ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى السيرة والتاريخ والأنساب

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-03-08, 12:18 AM
جمال عبد الرحمن جمال عبد الرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-11-07
الدولة: Egypt
المشاركات: 53
افتراضي "الدر المنظم فى مولد النبى المعظم" لأبى القاسم العزفى

من كتاب " الدر المنظم فى مولد النبى المعظم" للعزفى

نقلا عن المخطوطة رقم 10 فى المجموعة، ص. 84 إلى 85 ظهر، والمخطوطة رقم 1741 فى مكتبة الاسكوريال، ومخطوطة المتحف البريطانى رقم 919، ومخطوطة مسجد ينى ياسطنبول.

وانظروا إلى ما جرّ على أهل هذا الزمن الغيبة عن مجالس العلماء، والمزاحمة بالركب لأهل التقوى، وعصابة الهدى حاملى السنن القائمين بالحقّ لا يضرّهم منْ خالفهم فافتتن، لتمسكهم بمناهج السلف اللاحبة السنن. ولا تغترّوا بمنْ يُنسب إلى العلم وقد اتّبع فى طاعة النسوان والصبيان هواه، فصدّه ذلك عن أن يكون قوّاماً لله بالقسط ولواه، والله تعالى يتداركنا بتوبة نصوح تلحفنا برداء تقواه.
وإن تعجب أيها الناصح لنفسه فعجب من إحصائهم لتواريخهم والاعتناء بمواقيتها، فكثيراً ما يتساءلون عن ميلاد عيسى (على نبيِّنا وعليه السلام) وعن ينّير، سابع ولادته، وعن العنصرة، ميلاد يحيى (على نبيِّنا وعليه السلام) فما أعانهم التوفيق، ولا القرين المرشد، ولا الرفيق، أن يكون سؤالهم عن ميلاد نبيّهم محمّد (صلى الله عليه وسلم)، خيرة الله من خلقه، وذلك من شكر نعم الله علينا بعض واجبه وحقّه، هاديهم من ضلالتهم ومرشدهم من غيّهم، العزيز عليه عنتهم، الحريص على هديهم، الشديد عليه ضلالتهم وفتنتهم، الرءوف الرحيم، شفيعهم الذى ضوعف لهم به ثواب محسنهم وتجووز عن مسيئهم، بل جماهير عامّتهم ودهمائهم، بل الذين يدعونهم بطلبتهم وعلمائهم لا يعرفونه ولا يتعرّفون، بل يقتنعون بأنّه عندهم فى كتبهم ويكتفون، والحمد لله.
فقد انتهى اليوم إلى العذراء فى خدرها، والحرّة المصونة فى سترها، ليهلك منْ هَلَكَ عن بيّنة ويحيا من حيي عن بيّنة بقيام حجّتها وانقطاع عذرها، والله يعيذنا من الفتن ويقينا غوائل شرّها، آمين.
قال المؤلف (رضى الله عنه): وأضافوا للتخفىّ عنها بالسؤال، والمحافظة عليها والإقبال، من بدع وشنع ابتدعوها، وسنن واضحة أضاعوها، بموائد نصبوها لأبنائهم ونسائهم وصنعوها، وتخيّروا فيها أصناف الفواكه وأنواع الطرف وجمعوها، وتهادوا فيها بالتحف التى انتخبوها، والمدائن التى صوّروا فيها الصور واخترعوها، ونصب ذوو اليسار نصبات فى الديار، كما نصب أهل الحوانيت، فنضّدوها، فقوم أباحوا أكلها لعيالهم وقوم منعوها، وجلوها كالعروس لا تغلق دونها الأبواب، وفى منصّتها رفعوها، وبعضهم أكل من أطرافها، ثمّ باعوها.
ولقد ذكر لنا غير واحد من المسافرين أنّ النصبة ببعض بلاد الأندلس (جبرها الله وأمنها) يبلغ ثمنها سبعين ديناراً، أو يزيد على السبعين، لما فيها من قناطير السكّر وأرباع الفانيذ وأنواع الفواكه، ومن غرائر التمر وأعدال الزبيب والتين على اختلاف أنواعها وأصنافها وألوانها، وضروب ذوات القشور من الجوز واللوز والجلّوز والقسطل والبلوط والصنوبر إلى قصب السكّر ورائع الأترجّ والنارنج والليم. وفى بعض البلاد طاجن من مالح الحيتان ينفقون فيه ثلاثين درهماً، إلى نحوها. ولقد شاهدت فى بعض الأعوام سدّ الحوانيت ممّن لا يبيع ما يحتاجون إليه، كسوق القيسريّة والعطّارين وغيرها من الأسواق، وفى ذلك لضعفائهم من الدلاّلين وغيرهم قطع المعايش وتعذّر الأرزاق. ويطلقون الصبيان من المكاتب ويشربون بذلك قلوبهم حبّ البدع الرواتب. فهذه أفعالنا، فهل منّا من تائب لائم لنفسه معاتب؟.
وكان هذا فى ينّير، ثّم صنعوا نحواً منه فى العنصرة وفى الميلاد، فكيف ينشأ على هذه الفتنة إلا مصرّ عليها مائل إليها من الأولاد، إذ يلقون إليهم أنه من عمل مثل هذا العمل، لم يخل عامه ذلك من رغد العيش وسعة الرزق وبلوغ الأمل. وربّما جعلوا جمّارةً تحت أسرّتهم تفاؤلاً وأمارة ليكونوا فى عامهم ذلك أكسى من الجمّارة، فهل سمعتم يا أولي الألباب بأعجب من هذا العجاب، طاعة ذوى النهى والأحلام من الرجال إلى الولدان وربّان الحجال.
وأرى أنه ما جرّ على أهل الأندلس هذا إلا جوار النصارى (دمّرهم الله من جيران) ومخالطتهم لتجّارهم، ومكاشفتهم عند الكينونة فى إسارهم، ولذلك حذّرنا من ترائى النيران. قال النبىّ (صلى الله عليه وسلم)، أنا برئ من كلّ مسلم مع مشرك لا تراءى نارهما. وما سرى ذلك إلى هذه العدوة، إلا بالإتباع لهم والقدوة، وما عبر من ذلك البّر، إلى هذا البّر بدعة أشنع منها ولا أضرّ.
قال المؤلّف (رحمه الله ونضّر وجهه وأجزل ثوابه)؛ فإن قيل، فإن كان الأمر كذلك ونبعت هذه العين المالحة من هنالك حتى مدّت أسيالها وبسطت أطنابها وجرّت أذيالها، وسقت البطالة، ذوى الطول والاستطالة، حميّا الفتنة وجريانها حتى أشبهوا أجناس النصارى وأجيالها، وقد استقرّ فى الأنفس أنّ قرارة علم المغرب الأندلس، وبصائر أهل المغرب فى ذلك مستبينة، وعمل قرطبة عندهم كالعمل بالمدينة، فما للراسخين من علمائها، والنحارير من حكامها، والصالحين من دهمائها، لم يصدعوا فى هذه البدع بالإنكار، بالمواعظ والتذكار، بالعشىّ والإبكار، والعادة قاضية فى الأمور الكبار، أن تفشو بها الأحاديث ويستفيض بها الأخبار.
فالجواب، والله الموفق للصواب، أنّ الأخبار قد استفاضت وامتلأت منها الأسماع وفاضت بالزجر والإنكار، والبكع لفاعلها بالتقريع والتبديع بل بالتضليل والإكفار، لكلّ من أعرض عن رواية الآثار، وتعاطى الفقه وتعرّض للفتوى، فلا تسأل عن السقوط لليدين والفم والعثار، وقد جمع فى ذلك شيخنا الفقيه الراوية الثقة التأريخى المسند أبو القاسم خلف بن عبدا لملك بن بشكوال الأنصارى القرطبى جزءاً حسناً هو مما أذن لنا فيه، وكتب به غير مرة إلينا. قال فى باب كراهية النيروز والمهرجان والميلاد وذّم الاحتفال لها، وترك تعظيمها والاستعداد لدخولها (وكان يمنع أكل ما يُذبح لها): كان السلف (رضى الله عنهم) وأهل الخير والفضل والدين والورع يكرهون هذه الفصول المذمومة ويعيبونها على فاعلها والمستعمل لها والمحافظ عليها، لأنها أعياد النصارى. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): منِْ تشبّه بقوم فهو منهم. ثمّ قال بعد ذلك: فإنى رأيت (عصمنا الله وإيّاك من مضلاّت الفتن، وأعاننا على إحياء السنن) الجمهور اللفيف والعالم الكثيف من أهل عصرنا قد تواطأوا على إعظام شأن هذه البدع الثلاث: الميلاد وينّير والمهرجان، وهو العنصرة، تواطؤاً فاحشاً، والتزموا الاحتفال لها والاستعداد لدخولها التزاماً قبيحاً، فهم يرتقبون مواقيتها ويفرحون بمجيئها، ولعمرى لقد نشبوا فى فتنة هوى، أوقعتهم فى بدعة عمى، وشاّقوا الله ورسوله من حيث لا يعلمون، واستسهلوا هذه البدع حين ألفوها وعظّموها حتى صارت عندهم كالسنة المتّبعة، وسكت العلماء (رضى الله عنهم) عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيها، وتأنّى السلطان فى تغييرها، وتمكّن الشيطان من تزيينها، فوقع الناس من هذه البدع فى أمر عظيم، إلا أن يتداركنا الله برحمته.
ثمّ قال: قال أحمد بن زياد: قال لنا ابن وضّاح: جاء الحديث أنّ عمر بن الخطّاب (رضى الله عنه) قال: اجتنبوا أعياد اليهود والنصارى، فإنّ السخط ينزل عليهم فى مجامعهم، ولا تتعلّموا رطانتهم فتتخلّقوا ببعض خلقهم. قال: وبلغنى أنّ ناساً من أهل العراق قالوا لعبد الله بن عمر (رحمه الله): كيف تقول فى النيروز، فإنّ أهل بلدنا يعظّمونه ويهدون لنا فيه، كأنهم يسألون عن تعظيمه. قال: لا أدرى ما نيروزكم هذا، منْ تشبّه بقوم فهو منهم. وذكر الدورقىّ أنّ عمر بن عبدا لعزيز (رحمه الله) نهى أن يذهب إليه فى النيروز والمهرجان بشئ.
قال ابن وضّاح (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن سعيد بن أبى مريم ومحمّد بن يحيى الصدفىّ المصرى قالا: حدّثنا أسد بن موسى عن الربيع بن صبيح عن أبان بن أبى عيّاش قال: لقيت طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعىّ، فقلت له: قوم من إخواننا من أهل السنّة والجماعة ما يطعنون على أحد ويجتمعون يوم النيروز والمهرجان ويصومونهما. فقال طلحة: بدعة من أشدّ البدع والله، أشدّ تعظيماً للنيروز والمهرجان من غيرهم، ثمّ استيقظ أنس بن مالك (رحمه الله) فرقيت إليه فسألته كما سألت طلحة، فردّ علىّ مثل قول طلحة كأنمّا كان معه على ميعاد.
وخرّج فيه عن ابن وضّاح: قلت لسحنون: إنهم عندنا إذا كان أعياد النصارى قالوا للصبيان: جيئونا ببيض وهدايا نقلبكم إلى الكنائس. قال: أىّ شيئ هذا. قلت: مثل الميلاد والعنصرة يقلبونهم ويأخذون منهم الهدايا. قال هذا بئس الرجل، لا يصلّى خلفه ويقدّم غيره إن قووا على ذلك. قال ابن وضّاح (رحمه الله): وسألت أبا زكرياّء يحيى بن سليمان عن إمام يقبل هدايا الصبيان فى أعياد النصارى ويعظّمها. قال: ما أراه مسلماً. قلت: لا يُصلّى وراءه. قال: أنا أقول لك ما أراه مسلماً وأنت تقول لا يصلّى وراءه. قال ابن وضّاح: وسألت سحنون عن ذلك. قال: رجل سوء. قال ابن وضّاح (رحمه الله): وحدّثنا بهلول بن راشد عن سفيان الثورى قال: دعى حذيفة بن اليمان (رضى الله عنه) إلى طعام، فلمّا دخل من باب البيت رأى شيئاً من زيّ الأعاجم، فرجع وهو يقول: يحذر الرجل أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر. ثمّ قيل له: وكيف ذلك، أصلحك الله. قال: من تشبّه بقوم فهو منهم. قال أحمد بن زياد (رحمه الله): سألت محمّد بن وضّاح عمّا يصنع الناس فى أوّل ليلة من ينّير فقال: بدعة. فقلت له: أفأردّ ما أهدى إلىّ. قال: ما أحسن ذلك. قلت له: حسن. قال: نعم، لو استشرتنى فى أن تتصدّق بمائة دينار، ثمّ قال: بمائة دينار لا إلا ألف دينار(كذا) أو ترّد ما أهدى إليك لأشرت عليك أن تردّ ما أهدى إليك وتمسك ألف دينار قلت: ويبلغ به هذا كلّه. قال: نعم.
وسأل محمد بن خميس المعلّم محمد بن وضّاح عن ليلة العجوز والذى يفعله أهل بلدنا فيها، فكره ذلك وعابه عيباً شديداً، ونزع بآى من القرآن منها قوله تعالى: "ولا تّتبع سبيل المفسدين، ولاتّتبعان سبيل الذين لا يعلمون". ثم قال محمد بن وضّاح: لقد أعجبنى أنّ ابن خميس المعلّم جعل الصبيان يأتونه فى هذه الليلة بالهدايا كما يفعل الصبيان، فردّها وأعجبه ذلك من فعله. قال ابن وضّاح (رحمه الله): وروى زياد بن عبد الرحمان قال: سمعت عثمان بن عيس بن كنانة يقول: لا بأس أن يضيف مشركاً إذ لم يجد بُدًّا من ذلك. وأكره أن يعظّم من أعيادهم. قال الله تعالى: "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون منْ حاّد الله ورسوله" وأكره أن تجمّلهم بثيابكم إلى أعيادهم.
قال ابن وضّاح (رحمه الله): قلت لسحنون: أرأيت ما كره أيؤكل ممّا أعدّوه لأعيادهم، أرأيت الميلاد والمهرجان والنيروز ممّا يعدّون لمثل هذا لا يؤكل. قال: نعم، هو من ذلك لا يؤكل كلّ ما أعدّوه لهذه الأعياد. قال أحمد بن زياد (رحمه الله): حدّثنا ابن وضّاح وإبراهيم بن محمد بن باز عن سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال: بلغنى أنّ أوّل ما صنعت الصور حتى عبدت واتّخذت فى موت نبى مات فافتقده قومه فجعل لهم بعض ما جعل لهم ليأنسوا به. فما زال ذلك حتى كان فيه ما كان وعبدت. قال مالك (رحمه الله): وبلغنى أنّ عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) قال: إيّاى وزىّ الأعاجم.
حدّثنا ابن وضّاح (رحمه الله) قال: حدّثنا أحمد بن عمر وزيد بن البشر قالا: حدّثنا به عبدا لله بن وهب قال: قال لي منْ سمع الأوزاعىّ (رحمه الله) يحدّث عن يحيى بن أبى عمرو السيبانى قال: حدّثنى عبد الله الديلمى قال: ما ابتدعت بدعة إلا زادت مضياً، ولا تُركت سنة إلا زادت هواناً. قال سفيان الثورىّ (رحمه الله): وكذلك كلّ بدعة عليها زينة وبهجة، وسيأتى على الناس زمان يُنكر الحقّ فيه تسعة أعشارهم.
حدّثنا ابن وضّاح: حدّثنا محمد بن يحيى الصدفىّ، حدّثنا أسد بن موسى، حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عاصم عن أبى عثمان النهدىّ أنّ عمر (رضى الله عنه) كتب إلى عُتبة بن فرقد، إيّاكم والتنعمّ وزىّ الأعاجم.
وقد روينا أنّ رجلاً ولي السوق بقرطبة فبّرح على الناس فى النيروز ألا يزيدوا على ما فى حوانيتهم. فأعجب فعله ذلك ابن وضّاح وغيره من أهل العلم. وممّا ينبغى لأهل العلم والخير والفضل والدين أن يجتنبوه فى هذه الفصول المذمومة ما يذبح فيها من الحيوان وترك أكل لحمه ويرونه ممّا أُهلّ لغير الله به. وقد سمعت شيخنا أبا محمد بن عتّاب (رحمه الله) يوم النيروز وهو يحكى عن أبيه (رحمه الله) ومكانه من الفضل والدين والعلم مكانه أنه كان ينهى عن أكل اللحم فى هذه الفصول، وكان يقول إنه إنمّا أهلّ به لغير الله، ويشدّد فى ذلك.
وقد قيل لعبد الرحمان بن عيسى بن مدراج: ما قولك فى قوم من أهل الخير يجتمعون ليلة قبل ينّير أو ليلة بعده مع أقاربهم وأصهارهم فيأكلون الإدام والفاكهة ويجتنبون الليلة المذمومة؟. فقال: كلّ ذلك منه وحواليه، ومنع ذلك. وقد قال غيره: أىّ بدعة أفحش وأسمج من أن يكون المسلمون يحتفلون ويستعدّون لدخول شهر أو سنة من شهور العجم وهم أعداؤنا وإنمّا عاديناهم على كفرهم بالله، وقد قال تعالى: "يأيها الذين آمنوا، لا تتّخذوا عدوى وعدوّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحقّ..." فأىّ مودّة أبين من تعظيم أعيادهم. وأىّ ولاية تكون أعظم من التشبّه بهم والتفخيم لأمرهم والمشاركة لهم فى ضلالهم وكفرهم، بالها مصيبة ما أجلّها، إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
أنّ من أعظم أسباب هذه البدعة وأقوى دواعيها مطاوعة الرجال للنساء على الاستعداد لها والتفخيم لشأنها وانقيادهم لهنّ فى ذلك عاماً بعد عام حتى رسخت فى صدورهم وتصوّرت فى عقولهم وتاقت إليها أنفسهم، وقد نبأنا القرآن ونبأهم بما أمتحن الله به آدم (عليه الصلاة السلام) من البلاء والندم لمّا أطاع حوّاء زوجه على أكل الشجرة. وقد جاء فى الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم) قال: شاوروهنّ وخالفوهنّ. وقال (صلى الله عليه وسلم): طاعة النساء ندامة.
قال بعض العلماء: لو أنّ رجلاً قام السنة كلّها وصامها إلا ما لا يُصام منها ولا يُقام، وفعل ذلك بنيّة خالصة لله صادقة، إلا أنّه يساعد أهله ويستعدّ لتلك الليلة المبتدعة، ورجلاً آخر لا يزيد على الفريضة وهو ممنْ لا يستعدّ لتلك الليلة إلا بما كان يفعله أبداً فى غيرها من الليالى حذراً لشرّها واجتناباً لبدعتها، لكان هذا الرجل الذى لا يزيد على الفريضة عند أهل العلم والورع أفضل من ذلك المجتهد المتلطّخ بالبدعة وأهدى وأتقى.
ولا تُقبل للذى يستعدّ لها شهادة، ولا يصلّى خلفه إلا أن يتوب إلى الله، عزّ وجلّ، من ذلك توبة صادقة. ولا تقبل هدية لأحد فى يوم النيروز، ولا فى ليلة المهرجان، وفى ليلة يسمونها ليلة العجوز. ومنْ قبل الهدية فى هذه البدع الثلاث من أحد، فقد شرك المبتدعين لها فى إثمها وعارها.
ومما ينبغى أن يشدّد على الناس فيه ما يصنع فى النيروز من الصور المنهى عنها التى وردت الآثار عن النبى (صلى الله عليه وسلم) بالمنع من فعلها، لقوله (عليه الصلاة السلام): منْ صوّر صورة كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ أبداً. وقال (عليه السلام): لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة. وقال ابن عباّس (رضى الله عنه) لرجل سأله عن ذلك،: إن أبيت، أخى، فعليك بالشجر وبكل ما لا روح له.
ومما فتن الناس فيه السؤال عن مولد عيسى (عليه السلام)، فكثيراً ما يتساءلون عنه. أو ليس كانوا بميلاد نبيّنا محمد (عليه السلام) أولى والتهمّم به ومعرفته، فكثير منهم لا يعلمون ذلك.
ومولده (صلى الله عليه وسلم) عام الفيل يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل وتوفى (صلى الله عليه وسلم) ضحى يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة (صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرّم). هذا أولى أن يُسأل عنه ويتهمّم بمعرفته وحفظه لفضله وبركته (صلى الله عليه وسلم).
وقد كان (رحمكم الله) جماعة من السلف الصالح يصبحون فى يوم ينّير صياماً، ويأتون المساجد فيقيمون يومهم فيها يصلّون ويذكرون الله فيها، ولا يأكلون يومهم ذلك إداماً ولا فاكهة. وقد كان خالد بن سعد قال: حدّثت عن شيوخ بنى قاسم بن هلال أنهم كانوا إذا كانت ليلة ينّير ليس يوقد عندهم نار ولا يُطبخ عندهم شيء. حكى أيضاً قال: سمعت محمد(ا) بن مسروق يقول: كان عندنا قوم يُقال لهم ينو الأسباط كان لا يوقد عندهم نار ليلة ينّير، أو كما قال، وكانوا علماء (رحمهم الله وغفر لهم).
وذكر ابن حبيب (رحمه الله) عن بعض حكماء السلف أنه كان يقول: إيّاكم، يا معشر النساء، لا ترششن بيوتكنّ بالماء يوم العنصرة، ولا تلقين فى ثيابكنّ ورق الأكرنب ولا تغتسلن فى ذلك اليوم إلا من جنابة، فمنْ فعل ذلك منكنّ فقد شرك فى دم يحيى بن زكرياء (صلى الله عليه وسلم).
قلت: وممّا استفدته من المطالعة، وهو نصّ فى الباب والحمد لله، ما ذكره أبو الفتح محمد بن أبى الفوارس فى أماليه التى يرويها أبو القاسم عبد الواحد بن علىّ بن محمد بن فهد العلاّف: حدّثنا أبو الفضل عبيد الله بن محمد الحاكم بمرو، قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عديّ، قال: حدّثنا محمد بن عوف الحمصىّ، قال: حدّثنا الفريابيّ محمد بن يوسف. قال: حدّثنا سفيان عن الوليد أو ابن الوليد عن عبدا لله بن عمرو بن العاص عن النبىّ (صلى الله عليه وسلم) قال: منْ نشأ فى أرض الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم حُشرَ معهم يوم القيامة.
قال المؤلّف (رحمه الله ونضّر وجهه): ما زلت حريصاً على رفع هذه البدعة ودفع هذه الشنعة وإطفاء هذه الفتنة، والاعتصام بالله ممّا يعاقب به أهل هذه المحنة ولم يكن والحمد لله لي على ذلك سلطان، ولا حمت على تلك الموارد، ولا ألممت بتلك الأعطان، ولا أجبت من دعانى إلى ذلك من الراحلين ولا القطّان. وأدركت الحكّام قد قسمهم الزمان بقسمين وحلاهم بوسمين، إمّا آمر بمعروف فيها بغير عزيمة، تقضى على جيش البدع بالهزيمة، وإمّا مغمور بجاهه وولايته، معرض عن تعهّد قوانين الإسلام ورعايته، فبعلت بهذا الداء*، وشغر** الوقت عن حاكم ذى غيرة وتيقظ واهتداء، يعين على أهل البطالة والاعتداء، بمشاركة ونصرة ومعونة ولو بالأعداء، اللهّم غفراً، وشكراً لنعمتك علينا معاشر أهل السنّة لا كفراً، ما خلى الغرباء المتمسكين بالكتاب الحاملين للسنن المحافظين على إقامتها وإحيائها بعد إماتتها بقوى مؤيّدة من الحق ومنن، القائمين بها على غايات الدهر وأطراف الزمن، الهادين المهتدين لسلوك واضحة المنار ولا حب السنن...

* * *

قال المؤلّف (رحمه الله ورضى عنه): فأمعنت النظر، وأعملت الفكر فيما يشغل عن هذه البدع ويدفع فى صدر هذا المنكر، ولو بأمر مباح، ليس على فاعله جناح، بما تطمئنّ إليه نفوسهم، وتمتد إليه أعناقهم وتميل رؤوسهم، فعلم الله النيّة واطلّع الطّوية، فألهمنى (سبحانه) أن أنبهّهم على أمر إذا تقرّر لديهم قامت الحجّة عليهم ديناً ودنيا، وانقطع العذر إذا تعوضوا منه أحسن عوض، يقوم به الشفاء ويطعن به المرض، فنبّههم على ميلاد نبيّهم المصطفى، سيد ولد آدم، خاتم النبييّن (صلى الله عليه وسلم)، وإنّ من العجب الإقبال على ما لا يغنى والإعراض عمّا وجب، فكثيراً ما يسألون عن ميلاد عيسى (على نبيّنا وعليه السلام) وينتظرون الانتهاء إليه من الأيّام، فيا أمّة محمد، ويا خيرة الأمم، كفى بنا جفاء أن لا نعرف ميلاد نبيّنا (عليه أفضل الصلاة والسلام) ولا نتعرّفه وهو أهم، ونتعرّف ميلاد غيره من الأنبياء، كميلاد عيسى، ويحيى بن زكرياء، ولا علم لنا بهما فيما جاء من الأنباء. أو لم يكن سؤالهم عن ميلاد نبيّهم (عليه أفضل الصلاة وأطيب السلام والتحيّات) أحلّ وأولى، والتهمّم به وبمعرفته أحمد سعياً ....؟

*- قوله بعلت بالداء: غنيت به فلم أدر كيف أصنع فيه

** - شغر البلد: خلا من الناس، ذكره الجوهرىّ فى صحاحه.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-03-08, 05:25 AM
عبدالرحمن الفقيه عبدالرحمن الفقيه غير متصل حالياً
غفر الله له ولوالديه
 
تاريخ التسجيل: 06-03-02
الدولة: مكة
المشاركات: 10,001
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحمن الفقيه مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

يحسن التنبيه إلى أن ما يفعله بعض المسلمين من الاحتفالات بالمولد النبوي في شهر ربيع الأول سواء كان بإقامة الحضرات والمدائح ونحوها أو تخصيص هذا الشهر أو يوم منه بقراءة السيرة فكل هذا مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهانا عن المحدثات في الدين ولم يثبت في تحديد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم معين خبر صحيح .

وهذه الأمور لم يفعلها كبار محبي النبي صلى الله عليه وسلم الذين تربوا على يديه كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة ولم يفعلها بعدهم أحد من التابعين أو الأئمة الأربعة ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.

وإنما هذه الأفعال حصلت في القرون المتأخرة تشبها بالنصارى وابتداعا في دين الله مالم ينزل به سلطانا.

فالحذر من المحدثات من أعظم محبة ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو اعتاد الناس علي فعل المولد في بلد معين فعلى المسلم أن يحذر من مشاركتهم في هذه البدع والاكتفاء بفعل كبار محبي النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص على اتباع السنة وتطبيقها قولا وعملا والبعد عن المحدثات حتى لو قيل إنها حسنة!
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...309#post777309


المورد في حكم المولد



للشيخ الإمام أبي حفص تاج الدين الفاكهاني رحمه الله . ت:734 هـ


الحمد لله الذي هدانا لا تباع سيد المرسلين ، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين ، ويسر لنا اقتفاء آثار السلف الصالحين ، حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين ، وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين .
أحمده على ما منَّ به من أنوار اليقين ، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، سيد الأولين والآخرين ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين ، صلاة دائمة إلى يوم الدين .
أما بعد : فقد تكرر سؤال جماعة من المُباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ، ويسمونه : المولد : هل له أصل في الشرع ؟ أو هو بدعة وحدث في الدين ؟
وقصدوا الجواب عن ذلك مٌبيَّناً ، والإيضاح عنه معيناً .

فقلت وبالله التوفيق : لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة ، الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بِدعة أحدثها البطالون ، وشهوة نفسٍ اغتنى بها الأكالون ، بدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا :
إما أن يكون واجباً ، أو مندوباً ، أو مباحاً ، أو مكروهاً ، أو محرماً .
وهو ليس بواجب إجماعاً ، ولا مندوباً ؛ لأن حقيقة المندب : ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه ، وهذا لم يأذن فيه الشرع ، ولا فعله الصحابة ، ولا التابعون ولا العلماء المتدينون ـ فيما علمت ـ وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت .
ولا جائز أن يكون مباحاً ؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين .
فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً ، أو حراماً ، وحينئذٍ يكون الكلام فيه في فصلين ، والتفرقة بين حالين :
أحدهما : أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله ، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ، ولا يقترفون شيئاً من الآثام : فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة ، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة ، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام ، سُرُجُ الأزمنة وزَيْن الأمكنة .
والثاني : أن تدخله الجناية ، وتقوى به العناية ، حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه ، وقلبه يؤلمه ويوجعه ؛ لما يجد من ألم الحيف ، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى : أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف ، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل ، من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد ، والنساء الغاتنات ، إما مختلطات بهم أو مشرفات ، والرقص بالتثني والانعطاف ، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف .
وكذا النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد ، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد ، غافلات عن قوله تعالى : ( إن ربك لبالمرصاد ) ( سورة الفجر : 14 ) .
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان ، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان ، وإنما يَحِلُّ ذلك بنفوس موتى القلوب ، وغير المستقلين من الآثام والذنوب ، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات ، لا من الأمور المنكرات المحرمات ، فإن لله وإنا إليه راجعون ، بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ .
ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازَناه :

قد عرف المنكر واستنكر الـ ـمعروف في أيامنا الصعبة
وصـار أهـل العلم في وهدةٍ وصار أهل الجهل في رتبة
حـادوا عن الحـق فما للذي سادوا به فيما مضى نسبة
فقلت للأبـرار أهـل التـقى والـدين لما اشتدت الكربة
لا تنكـروا أحوالكـم قد أتت نوبتكـم في زمن الغربـة

ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء حيث يقول : لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب ، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو ربيع الأول ـ هو بعينه الشهر الذي توفي فيه ، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه .
وهذا ما علينا أن نقول ، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول .

تم بحمد لله نقل رسالة " المورد في عمل المولد " .
أبو معاذ السلفي


http://saaid.net/mktarat/Maoled/17.htm
__________________
عبدالرحمن بن عمر الفقيه الغامدي
مكة بلد الله الحرام
mahlalhdeeth@
mahlalhdeeth@gmail.com
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19-06-12, 05:42 PM
عبد العظيم النابلسي عبد العظيم النابلسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-11-11
المشاركات: 17
افتراضي رد: "الدر المنظم فى مولد النبى المعظم" لأبى القاسم العزفى

هل هو مطيوع ؟
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:41 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.