحسن سيرة وزيادة نفل لأن الفقيه بأحكام الصلاة يحفظ الصلاة من الخطأ لنفسه ولغيره أما الورع فيحفظ ذاته فقط ولقد قدم رسول الله (ص) أبا بكر في الصلاة على غيره ولم يجمع القرآن ويوجد من هو أحفظ منه والذي جمع القرآن في حياة النبي أربعة كلهم من الأنصار خزرجيون:
أُبي بن كعب – ومعاذ بن جبل – وزيد بن ثابت – وأبو زيد رواه البخاري وأما خبر مسلم "أحقهم بالإمامة أقرؤوهم" فقد أجاب عنه الإمام الشافعي بأن الصدر الأول كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارئ إلا فقيه قال ابن مسعود: ما كنا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها (ويقدم الأفقه والأقرأ على الأسن والنسيب) فعلى أحدهما من باب اولى وأما الأسن فهو الذي مضى عليه في الإسلام زمن أكثر من زمن الآخر فيه فإن كانا ولدا مسلمين فالمتقدم فيهما بالالتزام وتطبيق أحكام الشرع ولا عبرة في سنِّ في غير الإسلام فيقدم شاب أسلم بالأمس على شيخ أسلم اليوم والنسيب من ينتسب إلى أصل طيب كقريش أو غيرهم مما يعتبر فيه الكفاءة كالعلماء والفقهاء والصلحاء ويقدم الأفقه والأقرأ على النسيب لأن الأول شَرُفَ بنفسه والثاني شَرُفَ بآبائه وفضيلة الذات أولى والقديم تقديم النسيب لأن فضيلته مكتسبة بالآباء فَسَرتْ إليه ولخبر مسلم "الناس تبع لقريس في هذا الشأن" أي الإمامة العظمى وقيس عليها الصغرى (فإن استويا فبنظافة الثوب والبدن وحسن الصوت وطيب الصنعة ونحوها) كلبس البياض وعلى هذا فالترتيب كما يلي يقدم العدل فالأفقه فالأقرأ فالأورع فالأقدم هجرةً "ولم يذكرها المصنف" فالأسن فالنسيب فأولاد هؤلاء على ترتيب الآباء فالأحسن سيرة فالأنظف ثوباً فبدناً فالأطيب صنعة فالأحسن صوتاً والأكمل سمتاً لاستمالة القلوب وعدم النفرة (ومستحق المنفعة بملك ونحوه) كإجارة وإعارة وإذن من المالك (أولى) بالإمامة فيما استحق منفعته إذا كان أهلاً لها من الأجنبي (فإن لم يكن أهلاً لها) كامرأة لرجال أو كذمي لخبر مسلم "لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه" وفي رواية أبي داود في بيته ولا في سلطانه (ويقدم) السيد لا غيره (على عبده الساكن) في ملكه ولو كان العبد مأذوناً له بالتجارة (لا مكاتبه في ملكه) أي لا يقدم السيد على مكاتبه في ملك المكاتب لأن الملك ليس للسيد ولا المنفعة للسيد أيضاً (والأصح تقديم المُكْتري على المُكْري) فالمقرر نظر ملك المنفعة وليس من له الحق في التأجير من مالك أو وكيل (والمعير على المستعير) لِمَلْكِهِ الرقبة والمنفعة (والوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك) إلا إذا أذن في الصلاة في ملكه وإن لم يأذن في الجماعة لأن الجماعة حكم الدين فليس للوالي منعها ولا على الناس قبولها كما يقدم الوالي على إمام المسجد لخبر "لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه" وتقدم أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج ويكره أن يولي الإمام الأعظم على قوم رجلاً يكرهونه لخبر ابن ماجة : ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان قال الشافعي يكره أن يولي الإمام الاعظم على قوم رجلاً يكرهه أكثرهم


فصل في شروط القدوة وآدابها
(لا يتقدم) المأموم (على إمامه في الموقف) لأنه لم ينقل عن أحد من المقتدين بالنبي (ص) ولا بالخلفاء الراشدين التقدم على إمامه ولقوله (ص) إنما جعل الإمام ليؤتم به (فإن تقدم بطلت) إن كان التقدم في الابتداء لم تنعقد وإن كان التقدم في اثناء الصلاة بطلت صلاة المأموم (في الجديد) لأن هذا الفعل أفحش في المخالفة ولأن المخالفة في الافعال تُبْطِلُ (ولا تضر مساواته) للإمام لعدم المخالفة لكنها مكروهة مفوتة لفضيلة الجماعة (ويندب تخلفه قليلاً) إن كان رجلين وتكره مساواته لإمامه وتتأخر المرأة حتى تصلي خلف الرجل (والاعتبار بالعقب) وهو مؤخر القدم فلو تساويا فيه وتقدمت أصابع المأموم لم يضر، وفي القعود التقدم بالألية. (ويستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة) ويستحب أن يقف الإمام خلف المقام للاتباع (ولا يضر كونه أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام في الأصح) إذ لا يظهر بذلك مخالفة فاحشة بخلافه في جهة الإمام فيضر جزماً إذا تقدم على إمامه بين ركنين عن يمينه وشماله وكذا الوقوف في الكعبة واختلفت جهتاهما أي داخلها وكان وجه المأموم إلى وجه الإمام أو ظهره إلى ظهره ولا يضرُّ كون المأمون أقرب إلى الجدار لأنه لا تقدم ولا تأخر داخل الكعبة (ويقف الذكر عن يمينه) أي عن يمين الإمام إن كان المأموم بالغاً أو صبياً (فإذا حضر آخر) في القيام (أحرم عن يساره ثم يتقدم الإمام أو يتأخران) حيث أمكن التقدم أو التأخر، وأُلْحِقَ بالقيام الركوع وتأخرهما (أفضل) لما روى الشيخان عن ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة فقام النبي (ص) يصلي بنا الليل فقمتُ عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه وروى مسلم عن جابر قال: "قام رسول الله (ص) يصلي فقتمت عن يساره حتى أدارني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يساره فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه، ولو جاء الثاني في الجلوس أو السجود فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا وإن لم يمكن التقدم أو التأخر لضيق المكان من جانب أو أكثر حافظوا على الممكن (ولو حضر رجلان أو رجل وصبي صفّا خلفه وكذا امرأة أو نسوة) ففي إمامة المرأة تقف وسطهن كما سيأتي لما روى الشيخان عن أنس قال: " صلى النبي (ص) في بيت أم سليم فقمت أنا وتييم خلفه وأم سليم خلفنا وأم سليم هي أم أنس واسمها مليكة، ويقف (خلفه الرجال ثم الصبيان ثم النساء) لخبر مسلم "ليليني منكم أولو الأحلام والنُهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم: ثلاثاً رويت بتشديد النون وبتخفيفها والنهي العقول وهو جمع منُهية وقيل البالغون. وروى البيهقي عن ابن مالك الأشعري قال: كان رسول الله (ص) يليه في الصلاة الرجال ثم الصبيان ثم النساء (وتقف إمامتهن وَسْطُهُنَّ) لما روى البيهقي بإسنادين صحيحين، أن عائشة وأمَّ سُليم أمتا نساءً فقامتا وسطهن (ويكره وقوف المأموم فرداً بل يدخل الصف إن وجد سعة) وذلك عن اتحاد الجنس أما إذا جاءت امرأة ولا نساء فلا كراهة بل يندب ذلك والأصل في ذلك حديث البخاري عن أبي بكرة أنه دخل والنبي (ص) راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي (ص) فقال زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ. وأما حديث "أن النبي (ص) رأى رجلاً يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة فحملوه على الندب جمعاً بين الدليلين على أن تصحيح الترمذي لهذا الحديث وتصحيح ابن حبان له مُعْتَرَضٌ بقول ابن عبد البر أنه مضطرب وقول البيهقي أنه ضعيف وقد ضعفه الشافعي وكان يقول في القديم: لو ثبت قلت به" وفي رواية لأبي داود على شرط البخاري: "فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ولم يأمره بالإعادة" مع أنه أتى بالصلاة منفرداً خلف الصف، فإذا جاء المنفرد فوجد فرجة دخل بها من غير الحاق مشقة بغيره، وإن لم تكن فرجة أو كانت الفرجة في صف متقدم لم يخرق الصفوف إليها (وإلا فَلْيجُرَّ شخصاً) من الصف الذي أمامه إن كان فيه أكثر من اثنين (بعد الإحرام وليساعده المجرور) لا قبل الإحرام بل قال ابن الرفعة في الكفاية يحرم ذلك ولكن الكلام مُنَاَِعٌ فيه، ويندب للمجرور الإعانة على البر فيقف مع الذي جره صفاً كما روى البيهقي أن النبي (ص) قال لرجل صلى خلف الصف أيها المصلي هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف يصلي معك" (ويشترط علمه بانتقالات الإمام) ليتمكن من متابعته (بأن يراه أو بعض صف) من المقتدين به (أو يسمعه أو مبلغاً) بشرط كونه ثقة يُقْبِلُ خبره (وإذا جمعهما مسجد صح الاقتداء وإن بَعُدتِ المسافة وحالت أبنية) ومنه جدار المسجد ورحبته وإن كان بينهما طريق ومنارته التي بابها فيه أو في رحبته على أن تكون الابنية متنافذة الأبواب إليه ولو قسم المسجد نصفين ولم ينفذ أحدهما إلى الآخر قيل يصح اقتداء من في أحدهما بمن في الآخر لأنه يُعَدُّ مسجداً واحدا ًقبل السد وبعده والمساجد المتلاصقة المتنافذة الأبواب حكمها حكم مسجد واحدٍ (ولو كانا بفضاء) الإمام والمأموم في مكان واسع ولو وقف أحدهما بسطح والآخر بسطح آخر، وإن حال بينهما شارع (شرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع) أي مئة وخمسون متراً (تقريباً) لعدم الضابط بالشرع (وقيل تحديداً) والأصل فيه العرف فلا تضر زيادة غير متفاحشة كثلاثة أذرع ونحوها (فإن تلاحق شخصان أو صفان) أي إذا وقف خلف الإمام شخصان واحد خلف الآخر أو صفان خلف بعضهما البعض (اعتبرت المسافة بين الأخير والأول) من الشخصين أو الصفين لا بين الأخير والإمام حتى لو كثرت الصفوف وبلغ ما بين الأخير والإمام كيلومترات بشرط إمكان المتابعة (وسواءٌ) في الحكم المذكور (الفضاءُ المسلوكُ والوقفُ والمبعضُ) أي الذي بعضه ملك وبعضه وقف وسواء المحوط والمسقف كله أو بعضه (ولا يضر) بين الشخصين أو الصفين (الشارع المطروق أو النهر المُحْوِجِ إلى سباحة على الصحيح) لأن ذلك لا يعدُّ حائلاً ومقابله يضر لأن الشارع قد تكثر فيه الزحمة والصوت فيعسر الاطلاع على أحوال الإمام وسماع صوته ولكن لا يضر جزماً الشارع غير المطروق ولا النهر الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحة (فإن كانا في بناءين كصحن وصفة) في مكان واحد كمدرسة مشتملة على ذلك أو مكانين حاذى أحدهما الآخر (أو) صحن أو صفة و (بيت فطريقان أصحهما إن كان بناء المأموم يميناً أو شمالاً) لبناء الإمام (وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر) كأن يقف واحد بطرف الصفة وآخر بالصحف متصلاً به لأن اختلاف الأبنية يوجب الافتراق فوجب الاتصال ليحصل الربط بالاجتماع والمراد ببناء المأموم موقفه عن يمين الإمام أو يساره (ولا تضر فرجة لا تسع واقفاً في الأصح) أو تسع ولكن تعذر الوقوف عليها كعتبة أو عمود لأن أهل العرف يعدونه صفاً (وإن كان) بناء المأموم (خلف بناء الإمام فالصحيح صحة القدوة بشرط أن لا يكون بين الصفين) أي مِنْ آخر مَنْ في بناء الإمام وأول مَنْ في بناء المأموم (أكثر من ثلاثة أذرع) تقريباً لأن الثلاثة لا تخل بالاتصال العرفي بخلاف ما زاد عليها (والطريق الثاني لا يشترط إلا القرب الفضاء) قياساً على الفضاء أي أن لا تزيد المسافة على 300 ذراع (150) متراً تقريباً (إن لم يكن حائل) يمنع رؤية الإمام أو بعض المقتدين به ويمكنه الوصول إلى الإمام مع المحافظة على الاتجاه نحو القبلة من دون ازورار (أو حال باب نافذ) وقف أمامه واحد أو أكثر يراه المقتدي ويمكنه الذهاب إليه حتى ولو كان امرأة لأنها ليست إماماً حقيقة (فإن حال ما يمنع المرور لا الرؤية) كالشباك والباب المردود (فوجهان) أصحهما البطلان قال الأسنوي: هذا في غير الشباك الذي بجدار المسجد لأن جدار المسجد منه والحيلولة فيه لا تضر والصحيح الأول فلابد من وجود باب أو كوة يدخل منها الضوء يستطرق منه إلى المسجد من غير ازورار عن القبلة (أو جدار بطلت) أي إذا حال جدار بين الإمام والمأموم بطلت القدوة ولم تنعقد الصلاة (باتفاق الطريقين) لأن الجدار معد للفصل بين الأماكن (قلت الطريق الثاني أصح) أي لا يشترط إلا القرب بين الإمام والمأموم لأن المشاهدة قاضية بأن العرف يوافقها (والله أعلم) بالصواب (وإذا صح اقتداؤه في بناء) آخر غير بناء الإمام (صح اقتداء مَنْ خلفه وإن حال جدار) أو جدر (بينه وبين الإمام) ويصير من صح اقتداؤه بالإمام كالإمام لمن خلفه فلا يُحْرِم قبل إحرامه ولا يركع قبل ركوعه ولا يتقدم عليه وإن كان متأخراً عن الإمام ولو أحدث من كان حصل به الاتصال فيتابع الغيرُ الإمام لأن الاتصال شرط الابتداء لا الدوام إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء لأن حكم الدوام أقوى (ولو وقف في علو وإمامه في سفل أو عكسه) كصحن الدار وصفة مرتفعة أو سطح أو في مجموعة أبنية (شرط محاذاة بعض بدنه) أي المأموم (بعض بدنه) أي الإمام كأن يحاذي رأس السافل قدم العالي فيحصل الاتصال بينهما بذلك وبالعكس إذا وقف المأموم على صفة مرتفعة والإمام في الصحن فلابد من وقوف رجل على طرف الصفة ووقوف آخر في الصحن متصلاً به (ولو وقف في موات وإمامه في مسجد) وكان الموات متصلاً بالمسجد (فإن لم يحل شيء) بين الإمام والمأموم (فالشرط التقارب) أي لا يزيد البعد عن ثلاثمائة ذراع كما في الفضاء (معتبراً من آخر المسجد) لأنه محل الصلاة فالاعتبار من آخره لأنه لا يعتبر فاصلاً (وقيل من آخر صف) فإن لم يكن فيه إلا الإمام فمن آخر موقفه (وإن حال جدار أو باب مغلق منع) لعدم الاتصال (وكذا الباب المردود والشباك في الأصح) لمنع الأول المشاهدة ومنع الثاني الاستطراق (قلت يكره ارتفاع المأموم على إمامه وعكسه) إن أمكن وقوفهما بمستوٍ واحد وإن كانا في مسجد واحد لخبر أبو داود أن حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان فأخذه أبو مسعود البدري بقميصه فجبذه فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك قال: بلى صححه ابن خزيمة والحاكم وفي رواية أن الإمام عمار بن ياسر والذي جبذه هو حذيفه بن اليمان إلا إذا قصد التعليم ولذا قال (إلا لحاجة فيستحب) لخبر الشيخين أن النبي (ص) صلى بالناس وهو على المنبر والدكان: المصطبة (ولا يقوم) مريد الصلاة (حتى يفرغ المؤذن من الإقامة) لأنه وقت الدخول في الصلاة لخبر إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجتُ رواه ابن حبان (ولا يبتدئ نفلاً بعد شروعه فيها) أي بعد شروع المؤذن بالإقامة لخبر مسلم: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (فإذا كان فيه أتمه إن لم يخشَ فوت الجماعة) باتمامه (والله أعلم) فإن خشة قطع النفل ودخل في الجماعة لأنها أولى منها والمقصود إدراك الجماعة قبل تسليم الإمام أما إذا أقيمت الجماعة والمنفرد يصلي حاضرة أتمَّ صلاته ودخل في الجماعة إن كان يدركها أو يَقْلِبَ صلاته نفلاً ويقتصر على ركعتين ثم يدخل في الجماعة إلا إذا خاف فوت الجماعة فيقطع صلاته ويدخل في الجماعة أما إذا كان يصلي فائتة فليتمها ولا يقلبها نفلاً إلا إذا خشي فوت الحاضرة.

فصل: في شروط القدوة
(شرط القدوة) أي انعقاد القدوة (أن ينوي المأموم مع التكبيرة الاقتداء أو الجماعة) أي مع تكبيرة الإحرام وإلا فلا تكون صلاته صلاة جماعة ونية الجماعة تكفي الإمام وتتعين النية من الإمام والمأموم بالقرينة لأن القرينة تَصْرِفُ النية إلى المطلوب كنية المأمومية دون قيد فتنصرف إلى الاقتداء بالإمام الحاضر (والجمعة كغيرها على الصحيح) في اشتراط النية مع التكبير وقيل لا تجب نية الجماعة لأن الجمعة لا تصح إلا جماعة فانصرفت إلى ذلك (فلو ترك هذه النية وتابع في الأفعال بطلت صلاته على الصحيح) لأنه وقف صلاته على صلاة غيره فهو متلاعب إلا إذا وقع ذلك من غير قصد أو انتظره قليلاً أو كثيراً من غير متابعة فلا تبطل (ولا يجب تعيين الإمام) باسمه أو وصفه كالإمام الحاضر أو بالإشارة إليه بل يكفي نية الاقتداء ولو أن يقول نويت الاقتداء بالإمام أو القدوة أو ينوي الجماعة (فإن عينه وأخطأ) كأن نوى الاقتداء بزيد فبان أنه عمرو (بطلت صلاته) لمتابعته من لم ينو الاقتداء به فإن قال نويت الاقتداء بهذا فقدوته صحيحة (ولا يشترط للإمام نية الإمامة) في صحة الاقتداء به فالقدوة صحيحة ولو لم ينوِ الإمامة (وتستحب) للإمام لينال فضيلة الجماعة والراجح أنه ينالها من غير نية لتأدي شعار الجماعة قاله القاضي حسين وقال أيضاً: من صلى منفرداً فاقتدى به جمع ولم يعلم بهم ينال فضيلة الجماعة لأنهم نالوها بسببه أما إذا علم بهم ولم ينوِ الإمامة لم تحصل له الفضيلة قال النووي في شرح المهذب (فلو أخطأ في تعيينِ تابِعِهِ) الذي نوى الإمامة به (لم يضر) لأن غلطه في النية لا يبطل الجماعة وهو أقل من ترك النية وهو جائز كما سبق (وتصح قدوة المؤدي بالقاضي والمفترض بالمتنفل وفي الظهر بالعصر وبالعكوس) ولا يضر نية الإمام والمأموم (وكذا الظهر بالصبح والمغرب وهو كالمسبوق) يتم صلاته بعد سلام إمامه (ولا تضر متابعة الإمام في القنوت) في الصبح (والجلوس الأخير في المغرب وله فراقه إذا اشتغل بهما) أي ينوي مفارقته إذا اشتغل بالقنوت والجلوس واستمراره مع إمامه أفضل (وتجوز الصبح خلف الظهر في الأظهر) لأنها صلاتان متفقتان في النظم (فإذا قام للثالثة إن شاء فارقه) بالنية (وسلم وإن شاء انتظره ليسلم معه قلت انتظاره أفضل والله أعلم) ليقع سلامه مع الجماعة وعند الانتظار يتشهد ويطيل الدعاء (وإن أمكنه القنوت في الثانية) بأن وقف أمامه يسيراً (قنت) ندباً لتحصيل السنة من دون مخالفة (وإلا تركه) وإن لم يقف إمامه خوفاً من التخلف (وله فراقه ليقنت) تحصيلاً للسنة ولو صلى المغرب خلف الظهر فإذا قام الإمام إلى الرابعة لم يتابعه بل يفارقه بالنية ويجلس ويتشهد ويسلم وليس له انتظاره في الأصح لأن المأموم أحدث جلوسَ تشهدٍ لم يفعله الإمام بخلاف الصبح خلف الظهر فله انتظاره ثم يسلم معه (فإذا اختلف فعلهما كمكتوبة وكسوف أو جنازة لم يصح) الاقتداء فيهما (على الصحيح) لتعذر المتابعة مع المخالفة في التنظيم.

فصل في شروط القدوة أيضاً
(تجب متابعة الإمام في أفعال الصلاة) لخبر الصحيحين: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فركعوا" ويؤخذ من قوله في أفعال الصلاة أن الإمام إذا ترك فرضاً لم يتابعه في تركه (بأن يتأخر ابتداء فعله عن ابتدائه) أي فِعْلُ المأموم يتأخر عن فعل الإمام (ويتقدم على فراغه منه) أي يتقدم انتهاء فعل الإمام على فعل المأموم وأكمل من هذا أن يتأخرَ ابتداءُ فِعْلِ المأموم عن جميع حركة الإمام فلا يشرع في فعل حتى يصل الإمام إلى حقيقته (فإن قارنه لم يضر) أي إذا قارنه في الأفعال لم يضر لانتظام القدوة مع الكراهة (إلا تكبيرة الإحرام) فتضر المقارنة فيها ولو مع الشك هل قارنه أم لا؟ وكذا لو تقدم ببعضها على فراغه منها إذ لا تنعقد صلاته حتى يتأخر جميعُ تكبيرته عن جميع تكبيرة إمامه يقيناً إذ لا يتبين دخوله معه إلا بتمام التكبير (وإن تخلف بركن) فعلي عامداً بلا عذر (بأن فرغ الإمام منه وهو) أي المأموم (فيما قبله) كأن ابتدأ الإمام رفع الاعتدال والمأموم في القيام (لم تبطل في الأصح) لأن تخلفه يسير (أو) تخلف (بركنين بأن فرغ منهما وهو في ما قبلهما) أي فرغ الإمام من ركنين كأن ابتدأ الإمام هوي السجود والمأموم ما زال في قيام القراءة من غير عذر كبطء قراءة (بطلت) صلاته لفحش تخلفه من غير عذر (وإن كان بأن أسرَعَ قراَءَتَهُ ورَكَعَ) أي الإمام والمأموم بطيء القراءة لعجر خلقي أو انتظر ليقرأ الفاتحة في سكوت الإمام أو سها عنها حتى ركع الإمام (قبل إتمام المأموم الفاتحة فقيل يتبعه وتسقط الفاتحة) لعذره كالمسبوق (والصحيح يتمها ويسعى خلفه ما لم يسبق بثلاثة أركان مقصودة وهي الطويلة) فلا يعد منها الركن القصير وهو الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين فيسعى المأموم خلف إمامه إذا فرغ من الفاتحة قبل فراغ الإمام من السجدة الثانية أو بأن ابتدأ الرفع منها (فإن سبق بأكثر) من الثلاثة المذكورة (فقيل يفارقه والأصح) لا يفارقه بل (يتبعه فيما هو فيه ثم يتدارك بعد سلام الإمام (كالمسبوق وقيل يراعي نظم صلاة نفسه ويسرع على إثر إمامه وهو معذور ولا شيء عليه (هذا كله في الموافق) وهو من أدرك مع الإمام وقتاً يكفي الفاتحة أو أحرم معه (فأما مسبوق ركع الإمام في فاتحته فالأصح أنه إن لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ ترك قراءته وركع) مع الإمام (وهو مدرك للركعة) حكماً، ولو تخلف وأتم فاتحته لأنه أدرك القيام الذي هو محلها، فلا بأس فهو معذور على أن يدرك الإمام في الركوع وقيل معذور مطلقاً (وإلا لزمه قراءة) من الفاتحة سواء أعلم أنه يدرك الإمام قبل سجوده أم لا (بقدره) أي بقدر ما أتى به من قراءة في دعاء الافتتاح والتعوذ، يسقط عنه البقية لتقصيره بتفويته بالاشتغال بما لم يؤمر به عن ما أمر به (ولا يشتغل المسبوق بسنة بعد التحرم بل بالفاتحة إلا أن يعلم إدراكها) مع اشتغاله بالسنة كعادة الإمام المعروف فيأتي بها ثم يأتي بالفاتحة لحيازة فضيلتيهما فإن جهل حال إمامه أو ظن منه الإسراع فعليه البدء بالفاتحة (ولو علم المأموم في ركوعه أنه ترك الفاتحة أو شك لم يعد إليها) لفوات محلها فإن عاد إليها بطلت (بل يصلي ركعة بعد سلام الإمام فلو علم أو شك) في فعلها (وقد ركع الإمام لم يركع هو قرأها) لبقاء محلها (وهو متخلف بعذر) كما في بطيء القراءة (وقيل يركع ويتدارك بعد سلام الإمام) أي يتدارك ما فاته ركعة أو أكثر (ولو سبق) المأموم (إمامه بالتحرم لم تنعقد) صلاته لربطها بمن ليس في صلاة (أو بالفاتحة أوالتشهد) بأن فرغ المأموم من ذلك قبل شروع الإمام فيه (لم يضره ويجزئه) لإتيانه به في محله (وقيل تجب إعادته) إما مع قراءة الإمام أو بعدها (ولو تقدم) المأموم على إمامه (بفعل كركوع وسجود فإن كان بركنين) وهو عامد عالم بالتحريم (بطلت) صلاته لفحش المخالفة بخلاف ما إذا كان ساهياً أو جاهلاً فلا تبطل لكن لا يعتد بتلك الركعة فيأتي بها بعد سلام إمامه (وإلا فلا) تبطل عمداً كان ذلك أو سهواً إذا كان التقدم بركن أو أقل لأن المخالفة فيه يسيرة ولو كان التقدم بركن فعلي وركن قولي كالفاتحة والركوع (وقيل تبطل بركن) تام مع العلم والتعمد لفحش التقدم بخلاف التأخر بأن فرغ من الركن والإمام فيما قبله كأن ركع قبل الإمام ورفع حين ركع الإمام فتبطل على هذا القول والأصح عدم البطلان.
فصل في قطع القدوة
إذا (خرج الإمام من صلاته) بحدث أو غيره (انقطعت القدوة) به لزوال الرابطة (فإن لم يخرج وقطعها المأموم جاز) بأن قطعها بالمفارقة مع الكراهية لأن السنة وفرض الكفاية لا يلزم إتمامهما لأن مالم يتعين فعله لا يتعين بالشروع فيه إلا في الجهاد لأن في ذلك تخذيلاً وإضعافاً للصف وفي صلاة الجنازة لأن في ذلك اتهام للميت وإلا في الحج والعمرة للأمر بالإتمام بقوله تعالى: [وأتموا الحج والعمرة لله] البقرة:196. (وفي قول لا يجوز إلا بعذر) لقوله تعالى: [ولا تبطلوا أعمالكم] محمد:33 وعليه فإن فعل من غير عذر بطلت صلاته ولكن حملوا النص على الكراهة (يُرَخَصُ في ترك الجماعة) لأن الفرقة الأولى فارقت النبي (ص) في غزوة ذات الرقاع في صلاة الخوف (ومن العذر تطويل الإمام) أي القراءة لمن لا يصبر لضعف أو شغلٍ أو خوف على مالٍ أو نفسٍ لخبر الصحيحين أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء فطوّلَ عليهم فانصرف رجل فصلى ثم أتى النبي (ص) فأخبره بالقصة فغضب وأنكر على معاذٍ ولم ينكر على الرجل ولم يأمره بالإعادة، ومثل ذلك المجيز للمفارقة ترك التشهد الأول أو القنوت وكذا قراءة السورة بعد الفاتحة وكل ما يجبر بسجود السهو يجوز فيه المفارقة (ولو أحرم منفرداً ثم نوى القدوة في خلال صلاته جاز في الأظهر) كما يجوز أن يقتدي جمع بمنفرد فيصير إماماً (وإن كان في ركعة أخرى) أي غير ركعة الإمام متقدماً عليه أو متأخراً عنه (ثم يتبعه قائماً كان أو قاعداً) وإن كان على خلاف نظم صلاته لقصة أبي بكر المشهورة مع النبي (ص) لما ذهب للصلح بين جماعة من الأنصار ثم جاء وهو في الصلاة فأخرج نفسه من الإمامة واقتدى بالنبي ثم جاء وهو في الصلاة فأخرج نفسه من الإمامة واقتدى بالنبي والصحابة أخرجوا أنفسهم من الاقتداء بأبي بكر واقتدوا بالنبي (ص) (فإن فرغ الإمام أولاً فهو كمسبوق) فيتم صلاته (أو هو فإن شاء) أي المقتدي (فارقه وسلم وإن شاء انتظره ليسلم معه) والمفارقة بالنية والانتظار أفضل على قياس ما ذكرنا في الاقتداء في الصبح بالظهر (وما أدركه المسبوق فأول صلاته) أي ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته وما يفعله بعد سلام الإمام آخرها (فيعيد في الباقي) مثلاً أدرك الثانية من الصبح فالتي أدرك الأولى فلو قنت مع الإمام فيعيد (القنوت) في محله وفعله السابق للمتابعة (ولو أدرك ركعة من المغرب تشهد في ثانيته) لأنه محل تشهده الأول وتشهده مع الإمام للمتابعة ويجب الانتباه إلى أن من أدرك ركعتين من الرباعية مع الإمام قرأ السورة في الأخيرتين لئلا تخلو صلاته منهما (وإن أدركه راكعاً أدرك الركعة قلت بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع والله أعلم) لحديث أبي بكرة عند البخاري أنه أنتهى إلى النبي (ص) وهو راكع فركع (ولو شك في إدراك حدِّ إلا الإجزاء) بأن شك هل اطمأن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع (لم تحسب ركعته في الأظهر) لأن هذا رخصة فلابد من تحقق سببها ولا ينظر لأصل بقاء الإمام راكعاً (ويكبر للإحرام ثم للركوع) لأنهما تكبيرتان منفصلتان (فإن نواهما بتكبيرة لم تنعقد على الصحيح) أي تبطل صلاته لأنه شرّكَ بين فريضة وسنة مقصودة كمن نوى الظهر وسنته لا الظهر والتحية لأن التحية ليست سنة مقصودة (وقيل تنعقد نفلاً) وضربوا لذلك مثلاً كمن أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع فتقع صدقة ولكن ليس في القياس جامع معتبر (وإن لم ينو بها شيئاً لم تنعقد على الصحيح) لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه وقرينة الهوى تصرفها إليه وقيل تنعقد فرضاً لأن قرينة الافتتاح أقوى من غيرها من القرائن (ولو أدركه مع اعتداله فما بعده انتقل معه مكبراً) موافقة له في تكبيره (والأصح أنه يوافقه في التشهد والتسبيحات) وقيل لا يوافقه في ذلك لأنه غير محسوب له (وأنه من أدركه في سجدة لم يكبر للانتقال إليها) لأنه لم يتابع إمامه في ذلك ولا هو محسوب له، وقيل يكبر (وإذا سلم الإمام قام المسبوق مكبراً إن كان موضع جلوسه) أي إن كان جلوسه مع الإمام جلوساً له بأن أدرك الإمامَ مثلاً في ثانية المغرب أو في ثالثة من الرباعية (وإلا فلا في الأصح) أي لا يكبر عند قيامه والسنة للمسبوق أن يقوم عقب تسليمتي الإمام ويجوز أن يكون عقب الأولى لانقطاع القدوة فلو مكث بعدهما في موضع جلوسه لم يضر.

باب: صلاة المسافر
(صلاة المسافر) أي كيفيتها من حيث القصر والجمع بجوازها تخفيفاً على المسافر لما يلحقه من مشقة السفر غالباً والأصل في القصر قبل الإجماع قوله تعالى: [وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنوكم الذين كفروا] النساء:101 وأخبار منها.
روى مسلم عن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر إنما قال الله تعالى [إن خفتم] وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله (ص) فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وروى الشيخان عن أنس قال: خرجنا مع النبي (ص) من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشراً.
وروى الدارقطني عن عائشة وصحح إسناده "كان النبي (ص) يقصر في السفر وتتم ويفطر وتصوم" وروى الترمذي وصححه عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله (ص) وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين. وأصل الحديث في البخاري عن عكرمة عن ابن عباس وروى مسلم عن يحيى بن يزيد النهائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة قال: كان رسول الله (ص) إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين. والفرسخ ثلاثة أميال وروى مسلم عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذ أئتم بمقيم فقال: تلك السنة.
(إنما تقصرُ رباعية مؤداه) فلا تقصر الصبح والمغرب (في السفر الطويل المباح) أي الجائز كسفر الحج والتجارة والجهاد والفسحة من غير معصية مقصودة (لا فائتة السفر) إذا قضيت في السفر فلا تقصر (ولو قضى فائتة السفر) أي أراد قضاءها (فالأظهر قصره في السفر دون الحضر) لأن الحضر ليس محل قصر (ومن سافر من بلدة) لها سور (فأول سفره مجاوزة سورها) المختص بها لأن كل ما هو واقع داخل السور معدود من البلدة ولا يضر وجود مواضع خربة ومزارع وملاعب ومجمع كناسة فيها (فإن كان وراءه عمارة) أي دور متلاصقة خارج السور (اشترط مجاوزتها في الأصح) لتبعيتها للبلد بالاتصال والإقامة (قلت الأصح لا يشترط والله أعلم) أي لا تشترط مجاوزتها لأنها لا تعتبر من البلد (فإن لم يكن سور) أو كان لها جزء سور وليس في اتجاه سفره (فأوله مجاوزة العمران) أي أول سفره حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل حتى النهر بين جانبيها فيعد منها (لا الخراب) الذي لا عمارة وراءه (و) لا (البساتين) والمزارع المتصلة بالبلد فلا تعتبر منها لأنها لم تتخذ للسكنى ولو كانت هذه المزارع محوطة أو كان فيها قصور أو دور تسكن لأنها لا تعتبر من البلد (والقرية كبلدة) فيشترط مجاوزة العمران فيها والقريتان المتلاصقتان قرية واحدة وأما المنفصلتان فيكفي مجاوزة إحداهما ولو كانتا بحيث جمعها سور واحد (وأول سفر ساكن الخيام مجاوزة الحّلة) وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة بحيث يجتمع أهلها للسمر في نادٍ واحدٍ ويستعير بعضهم من بعض ويشترط تجاوز مرافقها كمطرح رماد وملعب صبيان ومعاطن إبل وحكم الحلتين المتقاربتين كحكم قريتين فيما ذكر (وإذا رجع) المسافر من سفره (انتهى سفره ببلوغ ما اشتُرِطَ مجاوزته ابتداء) من سور أو عمران وإن لم يدخلها (ولو نوى إقامة أربعة أيام بموضع انقطع سفره بوصوله) إلى الموضع الذي عينه لسفره بالنية ولو نوى إقامة ما دون الأربعة في موضع عينه أو في موضع مرَّ عليه وقرر الإقامة فيه لم ينقطع سفره في الحالتين أما لو نوى إقامة أربعة أيام فقد انقطع سفره وإذا أقام بدون نية انقطع سفره بتمامها وأصل ذلك خبر الصحيحين (يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً) وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار فالترخص في الثلاث يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الاربعة ومنع عمر أهل الذمة الإقامة في الحجاز ثم أذن للتاجر منهم أن يقيم ثلاثة أيام. رواه مالك بإسناد صحيح. (ولا يحسب منها يوما دخوله وخروجه) أي لا يحسب من الاربعة (على الصحيح) لأن الأول يوم حط الرحال والثاني يوم الرحيل واختار السبكي مذهب الإمام أحمد أن الرخصة لا تتعلق بعدد الأيام بل بعدد الصلوات فيترخص بإحدى وعشرين صلاة مكتوبة لأنه المحقق من فعله (ص) حين نزل بالأبطح ولكن الصحيح أنه يمكنه صلاة ثلاث وعشرين صلاة. فلو دخل زوال السبت على أن يخرج زوال الأربعاء أتم ولو دخل زوال السبت على أن يخرج قبل زوال الأربعاء قصر.
(ولو أقام ببلد بنية أن يرحل إذا حصلت حاجة يتوقعها كل وقت) يعني قبل مضي أربعة أيام صحاح من ذلك سكون الريح لمسافري البحر وتجمع الرفقة لمن يريد السفر معهم والحصول على تأشيرة دخول دولة أخرى أو وجود ثلوج تسقط على طريق يتوقع توقفها أو انقطاع طرق بسبب حرب أو عداوة يتوقع فتحها (قصر ثمانية عشر يوماً) لخبر أبي داود أن النبي (ص) أقام في مكة ثمانية عشر يوماً لحرب هوازن يقصر الصلاة وصحة رواية عشرين لمن عد يوم الدخول والخروج وتسعة عشر لمن عدَّ احدهما وسبعة عشر وخمسة عشر لمن تأخر علمه بها (وقيل أربعة) كمن نوى الإقامة (وفي قول أبداً) لأن الظاهر لو زادت حاجة النبي (ص) على الثمانية عشر لقصر في الزائد أيضاً (وقيل الخلاف) فيما زاد على الأربعة (في خائف القتال لا التاجر ونحوه) والمقاتل لا التاجر والمتفقه وأجيب عليه أن علة القصر هو السفر وليس القتال (ولو علم بقاءها مدة طويلة فلا قصر على المذهب) أي إذا علم بقاء حاجته أكثر من أربعة أيام فلا تترخص لبعده عن هيئة المسافرين.

فصل في شروط القصر
(طويل السفر ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية) وهي ستة عشر فرسخاً وهي مرحلتان وكل مرحلة بريدان وكل بريد أربعة فراسخ وكل فرسخ 3أميال وكل ميل أربعة ألاف ذراع والذراع المتوسطة قرابة 45سم فتكون المسافة [وذكر بعضهم الخطوة بدلاً من الذراع واعتبر الخطوة تساوي ذراعاً ونصف] هي: 2 مرحلة× 2بريد× 3ميل×4000ذراع×45سم= 8640000سم أي قرابة 86 كيلومتر. وأصح المقاييس في ذلك هي قرابة 85 كيلومتراً حيث أن الذراع لا يساوي 45 سم بل أقل من ذلك بقليل ومثل ذلك القلة تعادل 85 لتراً تقريباً ونصاب الذهب 85 جراماً تقريباً ومنهم من جعل الذراع يساوي خمسين سنتيمتر تقريباً فتزيد عن ذاك مسافة القصر والأول أصح.
(قلت وهو مرحلتان) أي سير يومين معتدلين بغير ليل بينهما والمعتدل هو الذي لا يكون طويلاً ولا قصيراً (بسير الأثقال) أي الحيوانات المثقلة بالأحمال (والبحر كالبر) في المسافة المذكورة ومثله الجو أيضاً (فلو قطع الأميال فيه في ساعة) أو لحظة لسرعة سفينة أو طائرة أو سيارة (قصر والله أعلم) ولا تحسب مسافة الرجوع حتى ولو قرر الرجوع مباشرة ونالته من ذلك مشقة حتى تبلغ مسافة الذهاب مرحلتين لأن ما دون المرحلتين لا يسمى سفراً طويلاً والغالب في الرخص الاتباع والمسافة على التقريب فلا يضر نقص ميل والميل الهاشمي هو غير المنسوب لبني أمية إذ كل خمسة أميال أموية قدر ستة أميال هاشمية (ويشترط قصد موضع معين) أي معلوم ليعلم أنه طويل فيقصر، نعم لو سافر متبوع بتابعه كأسير وعبد وزوجة وجندي ولا يعرف مقصد متبوعه قصر بعد مرحلتين لتحقق طول سفره (فلا قصر للهائم) وهو من لا يدري إلى أين يتوجه (وإن طال تردده) وبلغ مسافة القصر وهو ما يسميه الفقهاء راكب التعاسيف لأنه عابث فلا يليق به الترخص (ولا طالب غريم وآبق) عقد نيته أن (يرجع متى وجده) أي متى وجد مطلوبه منهما والآبق هوالعبد الهارب من سيده (ولا يعلم موضعه) وإن طال سفره لانتفاء العلم أما إذا تأكد أنه لا يمكن وجوده قبل مرحلتين قصر فيهما وفيما زاد عليهما (ولو كان لمقصده طريقان طويل) يبلغ مسافة القصر (وقصير) لا يبلغها (فسلك الطويل لغرض كسهولة أو أمن) أو زيارة أو تفرج (قصر وإلا) أي إن قصده لمجرد القصر والترخص (فلا في الأظهر) لأنه طوّل على نفسه من غير غرض فأشبه من سلك قصيراً فطوله على نفسه بالسير يميناً ويساراً حتى يبلغ مرحلتين فهذا متلاعب أما الجاهل فيقصر (ولو تبع العبد أو الزوجة أو الجندي) أو الأسير (مالك أمره) وهو المتحكم بحركته من سيد أو زوج أو أمير أو آسر (في السفر ولا يعرف مقصده فلا قصر) لانتفاء علمهم بطول السفر في أول السفر والأصح أنهم يقصرون بعد مرحلتين قال في الروضة لو أسر الكفار رجلاً فساروا به ولم يعلم أي يذهبون به لم يقصر وإن سار معهم يومين قصر بعد ذلك ويؤخذ مما تقدم أنهم لو عرفوا أن سفرهم مرحلتان قصروا كما لو عرفوا أن مقصده مرحلتان (فلو نووا مسافة القصر قصر الجندي دونها) فاعتبرت نية الجندي دون الرقيق والزوجة لأن الجندي من جملة الجيش فليس تحت قهر الأمير مباشرة لأن الأمير لا يبالي بانفراده عنه ومخالفته له بخلاف مخالفة الجيش فإنه بتخلفه يختل نظامه (ولا يترخص العاصي بسفره كآبقٍ وناشزةٍ) ومسافر بلا إذن أصل يجب استئذانه ومسافرٍ وعليه دين حالٌّ قادر عليه من غير إذن دائنه لأن القصر رخصة والرخص لا تناط بالمعاصي (فلو أنشأ مباحاً ثم جعله معصية فلا ترخص في الأصح) كالسفر لقطع الطريق أو الزنا أو شرب الخمر أو التجسس لسلاطين السوء فلا يترخص من حين الجعل وقيل يترخص لأنه أنشأ السفر مباحاً وما حدث بعد ذلك فهو طارئ (ولو أنشأ عاصياً ثم تاب فمنشئ السفر من حين التوبة) فإن قصد بعد التوبة مرحلتين ترخص (ولو اقتدى بمتم لحظة لزمه الإتمام) سواء كان الإمام مقيماً أو مسافراً وسواء أدرك معه المأموم ركعة أو أقل أو أكثر (ولو رعَفَ الإمام المسافر) أو أحدث (واستخلف متماً) من المقتدين أو غيرهم (أتم المقتدون وكذا لو عاد الإمام واقتدى به) فيلزمهم الإتمام لأن إمامهم متمٌّ (ولو لزم الإتمامُ مقتدياً ففسدت صلاته أو صلاة إمامه أو بان إمامه محدثاً أتم) لأنه التزم الإتمام بالاقتداء فلم يجزله قصرها كمن فاتته الحاضرة وأراد قضاءها في السفر فتقضى تامة أما إذا كانت الأولى غير منعقدة فله القصر (ولو اقتدى بمن ظنه مسافراً) فنوى القصر (فبان مقيماً) أتم لتقصيره في معرفة حال إمامه (أو بمن جهل سفره) بأن شك فيه فنوى القصر (أتم) حتى ولو بان مسافراً قاصراً لتقصيره بشروعه في صلاته متردداً (ولو علمه) أوظنه (لأنهم كثيراً ما يريدون بالعلم ما يشمل الظنَّ أيضاً) (مسافراً وشك في نية قصر) إن بان إمامه قاصراً لأنه علم سفره والظاهر في المسافر القصر (ولو شك فيها فقال إن قصر قصرت وإلا أتممت قصر في الأصح) أي أنه لو شك في نية إمامه فعلق الحكم بصلاة إمامه قصر إن قصر إمامه والثاني لابد من الجزم في القصر حتى يقصر فإن خرج الإمام من صلاته لسبب ما وجب الإتمام احتياطاً أنه كان متماً (ويشترط للقصر نيته) بخلاف الإتمام لأنه الأصل (في الإحرام والتحرز عن منافيها دواماً) أي في كامل صلاته فلو نوى الإتمام بعد نية القصر أتم (ولو أحرم قاصراً ثم تردد في أنه بقصر أو يتم) أتم (أو في أنه نوى القصر) أو لم ينو أتم أيضاً (أو قام إمامه لثالثة فشك هل هو متم أم ساه أتم) وإن كان إمامه ساهياً لشكه في جزء من صلاته بوجوب الإتمام (ولو قام القاصر لثالثة عمداً بلا موجب للإتمام بطلت صلاته) كما لو قام المقيم إلى ركعة زائدة بعد تمام صلاته (فإن كان سهواً عاد وسجد له وسلم) لأن عمده مبطل فيسجد لسهوه (فإن أراد أن يتم عاد) وجوباً للجلوس (ثم نهض متماً) أي ناوياً الإتمام لأن سهوه ألغى قيامه (ويشترط) للقصر (كونه مسافراً في جميع صلاته فلو نوى الإقامة فيها) أي في صلاته (أو بلغت سفينته دار إقامته أتمَّ) لزوال سبب الرخصة (والقصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ ثلاث مراحل) لحديث إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه وخروجاً من خلاف الإمام أبي حنيفة حيث أوجب القصر ويستثنى الملاح الذي يسافر في البرِّ أو البحر بأهله ومن لا يزال مسافراً بلا وطن فالإتمام أفضل لأنه في وطنه وخروجاً من خلال الإمام احمد الذي لا يجِّوز له القصر (والصوم) للمسافر (أفضل من الفطر إن لم يتضرر) لما فيه من تبرئة الذمة والمحافظة على فضيلة الوقت فإن تحقق الضرر وجب الفطر وإن شك في الضرر فالفطر افضل.

فصل في الجمع بين الصلاتين
وقد ورد في الجمع بين الصلاتين أخبار منها. حديث ابن عمر "كان رسول الله (ص) إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء" متفق عليه.
وحديث أنس: أنه كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر متفق عليه وفي رواية مسلم كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما وفي رواية أخرى له ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغييب الشفق وحديث جابر الطويل وفيه: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً وكان ذلك بعد الزوال رواه مسلم.
حديث ابن عمر: أن رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر للمطر. رواه البيهقي عن ابن عمر موقوفاً عليه.
حديث ابن عباس: أن رسول الله (ص) جمع بالمدينة في غير خوف ولا سفر متفق عليه.
حديث ابن عباس أيضاً في رواية مسلم: جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته ولم يرد من غير مطر إلا في رواية مسلم ولم ترد "المطر، الخوف، السفر" مجموعة في شيء من كتب الحديث ذكر ذلك الحافظ ابن حجر.
(يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديماً) في وقت الأولى (وتأخيراً) في وقت الثانية (و) بين (المغرب والعشاء كذلك في السفر الطويل وكذا القصير في قول فإن كان سائراً وقت الأولى فتأخيرها أفضل وإلا فعكسه) أي وإن لم يكن سائراً وقت الأولى فتقديمها أفضل لحديث أنس كان (ص) إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينها فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب" متفق عليه ولخبر معاذ أنه (ص) كان في غزوة تبوك إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما رواه أبو داود وحسنه الترمذي والراجح قيد الجمع في السفر الطويل أما في القصير فهو قول قديم قياساً على التنفل على الدابة ولا يجوز الجمع في سفر المعصية ولا جمع الصبح إلى غيرها ولا العصر إلى المغرب. (وشروط التقديم ثلاثة) أي شروط جمع التقديم (البداءة بالأولى) لأن الوقت لها والثانية تبع والتابع لا يتقدم على متبوعه (فلو صلاهما فبان فسادها فسدت الثانية) أي لم تقع عن الفرض لفوات شرطها وهو تقدم الأولى وقيل تقع نفلاً (ونية الجمع) لتتميز عن السهو والعبث (ومحلها أول الأولى ويجوز في اثنائها في الأظهر) لحصول الغرض فما لم تفرغ الأولى فوقت الضمِّ إليها باقٍ وإنما امتنع ذلك في القصر لمضي جزء من صلاته على التمام (والموالاة بأن لا يطول بينهما فصل فإن طال ولو بعذر) اي طال الفصل ولو بعذر كسهو أو إغماء (وجب تأخير الثانية إلى وقتها ولا يضر فصل يسير ويعرف طوله بالعرف) لزوال رابطة الجمع ومن اليسير وقت الإقامة بينهما لحديث أسامة أنه (ص) لما جمع بين الصلاتين والى بينهما وترك الرواتب بينهما وأقام الصلاة بينهما متفق عليه (وللمقيم الجمع على الصحيح ولا يضر طلب خفيف) للماء لا يتجاوز ركعتين ولا يضر وقت التيمم بينهما ولا يضر الوضوء بينها (ولو جمع ثم علم ترك ركن من الأولى بطلتا) بطلت الأولى لترك ركن منها ولتعذر التدارك لطول الفصل والثانية لانتفاء شرطها وهو الابتداء بالأولى (ويعيدهما جامعاً) إن شاء (أو من الثانية فإن لم يطل) الفصل (تدارك) وصحتا و (إلا فباطلة ولا جمع) أي إذا طال الفصل فيعيد الثانية في وقتها (ولو جهل) ولم يَدْرِ مكان الترك من أي الصلاتين (أعادهما لوقتيها) رعاية للأسوأ في إعادتهما وهو تركه من الأولى فيعيد الأولى والثانية أو تركه من الثانية فيطول الفصل أما في جمع التأخير فلا مانع في كل التقديرات (وإذا أخر الأولى لم يجب الترتيب) بينهما ولا تجب (الموالاة و) لا تجب (نية الجمع) في الأولى (على الصحيح) لأن الوقت للثانية والأولى هي التابعة نعم تسن هذه الثلاثة في جمع التأخير (ويجب) في جمع التأخير (كون التأخير بنية الجمع) قبل خروج وقت الأولى بزمن يسع الصلاة الثانية (وإلا فيعصى وتكون قضاء) أي إذا أخر إلى وقت الثانية أو لم يبق من وقت الأولى ما يسعها فيعصى بتأخيرها إلى وقت الحرمة وتكون قضاء لأنه لم يوقع منها في الوقت شيئاً (ولو جمع تقديماً فصار بين الصلاتين مقيماً) أي صلى الأولى في وقتها ثم نوى الإقامة أو وصلت السفينة أو الطائرة إلى مقصده (بطل الجمع) لزوال العذر فيتعين تأخير الثانية إلى وقتها ولا تبطل الأولى (وفي الثانية وبعدها لا يبطل) الجمع إذا صار في وقت الثانية مقيماً (في الأصح) اكتفاء بوجود العذر أول الثانية لأنها متى انعقدت امتنع بطلانها إلا لسبب آخر (أو تأخير فأقام بعد فراغها لم يؤثر) لتمام الرخصة في وقت الثانية (وقبله يجعل الأولى قضاءً) لأنه يجعل الأولى تابعة للثانية في الأداء للعذر وقد زال العذر قبل تمام الثانية (ويجوز الجمع بالمطر تقديماً) ولو كان المطر خفيفاً بحيث يبل الثوب ومثل المطر الثلج والبَرَدُ لخبر الصحيحين عن ابن عباس صلى رسول الله (ص) بالمدينة الظهر والعصر جمعاً والمغرب والعشاء جمعاً زاد مسلم من غير خوف ولا سفر وأما رواية من غير خوف ولا مطر فمحمولة على المطر الكثير أو المطر الدائم فلعله انقطع اثناء الثانية (والجديد منعه تأخيراً) لأن المطر قد ينقطع قبل أن يجمع (وشرط التقديم وجوده أولهما) أي وجود المطر أول الصلاتين ليقارن الجمع العذر (والأصح اشتراطه عند سلام الأولى) أي وجود المطر أول الصلاتين ليقارن الجمع العذر (والأصح اشتراطه عند سلام الأولى) ليتصل بأول الثانية ولا يضر انقطاعه ي اثناء الأولى أو اثناء الثانية (والثلجُ والبَرَدُ كمطر إن ذابا) وبلاّ الثوب لوجود الضابط وهو بلل الثوب (والأظهر تخصيص الرخصة بالمصلي جماعة بمسجد بعيد يتأذى بالمطر في طريقه) لأن المشقة إنما توجد حينئذ بخلاف ماإذا انتفى شرط من ذلك كأن صلى في بيته أو مشى إلى المصلى في كِنٍّ يحميه من المطر أو كان المُصَلّى قريباً على أن للإمام أن يجمع بهم وإن كان مقيماً بالمسجد ولمن اتفق وجوده بالمسجد عند المطر والثاني يجمع الكل لعموم الخبر في الجمع من غير تميز.
خاتمة: قال النووي في الروضة الرخص المتعلقة بالسير الطويل أربع: القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثة أيام والجمع في الأظهر والذي يجوز في القصير أيضاً أربع: ترك الجمعة وأكل الميتة والتيمم وإسقاط الفرض به على الصحيح والتنفل على الراحلة.

باب صلاة الجمعة
والجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها وسميت بذلك لاجتماع الناس لها وقيل لما جمع الله فيها من الخير وكانت تسمى في الجاهلية يوم العَرُوبةُ أي اليوم المُبِينُ المعظم وهي أفضل الصلوات ويومها أفضل الأيام وهي فرض عين لقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله] الجمعة:9 وأخبارا منها: "من ترك الجمعة تهاونا ًبها طبع الله على قلبه" رواه أحمد والبزار وأصحاب السنن ومنها حديث جابر: "من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طُبِعَ على قلبه" رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه الدارقطني، ومنها حديث ابن عباس: "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره" رواه أبو يّعلى وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وحديث سعيد بن المسيب عن جابر مرفوعاً: "إن الله افترض عليكم الجمعة في شهركم هذا فمن تركها استخفافاً بها وتهاوناً ألا فلا جمع الله شمله ألا ولا بارك الله له ألا ولا صلاة له" أخرجه ابن ماجه في السنن ورواه عبد بن حميد في مسنده وفي الموطأ عن صفوان بن سليم: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه" وروى الحاكم عن أبي هريرة: "ألا هل عسى أن يتخذ أحدكم الصُّبَّةَ من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيرتفع حتى تجيء الجمعة فلا يشهدها ثم يطبع على قلبه" رواه الحاكم وأحمد والطبراني والصُّبَّهُّ هي المجموعة.
(إنما تتعين) تجب وجوب عين (على كل مكلف) بالغ عاقل من المسلمين (حر ذكر مقيم بلا مرض ونحوه) مقيم بمحل الجمعة أو يسمع النداء وإن كان أجبر عين ما لم يخشَ فساد العمل بغيبته لخبر الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا اربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض رواه أبو داود عن طارق بن شهاب (ولا جمعة على معذور بمرخص في ترك الجماعة) كإسهال شديد لا يضبط واشتغال بتجهيز ميت وريح شديدة وأما الحبس فأفتى البغوي بوجوب إطلاق المحبوس لفعلها وقال الغزالي إذا رأى القاضي المصلحة في منعه منع وإلا فلا يمنع من أدائها (والمكاتب) وهو الذي يكاتبه سيده على مال يؤديه إليه فيعتق فلا جمعة عليه لأنه رقيق ما بقي عليه درهم (وكذا من بعضه رقيق على الصحيح) تغليباً لجانب الرق ولو كانت الجمعة في نوبته التي يكون فيها كسبه له بجزئه الحر (ومن صحت ظهره صحت جمعته) لأنها تصح ممن تلزمه فممن لا تلزمه أولى وتجزئه عن الظهر ويستحب حضورها للصبي والعبد والمسافر والعجوز (وله أن ينصرف عن الجامع) أي الذي لا تلزمه الجمعة فله الانصراف قبل تكبيرة الإحرام لأنه معذور (إلا المريض ونحوه فيحرم انصرافه إن دخل الوقت) لأن المبيح لعدم الحضور هو مشقة الوصول إلى مكان الجمعة وقد زال بحضوره (إلا أن يزيد ضرره بانتظاره) فيجوز انصرافه قبل أداء الجمعة (وتلزم الشيخ الهرم والزمن إن وجد مركباً) ملكاً أو إعارة أو إجارة وقصد بالشيخ الهرم من لا يستطيع المشي إليها والزمن: ذو العاهة المبتلى (ولم يشق الركوب) عليهما (والأعمى يجد قائداً) متبرعاً أو بأجرة أو ملكاً له (وأهل القرية إن كان فيهم جمع تصح به الجمعة) وهم أربعون من أهل الكمال المستوطنون (أو بلغهم صوت عالٍ في هدوء) أي يصلهم نداء المؤذن والأصوات هادئة والريح ساكنة (من طرف يليهم لبلد الجمعة لزمتهم) ولو كان السامع واحداً بشرط اعتدال الأرض وعدم مانع كنهر أو ظالم يقطع الطريق لخبر أبي داود "الجمعة على من سمع النداء" (وإلا فلا) أي إذا لم يكن فيهم أربعون رجلاً مقيماً ولا بلغهم صوت لا تلزمهم الجمعة (ويحرم على من لزمته) الجمعة (السفر بعد الزوال إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه) حتى لا يُفوّتَ الجمعة (أو يتضرر بتخلفه عن الرفقه) بأن تسافر الطائرة أو الباخرة (وقبل الزوال كبعده في الجديد) من حيث الحرمة وأما القديم فلا لعدم وجوبها عليه قبل دخول وقتها وعورض القديم بأن الصلاة منسوبة لليوم فوجب السعي إليها قبل الزوال (إن كان سفراً مباحاً) لا سفر معصية (وإن كان طاعة جاز) السفر إن كان واجباً أو مندوباً (قلت: الأصح أن الطاعة كالمباح والله أعلم) فيحرم، نعم إن كان لادراك عَرَفَةَ مثلاً أو لإنقاذ مال جاز بعد الزوال (ومن لا جمعة عليهم تسن الجماعة في ظهرهم في الأصح) لعموم الأدلة الطالبة للجماعة والثاني لا تسن لأن الجمعة شعار يومها (ويخفونها إن خفي عذرهم) استحباباً لئلا يُتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام (ويندب لمن أمكن زول عذره) قبل فوات الجمعة كالعبد يرجو العتق والسجين يرجو الخروج والمريض يتوقع (الخفة تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة) لأنه قد يزول عذره فيحصل على فضلها (ولغيره كالمرأة والزَّمِنِ تعجيلها) أي الظهر ليحوز فضيلة أول الوقت (ولصحتها مع شرط غيرها) أي لصحة الجمعة إضافة إلى شروط غيرها من الصلوات (شروط احداها وقت الظهر) بأن تفعل كلها فيه لخبر البخاري عن أنس: كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس وخبر مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: كنا نجمع مع رسول الله (ص) إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفيء (فلا تقضى جمعة) إذا فاتت الجمعة فتقضى ظهراً (فلو ضاق) الوقت (عنها) من خطبتين وركعتين ولو احتمالاً (صلوا ظهراً) كما لو فات وقت القصر اتموا فلونواها فلم يبق ما يسعها صلوها ظهراً وكفت النية لأن ضيق الوقت مانع لصحة الجمعة ومُعَيّنٌ للإحرام بالظهر (ولو خرج الوقت وهم فيها) ولو قبيل السلام بإخبار عدل أو عن طريق ساعة أو أذان عصر (وجب الظهر) وفاتت الجمعة لامتناع الابتداء بها بعد خروج وقتها ففاتت بفواته كالحج فتنقلب ظهراً وحيث انقلبت ظهراً وجب الاستمرار فيها (بناءً) على ما صلى قبل لأن الظهر والجمعة صلاتا وقت واحد فتعين بناء أطولهما على أقصرهما تنزيلاً لهما منزلة الصلاة الواحدة كصلاة الحضر في السفر (وفي قول استئنافاً) أي يجعلوا ما صلوا من الجمعة نفلاً ثم ينوون الظهر ويصلونه والمعتمد وجوب البناء (والمسبوقُ) المُدْرِكُ مع الإمام ركعة كاملة (كغيره) في أنه إذا خرج الوقت قبل سلامه يُتمُّ صلاتهَ ظهراً (وقيل يتمها جمعة) لأنها تابعة لجمعة صحيحة (الثاني: أن تقام في خِطَةِ أبنية أوطان المجمعين) أي المصلين بالجمعة لأنها لم تقم في عصر النبي ولا خلفائه إلا في مواضع الإقامة والخطبة هي ما بين الأبنية سواء أكانت الأبنية من حجر أو طين أو خشب (ولو لازم أهل الخيام الصحراء أبداً فلا جمعة في الأظهر) إذ ليس له أبنية المستوطنين وقيل تلزمهم الجمعة في موضعهم لأنهم استوطنوه أما إذا لم يلازموه ابداً بأن كانوا ينتقلون عنه في الشتاء أو غيره فلا جمعة عليهم (الثالث أن لا يسبقها ولا يقارنها جمعة في بلدتها) لامتناع تعددها في البلدة الواحدة وكذلك كان الأمر زمن النبي وخلفائه (إلا أذا كبرت وعَسُرَ اجتماعهم في مكان) واحد فيجوز تعددها حينئذ (وقيل لا تستثنى هذه الصورة) لأنه لم يقل بها أحد من الصحابة والتابعين حتى أحدث المهدي مسجداً آخر في بغداد. (وقيل إن حال نهر عظيم) يحوج إلى سباحة كبغداد (بين شقيها كان كبلدين) فلا يقام في كل شق أكثر من جمعة (وقيل إن كانت قرى فاتصلت تعددت الجمع بعددها) استصحاباً لحكمها الأول حيث كانت عدة قرى (ولو سبقها جمعة) على قولنا لا يجوز التعدد في بلد واحدة (فالصحيحة السابقة) لجمعها الشرائط والمسبوقون بأخرى يتمونها ظهراً والاستئناف أفضل من الإتمام (وفي قول إن كان السلطان مع الثانية فهي الصحيحة) حذراً من تفويت الجمعة على من يصلي مع السلطان وحذراً من التقدم عليه (والمعتبر سبق التحرم) براء (أكبر) من الإمام لأن بالراء يتبين الانعقاد (وقيل التحلل) وهو السلام وقيل بأول الخطبة بناءً على أن الخطبتين بدلٌ عن الركعتين (فلو وقعتا معا ًأوشك) أوقعتا معاً أو مرتباً (استئنفت الجمعة) إن اتسع الوقت لتدافعهما في المعية فليست إحداهما أولى من الأخرى ولأن الأصل في صورة الشك عدم وقوع جمعة مجزئةٍ وينبغي لتبرأ ذمتهم بيقين أن يصلوا بعدها الظهر قال النووي في شرح المهذب: وهذا مستحب (وإن سبقت إحداهما ولم تتعين أو تعين ونسيت صلوا ظهراً) لتيقن وقوع جمعة صحيحة ولكنها ملتبسة بالفاسدة (وفي قول جمعة) لأن المفعولتين غير مجزئتين فيصلوا جمعة هذا إذا لم يكن السلطان في إحدى الجمعتين في الصور الأربع فإن كان في إحداها فهي الصحيحة (الرابع الجماعة) لأنها لم تفعل في عصر النبي (ص) والخلفاء الراشدين من بعده إلا كذلك (وشرطها كغيرها) من نية الاقتداء والعلم بانتقالات الإمام وغير ذلك مما مر في باب الجماعة (وأن تقام بأربعين مكلفاً حراً ذكراً مستوطناً) لخبر ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً" رواه البيهقي، قال النووي: قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد والأصل الظهر فلا تجب الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف وثبت جوازها بأربعين وثبت صلوا كما رأيتموني أصلي ولم تثبت بأقل من ذلك فلا تجوز بأقل منه (لا يظعن شتاءً ولا صيفاً إلا لحاجة) أي لا يسافر عن محل إقامته، فلا تنعقد الجمعة بمسافر ولا بمقيم عازم على السفر والإعتبار بالسكن الأكثر إقامة به فإن استوت إقامتاه فما فيه أهله وماله فإن سافروا عن مساكنهم فقط وتركوا بها أموالهم لم يكن هذا ظعناً والخروج لحاجة كنزهة وعلاج وزيارة لا يمنع الاستيطان ولو أكره الإمام أهل بلد على سكنى غيرها فامتثلوا قهراً لكنهم عازمون على الرجوع لبلدهم متى زال الإكراه لم تنعقد بهم في الثانية بل تنعقد بهم في الأولى لو عادوا إليها (والصحيح انعقادها بالمرضى) لكمالهم وإنما سقطت عنهم رفقاً بهم لا لنقصان فيهم (وأن الإمام لا يشترط كونه فوق الأربعين) لخبر البيهقي السابق في أول جمعة (ولو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة لم يحسب المفعول من أركانها في غيبتهم) لاشتراط سماعهم لجميع أركانها (ويجوز البناء على ما مضى إن عادوا قبل طول فصل) ومرجع ذلك العرف قالوا وهو ما يسع طهارة وضوءاً، ولأن اليسير لا يقطع الموالاة (وكذا بناء الصلاة على الخطبة إذا انفضوا بينهما) أي يجوز إن عادوا قبل طول الفصل (فإن عادوا بعد طوله) في الصورتين السابقتين (وجب الاستئناف في الأظهر) لانتفاء الموالاة في ذلك إذ لم يُنقل عنه (ص) و الأئمة بعده إلا متوالياً فيجب اتباعهم فيها (وإن انفضوا في الصلاة بطلت) أي انفض الأربعون أو بعضهم لاشتراط العدد، كما أن ذلك إذا أثر في الخطبة ففي الصلاة أولى (وفي قول لا: إن بقي اثنان) أي لا تبطل إذا بقى مع الإمام اثنان اكتفاءً بدوام مسمى الجمع وفي قول قديم واحد معه اكتفاء بدوام مسمى الجماعة، ويشترط في الواحد والاثنين صفة الكمال لحديث جابر –رضي الله عنه- أنهم انفضوا عن النبي (ص) فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فأنزل الله تعالى: [وإذا رأوا تجارة..] الجمعة:11 فدل على أن الأربعين لا تشترط في دوام الصلاة. قالوا: ذلك كان في الخطبة كما ورد في صحيح مسلم. ورجح البيهقي رواية في البخاري ورد أنها كانت في الصلاة. (وتصح خلف الصبي والعبد والمسافر) أي تصح الجمعة خلف كل واحد منهم (في الأظهر إذا تم العدد بغيره) لصحتها فيهم وإن لم تلزمهم (ولو بان الإمام جنباً أو محدثاً صحت جمعتهم في الأظهر إن تم العدد بغيرهم) كما في سائر الصلوات بناءً على الأصح أن الجماعة وفضلها يحصلان خلف المحدث (وإلا فلا) أي وإن لم يتم العدد بغيره فلا تصح جمعتهم جزماً (ومن لحق الإمام المحدث راكعاً لم تحسب ركعته على الصحيح) أي إذا بان حدثه في الجمعة وغيرها لأن الإمام المحدث لا تحسب صلاته فلا يتحمل عن غيره (الخامس: خطبتان قبل الصلاة) للاتباع ولخبر ابن عمر: "كان رسول الله (ص) يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما –متفق عليه- (وأركانها خمسة: حمد الله تعالى) لخبر جابر قال: كانت خطبة النبي (ص) يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه (والصلاة على رسول الله (ص)) لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى فافتقرت إلى ذكر رسوله (ص) كالأذان والصلاة قال القمولي: وفي وجوب الصلاة على رسول الله إشكال فإن الخطبة المروية عنه ليس فيها ذكر الصلاة عليه لكنه فعل السلف والخلف ويبعد الاتفاق علي فعل سنة دائماً وقال: إن الشافعي تفرد بوجوب الصلاة على النبي في الخطبة (ولفظهما متعين) أي الحمد والصلاة، فيكفي الحمد لله والصلاة على رسول الله (ص) (والوصية بالتقوى ولا يتعين لفظها على الصحيح) لحديث جابر أن النبي (ص) كان يغاضب على الوصية بالتقوى –يشتد غضبه ويعلو صوته وتحمر عيناه- رواه مسلم عن جابر ولأن غرضها الوعظ فيكفي ما دل على الموعظة طويلاً كان أو قصيراً مثل –أطيعوا الله وراقبوه- (وهذه الثلاثة أركان في الخطبتين) أي في كل واحدة منهما (والرابع قراءة آية في إحداهما) –رواه الشيخان- ولا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة (وقيل في الأولى وقيل فيهما) أي في كل منهما (وقيل لا تجب) بل يستحب ذلك، والأصل في ذلك كله ما روى الشيخان عن يعلي بن أمية قال: سمعت النبي (ص) يقرأ على المنبر: "ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك..." ويستحب قراءة (ق~) في الأولى –رواه مسلم- ولو قرأ آية سجدةٍ نزل وسجد، فإن خشي طول فصل سجد مكانه إن إمكن (والخامس ما يقع عليه اسم دعاء للمؤمنين في الثانية) كما جرى عليه السلف والخلف (وقيل لا يجب) بل يستحب قال الأذرعي: "لا أعلم على ركنتيه دليلاً وعلى تخصيصه بالثانية" والمختار أنه لا بأس به ويستحب بالاتفاق الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم إذا لم يكن في ذلك مجازفة في وصفهم. قال العز بن عبد السلام: ولا يجوز وصفه بصفة كاذبة إلا لضرورة. وقد ثبت أن أبا موسى الأشعري وهو أمير الكوفة كان يدعو لعمر والصديق، ولجيوش المسلمين بالنصر والعون (ويشترط كونها عربية) أي أركان الخطبة بالعربية لاتباع السلف والخلف ولأنها ذكر مفروض فيشترط فيه ذلك كتكبيرة الإحرام. وإذا كان القوم لا يحسنونها ولم يمكن تعلم خطب واحدٌ منهم بلسانهم، وفائدتها بالعربية مع عدم معرفتهم لها العلم بالوعظ في الجملة فلا يرد الوعظ على حقيقته في غير العربية (مرتبة الثلاثة الأركان الأولى) فيبدأ بالحمد فالصلاة ثم الوصية ولا ترتيب بين الأخيرتين ولا بينهما وبين الثلاثة (وبعد الزوال) على المعتمد للإتباع فقد روى البخاري عن السائب بن يزيد: "كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر قال النووي: "تتميماً للدليل الأول" ومعلوم أنه (ص) كان يخرج إلى الجمعة متصلاً بالزوال وكذلك جميع الأئمة في جميع الأمصار وروى البخاري عن أنس أن النبي (ص) كان يصلي الجمعة بعد الزوال (والقيام فيهما إن قدر والجلوس بينهما) لخبر مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول الله (ص) كان يخطب خطبتين يجلس بينهما وكان يخطب قائماً فإن عجز عن القيام فالأولى أن يستنيب ولو خطب قاعداً جاز ويجوز الاقتداء به سواء قال لا استطيع أو سكت ولو خطب قاعداً سكت بينهما وهي واجبة في الأصح (وإسماع أربعين كاملين) أي أن يرفع صوته بأركانها بحيث يسمعها من تنعقد بهم الجمعة (والجديد أنه لا يحرم عليهم الكلام ويسن الإنصات) خلافاً للأئمة الثلاثة لخبر الصحيحين عن أنس: "بينما النبي (ص) يخطب يوم الجمعة فقام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادعو الله لنا؛ فرفع يديه ودعا" ولما روى اليهقي بسند صحيح عن أنس أن رجلاً دخل والنبي يخطب يوم الجمعة فقال: متى الساعة فقال النبي (ص) ماذا أعددت لها فقال: حب الله ورسوله: قال: إنك مع من أحببت فلم ينكر عليه الكلام ولم يبين له وجوب السكوت. أما قوله تعالى: [وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا] الأعراف:204 بناءً على أنه الخطبة فمحمول على الندب (قلت الأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط والله أعلم) لأن تركه لا يخل بالمقصود الذي هو الوعظ؛ لكنه يندب خروجاً من الخلاف (والأظهر اشتراط الموالاة وطهارة الحدث والخبث) في البدن والثوب والمكان (والستر) للعورة في الخطبة كما جرى عليه السلف والخلف (وتسن على منبر أو مَرْتَفِعٍ) ولو في مكة خلافاً لمن قال يخطب على باب الكعبة وخطبته على بابها بعد الفتح لتعذر منبر حينئذ فقد روى الشيخان أن النبي (ص) كان يخطب على منبر، وكان منبره (ص) ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها كما كان رسول الله (ص) يفعل، والموضع المرتفع أبلغ في الإعلام فإن تعذر استند إلى نحو خشبةٍ كما كان النبي (ص) يفعل قبل وجود المنبر، ويسن كون المنبر على يمين المحراب لأن منبره (ص) كان كذلك "أي على يمين المستقبل المحراب" (ويسلم على من عند المنبر) إذا صار إليه –رواه البيهقي عن عبد الله بن عمر (وأن يُقْبِلَ عليهم إذا صعد ويسلم عليهم ويجلس) للاتباع (ثم يُؤَذَّن) في حال جلوسه لخبر البخاري: كان الأذان على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر حين يجلس الإمم على المنبر فلما كثر الناس في عهد عثمان أمرهم بأذان آخر على الزوراء (وأن تكون بليغة) أي الخطبة أن تكون في غاية الفصاحة وجزالة اللفظ لأن ذلك أوقع في القلب بخلاف الركيكة ولا بأس بأن تتضمن شعراً جائزاً (مفهومة قصيرة) أي قريبة من أفهام الناس لا غريبة فإنه لا ينتفع بها أكثر الناس ولا طويلة تمل وفي خبر مسلم: "أطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة"
وقيل أن تكون متوسطة لخبر مسلم عن جابر قال: كانت صلاة الرسول (ص) قصداً وخطبته قصداً
(ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً في شيء منها) بل يستمر على ما تقدم من الإقبال عليهم إلى فراغها كما يسن لهم أن يقبلوا عليه مستمعين له (ويعتمد على سيف أو عصا أو كوه) لما روى أبو داود عن الحكيم بن حزني أنه (ص) قام في خطبة الجمعة متوكئاً على قوس أو عصا وروي أنه اعتمد على سيف ويستحب أن يكون ذلك في يده اليسرى كعادة من يريد الجهاد به ويشغل يده اليمنى بحرف المنبر فإن لم يجد شيئاً من ذلك سكّن يديه خاشعاً بأن يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما (ويكون جلوسه بينها نحو سورة الإخلاص) استحباباً وقيل إيجاباً، ويسن أن يختم الخطبة بقوله استغفر الله لي ولكم (وإذا فرغ) الإمام من الخطبة (شرع المؤذن في الإقامة وبادر الإمام ليبلغ المحراب مع فراغه) من الإقامة كل ذلك مستحب تحقيقاً للموالاة وتخفيفاً على الحاضرين (ويقرأ في الأولى الجمعة وفي الثانية المنافقون) بكما لهما ندباً رواه مسلم –وروى أيضاً أنه (ص) كان يقرأ في الأولى (سبح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية (هل أتاك حديث الغاشية).

فصل في الأغسال المسنونة يوم الجمعة
(يسن الغسل لحاضرها) أي لمن يريد حضور الجمعة وإن لم تجب عليه، (وقيل لكل واحدٍ حضر أم لا) ويدل للأول خبر الشيخين عن ابن عمر "إذا جاء أحدكم الجمعةَ فليغتسل" وصَرَفَ الأمر عن الوجوب إلى الندب حديث أبي داود عن سمرة "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" –حسنه الترمذي- ويدل للثاني خبر الشيخين: "غُسْلُ الجمعة واجب على كل محتلم" أي بالغ (ووقته من الفجر) الصادق لخبر الشيخين عن أبي هريرة: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" (وتقريبه من ذهابه أفضل) أي من ذهابه إلى الجمعة لأنه أفضى إلى الغرض من النظافة وانتفاء الرائحة الكريهة حال الاجتماع (فإن عجز تيمم في الأصح) أي بنية الغسل وحاز الفضيلة وقيل لا يتيمم لأن الغرض من الغسل التنظيف والتيمم لا يفيد في ذلك (ومن المسنون غُسْلُ العيد والكسوف والاستسقاء) لاجتماع الناس كالجمعة (ولغاسل الميت) مسلماً كان أو كافراً لخبر أبي داود عن أبي هريرة "من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" رواه الترمذي وحسنه وإنما لم يجب لقوله (ص): "ليس عليكم من غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه" رواه الحاكم عن ابن عباس وقال على شرط البخاري (والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا) ولم يتحقق منهما إنزال لما روى الشيخان عن عائشة أن النبي (ص) كان يغمى عليه في مرض موته فإذا أفاق اغتسل وقيس المجنون على المغمى عليه (والكافر إذا أسلم) لأمره (ص) قيس بن عاصم وثمامة بن أُثال بالغسل حين أسلما –رواه ابن خزيمة وغيره- والأمر للندب لأن جماعة أسلمت فلم يأمرهم بالغسل (وإغسال الحج وآكادها) أي الأغسال المسنونة (غسل غاسل الميت ثم الجمعة وعَكْسَهُ القديمُ) فقال: إن غسل الجمعة أفضل منه للأخبار الكثيرة فيه (قلت: القديم هنا أظهر ورجحه الأكثرون وأحاديثه صحيحة كثيرة) وهي أحاديث غسل الجمعة منها الحديثان السابقان (وليس للجديد حديث صحيح والله أعلم) أي من الأحاديث التي تأمر بالغسل لغاسل الميت تتفق على صحته وهذا الخبر مردود بحديث "من غسل ميتاً فليغتسل" فقد صححه الترمذي وابن حبان وابن السكن وقال الإمام الماوردي: صحح له بعضُ الحفاظ مئةً وعشرينَ طريقاً لكن البخاري وقفه على أبي هريرة، قال الرافعي: أخبار الجمعة أصح وأثبت (ويسن التبكير إليها) إلى الجمعة من طلوع الفجر لخبر الشيخين: "من اغتسل يوم الجمعة غُسْلَ الجنابة ثم راح في الساعة الأولى..." والساعة من طلوع الفجر وقيل: من طلوع الشمس، قال النووي في شرح مسلم: المراد بالساعات الساعات الفلكية أثنتا عشرة ساعة زمانية صيفاً أو شتاءً وقال في أصل الروضة، الإمامُ الرافعيُ: بل هوترتيب درجات السابقين (ماشياً بسكينة) لا راكباً للحث على ذلك في خبر أصحاب السنن: أن رجلاً قيل له: هل اشتريت حماراً تركبه إذا اتيت إلى الصلاة في الرمضاء والظلماء فقال: إني أحب أن يكتب لي أجر ممشاي في ذهابي وعودي فقال (ص): "قد كتب الله لك ذلك" صححه الحاكم وقال: على شرط الشيخين، كما أمر (ص) بالسكينة لخبر الشيخين: "إذا اتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة" أما قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله] الجمعة:9 فظاهره أن السعي مطلوب، أجيب: أن معناه: امضوا إلى الصلاة لأن السعي يطلق على المضي والعدو فبينت السنة أن المراد به المضي ما لم يضق الوقت (وأن يشتغل في طريقه وحضوره) قبل الخطبة (بقراءةٍ أو ذكرٍ) أو صلاةٍ على النبي فقد قال تعالى: [في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه] النور:36 وفي خبر الصحيحين: "فإن أحدكم في صلاة مادامت الصلاة تحبسه (ولا يتخطى) أي رقاب الناس للحث على ذلك إلا إذا كان إماماً أو كان يجد فرجة لا يصلها بغير تخطٍ ويحرم أن يقيم أحداً ليجلس مكانه ولكن يقول: تفسحوا وتوسعوا فإذا قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة في جلوس غيره وأما إذا انتقل إلى مكان أقرب إلى الإمام فلا يكره ولكن يكره إذا آثر غيره بالقرب من الإمام لأن الإيثار في الطاعات مكروه أما قوله تعالى: [ويؤثرون على أنفسهم] الحشر:9 فالمراد: الإيثار في حظوظ النفس، ولو فرش وحداً ثوباً فلغيره تنحيته والصلاة مكانه لا الجلوس عليه بغير رضا صاحبه (ويسن أن يتزين بأحسن ثيابه وطيبٌٍ) لخبر ابن سعيد من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة ولم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتب الله له ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كان كفارة لما بينه وبين جمعة التي قبلها "قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وأفضل ثيابه البيض لخبر: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثبابكم وكفنوا بها موتاكم" رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعمة والارتداء للاتباع وترك لبس السواد أما المرأة فإذا أرادت حضور الجمعة فيكره لها التطيب والزينة وفاخر الثياب نعم يستحب لها قطع الرائحة الكريهة (وإزالةُ الظُّفْرِ) والشعر ونتف الإبط وقص الشارب وحلق العانة وأما حلق الرأس فلا يندب إلى في نسك وفي المولود في سابع ولادته وفي الكافر إذا أسلم ولا بأس أن يتزين الذكر بحلق رأسه إن جرت عادته بذلك، روى البزار عن أبي هريرة أني النبي (ص) كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة (والريحِ) الكريهة فيزال بالماء والصابون وغيره قال الإمام الشافعي: من نظف ثوبه قلَّ همُهُ ومن طاب ريحه زاد عقله ويسن السواك (قلت: وأن يقرأ الكهف يومها وليلتها) لخبر أبي سعيد "من قرأ الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" رواه الحاكم وصححه وروى الدارمي: "من قرأها ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (ويكثر الدعاء) رجاء أن يصادف ساعة الإجابة ففي خبر الشيخين عن أبي هريرة "أنه (ص) ذكر يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى إلى أعطاه إياه" وأشار بيده يقللها" وفي خبر مسلم: "ما بين أن يجلس الإمام إي على المنبر إلى أن تقضى الصلاة" وفي رواية هي بعد العصر قال النووي: ويحتمل أنها متنقلة تكون في بعض الأيام في وقت وبعضها في وقت آخر كما هو المختار في ليلة القدر (والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي يكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلتها لخبر البيهقي عن أبي هريرة أكثروا الصلاة علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة فمن صلى عليَّ صلاةًٍ صلى الله عليه بها عشراً" وروى أن النبي (ص) قال: "أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاةً عليَّ فأكثروا من الصلاة عليَّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر" قال الشافعي: اللية الغراء ليلة الجمعة واليوم الأزهر يومها (ويحرم على ذي الجمعة التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب) من صنائع وعقود وزراعة قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع] الجمعة:9 فيحرم البيع حين يؤذن للجمعة وقيس عليه غيره (فإذا باع صح) بيعه وسائر عقوده مع الحرمة (ويكره قبل الأذان بعد الزوال والله أعلم) أي التشاغل المذكور بخلافه قبل الزوال فلا يكره وذلك في بلادٍ جرت عادتهم بتأخير الجمعة.

فصل فيما تدرك به الجمعة
(من أدرك ركوع الثانية) أي مع الإمام واستمر معه إلى أن يسلم فقد (أدرك الجمعة) أي لم تفته الجمعة (فيصلي بعد صلاة الإمام ركعة) جهراً لخبر أبي هريرة "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الصلاة" رواه الحاكم وصححه وتحصل الجمعة أيضاً بإدراك ركعة أولى مع الإمام وإن فارقه بعدها (وإن أدركه بعده فاتتْهُ) أي أدرك الإمام بعد الركوع فاتته صلاة الجمعة لمفهوم الخبر السابق (فيتم بعد سلامه ظهراً أربعاً) من غير نية لفوات الجمعة (والأصح أنه ينوي في اقتدائه الجمعة) موافقة للإمام وقيل: وجوباً (وإذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها بحدث أو غيره) كرُعَافٍ مثلاُ (جاز الاستخلاف في الأظهر) لأن الصلاة بإمامين على التعاقب جائزة كما صح من فعل أبي بكر ثم النبي (ص) في مرضه الذي مات فيه فإذا جاز هذا في من لم تبطل صلاته فإن بطلت جازت بالأولى لضرورة الخروج منها (ولا يستخلف للجمعة إلا مقتدياً به قبل حدثه) ولا يتقدم فيها أحد بنفسه إلا إذا كان كذلك لأن فيها إنشاء جمعة أخرى (ولا يشترط كونه حضر الخطبة ولا الركعة الأولى في الأصح فيهما) لأنه بالاقتداء قبل خروج الإمام صار في حكم من حضر الخطبة وأدرك الركعة الأولى ومثله: لو انفض السامعون بعد إحرام غيرهم قاموا مقامهم (ثم إن كان أدرك الأولى تمت جمعتهم) أي جمعة الخليفة والمأمومين لأنه صار قائماً مقامه (وإلا فتتم لهم دونه في الأصح) لأنهم أدركوا مع الإمام ركعة كاملة أما هو فلم يتم ركعة مع الإمام فيتمها ظهراً ويجوز ذلك ولو فوت على نفسه الجمعة لأن التقدم للإمامة مطلوب فَعُذِرَ به كما فعل عبد الرحمن بن عوف حين طعن عمر في الصلاة فقد فوت على نفسه فضل الجماعة لأنه لم يحضر مع الإمام ركعة على المشهور (ويراعى المسبوق نظم المستخلف فإذا صلى ركعة تشهد) أي جالساً وهي زيادة لا تضر من أجل موافقة من استخلفه (وأشار إليهم ليفارقوه) بالنية ويسلموا (أو ينتظروا) سلامه بهم وهو الأفضل ثم يقوم إلى ما بقي عليه من ركعة إن أدرك الجمعة أو ثلاثٍ إن لم يدركها (ولا يلزمهم استئناف نية القدوة في الأصح) في الجمعة وغيرها لأن الاقتداء بالخليفة منزل منزلة الاقتداء بالإمام الأول في دوام الجماعة (ومن زوحم عن السجود) في الجمعة وغيرها (فأمكنه على إنسان) كظهره ورجله (فعل) ذلك لتمكنه من السجود وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر: "إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه أي إن لم يخش من ذلك فتنة كما في الجرِّ من الصف (وإلا فالصحيح أنه ينتظر) حتى يتمكن من السجود (ولا يومئ) لقدرته على السجود (ثم إن تمكن منه قبل ركوع إمامه) أي تمكن من السجود قبل أن يركع الإمام في الركعة الثانية (سجد فإن رفع والإمام قائم قرأ) فإن ركع الإمام قبل إتمامه الفاتحة ركع معه وقيل يتم فاتحته ثم يتابعه (أو راكع فالأصح يركع) معه (وهو كمسبوق) فيتحمل معه الفاتحة لأنه لم يدرك محلها (فإن كان إمامه) حين فراغه من سجوده قد (فرغ من الركوع) فاتته الركعة مطلقاً (ولم يسلم وافقه فيما هو فيه) كالمسبوق (ثم صلى ركعة بعده) لفوات ركعته الثانية بفوات ركوعها مع الإمام (وإن كان سلم فاتته الجمعة) أي إذا سلم إمامه قبل فراغه من سجوده فاتته المعة لأنه لم يدرك مع إمامه ركعة (وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام) في الثانية (ففي قول وإن لم يراعي نظم نفسه) فيسجد الآن لئلا يوالي بين ركوعين (والأظهر أنه يركع معه) لأنه سبقه بأكثر من ثلاثة أركان طويلة (ويحسب ركوعه الأول في الأصح) لأنه أتى به في وقته والثاني إنما أتى به لمحض المتابعة (فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية) الذي أتى به (ويدرك به الجمعة في الأصح) لأنه أدرك منها ركعة قبل سلام إمامه (فلو سجد على ترتيب نفسه عالماً بأن واجبه المتابعة بطلت صلاته وإن نسي أو جهل ذلك) ولو كان مخالطاً للعلماء غير عالم (لم يحسب سجوده الأول) لأنه أتى به في غير محله (فإن سجد ثانياً حسب) إن كان ذلك قبل سلام الإمام (والأصح إدراك الجمعة إن كَمُلَت السجدتانُ قبل سلام الإمام) وإن كان فيها نقص هو عدم متابعة الإمام حتى لو سجد إمامه للسهو في آخر صلاته وسجد معه حسبت له الركعة في أصح الوجوه ويسجد للسهو بعد تمام صلاته (ولو تخلف بالسجود ناسياً حتى ركع الإمام للثانية ركع معه على المذهب) لأنه مسبوق بأكثر من ثلاثة أركان فلم يجز له الجري على نظم نفسه.
باب صلاة الخوف
والأصل فيها قوله تعالى: [وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا اسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم واسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة] النساء:102.
وأخبار منها: صلاته (ص) ببطن نخل فقد روى مسلم عن جابر وأبي بكرة أنه صلّى مع النبي صلاة الخوف فصلّى بإحدى الطائفتين ركعتين ثم صلّى بالطائفة الأخرى ركعتين وصلاته (ص) بِعُسْفان من حديث سهل بن أبي حتمة وهي أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة للعدو فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم فإذا استوى قائماً ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم فيكبرون وَجَاهَ العدد ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية رواه الشيخان ومالك وصلاته (ص) بذات الرقاع رواه مالك والشيخان وأحمد وابو داود ولفظ النسائي (أنه (ص) صلى بهم صلاة الخوف فصف صفاً خلفه وصفاً مصافو العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء وجاء اولئك فصلى بهم ركعة ثم قاموا فقضوا ركعة ركعة وهي ذاتُ صلاته بذي قرد.
وروى البيهقي بسند حسن عن ابن عباس قال: ما كانت صلاة الخوف إلا كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم إلا أنها كانت عقباً قامت طائفة وهم جميع مع رسول الله (ص) وسجدت معه طائفة ثم قام وسجد الذين كانوا قياماً لأنفسهم ثم قام وقاموا معه جميعاً.(هي أنواع الأول يكون العدو في القبلة فيرتب الإمام القوم صفين ويصلي بهم فإذا سجدَ سجدَ معه صف سجدتيه وحرس صف فإذا قاموا سجد مع من حرس ولحقوه وسجد معه في الثانية من حرس أولاً وحرس الآخرون فإذا جلس سجد من حرس وتشهد بالصفين وهذه صلاة رسول الله (ص) بعُسْفان) وهي صورة أخرى لحديث الباب وهي حين يكون العدو جهة القبلة ولا حائل بيننا وبينه وفينا كثرة بحيث تقاوم كل فرقة منا العدد وهو شرط لجواز هذه الكيفية (ولو حرس فيهما) أي الركعتين (فرقتا صف) أي على المناوبة فرقة في الأولى وفرقة في الثانية (جاز) قطعاً لحصول المقصود وهو الحراسة (وكذا فرقة في الأصح) لكن الأولى أفضل لأنها ثابتة في الخبر وصورة هذه الحالة أن تحرس فرقة والباقي تُتَابُع صلاتها كاملة مع الإمام وقيل لا تصح هذه الصورة لزيادة التخلف فيها وعسفان قرية على بعد مرحلتين من مكة أي مسافة القصر (الثاني يكون) العدو (في غيرها) أي غير جهة القبلة (فيصلي مرتين كل مرة بفرقة وهذه صلاة رسول الله (ص) ببطن نخل) وهو موضع بنجد ويجوز أن تصلي الفرقة الثانية بإمام ثان والمروي هنا بوجود رسول الله (ص) لأنهم لا يسمحون لغيره أن يؤمهم بوجوده (أو) يكون العدد في غيرها أو في جهتها "القبلة" ولكن ثمَّ ساتر (تقف فرقة في وجهه) أي العدو تحرس (ويصلي بفرقة ركعة فإذا قام للثانية فارقته) بالنية بعد السجود أو عند القيام لأنه قام أيضاً (وأتمت وذهبت إلى وجهه وجاء الواقفون) في وجه العدو والإمام ينتظرهم (فاقتدوا به وصلى بهم) الركعة (الثانية فإذا اجلس للتشهد قاموا) من غير نية لأنه مقتدون به (فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم وهذه صلاة رسول الله (ص) بذات الرقاع) وهي موضع بنجد سميت بذلك لأن الصحابة لفوا أرجلهم: بالخرق لمّا تقرحت (والأصح أنها أفضل من) صلاة (بطن نخل) للخروج من خلاف من منع صلاة المفترض خلف المتنفل (ويقرأ الإمام في انتظاره) الفرقة (الثانية الفاتحة) والسورة (وبتشهد) في انتظارها في الجلوس وبعد لحوقها يقرأ في القيام من السورة بقدر الفاتحة وسورة قصيرة ثم يركع (وفي قول يؤخر) القراءة والتشهد (لتلحقه) وتعادل الأولى في القراءة فإنه قرأ معها ويسن له تخفيف الأولى ولهم تخفيف ما ينفردون به (فإذا صلى مغرباً فبفرقة ركعتين وبالثانية ركعة وهو أفضل من عكسه) وهو أن يصلي بفرقة ركعة وبالثانية ركعتين (في الأظهر) لأن التفضيل هنا لابد منه والسابق أولى بالتفضيل ولسلامته من زيادة تشهد في عكسه (وينتظر في تشهده أو قيام الثالثة وهو أفضل في الأصح) وذلك إذا صلى بالأول ركعتين كما أن القيام أولى بالتطويل من التشهد (أو رباعية) بأن كانوا في الحضر أو أرادوا الإتمام في السفر (فبكل ركعتين) أي يصلي بكل واحدة من الفرقتين ركعتين ويتشهد بهما وينتظر الثانية في التشهد الأول أو في قيام الثالثة وهو أفضل كما تقدم (فلو صلى بكل فرقة ركعة صحت صلاة الجميع في الأظهر) وفارقته كل من الثلاث وصلت لنفسها ما بقي عليها وهو منتظر فراغها ثم تجيء الرابعة فيصلي بها ركعة وتأتي بالباقي وهو منتظر لها في التشهد ثم يسلم بها إذ لا محذور فيه لجوازه في الأمن ولو لغير حاجة وإنما اقتصر (ص) على الانتظارين لأنه الأفضل (وسهو كل فرقة) إذا فرقهم فرقتين (محمول في أولاهم) أي ركعتهم الأولى لاقتدائهم فيها حساً وحكماً (وكذا ثانيةُ الثانيةِ في الأصح) فسهوهم يحمله إمامهم لأنهم مقتدون به حكماً وإلا لا حتاجوا لنية القدوة إذا جلسوا للتشهد معه حيث انفصلوا عنه ليأتوا بركعتهم الثانية ثم عادوا للتشهد معه (لا ثانية الأولى) لمفارقتهم الإمام في أول الركعة الثانية (وسهوه) الإمام (في الأولى يلحق الجميع) لاقتدائهم به في بعض صلاتهم (وفي الثانية لا يلحق الأوليِنَ) لأنهم فارقوه قبل سهوه بل يلحق الآخريِنَ (ويسن) للمصلي (حمل السلاح) الذي لا يمنع صحة الصلاة كالسيف والرمح وغير ذلك من الأسلحة (في هذه الأنواع) من أنواع صلاة الخوف (وفي قول يجب) لقوله تعالى: [وليأخذوا اسلحتهم] ويكره حمل ما يتأذى به أحد المصلين بجانبه وما يمنعه من السجود ويجوز ترك الحمل لنحو مرض أو مطر ولا بأس بوضع السلاح بين يديه في صلاته بحيث تصل إليه يده عند الضرورة (الرابع أن يلتحم القتال أو يشتد الخوف) فلا يستطيعون ترك القتال أو يحيط بهم العدو (فيصلي) كلٌّ منهم (كيف أمكن راكباً وماشياً) ولا يؤخر الصلاة عن الوقت قال تعالى: [فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً] البقرة:239 (ويعذر في ترك القبلة) أي استقبالها بسبب العدو للضرورة ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة قال النووي وصلاة الجماعة على هذه الحالة أفضل من الانفراد (وكذا) بعذر في (الأعمال الكثيرة) كالطعن والضرب وإطلاق الرصاص ورمي بالمدفع (لحاجة) إلى هذه الأعمال (في الأصح) قياساً على ما في الآية من المشي والركوب (لا صياح) فلا يعذر فيه لعدم الحاجة إليه (ويلقي السلاح إذا دمي) بدمِ عدوه لتنجسه بغير المعفو عنه (فإذا عجز) عن إلقائه لحاجته إليه (أمسكه ولا قضاء في الأظهر) للعذر في حق المقاتل (فإن عجز عن ركوع وسجوداً أو أومأ) بالركوع والسجود للعذر (والسجود أخفض) من الركوع (وله ذا النوع) أي صلاة شدة الخوف (في كل قتال وهزيمة مباحين) أي لا إثم فيها كقتال من يدفع عن ماله أو عرضه وكهرب مسلم واحد من ثلاثة فما فوق لا اثنين (وهرب من حريق وسيل وَسَبُعٍ) إذا لم يمكنه المنع ولا التحصن بشيء (وغريم عند الإعسار وخوف حبسه) إذا عجز عن بينة الاعسار إلا بعد حبسه (والأصح منعه لمحرم خاف فوت الحج) إذا خشي فوات الحج بعدم ادراك عرفه قبل الفجر وهذا مردود لأن قضاء الحج أصعب من قضاء الصلاة ولأنه يجوز تأخيرها لنحو سفر وتجهيز ميت خيف تغيره (ولو صلوا لسواد ظنوه عدواً فبان غيره) أي خلاف ما ظنوا أو كان ثَمَّ حائل كنهر أو خندق وقد صلوها صلاة خوف (قضوا في الأظهر) لخطئهم وتركهم فروضاً من الصلاة وقيل لا يجب القضاء لوجود الخوف قال تعالى: [فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً] البقرة:239.

فصل في اللباس
وذكره الأكثرون هنا اقتداء بالشافعي ووجه مناسبته أن المقاتل قد يحتاج إلى لبس الحرير والنجس للبرد والقتال وذكره جمع في العيد (يحرم على الرجل استعمال الحرير بفرش وغيره) كَلُبّسِهِ والتدثر به واتخاذه للسفر والغطاء به واتخاذه لا بقصد استعمال وتحلُّ خياطته لأنه لا يسمى استعمالاً ويحل منه الأزرار وخيط خياطة وخيط سبحه ويحل خياطة المصحف به وأن يكون كيسه منه تكريماً روى الشيخان عن حذيفة: نهانا رسول الله (ص) عن لبس الحرير والديباج وفي رواية البخاري: نهانا رسول الله (ص) عن لُبْس الحرير والديباج وأن نجلس عليه (ويحل للمرأة لبسه) لخبر أُحِلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي وحَرُمَّ على ذكورها قال الترمذي حديث حسن صحيح لأن فيه سرفاً وخيلاء (وأن للولي إلباسه الصبيَّ) أي أن يُلْبِسَ الصبيَّ الحريرَ ولو مميزاً إذ ليس له شهامة تنافي خنوثة الحرير ولا خلاف في جواز ذلك يوم العيد لأنه يوم زينة (قلت الأصح حلُّ افتراشها وبه قطع العراقيون وغيرهم والله أعلم) لعموم الخبر السابق أنه حل لإناث أُمَّتِهِ (ويحل للرجل لبسه للضرورة كحر وبرد مهلكين) وأُلِحَق بالحرِّ والبرد جميع الآلام والأمراض (أو فجأة حربولم يجد غيره) ولا أمكنه طلب غيره للضرورة (وللحاجة كجرب وحكة) وقد آذاه لبس غيره ومثله ستر العورة (ودفع قَمْلٍ) لخبر الصحيحين أنه (ص) أرخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما. وسواء في ذلك السفر والحضر ويؤخذ من قوله للحاجة أنه متى وجد مغنياً عنه من دواء أو لباس لم يجزْ له لبسه كالتداوي بالنجاسة فإنه متى وجد البديل عنها حَرُمَتْ (وللقتال كديباج لا يقوم غيره مقامه) في دفع السلاح كحاجة دفع القَمْلِ بل أولى (ويحرم المركب من أبريسم) أي حرير بأي نوع من أنواعه والأبريسم ما حُلَّ عن الدودة بعد موتها وأما القز فما حل عنها قبل موتها (وغيره إن زاد وزن الأبريسم ويحل عكسه) تغليباً لحكم الأثر لخبر أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: إنما نهانا رسول الله (ص) عن المسمَّط من الحرير أي الخالص (وكذا إذا استويا في الأصح) وزناً إذ لا يسمى ثوب حرير ولو شك في الاستواء فالأصل الحل (ويحل ما طُرِّزَ) وهو ما يركب على الكمين أو رقع في مواضع بشرط ألا يزيد على أربعة أصابع مضمومة لكل منها لخبر مسلم عن عمر: نهى رسول الله (ص) عن لبس الحرير إلا موضع إصبع أو إصبعين أو ثلاث أو أربع (أو طُرِّفَ بحرير قدر العادة) لما روى مسلم عن أسماء بنت ابي بكر أنه (ص) كانت له جبة يلبسها لها لبْنَةٌ واللبنة هي رقعة في مدخل الرأس أي في طوق الثوب والمطرف هو الذي جعل له طرف من حرير سواءً كان من الداخل أو من الخارج والمكفوف هو الذي جعل له كفة أي سجاف كما في رواية أبي داود كانت له جبة مكفوفة الجيب (ولبس الثوب النجس في غير الصلاة ونحوها) أي ويحل لبس الثوب المتنجس في غير الصلاة والطواف فيحل في الافتراش والتدثر والتوسط ولو في مسجد لأن استدامة الطهارة تشق أحياناً (لا جلد كلب وخنزير) فلا يحل لغلظ نجاستها (إلا لضرورة كفجأة قتال) ولم يجد غيره (وكذا جلد الميتة في الأصح) فإنه يحرم لبسه لنجاسة عينه ويحرم اقتناء الخنزير للأمر بقتله واقتناء الكلب إلا لنحو صيد أو حفظ (ويحل الاستصباح بالدهن النجس) أصالة أو بعارض كشحوم الميتة غير المغلظة (على المشهور) لخبر الطحاوي عن أبي هريرة أنه سئل النبي (ص) عن فأرة وقعت في سمن فقال إن كان جامداً فخذوها وما حولها فألقوه وإن كان مائعاً فاستصبحوا به أو انتفعوا به.

باب صلاة العيدين
يروي أن أول عيد صلى فيه (ص) عيد الفطر من السنة الثانية ولم يزل يواظب على العيدين حتى فارق الدنيا ولم يصلها بمنى لأنه كان مسافراً.
(هي سنة) مؤكدة لمواظبة النبي (ص) عليها (وقيل فرض كفاية) لأنها من شعائر الإسلام فعليه يقاتل أهل بلد تركوها ويؤيده أنه (ص) لم يتركها (وتشرع جماعة) كما فعلها (ص) (وللمنفرد والعبد والمرأة والمسافر) أي وتشرع لهؤلاء ولا يخطب المنفرد ويخطب إمام المسافرين (ووقتها بين طلوع الشمس وزوالها ويسن تأخيرها لترتفع الشمس كرمح) أي قرابة مترين كما فعلها (ص) (وهي ركعتان يُحْرِمُ بهما) بنية عيد الفطر أو عيد الأضحى (ثم يأتي بدعاء الافتتاح ثم سبع تكبيرات) لما روى الترمذي عن كثير بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن النبي (ص) كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً قال البخاري والترمذي إنه أصح شيء في هذا الباب (يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة ويهلل ويكبر ويمجد) رواه البيهقي عن ابن مسعود بسند جيد (ويحسن) أن تقول (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) وهي الباقيات الصالحات في قول ابن عباس (ثم يتعوذ ويقرأ) الفاتحة (ويكبر في الثانية) بعد تكبيرة القيام (خمساً قبل القراءة ويرفع يديه في الجميع) نعم إن كبر إمامه ستاً أو ثلاثاً تابعه ندباً خلافاً لتكبيرات الجنازة لأن تكبيرات الجنازة أركان ويرفع يديه في كل تكبيرة مما ذكر ويضع يمناه على يسراه ندباً بين كل تكبيرتين (وَلَسْنَ فرضا ًولابعضاً) بل هيئات للصلاة كالتعوذ ودعاء الافتتاح فلا يسجد لتركهن عمداً ولا سهواً (ولو نسيها وشرع في القراءة فاتت) لفوات محلها فلا يتداركها (وفي القديم يكبر ما لم يركع) فإن ركع فلا يرجع إلى التكبيرات ولا شيء عليه (ويقرأ بعدالفاتحة في الأولى ق~ وفي الثانية اقتربت بكاملها جهراً) لخبر مسلم عن أبي واقد الليثي أنه (ص) كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ ق~ واقتربت ولو قرأ في الأولى "سبح اسم ربك الأعلى" وفي الثانية "هل آتاك حديث الغاشية" كان سنة أيضاً رواه مسلم عن النعمان بن بشير (ويسن بعدها خطبتان) فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة وأما الخطبتان فبالقياس على الجمعة قال النووي ولم يثبت فيه حديث (وأركانهما كالجمعة) ويسن اسماع الحاضرين وكون الخطبة عربية ويسن الجلوس قبلهما للاستراحة قال الخوارزمي: قدر الأذان (ويعلمهم في الفطر) أحكام (الفطرة) ندباً (وفي الأضحى الأضحية) أي أحكام الأضحية ندباً رواه الشيخان عن البراء (يفتتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع ولاءً) نص الشافعي على أنها ليست من الخطبة وإنما هي مقدمة لها (ويندب الغسل) العيد لخبر ابن ماجة أن النبي (ص) كان يغتسل للعيد (ويدخل وقته) أي الاغتسال (بنصف الليل وفي قول بالفجر) كالجمعة ومن قال نصف الليل لأن أهل القرى يبكرون إلى المصلى من قراهم فلو منع قبل الفجر لشقَ ذلك عليهم (والتطيب والتزين كالجمعة) بل أولى لأنه يوم زينة فيستحب أن يلبس أحسن ثيابه ويزيل ظفره نعم لا يسن ذلك لمريد الأضحية حتى يضحي (وفعلها في المسجد أفضل) لشرف المسجد (وقيل بالصحراء إلا لعذر) كمطر وريح فقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري أنه (ص) كان يخرج يوم الأضحى ويم الفطر فيبدأ بالصلاة. أي يخرج إلى المصلى قيل لضيق مسجده عمن يحضر صلاة العيد وقيل لتحضر الحيض وذوات النفاس خطبة العيد (ويستخلف من يصلي بالضعفة) إذا خرج الإمام إلى الصحراء (ويذهب في طريق ويرجع في أخرى) لفعله (ص) لخبر البخاري عن جابر كان (ص) إذا كان يوم عيد خلاف الطريق وروى أبو داود أن النبي كان يذهب من طريق ويرجع من أخرى وحكمته أنه (ص) كان يذهب في الأطول لأن أجر الذهاب أعظم ويرجع في الأقصر وقيل ليتبرك فيه أهل الطريقين ويستفتونه (ويبكر الناس) من بعد صلاة الفجر ندباً إلى المصلى (ويحضر الإمام وقت صلاته) رواه الشيخان عن أبي سعيد (ويعجل في الأضحى) الحضور إلى المصلى ويؤخر في الفطر وحكمته أن يتسع الوقت للأضحية وليتسع الوقت لإخراج الفطرة فهو أفضل أوقاتها فقد أخرج البيهقي أن النبي كتب إلى عمرو بن حزم حين ولاه البحرين أن عجل الأضحى وأخر الفطر (قلت ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة ويمسك في الأضحى) عن الأكل حتى يصلي لخبر الترمذي على بُريده كان (ص) لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَمَ ولا يَطْعَمُ يوم الأضحى حتى يصلي (ويذهب ماشياً بسكينة) لخبر "إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة" الشيخان عن أبي هريرة (ولا يكره النفل قبلها لغير الإمام والله أعلم) ولا بعدها لحل النافلة بعد الشروق ولحل النافلة مطلقاً بعدصلاة العيد ويكره للإمام التنفل قبل العيد لأن النبي (ص) لم يكن يفعله ومن جاء والإمام يخطب في الصحراء صلى العيد لحصول التحية به
(فصل: يندب التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد)
أي عيد الفطر وعيد الأضحى ودليلهُ في الفطر قوله تعالى: [ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم] البقرة:185 أي عدة رمضان ولتكبروا الله عند إتمامها وقيس الأضحى على الفطر (وفي المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع الصوت) ليلاً ونهاراً اظهاراً لشعار العيد (والأظهر ادامته حتى يُحْرِمَ الإمام بصلاة العيد) وقيل حتى يخرج الإمام لها (ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى بل يلبي) لأن التلبية شعار الحاج (ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات في الأصح) لعدم ورود شيء في ذلك وقيل تقاس على الأضحى فيكبر خلف المغرب والعشاء والصبح (ويكبر الحاج من ظهر النحر) لأنها أول صلاته بعد انتهاء وقت التلبية (ويختم بصبح آخر التشريق) لأنها آخر صلاته بمنى (وغيره كهو في الأظهر) أي وغير الحاج كالحاج في الأظهر تبعاص للحاج (وفي قول من مغرب ليلة النحر) أي وغير الحاج يبدأ من مغرب ليلة النحر ويختم بآخر أيام التشريق أي قياساً على الفطر حيث يبدأ التكبير عقب فطر آخر يوم رمضان (وفي قول من صبح عرفة ويختم بعصر آخر التشريق والعمل على هذا) وهو الذي عليه العمل في الأمصار وقد صح من فعل عمر وعلى وابن مسعود وابن عباس قال الحاكم إن النبي (ص) فعل ذلك وصحح اسناده (والأظهر أنه بكبر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والنافلة) المطلقة لأنه شعار الوقت وقيل لا إنما هو شعار الفرائض المؤداة (وصيغته المحبوبة) المفضلة الواردة في الأحاديث الصحيحة (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد ويستحب) كما في الأم (أن يزيد) بعد التكبيرة الثالثة (كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً) أي أول النهار وآخره والمراد جميع الأزمنة لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر فقد قال (ص) نحو ذلك على الصفا: (ولو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد) حيث بقي من الوقت ما يسع جمع الناس والصلاة (وإن شهدوا بعد الغروب لم تقبل الشهادة) في العيد إذ لا فائدة من هذه الشهادة وصلينا العيد في الغد أداء لما روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة: الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس (أو بين الزوال والغروب أفطرنا وفاتت الصلاة) لخروج وقتها (ويشرع قضاؤها متى شاء في الأظهر) لمن أراد كسائر الرواتب وهو في باقي اليوم أولى وتعجيل القضاء للمنفرد أولى (وقيل في قول) لا تفوت بل (تُصَلَّى من الغد أداءً) لكثرة الغلط في الأهلة فلا يفوت به هذا الشعار العظيم..

باب صلاة الكسوفين
إن كسوف الشمس لا حقيقة له لعدم تغيرها في نفسها لأن ضوءها من جرمها وإنما القمر يحول بيننا وبينها فيرى القمر كَمْداً لا صفاء له في وجه الشمس فَيُظَنُّ ذهاب ضوئها وأما خسوف القمر فحقيقته ذهاب ضوئه لأن ضوءه مستمدٌ من ضوء الشمس وكسوفه بحيلولة الأرض بين الشمس وبينه فلا ينعكس فيه ضوء فيبدو مظلماً والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى: [لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذين خلقهن] فصلت:37 واخبار منها حديث أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله (ص) فانكسفت الشمس فقام النبي (ص) يجر رداءه حتى دخل المسجد فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال (ص): إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم. رواه البخاري..
ومنها حديث ابن عباس: "أن النبي (ص) ركع أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات "يعني في صلاة الكسوف" متفق عليه.
وحديث جابر: "إذا رأيتم ذلك "الكسوف" فصلوا حتى ينجلي" رواه مسلم وله أيضاً عن عائشة "فإذا رأيتم كسوفاً فاذكروا الله حتى ينجلي" وللبخاري ومسلم عن المغيرة فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي.
وحديث عبد الله بن عمرو: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله (ص) نودي إن الصلاة جامعة. ورواه الشيخان عن عائشة..
(هي سنة) مؤكدة لأن النبي (ص) أمر بها وصلى (فيحرم بنية صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة ويركع ثم يرفع ثم يقرأ الفاتحة ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد) السجدتين (فهذه ركعة ثم يصلي ثانية كذلك) وهذه أقلها فهي ركعتان في كل ركعة ركوعان (ولا يجوز بزيادة ركوع ثالث) فأكثر (لتمادي الكسوف ولا نقصه) أي ولا إنقاص ركوع من الركوعين (للانجلاء في الأصح) والثاني يزاد وينقص فقد روى مسلم عن عائشة أنه (ص) صلى ركعتين في كل ركعة ثلاثة ركوعات وفي رواية أخرى له أربعة ركوعات وفي رواية لأبي داود خمسة ركوعات ولكن روايات الركوعين هي الأصح والأشهر والأكثر رواة (والأكمل) على الإطلاق وإن لم يرضَ به المأمومون (أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة البقرة وفي الثاني) بعد التعوذ والفاتحة (كمائتي آية منها وفي) القيام (الثالث مائة وخمسين وفي) القيام (الرابع مائة) منها (تقريباً) وفي رواية يقرأ في الأول البقرة وفي القيام الثاني آل عمران وفي القيام الثالث النساء وفي القيام الرابع المائدة وهما متقاربان (ويسبح في الركوع الأول قدر مائة من البقرة وفي الثاني ثمانين والثالث سبعين والرابع خمسين تقريباً) ويقول في الرفع من كل ركوع سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد (ولا يطول السجدات في الأصح) كما لا يزيد في التشهد والجلوس بين السجدتين والاعتدال الثاني (قلت: الصحيح تطويلها) أي السجدات وهو الأفضل لأنه (ثبت في الصحيحن ونص في البويطي أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها والله أعلم) فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ولفظه (فصلى بأطول قيام وركوع و سجود وما رأتيه قط يفعله في صلاته) وعند البخاري عن عائشة: فسجد سجوداً طويلاً وفي الثانية ثم سجد وهو دون السجود الأول وفي رواية مسلم: ما ركعت ركوعاً قط ولا سجدت سجوداً قط كان أطول منه قال البغوي فالسجود الأول كالركوع الأول والسجود الثاني كالركوع الثاني (وتسن جماعةً) أي صلاة الكسوف ويُنَادَى لها الصلاةُ جامعةً كما فعل رسول الله (ص) حيث بعث منادياً ينادي الصلاة جامعةً رواهما الشيخان وتسن للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر (ويجهر بقراءة كسوف القمر لا الشمس) لأنها في الليل فقد روى الترمذي بسند صحيح عن سمرة صلى بنا النبي (ص) في كسوف لا نسمع له صوتاً أما حديث عائشة جهر في صلاة الخسوف بقراءته فمحمول على خسوف القمر (ثم يخطب خطبتين بأركانها في الجمعة ويحث على التوبة والخير) ويحرضهم على الاعتاق والصدقة ويحذرهم الغفلة والاغترار فقد روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنه (ص) أمر بالعتاقة في كسوف الشمس (ومن أدرك الإمام في ركوع أول) عن الركعة الأولى أو الثانية (أدرك الركعة) كما في سائر الصلوات (أو في) ركوع ثانٍ أو قيام (ثانٍ فلا في الأظهر) لأن الركوع الثاني وقيامه كالتابع للأول (وتفوت صلاة) كسوف (الشمس بالإنجلاء) لأنه المقصود من الصلاة وقد حصل ولو انجلى بعضها فله الشروع من أجل انجلاء الباقي (وبغروبها كاسفة) لزوال سلطانها والانتفاع بها (والقمر بالإنجلاء) أي تفوت صلاته بالإنجلاء كما مر في كسوف الشمس (وطلوع الشمس) لزوال سلطانه (لا الفجر في الجديد) لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه (ولا تفوت بغروبه خاسفاً) قبل الفجر كما لو استتر بغمام (ولو اجتمع كسوف وجمعة أو فرض آخر قدم الفرض) الجمعة أو غيرُها (وإلا) يخاف فوت الفرض (فالأظهر تقديم الكسوف) مخافة فوتها بالإنجلاء (ثم يخطب للجمعة) دون تغير صورتها (متعرضاً للكسوف ثم يصلي الجمعة) ولا يقصد التشريك في الخطبة لأنه تشريك بين فرض ونفل (ولو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة قدمت الجنازة) لما يخاف من تغير الميت بتأخرها وإن اجتمع جمعة وجنازة ولم يضق الوقت قدمت الجنازة وإن ضاق الوقت قدمت الجمعة ولو اجتمع خسوف ووتر قدم الخسوف على الوتر لأنه آكدُ.

باب صلاة الاستسقاء
هي لغة طلب السُقيا والأصل في الباب قبل الإجماع أخبار منها.
روى الشيخان عن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله (ص) خرج بالناس يستقي بهم فصلّى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة وحول رداءه واستسقى واستقبل القبلة، وحديث ابن عباس أن النبي (ص) خرج إلى المصلى مبتذلاً فصلى ركعتين كما يصلي العيد رواه أحمد والترمذي وأبو داود عن ابن عباس.
حديث عبد الله بن زيد: أن رسول الله (ص) كان يخرج في صلاة الاستسقاء إلى الصحراء رواه أبو داود والبيهقي وقال الخطيب هو على شرط الشيخين ووافقه الذهبي..
(هي سنة عند الحاجة) لانقطاع المطر أو قلته وقد فعلها رسول الله (ص) رواه الشيخان (وتعاد ثانياً وثالثاً إن لم يسقوا) حتى يسقيهم الله سبحانه وتعالى (فإن ذهبوا للصلاة فسقوا قبلها اجتمعوا للشكر والدعاء ويصلون على الصحيح) شكراً لقوله تعالى: [لئن شكرتم لأزيدنكم] إبراهيم:7 (ويأمرهم الإمام) أو نائبه أو ذو الشوكة المطاع في البلاد التي لا إمام فيها (بصيام ثلاثة أيام) متتابعة (أولاً) أي قبل يوم الخروج ويصوم معهم لأن الصوم يعين على خشوع القلب (والتوبة والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخروج من المظالم) في الدم والعرض والمال لأن لكل ذلك أثراً في إجابة الدعاء قال تعالى: [ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً] يونس:98 وروى الحاكم والبيهقي "ولا منع قوم الزكاة إلا حبس عنهم المطر"، وقال ابن مسعود إذا بَخَسَ الناسُ المكيال منعوا قطر السماء وقال مجاهد وعكرمة في قوله تعالى: [ويلعنهم اللاعنون] تلعنهم دواب الأرض تقول منع المطر بخطاياهم (ويخرجون إلى الصحراء في الرابع صياماً في ثياب بِذْلَةٍ وتَخَشُّعٍ) لحديث ابن عباس خرج رسول الله مبتذلاً ولباس البذلة هي الثياب التي تلبس حال العمل والخدمة (ويخرجون الصبيان والشيوخ) لأن دعاءهم أقرب للإجابة (وكذا البهائم في الأصح) لخبر البخاري وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ولخبر "لولا شباب خشع وبهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صباً وفي رواية ولولا البهائم لم تمطروا (ولا يُمْنَعُ أهلُ الذمة الحضور) لأنهم يطلبون الرزق ورزق الله يسع جميع خلقه (ولا يختلطون بنا) لأنهم كافرون فقد يحل بهم عذاب الله لكفرهم فنصاب بما يصابون به (وهي ركعتان كالعيد) في التكبيرات والجهر (لكن قيل يقرأ في الثانية) بدلاً من اقتربت الساعة (إنا أرسلنا نوحاً) نوح:1 لاشتمالها على الاستغفار وهي موافقة للحال (ولا تختص بوقت العيد في الأصح) فيجوز فعلها في أي وقت كان من ليل أو نهار والثاني تختص به أخذاً من حديث ابن عباس (ويخطب كالعيد) في خطبته وأركانه (لكن يستغفر الله تعالى بدل التكبير) أولها فيقول استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه بدل كل تكبيرة ويكثر أثناء الخطبة من الاستغفار ومن قول استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً (ويدعو في الخطبة الأولى اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً) أي مطراً مروياً (هنيئاً مريئاً) أي تهنأ به النفوس ويكون محمود العاقبة (مريعاً) أي يعطي النماء والبركة (غدقاً) أي كثير الخير (مجللاً) أي يغطي الأرض (سحاً) أي كثير التأثير في الأرض (طبقاً) أي يطبق على الأرض (دائماً) لا ينقطع حتى يسد الحاجات ويروي الزروع والبهائم (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين) أي الذين يصابون باليأس من رحمتك وعطائك (اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً) أي كثيراً رواه الشافعي عن ابن عمر (ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية) وهو نحو ثلثها (ويبالغ في الدعاء) وهو مستقبل القبلة (سراً وجهراً) ادعوا ربكم تضرعاً وخيفة فإذا أسر دعا الناس سراً وإذا جهر آمنوا وكلهم يرفعون أيديهم بالدعاء مشيرين بظهور أكفهم إلى السماء لخبر مسلم عن أنس "أنه (ص) كان إذا استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء" والحكمة فيه رجاء تغير الحال من القحط إلى المطر والغيث والنماء (ويحول رداءه عند استقباله فيجعل يمينه يساره وعكسه) ففي خبر أبي داود وكان عليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه ويحصل التحويل والتنكيس بجعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر والحكمة فيهما التفاؤل بتغير الحال إلى الخصب والسعة (ويحول الناس مثله) أي مثل تحويل الخطيب فقد روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن زيد أنه (ص) حول رداءه وقلب ظهراً لبطن وحول الناس معه (قلت ويترك محولاً حتى تنزع الثياب) لأنه لم ينقل أن النبي (ص) غير رداءه بعد التحويل فالإمام والمصلون في ذلك سواء فإذا فرغ الخطيب من الدعاء مستقبلاً أقبل على الناس بوجهه وحثهم على الطاعة وصلى على النبي (ص) ودعا للمؤمنين وقرأ آية أو آيتين وقال أستغفر الله لي ولكم.
(ولو ترك الإمام الاستسقاء فعله الناس) محافظة على السنة (ولو خطب قبل الصلاة جاز) لخبر أبي داود أنه خطب ثم صلى وفيه بيان الجواز قبل الصلاة أو بعدها (ويسن أن يبرز لأول مطر السنة ويكشف غير عورته ليصيبه) المطر فقد روى مسلم عن أنس أنه قال أصابنا مطر ونحن مع رسول الله (ص) فحسر ثوبه حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه –ومعنى حسر أي كشف- (وأن يغتسل أو يتوضأ في السيل) فقد روى الشافعي في الأم أنه (ص) كان إذا سال السيل قال "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً فنتطهر منه" (ويسبح عند الرعد والبرق) لخبر مالك عن عبد الله بن الزبير كان النبي (ص) إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته" (ولا يتبع بصره البرق) .
فقد ذكر الشافعي عن عروة بن الزبير أنه قال إذا رأى أحدكم البرق والودق فلا يشير إليه "والودق هو المطر" وكان يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبوح قدوس (ويقول عند نزول المطر اللهم صيباً نافعاً) أي غزيراً ذا نفع رواه البخاري وفي رواية ابن ماجة سَيْباً أي عطاءً نافعاً (ويدعو بما شاء) لما روى البيهقي أن الدعاء يستجاب في أربعة مواطن: "عند التقاء الصفوف ونزول الغيث وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة" (وبعده بفضل الله ورحمته) أي يقول بعد المطر (ويكره أن يقول مطرنا بنوء كذا) أي إضافة المطر إلى طلوع نجم معين فإن اعتقد أن النجم هو الفاعل الحقيقي للمطر كفر لخبر الصحيحين عن زيد بن خالد "أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب ومن قال مطرنا بنوء كذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب" (وسب الريح) ويكره سب الريح بل يسنُّ عندها الدعاء لخبر "الريح من روح الله –أي من رحمته- تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها – رواه أبو داود بإسناد حسن (ولو تضرروا بكثرة المطر فالسنّةُ أن يسألوا الله رفعه) بأن يقولوا كما قال رسول الله (ص) حين شُكِي إليه ذلك (اللهم حوالينا ولا علينا) اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر: رواه الشيخان والآكام جمع أُكُم وهو جمع أكمة وهي التلال المرتفعة وأما الظراب فهي جمع ظرب وهو التلال المنخفضة (ولا يصلي لذلك والله أعلم) لعدم وروده.

باب في حكم تارك الصلاة
ترك الصلاة من الكبائر: قال تعالى: [فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً] مريم:59-60. وقال النبي (ص): "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم عن جابر وقال النبي (ص): "من فاتته صلاة العصر حبط عمله" رواه مسلم عن جابر. وقال النبي (ص) من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله" رواه أحمد عن أم أيمن.
(إنْ تَرَكَ الصلاةَ) مكلفٌ عالم أو جاهل لم يعذر بجهله لكونه بين أظهرنا ولا بعذر بالجحود لأنه بيننا لا يخى عليه حكمها (جاحداً وجوبها) الجحود هو الانكار بعد العلم (كفر) اجماعاً ككل مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فيجري عليه حكم المرتد بخلاف من أنكر وجوبها لقرب عهده بالإسلام لجواز أن يخفي عليه فلم يعلمه (أو كسلاً قُتِلَ حداً) أي من تركها تهاوناً قتل بالسيف حداً لا كفراً لخبر الشيخين عن أبي هريرة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" وخبر أبي داود: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهدٌ إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه". فما دام تاركها تحت المشيئة إن شاء تعالى عذبه وإن شاء أدخله الجنة فهو ليس بكافر لأن الكافر لا يدخل الجنة أما خبر مسلم عن جابر "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" فمحمول على الجحود وقيل محمول على تغليظ الذنب (والصحيح قتله بصلاة واحدة) لعموم الخبر السابق (بشرط إخراجها عن وقت الضرورة) أي الجمع فلا يقتل بالظهر حتى تغرب الشمس ولا بالمغرب حتى يطلع الفجر ويقتل بالصبح بطلوع الشمس لأن الوقتين قد يتحدان فكان شبهة دارئة للقتل ومن ثمَّ لو ذكر عذراً للتأخير لم يقتل ولو كان العذر فاسداً كما لو قال صليت وهو كاذب ووقت الضرورة في الجمعة ضيق وقتها عن أقل ممكن من الخطبة والصلاة لأن وقت العصر ليس وقتاً للجمعة بخلاف الظهر وَقَبْلَ قَتْلِهِ يُهَدَدُ بالقتل إن ضاق وقتها فيقال له إن خرج وقتها ولم تصليها قتلت فإن أخرَّ وخرج الوقت استوجب القتل وقيل إنما يقتل إذا ضاق وقت الثانية لشبهة الجمع وقيل إذا ترك أربع صلوات مستنداً إلى أن النبي (ص) ترك يوم الخندق أربع صلوات (وَيُسْتَتَابُ) قبل القتل لأنه ليس أسوأ حالاً من المرتد وتوبته على الفور لأن تأخير التوبة يؤدي إلى تأخير صلوات ولو قتله في مدة الاستتابة أو قبلها إنسانٌ أَثِمَ ولا ضمان عليه كقاتل المرتد (ثم) إن لم يتب ولم يُبد عذراً (تضرب عنقه) بالسيف (وقيل ينخس بجريدة) أي لا يقتل بل يؤذى بجريدة تغرز بجسده في أماكن مختلفة غرزاً بسيطاً ثم يزاد عليه ذلك حتى يموت أو يصلي وقيل بل يضرب بالخشب حتى يصلي أو يموت (ويغسل) ويكفن (ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين ولا يطمس قبره) وحكمه حكم صاحب الكبائر من المسلمين وقيل لا يفعل له شيء من ذلك فلا يدفن في مقابر المسلمين ويطمس قبره إهانة له.
خاتمة: من ترك الصلاة بعذر كنوم أو نسيان لم يلزمه قضاؤها فوراً لكن يسنُّ له المبادرة أو بلا عذر فعليه قضاؤها فوراً قال الإمام الغزالي: ولو زعم زاعم أن بينه وبين الله حاجةً أسقطت عنه الصلاة وأحلت له شرب الخمر وأكل مال السلطان كما زعمه من ادعى التصوف فلا شك في وجوب قتله وقتلُ مثله أفضلُ من قتل مئة كافر لأن ضرره أكثر.

كتاب الجنائز
الجنائز جمع جنازة بفتح الجيم وبكسرها وقيل بالفتح اسم للنعش وبالكسر للميت في النعش (ويكثر ذكر الموت) لأن ذلك أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة لخبر: أكثروا من ذكر هادم اللذات رواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة وقد روي بالدال والذال فهو "هادم" مزيل و"هاذم" أي قاطع وهما متقاربان بالمعنى (ويستعد بالتوبة وردِّ المظالم) إلى أهلها بأن يبادر إليهما لئلا يفجأه الموت وعليه مظالم ومنها قضاء الصلاة وقال السبكي إن تارك الصلاة ظالم لجميع المسملين وقضاء دين لم يبرأ منه والتمكين من استيفاء حدٍّ أو تعزير (والمريض آكد) أي أشد مطالبةً بالتوبة ورد المظالم (ويضجع المحتضر لجنبه الأيمن) ندباً وإلا فالأيسر إن عَسُرَ (إلى القبلة على الصحيح) كما في اللحد لأن القبلة أشرف الجهات (فإن تعذر لضيق مكان ونحوه) كعلة بجنبيه (ألقي على قفاه ووجهه وأخمصاه للقبلة) لأنه الممكن ويرفع رأسه ليتوجه للقبلة كأن يوضع تحت رأسه مِخَدَةٍ عالية وقيل هذا التوجيه أفضل من وضعه على الجنب (ويلقن الشهادة) لخبر مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" وعند ابن حبان عن أبي هريرة "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك" (بلا إلحاح) لئلا يضجر ولا يقال له قل بل يتشهد الملقنُ عنده لأن المقصود كونها آخر وكلامه ليفوز بها مع السابقين أو ليفوز بعدم الحساب وليكن الملقنُ غيرَ متهم بأنه يستجعل موته (ويقرأ عنده يس~) لخبر أبي داود عن معقل بن يسار "اقرأوا يس~ على موتاكم" وروى أحمد عن أبي الدرداء وأبي ذر "ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس~ إلا هون اله عليه" أي يقرأ الداخل عنده يس~ ولا يقرأ على الميت وقيل لا مانع من القراءة عليه كالسلام ويندب أيضاً قراءة سورة الرعد لتسهيليها خروج الروح فقد روى "أنه يموت رياناً ويدخل قبره رياناً ويخرج منه رياناً" رواه ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد مرفوعاً ويندب أن يجرع ماءً خصوصاً لمن ظَهَر منه رغبة طلبه (وليحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى) لما روى مسلم عن جابر قال سمعت رسول الله (ص) يقول قبل موته بثلاث "لا يموتن أحدُكُمّ! إلا وهو يحسن الظنَّ بالله تعالى" أي يظن أن الله يرحمه ويعفو عنه قال ابن حبان سُئِل بعض السلف عن معنى "إحسان الظنِّ بالله" قال: أنه لا يجمعه والفجار في دار واحدة وروى الشيخان عن أبي هريرة "أنا عند ظنِّ عبدي بي" (فإذا مات غُمِّضَ) ندباً وإلا لبقيت عيناه مفتوحتين وَقَبُحَ منظرهُ لخبر مسلم عن أم سلمة أنه (ص) دخل على أبي سَلَمة وقد شُقَّ بصره فأغمضه ثم قال: إن الروحَ إذا قُبِضَ تبعه البصر. زاد ابن ماجة عن شداد بن أوس وقولوا خيراً ومعنى شُقَّ أي برز وشخص ويستحسن أن يقول حال إغماضه باسم الله وعلى ملة رسول الله. (وَشُدَّ لَحْيَاُه بعصابة) لئلا يبقى فمه مفتوحاً على أن تكون العصابة عريضة تعمُّ اللحيين وتربط فوق رأسه لئلا يدخل الهواء إلى فيه (وليِّنَتْ مفاصلُهُ) وأصابعه عقب زهوق روحه فيرد ساعده لعضده وساقه لفخذه وفخذه إلى بطنه ثم يردها إلى مواضعها ليسهل الغسل وتبقى الحرارة في الجسد (وستر جميع بدنه بثوب خفيف) بعد نزع ثيابه ويجعل طرف الثوب تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف واحترز بالخفيف عن الثقيل لأن الثقيل يرفع الحرارة فيفسد الجسد فقد روى الشيخان عن عائشة قالت سُجي رسول اله (ص) حين مات بثوب حِبَرَةٍ. ومعنى سُجي أي غطي جميع بدنه والحِبَرَةُ هي نوع من ثياب القطن تنسج باليمن (ووضع على بطنه شيء ثقيل) من حديد كنحو سيف ومرآة حديد (ووجه إلى القبلة كمحتضر ويتولي ذلك) جميعه (أرفقُ محارمه) به ويتولاه الرجال من الرجال والنساء من النساء فإن تولاه الرجال من نساء المحارم أو النساء من رجال المحارم جاز (ويُبَاَدرُ بغسله إذا تيقن موته) ندباً إن لم يُخْشَ من التغيير فإن خشي من التغير فوجوباً لخبر أبي داود أن النبي (ص) عاد طلحة بن البراء فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فإن يؤتى به فعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مؤمن أن تحبس بين ظهراني أهله وعلائم الموت استرخاء قدم فلا تنتصب وميل أنف وانخساف في صدغيه فإن شُكَّ في موته لاحتمال عرض سكتة أو فزع أُخّرَ إلى اليقين بإخبار طبيب فإن لم يكن ثمَّ طبيب ترك حتى اليقين من موته (وَغَسْلُهُ وتكفينُهُ والصلاةُ عليه ودفنُهُ فروضُ كفاية) في حق الميت المسلم لأن مشروعية هذه الأشياء من خصائض هذه الأمة.
فائدة:
أول من صلى عليه النبي (ص) أسعد بن زرارة.
وأول من صلى عليه النبي (ص) في القبر البراء بن المعرور.
وأول من صلى عليه غائباً النجاشي.
(وأقل الغُسْلِ تعميمُ بدنه) بالماء مرة (بعد إزالة النجس) عنه إن كان موجوداً أو خرج بعد عصر بطنه (ولا تجب) لصحة الغُسل (نية الغاسل في الأصح فيكفي غَرقُهُ أو غَسْلُ كافرٍ) له لحصول المقصود من غسله وهي النظافة وينبغي ندب نية الغسل خروجاً من خلاف من أوجبه (قلت الأصح المنصوص وجوب غَسْلُ الغريق والله أعلم) لأنا مأمورون بغسله فلا يسقط إلا بفعلنا (والأكمل وضعه بموضع خالٍ) عن غيرِ الغاسلِ وَمُعِينِهِ (مستور) بأن يكون الموضع مُسْقَفَاً لأن الحي يحرص على ذلك ولأنه قد يكون ببدنه ما يكره الاطلاع عليه فقد روى ابن ماجة عن علي أن غَسْلَهُ (ص) تولاه عليٌ والفضلُ بن عباسٍ وأسامةُ بن زيدٍ يناول الماء والعباس واقف (على لوح) أو سرير هُيِءَ لذلك وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء منه (ويغسل في قميص) لأنه استر فقد روى مالك في الموطأ وغيره عن عائشة أنه (ص) غسِّل في قميصه" وروى الحاكم عن عبد الله بن الحارث قال: غسل النبي (ص) عليٌّ وعلى يد عليّ خرقةٌ يغسله فأدخل يده تحت القميص يغسله والقميص عليه فلو لما يتأت قميص غسله بعد ستر ما بين سرته وركبته (بماء بارد) لأنه يشدُّ البدن بخلاف المسخن فإنه يرخي البدن إلا أن يُحْتَاجَ إليه لوسخ أو برد (ويجلسه الغَاسِلُ على المُغْتَسَلِ مائلاً إلى ما ورائه ويضع يمينه على كتفه وابهامه في نقرة قفاه) لئلا يميل رأسه (ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى ويمر يساره على بطنه إمراراً بليغاً ليخرج ما فيه) من الفضلات ويكون عنده حينئذ مجمرة متقدة فيها طيب أو أن يرش في الغرفة الطيبُ والمُعَطِرُ والمعُينُ يصب الماء على يد الغاسل وعلى مكان النجاسة (ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوأتيه) أي قُبُلَهُ ودبره وما حولهما كما يستنجي الحي والأبلغ أن يغسل كل سوأة بخرقة ثم يلقيها ثم يغسل يديه بماء وصابون (ثم يلف أخرى) على اليد (ويدخل أصبعه فمه ويمرها على أسنانه) بشيء من الماء كما يستاك الحي (ويزيل ما في فخزيه من أذى) بأصبعه مع شيء من الماء (ويوضئه كالحي) ثلاثاً ثلاثاً والأفضل بمضمضة واستنشاق (ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه) كخَطْمِيِّ وصابون والسدر أولى من الخَطْمِيِّ وكل ما يشد البدن وينظف وله رائحة طيبة جاز استعماله (ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق) ليقل الانتتاف أو ينعدم (ويرد المنتتف) أي الساقط ندباً (إليه) في كفنه إكراماً له (ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر) المقبلين من عنقه إلى قدمه (ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا والظهر إلى القدم ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك) لأمره (ص) بالبداءة بالميامن وقدم الشقان اللذان يليان الوجه لشرفهما ولو غسل شقه الأيمن مِنْ مقدمه ثم من ظهره ثم الأيسر من مقدمه ثم من ظهره حصل أصل السنة ويحرم كبه على وجهه لما فيه من الإهانة والامتهان (فهذه غسلة) واحدة على أن لا نعتبر الغسلة التي فيها السدر أو الكافور أو الصابون لأنها للتنظيف ولأنها لا تعتبر غسلة لأنها ليست بالماء المطلق الطهور (وتستحب) غسلة (ثانية وثالثة) فإن لم تحصل النظافة زِيْدَ حتى تحصل النظافة فإن حصلت بشفع استحب الأيتار (وأن يستعان في الأولى بسدر أو خِطْمِيِّ) للتنظيف (ثم يصب ماء قَرَاِح) أي خالص (من فَرْقهِ إلى قدمه بعد زوال السدر) ونحوه بالماء فلا تحسب غسله السِّدْر كما مرَّ (وأن يجعل في كلِّ غسلة) من الثلاث بالماء القراح (قليل كافور) أو أي طارد للهوام غير نجس على أن لا يسلب طهورية الماء والأفضل أن يكون في الأخيرة ثم ينشفه تنشيفاً بليغاً وذلك بإعادة التنشيف لا بالدلك الشديد حتى لا تبتل أكفانه فيسرع إليه الفساد لخبر الصحيحين أن النبي (ص) قال لغاسلات ابنته زينب ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها واغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إذا رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور قالت أم عطية ومشطناها ثلاثة قرون وفي رواية فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها أما المُحْرِمُ فيحرم وضع الكافور في ماء غسله لوجود المادة العطرية فيه (ولو خرج بعده) أي بعد الغسل (نجس وجب إزالته فقط) وإن خرج من الفرج لسقوط الفرض (وقيل مع الغُسل إن خرج من الفرج) أي تجب إزالته وإعادة الغُسْلِ إن لم يكفن (وقيل الوضوء) أي إزالة الخارج والوضوء فقط فلا يجنب ميت بوطء ولا بغيره ولا يُحْدِث بمسٍّ ولا بغيره لسقوط التكليف عنه (ويغسل الرجلُ الرجلَ والمرأةُ المرأةَ) وهذا هو الأصل (ويغسل أمتَهُ وزوجَتَهُ وهي زوجَهَا) أي يجوز لهم ذلك بخلاف الأمة فلا تغسل سيدها لانتقالها عنه بالموت إلى الوارث وأما الزوجة فلا تنقطع حقوقها بالموت فقد روى أحمد الدارمي وابن ماجة عن عائشة أن النبي (ص) رجع من البقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأقول: وارأساه فقال: "ما ضرك لو مِتِّ قبلي فقمتُ عليك وغسلتك وكفنتك" (ويلفان خرقة ولا مس) أي السيد أو أحد الزوجين فإن لم يفعل صح الغُسل وينتقض وضوء الغاسل (فإن لم يحضر إلا أجنبي أو أجنبية) أي عند موت المرأة حضر رجل أجنبي وعند موت الرجل حضرت امرأة أجنبية (يُمَم في الأصح) لتعذر الغسل شرعاً لتوقفه على النظر والمسِّ المحرم قالوا ولو كان أحدهما بجانب نهر أو بحر وعليه ثياب سابغة غُُمس بالماء ليصل إلى كلِّ بدنه وجب (وأولى الرجال به) أي بغسل الرجل (أولاهم بالصلاة عليه) وهم رجال العصبات من النسب ثم الولاء وقيل تقدم الزوجة عليهم لأنها كانت تنظر منه إلى ما لاينظرون وتلمس منه ما لا يلمسون وهو ما بين السرة والركبة وبعدهم ذو الأرحام ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم (وبها) أي بِغَسْلٍهَا (قراباتُها ويقدمن على زوج في الأصح) لأن النساء بمثلهن أليق وقيل يقدم الزوج (وأولاهن ذات مَحْرمية) ولو حائضاً وذات المحرمية هي من لو فرضت رجلاً حرم عليه نكاحها وذوات المحرمية أشفق من غيرهن (ثم الأجنبية ثم رجال القرابة كترتيب صلاتهم قلت إلا ابن العم ونحوه) وهو ممن يحل له نكاحها لأنه ليس بمحرم (فكالأجنبي والله أعلم) أي حُكْمُهُ حكم الأجنبي فلا حق له في غسلها بلا خلاف (ويقدم عليهم الزوج في الأصح) أي أنه يقدم على رجال القرابة ثم كل من قدم فشرطه الإسلام والعدالة وألا يكون قاتلاً أو متسبباً بقتل الميت (ولا يُقرَبُ المُحْرِم طيباً) في غسله وفي كفنه (ولا يؤخذ شعره وظفره) إبقاء لأثر الإحرام عليه لخبر الشيخين عن ابن عباس أن رجلاً كان مع النبي في حجة فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال النبي (ص) "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب وزاد النسائي وابن حبان ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" ومعنى وقصته: كسرت عنقه (وتُطََّيبُ المعتدة في الأصح) وهي من كانت في العدة تطيب إذا ماتت لزوال المعنى المانع للطيب عليها من ميلها للأزواج وميل الأزواج إليها بالموت (والجديد أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه) لأنه لم يرو فيه نهي وفيه زيادة نظافة (قلت: الأظهر كراهته والله أعلم) لأنه مُحَدثٌ وقد صح النهي عن محدثات الأمور التي لم يشهد الشرع باستحسانها.

فصل في تكفين الميت وحمله
(يكفن بما لبسه حياً) من حرير وغيره للمرأة ويحرم تكفينه بالحرير ويكره للمرأة للسرف ويحرم ستر الجنازة بالحرير للسرف الذي لا فائدة منه (وأقله ثوب) يستر العورة المختلفة بالذكورة والأنوثة دون نظر للرق والحرية إذا لا رقَّ بعد الموت (ولا تنفذ وصيته بإسقاطه) أي بإسقاط الكفن الساتر للعورة لأنه حق لله تعالى بخلاف ما زاد على ستر العورة فهو حق الميت يتقدم به على الورثة (والأفضل للرجل ثلاثة) يعم كلٌّ منها بالبدن دون الرأس والوجه لما روى الشيخان عن عائشة أن النبي (ص) كفن بثلاثة أثواب يمانية بيض ليس فيها قميص ولا عمامة (ويجوز رابع وخامس) من غير كراهة برضا الورثة وهو خلاف الأولى (ومن كفن بثلاثة فهي لفائف) يستر كل منها جميع البدن (وإن كفن في خمسة زيد عمامة وقميص تحتهن) فقد روى البيهقي أن عبد الله بن عمر كفن ابناً له في خمسة أثواب قميص وعمامة وثلاثة لفائف (وإن كفنت في خمسة فإزارٌ) على ما بين سرتها وركبتها (وخمار) على رأسها (وقميص) على بدنها (ولفافتان) متساويتان لما روى أبو داود عن ليلى بنت قائف الثقفيه قالت: كنت فيمن غسّل أم كلثوم بنت النبي (ص) فكان أول ما أعطانا الحِقا وهو الإزار ثم الدرع وهو القميص ثم الخمار ثم الملحفة ثم ادرجت بعد في الثوب الآخر ورسول الله جالس في الباب يناولنا ثوباً ثوباً (وفي قول ثلاث لفائف) الثالثة عوض عن القميص (ويسن الأبيض) والقطن لأنه (ص) كُفِّن بثياب قطن ولما روى الترمذي بسند صحيح أن النبي (ص) قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم (ومحله أصل التركة) فيبدأ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه إلا أن يتعلق بعين التركة حق فيقدم عليها (فإن لم تكن للميت) تركة (فعلى من عليه نفقته من قريب وسيد) كحال الحياة (وكذا الزوج) فيلزمه مؤنة تجهيز زوجته وخادمها (في الأصح) لوجوب نفقتها عليه وقيل صارت بالموت أجنبية فإذا لم يكن للزوج مال وجب في مالها فإذا لم يكن للميت مال وليس له من تلزمه نفقته فمؤنة تجهيزه في بيت المال كنفقته في الحياة فإن لم يكن ثمة بيت مال أو كان ولا مال فيه ففي مال الأغنياء من المسلمين (وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها والثانية فوقها وكذا الثالثة) فوق الثانية (ويُذر على كل واحدة حَنُوطٌ) وهو نوع من الطيب ولا بأس برش أو ذر أي طيب غير نجس أو متنجس (وكافور) والكافور يندب لشد الجسد وطرد الهوام ونشر الرائحة الطيبة ويستحب تبخير الكفن بالعود (ويوضع الميت فوقها مستلقياً) على ظهره (وتشدُّ ألياه) بخرقة بعد أن يدس بينهما قطن عليه طيب (ويجعل على منافذ بدنه) من المنخرين والأذنين والعينين (قطن وتلف عليه اللفائف) بأن يثنى كل منها من طرف شقه الأيسر على الأيمن ثم من طرف شقه الأيمن على الأيسر كما يفعل الحي بالقَباء وهو القميص الذي يرتفع عن الركبتين وغير مزرر ويُتَمَنْطَقُ عليه ويجمع الفاضل من اللفائف فوق رأسه وعند رجليه والذي عند رأسه أكثر (وتشدُّ) اللفائف مخافة الانتشار عند الحمل (فإذا وضع في قبره نزع الشداد) عنه (ولا يُلبس المحرم الذكر مخيطاً ولا يستر رأسه) ابقاء لأثر الإحرام (وحملُ الجنازة بين العمودين أفضل من التربيع في الأصح) فقد روى البيهقي والشافعي أن النبي (ص) حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين.
وأخرج الشافعي بسند صحيح أن سعد بن أبي وقاص حَمَلَ جنازة عبد الرحمن بن عوف قائماً بين العمودين واضعاً السرير على كاهله (وهو أن يضع الخشبتين المقدمتين) أي العمودين (على عاتقه ورأسَهُ بينهما ويحمل المؤخرتين رجلان) أحدهما من الجانب الأيمن والآخر من الأيسر فلو توسط المؤخرتين رجل كالمقدمتين لما استطاع رؤية ما بين قدميه بخلاف المقدمتين (والتربيع أن يتقدم رجلان ويتأخر آخران) وقد ورد ذلك عن ابن مسعود أنه قال: "من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير الأربع ثم ليتطوع بعد أو يذر فإنه من السنة" والكل جائز والبحث في الأفضلية ويجوز أن يحمل ستة أو ثمانية (والمشي أمامها بقربها أفضل) للاتباع فقد روى أحمد وغيره عن ابن عمر قال: رأيت النبي (ص) وابا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة (وَيُسْرَعَ بها) ندباً لخبر الشيخين اسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم (إن لم يُخَفْ تغيُرُهُ) بالإسراع.

فصل في الصلاة على الميت
قيل هو من خصائص هذه الأمة وقيل أن صلاة الجنازة لم تشرع بمكة حيث أن النبي (ص) لم يصلي على خديجة وقد ماتت سنة عشر للبعثة وأنه صلى على قبر البراء بن معرور بالمدينة وكان قد مات قبل قدومه المدينة بشهر (لصلاته) الميت المسلم غير الشهيد (أركانٌ أحدها النية) كسائر الصلوات (ووقتها كغيرها) أي وقت النية وهو وقت تكبيرة الإحرام (وتكفي نية الفرض) وإن لم يتعرض لفرض الكفاية كما لا يشترط في الخمس التعرض لفرض العين (وقيل تشترط نية فرض كفاية) ليتميز عن فرض العين ولكن هذا مردود بالتميز بين الجنازة وغيرها من الصلوات (ولا يجب تعين الميت) بل يكفي أدنى مميز كنويت الصلاة على هذا باستثناء الغائب فلابد من تعين اسمه ونسبه بالقلب وقال البغوي يجوز أن ينوي الصلاة على من مات اليوم في أقطار الأرض ممن تصح الصلاة عليه. زاد الزركشي وإن لم يعرف عددهم ولا أشخاصهم ولا أسماءهم وهذا يعني أنه لا فرق بينهم وبين الحاضر (فإن عين وأخطأ بطلت) أي لم تنعقد إلا إذا أشار على الميت (وإذا حضر موتى نواهم) أي نوى الصلاة عليهم ولا يجب ذكر عددهم حتى ولو عرف عددهم أما لو حضرت جنازة أثناء الصلاة فلابدَّ من صلاة عيها بعد السلام من الأولى (الثاني أربع تكبيرات) بتكبيرة الأحرام إجماعاً (فإن خمّس أو سدّس) عمداً ولم يعتقد البطلان (لم تبطل في الأصح) لأنه زاد ذكراً فقد روى مسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان زيد يكبر على جنائزنا أربعاً وأنه كبر خمساً فسألته فقال: كان النبي (ص) يكبرها ولأحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمساً – أخرجه أحمد مرفوعاً.
وروى البخاري في صحيحه عن علي أنه كبر على سهل بن حُنيف زاد البرقاني في مستخرجه ستاً وكذا ذكره البخاري في تاريخه (ولو خمّس امامه) وقلنا لا تبطل صلاته (لم يتابعه في الأصح) ندباً لأن ما فعله غير مشروع عند مَنْ يعتدُّ به (بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه) وهو الأفضل لتأكد المتابعة (الثالث السلام) وهو (كغيرها) أي كسلام غيرها من الصلوات في كيفيته وتعدده ونية الخروج معه لحديث تحليلها التسليم.
(الرابع: قراءة الفاتحة) فبدلها فالوقوف بقدرها إن لم يحسن شيئاً من القرآن والذكر فقد روى البخاري أن ابن عباس قرأ الفاتحة بها وقال لتعلموا أنها سنة (بعد الأولى) أي بعد التكبيرة الأولى لما روى البيهقي عن جابر أنه (ص) كبر على الميت أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى (قلت تجزئ الفاتحة بعد غير الأولى والله أعلم) وهو نص الشافعي ولو فيما بعد الرابعة إذ أن الأصل في صلاة الجنازة الدعاء (الخامس: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم) كما رواه الحاكم عن جمع من الصحابة وصححه (بعد الثانية) أي عقبها فلا تجزئ في غيرها (والصحيح أن الصلاة على الآل لا تجب) لبناء صلاة الجنازة على التخفيف.
(السادس: الدعاء للميت) لأنه المقصود من الصلاة وما قبله مقدمة له (بعد الثالثة) أي بعد التكبيرة الثالثة وأقله ما ينطلق عليه الاسم نحو اللهم ارحمه اللهم اغفر له (السابع القيام على المذهب) إن قدر عليه كغيرها من الفرائض وقيل لا يجب لأنها تشبه النافلة وقيل يجب القيام على من تعينت عليه الصلاة (ويسن رفع يديه في التكبيرات) الاربع حذو منكبيه ويضعها تحت صدره (وإسرار القراءة) ولو ليلاً لما صح عن أبي أمامة أنه من السنة رواه النسائي (والأصح ندب التعوذ دون الافتتاح) لبنائها على القصر ويندب التأمين بعد الفاتحة (ويقول:) ندباً إن لم يخشَ تغير الميت (في الثالثة: اللهم هذا عبدك وابن عبدك.. إلى آخره) "خرج من روح الدنيا "أي نسيم ريحها" وسعتها ومحبوبه وأحبائه فيها أي ما يحبه ومن يحبه إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك وانت أعلم به اللهم إنه نزل بك أي هو ضيفك وانت أكرم الأكرمين وضيف الكرام لا يضام وأنت خير منزول به وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه ولقه (أي اعطه) برحمتك رضاك وقه فتنة القبر وعذابه وافسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبيه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين" جمع ذلك الإمام الشافعي من الأحاديث فإن كان الميت امرأة قال: اللهم هذه امتك وبنت عبديك ويؤنث الضمائر قال في الروضة ولو ذكرها على ارادة الشخص لم يضْر (ويقدم عليه اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منّا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منّا فتوفه على الإيمان) رواه أبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة (ويقول في الطفل مع هذا الثاني) أي الذكر الثاني (اللهم اجعله فرطاً لأبويه) أي سابقا مهيئاً مصالحهما في الآخرة (وسلفاً وذخراً وعظةً) أي موعظة (واعتباراً وشفيعاً وثقل به موازينهما وافرغ الصبر على قلوبهما) والسَقَطُ يُصلّى عليه ويدعو لوالديه بالعافية والرحمة (وفي الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده) وزاد جمع واغفر لنا وله (ولوتخلف المقتدي بلا عذر فلم يكبر حتى كبر إمامه أخرى بطلت صلاته) لأن التأخير بالتكبير متفاحش لأن التكبيرة تشبه ركعة (ويكبر المسبوق ويقرأ الفاتحة وإن كان الإمام في غيرها) كالدعاء مثلاً رعاية لترتيب صلاة نفسه (ولو كبر الإمام أخرى قبل شروعه في الفاتحة) بأن كبر الإمام عقب تكبيرة المأموم فلم يستطع أن يقرأ الفاتحة أو قرأ بعضها (كبر معه وسقطت القراءة عنه) كما لو ركع الإمام عقب تكبيرة المسبوق فإنه يركع معه (وإن كبرها وهو في الفاتحة تركها) أي ترك الفاتحة (وتابعه في الأصح) كما في بقية الصلوات (وإذا سلم الإمام تدارك المسبوق باقي التكبيرات بأذكارها) كما في تدارك بقية الركعات (وفي قول لا تشترط الأذكار) بل يأتي ببقية التكبيرات نسقاً لأن الجنازة ترفع حينئذ. وهذا مردود بأن رفعها قبل انتهاء صلاة يعفي المصين لا يضر وقيل يندب ابقاؤها حتى ينتهي المسبوقون من صلاتهم (وتشترط شروط الصلاة) كالطهارة وستر العورة والاستقبال ويشترط أيضاً تقدم غسل الميت (لا الجماعة) نعم تستحب كعادة السلف فالجماعة والعدد مندوبان ولا يشترطان لأنهم صلوا عليه (ص) فرادى رواه ابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس وقال ابن عبد البر وصلاة الناس على رسول الله (ص) أفذاذاً متفق عليها عند أهل السُّننِ (ويسقط فرضها بواحد) ولو صبياً لحصول المقصود وهو الصلاة على الميت وقد وجدت (وقيل يجب اثنان وقيل ثلاثة) لأنه لم ينقل أنه اقتصرت الصلاة على واحد في زمن النبي ولا في زمن أحد من خلفائه ولخبر الدارقطني: صلوا على من قال لا إله إلا الله وأقل الجمع ثلاثة (وقيل أربعة) كما يجب أن يحمل الجنازة أربعة لأن في أقل منها ازدراء بالميت (ولا يسقط) فرضها (بالنساء وهناك رجال في الأصح) لثبوت جماعتهم ولكمالهم ولأن في صلاة النساء استهانة بالميت أما عند فقد الرجال فتلزمهن وتسقط بهنَّ وتسنُّ لهن الجماعة (ويصلى على الغائب عن البلد) إن قربت المسافة ولم يكن في جهة القبلة لما روى الشيخان عن أبي هريرة وجابر وعُمران بن حصين: أنه (ص) أَخْبَرَ بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً وذلك في رجب سنة تسع للهجرة (ويجب تقديمها على الدفن) لأنه المنقول فإن دفن قبلها أثم الدافنون ولم يعذروا لأنها فرض على الكفاية (وتصح بعده) أي تصح صلاة الجنازة بعد الدفن على القبر سواء دفن قبل الصلاة عليه أو بعدها لخبر الشيخين عن ابن عباس أن النبي (ص) مرَّ بقبر دفن ليلاً فقال متى دفن هذا؟ قالوا: البارحة قال أفلا آذنتموني؟ قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك فقام فصفنا خلفه قال ابن عباس: وأنا فيهم فصلى عليه (والأصح تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت) بأن يكون حينئذ مكلفاً مسلماً طاهراً لأنه يؤدي فرضاً خوطب به ويصلي على القبر قيل إلى ثلاثة أيام وقيل إلى شهر وقيل ما بقي منه شيء وقيل أبداً (ولا يصلى على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال) ولا على قبور الأنبياء الآخرين لخبر الصحيحين: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد أي بصلاتهم إليها.
(فرع: الجديد أن الولي أولى بإمامتها من الوالي) لأن صلاة الجنازة دعاء ودعاء القريب أقرب للإجابة والقريب أرحم بقريبه من غيره ولأنها حق للميت على المسلمين فكان صلاتها من أقرب الناس عليه وأحبه له أولى (فيقدم الأب ثم الجد) للأب (وإن علا ثم الابن ثم ابنه) وإن سفل (ثم الأخ والأظهر تقديم الأخ للأبوين على الأخ لأب) كالإرث ولأن الأقربية يزداد بها الخشوع والشفقة فتكون الصلاة أكمل (ثم ابن الأخ لأبوين ثم لأب ثم العصبة) من النسب فالولاء فالسلطان إذا انتظم بيت المال (على ترتيب الأرث) فيقدم العم لأبوين ثم لأب ثم ابن العم لأبوين (ثم ذوو الأرحام) الأقرب فالأقرب فيقدم أبو الأم فالخال فالعم للأم وقيل يتقدم الأخ لأم على الخال وقيل يقدم عليه بنو البنات لأن الإدلاء بالبنوة أقوى منه بالأخوة (ولو اجتمعا في درجة فالأسنُّ) في الإسلام (العدلُ أولى على النص) من الأفقه. ونص في كافة الصلوات على أن الأفقه أولى من الأسنِّ وهذا فرق في صلاة الجنازة لأن الغرض منها الدعاء للميت والأسنُّ أشفق عليه فدعاؤه أقرب إلى الإجابة والمقصود الأسن في الإسلام وإن كان شاباً وقد ذكر الغزالي في الوسيط أن النبي (ص) قال: "إن الله لا يرد دعوة ذي الشيبة المسلم" (ويقدم الحر البعيد على العبد القريب) أي كأخ رقيق وعم حرٍّ فيقدم العمُّ لأن الحرية كمال والعبودية نقص (ويقف) الإمام (عند رأس الرجل وعجزها) لخبر الصحيحين عن سمرة "أن النبي (ص) صلى على امرأة فقام وسطها" وروى الترمذي وغيره وحسنه عن أنس أن أنس فعل ذلك فقيل له هل كان هكذا رسول الله (ص) يقوم عند رأس الرجل وعجيزه المراة قال نعم (ويجوز على الجنائز صلاة) واحدة برضا أوليائهم كما صح عن جمع من الصحابة فقد صلى ابن عمر على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء فيما يلي القبلة رواه البيهقي بسند حسن وصلى أمير المدينة على زوجة عمر ام كلثوم بنت علي وولدها زيد دفعة واحدة وفي القوم كبار الصحابة والإفراد أولى بأن يصلي على كل جنازة بصلاة إن أمكن وعلى الجمع إن حضرت دفعة عدة جنائز قدم إلى الإمام الرجل ثم الصبي ثم المرأة فإن كانوا رجالاً أو نساءً قدم إليه أفضلهم بالورع ونحوه مما يُرغِّبُ في الصلاة عليه أو جاءوا متعاقبين قدم إلى الإمام الأسبق من الرجال أو النساء وإن كانوا المتأخر أفضل أما إذا قدمت أمرأة فحضر رجل أو صبي أخرت (وتحرم الصلاة على الكافر) حربياً كان أو ذمياً قال تعالى: [ولا تصل على احد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره] التوبة:84 ومنهم أطفال الكفار لأنهم يعاملون في الدنيا معاملة الكفار (ولا يجب غسله) ذمياً كان أو حربياً فلا يجب على المسلمين غسله ولكن يجوز ذلك لما روى البيهقي عن علي أنه (ص) أمر علياً فغسل أبا طالب ودفنه غير أن سنده ضعيف (والأصح وجوب تكفين الذمي ودفنه) ويلحق به المُعَاهَدُ والمستأْمَنُ من ماله إن كان له مال وإلا من بيت مال المسلمين وإلا فمن مياسر المسلمين وفاءً بذمته كما يجب اطعامه وكسوته إذا عجز وأما المرتد والحربي فيوارى التراب لئلا يتأذى الناس برائحته لخبر مسلم عن أنس أنه (ص) أمر بإلقاء قتلى بدر بالقليب وهو البئر على هيئاتهم" (ولو وجد عضوُ مسلمٍ عُلم موته صُلي عليه) بعد غسله ولفه بخرقة بنية الصلاة على جملة الميت كما صلتْ الصحابةُ رضي الله عنهم على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أبي أسيد رضي الله عنه ألقاها نسر بمكة من وقعة الجمل وعرفوا أنها يده بخاتمه رواها الزبير بن بكار في الأنساب ولو لم يعلم موت صاحب العضو لم يصل عليه ولكن يغسل ويدفن (والسقط ان استهل) صارخاً (وبكى) ثم مات (ككبير) في أحكام الجنائز (وإلا) بأن لم يصيح (فإن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج) أو تحرك (صُُلي عليه في الأظهر) لوجود أمارة الحياة (وإن لم تظهر) إمارة الحياة (ولم يبلغ أربعة أشهر) حدّ نفخ الروح فيه (لم يصل عليه) أي لم تجز الصلاة عليه لأنه في حكم الجماد ومن ثم لم يغسل (وكذا إن بلغها في الأظهر) فلا يصلى عليه لعدم وجود الحياة وقيل يغسل ولا يصلى عليه لأن الغسل أوسع من الصلاة فإن الذمي يغسل بلا صلاة (ولا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه) أي لا تجوز الصلاة عليهم وقيل يجوز غسلهم إن لم يكن عليهم أثر دم الشهادة. روى البخاري عن جابر أن النبي (ص) أمر في قتلى أحُد بدفنهم بدمائهم ولم يغسلوا ولم يُصَلِ عليهم. الحكمة من ذلك بقاء أثر الشهادة عليهم (وهو) أي الشهيد (من مات في قتال الكفار) كأن قتله أحدهم أو أصابه سلاحُ مسلم خطأً أو وقع من فرسه أو انكشف القتال فَوُجِدَ مقتولاً ولم يعلم سبب موته (فإن مات بعد انقضائه) أي انقضاء الحرب وفيه حياة مستقرة بجراحة قاتلة فغير شهيد ومقابله يلحق بالشهداء (وفي قتال البغاة فغير شهيد في الأظهر) لأنه قاتل مسلمين وقتل بأيدي مسلمة وعليه لو قتله كافر استعان به البغاة فهو شهيد (وكذا في القتال لا بسببه على المذهب) أي لو مات بمرض أو نحوه وقيل شهيد لموته في مكان قتال الكفار وأما الشهيد العاري عن الضابط المذكور كالغريق والمبطون والميت بالطاعون والميته طُلْقاً والمقتول ظلماً في غير القتال فيغسل ويصلى عليه (ولو استشهد جنب فالأصح أنه لا يغسل عن الجنابة) لأن الشهادة تسقط غسل الموت فكذا غسل الحدث لأن الملائكة غسلت حنظلة بن الراهب فقد قال النبي (ص) رأيت الملائكة تغسله رواه بن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن الزبير (وتزال نجاسة غير الدم) وإن أدى إلى إزالة بعض دم الشهادة لأنه لا فائدة لابقائها لأنها ليست أثر عبادة (ويكفن في ثيابه الملطخة بالدم) ندباً (فإن لم يكن ثوبه سابغا ًتُيمِمَ) وإن أراد الورثة نزع ثيابه وتكفينه في غيرها جاز أما دروع القتال وعدتها فتنزع.

فصل في الدفن وما يتبعه
(أقل القبر حُفرةٌ تمنع الرائحة) من الظهور (والسَبُعُ) من نبش الميت وأكله لأن غاية الدفن عدم انتهاك حرمة الميت بظهور جيفته وعدم امتهان جسده بعد موته (ويندب أن يوسع ويعمق قامة وبسطة) أي أن يقوم الرجل المعتدل القامة ويبسط يديه مرفوعة إلى أعلى لخبر الترمذي أن النبي (ص) قال في قتلى أحد "احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأوصى عمرُ أن يُوَسَعَ قبرُهُ قامةً وبسطةً (واللحد أفضل من الشق إن صَلبت الأرض) حتى لا ينهدم القبر لأن اللحد هو شق في جانب جدار القبر القبلي من الأسفل يسع الميت وأما الشق ففي وسط القبر روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص "أنه قال في مرض موته الحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللَّبِنَ نصباً كما صنع برسول الله (ص) (ويوضع رأسه عند رجل القبر) أي في مؤخرة القبر (ويسل من قِبَلِ رأسه برفق) فقد روى البيهقي والشافعي بسند صحيح أن رسول الله (ص) سُلَّ من قبل رأسه (ويدخله القبر الرجال) وإن كان المتوفى امرأةً لضعف النساء عن ذلك غالباً (وأولاهم الأحق بالصلاة) عليه (قلت: إلا أن يكون امرأةً مزوجة فأولاهم الزوج والله أعلم) لأنه ينظر مالا ينظرون ويليه الأحق بها من المحارم (ويكونوا وتراً) أي الذين يدخلون الجثة القبر ثلاثة أو أكثر بحسب الحاجة لما روى ابن حبان عن ابن عباس "أن الذين أدخلوا النبي القبر عليٌ والعباسُ والفضلُ" (ويوضع في اللحد على يمينه للقبلة) وجوباً فلو دفن مستدبراً أو مستلقياً نبش ووجه للقبلة ما لم يتغير ولو وضع على يساره مستقبل القبلة كره ولم ينبش ويقاس باللحد الشق (ويسند وجهه إلى جداره) أي القبر (وظهره بلبنةٍ ونحوها) حتى لا ينكب ولا يستلقي ويجعل تحت رأسه لبنة أو تراب يفضي بخده الأيمن إليه بعد أن يُنَحى الكفن عنه (ويُسدُّ فتح اللحد بِلَبِنٍ) وطين حتى لا يدخله تراب (ويحثو مَنْ دنا ثلاث حَثَيَات ِترابٍ) بيديه جميعاً فقد روى البيهقي بإسناد جيد عن أبي هريرة أن النبي (ص) حثى من قبل رأس الميت ثلاث ويستحب أن يقول مع الأولى: [منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى] طه:55 (ثم يُهَالُ بالمساحي) أي يردم التراب اسراعاً بتكميل الدفن (ويرفع القبر شبراً فقط) لِيُعْرفَ فيزارَ فقد روى ابن حبان عن جابر أن قبره عليه الصلاة والسلام رفع نحو شبر فلا يزاد على تراب القبر لئلا يعظم شخصه فإن لم يرتفع بترابه شبراً لصغر جثته فلا بأس بزيادة التراب أما إذا مات المسلم بدار الكفار فلا يرفع قبره لئلا يتعرف الكفار عليه فيمتهنونه (والصحيح أن تسطيحه أولى من تسنيمه) لما روى أبو داود عن القاسم بن محمد "أنه رأى قبر النبي وقبري صاحبيه كذلك" والثاني تسنيمة أولى لأن التسطيح شعار الروافض فيترك مخالفة لهم وصيانة للميت وأهله عن الاتهام ببدعة ورَّد هذا بأن السنة لا تترك لموافقة أهل البدع فيها (ولا يدفن اثنان في قبر) بل يفرد كل ميت بقبر حالة الاختيار (إلا لضرورة فيقدم أفضلها) كأن كثروا وعسر إفراد كل ميت بقبر فيجمع بين الاثنين والثلاثة فأكثر في قبر واحد وفي ثوب واحد لخبر البخاري عن جابر "أنه (ص) كان يجمع بين الرجلين في قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذاً للقرآن فإذا أُشِيَر إلى أحدهما قدمه في اللحد" ويقدم الأب على الابن وإن كان الأبن أفضل لحرمة الأبوة وكذا تقدم البنت على الأم ويقدم الرجل على لاصبي ولا يجمع بين الرجل والمرأة إلا عند تأكد الضرورة ويجعل بينهما حاجزاً من تراب (ولا يُجْلَسُ على القبر ولا يوطأ) إلا لضرورة كأن لا يصل إلى ميته إلا بوطئه لخبر مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". حُمِلَ الجلوسُ بالحدث وهو حرام والنهي للكراهة ولا بأس بالانتفاع بالقبر إذا مضت مدة يعلم منها أنه لم يبقَ من الميت في القبر شيء ولا يكره المشي بين المقابر النعال لقوله (ص) "أنه ليسمع خفق نعالهم" وما ورد أنه نهى صاحب السبتين عن المشي بها في المقبرة لأنه لباس المترفين والمتكبرين (ويقرب زائره كقربه منه حياً) أي في حال حياته اكراماً له إلا إذا كان في الدنيا جباراً ظالماً متكبراً فلا عبرة بهؤلاء (والتعزية) لأهل الميت (سنة) مؤكدة لما روى الترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود: أن النبي قال: من عزّى مصاباً فله مثل أجره وفي رواية البيهقي "ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلل الكرامة يوم القيامة" نعم الشابة لا يعزيها إلا محارمها وزوجها (قبل دفنه) لشدة الجزع عليه (وبعده) أولى لاشتغالهم قبل الدفن بتجهيزه وغايتها (ثلاثة أيام) من الموت لحاضر ومن القدوم لغائب ومثل الغائب المريض والمحبوس وتكره بعد ثلاثة أيام إذا الغرض منها تسكين قلب المصاب والغالب سكونه في الثلاثة أيام ويكره الجلوس للتعزية إلا إذا لم يُعّرف مكان المعُزى وتعددت اقامته أو اتسعت المدن بحيث لا يستطيع المعزي تعزية المصاب فلا بأس فقد روى الشيخان عن أسامة بن زيد أن إحدى بنات النبي (ص) أرسلت إليه تدعوه وتخبره أن ابناً لها في الموت فقال للرسول ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب وقد ثبت عن عائشة أنه (ص) لما جاءه خبر قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس في المسجد يُعْرَفُ في وجهه الحزن" فقد حمله بعضهم على الجلوس للتعزية وقيل غير ذلك (ويُعَزّى المسلمُ بالمسلمِ) أن يقول في تعزيته (أعظم الله أجرك وأحسن عزائك) أي جعل صبرك حسناً (وغفر لميتك و) المسلم (بالكافر أعظم الله أجرك وصبّرك) ويضم إليها وأخلف الله عليك ولا يدعو للميت بنحو مغفرة (والكافر) إن كان ذمياً أو مستأمناً (بالمسلم غفر الله لميتك وأحسن عزاءك) ولا تسن تعزية مسلم بمرتد أو حربي وقيل وزان محصن وتارك صلاة وإن قتل حداً (ويجوز البكاء عليه) أي على الميت (قبل الموت وبعده) وهو قبل الموت أولى روى الشيخان عن أنس قال: دحلنا على رسول الله (ص) وإبراهيم ولده يجود بنفسه فجعلتْ عيناه تذرفان أي يسيل منهما الدمع. وروى البخاري عن أنس قال: شهدنا دفن بنت رسول الله (ص) فرأيت عينيه تدْمعان وهوجالس على القبر وروى مسلم عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام زار قبر أمه فبكى وأبكى مَنْ حوله والأولى تركه لمن ملك نفسه فقد روى الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي بأسانيد صحيحة "فإذا وجبت فلا تبكينَ باكيةٌ قالوا: ما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت" قال الجمهور هو محمول على فعل الأولى (ويحرم الندب بتعديد شمائله) نحو واجبلاه واكهفاه (والنوح) وهو رفع الصوت بالندب (والجزع بضرب الصدر ونحوه) كشق الثوب ونشر الشعر وضرب الخد قال (ص) "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" .. متفق عليه من حديث ابن مسعود وروى مسلم "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" والسربال هو القميص الطويل كالدرع والقطران هو النفط (قلت هذه مسائل منثورة) متعلقة بالباب (يُبَادرُ بقضاء دين الميت) عقب موته إن أمكن مسارعة لفك نفسه عن حبسها بدينها عن مقامها الكريم روى الترمذي وحسنه "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه فإن لم يتيسر حالاً سأل وليّهُ غرماءه أن يحللوه ويحتالوا بالدين على الولي (ووصيته) مسارعة لوصول الثواب إليه (ويكره تمني الموت لضر نزل به) في بدنه أوماله أو وطنه أو أهله لخبر الشيخين "لا يتمنين أحدكم الموت لعز أصابه فإن كان لابد فاعلاً فليقل: الله احيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي" (لا لفتنة دين) فلا يكره بل يسنُّ قال الأذرعي وذلك مطلوب في تمني الشهادة في سبيل الله فقد كان عمر يسأل الموت شهيداً ومن تمناه رغبة فيما عند الله فلا بأس لخبر "من أحب لقاء الله أحل الله لقاءه" قال ابن عباس: لم يتمنَّ أحدٌ من الأنبياء الموت إلا يوسف قال: [توفني مسلماً وألحقني بالصالحين] يوسف:101 (ويسن التداوي) قال (ص) ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء رواه البخاري وصحح الترمذي وغيره أن الأعراب قالوا يا رسول الله أنتداوى فقال: تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء غير الهرم. قال النووي فإن ترك التداوي توكلاً فهو فضيلة (ويكره اكراهه عليه) أي إكراه المريض على التداوي وتناول الدواء وقيل وعلى تناول الطعام (ويجوز لأهل الميت ونحوهم) كأصدقائه وجيرانه (تقبيل وجهه) لخبر: أن النبي (ص) قبل وجه عثمان بن مظعون بعد موته رواه الترمذي وصححه ولخبر البخاري أن أبا بكر الصديق قبّل وجه رسول الله (ص) بعد موته (ولا بأس بالإعلام بموته) بالنداء ونحوه من اعلان (للصلاة وغيرها) كالدعاء والترحم والمحاللة بل يسنُّ ذلك لأن النبي (ص) نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه (بخلاف نعي الجاهلية) وهو النداء بذكر مفاخره فإنه يكره لخبر الترمذي عن حذيفة قال: سمعت أن النبي (ص) افتقد رجلاً كان يقمُّ المسجد أي يكنسه قالوا مات فدفن ليلاً قال: أفلا كنتم آذنتموني به" أي أعلمتموني (ولا ينظر الغاسل من بدنه إلا بقدر الحاجة) ولا يمس إلى بخرقة (من غير العورة) فيحرم النظر إلى العورة إلا من أحد الزوجين إلى الآخر وإلا إلى الصغير الذي لا يشتهى (ومن تعذر غسله) لفقد ماء أو لحرق أو تقطع (يُمِمَ) وجوباً كالحي وليحافظ على جثته لتدفن بحالها (ويغسِّلُ الجنبُ والحائضُ الميت بلا كراهة) لأنهما طاهران كغيرهما وكرهه الحسن البصري للخبر "أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب" أي دخول رحمة وحفظ (وإذا ماتا غسلا غسلاً واحداً فقط) الحائض والجنب لأنه لا جنابة بعد الموت (وليكن الغاسل أميناً) ليوثق به في تتميم الغسل وكذا معينه ويجب أن يكون عالماً بما يجب في حق الميت عند غسله (فإن رأى خيراً ذكره) أي إذا رأى الغاسل شيئاً طيباً كنور في الوجه وطيب رائحة فليذكره ندباً ليكون أدعى للصلاة عليه وعمل الخير (أوغيره حرم ذكره) كسواد وانقلاب صورة لأنه غيبةٌ لا يمكن التحلل منها لموت صاحبها (إلا لمصلحة) كأن كان مبتدعاً مُظهراً لبدعته أو زانية مجاهرة بزناها أو ظالماً انتشر شره فيذكر ذلك لينزجر الناس عن مثل أفعالهم (ولو تنازع أخوان أو زوجان) في غسل ميت (أقرع) بينهما في الغسل والصلاة والدفن قطعاً للنزاع (والكافر أحق بقريبه الكافر) في تجهيزه لأنه وليه فإن لم يكن تولاه المسلم (ويكره الكفن المعصفر) لما فيه من الزينة وأما الرجل فيحرم عليه المزعفر دون المعصفر وقيل يكره المعصفر ويحرم الحرير لما فيه من اتلاف المال (والمغالاة فيه) أي تكره للاتلاف حيث لا دين وتحرم إذا كان على الميت دين مُسْتَغْرِقٌ لتركته روى أبو داود بسند صحيح أن النبي (ص) قال: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً" أما تحسينه بكونه أبيضاً وسابغاً ونظيفاً وكثيفاً متماسكاً فسنة فقد روى مسلم أن النبي (ص) قال "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسِّنْ كفنه" (والمغسول أولى من الجديد) أي الذي استعمل باللباس لأنه للصديد والحي أحق بالجديد كما قاله أبو بكر رواه البخاري (والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب) فيستحب تكفينه بثلاثة أثواب (والحنوط مستحب وقيل واجب) كالكفن للأمر به كما مرَّ (ولا يحمل الجنازة إلا الرجال وإن كانت أنثى) لضعف النساء عنها (ويحرم حملها على هيئة مُزْرِيةٍ) كحملها في زنبيل أو كيس أو حَمْلِ كبيرٍ على كتف أو يد من غير نعش بخلاف الصغير فإنه يجوز (وهيئةٍ يُخاف منها سقوطها) لأنه أهانة للميت وتعريضه للفساد (ويندب للمرأة ما يسترها كتابوت) يغطي على شكل القبة أو الخيمة واستدلوا لذلك بقصة زينب أم المؤمنين وكات قد رأته في الحبشة فأوصت به قال النووي وهي أول من حملت كذلك قال الأسنوي والتابوت هو سرير مغطى وقد روى البيهقي أن فاطمة بنت رسول الله (ص) أوصت أن يتخذ ذلك لها ففعلوه (ولا يكره الركوب في الرجوع منها) أي من الجنازة لأنه صلى الله عليه وسلم ركب فرساً معروراً عندما رجع من جنازة أبي الدحداح "والمعرور هو العاري" رواه مسلم عن جابر بن سمرة وروى الترمذي عن جابر بن سمرة أن النبي (ص) تبع جنازة أبي الدحداح ماشياً ورجع راكباً (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر) أي لا يكره ذلك كالزوجة والجار والصديق والولي قال ابن حجر ويحرم زيارة قبره (ويكره اللغطُ في الجنازة) وهو كثرة الكلام والحديث في أمور الدنيا بل المستحب التفكر في الموت وما بعده وفناء الدنيا فقد روى البيهقي وغيره أن الصحابة كرهوا رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر قال النووي في المجموع والصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة ولا يرفع صوته بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما وكره الحسن البصري وغيره قولهم استغفروا لأخيكم وسمع ابن عمر قائلاً يقول: "اسغفروا له غفر الله لكم فقال لا غفر الله لك رواه سعيد بن منصور في سننه (وإتْباعها بنار) أي أن يحمل مع الجنازة نار في مجمرة أو غيرها لما فيه من التفاؤل القبيح ولخبر أبي داود لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ونقل ابن المنذر الإجماع على الكراهة وفعل ذلك عند القبر مكروه أيضاً نعم إيقاد النار عند القبر في اليوم البارد لتدفئة الذين يحفرون ويدفنون لا بأس به. (ولو اختلط مسلمون بكفار وجب غسل الجميع) وتكفينهم ودفنهم من بيت المال وإلا فالأغنياء حيث لا تركة وإلا أخرج من مال المعروف منهم المسلم كلفةَ تجهيزه وذلك أثناء الاختلاط وعدم التمييز كما يحدث في الزلازل والفياضانات وانهدام العمارات وحوادث المرور (والصلاة) عليهم إذ لا يتحقق الإتيان بالواجب إلا بذلك (فإن شاء صلى على الجميع) صلاة واحدة (بقصد المسلم وهو الأفضل والمنصوص) وليس هنا صلاة على كافر حقيقة والنية جازمة (أو على واحد فواحد ناوياً الصلاة عليه إن كان مسلماً) ويعذر في تردد النية للضرورة (ويقول) عند الصلاة عليهم جميعاً اللهم اغفر للمسلمين منهم وعند الصلاة على كل واحد منفرداً (اللهم اغفر له إن كان مسلماً) إما إذا اختلط شهداء بغيرهم فيطلق الدعاء للجميع (ويشترط لصحة الصلاة تقدم غسله) أو تيممه بشرطه لأنه المنقول وتنزيلاً للصلاة عليه تنزيل صلاته فلا تصح عن غير طهارة (وتكره قبل تكفينه) وإذا صُلي عليه قبل تكفينه أجزأت مع الكراهية خلافاً للصلاة قبل الغسل فإنها لا تجزئ ويجب قضاؤها (فلو مات بهدم ونحوه) كأن وقع في بئر أو بحر عميق (وتعذر إخراجه وغسله لم يُصل عليه) لفوات الشرط وهو تقدم الغسل أو التيمم. وقيل يُصلى عليه لأن ما لا يدرك كله لا يترك جله فإذا لم نستطيع غسله كما لو غرق أو احترق أو أكله سبع لا نترك الصلاة عليه وقد صحَّ عن النبي أنه قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والمقصود من الصلاة الدعاء فلا يترك (ويشترط أن لا يتقدم على الجنازة الحاضرة ولا القبر على المذهب فيهما) اتباعاً للأوليين ولأن الميت كالإمام وقال "الحاضرة" احترازاً من الصلاة على الغائبة عن البلد فإنه لا يضر سواء أكانت بينه وبين القبلة أو خلفه أو خلف القبلة للحاجة إلى الصلاة عليها لنفع المصلين والمُلّى عيه (وتجوز الصلاة عليه في المسجد) أي تجوز صلاة الجناة في المسجد بلا كراهة بل هي مستحبة فقد روى مسلم عن عائشة: "أن النبي (ص) صلى على سهل وسهيل ابني بيضاء في المسجد" والبيضاء هو لقب أمهم وكان اسمها دعد قال الصاغاني إذا قالت العرب فلان أبيض وفلانة بيضاء فالمعنى نقاء العرض من الدنس والعيوب. وقد صلت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد (ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر) لخبر "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب" رواه الترمذي وحسنه وقال الحاكم هو على شرط مسلم ومعنى أوجب أي غفر له ووجبت له الجنة وروى مسلم "ما من مسلم يصلي عليه أمَةٌ من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه (وإذا صلِّي عليه فحضر من لم يُصلِّ صلَّى) ندباً لأن النبي (ص) صلى على قبور جماعة بعد دفنهم ومعلوم أنه قد صُلِّيَ عليهم (ومن صلىَّ لا يعيد على الصحيح) فلا يستحب ذلك خلافاً للفريضة لأن الثانية تطوع ولا تطوع في صلاة الجنازة (ولا تؤخر لزيادة مصلين) فلو حضر واحد وصلى فقد سقط به الفرض والأصح التأخير إن لم يخف تغيراً حتى يتمَّ العدد مئة أو أربعين رجاء المغفرة والتوبة فقد صح أنه من صلى عليه أربعون يشفعون له شفعوا فيه (وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة) لخبر البيهقي وغيره الصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر وهو مرسل والمرسل عند الشافعي حجة إذا اعتضد بأحد أمور منها إذا اعتضد بقول أكثر أهل العلم وهو موجود هنا وأمام ما رواه مسلم أنه (ص) لم يصلِّ على الذي قتل نفسه فحمله الجمهور على الزجر عن مثل فعله وقد صلت عليه الصحابة وكان رسول الله (ص) لا يصلي على من عليه دين وقد روى مسلم عن جابر بن سَمُرة أن النبي (ص) أُتي برجل قتل نفسه بمشاقِص "والمِشْقَصُ من النصال ما طال وعرض" فلم يصلِّ عليه وفي رواية النسائي "أما أنا فلا أصلي عليه" أي ولم يمنع المسلمين من الصلاة عليه "ولو نوى الإمام صلاة غائب والمأموم صلاة حاضر أو عكس جاز" كما لو اقتدى في الظهر بالعصر والعكس (والدفن في المقبرة أفضل) لينال الميت دعاء المارين به والزائرين (ويكره المبيت بها) لما فيه من الوحشة إلا لضرورة (ويندب ستر القبر بثوب) عند إدخال الميت فيه (وإن كان الميت رجلاً) لأنه صلى الله عليه وسلم ستر قبر سعد بن معاذ ومخافة أن ينكشف الميت أثناء إنزاله إلى القبر وهو للأنثى آكد (وأن يقول) الذي يدخله القبر (بسم الله وعلى ملة رسول الله (ص) ) لخبر: أنه (ص) كان إذا أدخل الميت في القبر قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله" رواه الترمذي عن ابن عمر (ولا يفرش تحته شيئاً ولا) يوضع تحت رأسه (مخده) فإنه مكروه لما فيه من إضاعة المال (يكره دفنه في تابوت) إجماعاً لأنه بدعة (إلا) لعذر ككون الدفن (في أرض ندية أو رخوة) أو بها سباع تحفر أرضها أو تنهار ولا يضبطها إلا التابوت أو كان الميت أمرأة لا محرم لها فلا يكره وضعها في التابوت لئلا يمسها الأجانب عند الدفن أو غيره (ويجوز الدفن ليلاً) بلا خلاف لفعله (ص) وكذا خلفائه الراشدين فقد دفن عمر أبا بكر ليلاً ودفن علي فاطمة ليلاً (ووقت الكراهة) أي يجوزالدفن وقت الكراهة لأن له سبباً متقدماً أو مقارناً وهو الموت (ما لم يتخيره وغيرهما أفضل) أي الدفن في غير الليل وفي غير وقت الكراهة أفضل فقد روى الإمام مسلم عن عتبة بن عامر ثلاث ساعات نهانا رسول الله (ص) عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتانا وذكر وقت الاستواء والطلوع والغروب والنهي محمول على التحري والقصد إلى ذلك الوقت لأن جابر بن عبد الله قال رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله (ص) في القبر وإذا هو يقول: "ناولوني صاحبكم وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر" رواه ابو داود بإسناد صحيح (ويكره تجصيص القبر والبناء والكتابة عليه) سواءً أكان البناء بيتاً أم قبة أو نحو ذلك فقد روى مسلم عن جابر "نهى رسول الله (ص) أن يجصص القبر وأن يبنى عليه" وزاد الترمذي وأن يكتب عليه وأن يوطأ والتجصيص هو التبيض بالجص وندب كتابة اسمه لمجرد التعريف فقد أخرج أبو داود من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي (ص) لما مات عثمان بن مظعون خرج بجنازته فأمر رسول الله (ص) رجلاً أتى بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه رسول الله (ص) وحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال "أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" (ولو بنى في مقبرة مسبلة هُدِمَ) وجوباً لتضيقه على الناس (ويندب أن يرش القبر بالماء) لأنه (ص) فعله بقبر ولده إبراهيم رواه أبو داود من طريق الداراوردي مرسلاً. وروي أن بلالاً رشَّ قبر النبي بالماء رواه البيهقي عن جابر (ويوضع عليه حصى) لما روى الشافعي مرسلاً أنه (ص) وضعه على قبر ابنه إبراهيم ويسن وضع الجريد الأخضر على القبر فقد روى البخاري أن بريدة الأسلمي أوصى أن يجعل في قبره جريدتان ورأى ابن عمر رضي الله عنهما فسطاطاً على قبر عبد الحمن فقال انزعه يظله عمله والفُسْطاط هوالبيت من الشعر وعبد الرحمن هو ابن أبي بكر الصديق (وعند رأسه حجر أو خشبة) أو نحو ذلك لأنه (ص) وضع عند رأس عثمان بن مظعون صخرة (وجمع الأقارب في موضع) واحد من المقبرة لتسهل زيارتهم (وزيارة القبور للرجال) أي يندب زيارة الرجال للمقبرة منذ روى مسلم عن بريدة قال: قال رسول الله (ص) كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وكانت الزيارة محظورة لقرب عهدهم بجاهلية فربما حملتهم على ما لا ينبغي من التمسح والتعظيم بالانحناء فكله حرام باطل لا يفعله إلا جاهل (وتكره للنساء) مطلقاً خشية الفتنة ورفع أصواتهن بالبكاء نعم تسن لهن زيارة قبره (ص) وإنما لم تحرم لخبر الشيخين عن أنس أن النبي (ص) مرَّ بامرأة تبكي على قبر صبي لها فقال لها: اتقِ الله واصبري ولخبر مسلم عن عائشة أنها سألت النبي كيف أقول يا رسول الله؟ يعني إذا زرت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المتقدمين منا والمستأخرين وإناإن شاء الله بكم لاحقون (وقيل تحرم) لخبر أبي هريرة أن النبي (ص) لعن زوارات القبور رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه (وقيل مباح) إذا أمنت الفتنة عملاً بالأصل "ألا فزوروها" (ويسلم الزائر ويقرأ ويدعو) لخبر مسلم أن النبي (ص) خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وقد زاد أبو داود بسند ضعيف اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وروي عن علي أنه قال عندما زار القبور: اللهم ربَّ هذه الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي مؤمنة أنزل عليها رحمة منك وسلاماً منيّ (ويحرم نقل الميت) من مكان موته قبل دفنه ولو بصحراء (إلى بلد أخرى) ليدفن فيها (وقيل يكره إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس) لخبر جابر: قال كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي النبي (ص) فقال إن رسول الله (ص) يأمركم أن تدفنوا الموتى في مضاجعهم أي مكان قتلهم (نص عليه) الشافعي أي جواز النقل إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس (ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا للضرورة بأن دفن بلا غسل) حتى يغسل ويصلى عليه (أو) دفن (في أرض أو ثوب مغصوبين) فيجب نبشه لرد المغصوب على صاحبه إذا لم يرضَ ببقائه وقيل يعطى قيمة الثوب أما الدفن في أرض مغصوبة فلابد من رضى صاحبها أو ينبش (أو وقع فيه مالٌ أو دفن لغير القبلة) فيجب نبشه ما لم يطل الزمان فيعلم تغيره (لا التكفين في الأصح) لأن الغرض منه الستر وقد ستره التراب (ويسن أن يقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت) لما روى أبو داود وصححه عن عثمان قال: كان رسول الله (ص) إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال أستغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الأن يُسْأل وروى مسلم عن عمرو بن العاص أنه قال: إذا دفنتموني فأقيموا بعد ذلك حول قبري ساعة قدر ما تنحر جزور ويفرق لحمها حتى استأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي ويسن تلقين الميت بعد الدفن فيقال له يا عبد الله ابن امة الله اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد (ص) نبياً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً (ولجيران أهله تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم) لشغلهم بالحزن على ميتهم (وَيُلَحُّ عليهم في الأكل) لأنهم قد يتركون الطعام حياءً أو جزعاً ولا بأس بالقَسَمِ إن علم أنهم يبرون بقسمه (ويحرم تهيئتهُ للنائحات والله أعلم) لأنه إعانة على معصية والأصل في ذلك قوله (ص) لما جاء خبر قتل جعفر بن أبي طالب في مؤته "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد جاءهم ما يشغلهم حسنه الترمذي وصححه الحاكم.

كتاب الزكاة
وهي لغة النماء والبركة والتطهير وشرعاً اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص والأصل في وجوبها قبل الإجماع قوله تعالى: [وآتوا الزكاة] البقرة:43 وقوله تعالى: [خذ من أمالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها] التوبة:103 وأخبار: منها:
- مانع الزكاة في النار... الطبراني في الصغير عن أنس.
- حديث ابن عباس: أن النبي (ص) بعث معاذاً إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله أفترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإذا هم أطاعوا فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" رواه البخاري ومسلم.
- حديث جرير بن عبد الله: قال: "بايعت النبي (ص) على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. البخاري.
- وحديث زيد بن اسلم: ما من صاحب ذهب ولا فضلة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وظهره. متفق عليه.
- حديث ابن عمر أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله. متفق عليه.
- حديث أبي أيوب: أن رجلاً قال للنبي (ص) أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: تعبد لله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم. متفق عليه.

باب زكاة الحيوان
(إنما تجب منه في النعم وهي الأبل والبقر والغنم) وبدأوا بالإبل لأنها أكثر أموال العرب فتجب الزكاة في المذكورات إجماعاً (لا الخيل والرقيق والمتولد من غنم وظباء) لخبر الشيخين ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة أي إذا لم يكونا مُعدين للتجارة (ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمساً ففيها شاة وفي عشر شاتان وخمس عشرة ثلاث وعشرين أربع وخمس وعشرين بنت مخاض وست وثلاثين بنت لبون وست وأربعين حِقَّةٌ وإحدى وستين جَذَعَةٌ وستِ وسبعين بنتا لبون وإحدى وتسعين حقتان ومائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون) ثم يستمر ذلك إلى مئة وثلاثين فيتغير الواجب (ثم في كل أربعين بنتُ لبون وكل خمسين حقة) لما روى البخاري عن أنس أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لمّا وجهه إلى البحرين على الزكاة: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله (ص) على المسلمين والتي أمر الله به رسوله فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سُئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حِقّة طَرُوَقةُ الفحل فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جَذَعَةٌ فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون فإذ بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. أما قوله فَرَضَ أي قَدّرَ قوله لا يَعْطِه أي لا يعطي الزائد بل يَعْطِي الواجب فقط. (وبنتُ المخاض لها سنة) وطعنت في الثانية وسميت بهذا لأن أمها بعد سنة قد آن لها أن تحمل مرة أخرى فتصير إلى المخاض.
(واللبون سنتان) وطعنت في الثالثة لأن أمها آن لها أن تلد فتصير لبوناً.
(والحقة ثلاث) وطعنت في الرابعة لأنها استحقت أن تركب ويحمل عليها وأن يطرقها الفحل.
(والجذعة أربع) وطعنت في الخامسة سميت بذلك لأنها أجذعت مقدم أسنانها وقيل لأن أسنانها لا تسقط بعد ذك واعتبر في الجميع الأنوثة رفقاً بالفقير لما فيها من الدرِّ والنسل (والشاة) الواجبة فيما دون خمس وعشرين من الإبل هي (جذهة ضأن لها سنة) وطعنت في الثانية وهو من حَمْلِ المطلق في الزكاة على المقيد في الأضحية (وقيل ستة أشهر أو ثنية معز لها سنتان) ودخلت في الثالثة (وقيل سنة) والجذعة والثنية في الغنم سواء (والأصح أنه مخير بينهما) الضأن والمعز (ولا يتعين غالب غنم البلد) بل يجزئ أي غنم لصدق الاسم عليه ويتعين الضأن لو كانت غنم البلد كلها ضائنةً ولا يجوز العدول عن غنم البلد إلا بخير منها قيمة أو مثلها (وأنه يجزئ الذكر) من الضأن أوالمعز لصدق الاسم عليه ولو كانت الإبل إناثاً وقيل لا تجزئ إلا الأنثى لما يراد من درها ونسلها (وكذا بعير الزكاة) فالأصح أنه يجزئ (عن دون خمس وعشرين) لأنه يجزئ عن خمس وعشرين فعما دون خمس وعشرين أولى ولو نقصت قيمته عن قيمة الشاة (فإن عدم) من عنده خمس وعشرون (بنت المخاض) وقت الوجوب (فابن لبون) ذكر يخرجه عن بنت المخاض وإن كان أقل قيمة منها ولا يكلف شراءها وإن قدر عليه للنص ولأن الزكاة مبنية على التخفيف أما من وجد بنت المخاض فيتعين إخراجها ولو معلوفة (والمعيبة كمعدومة) فيخرج ابن اللبون مع وجودها (ولا يكلف) بنت مخاض (كريمة) وإبله مهازيل أما إذا كانت كلها كرائم فيكلف كريمة لخبر الصحيحين عن معاذ "إياك وكرائم أموالهم" (لكن تمنعُ) الكريمةُ (ابنَ اللبون في الأصح) لوجود بنت المخاض (ويؤخذ الحِقُّ عن بنت مخاض) عند فقدها لأنه أولى من ابن اللبون (لا) عن بنت (لبون في الأصح) وفارق إجزاء ابن اللبون عن بنت المخاض بأن فيه مع النص زيادة سن تميزه بفضل قوة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع ولا تفاوت مميز بين الحِقِّ وبنت اللبون (ولو اتفق فرضان كمائتي بعير) فرضها أربع حقاق أو خمس بنات لبون (فالمذهب) أنه (لا يتعين أربع حقاق بل هُنَّ) أربع حقاق (أو خمس بنات لبون) حيث لا أغبط وحيث كل منها يصدق عليه اسم الواجب والقديم يتعين الحقاق نظراً لاعتبار زيادة السنِّ وللوصول إلى الجذعة والتي هي منتهى الكمال في الأبل (فإن وجد بماله أحدهما) وكان تاماً مجزئاً (أخذ) منه وإن كان المفقود أغبط لخبر أبي داود عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قرأ في نسخة كتابه (ص) بالصدقة فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السّنّينَ وجدت أُخذت (وإلا فله تحصيل ما شاء) منها بشراء أو غيره وإن لم يكن أغبط لمشقة تحصيل الأغبط (وقيل يجب الأغبط للفقراء) وَذَكَرَ الفقراء من أصناف الزكاة الثمانية لأنهم الأكثر (وإن وجدهما فالصحيح تَعيَّنَ الأغبطُ) أي الأنفع للفقراء إن كان من غير الكرام إذا الكرام كالمعدومة قاله السبكي (ولا يجزئ غير) الأغبط (إن دلّسَ) المالك بأن أخفى الأغبط (أو قَصّرَ الساعي وإلا يجزئ) إن لم يدلس أو يقصر (والأصح وجوب قدر التفاوت) بينه وبين الأغبط والصحيح يستحب ولا يجب (ويجوز إخراجه دراهم) أو دنانير من نقد البلد إذا قلنا بالوجوب أو الاستحباب (وقيل يتعين تحصيل شقص به) من الأغبط أو المخرج والشقص هو الجزء أي أن يشتري بالفرق جزءاً من الأغبط لأنه الأصل وقيل يتخير بينهما (ومن لزمه بنت مخاض فعدمها وعنده بنت لبون دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهماً) كجبران من الساعي حيث قيمة الشاة زمنهم عشرة دراهم تقريباً (أو بنت لبون فعدمها دفع بنت مخاض مع شاتين أوعشرين درهماً) أي دفع للساعي عن كل بنت لبون وجبت عليه فدفع بدلها بنت مخاص (أو) دفع (حِقّةً وأخذ شاتين أو عشرين درهماً) روى المسألتين البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر الصديق السابق (والخيار في الشاتين أو الدراهم لدافعها) ساعياً أو مالكاً كما هو ظاهر الحديث..
(وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح) لأنها شُرِعَا تخفيفاً عليه حتى لا يكلف الشراء فناسب تخييره (إلا أن تكون إبله مَعَيبةً) فلا يجوز له الصعود لمعيب مع طلب الجبران لأن الجبران للتفاوت عن السليمين وهو فوق التفاوت بين المعيبين (وله صعود درجتين وأخذ جبرانين ونزول درجتين مع) دفع (جبرانين) كما إذا اعطى بدل الحِقَةِ بنتَ مخاض (بشرط تعذر درجة في الأصح) فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحِقَةِ إلا عند تعذر بنت اللبون، نعم لو صعد درجتين ورضي بجبران واحد جاز قطعاً (ولا يجوز أخذ جبران مع ثنية) لأن الثنية وهي التي أتمت خمس سنين ليست من أسنان الزكاة (بدل جزعة على أحسن الوجهين) أي عند فقد الجذعة (قلت الأصح عند الجمهور الجواز والله أعلم) لأنها أسن منها بسنة فكانت كجزعة بدل حقة ولأن الشارع اعتبر الثنية في الأضحية (ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) لأن الحديث أقتضى التخيير بين الشاتين والعشرين فلا تجزئ خصلة ثالثة كما لا يجوز في الكفارة إطعام خمسة وكسوة خمسة (وتجزئ شاتان وعشرون لجبرانين) لأن كل جبران مستقل عن الآخر (ولا) شيء في (البقر حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع ابن سنة) لأنه يتبع أمه في المسرح والتبيعة أولى (ثم في كل ثلاثين تبيعٌ وكل أربعين مسنةٌ) وهي ما (لها سنتان كاملتان) لتكامل أسنانها لما روى الترمذي عن معاذ بن جبل قال "بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين تبيعاً" صححه الحاكم. ولا جبران في زكاة الغنم والبقر لعدم ورود ذلك (ولا) زكاة في (الغنم) والغنم اسم جنس للذكر والأنثى ولا واحد له (حتى تبلغ أربعين) ففيها (شاةٌ جزعة ضأن أو ثنية معز وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان ومائتين وواحدة ثلاث) شياه (وفي اربعمائة أربع ثم في كل مائة شاة) فقد روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر السابق وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
تنبيه: أكثر ما يتصور الوَقَصُ "وهو الفرق بين الفريضتين" ويسمى الشَّنَقُ أيضاً. في الإبل تسعة وعشرون ما بين إحدى وتسعين ومئة وإحدى وعشرين وفي البقر تسع عشرة ما بين أربعين وستين وفي الغنم مئة وثمانية وتسعون ما بين مائتين وواحدة وأربعمائة..

فصل في بيان كيفية الإخراج
(إن اتحد نوع الماشية) كأن كانت إبله كلها أرحبية نسبة إلى قبيلة أرحب أو مهرية نسبة إلى قبيلة مهرة (أخذ الفرض منه) لا من غيره (فلو أخذ عن ضأن معزاً أو عكسه جاز في الأصح) لاتحاد الجنس ولذا يكمِّل أحدهما من الآخر في النصاب (بشرط رعاية القيمة) بأن تساوي قيمة المخرج من غير النوع تعدد أو اتحد قيمة الواجب من النوع الذي هو الأصل (وإن اختلف) النوع (كضأن ومعز) وكأرحبية ومهرية وجواميس وعراب (ففي قول يؤخذ من الأكثر فإن استويا فالأغبط) للفقراء وقيل يتخير المالك (والأظهر أنه يخرج ما شاء مقسطاً عليهما بالقيمة فإذا كان) عند المالك (ثلاثون عنزاً وعشر نعجات) من الضأن (أخذ عنزاً أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة) وفي عكس الصورة بقيمة ثلاثة أرباع نعجة وربع عنز والخِيَرةُ للمالك (ولا تؤخذ مريضة ولا معيبة) وهو المرض أو العيب الذي تردُّ به في البيع (إلا من مثلها) أي من المريضات أو المعيبات لقوله تعالى: [ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون] البقرة:267 ولخبر البخاري. لا تؤخذ في الصدقة مريضة ولاذات عَوار ولا تيس الغنم. ولخبر أبو داود من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعاً "ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَنْ عبدَ اللهَ وحده وشهد أن لا إله إلا هو وأعطى زكاةَ مالِهِ طيبةً بها نفسه كل عام ولم يعط المريضة ولا الهرمة ولا الشَرَطَ اللئيمة" والشَرَطَ من المال أرذله. كما أن المستحق شريك للمزكي بالمال لأنه له فيه حق (ولا ذكر إلا إذا وجب) لأن النص ورد بالإناث أما إذا وجب فيدفع كأن ملك خمساً وعشرين من الأبل ففقد بنت المخاض فيدفع ابن اللبون وكالتبيع في البقر (وكذا لو تمحضت ذكوراً) وواجبها في الأصح أنثى يؤخذ عنها الذكر بسنها (في الأصح) فيؤخذ في ست وثلاثين من الذكور ابنَ لبون أكثر قيمة من ابن اللبون المأخوذ عن خمس وعشرين من الأبل (وفي الصغار صغيرة في الجديد) كأن ماتت الأمهات فيبني حول الصغار على حول أُمهاتها لخبر البخاري عن أبي بكر أنه قال: "لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله (ص) لقاتلتهم على منعها والعناق هي الصغيرة من المعز التي لم تبلغ سنة" (ولا رُبَّى ولا أكولة) أي لا تؤخذ في الزكاة حديثة النتاج التي تربي ولدها ولا الأكولة المسمنة المخصصة للأكل أو البيع (وحامل) والتي طرقها الفحل لتبيّن حمل البهائم من مرة واحدة خلاف الآدميات (وخيار إلا برضا المالك) لخبر الشيخين عن ابن عباس أن النبي (ص) قال لمعاذ حين بعثه على اليمن قاله له : "إياك وكرائم اموالهم" أما إذا رضي المالك بشيء من ذلك فلا بأس وهو محسن بالزيادة. ثم شرع في زكاة الخُلْطَة وِالخلطة نوعان: خلطة شركة وتسمى خلطة أعيان لأن كل شيء مشترك وخلطة شيوع وهي التي ذكرها بقوله (ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية) اثنان أو أكثر بإرث أو شراء أو هبة أو غير ذلك (زكياً كرجل) واحد سواءً كان لأحدهما نصاب فأكثر وللآخر مثله أو أقل أو أكثر (وكذا لو خلطا مجاورة) بأن كان مال كل رجل معيناً في نفسه فيزكيان كرجل واحد إجماعاً لخبر البخاري عن كتاب أبي بكر لأنس:
وفيه " لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" وخرج بأهل الزكاة مالو كان أحد المالين موقوفاً أو لذمي أو مكاتب أو لبيت المال فيعتبر مال الآخر إن بلغ نصاباً زكاة وإلا فلا (بشرط) دوام الخلطة سنة هجرية كاملة فإذا خلطا في صفر وكان كل واحد قد ملك نصاباً في المحرم فإذا جاء المحرم الذي بعده زكى كل واحد منفرداً وثبتت الخلطة في الحول الثاني (ألا تتميز) ماشية أحدهما عن الآخر (في المشرب) أي محل الشرب ولو دلو من بئر (والمسرح) والذي يعني مكان التجمع ومكان الرعي (والمُرَاحِ) المأوى ليلاً (وموضع الحَلَبِ) وهو المُحْلب أي مكان الحلب (وكذا الراعي والفحل في الأصح) وإن كان لأحدهما أو مستعاراً (لا نية الخلطة في الأصح) لأن سبب الخلطة هو قلة المؤنة بإتحاد ما ذكر وهو موجود سواءً أنويا أم لا لأن الخلطة صيرت المالين كالمال الواحد لخبر الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص "والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي" (والأظهر تأثير خلطة الثمر والزرع والنقد وعرض التجارة) باشتراك أو مجاورة لعموم خبر ألا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (بشرط أن لا يتميز الناطور) في خلطة المجاور والناطور أو الناظور وهو الحافظ للشجر أو الثمر وغيرها (والجرين والدكان والحارس) والجرين هو موضع تجفيف الثمر والدكان هو محل البيع (ومكان الحفظ) كخزانة أو مخزن (ونحوها) كالميزان والوزان والبائع وقابض المال والحراث والجمال والكيال... إلخ.
(ولوجوب زكاة الماشية شرطان) إضافة لما مرت أحدهما (مضي الحول في ملكه) لخبر أبي داود عن علي "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وروى الترمذي عن ابن عمر موقوفاً "من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول" وقد أجمع التابعون والفقهاء على القول به (لكن ما نتج من نصاب يُزْكّىَ بحوله) أي بحول النصاب كمئة شاه نتج منها احدى وعشرون فتجب شاتان وكأربعين شاة ولدت أربعين ثم ماتت وتم حولها على النتاج فتجب فيها شاة لخبر الموطأ عن عمر أنه قال لساعيه اعتدَّ عليهم بالسخلة وهو اسم يقع على الذكر والأنثى وما نتج من دون النصاب وبلغ به نصاباً فيبتدأ حوله من حين بلوغه نصاباً (ولا يضم المملوك بشراء أو غيره) كهبة أو إرث إلى ما عنده (في الحول) لأنه ليس في معنى النتاج والنص في النتاج ولا يتعدى إلى غيره إلا بدليل قال ابن شُريج لا يضم في النصاب كالحول فلو كان له ثلاثون من البقر وبعد ستة أشهر اشترى عشراً يزكي الثلاثين بحولها ولا ينعقد الحول على العشر حتى يتم حول الثلاثين فيستأنف حول الجميع (فلو ادعى النتاج بعد الحول صدق) أي المالك لأن الأصل عدم وجوده (فإن اتُهِمَ حُلِّفَ) أي إذا اتهمه الساعي لأخذ الزكوات جاز له تحليفه (ولو زال ملكه في الحول فعاد) بعد الزوال بشراء أو هبة أو غيره (أو بادل بمثله) كإبل بإبل أو بنوع آخر كغنم أو بقر (استأنف) الحول وعده من الوقت الجديد لانقطاع الأول وإن قصد الفرار من الزكاة وهو حرام وأمره إلى الله (وكونها سائمة) والأصل فيه حديث البخاري عن أنس "وفي صدقة الغنم في سائمتها" فقد دل بمفهومه على نفي الزكاة في معلوفة الغنم وقيس عليه معلوفة الإبل والبقر واختصت السائمة بالزكاة لتوفر مؤنتها بالرعي في كلأ مباح (فإن علفت معظم الحول فلا زكاة) لتأثير الغلبة في الأحكام ولو كان العلف متفرقاً (وإلا فالأصح إن علفت قدرا ًتعيش بدونه بلا ضرر بيّن وجبت) زكاتها لخفة مؤنها (وإلا فلا) أي إذا كانت لا تعيش بلا علف فلا تجب الزكاة فيها (ولو سامت بنفسها) لم تجب الزكاة لعدم قصد السوم (او اعتلفت السائمة) بنفسها قدراً مؤثراً في عيشها فلا زكاة (أو كانت عوامل في حرث ونضح ونحوه) للمالك وغيره عارية أو بأجرة (فلا زكاة في الأصح) لأنها لا تقتنى للنماء فهي تشبة لباس البدن ومتاع الدار ولخبر ابن القطان وصححه عن علي "ليس في البقر العوامل شيء" (وإذا وردت ماءً أخذت زكاتها عنده) لأنه أسهل على المالك والساعي وأقرب إلى الضبط (وإلا فعند بيوت أهلها) تُعَدَّ (ويصدق المالك في عددها إن كان ثقة) لأنه أمين (وإلا فتعد عند مضيق) وذلك إذا كان المالك غير ثقة ويسن للساعي إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمالك ترغيباً في الخير لخبر البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى كان النبي (ص) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى

باب زكاة النبات
النبات يكون مصدراً ويكون اسماً للنابت هنا وينقسم إلى شجر وهو ماله ساق وإلى نجم وهو ما لا ساقَ له قال تعالى: [والنجم والشجر يسجدان] الرحمن:6 (تختص بالقوت وهو من الثمار: الرُطب والعنب ومن الحبِّ: الحنطة والشعير والأرز والعدس وسائر المقتات اختياراً) كالذرة والحمص والبازلاء ولا تجب في السمسم والتين والجوز واللوز والرمان والتفاح قولاً واحداً.
(وفي القديم تجب في الزيتون والزعفران والورس) والورس ورق العصفر وهو يشبه الزعفران (والقرطم) وهو حب يُعْصَفْرُ به (والعسل) من النحل فقط (ونصابه خمسة أوسق) فلا زكاة في أقل من ذلك لخبر الشيخين ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (وهي ألف وستمائة رطل بغدادية) والوسق ستون صاعاً إجماعاً والصاع أربعة أمداد والمدُّ رِطّل وثلث البغدادي (وبالدمشقي ثلاثمائة وستة وأربعون رطلاً وثلثان) لأن رطل دمشق ستمائة درهم ورطل بغداد مائة وثلاثون درهماً (قلت الأصح أن رطل بغداد مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم وقيل بلا أسباع وقيل وثلاثون والله أعلم) لا مئة وثلاثون والصاع مكيال ويساوي أربعة أمداد كما ذكرنا وفي هذا يكون نصاب القمح 5×60×2.170=653 كيلو جرام باعتبار وزن صاع القمح=2.170كيلو جرام
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-07-07, 10:16 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ رجب نوري مشوح

الجزء الثالث
(ويعتبر) في قدر النصاب (تمراً وزبيباً إن تتمر أو تزبب وإلا فرطباً وعنباً) لأن هذه أكمل أحواله ولو قبضه الساعي باعه وحفظ ثمنه لمصلحة المستحقين لأنه يسرع إليه الفساد (والحب مصفى من تبنه) وقشره (وما ادخر في قشره) الذي لا يأكل معه (كالأرز والعَلَسِ) وهو نوع من الحنطة فنصابه (عشرة أوسق) باعتبار أن القشر يعدل النصف (ولا يكمل جنس بجنس) إجماعاً في التمر والزبيب وقياساً في القمح والشعير (ويضم النوع إلى النوع) كتمر معقلي وبرني وبرُّ مصري وشامي لاتحاد الاسم ويضم الدخن إلى الذرة لأنه نوع منها (ويُخْرِجُ من كلٍ بقسطه) لأنه لا مشقة فيه بخلاف المواشي المتنوعة (فإن عسر أخرج الوسط) أي عسر التقسيط لكثرة الأنواع فيخرج الوسط لا أعلاها ولا أدناها رعاية للجانبين (ويضم العْلَسُ إلى الحنطة لأنه نوع منها) ولكن في كلِّ كمام منه حبتان وأكثر (والسُّلْتُ جنسٌ مستقلٌ) فلا يضم إلى غيره (وقيل شعير وقيل حنطة) لأن فيه صفات من كل منها (ولا يضم ثمر عام وزرعه إلى آخر) أي ثمر عام آخر في تكميل النصاب (ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض) وإن اختلف إدراكه لاختلاف نوعه أو محله لاختلاف الإدراك حتى في النخلة الواحدة (وقيل إن أطلع الثاني بعد جداد الأول لم يُضَمَّ) لشبهه بثمر العام الثاني أما لو أطلع الثاني قبل بدو صلاح الأول ضمَّ إليه جزماً (وزرعا العام يضمان) وإن اختلفا في وقت زرعهما ووقت جدادهما (والأظهر اعتبار وقوع حصاديهما في سنة) وذلك بأن يكون بين حصاد الأول وحصاد الثاني أقل من سنة هجرية (وواجب ما شرب بالمطر أو عروقه بقُرْبهِ مِنْ الماءِ من ثمر وزرع العُشْرُ) وفي معنى ذلك ما يستقر من شلال يَنْصَبُّ عليه (وما سقي بنضح أو دولاب) وهو ما تديره البهائم أو ناعورة وهي ما يديره الماء بنفسه أو ما يسقى بالآلات (أو بماء اشتراه نصفه) أي نصف العشر والأصل في ذلك أخبار منها خبر البخاري عن ابن عمر فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً العشر وفيم سُقِي بالنضح نصف العشر والعثري ما سقي بماء السيل وسمي بذلك لأن الماء يتعثر بجذوره أي يمر عليه.
وخبر يحيى بن آدم في كتاب الخراج عن أنس فرض رسول الله (ص) فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بالدوالي والسواني والغرب والناضح نصف العشر والسانية والناضح اسم للبعير والبقرة الذي يسقى عليه من البئر أو النهر وتطلق السانية على كل ما يوصل الماء إلى الزرع من البئر أو النهر فعن مسلم عن جابر أن النبي قال: "فيما سقت الأنهار والعيون العشور وفيما سقي بالسانية نصف العشر (والقنوات كالمطر على الصحيح) وكذا السواقي المحفورة من الأنهار العظيمة (وما سقي بها سواء) أي بالنوعين كالنضح والمطر (ثلاثة ارباعه) أي ثلاثة أرباع العشر (فإن غلب أحدهما ففي قول يعتبر هو) أي الغالب (والأظهر يقسط باعتبار عيش الزرع ونمائه) لأنه المقصود بالسقي فاعتبرت مدته من غير نظر للأنفع لأن هذا لا ينضبط (وقيل بعدد السقيات) النافعة بقول الخبراء وتجب الزكاة (ببدو صلاح الثمر) ولو ببعض الزرع لا بجميعه ويعفى عما يلتقطه الزارع من حب في سنبله لحاجة إليه توسعة وكذا نترك له نخلات بلا خرص يأكلها فقد روى البيهقي أن أبا الدرداء أمر أم الدرداء أنها إذا احتاجت تلتقط السنابل (واشتداد الحب) لأنه حينئذ طعام فمن بدا الصلاح عنده من بائع أو مشترٍ فالزكاة عليه لأن السبب إنما وجد في ملكه (ويسن خرص الثمر إذا بدا صلاحه على مالكه) لأمره (ص) "أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتوخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً" رواه الترمذي وغيره من حديث عتاب بن أسيد والخرص هو التخمين أي تحدد الزكاة من تخمين ما على الشجر من ثمر (والمشهور إدخال جميعه في الخرص) وفي قول يترك نخلة أو نخلات يأكلها أهل الزرع ويختلف ذلك بقلة عياله وكثرتهم (وأنه يكون خارصٌ) واحدٌ لأن الخارصَ مجتهدٌ وفي قول اثنان لأنه شهادة (وشرطه العادالة وكذا الحرية والذكورة في الأصح) فإن كان اثنان جاز أن يكون أحدهما امرأة (فإذا خرص فالأظهر أن حق الفقراء ينقعطع من عين الثمر ويصير في ذمة المالك التمر والزبيب ليخرجهما بعد جفافه ويشترط التصريح) من الخارص (بتضمينه) حق الفقراء للمالك (وقبولِ المالكِ) التضمين (على المذهب) فإن لم يقبل المالك بقي حق الفقراء في الثمر (وقيل ينقطع بنفس الخرص) فلا يحتاج إلى تضمين بل الخرص تصريح بالتضمين (فإن ضمن) المالك (جاز تصرفه في جميع المخروص بيعاً وغيره) أما قبل الخرص فلا يجوز ذلك فإن لم يكن خارص ولا بيت مال خرص عليه عدلان ليصح تصرفه أو يخرص على نفسه ويؤدي حقه يوم حصاده (ولو ادعى هلاك المخروص بسبب خفي كسرقة أو ظاهر عُرِفَ) كالبرد والنهب والجراد ونزول العسكر واتُهم المالك بادعائه (صدق بيمنه) وإن لم يتهم صدق بلا يمين.
(فإن لم يُعْرفِ الظاهرُ طولب ببينة على الصحيح) أي لم يعرف شيء عن سبب الهلاك طُولِبَ بالبينة بوقوع ما أدعاه (ثم يصدق بيمينه في الهلاك) بما أدعاه من سبب الهلاك (ولو ادعى حيف الخارص) بأنه زاد عليه في الخرص لم تُسْمعْ دعواه إلا ببينة كدعوى الجور على الحاكم وإلا لكثر الإدعاء (أو غَلَطَهُ بما يَبْعُدُ لم يُقْبَلْ) كأن ادعى عليه أنه ضاعف عليه أو زاده ربعاً أو نصفاً مما لا يقع فيه عادة عالم بالخرص لم تقبل دعواه (أو بمحتمل) كواحد أو اثنين في المئة أو حتى خمسة في المئة (وقبل في الأصح) لأن صدقة ممكن هذا في حالة تلف المخروص أما في حالة وجوده فيعاد كيله
فائدة: يستحب أن يكون الجداد نهاراً ليطعم الفقراء وإذا أخرج زكاة الثمار والحبوب وأقامت عنده سنين لم يجب فيها شيء بعد ذلك بخلاف الماشية والذهب والفضة لأن الله سبحانه وتعالى علَقَ زكاة النبات بحصاده والحصاد لا يتكرر في الأموال المرصودة للنماء ولو لم تنم والنبات الخارج من الأرض المستأجرة فيه الزكاة لأن الأجرة لا تقام مقامَ الزكاة وكذلك الأراضي التي تؤخذ عليها الضرائب ولو كانت هذه الضرائب تؤخذ ظلماً فإذا أخذها السلطان باسم العُشْرِ أجزأ.

باب زكاة النقد
والنقد ضد العَرْضِ والدين فيشمل المضروب الذي عليه ختم وله قيمة ثابتة وغير المضروب كالسبائك قال الأزهري والناض من المال ما كان نقداً وهو ضد العرض والنقد لغة الإعطاء ومِنْ ثُمَّ أُطلق على المنقود من باب اطلاق المصدر على اسم المفعول والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى: [والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم] التوبة:34 وأخبار منها..
حديث أبي سعيد: "ليس فيما دون خمس أواق من الوَرِقِ صدقةٌ": الشيخان وحديث جابر "لا زكاة في شيء من الفضة حتى تبلغ خمس أواق" والأوقية أربعون درهماً رواه الدارقطني. قال الشافعي في الرسالة: "ففرض رسول الله (ص) في الورق صدقة وأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة إما بخبر لم يبلغنا وإما قياساً على أن الذهب والورق نقد الناس "الرسالة فقرة 527" وقال ابن عبد البرِّ: لم يثبت عن النبي (ص) في زكاة الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات. حديث ابن عمر: الميزان ميزان أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة. صححه ابن حبان ورواه الدارقطني من رواية طاووس عن ابن عمر.
قال الخطابي: معنى الحديث أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة وهي دار الإسلام والمثقال ثابت لم يتغير في جاهلية ولا إسلام وهو 4.25جراماً. وأما الدرهم فهو سبعة أعشار الثقال: 4.25×7/10= 2.975 جراماً أي ثلاث جرامات.
والدانق= سدس الدرهم أي أن كل درهم= ستة دوانق.
(نصاب الفضة مئتا درهم والذهب عشرون مثقالاً) اجماعاً تحديداً فلو نقص في ميزان وتمَّ في آخر فلا زكاة للشك (بوزن مكة) للخبر الصحيح "المكيال مكيال المدينة والوزن وزن مكة" والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً وكل قيراط =18/100جم.
(وزكاتها ربع عشر) لخبر أبي بكر السابق: وفي الرِقَّةِ رُبُعُ العشر والرقة والورق الفضة (ولا شيء في المغشوش حتى يبلغ خالصه نصاباً) والمغشوش هو المخلوط بنحو فضة أو نحاس لخبر الشيخين "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" فإن بلغ خالص المغشوش نصاباً أو كان عنده خالص يكمله أخرج قدر الواجب خالصاً أو من المغشوش نصاباً أو كان عنده خالص لكمله أخرج قدر الواجب خالصاً أو من المغشوش ما يعلم أن فيه قدر الواجب من الخالص ويكره للإمام ضرب المغشوش مخافة عدم الضبط ولأنه مدخل إلى الغش والغرر (ولو اختلط إناء منهما) الذهب والفضة (وجهل أكثرهما) كأن كان وزن الإناء 1000جرام ووزن أحدهما ستمائة والآخر أربعمائة (زكي الأكثر ذهباً وفضة) فيزكي ستمائة ذهباً وستمائة فضة وحينئذ يبرأ يقيناً ويكفي أن يزكي كله ذهباً أو الأكثر ذهباً والأقل فضة وقيل لا لأن الذهب لا يجزئ عن الفضة وهذا بعيد (أو مُيِّزَ) أي فصل بينهما بأية وسيلة منضبطة تعطي وزن كل معدن منهما (ويزكى المُحَرَّمُ من حلي وغيره) إجماعاً وكذا المكروه كالضبة الكبيرة (لا المباح في الأظهر) لأنه معد للإستعمال المباح فأشبه متاع الدار وذلك كخلخال لامرأة لأنه مُعَدُ لاستعمال مباح والثاني يُزكي علىمذهب من قال إن زكاة المال تناط بجوهره وهذا مردود لأن زكاة النقد إنما تناط بالاستغناء عن الانتفاع به لا بجوهره إذ لا غرض في ذاته (فمن المحرم الإناء) من الذهب والفضة للذَكِر وغيره (والسوار والخلخال لِلُبْسِ الرجال) بأن يقصده فهما محرمان بالقصد (فلو اتخذ سواراً بلا قصد أو بقصد إجارته لمن له استعماله فلا زكاة في الأصح) لانتفاء القصد المحرم أما لو اتخذه ليعيره فلا زكاة فيه قطعاً وأما لو اتخذه ليكنزه أو ليبيعه عند الحاجة ففيه الزكاة حتى لو ألبسه زوجته أو أعاره للباس للنية عند اتخاذه (وكذا لو انكسر الحلي) بحيث يمتنع الاستعمال (وقصد إصلاحه) فلا زكاة فيه لدوام صورته رغم انكساره أما إذا قصد عدم اصلاحه فتجب فيه الزكاة وأول الحول فيه وقت انكساره (ويحرم على الرجل حلي الذهب) ولو في آلة الحرب لخبر "أحل الذهب والحرير لإناث أُمتي وحرم على ذكورها" صححه الترمذي (إلا الأنف والأنْمُلَةُ والسن) فيجوز اتخاذها لمن قطع أنفه أو ألأنملة أو قلعت سنه (لا الأصبع) فلا يجوز اتخاذها لأنه لا تعمل فتكون لمحض الزينة أما الأنحلة فيمكن استعمالها والأصل في ذلك خبر أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن طرفة: أن جده عرفجة أصيب أنفه يوم الكُلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن عليه فأمره رسول الله (ص) فاتخذ أنفاً من ذهب. والكُلاب اسم ماء كانت عليه الوقعة في الجاهلية وقيس على الأنف الأنملة والسن (ويحرم سنُّ الخاتم) من ذهب للرجل (على الصحيح) وقيل لا يبعد اعتباره كالضبة قاله إمام الحرمين والأول أولى لعموم أدلة التحريم.
(ويحل من الفضة الخاتم) إجماعاً بل يسن ولو في اليسار لكنه في اليمين أفضل لأنه الأكثر في الأحاديث لأنه (ص) اتخذ خاتماً من فضة. رواه الشيخان (وحلية آلات الحرب كالسيف والرمح والمِنْطقة) والمنطقة ما يشد على الوسط والترس والخف وسكين الحرب والدرع وأطراف السهام لأن ذلك يغيظ الكفار (لا ما لا يلبسه كالسرج واللجام) مما هو منسوب إلى الفرس كالركاب والثفر والبرة، والركاب: ما يضع الراكب فيها رجله (في الأصح) وقيل تلحق بعدة المقاتل أي أنها مباحة (وليس للمرأة حلية آلة الحرب) بالذهب والفضة لما فيه من التشبه بالرجال وإن جاز لها المحاربة بآلة الحرب عند الضرورة (ولها لبس أنواع حلي من الذهب والفضة) كالطوق والخاتم والسوار والخلخال والنعل وقيل لا للسرف والخيلاء (وكذا ما نسج بهما) فلها لبسه (في الأصح والأصح تحريم المبالغة في السرف) للمرأة (كخلخال وزنه مائتا دينار وكذا إسرافه) أي الرجل (في آلة الحرب) فإنه يحرم في الأصح (وجواز تحليله المصحف) يعني ما فيه قرآن ولو للتبرك (بفضة) للرجال والنساء (وكذا) تمليه ما ذكر (للمرأة بذهب) أما بقية الكتب فلا تجوز تجليتها مطلقاً (وشرط زكاة النقد الحول) كما في المواشي لحديث أبي داود وغيره "ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (ولا زكاة في سائر الجواهر كاللؤلؤ) والياقوت لعدم ورود شيء في ذلك إلا إذا اتخذ للتجارة فحكمه حكم عروض التجارة.
خاتمة: كل حلي لا يحل لأحد من الناس فحكم صنعته كحكم استعماله فلا يضمنه كاسره على الأصح بخلاف ما يحل لبعض الناس فإن كسره ممنوع ولو كسره أحد ضمنه ويجوز ستر الكعبة بالحرير لفعل الخلف والسلف تعظيماً لها..

باب زكاة المعدن والركاز
والمعادن هي الجواهر المخلوقة في الأرض كنقد وحديد ونحاس مشتقة من عَدَنَ أي أقام والركازُ ما دفن بالأرض من ركز إذا غرز ومنه "أوتسمع لهم ركزاً" مريم:98 أي صوتاً خفيفاً (من استخرج ذهباً أو فضة من معدن) من أرض مباحة أو ملك له أو موقوفة عليه (لزمه ربع عشره) لتملكه له لخبر "وفي الرقة ربع العشر"ولا تجب عليه زكاته إذا وجده في ملكه عن السنوات الماضية لعدم التحقق من وجوده (وفي قول الخمس) قياساً على الركاز بجامع الخفاء (وفي قول إذا حصل بتعب فربع العشر وإلا فخمسُهُ) أي بتنقية وتصفية أو معالجة بنار أو ماء أو مواد أخرى أما إذا خرج صافياً نقياً أو بشوائب لا تكاد تذكر فالخمس (ويشترط النصاب لا الحول على المذهب فيهما) لأن الحول لأجل تكامل النماء والمستخرج من المعدن نماء كله فأشبه الثمر وأما خبر الحول السابق فمخصوص بغير المعدن كما أن المعدن يشبه الفيء (ويضم بعضه إلى بعض) في حساب النصاب (إن تتابع العمل ولا يشترط اتصال النيل على الجديد) أي تتابع الانتاج لأن العادة تفرقهُ وفي القديم إن طال زمن الانقطاع لا يضم بعضه إلى بعض (وإذا قطع العمل بعذر ضمَّ) كإصلاح آلة أو هرب عامل ومرضه وسفره (وإلا فلا) إذا لم يكن عذر فلا ضمَّ لأن الأول غير الثاني (يُضَمُّ الأول إلى الثاني) في إكمال النصاب (ويضم الثاني إلى الأول كما يضمه إلى ملكه) كما لو استخرج 120 درهماً وكان يملك 80 درهماً فيزكي 120 درهماً ولا يزكي الثمانين عند اكتمال النصاب وينعقد الحول على المائتين من حين تمامها وكذا لو استخرج 80 درهماً ثم 120 درهماً فإنه يزكي المائة والعشرين ولا زكاة في المستخرج من غير الذهب والفضة (وفي الركاز الخمس) لخبر الشيخين عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "وفي الركاز الخمس قيل: يا رسول الله وما الركازُ؟ قال: الذهب والفضة".
وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله (ص) إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة فقضى حاجته فتناول لبنة يستطيب بها فانهارت عليه تبراً فأخذها فأتى بها النبي (ص) فأخبره بها فقال "زنها" فوزنها فإذا هي مائتي درهم فقال النبي (ص) هذه ركاز وفيه الخمس (ويصرف مصرف الزكاة على المشهور) لأنه مستفاد من الأرض فأشبه الواجب في الثمار والزروع وقيل يصرف مصرف الفيء لأنه خزين جاهلية حصل الظفر به من غير ايجاف خيل ولا ركاب فكان كالفيء فيصرف خمسة مصرف الفيء (وشرطه النصاب والنقد على المذهب) أي أن يكون ذهباً أو فضة لا غيرهما (لا الحول) فلا يشترط الحول بلا خلاف (وهو الموجود الجاهلي) أي الذي هو من دفين الجاهلية (فإن وجد إسلامي) بأن كان عليه شيء من معالم الإسلام كقرآن أو اسم من أسماء حكام المسلمين (عُلِمَ مالكه فله) فيرد إلى مالكه (وإلا) يعلم مالكه (فلقطةٌ) يعرفه الواجد سنة ثم له أن يتملكه (وكذا إن لم يعلم من أي الضربين هو) الإسلامي أو الجاهلي فهو لقطة أيضاً (وإنما يملكه الواجد وتلزمه الزكاة إذا وجد في موات أو ملك أحياه) أي في أرض غير مملوكة أو في أرض أحياها فامتكها بالأحياء (فإذا وجد في مسجد أو شارع فلقطة على المذهب) أي له احكام اللقطة وقيل ركاز لاشتراك الناس في الموات والمسجد والشارع (أو في ملك شخص فللشخص إن ادعاه) فيأخذه بلا يمين (وإلا فلمن مَلِكَ منه وهكذا حتى ينتهي) أي وإن لم يدعيه أحد فيبقى الأمر هكذا حتى يصل إلى المحي للأرض فيملكه وارثه إن ادعاه وإلا فهو ركاز (ولو تنازعه بائع ومشتر أو مُكْرٍ ومكتر أو معير ومستعير) فقال كل منهم هو لي وأنا دفنته (صدق ذو اليد بيمينه) كما لو تنازعا في متاع الدار وهذا إذا احتمل صدق صاحب اليد لأن اليد تفسخ اليد السابقة أما إذا لم يمكن صدقه لكونه لا يمكن أن يكون مدفوناً في مدة يده لم يصدق فإن كان التنازع بين البائع والمشتري صدق المشتري بيمينه لأنه صاحب اليد.

فصل في زكاة التجارة
قال ابن المنذر وقد أجمع على وجوبها عامة أهل العلم أي أكثرهم والتجارة تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح والأصل في وجوبها قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم] البقرة:267 قال مجاهد نزلت في التجارة وأخبار منها قوله (ص) في الأبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البَزّ صدقته. رواه الحاكم عن أبي ذر وقال هو على شرط الشيخين والبَزّ: هو الثياب المعدة للبيع وروى أبو داود عن سمرة قال: "كان رسول الله (ص) يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يَعَدُّ للبيع" قوله (شرط زكاة التجارة الحول والنصاب معتبراً) النصابُ (بآخر الحول وفي قول بطرفيه). أي أوله وآخره دون وسطه أما الأول فمن أجل إجراء الحول وأما الآخر فلأنه وقت الوجوب ولا يعتبر ما بينهما لاضطراب الأسواق وعدم امكانية ذلك كما أن ذلك يشق على المالك أن يقومِّ العرض في كل لحظة (فعلى الأظهر) وهو اعتبار آخر الحول (لو رُدَّ) مال التجارة (إلى النقد) الذي يقوَّم به (في خلال الحول وهو دون النصاب) ولم يكن له مال يكمل النصاب (واشترى به سلعة فالأصح أنه ينقطع الحول ويبتدأ حولها من) وقت شرائها لتحقق نقص النصاب حساً بالتنضيض أي يجعله نقداً أما لو بادل عرضه بعرض آخر فالأصح أنه لا ينقطع الحول بل هو باقٍ على حكمه لأن ذلك كله من جملة التجارة (ولو تم الحول وقيمة العرض دون النصاب فالأصح أنه يبتدأ حولٌ ويبطل الأول) فلا تجب زكاة حتى يتم حول ثانٍ وهو نصاب أما إذا كان يملك ما يكمل نصاباً من جنس ما يقوم به سلعته زكاهما آخره ولنضرب لذلك مثالاً: فلو كان معه مئة درهم فاشترى عرضاً للتجارة بخمسين منها فبلغت قيمة العرض في الحول مائة وخمسين لزمه زكاة الجميع أما لو كان معه مئة فاشترى بها عرضاً فصار قيمة العرض في آخر الحول مئة وخمسين وملك خمسين في الحول فإن الخمسين إنما تضم في النصاب دون الحول ولا تجب الزكاة إلا بعد أن يتم حول الخمسين أي بعد أن يمضي على الخمسين سنة كاملة فيزكي المئتين وإذا ورث شخص عرض تجارة فلا زكاة عليه حتى يتصرف في هذه العروض بنيتها فحينئذ يستأنف حولاً جديداً (ويصير عرض التجارة للقنية بنيتها) أي بنية القنية فينقطع الحول بمجرد النية لأن القنية حبس السلعة للانتفاع والنية محصلة له والتجارة التقليب بقصد الأرباح والنية لا تُحَصِلَهُ على أن الاقتناء هو الأصل فكفى أدنى صارف إليه فالمسافر يصير مقيماً بمجرد النية والمقيم لا يصير مسافراً حتى يباشر سفره (وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة كشراء) سواء كان بعرض أم نقد أم دين حالٍّ أو مؤجل وقوله بمعاوضة أي محضة وهي ما يفسد بفساد عوضه كالشراء فهو فاسد إذا كان عوضه فاسداً (وكذا) ما لا يفسد بفساد عوضه وهو ما يسمى معاوضة غير محضة ومنها (المهر وعوض الخلع) كأن زوج أمته أو خالع زوجته بعوض نوى به التجارة فهما مال تجارة بنيتها (في الأصح) ولهذا ثبتت الشفعة فيما ملك بهما (لا الهبة والاحتطاب والاسترداد بعيب) كأن باع عرض قنية بما وجد به عيباً فرده واسترد عرضه فالمكسوب بما ذكر ونحوه من احتشاش واصطياد وإرثَ ورَدٍّ بعيب لا يصير مال تجارة بنيتها لانتفاء المعاوضة فيه أما الهبة بثواب وهي أن يهبه شيئاً على أن يعطيه مقابله شيئاً أو مالاً فهو بيع (وإذا ملكه) أي عرض التجارة (بنقدِ نصابٍ) كأن اشتراه بعشرين ديناراً أو بمائتي درهم أي ملكه بعين ذهب أو فضلة ولو غير مضروب (فَحَوُلُهُ من حين ملك النقد) فيبني حول التجارة على حول المال لاشتراكهما في قدر الواجب وجنسه بخلاف ما لو اشتراه بنقد ولكن في الذمة فإنه لا يبني على حول المال فإذا دفع قيمته بعد ذلك فينقطع حول المال ويبدأ حول التجارة من حين الشراء والفرق بين المسألتين أن النقد لم يتعين صرفه للشراء في الثانية دون الأولى (أو دونه) أي النصاب (أوبعرض قنية فمن الشراء) كأن اشتراه بدار أو سيارة أو ماشية (وقيل إن ملكه بنصاب سائمة بنى على حولها) كما لو ملكه بنصاب نقد وللفرق بين السائمة والنقد في مقدار الزكاة فلا يبني أحدهما على الآخر أما النقد وعروض التجارة فواجبهما واحد (أو يضم الربح إلى الأصل في الحول إن لم يَنضّ) فلو اشترى عرضاً بألف فصارت قيمته في الحول ألفين زكاها آخره (لا إن نضَّ) أي صار الكل دراهم أو دنانير أو أي عملة متداولة من جنس رأس المال وأمسكه إلى آخر الحول أو اشترى به عرضا ًقبل تمامه فيفرد الربح بحوله (في الأظهر) وقيل يزكي الربح بحول الأصل لقوله (ص) " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول والفرق بين ربح التجارة وبين نتاج الماشية أن النتاج من عين الأمهات أما ربح التجارة فهو مكتسب بالضرب وحسن التصرف ولهذا لو غصب الغاصب غنماً ردها ونتاجها أما لو غصب مالاً فيرده فقط.
(والأصح أن ولد العرض) من الحيوان غير السائمة كالخيل والأغنام والأبقار المعلوفة (وثمره) من الأشجار (مال تجارة وإنَّ حوله حول الأصل) والثاني لا بل يفرد بحولٍ من انفصال الولد وظهور الثمر (وواجبها) أي التجارة (ربع عشر القيمة) من النقد الذي تقوَّم به (فإن مُلِكَ) العرض (بنقد قوّم به إن مُلك بنصاب) وإن كان غير نقد البلد الغالب (وكذا دونه في الأصح) أي دون النصاب (أو) مُلك (بعرض) للقنية (فبغالب نقد البلد) يقوم (فإن غلب نقدان وبلغ أحدهما) دون الآخر (نصاباً قوِّم به) وإلا (إن بلغ بهما قوم بالأنفع للفقراء وقيل يتخير) فيقوِّم بما شاء منها (وإن مُلِكَ بنقد وعرض قوم ما قابل النقد به) أي الذي امتلكه بالنقد (والباقي بالغالب) من نقد البلد ثم يزكي المجموع (وتجب فطرة عبيد التجارة مع زكاتها) فيزكي التجارة ويزكي العبيد (ولو كان العرض سائمة) أو تمراً أو حباً مما يزكي ولو لم يكن عرضاً (فإن كَمُلَ نصاب إحدى الزكاتين فقط) كتسع وثلاثين من الغنم قيمتها نصاب وأربعين قيمتها دون النصاب (وجبت) زكاة ما كَمُلَ نصابه (أو) كَمُلَ (نصابهما فزكاة العين في الجديد) أي يزكي زكاة سائمة لقوتها وللاجماع عليها وقيل زكاة التجارة ويجري القولان في الثمر (فعلى هذا) الجديد (لو سبق حول التجارة بأن اشترى بما لها بعد ستة أشهر) ومن حولها (نصاب سائمة فالأصح وجوب زكاة التجارة لتمام حولها ثم يفتتح) بعد انقضاء حولها (حولاً لزكاة العين أبداً) أي في سائر الأحوال وقيل يبطل حول التجارة وتجب زكاة العين لتمام حول من شراء (وإذا قلنا عامل القراض لا يملك الربح بالظهور) أي شريك المضاربة لا يملك إلا بقسمة الربح وهو الأصح (فعلى المالك زكاة الجميع) ربحاً ورأس مالٍ لأن الربح في ماله (فإن أخرجها من مال القراض حسبت من الربح في الأصح) كمؤن التجارة من كاتب وحمال وحارس وقيل من رأس المال ولا تأخذ من الربح والثالث من الجميع بالتقسيط فلو كان رأس المال مائتين والربح مئة فثلثا المخرج من رأس المال وثلثه من الربح (وإن قلنا يملك) العامل الربح (بالظهور لزم المالك زكاة رأس المال وحِصًتُهُ من الربح والمذهب أنه يلزمُ العاملُ زكاةَ حصتِهِ) بمجرد الظهور وقيل لا زكاة على العامل لأنه غير متمكن من التصرف الكامل أما إذا أقتسما بدأ حولُ العامل من وقت الظهور ولا يدفعها حتى يقتسما ولو مرت أحوال.
باب زكاة الفطر
صدقة الفطر سميت بذلك لوجوبها بدخول الفطر ويقال أيضاً زكاة الفطرة مأخوذة من الفطرة التي هي الخلقة قال تعالى: [فطرة الله التي فطر الناس عليها] الروم:30 والمعنى أنها وجبت على الخلقة تزكية للنفس وتنمية لفعلها قال وكيع بن الجراح: زكاة الفطرة لشهر رمضان كسجود السهو للصلاة تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة والأصل في وجوبها قبل الإجماع أخبار منها:
1- فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر في رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حرٍّ أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين رواه الشيخان عن ابن عمر.
2- أن النبي (ص) فرض زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطُعْمَةً للمساكين رواه أبو داود والدراقطني وغيرهم عن ابن عباس.
3- ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر –الشيخان عن ابن عمر.
4- كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أَقِطٍ فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت. الشيخان عن أبي سعيد الخدري.
(تجب بأول ليلة العيد في الأظهر) لأنها مضافة في الحديث إلى الفطر والثاني تجب بطلوع فجر ليلة العيد لأنها قربة متعلقة به فلا تتقدم عليه كالأضحية (فتخرج عمن مات بعد الغروب دون من ولد) أي بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان أو معه والعبرة بتمام الانفصال في الولادة (ويسن أن لا تؤخر عن صلاته) أي لا تؤخر عن صلاة العيد بل تخرج قبل الصلاة من ليلة العيد لخبر ابن عمر: أمر رسول الله (ص) بزكاة الفطر أن تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة متفق عليه (ويحرم تأخيرها عن يومه) فيجوز إخراجها بعد الصلاة وإذا أخرت عن الصلاة فتقضى على الفور مع الحرمة إلا لعذر كغياب المال أو فقد المستحق (ولا فطرة على كافر) إجماعاً لقوله (ص) في الحديث السابق "من المسلمين" (إلا في عبده) المسلم (وقريبه المسلم) فتجب عليه عنهما (في الأصح) فتلزمه كالنفقة فهي إنما تجب ابتداء على المؤدْىَ عنه ثم يتحملها المؤدي فهي كالحوالة فلا تجب على الزوجة الموسرة إن أعسر بها الزوج ولكن يندب لها دفعها نظراً لكونها طهرة لها (ولا) فطرة على (رقيق) لا عن نفسه ولا عن غيره لأن الرقيق لا يملك وفطرته على سيده وأما المكاتب فملكه ضعيف ولا فطرة على سيد عنه لنزوله معه منزلة الأجنبي (وفي المكاتب وجه) أنها تلزمه في نفسه وعن مُمَونِهِ ووجه أنها تلزم سيده (ومن بعضه حر يلزمه) من الفطرة (قِسْطُهُ) من الحرية فلو كان نصفه حراً وجب عليه نصف فطرة وكذا يلزم الشريكين في العبد كلاً حسب حصته أما إذا كانت بين السيد والمبغض مهايأة بأن يعمل زمناً لنفسه وزمناً لسيده فالذي يقع الوجوب في نوبته تجب عليه زكاة الفطر وكذلك يجري الأمر في العبد المشترك (ولا) فطرة على (معسر) وإن أيسر بعد وقت الوجوب. (فمن لم يفضل عن قوته وقوت من في نفقته) من آدمي وحيوان (ليلة العيد ويومه شيء فمعسر) بالفطرة ومن فضل عنه شيء فموسر ويسن لمن طرأ يساره أثناء ليلة العيد وقيل غروبها إخراجها ولا يلزم العمل يوم العيد لكسبها (ويشترط كونه) أي الفاضل (فاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليه) عندما وجبت عليه أما إذا كانت وجبت عليه وما دفعها حتى أعسر فإنها تلحق بالديون ولذا يباع فيها خادمه أو مسكنه كسائر الديون (ومن لزمه فطرته لزمه فطرة من لزمه نفقته) بقرابة أو ملك أو زوجية ولم يقترن بها مُسقط كنشوز إذا كانوا مُسْلِمين ووجد ما يؤديه عنهم لخبر مسلم "ليس علىالمسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" (لكن لا يلزم المسلم فطرة العبد والقريب والزوجة الكفار) وإن لزمه نفقتهم لقوله (ص) "من المسلمين" (ولا العبد فطرة زوجته) حرة كانت أو أمة وإن لزمه نفقتها لأنه ليس أهلاً للفطرة لنفسه فلغيره أولى (ولا الابن فطرة زوجة أبيه) وإن لزمه نفقتها ولزمه الاعفاف لأبيه (وفي الاين وجه) أنه تلزمه فطرتها كما لزمته نفقتها (ولو أعسر الزوج) وقت الوجوب (فالأظهر أنه يلزم زوجته الحرة فطرتها) إن كانت موسرة والثاني لا يلزمها كما تقدم (وكذا سيد الأمة) المزوجة فإنه تلزمه فطرة الأمة إن قلنا تجب عليها ابتداء إذا كانت مُسَلّمةً للزوج ليلاً ونهاراً (قلت الأصح المنصوص لا تلزم الحرة) لكن يسن لها خروجاً في الخلاف (والله أعلم) وتلزم سيد الأمة إن كانت تسلم ليلاً للزوج ونهاراً تخدم السيد أما إذا كانت في قبضة الزوج ليلاً ونهاراً وكان الزوج موسراً قيل فعليه فطرتها (ولو انقطع خبر العبد) الغائب مع تواصل مجيء رفقته (فالمذهب وجوب إخراج فطرته في الحال وفي قول لا شيء وقيل إذا عاد) ووجه وجوبها أن الأصل بقاؤه حياً ووجه عدم وجوبها براءة الذمة منها وقيست زكاته على زكاة المال الغائب (والأصح أن من أيسر ببعض صاع يلزمه) اخراجه محافظة على الواجب بقدر الإمكان لأن الميسور لا يسقط بالمعسور (وأنه لو وجد بعض الصيعان قدم نفسه ثم زوجته ثم ولده الصغير ثم الأب ثم الأم ثم الكبير) أي ولده الكبير لخبر مسلم "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك" فإن وجد صاعاً أخرجه عن نفسه وقيل عن زوجته لأن فطرتها دين والدين يمنع وجوب الفطرة وقيل يتخير أووجد صاعين فعن نفسه وزوجته مقدمة عن القريب لأن نفقتها آكد حيث لا تسقط بمضي الزمان بخلاف نفقة القريب أما إذا كان الفائض عنده صاع ولديه زوجتان فإنه يتخير إحداهما فيتصدق عنها ولا يقسط بينهما أما إذا تعدد من تجب عليه كولدين عن أب لزم كلَّ واحد نصف صاع فإن أخرج أحدهما الصاع كاملأ احتاج إلى إذن الآخر أو الأب (وهي صاع وهو ستمائة وثلاثة وتسعون وثلث قلت الأصح ستمائة وخمسون وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم لما سبق في زكاة النبات والله أعلم) والأصل فيه الكيل وإنما قدر بالوزن لاشتهاره وقلنا سابقاً هو 2170 جراماً والأحوط أخراجه 2.5كيلو جرام من القمح ويختلف قدره وزناً باختلاف جنس ما يخرج كالذرة والحمص وغيرهما والأصل صاع النبي (ص) فإن لم يوجد ولم يوجد صاع معاير بصاع النبي (ص) وجب اخراج ما يتيقن أنه لا ينقص عنه وهو 2.5 كيلو جرام من القمح والله أعلم.. (وجنسه القوت المعشر) أي يخرج الصاع من المعشرات أي التي يجب فيها زكاة العشر أو نصفه كالبر والشعير والتمر والزبيب وقيس الباقي عليه بجامع الاقتيات (وكذا الأقط في الأظهر) لثبوته في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري وفي معنى الأَقِطِ لبن وجبن لم ينزع زبدهما فيجزئان أما منزوع الزبد من ذلك فلا يجزئ. والأقط هو لبن يابس غير منزوع الزبد (ويجب من قوت بلده) أي المحلة التي يسكن فيها (وقيل قوته) وهو كما يعتبر نوع ماله في زكاة المال (وقيل يتخير بين الأقوات) لأن الأوفى الأحاديث السابقة للتخيير والمعتبر غالب قوت السنة لا فترة بعينها (ويجزئ الأعلى عن الأدنى) لأنه زاد خيراً. قال تعالى: [ومن تطوع خيراً فهو خير له] البقرة:184 (ولا عكس) أي لا يجزئ الأدنى عن الأعلى (والاعتبار) في الأدنى والأعلى (بالقيمة في وجه) ويختلف هذا باختلاف الأحوال والبلاد (وبزيادة الاقتيات في الأصح) لأنه الأليق بالغرض وهو الأكل في محلة المزكي (فالبرُّ خير من التمر والأرز) والشعير والزبيب وسائر الأصناف (والأصح أن الشعير خير من التمر) لأنه أنفع في الأقتيات (وأن التمر خير من الزبيب) وهما خير من الأرز لعدم أَلِفِ الصدر الأولى الاقتيات بالأرز (وله أن يخرج عن نفسه من قوت وعن قريبة أعلى منه) وأدنى مما يجوز الأخراج منه (ولا يبعض الصاع) عن واحد من جنسين وإن كان أحدهما أعلى من الواجب وإن تعدد المتصدق كشريكين في رقيق واحد (ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها تخير) ما شاء (والأفضل أشرفها) أي أعلاها وهو غالب قوت البلد أو أكثرها قيمة (ولو كان عبده ببلد آخر فالأصح أن الاعتبَار بقوت بلد العبد) لأنها إنما وجبت على العبد ثم يتحملها عنه السيد وقيل بلد السيد (قلت الواجب الحب السليم) فلا تجزئ القيمة ولا الخبز ولا الدقيق ولا الويق لأن الحب يصلح لما لا تصلح له هذه الأصناف الثلاثة ولا يجزئ السوس قال تعالى: [ولا يتيمموا الخبيث منه تنفقون] البقرة:267 (ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصغير جاز) لأن له ولاية عليه فكأنه مَلّكَهُ ذلك ثم أخرجه عنه (بخلاف الكبير) الرشيد فلا يجوز بغير أذنه لأن الأب لا يستقل بملكيته (ولو اشترك موسر ومعسر في عبد لزم الموسر نصف صاع) لأنه الواجب عليه هذا إذا لم يكن بينهما مهايأة فإن كان فصادف زمن الوجوب نوبة الموسر وجب عليه الصاع وإن صادف نوبة المعسر فلا شيء (ولو أيسر واختلف واجبهما) لاختلاف قُوتِهمَا (أخرج كل واحد نصف صاع من واجبه) أي من قوته أو قوت بلده (في الأصح والله أعلم) وقيل تخرج من قوت محل الرقيق لأنها وجبت عليه وتصرف زكاة الفطر للأصناف الذين ذكرهم الله تعالى: "إنما لاصدقات للفقراء والمساكين... ] التوبة:61 وقيل يكفي الدفع لثلاثة من الفقراء والمساكين لأنها قليلة في الغالب ويجوز صرفها لواحد وهو مذهب الأئمة الثلاثة ومذهب ابن المنذر من الشافعية والله أعلم..
باب: من تلزمه الزكاة وما تجب فيه
أي شروطه (وما تجب فيه) أي بيان أحواله التي يتصف بها بما يؤثر في السقوط وبما لا يؤثر كالغصب والجحود والإضلال وعدم استقرار الملك وليس المراد من الباب بيان أنواع المال التي تجب فيها الزكاة فقد تقدم ذلك (وشرط وجوب زكاة المال) بأنواعه من حيوان ونبات وتجارة (الإسلام) للحديث السابق "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله (ص) على المسلمين رواه البخاري (والحرية) فلا تجب على الرقيق لضعف ملكه حتى ولو ملَّكَهُ سيده إذ للسيد انتزاعه متى شاء (وتلزم المرتد إن أبقينا ملكه) مؤاخذة له بحكم الإسلام فإن أزلناه أو أوقفناه وهو الأظهر فلا زكاة فإن عاد إلى الإسلام لزمته لتبين نقاء ملكه وإن هلك مرتداً فلا لأن ماله فيء للمسلمين (دون المكاتب) فلا تلزمه لضعف ملكه بدليل أن نفقة الأقارب لا تجب عليه وأنه لا يرث ولا يورث وإن عجز نفسه فماله لسيده ويرجع عبداً ويعتبر الحول على السيد من تاريخ تعجيز نفسه (وتجب في مال الصبي والمجنون) ويخرجها عنهما وليهما لشمول حديث الصدقة (على المسلمين) ولخبر "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" رواه الشافعي في المسند وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج وروى الطبراني في الأوسط عن أنس مرفوعاً "اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة" ولا تجب في المال المنسوب للجنين إذ لا وثوق بوجوده (وكذا مَنْ مَلَكَ ببعضه الحر نصاباً) تجب الزكاة عليه (في الأصح) لتمام ملكه (و) تجب (في المغصوب والضال والمجحود) كأن أودع مالاً عند شخص فجحده فتجب الزكاة في كل ما ذكر (في الأظهر) لوجود النصاب في الحول (ولا يجب دفعها حتى يعود) المال فيخرجها عن الأعوام السابقة ولو تلف قبل التمكن من دفع الزكاة سقطت الزكاة وفي القديم لا تجب في المذكورات لتعطل نمائها وفائدتها على مالكها بخروجها من يده وامتناع تعرضه فيها وقيل يزكي لسنة واحدة وإن طالت المدة أحولاً لعدم النماء وكمال النصاب (والمُشَتَرىَ قبل قبضه) إذا مضى عليه حول وهو في يد البائع بعد انقضاء الخيار لا من الشراء وجبت فيه الزكاة جزماً (وقيل فيه القولان) في المغصوب أي يُزكي عن الأحوال الماضية أو لا يزكي وفرق بينهما أن الأول يتعذر الوصول إليه أما المُشْتَرىَ فيتمكن من الوصول إليه بتسليم الثمن (وتجب في الحال عن ) المال (الغائب إن قدر عليه) بأن سهل الوصول إليه ومضى زمن يمكنه الوصول إليه لأن المال الغائب الذي يمكنه الوصول إليه كمال موجود في صندوقه (وإلا) يقدر عليه لتعذر السفر إليه لنحو خوف أو انقطاع خبر أو للشك في سلامته (فكمغصوب) فإن عاد لزمه الإخراج لما مضى وإلا فلا ولا يلزمه الإخراج حتى يصل إليه ماله (والدين إن كان ماشية) لا لتجارة (أو غير لازم كمال كتابة فلا زكاة) لأن للعبد اسقاطه متى شاء ولا زكاة في الماشية لأنها تحتاج إلى السوم والدين ليس كذلك ومال الكتابة غير مستقر (أو عرضاً أو نقداً فكذا في القديم إذ لا ملك حقيقة فيه فأشبه دين المكاتب وفي الجديد إن كان حالاً وتعذر أخذه لإعسار وغيره) كمطل أو غيبة مليء وجحود (فكمغصوب) فتجب فيه في الأظهر كما ذُكِرَ في احكام المغصوب (وإن تيسر وجبت تزكيته في الحال) أي إذا تيسر أخذه بأن كان على ملئ مقر حاضر باذل وجبت تزكيته في الحال لأن حكمه حكم المُوَدعِ فتجب تزكيته وإن لم يقبضه اختياراً (أو مؤجلاً المذهب أنه كمغصوب) في أحكامه (وقيل يجب دفعها قبل قبضه) قياساً على المال الغائب الذي يسهل احضاره ومقابله لا تجب فيه قطعاً لأنه لا يملك شيئاً قبل الحلول (ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال) لمن في يده نصاب لأن النصوص مطلقة فلم تفرق بين من عليه دين وبين غيره ولأن في يده نصاباً هو نافذ التصرف فيه أما إذا زاد المال على الدين بنصاب فقد وجبت الزكاة قطعاً (والثالث يمنع في المال الباطن وهو النقد والعرض) أي الديون في الأموال الباطنة تمنع الزكاة ولا يمنع الدين في المال الظاهر الزكاة كالماشية والزروع والثمار والمعدن لأن الفرق أن الظاهر ينمو بنفسه والباطن إنما ينمو بالتصرف فيه والدين يمنع من التصرف ويحوج إلى صرفه في قضائه وزكاة الفطر تلحق بالأموال الباطنة (فعلى الأول) الذي هو أظهر الأقوال (لو حجر عليه لدين فحال الحول في الحجر فكمغصوب) في الحكم لأنه حيل بينه وبين ماله لأن الحجر مانع من التصرف (ولو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركته) بأن مات قبل أدائها وضاقت التركة عنهما (قدّمت) الزكاة لخبر الشيخين "فدين الله أحق بالقضاء" وفي قول الدين لأن حق الآدمي مبني على المشاحة وعدم العفو لافتقار الآدمي وحاجته (وفي قول يستويان) فيوزع المال عليهما لأن حق الله تعالى يصرف للآدمي فهو المنتفع به (والغنيمة قبل القسمة إن اختار الغانمون تملكها ومضى بعده) أي بعد اختيار التملك (حول والجميع صنف زكوي وبلغ نصيب كل شخص نصاباً أو بلغه المجموع في موضع ثبوت الخلطة) بأن وجدت شروط الخلطة وبلغت نصاباً بعد الخُمس (وجبت زكاتها) كسائر الأموال (وإلا فلا زكاة عليهم فيها) بأن لم يختاروا تملكها فلا زكاة عليهم لأنهم لا يملكونها لأن ملكهم سقط بالإعراض (ولو أصدقها نصاب سائمةٍ معيناً لزمها زكاته إذا تمَّ حولٌ من الأصداق) إذا قصدت إساماتها وإن لم يقع دخول أمّا ما في الذمة فلا زكاة فيه لضعف الملك (ولو أكرىَ داراً أربع سنين بثمانين ديناراً وقبضها فالأظهر أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر) لأن ما لا يستقر معرض للسقوط بانهدام الدار أو انقطاع الأجرة (فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين) لأنها التي استقر ملكه عليه (ولتمام الثانية زكاة عشرين لسنة وعشرين لسنتين ولتمام الثالثة زكاة أربعين لسنة وعشرين لثلاث سنين ولتمام الرابعة زكاة ستين لسنة وعشرين لأربع سنين) وهي التي استقر ملكه عليها (والثاني يخرج لتمام الأولى زكاة الثمانين) لأنه ملكها ملكاً تاماً والكلام فيما إذا كانت أجرة السنين متساوية..

فصل في أداء الزكاة
(تجب الزكاة على الفور) بحد الحول لحاجة المستحقين إليها (إذا تمكن) من الأداء كسائر الواجبات (وذلك بحضور المال والأصناف) أو نائبهم كالساعي أو مندوب الإمام أو بعض الأصناف المستحقة ويقصد بحضور المال أي حضور المال الغائب أو المغصوب وتصفية المعشر وتصفية المعدن (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) وهو النقد والركاز وعروض التجارة وليس للإمام أن يطلبها إجماعاً نعم إن علم مالاً وتجارة وأن المالك لا يزكي أن يقول له أدها أو ادفعها إلىَّ قال الماوردي في الأحكام السلطانية ليس للولاة نظر في زكاتها فأربابها أحق بها فإن بذلوه طوعاً قبلها الوالي وكان عوناً في تفريقها وإن عرف الإمام من رجل أنه لا يؤديها بنفسه هل له أن يقول: إما أن تدفع بنفسك أو تدفع إلىَّ حتى أودي؟ فيه وجهان قال النووي في الروضة: أصح الوجهين: وجوب هذا القول، إزاله للمنكر (2/206) (وكذا الظاهر) وهو الماشية والزرع والثمر (على الجديد) والقديم يجب دفع زكاته إلى الإمام وإن كان جائراً لنفاذ حكمه فلو فرقها المالك بنفسه لم تحسب وقيل لا يجب دفعها إلى الجائر (وله التوكيل والصرف إلى الإمام) بنفسه أو وكيله (والأظهر أن الصرف إلى الإمام أفضل) لأن الإمام أعرف بالمستحقين وأقدر على التفريق والثاني التفريق بنفسه أفضل خاصة وقد كثر الجور والظلم (إلا أن يكون) الإمام (جائراً) قال الزركشي: أنه إذا كان العامل جائراً في أخذ الصدقة عادلاً في قسمتها جاز كتمها عنه وأجزأ دفعها إليه وإن كان عادلاً في الأخذ جائراً في القسمة وجب كتمها عنه فإن أخذ طوعاً أو كرهاً لم يجز (وتجب النية فينوي هذا فرض زكاة مالي أو فرض صدقة مالي ونحوهما) كهذا زكاة مالي المفروضة أو الصدقة المفروضة أو الصدقة الواجبة ولو اقتصر على نية الزكاة كفى للخبر المشهور "إنما الأعمال بالنيات" (ولا يكفي فرض مالي) لصدقه بالكفارة والنذور وغيرهما وهذا مردود بأن القرائن الخارجية لا تخصص النية فلا عبرة بكون ذلك عليه أو لا نظراً لصدق منويه بالمراد وغيره (وكذا الصدقة في الأصح) فلا يكفي هذه صدقة مالي لصدقها بصدقة التطوع والثاني يكفي لأنها قد عهدت في القرآن لأخذ الزكاة قال تعالى: [خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتذكيهم بها] التوبة:103 وقال: [إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها..] التوبة:61 ما لو نوى الصدقة فقط فإنه لا يجزئه على المذهب لأن الصدقة قد تطلق على غير المال كقوله (ص) فكل تكبيرة صدقة، وكل تحميده صدقة (ولا يجب تعين المال) المزكى في النية عند إخراج الزكاة (ولو عين لم يقع عن غيره) فلو كان له ألف غائبة وألف حاضرة وأخرج خمسة وعشرين مطلقاً ثم بان تلف الغائبة فله جعله عن الحاضرة أما إذا عين عن مال معين فبان تلفه لم تقع عن غيره لأنه لم ينوِ ذلك الغير (ويلزم الوليَّ النيةُ إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) والسفيه لأنه قائم مقامه وله تفويض النية للسفيه لأنه من أهل النية فإن دفع بلا نية لم تقع وضمن (وتكفي نية الموكِّل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) لكون النية مقارنة للفعل ولأن المال له (والأفضل أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضاً) وإن لم يفوض الموكِّلُ إليه النية (ولو دفع إلى السلطان كفت النية عنده) أي عند الدفع للسلطان لأن السلطان نائب المستحقين فالدفع إليه كالدفع إليهم (فإن لم ينوِ لم يجزئ على الصحيح) لأن السلطان نائب للمستحقين والثاني يجزئ لأنه جرت العادة أن يأخذها السلطان باسم الزكاة فيدفعها المالك بنية ذلك (والأصح أنه يلزم السلطان النية إذا أخذ زكاة الممتنع) أي يندب دفعها نيابة عنه والثاني لا يلزم لأن أخذها قهراً جعلت غيره يقوم مقامه في التفريق والنية كولي المحجور (وأن نيته تكفي) أي والأصح أن نية السلطان تكفي في الإجزاء ظاهراً وباطناً لقيامه مقام الممتنع في النية والتوزيع أي أن السلطان قائم مقام المالك والمالك لو نوى في هذه الحالة أجزأه لأنه الأصل في النية لأنه المكلف بأداء الزكاة.
فرع: نقل الهيثمي عن شارح الإرشاد الكمال الرداد فيمن يعطي الإمام أو نائبه المكس (الضرائب) بنية الزكاة فقال: لا يجزئ ذلك أبداً ولا يبرأ عن الزكاة بل هي واجبة بحالها لأن الإمام إنمايأخذ ذلك منهم ي مقابلة قيامه بسد الثغور أي حماية الحدود وقمع القطاع والمتلصصين عنهم وعن أموالهم. وقد أوقعَ جمعٌ ممن ينسب إلى الفقهاء وهم باسم الجهل أحق أهلَ الزكاة ورخصوا لهم في ذلك فضلوا وأضلوا.. ا.هـ.
فصل في التعجيل وما يذكر معه
(لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب) كمن ملك مائة درهم فأدى خمسة لتكون زكاة إذا تم له مئتان لفقد سبب وجوبها (ويجوز) تعجيلها (قبل الحول) إذا ملك النصاب لوجود سببها لخبر أحمد وأصحاب السنن عن علي أن العباس سأل رسول الله (ص) في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ فرخص له. وقالوا يجوز تعجيل زكاة عروض التجارة قبل ملك النصاب إذا توقع كمال النصاب فتم ما توقع لأن زكاة العروض في آخر الحول واعتبار النصاب في آخره أيضاً ولوجوب الزكاة سببان النصاب والحول فإذا وجد أحدهما جاز تقديمها على الآخر كتقديم كفارة اليمين المنعقدة على الحنث (ولا تعجل لعامين في الأصح) لأن زكاة الحول الثاني لم ينعقد حولها فكان كالتعجيل قبل اكتمال النصاب والثاني يجوز لما روى أبو داود والبيهقي من أنه (ص) تسلف من العباس زكاة عامين وصحح هذا الأسنوي ونازع فيه وعلى هذا يشترط أن يبقى بعدالتعجيل نصاب كأن كان له اثنتان واربعون شاةً فعجل منهما شاتين أما لو كانت احدى واربعين شاة وعجل شاتين لم يجزئ لأن الباقي ليس نصاباً ومن قال بالأول أعلَّ الحديث بالإرسال أو على أنه تسلف منه صدقة عامين أي مرتين (وله تعجيل الفطرة من أول رمضان) لوجوبها بسبب الصوم والفطر وقد وجد احدهما.. (والصحيح منعه قبله) أي دفعها قبل دخول رمضان فإنه ممنوع أنه تقديم على السببين الصوم والفطر (و) الصحيح (أنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه ولا الحب قبل اشتداده) لأن الوجوب بسبب واحد هو البدو والاشتداد فامتنع التقديم عليه كما أنه لا يعرف قدر الثمر تحقيقاً ولا تخميناً فكيف يدفع صدقته (ويجوز بعدهما) أي بدو الصلاح والاشتداد لمعرفته تخميناً وهو ما يسمى الخرص (وشرط اجزاء المعجل) أي يقع زكاة (بقاء المالك أهلاً للوجوب إلى آخر الحول) فلو مات المالك أو تلف المال أو بيع لم يقع المعجل زكاة. (وكون القابض في آخر الحول مستحقاً) فلو مات أو ارتد المستحق لم يقع المعجل زكاة (وقيل إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول لم يجزه) كأن ارتد المستحق ثم عاد لم تجز المدفوعة عن المالك (ولا يضر غناه بالزكاة) المدفوعة إليه أو غيرها لأن مقصود الزكاة الإغناء فلو اجتمع له صدقات فاكتمل عنده نصاب فلا يضر المالك بل يجزئه ما قدّمَ من صدقة (وإذا لم يقع المعجل زكاة استرد إن كان شَرَطَ الاستردادَ إن عرض مانعٌ) عملاً بالشرط كما لو عجل أجرة دار ثم انهدمت فإنه يسترد الأجرة أما قبل وجود المانع فلا يسترد مطلقاً فهو كمن عجل دفع دينه متبرعاً (والأصح أنه لو قال هذه زكاتي المعجلة فقط استرد) لأنه بيّن سبب الدفع فإذا بطلت رجع كخروج المبيع مستَحَقاً (والأصح إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض لم يسترد) بأن لم يذكر أنها زكاةٌ معجلة فلا يسترد وتكون مقطوعاً (و) الأصح (أنهما لو اختلفا في مثبت الاسترداد صدق القابض بيمينه) أي إن لم يصرح الدافع بالرجوع عند عروض مانع أو في ذكر التعجيل أو لم يعلم القابض صدق القابض بيمينه لأن الأصل عدم الاشتراط (ومتى ثبت) الاسترداد (والمعجل) باقٍ تعين رده بعينه أو (تالف وجب ضمانه) بالمثل في المثلي والقيمة في المتقوَّم لأنه قبضه لغرض نفسه (والأصح اعتبار قيمة يوم القبض) وقيل قيمة يوم التلف (و) الأصح (إن وجده ناقصاً فلا أرش) لأن النقص حدث في ملك القابض كأب رجع في هبته فوجد الموهوب ناقصاً فلا يأخذ قيمة بدل النقص (و) الأصح (أنه لا يسترد زيادة منفصلة) كولد وكسب ولبن وصوف لحصولها في ملك القابض والرجوع إنما يرفع العقد من حين الرجوع لا قبله أما الزيادة المتصلة كالسمن فتتبع الأصل (وتأخير الزكاة بعد التمكن يوجب الضمان وإن تلف المال) المُزكى لتقصير المالك بحبس الزكاة عن مستحقيها كمن كانت لديه أمانة فطلبها مستحقها فأخر المودَع أداءَها إلى صاحبها فتلفت فإنه يضمن (ولو تلف قبل التمكن فلا) يضمن لعدم تقصيره أي بعد الحول وقبل التمكن وبقي بعضه (فالأظهر أنه يغرم قسط ما بقى) كأن ملك نصاباً فتلف نصفه فيدفع نصف الزكاة المتوجبة على النصاب وقيل لا شيء عليه لأنه لم يتمكن ولم يقصر وما بقي دون النصاب فلا زكاة فيه.
(وإن أتلفه بعد الحول وقبل التمكن لم تسقط الزكاة) لتقصيره بإتلافه ولو كان صبياً أو مجنوناً لأنه تعلق به حق للغير (وهي تتعلق بالمال تعلق شركة) أي أن الزكاة تتعلق بمال المزكي تعلق شركة بقدرها لأنها تجب بصفة المال جودة ورداءة وتؤخذ من عينه قهراً عند الامتناع كما يُقْسِمُ المال المشترك أي أن للمستحق في مال المزكي ربع عشر مشاع إن كان المُزكى نقداً أو عرضَ تجارة وغيره بقسطه (وفي قول تعلق رهن) فهي في ذمة المالك والمال مرهون بها لأنه لو امتنع من الأداء ولم يوجد الواجب في ماله باع الإمام بعضه واشترى به واجبه كما يباع المرهون في الدين (وفي قول بالذمة) ولا تعلق لها بعين المال كالفطرة وفي قول تتعلق بالعين تعلق الأرش برقبة الجاني لأنها تسقط بهلاك النصاب قبل التمكن كما يسقط الأرش بموت العبد (فلو باعه قبل إخراجها فالأظهر بطلانه في قدرها) لأن بيع ملك الغير باطل وقيل لا لأن ملك المستحقين غير مستقر إذ للمالك إخراج زكاة مالٍ من غيره أما بيع مال التجارة قبل أداء زكاته فجائز لأن الزكاة في عروض التجارة تتعلق بالقيمة فلا يفوت البيع.
تنبيه: قال الجرجاني ولكل من الشريكين اخراج الزكاة من المشترك بغير إذن الآخر لأن نية أحدهما تغني عن نية الآخر ولا ينافيه قول الرافعي: كل حق يحتاج لنية لا ينوب فيه أحدٌ إلا بإذن لأن محل ذلك في غير الخليطين لأن الخلطة تجعل المالين كمال واحد ولو نذر التصدق بشيء قبل الحول أو تعين الكفارة سقطت زكاة ذلك القدر ويزكي الباقي إن بلغ نصاباً أما لو كان النذر أو الكفارة بعد الحول فلو يسقط من زكاة الجميع شيء

كتاب الصيام
هو لغة الإمساك قال تعالى حكاية عن مريم: [إني نذرت للرحمن صوماً] مريم:26 أي إمساكاً وسكوتاً عن الكلام وشرعاً إمساك عن المفطرات جميع النهار وفُرِضَ صيام رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة وهو من خصوصيات هذه الأمة والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام] البقرة:183 وأخبار منها.
"بني الإسلام على خمس": متفق عليه من حديث ابن عمر أنه (ص) قال للأعرابي الذي سأله عن الإسلام فذكر له صوم شهر رمضان وقال هل عليَّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع متفق عليه من حديث طلحة بن عبيد الله.
حديث ابن عمر: أن النبي (ص) ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" متفق عليه. حديث أبي هريرة أن النبي قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم [أي غمّ] فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" متفق عليه وهذا لفظ البخاري..
(يجب صوم رمضان بإكمال عدة شعبان ثلاثين أو رؤية الهلال) للحديث صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبَّ عيكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين متفق عليه.
قال الدارمي: ومن رأى هلال شعبان: ولم يثبت "عند الإمام" ثبت رمضان "عند باستكمال شعبان ثلاثين يوماً أي وجب عليه صومه أو برؤية الهلال بعد الغروب لا بواسطة وأفهم الحديث "صوموا لرؤيته" أنه لا يجب بقول منجم أما قوله تعالى: [وبالنجم هم يهتدون] أي الاهتداء إلى الجهات في السفر والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجم ولا عبرة بقول من قال: أخبرني النبي (ص) في النوم بأن أول رمضان هذه الليلة فلا يصح الصوم بقوله إجماعاً قاله عياض لفقد الرؤية الحسية وتثبت بالشهادة على الشهادة بالرؤية (وثبوت رؤيته) تحصل (بعدل) واحدٍ فقد روى أبو داود وابن حبان عن ابن عمر أنه قال: أخبرتُ النبيَ (ص) أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه (وفي قول عدلان): أي لا يثبت رؤية الهلال بعدل فلابد من عدلين كبقية الشهور وقد نص على ذلك الشافعي في الأمِّ: لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان ونصر هذا القول الإمام الاسنوي والمذهب هو الأول فقد نقل الزركشي عن الصيمري أنه قال: إن صح أن النبي (ص) قبل شهادة الأعرابي وحده أو شهادة ابن عمر قُبل الواحد ولا فلا يقبل أقل من اثنين وقد صح كل منهما، وعندي أن مذهب الشافعي قبول الواحد وإنما رجع إلى الاثنين بالقياس لمّا لم يثبت عنده في المسألة سُنّةٌ فإنه تمسك للواحد بأثر عن علي ولهذا قال في المختصر ولو شهد برؤيته عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر فيه. ا.هـ
وأما حديث الأعرابي فقد روى الحاكم وصححه ابن حبان عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي (ص) فقال إني رأيت هلال رمضان فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله قال: نعم قال أتشهد أني رسول الله؟ قال نعم قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً (وشرط الواحدِ صفةُ العدولِ في الأصح لا عبدٍ وامرأةٍ) فليسا في العدول في الشهادة ولأن رؤية الهلال من قبيل الشهادة لا الرواية والشهادة هنا شهادة حسبة فلا تحتاج إلى دعوى وإن اختصت بأن تكون عند قاضٍ ينفذ حكمه فيقول الرائي: أشهد أني رأيت الهلال ولابد للقاضي من القول: ثبت عندي أو حكمت بشهادته وذلك لخبر ابن عمر السابق حيث أخبر النبي بالرؤية فأمر الرسول بالصوم ولا تجوز لمن لم يره الشهادة برؤيته وإن استفاض عنده الخبر ويلزم الفاسقَ ومن لا يُقْبَلُ العملُ برؤية نفسه الصومُ (ولو صمنا بعدل ولم نرَ الهلال بعد ثلاثين أفطرنا في الأصح) لأن الشهر يتم بمضي ثلاثين ولأن الشروع في الصوم كالحكم بصحته ولأن الشيء قد يثبت ضمنا ًبما لا يثبت به مقصوداً كالنسب والأرث فلا يثبتان بالنساء وإنما يثبتان ضمناً بإثبات الولادة الثابتة بالنساء وكذلك رؤية هلال رمضان ومضي ثلاثين يوماً تثبت هلال شوال (وإن كانت السماء مصحية) فإن الفطر يثبت دفعاً لقول من قال هذا في الغيم فقط (وإذا رؤي ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح والبعيد مسافة القصر وقيل) البعد (باختلاف المطالع قلت هذا أصح والله أعلم) لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، وقوله المطالع يشمل المغارب أيضاً والمعنى أن يكون طلوع الشمس أو الفجر أو الكواكب أو غروبها في مكان متقدماً على مثله في محل آخر أو متأخراً عنه فتتأخرُ رؤيته في بلد عن رؤيته في بلد آخر أو تتقدم عليه وذلك متسبب عن اختلاف خطوط الطول فمتى تساوى خط الطول في بلدين لزم من رؤيته في إحداهما رؤيته في الآخر وإن اختلف خط العرض ومتى اختلف طولاهما امتنع تساوي المطالع فيها ويلزم من رؤيته في البلد الشرقي رؤيته في الغربي لأن الليل يأتي متأخراً من الشرقي دون العكس فإذا رؤي في مكة ألزم أهل مصر والمغرب ولا عكس وما ذكر خلاف ذلك فلا يعول عليه على أن ننتبه إلى أمر وهو أن الصوم مرتبط بالرؤية كما أشرنا وليس بالوجود إذ قد يمنع مانع من الرؤية والمدار عليها (وإن لم نوجب) الصوم (على البلد الآخر فسافر إليه من بلد الرؤية فالأصح أنه يوافقهم في الصوم آخراً) لأنه بالانتقال إليهم صار منهم لخبر مسلم عن كُريب قال: استهل عليَّ رمضانُ وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة فرآه الناس فصام معاوية ثم قَدِمتُ المدينةَ في آخر الشهر فأخبرت ابن عباس بذلك فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله (ص) قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (ومن سافر من البلد الآخر إلى بلد الرؤية عيّدَ معهم وقضى يوماً) هذا إذا عيدوا التاسع والعشرين من صومه لأن الصوم شهر والشهر لا يكون ثمانيةً وعشرين يوماً (ومن أصبح معيداً فسارت سفينته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام فالأصح أنه يمسك بقية اليوم) لأنه صار مثلهم.
فروع:
(1) قال في المنهج ولا أثر لرؤية الهلال نهاراً أي لا هو لليلة الماضية فيفطر ولا للمستقبلة فيثبت به رمضان أي أن رؤية الهلال نهاراً لا تغني عن رؤيته بعد الغروب.
(2) روى أبو داود والدارمي وابن حبان أن النبي (ص) كان يدعو عند رؤية الهلال فيقول: الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله. وفي رواية: هلال خير ورشد آمنت بمن خلقك..
فصل في النية وتوابعها
(النية شرط للصوم) أي لابد منها لصحته كما أنها ركن فيه كالإمساك داخلة في ماهيته لقول النبي (ص) "إنما الأعمال بالنيات" ومحلها القلب ولا تكفي باللسان ولا يشترط التلفظ بها قطعاً ولا يكفي عنها التسحر ما لم يخطر بباله الصوم فإن خطر بباله الصوم أثناءه أو قبله أو بعده وقبل الفجر أجزأت (ويشترط لفرضه التبيت) للنية أي إيقاعها ليلاً أي ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر قال (ص): من لم يُجْمِعِ الصيام قبل الفجر فلا صيام له ويروى من لم ينو الصيام من الليل فلا صيام له رواه أحمد وأبو داود والدارقطني والنسائي وغيرهم عن حفصة (والصحيح أنه لا يشترط النصف الآخر من الليل) للنية لأن الحديث لم يحدد جزءاً من الليل (و) الصحيح (أنه لا يضر الأكل والجماع بعدها) لأن الله سبحانه وتعالى أباح الأكل والشرب إلى طلوع الفجر ويباح بعد النية وقبل الفجر كل مفطر إلا الردة لأنها تزيل الأهلية لكل وجوه العبادة فتزيل النية (و) الصحيح (أنه لا يجب التجديد إذا نام ثم تنبه) قبل الفجر لأن النوم لا ينافي الصوم (ويصح النفل بنية قبل الزوال وكذا بعده في قول) والراجح المنع بعد الزوال فقد روى مسلم عن عائشة أنه (ص) كان يدخل على بعض أزواجه فيقول هل من غداء؟ فإن قالوا: لا قال: فإني صائم والغداء اسم لما يؤكل قبل الزوال والعشاء اسم لما يؤكل بعده ومن قال بجواز النية بعد الزوال فقد سوى بين ساعات النهار وَرُدَّ بأنه إذا كانت النية بعد الزوال فقد خلا أكثر العبادة عن النية أي أكثر من نصف النهار (والصحيح اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) أي سواء كانت النية قبل الزوال أو بعده فيشترط لصحة الصوم أن يخلو اليوم من الفجر عن كل مفطر وإلا لم يحصل مقصود الصوم (ويجب التعين في الفرض) سواء في ذلك رمضان والنذر والكفارات قال في شرح المهذب هكذا أطلقه الأصحاب ففي رمضان يجب عليه أن ينوي كل ليلة من رمضان أنه صائم غدا ًولا يجب تعين سبب الكفارة وكذلك النذر لأنه عبادة مضافة إلى وقت فوجب التعيين كالمكتوبة نعم لو تيقن أن عليه صوم يوم وشك أهو قضاء أو نذر أو كفارة اجزأه نية الصوم الواجب للضرورة والفرق بينه وبين الصلاة أن الأصل في الصوم براءة الذمة وفي الصلاة وجوب انشغال الذمة وأما في النفل فيصح بنية مطلقاً أما ما له سبب من النوافل كعرفة وعاشوراء وأيام البيض وستة من شوال وصلاة الاستسقاء قال في المجموع يشترط التعيين وأجيب عليه بأن الصوم في الأيام المذكورة منصرف إليها بل لو نوى به غيرها حصل أيضاً كتحية المسجد لأن المقصود وجود صومها فيكون التعيين شرط كمال لحصول الثواب لا لأصل الصحة (وكماله) أي التعيين (في رمضان أن ينوي صوم غَدٍ عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى) قال صاحب الأنوار ولابد أن تخطر في الذهن صفات الصوم مع ذات الصوم ثم يضم القصد إلى ذلك المعلوم وذكر الفرض لتتميز عن أضدادها كالقضاء والنفل ونحو النذر (وفي الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى الخلاف المذكور في الصلاة) وصحح في المجموع عدم اشتراط ذكر هذه الأشياء لأن الصوم لا يقع من البالغ إلا فرضا ًبخلاف الصلاة المعادة فهي نفل أي أن اشتراط الفرضية في الصلاة دون الصوم هو المعتمد.(والصحيح أنه لا يشترط تعيين السَّنَةِ) كما لا يشترط الأداء لأن المقصود منها واحد كما أن معنى الأداء يغني عن ذكر السنة كما أن تعيين اليوم يغني عن قوله "غدٍ" (ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدٍ من رمضان إن كان منه فكان منه) وصامه (لم يقع عنه) حتى ولو قال بعد ذلك وإن لم يكن منه فهو تطوع عن شعبان –لعدم الجزم بالنية- إذ الأصل بقاء شعبان وجزمه به عن غير أصل لا عبرة به (إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء) لظنه حال النية أنه من رمضان لأن للظن هنا حكم اليقين والصبيان الرشداء هم الذين لم يجرب عليهم الكذب والذين يعون ما يقولون (ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم غدٍ إن كان من رمضان أجزأه إن كان منه) لأن الأصل بقاء رمضان كمن قال هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالماً فبان سالماً أجزأته (ولو اشتبه) رمضان على نحو محبوس (صام شهرا بًالاجتهاد) كما يجتهد بالقبلة للصلاة والوقت لها فلو صام بلا اجتهاد لم يجزئه لتردده أما التحير فلا يضر ولو لم يعلم الليل من النهار كسجين في زنزانة أو أقبية ظلمة لزمه التحري والصوم ولا قضاء إن لم يتبين له شيء (فإن) بان له الحال وأنه وافق رمضان اجزأه ووقع أداء أو (وافق ما بعد رمضان اجزأه) والخطأ في ايقاع القضاء بدل الأداء والعكس لعذر جائز كما ذكرناه في الصلاة (وهو قضاء على الأصح) لوقوعه بعد رمضان (فلو نقص) الشهر الذي صامه بالاجتهاد (وكان رمضان تاماً لزمه يوم آخر) بناءً على أنه قضاء أما إذا وافق صومه شوالاً حسب له تسعة وعشرون يوماً إن كَمُل وإلا فثمانية وعشرون أو وافق ذي الحجة حسب له ستة وعشرون يوما ًإن كمل وإلا خمسة وعشرون لحرمة صيام يوم العيد وأيام التشريق أو عدم انعقادها (ولو غَلَطَ) في اجتهاده وصومه (بالتقديم وأدرك رمضان) بعد تبين الحال (لزمه صومه) لتمكنه من ذلك (وإلا فالجديد وجوب القضاء) أي إذا تبين الحال ولو بعد زمن. وفي القديم لا يقضي لوجود العذر والمذهب القطع بوجوب القضاء لأنه أدى العبادة قبل وقتها (ولو نوت الحائض صوم غدٍ قبل انقطاع دمها ثم انقطع ليلا ً صح إن تمَّ لها أكثر الحيض) مُبْتَدأة كانت أم معتادة لجزمها بأن غداً كله طهر وإن كان ظهر دم بعد أكثر الحيض والذي انتهت مدته ليلاً فلا يضر لأنه دم فساد (وكذا قدر العادة في الأصح) إذا كانت عادتها لم تختلف وهي دون أكثره لأن الظاهر استمرار عادتها فكانت نيتها مبنية على أصل صحيح وحكم النفاس كحكم الحيض.
فصل في بيان المفطرات
للصيام شروط من حيث الفعل ومن حيث الفاعل (شرط الصوم) من حيث الفعل (الامساك عن الجماع) فالإمساك عن الجماع شرط للصحة إجماعاً فيفطر به وإن لم ينزل إن علم وتعمد واختار أما المكره والناسي فلا يفطر والمراد هنا بالشرط ما لابد منه ليصح الصوم لا لشرط الاصطلاحي (والاستقاءة) من عامد عالم مختار لما روى مالك في الموطأ والشافعي في الأم وغيرهما عن ابن عمر موقوفاً "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء" ولخبر ابن حبان وغيره عن ابي هريرة "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض" ومعنى ذرعه أي غلبه ومن الاستقاءة نزعه لخيط ابتلعه ليلاً (والصحيح أنه لو تيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه بطل) صومه بناءً على الأصح أن الاستقاءة مفطرة لنفسها لا لرجوع شيء إلى الجوف فأشبهت الإنزال للخبر السابق (وإن غلبه القيء فلا بأس) أي لم يضر للخبر السابق (وكذا لو اقتلع نخامة ولفظها) أي أخرج النخام من جوفه أو رأسه ورماها فلا يتأثر صومه بذلك لأن الحاجة إلى ذلك تتكرر (في الأصح) أما إذا نزلت من محلها من الباطن إليه أو قلعها بسعال أو غيره فلفظها فإنه لا يفطر والباطن عند الفقهاء هو الجوف وعبر عنه بعضهم بأنه مخرج الهاء والهمزة. وأما الظاهر فهو مخرج الخاء (فلو نزلت من دماغه وحصلت في حد الظاهر من الفم فليقطعها من مجراها وليمجها فإن تركها مع القدرة فوصلت الجوف أفطر في الأصح) لتقصيره أما إذا لم تصل إلى الظاهر أو وصلت إليه ولم يقدر على قطعها ومجها لم تضر والدماغ هو الرأس ومعنى نزلت من دماغه أي انصبت من الثقبة النافذة إلى الفم من الرأس والتي فوق الحلقوم (وعن وصول العين إلى ما يسمى جوفاً) أي وعليه أن يمتنع عن وصول أي عين كانت وإن صغرت إلى ما يسمى جوفاً لأن فاعل ذلك لا يسمى ممسكا ًوالصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف بخلاف وصول أثر العين كالطعم والرائحة فلا يضر وخرج بالجوف الظاهر فلو داوى جرحاً في يده أو ساقه فوصل الدواء إلى داخل المخ أو اللحم فلا يفطر به لأنه ليس بجوف (وقيل يشترط مع هذا أن يكون فيه قوة تحيل الغذاء والدواء) أي مع كون الواصل إلى الجوف أن تكون في الجوف قوة تحيل الغذاء والدواء إلى ما ينتفع به لأن ما لا تحيله وتبقيه على حاله لا ينتفع به البدن فكان الواصل إليه كالواصل لغير الجوف (فعلى الوجهين باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مفطر بالاستعاط أو الأكل أو الحقنة) أي أن الذي يضر الصوم ويبطله هو وصول عين إلى الجوف عن طريق الأنف إلى الرأس وعن طريق الفم إلى الجوف وعن طريق الحقنة أي دخول الدواء عن طريق الأحليل والدبر (أو الوصول من جائفة أو مأمومة ونحوها) لأنه جوف محيل (والتقطير في باطن الأذن والإحليل مفطر في الأصح) والجائفة هي الجرح في البطن الموصل إلى الجوف والمأمومة في الرأس فوصول الطعام من الجائفة وإن لم يصل باطن الأمعاء وكذا لو وصل من المأمومة إلى خريطة الدماغ وهي الغشاء الذي يلف الدماغ وكذلك التقطير في الإحليل وهو الذكر مفطر ويطلق أيضاً على حلمة الثندي لأنهما من الجوف ويقيل لا ... لأنهما غير محيلين وكذلك لو أدخل أصبعه في دبره أو قبلها أو دبرها بشرط مجاوزته ما يجب غسله من الدبر أو ما يظهر من فرجها عند جلوسها لحاجتها وهو ما يجب غسله (وشرط الواصل كونه من منفذ مفتوح فلا يضر وصول الدهن بتشرب المسام) كما لو طلى رأسه أو بطنه أو اغتسل بالماء والصابون وإن وجد له أثراً في باطنه من رطوبة أو رائحة أو طعم (ولا الاكتحال وإن وجد طعمه بحلقه) وكذا إن وجد لونه في نخامته لأن حكم الواصل بين العين والحلق هو حكم المسام في الجلد خلافاً للواصل من الأنف والأذن لوجود المنفذ المفتوح إلى الجوف كما ذكرنا فقد روى ابن ماجة والبيهقي عن عائشة أنه (ص) اكتحل في رمضان وهو صائم قال النووي في شرح المهذب رواه ابن ماجة بسند ضعيف (وكونه بقصد) أي كون الواصل مقصوداً (فلو وصل جوفه ذباب أو بعوضة أو غبار الطريق أو غربلة الدقيق لم يفطر) لأن ذلك يعسر حتى ولو فتح فاه عمداً لأن الداخل قليل لا اعتبار به ولو خرج مقعد مَنْ به باسور فرده لم يفطر أيضاً لاضطراره إليه (ولا يفطر ببلع ريقه من معدنه) أي إذا لم يختلط به ريق غيره لأنه يستحيل التحرز منه ومنبع الريق من تحت اللسان أما ابتلاع ريق غيره فمفطر جزماً أما خبر أنه كان يمصُّ لسان عائشة وهو صائم فقد قال الحافظ ابن حجر وفيه يحيى المعرقب وهو ضعيف قال ابن الاعرابي بلغني عن أبي داود أنه قال: هذه الرواية ليست بصحيحة أ.هـ (فلو خرج عن الفم) أي ريقه لا على لسانه (ثم رده وابتلعه) أي ردَّ لعابه الخارج منه (او بل خيطا ًبريقه ورده إلى فمه وعليه رطوبة أو ابتلع ريقه مخلوطا ًبغيره) كمن فتل خيطاً مصبوغاً فتحلل بريقه فتغير به ريقه (أو) ابتلعه (متنجساً) كمن كان في فمه دم فأخرجه بنحو سواك ثم أدخله فمه فإنه يفطر به أما إذا أخرجه على لسانه ثم ردَّ وابتلعه فإنه لا يفطر لأنه لم ينفصل عن الفمِّ إذ اللسان كداخل الفم (أفطر) كما ذكرنا في المسائل الأربع لأنه لا حاجة لردِّ الريق وابتلاعه (ولو جمع ريقه فابتلعه لم يفطر في الأصح) لأن اللسان كيفما تقلب فمعدود من الجوف وحكمه حكم ابتلاع اللعاب متفرقاً (ولو سبق المضمضةُ أو الاستنشاقُ إلى جوفه فالمذهب أنه إن بالغ) مع تذكره للصوم (أفطر) لأن الصائمَ منهيٌ عن المبالغة لما روى أبو داود والنسائي عن لقيط بن صبرة "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" (وإلا فلا) أي إن لم يبالغ فلا يفطر إلا إن تجاوز المشروع كأن تمضمض أكثر من ثلاث (ولو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه) فإن قدر على مجه فابتلعه أفطر (ولو أُوجِرَ) أي صب في حلقه طعام (مكرهاً لم يفطر) لأنه لم يفعل ولم يقصد (فإن أكره حتى أكل أفطر في الأظهر) لأنه دفع بالأكل الأذية عن جسمه من المكره كمن أكل لسد الجوع وقيل لا يفطر لعدم الاختيار (قلت الأظهر لا يفطر والله أعلم) لرفع القلم عنه (وإن أكل ناسياً لم يفطر) لخبر الصحيحين عن أبي هريرة "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" (إلا أن يُكْثِرَ في الأصح) لأن الإكثار يندر فيه النسيان (قلت الأصح لا يفطر والله أعلم) لعموم الحديث (والجماع كالأكل على المذهب) فلا يفطر به إن كان ناسياً وقيل فيه قولان (و) شرط الصوم الامساك (عن الاستمناء فيفطر به) لأن الإيلاج من غير إنزال مفطر وهذا أولى أما لو كان حك ذكره لعارض أصابه فأنزل لم يفطر (وكذا خروج المني بلمس وقبله ومضاجعة) معها مباشرةُ شيء من بدنِ مَنْ ضاجعه بخلاف ضم امرأة مع حائل فلا يفطر به ولو قبلها صائماً ثم فارقها ثم أنزل من غير استصحاب الشهوة فلا يفطر أما لو كان مستصحباً للشهوة والذكر منتصباً فيفطر (لا الفكر والنظر بشهوة) ولو كررها لانتفاء المباشرة فإنه أشبه بالاحتلام (وتكره القبلة لمن حركت شهوته) خوف الإنزال (والأولى لغيره تركها) أي لمن لا تحرك شهوته عادة لأنها قد تحرك شهوته عندها ولأن الصائم يُسن له ترك الشهوات ولم تكره لندور أدائها إلى الإنزال (قلت هي كراهة تحريم في الأصح والله أعلم) لأن فيها تعريضاً لإفساد العبادة لخبر الصحيحين "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
وروي البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة أنه (ص) رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب.
وروى الشيخان عن عائشة أن رسول الله (ص) كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وكان أملككم لإرْبه أي عضوه وأما من ذكره بالفتح "لأرَبه" فالمعنى لحاجته.
(ولا يفطر بالفصد والحجامة) لخبر البخاري عن ابن عباس أنه (ص) احتجم وهو صائم مُحْرِمٌ في حجة الوداع ورواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي.
قال الحافظ ابن حجر دون قوله "في حجة الوداع" فإنا لم ترها صريحة في شيء من الأحاديث لكن لفظ البخاري: "احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم" ولا يمنع اجتماع الصوم والإحرام فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله (ص) صام في رمضان وهو مسافر "وما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة" وحديث ابن عباس متأخر عن الحديث المتواتر "أفطر الحاجم والمحجوم" فهو ناسخ له كما بين ذلك الإمام الشافعي في الأم.
(والاحتياط أن لا يأكل آخر النهار إلا بيقين) لخبر "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" كسماع أذان أو رؤية غروب للشمس أو اعتماد على ساعة وتقويم منضبطين عادة (ويحل بالاجتهاد في الأصح) فقد كان (ص) إذا كان صائماً أمر رجلاً فأوفى على نشز (أي وقف على مرتفع) فإذا قال قد غابت الشمس أفطروا ومثل ذلك التوقيت والأذان والمدفع. (ويجوز) الأكل (إذا ظنَّ بقاء الليل قلت وكذا لو شك فيه والله أعلم) لأن الأصل بقاء الليل (ولو أكل باجتهاد أولاً وآخراً) أي قبل الفجر في ظنه أو بعد الغروب في ظنه أي آخر النهار (وبان الغلط بطل صومه) إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه فإن لم يبن شيء صح صومه (أو بلا ظن) أي هجم على الطعام وغيره من المفطرات من غير أمارة (صح إن وقع) الأكل في أول النهار لأن الأصل بقاء الليل (وبطل) إن وقع الأكل (في آخره) لأن الأصل بقاء النهار (ولو طلع الفجر وفي فمه طعام فلفظه صح صومه) وإن ابتلع منه شيئا ًمنه أفطر أما إذا سبق شيء إلى جوفه فلا يفطر (وكذا لو كان عند طلوع الفجر مجامعاً فنزع في الحال) صح صومه وإن أنزل لتولده من مباشرة مباحة (فإن مكث) مجامعاً (بطل) صومه وهنا نفرق بين أمرين إذا علم الفجر بنحو أذان واستمر لم ينعقد صومه وعليه القضاء دون الكفارة إن علم بطلان صومه أو طلع الفجر وهو مجامع أما إذا أمكنه النزع فلم ينزع واستمر في جماعه فعليه القضاء والكفارة.

فصل: في شروط الصوم من حيث الفاعل
ثم بدأ بشروط الصوم من حيث الفاعل أي الشروط التي يجب تحققها في الفاعل حتى يصح صومه فقال: (شرط الصوم الإسلام) فلا يصح من الكافر أصلياً أو مرتداً (والعقل) أي التمييز فيصح صوم المميز ولا يصح صوم المجنون (والنقاء عن الحيض والنفاس جميع النهار) فلو ارتد أو جن أو حاضت أو نَفِسَتْ في أثناء النهار بطل الصوم (فلا يضر النوم المستغرق) للنهار (على الصحيح) لأن النوم لا يخرج الإنسان عن أهلية الخطاب ويوجب النوم قضاء الفوائت في الصلاة دون الإغماء (والأظهر أن الإغماء لا يضر إذا أفاق لحظة من نهاره) اكتفاء بالنية مع الإفاقة قبل الفجر قال المتولي في التتمة ولو شرب المسكرَ ليلاً وبقي سكره جميع النهار لزمه القضاء وإن صحا في بعض النهار فهو كالإغماء في بعض النهار أي لا قضاء عليه وقال في الروضة لو شرب دواء ليلا فزال عقله نهاراً "وهو يعلم زوال عقله" ففي التهذيب إن قلنا لا يصح الصوم في الإغماء أي أنه مغلوب فهنا أولى (ولا يصح صوم العيد وكذا التشريق) أي أيامه الثلاثة بعد يوم الأضحى (في الجديد) لخبر الشيخين عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر أن النبي (ص) نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى وقد روى أبو داود من طريق أبي مرة مولى امِّ هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص فقرّبَ أبوه طعاما ًفقال كُلْ قال: إني صائم فقال عمرو كُل فهذه الأيام التي كان ينهانا عن صيامها ويأمرنا بإفطارها قال مالك وهي أيام التشريق وأخرج أبو يعلي في مسنده عن زيد بن خالد الجهني قال: أمر رسول الله (ص) رجلاً فنادى في أيام التشريق: ألا إن هذه الأيام أيام أكل وشرب ونكاح وفي مسلم "أنها أيام أكل وشرب وذكر الله عزَّ وجلَّ" وفي القديم يجوز صيام أيام التشريق رخصة للمتمتع لا يجد الهدي لما روى البخاري عن عائشة وابن عمر قالا: "لم يُرَخَصْ في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي" (ولا يحل التطوع يوم الشك بلا سبب) للصوم. لحديث عمار بن ياسر "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (ص)" رواه اصحاب السنن وابن حبان والدارقطني وعلقه البخاري في صحيحه عن صِلَةَ بن زفر (فلو صامه) بلا سبب (لم يصحْ في الأصح) وقيل يصح لأنه لا مانع لصومه في الجملة كما قال (وله صومه عن القضاء والنذر) ولو لقضاء نفل أو فرض أو عن نذر كأن نذر صوم يوم كذا فوافق يوم الشك أما إذا نذر صوم يوم الشك فلا ينعقد صومه ويجوز أن يصومه عن الكفارة مسارعة لبراءة ذمته ولأن له سببا ًفجاز كالصلاة في الوقت المكروه على ألا يتحراه (وكذا لو وافق عادة تطوعه) كأن اعتاد صوم الاثنين والخميس أو صوم يوم وفطر يوم فوافق يوم الشك لخبر الصحيحين: لا تَقَدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجلٌ كان يصوم صوماً فليصمه. رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة (وهو) أي يوم الشك الذي يحرم صومه (يوم الثلاثين من شعبان) إذا تحدث الناس برؤيته (أي تحدث جمع من الناس أنهم رأوا الهلال والسماء مصحية ولم يشهد أحد برؤيته أو شهد به من لا تقبل شهادتهم كالفساق أو العبيد أو النساء ووقع في النفس صدقهم (أو شهد بها صبيان أو عبيد أو فسقه) ولم نكتف بشهادتهم فلا يصح صوم هذا اليوم لكونه من النصف الثاني من شعبان (وليس إطباق الغيم بشك) لأنا تعبدنا فيه بإكمال شعبان ثلاثين لقوله (ص) "فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" ولا أثر ولا اعتبار لظننا رؤيته لولا السحاب (ويسن تعجيل الفطر) إذا تيقن غروب الشمس وتقديمه على الصلاة على أن يكون الفطر (على تمر وإلا فماء) لخبر "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه من حديث سهل بن سعد وروى أحمد عن أبي ذرٍّ "قال الله عز وجل أحب عبادي عليَّ أعجلهم فطراً" وروى أحمد وأصحاب السنن من حديث سلمان بن عامر "من وجد التمر فليفطر عليه ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء فإنه طهور. (وتأخير السحور) لما روى أحمد في مسنده "ولا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور" رواه أحمد عن أبي ذر. ويدخل وقت السحور بنصف الليل ويحصل أصل السنة ولو بجرعة ماء وحكمته التقوي على الصوم ومخالفة أهل الكتاب فقد أخرج ابن حبان عن أبي هريرة "تسحروا ولو بجرعة ماء" (وليصن لسانه عن الكذب والغيبة) لخبر البخاري "من لم يدعْ قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" ولخبر الصحيحين الصيام جنة فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفُثْ ولا يضجر فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم هذا لفظ البخاري عن أبي هريرة أي ليقل في نفسه لنصبر ولا نشاتم أو يقولها لمن سابه على سبيل الوعظ (ويستحب أن يغتسل عن الجنابة ونحوها) كحيض ونفاس ليكون طاهراً من أول الصوم (وأن يحترز عن الحجامة) من حاجم ومحجوم ومثله الفصد لأنها يضعفان الصائم وخروجاً من خلاف من منعهما (والقبلة) كراهة الوقوع في المحذور (وذوق الطعام والعَلْك) لأنه يجمع الريق فإذا ابتلعه أفطر والكلام في علك لم تنفصل منه عين إذا مضغ وذلك أن لا تكون فيه رطوبة ولا حلاوة ولا طيب وإلا فهو مفطر قطعاً.
(ويسن أن يقول عند فطره اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) للاتباع فقد روى أبو داود والنسائي والدارقطني والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر ومن حديث معاذ بن زهرة أن النبي كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت – ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله – واللفظ لأبي داود (وأن يكثر الصدقة وتلاوة القرآن في رمضان وأن يعتكف لاسيما في العشر الأواخر منه) فقد روى الشيخان عن ابن عباس قال: كان رسول الله (ص) أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان وأن جبريل كان يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله (ص) القرآن.
وروى الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله (ص) كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله. والاعتكاف صيانة للنفس عن الشهوات وتزود بالطاعات ورجاء أن يصادف ليلة القدر.

فصل في شروط وجوب الصوم وما يُبيح ترك الصوم
(شرط وجوب صوم رمضان العقل والبلوغ) كما في الصلاة (وإطاقته) حساً وشرعاً فلا يلزمُ عاجزاً بمرض أو كبر إجماعاً ولا يلزم حائضاً ولا نفساء لأنهما لا يطيقانه شرعاً (ويؤمر به الصبي) ذكراً كان أم أنثى أي يأمره به وليه وجوباً (لسبع إذا أطاق) وميز ويضربه على تركه إذا بلغ عشر سنين وأطاق (ويباح تركه للمريض) بل يجب (إذا وجد به ضرراً شديداً) قال تعالى:[ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] البقرة:165 وقال تعالى: [ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً] النساء:29 ولمن غلبه الجوع والعطش حكم المريض (و) يباح (للمسافر سفراً طويلاً مباحاً) ترك الصوم فإن تضرر بسفره فالفطر أفضل وإن لم يتضرر فالصوم أفضل فقد روى مسلم عن جابر "أن رسول الله (ص) خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب" وكراع الغميم وادٍ أمام عسفان.
وفي رواية لمسلم أن النبي (ص) أفطر في كراع الغميم بعد العصر. وروى الشيخان عن عائشة أن النبي (ص) قال لحمزة بن عمر الأسلمي وكان كثير الصيام وقد سأله أأصوم في السفر قال "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر".
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري "غزونا مع رسول الله (ص) لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعبْ الصائمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم" (ولو أصبح صائماً فمرض أفطر وإن سافر فلا) أي فيفطر بالمرض لأنه مقهور به وأما السفر فلا لأنه باختياره (ولو أصبح المسافر والمريض صائمين ثم أرادا الفطر جاز) بأن نوايا ليلاً ثم أرادا الفطر جاز لوجود سبب الفطر (فلو أقام وَشَفِيَ حَرُمَ الفِطْرُ على الصحيح) أي أقام المسافر وشفى المريض ولم يتناولا طعاماً حرم الفطر لانتفاء السبب (وإذا أفطر المسافر والمريض قضيا) لقوله تعالى: [فعدة من أيام أخر] البقرة:185 (وكذا الحائض) والنفساء إجماعاً فإنهما تقضيان الصوم دون الصلاة (والمفطر بلا عذر وتارك النية) يقضيان (ويجب قضاء ما فات بالإغماء) بخلاف الصلاة لأن الإغماء نوع مرض وفارق الصومُ الصلاةَ بمشقة تكرارها (والردة دون الكفر الأصلي) أي يجب قضاء ما فات بالردة لأنه التزم الإسلام بخلاف الكافر الأصلي فلا يجب عليه قضاء ما فات بالكفر ترغيباً في الإسلام (والصبا والجنون) فلا يجب قضاء ما فات بهما لعدم التكليف أما لو اتصل الجنون بالردة قضى جميع أيام الردة والجنون (ولو بلغ بالنهار صائماً) بأن نوى الصيام ليلاً (وجب إتمامه بلا قضاء) لأنه اصبح من أهل الوجوب (ولو بلغ) الصبي (فيه مفطراً أو أفاق) المجنون (أو أسلم) الكافر (فلا قضاء في الأصح) لأنهم لم يكونوا من أهل التكليف (ولا يلزمهم إمساك بقية النهار في الأصح) لأن فطرهم بعذر فأشبهوا المسافر (ويلزم من تعدى بالفطر أو نسي النية) الإمساك لتعديهم لأن النسيان ضرب من التقصير وعدم الاهتمام (لا مسافراً أو مريضاً زال عذرهما بعد الفطر) ومثلها الحائض والنفساء فلا يلزمهم الإمساك لأن زوال العذر كان بعد الترخص فلا أثر له فإن أكلا فليخفياه خوف التهمة أو خوف عقوبة السلطان (ولو زال) عذرهما قبل الأكل لكن لم ينويا ليلاً (فكذا على المذهب) لا يلزمها الإمساك لأن من أصبح تاركاً للنية فقد أصبح مفطراً ويستحب الإمساك حرمة للوقت (والأظهر أنه يلزم) أي الإمساك (من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان) لتبين وجوبه عليه والثاني لا يلزمه لعذره كمسافراً قدم بعد الأكل (وإمساك بقية اليوم من خواص رمضان بخلاف النذر والقضاء) لانتفاء شرف الوقت عنها بخلاف رمضان ولذا لا تجب كفارة بإفساد النذر والقضاء.

فصل في فدية الصوم
(من فاته شيء من رمضان فمات قبل إمكان القضاء) بأن مات في رمضان أو مات في اليوم الثاني من العيد أو استمر به نحو مرض أو حيض أو نفاس أو في سفره المباح (فلا تدارك له ولا إثم) لعدم تقصيره كمن لم يتمكن من الحج حتى مات أو من لم يملك نصاب زكاة فلم يزكي أو ملك النصاب ولم يَحُلْ الحول على النصاب أو مات قبل البلوغ فلم يصل (وإن مات بعد التمكن) من قضاء الصوم فلم يقضِ أَثم و (لم يصم عنه وليه في الجديد) لأن الصوم عبادة بدنية فلا تقبل نيابةً في حال الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة وفي القديم يصوم عنه وليه (بل يخرج من تركته لكل يوم مد ُّ طعام) وذلك لخبر "من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً" رواه الترمذي وصحح وقفه على ابن عمر وقال النووي في شرح مسلم تبعاً للماوردي إجماعاً. (وكذا النذر والكفارة) بأنواعها فيجري فيها ذات الحكم (قلت القديم هنا أظهر) من حيث ظاهر الدليل فقد روى الشيخان عن عائشة "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وقد تأوله المصححون للجديد بأن المراد أن يفعل وليه ما يقوم مقام الصيام وهو الإطعام ويؤيده خبر "التراب وضوء" لكونه بدله كما أن راوية الحديث عائشة تقول بالإطعام وبالقياس على الصلاة كما يأتي (والولي كل قريب على المختار) لخبر مسلم أن امرأة قالت للنبي (ص) إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها قال لها: صومي عن أمك فإذا اتفقت الورثة على أن يصوم واحد منهم جاز فإن تنازعوا صام كل واحد على قدر ميراثه (ولو صام أجنبي بإذن) الميت كأن أوصاه بذلك أو بأذن (الولي صح) ولو بأجرة كالحج (لا مستقلاً في الأصح) فإن صام بلا إذن فلا يجزئ صومه وفارق الحج لأن للمال دخل في الحج فأشبه قضاء الدين بخلاف الصلاة والصوم (ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يفعل عنه ولا فدية) تجزئ عنه لعدم ورود ذلك بل نقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يُصلى عنه (وفي الاعتكاف قول والله أعلم) نقله البويطي عن النص قياساً على الصوم لأن كلاً منهما كف ومنع (والأظهر وجوب المدِّ على من أفطر للكبر) أو المرض الذي لا يرجى بُرْؤهُ ولا قضاء لعموم قوله تعالى: [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] البقرة:184 فقد روى البخاري أن عائشة وابن عباس كان يقرأن قوله تعالى: [وعلى الذين يطوّقونه] أي يكلفونه فلا يطيقونه ولو قدر بعد على الصوم لم يلزمه القضاء لأن العاجز بالهرم مخاطب ابتداءً بالفدية.
(وأما الحامل والمرضع فإن أفطرتا) ابتداءً (خوفاً على نفسيهما وجب القضاء بلا فدية) كالمريض يقضي ولا كفارة (أو) افطرتا خوفاً (على الولد لزمتهما الفدية في الأظهر) وهي مدٌّ من طعام وإن تعدد الولد أخذاً من قوله تعالى: [وعلى الذين يطيقونه فدية] قال ابن عباس إنها باقية بلا نسخ بحقهما رواه البيهقي عنه (والأصح أنه يلحق بالمرضع من أفطر لإنقاذ مشرف على هلاك) بغرق أو حرق أو نحوهما ولم يتمكن من إنقاذه إلا بالفطر فحكمه حكم المرضعة لأن الفطر كان بسبب الغير لا بسبب النفس (لا المعتدي بفطر رمضان بغير جماع) فلا تلزمه الفدية بل عليه القضاء فقط لأنه لم يرد والفدية لحكمة استأثر الله تعالى بها ومن ثم لم ترد في الردة في رمضان ولا في غيره كفارة مع أنها أفحش من الوطء لكن يعزر تعزيراً يليق به. (ومن أخر قضاء رمضان مع إمكانه) بأن كان مقيماً صحيحاً (حتى دخل رمضان آخر لزمه مع القضاء لكل يوم مدٌ) من طعام فقد أفتى بذلك ستة من الصحابة منهم علي وجابر والحسين بن علي ذكرهم صاحب المهذب ولم يعرف لهم مخالف وحكى الطحاوي عن يحيى بن أكثم مثل ذلك وروى الدارقطني عن أبي هريرة من أدرك رمضان فافطر لمرض ثم صح لم يقضه حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه ثم يقضي ما عليه ثم يطعم عن كل يوم مسكيناً قال الحافظ ابن حجر وفيه عمر بن موسى بن وجيه وهو ضعيف جداً قال البيهقي: وروي موقوفاً على رواية بسند صحيح (والأصح تكرارة بتكرار السنين) أي يتكرر بمرور سنوات فلو مر رمضان مرتين فمدان لأن الحقوق المالية لا تتداخل (و) الأصح (أنه لو أخر القضاء مع إمكانه) حتى دخل رمضان آخر (فمات أخرج من تركته لكل يوم مدان مدٌ للفوات ومد للتأخير) لأن كلاً منها واجب عليه عند الانفراد فكذا عند الاجتماع أما الهَرِمَ إذا لم يخرج الفدية أعواماً فإنها لا تتكرر لأن المد للفوات (ومصرف الفدية الفقراء والمساكين) لأن المسكين ذكر في الآية: [طعام مسكين] البقرة:184 والفقير أسوأ حالاً منه فلا تعطى الفدية لبقية أصناف الزكاة (وله صرف أمداد إلى شخص واحد) ولا يجوز صرف مد منها إلى شخصين لأن المدَّ فدية تامة (وجنسها جنس الفطرة) فيعتبر غالب قوت البلد.

فصل في بيان كفارة جماع رمضان
(تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم) في رمضان لخبر الصحيحين عن أبي هريرة: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال هلكت قال وما أهلكك؟ واقعت امرأتي في رمضان قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا قال فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال لا ثم جلس فأتى النبي (ص) بِعَرَقٍ فيه تمر فقال تصدق بهذا فقال على أفقر منّا يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها -أي جبليها- أهل بيت أحوج إليه منّا فضحك النبي (ص) حتى بدت أنيابه ثم قال اذهب فأطعمه أهلك والعَرَق مكتل ينسج من خوص النخيل. وفي رواية أبي داود فأتى بعَرَق تمر قدر خمسة عشر صاعاً (ولا كفارة على ناسٍ) ومُكْرَهٍ وجاهل لأن جماع الناسي لا يفسد الصوم فلا يوجب الكفارة.
(ولا مفسد غير رمضان) لأن النص ورد في رمضان فلا تلزم الكفارة بإفساد النفل أو النذر أو قضاء أو كفارة أو مفسد رمضان (بغير الجماع) كالأكل والشرب والاستمناء والمباشرة فيما دون الفرج لأن النص ورد في الجماع وما عداه ليس في معناه (ولا مسافر جامع بنية الترخص) فقد ربط الكفارة "بالجماع الآثم" فالمسافر غير آثم بجماعه (وكذا بغيرها في الأصح) لأن الأفطار مباح له فيصير شبهة في درء الكفارة (ولا على من ظنَّ الليل فبان نهاراً) فلا كفارة لأنها تسقط بالشبهة ولكن صومه يفسد وقد مرَّ سابقاً أنه لو طلع الفجر فعلم ونزع فلا شيء عليه وصيامه صحيح أما إذا علم واستدام فقد وجبت الكفارة (ولا على من جامع) عامداً (بعد الأكل ناسياً وظن أنه أفطر به وإن كان الأصح بطلان صومه) لأنه جامع وهو يعتقد أنه غير صائم ولكن صومه يبطل كمن جامع ظاناً بقاء الليل. (ولا من زنى ناسياً للصوم) لأنه لا كفارة على ناسٍ وصومه صحيح في الأصح (ولا على مسافر أفطر بالزنا مترخصاً) لأن فطره جائز وإثمه بالزنى لا بترك الصوم في سفره (والكفارة على الزوج عنه) أي عند الجماع في نهار رمضان لأنه المخاطب بها في الحديث السابق ولأنه غرم مالي يتعلق بالجماع فلا يجب على الموطأه كالمهر (وفي قول عنه وعنها) لاشتراكهما بالجماع ويتحملها عنها وفي قول عليها كفارة (أخرى) لأنهما اشتركا في الجماع فيستويان بالعقوبة كحد الزنا هذا إذا كانت صائمة وبطل صومها أما إن كانت حائضاً أو نفساء أو مريضة مفطرة أو نائمة فلا شيء عليها جزماً (وتلزم) الكفارة (من انفرد برؤية الهلال وجامع في يومه) لأنه يوم من رمضان باعتبار قوله (ومن جامع في يومين لزمه كفارتان) سواء كفر عن اليوم الأول أم لا بخلاف من جامع مرتين أو أكثر في يوم واحد فعليه كفارة واحدة لأنه جامع الثانية وغيرها في يوم هو فيه غير صائم (وحدوث السفر بعد الجماع لا يسقط الكفارة وكذا المرض على المذهب) لأنه كان من أهل الوجوب حال الجماع (ويجب معها قضاء يوم الإفساد على الصحيح) لأنه إذا وجب على المعذور القضاء فعلى غيره أولى وروى أبو داود أن النبي (ص) أمر بها المجامع وفي مقابله دخلت في الكفارة (وهي) أي الكفارة (عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) للخبر السابق (فإذا عجز عن الجميع استقرت في ذمته في الأظهر فإذا قدر على خصلة فعلها) والثاني لا تستقر بل تسقط كصدقة الفطر إن كان عاجزاً عنها حال وجوبها والأول هوالمعتمد لأنه أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره له بعجزه (والأصح أن له العدول عن الصوم إلى الإطعام لشدة الغُلمة) لأنه لا يؤمن وقوع الجماع في صوم الكفارة فيبطل تتابعه وفي إحدى روايات الحديث أنه حين قال له رسول الله "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين" قال وهل أُوتيت إلا من قبل الصوم (و) الأصح (أنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله) كسائر الكفارات والثاني يجوز لقوله (ص) أطعمه أهلك ويجاب عليه بأن المتصدق عنه رسول الله (ص) ولذا قالوا هنا إن كان التكفير من ماله فلا يجوز إطعام أحدٍ من عياله وأما إذا كان من غيره فجاز ذلك سواء فرقها غيره أو هو. قال الزركشي والسبكي ولا نعلم أحداً قال بجواز أكل المكفر من كفارته.
خاتمة: من فاته شيء من رمضان استحب أن يقضيه متتابعاً لخبر فيه رواه الدارقطني عن أبي هريرة "من كان عليه صيام من رمضان فليسرده ولا يقطعه" قال الدارقطني: وبه عبد الرحمن بن إبراهيم القاص مختلف فيه وقال الجرجاني: ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم والله أعلم.

باب صوم التطوع
(يسن صوم الاثنين والخميس) لخبر أنه (ص) كان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس رواه الترمذي والنسائي عن عائشة ولخبر تعرض الأعمال على الله يوم الاثنين والخميس فأحبُ أن يعرضَ عملي وأنا صائم رواه الترمذي عن أبي هريرة وأبو داود والنسائي عن أسامة بن زيد.
(وعرفة) لغبر الحاج وهو التاسع من ذي الحجة: لخبر مسلم عن أبي قتادة: صيام يوم عرفة كفارة سنتين ولخبر الشيخين من حديث ميمونة: أنه (ص) لم يصم عرفة بعرفة وروى أحمد أنه نهى عن صوم عرفة بعرفة.
(وعاشوراء وتاسوعاء) وهما العاشر والتاسع من المحرم روى مسلم عن أبي قتادة: صيام يوم عاشوراء يكفر سنة، وروى مسلم عن ابن عباس لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع. وفيه مخالفة لليهود فإنهم لا يصومون إلا يوماً واحداً فعلى هذا لو لم يصم التاسع استحب له صوم الحادي عشر قاله ابن عباس وأخرج الشافعي في المسند عن عبيد الله بن أبي يزيد يقول سمعت ابن عباس يقول: "صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود".
(وأيام البيض) وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. قال أبو ذر: "أمرنا رسول الله (ص) أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" رواه النسائي وابن حبان وسميت بيضا ًلأنها تبيض بطلوع القمر فيها من أول الليل إلى أخره.
(وستة من شوال وتتابعها أفضل) فقد روى مسلم عن أبي أيوب: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر والتتابع لأجل المبادرة لأداء العبادة.
(ويكره إفراد الجمعة وإفراد السبت) بالصوم. فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده. وروى مسلم: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم. وروى أحمد وأصحاب السنن والطبراني والبيهقي عن عبد الله بن بُسر عن أخته الصماء (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما أفترض عليكم) قال أبو داود في السنن قال مالك: هذا الحديث كذب أبو داود (2/805).
(وصوم الدهر غير العيد والتشريق مكروه لمن خاف به ضرراً أو فوت حق مستحب لغيره) وعلى الحالة الأولى أي صوم الدهر مع العيد والتشريق حُمِلَ حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي (ص) قال له: "لا صام من صام الدهر: صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" وعند مسلم عن أبي قتادة مثله.
(ومن تلبس بصوم تطوع أو صلاته فله قطعها ولا قضاء) لما روى الحاكم عن أم هانئ أن النبي (ص) قال: "المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" (ومن تلبس بقضاء) لواجب (حرم عليه قطعه إن كان على الفور وهو صوم من تعدى بالفطر) أو أفطر يوم الشك لأنه حين تلبس بالفرض ولا عذر لفطره وجب اتمامه (وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح بأن لم يكن تعدى بالفطر) والثاني لا يحرم الخروج منه لأنه متبرع بالشروع فيه فأشبه المسافر شرع بالصوم ثم أراد الخروج منه ويحرم على الزوجة أن تصوم تطوعاً أو قضاءً موسعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه أوعلم برضاه.

كتاب الاعتكاف
هو لغة لزوم الشيء خيراً كان أو شراً قال تعالى: [ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد] البقرة:187 وشرعاً اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية (وهو مستحب كل وقت) إجماعاً والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: [ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد] وأخبار منها:
(1) خبر الشيخين عن عائشة أنه (ص) كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله.
(2) ومنها عن أبي سعيد أن رسول الله (ص) كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاماً فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي خرج في صبيحتها من اعتكافه قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر".
(3) وروى مسلم وأبو داود عن عبد الله بن أنيس أنه قال: يا رسول الله إني أكون بباديتي وإني أصلي بهم فمرني بليلة في هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصلي فيه قال: انزل في ليلة ثلاث وعشرين.
(وفي العشر الأواخر في رمضان أفضل) لأنه (ص) داوم عليه حتى وفاته (لطلب ليلة القدر) فيحييها بالصلاة والذكر وكثرة الدعاء والقدر هو الفصل والحكم والشرف وهي خير من ألف شهر أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر فقد روى الشيخين: أن النبي (ص) قال: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه أي تصديقاً بفضلها واحتساباً للأجر عند الله تعالى.
(وميل الشافعي رحمه الله إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين) يدل للأول قوله (ص) إني رأتيها ليلة وأُراني أسجد في صبيحتها في الطين والماء فأصبحوا من ليلة إحدى وعشرين وقد قام النبي إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد فخرج من صلاة الصبح وجبينه وأرنبة أنفه فيهما أثر الماء والطين ويدل للثاني حديث مسلم عن عبد الله بن أنيس أن النبي أمره أن يعتكف ليلة ثلاث وعشرين وقال المزني وابن خزيمة إنها تنتقل كل سنة إلى ليلة جمعاً بين الأخبار.
(وإنما يصح الإعتكاف في المسجد) لأنه (ص) وأصحابه وحتى نساؤه لم يعتكفوا إلا فيه فقد روى الشيخان عن عائشة أن النبي (ص) إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه وأنها استأذنته فضربت لها خباءً وأن زينب ضربت لها خباءً وأمر غيرها من أزواجه بذلك..." (والجامع أولى) لأن جمعته أكثر ولأنه يستغني به عن الخروج للجمعة وخروجاً من خلاف من اشترطه وروى الشيخان عن عائشة أنه (ص) كان إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة زاد مسلم "الإنسان".
(والجديد أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة) فكل امرأة يكره لها الخروج للجماعة يكره لها الخروج للاعتكاف ولو أغنى مسجد البيت لما احتاج أمهات المؤمنين للاعتكاف في المسجد لأن مسجد المنزل استر واحفظ كما أن مسجد المنزل ليس بمسجد بدليل إمكان تحويله إلى مكان آخر وإمكان الجماع فيه. (ولو عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف تعين) ولم يقم غيره مقامه لزيادة فضله (وكذا مسجد المدينة والأقصى في الأظهر) فلا يقوم غير الثلاثة مقامها لعظمة فضلها. روى الشيخان عن ابي هريرة وأبي سعيد لا تشدالرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومقابل الأظهر لا يتعين إلا المسجد الحرام لاختصاصه بالنسك دون غيره من المساجد ومنهم من زاد في المساجد مسجد قُباء لأن صلاة ركعتين فيه كعمرة كما قال (ص) (ويقوم المسجد الحرام مقامهما ولا عكس) لأن المسجد الحرام أفضل منهما (ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى ولا عكس) لأن مسجد المدينة أفضل من المسجد الأقصى. ولو عين شخص في نذره الاعتكاف في غير الثلاثة لم يتعين (والأصح أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدرٍ يسمى عكوفاً) أي يكون بحيث يستقر وقدروه بأنه بطول ركن مع الطمأنينة فيه ولا يشترط السكون بل يكفي التردد داخل المسجد (وقيل يكفي مرور بلا لُبث) كالوقوف بعرف (وقيل يشترط مكث نحو يوم) أي قريب منه فلا يصح دون ذلك للقربة لأن من عادة الناس أن يمكثوا في المسجد مدة يقرأون ويذكرون وعلى الصحيح أنه لو نذر اعتكاف ساعة صح نذره (ويبطل بالجماع) لقوله تعالى: [ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد] البقرة:187 وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عباس "إذا جامع المعتف بطل اعتكافه".
(وأظهر الأقوال أن المباشرة بشهوة كلمس وقبله تبطله إذا أنزل وإلا فلا) تبطله كالصوم (ولو جامع ناسياً) أنه في اعتكاف (فكجماع الصائم) فلا يضر. (ولا يضر التطيب والتزين) ولا الأكل ولا الشرب ولا كتابة العلم وإن كثرت ولا الصنعة ما لم تكثر والأولى الذكر ومذاكرة العلم ودراسة الحديث وقراءة الرقائق.
(و) لا يضر (الفطر بل يصح اعتكاف الليل وحده) فقد روى الحاكم وصححه عن أنس "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه".
(ولو نذر اعتكاف يوم هو فيه صائم) بأن قال لله عليَّ أن اعتكف يوماً وأنا فيه صائم أو التزمه ينذر فيلزمه اعتكاف يوم كامل وهو صائم فيدخل المسجد من أول النهار ولا يخرج منه إلا بعد الغروب ولا يضر أن يكون اليوم من رمضان لأن الأصل الاعتكاف والصوم صفة له.
(ولو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزماه) ومعنى لزماه أي الاعتكاف والصوم (والأصح وجوب جمعهما) لما بينهمام من مناسبة ولأن الصوم من مندوبات الاعتكاف أما إذا قال أن اعتكف يوم العيد صائماً فقد وجب اعتكافه ولغا قوله صائماً.
(ويشترط نية الاعتكاف) لانه عبادة (وينوي في النذر الفرضية) وجوباً وإن أطلق كفته نية (هذه من غير ذكر الفرضية) أو لو نوى نفلاً مطلقاً من غير قيد يميزه كفاه أيضاً (وإن طال مكثه لكن لو خرج وعاد احتاج إلى الاستئناف) أي إذا خرج من المسجد وعاد إليه احتاج إلى نية اعتكاف جديدة لأن خروجه قطع الاعتكاف.
(ولو نوى مدة فخرج فيها وعاد فإن خرج لغير قضاء الحاجة لزمه الاستئناف أولها فلا) أي إذا نوى اعتكافاً مدته يوم أو أسبوع وخرج لحاجته فلا ينقطع اعتكافه أما إذا خرج لغير حاجته التي لابد منها فعليه استئناف نية جديدة ومدة جديدة.
(وقيل إن طالت مدة خروجه استأنف) النية لتعذر البناء بخلاف إذا لم تطل وسواء الحاجة وغيرها (وقيل لا يستأنف مطلقاً) لأنه بعودته إلى معتكفه فهو عائد إلى ما نواه ابتداءً (ولو نذر مدة متتابعة فخرج لعذر لا يقطع التتابع) كالأكل وقضاء الحاجة وعاد (لم يجب استئناف النية) عند العود لشمول النية جميع المدة.
(وقيل إن خرج لغير الحاجة وغسل الجنابة وجب) استئناف النية لخروجه عن العبادة بما يستطيع الاستغناء عنه كالأكل والشرب والأذان.
(وشرط المعتكف الإسلام والعقل) فلا يصح من كافر ولا مجنون ولا سكران إذ لا نية لهم (والنقاء عن الحيض والجنابة) لحرمة المكث في المسجد حينئذٍ.
(ولو ارتد المعتكف أو سكر بطل) اعتكافه زمن الردة والسكر (والمذهب بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابع) لأن الخروج من المسجد يقطع التتابع والردة والسكر أشد منه.
(ولو طرأ جنون أو إغماء لم يبطل ما مضى) من اعتكافه (إن لم يُخْرَج) لأنه معذور بما عرض له وكذا إن أُخرج حفظاً للمسجد لعذره كالمكره (ويحسب زمن الإغماء من الاعتكاف) كالنوم (دون الجنون) لعدم صحة العبادة البدنية من المجنون.
(أو الحيض وجب الخروج) لتحريم المكث في المسجد (وكذا الجنابة إذا تعذر الغسل في المسجد) لحرمة المكث في المسجد (فلو أمكن) الغسل فيه (جاز الخروج ولا يلزمه) بل يجوز فعله في المسجد مراعاً للتتابع أما إذا كان عليه نجاسة كأن كان مستجمرا ًبحجر وجب الخروج من المسجد لحرمة إزالة النجاسة فيه (ولا يحسب زمن الحيض ولا الجنابة) إذا بقيا في المسجد لضرورة لمنافاة ذلك للاعتكاف.

فصل في الاعتكاف المنذور المتتابع
(إذا نذر مدة متتابعة) كأن نذر اعتكاف خمسة أيام متتابعة (لزمه) التتابع وفي مدة التتابع تلزمه اعتكاف الليالي التي بين الأيام (والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط) لأن مطلق الزمن كأسبوع أو شهر صادق بالمتفرق كما هو صادق بالمتتابع (و) الصحيح (أنه لو نذر يوماً لم يجز تفريق ساعاته) لأنه المفهوم من اللفظ فيلزمه الدخول قبل الفجر ويخرج منه بعد الغروب.
(وأنه لو عين مدة كأسبوع وتعرض للتتابع وفاتته) تلك المدة لسبب ما (لزمه التتابع في القضاء) لتصريحه به (وإن لم يتعرض له لم يلزمه في القضاء) التتابع قطعاً (وإذا ذكر التتابع وشرط الخروج لعارض) مباح لينافي الاعتكاف (صح الشرط في الأظهر) لأنه إنما كان لازماً بالتزامه فعندما استثنى صح استثناؤه كعيادة مريض أو تفقد منزل أو حضور جنازة (والزمان المصروف إليه) أي العارض (لا يجب تداركه إن عين المدة كهذا الشهر) لأنه نذر الشهر ما عدا العارض (وإلا فيجب) أي إذا لم يعين مدة فيجب تدارك الزمن المصروف للعارض لتتم المدة التي التزمها أما عند الشرط فإن العارض ينزل منزلة قضاء الحاجة (وينقطع التتابع بالخروج بلا عذر) وإن قلَّ زمانه لمنافاته الاعتكاف (ولا يضر إخراج بعض الأعضاء) من المسجد كرأسه ويده لأن النبي (ص) كان يدني رأسه لترجله عائشة وهو معتكف أي تسرحه رواه الشيخان عن عائشة.
(ولا الخروج لقضاء الحاجة) اجماعاً ولو كثر ولا يكلف الإسراع ويجوز أن يتوضأ بعد قضائها خارج المسجد.
(ولا يجب فعلها في غير داره) كحمامات المسجد أو دار قريبة لصديق بل له أن يذهب إلى داره إذا كان في ذلك خدش لحيائه أو حْرم لمروءته (ولا يضر بُعْدُهَا إلا أن يفحش فيضر في الأصح) إن كان المنزل بعيداً لأنه قد يحتاج إلى التبول أثناء عودته فيقضي اعتكافه متردداً كما صرح بذلك البغوي (ولو عاد مريضاً في طريقه لم يضر ما لم يُطل وقوفه أو يعدل عن طريقه) لما روى أبو داود عن عائشة أنه (ص) كان لا يسأل عن المريض إلا ماراً في اعتكافه ولا يعرج عليه ولو صلى جنازة أثناء حروجه جاز (ولا ينقطع التتابع بمرض يحوج إلى الخروج) إذا خرج لأن الحاجة داعية إليه كقضاء الحاجة ومنه زيارة طبيب أو شراء دواء (ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) كشهر مثلاً لانه لا يخلو عادة عن حيض (فإن كان بحيث تخلو عنه انقطع في الأظهر) لإمكانها اختيار وقت عقب الطهر أو لا يكون فيه حيض (ولا بالخروج) من المسجد (ناسياً) لاعتكافه (على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسياً إن تذكر عن قرب ويعذر أيضاً الجاهل بأن الخروج يقطع الاعتكاف.
(ولا بخروج المؤذن الراتب إلى منارة منفصلة عن المسجد للأذان في الأصح) لأنها بُنيت أصلاً لإقامة الشعائر فهي معدودة من توابع المسجد أما غير المؤذن الراتب فيضر صعوده إلى منارة منفصلة لأنه لا حاجة له بذلك.
(ويجب قضاء أوقات الخروج بالأعذار) لأنه غير معتكف فيها (إلا أوقات قضاء الحاجة) لأن لها حكم الاعتكاف ولهذا لو جامع في وقت قضاء الحاجة ولو قصر الوقت انقطع اعتكافه.
فائدة: لو نذر اعتكاف شهر بعينه فبان أنه انقضى قبل نذره لم يلزمه شيءٌ لأن اعتكاف شهر قد مضى محال. ولو مرض قريب للمعتكف فأيهما أولى دوام الاعتكاف أو الخروج لعيادة المريض قال ابن الصلاح الخروج لها مخالف للسنة ولا يجوز الخروج لغسل الجمعة ولا العيدين إلا إذا احتاج لذلك لنظافة وسوء مظهر واتساخ ثوب أو جسد فقد ذكر أن النبي (ص) لم يغير ثوبه للاعتكاف والله أعلم.

كتاب الحج
بفتح أوله وكسره لغة القصد وقال الخليل كثرة القصد إلى من يعظم وشرعاً قصد الكعبة للنسك بأفعال مخصوصة والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: [ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً] آل عمران:97. وأخبار منها:
(1) خبر الشيخين عن ابن عمر: بُنِيَ الإسلامُ على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحَجِّ البيت وصوم رمضان.
(2) خبر مسلم عن أبي هريرة: قال "خطبنا رسول الله (ص) فقال أيها الناس قد فرض اله عليكم الحج فحجوا.
(3) وخبر الشيخين عن أبي هريرة أن النبي (ص) سئل أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله قيل: ثم ماذا؟ قال حج مبرور.
(4) وخبر الشيخين عن أبي هريرة من حج فلم يَرْفُثْ ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.
(5) وخبر الشيخين عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" واختلفوا متى فرض الحج قال الرافعي في السنة الخامسة وقيل في السنة السادسة سنة الحديبية وهذا هوالمشهور وحكى الماوردي في الأحكام السلطانية إنه في الثامنة لأن النبي (ص) أمر عتاب بن أَسيد أمير مكة بالحج وقيل في التاسعة سنة حج أبو بكر بالناس. وحج النبي (ص) في السنة العاشرة بعد أن تطهر البيت من الأوثان وبعد أن مُنعت فيه كل مظاهر الجاهلية مثل حج الكافرين والطواف عراة ونصب الأصنام حول البيت.
(هو فرض) معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره إلا إن أمكن خفاؤه عليه ولا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة وتجب الزيادة بعارض كالنذر والقضاء للإفساد.
(وكذا العمرة في الأظهر) فرض لقوله تعالى: [وأتموا الحج والعمرة لله] البقرة:196 اي ائتوا بهما كاملتين والثاني هي سنة لخبر جابر أن النبي (ص) سئل عن العمرة أواجبة هي قال: "لا وأن تعتمر فهو أفضل" رواه الترمذي وقال حسن صحيح والعمرة هي الزيارة وقيل لأنها وظيفة العمر تفعل فيه كالحج.
والحج إما فرض عين وهو على من لم يحج من المسلمين وهو قادر عليه وإما فرض كفاية وهو إحياء الكعبة كل سنة بالحج والعمرة وإما تطوع ولا يتصور إلا من الأرقاء والصبيان لكن لو تطوع منهم من يحصل به الكفاية سقط الفرض عن المخاطبين كالجهاد وصلاة الجنازة إذا قام به من لا يجب عليهم كالصبيان سقط الفرض عن المكلفين ويسن لمن وجب عليه الحج ألا يؤخر ذلك عن سنة الإمكان مبادرة إلى براءة الذمة قال تعالى: [فاستبقوا الخيرات] البقرة:148 وإن أخر بعد التمكن وَفَعَلَهُ قبل أن يموت لم يأثم لأنه فرض على التراخي فقد أخره رسول الله (ص) إلى السنة العاشرة مع أنه فرِضَ قبل ذلك.
(وشرط صحته الإسلام) فلا يصح من كافر أصلي ولا مرتد بل لو ارتد أثناءه بطل ولم يجب مضيٌ في فاسده خلافاً لمن أفسد حجه بالجماع فيجب المضي في فاسده ولا يشترط التكليف لا انعقاد الإحرام (فللولي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز والمجنون) وإن لم يحج عن نفسه لما روى مسلم عن بن عباس أن النبي (ص) لقي ركباً بالروحاء ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي صغير فأخرجته من محفتها فقالت: يا رسول الله هل لهذا حج قال: نعم ولك أجر، وقيس المجنون على الصبي قوله: ففزعت أي أسرعت والروحاء اسم مكان يبعد عن المدينة قرابة ستين كيلومتراً والمحفة مركب من مراكب النساء كالهودج فإن شاء أحرم عن المميز أو أذن له أن يحرم على نفسه أما المجنون والمغمى عليه فلا يحرم عنه أحد والإحرام عن الصبي يكون بالنية كأن يقول نويت الإحرام عن هذا إن كان حاضراً أو عن فلان إن كان حاضراً أو غائباً. إذ لا يشترط حضوره حال النية عنه ولا يصير الولي محرماً بهذه النية. ثم إن جعله قارناً أو مستمتعاً فالدم على الولي وإن ارتكب الصبي المميز محظوراً بنفسه فعلى وليه الضمان ويطوف الولي به ويصلي عنه ركعتي الطواف إن كان غير مميز أو لا يحسنها ويسعى به ويحضره عرفه والمزدلفة والمواقف ويناوله الأحجار فيرميها إن قدر وإلا رمى عنه (وإنما تصح مباشرته من المسلم المميز) بالغاً كان أو غير بالغ حرا ًكان أو عبداً (وإنما يقع عن حجة الإسلام بالمباشرة إذا باشره المكلف الحر) وإن لم يكن غنياً (فيجزئ حج الفقير دون الصبي والعبد) وإن كملا بعده لخبر: أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام. رواه ابن خزيمة والاسماعيلي والحاكم وابن أبي شيبة عن الأعمش عن أبي ظَبيان عن ابن عباس موقوفاً وأخرجه أبو داود في المراسيل عن محمد بن كعب القرظي (وشرط وجوبه الإسلام والتكليف والحرية والاستطاعة) قال تعالى: [ من استطاع إليه سبيلاً] آل عمران:97 (وهي نوعان احدها استطاعة مباشرة ولها شروط احدها وجود الزاد وأوعيته ومؤنه ذهابه وإيابه) إن كان له أهل يعود إليهم ببلده (وقيل إن لم يكن له ببلده أهل وعشيرة لم يشترط نفقة الإياب) إذ لم يكن له ببلده أهل ولا أقارب والأصح اشتراطه لأن الإنسان اليوم لا يستطيع العيش في اي مكان يختاره ولنزوع النفوس إلى الأوطان.
(فلو كان يكتسب كل يوم ما يفي بزاده وسفرُهُ طويلٌ لم يكلف الحج) أي مرحلتان فأكثر أي ما يزيد عن خمس وثمانين كيلومتراً كما ذكرنا لم يكلف الحج لأنه قد ينقطع وإن كان قادراً على الكسب لأنه قد يُمْنِعُ الكسب ولا يجوز له أن يذل نفسه ويعرضها للمهانة.
(وإن قَصُرَ وهو يكسب في يوم كفاية أيام كُلِّفُ) إن كان في بلده أوكان قادماً من أرض لا يمنع أهلها من العمل في بلد الحرم وهذا عسير في ظل قوانين اليوم النافذة.
(الثاني وجود الراحلة لمن بينه وبين مكة مرحلتان) سواء قدر على المشي أم لا والراحلة هي كل مركوب يصلح للركوب وحمل المتاع وقطع المسافة
(فإن لحقه بالراحلة مشقةٌ شديدةٌ اشتُرِطَ وجود مَحْمِلٍ واشترط شريك يجلس في الشق الآخر) هذا بالقياس إلى المحمل لأنه يحتاج إلى ركوب اثنين واحد في كل جنب ليستقر المحمل ومثله اليوم مرافق يقيمة ويقعده ويرفعه إلى مركوبة وينزله منه إذا لزمه ذلك فإن لم يكن مرافق أو معين متبرع أو ببدل يملكه الحاج فلا يكلف الحجَّ.
(ومن بينه وبينها دون مرحلتين وهو قوي على المشي يلزمه الحج) فلا يعتبر في حقه وجود الراحلة إذا استطاع الدخول والخروج دون عوائق (فإن ضعف فكالبعيد) أي عن المشي إلى المناسك فحكمه كالبعيد في وجود الراحلة وما يتبعها من مؤن.
(ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عند دينه ومؤنة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه) وسواء في الدَّين الحالُّ والمؤجل لأنه قد ينفق المال فيحل المؤجل ولا يجد ما يقضي به الدين وقد يموت قبل وفاء الدين فتبقى ذمته مشغولة بالدين وإن كان له دين على آخر فإن أمكن تحصيله وجب الحج وإن لم يمكن فهو كمن لا مال عنده. لما روى البيهقي والحاكم والدارقطني من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن تفسير السبيل في قوله تعالى: [ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً] فقال: "زاد وراحلة".
(والأصح اشتراط كونه فاضلاً عن مسكنه وعبد يحتاج إليه لخدمته) لمرض وضعف أو لمنصب (و) الأصح (أنه يلزمه صرف مال تجارته إليهما) قيل لعدم اللزوم في الحال ومقابلة لا يلزمه صرف مال تجارته إلى الزاد والراحلة إلا إذا كانت واسعة لا تتأثر حتى لا يلتحق بالمساكين خاصة وأن الحج على التراخي.
(الثالث: أمن الطريق فلو خاف على نفسه أو ماله سَبُعاً أو عدواً أو رصدياً ولا طريق سواه لم يجب الحج) والرصدي هو الذي يراقب الطريق ليأخذ من المارين مالاً فلا يجب الحج لحصول الضرر ولا فرق بين أن يكون من يخاف من أذيته واعتدائه ونهبه كافراً أو مسلماً لكن لو كانوا كافرين واطاق الخائفون مقاومتهم سُنَّ لهم أن يخرجوا للنسك ويقاتلوهم لينالوا ثواب النسك والجهاد ويكره بذل المال للرصدي لما فيه من التشجيع على التعرض للناس سواء أكان الرصدي مسلماً أو كافراً.
(والأظهر وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامة) وهي الغالبة اليوم فإذا لم يكن طريقاً إلا البحر حساً وشرعاً وجب ركوبه للجميع فهو اليوم أكثر سلامة من غيره من الوسائل.
(وأنه يلزمه أجرة البذرقة) أي أجرة الحراسة لأنها من لوازم الطريق فكأنه أجرة دليل لمن لا يعرف الطريق فلا يجب الحج إذا احتاج إلى الحراسة إلا بوجودها ووجود الأجرة اللازمة لها (ويشترط وجود الماء والزاد في المواضع المعتاد حمله منها بثمن المثل وهو القدر اللائق في ذلك الزمان والمكان) فإن كان لا يوجد بها لرحيل أهلها عنها أو لانقطاع أو كان يوجد لكنه بأكثر من ثمن المثل عادة فلا يجب الحج ويغتفر الفرق اليسير.
(وعلف الدابة في كل مرحلة) ومثله وقود المركبات وسهولة مرورها لأن حمل الوقود يعسر ويشق ويضايق.
(وفي المرأة أن يخرج معها زوج أو محرم) بنسب أو رضاع أو مصاهرة (أو نسوة ثقات) لأن سفرها وحدها حرام وإن كنت في قافلة لخوف استمالتها وخديعتها لما روى الشيخان عن ابن عباس "لا تسافر إمرأة إلا مع محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم" ولا يكون هذا المحرم صبياً ولا مجنوناً بل مكلفاً فيشترط في وجوب الحج عليها قدرتها على أجرته إن لزم وأبى إلا بأجرة.
(والأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن) لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن والثاني يشترط لسهولة التخاطب والإعانة إذا لزم شيء من ذلك (و) الأصح (أنه يلزمها أجرة المحرم إذا لم يخرج إلا بها) لأنه من جملة الأهبة اللازمة لها.
(والرابع: أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة) فمن لا يستطيع الثبوت في ركوبه لمرض أو صداع لا يحتمل أو قروح لا يجب عليه الحج بنفسه.
(وعلى الأعمى الحج إن وجد قائداً) إضافة إلى الشروط السابقة ليقوده ويهديه عند النزول ويعينه في حركته وقضاء حاجته (وهو) أي القائد في حق الأعمى (كالمحرم في حق المرأة) فتجب إجرته إن لم يذهب إلا بأجرة وهي من جملة الأهبة في حق الأعمى.
(والمحجور عليه لسفه كغيره) في وجوب الحج عليه (لكن لا يدفع المال إليه) مخافة تبذيره (بل يخرج معه الولي أوينصب شخصاً) لينفق عليه وأجرته كأجرة قائد الأعمى.
(النوع الثاني استطاعة تحصيله بغيره فمن مات وفي ذمته حج وجب الإحجاج عنه من تركته) كما تقضى ديونه فلو لم تكن له تركة استحب لوارثه أن يحج عنه فإن حج عنه أو أستأجر من يحج عنه سقط الحج عن الميت ولو حج عنه أجنبي جاز حتى ولو كان بغير إذن الوارث كما يَقْضِي دينَ الميت بغير إذن وارثه ويبرأ الميت لما روى البخاري عن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله (ص) فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم قال اقضوا دين الله فالله أحق بالوفاء وفي رواية النسائي: فدين الله أحق بالوفاء فشبة الحج بالدين الذي لا يسقط بالموت فوجب أن يتساويا في الحكم وإن المجوّز هو التأخير لا التفويت.
(والمعضوب) أو المعصوب من العضب وهو القطع فكأنه قطع عن كمال الحركة والمعصوب هو كمن قطع عصبه ووصفه المصنف بقوله (العاجز عن الحج بنفسه) لنحو كبر سن أو مرض مُقْعدٍ لا يرجى له شفاء (إن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل) لا بأزيد (لزمه) الحَج (ويشترط كونها فاضلة عن الحاجات المذكورة فيمن حج بنفسه لكن لا يشترط نفقة العيال ذهاباً وإياباً) فإنه إن فارق أهله أو لم يفارقهم فلا يستطيع تأمين معاشهم لعلته (ولو بذل ولده أو أجنبي مالاً للأجرة لم يجب قبوله في الأصح) لما في ذلك من المَّنة الثقيلة وقيل يجب من الولد لوجود الاستطاعة به ولأن بذل الولد كبذل الوالد لا يتبعهَ منٌّ عادة (ولو بذل الولد الطاعة وجب قبوله) أي رغب الولد في الحج عن والده فوجب عليه الإذن له بذلك (وكذا الأجنبي في الأصح) لأن المَّنةَ في النسك ليست كالمَّنةِ في المال ألا ترى أن الأنسان يستنكف عن الاستعانة بمال الغير ولا يستنكف عن طلب مساعدته ببدنه. ولو طلب الوالد من الولد الحج عنه استحب له اجابته ولا يجب عليه لأنه نسك لم يفرض عليه ولو بذل الولد الطاعة ثم أراد الرجوع ورجع عن قوله جاز له ذلك لأنه متبرع بشيء لم يتصل به الشروع فلا يلزمه الوفاء به فإن كان بعد إحرامه بالحج عن والده لم يجز له ذلك لأنه لا يجوز للمبذول له أن يردَّ وكذلك الباذل وقد قال تعالى: [وإتموا الحج والعمرة لله] البقرة:196.

باب المواقيت
والميقات لغة الحد وشرعاً زمن النسك ومكانه قال الجوهري الميقات: هو الوقت المضروب للفعل والموضع يقال هذا ميقات أهل الشام للموضع الذي يحرمون منه.
(وقت إحرام الحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة) لقوله تعالى: [الحج أشهر معلومات] البقرة:197 وفي قول يجوز الإحرام كل السنة ولكن لا يأتي بيء من مناسكه قبل أشهره (وفي ليلة النحر وجه) أنه لا يجوز الإحرام فيها بالحج لأن الليالي تبع للأيام لأن العاشر لا يصح فيه الإحرام قطعهاً وهذا مردود بما روى عروة بن مضرس الطائي قال أتيت رسول الله (ص) بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طي أكللت راحلتي واتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي حج؟ قال (ص): "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمَّ حجة وقضى تفثه. رواه الترمذي.
(فلو أحرم به في غير وقته إنعقد عمرة على الصحيح) مجزئة عن عمرة الإسلام ولا ينعقد حجاً لأن زمان إحرامه ليس وقتاً للحج وكذلك لو أحرم قبل أشهر الحج وشك هل أحرم بحج أو عمرة انعقد عمرة ولو أحرم بحج وشك هل هو في أشهره أو قبلها انعقد حجاً لأنه تيقن الأحرام وشك في تقدمه.
(وجميع السنة وقت لإحرام العمرة) لأن النبي (ص) اعتمر في أوقات مختلفة فقد روى البيهقي أنه اعتمر في ذي القعدة وفي شوال وفي رجب واعتمرت عائشة بأمره (ص) من التنعيم في رابع ذي الحجة.
فقد روى البخاري عن ابن عمر أن مجاهداً قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى قال فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة قم قال له اعتمر رسول الله (ص) قال أربعاً إحداهن في رجب فكرهنا أن نردَّ عليه.
وروى البخاري عن قتادة قال: سألت أنساً رضي الله عنه كم اعتمر النبي (ص) قال أربعٌ: عمرة الحديبية في ذي القعدة حين صده المشركون وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حين صالحهم وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين قلت كم حج؟ قال واحدة وفي رواية وعمرة مع حجته.
(والميقات المكاني للحج في حق مَنْ بمكة) من أهلها وغيرهم نفس مكة وقيل كل الحرم لاستواء مكة وما حولها من الحرم في الحرمة.
(وأما غيره فميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة) وهي المعروفة الآن بأبيار علي وهي أبعد المواقيت عن مكة على بعد نحو عشرة مراحل.
(ومن الشام) وهي من العريش إلى الفرات ومن جبل طيء إلى البحر المتوسط.
(ومصر) وهي من برقة إلى العقبة ومن أسوان إلى رشيد (والمغرب) فميقاتهم: أي أهل الشام وأهل مصر وأهل المغرب (الجحفة) وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة وهي المسماة الآن برابغ تجحفها السيل أي أزالها (ومن تهامة اليمن يلملم) وهو اسم جبل على مرحلتين من مكة.
(ومن نجد اليمن ونجد الحجاز قَرْن) وتسمى أيضاً قَرْنُ المنازل وقرن الثعالب، وهي اسم جبل على مرحلتين من مكة أيضاً وأما قَرْنُ بالفتح فإسم قبيلة ينسب إليها أويس القرني (ومن المشرق ذات عِرْقٍ) أي من العراق وما وراءه ذات عِرْقٍ وهي قرية مشرقة على وادي العقيق وهي على بعد مرحلتين من مكة، ووادي العقيق أبعد عن مكة من ذات عرق وهو أحوط لأهل العراق وخراسان فقد روى الشيخان عن ابن عباس قال: "وقت رسول الله (ص) لأهل نجد قرناً ولأهل اليمن يلملم وقال: هن لهن "أي هذه المواقيت لأهل نواحيهن" ولمن أتى عليهن "أي مرَّ ولو منفرداً" فمن أراد الحج والعمرة فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة وروى الشافعي في الأم عن عائشة أن رسول الله (ص) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة وروى أبو داود والنسائي والدارقطني بإسناد صحيح عن عائشة أن النبي (ص) وقت لأهل العراق ذات عرق، (والأفضل أن يحرم من أول الميقات) وهو الطرف الأبعد عن مكة ليقطع الباقي محرماً (ويجوز من آخره) لوقوع الإسم عليه (ومن سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات فإن حاذى ميقاتاً) أي سامته يمنة أو يسرة (أحرم من محاذاته) سواء في ذلك أكان في البر أم في البحر (أو ميقاتين فالأصح أن يحرم من محاذاة أبعدهما) من مكة، وقيل يتخير، لما روى البخاري عن ابن عمر أن أهل العراق أتوا عمر فقالوا: "يا أمير المؤمنين إن رسول الله (ص) حدَّ لأهل نجد قرناً وهي جَوْرٌ "أي ليست على طريقنا بل مائلة عنه" وإذا أراد قرناً شق علينا قال: فانظروا حذوها من طريقكم فحدَّ لهم عمر ذات عرق ولم ينكر عليه أحد والعراق سميت بذلك لسهولة أرضه وأمانجد فاسم للمكان المرتفع وتهامة اسم للمكان المنخفض وحيث أطلق نجد فهو نجد الحجاز وسمي بالحجاز لأنه حاجز بين اليمن والشام أو بين تهامة ونجد وهو اسم لمكة والمدينة وتوابعهما (وإن لم يحاذ) ميقاتاً (أحرم على مرحلتين من مكة) إذا هو أقرب المواقيت إلى مكة (ومن مسكنه بين مكة والميقات فيمقاته مسكنه) لقوله (ص) في الحديث السابق فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ (ومن بلغ ميقاتاً غيرَ مريدٌ نسكاً ثم أراده فميقاته موضعه) لمفهوم الخبر السابق ولا يكلف العود إلى الميقات (وإن بلغه مريداً لم تجز مجاوزته بغير إحرام) أي أراد النسك، فقد وجب إحرامه من ميقاته، والمراد بالمجاوزة أي إلى جهة مكة أما إذا سار يميناً أو يساراً وأحرم من مثل مسافته فلا شيء عليه (فإن فعل لزمه العود ليحرم منه إلا إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفاً فإن لم يعد لزمه دم) لأن الإحرام من الميقات واجب فإن تركه وأمكنه التدارك فقد وجب تداركه، أي العود إليه ولو بعد الإحرام، ولا يفترق الحال بين العمد والسهو، ويجب التنبه إلى أنه يعود إلى ميقاته ولا يغني عنه غيره أماإذا عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر فقد جاز قاله الماوردي وغيره. قال في الروضة لا خلاف. فإذا لم يعد إلى الميقات فقد وجب عليه دم لاساءته بترك الإحرام من الميقات، لما روى مالك وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: "من نسى من نسكه شيئاً أو تركه فيهرق دماً" وهو موقوف على ابن عباس. ورواه ابن حزم مرفوعاً عن طريق علي بن الجعد عن ابن عيينة عن أيوب عن سعيد بن جبير (وإن أحرم ثم عاد قبل تلبسه بنسك سقط الدم) عنه لقطعه المسافة من الميقات محرماً (وإلا فلا) أي وإن لم يعد إلى الميقات أو تلبس بنسك ولو طواف قدوم فلا يسقط عنه الدم لتأدي النسك بإحرام ناقص (والأفضل أن يحرم من دويرة أهله) أي من كان منزله أبعد من الميقات لأنه أكثر عملاً إلا الحائض والنفساء فإن الأفضل لهما أن تحرما من الميقات وقد فعله جماعة من الصحابة والتابعين (وفي قولٍ من الميقات، قلتُ الميقات أظهر وهو الموافق للأحاديث الصحيحة والله أعلم) فإنه (ص) أخر إحرامه من المدينة إلى ذي الحليفة إجماعاً في حجة الوداع وكذلك في عمرة الحديبية –رواه الشيخان في إحرامه لحجة الوداع- وفي إحرامه لعمرة الحديبية –رواه البخاري في كتاب المغازي- وروى مسلم عن جابر أنه (ص) صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم (وميقات العمرة لمن هو خارج الحرم ميقات الحج) لقوله (ص) في الحديث السابق ممن أراد الحج أو العمرة (وَمَنْ بالحرم يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة) من أي جهة شاء فيحرم لما روى الشيخان عن عائشة لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل أمرها رسول الله (ص) أن تخرج إلى الحل فتحرم، وفي رواية للبخاري أنه أمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم فأعمرها منه، والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة (فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة أجزأته في الأظهر وعليه دم) لتركه الإحرام من الميقات، وقيل لا تجزئ لأن العمرة أحد النسكين فيشترط فيها الجمع بين الحل والحرم كالحج فلابد فيه من الوقوف بعرفة وهي من الحل (فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه) وقبل الشروع في طوافها (سقط الدم على المذهب) حيث له ذات حكم من جاوز الميقات وعاد إليه محرماً (وأفضل بقاع الحل) لمن أراد العمرة (الجِعْرَاَنةُ ثم التنعيم ثم الحديبية) لأن النبي (ص) أحرم من الجعرانة –رواه الشيخان- وأمر عائشة بالاعتمارمن التنعيم كما مرَّ وأن النبي (ص) لما أراد الاعتمار سنة منعه المشركون أحرم من الحديبية

باب الإحرام
يطلق الإحرام على نية الدخول في النسك أو يطلق على ذات الدخول في النسك بنية (ينعقد) أي الإحرام (معيناً بأن ينوي حجاً أو عمرة) أو ينوي قرن الحج والعمرة أو مطلقاً (بان لا يزيد) في النية (على نفس الإحرام) روى مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله (ص) فقال من أراد أن يهلَّ بحج أو عمرة فليفعل ومن أراد أن يهلَّ بحج فليفعل ومن أراد أن يهلَّ بعمرة فليفعل.
وروى الشافعي أنه (ص) خرج هو وأصحابه مهلين ينتظرون القضاء أي نزول الوحي فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة ومن معه هدي أن يجعله حجاً ذكره في اختلاف الحديث (والتعيين أفضل) ليعرف النسك الذي يدخل به (وفي قول الإطلاق) أي عدم تحديد النسك ليكون في سعة إذا عرض له عارض كمرض أو ضيق تفقة أوسعتها فيتمكن من صرف النية إلى ما لا يخاف فوته.
(وإن أطلق في غير أشهره فالأصح انعقاده عمرة فلا يصرفه إلى الحج) أي في أشهر الحج لأن الوقت لا يقبل والثاني ينعقد مبهماً فله صرفه إلى عمرة وبعد دخول أشهر الحج يصرفه إلى حج أو عمرة أو النسكين (وله أن يحرم كإحرام زيد) فقد روى الشيخان عن أبي موسى أنه (ص) قال: له بم أهللت فقت فقلت: بإهلال كإهلال النبي (ص) قال فقد أحسنت طُفْ بالبيت والصفا والمروة وأحلَّ ومثله فعل علي رواه الشيخان. ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرف زيد الآن لأنه علق بإحرامه عند ابتداء النسك فإذا أبهم فله الصوف إلى ما يشاء وأما إذا عين زيد قبل إحرامه كان إحرامُهُ كإحرامِ زيدٍ (فإن لم يكن محرماً انعقد احرامه مطلقاً) لأنه أراد الإحرام بصفة خاصة فلما لغت رجع إلى الأصل وهو الإطلاق (وقيل إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد) والأصح انعقاده لأنه جازم بالإحرام غير معين للنسك (وإن كان زيد محرماً انعقد احرامه كإحرامه) كما سبق أما إذا كان زيد قد أطلق النية ولم يعين فله أن يصرفه إلى ما يشاء ولا يلزمه أن يصرف النسك إلى ما يصرف إليه زيد (فإن تعذر معرفة إحرامه بموته) أو جنونه أو غيبته (جعل نفسه قارناً) بأن ينوي القران ويعمل أعمال الحج لأن عمرة القارن مغمورة في حجه فيخرج مما التزمه بيقين ويجزئه عن الحج ولا يلزمه دم القران لأن الأصل براءة ذمته فلا تشغل بالشك لأن زيداً قد يكون أحرم بحج مفرداً ولذا لا تبرأ ذمته من العمرة فلابد من الإتيان بها.

فصل: المحرم
(وينوي) بقلبه وجوباً وبلسانه ندباً لخبر إنما الأعمال بالنيات فينوي الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما.
(ويلبي) ندباً فيقول بقلبه ولسانه نويت الحج وأحرمت به لله تعالى لبيك اللهم لبيك.. الخ
(فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه وإن نوى ولم يُلب انعقد) إحرامه (على الصحيح) وقيل ينعقد في الحالتين لقيام التلبية مقام النية والأكمل أن يُتْبِعَ النية التلبية خروجاً من خلاف من أوجب التلبية ولا يجب التعرض للفرضية جزماً (ويسن الغسل للإحرام) لأنه (ص) كان إذا أراد الإحرام اغتسل لإحرامه الترمذي عن عائشة (فإن عجز) عن الغسل (تيمم) لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فعن المندوب أولى (و) يسن الغسل (لدخول مكة) فقد روى الشيخان عن ابن عمر "أنه كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل ويُحِّدث: أن النبي (ص) كان يفعل ذلك" وهذا الغسل مستحب لكل داخلٍ مُحْرِمٍ (وللوقوف بعرفة وبمزدلفة غداة النحر وفي أيام التشريق للرمي) لأن هذه مواطن يجتمع لها الناس فسنَّ الغسل قطعاً للروائح التي تؤذي الناس اثناء اجتماعهم وسواءً في ذلك الرجال والنساء فقد روى مسلم عن اسماء بنت عميس أنها ولدتْ محمد بن أبي بكر بذي الحليفة فأمرها رسول الله (ص) أن تغتسل وتهلَّ ويستحب أن يتأهب لإحرامه بإزالة الشعور المطلوب إزالتها كحلق العانة وشعر الإبط وقص الأظفار وغسل الجسد وخاصة الرأس بصابون ونحوه ولا بأس أن يكون له رائحة طيبة (وأن يطيب بدنه للإحرام) فقد روى الشيخان عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله (ص) لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت وخبر الشيخين أيضاً عنها كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله (ص) وهو محرم والوبيص هو اللمعان، المفرق هو وسط الشعر وهو الذي يفرق فيه الشعر (وكذا ثوبه في الأصح) أي إزاره ورداؤه قياساً على البدن والأصح عدم تطيبه لأنه ينزع ويلبس حالة الإحرام فيكون المحرم قد استعمل طيباً قال بعضهم فيلزمه الفداء أما لو تعطر ثوبُهُ من بدنِهِ أو من جواره فلا بأس (ولا بأس باستدامته بعد الإحرام ولا بطيب له جِرم) لخبر عائشة السابق والجرم هو اللون فلا يتطيب مريد الإحرام بطيب له لون (لكن لو نزع ثوبه المطيب ثم لبسه لزمه الفدية في الأصح) وإن لم يكن لطيبه ريح وقيل لا يضر لأن من عادة الثوب أن ينزع ويلبس وقلنا الأصح ترك تطّيِبِه (وأن تخضب المرأة يدها) أي كل يد منهما بالحناء وكذا وجهها إن كان ملفتاً لستر لون البشرة لمرورها بين الناس وتعرضها للنظر على ألا تكون محدة والتخضيب غير التسويد والتطريف والنقش فكل هذا حرام لأنها بمعنى الحزن في التسويد أوالزينة في التطريف والنقش.
(ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين ونعلين ويصلي ركعتين للإحرام) وتغني عنهما صلاة الفريضة وروى الشيخان ومالك عن ابن عمر أن رجلاً نادى النبي (ص) فقالك ما يجتنب المحرمُ من الثياب فقال: "لا يلبس السراويل ولا القُمص ولا البرانس ولا العمامة ولا ثوباً مسه زعفران ولا ورس وَلْيُحرمْ أحدكم في إزار ورداء ونعلين" فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا إلى الكعبين.
وروى مسلم عن جابر أنه (ص) صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم وقد مرَّ نحوه من حديث ابن عمر وقد روى الشافعي وغيره عن ابن عباس "البسوا البياض فإنها خير ثيابكم" (ثم الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته) اي استوت على الطريق وتوجهت به إلى مقصده (أو توجه لطريقه ماشياً) فقد روى الشيخان عن ابن عمر أنه (ص) لم يهل حتى انبعثت به دابته وروى مسلم عن جابر قال: أمرنا رسول الله (ص) لما أهللنا أن نحرم إذا توجهنا أي إلى مقصدهم (وفي قول يحرم عقب الصلاة) جالساً لما روى الترمذي عن ابن عباس أنه (ص) أهل بالحج حين فرغ من ركعته وقال حديث حسن والأول أصح وأكثر رواةً (ويستحب إكثار التلبية ورفع صوته بها في دوام إحرام) أي مادام محرماً (وخاصة عند تغاير الاحوال كركوب وهبوط وصعود واختلاط رفقة) لما روى مالك في الموطأ وأصحاب السنن عن خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي قال: أتاني جبريل فأمرني أن أمر أصحابي فيَدِفعوا اصواتهم بالتلبية قال: الترمذي حديث حسن صحيح وترجم البخاري "رفع الصوت بالإهلال" عن أنس أن النبي (ص) صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين وسمعتهم يصرخون بها جميعاً أي بالتلبية والمرأة لا ترفع صوتها بل تقتصر على اسماع نفسها فإن رفعته كره لها ذلك (ولا تستحب في طواف القدوم) أي لا تستحب التلبية في طواف القدوم ولا في السعي لاختصاصهما بأذكار (وفي القديم تستحب فيه بلا جهر) لعموم أدلة التلبية (ولفظها لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) رواه الشيخان ويستحب تكرارها ثلاثاً وأصل لبيك التثنية أي ألبيك تلبية بعد تلبية والمعنى على كثرة الإجابة لا خصوص التثنية ويستحب وقفة بسيطة عند كلمة "والملك" (إذا رأى ما يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة) لما روى البيهقي عن عكرمة مرسلاً أن النبي (ص) قاله حين وقف بعرفات ورأى جمع المسلمين وقاله أيضاً في أعصب الأوقات واشدها فقد قاله (ص) في حفر الخندق. رواه الشافعي عن عكرمة (وإذا فرغ من تلبيته صلى على النبي صلى الله عليه وسلم) لندب ذكره كلما ذكر الله سبحانه قال تعالى: [ورفعنا لك ذكرك] الشرح:4 أي لا أُذْكَرُ إلا وتذكر معي والأولى صلاة التشهد كاملة (وسأل الله تعالى الجنة واستعاذ من النار) أخرجه البيهقي والشافعي والدارقطني من حديث خزيمة بن ثابت وفيه أبو واقد الليثي وهوضعيف.

باب دخول مكة
أي دخول المحرم مكة (والأفضل دخولها قبل الوقوف) بعرفة إن لم يخشَ فوات الوقوف كما فعله رسول الله (ص) وأصحابه (وأن يغتسلَ داخِلُهَا) أي من أراد دخولها اغتسل قبل دخولها فالقادم (من طريق المدينة بذي طوى يدخلها من ثنية كَدَاء) لخبر الشيخين عن ابن عمر أن النبي يبيت بذي طوى ثم يصلي الصبح ويغتسل" وروى مسلم أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً والثنية العليا هي المسماة باب المعلاة أو الحجون، وأما ثنية كُدىً والمعروفة بباب الشبيكة أما كُدي التي على طريق اليمن ليست المقصودة والثنية هي الطريق الضيقة.
(ويقول إذا أبصر البيت: اللهم زد هذا البيت تشريفا ًوتعظيماً وتكريماً ومهابة وزد مَنْ شرَّفه وعظَّمه ممن حَجَّهُ أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام) رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب ورواه الحاكم من حديث بن عينية عن سعيد بن المسيب أنه قال: سمعت من عمر فروى القول (ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة) سواء كان على طريقه أم لم يكن على طريقه لخبر البيهقي أن النبي (ص) دخل منه في عمرة القضاء وقال النووي في المجموع اتفق اصحابنا أنه يستحب للمحرم أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة وهو المعروف الآن بباب السلام وهو قبالة الحجر الأسود (ويبدأ بطواف القدوم) لحديث "أنه (ص) حج فأول شيء بدأ به حين قدم أن توضأ ثم طاف البيت" رواه الشيخان.
ولأن طواف القدوم هو تحية المسجد فيبدأ به ولو دخل والناس في مكتوبة صلاها معهم أولاً ولو أقيمت الجماعة وهو في الطواف قدَّمَ الصلاة ثم بنى على طوافه ولو قدمت المرأة نهاراً وكانت جميلة أو بَرْزَةً لا تبرز للرجال أخرت إلى الليل إن لم تخف حيضاً ونحوه.
(ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف) لأنه بعد الوقوف دخل وقت طواف الفرض أي طواف الإفاضة وطواف القدوم يسمى طواف التحية وطواف الورود وطواف الصدر وهو سنة (ومن قصد مكة لا لنسك استحب أن يحرم بحج أو عمرة) كمن دخل مكة لتجارة أو زيارة أو علاج فيستحب له أن يحرم بحج أوعمرة كتحية المسجد له (وفي قول يجب) لمداومة الناس على فعل ذلك والأول أصح لقوله (ص) هنَّ لهن أي المواقيت ولمن أتى عليهن من غير أهلهن فمن أراد الحج والعمرة. فقد علقه (ص) على الإرادة فلو كان للوجوب لما علقه على الإرادة أي الاختيار ومن دخل غير محرم لغير النسك فلا شيء عليه (إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد) وتاجر وسائق ودليل فلا يجب الإحرام عند كل دخول للمشقة في ذلك وقد روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.

فصل في واجبات الطواف
(للطواف بأنواعه) كطواف القدوم وطواف الإفاضة والوداع والتطوع (واجبات) وأركان وشروط لا يصح إلا بها وسنن يصح بدونها.
(أما الواجب فيشترط ستر العورة وطهارة الحدث والنجس) أما ستر العورة فكما في الصلاة وأما الطهارة فيجب أن تكون في الثوب والبدن والمكان لما روى ابن عباس أن النبي (ص) قال: الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه. رواه الترمذي والأثرم. وعن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق بعثه "في الحجة التي أمّره عليها" رسول الله (ص) قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن لا يحج بعد العام مُشْرِكٌ ولا يطوف بالبيت عُريان ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً كالصلاة فلو طاف عارياً أو محدثاً أو على ثوبه أو بدنه نجاسة غير معفو عنها لم يصح طوافه وكذا لو كان يطأ في طوافه النجاسة على أنه يعفى مما لا يمكن الاحتراز منه في المكان (فلو أحدث فيه توضأ وبنى وفي قول استأنف) كما في الصلاة ولكن الصلاة قصيرة فلا تحتمل ما يحتمله الطواف خاصة وأن الكلام مباح فيه (وأن يجعل البيت من يساره) ويمر إلى ناحية الحجر ويسير تلقاء وجهه وعلى طبيعة سيره ويعفى عن المريض الذي لا يستطيع أن يسير ووجهه أو ظهره إلى البيت (مبتدئاً بالحجر الأسود محاذياً له في مروره) عليه ابتداء (بجميع بدنه) بحيث لا يقدم جزءاً من بدنه على جزء من الحجر ويستحب استقباله عند شروعه في الطواف لخبر مسلم عن جابر أن النبي طاف بالبيت وقال خذوا عني مناسككم وفي رواية له عن جابر، لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشي على يمينه – "(يمين البيت)" فرمل ثلاثاً ومشي أربعاً (فلو بدأ بغير الحجر لم يحسب فإذا انتهى إليه ابتدأ منه) لإخلاله بالترتيب ويحسب له من حين ابتدائه بالحجر كما لو قدّم المتوضئ على غسل الوجه عضواً آخر لا يحسب هذا الغسل (ولو مشى على الشاذروان) وهو أساس البيت الخارج عن جداره مرتفعاً عن سطح الأرض قرابة ثلاثين سنتيمتراً ويجب أن يُتَنَبَهَ إلى أمر وهو أن من قّبل الحجر فقد أدخل رأسه في البيت فيلزمه أن يقر رجليه في موضعها حتى ينهي التقبيل ويعتدل قائماً ثم يتابع الطواف (أو مسّ الجدار في موازاته) أي في موازاة الشاذوان (أو دخل في إحدى فتحتي الحِجْرِ) والذي يحيط به الركنان الشاميان (وخرج من الأخرى) لم يصح طوافه لأن الله سبحانه قال: [وليطّوّفوا بالبيتِ العتيق] الحج:29 ولخبر مسلم عن عائشة قالت "سألت رسول الله (ص) عن الحجْر أمن البيت هو؟ قال نعم: قلت فما بالهم لم يُدْخِلوهُ البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولو لا أن قومك حديثو عهد في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه بالأرض لفعلت.
(وفي مسألة المسِّ وجه) أي لو أدخل بعض جسمه داخل البيت أثناء التقبيل وجه أن طوفته صحيحة لأن معظم جسمه خارج البيت في مكان الطواف.
(وأن يطوف سبعاً داخل المسجد) ولو في الأوقات المنهي عنها لحديث مسلم عن جابر: أن النبي لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً (داخل المسجد) ولو على سطحه أو في أخرياته وإن كان أعلى من الكعبة لأنه يصدق أنه طائف بها إذ لهوائها حكمها ولا يضر حائلٌ كالأعمدة وآنية السقاية (وأما السنن فأن يطوف ماشياً) ولو امرأة ولا يركب إلا لعذر وأما ركوب النبي (ص) في حجة الوداع كما رواه الشيخان حتى يظهر فَيُسْتَفْتىَ ولو طاف راكباً بلا عذر جاز بلا كراهةٍ بشرط أن يأمن تلويث المسجد وقيل: مكروه كراهة تحريم سواءً لحاجة أو غيرها إذا كان على دابة يمكن أن تلوث المسجد (ويستلم الحجر أول طوافه ويقبله) لخبر الشيخين عن ابن عمر أنه رأى رسول الله (ص) قبله (ويضع جبهته عليه) لخبر البيهقي عن ابن عباس: قال: "رأيت النبي (ص) سجد على الحجر" رواه الحاكم وصححه (فإن عجز) عن التقبيل ووضع الجبهة لزحمة (استلم) أي اقتصر على الاستلام باليد (فإن عجز أشار بيده) فقد روى مسلم والشافعي وأحمد عن عمر رضي الله عنه أن النبي قال له: "يا عمر إنك رجلٌ قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة، وإلا فهلل وكبر" فإن عجز عن الاستلام فيشير بيده اليمنى فإن عجز فاليسرى لما روى البخاري عن ابن عباس قال: "رأيت النبي (ص) طاف على بعير له، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء عنده وكبّر" (ويراعي ذلك في كل طوفةٍ ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمها ويستلم اليماني ولا يقبله) لخبر ابن عمر أنه (ص) كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني لكن يقبل اليد بعد استلام الحجر لما روى مسلم عن نافع قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم يقبل يديه ويقول: ما تركته منذ رأيت رسول الله (ص) يفعله" (وأن يقول أول طوافه بسم الله والله أكبر اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم) رواه الشافعي عن ابن أبي نجيح (وليقل قبالة البيت: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار) ويشير إلى مقام إبراهيم (وبين اليمانيين: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن السائب قال: سمعت النبي (ص) يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي كان يدعو فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق" (وليدع بما شاء ومأثور الدعاء أفضل من القراءة وهي أفضل من غير مأثورة) أي أن المنقول من الدعاء أفضل من غير المنقول والقراءة أفضل من غير المأثورة لأن الموضع موضع ذكر والقرآن أفضل الذكر نقله أبو حامد الأسفراييني عن نص الشافعي وروى الترمذي وحسنه أن النبي يقول: إن الرب يقول: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه.
(وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى بأن يسرع مشيه مقرباً خطاه ويمشي في الباقي) لخبر الشيخين عن ابن عمر أن النبي (ص) إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً وروى مسلم عن ابن عمر كان إذا طاف بالبيت رمل من الحَجَر إلى الحجر ثلاثاً ومشى أربعاً والخبُّ والرَمَلُ شيء واحد وهو المشي بإسراع مقرباً خطاه وهو مشي لا عدو فيه ولا وثب وحكمته الأصليه أنه (ص) لما قدم بأصحابه إلى مكة في عمرة القضاء قال المشركون إنه قدم عليكم قوم قد أوهنتهم حمى يثرب فبلغتهم فأمر رسول الله (ص) أصحابه بالرَمَلَ ليرى المشركون جلدهم وقوتهم فلو كان محمولاً رَمَلَ به الحاملُ أو راكباً حرك دابته (ويختص الرَمَلُ بطواف يعقبه سعي وفي قول بطواف القدوم) لأنه هو الذي رَمَلَ به رسول الله (ص) كما في خبر ابن عمر السابق فيرمل من دخل مكة معتمراً لأن طواف العمرة يجزئ عن طواف القدوم وكذا من لم يدخلها إلا بعد الوقوف بعرفة وكذلك من أراد السعي بعد طواف القدوم رمل فيه فإذا رَمَلَ فيه وسعى عقبه لا يرمل في طواف الإفاضة.
(وليقل فيه) أي الرمل (اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً) رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق الشافعي (وأن يضطبع في جميع كل طواف يرمل فيه) ولو صبياً (وكذا في السعي على الصحيح) قياساً على الطواف، وسواءً اضطبع في الطواف قبله أم لا وقيل لا يضطبع في السعي لأنه لم يَرِدْ (وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على الأيسر) ويكشف منكبه الأيمن، والأضطباع مشتق من الضبع وهو العَضُد أي لإبراز ما فيه من قوة واجتهاد فقد روى أبو داود عن ابن عباس أن النبي (ص) وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت إباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى وروى أبو داود وابن ماجة أن النبي (ص) طاف مضطبعاً (ولا ترمل المرأة ولا تضطبع) بل يكرهان لها وإن أرادت التشبه بالرجال حرم (وأن يقرب من البيت) تبركاً به لشرفه ولأنه أيسر لنحو استلام وقصر مسافة إلا إذا وجدت زحمة (فلو فات الرَمَلُ بالقرب لزحمةٍ فالرمل من بُعدٍ أولى) لأن ما تعلق بذات العبادة أفضل مما تعلق بمحلها (إلا أن يخاف صَدْمَ النساء) بالبعد، لأن من عادة الصالحات أن لا يزاحمن الرجال ويطفن بالبعد، بحاشية المطاف، (فالقرب بلا رمل أولى) تحرزاً من مصادمتهن المؤدية إلى انتقاض الطهارة (وأن يوالي طوافه) وفي قول تجب الموالاة، وتبطل الموالاة بالتفريق الكثير بين أشواط الطواف وفي بعضها بحيث يغلب على ظن الناظر إليه تركه الطواف (ويصلي بعده ركعتين خلف المقام يقرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص) لقوله تعالى: [واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] البقرة:125 وروى القراءة مسلم عن جابر في صفة حجة النبي (ص) (ويجهر ليلاً) كبقية الصلوات (وفي قول تجب الموالاة والصلاة) لأنه (ص) لما فعلها تلا قوله تعالى: [واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] فأفهم أن الآية آمره بها والأمر للوجوب، وهذا مردود بخبر الصحيحين لما سأل الأعرابي النبي عن الفرائض قال له: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد من حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. قال: فهل علي غيرها قال: لا إلا إن تطّوّع كما أنها صلاة لم تجب فيها الجماعة فهي ليست واجبة، ولا تجب النية في الطواف لأن نية الحج والعمرة تشمله (ولو حمل الحلال محرماً وطاف به حُسِبَ للمحمول وكذا لو حمله محرم قد طاف عن نفسه وإلا) أي وإن لم يكن طاف عن نفسه (فالأصح أنه إن قصده للمحول فله) أي المحمول ويكون حكم الحامل في هذه الحالة كحكم الدابة (وإن قصده لنفسه أولهما فللحامل فقط) لأن طوافه لا يحتاج إلى نية حيث هو تابع لحجه، وقيل يقع لهما لأن أحدهما دار والآخر دَيِرَ به.

فصل في واجبات السعي
يسن بعد ركعتي الطواف أن يأتي زمزم فيشرب منها ويصب على رأسه ثم (يستلم الحجر بعد الطواف وصلاته) وذهابه لزمزم ويقبل الحجر إن استطاع ويضع جبهته عليه أو يستلمه، لما رواه مسلم عن جابر في صفة حج النبي: "وكان ابن عمر يفعله" (ثم يخرج من باب الصفا للسعي) بين الصفا والمروة، لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه (ص) بدأ بالصفا وختم بالمروة (وشرطه أن يبدأ بالصفا وأن يسعى سبعاً ذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه أخرى) فقد أخرج النسائي من حديث جابر الطويل وصححه ابن حزم أن النبي (ص) بدأ بالصفا وقال ابدؤوا بما بدأ الله به (وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما) لأنه الوارد عن رسول الله (ص) قال الماوردي: وذلك إجماع قبل (الوقوف بعرفة) فإن وقف بها وجب إعادة السعي بعد طواف الإفاضة لفوات التبعية بالوقوف بعرفة (ومن سعى بعد قدوم لم يعده) لما روى مسلم عن جابر قال: "لم يطف النبي (ص) ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول "أي سعيه" قال الرافعي: "ولا تستحب إعادته بعد طواف الركن" وقال ابو محمد الجويني: "تكره" وهو المعتمد (ويستحب أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامةٍ) لما روى مسلم عن جابر أنه (ص) بدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت وأنه فعل على المروة كما فعل على الصفا (فإذا رقي قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر على ما هدانا. والحمد لله على ما أولانا. لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير) لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (ثم يدعو بما يشاء ديناً ودنيا. قلت ويعيد الذكر والدعاء) السابقين رواه مسلم (ثانياً وثالثاً والله أعلم) ذكر ذلك الشافعي في الأم والبويطي، ويسن أن يقول اللهم إنك قلت ادعوني استجب كم وإنك لا تخلف الميعاد وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر (وأن يمشي أول السعي وآخره ويعدو في الوسط) لقول جابر: ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى إلى المروة (وموضع النوعين معروف) وهو ما بين الميلين الأخضرين وإذا عاد من المروة إلى الصفا مشى في موضع مشية وسعى في موضع سعيه والمرأة لا تسعى، ويستحب أن يقول في سعيه رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الأعز الأكرم وأن يوالي بين السعي والطواف ولا يشترط في السعي طهارة وستر عورة ويجوز راكباً وإن شك في العدد بنى على الأقل
فصل في الوقوف بعرفة
(ويستحب للإمام) إن حضر الحج (أو منصوبه) أي نائبه في الحج (أن يخطب بمكة) يفتتحها المحرم بالتلبية وغير المحرم بالتكبير (في سابع ذي الحجة) ويسمّى يوم الزينة لأنهم كانوا يزينون فيهم مراكبهم (بعد صلاة الظهر) أو الجمعة (خطبة فردة) واحدة لا جلوس فيها (يأمر فيها بالغدو إلى منى) بحيث يكونون بها قبيل الظهر مالم يكن جمعة وهو اليوم الثامن ويسمى يوم التروية لأنهم كانوا يملأون آنيتهم بالماء لقلة الماء في المناسك (ويعلمهم ما أمامهم من المناسك) إلى آخر المناسك أو إلى الخطبة التي تلي وهي خطبة عرفة فقد روى البيهقي عن ابن عمر أنه (ص) خطب قبل يوم التروية بيوم وأخبرهم بمناسكهم قال الذهبي تفرد به أبو قرة الزبيدي عن موسى وهو صحيح.
( ويخرج بهم من الغد) بعد صلاة الصبح إن لم يكن يوم جمعة (إلى منى) فيصلون بها الظهر وباقي الخمس رواه مسلم من حديث جابر فإذا كان يوم جمعة خرج بهم قبل الفجر ويجوز خروجهم بعد الجمعة (ويبيتوا بها فإن طلعت الشمس قصدوا عرفات) لخبر مسلم من حديث جابر أنه (ص) مكث بمنى حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها (قلت ولا يدخلونها بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس والله أعلم ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين) خفيفتين يعلمهم في الأولى المناسك ويحثهم على إكثار الذكر والدعاء بالموقف ويجلس بعدها بقدر سورة الإخلاص ثم يقوم إلى الثانية ويأخذ المؤذن في الأذان ويخففها بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الأذان والإقامة (ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعاً) وقصراً رواه مسلم من حديث جابر الطويل وتفعلان مع الخطبة بمسجد نمرة والذي صدره من عُرَنةِ وآخرُهُ من عرفه وصدره هو محل الخطبة والصلاة.
فقد روى الشافعي والبيهقي عن جابر أنه (ص) راح إلى الموقف فخطب في الناس الخطبة الأولى ثم أذن بلال ثم أخذ النبي (ص) في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان ثم أقام بلال فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر.
(ويقفوا بعرفة إلى الغروب) ندباً والأفضل أن يقفوا بعد الغروب حتى تزول الصفرة قليلاً (ويذكروا الله تعالى ويدعوه ويكثروا التهليل) رواه مسلم من حديث جابر وروى البيهقي من حديث طلحة بن عبد الله بن كَريز مرسلاً "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفه وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ورواه الترمذي موصولاً من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه مالك في الموطأ ولا بأس برفع يديه بالدعاء فقد روى البيهقي عن ابن عباس قال: "رأيت رسول الله (ص) يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين.
ويدعو لأخوانه فقد روى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: قال عمر: يغفر الله للحاج ولمن اسغفر له الحاج وليحسن الواقف الظن بالله تعالى فلما رأى الفضيل بن عياض بكاء الناس بعرفة ضرب لهم مثلاً ليرشدهم فقال لهم: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً "أي سدس درهم" أي التافه من المال. أكان يردهم؟ فقالوا لا فقال: والله لَلْمغفرةُ عند الله أهون من إجابة رجل بدانق. وفضل يوم عرفة عظيم فقد روى مسلم عن عائشة أن النبي (ص) قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة" ومن الدعاء المختار في يوم عرفة: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة واكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك ونوّر قلبي وقبري واهدني واعذني من الشرِّ كله واجمع لي الخير اللهم إني أسألك الهدى والقى والعفاف والغنى.
(فإذا غربت الشمس قصدوا مزدلفة) أي من يوم عرفة قصدوا مزدلفة وهي كلها من الحرم وحدها ما بين مأزمي عرفة ووادي مُحَسّر وتسمى أيضاً جَمْعاً سميت بذلك لاجتماع الناس بها وقيل: لأنه يجمع فيها بين المغرب والعشاء، والوقوف بها واجبٌ يجبره دمٌ وقيل: سنة ويحصل بلحظة بعد منتصف الليل ولو بالمرور (وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعاً) لخبر أنه (ص) أتى المزدلفة فجمع بها بين المغرب والعشاء رواه الشيخان من حديث أبن مسعود وابن عمر وأبي أيوب وأسامة بن زيد ورواه مسلم عن جابر في صفة حج النبي (وواجب الوقوف حضوره بجزء من أرض عرفات وإن كان ماراً في طلب آبقٍ ونحوه بشرط كونه أهلاً للعبادة لا مغمى عليه) لقوله (ص): "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج" رواه أصحاب السنن وأحمد عن عبد الرحمن بن يعمر، وروى مسلم من حديث جابر: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" والآبق هو الشارد والضائع والمقصود: أن الصرف في المرور لا يضر إلا ألاّ يكون عالماً بالبقعة، وألاّ يكون فاقداً للوعي جميع وقت الوقوف فلا يجزئ وقوفه إذا كان مغمى عليه جميع الوقت لعدم أهليته للعبادة فإن أفاق لحظة كفى كما في الصوم، والفرق بين الطواف بالبيت والوقوف بمزدلفة أن الطواف بالبيت قربة مستقلة (ولا بأس بالنوم) المستغرق لأن النائم أهلٌ للعبادة (ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفه) لأنه (ص) وقف كذلك وقال: "خذوا عني مناسككم" ولحديث عروة بن مُضَرّس السابق: وأتى عرفات كذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه" (والصحيح بقاؤه إلى الفجر يوم النحر) لحديث عروة السابق. وروى أبو داود وغيره من حديث عبد الرحمن بن يعمر الحج عرفة من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جَمعٍ فقد تمَّ حجه" (ولو وقف نهاراً ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد أراق دماً استحباباً) للخبر السابق "فقد تمَّ حجه" ولو نقص الحج لوجب جبره (وفي قول يجب) لأنه ترك نسكاً فعله (ص) وهو الجمع بين الليل والنهار (وإن عاد فكان بها) أي بعرفة (عند الغروب فلا دم) عليه جزماً لأنه جمع بين الليل والنهار (وكذا إن عاد ليلاً في الأصح) لأنه جمع بين الليل والنهار وقيل يجب أول الليل (ولو وقفوا اليوم العاشر غلطاً) سواءً تبين لهم وذلك بعد الوقوف أو أثناءه أو قبله وبعد انقضاء التاسع بأن غُمَّ هلال ذي الحجة فاكملوا ذي القعدة ثلاثين (أجزأهم) الوقوف إجماعاً لمشقة القضاء عليهم مع كثرتهم ولأنهم لا يأمنون أن يقع هذا الخطأ في القضاء وتحسب لهم أيام التشريق والعيد على حسب وقوفهم (إلا أن يقلوا على خلاف العادة في الأصح) لعدم المشقة العامة فقد روى أبو داود من رواية عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد "يوم عرفه الذي يعرف الناس فيه وعبد العزيز تابعي فلذا يكون الحديث مرسلاً ورواه الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: رجل حج أول ما حج فأخطأ الناس بيوم النحر أيجزئ عنه؟ قال: نعم قال: وأحسبه قال: قال رسول الله (ص) "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" قال: وأراه قال: وعرفة يوم تعرفون رواه الترمذي وصححه ورواه الدار قطني من حديث عائشة مرفوعاً. (وإن وقفوا في الثامن) غلطاً بأن شهد اثنان برؤية الهلال ليلة الثلاثين من ذي القعدة ثم بانا فاسقين أو كافرين (وعلموا قبل) فوت (الوقوف) أن الشاهدين ممن لا تقبل شهادتهم وأنهم إنما وقفوا في الثامن من ذي الحجة (وجب الوقوف في الوقت وإن علموا بعده) أي بعد الوقوف بعرفة (وجب القضاء في الأصح) أي إن علموا قبل وقوفهم أنهم قد أخطأوا وقفوا في الوقت وهذا ممكن أما إذا علموا بعد فوات الوقت فقد وجب القضاء لأن الخطأ في التقديم نادر ويمكن الاحتراز منه ومقابل هذا القول أنه لا يجب القضاء مطلقاً لعموم الخبر السابق وهو قول أحمد ومالك رحمهما الله.

فصل في المبيت بمزدلفة
(ويبيتون بمزدلفة) وجوباً ويحصل بلحظة من النصف الثاني ولو بالمرور كما ذكرنا سابقاً وقد بات النبي (ص) كما في حديث جابر وقال: "خذوا عني مناسككم"
(ومن دفع منها بعد نصف الليل) ولم يعد (أو قبله وعاد قبل الفجر فلا شيء عليه) لخبر الصحيحين عن عائشة أن سودة وأما سلمة رضي الله عنهن أفاضتا في النصف الأخير بإذنه (ص) ولم يأمرهما ولا من كان معها بدم. فالواجب هو الوجود بمزدلفة بعد منتصف الليل وسواءً في ذلك إن كان موجوداً بها في النصف الأول أم لا نص عليه في الأم.
(ومن لم يكن بها في النصف الثاني أراق دماً وفي وجوبه القولان) السابقان فيمن لم يكن بعرفة عند الغروب أما لو أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للإفاضة بعد نصف الليل ففاته المبيت بمزدلفة فلا شيء عليه لاشتغاله بنسك وهو الطواف ويعذر أيضاً عن المبيت بمزدلفة من جاء عرفة ليلاً فاشتغل بالوقوف عن المبيت.
(ويسن تقديم النساء والضعفة بعد منتصف الليل إلى منى) فقد روى الشيخان عن ابن عباس قال: كنت فيمن قَدَّمَ رسول الله (ص) في ضعفه أهله إلى منى. أي ليرموا جمرة العقبة قبل الزحام (ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلسين) ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام ففي حديث جابر السابق أن النبي (ص) صلى الصبح حين تبين له الصبح وفي حديث ابن مسعود "صلي الفجر حين طلع الفجر قائل يقول طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع" رواه البخاري.
(ثم يدفعون إلى منى ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي) أي سبع حصيات لرمي جمرة العقبة لما روى البيهقي والنسائي عن الفضل بن عباس أن رسول الله (ص) قال له غداة النحر التقط لي حصى قال فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف وهي ما يرمى باليد عادة وهي قرابة سلامى اليد. وقيل أكبر من الحمص وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم (فإذا بلغوا المشعر الحرام) وهو جبل صغير في آخر مزدلفة يقال له قُزح (وقفوا ودعوا إلى الأسفار) مستقبلين القبلة فقد روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) لما صلى ركب القصواء أي ناقته حتى أتى على المشعر الحرام واستقبل القبلة ودعا الله تعالى وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ويكثرون من قولهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ويكون من جملة دعائه: اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولِكِ وقولُكَ الحقُّ [فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام] (البقرة:198) ومن جملة الذكر: الله أكبر – الله أكبر – الله أكبر -لا إله إلا الله – الله أكبر ولله الحمد.
(ثم يسيرون فيصلون منى بعد طلوع الشمس فيرمي كل شخص حينئذ سبع حصيات إلى جمرة العقبة ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي) لأخذه في أسباب التحلل (ويكبر مع كل حصاة) ثلاثاً وهي تحية منى وتسمى أيضاً الجمرة الكبرى وليست من منى بل حدُّ منى من جهة مكة ويجعل مكة على يساره ومنى على يمينه فقد روى الشيخان عن أنس بن مالك أن النبي (ص) أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال: للحلاق خذ وأشار إلى جنبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس (ثم يذبح من معه هدي) أي ما يُهدى إلى مكة تقرباً إلى الله تعالى من نذر أو تطوع أو أضحية فإن لم يكن معه هدي وعليه هديٌ واجبٌ اشتراه وذبحه والمستحب أن يتولى ذلك بيده وإن استناب غيره جاز وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي (ص) أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه وقال أنس نحر النبي (ص) بيده سبع بدنات قياماً رواه البخاري.
والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى فيضربها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر وقيل هو معنى قوله تعالى: [فإذا وجبت جنوبها فاذكروا اسم الله عليها صواف] الحج:36 أي قياماً.
(ثم يحلق أو يقصر والحلق أفضل) قال تعالى: [محلقين رؤوسكم ومقصرين] الفتح:27 وقال (ص) : "اللهم ارحم المحلقين فقالوا يا رسول الله: والمقصرين فقال: اللهم ارحم المحلقين حتى قال في الرابعة: والمقصرين" رواه الشيخان (وتُقَصّرُ المرأة) لخبر أبي داود عن ابن عباس: "ليس على النساء حلق وإنما يُقَصِّرنَ" واسناده حسن، ويكره للمرأة الحلق (والحلق نسك على المشهور) أي هو ركن واستدل على ذلك بالحديث السابق، حيث دعا لفاعله بالرحمة، والثاني هواستباحة محظور كلبس المخيط، فقد روى البخاري عن جابر أن النبي (ص) قال "أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة (وأقله ثلاث شعرات) أي التقصير بقوله تعالى: [محلقين رؤوسكم] الفتح: 27 أي شعور رؤوسكم لأن الرأس لا يحلق، وأقل الجمع ثلاث، أو جزءٍ من كلٍ من ثلاثةٍ الأقل، ولو على دفعات (حلقاً أوتقصيراً أو نتفاً أو إحراقاً أو قصاً) مما يحاذي الرأس أو مما استرسل عنه من سائر وجوه الإزالة لأنها المقصود إلا مَنْ نذر الحلق فقد تعين عليه، والحلق: استئصال الشعر بحيث لا يظهر منه شيء لمن هو في مجلس التخاطب (ومن لا شعر برأسه يستحب إمرار الموس عليه) ليتشبه بالحالقين (فإذا حلق أو قصر دخل مكة وطاف طواف الركن) قال تعالى: [وليطوفوا بالبيت العتيق] الحج:29 ولهذا الطواف وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعدالرمي والنحر والحلق لقول جابر في صفة حجه (ص) يوم النحر: "فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر وقال ابن عمر: "أفاض النبي (ص) يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر" متفق عليه، وأماوقت الجواز فمن منتصف ليلة النحر وآخره غير محدود فمتى أتى به صح وصفته كصفة طواف القدوم غير أنه ينوي به طواف الركن والأصح أنه يكفيه نية الحج كما ذكرنا ولا اضطباع فيه ولا رمل (وسعى إن لم يكن سعى) أي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وهذا السعي ركنٌ (ثم يعود إلى منى) قبل صلاة الظهر رواه مسلم عن ابن عمر ولا يعارضه ما رواه مسلم عن جابر أنه صلى الظهر بمكة قال النووي في المجموع: "صلى بمكة في أول الوقت بعد الزوال ثم رجع إلى منى وصلى ثانياً إماماً بأصحابه كما صلى بهم في بطن نخل مرتين كما ذكرنا ذلك في صلاة الخوف (وهذا الرمي والذبح والحلق والطواف يسن ترتيبها كما ذكرنا) ولا يجب لما روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو وعن ابن عباس أنه (ص) ما سئل عن شيءٍ يومئذٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال: "افعل ولا حرج" وروى مسلم أن رجلاً جاء إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي فقال: إرم ولا حرج. واتاه آخر قال إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: "إرم ولا حرج" (ويدخل وقتها) جميعاً إلا ذبح الهدي (بنصف ليلة النحر) لمن وقف قبل ذلك بعرفة فقد روى أبو داود عن عائشة بإسناد صحيح أن النبي (ص) أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت، وقيس الباقي منها عليها (ويبقى وقت الرمي إلى آخر يوم النحر) فقد روى البخاري عن ابن عباس أن النبي كان يُسْأَلُ يوم النحر بمنى فسأله رجل فقال "رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج، والمساء بعد الزوال" (ولا يختص الذبح بزمن قلت: الصحيح اختصاصه بوقت الأضحية وسيأتي في باب محرمات الإحرام على الصواب والله أعلم) ومن الهدي دم الجبران، فالمعنى أن الهدي المتقرب به إلى الله لا يختص بزمن لكنه يختص بالحرم بخلاف الضحايا فتختص بالعيد وأيام التشريق، ولكن الإمام النووي قاس الهدي على الأصحية، وليس الأمر كذلك فالهدي مِنْ غَيِرِ الأضحيةِ لا يختصُ بزمنٍ (والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها) وفعلها يوم النحر أفضل كما تقدم (وإذا قلنا الحلق نسك) وهو المشهور (ففعل اثنين من الرمي والحلق والطواف) المتبوع بالسعي إن لم يكن سَعَىَ من قبل (حصل التحلل الأول) من تحللي الحج (وحل به اللبس والحلق والقلم) وستر الرأس للرجل والوجه للمرأة والتطيب لما روى الشيخان عن عائشة: "طيبتُ رسول الله (ص) لا حرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (وكذا الصيد وعقد النكاح في الأظهر) والمباشرة فيما دون الفرج لأنها من المحرمات التي يُمْنَعُ تعاطيها في الإحرام فأشبهت الحلق (قلت الأظهر: لا يحل عقد النكاح) وكذا المباشرة فيما دون الفرج لما روى النسائي وابن ماجة: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء (والله أعلم وإذا فعل الثالث حصل التحلل الثاني وحل به باقي المحرمات) إجماعاً وهو الجماع والمباشرة وعقد النكاح ووجب عليه إتمام مناسك الحج وهي الرمي والمبيت وحكم هذا التحلل كمن خرج من الصلاة بالتسليمة الأولى فيطلب منه الثانية لكن الطلب في الصلاة على الندب وهنا على الوجوب.

فصل في مبيت ليالي أيام التشريق الثلاثة بمنى
(إذا عاد إلى منى) من مكة (بات بها) وجوباً (ليلتي التشريق) وأولها من جهة مكة أول العقبة ومن جهة عرفة مٌحَسّر والمبيت يعني أكثر الليل (ورمى كلَّ يوم) من أيام التشريق الثلاثة وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر (إلى الجمرات الثلاث كل جمرة سبع حصيات) وجوباً ومجموع المرمي ثلاث وستون حصاة (فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر قبل غروب الشمس جاز وسقط مبيتُ الليلة الثالثة ورميُ يومها) قال تعالى: [فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه] البقرة:203 (فإن لم ينفر حتى غربت) الشمس (وجب مبيتها ورمى الغد) رواه مالك عن ابن عمر (ويدخل رمي التشريق بزوال الشمس) وهي ثلاثة أيام سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون اللحم فيها أي ينشرونه حتى يجف أي يجعلونه قديداً. ويستحب الرمي عقب الزوال وقبل صلاة الظهر ما لم يضق الوقت فقد روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) رمى الجمرة يوم النحر ضحى ثم لم يرم في سائر الأيام حتى زالت الشمس" ورواه الحاكم من حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر (ويخرج بغروبها) لعدم وروده بالليل (وقيل يبقى إلى الفجر) كما يبقى الوقوف بعرفة وذلك في اليومين الأوليين من أيام التشريق بخلاف اليوم الثالث لأن المناسك تنتهي بغروب شمسه.
(ويشترط رمي السبع واحدة واحدة) رواه البخاري من حديث ابن عمر (وترتيب الجمرات) بأن يرمي أولاً الجمرة التي تلي مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة رواه البخاري.
وروى البخاري عن الزهري أن رسول الله كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منى يرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو وكان يطيل الوقوف ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمىبحصاة ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبلَ القبلة رافعاً يديه يدعو ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصبات يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها قال الزهري سمعت سالم بن عبد الله يحدث مثل هذا عن أبيه عن النبي (ص) وكان ابن عمر يفعله.
(وكون المَرْمِي حجراً) لذكر الحصى في الحديث السابق وغيره فلا يجزئ ما ليس بحجر فيجزئ الحصى والرخام والمرمر وكسارة الصخور.
(وأن يسمى رمياً) فلا يكفي الوضع في المرمى ويشترط قصد الرمي فلو سقطت بنفسها لم يجزئ (والسنة أن يرمي بقدر حصى الخذف) وهي مثل السلامي كما ذكرنا أي قريباً من حبة الفول وفوق حبة الحمص فلو رمى بأكبر منها أو أصغر كره واجزأته وكيفية الخذف أن يضع الحجرة على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة. ولا تضر أي هيئة للرمي على أن يكون الرمي باليد لا بالقوس أو المقلاع أو الرجل.
(ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى) فلو تدحرج وخرج منه لم يضر لحصول اسم الرمي.
(ولا كون الرامي خارجاً عن الجمرة) فيصح رمي الواقف فيها أو على طرفها فيرمي في طرفها الآخر.
(ومن عجز عن الرمي استناب) لعلة لا يرجو زوالها قبل خروج وقت الرمي ولأنه نسك جازت النيابة فيه فجازت في أبعاضه ولا يجوز رمي النائب عن المستنيب حتى يكون قد رمى عن نفسه فلو خالف وقع عن نفسه ولو زال عذر المستنيب بعد الرمي والوقت باقٍ فليس عليه إعادة الرمي.
(وإذا ترك رمي يوم أو يومين عمداً أو سهواً تداركه في بقية الأيام على الأظهر) فيتدارك الأول في الثاني أو الثالث والثاني أو الأول والثاني في اليوم الثالث ويكون ذلك أداءً لأن وقت الرمي جميع أيام التشريق كما هو وقت عرفة إلى الفجر وكذلك حكم رمي جمرة العقبة إذا أخرها فلا شيء عليه ولكن يجب الترتيب لأنها عبادات يجب الترتيب فيها مع فعلها في أيامها فوجب ترتيبها مجموعة كالصلاتين المجموعتين والفوائت. ويجوز التدارك بالليل لأن القضاء لا يتأقت (ولا دم) أي مع التدارك لأن جملة أيام التشريق في حكم الوقت الواحد (وإلا فعليه دم) إن لم يتدارك في رمي يوم واحداً أو يومين أو الثلاثة.
(والمذهب تكميل الدم في ثلاث حصيات) كما يكمل في حلق ثلاث شعرات وقيل يكمل في ترك رمي جمرة كاملة وأما في الحصاة والحصاتين ففي الحصاة مدُّ طعام وفي الحصاتين مدان.
ومثل ذلك ترك المبيت بمنى ليالي التشريق فقيل يجب في كل يوم دم وقيل في كل يوم مدُّ طعام وفي الثلاثة عند تركها جمعياً دم فإن تعجل ففي اليومين دم لأنه في حكم ترك المبيت ثلاثاً. قال الإمام النووي في شرح المهذب وترك المبيت ناسياً كتركه عامداً صرح به الدارمي وغيره هذا كله في غير المعذورين أما المعذورون ومنهم من يخاف على نفسٍ أو مالٍ أو موت قريب أو ضياع مريض بلا متعهد أو خوف على زوجة وولد في مكان غلب فيه قلة الأمن وأيضاً من يقوم على حفظ الأمن وإعداد ما يريح الحجيج وسقاية العباس ليست قيداً بل كل سقاية فلهم جميعاً ترك المبيت ليالي منى من غير دم فقد روى الشيخان عن ابن عمر أنه (ص) رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل السقاية وروى أصحاب السنن ومالك عن عاصم بن عدي أنه (ص) رخص لرعاء الأبل أن يتركوا المبيت بمنى قال الترمذي: حديث حسن صحيح وإذا ترك رمي يوم النحر فيتداركه كما يتدارك غيره (وإذا أراد الخروج من مكة) أي بعد فراغ النسك (طاف للوداع) وجوباً لما روى البخاري عن أنس أنه (ص) لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع. وروى مسلم عن ابن عباس أنه (ص) قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" وروى الشيخان عن ابن عباس أن النبي (ص) أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يجب بتخصيصها بذلك معنى ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه. فلو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع، ومن لم يكن في نسك وأراد الخروج من مكة طاف للوداع في أصح الأقوال وأما من أراد الإقامة بمكة بعد فراغ النسك فلا يؤمر بطواف الوداع (ولا يمكث بعده) أي وبعد ركعتيه وبعد الدعاء وبعد الشرب من زمزم لخبر مسلم عن ابن عباس السابق أما إذا تأخر بأسباب الخروج كشراء الزاد وربط الأمتعة وصلاة حضرت وتوديع صديق فلا شيء عليه (وهو واجب يجبر تركه بدم وفي قول سنة لا يجبر) أي لا يجب دم بتركه كطواف القدوم ولا خلاف أن التارك للوداع قد أساء، والخلاف هل الجبر واجب أم مندوب (فإن أوجبناه فخرج بلا وداع فعاد قبل مسافة القصر) فطاف بالبيت (سقط الدم) كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه (أو عاد بعدها فلا على الصحيح) أي عاد بعد قطعه مسافة القصر والأصح السقوط (وللحائض النفر بلا وداع) لخبر ابن عباس السابق أنه رخص للحائض لكن إذا طهرت قبل مفارقة مكة لزمها العود لتطوف بخلاف ما إذا كانت خارج مكة وأما المستحاضة والمتحيرة فتطوف بالبيت إذا كانت لا تؤذي الحرم بدمها (ويسن شرب ماء زمزم) وأن يتضلع منه وأن يستقبل القبلة عند شربه وأن ينوي حال شربه ما شاء من جلب نفع أو دفع ضر. فقد روى مسلم أنها مباركة أنها طعام طعم وزاد الطياليسي في مسنده وشفاء سقم (وزيارة قبر رسول الله (ص) بعد فراغ الحج) لما روى ابن خزيمة عن ابن عمر: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" ولما روى الدارقطني عن ابن عمر: "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي" وروى ابن عدي: "من حج ولم يزرني فقد جفاني" وروى أحمد وأبو داوود عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردَّ الله علي روحي حتى أردَّ عليه السلام" قال الحافظ ابن حجر وهو أصح ما ورد في زيارة قبر النبي (ص) فزيارة قبره (ص) من القربات المستحبة فإذا انصرف الحاج من مكة ندب له التوجه إلى المدينة وليكثر في طريقه من الصلاة على النبي (ص) ويستحب أن يلبس أنظف ثيابه، فإذا دخل المسجد قصد الروضة وهي ما بين القبر والمنبر، فيصلي تحية المسجد بجنب المنبر ثم يأتي القبر فيستقبل رأسه ويستدبر القبلة ويقف مستحضراً الهيبة والإجلال فارغ القلب من هموم الدنيا، ويسلم ولا يرفع صوته وأقل السلام: "السلام عليك يا رسول الله" فقد روي عن فاطمة أن النبي (ص) علمها إذا دخلت المسجد أن تقول: بسم الله والصلاة على رسول الله. اللهم أغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك ثم تأتي القبر فتولي ظهرها القبلة وتقول "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" ثم يتأخر الزائر إلى صوب يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر فإن رأسه عند منكب رسول الله ثم يتأخر قدر ذراع فيسلم على عمر ثم يعود فيستقبل القبلة ويدعو لنفسه ومن شاء من المسلمين.

فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أدائهما وما يتعلق بذلك
(أركان الحج خمسة الإحرام به) أي نية الدخول في الحج (والوقوف والطواف) إجماعاً في الثلاثة قال تعالى: [وليطوفوا بالبيت العتيق] الحج:29 (والسعي) لما روى الدارقطني والبيهقي أن النبي (ص) استقبل الناس في المسعى وقال: يا أيها الناس اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي (والحلق إن جعلناه نسكاً) وهو المشهور كما أسلفنا لتوقف التحلل عليه كالطواف وهذه الخمسة لا مدخل للجبران فيها وقد ذكرنا سابقاً ما يجبر بدم وهي ما تسمى الواجبات أو الأبعاض والنقص الذي لا يحتاج إلى دم يُسمّى هيئة وللحج ركن سادس وهو الترتيب في معظم الأركان كما بحثه جمع إذ يجب تأخير الجميع عن الإحرام ويجب تأخير السعي عن طواف ركن أو قدوم ويجب أن يتقدم الوقوف على طواف الركن والحلق والتقصير اقتداء برسول الله (ص) فقد قال: "خذوا عني مناسككم" رواه مسلم والبيهقي عن جابر (وما سوى الوقوف أركان في العمرة أيضاً) ووجب الترتيب باركانها.
(ويؤدَّى النسكان على أوجه) ثلاثة فإذا كان الإحرام بالحج أولاً فالأفراد أو بالعمرة فالتمتع أو بهما معاً فهو القرأن فقد روى الشيخان عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله (ص) عام حجة الوداع: فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ومنا من أهل بحج وعمرة (أحدها الأفراد بأن يحج ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي) بأن يخرج إلى أدنى الحلِّ أو إلى ميقاته أو يحرم من مكة ولكن عليه دم وهناك صورتان أخريان للإفراد الأولى أن يحج فقط ويعود من غير عمرة والثاني أن يعتمر من عامِهِ قبل أشهر الحج (ويأتي بعملها) أي العمرة وهذه الصورة أفضل صور الإفراد.
(الثاني القران بأن يحرم بها من الميقات) أو دونه ولكن عليه دم (ويعمل عمل الحج) فقط حيث تدخل أعمال العمرة في أعمال الحج (فيحصلان) أي بطواف واحد وسعي واحد فقد روى الشيخان عن عائشة أنها قالت وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنهم طافوا طوافاً واحداً وروى الترمذي عن ابن عمر وصححه أنه (ص) قال: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منها جميعاً وهذه هي الصورة الأصلية للقرآن (ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج ثم بحج قبل الطواف كان قارناً) بإجماع قاله ابن المنذر ولا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الشروع بالطواف ولو بخطوة لأن المعتمر أخذ بأسباب التحلل فقد روى مسلم عن عائشة أنها أحرمت بعمرة فدخل عليها النبي (ص) فوجدها تبكي فقال ما شأنك؟ قالت حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت فقال لها رسول الله (ص): أهلّي بالحج ففعلت ووقفتْ المواقفَ حتى إذا طهرت طافتْ بالبيتِ وبالصفا والمروة فقال لها رسول الله (ص) قد حللتِ من حجك وعمرتك جميعاً.
(ولا يجوز عكسه في الجديد) أي أن يحرم بالحج في أشهره ثم يدخل عليه العمرة قبل طواف القدوم لأنه لا يفيد زيادة عمل بخلاف الأول فإنه إذا أدخل الحج على العمرة زاد في العمل الوقوف بعرفة والمبيت بمنى ورمي جمارها.
(الثالث: التمتع بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ ثم ينشيء حجاً من مكة) هذه هي الصورة الأصلية للتمتع بشرط أن يكون الإحرام بالعمرة في أشهر الحج وسمي الحاج متمتعاً لتمتعه بين النسكين بالمحظورات في الإحرام (وأفضلها الإفراد وبعده التمتع وبعد التمتع القران وفي قول التمتع أفضل من الإفراد) ومنشأ الخلاف اختلاف الرواة في إحرامه (ص) فقد روى الشيخان عن أنس قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: "لبيك عمرة وحجاً وروى الشيخان أيضاً عن ابن عمر أنه (ص) أحرم متمتعا ًوروى الشيخان عن عائشة أنه (ص) أفرد الحج وروى مثله مسلم عن ابن عباس وجابر ورجح الإفراد على غيره بكثرة رواته وبأن جابراً أقدم منهم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك وأفعال النبي (ص) من لدن خروجه من المدينة إلى أن تحلل وشرط تفضيل الإفراد أن يعتمر في سنته فلو أُخِرَتِ العمرةُ عن سنته كان التمتع والقرآن أفضل من الإفراد.
(وعلى المتمتع دم) لقوله تعالى: [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي] البقرة:196 (بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام) قال تعالى: [ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام] البقرة:196 (حاضروه من) مساكنهم (دون مرحلتين من مكة) لأن من هو دون مسافة القصر من مكان كالحاضر فيه قال تعالى: [واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر] الأعراف:163 أي أيلة وهي ليست في البحر بل قريبة منه ومن له مسكنان اعتبر المسكن الأكثر إقامة فيه.
روى الشيخان عن ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله (ص) بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله (ص) قال للناس: "من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ ثم ليهلَّ بالحج ويهدي فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله".
وروى مسلم عن جابر قال: كنا نتمتع مع رسول الله (ص) بالعمرة إلى الحج فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها (قلت: الأصح من الحرم والله أعلم) لأن المسجد يطلق على جميع الحرم كما قال تعالى: [فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا] التوبة:28 (وأن تقع عمرته في أشهر الحج من سنته) أي من سنة الحج (فلو وقعت العمرة قبل أشهر الحج أو وقعت في أشهر الحج) والحج في السنة الثانية فلا دم عليه لأنه ليس متمتعاً. وكذا لو نوى العمرة قبل أشهر الحج وأتى بأعمالها في أشهره فلا دم لأنه أتى ببعض أعمالها خارج أشهر الحج. ومثله من أتمَّ عمرته في أشهر الحج ثم عاد إلى ميقاته أو إلى مثل مسافته فلا دم ولذا قال: (وأن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات) فقيل إن عاد إلى ميقات آخر ولو كان أقرب إلى مكة سقط الدم عنه ولم يسم متمتعاً.
(ووقت وجوب الدم إحرامه بالحج) لأنه حينئذ يصير متمتعاً بالعمرة إلى الحج ولكن يمكن ذبح الدم إذا فرغ من العمرة ولا يتأقت ذبحه بوقت لأنه دم جبران.
(والأفضل ذبحه يوم النحر) لأن النبي (ص) وأصحابه قدموا في العشر فلم ينحروا إلا في منى أي في العاشر (فإن عجز عنه في موضعه) وهو الحرم ولو شرعاً بأن وجده بأعلى من ثمن مثله عادة (صام عشرة أيام) إن قدر على الصيام (ثلاثة في الحج) قبيل يوم النحر إن وسعه الزمن قبل يوم النحر (تستحب قبل يوم عرفة) لأنه يستحب للحاج أن يكون مفطراً يوم عرفة أي يصوم السادس والسابع والثامن من ذي الحجة وقيل لا يجوز أن تتقدم على الإحرام بالحج وأيضاً ألا تكون في يوم النحر ولا أيام التشريق والقديم جوازها في أيام التشريق (وسبعة إذا رجع إلى أهله في الأظهر) قال تعالى: [فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم] البقرة:196 ولخبر الشيخين عن ابن عمر أن النبي (ص) قال للمتمتعين "فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" وإذا استوطن مكة بعد حجة صام السبعة ولا يجوز صيامها في الطريق لأنها عبادة بدنية لا تقدم عن وقتها وقيل هو وقتها لأن ابتداء السير هو أول الرجوع.
(ويندب تتابع الثلاثة) إن كان هناك زمن يسعها قبل يوم النحر وإن لم يكن هناك وقت يسع أكثر منها وجب التتابع (وكذا السبعة) تتابع أيضاً مبادرة لبراءة الذمة (ولو فاتته الثلاثة في الحج) ورجع إلى أهله (فالأظهر أنه يجب أن يفرق بينها وبين السبعة) بقدر مدة سفره في العادة الغالبة وقيل بأربعة أيام هي مدة النحر والتشريق وقيل يوم واحد وهو يوم النحر وقيل لا يلزم التفريق لأن المطلوب صوم عشرة كاملة سواءً كانت قضاءً أم أداءً (وعلى القارن دم كدم التمتع) في صفته وبدله (قلت بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام والله أعلم) لأن أهل الحرم لو اعتمروا ثم حجوا فلا شيء عليهم وأفعال المتمتع أكثر من أفعال القارن فكان المتمتع في عدم وجبو الدم أولى. روى الشيخان عن عائشة أنه (ص) ذبح عن نسائه البقر يوم النحر قالت وكن قارنات.

باب محرمات الإحرام
(احدها ستر بعض رأس الرجل بما يُعَدُّ ساتراً) من مخيط وغيره وإن لم يمنع إدراك البشرة كعمامة أو قلنسوة أو طيلسان وكذا طين وحناء فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي (ص) ما يلبس المحرم من الثياب فقال: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعها أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب شيئاً مَسّهُ زعفران أو ورس زاد البخاري ولا تنتق المرأة ولا تلبس القفازين وروى البيهقي أن النبي (ص) قال: لا يلبس المحرم القميص والأقبية والسراويلات والخفين إلا أن لا يجد النعلين. وروى الشيخان أن النبي (ص) قال في المحرم الذي خرَّ عن بعيره ميتاً لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً (إلا لحاجة) كمرض وحرٍّ وبردٍ لا يطيقهما المحرم فتجوز تغطية الرأس وتجب الفدية. قال تعالى: [وما جعل عليكم في الدين من حرج] الحج:78. وروى الشيخان عن كعب بن عجرة أنه كان يوقد تحت قدر والهوام تنتشر من رأسه فمر به رسول الله (ص) فقال أيوذيك هرام رأسك؟ قال نعم قال: فاحلق رأسك.." أمّا ما لا يعد ساتراً فلا شيء فيه كحمله زنبيل على رأسه أو وضع يده أو يد غيره أو حمل شيء على رأسه أو التوسد بوسادة أو عمامة أو الاستظلال بشجر أو محمل أو بناء أو خيمة لا تلمس رأسه (ولبس المخيط أو المنسوج أو المعقود في سائر بدنه إلا إذا لم يجد غيره) كالقميص والسراويلات ومن المنسوج الدروع أو الثياب التي تشبه الدروع في نسجها ومن المعقود أكثر الألبسة المصنوعة من مواد بلاستيكية أو نفطية للخبر السابق والمعتبر في اللباس العادة اما استعماله على غير العادة فلا يضر كالإلتحاف بالقمص والتزار بالسروايل ووضع الثياب على يديه أوعلى رقبته وهذا الأمر لا يتعلق بجزء معين من البدن بل (في سائر بدنه) كلبس الجورب في رجله أو الكيس على لحيته إذاخضبها بالحناء أو غيره وكذلك القفاز في اليد (ووجه المرأة كرأسه) في حرمة الستر إلا لعذر فعليها الفداء ولها أن تستر من وجهها ما لابد منه لستر رأسها ولها أن تسدل على وجهها شيئاً متجافياً عنه بنحو أعواد ولو لغير حاجة فلو سقط خمسَّ وجهها بلا اختيارها فرفعته فوراً فلا شيء أما إذا تعمدته أو أدامته أثمت ووجب الفداء. فقد روى البخاري "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس الفقازين" كما تقدم قال ابن المنذر: وكراهية البرقع ثابتة عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وعائشة ولا نعلم أحداً خالف فيه وروى أبو داود عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله (ص) فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه ولا بأس أن تطوف المرأة منتقبة إذا كانت غير محرمة فقد روي أن عائشة كانت تفعله (ولها لبس المخيط إلا القفاز في الأظهر) أي لبس المخيط في جميع البدن في الرأس وغيره إلا القفاز كما في الحديث المتقدم ولأن القفاز لبس عضو ليس بعورة في الصلاة فأشبه خف الرجل.
(الثاني) من المحرمات على المحرم (استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه) لقوله (ص) في حديث ابن عمر في المحرم "لا يلبس شيئاً من الثياب مسه زعفران أو ورس". كالمسك والعنبر والعود والكافور والزعفران وإن كان يطلب للصبغ والتداوي والريحان والسوسن والمنثور والبنفسج وأنواع الصابون المعدة للرائحة خاصة وليس ما وجد به عرضاً. وسهواء في ذلك الدَّهنُ والاستعاط أو شده في ثوب أو جعله في مجمرة فيتبخر بها.
(ودهن شعر الرأس أو اللحية) بما تدهن به الشعور عادة للتزين واللمعان حتى ولو كان الدهن غير مطيب كالزيت بأنواعه ودهن البنفسج ودهن اللوز وسائر الأدهان لخبر ابن عمر السابق "لا يلبس من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس" لأن ذلك يزيل الشعث ويسكن الشعر لخبر المحرم أشعث أغبر.
(ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي) أو سدر أو صابون من غير نتف شعر لأن هذا للتنظيف بخلاف الدهن فإنه للتنمية والترفه المشابه للطيب وإن كان الأولى تركه ما لم يكن عليه وسخ ظاهر أو رائحة مؤذية لئلا ينتف من شعره شيء ويكره الاكتحال بغير المطيب لما فيه من الزينة أما في المطيب فيحرم.
(الثالث) من المحرمات (إزالة الشعر أو الظفر) حلقاً أو تقصيراً بالنسبة للرأس وقلماً أو تزيناً وتحسيناً بالنسبة للظفر من اليد أو الرجل. قال تعالى: [ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله] البقرة:196 وقيس على شعر الرأس سائر شعور الجسد وعلى الحلق غيره من إزالة الشعر والظفر بجامع الترفه (وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار) سواء اتحد المكان أو اختلف لحديث كعب بن عمرة كما رواه الشيخان: أن النبي قال له: "لعلك يؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله فقال (ص) احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة" وهذا يدل على حرمة الحلق على المحرم.
(والأظهر أن في الشعرة مدُّ طعام وفي الشعرتين مدين) لأن الدم لا يتبغض والشعرة الواحدة هي النهاية في القلة والمدُّ أقل ما وجب من الكفارات فقوبلت الشعرة به وفي الشعرتين درهمان.
(وللمعذور أن يحلق ويفدي) للآية والحديث السابقين وسواءً في ذلك كثرة القمل أو المرض أو الحرِّ.
(الرابع) من محرمات الإحرام (الجماع) قال تعالى: [فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج] البقرة:197 أي فلا ترفثوا ولا تفسقوا والرفث مفسر بالجماع ويحرم على الحلال من الزوجين تمكين المحرم من الجماع لوجوب التعاون على البر والتقوى [وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان] المائدة:2.
(وتفسد به العمرة) المستقلة عن الحج قبل الحلق أما إذا كان قارناً فالعمرة تابعة للحج صحة وفساداً (وكذا) يفسد به (الحج قبل التحلل الأول) بعد الوقوف وقبله ولا يفسد به الحج بين التحللين ولا تفسد به العمرة في ضمان القران أيضاً كما ذكرنا لأنها منغمرة في أفعال الحج (ويجب به) أي الجماع المفسد للحج (بدنة) أما إذا وقع الجماع بين التحللين وبناءً على أنه غير مفسد للحج فتجب فيه شاة والبدنة الواحدة من الأبل والبقر ذكراً كان أو أنثى وأما المرأة فلابدنة عليها بفساد حجها بالجماع من الزوج وغيره بل هي على الواطئ إن كان محرماً أما إن لم يكن محرماً فعليها البدنة مع فساد حجها لقضاء جمع من الصحابة -رضي الله عنهم- بها فقد روى أبو داود في المراسيل عن طريق يزيد بن نعيم أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان فسألا النبي (ص) فقال اقضيا نسكاً واهديا هدياً.
وروى مالك في موطئه بلاغاً عن عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة أنهم قالوا من أفسد حجة قضى من قابل.
وروى البيهقي عن ابن عباس في المجامع امرأته في الإحرام أنه قال: "إذا أتيا المكان الذي أصابا فيه ما أصابا يفترقان"
(والمضي في فاسده) لافتاء جمع من الصحابة –رضي الله عنهم- بذلك ولم يوجد لهم مخالف فقد قال تعالى: [وأتموا الحج والعمرة لله] وهو يتناول الصحيح والفاسد وغير الحج والعمرة لا يمضي في فاسده لأنه يبطل إذا لا حرمة لها بعد الفساد.
(والقضاء وإن كان نسكه تطوعاً) كأن كان من صبي لأن التطوع يصير بالشروع فرضاً واجب الإتمام ويلزمه أن يحرم بالقضاء مما أحرم منه بالأداء من ميقات أو قبله.
(والأصح أنه على الفور) لتعديه فيؤدي العمرة التي أفسدها على الفور أما الحج فإن اتسع وقته قضاه وإلا ففي العام المقبل هذا ويحرم على الحرم مقدمات الجماع كالمفاخذة والقبلة واللمس قبل التحلل الأول ولا يفسد بشيء منها النسك حتى لو أنزل لأنها مباشرة دون الفرج فأشبه ما لو لم ينزل وكذا الاستمناء باليد فإنه يوجب الفدية ولا فدية على الناسي بلا خلاف ويلحق به الجاهل بالتحريم ولو باشر دون الجماع ثم جامع دخلت الشاة في البدنة أي شاة المباشرة (الخامس) من محرمات الإحرام (اصطياد كل مأكول بري) متوحش جنسه وإن استأنس هو ولا يمكن أخذه إلا بحيلة طيراً كان أو دابة مباحاً كان أو مملوكاً لعموم قوله تعالى: [وحُرِّمَ عليكم صيد البر ما دمتم حرماً] المائدة:96 أي أخذه أو أي شيئ من أجزائه كَلَبنِةِ وريشة وبيضة أما لو توحش أنسي فلا يحرم التعرض له نظرا ًلأصله ولا يحرم التعرض لغير المأكول بل يجب قتل العقور كالخنزير والحية والعقرب والحدأة والغراب الأبقع والذئب والأسد والكلب العقور ويستحب قتل النمر والنسر ومنه ما فيه منفعة ومضرة كالفهد والصقر والشاهين والبازي والعقاب ومنها ما يكره قتلها كالقرد والهدهد والضفدع والخنفساء والجعل وقيل يحرم قتلها ويحل اصطياد البحري وهو ما لا يعيش إلا في البحر أما ما يعيش في البر والبحر فحكمه حكم البري.
(قلت وكذا المتولد منه) أي المأكول البري (ومن غيره) فيحرم اصطياده (والله أعلم) احتياطاً كالمتولد من الحمار الوحشي والحمار الأهلي.
فقد روى مسلم عن حديث ابن مسعود أن النبي (ص) أمرَ بقتل حية وهو بمنى – وروى أبو داود في المراسيل من حديث سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله (ص) يَقْتُلُ المُحْرِمُ الذئبَ.
وروى البخاري عن عائشة أن النبي (ص) قال: خمس من الدواب كلهن فاسق يُقتلن في الحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. قال مالك والكلب العقور كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب وقال أبو حنيفة هو في الكلب خاصة ولكن روى الحاكم أن النبي (ص) دعا على ابن أبي لهب فقال: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فقتله الأسد.
(ويحرم ذلك في الحرم على الحلال) أي صيد البري ووضع اليد عليه بأي طريق للتملك قال (ص) يوم فتح مكة إن هذا البلد حرام بحرمة الله تعالى لا يعضد شجرة ولا ينفّر صيده –الشيخان من حديث ابن عباس ومعنى لا يعضد شجره أي لا يقطع ولا ينفر صيدها لمحرم ولا حلال. وقيس على مكة باقي الحرم ولو أرسل كلباً أو رمى صيداً من الحرم إلى الحل أو من الحل إلى الحرم حرم ذلك.
(فإن أتلف صيداً ضمنه) أي صيداً مما حرم مملوكاً أو غير مملوك. قال تعالى: [ولا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم] المائدة:95 ومثل اليد نصب الأفخاخ والشباك أو إرسال الكلب ولو غير المعلم. ولا يملك المحرم صيداً ويلزمه إرساله. وما أخذه من الصيد بشراء لا يملكه لعدم صحة شرائه ويلزمه رده على مالكه. أما إذ كان مالكه محرماً فليرسله وعليه قيمته ولا جزاء عليه إذا أرسله ويقاس بالمحرم في المسألتين الحلال في الحرم ثم لا فرق في الضمان بالإتلاف بين العامد والخاطئ والناسي للإحرام ولو أكره محرم أو حلال في الحرم على قتل صيد فقتله فلا جزاء عليه. ثم الصيد ضربان: أحدهما ماله مثلٌ من النعم في الصورة والخلقة على التقريب فيضمن به ومنه ما فيه نقل عن السلف فيتبع. قال تعالى: [يحكم به ذوا عدل منكم] المائدة:95
(ففي النعامة بدنة) أي واحد من الأبل فقد روى البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس ومن طريق عطاء الخرساني عن عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت ومعاوية "أن الصحابة قضوا في النعامة ببدنة" (وفي بقر الوحش وحماره بقرة) أي واحدة من البقر (والغزال غنزة) وهي الأنثى من المعز التي تمت لها سنة والغزال ولد الظبية إلى أن يطلع قرناه ثم يسمى الذكر ظبياً والأنثى ظبية وهو المراد هنا ليناسب كبر العنز (والأرنب عناق) وهي الأنثى من المعز من حين تولد ما لم تستكمل سنة (واليربوع جَفْرَةٌ) فقد روى البيهقي عن ابن عباس "أنهم قضوا في حمار الوحش وبقره ببقرة وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بحفرة وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه مثله.
وروى البيهقي عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني قتلت أرنباً وأنا محرم فكيف ترى؟ قال: هي تمشي على أربع والعناق تمشي على أربع وهي تحبر والعناق تحبر ويأكل الشجر أهدِ مكانها شاة ومعنى تحبر أي يخرج لفهما زبد.
وروى أبو يعلي عن جابر عن عمر لا أراه إلا رفعه "أنه حكم في الضبع شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وفي الظبي كبش"
واليربوع ومثله الوبر دويبة كحلاء اللون لا ذنب لها من الثدييات قدها قد الأرنب في قائمتيها الأماميتين أربع أصابع وثلاث في الخلفيتين والجفرة هي الأنثى من ولد الضأن ولها أربعة أشهر وفصلت عن أمها (وما لا نقل فيه) عن السلف (يحكم بمثله) من النعم (عدلان) فقيهان فالكبير من الصيد يُفدى بكبير والصغير يفدي بصغير ويجزئ فداء الذكر بالأنثى وعكسه.
فقد أخرج الشافعي في الأم بسند صحيح إلى طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجاً فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضباً ففزر ظهره فأتى عمر فسأله فقال احكم يا أربد قال: أرى فيه جدياً قد جمع الماء والشجر. قال عمر فذلك فيه.
(وفيما لا مثل له) كالجراد والعصافير (القيمة) فقد روى مالك عن زيد بن أسلم عن عمر في الجرادة تمرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب عن عمر أنه سأله عن قتل جرادتين فقال كَمْ نويت في نفسك؟ قال: درهمين: قال: إنكم كثيرة دراهمكم التمرتين أحب إليَّ من جرادتين ورواه الشافعي عن عمر "درهمان خير من مئة جرادة". غير أنهم حكموا في حمام الحرم بشاة كذا رواه بن أبي شيبة عن عطاء ورواه الشافعي والبيهقي عن عمر وعثمان وابن عباس زاد البيهقي وابن عمر (ويحرم قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت) أي لا يستنبته الناس وهو ما ينبت بنفسه شجراً أو غيره من الحشيش الرطب كما في خبر الشيخين لا يعضد شجرة أي لا يقطع ولا يختلى خلاه وهو الحشيش الرطب ويقاس باقي الحرم على مكة (والأظهر تعلق الضمان به) أي نبات الحرم الرطب من الحشيش إذا قطع أو قلع (وبقطع أشجاره) قياساً على صيده بجامع حرمة التعرض بكل منها لحرمة الحرم أما الحشيش اليابس والشجر اليابس فيجوز قطعه كما أن أخذ غصنٍ لسواك مثلاً لا فداء فيه إن أخلف في سنته وأما نبات الحلِّ الذي في الحرم أو ما استنبته الناس في الحرم فيجوز قلعه.
(ففي الشجرة الكبيرة بقرة والصغيرة شاه) فقد روى الشافعي في الأم عن ابن الزبير أنه قال: "في الشجرة الكبيرة النامية بقرة وفي الصغيرة شاة" قال الشافعي: روي هذا عن ابن الزبير وعطاء والقياس أن يفديه بقيمته.
ونقل الماوردي: أن سفيان بن عينية روى عن داود بن شابور عن مجاهد عن النبي (ص) أنه قال: "في الدوحة الكبيرة إذا قطعت من أصلها بقرة" وأما غير الشجر من الحشيش الرطب فيضمن بقيمته إن لم يخلف فإن أخلف فلا ضمان قطعاً.
(قلت: والمستنبت كغيره على المذهب) أي يحرم لعموم الحرمة في الحديث والثاني أنه لا شيء فيه قياساً على الحنطة والشعير والبقول والخضروات فإنه يجوز قطعها ولا خلاف في ذلك.
(ويحل الإذخر) قطعاً وقلعاً لخبر الصحيحين أن العباس قال: يا رسول الله إلا الإدخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال (ص) إلا الإذخر. ومعنى لبيوتهم أنهم يسقفون بيوتهم به والقين هوالحداد (وكذا الشوك كالعوسج وغيره عند الجمهور) يحل وإن لم ينبت في الطرقات لأنه يؤذي المارة عادة فله حكم صيد المؤذي (والأصح حل أخذ نباته لعلف البهائم وللدواء والله أعلم) كما يجوز تسريح البهائم فيه ويجوز أخذ ورق ثمره وعود السواك ونحوه أما اليابس فيجوز قلعه وقطعه كما ذكرنا ويجوز تقليم شجر الحرم للإصلاح.
(وصيد المدينة حرام) وكذلك حرمها وكذلك أخذ نباتها وشجرها فقد روى الشيخان أنه (ص) قال: إنَّ إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع شجرها زاد مسلم عن جابر ولا يصاد صيدها. واللابة هي الأرض المكتسبة حجارة سوداء. وفي رواية أبي داود لا يختلي خلاها ولا ينفر صيدها – والخلى الرطب من الحشيش واحدته خلاة. المدينة محددة بحرتين من شرقها وغربها وبجبلين عير وثور من شماليها وجنوبيها وقيل ثور هو جبل صغير خلف أُحد لخبر الشيخين: المدينة حرم من عير إلى ثور أي طولاً ومثل حرم المدينة وادي وج بالطائف (ولا يضمن في الجديد) لأنها ليس محلاً للنسك بخلاف حرم مكة وقيل كما في القديم يضمن فقد روى مسلم أن سعد بن أبي وقاص وجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذه من غلامهم فقال مَعَاذ الله أن أرادَّ شيئاً نفلنيه رسول الله (ص) وأبى أن يرده عليهم. وروى أبو داود أن سعداً وجد رجلاً يصيد في حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاء مواليه فكلموه فيه فقال: إن رسول الله (ص) حرم هذه الحرم وقال: من أخذ أحداً بصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله (ص) ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه وروى البيهقي أن سعداً كان يخرج من المدينة فيجد الحاطب معه شجر رطب قد عضده من بعض شجر المدينة فيأخذ سلبه فَيُكَلَمُ فيه فيقول لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله (ص) وإني لمن أكثر الناس مالاً ثم أن حكم سلب الصائد أو القاطع له حكم سلب القتيل جميع ما معه من ثياب وفرس ونحو ذلك وقيل هي للسالب وقيل لفقراء المدينة وقيل لبيت المال ولا يترك للمسلوب إلا ما يستر عورته. ثم بدأ الحديث عن دماء الحج فقال:
(ويتخير في الصيد المثلى بين ذبح مثله والصدقة به على مساكين الحرم) بأن يوزع لحمه عليهم أو يملكهم أياه مذبوحاً لا حياً ولو قبل سلخه (وبين أن يقوّم المثل) بالنقد الغالب (دراهم) أو غيرها (ويشتري به طعاماً لهم) أي لفقراء الحرم المكي ويتصدق به عليهم (أو يصوم) عن كل مد يوماً في أي مكان شاء فإن انكسر مدٌّ صام يوماً قال تعالى: "هدياً بالغ الكعبة أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً" المائدة:95 (وغير المثلى) وهو ما لم يثبت فيه نقل (يتصدق بقيمته طعاماً) على أهل الحرم (أو يصوم) عن كل مد يوماً. وأما الدم الواجب في الحلق والقلم واللبس والستر والطيب والدهن والتمتع بغير جماع والجماع بين التحللين فهو دم تخيير (ويتخير في فدية الحلق بين ذبح شاة) مجزئة في الأضحية (والتصدق بثلاثة آصع لستة مساكين) لكل مسكين نصف صاع (وصوم ثلاثة أيام) لقوله تعالى: [فمن كان فيكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك] البقرة:196 أي إذا حلق ولحديث كعب بن عمرة أن النبي (ص) قال له: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال نعم. قال: انسك شاة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم فَرَقَاً من الطعام على ستة مساكين والفَرَقُ ثلاثة آصع. (والأصح أن الدم في ترك المأمور كالإحرام من الميقات) والمبيت بمزدلقة ليلة النحر وبمنى ليالي التشريق والرمي وطواف الوداع (دم ترتيب) وتعديل (فإن عجز عن الدم اشترى بقيمة الشاة طعاماً وتصدق به فإن عجز صام لكل مُدٍّ يوماً) وهذا هو التعديل أي مُقَوّمٌ بما يعادله من قيمة وقيل إن عجز صام ثلاثة أيام وهو دم تخيير وتقدير كما مر في دم الحلق وهو الأصح واعلم أن التعديل جارٍ على القياس وأما التقدير فلا يعرف إلا بتوقيف (ودم الفوات) أي فوات الحج بفوات الوقوف (كدم التمتع) في سائر احكامه لأن الفوات بعدم الوقوف أعظم من ترك الإحرام لأن من فاته الوقوف فقد فوت كل أعمال الحج (ويذبحه في حجة القضاء في الأصح) لما روى مالك في الموطأ أن عمر قال من فاتهم الحج فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا أي على الوجوب (والدم الواجب بفعل حرام أو ترك واجب لا يختص بزمان) كجميع دماء الجبرانات ودم التمتع والقران والحلق ولا يختص بمكان فيجوز ذبحه يوم النحر أو أيام التشريق (ويختص ذبحه بالحرم في الأظهر) قال تعالى: [هدياً بالغ الكعبة] فلو ذبحه خارج الحرم لا يعتد بل والثاني يعتد به بشرط نقله إلى الحرم قبل فساد اللحم روى مسلم أن النبي (ص) قال [نحرت هَهُنَا ومنى كلها منحر] (ويجب صرفه إلى مساكينه) أي مساكين الحرم الساكنين والمقيمين. ولو كان يكفر بالإطعام فأقل ما يجزئ الصرف إليهم ثلاثة لأن الثلاثة أقل الجمع (وأفضل بقعة لذبح المعتمر المروة) لأنها موضع تحلل المعتمر (والحاج منى) أفضل بقعة لذبحه لأنها موضع تحلله (وكذا حكم ما ساقا) الحاج والمعتمر (من هدي) نذراً أو تطوعاً (مكاناً) أي المروة ومنى (ووقته) أي ذبح الهدي المنذور والمُتَطَوّعُ به (وقت الأضحية على الصحيح والله أعلم) قياساً على الأضحية والثاني لا يختص بوقت قياساً على الجبرانات ولا يجب الهدي على الحاج والمعتمر إلا بالنذر.
فائدة: الدماء ترجع باعتبار حكمها إلى أربعة أقسام:
أولاً: دم ترتيب وتقدير: يشتمل على التمتع والقران والفوات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى وطواف الوداع فهذه الدماء تجب أي يلزم الذبح ولا يجوز العدول إلى غيره إلا إذا عجز عنه ومعنى التقدير كما ذكرنا أن الشرع قدَّرَ البدل.
ثانياً: دم ترتيب وتعديل: ويشتمل على دم الجماع: بمعنى أن الشرع أمر فيه التقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة فيجب فيه بدنة ثم بقرة ثم سبع شياه فإن عجز قوم البدنة بدراهم والدراهم طعاماً وتصدق به فإن عجز صام عن كل مدِّ طعامٍ يوماً ومثله دعم الإحصار ففيه شاة تقوّم بدراهم ثم بطعام فإن عجز صام والله أعلم.
ثالثاً: دم تخيير وتقدير: ويشتمل دم الحلق والقلم واللبس والاستمتاع والتطيب والدهن والاستمناء وهوبمعنى أنه يجوز العدول عنه إلى غيره مع القدرة عليه فإذا حلق ثلاث شعرات ولاءً أو قَلَمَ ثلاثة أظفار تخير بين ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين كل واحد نصف صاع أو صيام ثلاثة أيام.
رابعاً: دم تخيير وتعديل: هو دم جزاء الصيد وقلع الشجر والنبات الرطب بمعنى أن الشرع أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة وجميع هذه الدماء لا تختص بوقت كما ذكرنا. ودم التمتع يجزئ إذا فرغ المتمتع من عمرته ودم الفوات بعدم الوقوف أو الإفساد يجزئ بعد دخول وقت الإحرام بالقضاء.

باب الإحصار والفوات
(من أحصر) أي منع عن المضي في نسكه سواء كان المانع مسلماً أو كافراً ولم يجد طريقاً آخر يسلكه (تحلل) أي جاز له التحلل لقوله تعالى: [فإن احصرتم فما استيسر من الهدي] البقرة:196 وفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي (ص) تحلل بالحديبية وكان محرماً بعمرة.
(وقيل لا تتحلل الشرذمة) القليلة التي اختص بها الحصر من جملة الرفقة كما لو ضيعت الطريق أو مرضت أو تعرضت لعدو أو حبست والأصح جواز التحلل لأن الأصل المشقة فهي لا تختلف بين أن يتحمل غيره مثلها أو لا ثم إن كان وقت الحج واسعاً فالأفضل عدم تعجيل التحلل فربما زال المنع ولو منعوا ولم يتمكنوا من المضي إلا ببذل مال فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن كان المال قليلاً إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج كما أن في الدفع إذلال وإهانة لا تليق بالمسلم ولكن لا عبرة بمال قليل لا يؤبه له عادة ولا يَحْمِلُ اعطاؤه معنى الإذلال كالذي يطلبه بعض السفلة من أعوان الظلمة أو من الذين اعتادوا على الرشوة لفساد الحكم والقضاء ولغياب القوانين الرادعة عن الرشا.
(ولا تحلل بالمرض) إذا لم يشرطه بل يصبر حتى يبرأ فإن كان محرماً بعمرة أتمها أو بحج وفاته تحلل بعمرة لأن المرض لا يمنع الإتمام ولا يزيلُ المرضَ التحللُ.
(فإن شرطه) أي التحلل بالمرض (تحلل به على المشهور) فقد روى الشيخان عن عائشة أن ضباعة بنت الزبير أرادت الحج فقال لها رسول الله: أتريدين الحج؟ قالت أنا شاكية فقال: حجي واشترطي وروى ابو داود والترمذي واللفظ للنسائي "أنها أتت النبي (ص) فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: نعم، قالت: كيف أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني فإن لك على ربك ما استثنيت.
(ومن تحلل) أي أراد التحلل والخروج من النسك (ذبح شاة حيث أحصر) أي من حل أو حرم وفرق لحمها على مساكين ذلك الموضع ولا يلزمه إذا أحصر ارسال الدم إلى الحرم ويجوز له ذلك لأن النبي (ص) ذبح في الحديبية وهي من الحل كما في حديث ابن عمر السابق وروى مسلم عن جابر قال "نحرنا مع رسول الله (ص) بالحديبية البدنة عن سبعة".
(قلت إنما يحصل التحلل بالذبح ونية التحلل) لقوله تعالى: [ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله] البقرة: 196 ولابد من النية لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغير التحلل فلابد من قصد صارف لجهة الذبح (وكذا الحلق) أو التقصير (إن جعلناه نسكاً) وهو المشهور (فإن فقد الدم) حسا ًأو شرعاً بأن وجده ولكن بثمن مرتفع أو هو محتاج لثمنه (فالأظهر أن له بدلاً) قياساً على دم التمتع (وأنه) أي البدل (طعام بقيمة الشاه فإن عجز) عن الطعام (صام عن كل مد يوماً وله) إذا انتقل إلى الصوم (التحلل في الحال في الأظهر والله أعلم) بالحلق والنية والقول الثاني بدل الدم الطعام وهو ثلاثة آصع لستة مساكين كالحلق وقيل يصوم عشرة أيام قياساً على المتمتع الذي لا يجد الدم.
(وإذا أحرم العبد بلا إذن سيده فلسيده تحليله) في الإحرام أو الإتمام فلمالك منفعته أن يأمره بالحلق والنية في التحلل صيانة لحق السيد والأَوْلَى له أن يأذن له في إتمام النسك (وللزوج تحليلها من حج تطوع لم يأذن فيه وكذا من الفرض في الأظهر) لئلا يفوت حقه في التمتع ومن ثم أثمت إذا تطوعت بغير إذنه وكذا له تحليلها من الفرض الذي لم يأذن به لأن حقه على الفور والحج على التراخي وشمل الفرض النذر أما إذا أذن لها في التطوع أو الفرض فليس له تحليلها إلا أن يرجع عن الإذن قبل إحرامها.
(ولا قضاء على المحصر المتطوع) إذا تحلل لعدم ورود الأمر بالقضاء فقد كان معه (ص) حين أحصر بالحديبية ألف وأربعمائة ولم يعتمر معه في العام القابل إلا نفراً يسيراً أكثر ما قيل أنهم سبعمائة ولم ينقل أنه أمر أحداً بالقضاء.
(فإن كان نسكه) فرضاً (مستقراً) عليه كحجة الإسلام أو قضاءً عن إفسادٍ أو نذراً (بقي في ذمته) كما لو لم يتم صومه أو صلاته لعذر فإنها تبقى في ذمته (أو غير مستقر) كمن عليه حجة الإسلام وهذه أول سنة يتمكن فيها من الحج أي أن المحصر يعود إلى ما كان عليه قبل الإحصار وفي معنى الإحصار كل من تحلل بسبب مَنْعٍ ما مُنِعَ فيه من البيت وإتمام المناسك (اعتبرت الاستطاعة بعدُ) أي بعد زوال الإحصار إن وجدت وجب وإلا فلا (ومن فاته الوقوف تحلل) أي من فاته الوقوف بعرفة جاز له التحلل (بطواف وسعي وحلق) وهي أعمال العمرة إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وسقط عنه حكم الرمي والمبيت (وفيها) أي السعي والحلق (قول) أنه لا يحتاج إليها في التحلل لأن السعي ليس من أسباب التحلل ولهذا يصح تقديمه على الوقوف بعرفة ولو كان من أسباب التحلل لما جاز تقديمه على النسك الأعظم في الحج وهو الوقوف وأما الحلق فهذا القول مبني على أنه ليس بنسك بل هو سبب للتحلل.
(وعليه دم القضاء) لفوات حجه بفوات الوقوف تطوعاً كان حجة أو فرضاً لما روى مالك في موطئه من حديث سليمان بن يسار أن هبار بن الاسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العد كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك واسعوا بين الصفا والمروة وانحر هدياً إن كان معك ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع وقد اشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكره عليه.
خاتمة: يندب أن يحج الرجل بأهله وأن يحمل معه هديه وأن يأتي إذا عاد من سفر ولو قصيراً بهدية لأهله وأن يخبرهم بقدومه وأن لا يطرقهم ليلاً إن استطاع وأن يقصد أقرب مسجد فيصلي فيه ركعتين سنة القدوم وأن يصنع له أهله وليمة وتسمى النقيعة وإن يقال له إن كان حاجاً تقبل الله حجك وعمرتك وغفر لك وإن كان مجاهداً الحمد لله الذي نصرك وأكرمك وأعزك.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20-07-07, 10:42 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ رجب نوري مشوح

الجزء الرابع
كتاب البيع
أفرد المصنف لفظ البيع تأسياً بقوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275 والعرب تقول: بعت بمعنى ما كنت ملكته وبعت بمعنى اشتريت ويقال لكل من المتابعين بائع وبيّع ومشتر وشار قال تعالى: [وشروه بثمن بخس] يوسف:20 أي باعوه وقال تعالى: [وبئس ما شروا به أنفسهم] البقرة:102.
وأما الصرف فهو بيع الأثمان بعضها ببعض والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275، وقوله تعالى: [اشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282، وقوله تعالى: [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله] النور:37.
وأحاديث:
(1) حديث رافع بن خديج: أن النبي (ص) سُئِلَ عن أطيب الكسب فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" رواه الحاكم.
(2) حديث ابن عمر: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منها بالخيار ما لم يتفرقا" متفق عليه.
(3) حديث قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله] النور:3.
(4) حديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله (ص): أن نبيعه حتى ننقله من مكانه – متفق عليه
(شرطه الإيجاب كبعتك وملكتك والقبول كاشتريت وتملكت وقبلت) ومثله رضيت وأجبت وفعلت ونعم فلا يصح البيع بدونهما لأن البيع منوط بالرضا لخبر ابن ماجة وغيره: إنا البيع عن تراض قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم] النساء:29.
وأما المعاطاة بأن يتفق المتبايعان على ثمن ومثمن ويعطيا من غير إيجاب وقبول وقد يوجد لفظ من أحدهما واختار المصنف وجماعة من الفقهاء الانعقاد بها في كل ما يعده الناس بيعاً لأنه لم يثبت اشتراط لفظ معين فيرجع إلى العرف وما تكتبه الشركات والأسواق على السلعة من ثمن هو بمثابة لفظ خاصة وأن الأسواق إنماوضعت للبيع فما يعرض فيها هو بمثابة الإيجاب من البائع وأخذ السلعة بالثمن الموسومة به بمثابة القبول خاصة وأن الخيار موجود ما دام المشتري في السوق والبضاعة معروضة ما لم ترفع أما من لم يعرف منه البيع فلا يصح منه البيع إلا باللفظ وأما إذا كان المشتري يأخذ السلعة من البائع ويحاسبه بعد مدة دون علم بثمنها ولا رضا به فإنه باطل لأنه لا يحمل معنى البيع باللفظ ولا معنى المعاطاة.
(ويجوز تقديم لفظ المشتري) لحصول المقصود كأن يقول قبلت شراء هذا منك بمئة فيقول البائع قبلت أو بعت أو رضيت أو هات المبلغ.
(ولو قال بعني فقال بعتك انعقد) البيع (في الأظهر) لدلاة بعني علي رضا المشتري ومثله اجعله لي أو ملكه لي فقال البائع بعتك انعقد البيع ومثله لو قال اشتر مني بكذا فقال اشتريت.
(وينعقد بالكناية) والكناية ما يحتمل البيع وغيره على أن ينويه فقد روى الشيخان عن جابر أن النبي (ص) قال له بعني جملك قلت إن لرجل علىَّ أوقيةٌ فهو لك بها فقال (ص) قد أخذته وقد روى مسلم عن سلمة بن الأكوع أن النبي (ص) قال له في جارية هب لي المرأة فقال هي لك – وقضية الكناية هنا أنها تحمل معنى البيع ومعنى الهدية أو الهبة.
(كجعلته لك بكذا في الأصح) أو خذه بكذا وقضية الكناية هنا أن اللفظ يحمل معنى البيع ومعنى الإجارة فهو بيع صحيح وقيل لا ينعقد بها لأن المخاطب لا يدري أهو ببيع أم بغيره وأجيب عليه بأن ذكر العرض دليل على البيع وذكر القرائن في الكناية يوجب القطع بصحته.
(ويشترط ألا يطول الفصل بين الفظيهما) أو بين إشارتيهما أو بين كتابتيهما فوجب لانعقاد البيع أن لا يتخلل الكلام أو الكتابة كلام أجنبي عن العقد أو سكوت طويل أو نوم ولا يضر اليسير إلا من مريد إفساد العقد ولو باع من غائب كأن قال بعت داري لفلان بكذا فقال حين بلغه الخبر قبلت أو ما في معناها صح البيع ومثله لو كاتبه فقبل كما يصح البيع ونحوه من المعاملات بالأعجمية مع قدرة الطرفين على العربية بلا خلاف وفي النكاح يصح مع مخالفة الأَوْلَى لوجود معنى العبادة في النكاح ويشترط في صحة البيع أن لا يكون معلقاً بما لا يقتضيه العقد أو فيه مصلحة للعقد فإذا قال بعتك إذا جاء زيد لم يصح أما لو قال بعتك بشرط قبولك أو بعتك بشرط الكفيل أو بعتك بشرط أن يراه فلان (وأن يقبل على وفق الإيجاب) من جنس كأن يقول بعتك البُرَ فيقول اشتريت الشعير أو صفة كأن يقول بدينار فيقول اشتريت بريال أو نوع وكأن يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار فكل هذه البيوع باطلة.
(فلو قال بعتك بألف مكسرة فقال قبلت بألف صحيحة لم يصح) وكذا عكسه أو قال حالّة قال مؤجلة أو قال إلى سنة فقال إلى سنتين لم يصح البيع لأنه غير الذي خوطب به فاختلف المعنى.
(وإشارة الأخرس بالعقد كالنطق) به من غير الأخرس على أن تكون الإشارة مفهمة وكتابته مثل إشارته وكذا بالحلف والنذر أما إذا كانت غير مفهمة إلا لنوع معين من الناس فهي كالكناية (وشرط العاقد الرشد) سواء البائع أو المشتري والرشد أن يبلغ مصلحاً لدينه بأن لا يفعل محرماً يبطل العدالة من فعل الفواحش والمعاصي ومصلحاً لماله بأن لا ينفقه في حرام أو يرميه في بحر أو يحرقه أو يشتري به ما لا ينفع له فيه. وألا يكون محجوراً عليه بسفه أو فلس فيما يضيع المال.
(قلت وعدم الإكراه بغير حق) فلا يصح عقد المكره لعدم الرضا أما الإكراه بحق فجائز كأن وجب عليه أداء دين أو نفقة زوجة ولا أثر لقول المكره إنه بغير حق إلا في الصلاة فإن تكلم فيها بطلت ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام في الفريضة مع القدرة والإكراه على القتل.
(ولا يصح شراء الكافر المصحف) لنفسه أو لغيره كله أو بعضه ولا أن يمتلكه بسلم أو هبة أو وصية لما في ذلك من الإهانة والاستهزاء ولا يسلم المصحف إلى الكافر لأنه لا أمانة له ولأن فيه إهانة للمصحف أما لو رُجِيَ إسلامه فيمكّن من القراءة أما تملكهم العملة التي عليها آيات أو أحاديث فقيل يسامح في ذلك للحاجة.
(و) لا يصح شراء الكافر العبدَ (المسلم) لنفسه ولا لأحد من ملته لما في ذلك من إذلال للمسلم وامتهان لكرامته قال تعالى: [ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً] النساء:141 (إلا أن يعتق عليه فيصح) كأن كان أباً له أو ابناً أو إذا قال للمسلم اعتق عبدك عني بكذا أو إذا أقر بحرية عبد (في الأصح) لإنتفاء الإذلال في هذه الصور حيث يعتق وجوباً فلا يوجد إذلال وللكافر استئجار العبد المسلم ولو إجارة عين وقد أجر عليٌّ نفسه لكافر قال الزركشي بشرط ألا تكون الأعمال ممتهنة.
(ولا الحربي سلاحاً والله أعلم) لأنه يستعين به على قتالنا والمقصود بالسلاح كلُّ آلة الحرب كسيف وترس ورمح وفرس وسفينة وطائرة واجهزة مراقبة ورصد وأجهزة تنصت وسوءا في ذلك الفرد أو الجماعة.
(وللمبيع شروط) خمسة أحدها.
(طهارة عينه فلا يصح بيع الكلب والخمر) وغيرهما من نجس العين فقدروى الشيخان عن جابر أن رسول الله (ص) حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. وزاد أبو داود في روايته عن ابن عباس "وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" وروى الشيخان عن حديث أبي مسعود البدري أنه (ص) "نهى عن ثمن الكلب" والمعنى في هذه المذكورات نجاسة عينها فألحق بها باقي نجس العين.
(والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره) لأنه في معنى نجس العين (كالخل واللبن وكذا الدهن) كالزيت والسمن ومثله الدبس وسائر المائعات (في الأصح) إلا إذا كان جامداً فقد روى ابن حبان في صحيحة عن أبي هريرة أنه (ص) سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان ذائباً فأريقوه" فلو أمكن تطهير الموائع لما أمر بإراقته لأن ذلك تضيع للمال.
(الثاني) من شروط المبيع (النفع) أي ينتفع به حالاً أو مآلاً فما لا نفع فيه ليس بمال وأخذ المال مقابله كأكل المال بالباطل.
(فلا يصح بيع الحشرات) وهي صغار دواب الأرض كالخنفساء والفأرة والحية والعقرب والنمل ولا عبرة ببعض المنافع التافهة إذ لا نفع فيها يقابل المال.
(وكل سبع لا ينفع) كالأسد والذئب والنمر غير المعلم بخلاف نمر يمكن تعليمه أو فهد يرجى منه الصيد أو فيل لقتال أو عندليب للانس بصوته أو طاووس للأنس بلونه أما الهر المتوحش فلا يصح بيعه فقد روى أبو داود عن ابن عباس: "لا يحل ثمن الكلب" (ولا حبتي الحنطة ونحوها) أو الزبيب لأن ذلك لا يُقابل بمال عرفاً لانتفاء النفع بقلته ولذا لا يضمن ويمنع اغتصابه ويحرم بيع السم إن قتل كثيره وقليله وأما إذا نفع قليله وقتل كثيره فقد جاز بيعه لوجود النفع (وآلة اللهو) المحرم كالطنبور والمزمار إذ لا نفع بها شرعاً ولو صنعت من ذهب أو فضة (وقيل يصح في الآلة إن عُدَّ رضاضها مالاً) أي إن كان مكسرها فيه نفع متوقع كالخشب والحديد والفضة والذهب (ويصح بيع الماء على الشط والتراب في الصحراء في الأصح) فمن حازهما وامتلكهما لوجود المنفعة فيهما (الثالث) من شروط المبيع (إمكان تسليمه) أي قدرة البائع حساً وشرعاً على تسليم المبيع للمشتري من غير كبير كلفة ليخرج عن بيع الغرر المنهي عنه، والغرر ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما وقيل ما انطوت عنا عاقبته، فقد روى مسلم عن أبي هريرة وابن ماجة وأحمد من حديث ابن عباس أن النبي (ص) "نهى عن بيع الغرر"، وقد يصح مع عجز البائع عن التسليم لكون المشتري قادراً على التسلم كبيع المغصوب ممن قدر على استرداده من غاصبه (فلا يصح بيع الضال والآبق والمغصوب) للعجز عن تسليمها في الحال، والآبق: هو الهارب من سيده (فإن باعه لقادر على انتزاعه صح على الصحيح) فإن باع المغصوب أو الآبق أو الضال ممن يقدر على الوصول إليه جاز وصح البيع وكذا بيع المغصوب من الغاصب، فإن اختلفا في العجز فقال المشتري: كنت أظن القدرة فبان عدمها حلف على ذلك وبان عدم انعقاد البيع (ولا يصح بيع نصف معين من الإناء والسيف ونحوهما) وكذلك الثلث والربع وغير ذلك من أي شيء نفيس ينتقص بقطعة أو يفسد لأن التسليم لا يمكن إلا بالكسر أو القطع وفي ذلك نقص وتضييع للمال ومثله لا يصح بيع عمود معين في بناءٍ لأن الهدم يوجب النقص (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعهن في الاصح) والأرض الواسعة لانتفاء الضرر ويصح بيع باب في دار لإمكان إبداله (ولا المرهون بغير إذن مرتهنه) للعجز عن تسليمه شرعاً لأن الرهن وثيقة بالدين فتعلق به حق المرتهن (ولا الجاني المتعلق برقبته مال في الأظهر) كمن جنى خطأ أو شبه عمد أو عمد وعفي عن مال أو أتلف مالاً لتعلق حق المجني عليه به فلا يمكن تسليمه شرعاً، أما إذا أذن المجني عليه، وقبل اختيار السيد الفداء فقد جاز بيعه (ولا يضر تعلقه بذمته) لأن الدين بالذمة لا تعلق له بالرقبة وذلك كأن اشترى بغير إذن سيده وأتلفه، والبيع إنما يرد على الرقبة أما في الذمة فيؤديه بعد عتقه إن عتق، (وكذا تعلق القصاص في الأظهر) لأنه مرجو سلامته بالعفو عنه، والثاني يضر لأن المجني عليه قد يعفو على مال وتعلق المال برقبته مانع للبيع (الرابع) من شروط المبيع (المِلْك) أي ملك التصرف التام فدخل الوكيل وخرج ما قبل القبض (لمن له العقد) وهو العاقد أو موكله أو موليه فدخل الحاكم في بيع مال الممتنع عن الأداء والملتقط لمن خالف تلف الملتقط والمراد أنه لابد أن يكون مملوكاً لأحد الثلاثة (فبيع الفضولي باطل) وشراءه وسائر عقوده، والفضولي هو البائع لملك غيره بغير إذنه ولا ولاية، لما روى أحد والترمذي وأصحاب السنن عن حكيم بن حزام أن النبي (ص) قال له: "لا تبع ما ليس عندك" وفي رواية أبي داود "لا بيع إلا في ما تملك" (وفي القديم موقوف إن أجازه مالكه نفذ وإلا فلا) أي إن أجاز المالك بعد علمه بالبيعِ البيعَ صحَّ، ودليل ذلك ما رواه البخاري مرسلاً وأبو داوود والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح أنه (ص) دفع إلى عروة البارقي ديناراً ليشتري به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ودينار فقال له النبي (ص): "بارك الله لك في صفقة يمينك" قال الشافعي: "إن صح حديث عروة فكل من باع أو أعتق ثم رضي فالبيع والعتق جائز" (ولو باع ملك مورثه ظاناً حياته وكان ميتاً صح في الأظهر) لصدور البيع من المالك وقيل لا لأن البائع حين باع كان يظن أنه ليس ملكاً له والأول أظهر لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بالظن ومثله لو باع شيئاً ظاناً أنه لغيره فبان لنفسه صح البيع وصورة المسألة وجميع نظائرها أنه إذا علق البيع على أمر وعلما حال التعليق وجود المعلق عليه فقد صح البيع وإلا فلا.
(الخامس) من شروط المبيع (العلم به) عيناً وقدراً وصفة للنهي عن بيع الغرر لما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) "نهى عن بيع الغرر" (فبيع أحد الثوبين باطل) ومثله بيع أحدى السيارتين أو أحدى الدارين ونحوهما ومثله البيع بأحد المالين أو أحدى السيارتين للجهل بعين المبيع في الأولى والجهل بالثمن في الثانية (ويصح بيع صاع من صُبْرَة علم صيعانها) للمتعاقدين لانتفاء الغرر وقالوا إنه ينزل منزلة المشاع فلو اشترى ثلاثة من عشرة فيملك المشتري ثلاثة أعشار الصبرة مشاعاً فلو تلف بعضاها تلف على المشتري بقدر حصته.
(وكذا إن جهلت في الأصح) اي الصيعان لأحد المتعاقدين أولهما للتماثل في اجزائها أما لو اختلفت فلا يصح البيع كبيع ذراع مربع من أرض أو شاة من الشياه لفتاوت الأجزاء.
(ولو باع بملء ذا البيت حنطة أو بزنة الحصاة ذهباً أو بما باع فلان فرسه أو بألف دراهم ودنانير لم يصح البيع) للجهل بقدر الثمن أما لو علما قبل العقد سعة البيت أو زنة الحصاة وثمن الفرس صح البيع.
(ولو باع بنقد) ريالات أو دنانير أو دراهم أو دولارات (وفي البلد نقد غالب تعين) النقد الغالب ولو كان غير عملة البلد لأن الظاهر أن المتعاقدين أراداه.
(أو نقدان لم يغلب أحدهما اشترط التعين) لأحدهما في العقد إذا تفاوتت قيمتهما كدينار ودرهم أو درهم وريال أو دولار وجنيه أماإذا استوت قيمتها صح البيع بدون التعين وسلم المشتري ما شاء منها.
(ويصح بيع الصبرة المجهولة الصيعان) للمتعاقدين (كلَّ صاع بدرهم) لأن تفصيل الثمن معلوم فلا يضر الجهل بجملته ومثله الأرض المجهولة المساحة أو القطيع المجهول العدد ومثله كل سلعة متماثلة وقالوا العلم بجملة المبيع أوجملة الثمن معلومة تخميناً في هذه الحالة.
(لو باعها) الصبرة أو الأرض أو القطيع (بمائة درهم كل صاع بدرهم صح إن خرجت مائة) للتوافق بين جملة الثمن وتفصيله فانتفى الغرر (وإلا فلا على الصحيح) لتعذر الجمع بين الجملة والتفصيل ألا ترى أنه لو كان محتاجاً إلى مائة طاولة من نوع واحد فكان العدد مئة وعشرة أو كان العدد تسعين طاولة ألا يُحْدِثُ ذلك ضرراً بالمشتري وقيل يصح البيع إن اختاره المشتري ولا خيار للبائع لأن المشتري اعلم بما ينتفع به.
(ومتى كان العوض معيناً كفت معاينته) ويقصد بالمعين المشاهد فتكفي المشاهدة وإن جهلا القدر لأن التخمين قد يحيط به كما ذكرنا كما لو باعه أرضاً شاهدها أو طعاماً رآه أو غير ذلك ولكن إذا باعه صبرة فكان تحتها دكة أو اختلفت صفتها فالمشتري بالخيار ولو باعه كتباً وظاهرها بالعربية وبان أن بعضها بالإنجليزية أو كتباً دينية وبان أن بعضها كتب علوم فالمشتري بالخيار أيضاً.
(والأظهر أنه لا يصح بين الغائب) وهو ما لم يره المتعاقدان أو احدهما وسواء في ذلك الثمن أو المثمن ومثله الرؤية عن بعد أو من خلف مانع للرؤية أو مغير لصفتها لوجود الغرر.
(والثاني يصح ويثبت الخيار عند الرؤية) قال ابن الصلاح لأن الرؤية العرفية كافية وهي الرؤية المطردة عند الناس ويثبت الخيار للمشتري عند الرؤية لأن الخبر ليس كالمعاينة ولا خيار للبائع لأنه هو الذي وصف الجنس والنوع والمشتري أحق بمطابقة الأوصاف بما يَرْغَبُ به.
(وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد) كالأراضي والأواني والدور والأشجار.
(دون ما يتغير غالباً) كالأطعمة التي يسرع الفساد إليها ومنها ما يحتمل تغيره إذا طال الوقت وإن قصر فالتغير طفيف كالحيوان والثمار فالأصح صحة البيع لأن الظاهر بقاء المرئي على حالته فإن وجده المشتري متغيراً فله الخيار فإن نازعه البائع فالقول قول المشتري بيمينه.
(وتكي رؤية بعض المبيع إن دلَّ على باقيه كظاهر الصٌّبْرةِ) كالحنطة والشعير والجوز واللوز والأدقة والسمن في ظرف والزيت والتمر في نحو عنبر أو غرفة ولو من كوة نافذة إليه وفي كل الصُّبَر المتماثلة أما ما ليمكن تماثله كالبطيخ والرمان والسفرجل فلابد من رؤية الجميع.
(وأنموذج المتماثل) أي المتساوي الأجزاء كالحبوب وهو ما يُسمَّى العِّينة لأن رؤية العينة كرؤية ظاهر الصبرة وأعلى المائع الذي في ظرفه.
(أو كان حيواناً للباقي خلقة كقشر الرمان والبيض والقشرة السفلى للجوز واللوز) فتكفي رؤية قشرة المذكور لأن صلاح باطنه ببقائه أما ما كان له قشران فلا يكفي رؤية قشرته الخارجية لاستتاره فيما ليس من مصلحته والصوان هو الوعاء أو الغلاف الذي يحفظ فيه الشيء ومثله الجبة المحشوة وغيرها فيكفي رؤية ظاهرها أما إذا كانت الحشوة مقصودة كالفرش والألحفة والمسك واللؤلؤ فلابد من رؤية باطنها ولا تكفي رؤية صوانها.
(وتعتبر رؤية كلِّ شيء على ما يليق به) عرفاً لأن ما لا ضابط له في الشرع يرجع فيه إلى العرف وقالوا هو ما كان المقصود الأصلي في البيع أي ما تختلف معظم القيمة باختلافه ففي البستان رؤية الأشجار وسعة الأرض وموارد الماء وفي الدور السقوف ونوعية البناء وسعة البيوت ومنطقة المسكن وسهولة الوصول ونوعية السكان وفي السيارة نوعها وسنة صنعها ولونها وفي الكتب نوع الورق والطباعة وفي الثياب لابد من نشرها لمعرفة لونها ونوع قماشها وسعتها.
(والأصح أن وصفه بصفة السلم لا تكفي) أي وصف المباع لأن المطلوب في الرؤية الإحاطة بما لم تحط به العبارة وأما السلم فهو بيع موصوف في الذمة أبيح للضرورة فمعتمده الوصف.
(ويصح سلم الأعلمى) مُسَلِّمِاً أو مسَلَّماً إليه على أن يوكل في القبض أو يقبض له رأس المال في المجلس (وقيل إن عمي قبل تميزه فلا) أي إذا كان أعمى قبل التمييز بين الأشياء فلا يصح سلمه لانتفاء معرفته بالأشياء وهذا مردوده بأنه يعرفها بالسماع ويستطيع التميز بينها أما غير السلم مما يعتمد الرؤية كالبيع والإجارة والرهن وسبيله إلى ذلك أن يوكل فيها ولو كان رأى قبل العمى شيئاً لا يتغير عادة صح بيعه وشراؤه فيه.
باب الربا
الربا لغة الزيادة وشرعاً الزيادة في أشياء مخصوصة والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275 وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا] البقرة:278 وأخبار منها:
(1) حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل ما ل اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" متفق عليه.
(2) وحديث ابن مسعود: "لعن رسول الله (ص) آكل الربا وموكله" رواه مسلم وزاد الترمذي بسند صحيح وشاهديه وكاتبه.
(3) روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن النبي (ص) قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البُرَّ بالبُرَّ ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا سواءً بسواءً عيناً بعين يداً بيد".
وهو ثلاثة أنواع:
- ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العرضين على الآخر.
- ربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما.
- ربا النساء: وهو البيع لأجل مع تحديد الأجل في العقد.
قال الماوردي: ولم يكن حلالاً في شريعة من الشرائع وهو من أكبر الكبائر ولم يُؤْذِنُ الله تعالى في كتابه عاصياً بالحرب غير آكله وتحريمهُ تعبدي وما أبدي لسبب التحريم يصح أن يكون حكمة لا علة قال عمر بن الخطاب: لا يبع في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا.
(إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا) أي الطعام (جنساً) واحداً كحنطة وحنطة مثلاً (اشترط) لصحة البيع ثلاثة أمور (الحلول) من الطرفين بأن لا يذكر في العقد أجل مطلقاً لاشتراط التقابض في خبر مسلم ومن لوازم التقابض الحلول فمتى اقترن بأحدهما تأجيل ولو لحظة بعد العقد حرم ولم يصح.
(والمماثلة) أي في متحد الجنس مع العلم بالمماثلة وزناً أو كيلاً.
(والتقابض) أي القبض الحقيقي للعوضين ممن له ولاية القبض عن نفسه أو غيره فلا يكفي الإبراء أو الحوالة أو الضمان حتى وإن قبض الضامن في المجلس.
(قبل التفرق) حتى ولو وقع العقد في دار الحرب. روى الإمام مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي (ص) أنه قال [ الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة كلاً بمثل والتمر بالتمر مثلاً بمثل والبر بالبر مثلاً بمثل والملح بالملح مثلاً بمثل والشعير بالشعير مثلاً بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد وبيعوا البرَّ بالتمر كيف شئتم يداً بيد وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد.
وفي رواية لمسلم فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد أي مقابضة ويؤخذ من المقابضة الحلول. ولقد اتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا في هذه المذكورات بعلة وعلى هذا يثبت الربا في كل ما وجدت فيه علتها لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه واتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يثبت إلا في الجنس الواحد كالبر بالبر والشعير بالشعير فقال الشافعي –رحمه الله- العلة الطُّعْمُ والجنس شرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالباً لما روى مسلم عم معمر بن عبد الله أن النبي (ص) نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضى التعليل بها ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلام النقد في شيء من الموزونات لأنه أحد وصفي علة الربا.
(أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل) بينها كخمسة أطنان حنطة بستة أطنان شعير (واشترط الحلول والتقابض) للخبر السابق. وفي رواية لمسلم عيناً بعين وهي واضحة في اشتراط الحلول وما اقتضاه من وجوب التقابض.
(والطَعَامَ ما قصد للطُّعْمِ) أي ما قصد للأكل.
(إقتياتاً أو تفكهاً أو تداوياً) وهذه الثلاثة مأخوذة من الحديث السابق فإنه نص على البر والشعير والمقصود منهما القوت فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة كما نص على التمر والمقصود منه التأدم والتفكه فالحق به ما يشاركه كالزبيب والتين وكسائر الفواكه ونص على الملح والمقصود منه الاصلاح وتجنب الفساد فألحق به كل مصلح من الأبازير والبهارات وسائر الأدوية والأدهان نحو دهن الخروع والورد والصمغ فإذا كان الملح مصلحاً للطعام فلا فرق بينه وبين ما يصلح البدن وقوله اقتياتاً أي اقتياتاً مقصوداً عادة للآدميين فلا ربا فيما تتناوله البهائم.
(وأدقه الأصول المختلفة الجنس وخلولها أجناس) كأصولها فيجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلاً وخلِّ العنب بخل التفاح ودهن الخروع بدهن الورد متفاضلاً. أما أدقة الحنطة خشنة أو ناعمة أو مكسرة فكلها جنس واحد.
(واللحوم والألبان في الأظهر) هي أجناس كأصولها فليست اللحوم جنساً واحداً فيجوز بيع لحم البقر بلحم الضأن متفاضلاً ولبن البقر بلبن الضأن متفاضلاً أما البقر والجواميس فجنس واحد وكذلك الضأن والمعز جنس واحد.
(والمماثلة تعتبر في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً) لما روى البيهقي والنسائي عن عبادة بن الصامت الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً ولا يضر إذا استويا في الكيل أيضاً والموزون لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ًولا يضر مع الاستواء في الوزن التفاوت في الكيل.
(والمعتبر) في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً (عادة أهل الحجاز في عهد رسول الله (ص) ) لأنه من المعروف أن النبي (ص) اطلع على ذلك وأقره فلو أحدث الناس خلاف ذلك فلا اعتبار لما احدثوا (وما جهل) كأن لم يكن موجوداً أو كان موجوداً ولم نطلع عليه أو استعمل الكيل فيه والوزن سواء (يراعى فيه عادة بلد البيع) حالة بيعه لأن الشيء إذا لم يكن محدوداً في الشرع ولا في اللغة كان الرجوع فيه إلى عادة الناس كالقبض في البيع والحرز في السرقة والأمانات فإن لم توجد عادة أو لم تعرف لهم عادة فقد جاز الوزن فيه والكيل.
(وقيل الكيل) لأنه الأغلب فيما ورد (وقيل الوزن) لأنه الأضبط والأحوط (وقيل يتخير) لأنه لا فرق بين الكيل والوزن.
(وقيل إن كان له أصل اعتبر) أصله المعلوم إن كان موزوناً فيباع الفرع موزوناً وإن كان مكيلاً فيباع الفرع مكيلاً كدبس التمر فيباع مكيلاً لأن التمر يباع مكيلاً ودبس الرمان موزون (والنقد بالنقد كطعام بطعام) أي إذا بيع بجنسه كذهب بذهب أو فضة بفضة اشترط المماثلة والحلول والتقابض قبل التفرق للحديث السابق وعلة الربا في الذهب والفضة الثمنية وهي منتفية عن الفلوس وهي المصنوعة من معادن خسيسة كالحديد والنحاس لتفاهة قيمتها ولا أثر لقيمة الصنعة فيها لأنها تبقى خسيسة (ولو باع) طعاماً أو نقداً (جزافاً تخميناً لم يصح وإن خرجا سواءً) للجهل بالمماثلة حال البيع لقولهم الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة والجزاف أي من غير كيل ولا وزن.
(وتعتبر المماثلة) في الثمار والحبوب (وقت الجفاف) لأنه وقت الكمال (وقد يعتبر الكمال أولاً) وهي مسألة العرايا فهي رخصة أبيحت مع عدم الكمال فيها وقيل المعنى أن العرايا وهو بيع الرطب على الشجر بتمر جاف أعتبر حالة كمال لأنه يؤكل هكذا فهي حالة كمال له.
(فلا يباع رُطِبٌ بُرطَبٍ ولا بتمر ولا عنب بعنب ولا بزبيب) لجهلنا الآن بالمماثلة وقت الجفاف فقد أخرج مالك والشافعي والترمذي وصححه عن سعد بن أبي وقاص أن النبي (ص) سُئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم قال: فلا إذن فالمماثلة المعتبرة عند الجفاف وألحق بالرطب التين فلا يباع الرطب باليابس ولا الرطب بالرطب وألحق به أيضاً طري اللحم فلا يباع بطريه ولا بقديده أي جافه.
(وما لا جفاف له كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب لا يباع) بعضه ببعض (أصلاً) كالرطب بالرطب (وفي قول تكفي مماثلته رطباً) كاللبن باللبن فيباع وزناً وإن أمكن كيله لأن ذلك أدق ومما لا جفاف له الزيتون فيباع بعضه ببعض قيل لأن رطوبته دهنية وليست مائية (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق) وهو دقيق الشعير (والخبز) فلا يباع شيء منها بأصله ولا بمثله ولا بأصله لتفاوت نعومة الدقيق وتأثير النار على الخبز.
(بل تعتبر المماثلة في الحبوب حباً) بعد كمال جفافها وتنقيتها من تبن ونحوه لتحقيق المماثلة (وفي حبوب الدهن كالسمسم حباً أو دهناً) أو كسباً بعدعصر دهنه فيجوز بيع السمسم بمثله والشيرج أي دهن السمسم بمثله وأما كسب غير السمسم وهو ما لا تأكله إلا البهائم فليس بربوي ولا يباع سمسم بشيرج ويجوز بيع خلِّ العنب ببعض وبيع بعض عصير العنب ببعض ومثله عصير الرمان والقصب.
(وفي اللبن لبناً) أي باعتبار المماثلة بشرط أن يكون كلٌ منها صافياً لم يضف إليه الماء (أو سمناً أو مخيضاً صافياً) من الماء لأن منفعته كاملة والمخيض اللبن إذا نزع منه الزُّبد فيجوز بيع بعض السمن ببعض وزناً على النص وقيل كيلاً وأما المشوب بالماء فلا يجوز بيعه بمثله ولا بخالص للجهل بالمماثلة.
(ولا تكفي المماثلة في سائر أحواله كالجبن والأقط) أي أن المماثلة في باقي الصفات لا تكفي ومثل الجبن والأقط المصل والزبد لأنها مخالطةٌ لأشياء أخرى فهي ليست صافية فالجبن تخالطه الأنفحة والأقط يخالطه الملح والمصل يخالطه الدقيق والزبد لا يخلو من المخيض فلا تتحقق فيها المماثلة المعتبرة فلا يجوز بيع كل منها ببعضه ولا بيع واحد منها باللبن ولا بما فيه شيء منه أما بيع واحد منها بواحد من البقية فقيل يجوز لأنها أجناس وإن قلنا جنس واحد فلا يصح البيع مطلقاً ولا يجوز بيع الزبد بالسمن ولا بغيره لاشتمال الزبد على المخيض كما ذكرنا المانع من العلم بالمماثلة.
(ولا تكفي مماثلة ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي) لأن تأثير النار لا ضابط له فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة فمن المطبوخ اللحم مثلاً ومن المقلي السمسم مثلاً من المشوي البيض مثلاً وفيما أثرت فيه بالعقد كالدبس والسكر ايضاً لا يصح بيع بعضه ببعض (ولا يضر تأثير تميز كالعسل والسمن) لتميز العسل عن الشمع والسمن عن اللبن فيباع كل منها بمثله بعد التصفيه للجهل به قبل التصفية قيل لأن ناره ضعيفة.
(وإذا جَمَعَتِ الصفقةُ ربوياً من الجانبيين واختلف الجنس منهما) المقصود بالصفقة عقد البيع لأنهم كانوا يصفقون بأيدي بعضهم عند إبرام عقد البيع فإن اشتمل أحدهما على ربوي وآخر ربوي أو غير ربوي واشتمل طرف العقد الآخر على مثل الأول (كمد عجوة ودرهم بمد ودرهم وكمد ودرهم بدرهمين أو مدين) وكثوب ودرهم بثوب ودرهم أو كثوب مطرز بذهب بذهب أو قلادة فيها ذهب وخرز بذهب فالبيع باطل في جميع تلك الحالات.
(أو اختلف النوع) أي نوع الربوي باختلاف الصفة من الجانبين بأن اشتمل أحدهما من الدراهم والدنانيير على موصوفين بصفتين اشتمل الآخر عليهما أو على أحدهما فقط (كصحاح ومكسرة بها) أي بصحاح ومكسرة (أو بأحدهما) أي بصحاح فقط أو مكسرة فقط وقيمة المكسرة دون قيمة الصحيح في الجميع (فباطلة) لأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة. مثاله: باع جزءا ًمن دار وسيارة بمئة ألف والجزء بضعف قيمة السيارة فيأخذ الشفيع الشقص بثلثي المئة ألف والتوزيع في مسألتنا يؤدي إلى المفاضلة فلما كان أحد طرفي العقد مشتمل على مالين مختلفين فوجب أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة والتوزيع يتم بالتقويم والتقويم هو التخمين والتخمين قد يخطئ ففي مسألة مُدّ عجوة ودرهم بدرهمين المذكورة إذا زادت قيمة المدِّ على الدرهم أو نقصت تلزم المفاضلة وإذا ساوته لزم الجهل بالمماثلة ولهما نفس الحكم. فقد نهى رسول الله (ص) عن بيع مالم يفصل فقد روى مسلم وأبو داود وغيرهم عن فضالة بن عبيد قال: أُتي النبي (ص) بقلادة فيها حرز وذهب تباع بتسعة دنانير فأمر النبي (ص) بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال الذهب بالذهب وزناً بوزن وفي روابة لا تباع حتى تفصل وهذه المسألة تسمى عند الفقهاء بقاعدةُ مدِّ عجوة ودرهم.
(ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه) ولو لحم سمك بسمك ومنه بيع لحم البقر بالبقر ولحم البقر بالجاموس لأنهما جنس ولحم الضأن بالمعز باطل لأنهما جنس (وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره) كبيع لحم البقر بالشاة ولحم البقر بالحمار (في الأظهر) لما روى مالك من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً أن النبي (ص) نهى عن بيع اللحم بالحيوان. وأكثر أهل العلم على أن مرسل سعيد بين المسيب بمنزلة المسند على نزاع في ذلك وهو مشهور مذهب الشافعي. على أن الترمذي روى الحديث عن زيد بن سلمة الساعدي. ومقابل الأظهر الجواز أما في المأكول لأننا حكمنا أن اللحم أجناس فإذا أختلفت الأجناس جاز البيع وفي غير المأكول هو أن الممنوع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه وهو هنا غير موجود. ويؤيد الأول ما روى الشافعي عن ابن عباس: أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر فجاء رجل بعناق فقال: اعطوني منها فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.

باب البيوع المنهي عنها
(نهى رسول الله (ص) عن عسب الفحل وهو ضرابه) وهو طروق الفحل للأنثى (ويقال ماؤه) والمقصود النهي عن أجرة ضرابه لأن فعل الضراب غير مقدور عليه كما أن العسب وهو الضراب ليس من أفعال المكلفين حتى يكون فيه حرمة وإباحة. فقد روى البخاري والشافعي في المختصر وغيرهما من حديث ابن عمر أنه (ص) نهى عن عسب الفحل، ولمسلم عن أبي هريرة أنه (ص) نهى عن بيع ضراب الجمل.
وللنسائي من حديث أبي هريرة "نهى عن ثمن الكلب وعسب التيس" (ويقال أجرة ضرابه) أي نهى عن بدل عسب الفحل من أجرة ضرابه أو ثمن مائة، أي استئجاره للضراب (فيحرم ثمن مائه وكذا أجرته في الأصح) عملاً بأصل التحريم، والبيع باطل لأن الضراب غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه ومقابل الأصح جواز استئجاره للضراب كالاستئجار لتلقيح النخل باعتبار أن المستأْجَرَ عليه هو فعل الأجير الذي هو قادر عليه ولا بأس بالإهداء لصاحب الفحل بل قيل يندب كما تسن إعارة الفحل للضراب (وعن حَبَلِ الحَبَلَةِ) لما روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن بيع حبل الحبلة. قال البزار (وهو نتاج النتاج) والأصل في الحَبَلِ الاختصاص بالآدميات (بأن يبيع نتاج النتاج أو بثمن إلى نتاج النتاج) أي إلى أن تلد هذه الدابة ويلد ولدها، ووجه البطلان انعدام شروط البيع ومنها هنا جهالة الأصل (وعن الملاقيح وهي ما في البطون) من الأجنة (والمضامين وهي ما في أصلاب الفحول) من الماء، فقد رواه مالك في الموطأ عن سعيد مرسلاً كما روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملاقيح والمضامين (والملامسة) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملامسة والمنابذة، وعن أبي سعيد أنه نهى عن بيعتين المنابذة والملامسة (بأن يلمس ثوباً مطوياً) أو في ظلمة (ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه) اكتفاءً بلمسه عن رؤيته (أو يقول إذا لَمَستَهُ فقد بعتكه) اكتفاءً باللمس عن الصيغة، أو على أنه متى لمسه فقد انقطع خيار المجلس وخيار الشرط (والمنابذة بأن يجعل النبذ بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة وعلى أن إذا رماه إليه بالثمن المتفق عليه لزم البيع وانقطع الخيار، والبطلان فيهما لعدم الرؤية وللشرط الفاسد (وبيع الحصاة بأن يقول بعتُكَ من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه أو يجعلا الرمي بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة، أو يقول بعتك من هذه الأرض إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة فإذا رماها أحدهما فالمبيع من مكان وقوفهما إلى موضع سقوطها فقد روى الإمام مسلم من طريق حفص بن عاصم أن النبي (ص) نهى عن بيع الحصاة (أو بعتك ولك الخيار بلا رميها) أي أن يكون زمن الخيار إلى رمي الحصاة من أحدنا والبطلان في ذلك للجهل بالمبيع أو بزمن الخيار أو لعدم الصيغة (وعن بيعتين في بيعة) فقد روى الترمذي عن أبي سلمة من حديث محمد بن عمرو أنه (ص) نهى عن بيعتين في بيعة و روى أحمد والبزار وغيرهما عن ابن عمر: "مطل الغني ظلم وإذا أُحلت على ملئ فاتبعه ولا بيعتين في واحدة" وفي لفظ البزار: نهى عن بيعتين في بيعة (بأن يقول بعتك بألف نقداً وبألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئتَ أو شئتُ أنا (او بعتك هذا العبدَ بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري مني داري بكذا والبطلان للجهل بالعوض في الأول وللشرط الفاسد في الثاني (وعن بيع وشرط كبيع بشرط بيع أو قرض) فقد روى أصحاب السنن إلا ابنَ ماجة والحاكمُ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع" وفي رواية نهى عن بيع وشرط، كأن يقول أبيعك عبدي بألف بشرط أن تقرضني خمسمائة (ولو اشترى زرعاً بشرط أن يحصده البائع أو ثوباً ويخيطه فالأصح بطلانه) أي بطلان الشراء لاشتماله على شرط، ولتضمنه الزامه بالعمل فيما لم يملكه بعد والثاني يصح ويلزم الشرط وهو في المعنى بيع وإجارة يوزيع المسمّى عليهما باعتبار القيمة (ويستثنى) من النهي عن بيع وشرط (صور) يصح البيع مع الشرط (كالبيع بشرط الخيار أو البراءة من العيب أو بشرط قطع الثمر) فالبيع صحيح (والأجل) في غير الربوي. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى] البقرة:282 أي إلى أجل معين (والرهن والكفيل) للحاجة إليه في معاملة من لا يعرف حاله وشرطه العلم به بالمشاهدة والرهن وشرطه أن يكون معلوماً إما بالمشاهدة كما ذكرنا أو الوصف بصفات السلم وأما الكفيل فلا يشترط معرفة حاله لأن ذلك لمصلحة العاقد فعليه أن يتعرف حاله فإذا عدم ذلك فلتقصيره فيتحمل تبعاته (والإشهاد) للأمر به قال تعالى: [واشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282 (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المطلوب إثبات الحق وهو يثبت بأي عدول وقيل يشترط لتفاوت الأغراض فيهما كالوجاهة والملاءة والقوة وغير ذلك (فإن لم يرهن) المشتري أو جاء يرهن غير المعين أو لم يشهد (أو لم يتكفل المعين) بأن مات قبل الضمان أو ظهر أنه معسر (فللبائع الخيار) لفوات ما شرَطَهُ لضمان حقه ومثله إذا عين شاهدين فامتنعا من التحمل ثبت له الخيار أيضاً إن قلنا باشراط تعين الشهود (ولو باع عبداً بشرط اعتاقه فالمشهور صحة البيع والشرط) لتشوف الشارع إلى العتق وعلى أن للمشتري مصلحة في عتقه بالولاء في الدنيا والثواب في الآخرة وللبائع ثواب بالتسبب بالعتق (والأصح أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) بناءً على أن الحق له فإن لم يعتق فللبائع الفسخ وإن قلنا إن الحق في العتق لله تعالى كالملتزم بالنذر ففي هذه الحالة فليس للبائع المطالبة بالإعتاق لأنه لا ولاية له في حق الله تعالى.
(وإنه لو شرط مع العتق الولاء له) أي للبائع لم يصح البيع لمخالفة الشرط لما استقر عليه الشرع من أن الولاء لمن اعتق لما روى الشيخان عن عائشة في حديث بريرة "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن اعتق" أي لا معنى للشرط (أو شرط تدبيره أو كتابته أو اعتاقه بعد شهر) مثلاً (لم يصح البيع) لأنه بيع وشرط ولم يظهر في التدبير أو الكتابة أو العتق ما تشوف إليه الشارع من العتق المنجز.
(ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بعيب) لم يضر الشرط فهو تصريح بما أوجبه الشارع (أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا) أو لا يلبس إلا كذا (صح) البيع ولغا الشرط لخبر الشيخين في حديث عائشة قالت: ثم قام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاءُ الله أحقُ وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
(ولو شرط وصفاً يُقْصَدُ ككون العبد كاتباً أو الدابة حاملاً أو لبوناً صح) الشرط مع العقد لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض ولأنه التزم موجوداً عند العقد ولا يتوقف التزامه على إنشاء أمر مستقبل فلابد يدخل في النهي عن بيع وشرط وإنما سمي شرطاً تجوزاً فإن الشرط لا يكون إلا مستقبلاً ويكفي في الصفة المشروطة ما يطلق عليه الاسم (وله الخيار إن أخلف) أي للمشتري الخيار على الفور إن أخلف الشرط الذي شرطه (وفي قول يبطل العقد في الدابة) إن شرط فيها ما ذكر لأنه مجهول أما اختبار الكتابة ممكن معرفته قبل الشراء وكذلك حسن الخط وإجادة الصنعة وغير ذلك.
(ولو قال بعتُكَهَا وحملها) أو مع حملها (بطل في الأصح) لأن ما لا يصح بيعه وحده وهو هنا الحمل لا يصح مقصوداً مع غيره ومثله قوله بعتكها ولبنها لجعل اللبن المجهول مبيعاً مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط الحمل أو حلوباً لكون الحمل والحلب وصفاً للمبيع (ولا يصح بيع الحمل وحده) لبطلان بيع الملاقيح فهو غير معلوم ولا مقدور عليه (ولا الحامل دونه) لتعذر استثنائه لأنه كالعضو من أمه (ولا الحامل بحر) لأن الحر لا يباع فهو مستثنى شرعاً والاستثناء الشرعي كالاستثناء الحسي أي في وجه تباع الحامل ويكون الحر مستثنى (ولو باع حاملاً مطلقاً) من غير ذكر حمل معها ولا نفيه (دخل الحمل في البيع) تبعاً لها.

فصل في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها
(ومن المنهي عنه ما لا يبطل) أي لا يبطل النهيُ عنه البيعَ بخلافه فيما تقدم حيث يَبْطَلُ البيعُ لرجوعه أي لرجوع النهي (إلى معنى يقترن به) أي ليس النهي عن البيع بل لأمر آخر كالتضييق والإيذاء والتغرير (كبيع حاضر لباد بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌ اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) من بيعه حالاً وذلك لأخبار منها:
- روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) قال: " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
- وروى الشيخان عن أبي هريرة "لا يبيع حاضرٌ لباد".
- ومثله عند مسلم عن أبي الزبير "لا يبيع حاضر لباد".
- وروى الشيخان عن ابن عباس "نهى رسول الله (ص) أن تُتَلقى الركبان وأن يبيع حاضر لبادٍ"
فبيع الحاضر للباد يؤدي غالباً إلى التضييق على الناس خاصة إذا كان المتاع مما تعمُ الحاجة إليه كالأطعمة وأما إذا كان المتاع مما لا تعم الحاجة إليه فلا يدخل في النهي وكذلك إذا جاء البائع ليبيع بسعر اليوم فإن هذا يضييق على الناس أما إذا جاء ليبيع على التدريج أو ليضعه أصلاً عند من يبيعه له على التدريج فلا بأس بالبيع إن طلب البلديُ تفويضَ البيع على التدريج إليه والنهي للتحريم ويصحُ البيعُ لتكامل شروطه وأركانه ويأثمُ البلديُ دون البدويُ.
(وتلقى الركبان بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن) فقد روى الشيخان: عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع" وزاد مسلم فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يَقْدُمَ السوقَ والعلة في المنع مقصود فيه مصلحة الجالب فلو هبط السوق وتبين له أنه قد غُبِنَ في السعر ولو غَبْناً يسيراً فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه وليس له الفسخ إلا إذا تبين أنه مغبون ولو كان البيع باطلاً لما جعل النبي (ص) الخيار فيه لأن الخيار لا يكون إلا في بيع صحيح. وحيث ثبت لهم الخيار فهو على الفور أما تلقى الركبان لبيعهم ما يقصدون شراءه من البلد فلا شيء فيه إذا كان برغبتهم وطلبهم لتحقق شروطه ولعدم المانع الشرعي.
(والسوم على سوم أخيه) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" وروى الشيخان عن ابن عمر "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وهو خبر بمعنى النهي فيأثم فاعله إذا ان عالماً به (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بأن يصرحا بالتوافق على ثمن معين فيأتي ثالث فيقول لمن أخذ شيئاً ليشتريه ردّهُ حتى أبيعك خيراً منه بهذا الثمن أو مثله أو خيراً منه بأقل أو يقول لمالكه استرده لاشترَيهُ منك بأكثر مما بعت فلو باع أو اشترى صح البيع لأن التراضي صريح أما إذا لم يصرحا بالبيع أو سكت أحدهما أو كلاهما فإن السوم لا يحرم وأكثر المبيع إنما يكون بالمساومة. فقد روى أحمد وأبو داود عن أنس أنه (ص) نادى على قدح وَحلْس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم ثم قال الآخر عليَّ بدرهمين ورواه النسائي والترمذي وقال حسن (والبيع على بيع غيره قبل لزومه) لبقاء خيار مجلس أو شرط أو اطلاع على عيب في وقت يصعب الردُّ فيه كليل أو قيلولة أو شدة حرٍّ أو شدة برد (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) أي مثل المبيع بأقل من ثمنه (والشراء على الشراء) قبل لزومه (بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) بأكثر مما باعه. فقد روى الشيخان عن ابن عمر "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" وزاد النسائي حتى يبتاع أو يذر. وروى مسلم عن عقبة بن عامر "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ولا يخطب على خطبته حتى يذر". والمعنى في تحريم ذلك الإيذاء أما لو أذن البائع في البيع على بيعه عن رضا لا لنحو ضجر وضيق فقد ارتفع التحريم ولو باع أو اشترى دون إذن صح البيع والشراء لوجود شروط البيع كاملة.
(والنجش بان يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) فيشتريها أي غيره وهو محرم ولو كان المال ليتيم أو فقير أو محتاج لعموم النهي فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن النجش.
(والأصح أنه لا خيار) للمشتري لتفريطه بعد تأمله للسلعة ولعدم سؤال أهل الخبرة والاستعانة بهم والثاني له الخيار أن ثبت أن النجش كان بمواطأة من البائع لأنه في هذه الحالة مدلس كحكم التصرية أما إذا لم يثبت فلا خيار جزماً.
(وبيع الرُطب والعنب لعاصر الخمر) أي لمن يظن منه عصره خمراً أو مسكراً فإن توهم اتخاذه إياهما من المبيع فالبيع مكروه أو تحقق فحرام فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله (ص) قال: قاتل الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها [أذابوها] فباعوها".
وفي رواية مسلم: أن سمرة بن جندب باع خمراً فقال عمر: قاتل الله سمرة" قيل أخذها جزية فباعها وقد علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها وقال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً والعصير يسمى خمراً كما أن العنب قد يسمى خمراً لأنه يؤول إليه كما أن الطبراني روى في الأوسط عن بُرَيدة مرفوعاً "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة" وقد لعن رسول الله (ص) في الخمر عشرة منهم عاصرها ومعتصرها قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز ومن المنهي عنه احتكار القوت بأن يشتريه وقت الغلاء والعبرة في الغلاء العرف ليبيعه بأكثر من ثمنه للتضيق حينئذ فقد روى أحمد والحاكم وأبن أبي شيبة من حديث أبن عمر "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وزاد الحاكم "وإيما أهل عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
وروى ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي "لا يحتكر إلا خاطئ".
(ويحرم التفريق بين الأم وولدها) أي بين الرقيقة وولدها الرقيق في البيع أو الهبة أو الميراث (حتى يميز) لسبع سنين أو ثمانٍ (وفي قول حتى يبلغ) فقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي أيوب "من فرق والدةً وولدَهَا فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" .
وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي (ص) ورد البيع ولا يحرم التفريق بالعتق والوصية فلعل الموت لا يحدث إلا بعد سن التمييز ولو كانت الأم رقيقة والولد حراً أو العكس فلا منع من بيع الرقيق منهما وإذا كان فيه نقص في التمييز فلا يباع حتى يبلغ ويحرم التفريق في السفر بين زوجة حرة وولدها غير المميز لا المطلقة (وإذا فرق ببيع أو هبة بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعاً أما قبل سقية اللبأ فيبطل جزماً وقيل يجوز إذا كان المشتري ممن يعتق عليه المُشْتَرى فالظاهر عدم الحرمة لتحصيل مصلحة الحرية فهي صفة كمال.
(ولا يصح بيع العُرْبون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبةً) لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه (ص) نهى عن بيع العُربان لأن فيه شرطين فاسدين أحدهما شرط الهبة والثاني شرط الرد على تقدير أن لا يرضى بالشراء وقيل إن التفريق بين الأم والولد وبيع العربون كان ينبغي أن يذكر في فصل البيوع الباطلة قال الرملي جواباً على ذلك بأنه لما كان مُخْتَلَفاً بالبطلان في التفريق ولم يثبت في العربون نهي صحيح كان نوعاً ثالثاً فأخر عن النوعين قبلهما لذلك. أ.هـ تتمة: البيع تعتريه الأحكام الخمسة فيجب كما في بيع القاضي مال المفلس والمحجور عليه وفي حالة الاضطرار كبيع الولي مال اليتيم إذا تعين بيعه، ويندب في نحو زمن الغلاء وفي المحاباة للعالم بها ويكره في نحو بيع مصحف ودور مكة وفي سوق اختلط فيه الحرام بغيره وممن أكثر ماله حرام، ويحرم في بيع نحو العنب لعاصر الخمر وبيع السلاح للحربي، ومما يجب بيعه ما زاد على قوته سنة إذا احتاج الناس إليه، ولا يكره إمساكه سنين مع عدم الحاجة إليه، ومما يحرم التسعير على الحاكم ولو في غير المطعومات لكن للحاكم ان يعزر من خالف أمره إذا بلغه لشق عصا الطاعة، ومن المحرم بيع العينة وذلك بأن يبيعه عيناً بثمن كثير مؤجل ويسلمها إليه ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته، وغالب البيوع من المباح.

فصل في تفريق الصفقة وتعددها
(باع خلاً وخمراً أو عبده وحراً أو عبد غيره أو مشتركاً بغير إذن الآخر) ومثله شاة وخنزيراً (صح في ملكه في الأظهر) وبطل في الآخر وإعطاء لكل منهما حكمه، والثاني يبطل في الجميع تغليباً للحرام على الحلال، أما إذا أذن الشريك في البيع فقد صح جزماً وأما إذا أذن مالك العبد بالبيع فإنه لا يصح بيع العبدين للجهل بما يخص كل منهما وقيل يصح على أن يوزع الثمن على قدر قيمتيهما (فيتخير المشتري إن جهل) بناءً على قولنا بالصحة وجهل أن بعض المبيع خمراً فيتخير بين الفسخ والأجازة لتبعيض الصفقة عليه أما إذا علم فلا خيار له لتقصيره وعليه في حال علمه كامل الثمن (فإن أجاز فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لعدم علمه وذلك بأن يقدر الخمر خلاً والحر رقيقاً فإذا كانت قيمتهما ثلاثمائة والمسمى مئة وخمسين وقيمة المملوك مئة فحصته من المسمى خمسون (وفي قول بجميعه) لأنه بإجازته رضي بجميع الثمن في مقابله المملوك فكان الآخر كالمعدوم (ولا خيار للبائع) لأنه المفرط حيث باع مالاً يملكه وطمع فيما لا يستحقه (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه) فينفسخ العقد في التالف وتستمر صحته في الباقي بقسطه من المسمى إذا وزع على قيمته وقيمة التالف (لم ينفسخ في الآخر على المذهب) وإن لم يقبض الثمن مع جهالة ثمن التالف لأنهما طارئة فلا تضر كما لا يضر سقوط بعض الثمن لأرش العيب بل يتخير المشتري فوراً بين فسخ العقد والإجازة لتبعيض الصفقة عليه (فإن أجاز فبالحصة قطعاً) وقيل بجميع الثمن وهو مردود لأن الثمن غير منظور إليه أصالة فاغتفر تفريقه دواماً لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء خلافاً للمُثْمَنِ فإنه المقصود بالعقد فأثر تفريقه دواماً (ولو جمع) العقد (في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو) إجارة و (سلعة) كبعتك هذه وآجرتك هذه سفرة بألف أو آجرتك هذه وبعتك كذا في ذمتي سلماً بألف دينار مثلاً (صح في الأظهر ويوزيع المسمى على قيمتهما) كل منهما بقسطه بالمسمى أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة وقيمة المبيع أو المسلم فيه من حيث القيمة وقيل يبطلان لأنه قد يَعْرِضُ فسخ لأحدهما مما يقتضي التوزيع لأنهما دخلا تحت عقد واحد وقد جهلنا ما يخص كلاً منهما أو بيع ونكاح كقوله بعتك داري وزوجتك ابنتي (صح النكاح) لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق (وفي البيع والصداق القولان) السابقان وأظهرهما الصحة في البيع والصداق ويوزع المسمى على قيمة المبيع ومهر المثل (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كبعتك ذا بكذا وذا بكذا) فيقبل فيهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالعيب (وبتعدد البائع) كقولهم حالة كون المبيع مشترك بينهما بعناك هذا بكذا فيقبل منهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالبيع (وكذا بتعدد المشتري) به نحو بعتكما هذا بكذا فيقبلان (في الأظهر) قياساً على البائع، فلو وفى أحد المشترين نصيبه من الثمن فيجب على قولنا بالصحة على البائع أن يسلمه قسطه من المبيع وقيل لا حتى يوفي الآخر نصيبه كما لو اتحد المشتري لثبوت حق الحبس (ولو وكلاه أو وكلهما) في البيع أو الشراء (فالأصح اعتبار الوكيل) في اتحاد الصفقة وتعددها لأنه العاقد وأحكام العقد من خيار وغيره تتعلق به سواء في ذلك اتحاد الصفقة أو تعددها.

﴿ باب الخيار ﴾
والخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه، والأصل في البيع اللزوم لأن القصد من البيع نقل الملك وحَلَّ التصرف مع الأمن من نقض صاحبه له وهما فرعا اللزوم ولأن الشارع الحكيم أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين إما لدفع الضرر وهو خيار النقص وإما للتروي وهو ما يسمَّى خيار التشهي وهو الرغبة الخالصة من غير توقف على فوات أمر في المبيع وله سببان المجلس والشرط.
يثبت خيار المجلس في أنواع البيع كالصرفوهو بيع النقد بالنقد والطعام بالطعام والتوليةأي بيع الشيء بثمنه السابق والتشريك أي المشاركةوصلح المفاوضة على عين فقط بخلاف صلح الحطيطة فإنه على الدين إبراء وعلى العين هبة ولا خيار فيهما.
روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. قال ابن المبارك هو أثبت من الجبال.
وفي رواية لهما عن ابن عمر: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر. قال نافع وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه.
وروى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحِقَتْ بركة بيعهما.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: بعتُ من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّ في البيع. وفي رواية أيوب بن سويد فطفقت أنكص على عقبي القهقرى.
فإذا اشترى من يعتق عليه من أصوله أو فروعه فإن قلنا الملك في زمن الخيار للبائعوهو القول الضعيف أو المرجوع أو موقوف وهو الأصح فلهما الخيار جميعاً على الأصل في الخيار وإن قلنا للمشتري.على الضعيف تخير البائع دونه أي دون المشتري ولا ضرر على البائع هنا إذ لا يتمكن المشتري من إزالة الملك ولا يحكم بعتق الرقيق حتى يلزم العقد فيبيِّنُ أنه عتقَ من حين الشراء وأصح الأقوال الثلاثة القول الثاني أي أن يكون الخيار لهما ولا يعتق بحال إلا عند لزوم العقد.
ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب لأنها ليست بيوعاً والحديث ورد في البيع ولا خيار أيضاً في الوقف والعتق والطلاق لأنها ليست بيوعاً أيضاً. وكذا الهبة ذات الثواب في الأصح ولكن المعتمد خلاف هذا فهي بيع ثبت الخيار فيه.
وكذا الشفعة لا يثبت فيها الخيار لأن الخيار يثبت فيما ملك بالاختيار فلا معنى فيما أُخذ بالقهر ولكن قول الأكثرين أنه معاوضة تلحق بالمبيع كما أنه يثبت فيه الردُّ بالعيب.
والإجارة لا يثبت فيها الخيار لأنها عقد غرر والخيار غرر ولا يضم غرر إلى غرر ومقابله يثبت فيها الخيار لأنها عقد معاوضة سواء كانت إجارة عين كدار مثلاً أو إجارة ذمة كإيصال رسالة أو مال إلى مكان معين أو بناء دار أو حفر بئر... الخ.
والمساقاة لا يثبت فيها الخيار ويقال فيها ما قيل في إجارة الذمة.
والصداق لا خيار فيه في الأصح ووجه من قال أنه لا يثبت فيها الخيار أن المال تبع في النكاح لا استقلال ومقابله أن العوض مستقل ومثله الخلع وقال في الأصح في هذه الخمسة لأن فيها وجهين خيار ولا خيار.
وينقطع الخيار بالتخاير بأن يختارا لزومه أي يختار لزوم العقد بصيغة تدل على القبول كقولهم اخترنا أو أمضينا أو قبلنا لأن الخيار حقٌ لهما فيسقط بإسقاطهما فلو اختار أحدهما لزومه أي لزوم العقد وإمضاءه سقط حقه من الخيار وبقي الخيار للآخر.
وإذا قال أحدهما للآخر اختر فقد سقط حقه أي القائل من الخيار لتضمن قوله الرضا وبقي حق الآخر في الخيار لحديث ابن عمر السابق ( أو يقول أحدهما للآخر اختر ) متفق عليه.
وبالتفرق بينهما- منهما جميعاً أو من أحدهما لحديث ابن عمر (رجعت على عقبي حتى خرجت) رواه البخاري.
وقول نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق المجلس: البخاري.
فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل دام خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام والأصح ينقطع بعد ثلاثة أيام لأنها نهاية الخيار المشروط شرعاً. فقد روى أبو برزة بسند صحيح عن أبي الوضيء قال: عزونا غزوة لنا فنزلنا منزلاً فباع صاحب لنا فرساً بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتيهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أو برزة صاحب رسول الله فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) وما أراكما افترقتما. ويعتبر في التفرق العرف أي ما يعده الناس تفرقاً فهو التفرق فإن كان في دار صغيرة فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد سطحها أو كبته كأن ينتقل أحدهما من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها إما في الصحراء أو السوق كأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً.
ولو مات أحدهما في المجلس أو جُنَّ فالأصح انتقاله أي الخيار إلى الوارث والولي ويتولى الولي أو الوارث ما فيه المصلحة من فسخ أو إمضاء وقيل يسقط الخيار لأن مفارقة الحياة أعظم من مفارقة المكان ومثلها لو جُنَّ أحدهما لأنه فارق عقله فسقط عنه التكليف ولكل من المتبايعين فسخ العقد قبل لزومه ( ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله) أي في فسخ العقد قبل التفرق أو اتفقا على التفرق ولكن قال أحدهما أجزنا وقال الآخر فسخنا صدق النافي بيمينه لموافقته الأصل وهو دوام الاجتماع وعدم الفسخ أما لو اتفقا على عدم التفرق وادعي أحدهما الفسخ فإن دعوى الفسخ فسخٌ لأن الحق له في الفسخ ما داما في المجلس.
﴿ فصل في خيار الشرط ﴾
لهما ولأحدهما شرط الخيار أي لأحد المتعاقدين أن يشرط على الآخر مدة لأجازة العقد مع موافقة الآخر إجماعاً. إلا إذا كان المبيع عبداً يعتق على المشتري كأن يكون أصلاً أو فرعاً له وشرط المشتري الخيار لنفسه فقط لم يجز لأن العتق يستعقب الملك فلزم من ثبوت الخيار عدم الخيار وهي ما تسمى مسألة الدور ويجوز التفاضل في مدة الخيار كأن يشرط لأحدهما يوم وللآخر ثلاثة مثلاً ويجوز للعاقد لنفسه أن يجعل الخيار لغيره كأن اشترى سيارة فقال بشرط موافقة فلان لكونه أعرف بالمبيع أو لغرض آخر يقصده المتعاقد في أنواع البيع إلا أن يُشْترَطَ في بعضها القبض في المجلس كربوي ومُسْلَمٍ فلا يجوز شرط الخيار فيها لأن الربوي والمسلم عقدان لا يحتملان التأجيل بالقصد منها أن يفترقا ولا علاقة بينهما والخيار يؤدي إلى علاقة بينهما بعد التفرق.
وإنما يجوز في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام فلو كانت المدة مجهولة أو زائدة على ثلاثة أيام بطل العقد والأصل في ذلك خبر الشيخين عن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ بايعت فقل له لا خلابة وفي رواية البيهقي: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال. رواه الحميدي في مسنده والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر والرجل هو منقذ بن عمر أو حبان.
ولأحمد وأصحاب السنن من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار كان يبايع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في عقدته ضعف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت فقل لا خلابة ) والخلابة : أي الخداع والعرب تقول طَلقٌ خُلَّبٌ أي لا ضرر فيه ولا حقيقة له. والعقدة: أي الرأي – أي كان ضعيف الرأي لعلة في رأسه والواقعة في الحديث الاشتراط من المشتري وقيس عليه الاشتراط من البائع وتحسب من العقد الذي وقع فيه الشرط وقيل من التفرق أو التخاير وهو الأصح لأن المشترط يريد زيادة المدة هذا إذا أطلقا أو أحدهما وقبلا الشرط أما إذا اشترطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق حسبت من العقد ولا اعتبار بالتفرق ولو شرطا أن الخيار يبدأ من غد مثلاً بطل العقد والأظهر أنه إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع زمن الخيار له وإن كان للمشتري فله أي للمشتري وإن كان لهما فموقوف أي الملك موقوف ولا يتصرف فيه أحدهما لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر فإذا تمَّ البيع بان أنه للمشتري من حين العقد أي ملك المبيع وإلا فللبائع لأنه لم يتم البيع فكأن المبيع لم يخرج من ملك البائع وحيث حكمنا بملك المبيع لأحد الطرفين حكمنا بملك الثمن للآخر.
ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما أي في زمن الخيار ففي الفسخ كفسخت البيع ورفعته واسترجعت المبيع وفي الإجازة أجزته أي البيع وأمضيته وألزمته إلى غير ذلك من التعابير الدالة عرفاً على إمضاء العقد أو فسخه.
ووطء البائع وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لهما فسخ البيع وكذا بيعُهُ وإجارته وتزويجه فسخ البيع في زمن الخيار لإشعاره بالإعراض عن البيع.
والأصح أن هذه التصرفات من المشتري في زمن الخيار المشروط له أو لهما إجازة للشراء لأشعارها بقبول الشراء والأصح أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع ولا إجازة من المشتري لأنه قد يقصد من ذلك تبين الحال وقيل هو فسخ من البائع وإجازة من المشتري قياساً على الوصية حيث هذه التصرفات تُبطِلُ الوصية.
قلنا هذا في الوصية لضعفها ولأنه لا يوجد في الوصية حَالَ حياة الموصي إلا طرف واحد هو الموصي أما الموصَى له فلا حق له في شيء حال حياة الموصي لأن الموصي قادر على التنجيز والرفع دون الرجوع إلى أحد.
﴿ فصل في خيار النقص ﴾
وهو المتعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من:
1- قضاء عرفي: وهو ما يظن وجوده في البيع عرفاً وهو السلامة من العيب.
2- التزام شرطي.
3- تغرير فعلي.
للمشتري الخيار في رد المبيع بظهور عيب قديم ونقصد بالقديم الذي كان موجوداً قبل العقد أو بعد العقد وقبل التسليم كمضاء رقيق بقطع خصيته أو سلِّ لها أو كان مخلوقاً بغير خصيتين ومثله جبُّ ذكره لنقصه المفوت للجماع الذي قد يكون مقصوراً في الشراء. فقد أخرج الشافعي وأحمد وأصحاب السنن والحاكم عن طريق عروة عن عائشة ( أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عنده ما شاء الله ثم رده من عيب وجده فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب فقال المقضي عليه: قد استغله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان ( أو زناه وسرقته وإباقه أي كل منها وإن لم يتكرر وألحق به اللواط وإتيان البهائم وتمكين من نفسه والمساحقة وهذه كلها عيوب شنيعة تجيز الردَّ بالعيب لأن صاحبها قد يألفها كما أنها عارٌ في المجتمع النظيف ولأن تهمتها لا تزول عادة في مجتمع لم يعهد الشر وتربّى على أخلاق المؤمنين وبوله بالفراش في غير أوانه كأن بلغ ست أو سبع سنين وما زال يتبول في فراشه لأن ذلك يقلل الرغبة فيه وبخره وهو الناشئ من تغير المعدة وليس الناتج من تغير الفمَّ لسهولة تنظيفه وإزالته وسواء في ذلك الذكر والأنثى ومن العيوب أيضاً الصمم والعمى والخرس والبلاهة أو يكون أخفشاً وهو الذي لا يبصر في الضوء أو أعمشاً وهو الذي يسيل دمعه دائماً مع ضعف في البصر وصنانه وهي الرائحة الكريهة التي تخرج مع العرق فما كان لعارض كحرارة جو أو ترك غسل فلا يردُّ أما إذا كان صنانه مستحكماً لا ينفع معه غسيل فيردُّ به ومن العيوب التي يردُّ بها العبد أن يكون ساحراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو تكون الأمة قرنا بأن يوجد في فرجها ما يمنع الجماع أورتقاء وهي التي انسدَّ عندها موضع الجماع وغير ذلك من العيوب.
وجماح الدابة. أي صعوبة ركوبها ومثله هربها فما تراه وعضها ورمحها لمن يقترب منها فكلُّ ما ينقصُ العين أو القيمة نقصاً يُفَوٍّتُ به غرضٌ صميمٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه في العادة بخلاف ما لا يفوت به غرض صميم – كجرح قديم اندمل أو شيب في كبر سنٍّ أو قلع بعض أسنانه فلا يضر في البيع سوءا في ثبوت الخيار قارن العيب العقد بأن كان موجوداً قبل العقد أم حدث بعد العقد وقبل القبض لأن المبيع ما زال في ضمان البائع ولو حدث العيب بعده أي بعد القبض فلا خيار للمشتري في الردِّ إلا أن يستند العيب إلى سبب متقدم أي يستند إلى سبب متقدم على العقد أو القبض وقد جهله المشتري كقطعه بجنابة سابقة. إذا كان المبيع عبداً أو أمةً وقد وجب عليه القطع قصاصاً أو حداً لأن وجوب القطع عليه كبيعه مقطوعاً يثبت الرد بالعيب ومثله زوال بكارتها بزواج متقدم لم يعلمه المشتري فيثبت الردُّ في الأصح لأن تقدم السبب كتقدم الفعل بخلاف موته بمرض سابق في الأصح فلا ردَّ لثمنه لتعذر رده بالموت لأن المرض يزداد شيئاً فشيئاً إلى الموت فلم يتحقق ردُّ سبب الموت إلى المرض السابق كما أن الموت يأتي عرض وغيره هذا إذا لم يعلمه مريضاً أما إذا علمه مريضا فلا ردَّ قطعاً. نعم إذا لم يعلم فله أرش الثمن مابين قيمته صحيحاً ومريضاً وقت القبض.
ولو قبل بردة سابقة ضمنه البائع في الأصح فيسترد المشتري جميع الثمن لأن قتله لسبب متقدم فينفسخ البيع من قبل قتله إن جهل ذلك المشتري ولو باع حيواناً أو غيره بشرط براءته من العيوب والضمير في براءته يعود على البائع أو المبيع والذي جرى عليه المصنف أن البائع لا يتحمل أي شيء يظهر في المبيع أي لا يردُّ عليه بالعيب صح العقد مطلقاً لأنه عقد مشروط بظاهر الحال من السلامة من العيوب كما يقولون عادة: أني برئ من كل عيب فيه أو يقول كله عيوب أو يقول تحت كل شعرة عيب أو يقول: بعته جلدٌ وعظم أو قرن وحبل أو لحم في قفة أو صندوق مغلقة فالأظهر أنهيبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان لم يعلمه البائع دون غيره فلا يبرأ عن عيب ظاهر بالحيوان أو عيب باطن فيه وقد علمه. لما روى مالك في الموطأ: أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه وهو زيد ابن ثابت بالعبد عيب لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فباعه بألف وخمسمائة فكان ابن عمر يقول: تركت اليمين لله فعوضني الله عنها دلّ قضاء عثمان على البراءة من عيب باطن لا يعلمه ولكن لم يبرأ عن عيب علمه ولا عن عيبه الظاهر مطلقاً لندرة خفائه. قال الشافعي الحيوات يتغذى في الصحة والسقم وتحول طبائعه فقلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه لتلبيس فيه ومالا يعلمه من الظاهر لندرة خفائه عليه والبيع صحيح ويؤكد قضاء عثمان وقد اشتهر بين الصحابة ولم ينكروه أما في غير الحيوان فلا يبرأ مطلقاً لأن العيب لا يخفى وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد لانصراف الشرط إلى العيب الموجود عند العقد ولو شرط البراءة عما يحدث لم يصح الشرط في الأصح وكذا لو شرط البراءة من الموجود وما يحدث لم يصح لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته ولو شرط البائع البراءة من عيب لا يعاين كالزنا والسرقة والكذب برئ منها قطعاً لأن ذكرها إعلام بها. ولو هلك المبيع عند المشتري أي بعد قبضه من البائع أو أعتقه أو استولدها أو أوقفه ثم علم العيب الذي ينقص القيمة رجع بالأرش لعدم إمكانية الرد وهو أي الأرش جزء من ثمنه أي من ثمن المبيع نسبته أي نسبة الجزء إلى الثمن نسبة أي مثل نسبه ما نقص العيب من القيمة لو كان سليماً فإن كانت القيمة بلا عيب مائة وبالعيب تسعين فنسبة النقص إليها عُشرها فالأرش عُشْر الثمن لأن المبيع مضمون على البائع فيكون جزؤه مضمونا عليه بجزء الثمن والأصح اعتبار أقل قيمة للمبيع من يوم البيع إلى القبض ووجه أقل القيمتين أي القيمة إن كانت يوم البيع أقل في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص فيمن ضمان البائع ولو تلف الثمن أو خرج عن ملك البائع دون المبيع أي والمبيع المعيبُ موجوداً رده وأخذ مثل الثمن إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً ولو علم العيب بعد زوال ملكه عن المبيع إلى غيره بعوض أو بغير عوض فلا أرش له في الأصح لأنه لم ييأس من الرد فإذا رُدَّ عليه فله الردُّ فإن عاد الملك له فله الردُّ سواء رُدَّ عليه بالعيب أو بغيره لإمكانية الرد وقيل إن عاد بغير الردِّ بعيب فلا ردَّ والأصح لو تعذر الردُّ لتلف أو إعتاق فيعود المشتري الثاني على المشتري الأول بالأرش ويعود الأولى على البائع وللأول الرجوع على البائع قبل الغرم للثاني وله الرجوع أيضاًً إذا أبرأه الثاني. والردُّ على الفور إجماعاً فيبطل حق الردِّ بالتأخير من غير غرر.
فليبادر على العادة فلو علمه وهو يصلي أو يأكل أو يقضي حاجته فله تأخيره حتى يفرغ أي إذا علم بالعيب أو علمه ليلاًفحتى يصبح ولا يكلف الإسراع في المشي فإن كان البائع بالبلد ردَّه عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله لقيام الوكيل مقام موكله ولو تركه – أي ترك المشتري الردَّ على البائع أو وكيله ورفع الأمر إلى الحاكم فهو آكد في الردِّ لأنه ربما احتاج في النهاية إلى الربع إلى القاضي لامتناع البائع عن الردِّ وإن كان البائع غائباً عن البلد ولم يكن له وكيل بالبلد رفع الأمر إلى الحاكم فيدعي شراء ذلك لاشيء من فلان الغائب وقد ظهر به العيب وأنه فسخ البيع ويقيم البينة أمام شخص يعينه القاضي ويحلف لأنه قضاء على غائب ويحكم بالردِّ على الغائب ويأخذ المبيع ويضعه عند عدلِ ويقضي الدين من مال الغائب إن كان له مال. وإلا فيبقي الثمن ديناً على الغائب والأصح أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم ومقابله يكفيه الفسخُ عند أحدهما فإن عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح إذ لا معنى للتلفظ بالفسخ من غير سامع يعتدُّ به وقيل يجب ليبادر بحسب الإمكان.
ويشترط ترك الاستعمال عند الردِّ فلو استخدم العبدَ حتى ولو بقوله اسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها والإكاف هو البرذعة بَطَلَ حَقهُ في الردِّ للإشعار بالرضا والصحيح لا يضر الاستخدام الخفيف وإنما يضر الاستخدام الطويل ولا يضر علف الدابة وسقيها لأن ذلك لمصلحتها.
ويعذر في ركوب جَمُوح يعسر سوقها وقودُها حين ذهابه لردها للحاجة إلى الركوب.
وإذا سقط رده بتقصير منه فلا أرش له ولا ردَّ. ولو حدث عنده عيب مرضٌ وغيره ثم اطلع على عيب قديم سقط الردُّ قهراً أي أن البائع لا يقهر على الردِّ وقهراً هنا حال من الردِّ أو تميزاً له وذلك لأن المشتري أخذه بعيب فلا يرده بعيبين والضرر لا يزال بالضرر وعلى هذا لو زال الحادث كان له حق الردِّ ثم إن رضي به أي المبيع البائعُ معيباً رده المشتري بلا أرش عن الحادث أو اقتنع به المشتري بلا أرش عن القديم وإلا أي إذا لم يرضَ البائع به معيباً ( فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويردَّ أو يغرم البائع أرشَ القديم ولا يردُّ المشتري المبيع رعاية لحق الجانبين فإن اتفقا على أحدهما فذاك لأن الحق لهما فإما أن يشترط البائع بأرشه الجديد وإما أن يستبقيه المشتري بأرشه القديم وإلا فالأصح إجابة من طلب الإمساك والرجوع بالأرش لما في ذلك من إمضاء العقد ويجب أن يُعْلَِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث مع القديم ليختار شيئاً مما تقدم من أخذ المبيع أو تركه ودفع أرش فإن أخر إعلامه بلا عذر فلا ردَّ ولا أرش لإشعار التأخر بالرضا وإمضاء البيع أما إذا كان العيب سريع الزوال عادة فيعذر بالتأخير في الردِّ ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض ورار فج أي جوز الهند حيث لم يتأت معرفة عيبه إلى بكسره وتتوير بطيخ مدوِّد ونشر ثرب بفتح صندوقه وفتح صفيحة زيت أو سمن أو عسل وشق كيس قمح أو أرز ونحو ذلك رُدَّ ما ذكر بالقديم ولا أرش عليه في الأظهر لأن علمه متوقف على ما أحدث فيه من كسر أو تفوير أو فتح أو شق فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه كغرز إبرة أو شمِّ رائحة أو هزٍ فكسائر العيوب الحادثة عند الشدى المشتري فيمتنع الردُّ القهري.
فرع: في تفريق الصفقة بالردِّ اشترى من واحدٍ عبدين معيبين صفقة ردَّهما إن شاء قهراً لا أحدهما للإضرار بالبائع في تفريق الصفقة عليه من غير ضرورة ولو ظهر عيب أحدهما دون الآخر ردهما لا المعيب وحده في الأظهر منعاً للإضرار لما فيه من تفريق الصفقة فإن رضي البائع بردِّ أحدهما فلا بأس في ذلك وسبيل التوزيع بتقديرهما سليمين وتقويمها ويقسط الثمن عليها هذا إذا كان الشيئان لا تتعلق منفعة أحدهما بالآخر أما إذا تعلقت منفعة أحدهما بالآخر فيردان جميعاً كمصراعي باب أو زوجي خف أو طقم آنية أو طقم لباس.
ولو اشترى عبد رجلين معيباً فله ردُّ بعيب أحدهما بتفضيل ثمن كل واحد منهما فله الردُّ لتعدد الصفقة بتعدد البائع في الأولى وبتعدد المبيع وتحديد ثمنه في الثانية.
ولو اشترياه أي لو اشترى اثنان عبد رجل واحد فلإحدهما الردُّ لنصيبه في الأظهر لأن الأظهر تعدد الصفة بتعدد المشتري كما في تعدد البائع.
ولو اختلفا في قدم العيب وكان صدق كل منهما محتملاً صدق البائع بيمينه لأن الأصل لزوم العقد والبراءة من العيب على حسب جوابه أي على مثل بأن يقول ليس له الردُّ أو لا يلزمني الردُّ لأن المشتري قد يكون اطلع على العيب ورضيه قبل العقد أو بعده أما لو قال البائع قد علم العيب ورضيه كلف هنا البينة ولا يمين عليه.
والزيادة المتصلة كالثمن تتبع الأصل – إن كان ذلك في المبيع أو الثمن ومثل ذلك تعلم الرقيق صنعة أو حفظه قرآناً أو كبر الشجرة لتعذر الفصل ولأنه قد يقع نزاع في مقدار ما لكل منهما فلذا جُعلت الزيادة المتصلة تابعة للأصل.
والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الردُّ أي الزيادة العينية أو المنفعة لا تمنع الردِّ عملاً بمقتضى العيب وهي للمشتري إن ردِّ المبيع بعد القبض للحديث السابق عن عائشة ( الخراج بالضمان ) ومعنى ذلك أن ما يخرج من المبيع من غلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف لكان من ضمانه لأنه حدث في ملكه وكذا قبله في الأصح قيل لأن الفسخ يرفع العقد من حين الردِّ لا من أصله ومقابله أن الردَّ قبل القبض يرفع العقد من أصله.
ولو باعها حاملاً فانفصل رده معها في الأظهر / الجارية أو البهيمة وكانت معيبة فيردها وولدها لأن ولدها من جملة المبيع والولادة نماء متصل وأن الحمل يقابل بقسط من الثمن. أما إذا نقصت الحامل بالولادة فيمتنع الرد لأنه عيب حادث في ملك المشتري فهو كسائر العيوب أما إذا كان جاهلاً بالحمل عند الشراء ونقصت بالولادة فله الردُّ بناءً على أن العيب الحادث بسبب متقدم كالمتقدم.
ولا يمنع الردُّ الاستخدام ووطء الثيب قبل علم العيب من المشتري ووطء الثيب لا يمنع الردَّ لأن له حكم الاستخدام وافتضاض البكر ( بالفاء والقاف) من المشتري أو غيره الذي أدى إلى زوال بكارتها بعد القبض نقص حدث ما لم يستند إلى سبب متقدم كزواج سابق أو مرض لم يعلمه المشتري وقبله جناية على المبيع قبل قبضه فإن كان من المشتري فلا ردَّ له بالعيب أو من غيره وأجاز هو المبيع فله الردُّ بالعيب ولا شيء له بافتضاض البائع أو بزواج سابق أما لو كان الزوال بافتضاض أجنبي فله مهر بكر مثلها.
﴿ فصل: التغرير الفعلي بالتصرية وغيرها ﴾
التصرية: من صرّى الماء في الحوض أي جمعه وجوّز الشافعي أن تكون من العد وهو الرابط ويقال للمصراة محفَّلة من الحفل وهو الجمع وهي أن تربط أخلاف الناقة أو يمنع عنها ولا تحلب يومين أو أكثر فيجتمع اللبن في ضرعها فيظن الجاهل بحالها كثرة الحلب فيرغب في شرائها والإخلاف جمع خلفة وهي صلحة الضرع والتصرية حرام لما روى الشيخان عن أبي هريرة: لا تُصَرّوا الإبل والغنم للبيع فيمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر. وروى أبو داوود وابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر( من ابتاع محفّلة أي مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلها أو مثلي لبنها تمراً.
تثبت الخيار على الفور: أي التصرية لأنها عيب فلها حكمه فترد فوراً بعد الإطلاع على التصرية وقيل يمتد ثلاثة أيام:لحديث مسلم من حديث ابن سرين عن أبي هريرة ( من اشترى مصرَّاة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ صاعاً من تمر لا سمراء ) والسمراء هي الحنطة لأن التصرية لا تظهر غالباً إلا بعد ثلاثة أيام لاختلاف العلف أو المأوى وابتداء الثلاثة من العقد وقيل من التفرق ولا يتجاوز الخيار ثلاثة أيام لامتناع مجاوزة الثلاثة في الخيار.
فإن ردَّ المصرّاة بعد تلف اللبن ردّ معها صاع تمر للحديث السابق وقيل يكفي صاع قوت لما روى أبو داوود والترمذي ( ردها وردَّ صاعاً من طعام) قيل يتعين غالب قوت البلد وقيل يكفي القيمة عند فقد التمر حساً أو شرعاً ولو علم المشتري التصرية قبل الحلب ردها ولاشيء عليه والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وقلته لظاهر الحديث وقيل يختلف فيقدر التمر أو غيره بقدر اللبن فقد يزيد عن الصاع وقد ينقص وأن خيارها لا يختص بالنعم وهي الإبل والبقرة والغنم بل يعمُّ كل مأكول من الحيوان ( والجارية والأتان ) وهي الأنثى من الحمر الأهلية ومثلها الفرس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( من اشترى مصرَّاة. ولأنها تصرية يختلف بها الثمن فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الأنعام ( ولا يردّ معها شيئاً ) بدل اللبن لأن لبن الآدميات لا يباع عادةً ولبن الأتان نجس لا عوض له، وفي الجارية وجه أنه يردُّ بلد اللبن معها لطهارته ومقابله أن الخيار في النعم ولأن الجارية لا يقصد لبنها عادة.
وحبس ماء القناة والرحا المرسل عند البيع وتحمير الوجه وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار للمشتري عند علمه به لأنه كالتصرية بجامع التلبيس والإضرار.
لا لطخ ثوبه أي الرقيق تخييلاً لكتابته أو إلباسه ثوب خباز أو حداد أو نجار في الأصح إذ ليس فيه كبير غرر لتقصير المشتري بعدم امتحانه والبحث عنه ولا أثر لمجرد التوهم فلو اشترى قلادة من نحاس يظنها ذهباً نفذ البيع إلا من بائع مختص يبيع الذهب لأنه مقصر بالفحص وسؤال أهل الخبرة والله أعلم .
﴿ باب في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه﴾
المبيع قبل قبضه من ضمان البائع فإن تلف انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري ولو أبرأه المشتري عن الضمان لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم لأنه إبراء عما لم يحدث وإتلاف المشتري للمبيع حساً أو شرعاً قبضٌ ومثله إتلاف المغصوب في يد الغاصب من قبل مالكه إن علم المشتري أنه المبيع حال إتلافه وإلا إن جهل أنه المبيع فقولانكأكل المالك طعامه المغصوب ضيفاً أي أن المغصوب منه إذا نزل ضيفاً عند الغاصب فقد له المغصوب صيافة قيل يبرأ لأنه كإتلاف من المشتري فأشبه القبض ومقابله إنه كإتلاف البائع.
والمذهب أن إتلاف البائع للمبيع كتلفه فينفسخ به البيع ويسقط الثمن عن المشتري ومقابله يتخير المشتري فإما يفسخ فيسقط الثمن وإن أجاز المشتري البيع غَرِمَ البائع قيمة المبيع عند تلفه ويؤدي المشتري الثمن ويجوز التقاص والأظهر أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ البيع بليتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي القيمة أو يفسخ فيغرم البائعُ الأجنبيَّ البدل ولو تعيّبَ المبيع بآفة سماوية قبل قبضه فرضيه المشتري وأجاز البيع أخذه بكل الثمن لقدرته على الفسخ فأجاز البيع أي رضيه بكل الثمن ولو عيّبَه المشتري فلا خيار له لحصول التلف بفعله فيمتنع بسبب إتلافه الردُّ القهري حتى ولو كان فيه عيوب قديمة أو عيبه الأجنبي فالخيار للمشتري لكونه مضموناً على البائع فلو أجاز غرم الأجنبي الأرش لأنه الجاني ولكن بعد قبض المبيع لا قبله لجواز تلفه بيد البائع فينفسخ عندئذ المبيع ولو عيّبه البائع فالمذهب ثبوت الخيار لا التغريم للمشتري بناء على أن فعل البائع كالآفة لا كفعل الأجنبي ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إجماعاً في الطعام، وقيل في غيره، وإن أذن البائع وقبض الثمن لما روى البيهقي عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبيعنَّ شيئاً حتى تقبضه ) ولخبر الشيخين عن ابن عمر من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه ولخبر الشيخين عن ابن عباس أنه قال: أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يُستوفى وفي لفظ البخاري قبل أن يقبض وفي لفظ مسلم وأحسب كل شي بمنزلة الطعام، وأخرج البيهقي عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما بعثه لأهل مكة إنههم عن بيع مالم يقبضوا وربح مالم يضمنوا وعن الصفقتين في البيع الواحد أن يبيع أحدهم ما ليس عنده والأصح أن بيعه للبائع كغيره لعموم النهي السابق ومقابله يصح كبيع المغصوب من الغاصب والمقصود من البيع هو بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع فهي جائزة قطعاً والأصح أن الإجارة والرهن والهبة كالبيع ) فلا تصح لوجود المعنى المٌعَلَّلُ به النهي وهو ضعف الملك والأصح أن الإعتاق بخلافه فيصح لشتوف الشارع إليه ومثله الإستيلاد والتدبير والتزويج والوقف والإباحة إن كان طعاماً للفقراء وفارق التصدق لأن التصدق تمليك لا الكتابة إذ ليس للكتابة قوة العتق والثمن المعين دراهم أو دنانير أو غيرهما كالمبيع فلا يبيعه البائع قبل قبضه أي لا يتصرف به قبل قبضه لعموم النهي، ولو تلف الثمن انفسخ البيع وله بيع ما في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض ومرهون بعد انفكاكه وموروث باق في يد وليه بعد رشده وكذا عارية ومأخوذ بسوم لتمام الملك في المذكورات جميعاً، والمأخوذ بسوم هو ما يأخذه مريد الشراء ليتأمله فيشتريه أو يتركه، ومثله ما رجع إليه ولو بفسخٍ أو إفلاس وليستثنى من الموروث ما اشتراه المورِّث ولم يقبضه فلا يملك الوارث بيعه كالموروث ولا يصحبيع المُسْلَم فيه قبل قبضه ولا الإعتياض عنه قبل قبضه لعموم النهي عن بيع مالم يقبض والجديد جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمة وإن لم يكن نقداً لخبر الترمذي عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء والقديم المنع لعموم النهي السابق والثمن عادة النقد والمثمن مقابله فإن كان الثمن والمثمن نقدين فالثمن ما دخلته الباء والمثمن مقابله وتسمَّى هذه الباء باء السببية، فلو قال بعتك هذه الدراهم بهذه السيارة ووصفها فالسيارة مبلغٌ لا يجوز الاستبدال عنه والدراهم ثمن. ولو قال بعتك هذه الثلاجة بهذه الدراهم فالدراهم ثمن يجوز الاستبدال عنه ولا يجوز الاستبدال عن الثلاجة لأنها ثمن فإن استبدل موافقاً في علة الربا بدراهم عن دنانير أو عكسه اشترط قبض البدل في المجلس كما دل عليه الخبر السابق حذراً من الربا، ولا يكفي التعيين والأصح أنه لا يشترط التعيين في العقد أي عقد الاستبدال لجواز الصرف عما في الذمة ومقابله يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين وكذا لا يشترط القبض في المجلس وإن استبدل ما لا يوافق في العلة أي على الربا كثوب عن دراهم فلا يشترط قبض الثوب في المجلس لكن يشترط تعيينه في المجلس فيصفه ثم يعيّنه ولو استبدل عن المُقْرِض أي ثمن المُقْرضِ جاز ولو لم يتلف وقيمة المتلف جاز أي لو استبدل عن قيمة المتلف بمثله صح. وكذا يصح الاستبدال عن كل دين ليس بثمن ولا مثمن كالدين الموصى به أو الواجب في المتعة أو بسبب الضمان أو عن زكاة الفطر وفي اشتراط قبضه أي قبض البدل في المجلس ما سبق أي إذا كان موافقاً في علة الربا اشتُرط والإ فلا يشترط وبيع الدين بعين لغير من عليه باطل في الأظهر بأن يشتري عبدَ زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، والمعتمد خلافه لأنه مستقر فحكمه كبيعه ممن عليه، وهو الاستبدال عن القرض وقد قلنا بجوازه، وقيل يشترط أن يكون المديون ملياً مُقرِّاً وأن يكون الدين حالاً مستقراً ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمراً ديناً بدينه بطل قطعاً اتفق الجنس أو اختلف لنهيه صلى الله عليه وسلم بيع الكالئ بالكالئ فقد روى الدار قطني عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الكالئ بالكاليء) وقال الحاكم إنه على شرط مسلم، وفُسِّرَ بأنه بيع الدين بالدين كما ورد صريحاً وفي رواية البيهقي.
وقبض العقار تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفتاح إليه وعدم وجود أي مانع يمنع المشتري من التصرف بشرط فراغه من أمتعة غير المشتري من البائع والمستأجر والمستعير والغاصب فإن لم يَحْضُر العاقدون المبيع العقار المنقول الذي في يد المشتري بأن غابا عن محل العقد حالة القبض اعتبر في صحة قبضه إذن البائع ومضى زمن يمكن فيه المضي إليه من العقد
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20-07-07, 10:43 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ رجب نوري مشوح

الجزء الرابع

كتاب البيع

أفرد المصنف لفظ البيع تأسياً بقوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275 والعرب تقول: بعت بمعنى ما كنت ملكته وبعت بمعنى اشتريت ويقال لكل من المتابعين بائع وبيّع ومشتر وشار قال تعالى: [وشروه بثمن بخس] يوسف:20 أي باعوه وقال تعالى: [وبئس ما شروا به أنفسهم] البقرة:102.
وأما الصرف فهو بيع الأثمان بعضها ببعض والأصل في الباب قبل الإجماع قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275، وقوله تعالى: [اشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282، وقوله تعالى: [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله] النور:37.
وأحاديث:
(1) حديث رافع بن خديج: أن النبي (ص) سُئِلَ عن أطيب الكسب فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور" رواه الحاكم.
(2) حديث ابن عمر: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منها بالخيار ما لم يتفرقا" متفق عليه.
(3) حديث قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله] النور:3.
(4) حديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله (ص): أن نبيعه حتى ننقله من مكانه – متفق عليه
(شرطه الإيجاب كبعتك وملكتك والقبول كاشتريت وتملكت وقبلت) ومثله رضيت وأجبت وفعلت ونعم فلا يصح البيع بدونهما لأن البيع منوط بالرضا لخبر ابن ماجة وغيره: إنا البيع عن تراض قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم] النساء:29.
وأما المعاطاة بأن يتفق المتبايعان على ثمن ومثمن ويعطيا من غير إيجاب وقبول وقد يوجد لفظ من أحدهما واختار المصنف وجماعة من الفقهاء الانعقاد بها في كل ما يعده الناس بيعاً لأنه لم يثبت اشتراط لفظ معين فيرجع إلى العرف وما تكتبه الشركات والأسواق على السلعة من ثمن هو بمثابة لفظ خاصة وأن الأسواق إنماوضعت للبيع فما يعرض فيها هو بمثابة الإيجاب من البائع وأخذ السلعة بالثمن الموسومة به بمثابة القبول خاصة وأن الخيار موجود ما دام المشتري في السوق والبضاعة معروضة ما لم ترفع أما من لم يعرف منه البيع فلا يصح منه البيع إلا باللفظ وأما إذا كان المشتري يأخذ السلعة من البائع ويحاسبه بعد مدة دون علم بثمنها ولا رضا به فإنه باطل لأنه لا يحمل معنى البيع باللفظ ولا معنى المعاطاة.
(ويجوز تقديم لفظ المشتري) لحصول المقصود كأن يقول قبلت شراء هذا منك بمئة فيقول البائع قبلت أو بعت أو رضيت أو هات المبلغ.
(ولو قال بعني فقال بعتك انعقد) البيع (في الأظهر) لدلاة بعني علي رضا المشتري ومثله اجعله لي أو ملكه لي فقال البائع بعتك انعقد البيع ومثله لو قال اشتر مني بكذا فقال اشتريت.
(وينعقد بالكناية) والكناية ما يحتمل البيع وغيره على أن ينويه فقد روى الشيخان عن جابر أن النبي (ص) قال له بعني جملك قلت إن لرجل علىَّ أوقيةٌ فهو لك بها فقال (ص) قد أخذته وقد روى مسلم عن سلمة بن الأكوع أن النبي (ص) قال له في جارية هب لي المرأة فقال هي لك – وقضية الكناية هنا أنها تحمل معنى البيع ومعنى الهدية أو الهبة.
(كجعلته لك بكذا في الأصح) أو خذه بكذا وقضية الكناية هنا أن اللفظ يحمل معنى البيع ومعنى الإجارة فهو بيع صحيح وقيل لا ينعقد بها لأن المخاطب لا يدري أهو ببيع أم بغيره وأجيب عليه بأن ذكر العرض دليل على البيع وذكر القرائن في الكناية يوجب القطع بصحته.
(ويشترط ألا يطول الفصل بين الفظيهما) أو بين إشارتيهما أو بين كتابتيهما فوجب لانعقاد البيع أن لا يتخلل الكلام أو الكتابة كلام أجنبي عن العقد أو سكوت طويل أو نوم ولا يضر اليسير إلا من مريد إفساد العقد ولو باع من غائب كأن قال بعت داري لفلان بكذا فقال حين بلغه الخبر قبلت أو ما في معناها صح البيع ومثله لو كاتبه فقبل كما يصح البيع ونحوه من المعاملات بالأعجمية مع قدرة الطرفين على العربية بلا خلاف وفي النكاح يصح مع مخالفة الأَوْلَى لوجود معنى العبادة في النكاح ويشترط في صحة البيع أن لا يكون معلقاً بما لا يقتضيه العقد أو فيه مصلحة للعقد فإذا قال بعتك إذا جاء زيد لم يصح أما لو قال بعتك بشرط قبولك أو بعتك بشرط الكفيل أو بعتك بشرط أن يراه فلان (وأن يقبل على وفق الإيجاب) من جنس كأن يقول بعتك البُرَ فيقول اشتريت الشعير أو صفة كأن يقول بدينار فيقول اشتريت بريال أو نوع وكأن يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار فكل هذه البيوع باطلة.
(فلو قال بعتك بألف مكسرة فقال قبلت بألف صحيحة لم يصح) وكذا عكسه أو قال حالّة قال مؤجلة أو قال إلى سنة فقال إلى سنتين لم يصح البيع لأنه غير الذي خوطب به فاختلف المعنى.
(وإشارة الأخرس بالعقد كالنطق) به من غير الأخرس على أن تكون الإشارة مفهمة وكتابته مثل إشارته وكذا بالحلف والنذر أما إذا كانت غير مفهمة إلا لنوع معين من الناس فهي كالكناية (وشرط العاقد الرشد) سواء البائع أو المشتري والرشد أن يبلغ مصلحاً لدينه بأن لا يفعل محرماً يبطل العدالة من فعل الفواحش والمعاصي ومصلحاً لماله بأن لا ينفقه في حرام أو يرميه في بحر أو يحرقه أو يشتري به ما لا ينفع له فيه. وألا يكون محجوراً عليه بسفه أو فلس فيما يضيع المال.
(قلت وعدم الإكراه بغير حق) فلا يصح عقد المكره لعدم الرضا أما الإكراه بحق فجائز كأن وجب عليه أداء دين أو نفقة زوجة ولا أثر لقول المكره إنه بغير حق إلا في الصلاة فإن تكلم فيها بطلت ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام في الفريضة مع القدرة والإكراه على القتل.
(ولا يصح شراء الكافر المصحف) لنفسه أو لغيره كله أو بعضه ولا أن يمتلكه بسلم أو هبة أو وصية لما في ذلك من الإهانة والاستهزاء ولا يسلم المصحف إلى الكافر لأنه لا أمانة له ولأن فيه إهانة للمصحف أما لو رُجِيَ إسلامه فيمكّن من القراءة أما تملكهم العملة التي عليها آيات أو أحاديث فقيل يسامح في ذلك للحاجة.
(و) لا يصح شراء الكافر العبدَ (المسلم) لنفسه ولا لأحد من ملته لما في ذلك من إذلال للمسلم وامتهان لكرامته قال تعالى: [ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً] النساء:141 (إلا أن يعتق عليه فيصح) كأن كان أباً له أو ابناً أو إذا قال للمسلم اعتق عبدك عني بكذا أو إذا أقر بحرية عبد (في الأصح) لإنتفاء الإذلال في هذه الصور حيث يعتق وجوباً فلا يوجد إذلال وللكافر استئجار العبد المسلم ولو إجارة عين وقد أجر عليٌّ نفسه لكافر قال الزركشي بشرط ألا تكون الأعمال ممتهنة.
(ولا الحربي سلاحاً والله أعلم) لأنه يستعين به على قتالنا والمقصود بالسلاح كلُّ آلة الحرب كسيف وترس ورمح وفرس وسفينة وطائرة واجهزة مراقبة ورصد وأجهزة تنصت وسوءا في ذلك الفرد أو الجماعة.
(وللمبيع شروط) خمسة أحدها.
(طهارة عينه فلا يصح بيع الكلب والخمر) وغيرهما من نجس العين فقدروى الشيخان عن جابر أن رسول الله (ص) حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. وزاد أبو داود في روايته عن ابن عباس "وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" وروى الشيخان عن حديث أبي مسعود البدري أنه (ص) "نهى عن ثمن الكلب" والمعنى في هذه المذكورات نجاسة عينها فألحق بها باقي نجس العين.
(والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره) لأنه في معنى نجس العين (كالخل واللبن وكذا الدهن) كالزيت والسمن ومثله الدبس وسائر المائعات (في الأصح) إلا إذا كان جامداً فقد روى ابن حبان في صحيحة عن أبي هريرة أنه (ص) سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال "إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان ذائباً فأريقوه" فلو أمكن تطهير الموائع لما أمر بإراقته لأن ذلك تضيع للمال.
(الثاني) من شروط المبيع (النفع) أي ينتفع به حالاً أو مآلاً فما لا نفع فيه ليس بمال وأخذ المال مقابله كأكل المال بالباطل.
(فلا يصح بيع الحشرات) وهي صغار دواب الأرض كالخنفساء والفأرة والحية والعقرب والنمل ولا عبرة ببعض المنافع التافهة إذ لا نفع فيها يقابل المال.
(وكل سبع لا ينفع) كالأسد والذئب والنمر غير المعلم بخلاف نمر يمكن تعليمه أو فهد يرجى منه الصيد أو فيل لقتال أو عندليب للانس بصوته أو طاووس للأنس بلونه أما الهر المتوحش فلا يصح بيعه فقد روى أبو داود عن ابن عباس: "لا يحل ثمن الكلب" (ولا حبتي الحنطة ونحوها) أو الزبيب لأن ذلك لا يُقابل بمال عرفاً لانتفاء النفع بقلته ولذا لا يضمن ويمنع اغتصابه ويحرم بيع السم إن قتل كثيره وقليله وأما إذا نفع قليله وقتل كثيره فقد جاز بيعه لوجود النفع (وآلة اللهو) المحرم كالطنبور والمزمار إذ لا نفع بها شرعاً ولو صنعت من ذهب أو فضة (وقيل يصح في الآلة إن عُدَّ رضاضها مالاً) أي إن كان مكسرها فيه نفع متوقع كالخشب والحديد والفضة والذهب (ويصح بيع الماء على الشط والتراب في الصحراء في الأصح) فمن حازهما وامتلكهما لوجود المنفعة فيهما (الثالث) من شروط المبيع (إمكان تسليمه) أي قدرة البائع حساً وشرعاً على تسليم المبيع للمشتري من غير كبير كلفة ليخرج عن بيع الغرر المنهي عنه، والغرر ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما وقيل ما انطوت عنا عاقبته، فقد روى مسلم عن أبي هريرة وابن ماجة وأحمد من حديث ابن عباس أن النبي (ص) "نهى عن بيع الغرر"، وقد يصح مع عجز البائع عن التسليم لكون المشتري قادراً على التسلم كبيع المغصوب ممن قدر على استرداده من غاصبه (فلا يصح بيع الضال والآبق والمغصوب) للعجز عن تسليمها في الحال، والآبق: هو الهارب من سيده (فإن باعه لقادر على انتزاعه صح على الصحيح) فإن باع المغصوب أو الآبق أو الضال ممن يقدر على الوصول إليه جاز وصح البيع وكذا بيع المغصوب من الغاصب، فإن اختلفا في العجز فقال المشتري: كنت أظن القدرة فبان عدمها حلف على ذلك وبان عدم انعقاد البيع (ولا يصح بيع نصف معين من الإناء والسيف ونحوهما) وكذلك الثلث والربع وغير ذلك من أي شيء نفيس ينتقص بقطعة أو يفسد لأن التسليم لا يمكن إلا بالكسر أو القطع وفي ذلك نقص وتضييع للمال ومثله لا يصح بيع عمود معين في بناءٍ لأن الهدم يوجب النقص (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعهن في الاصح) والأرض الواسعة لانتفاء الضرر ويصح بيع باب في دار لإمكان إبداله (ولا المرهون بغير إذن مرتهنه) للعجز عن تسليمه شرعاً لأن الرهن وثيقة بالدين فتعلق به حق المرتهن (ولا الجاني المتعلق برقبته مال في الأظهر) كمن جنى خطأ أو شبه عمد أو عمد وعفي عن مال أو أتلف مالاً لتعلق حق المجني عليه به فلا يمكن تسليمه شرعاً، أما إذا أذن المجني عليه، وقبل اختيار السيد الفداء فقد جاز بيعه (ولا يضر تعلقه بذمته) لأن الدين بالذمة لا تعلق له بالرقبة وذلك كأن اشترى بغير إذن سيده وأتلفه، والبيع إنما يرد على الرقبة أما في الذمة فيؤديه بعد عتقه إن عتق، (وكذا تعلق القصاص في الأظهر) لأنه مرجو سلامته بالعفو عنه، والثاني يضر لأن المجني عليه قد يعفو على مال وتعلق المال برقبته مانع للبيع (الرابع) من شروط المبيع (المِلْك) أي ملك التصرف التام فدخل الوكيل وخرج ما قبل القبض (لمن له العقد) وهو العاقد أو موكله أو موليه فدخل الحاكم في بيع مال الممتنع عن الأداء والملتقط لمن خالف تلف الملتقط والمراد أنه لابد أن يكون مملوكاً لأحد الثلاثة (فبيع الفضولي باطل) وشراءه وسائر عقوده، والفضولي هو البائع لملك غيره بغير إذنه ولا ولاية، لما روى أحد والترمذي وأصحاب السنن عن حكيم بن حزام أن النبي (ص) قال له: "لا تبع ما ليس عندك" وفي رواية أبي داود "لا بيع إلا في ما تملك" (وفي القديم موقوف إن أجازه مالكه نفذ وإلا فلا) أي إن أجاز المالك بعد علمه بالبيعِ البيعَ صحَّ، ودليل ذلك ما رواه البخاري مرسلاً وأبو داوود والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح أنه (ص) دفع إلى عروة البارقي ديناراً ليشتري به شاة فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ودينار فقال له النبي (ص): "بارك الله لك في صفقة يمينك" قال الشافعي: "إن صح حديث عروة فكل من باع أو أعتق ثم رضي فالبيع والعتق جائز" (ولو باع ملك مورثه ظاناً حياته وكان ميتاً صح في الأظهر) لصدور البيع من المالك وقيل لا لأن البائع حين باع كان يظن أنه ليس ملكاً له والأول أظهر لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بالظن ومثله لو باع شيئاً ظاناً أنه لغيره فبان لنفسه صح البيع وصورة المسألة وجميع نظائرها أنه إذا علق البيع على أمر وعلما حال التعليق وجود المعلق عليه فقد صح البيع وإلا فلا.
(الخامس) من شروط المبيع (العلم به) عيناً وقدراً وصفة للنهي عن بيع الغرر لما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) "نهى عن بيع الغرر" (فبيع أحد الثوبين باطل) ومثله بيع أحدى السيارتين أو أحدى الدارين ونحوهما ومثله البيع بأحد المالين أو أحدى السيارتين للجهل بعين المبيع في الأولى والجهل بالثمن في الثانية (ويصح بيع صاع من صُبْرَة علم صيعانها) للمتعاقدين لانتفاء الغرر وقالوا إنه ينزل منزلة المشاع فلو اشترى ثلاثة من عشرة فيملك المشتري ثلاثة أعشار الصبرة مشاعاً فلو تلف بعضاها تلف على المشتري بقدر حصته.
(وكذا إن جهلت في الأصح) اي الصيعان لأحد المتعاقدين أولهما للتماثل في اجزائها أما لو اختلفت فلا يصح البيع كبيع ذراع مربع من أرض أو شاة من الشياه لفتاوت الأجزاء.
(ولو باع بملء ذا البيت حنطة أو بزنة الحصاة ذهباً أو بما باع فلان فرسه أو بألف دراهم ودنانير لم يصح البيع) للجهل بقدر الثمن أما لو علما قبل العقد سعة البيت أو زنة الحصاة وثمن الفرس صح البيع.
(ولو باع بنقد) ريالات أو دنانير أو دراهم أو دولارات (وفي البلد نقد غالب تعين) النقد الغالب ولو كان غير عملة البلد لأن الظاهر أن المتعاقدين أراداه.
(أو نقدان لم يغلب أحدهما اشترط التعين) لأحدهما في العقد إذا تفاوتت قيمتهما كدينار ودرهم أو درهم وريال أو دولار وجنيه أماإذا استوت قيمتها صح البيع بدون التعين وسلم المشتري ما شاء منها.
(ويصح بيع الصبرة المجهولة الصيعان) للمتعاقدين (كلَّ صاع بدرهم) لأن تفصيل الثمن معلوم فلا يضر الجهل بجملته ومثله الأرض المجهولة المساحة أو القطيع المجهول العدد ومثله كل سلعة متماثلة وقالوا العلم بجملة المبيع أوجملة الثمن معلومة تخميناً في هذه الحالة.
(لو باعها) الصبرة أو الأرض أو القطيع (بمائة درهم كل صاع بدرهم صح إن خرجت مائة) للتوافق بين جملة الثمن وتفصيله فانتفى الغرر (وإلا فلا على الصحيح) لتعذر الجمع بين الجملة والتفصيل ألا ترى أنه لو كان محتاجاً إلى مائة طاولة من نوع واحد فكان العدد مئة وعشرة أو كان العدد تسعين طاولة ألا يُحْدِثُ ذلك ضرراً بالمشتري وقيل يصح البيع إن اختاره المشتري ولا خيار للبائع لأن المشتري اعلم بما ينتفع به.
(ومتى كان العوض معيناً كفت معاينته) ويقصد بالمعين المشاهد فتكفي المشاهدة وإن جهلا القدر لأن التخمين قد يحيط به كما ذكرنا كما لو باعه أرضاً شاهدها أو طعاماً رآه أو غير ذلك ولكن إذا باعه صبرة فكان تحتها دكة أو اختلفت صفتها فالمشتري بالخيار ولو باعه كتباً وظاهرها بالعربية وبان أن بعضها بالإنجليزية أو كتباً دينية وبان أن بعضها كتب علوم فالمشتري بالخيار أيضاً.
(والأظهر أنه لا يصح بين الغائب) وهو ما لم يره المتعاقدان أو احدهما وسواء في ذلك الثمن أو المثمن ومثله الرؤية عن بعد أو من خلف مانع للرؤية أو مغير لصفتها لوجود الغرر.
(والثاني يصح ويثبت الخيار عند الرؤية) قال ابن الصلاح لأن الرؤية العرفية كافية وهي الرؤية المطردة عند الناس ويثبت الخيار للمشتري عند الرؤية لأن الخبر ليس كالمعاينة ولا خيار للبائع لأنه هو الذي وصف الجنس والنوع والمشتري أحق بمطابقة الأوصاف بما يَرْغَبُ به.
(وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد) كالأراضي والأواني والدور والأشجار.
(دون ما يتغير غالباً) كالأطعمة التي يسرع الفساد إليها ومنها ما يحتمل تغيره إذا طال الوقت وإن قصر فالتغير طفيف كالحيوان والثمار فالأصح صحة البيع لأن الظاهر بقاء المرئي على حالته فإن وجده المشتري متغيراً فله الخيار فإن نازعه البائع فالقول قول المشتري بيمينه.
(وتكي رؤية بعض المبيع إن دلَّ على باقيه كظاهر الصٌّبْرةِ) كالحنطة والشعير والجوز واللوز والأدقة والسمن في ظرف والزيت والتمر في نحو عنبر أو غرفة ولو من كوة نافذة إليه وفي كل الصُّبَر المتماثلة أما ما ليمكن تماثله كالبطيخ والرمان والسفرجل فلابد من رؤية الجميع.
(وأنموذج المتماثل) أي المتساوي الأجزاء كالحبوب وهو ما يُسمَّى العِّينة لأن رؤية العينة كرؤية ظاهر الصبرة وأعلى المائع الذي في ظرفه.
(أو كان حيواناً للباقي خلقة كقشر الرمان والبيض والقشرة السفلى للجوز واللوز) فتكفي رؤية قشرة المذكور لأن صلاح باطنه ببقائه أما ما كان له قشران فلا يكفي رؤية قشرته الخارجية لاستتاره فيما ليس من مصلحته والصوان هو الوعاء أو الغلاف الذي يحفظ فيه الشيء ومثله الجبة المحشوة وغيرها فيكفي رؤية ظاهرها أما إذا كانت الحشوة مقصودة كالفرش والألحفة والمسك واللؤلؤ فلابد من رؤية باطنها ولا تكفي رؤية صوانها.
(وتعتبر رؤية كلِّ شيء على ما يليق به) عرفاً لأن ما لا ضابط له في الشرع يرجع فيه إلى العرف وقالوا هو ما كان المقصود الأصلي في البيع أي ما تختلف معظم القيمة باختلافه ففي البستان رؤية الأشجار وسعة الأرض وموارد الماء وفي الدور السقوف ونوعية البناء وسعة البيوت ومنطقة المسكن وسهولة الوصول ونوعية السكان وفي السيارة نوعها وسنة صنعها ولونها وفي الكتب نوع الورق والطباعة وفي الثياب لابد من نشرها لمعرفة لونها ونوع قماشها وسعتها.
(والأصح أن وصفه بصفة السلم لا تكفي) أي وصف المباع لأن المطلوب في الرؤية الإحاطة بما لم تحط به العبارة وأما السلم فهو بيع موصوف في الذمة أبيح للضرورة فمعتمده الوصف.
(ويصح سلم الأعلمى) مُسَلِّمِاً أو مسَلَّماً إليه على أن يوكل في القبض أو يقبض له رأس المال في المجلس (وقيل إن عمي قبل تميزه فلا) أي إذا كان أعمى قبل التمييز بين الأشياء فلا يصح سلمه لانتفاء معرفته بالأشياء وهذا مردوده بأنه يعرفها بالسماع ويستطيع التميز بينها أما غير السلم مما يعتمد الرؤية كالبيع والإجارة والرهن وسبيله إلى ذلك أن يوكل فيها ولو كان رأى قبل العمى شيئاً لا يتغير عادة صح بيعه وشراؤه فيه.


باب الربا

الربا لغة الزيادة وشرعاً الزيادة في أشياء مخصوصة والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] البقرة:275 وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا] البقرة:278 وأخبار منها:
(1) حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل ما ل اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" متفق عليه.
(2) وحديث ابن مسعود: "لعن رسول الله (ص) آكل الربا وموكله" رواه مسلم وزاد الترمذي بسند صحيح وشاهديه وكاتبه.
(3) روى مسلم عن عبادة بن الصامت أن النبي (ص) قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البُرَّ بالبُرَّ ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلا سواءً بسواءً عيناً بعين يداً بيد".
وهو ثلاثة أنواع:
- ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العرضين على الآخر.
- ربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما.
- ربا النساء: وهو البيع لأجل مع تحديد الأجل في العقد.
قال الماوردي: ولم يكن حلالاً في شريعة من الشرائع وهو من أكبر الكبائر ولم يُؤْذِنُ الله تعالى في كتابه عاصياً بالحرب غير آكله وتحريمهُ تعبدي وما أبدي لسبب التحريم يصح أن يكون حكمة لا علة قال عمر بن الخطاب: لا يبع في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا.
(إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا) أي الطعام (جنساً) واحداً كحنطة وحنطة مثلاً (اشترط) لصحة البيع ثلاثة أمور (الحلول) من الطرفين بأن لا يذكر في العقد أجل مطلقاً لاشتراط التقابض في خبر مسلم ومن لوازم التقابض الحلول فمتى اقترن بأحدهما تأجيل ولو لحظة بعد العقد حرم ولم يصح.
(والمماثلة) أي في متحد الجنس مع العلم بالمماثلة وزناً أو كيلاً.
(والتقابض) أي القبض الحقيقي للعوضين ممن له ولاية القبض عن نفسه أو غيره فلا يكفي الإبراء أو الحوالة أو الضمان حتى وإن قبض الضامن في المجلس.
(قبل التفرق) حتى ولو وقع العقد في دار الحرب. روى الإمام مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي (ص) أنه قال [ الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة كلاً بمثل والتمر بالتمر مثلاً بمثل والبر بالبر مثلاً بمثل والملح بالملح مثلاً بمثل والشعير بالشعير مثلاً بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد وبيعوا البرَّ بالتمر كيف شئتم يداً بيد وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد.
وفي رواية لمسلم فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد أي مقابضة ويؤخذ من المقابضة الحلول. ولقد اتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا في هذه المذكورات بعلة وعلى هذا يثبت الربا في كل ما وجدت فيه علتها لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه واتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يثبت إلا في الجنس الواحد كالبر بالبر والشعير بالشعير فقال الشافعي –رحمه الله- العلة الطُّعْمُ والجنس شرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالباً لما روى مسلم عم معمر بن عبد الله أن النبي (ص) نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضى التعليل بها ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلام النقد في شيء من الموزونات لأنه أحد وصفي علة الربا.
(أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل) بينها كخمسة أطنان حنطة بستة أطنان شعير (واشترط الحلول والتقابض) للخبر السابق. وفي رواية لمسلم عيناً بعين وهي واضحة في اشتراط الحلول وما اقتضاه من وجوب التقابض.
(والطَعَامَ ما قصد للطُّعْمِ) أي ما قصد للأكل.
(إقتياتاً أو تفكهاً أو تداوياً) وهذه الثلاثة مأخوذة من الحديث السابق فإنه نص على البر والشعير والمقصود منهما القوت فألحق بهما ما يشاركهما في ذلك كالأرز والذرة كما نص على التمر والمقصود منه التأدم والتفكه فالحق به ما يشاركه كالزبيب والتين وكسائر الفواكه ونص على الملح والمقصود منه الاصلاح وتجنب الفساد فألحق به كل مصلح من الأبازير والبهارات وسائر الأدوية والأدهان نحو دهن الخروع والورد والصمغ فإذا كان الملح مصلحاً للطعام فلا فرق بينه وبين ما يصلح البدن وقوله اقتياتاً أي اقتياتاً مقصوداً عادة للآدميين فلا ربا فيما تتناوله البهائم.
(وأدقه الأصول المختلفة الجنس وخلولها أجناس) كأصولها فيجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلاً وخلِّ العنب بخل التفاح ودهن الخروع بدهن الورد متفاضلاً. أما أدقة الحنطة خشنة أو ناعمة أو مكسرة فكلها جنس واحد.
(واللحوم والألبان في الأظهر) هي أجناس كأصولها فليست اللحوم جنساً واحداً فيجوز بيع لحم البقر بلحم الضأن متفاضلاً ولبن البقر بلبن الضأن متفاضلاً أما البقر والجواميس فجنس واحد وكذلك الضأن والمعز جنس واحد.
(والمماثلة تعتبر في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً) لما روى البيهقي والنسائي عن عبادة بن الصامت الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً ولا يضر إذا استويا في الكيل أيضاً والموزون لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ًولا يضر مع الاستواء في الوزن التفاوت في الكيل.
(والمعتبر) في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً (عادة أهل الحجاز في عهد رسول الله (ص) ) لأنه من المعروف أن النبي (ص) اطلع على ذلك وأقره فلو أحدث الناس خلاف ذلك فلا اعتبار لما احدثوا (وما جهل) كأن لم يكن موجوداً أو كان موجوداً ولم نطلع عليه أو استعمل الكيل فيه والوزن سواء (يراعى فيه عادة بلد البيع) حالة بيعه لأن الشيء إذا لم يكن محدوداً في الشرع ولا في اللغة كان الرجوع فيه إلى عادة الناس كالقبض في البيع والحرز في السرقة والأمانات فإن لم توجد عادة أو لم تعرف لهم عادة فقد جاز الوزن فيه والكيل.
(وقيل الكيل) لأنه الأغلب فيما ورد (وقيل الوزن) لأنه الأضبط والأحوط (وقيل يتخير) لأنه لا فرق بين الكيل والوزن.
(وقيل إن كان له أصل اعتبر) أصله المعلوم إن كان موزوناً فيباع الفرع موزوناً وإن كان مكيلاً فيباع الفرع مكيلاً كدبس التمر فيباع مكيلاً لأن التمر يباع مكيلاً ودبس الرمان موزون (والنقد بالنقد كطعام بطعام) أي إذا بيع بجنسه كذهب بذهب أو فضة بفضة اشترط المماثلة والحلول والتقابض قبل التفرق للحديث السابق وعلة الربا في الذهب والفضة الثمنية وهي منتفية عن الفلوس وهي المصنوعة من معادن خسيسة كالحديد والنحاس لتفاهة قيمتها ولا أثر لقيمة الصنعة فيها لأنها تبقى خسيسة (ولو باع) طعاماً أو نقداً (جزافاً تخميناً لم يصح وإن خرجا سواءً) للجهل بالمماثلة حال البيع لقولهم الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة والجزاف أي من غير كيل ولا وزن.
(وتعتبر المماثلة) في الثمار والحبوب (وقت الجفاف) لأنه وقت الكمال (وقد يعتبر الكمال أولاً) وهي مسألة العرايا فهي رخصة أبيحت مع عدم الكمال فيها وقيل المعنى أن العرايا وهو بيع الرطب على الشجر بتمر جاف أعتبر حالة كمال لأنه يؤكل هكذا فهي حالة كمال له.
(فلا يباع رُطِبٌ بُرطَبٍ ولا بتمر ولا عنب بعنب ولا بزبيب) لجهلنا الآن بالمماثلة وقت الجفاف فقد أخرج مالك والشافعي والترمذي وصححه عن سعد بن أبي وقاص أن النبي (ص) سُئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم قال: فلا إذن فالمماثلة المعتبرة عند الجفاف وألحق بالرطب التين فلا يباع الرطب باليابس ولا الرطب بالرطب وألحق به أيضاً طري اللحم فلا يباع بطريه ولا بقديده أي جافه.
(وما لا جفاف له كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب لا يباع) بعضه ببعض (أصلاً) كالرطب بالرطب (وفي قول تكفي مماثلته رطباً) كاللبن باللبن فيباع وزناً وإن أمكن كيله لأن ذلك أدق ومما لا جفاف له الزيتون فيباع بعضه ببعض قيل لأن رطوبته دهنية وليست مائية (ولا تكفي مماثلة الدقيق والسويق) وهو دقيق الشعير (والخبز) فلا يباع شيء منها بأصله ولا بمثله ولا بأصله لتفاوت نعومة الدقيق وتأثير النار على الخبز.
(بل تعتبر المماثلة في الحبوب حباً) بعد كمال جفافها وتنقيتها من تبن ونحوه لتحقيق المماثلة (وفي حبوب الدهن كالسمسم حباً أو دهناً) أو كسباً بعدعصر دهنه فيجوز بيع السمسم بمثله والشيرج أي دهن السمسم بمثله وأما كسب غير السمسم وهو ما لا تأكله إلا البهائم فليس بربوي ولا يباع سمسم بشيرج ويجوز بيع خلِّ العنب ببعض وبيع بعض عصير العنب ببعض ومثله عصير الرمان والقصب.
(وفي اللبن لبناً) أي باعتبار المماثلة بشرط أن يكون كلٌ منها صافياً لم يضف إليه الماء (أو سمناً أو مخيضاً صافياً) من الماء لأن منفعته كاملة والمخيض اللبن إذا نزع منه الزُّبد فيجوز بيع بعض السمن ببعض وزناً على النص وقيل كيلاً وأما المشوب بالماء فلا يجوز بيعه بمثله ولا بخالص للجهل بالمماثلة.
(ولا تكفي المماثلة في سائر أحواله كالجبن والأقط) أي أن المماثلة في باقي الصفات لا تكفي ومثل الجبن والأقط المصل والزبد لأنها مخالطةٌ لأشياء أخرى فهي ليست صافية فالجبن تخالطه الأنفحة والأقط يخالطه الملح والمصل يخالطه الدقيق والزبد لا يخلو من المخيض فلا تتحقق فيها المماثلة المعتبرة فلا يجوز بيع كل منها ببعضه ولا بيع واحد منها باللبن ولا بما فيه شيء منه أما بيع واحد منها بواحد من البقية فقيل يجوز لأنها أجناس وإن قلنا جنس واحد فلا يصح البيع مطلقاً ولا يجوز بيع الزبد بالسمن ولا بغيره لاشتمال الزبد على المخيض كما ذكرنا المانع من العلم بالمماثلة.
(ولا تكفي مماثلة ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي) لأن تأثير النار لا ضابط له فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة فمن المطبوخ اللحم مثلاً ومن المقلي السمسم مثلاً من المشوي البيض مثلاً وفيما أثرت فيه بالعقد كالدبس والسكر ايضاً لا يصح بيع بعضه ببعض (ولا يضر تأثير تميز كالعسل والسمن) لتميز العسل عن الشمع والسمن عن اللبن فيباع كل منها بمثله بعد التصفيه للجهل به قبل التصفية قيل لأن ناره ضعيفة.
(وإذا جَمَعَتِ الصفقةُ ربوياً من الجانبيين واختلف الجنس منهما) المقصود بالصفقة عقد البيع لأنهم كانوا يصفقون بأيدي بعضهم عند إبرام عقد البيع فإن اشتمل أحدهما على ربوي وآخر ربوي أو غير ربوي واشتمل طرف العقد الآخر على مثل الأول (كمد عجوة ودرهم بمد ودرهم وكمد ودرهم بدرهمين أو مدين) وكثوب ودرهم بثوب ودرهم أو كثوب مطرز بذهب بذهب أو قلادة فيها ذهب وخرز بذهب فالبيع باطل في جميع تلك الحالات.
(أو اختلف النوع) أي نوع الربوي باختلاف الصفة من الجانبين بأن اشتمل أحدهما من الدراهم والدنانيير على موصوفين بصفتين اشتمل الآخر عليهما أو على أحدهما فقط (كصحاح ومكسرة بها) أي بصحاح ومكسرة (أو بأحدهما) أي بصحاح فقط أو مكسرة فقط وقيمة المكسرة دون قيمة الصحيح في الجميع (فباطلة) لأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة. مثاله: باع جزءا ًمن دار وسيارة بمئة ألف والجزء بضعف قيمة السيارة فيأخذ الشفيع الشقص بثلثي المئة ألف والتوزيع في مسألتنا يؤدي إلى المفاضلة فلما كان أحد طرفي العقد مشتمل على مالين مختلفين فوجب أن يوزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة والتوزيع يتم بالتقويم والتقويم هو التخمين والتخمين قد يخطئ ففي مسألة مُدّ عجوة ودرهم بدرهمين المذكورة إذا زادت قيمة المدِّ على الدرهم أو نقصت تلزم المفاضلة وإذا ساوته لزم الجهل بالمماثلة ولهما نفس الحكم. فقد نهى رسول الله (ص) عن بيع مالم يفصل فقد روى مسلم وأبو داود وغيرهم عن فضالة بن عبيد قال: أُتي النبي (ص) بقلادة فيها حرز وذهب تباع بتسعة دنانير فأمر النبي (ص) بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال الذهب بالذهب وزناً بوزن وفي روابة لا تباع حتى تفصل وهذه المسألة تسمى عند الفقهاء بقاعدةُ مدِّ عجوة ودرهم.
(ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه) ولو لحم سمك بسمك ومنه بيع لحم البقر بالبقر ولحم البقر بالجاموس لأنهما جنس ولحم الضأن بالمعز باطل لأنهما جنس (وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره) كبيع لحم البقر بالشاة ولحم البقر بالحمار (في الأظهر) لما روى مالك من حديث سعيد بن المسيب مرسلاً أن النبي (ص) نهى عن بيع اللحم بالحيوان. وأكثر أهل العلم على أن مرسل سعيد بين المسيب بمنزلة المسند على نزاع في ذلك وهو مشهور مذهب الشافعي. على أن الترمذي روى الحديث عن زيد بن سلمة الساعدي. ومقابل الأظهر الجواز أما في المأكول لأننا حكمنا أن اللحم أجناس فإذا أختلفت الأجناس جاز البيع وفي غير المأكول هو أن الممنوع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه وهو هنا غير موجود. ويؤيد الأول ما روى الشافعي عن ابن عباس: أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر فجاء رجل بعناق فقال: اعطوني منها فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.


باب البيوع المنهي عنها

(نهى رسول الله (ص) عن عسب الفحل وهو ضرابه) وهو طروق الفحل للأنثى (ويقال ماؤه) والمقصود النهي عن أجرة ضرابه لأن فعل الضراب غير مقدور عليه كما أن العسب وهو الضراب ليس من أفعال المكلفين حتى يكون فيه حرمة وإباحة. فقد روى البخاري والشافعي في المختصر وغيرهما من حديث ابن عمر أنه (ص) نهى عن عسب الفحل، ولمسلم عن أبي هريرة أنه (ص) نهى عن بيع ضراب الجمل.
وللنسائي من حديث أبي هريرة "نهى عن ثمن الكلب وعسب التيس" (ويقال أجرة ضرابه) أي نهى عن بدل عسب الفحل من أجرة ضرابه أو ثمن مائة، أي استئجاره للضراب (فيحرم ثمن مائه وكذا أجرته في الأصح) عملاً بأصل التحريم، والبيع باطل لأن الضراب غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه ومقابل الأصح جواز استئجاره للضراب كالاستئجار لتلقيح النخل باعتبار أن المستأْجَرَ عليه هو فعل الأجير الذي هو قادر عليه ولا بأس بالإهداء لصاحب الفحل بل قيل يندب كما تسن إعارة الفحل للضراب (وعن حَبَلِ الحَبَلَةِ) لما روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن بيع حبل الحبلة. قال البزار (وهو نتاج النتاج) والأصل في الحَبَلِ الاختصاص بالآدميات (بأن يبيع نتاج النتاج أو بثمن إلى نتاج النتاج) أي إلى أن تلد هذه الدابة ويلد ولدها، ووجه البطلان انعدام شروط البيع ومنها هنا جهالة الأصل (وعن الملاقيح وهي ما في البطون) من الأجنة (والمضامين وهي ما في أصلاب الفحول) من الماء، فقد رواه مالك في الموطأ عن سعيد مرسلاً كما روى البزار عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملاقيح والمضامين (والملامسة) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن بيع الملامسة والمنابذة، وعن أبي سعيد أنه نهى عن بيعتين المنابذة والملامسة (بأن يلمس ثوباً مطوياً) أو في ظلمة (ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه) اكتفاءً بلمسه عن رؤيته (أو يقول إذا لَمَستَهُ فقد بعتكه) اكتفاءً باللمس عن الصيغة، أو على أنه متى لمسه فقد انقطع خيار المجلس وخيار الشرط (والمنابذة بأن يجعل النبذ بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة وعلى أن إذا رماه إليه بالثمن المتفق عليه لزم البيع وانقطع الخيار، والبطلان فيهما لعدم الرؤية وللشرط الفاسد (وبيع الحصاة بأن يقول بعتُكَ من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه أو يجعلا الرمي بيعاً) اكتفاءً به عن الصيغة، أو يقول بعتك من هذه الأرض إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة فإذا رماها أحدهما فالمبيع من مكان وقوفهما إلى موضع سقوطها فقد روى الإمام مسلم من طريق حفص بن عاصم أن النبي (ص) نهى عن بيع الحصاة (أو بعتك ولك الخيار بلا رميها) أي أن يكون زمن الخيار إلى رمي الحصاة من أحدنا والبطلان في ذلك للجهل بالمبيع أو بزمن الخيار أو لعدم الصيغة (وعن بيعتين في بيعة) فقد روى الترمذي عن أبي سلمة من حديث محمد بن عمرو أنه (ص) نهى عن بيعتين في بيعة و روى أحمد والبزار وغيرهما عن ابن عمر: "مطل الغني ظلم وإذا أُحلت على ملئ فاتبعه ولا بيعتين في واحدة" وفي لفظ البزار: نهى عن بيعتين في بيعة (بأن يقول بعتك بألف نقداً وبألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئتَ أو شئتُ أنا (او بعتك هذا العبدَ بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري مني داري بكذا والبطلان للجهل بالعوض في الأول وللشرط الفاسد في الثاني (وعن بيع وشرط كبيع بشرط بيع أو قرض) فقد روى أصحاب السنن إلا ابنَ ماجة والحاكمُ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (ص) قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع" وفي رواية نهى عن بيع وشرط، كأن يقول أبيعك عبدي بألف بشرط أن تقرضني خمسمائة (ولو اشترى زرعاً بشرط أن يحصده البائع أو ثوباً ويخيطه فالأصح بطلانه) أي بطلان الشراء لاشتماله على شرط، ولتضمنه الزامه بالعمل فيما لم يملكه بعد والثاني يصح ويلزم الشرط وهو في المعنى بيع وإجارة يوزيع المسمّى عليهما باعتبار القيمة (ويستثنى) من النهي عن بيع وشرط (صور) يصح البيع مع الشرط (كالبيع بشرط الخيار أو البراءة من العيب أو بشرط قطع الثمر) فالبيع صحيح (والأجل) في غير الربوي. قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى] البقرة:282 أي إلى أجل معين (والرهن والكفيل) للحاجة إليه في معاملة من لا يعرف حاله وشرطه العلم به بالمشاهدة والرهن وشرطه أن يكون معلوماً إما بالمشاهدة كما ذكرنا أو الوصف بصفات السلم وأما الكفيل فلا يشترط معرفة حاله لأن ذلك لمصلحة العاقد فعليه أن يتعرف حاله فإذا عدم ذلك فلتقصيره فيتحمل تبعاته (والإشهاد) للأمر به قال تعالى: [واشهدوا إذا تبايعتم] البقرة:282 (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المطلوب إثبات الحق وهو يثبت بأي عدول وقيل يشترط لتفاوت الأغراض فيهما كالوجاهة والملاءة والقوة وغير ذلك (فإن لم يرهن) المشتري أو جاء يرهن غير المعين أو لم يشهد (أو لم يتكفل المعين) بأن مات قبل الضمان أو ظهر أنه معسر (فللبائع الخيار) لفوات ما شرَطَهُ لضمان حقه ومثله إذا عين شاهدين فامتنعا من التحمل ثبت له الخيار أيضاً إن قلنا باشراط تعين الشهود (ولو باع عبداً بشرط اعتاقه فالمشهور صحة البيع والشرط) لتشوف الشارع إلى العتق وعلى أن للمشتري مصلحة في عتقه بالولاء في الدنيا والثواب في الآخرة وللبائع ثواب بالتسبب بالعتق (والأصح أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) بناءً على أن الحق له فإن لم يعتق فللبائع الفسخ وإن قلنا إن الحق في العتق لله تعالى كالملتزم بالنذر ففي هذه الحالة فليس للبائع المطالبة بالإعتاق لأنه لا ولاية له في حق الله تعالى.
(وإنه لو شرط مع العتق الولاء له) أي للبائع لم يصح البيع لمخالفة الشرط لما استقر عليه الشرع من أن الولاء لمن اعتق لما روى الشيخان عن عائشة في حديث بريرة "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن اعتق" أي لا معنى للشرط (أو شرط تدبيره أو كتابته أو اعتاقه بعد شهر) مثلاً (لم يصح البيع) لأنه بيع وشرط ولم يظهر في التدبير أو الكتابة أو العتق ما تشوف إليه الشارع من العتق المنجز.
(ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بعيب) لم يضر الشرط فهو تصريح بما أوجبه الشارع (أو ما لا غرض فيه كشرط أن لا يأكل إلا كذا) أو لا يلبس إلا كذا (صح) البيع ولغا الشرط لخبر الشيخين في حديث عائشة قالت: ثم قام رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاءُ الله أحقُ وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق".
(ولو شرط وصفاً يُقْصَدُ ككون العبد كاتباً أو الدابة حاملاً أو لبوناً صح) الشرط مع العقد لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض ولأنه التزم موجوداً عند العقد ولا يتوقف التزامه على إنشاء أمر مستقبل فلابد يدخل في النهي عن بيع وشرط وإنما سمي شرطاً تجوزاً فإن الشرط لا يكون إلا مستقبلاً ويكفي في الصفة المشروطة ما يطلق عليه الاسم (وله الخيار إن أخلف) أي للمشتري الخيار على الفور إن أخلف الشرط الذي شرطه (وفي قول يبطل العقد في الدابة) إن شرط فيها ما ذكر لأنه مجهول أما اختبار الكتابة ممكن معرفته قبل الشراء وكذلك حسن الخط وإجادة الصنعة وغير ذلك.
(ولو قال بعتُكَهَا وحملها) أو مع حملها (بطل في الأصح) لأن ما لا يصح بيعه وحده وهو هنا الحمل لا يصح مقصوداً مع غيره ومثله قوله بعتكها ولبنها لجعل اللبن المجهول مبيعاً مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط الحمل أو حلوباً لكون الحمل والحلب وصفاً للمبيع (ولا يصح بيع الحمل وحده) لبطلان بيع الملاقيح فهو غير معلوم ولا مقدور عليه (ولا الحامل دونه) لتعذر استثنائه لأنه كالعضو من أمه (ولا الحامل بحر) لأن الحر لا يباع فهو مستثنى شرعاً والاستثناء الشرعي كالاستثناء الحسي أي في وجه تباع الحامل ويكون الحر مستثنى (ولو باع حاملاً مطلقاً) من غير ذكر حمل معها ولا نفيه (دخل الحمل في البيع) تبعاً لها.


فصل في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها

(ومن المنهي عنه ما لا يبطل) أي لا يبطل النهيُ عنه البيعَ بخلافه فيما تقدم حيث يَبْطَلُ البيعُ لرجوعه أي لرجوع النهي (إلى معنى يقترن به) أي ليس النهي عن البيع بل لأمر آخر كالتضييق والإيذاء والتغرير (كبيع حاضر لباد بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌ اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى) من بيعه حالاً وذلك لأخبار منها:
- روى مسلم عن جابر أن النبي (ص) قال: " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
- وروى الشيخان عن أبي هريرة "لا يبيع حاضرٌ لباد".
- ومثله عند مسلم عن أبي الزبير "لا يبيع حاضر لباد".
- وروى الشيخان عن ابن عباس "نهى رسول الله (ص) أن تُتَلقى الركبان وأن يبيع حاضر لبادٍ"
فبيع الحاضر للباد يؤدي غالباً إلى التضييق على الناس خاصة إذا كان المتاع مما تعمُ الحاجة إليه كالأطعمة وأما إذا كان المتاع مما لا تعم الحاجة إليه فلا يدخل في النهي وكذلك إذا جاء البائع ليبيع بسعر اليوم فإن هذا يضييق على الناس أما إذا جاء ليبيع على التدريج أو ليضعه أصلاً عند من يبيعه له على التدريج فلا بأس بالبيع إن طلب البلديُ تفويضَ البيع على التدريج إليه والنهي للتحريم ويصحُ البيعُ لتكامل شروطه وأركانه ويأثمُ البلديُ دون البدويُ.
(وتلقى الركبان بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر ولهم الخيار إذا عرفوا الغبن) فقد روى الشيخان: عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع" وزاد مسلم فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يَقْدُمَ السوقَ والعلة في المنع مقصود فيه مصلحة الجالب فلو هبط السوق وتبين له أنه قد غُبِنَ في السعر ولو غَبْناً يسيراً فهو بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه وليس له الفسخ إلا إذا تبين أنه مغبون ولو كان البيع باطلاً لما جعل النبي (ص) الخيار فيه لأن الخيار لا يكون إلا في بيع صحيح. وحيث ثبت لهم الخيار فهو على الفور أما تلقى الركبان لبيعهم ما يقصدون شراءه من البلد فلا شيء فيه إذا كان برغبتهم وطلبهم لتحقق شروطه ولعدم المانع الشرعي.
(والسوم على سوم أخيه) فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" وروى الشيخان عن ابن عمر "لا يبع بعضكم على بيع بعض" وهو خبر بمعنى النهي فيأثم فاعله إذا ان عالماً به (وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بأن يصرحا بالتوافق على ثمن معين فيأتي ثالث فيقول لمن أخذ شيئاً ليشتريه ردّهُ حتى أبيعك خيراً منه بهذا الثمن أو مثله أو خيراً منه بأقل أو يقول لمالكه استرده لاشترَيهُ منك بأكثر مما بعت فلو باع أو اشترى صح البيع لأن التراضي صريح أما إذا لم يصرحا بالبيع أو سكت أحدهما أو كلاهما فإن السوم لا يحرم وأكثر المبيع إنما يكون بالمساومة. فقد روى أحمد وأبو داود عن أنس أنه (ص) نادى على قدح وَحلْس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم ثم قال الآخر عليَّ بدرهمين ورواه النسائي والترمذي وقال حسن (والبيع على بيع غيره قبل لزومه) لبقاء خيار مجلس أو شرط أو اطلاع على عيب في وقت يصعب الردُّ فيه كليل أو قيلولة أو شدة حرٍّ أو شدة برد (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) أي مثل المبيع بأقل من ثمنه (والشراء على الشراء) قبل لزومه (بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) بأكثر مما باعه. فقد روى الشيخان عن ابن عمر "لا يبيع بعضكم على بيع بعض" وزاد النسائي حتى يبتاع أو يذر. وروى مسلم عن عقبة بن عامر "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل لمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ولا يخطب على خطبته حتى يذر". والمعنى في تحريم ذلك الإيذاء أما لو أذن البائع في البيع على بيعه عن رضا لا لنحو ضجر وضيق فقد ارتفع التحريم ولو باع أو اشترى دون إذن صح البيع والشراء لوجود شروط البيع كاملة.
(والنجش بان يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره) فيشتريها أي غيره وهو محرم ولو كان المال ليتيم أو فقير أو محتاج لعموم النهي فقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي (ص) نهى عن النجش.
(والأصح أنه لا خيار) للمشتري لتفريطه بعد تأمله للسلعة ولعدم سؤال أهل الخبرة والاستعانة بهم والثاني له الخيار أن ثبت أن النجش كان بمواطأة من البائع لأنه في هذه الحالة مدلس كحكم التصرية أما إذا لم يثبت فلا خيار جزماً.
(وبيع الرُطب والعنب لعاصر الخمر) أي لمن يظن منه عصره خمراً أو مسكراً فإن توهم اتخاذه إياهما من المبيع فالبيع مكروه أو تحقق فحرام فقد روى البخاري عن ابن عباس قال: "بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً فقال: قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن رسول الله (ص) قال: قاتل الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها [أذابوها] فباعوها".
وفي رواية مسلم: أن سمرة بن جندب باع خمراً فقال عمر: قاتل الله سمرة" قيل أخذها جزية فباعها وقد علم تحريمها ولم يعلم تحريم بيعها وقال الخطابي: يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمراً والعصير يسمى خمراً كما أن العنب قد يسمى خمراً لأنه يؤول إليه كما أن الطبراني روى في الأوسط عن بُرَيدة مرفوعاً "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة" وقد لعن رسول الله (ص) في الخمر عشرة منهم عاصرها ومعتصرها قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز ومن المنهي عنه احتكار القوت بأن يشتريه وقت الغلاء والعبرة في الغلاء العرف ليبيعه بأكثر من ثمنه للتضيق حينئذ فقد روى أحمد والحاكم وأبن أبي شيبة من حديث أبن عمر "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وزاد الحاكم "وإيما أهل عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
وروى ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
وروى مسلم من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة العدوي "لا يحتكر إلا خاطئ".
(ويحرم التفريق بين الأم وولدها) أي بين الرقيقة وولدها الرقيق في البيع أو الهبة أو الميراث (حتى يميز) لسبع سنين أو ثمانٍ (وفي قول حتى يبلغ) فقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي أيوب "من فرق والدةً وولدَهَا فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" .
وروى أبو داود والترمذي والبيهقي عن علي "أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي (ص) ورد البيع ولا يحرم التفريق بالعتق والوصية فلعل الموت لا يحدث إلا بعد سن التمييز ولو كانت الأم رقيقة والولد حراً أو العكس فلا منع من بيع الرقيق منهما وإذا كان فيه نقص في التمييز فلا يباع حتى يبلغ ويحرم التفريق في السفر بين زوجة حرة وولدها غير المميز لا المطلقة (وإذا فرق ببيع أو هبة بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعاً أما قبل سقية اللبأ فيبطل جزماً وقيل يجوز إذا كان المشتري ممن يعتق عليه المُشْتَرى فالظاهر عدم الحرمة لتحصيل مصلحة الحرية فهي صفة كمال.
(ولا يصح بيع العُرْبون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبةً) لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه (ص) نهى عن بيع العُربان لأن فيه شرطين فاسدين أحدهما شرط الهبة والثاني شرط الرد على تقدير أن لا يرضى بالشراء وقيل إن التفريق بين الأم والولد وبيع العربون كان ينبغي أن يذكر في فصل البيوع الباطلة قال الرملي جواباً على ذلك بأنه لما كان مُخْتَلَفاً بالبطلان في التفريق ولم يثبت في العربون نهي صحيح كان نوعاً ثالثاً فأخر عن النوعين قبلهما لذلك. أ.هـ تتمة: البيع تعتريه الأحكام الخمسة فيجب كما في بيع القاضي مال المفلس والمحجور عليه وفي حالة الاضطرار كبيع الولي مال اليتيم إذا تعين بيعه، ويندب في نحو زمن الغلاء وفي المحاباة للعالم بها ويكره في نحو بيع مصحف ودور مكة وفي سوق اختلط فيه الحرام بغيره وممن أكثر ماله حرام، ويحرم في بيع نحو العنب لعاصر الخمر وبيع السلاح للحربي، ومما يجب بيعه ما زاد على قوته سنة إذا احتاج الناس إليه، ولا يكره إمساكه سنين مع عدم الحاجة إليه، ومما يحرم التسعير على الحاكم ولو في غير المطعومات لكن للحاكم ان يعزر من خالف أمره إذا بلغه لشق عصا الطاعة، ومن المحرم بيع العينة وذلك بأن يبيعه عيناً بثمن كثير مؤجل ويسلمها إليه ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته، وغالب البيوع من المباح.


فصل في تفريق الصفقة وتعددها

(باع خلاً وخمراً أو عبده وحراً أو عبد غيره أو مشتركاً بغير إذن الآخر) ومثله شاة وخنزيراً (صح في ملكه في الأظهر) وبطل في الآخر وإعطاء لكل منهما حكمه، والثاني يبطل في الجميع تغليباً للحرام على الحلال، أما إذا أذن الشريك في البيع فقد صح جزماً وأما إذا أذن مالك العبد بالبيع فإنه لا يصح بيع العبدين للجهل بما يخص كل منهما وقيل يصح على أن يوزع الثمن على قدر قيمتيهما (فيتخير المشتري إن جهل) بناءً على قولنا بالصحة وجهل أن بعض المبيع خمراً فيتخير بين الفسخ والأجازة لتبعيض الصفقة عليه أما إذا علم فلا خيار له لتقصيره وعليه في حال علمه كامل الثمن (فإن أجاز فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لعدم علمه وذلك بأن يقدر الخمر خلاً والحر رقيقاً فإذا كانت قيمتهما ثلاثمائة والمسمى مئة وخمسين وقيمة المملوك مئة فحصته من المسمى خمسون (وفي قول بجميعه) لأنه بإجازته رضي بجميع الثمن في مقابله المملوك فكان الآخر كالمعدوم (ولا خيار للبائع) لأنه المفرط حيث باع مالاً يملكه وطمع فيما لا يستحقه (ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه) فينفسخ العقد في التالف وتستمر صحته في الباقي بقسطه من المسمى إذا وزع على قيمته وقيمة التالف (لم ينفسخ في الآخر على المذهب) وإن لم يقبض الثمن مع جهالة ثمن التالف لأنهما طارئة فلا تضر كما لا يضر سقوط بعض الثمن لأرش العيب بل يتخير المشتري فوراً بين فسخ العقد والإجازة لتبعيض الصفقة عليه (فإن أجاز فبالحصة قطعاً) وقيل بجميع الثمن وهو مردود لأن الثمن غير منظور إليه أصالة فاغتفر تفريقه دواماً لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء خلافاً للمُثْمَنِ فإنه المقصود بالعقد فأثر تفريقه دواماً (ولو جمع) العقد (في صفقة مختلفي الحكم كإجارة وبيع أو) إجارة و (سلعة) كبعتك هذه وآجرتك هذه سفرة بألف أو آجرتك هذه وبعتك كذا في ذمتي سلماً بألف دينار مثلاً (صح في الأظهر ويوزيع المسمى على قيمتهما) كل منهما بقسطه بالمسمى أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة وقيمة المبيع أو المسلم فيه من حيث القيمة وقيل يبطلان لأنه قد يَعْرِضُ فسخ لأحدهما مما يقتضي التوزيع لأنهما دخلا تحت عقد واحد وقد جهلنا ما يخص كلاً منهما أو بيع ونكاح كقوله بعتك داري وزوجتك ابنتي (صح النكاح) لأن النكاح لا يفسد بفساد الصداق (وفي البيع والصداق القولان) السابقان وأظهرهما الصحة في البيع والصداق ويوزع المسمى على قيمة المبيع ومهر المثل (وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن كبعتك ذا بكذا وذا بكذا) فيقبل فيهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالعيب (وبتعدد البائع) كقولهم حالة كون المبيع مشترك بينهما بعناك هذا بكذا فيقبل منهما وله ردُّ نصيب أحدهما بالبيع (وكذا بتعدد المشتري) به نحو بعتكما هذا بكذا فيقبلان (في الأظهر) قياساً على البائع، فلو وفى أحد المشترين نصيبه من الثمن فيجب على قولنا بالصحة على البائع أن يسلمه قسطه من المبيع وقيل لا حتى يوفي الآخر نصيبه كما لو اتحد المشتري لثبوت حق الحبس (ولو وكلاه أو وكلهما) في البيع أو الشراء (فالأصح اعتبار الوكيل) في اتحاد الصفقة وتعددها لأنه العاقد وأحكام العقد من خيار وغيره تتعلق به سواء في ذلك اتحاد الصفقة أو تعددها.


﴿ باب الخيار ﴾

والخيار هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه، والأصل في البيع اللزوم لأن القصد من البيع نقل الملك وحَلَّ التصرف مع الأمن من نقض صاحبه له وهما فرعا اللزوم ولأن الشارع الحكيم أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين إما لدفع الضرر وهو خيار النقص وإما للتروي وهو ما يسمَّى خيار التشهي وهو الرغبة الخالصة من غير توقف على فوات أمر في المبيع وله سببان المجلس والشرط.
يثبت خيار المجلس في أنواع البيع كالصرفوهو بيع النقد بالنقد والطعام بالطعام والتوليةأي بيع الشيء بثمنه السابق والتشريك أي المشاركةوصلح المفاوضة على عين فقط بخلاف صلح الحطيطة فإنه على الدين إبراء وعلى العين هبة ولا خيار فيهما.
روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. قال ابن المبارك هو أثبت من الجبال.
وفي رواية لهما عن ابن عمر: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر. قال نافع وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه.
وروى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحِقَتْ بركة بيعهما.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: بعتُ من أمير المؤمنين عثمان بن عفان مالاً بالوادي بمالٍ له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّ في البيع. وفي رواية أيوب بن سويد فطفقت أنكص على عقبي القهقرى.
فإذا اشترى من يعتق عليه من أصوله أو فروعه فإن قلنا الملك في زمن الخيار للبائعوهو القول الضعيف أو المرجوع أو موقوف وهو الأصح فلهما الخيار جميعاً على الأصل في الخيار وإن قلنا للمشتري.على الضعيف تخير البائع دونه أي دون المشتري ولا ضرر على البائع هنا إذ لا يتمكن المشتري من إزالة الملك ولا يحكم بعتق الرقيق حتى يلزم العقد فيبيِّنُ أنه عتقَ من حين الشراء وأصح الأقوال الثلاثة القول الثاني أي أن يكون الخيار لهما ولا يعتق بحال إلا عند لزوم العقد.
ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب لأنها ليست بيوعاً والحديث ورد في البيع ولا خيار أيضاً في الوقف والعتق والطلاق لأنها ليست بيوعاً أيضاً. وكذا الهبة ذات الثواب في الأصح ولكن المعتمد خلاف هذا فهي بيع ثبت الخيار فيه.
وكذا الشفعة لا يثبت فيها الخيار لأن الخيار يثبت فيما ملك بالاختيار فلا معنى فيما أُخذ بالقهر ولكن قول الأكثرين أنه معاوضة تلحق بالمبيع كما أنه يثبت فيه الردُّ بالعيب.
والإجارة لا يثبت فيها الخيار لأنها عقد غرر والخيار غرر ولا يضم غرر إلى غرر ومقابله يثبت فيها الخيار لأنها عقد معاوضة سواء كانت إجارة عين كدار مثلاً أو إجارة ذمة كإيصال رسالة أو مال إلى مكان معين أو بناء دار أو حفر بئر... الخ.
والمساقاة لا يثبت فيها الخيار ويقال فيها ما قيل في إجارة الذمة.
والصداق لا خيار فيه في الأصح ووجه من قال أنه لا يثبت فيها الخيار أن المال تبع في النكاح لا استقلال ومقابله أن العوض مستقل ومثله الخلع وقال في الأصح في هذه الخمسة لأن فيها وجهين خيار ولا خيار.
وينقطع الخيار بالتخاير بأن يختارا لزومه أي يختار لزوم العقد بصيغة تدل على القبول كقولهم اخترنا أو أمضينا أو قبلنا لأن الخيار حقٌ لهما فيسقط بإسقاطهما فلو اختار أحدهما لزومه أي لزوم العقد وإمضاءه سقط حقه من الخيار وبقي الخيار للآخر.
وإذا قال أحدهما للآخر اختر فقد سقط حقه أي القائل من الخيار لتضمن قوله الرضا وبقي حق الآخر في الخيار لحديث ابن عمر السابق ( أو يقول أحدهما للآخر اختر ) متفق عليه.
وبالتفرق بينهما- منهما جميعاً أو من أحدهما لحديث ابن عمر (رجعت على عقبي حتى خرجت) رواه البخاري.
وقول نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق المجلس: البخاري.
فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل دام خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام والأصح ينقطع بعد ثلاثة أيام لأنها نهاية الخيار المشروط شرعاً. فقد روى أبو برزة بسند صحيح عن أبي الوضيء قال: عزونا غزوة لنا فنزلنا منزلاً فباع صاحب لنا فرساً بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتيهما فلما أصبحنا من الغد وحضر الرحيل قام إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أو برزة صاحب رسول الله فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له هذه القصة فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) وما أراكما افترقتما. ويعتبر في التفرق العرف أي ما يعده الناس تفرقاً فهو التفرق فإن كان في دار صغيرة فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد سطحها أو كبته كأن ينتقل أحدهما من صحنها إلى صفتها أو بيت من بيوتها إما في الصحراء أو السوق كأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً.
ولو مات أحدهما في المجلس أو جُنَّ فالأصح انتقاله أي الخيار إلى الوارث والولي ويتولى الولي أو الوارث ما فيه المصلحة من فسخ أو إمضاء وقيل يسقط الخيار لأن مفارقة الحياة أعظم من مفارقة المكان ومثلها لو جُنَّ أحدهما لأنه فارق عقله فسقط عنه التكليف ولكل من المتبايعين فسخ العقد قبل لزومه ( ولو تنازعا في التفرق أو الفسخ قبله) أي في فسخ العقد قبل التفرق أو اتفقا على التفرق ولكن قال أحدهما أجزنا وقال الآخر فسخنا صدق النافي بيمينه لموافقته الأصل وهو دوام الاجتماع وعدم الفسخ أما لو اتفقا على عدم التفرق وادعي أحدهما الفسخ فإن دعوى الفسخ فسخٌ لأن الحق له في الفسخ ما داما في المجلس.

﴿ فصل في خيار الشرط ﴾

لهما ولأحدهما شرط الخيار أي لأحد المتعاقدين أن يشرط على الآخر مدة لأجازة العقد مع موافقة الآخر إجماعاً. إلا إذا كان المبيع عبداً يعتق على المشتري كأن يكون أصلاً أو فرعاً له وشرط المشتري الخيار لنفسه فقط لم يجز لأن العتق يستعقب الملك فلزم من ثبوت الخيار عدم الخيار وهي ما تسمى مسألة الدور ويجوز التفاضل في مدة الخيار كأن يشرط لأحدهما يوم وللآخر ثلاثة مثلاً ويجوز للعاقد لنفسه أن يجعل الخيار لغيره كأن اشترى سيارة فقال بشرط موافقة فلان لكونه أعرف بالمبيع أو لغرض آخر يقصده المتعاقد في أنواع البيع إلا أن يُشْترَطَ في بعضها القبض في المجلس كربوي ومُسْلَمٍ فلا يجوز شرط الخيار فيها لأن الربوي والمسلم عقدان لا يحتملان التأجيل بالقصد منها أن يفترقا ولا علاقة بينهما والخيار يؤدي إلى علاقة بينهما بعد التفرق.
وإنما يجوز في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام فلو كانت المدة مجهولة أو زائدة على ثلاثة أيام بطل العقد والأصل في ذلك خبر الشيخين عن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ بايعت فقل له لا خلابة وفي رواية البيهقي: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال. رواه الحميدي في مسنده والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر والرجل هو منقذ بن عمر أو حبان.
ولأحمد وأصحاب السنن من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار كان يبايع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في عقدته ضعف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت فقل لا خلابة ) والخلابة : أي الخداع والعرب تقول طَلقٌ خُلَّبٌ أي لا ضرر فيه ولا حقيقة له. والعقدة: أي الرأي – أي كان ضعيف الرأي لعلة في رأسه والواقعة في الحديث الاشتراط من المشتري وقيس عليه الاشتراط من البائع وتحسب من العقد الذي وقع فيه الشرط وقيل من التفرق أو التخاير وهو الأصح لأن المشترط يريد زيادة المدة هذا إذا أطلقا أو أحدهما وقبلا الشرط أما إذا اشترطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق حسبت من العقد ولا اعتبار بالتفرق ولو شرطا أن الخيار يبدأ من غد مثلاً بطل العقد والأظهر أنه إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع زمن الخيار له وإن كان للمشتري فله أي للمشتري وإن كان لهما فموقوف أي الملك موقوف ولا يتصرف فيه أحدهما لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر فإذا تمَّ البيع بان أنه للمشتري من حين العقد أي ملك المبيع وإلا فللبائع لأنه لم يتم البيع فكأن المبيع لم يخرج من ملك البائع وحيث حكمنا بملك المبيع لأحد الطرفين حكمنا بملك الثمن للآخر.
ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما أي في زمن الخيار ففي الفسخ كفسخت البيع ورفعته واسترجعت المبيع وفي الإجازة أجزته أي البيع وأمضيته وألزمته إلى غير ذلك من التعابير الدالة عرفاً على إمضاء العقد أو فسخه.
ووطء البائع وإعتاقه المبيع في زمن الخيار المشروط له أو لهما فسخ البيع وكذا بيعُهُ وإجارته وتزويجه فسخ البيع في زمن الخيار لإشعاره بالإعراض عن البيع.
والأصح أن هذه التصرفات من المشتري في زمن الخيار المشروط له أو لهما إجازة للشراء لأشعارها بقبول الشراء والأصح أن العرض على البيع والتوكيل فيه ليس فسخاً من البائع ولا إجازة من المشتري لأنه قد يقصد من ذلك تبين الحال وقيل هو فسخ من البائع وإجازة من المشتري قياساً على الوصية حيث هذه التصرفات تُبطِلُ الوصية.
قلنا هذا في الوصية لضعفها ولأنه لا يوجد في الوصية حَالَ حياة الموصي إلا طرف واحد هو الموصي أما الموصَى له فلا حق له في شيء حال حياة الموصي لأن الموصي قادر على التنجيز والرفع دون الرجوع إلى أحد.

﴿ فصل في خيار النقص ﴾

وهو المتعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من:
1- قضاء عرفي: وهو ما يظن وجوده في البيع عرفاً وهو السلامة من العيب.
2- التزام شرطي.
3- تغرير فعلي.
للمشتري الخيار في رد المبيع بظهور عيب قديم ونقصد بالقديم الذي كان موجوداً قبل العقد أو بعد العقد وقبل التسليم كمضاء رقيق بقطع خصيته أو سلِّ لها أو كان مخلوقاً بغير خصيتين ومثله جبُّ ذكره لنقصه المفوت للجماع الذي قد يكون مقصوراً في الشراء. فقد أخرج الشافعي وأحمد وأصحاب السنن والحاكم عن طريق عروة عن عائشة ( أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عنده ما شاء الله ثم رده من عيب وجده فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم برده بالعيب فقال المقضي عليه: قد استغله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان ( أو زناه وسرقته وإباقه أي كل منها وإن لم يتكرر وألحق به اللواط وإتيان البهائم وتمكين من نفسه والمساحقة وهذه كلها عيوب شنيعة تجيز الردَّ بالعيب لأن صاحبها قد يألفها كما أنها عارٌ في المجتمع النظيف ولأن تهمتها لا تزول عادة في مجتمع لم يعهد الشر وتربّى على أخلاق المؤمنين وبوله بالفراش في غير أوانه كأن بلغ ست أو سبع سنين وما زال يتبول في فراشه لأن ذلك يقلل الرغبة فيه وبخره وهو الناشئ من تغير المعدة وليس الناتج من تغير الفمَّ لسهولة تنظيفه وإزالته وسواء في ذلك الذكر والأنثى ومن العيوب أيضاً الصمم والعمى والخرس والبلاهة أو يكون أخفشاً وهو الذي لا يبصر في الضوء أو أعمشاً وهو الذي يسيل دمعه دائماً مع ضعف في البصر وصنانه وهي الرائحة الكريهة التي تخرج مع العرق فما كان لعارض كحرارة جو أو ترك غسل فلا يردُّ أما إذا كان صنانه مستحكماً لا ينفع معه غسيل فيردُّ به ومن العيوب التي يردُّ بها العبد أن يكون ساحراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو تكون الأمة قرنا بأن يوجد في فرجها ما يمنع الجماع أورتقاء وهي التي انسدَّ عندها موضع الجماع وغير ذلك من العيوب.
وجماح الدابة. أي صعوبة ركوبها ومثله هربها فما تراه وعضها ورمحها لمن يقترب منها فكلُّ ما ينقصُ العين أو القيمة نقصاً يُفَوٍّتُ به غرضٌ صميمٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه في العادة بخلاف ما لا يفوت به غرض صميم – كجرح قديم اندمل أو شيب في كبر سنٍّ أو قلع بعض أسنانه فلا يضر في البيع سوءا في ثبوت الخيار قارن العيب العقد بأن كان موجوداً قبل العقد أم حدث بعد العقد وقبل القبض لأن المبيع ما زال في ضمان البائع ولو حدث العيب بعده أي بعد القبض فلا خيار للمشتري في الردِّ إلا أن يستند العيب إلى سبب متقدم أي يستند إلى سبب متقدم على العقد أو القبض وقد جهله المشتري كقطعه بجنابة سابقة. إذا كان المبيع عبداً أو أمةً وقد وجب عليه القطع قصاصاً أو حداً لأن وجوب القطع عليه كبيعه مقطوعاً يثبت الرد بالعيب ومثله زوال بكارتها بزواج متقدم لم يعلمه المشتري فيثبت الردُّ في الأصح لأن تقدم السبب كتقدم الفعل بخلاف موته بمرض سابق في الأصح فلا ردَّ لثمنه لتعذر رده بالموت لأن المرض يزداد شيئاً فشيئاً إلى الموت فلم يتحقق ردُّ سبب الموت إلى المرض السابق كما أن الموت يأتي عرض وغيره هذا إذا لم يعلمه مريضاً أما إذا علمه مريضا فلا ردَّ قطعاً. نعم إذا لم يعلم فله أرش الثمن مابين قيمته صحيحاً ومريضاً وقت القبض.
ولو قبل بردة سابقة ضمنه البائع في الأصح فيسترد المشتري جميع الثمن لأن قتله لسبب متقدم فينفسخ البيع من قبل قتله إن جهل ذلك المشتري ولو باع حيواناً أو غيره بشرط براءته من العيوب والضمير في براءته يعود على البائع أو المبيع والذي جرى عليه المصنف أن البائع لا يتحمل أي شيء يظهر في المبيع أي لا يردُّ عليه بالعيب صح العقد مطلقاً لأنه عقد مشروط بظاهر الحال من السلامة من العيوب كما يقولون عادة: أني برئ من كل عيب فيه أو يقول كله عيوب أو يقول تحت كل شعرة عيب أو يقول: بعته جلدٌ وعظم أو قرن وحبل أو لحم في قفة أو صندوق مغلقة فالأظهر أنهيبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان لم يعلمه البائع دون غيره فلا يبرأ عن عيب ظاهر بالحيوان أو عيب باطن فيه وقد علمه. لما روى مالك في الموطأ: أن ابن عمر باع غلاماً بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه وهو زيد ابن ثابت بالعبد عيب لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه العبد وما به داءٌ يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فباعه بألف وخمسمائة فكان ابن عمر يقول: تركت اليمين لله فعوضني الله عنها دلّ قضاء عثمان على البراءة من عيب باطن لا يعلمه ولكن لم يبرأ عن عيب علمه ولا عن عيبه الظاهر مطلقاً لندرة خفائه. قال الشافعي الحيوات يتغذى في الصحة والسقم وتحول طبائعه فقلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه لتلبيس فيه ومالا يعلمه من الظاهر لندرة خفائه عليه والبيع صحيح ويؤكد قضاء عثمان وقد اشتهر بين الصحابة ولم ينكروه أما في غير الحيوان فلا يبرأ مطلقاً لأن العيب لا يخفى وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض وبعد العقد لانصراف الشرط إلى العيب الموجود عند العقد ولو شرط البراءة عما يحدث لم يصح الشرط في الأصح وكذا لو شرط البراءة من الموجود وما يحدث لم يصح لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته ولو شرط البائع البراءة من عيب لا يعاين كالزنا والسرقة والكذب برئ منها قطعاً لأن ذكرها إعلام بها. ولو هلك المبيع عند المشتري أي بعد قبضه من البائع أو أعتقه أو استولدها أو أوقفه ثم علم العيب الذي ينقص القيمة رجع بالأرش لعدم إمكانية الرد وهو أي الأرش جزء من ثمنه أي من ثمن المبيع نسبته أي نسبة الجزء إلى الثمن نسبة أي مثل نسبه ما نقص العيب من القيمة لو كان سليماً فإن كانت القيمة بلا عيب مائة وبالعيب تسعين فنسبة النقص إليها عُشرها فالأرش عُشْر الثمن لأن المبيع مضمون على البائع فيكون جزؤه مضمونا عليه بجزء الثمن والأصح اعتبار أقل قيمة للمبيع من يوم البيع إلى القبض ووجه أقل القيمتين أي القيمة إن كانت يوم البيع أقل في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص فيمن ضمان البائع ولو تلف الثمن أو خرج عن ملك البائع دون المبيع أي والمبيع المعيبُ موجوداً رده وأخذ مثل الثمن إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً ولو علم العيب بعد زوال ملكه عن المبيع إلى غيره بعوض أو بغير عوض فلا أرش له في الأصح لأنه لم ييأس من الرد فإذا رُدَّ عليه فله الردُّ فإن عاد الملك له فله الردُّ سواء رُدَّ عليه بالعيب أو بغيره لإمكانية الرد وقيل إن عاد بغير الردِّ بعيب فلا ردَّ والأصح لو تعذر الردُّ لتلف أو إعتاق فيعود المشتري الثاني على المشتري الأول بالأرش ويعود الأولى على البائع وللأول الرجوع على البائع قبل الغرم للثاني وله الرجوع أيضاًً إذا أبرأه الثاني. والردُّ على الفور إجماعاً فيبطل حق الردِّ بالتأخير من غير غرر.
فليبادر على العادة فلو علمه وهو يصلي أو يأكل أو يقضي حاجته فله تأخيره حتى يفرغ أي إذا علم بالعيب أو علمه ليلاًفحتى يصبح ولا يكلف الإسراع في المشي فإن كان البائع بالبلد ردَّه عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله لقيام الوكيل مقام موكله ولو تركه – أي ترك المشتري الردَّ على البائع أو وكيله ورفع الأمر إلى الحاكم فهو آكد في الردِّ لأنه ربما احتاج في النهاية إلى الربع إلى القاضي لامتناع البائع عن الردِّ وإن كان البائع غائباً عن البلد ولم يكن له وكيل بالبلد رفع الأمر إلى الحاكم فيدعي شراء ذلك لاشيء من فلان الغائب وقد ظهر به العيب وأنه فسخ البيع ويقيم البينة أمام شخص يعينه القاضي ويحلف لأنه قضاء على غائب ويحكم بالردِّ على الغائب ويأخذ المبيع ويضعه عند عدلِ ويقضي الدين من مال الغائب إن كان له مال. وإلا فيبقي الثمن ديناً على الغائب والأصح أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم ومقابله يكفيه الفسخُ عند أحدهما فإن عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح إذ لا معنى للتلفظ بالفسخ من غير سامع يعتدُّ به وقيل يجب ليبادر بحسب الإمكان.
ويشترط ترك الاستعمال عند الردِّ فلو استخدم العبدَ حتى ولو بقوله اسقني أو ناولني الثوب أو أغلق الباب أو ترك على الدابة سرجها أو إكافها والإكاف هو البرذعة بَطَلَ حَقهُ في الردِّ للإشعار بالرضا والصحيح لا يضر الاستخدام الخفيف وإنما يضر الاستخدام الطويل ولا يضر علف الدابة وسقيها لأن ذلك لمصلحتها.
ويعذر في ركوب جَمُوح يعسر سوقها وقودُها حين ذهابه لردها للحاجة إلى الركوب.
وإذا سقط رده بتقصير منه فلا أرش له ولا ردَّ. ولو حدث عنده عيب مرضٌ وغيره ثم اطلع على عيب قديم سقط الردُّ قهراً أي أن البائع لا يقهر على الردِّ وقهراً هنا حال من الردِّ أو تميزاً له وذلك لأن المشتري أخذه بعيب فلا يرده بعيبين والضرر لا يزال بالضرر وعلى هذا لو زال الحادث كان له حق الردِّ ثم إن رضي به أي المبيع البائعُ معيباً رده المشتري بلا أرش عن الحادث أو اقتنع به المشتري بلا أرش عن القديم وإلا أي إذا لم يرضَ البائع به معيباً ( فليضم المشتري أرش الحادث إلى المبيع ويردَّ أو يغرم البائع أرشَ القديم ولا يردُّ المشتري المبيع رعاية لحق الجانبين فإن اتفقا على أحدهما فذاك لأن الحق لهما فإما أن يشترط البائع بأرشه الجديد وإما أن يستبقيه المشتري بأرشه القديم وإلا فالأصح إجابة من طلب الإمساك والرجوع بالأرش لما في ذلك من إمضاء العقد ويجب أن يُعْلَِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث مع القديم ليختار شيئاً مما تقدم من أخذ المبيع أو تركه ودفع أرش فإن أخر إعلامه بلا عذر فلا ردَّ ولا أرش لإشعار التأخر بالرضا وإمضاء البيع أما إذا كان العيب سريع الزوال عادة فيعذر بالتأخير في الردِّ ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به ككسر بيض ورار فج أي جوز الهند حيث لم يتأت معرفة عيبه إلى بكسره وتتوير بطيخ مدوِّد ونشر ثرب بفتح صندوقه وفتح صفيحة زيت أو سمن أو عسل وشق كيس قمح أو أرز ونحو ذلك رُدَّ ما ذكر بالقديم ولا أرش عليه في الأظهر لأن علمه متوقف على ما أحدث فيه من كسر أو تفوير أو فتح أو شق فإن أمكن معرفة القديم بأقل مما أحدثه كغرز إبرة أو شمِّ رائحة أو هزٍ فكسائر العيوب الحادثة عند الشدى المشتري فيمتنع الردُّ القهري.
فرع: في تفريق الصفقة بالردِّ اشترى من واحدٍ عبدين معيبين صفقة ردَّهما إن شاء قهراً لا أحدهما للإضرار بالبائع في تفريق الصفقة عليه من غير ضرورة ولو ظهر عيب أحدهما دون الآخر ردهما لا المعيب وحده في الأظهر منعاً للإضرار لما فيه من تفريق الصفقة فإن رضي البائع بردِّ أحدهما فلا بأس في ذلك وسبيل التوزيع بتقديرهما سليمين وتقويمها ويقسط الثمن عليها هذا إذا كان الشيئان لا تتعلق منفعة أحدهما بالآخر أما إذا تعلقت منفعة أحدهما بالآخر فيردان جميعاً كمصراعي باب أو زوجي خف أو طقم آنية أو طقم لباس.
ولو اشترى عبد رجلين معيباً فله ردُّ بعيب أحدهما بتفضيل ثمن كل واحد منهما فله الردُّ لتعدد الصفقة بتعدد البائع في الأولى وبتعدد المبيع وتحديد ثمنه في الثانية.
ولو اشترياه أي لو اشترى اثنان عبد رجل واحد فلإحدهما الردُّ لنصيبه في الأظهر لأن الأظهر تعدد الصفة بتعدد المشتري كما في تعدد البائع.
ولو اختلفا في قدم العيب وكان صدق كل منهما محتملاً صدق البائع بيمينه لأن الأصل لزوم العقد والبراءة من العيب على حسب جوابه أي على مثل بأن يقول ليس له الردُّ أو لا يلزمني الردُّ لأن المشتري قد يكون اطلع على العيب ورضيه قبل العقد أو بعده أما لو قال البائع قد علم العيب ورضيه كلف هنا البينة ولا يمين عليه.
والزيادة المتصلة كالثمن تتبع الأصل – إن كان ذلك في المبيع أو الثمن ومثل ذلك تعلم الرقيق صنعة أو حفظه قرآناً أو كبر الشجرة لتعذر الفصل ولأنه قد يقع نزاع في مقدار ما لكل منهما فلذا جُعلت الزيادة المتصلة تابعة للأصل.
والمنفصلة كالولد والأجرة لا تمنع الردُّ أي الزيادة العينية أو المنفعة لا تمنع الردِّ عملاً بمقتضى العيب وهي للمشتري إن ردِّ المبيع بعد القبض للحديث السابق عن عائشة ( الخراج بالضمان ) ومعنى ذلك أن ما يخرج من المبيع من غلة تكون للمشتري في مقابلة أنه لو تلف لكان من ضمانه لأنه حدث في ملكه وكذا قبله في الأصح قيل لأن الفسخ يرفع العقد من حين الردِّ لا من أصله ومقابله أن الردَّ قبل القبض يرفع العقد من أصله.
ولو باعها حاملاً فانفصل رده معها في الأظهر / الجارية أو البهيمة وكانت معيبة فيردها وولدها لأن ولدها من جملة المبيع والولادة نماء متصل وأن الحمل يقابل بقسط من الثمن. أما إذا نقصت الحامل بالولادة فيمتنع الرد لأنه عيب حادث في ملك المشتري فهو كسائر العيوب أما إذا كان جاهلاً بالحمل عند الشراء ونقصت بالولادة فله الردُّ بناءً على أن العيب الحادث بسبب متقدم كالمتقدم.
ولا يمنع الردُّ الاستخدام ووطء الثيب قبل علم العيب من المشتري ووطء الثيب لا يمنع الردَّ لأن له حكم الاستخدام وافتضاض البكر ( بالفاء والقاف) من المشتري أو غيره الذي أدى إلى زوال بكارتها بعد القبض نقص حدث ما لم يستند إلى سبب متقدم كزواج سابق أو مرض لم يعلمه المشتري وقبله جناية على المبيع قبل قبضه فإن كان من المشتري فلا ردَّ له بالعيب أو من غيره وأجاز هو المبيع فله الردُّ بالعيب ولا شيء له بافتضاض البائع أو بزواج سابق أما لو كان الزوال بافتضاض أجنبي فله مهر بكر مثلها.
﴿ فصل: التغرير الفعلي بالتصرية وغيرها ﴾
التصرية: من صرّى الماء في الحوض أي جمعه وجوّز الشافعي أن تكون من العد وهو الرابط ويقال للمصراة محفَّلة من الحفل وهو الجمع وهي أن تربط أخلاف الناقة أو يمنع عنها ولا تحلب يومين أو أكثر فيجتمع اللبن في ضرعها فيظن الجاهل بحالها كثرة الحلب فيرغب في شرائها والإخلاف جمع خلفة وهي صلحة الضرع والتصرية حرام لما روى الشيخان عن أبي هريرة: لا تُصَرّوا الإبل والغنم للبيع فيمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر. وروى أبو داوود وابن ماجة والبيهقي عن ابن عمر( من ابتاع محفّلة أي مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ معها مثلها أو مثلي لبنها تمراً.
تثبت الخيار على الفور: أي التصرية لأنها عيب فلها حكمه فترد فوراً بعد الإطلاع على التصرية وقيل يمتد ثلاثة أيام:لحديث مسلم من حديث ابن سرين عن أبي هريرة ( من اشترى مصرَّاة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها ردّ صاعاً من تمر لا سمراء ) والسمراء هي الحنطة لأن التصرية لا تظهر غالباً إلا بعد ثلاثة أيام لاختلاف العلف أو المأوى وابتداء الثلاثة من العقد وقيل من التفرق ولا يتجاوز الخيار ثلاثة أيام لامتناع مجاوزة الثلاثة في الخيار.
فإن ردَّ المصرّاة بعد تلف اللبن ردّ معها صاع تمر للحديث السابق وقيل يكفي صاع قوت لما روى أبو داوود والترمذي ( ردها وردَّ صاعاً من طعام) قيل يتعين غالب قوت البلد وقيل يكفي القيمة عند فقد التمر حساً أو شرعاً ولو علم المشتري التصرية قبل الحلب ردها ولاشيء عليه والأصح أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن وقلته لظاهر الحديث وقيل يختلف فيقدر التمر أو غيره بقدر اللبن فقد يزيد عن الصاع وقد ينقص وأن خيارها لا يختص بالنعم وهي الإبل والبقرة والغنم بل يعمُّ كل مأكول من الحيوان ( والجارية والأتان ) وهي الأنثى من الحمر الأهلية ومثلها الفرس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( من اشترى مصرَّاة. ولأنها تصرية يختلف بها الثمن فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الأنعام ( ولا يردّ معها شيئاً ) بدل اللبن لأن لبن الآدميات لا يباع عادةً ولبن الأتان نجس لا عوض له، وفي الجارية وجه أنه يردُّ بلد اللبن معها لطهارته ومقابله أن الخيار في النعم ولأن الجارية لا يقصد لبنها عادة.
وحبس ماء القناة والرحا المرسل عند البيع وتحمير الوجه وتسويد الشعر وتجعيده يثبت الخيار للمشتري عند علمه به لأنه كالتصرية بجامع التلبيس والإضرار.
لا لطخ ثوبه أي الرقيق تخييلاً لكتابته أو إلباسه ثوب خباز أو حداد أو نجار في الأصح إذ ليس فيه كبير غرر لتقصير المشتري بعدم امتحانه والبحث عنه ولا أثر لمجرد التوهم فلو اشترى قلادة من نحاس يظنها ذهباً نفذ البيع إلا من بائع مختص يبيع الذهب لأنه مقصر بالفحص وسؤال أهل الخبرة والله أعلم .

﴿ باب في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه﴾

المبيع قبل قبضه من ضمان البائع فإن تلف انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري ولو أبرأه المشتري عن الضمان لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم لأنه إبراء عما لم يحدث وإتلاف المشتري للمبيع حساً أو شرعاً قبضٌ ومثله إتلاف المغصوب في يد الغاصب من قبل مالكه إن علم المشتري أنه المبيع حال إتلافه وإلا إن جهل أنه المبيع فقولانكأكل المالك طعامه المغصوب ضيفاً أي أن المغصوب منه إذا نزل ضيفاً عند الغاصب فقد له المغصوب صيافة قيل يبرأ لأنه كإتلاف من المشتري فأشبه القبض ومقابله إنه كإتلاف البائع.
والمذهب أن إتلاف البائع للمبيع كتلفه فينفسخ به البيع ويسقط الثمن عن المشتري ومقابله يتخير المشتري فإما يفسخ فيسقط الثمن وإن أجاز المشتري البيع غَرِمَ البائع قيمة المبيع عند تلفه ويؤدي المشتري الثمن ويجوز التقاص والأظهر أن إتلاف الأجنبي لا يفسخ البيع بليتخير المشتري بين أن يجيز ويغرم الأجنبي القيمة أو يفسخ فيغرم البائعُ الأجنبيَّ البدل ولو تعيّبَ المبيع بآفة سماوية قبل قبضه فرضيه المشتري وأجاز البيع أخذه بكل الثمن لقدرته على الفسخ فأجاز البيع أي رضيه بكل الثمن ولو عيّبَه المشتري فلا خيار له لحصول التلف بفعله فيمتنع بسبب إتلافه الردُّ القهري حتى ولو كان فيه عيوب قديمة أو عيبه الأجنبي فالخيار للمشتري لكونه مضموناً على البائع فلو أجاز غرم الأجنبي الأرش لأنه الجاني ولكن بعد قبض المبيع لا قبله لجواز تلفه بيد البائع فينفسخ عندئذ المبيع ولو عيّبه البائع فالمذهب ثبوت الخيار لا التغريم للمشتري بناء على أن فعل البائع كالآفة لا كفعل الأجنبي ولا يصح بيع المبيع قبل قبضه إجماعاً في الطعام، وقيل في غيره، وإن أذن البائع وقبض الثمن لما روى البيهقي عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تبيعنَّ شيئاً حتى تقبضه ) ولخبر الشيخين عن ابن عمر من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه ولخبر الشيخين عن ابن عباس أنه قال: أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يُستوفى وفي لفظ البخاري قبل أن يقبض وفي لفظ مسلم وأحسب كل شي بمنزلة الطعام، وأخرج البيهقي عن عتاب بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما بعثه لأهل مكة إنههم عن بيع مالم يقبضوا وربح مالم يضمنوا وعن الصفقتين في البيع الواحد أن يبيع أحدهم ما ليس عنده والأصح أن بيعه للبائع كغيره لعموم النهي السابق ومقابله يصح كبيع المغصوب من الغاصب والمقصود من البيع هو بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع فهي جائزة قطعاً والأصح أن الإجارة والرهن والهبة كالبيع ) فلا تصح لوجود المعنى المٌعَلَّلُ به النهي وهو ضعف الملك والأصح أن الإعتاق بخلافه فيصح لشتوف الشارع إليه ومثله الإستيلاد والتدبير والتزويج والوقف والإباحة إن كان طعاماً للفقراء وفارق التصدق لأن التصدق تمليك لا الكتابة إذ ليس للكتابة قوة العتق والثمن المعين دراهم أو دنانير أو غيرهما كالمبيع فلا يبيعه البائع قبل قبضه أي لا يتصرف به قبل قبضه لعموم النهي، ولو تلف الثمن انفسخ البيع وله بيع ما في يد غيره أمانة كوديعة ومشترك وقراض ومرهون بعد انفكاكه وموروث باق في يد وليه بعد رشده وكذا عارية ومأخوذ بسوم لتمام الملك في المذكورات جميعاً، والمأخوذ بسوم هو ما يأخذه مريد الشراء ليتأمله فيشتريه أو يتركه، ومثله ما رجع إليه ولو بفسخٍ أو إفلاس وليستثنى من الموروث ما اشتراه المورِّث ولم يقبضه فلا يملك الوارث بيعه كالموروث ولا يصحبيع المُسْلَم فيه قبل قبضه ولا الإعتياض عنه قبل قبضه لعموم النهي عن بيع مالم يقبض والجديد جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمة وإن لم يكن نقداً لخبر الترمذي عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء والقديم المنع لعموم النهي السابق والثمن عادة النقد والمثمن مقابله فإن كان الثمن والمثمن نقدين فالثمن ما دخلته الباء والمثمن مقابله وتسمَّى هذه الباء باء السببية، فلو قال بعتك هذه الدراهم بهذه السيارة ووصفها فالسيارة مبلغٌ لا يجوز الاستبدال عنه والدراهم ثمن. ولو قال بعتك هذه الثلاجة بهذه الدراهم فالدراهم ثمن يجوز الاستبدال عنه ولا يجوز الاستبدال عن الثلاجة لأنها ثمن فإن استبدل موافقاً في علة الربا بدراهم عن دنانير أو عكسه اشترط قبض البدل في المجلس كما دل عليه الخبر السابق حذراً من الربا، ولا يكفي التعيين والأصح أنه لا يشترط التعيين في العقد أي عقد الاستبدال لجواز الصرف عما في الذمة ومقابله يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين وكذا لا يشترط القبض في المجلس وإن استبدل ما لا يوافق في العلة أي على الربا كثوب عن دراهم فلا يشترط قبض الثوب في المجلس لكن يشترط تعيينه في المجلس فيصفه ثم يعيّنه ولو استبدل عن المُقْرِض أي ثمن المُقْرضِ جاز ولو لم يتلف وقيمة المتلف جاز أي لو استبدل عن قيمة المتلف بمثله صح. وكذا يصح الاستبدال عن كل دين ليس بثمن ولا مثمن كالدين الموصى به أو الواجب في المتعة أو بسبب الضمان أو عن زكاة الفطر وفي اشتراط قبضه أي قبض البدل في المجلس ما سبق أي إذا كان موافقاً في علة الربا اشتُرط والإ فلا يشترط وبيع الدين بعين لغير من عليه باطل في الأظهر بأن يشتري عبدَ زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، والمعتمد خلافه لأنه مستقر فحكمه كبيعه ممن عليه، وهو الاستبدال عن القرض وقد قلنا بجوازه، وقيل يشترط أن يكون المديون ملياً مُقرِّاً وأن يكون الدين حالاً مستقراً ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمراً ديناً بدينه بطل قطعاً اتفق الجنس أو اختلف لنهيه صلى الله عليه وسلم بيع الكالئ بالكالئ فقد روى الدار قطني عن ابن عمر (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الكالئ بالكاليء) وقال الحاكم إنه على شرط مسلم، وفُسِّرَ بأنه بيع الدين بالدين كما ورد صريحاً وفي رواية البيهقي.
وقبض العقار تخليته للمشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفتاح إليه وعدم وجود أي مانع يمنع المشتري من التصرف بشرط فراغه من أمتعة غير المشتري من البائع والمستأجر والمستعير والغاصب فإن لم يَحْضُر العاقدون المبيع العقار المنقول الذي في يد المشتري بأن غابا عن محل العقد حالة القبض اعتبر في صحة قبضه إذن البائع ومضى زمن يمكن فيه المضي إليه من العقد
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20-07-07, 11:02 PM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي دليل المحتاج شرح المنهاج للإمام النووي لفضيلة الشيخ رجب نوري مشوح

الجزء الرابع
أو الإذن مع زمن يسع تفريغه مما فيه لغير المشتري في الأصح على اعتبار قولنا لا يشترط حضور العاقدين للمشقة لكن لا مشقة في اعتبار مضي زمن يسع نقله وتفريغه.
وقبض المنقول تحويله الأصل في المنقول المتناول باليد ولو كان سفينةً يمكن جرها. وتحويله أي تحويل المشتري أو نائبه للمنقول وإن اشتُريَ مع محله في وجه إذ لا حاجة للتبعية والتبعية يجري فيها العرف المعتاد. روى الشيخان عن ابن عمر قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من محمله. دلَّ على أن القبض لا يتم إلا بتحويله.
فإن جرى البيع والمبيع بموضع لا يختص بالبائع كشارع أو ساحة مباحة أو دار للمشتري كفى نقله إلى حيِّز ليتمَّ القبض أي نقله من موضعه إلى موضع آخر وإن جرى البيع والمبيع في دار البائع لم يكفِ في قبضه ذلك النقل إلا بإذن البائع فيه فيكون مع حصول القبض به مغيراً للبقعة التي أذن في النقل إليها أما إذا نقل المشتري من غير إذن البائع فقد دخل المبيع في ضمانه لاستيلائه عليه ومن المنقول الدابة والسيارة والسفينة فيسوقها أو يدفعها أو يجرها ومن المنقول الثوب فيكفي لقبضه أن يتناوله.
فرع: للمشتري قبض المبيع من غير إذن البائع إن لم يكن له حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلاً أو سلمه الثمن الحالَّ وإلا أي وإن لم يسلمه الثمن فلا يستقل به أي بالقبض وعليه إن استقل به أن يرده لأن من حق البائع حبس المبيع حتى بقبض الثمن ولا ينفذ تصرف المشتري فيه لكن يدخل في ضمانه أما لو كان الثمن مؤجلاً وحلَّ قبل القبض استقل البائع به كما قال الأسنوي وقال غيره: لا يستقل لأنه من حق المشتري لأن البيع مؤجل وقد رضي البائع بالتأجيل ابتداءً له أن يطالب بالثمن لا أن يحبس المبيع.
ولو بيع الشيء تقديراً كثوب ذرعاً وحفظة كيلاً أو وزناً اشترط في قبضه مع النقل في المنقول ذرعه إن كان مذروعاً أو كيله إن كان بيع مكيلاً أو وزنه إن كان بيع موزوناً أو عدَّه إن كان بيع معدوداً وهو ما يُعَدُّ عادة لخبر مسلم ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله) وأخرج البيهقي وغيره عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان: صاع البائع وصاع المشتري، فدل ذلك على أنه لا يحصل البيع إلا بالكيل وليس ذك معتبراً لمن يبع الجزاف إجماعاً فتعين ما قدر بكيل وقيس عليه الباقي وأجرة الكيال أو الوزان أو من ذرعه أو عده على البائع وأجرة النقل على المشتري مثاله في المكيل بعتُكَها أي العبرة كلَّ صاع بدرهم أو بعتُكها بكذا على أنها عشرة آصع فلو قبض ما ذكر جزافاً لم يصح لكن يدخل المقبوض في ضمانه ولو كان لبكر مثلاً طعام مُق