ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 27-08-07, 05:42 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي بلوغ المرام-كتاب الصيام -شرح العثيمين

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه.
وبعد

لقد من الله علي بأن فرغت شرح كتاب الصيام للعلامة ابن عثيمين بل ووضعت عليه تعليقات هامة،
ويسعدني لقرب شهر رمضان المبارك أن أنزل في هذه الصفحة مقدمة عن الصيام، وبعدها أتبعها بألأحاديث وكل الفوائد التي ذكرها الشيخ العثيمين في شرحه.

ملاحظة: أرجو عدم التعليق إلا لحاجة؛ لأن المواضيع ستكون متتابعة -وجزاكم الله خيرا-

وكل ما تجدونه مكتوبا هو للشيخ العثيمين رحمه الله تعالى.


بسم الله الرحمن الرحيم



الصيام في اللغة: الإمساك لقوله تعالىٰ عن مريم: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾[مريم:26] أي إمساكا عن الكلام.
وقول الشاعر( النابغة الذبياني ):
خَيلٌ صِيامٌ وَخَيلٌ غَيرُ صائِمَةٍ
تَحتَ العَجاجِ وَأُخرى تَعلُكُ اللُجُما

قوله: (خيل صيام) أي ممسكة.
وقول العامة: صامت عليه الأرض، إذا ٱلتأمت عليه وأمسكته.
إذن الصيام في اللغة الإمساك.

الصيام في الشرع: تعبد لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالإمساك عن المفطِّرات من طلوع الفجر إلىٰ غروب الشمس.

وحكمه أنه فرض بإجماع المسلمين بدلالة الكتاب والسنة عليه:
قال الله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾[البقرة:183] أي فُرض.
وقال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((إذا رأيتموه فصوموا))، والأمر للوجوب.
فصيامه واجب بالكتاب والسنة، وإجماع المسلمين إجماعا قطعيا لم يختلف في اثنان لا سنيّهم ولا بدعيّهم، كلهم مجمعون على وجوب صوم رمضان.


ولهذا نقول: من أنكر وجوبه كفر، إذا كان عائشا بين المسلمين؛ لأنه أنكر أمرا معلوما بالضرورة من دين الإسلام، أما من تركه تهاونا فقد اختلف العلماء في كفره، والصحيح أنه لا يكفر، وعن الإمام أحمد رواية أنه يكفر، قال: لأنه ركن من أركان الإسلام. والركن هو جانب الشيء الأقوى وإذا سقط الركن سقط البيت.
ولكن الصحيح أنه لا يكفر بشيء من الأعمال إلا الصلاة كما قال عبد الله بن شقيق عن الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.


ثم إن للصيّام حِكَمًا كثيرة أهمها:


التقوى: وهي التي أشار الله إليها في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾[البقرة:183].

الثاني معرفة قدْر نعمة الله على العبد.

ومن فوائده تعويد النفس على الصبر والتحمّل، حتى لا يكون الإنسان مسرفا، فإن الإنسان قد يأتيه يوم يجوع فيه ويعطش، فيكون الصوم تمرينا له على الصبر والتحمل على فقد المحبوب، وهـٰذه تربية نفسية.

الرابع من الحكم أن الغني يعرف حاجة الفقير فيرقّ له ويرحمه، ولهذا كان الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.


الخامسة أن فيه تضييقا لمجاري الشيطان؛ لأنه بكثرة الغذاء تمتلئ العروق دما وتتسع، وبقلته تضيق المجاري، ومجاري الدّم هي مسالك الشيطان لقول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))

السادس أن فيه حُمية عن كثرة الفضلات والرطوبات في البدن، ولهذا بعض الناس يزداد صحة بالصوم؛ لأن الرطوبات التي تلبّدت على البدن تتسرب وتزول؛ حيث إن البدن يضمُر وييبس فتتسرب تلك الرطوبات، فيكون في ذلك فائدة عظيمة للبدن، وهـٰذا أمر مشاهد.

سابعا ما يحصل بين يديه وخلفه من عبادة الله عز وجل، فبين يديه السحور، فإن السحور عبادة لقول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((تسحروا فإن في السّحور بركة))، وما يحصل من الإفطار لأن أحب عباد الله إليه أعجلهم فطرا، فالإنسان يتناول ما يشتهي عبادة عند الإفطار.


ومنها أيضا -الثامنة- أن الغالب على الصائمين التفرغ للعبادة، ولهذا تجد الإنسان في حال الصيام تزداد عبادته، وليس يوم فطره ويوم صومه سواء، إلا الغافل فله شأن آخر؛ لكن الإنسان اليقظ الحازم الفطن الكيِّس هـٰذا يجعل يوم صومه غير يوم فطره.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-08-07, 05:51 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

شرح بلوغ المرام –كتاب الصيام - المقدمة

[الحديث الأول]
01- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ, إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا, فَلْيَصُمْهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[الفوائد]

في هـٰذا الحديث من الفوائد:

1- النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين لقوله: (لا تَقَدَّمُوا).
مسألة: وهل هـٰذا النهي للتحريم أو للكراهة؟
فيه قولان لأهل العلم:
• منهم من قال: إنه للتحريم.
• ومنهم من قال: بل للكراهة.
الذين قالوا: إنه للتحريم لأن الأصل في النهي التحريم إلا بدليل.
والذين قالوا: إنه للكراهة، قالوا: لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ استثنى قال: (إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا, فَلْيَصُمْهُ) ولو كان للتحريم ما جاز أن يصام حتى في العادة:
o بدليل أن أيام التشريق لما كانت حراما صار صيامها، جائزا إذا كان عادة أو حراما؟ حراما.
o وبدليل أيضا أيام العيدين لما كان صومها حراما كان صوم العيد حراما ولو وافق العادة.
2- ومن فوائد الحديث أيضا جواز تقدم الصوم قبل رمضان بأكثر من يومين لقوله: (يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ)؛ ولكن هل إذا صام قبل رمضان بثلاثة أيام يستمر؟ أو نقول: إذا بقي يوم أو يومين فأمسك؟ يعني رجل صام قبل رمضان بثلاثة أيام، هل نقول:إنك لما بدأت الصوم قبل رمضان بثلاثة أيام أتمه؟ أو نقول: إذا بقي يومان يمسك؟ نرى.
الحديث (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ) هل يصدق على صورة رجل صام في اليوم السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين، الظاهر أنه يصدق عليه، ونقول: إذا بقي يومان فأمسك، إلا إذا كنت تصوم صوما فصمه.
مثلا كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصام السابع والعشرين والتاسع والعشرين، فهـٰذا لا بأس به.
أو كان يصوم يوم الاثنين عادة فصادف يوم الاثنين التاسع والعشرين لا بأس.
أو كان يصوم الخميس عادة فصام يوم الخميس في التاسع والعشرين فلا بأس.
أو كان بقي عليه من رمضان الماضي أيام فأكملها قبل رمضان بيوم أو يومين، فلا بأس، لأن صومه حينئذ يكون واجبا.
مسألة: وقوله: (إِلاَّ رَجُلٌ) هل المرأة كالرجل؟
نعم؛ لأن الأصل في الأحكام تساوي الرجل والمرأة إلا بدليل يدل على التخصيص.
رجل يصوم يوما ويفطر يوما فصادف يوم صومه التاسع والعشرين يصوم لقوله: (إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا, فَلْيَصُمْهُ)
3- ومن فوائد الحديث أيضا الإشارة إلىٰ النهي عن التنطع وتجاوز الحدود، بناءً على أن العلة هي خوف أن يلحق هـٰذا برمضان.
4- ومنها أن للعادات تأثيرا في الأحكام الشرعية، من أين يؤخذ؟ (إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا, فَلْيَصُمْهُ)؛ ولكن ليس معنى ذلك أن العادات تؤثر على كل حال؛ لكن لها تأثير، وقد رد الله عز وجل أشياء كثيرة إلىٰ العرف، والعلماء أيضا ذكروا أن بعض الأشياء تفعل أحيانا لا اعتيادا، كما قالوا: يجوز أن يصلي الإنسان النفل جماعة لكن أحيانا، لو أردت مثلا أن تقوم صلاة الليل أنت وصاحبك جماعة أحيانا فلا بأس به؛ لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فعل ذلك مع ابن عباس وحذيفة، أما تتخذ ذلك سنة راتبة فلا، فهـٰذا دليل على أن للعادة تأثيرا في الأحكام الشرعية سلبا أو إيجابا.
5- ومن فوائد الحديث أن الأمر قد يأتي للإباحة، لقوله: (فَلْيَصُمْهُ) حيث قلنا: إنها للإباحة. وهل يأتي الأمر للإباحة في غير هـٰذا الوضع؟ نعم كثير يأتي للإباحة وقد قالوا في الضابط لإتيان الأمر للإباحة أن يكون في مقابلة المنع شرعا أو عرفا.
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾[المائدة:02]، هـٰذا في مقابلة المنع شرعا، فإذا كنت محرما حرم عليك الصيد، إذا حللت حل لك الصيد، أو نقول: إذا حللت فخذ البندقية، واذهب صد الطيور؟ ليس كذلك؛ لكنه مباح لأنه في مقابلة المنع، ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾[المائدة:02]. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾[الجمعة:10]، للإباحة لأنها في مقابلة المنع، هـٰذا الشرعي.
العرفي؛ استأذن عليك رجل فقلت: أدخل. هـٰذا أمر للإباحة أو للإلزام؟ للإباحة معلوم، ولهذا لو لم يدخل ما أنبته، ولا يؤنب أحد شخصا لم يدخل إلا رجلا يعتبر أحمق، قلت: أدخل وما دخل، فماذا يقول؟ الأمر للإباحة؛ لكن إذا كان عاميا لا يعرف، طيب الأمر للإباحة، لكن أنت الآن تسخر بي ليش تستأذن مني ولما أذنت لك ما دخلت؟ على كل حال الأمر في مقابلة المنع يكون للإباحة سواء كان شرعيا أو عرفيا.
يقول: (فَلْيَصُمْهُ) الضمير في قوله: (فَلْيَصُمْهُ) أي فليصم الصوم الذي كان يصومه من قبل.
6- من فوائد الحديث الإشارة إلىٰ ضعف ما يروى عن أبي هريرة وهو في السنن: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) فإن هـٰذا الحديث ضعيف أنكره الإمام أحمد، وإن كان بعض العلماء صحّحه أو حسنه وأخذ به، وقال: إنه يكره الصوم من السادس عشر من شعبان إلىٰ أن يبقى يومان فإذا بقي يومان صار الصوم حراما لهذا الحديث.
والصواب أن ما قبل اليومين فليس بمكروه وأما اليومان فهو [مكروه].
مسألة: فرض الصيام على ثلاثة مراحل وهي:
• أول ما فرض صوم عاشوراء.
• ثم فرض صوم رمضان على التخيير.
• ثم فرض صوم رمضان على التعيين؛ يعني لابد من الصوم.
فهـٰذه ثلاث مراحل.
أما المرحلة الأولى فدل عليها أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه أن يصوموا عاشوراء.
وأما المرحلة الثانية فقوله تَبَارَكَ وتَعَالىٰ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾[البقرة:184].
وأما الثالثة فهي قوله بعدها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة:185].
فهـٰذه ثلاث مراحل.
والحكمة من ذلك أن الصوم فيه نوع مشقة على النفوس فتدرج التشريع شيئا فشيئا؛ لأن كل شيء يشق على النفوس فالله عز وجل بحكمته ورحمته يُلزم العباد به شيئا فشيئا.
مسألة: ونظير ذلك الخمر، تحريم الخمر فإنه جاء على أربع مراحل:
المرحة الأولى: الإباحة -وإن كان هـٰذه قد لا تعد مرحلة لأنها على الأصل- لكن الله نصّ على ذلك: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾[النحل:67].
ثم الثانية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾[البقرة:219].
ثم الثالثة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾[النساء:43].
ثم الرابعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾[المائدة:90].
فُرض في السنة الثانية وصام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع رمضانات إجماعا.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-08-07, 12:19 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث الثاني]
02- وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَنْ صَامَ اَلْيَوْمَ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا, وَوَصَلَهُ اَلْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ, وَابْنُ حِبَّانَ.

[الفوائد]

الواقع أن الاحتياط عدم الصوم، هـٰذا هو الاحتياط؛ لأن الاحتياط كما يكون بالفعل يكون بالترك، فنحن نحتاط لأنفسنا فلا نلزم عباد الله بما لا يَلزمهم، هـٰذا هو الاحتياط.

يستفاد من هـٰذا الحديث فوائد:

1- تحريم صوم يوم الشك؛ لأن عمارا جزم بأنه معصية، والأصل أنه ما أطلقت عليه المعصية فهو حرام، وهـٰذا القول هو القول الراجح لاسيما وأنه مؤيد بحديث أبي هريرة السابق وهو ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين)) فعليه نقول: تقدم رمضان بصوم يومين مكروه، وبصوم يوم حرام؛ ولكن بشرط أن يكون هـٰذا اليوم يوم شك، أما إذا كانت السماء صحوا فصوم ذلك اليوم مكروه لحديث أبي هريرة.

2- ومن فوائد هـٰذا الحديث جواز ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير وصف الرسالة لقوله: (فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ)؛ لأنّ باب الخبر أوسع من باب الطلب، فالرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لا ينادى باسمه سواء كان اسما أو كنية؛ لكن عندما يُخبر عنه يجوز أن يُخبر عنه باسمه، فيقول: قال محمد، وقال أبو القاسم.. وما أشبه ذلك؛ لكن أيهما أولى: أن نقول هكذا أو أن نصفه بالرسالة؟ أن نصفه بالرسالة أولى لاسيما وأننا إذا ذكرناه فإنما نذكره على سبيل أنه مشرّع، ومعلوم أن وصف الرسالة ألصق بالتشريع من ذكر اسم العلم سواء كان اسما أو كنية لكن هـٰذا على سبيل الجواز.

3- ومن فوائد هـٰذا الحديث جواز التعبير عن اللفظ بمعناه، أو بعبارة أخرى: جواز رواية الحديث بالمعنى؛ لأن عمارا عبّر عن قول الرسول بالمعنى، ما ساقه بلفظه.
فإن قلت: لماذا لم يسقه بلفظه، أليس سوقه بلفظه أولى؟
فالجواب: بلى، لكن قد يكون الصحابي نسي اللفظ الذي قاله الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ؛ لكن قد تيقن أنه قد نهى عن ذلك ولكن نسي اللفظ فعبّر بقوله: (عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 29-08-07, 12:58 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث الثالث]
03- وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: ((فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ)).
وَلِلْبُخَارِيِّ: ((فَأَكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ ثَلاثِينَ)).
وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ)).
[الفوائد]

الحديث فيه فوائد كثيرة.
1- قوله: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) يستفاد منها أنه لا يجب الصوم قبل رؤيته؛ لقوله: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ)، ثم ما المراد بالرؤية هل الرؤية قبل الغروب أو بعد الغروب؟
مسألة: من المعلوم أن القمر آية ليلية، فيكون المعنى إذا رأيناه في الليل الذي هو سلطانه، كما قال تعالىٰ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾[الإسراء:12]، فإذا رُئي بعد الغروب ثبت الحكم.
أما إذا رئي قبل الغروب:
• فقال بعض العلماء: إنه يكون للليلة الماضية.
• وبعضهم يقول: يكون للليلة المقبلة.
ولاشك أن هـٰذا فيه نظر:
لأنه إذا رُئي قبل الغروب متقدما على الشمس فإنه لا يمكن أن يكون للليلة الماضية.
وإذا رُئي متأخرا عن الشمس، فإذا كان التأخر بعيدا فإنه يكون للليلة المقبلة، ومع ذلك لا نحكم به؛ قد يكون عند الغروب غيم أو قتر فلا نراه فنكمل العدة ثلاثين؛ لكنه في الغالب لا يخفى.
المهم أن الرؤية متى؟ إذا كانت بعد الغروب لأنه -أي الليل- هو سلطان القمر.
وقوله: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) يستفاد منه أنه لابد من تحقق الرؤية، (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ)، أما لو شككنا في ذلك فإنه لا يجب الصوم؛ بل من صام فقد عصى أبا القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويدل على أن المراد بالرؤية الرؤية العينية المتيقنة قوله تعالىٰ في سورة البقرة: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة:185].
2- ومن فوائد الحديث أن الإنسان إذا رآه ولم يره غيره ثبت الحكم في حقه، فإن كان في رمضان يعني رأى هلال رمضان وغيره لم يره، والحاكم ردّ شهادته لجهله بحاله مثلا فإنه يصوم.( )
وإن كان في شوال:
فقيل: إنه لا يفطر؛ لأن الشهر -شهر شوال- شرعا لا يدخل إلا بشهادة رجلين.
وقيل: بل يفطر.
إذا رأى الإنسان شوال وحده، فقيل: إنه لا يفطر لأن شوال لا يثبت إلا بشهادة رجلين وهو رجل واحد فدخول الشهر إذن لم يثبت، فلا يجوز الفطر.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفطر؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) وهـٰذا قد رآه، لكن يفطر سرا لئلا يجاهر بمخالفة الجماعة.
فصار لدينا قولان إذا رأى وحده هلال شوال:
القول الأول: أنه لا يفطر لأن شوالا لا يثبت دخوله إلا بشهادة رجلين، واستدلوا أيضا بحديث ((الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس)).( )
والقول الثاني: أنه يفطر لأنه رآه، وقد قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا)؛ ولكنه يفطر سرا لئلا يجاهر بمخالفة الجماعة. وهـٰذا القول الأقرب من حيث اللفظ (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ)، فإنّ هـٰذا رآه.
أما إذا كان الإنسان منفردا في مكان وليس حوله أحد يخالفه، فإنه يفطر لأنه حينئذ لا يتيقّن مخالفة الجماعة، مثل لو كان بدويا في محلٍّ في البر، ليس حوله مدن ولا قرى ورأى هلال شوال، فإنه لا يمكن أن نقول: صم؛ لأنه ثبت دخول الشهر في حقه، وهو إذا أفطر لا يكون مخالفا للجماعة، هكذا قال أهل العلم، ومعلوم أن هـٰذا في وقتهم أمر واقع وكثير؛ لكن في وقتنا الآن حيث انتشرت وسائل الإعلام قد يقال: إنه لا يفطر حتى ينظر في إفطار الناس على القول بأنه لا يفطر إذا انفرد برؤيته، أما إذا قلنا: إنه يفطر الأمر واضح.
مسألة: وظاهر الحديث (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) يشمل ما إذا رأيناه بالعين المجردة أو بواسطة الآلات؟ هو عام، (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) فمتى رأيناه سواء بالعين المجردة أو بالمنظار المكبِّر فإنه تثبت رؤيته، وقد كان الناس قديما نعهدهم أنهم يصعدون على المناير ومعهم مكبر النظر أو مقرب النظر المهم أنهم كانوا يستعملونها، وإذا رأوه بواسطة هـٰذه المنظارات فإنه يحكم برؤيته والحديث عام.
ومعلوم أنه حتى ولو قال: إذا رأيتموه بأعينكم. ما يمنع أن يكون رآه بواسطة أو مباشرة.
مسألة: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) فهل المراد إذا رآه كل واحد؟ لو كان كذلك لكان الذي نظره قاصر لا يجب عليه الصوم؛ لأنه يقول: ما رأيته أنا؛ ولكن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لا يريد هـٰذا؛ ولكن (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) الرؤية التي يثبت بها دخوله شرعا، وهو أن يكون الرائي رجلين فأكثر، لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا))، ويأتي إن شاء الله الخلاف فيما إذا رآه واحد.
3- ويستفاد من قوله: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) أنه إذا رئي في بلد واحد لزم الناس كلهم الصوم؛ لأننا ما دمنا نقول: إنه لا يشترط أن يراه كل واحد، فإنه يستفاد منه -وهـٰذه متفرعة على التي قبلها- أنه إذا رآه واحد أو إذا ثبتت رؤيته بمكان لزم الصوم جميع الناس، وهـٰذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وهو قول كثير من أهل العلم.
ولكن عارضهم شيخ الإسلام ابن تيمية[1] وجماعة وقال: إن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قال: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ)، والجماعة البعيدون عن مطلع الهلال في هـٰذا المكان لم يروه لا حقيقة ولا حكما، وقول الرسول: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا أقبل الليل من هٰهنا وأدبر النهار هٰهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم))، فهل أنتم تقولون إذا غربت الشمس عند قوم جاز للآخرين أن يفطروا ولو كانت الشمس لم تغِب؟ الجواب: لا، ولم يقل بذلك أحد.
إذا رأيناه في مكان ولم ير في مكان آخر بعد التحري والبحث فإنه لا يلزم من لم يره؛ لأن هـٰذا ((إذا أقبل الليل من هٰهنا)) توقيت يومي، (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) توقيت شهري، ولا فرق بينهما، فالشهر عند من لم يروه لم يدخل، والله عز وجل يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة:185]، وهؤلاء الذين يخالفون من رأوه في المطالع ما شهدوه. وعلى هـٰذا فلا يلزمهم الصوم، ودلالة الحديث هـٰذا على قولهم ودلالة الآية أيضا واضحة.
واستدلوا أيضا بحديث رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل أرسلته في حاجة إلىٰ معاوية -ومعاوية في الشام- فرأوا الهلال في الشام فصاموا، وكان ممن رآه كريب رأوه ليلة الجمعة، ثم إن كريبا قضى حاجته من الشام ورجع إلىٰ المدينة، والتقى بابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فسأله ابن عباس: متى صام معاوية؟ قال: صام يوم الجمعة. قال: هل رأى الهلال؟ قال: نعم وأنا رأيته أيضا. قال: إنا لم نصم إلا يوم السبت. فقال له: أتشك في رؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وهـٰذا نص صريح من ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما تفقُّها واستنباطا، استنباطا من قوله: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) وهـٰذا دليل واضح في الموضوع.
والقياس على التوقيت اليومي دليل واضح.
والخطاب في ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾[البقرة:185]، و(إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) أيضا دليل واضح.
ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إن اتفقت المطالع لزم الصوم والفطر وإلا فلا.
وهـٰذا أحد القولين فعندنا الآن قولان:
القول الأول: إذا ثبتت رؤيته في مكان ثبت ذلك في حق جميع الناس في أي مكان كان.
الثاني: إذا ثبتت رؤيته في مكان لزمهم حكم تلك الرؤية من فطر أو صوم ولزم من يشاركهم في مطالع الهلال دون من لم يشاركهم، وهـٰذا أقرب إلىٰ الصواب إن لم يكن هو المتعيِّن.
القول الثالث: أنه إذا كانت المسافة بين البلدين مسافة قصر فإنه لا يلزم البلد الآخر، قالوا: لأن ما دون المسافة في حكم الحاضر وما وراءها في حكم المسافر، فإذا كان بين البلدين أقل من المسافة لزم البلد الثاني الصوم إذا رآه البلد الآخر، وإن كان بينهما مسافة قصر فلا.
والقول الرابع: أنّ الصوم والفطر تبع للعمل -أي عمل ولي الأمر- فإذا كانت هـٰذه المنطقة تبعا لأمير معيّن فلها حكمٌ واحد، وعلّلوا ذلك بأن لا يحصل الاختلاف بين من كانوا تحت إمرة واحدة.
فهـٰذه أربعة.
والقول الخامس: أنه إذا كانت منطقة كبيرة ليست بلدا، فإنهم إذا كانوا في قطر واحد لزمهم الصّوم، وإن لم يكونوا في قطر واحد فلكل قطر حكمه.
على كل حال كل ما سوى القولين الأولين فهي أقوال ليست بتلك القوة، إلا أن يقال: إنهم إذا كانوا تحت إمرة واحدة فإنه يلزم الصوم أو الفطر لحديث ((الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس)).
فتكون الأقوال الرئيسية التي يمكن أن نعتبرها ثلاثة أقوال:
القول الأول: لزوم الصوم على جميع الناس.
والثاني: لزوم الصوم على من وافقهم في المطالع.
والثالث: لزوم الصوم إذا كان تحت إمرة واحدة لحديث ((الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس)).
ما هو عمل الناس اليوم؟ الغالب على الناس اليوم على الأخير، ولهذا تجد قريتين على الحدود بينهما أمتار قليلة قرية صامت وقرية لم تصم، وقرية أفطرت في العيد وقرية لم تفطر؛ لأن هـٰذه تحت ولاية وهـٰذه تحت ولاية. بل نجد أنه أحيانا إذا حسُنت العلاقات بين الدولتين اتفقتا، وإذا ساءت لم تتفقا، فيجعلون الحكم تبعا للسياسة:
إن حسنت العلاقات قالوا: والله هـٰذه البلد أهلها ثقات ويجب أن نعمل برؤيتهم أصدروا الفتوى بالفطر أو بالصوم.
وإن ساءت كلٌّ له رؤيته ولا يمكن أن نتبعهم.
وهـٰذا شيء شاهدناه بأنفسنا نحن؛ يعني علمنا به مباشرة بدون نقل.
على كل حال القول الصحيح عندي هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه مؤيد بظاهر القرآن والسنة وبما روي عن الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم.
4- من فوائد الحديث أن هـٰذه الشريعة والحمد لله لم تدع مجالا للقلق والاضطراب، كيف ذلك؟ لقوله: (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) أو (فَأَكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ ثَلاثِينَ) فإن هـٰذا مما يريح الإنسان؛ يعني لا تكن قلقا، ربما أنه هلّ ولكنه تحت السحاب، ربما أنه هلّ ولكنه وراء الجبل، ربما هلّ ولكنه حجبه القتر، أبدا لا تقلق إذا لم تر الهلال لكونه غم عليك فأكمل العدة ثلاثين بدون قلق.
مسألة: وهكذا ينبغي للإنسان أن لا يجعل في نفسه قلقا من الأحكام الشرعية، حتى في مسائل الفتاوى لا ينبغي لك أن تضع المستفتي في قلقل وحيرة، فتقول: يمكن كذا، يمكن كذا، يحتمل كذا، يحتمل كذا، إما أن يكون عندك علم يقيني أو ظني؛ لأن الصحيح أنه يجوز الحكم بغلبة الظن عند تعارض الأدلة وتجزم بالفتوى، وإلا فدعها، أما أن تبقى في حيرة وتوقع غيرك أيضا في حيرة فهـٰذا لا ينبغي.
5- ومن فوائد الحديث البناء على الأصل؛ يعني اعتبار البناء على الأصل، يؤخذ من قوله: (فَاقْدُرُوا لَهُ) أو (فَأَكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ ثَلاثِينَ)؛ لأن الأصل البقاء -بقاء الشهر- فإن اليوم هو الثلاثين من الشهر حتى نتيقن أنه دخل الشهر الثاني، وهـٰذا جزء أو فرد من أفراد عظيمة دلت عليها أحاديث كثيرة وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يتبين زواله.
وقوله: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) إذا قال قائل: (رَأَيْتُمُوهُ) الميم علامة الجمع، ولابد من أن يكون الرائي جماعة أكثر من واحد، لو قال قائل هكذا، قلنا: نأتي إلىٰ الحديث الذي بعده حديث ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما:
------------------------------------------
[1] الظاهر أن قول شيخ الإسلام خلاف ذلك (مجموعة الفتاوى 25/63-64)، قال: فالصواب في هٰذا - واللّه أعلم - ما دل عليه قوله‏:‏ ‏((‏صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون‏))‏، فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد؛ وجب الصوم‏.‏
وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب؛ فعليهم إمساك ما بقي، سواء كان من إقليم أو إقليمين‏.‏
والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد، فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس، فالمستقبل يجب صومه بكل حال، لكن اليوم الماضي‏:‏ هل يجب قضاؤه‏؟‏ فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رؤي بإقليم آخر، ولم ير قريباً منهم، الأشبه أنه إن رئي بمكان قريب، وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول، فهو كما لو رئي في بلدهم ولم يبلغهم‏.‏
وأما إذا رئي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلا بعد مضي الأول، فلا قضاء عليهم.ا هـ
إلىٰ أن قال رحمه الله: فالضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ؛ لقوله‏:‏ ‏(‏صوموا لرؤيته‏)‏، فمن بلغه أنه رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً.اهـ
وقال رحمه الله في (ص 66): فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع.اهـ
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-08-07, 08:36 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث الرابع]
وَعَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: تَرَاءَى اَلنَّاسُ اَلْهِلالَ, فَأَخْبَرْتُ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ, فَصَامَ, وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ, وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاِبْنُ حِبَّانَ.
[الفوائد]

1- فيدل هـٰذا على أن ترائي الهلال في الليلة التي يُتحرى فيها من عمل الصحابة الذي أقرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكون من السنة الإقرارية؛ لأن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أقرّهم.
2- ويستفاد من هـٰذا الحديث أيضا أنه لا يعمل إلا برؤية من يوثق بنظره؛ بل من يوثق بقوله لكونه أمينا بصيرا.
فلو جاء الأعمى إلى القاضي وقال: إني رأيت الهلال وهو ثقة مأمون عند الناس، ماذا نقول؟ نقول: هـٰذا في الرؤيا يمكن، أما في اليقظة فلا يمكن أن تراه. وهـٰذا مما يُخل بأمانته.
جاءنا رجل ليس بأعمى لكن ضعيف البصر، وقال: إني رأيت الهلال، يقينا أين اتجاهه؟ قال: اتجاهه إلى الجنوب الشرقي، صحيح هـٰذا، يعني المنزلة الصحيحة؛ يعني القمر حسب النازلة أحيانا يكون اتجاهه إلى الجنوب وأحيانا إلى الشرق، وأحيانا يكون إلى الشرق الجنوبي، هل نأخذ بقوله؟ لا وإن كان ثقة لأنه ضعيف البصر.
ولهذا ذكر العلماء أن رجلا كبير السن كان مع الناس الذين يتراءون الهلال، وأبصارهم حديدة قوية، هم قالوا: لم نره. وهو أصر أنه رآه، وجاءوا عند القاضي، وقال: أنا أشهد أني رأيته. فقال: أذهب معك تريني إياه. قال: نعم، ذهبوا وقال: أنظر إليه، القاضي نظر ما رأى شيئا، وكان القاضي ذكيا، فمسح على حاجب عينه، ثم قال: أنظر. قال: الآن ما أرى شيئا، ليش؟ شعرة بيضاء يظن أنها هلالا، متقوسة كالهلال، فشهد أنه رأى الهلال. لكن متى يأتينا قاضٍ مثل هـٰذا القاضي ذكي.
على كل الحال أقول: لابد أن يكون الرائي ممن يوثق بقوله لأمانته في النقل ولكون بصره حديدا يمكن أن يرى الهلال.
3- ويستفاد من هـٰذا الحديث أيضا أنه لا تشترط الشهادة في الإعلام بدخول الشهر، لقوله: (أَخْبَرْتُ النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ, وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ.)، فلو قال للقاضي: إني رأيت الهلال، لقد رأيت الهلال، ولم يقل: أشهد. وجب الحكم بشهادته، أو وجب الحكم بخبره.
وهل هـٰذا خاص برؤية هلال رمضان أو عام في كل الشهادات؟ يعني هل يشترط في الشهادة سواء في المال أو في غير المال أن يقول للشاهد: أشهد. أو لا يشترط؛ بل يكفي أن يقول: إني أقول كذا، أو أخبر بكذا؟
الصحيح أنه لا تشترط الشهادة إلا ما دل الدليل على اشتراطها، كقوله تعالىٰ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)﴾[النور:06]، وإلا فإن الخبر يكفي عن الشهادة.
ولهذا قيل للإمام أحمد رحمه الله: فلان يقول: أقول: العشرة في الجنة ولا أشهد. فقال الإمام أحمد: إذا قال: إنهم في الجنة. فقد شهد. وهـٰذا هو الحق، أن الشهادة لا يعتبر فيها لفظ (أشهد) بل إذا أخبر خبرا جازما به فإنه يعتبر شاهدا، ويدل عليه هـٰذا الحديث.
4- من فوائد هـٰذا الحديث أيضا وجوب العمل برؤية الشاهد الواحد مع الجماعة، يؤخذ من أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس بالصيام، لأنه صام وأمر الناس بالصيام، وهـٰذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم.
والمسألة فيها ثلاثة أقوال:
هـٰذا القول.
والقول الثاني أنه لابد من شاهدين اثنين، أو شاهد مبرز للعدالة بحيث تكون شهادته مقام شهادة اثنين عند القاضي.
والقول الثالث إن كانت السماء غَيْمًا قُبلت شهادة الواحد، وإن كانت صحوا لم تقبل. هـٰذا مذهب أبي حنيفة لأنه من أهل الرأي، يقولون: إن كانت السماء غَيْما قُبلت شهادة الواحد، وإن كانت صحوا لم تقبل، ليش؟ يقول: لأنه إذا كانت السماء صحوا ولم يره الناس دل على كذبه، فتكون شهادة هـٰذا الواحد مخالفة للآخرين فلا تقبل، أما إذا كانت السماء غيما فيمكن أن يره بدون الناس لقوة بصره مثلا، أو لكونه مثلا دقيق الملاحظة بحيث انفتح الغيم لمدة وجيزة ورآه أو ما أشبه ذلك، فلهذا يفرق هٰؤلاء بين أن تكون السماء صحوا وبين أن تكون غيما.
ولاشك أن مقتضى العقل أن يكون الأمر بالعكس فيقال: إذا كانت السماء صحوا فيمكن أن يره ولا يراه الآخرون، حتى وإن كانت السماء صحوا فالناس يختلفون في قوة النظر بخلاف ما إذا كانت غيما فإنه يبعد أن يراه، كيف يراه من بين الناس؟
على كل حال هـٰذا قول ذكرناه لأجل إتمام سياق الأقوال.
والصحيح أنه يعمل بشهادة الواحد ولو كان معه جماعة، لهذا الحديث.
5- ومن فوائد الحديث أنه ينبغي للإنسان أن يتقدم بالحق ولو كان من أصغر الناس؛ لأن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كان صغير السن ومع ذلك تقدم وقال: إني رأيت الهلال، فصام النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وأمر بصيامه، ولهذا لما وقع في قلبه حل اللغز الذي ألغز به النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هاب أن يتكلم به؛ لأنه كان أصغر القوم؛ ولكنه أباه عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تمنى أن يكون تكلم به، واللغز الذي أورده الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ على الصحابة: ((أن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن)) فذهب الناس يتكلمون في شجر البوادي هي كذا هي كذا ولم يعرفوها، فوقع في نفس ابن عمر أنها النخلة لكنه لم يتكلم لصغر سنه، ثم قال الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((هي النخلة)).
6- وفيه أيضا أن الحاكم هو الذي يوجه الأمر إلىٰ الناس بالصيام لقوله: (فَصَامَ, وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ.) وهو كذلك؛ فإن هـٰذه الأمور ترجع إلىٰ الحكّام وليست راجعة إلىٰ عامة الناس من شاء صام ومن شاء أفطر بشهادة غيره؛ ولكنها راجعة إلىٰ الحاكم الشرعي.
7- وفيه أيضا أن من كان معلوم العدالة فإنه لا يناقش ولا يحقق معه؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أخبره ابن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام بخلاف الحديث الثاني.
ويستفاد منه أيضا أنه لا تشترط الشهادة في رؤية الهلال؛ يعني لا يشترط أن يقول: أشهد. لأنه قال: (فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ) وقد يقال: بل فيه دليل على أن الخبر شهادة، لقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[البقرة:185]، وجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن عمر بإخباره شاهدا، وقد مرّ علينا أن الإمام أحمد لما قيل له: إن يحيى بن معين أو علي بن المديني -نسيت- أقول: العشرة في الجنة ولكني لا أشهد قال: إذا قال فقد شهد.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-08-07, 08:38 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث الخامس]
05- وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ اَلْهِلالَ, فَقَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ?)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ?)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَأَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ يَا بِلالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا))، رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَة, وَابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.
[الفوائد]


1- قبول شهادة الأعرابي، والأعرابي كما مر معنا هو ساكن البادية، وهو كذلك إذا ثبتت عدالته.
2- وفيه أيضا وجوب التحري في مجهول الحال؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل هـٰذا الأعرابي أتشهد أن لا إلـٰه إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأما من ظاهره العدالة فلا يبحث عنه؛ لكن لما كان الأعراب غالبهم لا يعرف الأحكام الشرعية سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هـٰذا الأعرابي هل هو مسلم أو لا.
3- وفيه أن الناس مؤتمنون على ديانتهم؛ لأنه لما قال: أتشهد أن لا إلـٰه إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، لم يقل من يشهد لك، وبناءً عليه فإذا قيل للرجل صلِّ، فقال: قد صليت، ندعه هو ودينه، إلا إن قال: صليت في المسجد الفلاني وشهد أهل المسجد أنه لم يصلِّ، فحينئذ لا نقبل قوله. فإن قيل له: زك مالك. فقال: قد زكيت، فإنه يقبل وهو فيما بينه وبين الله. اللهم إلا إذا كان شاهد الحال يكذِّبه، كما لو كان غنيا كبيرا وعنده أموالا كثيرة وقال: إني زكيت، ونحن ما رأينا أحدا انتفع بزكاته، وزكاته لو أخرجت لكان لها أثر في المجتمع لقلته مثلا. فهـٰذا قد نقول: بعدم قبول قوله؛ لأن شاهد الحال يكذبه، وشاهد الحال معتبر في الأحكام الشرعية، ألم يبلغكم قصة سليمان مع المرأتين حيث عمل بالقرينة، وكذلك الحاكم الذي حكم في قصة يوسف عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ حكم بالقرائن قال: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27)﴾[يوسف:26-27].
المهم أن صاحب المال الذي ادعى أنه أدى زكاته، نقول: إذا دلت القرينة على كذبه لم نقبل قوله، وإلا فإن الناس مؤتمنون على دينهم.
4- وفي هـٰذا الحديث أيضا من الفوائد دليل على أن (نعم) حرف جواب تغني عن إعادة السؤال؛ لأن الرجل لم يقل: نعم أشهد أن لا إلـٰه إلا الله. ولهذا لو قيل للرجل أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. تطلق ولو قيل له: أراجعت امرأتك؟ قال: نعم. رجعت إليه، ولو قيل للرجل: أزوجت فلانا فقال: نعم. فقال الثاني: قبلت، أو لو قيل للزوج أقبلت؟ قال: نعم. فإنه يقوم مقامه، لحكم النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بإسلامه حين قال: نعم.
5- ومن فوائد هـٰذا الحديث أنه ينبغي إعلان دخول الشهر بين الناس، ولقوله: (فَأَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ يَا بِلالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا).
6- ومن فوائده أيضا أنه ينبغي أن تتخذ الوسيلة التي تكون أقرب إلىٰ تعميم الخبر، لقوله: (أَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ) يعني أعلمهم، وعلى هـٰذا فإعلان الناس خبر دخول الشهر بالأصوات أو بظهور الأنوار أو ما أشبه ذلك من الأمور المشروعة.
7- ومن فوائده أيضا أنه ينبغي في الإعلانات اختيار الوسيلة التي تكون أبلغ في إيصال الخبر؛ لأن بلال رَضِيَ اللهُ عَنْهُ معروف بأنه قوي الصوت ولهذا أمره النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أن يقوم في الناس فيصوموا غدا.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 31-08-07, 02:47 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث السادس]
وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا, عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ)) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ, وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ, وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: ((لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اَللَّيْلِ)).
[الفوائد]
من فوائد هـٰذا الحديث:
1- وجوب النية للصيام لقوله: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ) ويشهد لهذا ذلك الحديث العظيم الذي يعتبر ركنا عظيما من أركان الشريعة، وهو حديث عمر قول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
2- أنه لابد أن تكون النية قبل طلوع الفجر لقوله: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ) ووجه ذلك لأجل أن تستوعب النية جميع النهار.
3- ومن فوائده أيضا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن من أين تؤخذ هـٰذه الفائدة؟ لا يمكن استيعاب جميع النهار إلا بنية قبل الفجر، وإلا فالأصل أن ابتداء الإمساك من طلوع الفجر لا قبله؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾[البقرة:187]؛ لكن لما كان لا يتم استيعاب جميع النهار إلا بنية قبل الفجر صارت النية قبل الفجر واجبة، وهـٰذا من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ونظير ذلك قولهم في الوضوء: إنه لا يمكن استيعاب غسل الوجه إلا بجزء من الرّأس؛ فلابد أن يتناول الماء شيئا ولو كالشعرة من الرّأس، وكذلك قالوا في مسح الرأس، المهم أنّه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
مسألة: فإن قلت: هل يجوز أن أبتدئ النفل من أثناء النهار؟
فالجواب: إن كان النفل معيّنا فإنه لا يصح إلا من قبل طلوع الفجر، مثلا الأيام البيض، لابد أن يصومها الإنسان من أولها، وإلا صار صائما نصف يوم أو ربع يوم، حسب ما ينوي، وكذلك الأيام المعينة؛ كل معين لابد أن ينويه قبل الفجر.
أما النفل المطلق لا بأس كما سيأتي على خلافٍ في ذلك أيضا.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 31-08-07, 02:52 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث السابع]
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ?)) قُلْنَا: لا. قَالَ: ((فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ)). ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ, فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَقَالَ: ((أَرِينِيهِ, فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا)) فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[الفوائد]
فيستفاد من هـٰذا الحديث فوائد عديدة جدا.
1- بساطة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في معاملة أهله، وأنه ليس ممن يتفقدون البيت، أوش أُخذ من السكر أو أُخذ من الشاي أو أخذ من الرز وما أشبه ذلك، يقول: (هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ) ما يعرف عن بيته شيئا؛ لأن البيت لربة البيت، ولهذا قال: (هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ).
2- ومن فوائد الحديث أيضا أنه يجوز أن يخاطب الرجل الشريف الكريم بكلمة (لا) لقولها: (لا)، وهي زوجته وهو زوجها وأشرف الخلق عند الله، ومع ذلك تخاطبه بكلمة (لا).
وهـٰذا له أمثال كثيرة، ومنها حديث جابر لما قال له النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((بعنيه)) قال: لا.( ) فلا بأس أن تقول لمن خاطبك وإن كان عظيما: لا.
أما قول بعض الناس: سلامتك. وما أشبه ذلك من الكلمات، فهـٰذه من باب المجاملة، ولو أن الإنسان عدل إلىٰ كلمة (لا) لم يكن في ذلك بأس.
سألته ليش قال: رحت أطيّر الماء. مع أن العلماء يقولون: الأوْلى أن يقول: أبول ولا يقول أريق الماء. وكانوا في عهدهم يقولون: أريق الماء. ونحن نقول: نطير تطييرا. لكن هو يقول: الأوْلى أن نقول: أبول. هـٰذه الكلمات التي لها معنى معروفا، من يستحي من البول؟ كل الناس يبولون.
إذن في هـٰذا الحديث الذي معنا دليل على أنه يجوز أن يقول الإنسان: لا. للرجل العظيم وأن ذلك ليس من سوء الأدب.
3- وفيه أيضا دليل على جواز إنشاء نية صيام النفل من النهار، من أين يؤخذ؟ (فَإِنِّي إِذًا) لولا كلمة (إِذًا) لاحتمل أن يكون قد صام من قبل، لكن لما قال: (إِذًا) معناه أنه أنشأ الصوم من الآن، فيجوز أن ينوي النفل من أثناء النهار. وهـٰذا في النفي المطلق، أما النفل المعين فإنه يصام كما يصام الفرض من أول النهار.
مسألة: ولكن إذا نوى من أثناء النهار فهل يكتب له أجر الصوم يوما كاملا أو يكتب له من نيته؟
في هـٰذا قولان لأهل العلم:
فمنهم من قال: يكتب له أجر كامل؛ لأن الصوم شرعا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإذا صححنا أن ذلك صوم، فإن من لازمه أن يثبت له أجره من طلوع الفجر إلىٰ غروب الشمس.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس له أجر إلا من نيته، واستدل لذلك بقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) وهذا أول النهار لم ينو الصوم، فكيف يكتب له أجره مع أنه لم ينوه. وهـٰذا أقرب إلىٰ الصواب.
ولكن يكون الفرق بينه وبين الفرض حينئذ أن الفرض لا يصح صوم بعض يوم وأما النفل فيصح.
هل يشترط أن لا يفعل مفطّرا في أول النهار أو لا؟
أما على قول من يقول: إنه يكتب له الصوم من طلوع الفجر، فاشتراط أن لا يفعل مفطرا قبل النية واضح جدا.
لكن على قول من يقول: إنّ النية من أثناء النهار والأجر يكون من النية، هـٰذا محل إشكال؛ لكن مع ذلك حسب ما علمت من كلام أهل العلم أنه يشترط أن لا يكون فعل مفطرا قبل النية.
فلو فرضنا أن هـٰذا الرّجل أفطر بعد طلوع الشمس، فطورا كاملا. قبل الظهر قال: نويت أن أصوم إلىٰ الليل هل يجزئ أم لا؟ لا يجزئ؛ لأن هـٰذا ليس بصوم؛ لكن إن نواه صوما لغويا، لا بأس به؛ لكن غير مشروع إن نوى به التقرب إلىٰ الله فغير مشروع.
إذن يشترط أن لا يفعل منافيا للصوم من طلوع الفجر إلىٰ نيته، فإن فعل منافيا للصوم لم يصح الصوم، ولو من أثناء النهار.
تنبيه: وكأن الشارح رحمه الله يميل إلىٰ أنّ التطوع لا تصح نيته من أثناء اليوم، وتوهم رحمه الله حيث قال: إن في بعض سياق الحديث ((فلقد كنت صائما)) بدل قوله: (فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ)، وقال: إن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان صائما، وكان يريد أن يرى إن كان فيه شيء أكل وأفطر، إن كان ما فيه شيء استمر على صيامه، هكذا أوَّلَ الحديث.
أقول: الشارح يرى أن الصوم لا يصحّ في أثناء النهار ولو نفلا، ويقول: إن في بعض ألفاظ الحديث (فلقد كنت صائما) جعلها في المسألة الأولى بدل قوله: (فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ)؛ لكن هـٰذا وهم؛ لأن صحيح مسلم ((قد كنت أصبحت صائما)) بدل قوله: ((فلقد أصبحت صائما)) فهي في المسألة الثانية لا في المسألة الأولى.
وعلى هـٰذا فيكون تأويله الحديث تأويلا غير صحيح. الذي عنده الشرح يكتب عليه حاشية بأن هـٰذه الجملة ليست في المسألة الأولى وهي نيته الصيام في أثناء اليوم؛ ولكنها في المسألة الثانية التي قال فيها: (أَرِينِيهِ, فَلَقَدْ...) .
4- ويستفاد من هـٰذا الحديث مشروعية قبول الهدية، ولو كانت طعاما تؤخذ من (أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ) خلافا لبعض الناس الذين يترفّعون عن قبول الهدية إذا كانت طعاما، ولاسيما في وقتنا الحاضر لما أنعم الله على الناس صار الإنسان يستنكف إذا أهدي له هدية طعام؛ ولكن والله لسنا خيرا من بيوت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبلون هدية حتى وإن كانت طعاما، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)).
5- ومن فوائدها أيضا جواز أكل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهدية؛ لأنه أكل منها، أما الصدقة فلا تحل له عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. ويدل على أن الصدقة لا تحل له، أنه لما دخل ذات يوم وجد البرمة على النار وفيها لحم، فطلب النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أن يأكل، فقالوا: ليس لدينا شيء. فقال: ألم أر البرمة على النار؟ -البرمة قدر من الفخار-، قالوا: ذاك لحم تصدق به على بريرة، قال: ((هو عليها صدقة ولنا هدية))، فأكل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
إذن ففي هـٰذا الحديث الأخير دليل على أن الصدقة حرام على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وأن ذلك أمر معلوم عندهم، وأما الهدية فله حلال.
6- ومن فوائد الحديث أيضا جواز إصدار الأوامر على من لا يستنكف من الأمر؛ يؤخذ من (أَرِينِيهِ)، وعليه فيكون النهي عن سؤال الناس لا يشمل مثل هـٰذه الصورة؛ يعني النهي عن سؤال الناس لا يشمل من إذا سألته فرح بسؤالك إياه؛ بل قد يكون هـٰذا من باب الأمر المطلوب والإحسان إليه، أما من إذا سألته استثقل السؤال ولم يعطك الشيء إلا حياء وخجلا، فهـٰذا لا ينبغي لك أن تسأله، واقض أنت حاجتك بنفسك.
7- ومن فوائد الحديث جواز قطع صوم النفل، يؤخذ من قولها: (فَأَكَلَ)؛ لكن أهل العلم يقولون: لا ينبغي قطعه إلا لحاجة أو مصلحة:
فالحاجة مثل أن يشقَّ عليه تكميل الصوم لعطش أو جوع أو نحو ذلك.
والمصلحة مثل أن يكون في قطع الصوم تطييب قلب صاحبه.
هـٰذا الحديث على أي شيء يحمل: على المصلحة أو على الحاجة؟ يمكن أن يكون الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان محتاجا للأكل فأكل، ويمكن أن يكون غرضه بذلك تطييب قلب أهله؛ لأن قولهم: (أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ) كأنهم فرحوا به ويحبون أن يأكل منه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فطلبه فأكل منه.
8- وفيه أيضا جواز إخبار الإنسان عن عمله الصالح، وإن كان يمكنه أن يخفيه لقول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا)، ومن الممكن أن يقول: هاتوا الحيس ويأكل بدون أن يعلموا؛ لكنه أخبرهم.
فهل نقول: إن مثل هـٰذا مشروع فلو دعاك رجل وأنت صائم، تقول: والله أنا اليوم صائم.
أو نقول: إن هـٰذا من باب الجائز؟
أو ينظر في ذلك إلى المصلحة؟
هـٰذا الأخير؛ ينظر في هـٰذا إلىٰ المصلحة، قد يكون من المصلحة أن تخبره، ما المصلحة في إخباره؟ لأجل أن يقتدي بك، لأن كثيرا من الناس يأخذ بفعل غيره، ويقتدي به.
قد يكون من المصلحة إخباره؛ لأنه لو تعذرت بدون ذكر السبب لكان في قلبه شيء، فإذا ذكرت السبب طابت نفسه.
قد يكون من المصلحة أن تخبره بأنك صائم؛ لأجل أن لا يعيد عليك السؤال أو العرض مرة ثانية؛ لأنه ربما يقابلك في أول النهار ويقول لك تفضل معنا للفطور، تقول: ما أشتهي ذلك، فإذا جاء الظهر عرض عليك الغداء، تقول: ما أشتهي ذلك، يأتي العصر يعرض عليك القهوة لكن إذا أعلمته من أول الأمر أنك صائم استراح واسترحت أنت.
على كل حال الأصل أن الإنسان يبقى على صومه إلا لمصلحة أو حاجة.
مسألة: وهل يقاس على ذلك جميع النوافل؛ يعني أنه يجوز للإنسان أن يقطع النفل؟
الجواب: نعم كل النوافل يجوز أن تقطعها؛ لكن لا ينبغي إلا لسبب حاجة أو مصلحة، إلا الحج والعمرة، قال بعض العلماء: وإلا الجهاد فإنك إذا شرعت فيه لا يجوز لك قطعه؛ ولكن الصحيح أنه كغيره من النوافل ما لم يلق العدو زحفا، فحينئذ لا يجوز الفرار. والحج والعمرة لا يجوز قطعها إلا لضرورة إما حصر أو شرط يشترطه الإنسان عند إحرامه أو ما أشبه ذلك.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 31-08-07, 08:06 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي تعجيل الفطر

[الحديث الثامن]
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا, أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا اَلْفِطْرَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[الفوائد]
يستفاد من هـٰذا الحديث فوائد:

1- مشروعية الفطر؛ لأن ما رتِّب الفضل على صفة من صفاته، فهو كذلك مشروع لتعذر الوصف دون الأصل، دون الموصوف، فهنا رتِّب الخير على تعجيل الفطر، إذن الفطر مشروع.

2- مشروعية تعجيل الفطر، ويكون إذا تحقق غروب الشمس بالاتفاق، لقول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((إذا أقبل الليل من هٰهنا وأدبر النهار من هٰهنا وغربت الشمس)) فلا بد من تحققها أو غلب على ظنه غروب الشمس، إذا غلب على ظنه الغروب فإنه يفطر ويعجل الفطر.
مسألة: إذا غلب على ظنه عدم الغروب هل يعجل؟ لا.
إذا شك وتردد؟ لا يجوز.
إذا علم عدم الغروب؟ طبعا يحرم.
فيحرم في ثلاث مسائل ويشرع في مسألتين:
يحرم: إذا علم عدم الغروب، إذا شك في الغروب، إذا ترجح عنده عدم الغروب. هـٰذه حرام عليه.
إذا علم عدم الغروب فهـٰذا الأمر واضح، إذا ظن عدم الغروب فكذلك.
إذا شك فلماذا لا يجوز الفطر كما يجوز الأكل فيما إذا شك في طلوع الفجر؟ لأن هناك الأصل بقاء الليل، وهنا الأصل بقاء النهار، فلا يجوز مع الشك.
يجوز إذا تيقن غروب الشمس بأن شاهدها غابت، وهـٰذا واضح بدليل الكتاب والسنة ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾[البقرة:187]، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((إذا أقبل الليل من هٰهنا وأدبر النهار من هٰهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)).
إذا غلب على ظنه جاز أيضا، جاز أن يفطر، فيشرع أن يفطر ودليل ذلك حديث أسماء بنت أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قالت: أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم طلعت الشمس. ووجه الدلالة من الحديث أنهم لو تيقنوا غروبها ما طلعت، فدلّ هـٰذا على أنهم عملوا بغلبة الظن.
إذا كان الإنسان في حجرة ليس لها نوافذ، وغلب على ظنه أن الشمس غابت، نقول: إن كان هناك قرينة فإنه يعمل بها، فإذا غلب على ظنه أفطر وإن لم يكن قرينة ولكن تباطأ النهار فقط فإنه لا يفطر، السبب لأنه قد يشتد جوعه فيتباطأ النهار، فهـٰذا لا يفطر. لكن إن كان عنده عادة مثلا لنفرض أنه من عادته إذا صلى العصر قرأ مثلا إلىٰ غروب الشمس خمسة أجزاء، وقرأها اليوم فله أن يفطر بغلبة الظن.
العمل بالساعات من غلبة الظن أو من اليقين؟ الساعة ممكن تتقدم وممكن تتأخر، لكن لاشك أنها مرجحة. وهل يحتاط الإنسان بالنسبة للساعة؟ نعم إذا كان يخشى أن فيها اختلافا فليحتط لنفسه.

3- ومن فوائد الحديث ثواب تعجيل الفطر وهو أن يكون الإنسان مصاحبا للخير مقترنا به لقوله: (لا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ).

4- ومن فوائد الحديث تفاضل الأعمال، ووجه ذلك أنه رتب هـٰذا الجزاء على تعجيل الفطر، ولولا أنه أفضل من تأخيره ما رتب الخير عليه، فيؤخذ منه تفاضل الأعمال، وقد سبق لنا أمس وجه التفاضل وأنه من ستة أوجه أو سبعة.

5- ومن فوائد الحديث أن تأخير الفطور سبب لحصول الشر، من أين يؤخذ؟ بالمفهوم، المنطوق أن المعجل بخير، فالمفهوم أن غير المعجل بشر، ومنه نأخذ أن من يؤخر الفطور من أهل البدع فهم بشر؛ لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يقول: (لا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا اَلْفِطْرَ)، والمراد بالخير هنا الخير الديني لا الخير الدنيوي، وهو ما يعود على القلب بالانشراح والنور.

6- ومن فوائد هـٰذا الحديث محبة الله عز وجل لمبادرة عباده لإتيان رخصه؛ لأن الله جعلهم في خير ما عجلوا الفطر فأثابهم على ذلك، وهـٰذا يدل على محبته لهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأن الدلالة على الصفة تكون بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام، فإذا كان الله يثيبه على هـٰذا فهو يحبه. وهـٰذا في الحقيقة فرد من آلاف الأفراد المأخوذة من قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي: ((إنّ رحمتي سبقت غضبي)) فكل ما فيه خير للعباد ورحمة وتيسير لهم فهو داخل في هـٰذا الحديث القدسي؛ بل هو أيضا داخل فيما جاء به القرآن: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾[البقرة:185].
وهـٰذا يؤخذ منه فائدة وهي كراهة التنطّع في الدِّين، لأنّ تعجيل الفطر ينافي التنطّع، والمتنطِّع يقول: ما أفطر حتى يؤذن مؤذن الحي الذي أنا فيه هذا متنطع، فيه بعض الجهلة يرى الشمس غابت بعينه ولكن ما سمع المؤذنين يقول: ما أفطر. ليش؟ يقول ما أذّن، والعبرة بغروب الشمس، تكون في مكان مرتفع وشاهدت الشمس غابت والناس ما بعد أذنوا فأفطر، ولا ينبغي لك أن تؤخر؛ لأنك إذا قدمت فأنت لا تزال بخير.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 31-08-07, 08:14 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث التاسع]
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((قَالَ اَللَّهُ عز وجل: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا)).
[الفوائد]
فيستفاد من هـٰذا الحديث عدة فوائد:
1- منها إثبات المحبة لله عز وجل، لقوله: (أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ)، وأن محبة الله تتفاوت، تؤخذ من اسم التفضيل (أَحَبُّ)، فالله تعالىٰ يحب هـٰذا العمل أكثر من محبة العمل الآخر، وهـٰذا العامل أكثر من محبة العامل الآخر.
مسألة: وفي هـٰذا الحديث رد على أهل التعطيل الذين نفوا إثبات المحبة لله، والناس فيها طرفان ووسط:
طرف يقول: إن الله تعالىٰ لا يُحِب ولا يُحَب.
وطرف يقول: إن الله يُحَب ولا يُحِبُّ.
وطرف يقول: إن الله يُحِب ويُحَبُّ.
وهـٰذا الأخير هو قول السلف وهو الصحيح.
وهنا لم يكن خير الأقوال وسط؛ لأن الوسط مذهب الأشاعرة ومن ذهب مذهبهم، يقولون: إن الله يُحَب ولا يُحِبُّ لماذا؟ يقولون: لأن المحبة ميل الإنسان إلىٰ ما ينفعه أو يدفع الضرر عنه، وهـٰذا لا يليق بالله عز وجل؛ ولكن قولهم هـٰذا قياس فاسد في مقابلة النص أيضا، فهو فاسد في ذاته وفاسد لمصادمته النص.
أما قولهم: إن الإنسان لا يحب إلا ما يلائمه ويدفع عنه الضرر أو يجلب له النفع. فهـٰذا ليس بصحيح، فإن الإنسان قد يحب بعض المواشي وبعض السيارات، يحب سيارته هـٰذه أحسن من الثانية، يحب القلم هـٰذا أكثر من الثاني، يحب كتابه هـٰذا أكثر من الثاني، بدون أن يكون هناك ملاءمة، لا ملاءمة بين الإنسان وبين الجماد.
ثانيا نقول: هـٰذه المحبة التي قلتم هي محبة المخلوق، أما الله عز وجل فإن محبته ثابتة بدون أن يكون محتاجا لمن ينفعه أو يدفع الضرر عنه أو يلائمه -لأنه من شكله- أو لا يلائمه.
2- ومن فوائد الحديث القدسي هـٰذا أن الناس يتفاضلون في محبة الله لهم، لقوله: (أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ).
مسألة: وما هي القاعدة العامة في تفاضل الناس في محبة الله؟
القاعدة العامة اتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكل من كان أتْبع لرسول الله فهو أحب إلىٰ الله، الدليل ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾[آل عمران:31]، والحكم إذا عُلق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف.
3- ومن فوائد الحديث استحباب المبادرة بالفطر لقوله: (أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا).
إذا قدر أنه أذّن أو أنه غابت الشمس، وأنت ليس عندك ما تفطر به ماذا تصنع؟ تنوي بقلبك. وقال بعض العامة تمص إصبعك، وقال بعضهم: لا، أدخل طرف الغطرة في فمك ثم بله بالريق ثم أخرجه ثم رده ومصه؛ عملية لأنه إذا انفصل الريق ثم عاد صار مفطّرا، وقالوا: دليل ذلك أن الفقهاء يقولون: لو أنك تسوكت بالسواك ثم أخرجته وفيه ريق، ثم أعدته إلىٰ فمك ومصصته وبلعته فإنك تفطر؛ لأن الريق لما انفصم صار له حكم الأجنبي، بناء على ذلك يقول: أدخل إصبعك في فمك ثم أخرجها ثم أعدها وامصصها، هٰؤلاء أفقه من الأولين، أما الأولون فلا حظ لهم في ذلك.
إذا لم تجد شيئا فلا تتكلّف تكفي النية.
لو أنه أذن وأنت تتوضأ، هل تشرب أو تطلب من يأتي لك بتمر؟ الظاهر أنه إذا كان قريبا فإن التمر أفضل؛ لأن عين التمر -كما سيأتينا- أفضل من الماء.
الريق يقولون: يفطر، وأنا في شك من هـٰذا؛ لأنه لا يقال: إن هـٰذا الرجل أكل أو شرب، وأي فرق بين الريق إذا جمعته في فمك وبلعته أو حطيته في السواك ثم رديته؟ لا تجد فرقا بيّنا، ولكن على كل حال الإنسان يجب أن يحتاط في هـٰذه الأمور، وإذا أخرج السواك وفيه بلل فعليه أن يعصره قبل أن يدخله مرة ثانية، وإلا إذا أدخله لا يمصه.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 31-08-07, 08:33 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي بركة السحور

[الحديث العاشر]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَةً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[الفوائد]
من بركات السحور
:
1- امتثال أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقوله: (تَسَحَّرُوا)، وكل شيء تمتثل به أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بل أمر الله ورسوله فإنه بركة وخير، ولهذا جرب نفسك عندما تفعل العبادة وأنت تستحضر أنك تفعلها امتثالا لأمر الله تجد فيها من اللذة والانشراح والطمأنينة والعاقبة الحسنة ما لا يوجد فيما إذا فعلتها على أنها مجرد شيء واجب، وجربوا هـٰذا وأرجو أن يكون منا على بال دائما، أننا نفعل العبادة على أن ذلك امتثال لأمر الله ورسوله؛ حتى نجد لذتها وأثرها على القلب وعلى الجوارح.
2- من بركته أن فيه حفظا لقوة النّفس وقوة البدن؛ لأن النفس كلما نالت حظّها من الأكل والشرب استراحت، وكذلك البدن كلما نال حظه من الأكل والشرب نما وبقيت قوته؛ ولهذا يكره للإنسان أو يحرم أن يصلي بحضرة الطعام يشتهيه؛ لأن ذلك يوجب تشويش قلبه وانشغال ذهنه.
3- ومن بركته أن فيه عونا على طاعة الله؛ لأنك تأكله لتستعين به على الصيام، وهـٰذا لا شك أنه بركة، فكل شيء يعين على طاعة الله فإنه خير وبركة.
4- ومنها أن البركة الحسية الظاهرة، فإن الإنسان إذا كان مفطرا يأكل في اليوم مرتين أو ثلاثا، ويشرب كثيرا مرارا، وإذا صام وتسحر لا يأكل ولا مرة واحدة ولا يشرب ولا مرة واحدة، ولهـٰذا يتعجب كيف أشرب ست أو سبع مرات في اليوم والآن لا أحتاج إلىٰ الماء وكذلك الأكل، وهـٰذا من بركته.
5- أن فيه إقتداءً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتسحر، ولاشك أن الفعل الذي تقتدي فيه برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير وبركة.
6- ومن بركته أيضا أن فيه الفصل بيننا وبين صيام أهل الكتاب فإن كما في صحيح مسلم ((فصل ما بين صيامنا وبين صيام أهل الكتاب أكلة السحور))، وهـٰذا لاشك أنه من بركاته.

فوائد الحديث

1- ومن فوائد الحديث إثبات البركة في بعض الأطعمة لقوله: (فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَةً)، وإذا كان في السّحور بركة وهو طعام.
مسألة: فقد يكون في الإنسان أيضا بركة؛ يكون الإنسان مباركا على من له اتصال به كما في حديث أسيد بن الحُضير رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في قصة ضياع عقد عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها حتى انحبس الناس على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، قال أسيد: ما هـٰذه بأول بركتكم يا آل أبا بكر.
وأما من أنكر أن يكون في الإنسان بركة، فهـٰذا:
إن أراد بإنكاره إنكار أن يكون به بركة جسدية بمعني أن جسده مبارك فهـٰذا حق؛ لأنه لا أحد يتبرك بجسده أو عرقه أو فضلاته إلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه يتبرك بفضل وضوئه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وكذلك بريقه وعرقه وما أشبه ذلك، أما بوله وغائطه فالصحيح أنه نجس كغيره من البشر.
وإن أراد بنفي البركة نفي ما يحصل منه من خير وعلم ونفع مالي أو بدني، فهـٰذا غير صحيح، فإن من الناس من يكون فيه بركة على جليسه إما بعلمه أو بخلقه أو بماله أو بنفعه.
بعلمه، ينشر علما في الحاضرين فيستفيد الناس منه، هـٰذه بركة بلا شك، ولهذا وصف الله القرآن بأنه مبارك لما فيه من العلم والخير.
وإما أن يكون فيه بركة بمال مثل: صدقات، هدايا، هبات.. وما أشبه ذلك.
وإما أن يكون فيه بركة بنفعه مثل أن يخدمه ويساعده.. ما أشبه هـٰذا.
وإما أن يكون فيه بركة بخلقه، يكون الرجل على خلق حسن فيتعلم مصاحبه منه الأخلاق، وكم من أناس تعلموا حسن الأخلاق بمصاحبة من هم على خلق، وهـٰذا كثير، حتى إن الإنسان الذي عنده علم قد يصحب عاميا فيرى من حسن أخلاقه وبشاشته وطلاقة وجهه وكلامه اللين للناس، ما يأخذ منه أسوة.
كل هـٰذا من البركات بلا شك.
والحاصل أن البركة تكون في المخلوقات، ولكن الذي جعلها فيها اللهُ عز وجل.
2- ومن فوائد الحديث أيضا حسن تعليم الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لكونه يقرن الحكم بالعلة في قوله: (فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَةً)، والعلة تختلف، قد تكون العلة مما يحث الإنسان على الفعل أو ينفّره من الفعل، ففي هـٰذا الحديث الغرض من العلة الحث على الفعل، وفي قوله تعالىٰ: ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾[الأنعام:145]، التنفير منه، ومثل إلقاء النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ الروث حين جاء بها عبد الله بن مسعود ليستنجي بها، فألقاها رسول الله وقال: ((إنها رجس)) للتنفير من ذلك.
مسألة: وقد ذكرنا فيما سبق أن لتعليل الحكم ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: ذكر العلة دليل على شمول الشريعة؛ لأنها تدل على أن الشريعة لا تأمر أو تنهى إلا لحكمة.
الثاني: القياس إذا وُجِدت العلة في الفرع المقيس.
الثالث: إمكان إلحاق غير المذكور به في الحكم إذا كان موافقا له في هـٰذه العلة.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 02-09-07, 12:30 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي استحباب الفطر على التمر

[الحديث الحادي عشر]
وَعَنْ سُليمَانَ بْنِ عَامِرٍ اَلضَّبِّيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ, فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ, فَإِنَّهُ طَهُورٌ)) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
[الفوائد]

1-ففي هـٰذا الحديث الإشارة؛ بل الأمر بالإفطار على التمر، وهل هو واجب؟ لا، ليس بواجب؛ ولكن الأكمل والأفضل أن يكون على التمر، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد من فوائد الإفطار على التمر أنه يقوّي البصر، وهو كذلك أيضا مجرّب، ولهذا كان كثير من الناس يفطرون قبل كل شيء إذا قاموا من النوم بسبع تمرات.
وكان شيخنا رحمه الله يقول: إن قول الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((من تصبح بسبع تمرات من العجوة لم يصبه ذلك اليوم سمّ ولا سحر))، كان يقول شيخنا: الظاهر أن هـٰذا على سبيل التمثيل، وأن التمر كله يحصل به الفائدة.
وسواء كان هـٰذا القول صوابا أم غير صواب فإنه يرجى أن يكون الإفطار على سبع تمرات أن يكون فيه الخير ويكون داخلا في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن:16]، فإذا لم نجد العجوة فهـٰذا يكون بدلا عنه، وعلى كل حال فإن الإفطار به يزيد البصر.
ونحن نعلم جميعا أن للحلوى تأثيرا على الدم وقوته، ولاسيما إذا كان من التمر، وأظنكم قد علمتم أن الله تَعَالىٰ هيأ لمريم عند نفاسها الرُّطب الجني؛ لأن النفساء قد خرج منها دم كثير تحتاج إلىٰ تعويض، وهـٰذا يدل على أن التمر من أحسن ما يعوِّض عن هـٰذا الدم الذي سال منها عند الولادة.
وأيضا التمر أسهل من غيره مؤونة؛ لأنه لا يحتاج إلىٰ تعب، الرز يحتاج إلىٰ تعب، لكن هـٰذا لا يحتاج إلىٰ تعب، لهذا بيت فيه تمر لا يجوع أهله وبيت لا تمر فيه أهله جياع.
وأيضا يقول ابن القيم رحمه الله: إن التمر فيه حلوى وفيه غذاء، وهو فاكهة إذا كان رطبا، فقد جمع بين الفاكهة والحلوى والغذاء، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحب الحلوى.
2- ومن فوائد الحديث أيضا أنه إذا لم يجد التمر أفطر على ماء، إذا كان عنده ماء وخبز فعلى أيهما يفطر؟ على الماء، اتّباعا للسنة.
مسألة: إذا كان عنده ماء وحلوى؟ هـٰذه اختلف فيها العلماء:
منهم من قال: يقدم الحلوى؛ لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قدم التمر، والحلوى تشاركه في الحلاوة، ويكون ذكر التمر هنا لأنه أيسر ما يكون عند القوم.
ومنهم من قال: نحن في هـٰذه الأمور ينبغي أن نكون ظاهرية، لاسيما وأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ علل قال: (فَإِنَّهُ طَهُورٌ) ولم يعلل في التمر لأن علته ظاهرة؛ لكن علل في الماء ترغيبا فيه؛ لئلا يقول القائل: ما الفائدة من الماء؟ فقال: (فَإِنَّهُ طَهُورٌ).
والذي يترجح عندي أن يقدم الماء؛ لكن يشرب من الماء مقدار ما يحصل به الفطر ثم يأكل مما عنده.
3- ومن فوائد الحديث أيضا بيان فائدة الماء وتطهيره لبدن الصائم إذا أفطر عليه، لقوله: (فَإِنَّهُ طَهُورٌ).
4- من فوائده أيضا تعليل الأحكام الشرعية لقوله: (فَإِنَّهُ طَهُورٌ)، وحسن تعليم الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ حيث قرن الحكم بالعلة.
5- ومنها أيضا اتخاذ ما يعين على امتثال الأمر؛ يعني التشجيع على امتثال الأمر والإغراء به، يؤخذ من قوله: (فَإِنَّهُ طَهُورٌ)؛ لأن هـٰذه العلة تبعث النفس على أن تفطر على ماء، وإلا فقد يقول قائل كما أشرت قريبا: ما فائدة الماء؟.
نأخذ منها التشجيع على فعل الخير، وعلى فعل الأمر، وأنّ هـٰذا لا يدخل في باب الإجارة.
مسألة: وبناء على ذلك يكون تشجيع حفظة القرآن بالمال أو بالكتب أو بغيرها مما يرغبون به ويشجعون به أمر له أصل في الشرع، كما أن له أصلا في الشرع من جهة سلب القاتل؛ فإن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جعل لمن قتل قتيلا من الكفار جعل له سلبه؛ يعني ثيابه وما عليه خاصة به، وهـٰذا بلا شك تشجيع، وكذلك جعل لكل من دل على حصن من حصون الكفار أو على ثغر من ثغورهم من الأشياء الهامة في مواطن قتالهم، جعل له النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مكافئة، وهـٰذا يدل على أن المكافئة على الأعمال الصالحة لا يعد من الرياء، ولا يعدّ من إفساد نيات الناس، كما زعمه بعضهم؛ فإن بعض الناس قال: لا تعط حافظ القرآن جائزة، ولا تعطه مكافئة؛ لأن هـٰذا يؤدي إلىٰ إفساد النيات.
يقال له: أنا ما قلت اعملوا لهذا السبب وربما يكون هـٰذا الرجل ما طرأ على باله أن يحصل على الجائزة، إنما همه أن يفعل الخير فقط.
مسألة: إذا كان في الإنسان مرض السكري هل يجوز أن يفطر على تمر؟
الجواب: يتأكد أن يفطر على التمر لأن البدن مع الجوع يفقد كثيرا من السكر، فكان يحسن أن يأكل تمرا ليعوض؛ لكن على فرض أن رجلا كان كثير السكر وأن الفطر على التمر يضره يرجع إلى الطبيب، إذا كان تمرة واحدة لا تضره يكفي تمرة واحدة.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 04-09-07, 12:58 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي حكم الوصال

[الحديث الثاني عشر]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اَلْوِصَالِ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، فقَالَ: ((وَأَيُّكُمْ مِثْلِي? إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي)). فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ اَلْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا, ثُمَّ يَوْمًا, ثُمَّ رَأَوُا اَلْهِلالَ, فَقَالَ: ((لَوْ تَأَخَّرَ اَلْهِلالُ لَزِدْتُكُمْ)) كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[الفوائد]


الوصال لغة وصل الشيء بالشيء.
وفي الشرع وصل يوم بآخر في الصيام.


فيستفاد من هـٰذا الحديث عدة فوائد:
1- النهي عن الوصال، وهل النهي للتحريم أو للكراهة أو للإرشاد؟ هـٰذا خلاف بين العلماء:

01- منهم من قال: إن النهي للتحريم، واستدل بأمرين:
الأمر الأول: أن الأصل في النهي التحريم، لقوله تعالىٰ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)﴾[النور:63]، والنهي أمر بالاجتناب، ولهذا قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه))،( ) فيكون النهي للتحريم.
والأمر الثاني: الذي استدلوا به أنه واصل بهم يوما فيوما للتنكيل، والتنكيل نوع من العقوبة، ولا عقوبة إلا على فعل محرم، وإلا لما عوقبوا.

02- وقال آخرون: إن النهي للكراهة، لأنه لو كان للتحريم لم يواصل بهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يأذن لهم في الاستمرار؛ بمعنى أنه لو كان للتحريم لنهاهم عنه نهيا باتا؛ إذْ أن تمكين المنهي من فعل المحرم لا يجوز، فقالوا: هـٰذا للكراهة.

03- أما القول بأنّه للإرشاد وأن الإنسان حسب قوته فاستدلوا بذلك بفعل كثير من الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم للوصال، حتى كان ابن الزبير رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يواصل خمسة عشر يوما لا يفطر فيها،( ) فقالوا: إنّ فعل هٰؤلاء الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وعدد من الصحابة يدلّ على أنهم فهموا أن النهي للإرشاد لا للكراهة ولا للتحريم، وأن الإنسان:
إذا كان يرى من نفسه التعب والمشقة فإنه لا يواصل.
أما إذا كان يرى الراحة والانشراح فإنه يواصل.

فإن قلت: ما هو أقرب الأقوال من الصواب؟ فالأقرب أنه للكراهة على الأقل، والقول بالتحريم قوي للسببين المذكورين في صدر الكلام.
قلنا: أنه للكراهة أو القول بالتحريم أقرب.
أما الرد على من قالوا: إنه أذن لهم في الاستمرار، فنقول: إن هـٰذا الإذن لا يدل على جوازه؛ بل أراد التنكيل بهم لا الإقرار عليه؛ لأجل أن يعرفوا هم بأنفسهم الحكمة من النهي.
وأما الرد على من قال: أنه للإرشاد نقول إن هـٰذا فهمهم، وفهمهم ليس حجة على غيرهم؛ لأن لدينا كلام للرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.

2- من فوائد الحديث أيضا أن الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم لا يدَعون شيئا يحتاج إلىٰ سؤال إلا سألوا عنه، وهـٰذا أحد الطرق التي كمل بها الدين والحمد لله، الدين كمل بالقرآن وبالسنة القولية والفعلية والإقرارية، حتى إذا جاء شيء لم يأت به الكتاب والسنة مثلا قيّض الله له من يسأل عنه، إما من الصحابة الذين في المدينة وإما من الأعراب، ولهذا كان الصحابة يفرحون إذا جاء رجل أعرابي يسأل، لأن الأعرابي على فطرته يسأل على كل شيء.
فالحاصل أن هـٰذا فيه دليل أن الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم لم يدعوا شيئا يحتاج الناس إليه إلا سألوا عنه، ولهذا لما نهى عن الوصال أوردوا عليه كونه يواصل.
غرضي بهذه الفائدة ما يترتب عليها من الأمر العظيم وهو إبطال ما كان عليه أهل الكلام من الإيرادات الباطلة التي يريدون أن يتوصلوا بها إلىٰ تعطيل أسماء الله وصفاته، في قولهم: لو كان كذا لزم كذا، وما أشبه ذلك من الأشياء التي يقولونها يتوصلون بها إلىٰ إبطال ما وصف الله به نفسه أو سمى به نفسه، فيقال: أين الصحابة عن هـٰذه الإيرادات التي أوردتم، هل هم ما فهموها أو إيش؟

3- من فوائد هـٰذا الحديث إثبات الخصوصية للرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وأن الله تعالىٰ قد يخصه بأحكام دون الأمة، وهو كذلك وقد ذكر أهل العلم خصائص النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتاب النكاح؛ لأن له في النكاح خصائص كثيرة، فذكروها هناك.
وقالوا: إن الرسول خص بأحكام واجبة وهي ليست واجبة على غيره، محظورة عليه وهي ليست محظورة على غيره، مباحة له وهي ليست مباحة على غيره، منها الوصال في حقه ليس بمكروه، وفي حق غيره مكروه.

4- ومن فوائد الحديث أن ما ثبت في حق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو ثابت في حق الأمة إلا بدليل، وجهه أنه لما نهى عن الوصال قالوا: إنك تواصل. وإذا كنت تواصل فلنكن نحن نواصل لأنك أسوتنا، وهـٰذه قاعدة دلت عليها آيات كثيرة من القرآن مثل قوله تعالىٰ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾[آل عمران:31]، فهو أسوتنا وقدوتنا وإمامنا، وقال تعالىٰ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾[الأحزاب: 21]، فإذن الأصل فيما فعل أنه له وللأمة إلا بدليل، والأصل فيما قال أنه له وللأمة إلا بدليل.
وبهذا نرد على قاعدة ذكرها الشوكاني رحمه الله وهي غريبة عليه مع إمامته وجلالته، وهي أن الرسول إذا ذكر قولا عاما وفعل فعلا يخالف عمومه حمل الفعل على الخصوصية، وهـٰذا لاشك أنه خطأ؛ لأن قول الرسول سنة وفعله سنة، وإذا كان قوله سنة وفعله سنة وأمكن الجمع بينهما كان ذلك هو الواجب حتى لا نجعل فعله مخالفا لقوله، فلا يمكن أن نرجع أو أن يُسار إلىٰ الخصوصية إلا بدليل، وإذا أمكن الجمع فهو الواجب.

5- ومن فوائد الحديث أيضا حسن خلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 04-09-07, 01:29 PM
الطاعني الطاعني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-07-07
المشاركات: 46
افتراضي

بارك الله فيك أخي سالم

فقد وضعت بين أيدينا كنزا من كنوز الشيخ العثيمين رحمه الله

وهو كنز لاينفد مهما تناول منه المتناولون


والله أسأل أن يجعل ثواب هذا الجهد في ميزان حسناتك
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 05-09-07, 02:07 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي النهي عن الزور والعمل به والجهل

****
وفيك بارك الله أخي الطاعني

وخاصة شرحه على بلوغ المرام فهو عجيب،
******


[الحديث الثالث عشر]
وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ اَلزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ, وَالْجَهْلَ, فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))، رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ, وَأَبُو دَاوُودَ وَاللَّفْظُ لَهُ.
[الفوائد]

يستفاد منه فوائد:
** منها الحكمة من الصوم، وأن من أعظم حكمه مع كونه عبادة أن يتجنب الإنسان حال صومه هـٰذه الأمور الثلاثة، يدخل فيها ترك الواجب لأن ترك الواجب من الزور بلا شك، فيدخل في ذلك يعني يدخل في أنه يجب أن نتجنب هـٰذا.

** ويستفاد من الحديث أيضا أن لهذه الأشياء الثلاثة أثر بالغ على الصوم لقوله: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)؛ لكن هل تبطل الصوم؟ جمهور أهل العلم على أنها لا تبطل، على أنها تحرم ويزداد تحريمها في حالة الصوم؛ ولكنها لا تبطل الصوم؛ إنما ربما تكون آثامها مكافئة لأجور الصوم، وحينئذ يبطل الصوم من حيث الأجر، لا من حيث الإجزاء.
قال الإمام أحمد وقد ذكر له عن بعض السلف أن الغيبة تفطِّر قال: لو كانت الغيبة تفطر لم يبق لنا صوم، صحيح لو قلنا: أن الإنسان إذا اغتاب رجلا فهو كما لو أكل تمرة لكان ما يبقى أحدا صائما صحيح الصوم إلا نادرا؛ لأن كثيرا من الناس اليوم نسأل الله لنا ولهم الهداية لا يبالون بغيبة الناس.
ولأن القاعدة عند عامة الفقهاء أن التحريم إذا كان عاما فإنه لا يبطل العبادة، بخلاف الخاص المحرم لخصوص العبادة يبطلها. وهـٰذه قاعدة مرت علينا في قواعد ابن رجب على أن التحريم إذا كان عاما لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها.
فمثلا الغيبة والنميمة والكذب والغش... وما أشبه ذلك تحريمه عاما ما حرم لأجل الصوم، وإلا لو كان التحريم عاما صار لا يبطل الصوم، أما ما حرم من أجل الصوم فإنه يفسد الصوم، ولذلك لو أكل أو شرب فسد صومه؛ لأنه محرم لخصوص الصوم. وهـٰذه قاعدة نافعة.
لو أن رجلا لبس عمامة من حرير، تبطل صلاته؟ لأن النهي عام، وهو آثم على كل حال.
ولو لبس ثوبا من حرير، تجزئ صلاته على خلاف فيها.
الذين قالوا: تجزئ قالوا لأن التحريم هنا عام في الصلاة وغيرها، فلا يبطلها.
والذين قالوا: إنها لا تجزئ ولا تصح قالوا: لأن التحريم متعلق بما هو شرط للعبادة وهو الستر، فصار وجوده كالعدم فأبطل الصلاة .
المهم أن هـٰذه الأشياء التي ذكرها النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تنافي الحكمة الشرعية؛ لكن لا تبطل الصوم؛ لأن تحريمها ليس خاصا به.

** ومن فوائد الحديث إثبات الحاجة لله؛ ولكن الحاجة إن أريد بها الاحتياج فهـٰذا منفي عن الله عز وجل، لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾[آل عمران:97]، فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غني عن كل أحد، وكل أحد لا يستغني عن الله.
أما إذا أريد بالحاجة الإرادة فهـٰذه جائزة، فإن الله تَعَالىٰ بتشريع الصوم يريد من عباده أن يتجنبوا هـٰذه الأشياء المحرمة.
ونظير ذلك، الأسف هل هو ثابت لله أو منهي عنه؟
إن أريد بالأسف الغضب فهو ثابت لله.
وإن أريد بالأسف الحزن على ما مضى فليس بثابت لله.
قال الله تعالىٰ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾[الزخرف:55]، قال المفسرون: معناها أغضبونا، لما أغضبونا انتقمنا منهم، وليس معنى ﴿آسَفُونَا﴾ ألحقوا بنا الأسف الندم والحزن على ما مضى لأن هـٰذا أمر ممتنع في حق الله عز وجل.

قلت: **ومن فوائد الحديث إثبات الحاجة لله عز وجل؛ لكن هـٰذه الحاجة يراد بها الإرادة.

**ومن فوائده أيضا إثبات الحكمة من الشرائع لقوله: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)؛ ولكن يريد الله منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل.

لو قال قائل: هل في الصيام فوائد غير تلك؟ قلنا: نعم فيه فوائد، ولنذكر منها ما تيسر:
منها معرفة الإنسان قدر نعمة الله عليه في تيسير الأكل والشرب، والنكاح أيضا إن كان متزوجا، وجه ذلك أن الإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا إذا بضدها، كما قيل:
................................ وبضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأَشْياءُ

فالإنسان الشبعان ما يعرف ألم الجوع، فإذا جاع وعطش عرف ألم الجوع وعرف قدر النعمة بالغنى.

**ومنها أن الإنسان يذكر أخاه الفقير الذي لا يقدر على الأكل والشرب، فيرحمه ويتصدق عليه.

**ومنها أيضا كفّ النفس عن الأشر والبطر؛ لأن الإنسان إذا فقد الأكل الشرب وضاق ألم الجوع والعطش فإن نفسه التي تعلو في غلوائها تهبط، وتعرف أنها في ضرورة إلىٰ ربها عز وجل فتنكسر حدة النفس.

**ومنها أيضا أنه يضيق مجاري الشيطان وهي مجاري الدم، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ضاقت المجاري عليه قل سلوكه لها.

**ومنها أيضا أنه يذيب الفضُلات التي في الجسم، فإن الجسم مع كثرة الأكل والشرب قد يكون فيه فضلات كثيرة متحجّرة ورواسب، فإذا صام فإن الجسم يضمر حتى تخرج هـٰذه الفضلات والرواسب.

**ومنها أيضا أنه يحمل المرء على التقوى والعبادة، ولهذا نرى الناس في رمضان يكثرون العبادة أكثر منها في غير رمضان، فإنه يحملهم على التفرغ للعبادة وذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وقراءة القرآن.
أنها تساعد الشاب على تحمل الصبر على النكاح لقول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ومن لم يستطع فعليه بالصوم))، قد تدخل في ضبط النفس ولكنها لا تذكر لأن الرسول نص عليها.
إتمام أنواع العبادة؛ لأن التكليف الذي كلّف الله به عباده إما بذل محبوب أو كف عن محبوب أو نوع من تعب البدن، بذل المحبوب كالزكاة، الكف عن المحبوب كالصيام، إجهاد النفس بالعمل كالصلاة والجهاد والحج.. وما أشبه ذلك.
يمكن أن نقول: إن الإنسان يتذكر ألم الجوع والعطش في الآخرة.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 05-09-07, 02:12 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي القبلة والمباشرة للصائم

[الحديث الرابع عشر]
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ, وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ, وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
[الفوائد]

استفدنا من هـٰذا الحديث عدة فوائد:

أولا جواز الحديث عن ما يستحيا منه في إظهار الحق، يؤخذ من فعل عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها حيث تكلمت بأمر يستحيا منه، فإن المرأة تستحيي أن تتكلم بهذا لاسيما إذا كانت تريد نفسها كما تدل عليه الروايات الأخرى أنه يقبلها هي رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ لكن في بيان الحق لا ينبغي أن يستحيا الإنسان من أي شيء، ولهذا قالت أم سليم لما سألت الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة تحتلم قالت مقدمة لسؤالها: إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ والاستحياء من الحق لا يُمدح؛ بل يذم لأنه خور وجبن من الإنسان المستحيي.
وأنت أيضا إذا استحييت من الحق فمعناه أنك فوتّ القول بالحق أو فوتّ فعل الحق، وهـٰذا خلاف الإيمان.

ومن فوائد الحديث جواز التقبيل للصائم، كيف ذلك؟ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبل وهو صائم.

فإن قلت: الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فالجواب أن هـٰذا أورد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أورده عليه عمر بن أبي سلمة حين سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قبلة الصائم، فقال: ((سل هـٰذه)) يعني أم سلمة، فأخبرته أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك. فقال: يا رسول الله إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فأخبر النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنه أعلم الناس بالله وأتقاهم لله وأخشاهم له.( )
إذن هـٰذا الإيراد أجاب عنه الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، نقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾[الأحزاب:21].

وهل يستحب أن يقبل وهو صائم أو يباشر وهو صائم؟ لا.

لكن بعض العلماء كابن حزم رحمه الله قال: إنه يستحب للإنسان أن يقبّل وهو صائم وأنه يؤجر على ذلك، وأن يباشر وهو صائم ويؤجر على ذلك.( ) ولكن هـٰذا قول ضعيف جدا؛ لأن فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذا ليس على سبيل التقرب والتعبد؛ لكنه بمقتضى الجبلة والطبيعة، وما كان كذلك فإنه لا يقال: إنه مستحب؛ لكن فعله في الصيام يدل على الجواز.

نعم لو فُرض أن الإنسان فعله ليبين جوازه، فهـٰذا قد يقال: إنه يؤجر، لا من أجل التقبيل والمباشرة، ولكن من أجل بيان السنة وتثبيتها؛ لأن الناس قد يقبلون السنة بالفعل أكثر مما يقبلونها بالقول.
رجل عنده ابنه مثلا وهو شاب وأبوه شيخ كبير، قبّل زوجته وأبوه يشهده، فأخذ عليه الخشبة يريد أن يضربه بها، هـٰذا حرام والعياذ بالله كيف تقبل امرأتك، فأعاد مرة أخرى ليبين له الجواز، يؤجر بهـٰذا؟ نعم ما دام يريد إظهار السنة فإنه يؤجر، ولا شك أن إظهار السنة لاسيما في مثل الأمر الذي يستعظمه العامة، وهو ليس بعظيم لاشك أن هـٰذا من الأمور المطلوبة، أما أن نقول: إنه مستحب لذاته فهـٰذا ليس بصواب بلا شك. ولا نقول: يطلب للصائم أن يقبل زوجته كما يطلب له أن يدعو الله ويذكر الله ويقرأ القرآن وما أشبه ذلك.

ونقول: أيضا فيه دليل على أنه لا فرق بين الشاب والشيخ، الدليل أننا نعلم أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان مما حبب إليه النساء، وكان أعطي قوة ثلاثين رجلا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، ولاشك أنه يشتهي النساء، ومع ذلك يقبل وهو صائم، فلا فرق بين الشاب والشيخ، وأما ما رواه أبو داوود في التفريق بينهما فضعيف لا تقوم به حجة.

ويستفاد من الحديث أن من لا يملك نفسه فلا يفعلن هـٰذا الفعل، لقولها: (وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ) فمن لا يملك نفسه بمعنى أنه يخشى إن باشر أن لا يملك نفسه فيجامع، فإننا نقول: لا تفعل، من باب سد الذرائع، والناس يختلفون في قوة إيمانهم، وفي قوة مُلْك النفس، فإن بعض الناس قد يمنعه إيمانه من التجاوز من الحلال إلىٰ الحرام، وبعض الناس يمنعه أيضا ملكه نفسه وإن كان ليس قوي الإيمان لكنه رجل يملك نفسه تماما فيملك نفسه أن يفعل الشيء المحرم، على كل حال الناس يختلفون، فالإنسان الذي يخشى على نفسه الوقوع في المحرم، نقول: سد الذريعة على نفسك ولا تفعل، وسد الذرائع أمر جاءت به الشرائع، فإذا كان كذلك فلا تفعل. أما إذا كنت تملك نفسك فلا.

يستفاد من هـٰذا الحديث كما استفاده بعضهم أنه لو أنزل لم يفسد صومه، وجه الدلالة قال: لأن المباشرة عند أكثر الناس سبب للإنزال، أكثر الناس لاسيما الشاب قوي الشهوة سريع الإنزال ما يملك نفسه بلا شك، بعض الناس إذا حدث امرأته ربما ينزل، والناس يختلفون في هـٰذا، الطبائع يختلف الناس فيها.

فيرى بعض العلماء من هـٰذا الحديث أو يستبين من هـٰذا الحديث أن الإنزال بشهوة لا يفسد الصوم ولو مع المباشرة والتقبيل، وقال محتجا لقوله: إنكم تقولون إذا قبّل فقط أو باشر فقط بدون إنزال لم يفسد صومه، وإذا أنزل بدون تقبيل ولا مباشرة لم يفسد صومه، يعني كما لو فكر وأنزل فإنه لا يفسد صومه، فما الذي جعلهما مجتمعين يفسدان الصوم؟
إذن نقول: يرتفع الحكم في الإنزال بلا مباشرة بأنه حديث نفس وقد عفا الله عن حديث النفس، ويرتفع الحكم بالنسبة للمباشرة المجردة بهذا الحديث.هذا تقرير مذهبهم.
ونحن نقول: إذا أنزل بفعله فإن صومه يفسد؛ لأن قول عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها: (وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ) يشير إلىٰ هـٰذا. هـٰذه واحدة.

ثانيا لاشك أن الإنزال شهوة، وفي الحديث الصحيح في ثواب الصيام: ((قال الله عز وجل: يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي))،( ) والمني شهوة، بدليل قول الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((وفي بُضع أحدكم صدقة))، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((نعم؛ أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))( ) والذي يوضع في الرحم هو المني، فهـٰذا أيضا يدل على أن الإنزال بالمباشرة أو التقبيل يفطِّر؛ ونحن قد نلتزم بأنه بالتفكير يفطر الإنزال؛ لكن عندنا حديث: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم))( ) يعني لولا هـٰذا الحديث لقلنا: لو أنزل بالتفكير أفطر.
ثالثا أن بعض العلماء حكى الإجماع على أن الإنزال بالمباشرة والتقبيل يفطر، ففي الحاوي - الشافعية- نقل الإجماع على أنه يفطر، والموفق في المغني قال: لا نعلم فيه خلافا. والمذاهب الأربعة كلها متفقة على أنه -أي الإنزال بالمباشرة والتقبيل- يفطّر. فالصواب عندي أن الإنزال بالمباشرة أو التقبيل أنه مفطِّر للصائم.
والجواب عما أورد سمعتموه.

هل الإمذاء يفطر؟

إذا أمذى بمباشرة أو تقبيل لا يفطر، بلا شك في هـٰذا أنه لا يفطر خلافا للمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، فإن المشهور عند أصحابه أن الإمذاء بذلك مفطر. والصواب أنه لا يفطر؛ للفرق العظيم بينه وبين الإنزال، فإن بينهما فروق كثيرة، ولا يمكن إلحاق المذي بالمني، لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الأثر على الجسم، ولا من حيث الأحكام المترتبة على ذلك، فالإمذاء لا يفطر.
فالحاصل أنه لدينا:
مباشرة وتقبيل بدون إنزال ولا مني لا يفسدان الصوم.
المباشرة والتقبيل بدون إنزال ولا مني لا يفسدان الصوم قولا واحدا في المذهب.
المباشرة أو التقبيل مع الإمذاء.. على المذهب يفسدان الصوم، والصحيح لا يفسدان الصوم.
مع الإنزال يفسدان الصوم على القول الصحيح، وهو إما إجماع أو على الأقل المخالف في ذلك نادر، فالصحيح أنه يفطِّر.
أن تكرار النظر حتى ينزل يفطِّر، لأن هـٰذا فعل وفيه خلاف.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 06-09-07, 06:55 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي الاحتجام

[ الحديث الخامس عشر]
وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا; أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ, وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.
[الفوائد]

فيستفاد من هـٰذا الحديث عدة فوائد:
الأولى جواز الحجامة للمحرم لقوله: (اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ).
الثاني أنه يجوز أن يحلق من الشعر ما يحتاج إليه في الحجامة؛ لأنه من لازم ذلك، وجواز الملزوم يدل على جواز اللازم.
ثالثا أنه إذا حلق من رأسه مثل هـٰذا القدر فليس فيه فدية، وبه نعرف ضعف قول من يقول: إن الإنسان إذا أخذ شعرة من رأسه واحدة فعليه طعام مسكين، فإن أخذ اثنتين فعليه طعام مسكينين، فإن أخذ ثلاث شعرات ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. فهـٰذا القول ضعيف، ولا يعد من أخذ ثلاث شعرات من رأسه لا يعد حالقا أبدا، والله عز وجل يقول: ﴿تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾[البقرة:196]، والكلام على حلق الرأس أما أخذ شعرة أو شعرتين فهـٰذا ليس فيه شيء.
فإن قلت: إن الذي أسقط الفدية هنا الحاجة إلىٰ أخذ الشعر، فالجواب: الحاجة لا تسقط الفدية لأن الله تعالىٰ قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ وهـٰذه الصورة حاجة، ولهذا كان كعب بن عجرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حلق رأسه؛ لأنه جيء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والقمل يتناثر على وجهه من رأسه؛ لأنه كان مريضا، والمريض تكثر معه الأوساخ ويضعف منه البدن، وتكثر فيه القمل فقال له النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أرى)) ثم رخص له أن يحلق وأن يفدي بصيام أو صدقة أو نسك.( )
إذن نقول: إن الحاجة إلىٰ حلق هـٰذا الجزء اليسير من الرأس من أجل الحجامة لا تسقط الفدية؛ لأنها لو وجبت ما أسقطتها الحاجة، بدليل حديث كعب بن عجرة.
وعلى هـٰذا فنقول: إن أقرب الأقوال في هـٰذا الباب -أي في حلق الشعر- أقرب الأقوال مذهب مالك رحمه الله أنه إذا حلق ما يزول به الأذى وجبت الفدية، وإن حلق دون ذلك فلا فدية عليه؛ لكن يحرم عليه أن يحلق إلا لحاجة.

وفي هـٰذا الحديث أيضا دليل على جواز الحجامة للصائم لقوله: (احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ) وإلى هـٰذا ذهب أكثر الفقهاء، أن الحجامة للصائم لا تفطّر؛ لأنها ليست أكلا ولا شربا، ولا جماعا، ولا بمعنى الأكل والشرب، وعلى هـٰذا فلا تفطر والله عز وجل يقول: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾[البقرة:187].
فإن قلت: ألا يحتمل أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ احتجم وهو صائم ثم قضى؛ يعني أفطر ثم قضى؟
الجواب: نعم يحتمل لا شك، هـٰذا الاحتمال وارد؛ لكن لو كان الأمر كذلك لنُقل، ثم إن مثل هـٰذا السياق أنه سيق للاستدلال به على أن الصائم لا تؤثر عليه الحجامة، فيكون هـٰذا الإيراد غير وارد، كما نقول في قوله: (اِحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) أفلا يجوز أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فدى؟ يجوز؛ لكن الظاهر خلاف ذلك، إذ لو فدى لنقل.
إذن يؤخذ من هـٰذا الحديث جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تفطّره.
فإن قلت: أفلا يمكن أن يكون الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ احتاج إلىٰ الحجامة، ومعلوم أن الصائم إذا احتاج إلىٰ ألأكل والشرب بحيث يتضرر بفقدهما في أثناء النهار يجوز له أن يأكل ويشرب أو لا؟ يجوز، فيمكن للرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لكونه يحتجم كثيرا يمكن أن يحتاج إلىٰ الحجامة في ذلك اليوم فاحتجم.
فالجواب أن نقول: ليس الكلام في جواز الحجامة من عدمها، نحن نقول: ما احتجم إلا والحجامة جائزة له، إما لكونها جائزة للصائم مطلقا وإما لكونها جائزة عند الحاجة، وليس كلامنا في هـٰذا، الكلام هل تفطر أو لا؟
فظاهر الحديث أنها لا تفطر؛ لأنها لو كانت تفطر لنقل عنه أنه قضى هـٰذا الصوم، وأنه أفطر ذلك اليوم، ثم قال:
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 06-09-07, 06:59 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث السادس عشر]
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: ((أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلاَّ اَلتِّرْمِذِيَّ, وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ, وَابْنُ خُزَيْمَةَ, وَابْنُ حِبَّانَ.
[الشرح]

هـٰذا أيضا الحديث يقول: (أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ) والمراد بالبقيع ما حوله، لأن البقيع هو المقبرة التي هي مدفن موتى أهل المدينة، والظاهر أن الناس لا يكونون في نفس المقبرة يحتجمون، لما في ذلك من تلويث المقبرة بالدم وغير ذلك؛ لكن (بِالْبَقِيعِ) يعني حولها، إلا أن يراد بالبقيع كل ذلك المكان، يعني ما فيه القبور وما كان خارجا عنه فيصح، على كل حال مسألة المكان لا يهم.
المهم أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قال: (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) الحاجم فاعل الحجامة، والمحجوم المفعول به، فالحاجم مثل الحلاق والمحجوم المحلوق.
قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) هو كقوله: ((إذا أقبل الليل هٰهنا وأدبر النهار من هٰهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم))( ) أفطر يعني حل له الفطر.
هنا (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) يعني حل لهما الفطر؟ لا، لكن هـٰذا يختلف عن ذاك؛ لأن القول الراجح في ذاك (فقد أفطر الصائم) أي حل له الفطر، وليس المعنى فقد أفطر حكما كما قيل به.
أما هنا فقد أفطر؛ يعني أفسد صومه فأفطر، هـٰذا معنى الحديث، وقوله: (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) فيه إفطار الرَّجلين.
أما المحجوم فالفطر في حقه معقول المعنى، ما هو؟ هو ما يحصل له من الضعف بخروج الدم، الضعف الذي يوجب ضرر البدن وطلب البدن الأكل والشرب حتى يُعوّض ما نقص بخروج ذلك الدم، والإنسان في صومه جعله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يكون وسطا بين الإفراط والتفريط، بين أن يأكل ويشرب ليقوي البدن بالغذاء وبين أن يحتجم ويستقيئ فيضر البدن بفقد الغذاء أو بفقد الدم، بفقد الغذاء بالقيء أو بفقد الدم بالحجامة، فراعى الشرع جانب العدل بالنسبة للبدن لا إفراط ولا تفريط، فجعل ما أدخل البدن مما يقويه جعله مفطرا، وما أخرجه مما يضعفه جعله أيضا مفطرا حتى يقوم البدن بالعدل لا إفراط ولا تفريط، وهـٰذا من الحكمة العظيمة.
فعلى هـٰذا نقول: الحكمة في كون المحجوم يفطر هو ما يحصل للبدن من الضعف الذي يحتاج معه إلىٰ مادة غذائية يستعيد بها قوته.
وعليه فإن كان الإنسان في ضرورة إلىٰ الحجامة احتجم، وقلنا له: كل واشرب، ولو في رمضان، إذا كان فيه ضرورة لأن بعض الناس ولاسيما الذين يعتادون الحجامة، إذا فقدوها أحيانا يغمى عليهم ويموتون، فإذا بلغ الإنسان إلىٰ هـٰذا الحد فنقول: احتجمْ وكُلْ واشرب وأعد للبدن قوته. وإذا لم يصل إلىٰ هـٰذا الحد وكان بإمكانه أن يصبر إلىٰ غروب الشمس قلنا له: في الفرض يحرم عليك أن تحتجم ولا يجوز؛ بل تبقى إلىٰ أن تغرب الشمس وتفطر، أما الآن فلا. إن كان في نفل فالأمر واسع فيه لأن النافلة يجوز أن يأكل الإنسان فيها ويشرب ولو بلا عذر.
إذن عرفنا الحكمة بالنسبة للمحجوم.
بالنسبة للحاجم، قد تكون الحكمة خفية، وهي كذلك، الحكمة في الحقيقة بالنسبة للحاجم خفية جدا.
ولهذا ذهب بعض العلماء إلىٰ أن الحاجم لا يفطر، والمحجوم يفطر؛ لكن هـٰذا القول كما تنظرون ضعيف جدا، كيف تأخذ ببعض النص وتدع بعضه؟! لا يمكن هـٰذا، هـٰذا ليس بعدل في جانب النصوص.
وقال بعضهم: الحكمة في المحجوم ظاهرة، وفي الحاجم تعبدية، نحكم بما حكم به الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ولا ندري، وبناءً على قولهم فالحاجم يفطر بأي وسيلة حجم؛ لأن المسألة تعبدية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:( ) بل الحكمة معقولة فيهما، أما في المحجوم فقد سبقت وهي الضعف الذي ينهك البدن، وأما بالنسبة للحاجم فلأنّ الحاجم يمص القارورة والدم قد يكون غزيرا خرج بسرعة وشدة فينفذ إليه من القارورة دم وهو لا يشعر لشدة المص، فربما يتهرّب من الدم إلىٰ بدنه وهو لا يشعر، فجعلت هـٰذه المظنة بمنزلة المئنة.
قال: ونظيره النائم ينام، والنوم نفسه ليس بحدث؛ لكنه مظنة الحدث، فصار النوم ناقضا للوضوء، وإن كان قد لا يحدث منه ناقضا.
فشيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الحكمة معقولة في الطرفين في الحاجم والمحجوم.
قال: وبناء على ذلك لو حجم في غير هـٰذه الطريقة المعروفة فإن الحاجم لا يفطر، وأنتم قلتم لي الآن أنهم بدؤوا يحجمون بغير هـٰذه الطريقة، فلو فرض أنه حجم بآلة تمص بدل مص الآدمي فإنه لا يفطر، بناءً على أن العلة معقولة، وإن كانت العلة معقولة فالحكم يدور معها وجودا وعدما.
ولكن المشهور من مذهب الحنابلة أن الحكمة غير معقولة، والغريب أنها عندهم غير معقولة في الطرفين، ولهذا قالوا: لو قصد الإنسان فصدا وخرج من الدم أكثر مما خرج بالحجامة فإنه لا يفطر؛ لأن الحكمة غير معقولة تعبدية. لو فصد أو شرط فإنه لا يفطر.
الشرط: هو أن يشق العرق طولا حتى يخرج الدم.
والفصد: هو أن يشقه عرضا حتى يخرج الدم.
قال شيخ الإسلام: والأصلح في البلاد الحارة الحجامة، وفي البلاد الباردة الفصد أو الشرط؛ لأن البلاد الباردة يغور فيها الدم؛ ينزل إلىٰ باطن البدن من أجل البرودة الخارجية فكان الفصد أو الشرط أبلغ من الحجامة في استخراج الدم الفاسد، وأما في البلاد الحارة فإنّ الدم يخرج ويبرز على ظاهر الجلد فتكون الحجامة أنفع وأفيد، على كل حال هـٰذه مسائل طبية ما أعرفها.( )
في هـٰذا الحديث قال الرسول: (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) ونحن إذا أخدنا بظاهره قلنا: فسد صومه. والعلة عرفتم أن للعلماء فيها ثلاثة أقوال :
• قول أنها معقولة فيهما.
• قول أنها غير معقولة فيهما.
وهذان القولان متقابلان
• وثالث أنها معقولة في المحجوم وغير معقولة في الحاجم.
إذن نقول: هـٰذا الحديث يستفاد منه أن الحجامة تفطر على السبب الظاهر المعلوم... وهي الحجامة... فيحتاج إلىٰ الفطر فيفطر بالأكل والشرب فخرج عن ظاهر الحديث، لأن ظاهر الحديث أن الإفطار بالحجامة وهؤلاء يقولون: لا، كادا يفطران ليس أفطرا.
أما الحاجم، فقالوا: نعم يكاد يفطر لأنه لو شفط بقوة دخل الدم إلى جوفه فأفطر لكن لو شفط شيئا فشيئا لم يفطر، فالمعنى: كاد يفطر الحاجم لأنه ربما شفط بقوّة فأفطر.
إذن على قول هٰؤلاء يكون (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) كادا يفطران ولم يفطرا؛ لأن المحجوم لو تصبر مع الضعف حتى غربت الشمس وأكل وشرب صح صومه، والحاجم لو تأنّى رويدا رويدا صح صومه.
قلت: وإحالةً في الحكم على السبب الظاهر، ما هو السبب الظاهر في الحديث الذي أفطر به الحاجم والمحجوم؟ الحجامة.
هم يقولون: لا، إن الرجلين كانا يغتابان الناس، فقال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ).
وهـٰذا التأويل هو في الحقيقة هو التحريف:
أولا لأنهم هم يقولون: إن الغيبة لا تفطر، وهـٰذا من الغرائب، يقولون: إن الغيبة لا تفطر، ولما قال الرسول: (أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) قالوا: كانا يغتابان الناس؛ ( ) وأنتم تقولون الغيبة ما تفطر يعني لو اغتاب الناس بدون حجامة ما أفطروا، وإن اغتاب الناس وحجموا أفطروا، هـٰذا ما يستقيم.
الشيء الثاني أنه من الجناية على النص أن نلغي الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم، ثم نذهب نلتمس وصفا آخر نعلق به الحكم، فإن هـٰذا جناية على النصوص، هـٰذه بلا شك جناية على النصوص.
وما مثل هـٰؤلاء إلا مثل من قالوا في المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقطع يدها، فقالوا: إن هـٰذه المرأة ما أمر بقطع يدها لأنها استعارت فجحدت؛ ولكن لأنها كانت تسرق.( )
وما مثل هٰؤلاء أيضا إلا كمثل قول من قال: إن قول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))،( ) أو ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))، ( ) قالوا: إن المراد من جحدها.
إذا كان المراد من جحدها فالذي يجحد ولو صلى كل وقت في وقته ومع الجماعة فهو كافر، فكيف نُلغي الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم، ثم نجلب له وصفا آخر لم يذكره الشّرع.
فالمهم أنّ مثل هـٰذه الأمور من أهل العلم -عفا الله عنا وعنهم- يحمل عليها أنهم يعتقدون قبل أن يستدلوا، فيكون عند الإنسان حكم معين تقليدا لمذهب من المذاهب أو اختيارا من عند نفسه، ثم تأتي النصوص بخلاف ذلك المذهب أو ذلك الفهم فيحاول أن يصرف النصوص إليها، ولو بضرب من التعسف.
والحقيقة أن هـٰذه ليست طريقا سليما، إذْ أن الإذعان والتسليم المطلق هو الذي يجعل النصوص متبوعة له، لا تابعة، بمعنى أنه إذا دلت النصوص على شيء يأخذ به، وهو سيحاسب على ما دلّت عليه النصوص، والحكم بين الناس إلى الله ورسوله، فإذا دلّ كلام الله ورسوله على شيء من الأشياء فالواجب علينا أن نأخذ به مهما كان، والخطر علينا إذا خالفنا هذا الظاهر، ليس إذا أخذنا به، الخطر علينا إذا خالفنا هـٰذا الظاهر.
إذن فهذا الحديث يدل على أنّ الحاجم والمحجوم يفطران.
يبقى النظر: ما الجواب على حديث ابن عباس السابق؟
الجواب عليه أن الإمام أحمد رحمه الله ضعّف رواية (احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ)، وقال: إن ذلك لا يصح، وأنه انفرد به أحد الرواة عن ابن عباس وأن غيره خالفه فيها.
وإذا كان الأمر كذلك فإن مخالفة الثقات في نقل الحديث تجعله شاذا وإن كان المخالف ثقة.
وحديث شداد بن أوس قال البخاري: إنه أصح شيء في الباب، والغريب أن هذا الحديث جعله بعض العلماء من المتواتر؛ لأنه رواه عدد كبير عن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في إفطار الحاجم والمحجوم حتى قالوا: إنه من المتواتر.
فالإمام أحمد رحمه الله ذهب إلى أن الحديث وهم (احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ).
وبعضهم قال: إن الحديث منسوخ بحديث شداد؛ لأن حديث شداد بن أوس كان في السنة الثامنة، وحديث ابن عباس كان في عمرة الحديبية أو في عمرة القضاء فهو سابق.
وعلى قاعدة بعض العلماء يقولون: حديث ابن عباس من فعل الرسول وحديث شداد من قوله، وفعله لا يعارض قوله، والحكم للقول لا للفعل، وهذه طريقة الشوكاني رحمه الله وجماعة من أهل العلم؛ ولكن ليست بطريقة مرضية عندنا كما سبق .
يبقى عندنا حديث آخر بعد هو الذي قد يعارض الحديث الذي نحن الآن بصدده، وهو:
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 10-09-07, 06:24 PM
أم سـلـمـة أم سـلـمـة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-02-06
الدولة: السعودية
المشاركات: 84
افتراضي

أخي الكريم ، جزاك الله خيرا وبارك فيك ، مارأيك لو جعلتَ الشرح في ملف وورد ووضعته مرة واحدة حتى تسهل الإفادة منه ؟
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 11-09-07, 01:15 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث السابع عشر]
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ اَلْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ; أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ اِحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ, فَمَرَّ بِهِ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((أَفْطَرَ هَذَانِ)), ثُمَّ رَخَّصَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ فِي اَلْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ, وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ.
[الفوائد]

في هـٰذا الحديث فوائد:

أولا الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، قال: (أَفْطَرَ هَذَانِ)، بعد أن رآهما يحتجمان، ومن المعلوم أن هذين المحتجمين لا يعلمان الحكم؛ لأنهما لو علما الحكم ما فعلاه؛ ما احتجما.
فكيف قال: (أَفْطَرَ هَذَانِ)؟ والقاعدة عندنا أن المحظور إذا فعل على سبيل الجهل فإنه لا يؤثر، فكيف نخرّج هـٰذا الحديث.
لأنك إن قلت: إنهما كانا عالمين فهو بعيد أن يكونا عالمين بأن الحجامة تفطر ثم يحتجمان.
وإن قلت: غير عالمين، فقد حكم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنهما أفطرا.
و الواقع أن الجواب على هـٰذا أحد الأمرين:
(أَفْطَرَ هَذَانِ) بمنزلة قوله: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، فيكون المراد أفطر هـٰذا النوع من الناس الذي حجم واحتجم.

الثاني أن المراد بيان أن الحجامة تفطّر، وأن الحجامة سبب بقطع النظر عن كون هذين الرجلين ينطبق عليهما شروط الفطر أو لا ينطبق.
فيكون هنا كأن في الحديث إيماءً إلىٰ بيان سبب الفطر لا إلىٰ الحكم بكون هذين الرجلين قد أفطرا، وهـٰذا هو ما نقله ابن القيم في إعلام الموقعين عن شيخه ابن تيمية رحمه الله، يقول: إن المراد بيان أن هـٰذا الفعل مفطّر، أما كون هذين الرجلين يفطران فهـٰذا يعلم من أدلة الكتاب الأخرى، وهـٰذا الحمل وارد؛ لأن لدينا نصوصا عامة صريحة واضحة في أن الجاهل معذور بجهله، فيجب أن تُحمل هـٰذه النصوص المتشابهة على النصوص المحكمة.
وهـٰذه القاعدة أنا أريد منكم جميعا أن تفهموها: أنّ النصوص المتشابهة المحتملة لأمرين أحدهما مما تقره القواعد العامة، والثاني مما لا تقره، فيجب أن يُحمل على القواعد العامة إذا كان الحمل ممكنا، أما إذا لم يكن ممكنا، فإنه يبقى هـٰذا مخصصا للعموم ويسقط الحكم فيه بخصوصه لا يتعداه إلىٰ غيره.
فلو فُرض أننا لم نجد محملا لهذا الحديث، قلنا: نخصه بالحالة الواقعة فقط، ونقول: من أفطر بالحجامة ولو جاهلا لأنها تفطّر فعليه القضاء؛ يكون مفطرا، وفي غيرها لا قضاء عليه.
الجمع بينهما يقول العلماء: أن فعل المأمور المطلوب إيجاد هـٰذا الشيء، ترك المحظور المطلوب التخلي عنه، وما دام هـٰذا الإنسان باشر المحظور جاهلا أو ناسيا فما عليه شيء، والصحيح أن الأكل والشرب بالنسبة للصائم من باب ترك المحظور.
إذن زال الإشكال، ما دام حملناه على الجنس أو النوع أو على بيان السبب، فما الحكم إذن بالنسبة لجعفر وحاجمه؟ حسب القواعد العامة أنهما لا فطر عليهما؛ لأنهما لا يعلمان، إذ يبعد من حالهما أن يعلمان أن ذلك محرم ثم يقدما عليه.

ويستفاد من هـٰذا الحديث إذا صح جواز النسخ في الأحكام؛ يعني أن الله عز وجل يغير الأحكام من حكم إلى آخر، وهـٰذا ثابت في القرآن والسنة والإجماع.
إلا أن أبا مسلم الأصبهاني رحمه الله يقول: إن النسخ ليس بجائز. ويحمل ما ورد على ذلك على أنه تخصيص، قال: لأن الحكم الأصل أن يثبت في جميع الزمان، من أول ما شرع إلىٰ يوم القيامة، إذا نسخ فمعناه رفع الحكم فيما بقي من زمن فيكون ذلك تخصيصا باعتبار الزمان لا باعتبار آحاد العاملين.
فمثلا إذا كان هـٰذا الحكم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾[المائدة:03]، إلىٰ متى؟ إلىٰ يوم القيامة، جاء حكم برفع هـٰذا التحريم مثلا نقول: الآن بقية الزمن الذي بعد النسخ حصل فيه التخصيص.
والحقيقة أن هـٰذا مع مذهب الجمهور خلاف لفظي، وكان الواجب أن نقول: إنه نسخ. كما قال الله عز وجل.
أما اليهود فيذكر عنهم أنهم يمنعون النسخ، ولهذا يكذبون بعيسىٰ ومحمدا، ولكن الله رد عليهم بقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾[آل عمران:93]، إذن ففيه نسخ.

وعلى كل حال النسخ ثابت؛ لكن إذا قال قائل: ما هي الحكمة من النسخ؟ إن كان الخير في الناسخ فلماذا لم يثبت من الأول، وإن كان الخير في المنسوخ فلماذا نُسخ؟
فالجواب أن الخير أمر نسبي، قد يكون الشيء خيرا في هـٰذا الزمن وغيره خير منه في زمن آخر، وحينئذ يكون الخير في النسخ والمنسوخ، المنسوخ وقت بقاء حكمه هو خير، وبعد أن نُسخ فالخير في بدله، وحينئذ لا يقال: إن قولكم بالنسخ قدح في علم الله أو في حكمته.
لأن اليهود يقولون: إذا جوزتم النسخ جَوَّزتم البداءة على الله، وهو العلم بعد الجهل.
نقول: قاتلكم الله، أتنكرون ما ثبت، وما دل العقل على إمكانه، وأنتم تقولون: يد الله مغلولة والله فقير. تناقض.
فنقول: إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليم بلا شك، وعلمه سابق على وجود الأشياء، وحكيم وحكمته من صفاته الأزلية الأبدية؛ لكن يعلم عز وجل أن هـٰذا الحكم خير في زمنه، وأن بدله خير في زمنه، وهـٰذا شيء معلوم.
إذن نقول:في هـٰذا الحديث دليل على جواز النسخ وهو ثابت في القرآن لقوله تعالىٰ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾[البقرة:106]، وفي قوله تعالىٰ: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾[البقرة:187]، وقبل الآن ممنوع.
وفي قوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾[الأنفال:66]، الآن، وقبل ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾[الأنفال:65]، هـٰذا يدلّ على النّسخ.
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى (6) إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ﴾[الأعلى:6-7]، هـٰذه أيضا استدل بها بعض العلماء على جواز النسخ، قال: ما شاء الله أن ينساه حتى يرتفع حكمه فعل.
وأما السنة فكثير، ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها،( )كنت نهيتم عن الانتباذ في الدباء، فانتبذوا فيما شئتم غير أن لا تشربوا مسكرا، كنتم نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا ما شئتم))( ) وأمثال هـٰذا كثير مما يدل على جواز النسخ، والحكمة تقتضي بأن الناس في ابتداء الشريعة ليسوا كالناس عند كمال الشريعة، تقبلهم للشيء بعد كمال الشريعة ورسوخ الإيمان في قلوبهم أكثر من تقبلهم في أول الشريعة ولهذا جاءت الشريعة متطورة حسب أحوال المشرع لهم.
فعندنا أصل وهو أن الأصل بقاء الصوم وعدم فساده، هـٰذا الأصل إلا بدليل، وعندنا حكمة معقولة وهي ما علل به كبار أنه من أجل الضعف.
فإذا كان عندنا أصلان وعندنا حديث قوي وأحاديث ضعيفة فنقول: على الأقل للصائم اعمل بالأحوط، ما دام ما عليك مشقة وتعب بانتظار الليل فانتظر استبرئ لدينك وانتظر، فإن كان عليك تعب فاحتجم، وحينئذ نقول: على رأي من يقول بالإفطار يحل لك الأكل والشرب. وعلى رأي الآخرين نقول: أمسك إلىٰ الليل؛ لأنك ما أفطرت.

ماذا يبقى عندنا؟ يبقى عندنا قضاء هـٰذا اليوم واجب على من قال: إنه يفطر، وليس بواجب على من قال: إنه لا يفطر، فإذا صامه صار أحوط.
فصارت المسألة الاحتياط بلا شك ترك الحجامة إلى الليل، إذا لم يمكن احتجم، وأمسك، فإن قدر أنك ضعفت عن الإمساك وعجزت فأفطر على القولين.
وأما مبالغة الناس الآن حتى أن الواحد منهم إذا جرحه أدنى شيء أو تدمّى سنه أو ما أشبه ذلك يقول: أفطرت، أفطرت، هـٰذا لا أصل له.
من الفوائد:
هل يلحق بالحجامة غيرها كالفصد والتشريط أو لا؟
في هـٰذه المسألة خلاف بناء على أنه هل الحكمة معقولة أو هو تعبدي؟
إن قلنا: إنه تعبدي فلا قياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، إلحاق فرع وهو المقيس بأصل وهو المقيس عليه في حكم لعلة جامعة. فإذا كان الحكم تعبديا أي غير معقول العلة فإنه يمتنع القياس لفوات ركن من أركانه وهي العلة.
فمن قال: إنه تعبدي -وهو المشهور من المذهب- قال: إنه لا يلحق الفصد والتشريط بالحجامة، وأنّ الصائم لو شرّط أو فصد فإنه لا يفطر بذلك، وهـٰذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله عند أصحابه.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الشرط والفصد بمعنى الحجامة فيلحق بها فلا يجوز للصائم أن يفصد أو أن يشرط. ( )
وكذلك أخذ الدم من الإنسان ليحقن في غيره، ينبني على هـٰذا، فإذا أخذ من إنسان دم يحقن في غيره، وكان كثيرا بحيث يؤثر على البدن كما تؤثر الحجامة فإنه ينبني على ما سمعتم.
هل يلحق بالحجامة غيرها أم لا؟ فإن قلنا: يلحق، قلنا: إن هـٰذا يفطر، وإلا فلا.
وعلى القول بأنه يلحق بها ما يساويها، إذا طلب من شخص أن يتبرع بدم لآخر:
فإن كان صومه نفلا فلا حرج عليه لأنه يجوز للصائم نفلا أن يفطر بدون عذر.
وإن كان صومه فريضة نظرنا: إن كان المريض مضطرا إلىٰ لذلك بحيث يُخشى عليه الموت إن لم يحقن به قبل المغرب، ففي هـٰذه الحال يجب على الصائم أن يتبرّع بدمه ويفطر، لأنه يجب إنقاذ الغريق والحريق ولو أدى إلىٰ الفطر، وفي هـٰذه الحال إن تبرع بدمه وأفطر يجوز أن يأكل ويشرب؛ لأن القاعدة عندنا أن كل من أفطر في رمضان بسبب يبيح الفطر فله الأكل والشرب بقية النهار؛ لأن الإمساك لا فائدة منه، ما دام أن الشارع قد أذِن له بالأكل والشرب فلا حرج، ولو لا ذلك لقلنا: إن المريض لا يجوز له أن يأكل أو يشرب ولو كان قد أفطر من أجل المرض إلا إذا جاع حتى خيف عليه، أو إذا عطش حتى خيف عليه مع أنه يجوز له أن يأكل ويشرب كما شاء.
أما الدم اليسير كالدم الذي يؤخذ للفحص، أو الدم الذي يكون بقلع السن أو بقلع ضرس أو بالجرح.. أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يؤثر قولا واحدا، وما علمنا أن أحدا قال بتأثيره؛ لكن الدم الخارج من الضرس أو السن لا يبتلع لأنه إذا بلعه أفطر من أجل أنه شرب دما، لا من أجل أنه خرج منه دم.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 11-09-07, 01:45 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي الاكتحال في رمضان

وإياك أختي، جعل هذا التفريغ على هذا الشكل دون إنزاله على ملف وورد وينزله الإخوة له أسباب كثيرة، وربما لا يخفى على من كان يتتبع تفريغاتي والحمد لله فقد استفاد منها الكثير يشتى أنواع الاستفادة -وهذا من فضل الله علي- ولأسباب معينة -لا داعي لذكرها- توقفت منذ مدة على إنزال الشروح خاصة، واقتصرت على اعطاء نسخ مطبوعة للقريبين مني مسكنا، وإلا فعندي شروح كثيرة مفرغة لكن ليست على النت، ويجدر ذكر هنا أن هذا الكتاب هو مفرغ عندي بكامله ليست الفوائد فقط، وايضا كتاب الحج فهو مفرغ عندي بكامله وإن شاء الله بعد رمضان أنزل فوائده، بل وابواب كثيرة من البلوغ...
وربما يقول القائل : إذن اجعل الفوائد في ملف ورد.
فأقول من استعجل فهذا الرابط لملف وورد لهذه الفوائد فرغها أحد إخواننا http://www.sahab.net/forums/attachme...3&d=1157780111
وربما يصلح هنا أن أقول كما قال الزهري: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة إنما يؤتى العلم على مر الأيام والليالي.

[الحديث الثامن عشر]
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا, أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ, وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.( )
قَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: لا يَصِحُّ فِي هـٰذا البَابِ شَيْءٌ.
[الفوائد]

في هـٰذا الحديث من الفوائد:
1- جواز الاكتحال للصائم، أنه يجوز للصائم أن يكتحل لقولها: (اِكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ, وَهُوَ صَائِمٌ).
ثانيا أن الكحل لا يفطّر الصائم؛ لأنه لو كان مفطرا لوجب اجتنابه، فلما جاز فعله دل هـٰذا على أنه لا يفطّر.
ثالثا عمومه يقتضي أنه لا يفطّر الصائم ولو وصل إلىٰ حلقه؛ لأنه أحيانا إذا كان الكحل نافذا أحس الإنسان بطعمه في حلقه، فظاهر الحديث أنه لا يفطر ولو وصل إلىٰ حلقه.

فإن قال قائل: أنتم ذهبتم تستنبطون الأحكام من حديث ضعيف، (قَالَ اَلتِّرْمِذِيُّ: لا يَصِحُّ فِي هـٰذا البَابِ شَيْءٌ.)، وإذا انهدم الأساس انهدم الفرع.
فالجواب: نعم هـٰذا حق، وأن البناء على الضعيف ضعيف.
لكننا نقول: لنفرض أنه ليس بثابت فما الأصل؟ الأصل الحل؛ الجواز، حتى يقوم دليل على المنع، ونحن إذا نظرنا إلى الممنوعات بالصيام، وجدنا أنها محفوظة معروفة بالكتاب والسنة، الأكل والشرب والجماع، والحجامة على خلاف فيها أيضا، والاستقاء كما سيأتي عن أبي هريرة على خلاف فيه، والإنزال على خلاف فيه، والإمذاء على خلاف فيه.
إذن ما المجمع عليه؟ الأكل والشرب والجماع، هـٰذه متفق عليها.
فنقول لكل من ادعى أنّ هـٰذا مفطّر نقول له: عليك الدليل؛ لأن هـٰذه عبادة، ركن من أركان الإسلام، وإذا كان الشارع قد بيّن موجباتها وشرائطها وأركانها، فإنه سيبين مفسداتها؛ لأن الأشياء ما تتم إلا بوجود الشروط والأسباب وانتفاء الموانع -والمفسدات موانع-، فالمسألة ليست بالهينة.
وليس من الهين أن تقول لعباد الله: إن عبادتكم فاسدة، وهم يتقربون إلىٰ الله بها؛ لأنك سوف تقابل يوم القيامة، لماذا أفسدت عبادة عبادي عليهم بدون دليل.
يأتي واحد عند أدنى سبب يقول: صيامك فاسد، أو صلاتك فاسدة، هـٰذا ليس هينا، هـٰذا عدوان في حق الخالق واعتداء على المخلوق، أن تفسد عباداته بدون دليل واضح، فإذا كان الشيء ثابتا بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن نقضه إلا بدليل شرعي.
فلننظر وجدنا أن الكحل ليس أكلا ولا شربا، ما رأينا أحدا إذا أرد أن يأكل التمر وضعه في عينه، ما فيه أحد يقول هـٰذا، فليس أكلا ولا شربا.
هل هو بمعنى الأكل والشرب؟ أبدا، ما سمعنا أن أحدا إذا عطش ذهب وحط عينه تحت الماء ليروى. ولا أن يضع فيها طحينا ليصل إلىٰ المعدة، أبدا.
إذن ليس أكلا ولا شربا ولا بمعنى الأكل والشرب.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه ليس هناك دليل على أن مناط الحكم هو وصول الشيء إلىٰ الجوف أو الحلق، إنما مناط الحكم أن يصل إلىٰ المعدة شيء يستحيل دما ويتغذى به الإنسان، فيكون أكلا وشربا.
وعلى هـٰذا فنقول: الكحل وإن لم يثبت به دليل فالأصل الحلّ.
فإن قلت: قد روى أبو داوود أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الإثمد: ((ليتقه الصائم))( ) يتقه يعني يجتنبه.
قلنا: هـٰذا لو كان صحيحا لكان على العين والرأس لكنه منكر كما قاله البخاري عن ابن معين، قال: إنه منكر. وإذا كان منكرا فلا حجة فيه، ويبقى الأمر على الأصل، على الإباحة.
فإن قلت: حديث لقيط بن صبرة قال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما))؛( ) لأن الصائم لو بالغ في الاستنشاق لدخل الماء إلىٰ جوفه.
فالجواب: أن الأنف منفذ طبيعي يصل إلىٰ الجوف، ولهذا كثير من المرضى يوصلون الطعام والشراب إليهم عن طريق الأنف، وهو ما يسمى بالسعوط.
أما العين فليست بمنفذ معتاد، فلا يكون ما وصل عن طريقها كالواصل عن طريق الأنف.
وليس كل شيء يجده الإنسان في حلقه من خارج يكون مفطرا. فهاهم الذين يرون أن من اكتحل حتى وصل الكحل إلىٰ حلقه يفطر هاهم يقولون: لو أن الإنسان وطئ على حنظلة -شيء كالتفاح؛ لكنه شديد المرارة- إذا وطئت عليه برجلك تحس طعما في حلقك، وقال العلماء: إن هـٰذا لا يفطر ولو وجد طعمه في حلقه. قالوا: لأن الرجل ليست منفذا معتادا إنما دخل مع المسام حتى وصل إلىٰ الحلق.
فالمهم أن نقول: إن الكحل حتى ولو لم يصح هـٰذا الحديث، فعندنا فيه الأصل الإباحة إلا ما قام عليه الدليل.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 11-09-07, 06:47 AM
ابو العابد ابو العابد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-07-07
المشاركات: 445
افتراضي

جزاك الله خيرا
__________________
كتب ورسائل ودروس الشيخ
د|خالد المشيقح
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=154132
موقعه http://www.almoshaiqeh.com/
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 15-09-07, 02:58 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي من أفطر ناسيا

وإياك أخي
[الحديث التاسع عشر]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ, فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ, فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ, فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.( )
وَلِلْحَاكِمِ: ((مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ)) وَهُوَ صَحِيحٌ.
[الفوائد]

يؤخذ من هـٰذا الحديث فوائد كثيرة:

أولا جريان النسيان على بني آدم لقوله: (مَنْ نَسِيَ).
وثانيا أن النسيان لا يقدح في الإنسان؛ لأنه من طبيعة الإنسان، ولو كان سببا للقدح لما عُذر به الإنسان.
ثالثا أن ما ترتب على النسيان فلا إثم فيه، يؤخذ من (فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)، ويتفرع من هـٰذه القاعدة أن من نسي آية من القرآن فلا إثم عليه، وما ورد في التشديد في من نسي من قرآن إن صح فهو محمول على من نسيه بسبب إعراضه وعدم مبالاته، وأما من نسيه أو شيئا منه لأمر لابد له منه في معاشه ومعاده فإنه لا إثم عليه، وثبت عن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنه نسي بعض آيات القرآن وذُكِّر بها.
فصلى ذات ليلة وأسقط آية من القرآن فلما انصرف ذكّره بها أبي بن كعب قال: ((هلا كنت ذكرتنيها))،( ) ومر ذات يوم ورجل في بيته يصلي يتهجّد، فسمعه يقرأ النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فقال: ((رحم الله فلانا لقد ذكرني آية كنت أنسيتها))،( ) وعلى هـٰذا فلا لوم على الإنسان فيما نسي من كتاب الله بشرط أن لا يكون ذلك على سبيل الإعراض وعدم المبالاة.

وليس كل خلاف جاء معتبرا*** إلا خلافا له حظ من النظر

فيه خلاف لا نلتفت عليه؛ لكن الخلاف المبني على أدلة تكاد تكون متكافئة حينئذ يحتاط الإنسان، أما إذا تبيّن الحق فإن الاحتياط في اتباع الحق لا في التشديد ولا في التيسير.
كلام الشيخ رحمه الله ليس يعني كل ما وصل إلىٰ المعدة لا يفطّر لأن ما سمي أكلا وشربا مطلقا حتى ولو كان لا يموع، أو كان لا يغذي هـٰذا هو الصحيح، وإلا بعض العلماء يقول: إذا ابتلع ما لا يموع أو لا يغذي فإنه لا يفطر، ومثلوا لذلك بأن يبتلع خرزا.
ورأينا حديثا انفرد به ابن ماجه يجب أن نفتش عنه؛ لأن مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حجة في هـٰذه الأمور فإنه يعتبر فقيه ومحدث.
القول بالعدم ليست مطردة في كل شيء؛ بل ما توفرت الدواعي على نقله ولم يُنقل فإن عدم نقله كنقل العدم، لأنه يقال: كيف هي تذكر أنها فعلت ثم لا تذكر أنه يأمر بالقضاء مع أن الحاجة تدعو إلىٰ ذلك، الأمر مهم.

من أفطر ناسيا أو جاهلا بالوقت أو بالحكم فلا قضاء عليه ولا كفارة.
ما تقولون في رجل اشترى عنبا لأهله في رمضان، وخرج بالعنب في منديل، ونسي أنه صائم فجعل يأكل هـٰذا العنب حبة حبة، فلما وصل إلى البيت وإذا لم يبق إلا حبة واحدة في العنقود، قال أهله: كيف تأكل اليوم صيام. قال: ما فيه شيء؛ لكن آكل هـٰذه وتعمد أكلها، وقال: إن كان هـٰذه تفطر فهـٰذا من باب أولى، وإن كان هـٰذا لا يفطر، فهـٰذه لا تفطر؟
الآن عالم بأن العنب يفطر، لكن لم يعلم أن هـٰذه بذاتها في هذه الحال تفطر؛ يعني هو الآن -إلا أن يكون مستهترا- قد يكون مستهترا لكن على حسن الظن به، نقول في الحقيقة: هو متجاوز كان عليه أن يصبر، إذن الذكر موجود الآن هو يعرف أن العنب في الأصل مفطر، إذن فهو عارف.
الفائدة الأولى: أن النّسيان من طبيعة البشر وهـٰذا معروف.

ثانيا: بيان رحمة الله عز وجل بترك المؤاخذة على النّسيان، فإنّ هـٰذا من رحمة الله؛ لأنه لما كان النّسيان من طبيعة البشر عفا الله عنه.
ثالثا من فوائد الحديث: أن فعل المحظور مع النسيان لا يترتب عليه شيء؛ وذلك لأن مفسدة المحظور بفعله، فإذا انتفت المفسدة بالنسيان لم يبق هناك أثر لهذا المحظور، بخلاف المأمور فإن ترك المأمور ناسيا لا يُسقطه، ولهذا قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فيمن نسي الصلاة: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك))( ) لأن فعل المأمور لا تزول مفسدة تركه بالنسيان، إذْ يمكن تداركه وإزالة هـٰذه المفسدة بقضائه.
ولهذا القاعدة المقررة عند عامة الفقهاء أن ترك المأمور لا يُعذر فيه بالنسيان والجهل؛ بل لابد من قضائه، وإن كان الإثم يسقط وأن فعل المحظور يعذر فيه بالجهل والنسيان.
إلا أنه يرد علينا أن هناك أشياء من المأمورات أسقطها الشارع بالجهل:
مثاله المرأة التي قالت للنبي -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ-: إني اُستحاض فلا أطهر. ومعنى ذلك أنها لا تصلي، والمستحاضة تجب عليها الصلاة أو لا؟ نعم تجب عليها الصلاة، ولم يأمرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقضائها مع أنها تركت المأمور؛ لكن تركته جهلا.
مثال آخر عمار بن ياسر بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حاجة فأجنب وليس عنده ماء، فجاء يتمرّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم جاء للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وأخبره فقال: ((إنّما كان يكفيك أن تقول كذا)) وذكر التيمم،( ) ولم يأمره بإعادة ما سبق.
ثالثا الرجل الذي رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أحد أسفاره لم يصلّ معتزلا القوم، فسأله، قال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك))،( ) فهـٰذا أيضا يدل على أن الجاهل بالمأمور لا يؤمر بالإعادة، مع أن النسيان -نسيان المأمور- أمر الشارع فيه بالإعادة، قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)).

فظاهر السنة التفريق في باب المأمور بين الجهل وبين النسيان.
فما هو الجواب عن هـٰذا الظاهر؟
الجواب: أن يقال أن في مسألة المستحاضة التي كانت تترك الصلاة وهي مستحاضة، والمستحاضة تجب عليها الصلاة، فلأنها معذورة لأنها تأولت، كيف التأول؟ بَنَت على أصل؛ أن كل دم فهو حيض، فهي بَنَت على أصل، فتكون كما لو أخطأ المجتهد في تأويله، ما نقول: إن اجتهادك الثاني ينقض الاجتهاد، أو علمك بالدليل بعد اجتهادك ينقض اجتهادك.

وكذلك نقول في قضية عمار بن ياسر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لأن عمار بن ياسر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ استعمل القياس الذي يغتسل من الجنابة ماذا يطهِّر؟ جميع بدنه هـٰذا الرجل اجتهد وقام يتمرّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة حتى وصل التراب إلىٰ جميع البدن هـٰذا قياس إذن هو متأول أو غير متأول؟ متأول.
قصة الرجل الذي قال: أصابتني جنابة ولا ماء، نقول: من الذي قال: إن هـٰذا الرجل كان عليه صلوات سابقة؟ قد يكون لم يفته إلا هـٰذه الصلاة، ولما قال له عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك))،( ) فإنه سوف يتيمم ويصلي، هـٰذا هو المعروف. ثم نقول: أيضا علم بعد أن جاء الماء إلىٰ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستقى الناس وشربوا وسقوا الإبل وبقي بقية قال للرجل: ((خذ هـٰذا فأفرغه على نفسك))؛( ) يعني اغتسل به، لأن التيمم ما يرفع الحدث إلا رفعا مؤقتا، مادام الإنسان لم يجد الماء فإذا وجده عاد عليه الحدث.

فهـٰذا هو الجواب عما ذكر، وإلا فإن الأصل أن فعل المأمور لابد منه؛ لكن بعض أهل العلم رحمهم الله قال: إنه إذا كان ذلك المأمور أشياء كثيرة شاقة على الإنسان، وأنه بانٍ على أصل، حديث عهد بالإسلام، ولم يعلم أن الصلاة واجبة، فترك الصلاة مدة طويلة، فإن هـٰذا لا يؤمر بقضاء الصلاة.
وكذلك المسيء في صلاته يقولون: المسيء في صلاته لأنه كان لا يقيم في المدينة ولا يعلم والصلوات كثيرة.

القاعدة أن كل عبادة مؤقتة إذا أخرجها الإنسان عن وقتها فهي لا تقبل منه، وهـٰذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وجماعة من أهل العلم، قالوا: الصلاة المؤقتة إذا تعمدت أنك تتركها ثم أردت أن تقضيها ما تصح؛ لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))،( ) وكما أنّها لا تقبل قبل الوقت فلا تقبل أيضا بعد الوقت.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 15-09-07, 04:06 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي القيء والاستقاء

[الحديث العشرون]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ, وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ)) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ.( ) وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ. وَقَوَّاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.
[الفوائد]

فيستفاد من هـٰذا الحديث عدة فوائد:
أولا أن الاستقاء مفسد للصوم لقوله: (وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ).
ثانيا في حكمة الشارع في أنه ينبغي للإنسان أن يكون مع نفسه عدلا في معاملتها؛ لأنه إذا صام ثم استقاء بقي بطنه خاليا من الطعام والشراب والشارع أمرنا أن نتسحر ليكون في بطوننا ما يعيننا على الصوم، فإذا أخرجنا ما في البطن، هـٰذا لا يكون عدلا.

فمن ثَمّ صار هـٰذا سببا مفطِّرا فيفطر به الإنسان، وهو نظير الحجامة من بعض الوجوه، ونظير الجماع أيضا من بعض الوجوه؛ لأن الجماع يخرج من الإنسان الماء وهو موجب لفتور الإنسان وضعف البدن، فكان من الحكمة أنه مفطر.

أنظر الآن حكمة الشرع:
إن تناول الإنسان ما يغذي بدنه وهو صائم أفطر؛ لأن ذلك يفقده حكمة الصوم.
وإن أخرج ما عليه اعتماد بدنه كذلك أفطر وهـٰذا من الحكمة.
فلا تؤخر على بدنك شيئا، ولا تخرج منه شيئا، أترك كل شيء على طبيعته.
ومن فوائد الحديث أيضا أنّ ما غلب الإنسان من المحظورات فلا أثر له، كل المحظورات إذا كانت بالغلبة فليس عليك شيء.

مثاله في الصلاة رجل تكلم بالغلبة، غلبه الكلام حتى تكلم، مثل سقط عليه الشيء وقال: أح. هـٰذا غصبا عليه، كلمة (أح) مثل إغماض العين إذا أقبل عليها الشيء.

كذلك أيضا الظاهر أن الموسوس من هـٰذا النوع، فيه ناس -نسأل الله العافية- موسوسون يغلبهم الكلام يتكلمون غصبا عليهم الظاهر أن هـٰذا من هـٰذا النوع، ويدل لهذا قوله تعالىٰ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾[البقرة:286]، لو قال قائل: هل من الغلبة الضحك؟ الغريب أن الضحك يقول العلماء: إنه مبطل للصلاة مطلقا؛ لأنه ينافي الصلاة؛ لأن الإنسان لو كان بين يدي شخص مهيب من بني آدم لا يمكن أن يضحك أمامه إلا بسبب مباشر عند بني آدم، يرى أن هـٰذا ما يجوز.
التبسم بدون صوت هـٰذا لا يبطل الصلاة، غاية ما هنالك أنه فعل، قد يغلب عليه وقد لا يغلب، إنما هـٰذا نص العلماء على أن التبسم لا يبطل الصلاة وأن الضحك يبطلها مطلقا، وعللوا ذلك أنه نوع استخفاف بالله عز وجل الذي وقف بين يديه.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 17-09-07, 03:03 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي الصوم في السفر

[الحديث الحادي والعشرون]
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ, فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ, فَصَامَ اَلنَّاسُ, ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ, حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ, فَشَرِبَ, ثُمّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. فقَالَ: ((أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ, أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ)).
وَفِي لَفْظٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ اَلصِّيَامُ, وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ اَلْعَصْرِ، فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.( )
[الفوائد]

ففي هـٰذا الحديث فوائد كثيرة:
هل منها جواز قتال أهل مكة؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج لقتالهم؟ لا نوافق على هـٰذا؛ لأن هـٰذا الحكم نسخه النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في اليوم الثاني من الفتح، فإنه قام خطيبا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في الناس وأخبر بأن مكة حرام بحرمة الله منذ خلق السمٰوات والأرض. وأنّها لن تحل لأحد قبل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنها لم تُحل للرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ دائما وإنما أحلت له ساعة من نهار للضرورة، وأخبر عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنها عادت حرمتها ذاك اليوم الذي يخطب فيه كحرمتها بالأمس؛ يعني كانت حراما ثم أحلت ثم حرمت، فيكون النسخ وقع عليها مرتين.

ويستفاد من هـٰذا الحديث جواز الفطر في أثناء النهار للمسافر، يؤخذ من أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد العصر، زد على ذلك أنه يستفاد منه جواز الفطر لمن رخص له فيه ولو في آخر النهار؛ يعني ما نقول تصبر وتحمل ما بقي إلا ساعة ما بقي نصف ساعة لا له أن يفطر ولو لم يبق من النهار إلا جزء يسير.

ومن فوائد الحديث أنه ينبغي للإمام يعني للإمام المتبوع والمسؤول أن يراعي أحوال الناس ويعدل عن الأفضل إلىٰ المفضول مراعاة لأحول الناس، يؤخذ من إفطار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مراعاة لأحوال الناس.

ويدل على أنه أفطر مراعاة لأحوالهم ما سبق في حديث أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

ويدل لذلك أيضا أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة العشاء كان يستحب أن يؤخر من العشاء؛ ولكن إذا اجتمع الناس عجل لئلا يشق عليهم في الانتظار، فيدع الفاضل إلىٰ المفضول مراعاة لأحوال الناس.
بل يدل ذلك أيضا أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ترك بنيان الكعبة على قواعد إبراهيم خوفا على تغير الناس ونفورهم. قال لعائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ((لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين بابا يدخل منه الناس وباب يخرجون منه))؛ ( ) ولكنه ترك خوفا من نفور الناس، والحكمة فيما قدر الله عز وجل، لما تولى عبد الله بن الزبير رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الخلافة في الحجاز هدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين بابا يدخل منه الناس وبابا يخرجون منه، ولما قضي عليه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أعيدت الكعبة على ما هي عليه في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولكن الحكمة فيما أراده الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الآن ما أراده النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ من انتفاع الناس بدخول الكعبة وجعل بابين لها حصل، أين البابان؟ الحِجْر من الكعبة، له باب يدخل منه الناس وباب يخرجون، مع أن في هـٰذا من راحة الناس أكثر مما لو كانت قد سقفت، لو سقفت والناس على جهلهم اليوم من الزحام قتل بعضهم بعضا؛ لكن من نعمة الله عز وجل أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعادها على ما كانت عليه، والذي قدره النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وأراده حصل باب يدخل منه الناس وباب يخرجون مع الانشراح والهواء وعدم المشقة.

ومن فوائد هـٰذا الحديث أنه ينبغي للإنسان أن يؤكد قوله بفعله ليطمئنّ الناس إليه؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا بقدح فشرب والناس ينظرون.
ومنها أن نقل بعض المخالفات للناس للمصلحة لا يعد من الغيبة أو النميمة، والدليل (إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ) ووجهه أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لم ينكر على الذين بلّغوا إنما أنكر على الذين خالفوا.

ومن فوائد الحديث أيضا أنه يجوز وصف الإنسان بما يكرهه على سبيل العموم، إذا كان واقعا فيه، لقوله: (أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ) هـٰذا على سبيل العموم واضح، ولاشك أن المعصية وصف ذميم مكروه للنفوس؛ ولكن إذا كان الإنسان مستحقا له فلا بأس أن يوصف به؛ لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وصف هٰؤلاء بالعصاة.

أما أن تقول لشخص معين: أنت عاص، فهـٰذا محل تفصيل:
إن اقتضت المصلحة ذلك بأن فيه ردع له ولغيره، فلنقل له هـٰذا.
وإلا فإن الأولى ألا نقول ذلك له مواجهة ومباشرة؛ لأن هـٰذا ربما يثيره فتأخذه العزة بالإثم، فيزداد تعنتا في معصيته، وربما ازداد معصية أخرى.

ومنها أيضا أن النفوس مجبولة على تقليد الكبير لقوله: (وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ) ولاشك في هـٰذا أن الناس مجبولون بفطرهم على تقليد الكبير.

ومن فوائد الحديث أيضا جواز الإخبار عما يحصل في العبادات من المشقة لقولهم: (إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ اَلصِّيَامُ) لا يقال: إن هـٰذه شكوى من مشقة العبادة؛ بل يقال: إن هـٰذا خبر وفرق بين الخبر المجرد وبين الخبر الذي يراد به الشكوى.

ولهذا يجوز للمريض أن يخبر بما يجد؛ لكن من غير شكوى، مثلا يقال: كيف أنت؟ فيقول: والله البارحة سهرت وتعبت، وآلمني كذا، وآلمني كذا، إخبارا لا شكوى، ولهذا بعض المرضى يقول: إخبارا لا شكوى. وهناك فرق بين الإنسان الذي يشتكي والإنسان الذي يخبر.
فإذا أخبرت بأن العبادة شقت عليك لا تشكيا منها، فهـٰذا لا بأس به.

ومن فوائد الحديث أيضا حسن تعليم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحسن خُلُقه مع أصحابه؛ لأنه شرِبَ هـٰذا بعد العصر والنّاس ينظرون كل هـٰذا من أجل التسهيل والتيسير عليهم.

ومنها أيضا جواز سؤال الغير حيث لا يكون في ذلك مِنَّة على السّائل، تؤخذ من قوله: (فَدَعَا بِقَدَحٍ) فإنّ الإنسان لا حرج عليه إذا كان لا يرى مِنّة عليه في السؤال أن يسأل، ومثل الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سأل أحدا قال: هات القدح، يعتبر المسؤول هذا منة من الرسول عليه، فهناك فرق؛ لكن لو تدعو إنسانا مساويا لك وتقول: أعطني قدحا لكنه يتكاسل، هـٰذا الأحسن تسأله أو لا تسأله؟ لا تسأله؛ لأن فيه منة وفيه إحراجا لهذا الرجل، أما بعض الناس مثلا تسأله قبل أن ينتهي الكلام وهو قائم وساعٍ بشدة يأتي لك بما تريد، هـٰذا ما يقال: إن سؤاله من الذل أمام الناس؛ بل هـٰذا من الأمر المباح الذي سنّه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته.

ومنها جواز الإخبار بالكل عن البعض، من قولهم: (إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ اَلصِّيَامُ) لأن الظاهر -والله أعلم- أنه ليس كل الناس يشق عليهم ذلك، فإنّ الناس يختلفون في التحمل، ويختلفون أيضا في الجوع وفي العطش، بعض الناس يجوع سريعا ويعطش سريعا، وهـٰذا فرد من أفراد كثيرة، وهي جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه؛ بل جواز إقسامه على ذلك كما سيأتينا إن شاء الله.

يدلّ على أنه ليس كل مجتهد مصيبا. لا أدري هل هـٰذه من مسائل الاجتهاد؛ لأن الناس يعني يصومون ويفطرون، على سبيل أن هـٰذا شرع، لا على سبيل أنه اجتهاد؛ لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرهم على هـٰذا. تؤخذ من (إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ) هٰؤلاء اجتهدوا بلا شك لكن اجتهادهم صار خطأ.

إذن نأخذ منه أنه ليس كل مجتهد مصيب من جهة، ومن جهة أخرى أن من أخطأ في اجتهاده فيجب الإنكار عليه، وبيان خطئه، وحينئذ نقول: إن العبارة المشهورة عند العلماء (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) مقيدة بما إذا لم يكن ذلك الاجتهاد مخالفا للنّص، فإن كان مخالفا للنص فإنه ينكر عليه؛ لكن ما دامت المسألة محتملة للاجتهاد فإنه لا ينكر إذْ ليس اجتهادك أولى بالقبول من اجتهاد الآخر، أو أولى بالصواب من اجتهاد الآخر.

النساء اللاتي يأكل حبوب منع الحيض في رمضان يدخلن في هـٰذا، لأنهن تركن الرخصة؛ ولكن هل نقول: إن عدم صوم المرأة وهي حائض من باب الرخصة، أو من باب أنها ليست أهلا لهذه العبادة؟
الظاهر الأخير كما أنها ليست أهلا للصلاة، هي لم يسقط عنها الصوم من أجل الرخصة وإلا لقلنا: لو صامت لصح صومها، وليس الأمر كذلك.

وتأتي مسألة ثانية: مسألة الضرر وفيه ضرر ولقد أخبرنا الأخ رشاد كتب لنا مرة ورقة في أضرار هـٰذه الحبوب، فيها أربعة عشر ضررا، يكفي منها واحد. ومع ذلك فإن النساء منهمكات في هـٰذه الحبوب؛ لأجل أن تصوم مع الناس أو لأجل أن لا يفوتها عشر رمضان أو ما أشبه ذلك.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 17-09-07, 03:06 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث الثاني والعشرون]
وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ( ) رِضَى اَللَّهُ عَنْهُ; أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إني أَجِدُ فيَّ قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ, فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ, فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ, وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ( )
وَأَصْلُهُ فِي "اَلْمُتَّفَقِِ عليه" مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ; أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ.( )
لفوائد]

يستفاد من هـٰذا الحديث عدة فوائد:
منها حرص الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم على التفقه في الدين، يؤخذ من سؤال حمزة بن عمرو للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.

ومنها أن بعض الناس يظن أن الترخيص من أجل المشقة، وأنه لو وجدت القوة فلا رخصة، لقول حمزة: (إني أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ, فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ?) وهـٰذا على احتمال أن تكون (فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) في الفطر.

ومنها إثبات الرخص في الشريعة الإسلامية لقوله: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ)؛ ولكن هـٰذه الرخص لا يمكن أن ترد إلا لسبب، وإلا كان الشرع متناقضا فكل رخصة رخصها الله فإنها لسبب، وإلا كان الشرع متناقضا أو كان الشرع غير حزم.

ومن فوائده أيضا -من فوائد الحديث- أن الأخذ بالرخصة ليس بواجب، لقوله: (فَحَسَنٌ) ولم يقل: فحق أو فواجب، وإنما قال: (فَحَسَنٌ).

وزيادة على ذلك قال: (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)، وهو يؤكد أن الأخذ بالرخصة ليس بواجب.

ومن فوائد الحديث الرد على الجبرية (أَخَذَ بِهَا)، (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ).
ومن فوائد الحديث أيضا الرد على من يقول: إنه لا يجوز صوم رمضان في السفر، وهم الظاهرية لقوله: (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) وهـٰذا صريح.

ومنها أنه يجوز إضمار ما دلّ السياق عليه ولا يعد ذلك إلغازا في الكلام.
أي جواز الإضمار في الشيء إذا دلت عليه القرينة سواء كانت متصلة أو منفصلة، ولا يعد هـٰذا من باب التّعمية.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 17-09-07, 03:13 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي صوم الكبير

[الحديث الثالث والعشرون]
وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ اَلْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ, وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا, وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ, وَالْحَاكِمُ, وَصَحَّحَاهُ.
[الفوائد]


الفوائد هي:
أولا أن الشيخ الكبير إذا لم يستطع الصوم سقط عنه ووجب عليه بدله وهو أن يطعم عن كل يوم مسكينا.

ثانيا يقاس عليه من يشبهه من ذوي الأعذار التي لا يرجى زوالها؛ لأن العلة واحدة، وهي العجز عن الصوم عجزا مستمرا، مثل أصحاب الضعف المنهك الذي لا يُرجى قوتهم فيما بعد، وكأصحاب داء السكري الذين يحتاجون إلىٰ الشرب دائما، وكذلك أصحاب أمراض الكلى الذين يحتاجون إلىٰ الشرب دائما، وكذلك من به مرض يحتاج إلىٰ تناول الدواء كل يوم كل ست ساعات مثلا، وكذلك أصحاب أمراض السرطان وشبهها مما لا يرجى زواله، فحكمهم كالشيخ الكبير.
ومن فوائد الحديث أنه يجب أن يطعم عن كل يوم مسكينا، لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكينا، الواجب أن يطعم عن كل يوم مسكينا لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكينا، والفرق بينهما واضح، وعلى هـٰذا لابد أن يطعم بعدد الأيام.

فلو يقال: أنا سأخرج طعاما يكفي ثلاثين مسكينا لستة فقراء أطعمهم خمسة أيام، فالجواب: لا يجزي، لابد عن كل يوم مسكينا.

ومن فوائد الحديث أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه، لقوله: (وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ)، وقد يقول قائل: إن هذا ليس بفائدة؛ لأن هـٰذا رجل لا يستطيع القضاء؛ بل يقال: بل له فائدة، وهو ما إذا شفي هـٰذا الرجل من مرضه، أما الكبير فالكبير ما يزول كبره، لكن لو كان لمرض لا يرجى برؤه ثم شفاه الله، فإنه في هـٰذه الحال لا يلزمه القضاء لأن ذمته برئت، ولم يبق مطالبا بشيء.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 23-09-07, 01:14 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي كفارة الجماع في رمضان

[الحديث الرابع والعشرون]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: ((وَمَا أَهْلَكَكَ ?)) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً?)) قَالَ: لا. قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ?)) قَالَ: لا. قَالَ: ((فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا?)) قَالَ: لا, ثُمَّ جَلَسَ, فَأُتِي اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهَذَا)), فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا? فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا, فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)) رَوَاهُ اَلسَّبْعَةُ, وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
[الفوائد]
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة، حتى إن بعضهم جمع فيه ألف فائدة وفائدة:
أولا حسن خلق النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودعوته إلىٰ شرع الله، وجه ذلك أنه لم يعنف هـٰذا الرجل ولم يوبخه على ما صنع، مع أن الذي صنعه من كبائر الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرمة رمضان، وفرضية الصوم؛ ولكن لم ينتهره النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لماذا؟ لأن الرجل جاء تائبا، وفرق بين من يجيء تائبا يريد الخلاص، وبين إنسان غير مبالٍ بما يصنع من الذنوب.
ومن فوائد هـٰذا الحديث أنه يجوز للرجل أن يخبر عن ذنبه عند الاستفتاء، ولا يقال: إن هـٰذا من باب كشف ستر الله عز وجل. لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينكر عليه لم يقل اجعل هـٰذا بيني وبينك، ما أنكر عليه.

ومن فوائد هـٰذا الحديث أن الرجل إذا أفطر بالجماع وجبت عليه الكفارة وإن لم يعلم أنها واجبة عليه، لأن هـٰذا الرجل لم يدر ما يجب عليه؛ لكن يدري أن الجماع حرام، نعلم ذلك من قوله: (هَلَكْتُ)، وإن كان فيه احتمال أنه أُخبر أنه فعل بأن ذلك حرام؛ لكن هـٰذا الاحتمال وارد وقد مر علينا أن الأصل عدم الوارد؛ بمعنى أن هـٰذا الاحتمال يرد على القضية ورودا، يعني ليس هو من لوازم القضية؛ بل هو وارد عليه، والأصل عدم الورود.
فإذا قال قائل: يحتمل أنه أُخبر بعد أن فعل. قلنا: أين الدليل؟ الأصل عدم ذلك.
وحينئذ يبقى الاستدلال بهذا الحديث واضحا بأن الرجل كان عالما بأنه حرام؛ ولكنه جاهل بما يجب عليه.

هل يقاس على ذلك ما لو زنا رجل وهو يعلم أن الزنا حرام لكنه يجهل الحد الواجب فيه؟ يقاس عليه لا شك؛ لأن العلم العقوبة ليس بشرط، الشرط العلم بالحكم الشرعي، فإذا علم الإنسان الحكم الشرعي وأقدم على انتهاكه عوقب بما يقتضيه ذلك الانتهاك، والعلم بالحد ليس بشرط، وقد مرّ علينا في كتاب الحدود أن الشّرط أن يكون عالما بالتعريف.

ومن فوائد هـٰذا الحديث وجوب الكفارة المغلظة في الجماع في نهار رمضان؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجب عليه الكفارة.

فإن قلت: هل يقاس على ذلك إذا كان صائما في قضاء رمضان أو لا يقاس؟ يقال: لا يقاس، والفرق بينهما حرمة الزّمن.

وعليه فلو أنّ الرجل جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاء فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم؛ وهو نهار رمضان.
ولذلك الآن يدلكم على هـٰذا لو أن رجلا أفطر في قضاء رمضان عامدا، فالفطر حرام؛ لكن هل يلزمه الإمساك للغروب؟ لا، ولو أفطر في نهار رمضان عامدا فالفطر حرام ويلزمه الإمساك.
وإذا كان الجماع في نهار رمضان يمتاز عن غيره بهذه العلة، فإنه لا يمكن إلحاق غيره به.
من جامع زوجته في كفارة، ليس عليه كفارة؛ لكن صومه يبطل بلا شك لكنه ليس عليه كفارة ككفارة المجامع في نهار رمضان.

ويستفاد من هـٰذا الحديث أن الرّجل لو جامع غير زوجته في نهار رمضان من باب أولى.
قد يقول قائل: إن هـٰذا سيُحد ويكتفى بحده عن الكفارة، فلا يجمع عليه بين كفارتين.
فالجواب عن ذلك: أن يقال: أما قوله: (عَلَى اِمْرَأَتِي) فهـٰذا وصف فردي لا أثر له.
الوصف الفردي الذي يسميه بعض الأصوليين مفهوم اللقب، هـٰذا لا أثر له، والأثر الحقيقي للمعنى وهو الفعل الذي هو الجماع، هـٰذا وجه.
ووجه آخر لا يمكن أن نقول هـٰذا؛ لأنه الأغلب، لأنك لو قلت: إنه الأغلب كان معناه في غير الأغلب يطأ غير زوجته، لكن هـٰذا وصف فردي ليس قيدا فلا يؤثر في الحكم.
إذن نقول: إذا جامع غير امرأته في نهار رمضان، فإن انطبقت عليه شروط الحد وجب عليه شيئان:
• كفارة الجماع.
• والثاني الحد.
وإن وقع على غير امرأته على وجه يعذر فيه كالوطء بشبهة فعليه الكفارة فقط.

يستفاد من هـٰذا الحديث أنه لو جامع زوجته في رمضان وهو صائم، والصوم غير واجب عليه فلا كفارة عليه.
وعلى هـٰذا فلو أن رجلا كان مع امرأته في نهار رمضان صائمين وهما مسافران فجامعها فلا شيء عليه.

ويستفاد من هـٰذا الحديث جواز الفتوى بدون السؤال عن الموانع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يسأله: هل أنت مسافر؟ ولأن قوله: (هَلَكْتُ) يدل على أن الصوم واجب عليه.
وحينئذ لا يستقيم هـٰذا الاستدلال؛ ولكن المسألة من حيث هي صحيحة؛ يعني أنه يجوز للمفتي أن يفتي ولا يسأل عن الموانع.
فلو جاءه رجل وقال: إني طلقت زوجتي طلقة، فهل لي أن أراجعها؟ هل يلزم أن يقول: طلقتها في الحيض؟ طلقتها في طهر لم تجامعها فيه؟ طلقتها حاملا؟ طلقتها في طهر جامعتها فيه؟ لا.
لو جاءه يسأل: هلك هالك عن ابن وعم، هل يلزمه أن يسأل: هل الابن قاتل؟ هل هو رقيق؟ هل هو مخالف لدين أبيه؟ لا.
فذكر الموانع لا تتوقف عليه الفتوى.
أما التفصيل في أمر وجودي فلابد منه، كما لو قال السائل: هلك هالك عن أخ وبنت وعم، فهنا البنت ما يحتاج يستفصل فيها، وعن أخ، وعم شقيق يحتاج يستفصل، يقول: ما الأخ؟ إن كان أخا لأم فالباقي بعد فرض البنت للعم، وإن كان أخا لغير أم فالباقي بعد فرض البنت للأخ، وحينئذ يحتاج إلىٰ استفصال، بخلاف ذكر الموانع فليس بشرط، إنما لو ذُكر المانع في الاستفتاء يجب أن يفتي على حسب هـٰذا المانع.
الحدود، قد يقال: تدرأ بالشبهات فلابد من الاستثبات.
قد يقال: إذا كثر الجهل، وقد يقال:إنه لا يلزم لأن الصحابة في عهد الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كانوا يطلقون ويفتون ويأخذون بالعدة، ويدل لذلك أنهم ليسوا كلهم يعلمون هـٰذا فابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقد يقال: إذا غلب الجهل، وقد يقال: أن الأصل السلامة، غلب عليهم الجهل وغلب عليهم نقص الإيمان.

من فوائد هـٰذا الحديث السؤال عن المجمل، سؤال المفتي عن المجمل، يؤخذ من قوله: (وَمَا أَهْلَكَكَ؟) لما قال: (هَلَكْتُ).

ومن فوائده أيضا إثبات رسالة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقوله: (يَا رَسُولَ اَللَّهِ) فأقرّه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومن فوائده أيضا أنه تنبغي الكناية عما يستحيا منه، لقوله: (وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي) ولم يقل: جامعت.

من فوائد الحديث الاستفهام عن الشيء مَرتبة مرتبة إذا كان له مراتب؛ لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قال: هل تجد كذا؟ هل تجد كذا؟ هل تجد كذا؟ دل هـٰذا على أن المفتي ينبغي أن يسأل عن مراتب الشيء أولا بأول إذا كان له مراتب.

ومن فوائده أيضا أنه لا يجزئ الجمع بين خصلتين من خصال الكفارة، كما لو أعتق نصف عبد، وأطعم ثلاثين مسكينا، أو صام شهرا، لقوله: (رَقَبَةً)، وقوله: (شَهْرَيْنِ)، وقوله: (سِتِّينَ مِسْكِينًا).

ومن فوائد الحديث أنّ كفارة الجماع في نهار رمضان على الترتيب؛ لأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينتقل عن خصلة إلا حين قال الرجل: إنه لا يستطيع أو لا يجد.

ومنها فضيلة العتق؛ لأنه بدأ به أولا، ولأنه كفارة عن هـٰذا الذنب العظيم.

ومنها إثبات الرّق شرعا، لقوله: (هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً)، فإذن الرق ثابت.

ومنها جواز قول الإنسان لذي الشرف والمنزلة العظيمة لا، دون أن يلجأ إلىٰ قوله: سلامتك. فلا بأس أن تقول للإنسان ولو كان كبيرا في المرتبة أن تقول: لا.

ومنها أيضا صحة الاكتفاء بالجواب بما يدل عليه، لقوله: (لا)، فإن كلمة (لا) تتضمن جملة السؤال، ولهذا يقال: إنّ السّؤال معاد في الجواب.

ومن فوائد الحديث أن الإنسان مؤتمن على عباداته، يؤخذ من اكتفاء الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بجواب هـٰذا الرجل، بقوله: (لا)، لم يقل: هات بينة أنك لا تجد، ولما قال: لا أستطيع الصوم. قال إنك امرئ شاب أو ما أشبه ذلك تطيق، فالإنسان مؤتمن على عباداته.
ولهذا قال العلماء: إن الرجل يصدق إذا قال: إني صليت. أو قال: إني أديت الزكاة. أو قال: إني صمت. أو قال: إني كَفَّرت.. أو ما أشبه ذلك، ويصدق بلا يمين؛ لأنه مؤتمن على عباداته.
اللهم إلا فيما كان فيه حق للآدمي كالزكاة، فإنه قد يتوجب إلزامه بدليل أحيانا إذا اتهمه قاضي أو اشتبه في أمره. أما الحق الخاص لله المحض فهـٰذا لا يحلف عليه الإنسان؛ لأنه مؤتمن على دينه فيما بينه وبين ربه.

ومن فوائد الحديث اشتراط التتابع في صيام الشهرين، لقوله: (مُتَتَابِعَيْنِ) فلو أفطر بينهما يوما واحدا أعاد من جديد، حتى وإن لم يبق إلا آخر يوم فإنه يعيد من جديد.
ولكن لو أفطر لعذر كمرض وسفر وما أشبهه، فهل يقطع التتابع؟ لا، لماذا؟ لعموم قوله تعالىٰ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن:16]، وهـٰذا ملتزم بتقوى الله عز وجل وأن يصوم شهرين متتابعين لكن حصل له مانع.
ماذا تقولون، لو سافر ليفطر؟ ينقطع التتابع أو لا؟ نعم ينقطع التتابع، إذا أفطر ينقطع التتابع؛ لأن هـٰذا حيلة على إسقاط ما أوجب الله عليه.

ومن فوائد الحديث أن المعتبر الشهور لا الأيام، لقوله: (شَهْرَيْنِ)، والشهر كما قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((يكون هكذا وهكذا وهكذا، ويكون هكذا وهكذا وهكذا)) وقبض الإبهام يعني أن يكون تسعة وعشرين،( ) ولهذا فإذا ابتدأ الصوم في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول ينتهي في اليوم السادس عشر من شهر جمادى الأولى، حتى وإن شهر ربيع الأول ناقصا وشهر ربيع الثاني ناقصا فيصوم ثمانية وخمسين يوما.

ومن فوائد الحديث أنه لابد من إطعام ستين مسكينا، لا إطعام طعام ستين مسكينا، بينهما فرق. إذا قلنا: إطعام طعام ستين مسكينا. صار معناه أن يجمع ما يكفي ستين مسكينا ويعطيه ولو مسكينا واحدا، وهـٰذا لا يجوز بل لابد من إطعام ستين مسكينا لقوله هنا: (فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا).

ومنها أننا إذا رجعنا إلىٰ البدل أخذنا بكمال المبدل منه، يؤخذ من (سِتِّينَ مِسْكِينًا) ولم نقل: إطعام ما يقابل شهرين متتابعين؛ لأنه في الصيام نقول: أنت وما يكون الشهران؛ لكن في الإطعام تطعم ستين مسكينا عن ستين يوما؛ لأن الله جعل على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين.

من فوائد الحديث عظم الجماع في نهار رمضان، لقوله: (هَلَكْتُ) ولإيجاب الكفارة المغلظة؛ لأن أغلظ الكفارات هـٰذه كفارة الظهار وكفارة القتل، فهـٰذا يدل على أن الجماع في نهار رمضان من أعظم الذنوب.
فإن قلت: هل تجب الكفارة في غير الجماع، كما لو أكل أو شرب أو أنزل بتقبيل.. أو ما أشبه ذلك؟
فالجواب: لا؛ لأنّ الإنسان لا ينال من الشهوة بهـٰذه الأمور كما ينال بشهوة الجماع؛ ولأن شهوة الجماع شهوة تمتّع وتلذذ، وشهوة الأكل في الغالب شهوة حاجة، فلهذا خففت، يعني فلو أن الإنسان أكل أو شرب عامدا فلا كفارة عليه بخلاف الجماع.

من فوائد الحديث أن الإنسان قد يرزق من حيث لا يحتسب؛ لأن الله ساق صاحب هـٰذا التمر إلىٰ أن جاء به إلىٰ مجلس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان فيه هـٰذا الفقير، لقوله: (ثُمَّ جَلَسَ, فَأُتِي اَلنَّبِيُّ..) إلىٰ آخره.

ومن فوائد الحديث سقوط كفارة الوطء في نهار رمضان عند العجز عنها، تؤخذ لأنه لما قال: لا أستطيع إطعام ستين مسكنا. ما قال: تبقى في ذمتك.

لكن يعكر على هـٰذه الفائدة أنه لما جيء بالتمر قال له: خذ هـٰذا وتصدق به، فإن هـٰذا يدل على أنها لم تسقط، وسيأتي إن شاء الله البحث فيه قريبا.

ومن فوائد الحديث أيضا أن الإنسان ينبغي إذا استفتى مفتيا في حلقة علم أن يجلس فيها ليطلب العلم، لقوله: (ثُمَّ جَلَسَ).

من فوائد الحديث أيضا أنه يجوز دفع الصدقات للإمام ليقوم بدفعها لأهلها، (فَأُتِي اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) لأن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هو الإمام والناس يأتون إليه أحيانا بمثل هـٰذا ليصرفه في أهله.

ومن فوائد الحديث أن الإمام مخيّر في صرف ما يأتيه من الأموال؛ بمعنى أن له أن يخصّ به من شاء، فلا يقال: يجب أن يوزعه على الناس بالسوية، نقول: هو مخير في أن يدفعه لمن شاء. من أين يؤخذ؟ من قوله للرجل: (تَصَدَّقْ بِهَذَا)، مع أن هـٰذا الرجل في الواقع لم يأخذه إلا لدفعه كفارة لا لحاجته الخاصة.
إذن لو أن أحدا من الناس أرسل إليك دراهم من الزكاة لتدفعها، ورأيت رجلا طالب علم صاحب دين محتاجا للزِّواج، يحتاج إلىٰ عشرين ألف للزواج والدراهم التي أتتك عشرون ألفا، هل يجوز أن تعطيها لهذا الرجل وحده؟ هو من الزكاة، وعلى هـٰذا فيجوز أن تعطيها لهذا الرجل وحده لأنه من أهل الزكاة، ولا أحد يستطيع أن يحتج عليك؛ لأن الإنسان مؤتمن في هـٰذا الشيء.

ومن فوائد الحديث جواز مساعدة الإنسان في الكفارة، من قوله: (تَصَدَّقْ بِهَذَا).

ومن الفوائد أيضا أن الكفارة تسمى صدقة لقوله: (تَصَدَّقْ) والجامع بينهما أن الصّدقة كما قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار))،( ) والكفارة أيضا تُذهب خطيئة هـٰذه المعصية التي كفّر عنها.

من فوائد الحديث أيضا جواز ذكر الإنسان حاله من غنى أو فقر أو مرض أو حاجة لا على وجه الشكاية إلىٰ الخلق، لقول الرجل: (أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟)، فيجوز لك أن تخبر عن إنسان وتقول: إنه فقير. لا على سبيل الشكاية.

وهل يجوز على سبيل السؤال؟ تأتي لشخص أمين تخبره بأنك في حاجة لعله يعطيك؛( ) لأنه حين قال: (أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟) فإن لسان حاله يقول: أعطيني إياه. وعلى هـٰذا فيجوز للإنسان أن يذكر حاله للشخص تعريضا لإعطائه، وإن كان هـٰذا الرجل جاء ليستفتي؛ لكن نقول: إذا جاز لهـٰذا وهو إنما جاء ليستفتي، فالذي جاء للغرض نفسه من باب أولى، ما دام الشرع أباح له، وإلا كنا نقول: أنت ما جئت لهذا، أنت جئت لتنقذ نفسك مما وقعت فيه، ولا ينبغي لك إذا جئت لهذا الغرض أن تدخل أمور الدنيا في هـٰذا.

ومن فوائد الحديث جواز إخبار الإنسان عن ما لا يحيط به علما بحسب ظنّه، (فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا)؛ لأن هـٰذا لو أردنا أن نصل إلىٰ العلم اليقيني فيه لكان لابد أن نبحث كل بيت وحده، وهـٰذا الرجل ما بحث كل بيت وحده قطعا.
إذن يجوز أن تخبر عن ما يغلب عل ظنك، ولا يعد هـٰذا رجما بالغيب. ولهذا قال الله تعالىٰ: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[الحجرات:12]، ولم يقل: إن الظن إثم. لأن الظن المبني على القرائن ليس بإثم، كذلك الظن الذي لا يُحقق فيه؛ بمعنى أن الإنسان إذا اتهم أحدا بشيء ذهب يبحث ويستفسر، هـٰذا لا يجوز.

ومن فوائد الحديث جواز ضحك الإمام بحضور رعيته، من قوله: (فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إمام الأئمة عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وهو أشد الناس حياء، لو كان هـٰذا مما يستحيا منه ما فعله الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، بل هـٰذا يدل على طيب النفس وسعة الخلق.
بعض الناس إذا كان له منزلة أو جاه يأنف أن يضحك، حتى ولو ضحك الناس يأنف أن يضحك، يقول: أضحك وأنا كبير، أضحك وأنا غني، أضحك وأنا عالم، أضحك وأنا الوزير، أضحك وأنا الأمير، أضحك وأنا الملك، ما يصلح الضحك للصغار، ماذا نقول؟ نقول: ضحك من هو خير منا؛ الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.

وفيه أيضا أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كما أنه يتبسم كثيرا، فإنه يضحك أحيانا ليس كثيرا، ضحكه قليل لكن تبسمه كثير عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.

هل يستفاد منه جواز الضحك على ما يتعجب منه؟ نعم، حتى ولو للإمام ، لأنه إذا جاز للإمام الذي هو محلّ الوقار فجوازه لغيره من باب أولى؛ لكن لابدّ أن يكون لها سبب، أما أن يضحك على غير سبب فهـٰذا يعتبر من قلة الأدب؛ لكن إذا كان لسبب فهـٰذا يعتبر الإنسان على فطرته وأنه ما عنده تزمت، ولا عنده انزواء، ولا عنده كبرياء، لأن ما تدعو الفطرة إلىٰ الضحك منه هـٰذا فلا بأس به.

ومن فوائد هـٰذا الحديث أن الأمر قد يراد به الإباحة، الشاهد: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)؛ هـٰذا أمر لكنه يراد به الإباحة.
وهكذا نأخذ قاعدة أن الأمر بعد الاستئذان للإباحة؛ لأن الاستئذان يفيد المنع، فإذا جاء الأمر بعد المنع فهو للإباحة، كما قال العلماء رحمهم الله: إن الأمر بعد النهي للإباحة، واستدلوا بقوله تعالىٰ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾[المائدة:02]

ومن فوائد الحديث جواز كون الإنسان مصرفا لكفارته.
قال: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ).هل هو على سبيل الكفارة؟ أو على سبيل أنك في حاجة، والكفارة ما تجب إلا لغني قادر عليها؟ ستقولون: يحتمل.
الرجل يقول: أن أهل بيته في حاجة، ويقول: أنهم محتاجين، وكل من في المدينة أغنى منه، ما فيه أهل بيت أحوج منه. الذين ليس في البلد أحوج منه، معناه هو المسكين.وحينئذ لا تجب عليه الكفارة.
بعض العلماء استنبط الفائدة التي أشرنا إليها؛ أنه يجوز أن يكون الإنسان مصرفا لكفارته بشرط أن يقوم بها غيره، أما أن يقوم بها هو، ليس بصحيح.
واحد عليه إطعام ستين مسكينا، يذهب يشتري ما يكفي ستين مسكينا ويعطيها لأهله يأكلوها، هـٰذا لا، لكن إذا أعطاها إياه غيره قالوا: فهـٰذا دليل يدل على جواز ذلك.
لكن علماء آخرين قالوا: هـٰذا ليس بصحيح، ولا يستفاد هـٰذا من الحديث؛ لأن قول الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) إنما أعطاه إياه، لا على أنه كفارة؛ ولكن على أنه لدفع حاجته، بدليل أنه لابد من إطعام ستين مسكينا. ولم يقل: إن أهل هـٰذا الرجل ستون نفرا.
فإن قلت: يمكن ذلك. هو يمكن؛ لكن نقول: حتى وإن كان ممكنا، كان على الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أن يقول: هل أهلك يبلغون ستين مسكينا؟ حتى يتبين أن ذلك من أجل الكفارة.
ولهذا الصواب في هذه المسألة أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) من باب دفع الحاجة لا من باب الكفارة.
وحينئذ يبقى النظر في الفائدة التي أشرنا إليها سابقا وهي: هل تسقط الكفارة عن الفقير أو تبقى دينا في ذمته؟
فيه خلاف بين العلماء:
بعضهم قال: إنها لا تسقط؛ لأن هـٰذا دين والدين لا يسقط بالإعسار؛ بل يبقى في ذمة المدين إلىٰ أن يغنيه الله. ويدل لذلك أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بعد أن قال الرجل: إنه لا يستطيع. قال له: خذ هـٰذا فتصدق به. ولو كانت ساقطة بعدم الاستطاعة لكان الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ما يقول: خذ هـٰذا تصدق به. إذن قد سقطت عنه ويعطيه هـٰذا إما لدفع حاجته، وإما يعطيه غيره من الناس.
وهـٰذا في الحقيقة إيراد جيد، هـٰذا القول بأنها تسقط بالعجز.

ولكن الصحيح أنها تسقط بالعجز، ويدلّ لذلك:
أولا عموم قوله تعالىٰ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن:16]، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾[البقرة:286]، هـٰذا واحد.

ثانيا تدبرنا جميع موارد الشريعة ومصادر الشريعة وجدنا أنها لا توجب على الإنسان ما لا يستطيع، فالزكاة لا تجب على الفقير، والحج لا يجب على الفقير، والصوم لا يجب على العاجز عنه، وهكذا أيضا هـٰذه الكفارة لا تجب على العاجز عنها.

ثالثا أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هـٰذا الحديث لما قال: (أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)، لم يقل: وإذا اغتنيت فكفّر. وهـٰذا يدل على سقوطها.

وأما قول الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: خذ هـٰذا فتصدق به. فيمكن أن يجاب عنه: بأن الرجل إذا اغتنى في الحال فإنه تلزمه الكفارة.
مثل لو كان حين الجماع في نهار رمضان فقيرا وفي ذلك اليوم أو بعده بيوم أو يومين مات له مورّث غني فاغتنى، حينئذ نقول: تجب عليه الكفارة؛ لأن الوقت قريب، فيمكن أن يفرق بين شخص اغتنى قريبا وشخص آخر لم يغتنِ، فإن هـٰذا لا تلحقه، وهـٰذا أقرب شيء أنها تسقط بالعجز؛ لأن الأدلة تشهد لذلك.
في هـٰذا الحديث اختلاف في الألفاظ، فهل هـٰذا الاختلاف يقتضي أن يكون الحديث مضطربا؟ وإذا اقتضى أن يكون مضطربا صار الحديث ضعيفا؛ لأن المضطرب -كما سيأتينا إن شاء الله تعالىٰ- من قسم الضعيف؟
فالجواب: لا، لأن الاختلاف في الألفاظ إذا كان لا يعود إلىٰ أصل الحديث فإنه لا يضر؛ لأن الأصل المقصود من الحديث هو وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، والروايات كلها متفقة في ذلك، أما اختلاف الألفاظ في كونه أقسم على أن ما بين لابيتها أفقر منه، وفي قوله: (أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)، وفي قوله: ما بين لابيتها أهل بيت أفقر منا.. وما أشبه ذلك، فإن هـٰذا لا يضر.
وهـٰذه القاعدة ذكرها المحدثون رحمهم الله، وممن ذكرها ابن حجر عند اختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد حين اشترى قلادة من ذهب باثني عشر دينارا، ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فإن الرواة اختلفوا في عدد الثمن، هل هو اثنا عشر دينارا أو أقل أو أكثر، فقال ابن حجر: إن هـٰذا لا يضر لأن هـٰذا ليس في أصل الحديث. واختلاف الرواة في مقدار الثمن هـٰذا أمر يقع إذْ أن الإنسان قد ينسى كم عدد الثمن.
هـٰذه أيضا اختلاف الألفاظ لكنها لا تعود إلىٰ أصل الحديث، وعلى هـٰذا فالحديث سالم من الاضطراب وهو صحيح.
فيه أيضا هل المرأة -زوجة الرجل- عليها كفارة، الحديث ليس فيه شيء.
ومن ثم اختلف العلماء هل على المرأة المجامعة كفارة أو لا؟
منهم من قال: إنه لا شيء عليها؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل له: مر أهلك بالكفارة. والسكوت عن الشيء مع دعاء الحاجة إلىٰ ذكره دليل على عدم وجوبه، فسكوت الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ من الحاجة الداعية إلىٰ الذكر يدل على أنه ليس بواجب.
ومنهم من قال: بل المرأة المختارة كالرجل؛ لأن الأصل تساوي الرِّجال والنساء في الأحكام إلا بدليل.
وأجاب عن هـٰذا الحديث بعدة أوجه:
الوجه الأول: أن هـٰذا الرجل جاء يستفتي عن نفسه، والاستفتاء عن النفس في أمر يتعلق بالغير يجاب الإنسان فيه على قدر استفتائه ولا يبحث عن الغير، واستدلوا لذلك بأن هند بنت عتبة جاءت إلىٰ النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني. فقال لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خذي من ماله ما يكفيك وولد بالمعروف))( ) ولم يطلب أبا سفيان يسأله هل كلام المرأة صحيح أو لا.
ثانيا: أن الرجل يقول: هلكت، وفي بعض الألفاظ: وأهلكت. وهـٰذا يشعر بأنه قد أكره الزوجة، ولم يقل: هلك معي أهلي. ومعلوم أن الزوجة إذا كانت مكرهة فليس عليها شيء، فيكون هنا: لم تذكر الكفارة على المرأة لوجود ما يشعر بأنها مكرهة، والمكرهة ليس عليها شيء.
ثالثا: ربما كانت هـٰذه المرأة غير صائمة:
فقد تكون مريضة ما تستطيع الصوم.
أو طهرت من الحيض بعد طلوع الفجر -والصحيح أن من طهرت من الحيض بعد طلوع الفجر لا يلزمها الإمساك، فتكون تأكل وتشرب-، ولو أن زوجها قدم من سفر وهي طهرت بعد الفجر وهو قدم بعد الفجر جاز له أن يجامعها؛ لأن كلا منهما لا يلزمه الصوم.
ربما تكون حائضا، الرّجل يقول: هلكت وأهلكت. لكن هـٰذا بعيد بالنسبة لحال الصحابة، لكن فيه احتمال عقلا ليس ممتنعا.
قد تكون حاملا جاز لها الفطر. كل هـٰذا ممكن.
قد تكون مرضعا جاز لها الفطر.
إذن المرأة فيها احتمالات كثيرة.
وعندنا قاعدة أصيلة مؤصلة في الشريعة الإسلامية وهي: تساوي الرجال والنساء في العبادات إلا ما قام عليه الدليل.
وحينئذ فنقول: المرأة المطاوعة كالرجل، فإذا طاوعت المرأة زوجها في الجماع في نهار رمضان، فإن عليها من الكفارة ما على زوجها، إعتاق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطيع فإطعام ستين مسكينا.
إذا كانت هي تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين وزوجها لا يستطيع فماذا يكون؟ تصوم وزوجها يطعم.
فإذا قال زوجها: تبطئ علي شهرين متتابعين صائمة، لك الليل يكفيك، أتركها تصوم.
إذن فيه أيضا بحث في الحديث، لم يذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذا الرجل قضاء ذلك اليوم، فهل نقول: إنه لا قضاء عليه لأنه قد تعمد الفطر؟ فهل نقول: إن من تعمد الفطر لا قضاء عليه؟
نقول: ذهب إلىٰ هـٰذا بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: من تعمد الفطر في نهار رمضان فلا قضاء عليه.
ومعنى (لا قضاء عليه) يعني لا يقبل منه القضاء، فعليه أن يتوب عن الفطر وعن الصوم.
ولكن هو قال رحمه الله -شيخ الإسلام- إن أمر المجامع -يعني هـٰذا الرجل- بالقضاء ضعيف، لأنه ورد أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قال: ((صم يوما مكانه))،( ) لكن هـٰذا الحديث كما قال شيخ الإسلام: إنه ضعيف.( )

نحن نقول: عدم ذكر الصوم هنا:
إما أن يُخَرّج على ما خرجه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن المتعمد لا يقضي؛ لأنه غير معذور، وهـٰذا واحد.
وهـٰذا فيه نظر، لأن القول الراجح أن الإنسان إذا شرع في الصوم لزمه، وصار في حقه كالنذر؛ لأنه يبتدئ به معتقدا لزومه ووجوبه عليه، فهو كالناذر، والنذر يجب الوفاء به ولو أفسده صاحبه.
وعلى هـٰذا فنقول: إذا شرع في الصوم ثم أفطر متعمدا فهو آثم وعليه القضاء، أما إذا لم يشرع في الصوم أصلا، الرجل تعمّد أن يفطر هـٰذا اليوم من قبل الفجر، فالصحيح أنه لا قضاء؛ بمعنى لا ينفعه القضاء؛ لأنه تعمّد تأجيل العبادة عن وقتها بدون عذر، وكل عبادة مؤقتة إذا تعمّد الإنسان تأجيلها أو تأخيرها عن وقتها فإنها لا تقبل منه.
إذن هل هناك وجه آخر؟ نعم قال بعض العلماء: لم يوجب عليه قضاء الصوم؛ لأنه أوجب الكفارة، فكانت الكفارة كفارة عن هـٰذا اليوم وعن الجماع، فهما ذنبان دخل أحدهما في الآخر، وصارت الكفارة لهما جميعا؛ لأن الكفارة كفارة للأمرين للوطي والفطر، وعلى هـٰذا فيكتفى بها عن الصوم، هـٰذا جواب ثان.
جواب ثالث قالوا: لم يذكر وجوب الصيام عليه؛ لأن هـٰذا أمر معلوم أن من أفطر يوما فعليه قضاؤه، وما كان أمرا معلوما فإنه حاجة إلى الاستفصال عنه، أو التنصيص عليه؛ لأن هـٰذا الرجل هو نفسه قد أقر بأنه هلك، فكان مقتضى الحال أن يكون ملتزما بقضاء هـٰذا اليوم.
هل في الحديث دليل على أن الجماع مفسد للصوم موجب للكفارة سواء كان الإنسان عالما أو جاهلا أو ذاكرا أو ناسيا؟
قال بعض العلماء فيه دليل.
نقول: إن ظاهر الحديث وهو قوله: (هَلَكْتُ) يدل على أن الرجل كان عالما بذلك؛ لأنه لا هلاك إلا مع علم.
ولكن قد يقول قائل: ربما أن هـٰذا الرجل أخبر بعد أن فعل بأنّ هـٰذا حرام فقال: (هَلَكْتُ).
نقول: نعم، هـٰذا الاحتمال وارد؛ ولكن الأصل أصل الكلام على ظاهره، وأن الرجل علم أنه هالك قبل أن يُخبر؛ لأن الإخبار وارد على حال المخبر، والأصل عدمه.
وعلى هـٰذا فنقول: ليس فيه دليل على أن من جامع وهو جاهل فعليه الكفارة؛ بل الجماع مع الجهل كالأكل مع الجهل، وكسائر المحظورات مع الجهل فإنه يُعذر فيها.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 23-09-07, 01:20 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث الخامس والعشرون]
وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ, ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
زَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: وَلا يَقْضِي.
[الفوائد]
في هـٰذا الحديث دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصبح جنبا وهو صائم ولا حرج عليه في ذلك، مثل أن يجامع زوجته قبيل الفجر أو قبل الفجر ثم لا يغتسل إلا بعد طلوع الفجر وهو صائم، فلا بأس بذلك، وهـٰذا الحكم دل عليه قوله تعالىٰ: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾[البقرة:187]، ووجه الدلالة من هـٰذه الآية أن الله أباح لنا مباشرة النساء والأكل والشرب إلىٰ طلوع الفجر، وهـٰذا يستلزم أن يكون الإنسان مجامعا إلىٰ آخر لحظة من الليل، وإذا كان كذلك فلابد أن يطلع عليه الفجر وهو لم يغتسل، وهـٰذا يسميه العلماء من باب دلالة الإشارة.
ويستفاد من الحديث جواز التصريح بما يستحيا منه للحاجة والمصلحة، كقول أمهات المؤمنين رضي الله عنهما: (كانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ) لكن إذا دعت الحاجة إلىٰ ذكر ما يستحيا منه فلا بأس؛ لأن الله لا يستحي من الحق.

وفيه دليل أيضا على جواز صوم الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل، من باب القياس؛ لأن كلا من الحائض الطاهر قبل أن تغتسل والجنب كلا منهما يجب عليه الغسل، فإذا صح صوم الجنب صح صوم الحائض.

وفيه أيضا دليل على أن هـٰذا شامل للفرض والنفل وجهه عدم التفصيل هـٰذا من وجه، وجه آخر قولها: (وَلا يَقْضِي) لأن القضاء من خصائص الواجب.

وفيه دليل على جواز مجامعة الرجل زوجته قُبيل الفجر؛ بل كل الليل لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾[البقرة:187].
فإن طلع الفجر عليه وهو يجامع؟
المذهب أنه إن بقي وجبت عليه الكفارة، وإن نزع وجبت عليه الكفارة.
إن بقي واضح أنه وجبت عليه الكفارة لأنه عصى الله عز وجل، في قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ﴾ إلىٰ قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾.
وإن نزع، فالنزع عندهم جماع، لأن الإنسان يتلذذ به، فيكون هـٰذا واقعا في الإثم، وتلزمه الكفارة.
والصحيح أنه لا يلزمه شيء إذا نزع فورا، وأن هـٰذا النزع ليس بحرام بل هو واجب، وما كان واجبا فإنه لا يؤَثم به الإنسان، وإذا لم يؤَثم فلا كفارة. ( )
ولكن يجب عليه من حين أن يعلم أن الفجر طلع يجب عليه أن ينزع.
هل علم الفجر يكون بالأذان ؟
ينظر بعض المؤذنين يؤذن قبل الفجر؛ لكن إذا علمت أن هـٰذا المؤذن لا يؤذن حتى الفجر أو يخبره عنه ثقة، وجب عليك أن تعمل به؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر))( ) هكذا قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وبناء على ذلك، فإن الإنسان إذا سمع المؤذن وكان يعرف أن هـٰذا المؤذن مؤذن ثقة لا يؤذن إلا إذا رأى الفجر أو أخبره به ثقة، فإنه يجب عليه العمل بالسماع.
فإن شك، فالأصل بقاء الليل؛ لكن ينبغي للإنسان أن لا يُعَرِّض صومه للخطر.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 23-09-07, 01:29 PM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث السادس والعشرون]
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا; أَنَّ النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[الفوائد]
هـٰذا الحديث فيه فوائد:

أولا مشروعية الصيام للولي إذا مات مورثه قبل أن يصوم الواجب عليه، يؤخذ ذلك من قوله: (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) ولو لا هـٰذا لكان الصيام عنه بدعة وكل بدعة ضلالة.

ويستفاد أيضا من هـٰذا الحديث أن من مات وعليه صيام من رمضان فإنه يصام عنه، لعموم قوله: (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ)، وهـٰذا هو القول الراجح في هـٰذا الحديث.

وذهب بعض أهل العلم إلىٰ أنه لا يصوم أحد عن أحد.
وذهب آخرون إلىٰ أنّه يصام النذر، ولا يصام قضاء رمضان.
فالأقوال إذن ثلاثة.
حجة القائلين بأنه لا يصام عن أحد حديث روي عن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنه قال: ((لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد))،( ) وهـٰذا عام، فيكون هـٰذا الحديث على رأيهم منسوخا؛ لأنهم لا يقولون به.
ويقولون أيضا: لو قلنا أنه يصوم عنه، فإن أثمناه بعدم الصوم خالفنا قوله تعالىٰ: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[الأنعام:164]، وإن لم نؤثمه فقد يكون مخالفا لظاهر الحديث؛ لأن ظاهر الحديث (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) هـٰذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.
أما الذين قالوا: إنه في النذر خاصة، أن هـٰذا في النذر دون الفريضة الواجبة في أصل الشرع، فقالوا: لأن الواجب في أصل الشرع أوكد من حيث الفرض من الواجب بالنذر؛ لأن:
الواجب في أصل الشرع أوجبه الله على عباده عينا.
والواجب بأصل النذر أوجبه الإنسان على نفسه، فدخلته النيابة دون الواجب بأصل الشرع. فهو كما لو التزم الإنسان بديْن عليه ثم مات فإنه يقضى عنه.
ولكن نقول: هـٰذا التعليل عليل.
الأول: الحديث ضعيف.
والثاني: لو فرضت صحته، لكان عامّا يخصص بهذا الحديث، ويكون معنى ((لا يصوم أحد عن أحد))، يعني لو كنا أحياء وقال شخص: والله أنا أعرف أن الصوم يكلفك؛ لكن أريد أن أصوم عنك، هـٰذا ما يجوز، وأما إذا مات فهي مسألة خاصة فيكون مخصصا للعموم على تقدير صحة الحديث.
أما على قرينة أنه خاص بالنذر فنقول لهم: هـٰذا ضعيف أيضا؛ لأنّا لو نظرنا إلىٰ الواجب بأصل الشرع والواجب بأصل النذر من الصيام لوجدنا أن الواجب بالنذر قليل بالنسبة إلىٰ الواجب بأصل الشرع.
متى يأتي رجل لينذر أن يصوم؛ لكن متى يكون عن رجل قضاء من رمضان؟ كثير، فكيف نحمل الحمل الحديث على الشيء النادر القليل، وندع الشيء الكثير، هـٰذا بعيد، إذا حملنا كلام الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ على الشيء النادر وألغينا الشيء الكثير، فهـٰذا صرف للكلام على ظاهره.
وعلى هـٰذا فنقول: الصواب بلا شك أنه يجوز أن يصام عن الميت ما كان واجبا بأصل الشرع وما كان واجبا بالنذر.
رجل مرّ به رمضان وهو مريض مرضا معتادا يرجى برؤه -كالزكام مثلا- استمرّ به المرض حتى مات في آخر شوال يعفى عنه أو لا؟ يعفى عنه، لماذا؟ لأنه لم يتمكن، والمريض عليه عدة من أيام أخر.
رجل آخر عليه قضاء من رمضان، كان مسافرا لمدة خمسة أيام، وقدم من سفره، وبعد مدة مُرض ومات، يصام عنه، لأن هـٰذا قد وجب عليه الصوم وتمكن منه وفرط فيه فيصام عنه.

هل يصام عنه متتابعا أو متفرقا؟
نقول: ظاهر الحديث (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أنه يجوز متتابعا ويجوز متفرقا. كما أن الأصل أن الميت الذي عليه الصوم لو صام متتابعا أو متفرقا جاز، فكذلك من صام عنه يجوز أن يصوم متتابعا ومتفرقا.
ففي الحديث دليل على أنه لو اجتمع عدد من الأولياء، وصام كل واحد منهم جزءا مما عليه فهو جائز، يؤخذ من عموم قوله: (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)، إلا إن كان الصوم مما يشترط فيه التتابع فلا يجزئ مثل الكفارة فإنه لا يجزئ؛ لأنه من ضرورة التتابع أن لا يصوم جماعة عن واحد.
فمثلا إذا قدّرنا أنهم عشرون نفرا، وواجب عليه صيام شهرين متتابعين كم يصوم كل واحد؟ ثلاثة أيام. لو صام واحد ثلاثة أيام، والآخر ثلاثة أيام، والثالث ثلاثة أيام، ما صام كل واحد شهرين متتابعين، حتى لو فُرض أن كلما فرغ واحد من ثلاثة شرع الثاني ثم الثالث إلىٰ آخره، فإنه لا يصح لأنه لم يصم كل واحد شهرين متتابعين.
أما في رمضان فيمكن لأن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة:185]، مطلقا، ولهـٰذا لو كان عليه عشرة أيام من رمضان وكان أولياؤه عشرة كل واحد يصوم يوما واحدا، وصاموا في يوم واحد، يجزئ؛ لأن هـٰذه عدة من أيام أخر، كلمة من أيام قد نقول: مبنية على الغالب، وإلا فإن هٰؤلاء عدة ولكن في يوم واحد إلا أن يقال: هـٰذا بناء على الغالب على أن الذي سيصوم الرجل وحده.
لهذا يكون قد تم الكلام عن الحديث الأخير.


انتهت مقدمة الكتاب، ويليه إن شاء الله تعالى
بَابُ صَوْمُ اَلتَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 25-09-07, 10:04 PM
منصور أبوعبدالله منصور أبوعبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-04-07
المشاركات: 10
افتراضي جزاك الله خيرا

جزاك الله خيرا
__________________
رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي
mn-alyosef@hotmail.com
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 16-10-07, 01:37 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

سلام عليكم

نكمل إن شاء الله

قال: (بَابُ صَوْمُ اَلتَّطَوُّعِ) صوم التطوّع من باب إضافة الشيء إلىٰ نوعه، فالصوم قد يكون واجبا كرمضان والكفارة والفدية، وقد يكون تطوعا.
ثم قال: (وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ) من الأيام، والنهي عن الصوم قد يكون لأمر يتعلق بالشخص، وقد يكون لأمر يتعلق بالزمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالىٰ.
صوم التطوع من محاسن الدين الإسلامي ومن رحمة الله تعالىٰ بعباده؛ لأن صوم التطوع:
أولا: يُكَمَّل به الخلل الحاصل في صوم الفرض.
ثانيا: يزداد به إيمان الإنسان وثوابه عند الله عز وجل، ولولا أن الله ما شرع صوم التطوع لكان صوم التطوع بدعة يأثم بها الإنسان، على هـٰذا نقول صوم التطوع فيه فائدتان:
الفائدة الأولى: تكميل الخلل الحاصل في الفرائض.
الفائدة الثانية: زيادة الأجر والثواب.
وقوله: (وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ) النهي معناه طلب الكف على وجه الاستعلاء، ويشملهما المنهيَّ عنه تحريما والمنهيَّ عنه تنزيها.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 16-10-07, 02:03 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

[الحديث السابع والعشرون]
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ اَلْأَنْصَارِيِّ( ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)), وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ))، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ, فَقَالَ: ((ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ, وَبُعِثْتُ فِيهِ, أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.( )
[الشرح]
فيستفاد من هـٰذا الحديث عدة فوائد:
1- حرص الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم عن العلم، يؤخذ من سؤالهم للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
هل سؤال الصحابة عن هـٰذا للعلم أو للعلم والعمل؟ للعلم والعمل، أما أسئلتنا هـٰذه فأكثرها للعلم. العلم كثير لكن العمل قليل.
2- ومن فوائد الحديث أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية وباقية، وظاهر الحديث أنه يكفر الصغائر والكبائر؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أطلق ولم يفصّل، وما أطلقه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه يكون مطلقا.
وقد أخذ بهـٰذا بعض العلماء وقال: إنه يكفر السنة الماضية والباقية، سواء كانت هـٰذه الذنوب صغائر أم كبائر.
ولكن الجمهور على أنه لا يكفر إلا الصغائر أما الكبائر فلابد لها من توبة، وأيدوا رأيهم قالوا: لأن صوم يوم عرفة ليس أوكد ولا أفضل من الصلوات الخمس أو الجمعة أو رمضان، وقد قال النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلىٰ رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)).( ) فقالوا: إن كانت هـٰذه العبادات العظيمة الجليلة التي من أركان الإسلام لا تقوى على تكفير الكبائر، فصوم هـٰذا اليوم من باب أولى.
الراجح أنه يقيد ما قيدت الصلوات الخمس ورمضان إلىٰ رمضان.
3- وظاهر الحديث أنه يسن أو يشرع صوم يوم عرفة لمن كان واقفا بها ولغيره، ظاهر الحديث هـٰذا؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يفصل، سئل عن يوم عرفة بدون أن يقال بعرفة أو خارج عرفة، وهـٰذه المسألة مختلف فيها:
فقال بعض العلماء فيمن كان واقفا بعرفة ومن لم يكن واقفا بها.
ولكن الصحيح الذي عليه الجمهور أنّه لمن لم يقف بعرفة، فأما من كان واقفا بها فالمشروع له أن يفطر، واستدل هٰؤلاء بأنه يُروى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة))،( ) وهـٰذا الحديث وإن كان ضعيفا؛ لكن يشهد له فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثابت في الصحيح أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتي يوم عرف بقدح من لبن فشربه والناس ينظرون إليه،( ) وهـٰذا يدل على أنّ المشهور هو الفطر، ولهذا أعلنه النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وأيضا فإن الذين في عرفة مسافرون، إن كانوا من غير أهل مكة فالأمر ظاهر، وإن كانوا من أهل مكة فالصحيح أنهم مسافرون؛ لأن أهل مكة كانوا يقصرون مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عرفة وفي مزدلفة وفي منى، وهـٰذا يدل على أنه مسافرون.
وإذا قُدِّر أن الرجل حج وهو من أهل عرفة فإن الأفضل له أن يفطر ليتقوّى بذلك على الدعاء الذي هو مخصوص بهـٰذا اليوم، وهو من أعظم ما يكون خير الدعاء دعاء يوم عرفة، والإنسان الصائم -كما نعلم- يكون في آخر النهار الذي هو أرجى الأوقات إجابة يكون عنده كسل وتعب فلا يكون قويا على الدعاء.
ويروى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، والحكمة من هـٰذا اليوم لمن كان حاجا ليتقوى على الدعاء؛ لأنّ الدعاء خاص بهذا الزمن، وفي هـٰذا المكان، بخلاف صوم يوم عرفة فلذلك أولى من المحافظة على صوم ذلك اليوم.
4- ومن فوائد الحديث أن التكفير يكون في الماضي والمستقبل لقوله: (اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)، ولكن المستقبل على سبيل الدوام مدى الحياة لم يرد إلا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأهل بدر، أما في حق الرسول فقوله تعالىٰ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح:02]، وأما لأهل بدر فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اطلع إلىٰ أهل بدر وقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.( ) وسبب ذلك أن هٰؤلاء القوم أتوا حسنى عظيمة أعز الله بها الإسلام وأهله وأذل الشرك وأهله، ولهذا سماه الله تعالىٰ يوم الفرقان، فكان من شكر الله عز وجل لهؤلاء السّادة أن قال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
ولهذا قال بعض العلماء: كلما رأيت حديثا فيه غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإنه ضعيف، كلمة (ما تأخر) تكون ضعيفة؛ لأن هـٰذا خاص بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما مؤقتا فكما رأيت بصوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية.
5- ومن فوائد الحديث فضيلة صوم يوم عاشوراء.
6- ومن فوائده أن فضل صوم يوم عاشوراء أدنى من فضل صوم عرفة؛ لأن صوم يوم عرفة يكفر سنتين وهـٰذا يكفر سنة واحدة.
7- ومن فوائده أن نعمة الله على المسلمين في الأمم السابقة هي نعمة على جنسهم إلىٰ يوم القيامة.
فانتصار المسلمين في الأمم السابقة هو من نعمة الله علينا، ولهذا صام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هـٰذا اليوم شكرا لله على ما أنعم على موسىٰ وقومه حيث أنجاهم من الغرق ونصرهم على فرعون وأغرق فرعون وقومه.
8- ومن فوائد الحديث فضيلة صوم يوم الاثنين، قال (ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ, وَبُعِثْتُ فِيهِ, أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) فهـٰذا يدل على أن صومه مستحب، وفيه فضل؛ لأن ذكر هـٰذه الأشياء التي فيها منفعة لعباد الله تدل على أنّ الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يرغب في أن يصام ذلك اليوم.
ولهذا قال الله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة:183-185]، فخصّ الله هـٰذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن، فدل ذلك على أن مزية هـٰذا الشهر بسبب نزول القرآن فيه.
واستدل بهـٰذا الحديث من قال: إنه يسن الاحتفال بمولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جعل هـٰذه المناسبة لها مزية، وهي صوم ذلك اليوم الذي ولد فيه، ولكن هل هـٰذا الاستدلال صحيح؟
ليس بصحيح، وهم لا يعملون به أيضا.
أما كونه غير صحيح فلأن:
أولا: الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قيّد الذي يشرع في هـٰذا اليوم، وهو الصوم، فدل ذلك أن ما عداه ليس بمشروع، فحينئذ يكون دليلا عليهم وليس دليلا لهم.
ثانيا: أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عيّن اليوم ولم يعيّن الشهر، وعلى هـٰذا فلو يصادف أن ولادة الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ -إن صح تعيين يوم ولادته- في غير يوم الاثنين فإنه لا يصام؛ لأن العلة هو صوم يوم الاثنين، التعيين في يوم الاثنين، فقط.
ثالثا: أن نقول أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قال: (ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ, وَبُعِثْتُ فِيهِ, أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) وهم لا يعتبرون الإنزال فيه، إنما يعتبرون الولادة، دون إنزال القرآن فيه، مع أن فضل الله علينا بإنزال على الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أكمل من فضله بالولادة؛ لأن الذي حصل فيه الشرف وتمت به النبوة للرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هو إنزال القرآن، أما قبل ذلك فإنه بشر من البشر، الذين ليسوا بأنبياء ولا رسل، ولم يكن نبيا إلا بعد أن أنزل عليه، ولم يكن هناك دين إلا بعد أن أنزل إليه.
ثم نقول: من قال لكم: إن ميلاده في شهر ربيع، وإن ولادته في الثاني عشر منه؟ كل هـٰذا غير متيقن، ومن المعلوم أن هـٰذه البدعة لم تحدث في عهد الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين، وأن القرون المفضلة انقرضت ولم يتكلم أحد منهم بكلمة، ولم يفعل أحد منهم فعلا من هـٰذا النوع، وعليه فيكون محدثا، وكل محدث يتقرّب به الإنسان إلىٰ الله فهو بدعة وضلالة.
ثم نقول أيضا: هـٰذه الذكرى التي تقيمونها كان عليكم أن تصبحوا يومها صائمين؛ لأن هـٰذه المناسبة التي عيّنها الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، أما أن تبقوا في تلك الذكرى كثير منكم يقدمون الحلوى والفرح وكذلك الأغاني التي كلها غلو لا يرضاها الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فليس هـٰذا من إقامة ذكراه؛ بل هـٰذه من محادّة الرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
9- نأخذ من هـٰذه الحديث مشروعية صيام ثلاثة أيام يومان سنويان ويوم أسبوعي.
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 01-11-07, 12:16 PM
أبو ليا النجدي أبو ليا النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-07-07
المشاركات: 11
افتراضي

بارك الله فيك
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 09-11-07, 09:00 AM
د.خالد الدعيجي د.خالد الدعيجي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-06-07
المشاركات: 16
افتراضي

بارك الله فيك
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 09-11-07, 07:55 PM
ابو محمد مطيع الرحمن ابو محمد مطيع الرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 05-08-07
المشاركات: 73
افتراضي

جزاكم الله خير الجزاء وبارك فيكم وأورثكم الفردوس الأعلي
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 06-09-08, 03:45 AM
سالم الجزائري سالم الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 205
افتراضي

وإن أردت تحمل التفريغ كاملا/

شرح بلوغ المرام- الملف (1) من كتاب الصيام-المقدمة، العثيمين رحمه الله

http://www.ajurry.com/vb/attachment....6&d=1208022021

شرح بلوغ المرام- الملف (2) من كتاب الصيام-باب صوم التطوع وما نهي عن صومه، العثيمين رحمه الله

http://www.ajurry.com/vb/attachment....7&d=1219772909

شرح بلوغ المرام- كتاب الصيام-باب (3 والأخير) الاعتكاف وقيام الليل، العثيمين رحمه الله

http://www.ajurry.com/vb/attachment....3&d=1220546031
__________________
أكتب باسم (سالم الجزائري) في ملتقى أهل الحديث فقط.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:39 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.