ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 27-04-08, 01:29 AM
محمد بو سيد محمد بو سيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-05
المشاركات: 351
افتراضي الاعتبار و المتابعات و الشواهد

الاعتبار و المتابعات و الشواهد


الاعتبار: هو الهيئة أو الطريقة التي يتوصل بها إلى المتابعات و الشواهد، (ذلك يكون بتتبع طرق الحديث الذي يظن أنه فرد نسبي)

و للمتابعات و الشواهد تعريفين الاول بالنظر الى السند (الراجح)، و الآخر بالنظر إلى المتن (مرجوح).

أولا: المتابعات و الشواهد بالنظر إلى السند (التعريف الصحيح الراجح):

المتابع: هو الحديث الذي يشارك رواته رواه الحديث الذي يظن انه فرد سواء اختلف اللفظ أو اتحد، مع الاتحاد في الصحابة.

الشاهد: هو الحديث الذي يشارك رواته رواه الحديث الذي يظن انه فرد سواء اختلف اللفظ أو اتحد، مع الاختلاف في الصحابة.

و يشترط كون المتابع او الشاهد متحدين في المعنى، مع الحديث الفرد.

المتابعة قسمان:
1- متابعة تامة: تحصل للراوي نفسه للراوي الأدنى.
2- متابعة قاصرة: تحصل لشيخ الراوي أو من فوقه مع من روى عنه.

الخلاصة:

(1) الراوي ------ (2) شيخ الراوي ------ (3) التابعي ------ (4) الصحابي ------ (5) النبي

المتابعة التامة: أن يروي راوي آخر نفس معنى الحديث عن نفس شيخ الراوي، أى بالحفاظ على (2) (3) (4) (5)
المتابعة القاصرة: أن يروي راوي آخر نفس معنى الحديث عن نفس الصحابي، بالحفاظ على (3) (4) (5) أو (4) (5)
الشاهد: نفس معنى الحديث، و لكن بسند عن صحابي آخر، أى الحفاظ على (5) فقط

مثال للتوضيح:

ما رواهُ الشَّافعيُّ في (( الأمِّ )) عن مالِكٍ عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ عن ابنِ عُمرَ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : (( الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشرون ، فلا تَصوموا حتَّى تَروُا الهِلالَ ، ولا تُفْطِروا حتَّى تَرَوْهُ ، فإِنْ غُمَّ عليكم ؛ فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثينَ )).
فهذا الحديثُ بهذا اللَّفظِ ظَنَّ قومٌ أَنَّ الشافعيَّ تفرَّدَ بهِ عن مالِكٍ ، فعَدُّوهُ في غرائِبِه ؛ لأنَّ أَصحابَ مالِكٍ روَوْهُ عنهُ بهذا الإِسنادِ ، بلفظِ : (( فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ فاقْدُروا لهُ )) !
فمن أول وهلة قد نقول أن الشافعي شذ لمخالفته لمن هو ارجح منه عددا، و يحكم على حديثه بالضعف لشذوذه، و لكن بالاعتبار و هو تتبع الطرق سنجد لهذا الحديث متابعة تامة، و متابعتين قاصرتين، و شاهدين.

الحديث: روى (الشافعي) عن (مالك) عن (ابن دينار) عن (ابن عمر) عن (النبي): "فأكملوا العدة ثلاثين"

1- المتابعة التامة: روى (القعنبي) عن (مالك) عن (ابن دينار) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فأكملوا العدة ثلاثين"

2- المتابعة القاصرة 1: روى (عاصم) عن (محمد بن زيد) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فكملوا ثلاثين"

3- المتابعة القاصرة 2: روى (عبيد الله بن عمر) عن (نافع) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فاقدروا ثلاثين"

4- الشاهد 1: روى (محمد بن حنين) عن (ابن عباس) عن (النبي) : "فأكملوا العدة ثلاثين"

5- الشاهد 2: روى (محمد بن زياد) عن (أبي هريرة) عن (النبي) : "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"

فالحديث الأول اتفق (القعنبي) مع (الشافعي) في الرواية عن (مالك) بنفس السند فكانت متابعة تامة، أما في الحديثين الثاني و الثالث اتفق (عاصم) و (عبيد الله) في الرواية عن (ابن عمر) فكانتا قاصرتين، اما في الحديثين الرابع و الخامس اختلف الصحابة فصاروا شواهد.
مع ملاحظة انه لم يؤثر تغير اللفظ في المتابعتين القاصرتين أو في الشاهد الثاني، لان الأصل هو اتحاد المعنى.







ثانيا: المتابعات و الشواهد بالنظر إلى المتن (التعريف المرجوح):

المتابع: هو الحديث الذي يشترك رواته في اللفظ تماما، سواء اتفق الصحابي أو اختلف.
الشاهد: هو الحديث الذي يشترك رواته في المعنى لا اللفظ، سواء اتفق الصحابي أو اختلف.

التطبيق على نفس المثال:

الحديث: روى (الشافعي) عن (مالك) عن (ابن دينار) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فأكملوا العدة ثلاثين"

1- المتابعة الأولى: روى (القعنبي) عن (مالك) عن (ابن دينار) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فأكملوا العدة ثلاثين"

2- المتابعة الثانية: روى (محمد بن حنين) عن (ابن عباس) عن (النبي) : "فأكملوا العدة ثلاثين"

3- الشاهد الأول: روى (عاصم) عن (محمد بن زيد) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فكملوا ثلاثين"

4- الشاهد الثاني: روى (عبيد الله بن عمر) عن (نافع) عن (ابن عمر) عن (النبي) : "فاقدروا ثلاثين"

5- الشاهد الثالث: روى (محمد بن زياد) عن (أبي هريرة) عن (النبي) : "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"


فالحديث الثاني كان شاهدا على التعريف الأول لاختلاف الصحابي، و لكنه على هذا التعريف صار متابعا لاشتراكه مع حديث الشافعي في اللفظ.
و أما الحديثان الثالث و الرابع كانا متابعين على التعريف الأول لاتفاق الصحابي، و لكن على التعريف الثاني صاروا شاهدين لاختلاف اللفظ مع اتحاد المعنى.





المصدر:
جمع و ترتيب بتصرف من شرح العلامة العثيمين و الشيخ سعد بن عبد الله الحميد على نزهة النظر للحافظ ابن حجر
__________________
هذه المشاركة ما كان فيها من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-04-08, 11:36 PM
أبو البراء القصيمي أبو البراء القصيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-02-08
المشاركات: 2,618
افتراضي

جزاك الله خير أخي الكريم ونفع الله بك .. زادك الله علما جهد قيم
__________________
تم افتتاح (ملتقى أهل الدعوة إلى الله عز وجل ) للتصفح فقط الرابط :
http://www.ahldawa.com
فحيهلا بالزائرين الكرام .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-04-08, 10:30 PM
محمد بو سيد محمد بو سيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-05
المشاركات: 351
افتراضي

الاخ أبو البراء القصيمي

جزاكم الله خيرا، و بارك الله فيك
__________________
هذه المشاركة ما كان فيها من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-04-08, 11:32 PM
محمد عمارة محمد عمارة غير متصل حالياً
اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل
 
تاريخ التسجيل: 16-11-05
المشاركات: 2,702
افتراضي

ما شاء الله ترتيب جيد
بارك الله فيك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-05-08, 12:16 AM
محمد بن سليمان الجزائري محمد بن سليمان الجزائري غير متصل حالياً
غفر الله له
 
تاريخ التسجيل: 30-12-06
المشاركات: 804
افتراضي

الاعتبار سبرك الحديث هل....... شارك راو غيره فيما حمل
عن شيخه فإن يك شورك من..........معتبر به فتابع وإن
شورك شيخه ففوق فكذا........ وقد يسمى شاهدا ثم إذا
متن بمعناه أتى فالشاهد .....وما خلا عن كل ذا مفارد
__________________

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-05-08, 12:05 AM
محمد بو سيد محمد بو سيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-05
المشاركات: 351
افتراضي

محمد عمارة
محمد بن سليمان الجزائري

جزاكم الله خيرا
__________________
هذه المشاركة ما كان فيها من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 06-05-08, 12:12 AM
محمد بو سيد محمد بو سيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-05
المشاركات: 351
افتراضي

شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير - فضيلة الشيخ/ طارق بن عوض الله


المتعلق بالاعتبار والمتابعات والشواهد

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:

موعدنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع نوع آخر من أنواع علوم الحديث وهو النوع الخامس عشر وهو المتعلق بالاعتبار والمتابعات والشواهد، هذا النوع يعتبر متمما للنوعين السابقين وممهداً للأنواع الآتية بعده -إن شاء الله تعالى- مما يتعلق بأبواب علل الأحاديث.

ذكرنا في اللقاء الماضي أن الحديث الشاذ أو المنكر إنما يحكم بشذوذه أو بنكارته إما بالتفرد وإما بالاختلاف الواقع بين الرواة فكيف نعرف إن كان الراوي تفرد أو لم يتفرد؟ كيف نعرف إن كان تابعه غيره ووافقه غيره على ما روى أم لم يوافق على ذلك؟ كيف نعرف إن كان خالفه غيره فيما روى أم لم يخالف في ذلك؟ ذلك ما يعرفه علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- بطريق الاعتبار، الاعتبار أي اعتبار الروايات أي تتبع الروايات استقراء الروايات, سبر الروايات في كتب الحديث وفي صدور الرجال، ليظهر لهم بعد أن يجمعوا الأحاديث الواردة في هذا الباب أو عن هذا الراوي أو عن هذا الصحابي أو نحو ذلك، فيجمعون هذا كله ويجعلونه في صعيد واحد ليتبين لهم من تفرد ومن ووفق من قبل غيره ومن خولف من قبل غيره من الرواة، فهذا هو موضوع حديثنا المتعلق بالاعتبار وما ينتج عنه من معرفة المتابعات والشواهد.

يقرأ علينا المذيع ما يتعلق بهذا الباب ثم نأتي عليه -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل والشرح والبيان:

قال المصنف -رحمه الله تعالى- (النوع الخامس عشر في الاعتبار والمتابعات والشواهد مثاله، أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حديثاً فإن رواه غير حماد عن أيوب أو غير أيوب عن محمد أو غير محمد عن أبي هريرة أو غير أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذه متابعات، فإن روي معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر، سمي شاهداً لمعناه وإن لم يرو بمعناه أيضاً حديث آخر فهو فرد من الأفراد ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات من الرواية عن الضعيف القريب الضعف، ما لا يغتفر في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك، ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء: «يصلح للاعتبار، أو لا يصلح أن يعتبر به » والله أعلم.)

علماء الحديث -رحمهم الله تعالى- كما قلنا إذا أرادوا أن يعرفوا هذا الحديث الذي رواه ذلك الراوي هل هذا الراوي تفرد به أم لا؟ تابعه غيره أم لا؟ خالفه غيره أم لا؟ يجمعون روايات هذا الراوي من جهة والروايات الأخرى الواردة في هذا الباب الذي يندرج تحته ذلك الحديث الذي جاء به ذلك الراوي الأول، ثم يجعلون ذلك في صعيد واحد ويتأملونه ويدرسونه وينظرون فيه نظرة النقد والبحث فيتبين لهم من خلال تلك النظرة أن هذا الراوي تفرد لأنه لم يأت بما جاء به غيره من الرواة فيحكمون بتفرده أو أنه وافقه غيره فيجدون هذا الراوي قد تابعه غيره أو جاء غيره بمثل ما جاء به إسناداً ومتناً أو متناً فقط, كل ذلك وارد ويوجد له أمثلة كثيرة في الروايات، راو آخر جاء بحديث فيتبين للعلماء -رحمهم الله تعالى- أنه جاء بما قد خالف فيه غيره، فيعاملون هذا معاملة الاختلاف وينظرون هل هذا من الاختلاف المؤثر أم ليس من الاختلاف المؤثر هل هذا الاختلاف يقدح في الحديث أو لا يقدح في الحديث؟

الطريق التي يسلكها العلماء لمعرفة إن كان هذا الراوي تفرد أو لم يتفرد توبع أو لم يتابع خولف أو لم يخالف يسمى عندهم بالاعتبار، هذا هو الاعتبار أو معنى الاعتبار في اصطلاح علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى.

ولهذا تجد كما أشار الإمام ابن الصلاح تجد العلماء يقولون: فلان يصلح للاعتبار وفلان لا يصلح للاعتبار، هذا راجع إلى حال الراوي نفسه فليس كل من روى رواية وافق فيها غيره يكون ذلك كافياً لأن نعتبر بروايته أو أن نستشهد بروايته أو أن نستأنس بروايته وهذا سيأتي تفصيله -إن شاء الله تعالى- لكن هذا هو المقصود من كلمة الاعتبار حيث ترد في كلام المحدثين وإن كان لها معنى آخر سيأتي تفصيله -إن شاء الله تعالى-.

العلماء قالوا هذا الاعتبار ينتج عنه معرفة المتابعات ومعرفة الشواهد، ويقولون المتابعة أن يأتي الراوي بما قد جاء به غيره إسناداً ومتناً فالراوي لم يتفرد إنما وجدنا راوياً آخر وافقه فيما جاء به من شيخه فصاعداً ثم المتن هو المتن الذي جاء به الرجلان فنسمي تلك متابعة وهو مثل لذلك بحديث يرويه حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا المثال ذكره من قبله ابن حبان في مقدمة كتابه الصحيح، لو أننا وجدنا حماد بن سلمة لم يرو الحديث عن أيوب وغيره، حينئذٍ سنقول إن حماد بن سلمة تفرد بالحديث ولم يتابع عليه لكننا إذا وجدنا غير حماد يروي الحديث أيضاً عن أيوب فحماد حينئذٍ تفرد أم توبع من قبل غيره؟ توبع من قبل غيره فهو لم يأت بالحديث وحده عن أيوب، بل جاء به غير حماد أيضاً عن أيوب فإذن حماد لم يتفرد بالحديث عن أيوب وإنما وافقه غيره في رواية ذلك الحديث عن أيوب، فحماد إن وافقه غيره فنسمي تلك الموافقة متابعة وتجد في كلام علماء الحديث فلان تابعه فلان يقصدون بالمتابعة هذا المعنى أي أن غيره وافقه في رواية الحديث نفسه عن شيخه فصاعداً إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بالمتن أيضاً فالراوي لم يتفرد ولم يأت بشيء من قبل نفسه، ولم يأت بشيء لم يتابعه عليه غيره، بل جاء بما قد وافقه عليه غيره وتابعه عليه غيره، فتلك متابعة وهي من أعلى درجات المتابعات وتسمى بالمتابعة التامة.

لماذا هي تسمى بالمتابعة التامة، لأن هذا الغير الذي وافق الأول، وافقه من شيخه فصاعداً أي في كل ما جاء به من الرواية، في اسم شيخه وشيخ شيخه، إلى آخر الإسناد ثم المتن هو المتن فلم يخالفه في جزء من الرواية فضلاً عن كلها، فإذا وافقه هذا المتابع في الرواية كلها يسمى تلك المتابعة تامة لأنه تابعه على الرواية بكمالها بكل جزئياتها، لكن هب أن المتابع لحماد بن سلمة لم يوافقه على رواية الحديث عن أيوب، وإنما وافقه فقط في رواية الحديث عن محمد بن سيرين، بمعنى غير حماد روى الحديث عن غير أيوب عن محمد بن سيرين، فهو قد وافقه في مخرج الحديث وأنه عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكنه لم يوافقه في جعله الحديث من حديث أيوب خاصة وإن وافقه من شيخ أيوب فصاعداً فهذه أيضاً متابعة هي جزء من متابعة أو صورة من صور المتابعات، ولكنها تسمى متابعة قاصرة، لأنها ليست في كل الرواية وإنما في بعضها هو تابعه على جزء من الرواية ولم يتابعه على كل الرواية، وإلا فما زال حماد بن سلمة متفرداً بجعله الحديث عن أيوب وقد يكون مخطئاً حماد بن سلمة في ذلك والحديث إنما يحفظ عن غير أيوب عن ابن سيرين، ثم جاء حماد بن سلمة فجعله عن أيوب عن ابن سيرين فهذا الجزء الذي تفرد به حماد بن سلمة هذا القدر من الرواية الذي تفرد به حماد بن سلمة هو جعل الحديث عن أيوب خاصة هو لم يتابع عليه ولم يوافق عليه من قبل غيره فحينئذ قد ينسب حماد بن سلمة إلى الخطأ فنقول أخطأ حماد في جعله الحديث عن أيوب وإن كان الحديث محفوظاً عن شيخ أيوب وهو محمد بن سيرين، فلهذا سمينا هذه الصورة بالمتابعة القاصرة وإن كانت مندرجة تحت اسم المتابعات عموماً.

أيضاً لم نجد الحديث يرويه غير حماد لا عن أيوب ولا عن ابن سيرين، وإنما وجدنا غير حماد يرويه عن غير أيوب عن غير ابن سيرين عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، إذن الحديث القدر الذي اتفق عليه الراويان هو فقط جعل الحديث من حديث أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وإن اختلفوا في شيخ حماد وفي شيخ شيخ حماد.

ولكنهم اتفقوا فقط في جعل الحديث عن هذا الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- ثم فيما رواه أبو هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من متن الحديث فتلك كما يشير ابن الصلاح -رحمه الله تبارك وتعالى- أيضاً من المتابعات ولكنها أيضاً متابعة قاصرة وهي دون القاصرة الأولى لأنه كلما كانت نسبة الموافقة بين الروايتين أقل كلما كانت هذه المتابعة أضعف وأقل دلالة على دف التفرد ودفع الخطأ عن حماد بن سلمة.

لكن لو أننا وجدنا الحديث نفسه بنفس المتن الذي جاء به حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وجدنا المتن نفسه المنسوب إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن من رواية صحابي آخر، ليس عن أبي هريرة ولكن مثلاً عن أبي سعيد الخدري، فهذا ماذا نسميه؟.

الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- يذكر أن ذلك يسمى شاهداً حتى ولو كان اللفظ هو اللفظ, حتى ولو كان الحديث هو الحديث، وهذه الصورة لم تقع في كلام الإمام ابن الصلاح إلا على أنها من المتابعات لأنه ذكر في كلامه أنه إذا رواه غير أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال فهذه متابعات.

ابن حجر جعل ذلك أيضاً من الشواهد جعل هذه الصورة فيما إذا اختلف الصحابي والمتن هو المتن، فيجعل ذلك من الشواهد ما دام أن الصحابي للحديث اختلف ما دام أن الصحابي اختلف فالحديث حديث آخر حتى لو كان بنفس اللفظ الذي جاء به الصحابي الآخر.

ابن الصلاح يخص الشاهد بما كان بالمعنى فقط فإذا وجدنا صحابياً آخر يروي حديثاً آخر عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يتضمن هذا المعنى الذي تضمنه الحديث الذي جاء به أبو هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فتلك هي الشاهدة عند ابن الصلاح ولكنها عند الإمام ابن حجر العسقلاني هي من الشاهد وانضموا أيضاً إلى الشاهد فيما إذا تغير الصحابي حتى وإن كان الحديث بنفس لفظ الحديث المشهود له، وهذه بطبيعة الحال اختلافات لفظية لا تأثير لها وإلا فالشاهد والمتابع كثيراً ما يرد هذان اللفظان كل منهما في موضع الآخر فربما يعبرون عن الشاهد بالمتابعة والمتابعة بالشاهد وهذا من باب التوسع في الاصطلاح، لكن المهم أن علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- يقصدون من ذلك ماذا؟ يقصدون من ذلك معرفة إن كان الراوي تفرد أو لم يتفرد توبع أو لم يتابع خولف أو لم يخالف حتى يبنون على ذلك إن كان هذا الحديث محفوظاً أم ليس محفوظاً صواباً أو ليس صواباً.

فإذا كان الحديث كما ترون لا هو وقع في صورة من صور المتابعات التامة أو القاصرة ولا وجدنا له شاهداً بمعناه في رواية أخرى فحينئذ نحكم على الحديث بأنه من الأفراد, وهذا من التفرد المطلق؛ لأن الحديث لا يروى له من وجه آخر لا عن هذا الصحابي ولا عن هذا التابعي ولا بالمعنى ولا باللفظ فإذن صار الحديث من هذه الحيثية فرداً وهو من التفرد المطلق الذي لم يرو على أي صفة ولا على أي وجه آخر من أوجه أخرى.

ثم ذكر أن الشواهد والمتابعات إنما يغتفر فيها، ماذا يغتفر؟ في الأصول، وهذا كلام صحيح؛ لأن الأصل إذا كان عندنا ثابتاً من الممكن أن نؤيده وأن نستشهد له وأن نقويه أكثر بما قد لا يقوم بنفسه لأننا فرق بين أن أعتمد رواية أو أن أعتمد رواية أو أن أستشهد بها لتقوية ما هو معتمد فإذا كان عندنا أصل صحيح ثابت محفوظ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فلا بأس بعد ذلك أن أضم إلى هذا الأصل الصحيح بعض الروايات التي فيها ضعف ما من سوء حفظ بعض الرواة أو قلة ضبطهم أو انقطاع خفيف في الإسناد ما دام أن هذا كله الغرض منه تقوية ما هو قوي، تدعيم ما هو أصل في ذاته مدعمٌ ومؤسس على أصل صحيح لكن فرق بين هذه الصورة وبين أن أعمد إلى روايات كلها ضعيف وكلها ليس لها أصل يرجع إليه ثم أقول إن باب الشواهد يتسامح فيه.

إنما يتسامح في باب التسامح فيما إذا كان المشهود له صحيحاً ثابتا أصلاً ثم بعد ذلك ننظر فيما يقويه ويؤكده ويدعمه أكثر.

هذا الباب الذي هو من أبواب علل الأحاديث وكما ترون هو باب يحتاجه كل ناظر في الحديث فالذي يريد أن يعرف صحة الحديث من عدم صحته لابد وأنه سيحتاج إلى باب الاعتبار، لأنه سيكون بين يديه حديث إسناد ومتن هو يريد أن يحكم عليه ويميز هل هو من الصحيح أم ليس من الصحيح؟ هل هو من المحفوظ أم ليس من المحفوظ؟ فلابد أن يعرف هذا الراوي الذي تفرد به أم لم يتفرد؟ تابع أم لم يتابع؟ خولف أم لم يخالف؟ لأن بمعرفته لهذه الأمور سينبني على ذلك الحكم الذي يستحقه ذلك الحديث من حيث القبول أو الرد، فإذن ما من باحث إلا وهو في حاجة إلى هذا النوع من أنواع علوم الحديث.

وبالنظر في تعامل علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- مع هذا النوع من أنواع علوم الحديث يتبين أنهم -رحمهم الله تبارك وتعالى- يدققون جدًّا في نقاط في غاية الأهمية وكثير من الباحثين يغفل عن هذه النقاط ولا يعتبرها حيث اعتبرها علماء الحديث -عليهم رحمة الله تعالى- فرأيت أن ألخصها في عدة نقاط لأبين من خلال هذه النقاط مناهج علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- في اعتبار الروايات وتمييز المحفوظ منها من غير المحفوظ.

فأولاً: علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- عندما يعتبرون الروايات لا ينظرون فقط في الروايات المرفوعة المتصلة إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا شك أن المرفوع المتصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو من أفضل الأسانيد وأفضل الروايات، ولكن علماء الحديث حيث يعتبرون هم يجمعون كل ما يندرج تحت هذا الباب مما يمكن أن يستدل به على صحة الحديث أو عدم صحته، فحينئذ هم لا يكتفون عندما يعتبرون أي يجمعون ويحصرون الروايات الموجودة في كتب الحديث وفي صدور الرجال لا يكتفون فقط بالروايات المرفوعة أو الروايات المتصلة إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بل يجمعون كل شيء يمكن أن يندرج تحت هذا الباب.

كما قال أبو حاتم الرازي -رحمه الله تعالى- «إذا كتبت فقمش ثم إذا رويت ففتش » يعني إذا أردت أن تجمع الروايات لتعتبرها فاجمع الغث والثمين فاجمع كل ما ينفع وما لا ينفع فرب خطأ يهدي إلى كثير من الصواب، ورب حديث يرشدك إلى معنى في حديث آخر، ورب رواية ترشدك إلى علة وقعت في رواية أخرى فينبغي عليك أن تكثر من الجمع ولهذا كان الإمام علي بن المديني -رحمه الله تبارك وتعالى- يقول «الباب إذا لم تجمع طرقه لا يتبين خطؤه » فلابد أن تكثر من الجمع وهذا هو الأمر الذي يتميز به علماء الحديث عن غيرهم فعلماء الحديث لا يكتفون بالنظرة السطحية في الإسناد فيقولون هذا إسناد يشتمل على رواة هذا الراوي ثقة وذاك ثقة، وهذا ثقة وكل قد سمع من شيخه إذن الحديث صحيح، هذه نظرة سطحية لا يعتبرها علماء الحديث ولا يكتفون بها ولا يغترون بظاهرها وإنما يتتبعون الروايات فلربما كان هذا الثقة وإن كان هو من جملة الثقات أخطأ في هذا الحديث بخصوصه، فكيف نميز إن كان هذا الحديث مما أصاب فيه أو مما أخطأ فيه؟.

بجمع الروايات وضرب بعضها ببعض وعرض بعضها على بعض فيتبين من ذلك ما أصاب فيه المصيب وما أخطأ فيه المخطيء.

فلربما مثلاً كان الحديث مما اختلف فيه الرواة رفعاً ووقفاً بعضهم يروي الحديث مرفوعاً والبعض الآخر يرويه موقوفاً والذي رفع أخطأ بينما الصواب مع من قد وقف الحديث، فإن أنت لم تعرف من الباب إلا المرفوعات لن تتنبه إلى هذا الخلاف الواقع بين الرواة في رفع الحديث ووقفه.

وبناء على هذا ستخفى عليك علة هذا الحديث حيث قد وقفه الحفاظ وأخطأ في رفعه بعض الرواة فلابد إذن من جمع الموقوفات على الصحابة والتابعين حتى يتبين من خلال ذلك ما اختلف فيه الرواة رفعاً ووقفاً، قد يكون الخلاف الواقع بين الرواة من قبل أو من جهة الاختلاف في وصل الحديث وإرساله بعضهم يوصل الحديث وبعضهم يرسله، فإن أنت لم تعتني إلا بجمع الموصولات ولم تكترث روايات المرسلة وبالاعتناء بجمعها فلربما كان الحديث الصواب فيه الإرسال ثم أخطأ من أخطأ فوصله، الحديث وأنت لم تتطلع إلا على تلك الرواية الموصولة، فلا تتنبه إلى علة الحديث، والعكس كذلك قد يكون الحديث صحيح من جهة الرفع والوقف، يعني من رفعه أصاب ومن وقفه أصاب هذا وجه وذاك وجه, وهذا ما اختلف مخرجه عن مخرج الآخر، فالعلماء يعتبرون ذلك مقويا للحديث فيعتبرون الموقوف مؤيداً للرفع حينئذٍ قد يكون الحديث صحيحاً موصولاً ومرسلاً من وصله أصاب، ومن أرسله أيضاً أصاب وهذا مختلف مخرجه عن مخرج هذا، فالعلماء يعتبرون أن الموصول مؤيداً للمرسل كما أن المرسل مؤيداً للموصول كما سبق وأن شرحنا ذلك في باب المرسل لما ذكرنا أن الإمام الشافعي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى - يقوي الحديث المرسل بالمسند الصحيح المتصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأنه أيضاً يقوي المرسل بما جاء عن الصحابة والتابعين من أقوالهم.

إذن ينبغي لطالب العلم أن يكون ملماً بكل ما جاء في الباب من مرفوعات وموقوفات ومتصلات وغير متصلات فكل ذلك ينفعه لتمييز الصواب من الخطأ، أو لمعرفة ما يتقوى به الحديث وما لا يتقوى به الحديث، وقد أشار الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تبارك وتعالى- إلى هذا المعنى، فروى الخطيب البغدادي -رحمه الله تبارك وتعالى- من طريق الميموني أنه قال: « تعجب أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل، تعجب أبو عبد الله ممن يكتب الإسناد المتصل ويدع كتابة المنقطعات » الإمام أحمد تعجب من هذا الرجل الذي يهتم بكتابة الروايات المتصلة ويدع كتابة الروايات المنقطعة، ثم قال الإمام أحمد «ربما كان المنقطع أقوى إسناداً » كيف يكون هو منقطع وأقوى من المسند؟ كيف يكون هذا؟ المعنى أن الحديث قد يكون اختلف في وصله وإرساله ومن وصله سيء الحفظ أو في حفظه بعض الخلل بينما من أرسله هو حافظ متقن أثبت، فالذي جاء بالمرسل راو ثقة والذي جاء بالمتصل دونه في الوثاقة فحينئذ يكون المنقطع مع ما فيه من انقطاع أثبت وأقوى وأرجح من الرواية الموصولة لأن الذي جاء بها ليس في المنزلة وفي الحفظ والإتقان كمنزلة ذاك الذي جاء بالرواية المرسلة، ولهذا استشكل ذلك الميموني فقال: بينه لي كيف يكون ذلك؟ قال الإمام أحمد «تكتب الإسناد متصلاً وهو ضعيف» يعني من جاء بهذا الإسناد رجل ضعيف ويكون المنقطع أقوى إسناداً يعني لكون الذي جاء به من الثقات أو من الأثبات فحينئذ يكون المنقطع علة للمتصل, فإن أنت لم تعرف من الروايات إلا ما كان متصلاً أو ما كان مرفوعاً فتخفى عليك العلل الخفية التي امتاز علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- بمعرفتها.

هذه النقطة الأولى التي أريد التنبيه عليها في هذا الباب.

النقطة الثانية: أن كلمة الاعتبار لها عند علماء الحديث معنيان نحن الآن نتكلم عن معنى الاعتبار هذا المصطلح حيث يرد على ألسنة علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- كلمة الاعتبار، نحن ذكرنا في أول الدرس أن الاعتبار يأتي بمعنى التقوية، فهذا راو يصلح للاعتبار وذاك لا يصلح للاعتبار، أي أن هذا الراوي يصلح الحديث لأن يستأنس به ويستشهد به ويعتبر به لتقوية الرواية الأخرى التي جاءت موافقة له فهذا معنى معروف ولكن ليس هو المعنى الوحيد لكلمة الاعتبار، وكثيراً ما يأتي الاعتبار بغير هذا المعنى فيتوهما السامع أو القاريء أن قائله لم يقصد بالاعتبار إلا ذلك المعنى الذي هو معروف مشهور لدى الناس، وإلا فالاعتبار يأتي أحياناً بمعنى آخر وهو بمعنى المعرفة والاختبار، وهذا كل الناس فيه سواء, كل الناس أو علماء الحديث -عليهم رحمة الله تعالى- يعتبرون رواياتهم ويختبرونها ثم يتمخض من تلك الاختبارات إن كان الراوي ثقة أو غير ثقة، كما مثلاً الإمام ابن معين -عليه رحمة الله تبارك وتعالى - لما جاءه إسماعيل بن علية وقال له: يا إمام، يا أبا زكريا، كيف حال حديثي؟ قال: «أنت مستقيم الحديث» قال وكيف عرفتم ذلك؟ قال: «عارضنا بها أحاديث الناس فوجدناها مستقيمة ».

إذن الإمام ابن معين لما جمع أحاديث إسماعيل بن علية واختبرها بأن عرض هذه الأحاديث على أحاديث غيره من الناس تبين له أن هذا الرجل يوافق الثقات كثيراً فاستدل بذلك على كونه من الثقات.

رجل آخر قد يعتبر العلماء حديثه فيتبين لهم أنه لا يستحق أن يكون ثقة بل هو رجل ضعيف، كمثل مثلاً ما جاء عن الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين لما كان بصنعاء، الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- دخل على ابن معين في يوم من الأيام فرآه يكتب صحيفة معمر بن راشد عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، أبان بن أبي عياش هذا متروك الحديث، فما الذي يشغل ابن معين في كتابة هذه الصحيفة وهو يعلم أنها موضوعة، فقال له يا أبا زكريا تكتب هذه الصحيفة وتعلم أنها موضوعة؟! قال نعم يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء كذاب فيجعل مكان أبان ثابت البناني فأقول له كذبت إنما هذه أحاديث معمر عن أبان عن أنس وليست أحاديث معمر عن ثابت عن أنس فيميز بين هذه الأحاديث، هو يحفظ الخطأ ويحفظ الأحاديث الضعيفة والأحاديث الباطلة والموضوعة حتى يعرف أولاً: أحوال رواتها، ثم إذا ما سئل عن هذه الأحاديث يعرف مخرجها وأنها عن أبان بن أبي عياش وليست عن ثابت البناني فيميز الصواب من الخطأ.

وهكذا كان العلماء يعتبرون الأحاديث ولهذا وجدنا مثلاً بعض العلماء -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- يعبر بهذا المعنى يعبر عن الاعتبار أو يطلق لفظ الاعتبار على هذا المعنى حتى في روايات الكذابين، كيف يكون الكذاب يصلح للاعتبار، يقصد بالاعتبار أي أننا نكتب أحاديث الكذابين لنختبرها لا لنستشهد بها أو نستأنس بها، يقول الإمام أبو يعلى الخليلي -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتاب " الإرشاد " له «وإن جماعة كذابين » كذابين فهو صرح بأنهم كذابين «وإن جماعة كذابين روو عن أنس بن مالك ولم يَرْوِهِ كأبي هدبة إبراهيم بن هدبة وهذا كذاب، ودينار وهذا كذاب، وموسى الطويل، وخراش، وهؤلاء من أشهر الكذابين في الحديث، قال: وهذا وأمثاله لا يدخله الحفاظ في كتبهم لا يدخلونه أصلا في الكتب» لأن الأحاديث التي تدخل في الكتب هي الأحاديث التي يحتجون بها أو يستشهدون بها أما ما لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد فلا ينفع في الكتب، ثم قال: وإنما يكتبونه اعتباراً ليميزوه عن الصحيح، إذن هم يكتبونه الاعتبار هنا بمعنى المعرفة ليتميز الصحيح من غير الصحيح.

النقطة الثالثة: ليس الغرض من الاعتبار فقط مجرد معرفة أن هذا شاهد وهذا متابع والوقوف عند هذه الحرفيات وإنما الغرض من معرفة الشواهد والمتابعات والاعتبار تمييز الأحاديث, تمييز الحديث إن كان محفوظاً أو غير محفوظ، صحيحاً أو غير صحيح, هذا هو الأساس ولهذا الإمام ابن حبان -عليهم رحمة الله تعالى- في كلامه الذي قاله في مقدمة كتابه الصحيح والذي اختصره الإمام ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- لما ذكر هذا المثال فيما يرويه حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «الذي يلزمها أي ابتداءً ألا نبادر إلى إلصاق الوهم بحماد بن سلمة، بل ننظر هل روى هذا الحديث عن حماد بن سلمة أصحابه؟ أم واحد فقط هو الذي تفرد بالحديث عن حماد؟ فإن كان الحديث رواه عن حماد جماعته أصحابه فالخطأ حينئذٍ من حماد، أما إذا كان الذي تفرد عن حماد رجل واحد لا سيما إذا كان ضعيفاً فحينئذ يلصق الوهم بذلك الراوي الضعيف ويبرأ حماد منه».

وهذا كلام شبيه بقصة معروفة وردت عن ابن معين -رحمه الله تبارك وتعالى- ابن معين كان إمام الحديث وإمام في علل الحديث وإمام في الجرح والتعديل وكان -رحمه الله تبارك وتعالى- حريصاً على أن يسمع الحديث الواحد من غير شيخ، من شيوخ كثيرين، ومن غير وجه، هذا هو الاعتبار، ليعرف ما اتفق فيه الرواة وما اختلف فيه الرواية، ما تفرد به بعضهم وما لم يتفرد به بعضهم ليعرف إصابة المصيب وخطأ المخطئ، أراد أن يميز من المخطئ في تلك الأحاديث التي يخطئ فيها حماد بن سلمة لأن حماد بن سلمة كان من شأنه الخطأ أحياناً, فقضية خطأ حماد كانت مسلمة عند ابن معين وكان مفروغا منها ولكن بحثه إنما هو: هل تلك الأحاديث التي وقعت خطأ في أحاديث حماد هل كل هذه الأخطاء المخطيء فيها هو حماد أم بعضها قد يكون الخطأ فيها عن غير حماد؟.

فذهب إلى عفان بن مسلم وهو من شيوخه الذين أخذوا عن حماد بن سلمة، فدخل عليه وقال له: «يا عفان أريد أن أسمع كتب حماد بن سلمة التي عندك » فقال: ما سمعتَها إلى الآن! تعجب، يعني كيف ابن معين على كثرة ما طلب من العلم إلى الآن لم يسمع كتب حماد بن سلمة مع شهرة هذه الكتب قال: «لا قد سمعتها من سبعة عشر رجلاً وأنت الثامن عشر» فقال والله لا حدثتك، طبعاً ابن معين كان يقول -رحمه الله تعالى- «إنا لنسمع الحديث من ثلاثين وجهاً ثم نخطئ فيه » يعني هو ما زال في الثامن عشر، فقال والله لا حدثتك، فقال إن هما إلا درهمان فأنقلب إلى البصرة فأسمعها من التبوزكي موسى بن إسماعيل التبوزكي، إن هما إلا درهمان أؤجر دابة إلى البصرة وأدخل على موسى بن إسماعيل التبوزكي واسمعها منه، فدخل على موسى بن إسماعيل التبوزكي كانت يسيرة جداً يذهب إلى البصرة يأتي من البصرة يذهب إلى الكوفة عميلة سهلة طافوا البلدان، فدخل على موسى بن إسماعيل التبوزكي وقال له أريد أن أسمع كتب حماد بن سلمة التي عندك، قال لم تسمعها حتى الآن! قال قد سمعتها من سبعة عشر رجلاً وأنت الثامن عشر، فتعجب التبوزكي من يحيى بن معين، طبعاً التبوزكي شيخ محدث وليس ناقد وليس من الحفاظ كما ذكرنا في اللقاء الماضي الفرق، ليس كل من روى الحديث يكون ناقداً، ابن معين محدث ناقد كأحمد بن حنبل كالبخاري وهكذا، قال «قد سمعتها من سبعة عشر رجلاً وأنت الثامن عشر»، قال: وماذا تفعل بهذا؟ فقال: -هذه هي القاعدة موضع الشاهد عندنا- «إن حماد بن سلمة كان يخطئ فأريد أن أميز بين ما أخطأ فيه حماد بنفسه وما أخطئ عليه » أرأيت الدقة، دقة المحدثين هو يعلم أن الحديث خطأ لكن يريد أن يعرف الخطأ من حماد أم من الراوي عنه، إنصاف، وليس كهذه الأيام كلما وجدت راويا ضعيفا يكون هو المخطئ قد يكون شيخه الذي أخطأ وهو لم يخطيء في هذا الحديث وإذا وجدت في الإسناد أكثر من راو من الممكن أن يتوجه إليه الخطأ فلا تبادر إلى إعلال الحديث بالرجلين فلربما كان الخطأ من أحدهما والآخر بريء من ذلك والعلماء لهم في ذلك جولات وأمثلة ذلك كثيرة لا يسعها المقام.

«إن حماد بن سلمة كان يخطئ فأريد أن أميز بين ما أخطأ فيه حماد بنفسه وما أخطئ عليه فإذا رأيت أصحاب حماد قد اتفقوا على شيء عرفت أن الخطأ من حماد أما إذا وجدت أصحاب حماد قالوا شيئاً وواحد منهم هو الذي تفرد بهذا الوجه الخطأ عرفت أن الخطأ من هذا الواحد وليس من حماد فأميز بين ما أخطأ فيه حماد بنفسه وما أخطئ عليه» هذا هو الاعتبار.

إذن العلماء -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- يستفيدون بذلك، بماذا؟ بمعرفة من المخطئ في الرواية ومن المصيب فيها؟ وهل هذه الرواية من الممكن أن تؤثر في الرجل نفسه فتكون سبباً في تجريح العلماء له أم لا؟

نقطة أخرى أو فائدة أخرى من فوائد الاعتبار وهو معرفة تمييز الرواة كما فعل ابن معين هكذا عرف أن حماد بن سلمة يخطئ وأن هذه الأحاديث أخطأ فيها وتلك لم يخطئ هو فيها وإنما أخطأ فيها بعض الرواة الآخرون فيجمعون كل ذلك ليعرفوا كم حديثاً رواه ذلك الراوي؟ وكم حديثاً أصاب فيه؟ وكم حديثاً أخطأ فيه؟ فيميزون بين إصاباته وأخطائه فإن كثرت أخطاؤه كان ذلك دليلاً على سوء حفظه أما إذا كانت أخطاؤه قليلة بقدر إصاباته أو في جنب إصاباته فهي لا تؤثر عليه جرحاً وإن كانت تلك الأحاديث هي محكوم بكونها أخطاء.

الفائدة الأخيرة هناك فرق بين ثبوت المتابعة أو الشاهد وبين أن يعتد بها ويدفع بمقتضاها التفرد الواقع في الرواية، ليس كل متابعة تجيء في الروايات يكون لها التأثير الذي يرجى من المتابعة، يعني وجدنا كذاباً تابع راوياً، المتابعة وجدت أم لا؟ وجدت لكن متابعة الكذاب تنفع؟ لا تنفع، ووجود متابعة الكذاب وعدمها سواء.

الأمر الآخر: قد تكون المتابعة صورية لا حقيقة لها في الواقع، صورية لا حقيقة لها في الواقع يعني الحديث فرد تفرد به الراوي ثم جاء بعض الضعفاء فروى رواية أخرى تضمنت متابعة لبعض الرواة للحديث فأوهم ذلك المتابعة، ومع ذلك لا يعتد العلماء بهذه المتابعة ولا يحكمون بمقتضاها ولا يدفعون التفرد عن الراوي الأول.

مثاله، نحن نعلم أن حديث الأعمال بالنيبات حديث فرد تفرد به يحيى الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من المتفرد بهذا الحديث محمد بن إبراهيم التيمي، هكذا العلماء قالوا، هذا الحديث من أفراد محمد بن إبراهيم التيمي وإن كان حديثاً صحيحاً، نحن كما قلنا ليس كل ما تفرد به الراوي يكون ضعيفاً بل من الأفراد ما هو صحيح ومنه ما هو غير صحيح.

جاء بعض الرواة ممن في حفظهم بعض الضعف ولكن لم يكونوا ضعفاء يعني نستطيع أن نقول صدوق في الجملة، هذا راو روى حديثاً عن الربيع بن جابر الضبي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن محمد بن إبراهيم التيمي، إذن صار محمد بن عمرو بن علقمة متابعاً ليحيى الأنصاري العلماء ماذا قالوا؟ قالوا: هذا خطأ هذا باطل هذا لا أصل له إنما الحديث حديث يحيى الأنصاري ومن رواه عن غير يحيى الأنصاري فقد أخطأ في ذلك، فتلك متابعة وردت أم لا؟ وردت ولكنها ناتجة عن خطأ بعض الرواة أي أبدل راوياً براو فأوهم التعدد، أوهم أن الحديث يرويه أكثر من راوٍ والواقع أنه لم يروه إلا راو واحد، ويقع أيضاً هذا في الشواهد، مثاله مثلاً حديث يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبي قتادة الأنصاري عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) هذا حديث صحيح ولكن هكذا إسناده، هو من حديث أبي قتادة الأنصاري ومن رواه عن غير أبي قتادة الأنصاري فقد أخطأ، فجاء جرير بن حازم وهو رجل صدوق ولكنه يخطيء أحياناً فرواه عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال ( إذ أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) قال العلماء هذا خطأ، الحديث ليس من حديث أنس بن مالك أبداً إنما هو من حديث أبي قتادة الأنصاري فمن أبدل الصحابي ها هنا أخطأ في ذلك.

إذن الشواهد أيضاً قد تأتي ولا يعتد بها العلماء ولا يحكمون بمقتضاها، لكونها خطأ من قبل بعض الرواة.

قد يكون الحديث مع ذلك الحديث تفرد به راو واحد ومع ذلك ظهر أن هناك راو آخر يرويه، ولكن بعد التتبع والصبر والاعتبار والتفتيش في الكتب والروايات تبين أن أحد الرجلين أخذ الحديث من الآخر، فبعد أن كانت الرواية توهم التعدد تبين أن إحدى هذه الروايات راجع إلى الآخر أحد المخرجين راجع إلى مخرج الرواية الأخرى فصار في الرواية رواية فردة غريبة لا تعدد فيها من ذلك حديث يرويه محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( صلاة بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك ) هذا الحديث حديث موضوع، ولكن أنت إذا تأملت الإسناد تقول هذا الإسناد محمد بن إسحاق صدوق والزهري إمام حافظ وعروة كذلك يرويه عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فلو أن محمد بن إسحاق توبع بأي متابعة فإن هذا ينفعنا، فوجدنا راوياً آخر اسمه معاوية بن يحيى الصدفي قد تابع محمد بن إسحاق، فالباحث الذي لا يتأمل الأسانيد ولا يعرف مسالك العلماء في اعتبار الروايات قد يغتر بذلك ويقول محمد بن إسحاق لم يتفرد بالحديث بل تابعه معاوية بن يحيى الصدفي وهو إن كان فيه ضعف لكن مثل هذا ينفع في باب الشواهد والمتابعات، ولكن تبين لأهل العلم كأبي زرعة وغيره من نقاد الحديث أن محمد بن إسحاق أصلاً أخذ الحديث من معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري ثم أسقطه لأنه كان يدلس وارتقى بالحديث إلى الزهري على سبيل التدليس مباشرة فرجع الحديث إلى أنه من حديث معاوية بن يحيى الصدفي فلأجل هذا لم يكن تلك المتابعة موضع اعتداد ولا يبنى عليها دفع التفرد المنسوب إليه الراوي والله أعلم، هذا ما أردت أن أنبه عليه فيما يتعلق بباب الاعتبار.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- (النوع السادس عشر في الأفراد، وهو أقسام: تارة ينفرد به الراوي عن شيخه كما تقدم أو ينفرد به أهل قطر كما يقال تفرد به أهل الشام أو العراق أو الحجاز أو نحو ذلك، وقد يتفرد به واحد منهم فيجتمع فيه الوصفان والله أعلم، وللحافظ الدارقطني كتاب في الأفراد في مائة جزء ولم يسبق إلى نظيره وقد جمعه الحافظ محمد بن طاهر في أطراف رتبه فيها.)

نحن قلنا: إن من أسباب رد الرواية أن يتفرد بها الراوي وذكرنا أيضاً أنه ليس كل تفرد يكون دليلاً على خطأ الراوي، وإنما يقع ذلك حيث تنضم قرينة إلى ذلك التفرد فترشد الناقد إلى أن خطأ في الرواية قد وقع، هنا تكلم عن التفرد وسيتكلم في أواخر الكتاب عن الحديث الغريب وكثير من المسائل التي يطرحونها في باب الأفراد موجودة أو معادة هناك في باب الغريب أيضاً.

تكلم هنا على أن الحديث الفرد هو الذي يرويه راو واحد يتفرد به لا يتابعه عليه غيره، وأن هذا التفرد منه ما هو تفرد مطلق ومنه ما هو تفرد نسبي التفرد المطلق أي أن يكون الحديث لا يروى في الدنيا إلا بهذا الإسناد لا يروى بغير هذا الإسناد ولو على أي وجه من الأوجه بخلاف التفرد النسبي فقد يكون الحديث مشهوراً معروفاً عن بعض الرواة، ولكن إذا رويته عن رواياً آخر فهو غريب، كما ذكرنا مثلاً في حديث ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)فهو محفوظ مشهور يرويه الناس عن يحيى بن أبي كثير بالإسناد إلى أبي قتادة الأنصاري، أما روايته عن ثابت البناني عن أنس فذلك يعد غريباً تفرد به جرير بن حاتم عن ثابت البناني.

هذه غرابة مطلقة أم بالنسبة إلى حديث ثابت؟ بالنسبة إلى حديث ثابت عن أنس وإلا فالحديث مشهور من غير طريق ثابت فهو مشهور عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه وأرضاه- وأحياناً يستعملون التفرد حيث ينسب إلى بلد معينة فيقولون هذه سنة لا تعرف إلا عند المكيين هذه سنة لا تعرف إلا عند البصريين ونحو ذلك وغالباً ما يكون الإسناد مسلسلاً برواة هذه البلد فيقولون هذه سنة تفرد بها أهل البلد الفلانية أو تفرد بها واحد من بلد معينة فينسب التفرد تفرد هذه السنة إلى أهل هذه البلد ويقصدون واحداً منهم لا أنهم جميعاً رووا الحديث وإلا لو أنهم رووا ذلك الحديث لما كان فرداً من هذه الحيثية وأحياناً يقولون هذا الحديث فرد بالنسبة إلى الثقات يعني لم يروه ثقة عن الزهري إلا مالك، كما قالوا في حديث المغفر قالوا لم يروه عن الزهري ثقة إلا مالك، وإلا فقد رواه عن الزهري غير مالك من غير الثقات، أما الثقات فلم يروه إلا مالك عن الزهري، هذا هو ما يتعلق بهذه الاصطلاحات الواردة في هذا الباب إجمالا، وأيضاً لي نقاط وتنبيهات في هذا الباب أريد أن أنبه إخواني عليها لأن كثيراً من طلبة العلم يغفلون عن بعض المسائل وبعض التفريعات المتعلقة بهذا الباب فيقعون في أخطاء وفي سوء فهم لبعض كلمات العلماء الواردة في هذا الباب.

أولاً: علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- كانوا يذمون عموماً الأفراد والغرائب ويمدحون المشاهير، ويمدحون رواية المشاهير لأن الأفراد والغرائب الغالب فيها الضعف بخلاف الأحاديث التي يرويها أكثر من واحد فهي أبعد ما تكون عن الخطأ والضعف ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء، طبعاً إذا كانت عن الثقات فهي أحاديث صحيحة إلا أن يتبين خطأ هذا الراوي الثقة، وكان الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول «شر الحديث الغريب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها» وقال الإمام مالك «شر العلم الغريب وغير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس » وكان عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- «العلم الذي يجيئك من ها هنا وها هنا » يعني المشهور هذا هو العلم، وكان الإمام أحمد ينكر الذي يطلب الأسانيد الغريبة التي أخطأ فيها الرواة ويستكثر من ذلك وقال: «يجيئون بثلاثين إسناداً أو بنحو ذلك ما أقل العلم عندهم » يعني يضيعون الوقت في سماع الأخطاء التي أخطأ فيها الرواة وقيل لابن معين لماذا لا تسمع بعض الأحاديث الغرائب قال: ألهاكم التكاثر، يعني أن تستكثروا من الأشياء التي لا منفعة من وراءها ولا تأثير فيها ولا رجاء من ورائها.

الأمر الثاني: علماء الحديث -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- كما قلنا لا يعتبرون مجرد التفرد علة، وإنما العلة التفرد مع ما انضم إليه من دليل يدل على الخطأ أو من قرينة ترجح جانب الخطأ فهذا هو التفرد الذي يكون خطأ أو التفرد الذي يعل به الحديث وأنا كنت قد جمعت ذلك في أبيات لا بأس أن تعرفوها لتكون ضابطاً عاماً للأسباب التي إذا انضمنت إلى التفرد يكون ذلك دليلاً على الخطأ, ويكون موجباً لإعلال الحديث وهذه المعاني التي ضمنتها هذا النظم ليست جامعة لكل القواعد التي يمكن أن تنضم إلى التفرد فيكون ذلك دليلاً على خطأ الراوي أو على علة الحديث, وإنما هذا أكثر ما يستعمل ويوجد في كلام أهل العلم -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى-.

قلت:

• وكثر الإعلال بالتفرد لدى أئمة الحديث العمد

• وجاء ذم الفرد عن جمهور العلما والمدح للمشهور

• فقو الاعلال به إن تقترن به قرينة كأن يكون من

• نازل أو من هم دون أهل الحفظ والإتقان أو مقل

• أو عن إمام مكثر أصحابه قد جمعوا حديثه

• أو كتبه مشهورة أو أن يكون الخبر إسناده أو متنه مستنكر

• أو جرت العادة باشتهار ما كان مثله من الأخبار

• أو اعترى الرواية اختلاف يقدح وهو عندهم أصناف

فهذه ضوابط عامة لمعرفة المعاني التي إذا ما انضمت إلى التفرد كان ذلك دليلاً على خطأ هذا الراوي المتفرد ونحن نشرح هذه المعاني بشيء من الإيجاز ليتسع لنا المقام:

أولاً: أن يكون التفرد الذي وقع في الرواية من قبل راو متأخر نازل في الطبقة ونحن ذكرنا في لقاء سابق ما ذكره الإمام الذهبي -رحمه الله تبارك وتعالى- لما ذكر الحفاظ الثقات ورتبهم على الطبقات من الصحابة حتى إلى زمن مشايخه، فذكر في كل طبقة طبقة من كان في هذه الطبقة من كبار الحفاظ من كبار الثقات الحفاظ فبعد أن سمى هذه الطبقات وسمى الأعلام الحفاظ في هذه الطبقات، قال: « فهؤلاء الحفاظ الثقات إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع أي أتباع التابعين قيل صحيح غريب» انظر تغير الحكم باختلاف الطبقة ثم قال: «وإن كان من أصحاب الأتباع قيل غريب فرد» لم يقل صحيح حينئذٍ ثم قال: «ويندر تفردهم فتجد الإمام منهم » هو لا يتكلم عن الضعفاء وإنما يتكلم عن الثقات الحفاظ «فتجد الإمام منهم عنده مائة ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة ثم قال وأما من بعدهم فأين ما ينفردون به ما علمته وقد يوجد » ثم قال: «وقد يسم جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثله شيء وهو من الثقات وحفص بن غياث وهو أيضاً من الثقات منكراً» يعني يسمون تفرد هؤلاء الثقات مناكير؛ لأنهم نازلون في الطبقة ثم قال: «فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة يعني شيوخ البخاري وشيوخ مسلم إذا انفردوا أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة وأبي سلمة التبوزكي وقالوا هذا حديث منكر» هو يتكلم عن الثقات الحفاظ ثم بين أن تفرد هؤلاء الثقات الحفاظ يختلف الحكم عليه باختلاف الطبقة وقد رأيت أننا كلما نزلنا بالطبقة كلما كان التفرد أقرب من الضعف منه إلى القبول.

والإمام البيهقي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى - قال في كرام معروف له قال: «فمن ينفرد اليوم بحديث لا يوجد عند غيره لا يقبل منه » هو إنما يتكلم عما ينفرد به الثقات لا ما ينفرد به الضعفاء، فمن ينفرد اليوم بحديث لا يوجد عند غيره لم يقبل ذلك منه وبطبيعة الحال هذه مسألة دقيقة جداًً وتحتاج إلى كلام طويل وإنما نجتزيء اليوم على إشارات لعل يكون فيها هداية لطالب العلم.

السبب الآخر من الأسباب التي إذا ما انضمت إلى التفرد كان ذلك علة في الحديث أن يكون التفرد من قبل واحد ليس من الحفاظ وإنما هو من دون الحفاظ ونحن ذكرنا في اللقاء السابق أن من دون الحفاظ يسمون بالشيوخ، وهؤلاء تفرداتهم ليست كتفردات الحفاظ، الحافظ سمع كثيرا، سمع فأوعى فبإمكانه أن يأتي بما لا يعرفه غيره، فيتفرد مثل ذلك ويحتمل منه التفرد.

أما من لم يطلب من العلم إلا القليل لم يسمع من العلم إلا الحديث والحديثن والثلاثة ولم يرحل إنما سمع من أهل بلده فقط فأنى لمثل هذا أن يأتي بشيء لا يعرفه غيره من الثقات الحفاظ.

ولهذا يقول الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تبارك وتعالى- «وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه» يعني لم تقع خلاف مجرد تفرد، «يقولون إنه لا يتابع عليه ويجعلون أن ذلك علة فيه» ثم بين أن ليس كل تفرد يكون علة في الحديث فقال: «اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه» هؤلاء كبار الحفاظ يحتمل من مثلهم أن يأتوا بما لا يعرف عند غيرهم، قال وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ولهم في كل حديث نقد خاص ليس عندهم لذلك ضابطٌ يضبطه، إنما عموماً الثقات الحفاظ الأصل أن تقبل تفرداتهم، أما الشيوخ الذين لا يعرفون بكثرة السماع والرواية فهؤلاء الأصل عدم قبول تفرداتهم اللهم إلا أن يتبين في حديث ما أن هذا الحافظ أخطأ فيه فلا يقبل منه أو أن هذا الشيخ أصاب فيه فيقبل ذلك منه وهذا راجع إلى الاعتبارات الأخرى والقرائن المحتفة بالرواية.

المعنى الرابع: أن يكون الحديث قد رواه راو مقلاً من الرواية كما نحن قلنا المكثر يحتمل من مثله أن يأتي بما لا يعرفه غيره أما المقل هو أصلاً لم يرو إلا القليل من الحديث فأنى لمثل هذا أن يأتي بشيء لا يعرفه غيره ولهذا كان ابن عون يقول: «لا يؤخذ العلم إلا ممن شهد له بالطلب واشتهر ذلك بين الناس» وكان الإمام شعبة بن الحجاج خذوا العلم من المشهورين، وسئل الإمام أبو حاتم الرازي -رحمه الله تبارك وتعالى- عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، فقال: «لا بأس بحديثه ليس منكر الحديث» فهذ العبارة تدل على أن الراوي في جملة الثقات وإن كان من أدنى مراتب الثقات، ثم قيل له يا إمام أيحتج بحديثه؟ قال: «لا هو يحدث بشيء يسير هو شيخ» يعني مقل من الرواية فمثل هذا لا يحتمل منه أن يحتج بما تفرد به إنما يصلح في الشواهد، يصلح في أن يستأنس بروايته، في أن يعتبر بروايته فيقوى بها رواية أخرى لكن أن يعتمد عليه وأن يؤخذ منه أصل لا يوجد عند غيره فهذا أمر آخر.

وكما جاء عن أبي حاتم أيضاً في موضع آخر لما سئل عن بعض الشيوخ أيحتج به قال: «من كل ألف شيخ يحتج بشيخ » لا يقصد بالشيوخ إلا المعنى الذي شرحناه سابقاً من أنهم من دون الحفاظ، المقلون، الذين لا يعرفون بكثرة السماع ورواية الحديث، وسئل الإمام أحمد عن إسماعيل بن زكريا الخلقاني، فقال: «أما الأحاديث المشهورة» انظر معنى أنها مشهورة أنه لم يتفرد بها وإنما يرويها غيره أيضاً، «أما الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر لها » يعني فيما تفرد به.

قيل له لماذا؟ قال: «لأنه ليس يعرف بالطلب » ليس يعرف بطلب لم يتفرغ لم يفن عمره في طلب الحديث, وإنما جلس مجالس قليلة أو سمع أحاديث قليلة وليس كالذي أفنى عمره في طلب الحديث، وقال في رواية أخرى: «ما كان به بأس» إذن هو عنده من جملة الثقات، ومع ذلك لكونه ليس معروفاً بالطلب، أي مقل في الرواية لم يعتن بالرواية العناية الكبيرة فلأجل هذا لا يعتمد عليه ولا يحتج بما تفرد به، وهذا الراوي نفسه لم سئل عنه يحيى بن معين قال: «ليس به بأس» وابن معين إذا قال ليس به بأس فهو عنده من الثقات، ثم قال في موضع آخر: «صالح الحديث» قيل له أيحتج به قال: «لا, الحجة شيء آخر» نحن نقول صالح الحديث ليس به بأس واضح هذا الكلام من حيث ما يستحقه الراوي من حيث منزلته في الجرح والتعديل لكن الحجة شيء آخر، لأن الحجة بالحديث ليس متوقفا على حال الراوي فقط كما قلنا في اللقاء السابق حال الراوي من جهة ومدى أهليته لقبول ذلك الذي تفرد به من عدم أهليته لذلك، وقال الإمام الذهبي في حديث رواه مجاهد بن وردان عن عروة عن عائشة قال: «إن مجاهد هذا شيخ محله الصدق مقل» إذن هو من جملة الثقات ولكنه مع ذلك مقل من الحديث، فقال الذهبي ماهو كالزهري وهشام بن عروة في التثبت، وهو إن كان من جملة الثقات لكن ليس كهؤلاء الكبار الحفاظ.

كيف نتعامل مع حديث مثل هذا الرجل؟ قال: «فتفرده بالجهد أن يكون صحيحاً غريباً ولو استنكر حديثه هذا لساغ » إذن لم يعامله معاملة الزهري وهشام بن عروة من كبار الحفاظ لما قد شرحه من أنه ليس مكثراً من سماع الحديث بل هو رجل مقل.

معنى آخر من المعاني التي إذا ما انضمت إلى الرواية كان ذلك دليلاً عى خطأ الراوي المتفرد بها، أن يكون الراوي الذي تفرد تفرد بالحديث عن بعض كبار الحفاظ، الذين لهم أصحاب قد حفظوا أحاديثهم، أحاديث هذا الحافظ واعتنوا بها غاية العناية واشتغلوا بها غاية الشغل ولم يخفى عليهم وإن جاز أن يخفى على بعضهم حديثاً من أحاديث ذلك الإمام الحافظ الكبير كالزهري مثلاً.

هناك طائفة من رواة الحديث تخصصوا في الزهري، طول عمره عايش يدرس حديث الزهري فقط كأن هذا الإمام الزهري جامعة من الجامعات العلمية فهذا الطالب أفنى عمره لإتقان وحفظ حديث الزهري على وجه الخصوص، فهذا بطبيعة الحال يكون أعلم الناس بحديث الزهري، فهو يعرف كل ما حدث به من حديث، ويعرف أنه حدث عن الشيخ الفلاني بكذا حديث، وعن هذا الشيخ بكذا حديث، الموصولات في حديثه كذا وكذا، المراسيل كذا وكذا المرفوعات كذا وكذا، الموقوفات كذا وكذا، صنف أحاديث الزهري وحفظه واعتنى بها غاية العناية.

فمثل هذا يصعب عليه أن يخفى عليه حديث من أحاديث الزهري لا سيما أن الزهري حفاظ حديثه ليس واحد أو اثنان بل جماعة كثيرون كمالك وابن عيينة ومعمر وزهير وهكذا، فهؤلاء جميعاً اعتنوا بحديث الزهري فإذا وجدنا حديثاً يرويه واحد ليس من هؤلاء الحفاظ يتفرد به عن الزهري والحديث ليس معروفاً عند واحد من هؤلاء الحفاظ العارفين بحديث الزهري.

لو قلنا قد يخفى على مالك، لكن ما باله خفي أيضاً على ابن عيينة؟ ما باله خفي على شعيب بن أبي حمزة؟ ما باله خفي على عقيل؟ ما باله خفي على يونس؟ صعب جداً أن يخفى الحديث على كل هؤلاء الذين تخصصوا على حديث الزهري، ثم يطلع عليه رجل ليس معروفاً بصحبة الزهري ولا الاعتناء بحديثه، كما قال الإمام مسلم -رحمه الله تبارك وتعالى- في مقدمة الصحيح: «وحكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على موافقتي لهم فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك حديثاً أو شيئاً ليس عند أصحابه قبلت زيادته فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ لحيدثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي هذا الرجل المتفرد عن مثل هؤلاء فيروي عنهما أو عن أحدهم العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عنده فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس».

من ذلك أحاديث أعلها الإمام مسلم نفسه في كتاب التمييز, وعلل عدم قبوله لها بمثل تلك القاعدة التي قد أشار إليها في مقدمة كتابه الصحيح، من ذلك أنه ذكر في هذا الكتاب حديثاً يرويه المعافى بن عمران عن صليح عن القاسم عن عائشة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قال: «هذا الحديث ليس بمستفيض عن المعافى » يعني ليس مشهوراً عن المعافى وإنما تفرد به رجل واحد عن المعافى، قال إنما رواه هشام بن بهرام وهشام بن بهران منن جملة الثقات, لكن لما تفرد بمثل هذا عن المعافى بن عمران لم يحتمل الإمام مسلم منه ذلك التفرد مع أنه من جملة الثقات، قال: «وهو شيخ» ما قال هو حافظ: «وهو شيخ من الشيوخ أي ليس من الكبار الحفاظ وإن كان ثقة ولكنه لا يحتمل أن يتفرد بحديث عن مثل المعافى بن عمران » قال: «وهو شيخ من الشيوخ ولا يقر الحديث بمثله» إذن تفرد، فهذا الإمام مسلم قد نص على القاعدة ثم هو ذكر في كلامه مثالاً يصدق عليها، والأمثلة على هذا كثيرة جدًّا، وبطبيعة الحال المعنى قد اتضح بفضل الله -عز وجل- بمثل هذا المثال.

حديث آخر رواه رجل اسمه يحيى بن آدم عن سفيان الثوري عن زبيد بإسناده حديثاً يرفعه إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- سئل ابن معين عن يحيى بن آدم فوثقه ثم قال: «وهذا الحديث خطأ أو وهم» قال: «لو كان هذا الحديث صحيحاً أو هكذا صحيحاً لرواه الناس جميعاً عن سفيان » لأن سفيان الثوري من كبار الحفاظ الذين تخصص فيه جماعة من أصحابه، فكيف خفي الحديث عن جماعة أصحاب الثوري ثم لا يطلع عليه إلا من لا يعرف بالاعتناء بحديث الثوري بل قد يكون من جملة من جرب عليه الخطأ فيما إذا روى عن سفيان الثوري.

أيضاً قرينة أخرى من تلك القرائن التي إذا ما انضمت إلى التفرد دل ذلك على خطأ الراوي المتفرد وهو أن يكون الحديث نفسه إسناداً أو متناً مشتملاً على نكارة، العلماء نظروا في السند فوجدوا خطأ وقع في الإسناد نكارة معنى منكراً في الإسناد أو نظروا إلى المتن فوجدوا فيه معنى منكراً أيضاً فالنكارة التي تقع في الإسناد أو تقع في المتن ترشد علماء الحديث إلى أن هذا الراوي الذي تفرد بذلك الحديث أخطأ في ذلك الحديث؛ لأن الحديث الشاذ كما قال شعبة: «لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ » والخطأ الواقع في الرواية لابد أن يكون من ورائه مخطيء في الإسناد فإذا كانت الرواية قد وقع في إسنادها أو متنها خطأ فلابد وأبداً أن يكون هناك مخطيء في الرواية فالعلماء -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- إذا وجدوا خطأ في الإسناد أو المتن نظروا في الإسناد، هل وقع تفرد أم لا؟

فإن وقع تفرد استدلوا بتفرد هذا الراوي على أن هذا مما أخطأ فيه إذ لو كان صواباً لما تفرد مثله بمثله، من ذلك حديث يرويه عبد الرزاق وهو من جملة الثقات عن الثوري عن سليمان الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس: (أن رجلاً سأل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: أحج عن أبي؟ قال: نعم إن لم تزده خيراً لم تزده شراً ).

الحديث معروف بغير هذه الزيادة، وهو ثابت في قصة شبرمة، في الحج عن الغير ولكن أن يتضمن المتن هذه الزيادة استنكرها العلماء وهو ما ينسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-: (نعم، إن لم تزده خيراً لم تزده شر)فالعلماء أنكروا ذلك الحديث غاية الإنكار وحملوا ذلك على أن هذا من أخطاء عبد الرزاق، وأنه هو المتفرد بذلك الحديث حتى قال الإمام بن عبد البر -رحمه الله تعالى- «هذا الحديث قد حملوا فيه على عبد الرزاق لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه» لما وجدوا المعنى منكراً ووجدوا الراوي متفرداً قالوا حينئذٍ هذا الخطأ إنما هو من جراء ذلك التفرد.

يقول: «لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه وهذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد إلا في كتاب عبد الرزاق أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق » يعني هو يرجع إلى عبد الرزاق، ولم يروه أحد عن الثوري غيره وقد خطئوه فيه وهو عندهم خطأ، قالوا يعني قال علماء الحديث: هذا لفظ منكر لا تشبهه ألفاظ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كيف يأمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بما لا يدري هو هل هو ينفع أم لا ينفع؟ فهذا مثال لنكارة المتن.

مثال آخر لنكارة الإسناد ما ذكرناه في لقاء سابق من أن يكون الإسناد مشتملاً على رواية شيخ عن شيخ أو راو عن شيخ ورواية هذ الراوي عن هذا الشيخ لا تعرف إلا في هذه الرواية الغريبة، فيقول العلماء: مثلاً فلان عن فلان لا يجيء، أو ليس له نظام، أو لا يعرف بالأخذ عن فلان، فهذا معنى يستنكر الحديث من أجله، من ذلك مثلاً حديث داود بن عبد الله، هارون بن إسحاق الهمداني عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن أبي سليمان عن نافع، قال العلماء: عبد الملك بن أبي سليمان ليس له رواية عن نافع أصلاً، وإنما الصواب عبد الملك بن جريش، عن نافع أخطأ من أخطأ فروى الحديث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن نافع، والصواب عن عبد الملك بن جريج عن نافع.

ماذا فعل الراوي كأن الحديث كان عنده عن عبد الملك عن نافع، فظن هو أن عبد الملك هذا هو بن أبي سليمان فنسبه اجتهاداً لا رواية فوقع في الخطأ، فرواية هذا الراوي عن هذا الشيخ غير معروفة وإنما المعروف رواية ابن جريج عن نافع، وليس ابن أبي سليمان عن نافع، وهذا يقع في الأسانيد كثيراً والعلماء -عليهم رحمة الله تبارك وتعالى- يستدلون به على خطأ يقع في الرواية، هناك من القرائن الدالة على الخطأ الاختلاف، الاختلاف بطبيعة الحال يرشدنا إلى أن الذي تفرد أخطأ والاختلاف له صور كثيرة وأحكام لكل صورة وكل ذلك سنفصله -إن شاء الله تعالى- عندما نتكلم عن صور الخلاف بعضها سنتكلم عليها في باب الاضطراب والبعض الآخر في باب مختلف الحديث، والله أعلم.

فضيلة الشيخ وردتنا إجابات على أسئلة الحلقة الماضية وكان السؤال الأول: ما معنى قول المحدثين فلان شيخ؟

وكانت الإجابة: يطلق المحدثون لفظ الشيخ على الراوي الذي لم يشتهر بالطلب ولم يبلغ في الحديث مبلغ الحفاظ الثقات، فإطلاق شيخ على الراوي ليس توثيقاً ولا تجريحاً .

كلامه صحيح ولكن النتيجة التي توصل إليها محتاجة نوعاً من البيان، نحن نقول: الشيخ، لو قال المحدثين شيخ أي ليس حافظاً، لكن قد يكون ثقة وقد لا يكون ثقة أما كلمة شيخ في حد ذاتها فلا نستطيع أن نفهم منها التوثيق كما لا نستطيع أن نفهم منها التجريح كما قالوا في كلمة حافظ، فكلمة حافظ وحدها لا تدل على التوثيق كما لا تدل على التوثيق كما لا تدل على التجريح فقد يكون الحافظ ضعيفاً وقد يكون الحافظ ثقة كما قد يكون الشيخ ضعيفاً وقد يكون الشيخ ثقة مثلاً محمد بن حميد الرازي وصفوه بالحفظ ثم ضعفوه بل ضعفوه جداً، سليمان بن داود الشازاكوني قالوا: هو حافظ وصفوه بالحفظ ومع ذلك ضعفوه جدًّا، محمد بن عمر الواقدي وصفوه بالحفظ وضعفوه أيضاً جداً، نوح بن أبي مريم وصفوه بالحفظ ومع ذلك اتهموه بالكذب حتى قال ابن حبان: «جمع كل شيء إلا الصدق » فهو كان حافظاً جامعاً للعلوم ولكنه لم يكن صادقاً.

إذن كلمة حافظ في حد ذاتها لا تدل على التوثيق كما لا تدل على التجريح، إنما تدل فقط على أن الراوي من المكثر سماعاً للحديث ورواية، كذلك كلمة شيخ لا تدل بمفردها لا على التوثيق ولا على التجريح إنما تدل على أنه دون الحفاظ، وقد يكون ثقة وقد لا يكون ثقة.

السؤال الثاني: ما وجه إطلاق المنكر على أحاديث الثقات؟

وكانت الإجابة: من المعلوم عند أهل الحديث أن حكمهم على الرواية والمتن سابقاً لحكمهم على الراوي، وبذلك فإنهم ينكرون الحديث على الراوي، سواء كان ثقة أو غير ثقة.

معنى إطلاق المنكر على أحاديث بعض الثقات أي أن هذا الثقة أخطأ في هذا الحديث فالمنكر هنا بمعنى الخطأ وليس هذا تضعيفاً للراوي وإلا فهو ثقة وإنما يقصدون أنه وإن كان من جملة الثقات إلا أن هذا الحديث المعين قد أخطأ فيه، فهو منكر لهذه الحيثية, والله أعلم.

كنت أريد أن أسأل عن الحديث الضعيف الصالح للتقوي بغيره هل يقويه أهل الحديث بحديث أو برواية موقوفة إن لم يكن المخرج متحدا وهل يختلفون في ذلك؟

السؤال الثاني: هو استشارة أكثر من أن يكون سؤالا بحسب اطلاعي الضعيف على كتب الحديث وجدت أن الأحاديث الضعيفة التي يقويها الأئمة بالشواهد فقط من غير وجود متابعات لم أجد عليها أمثلة كثيرة تصلح لأن تكون عضداً للقاعدة بهذا الحجم فأنا أسأل من خلال ممارستكم الطويلة للحديث هل توافقونني على هذه النتيجة أو لا؟

السؤال الأول: كان يسأل عن الحديث الضعيف الذي يتقوى بالرواية الموقوفة، هل يختلفون في ذلك؟

لا شك أن هذا من المسائل الاجتهادية، لكن نحن تكلمنا من حيث الأصل العام من حيث الأصل العام أن الموقوف يصلح في تقضية المرفوع ولكن من حيث التطبيق قد نختلف، أنت ترى أن هذا الحديث أو هذا الأثر الموقوف يصلح لتقوية هذا الحديث وأنا لا أرى ذلك في هذا الحديث بخصوصه فتختلف أحكام العلماء -عليهم رحمة الله تعالى- على الجزئيات اختلافهم في الجزئيات لا يدل على اختلافهم في القاعدة العامة أو في الكليات، فهذا من جهة.

من جهة أخرى أن العلماء -عليهم رحمة الله تعالى- إنما يقوون الحديث الضعيف بالموقوف يعني يقوون المعنى الذي تضمنه وليس معناه أنه ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكونه موافقاً لأثر موقوف على صحابي وإنما هذا يلجئون في الأعم الأغلب إليه حيث يحتاجون إلى الرواية أو إلى الترجيح بين روايات، رواية تتضمن معنى ورواية أخرى تتضمن معنى آخر، وكلتا الروايتين فيهما ضعف هذه فيها ضعف وتلك فيها ضعف فإذا وجدنا رواية موقوفة وافقت إحدى الروايتين فهذه ترجح هذه على تلك وهذا ترجيح للمعنى الذي تضمنته الرواية وليس لنسبتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يعني أنها صالحة للحجة حينئذٍ، والله أعلم.

كانت له استشارة عن الأحاديث التي تقوم بالشواهد أنها قليلة وضعيفة في كتب أهل العلم فما رأيكم.

هي ليست قلية ولكن كثير من المشتغلين بالحديث لا يميزون بين الضعيف الذي يصلح للاعتبار والضعيف الذي هو منكر أو باطل أو لا أصل له فتجد بعض الباحثين ينظرون في الروايات الموجودة في أي كتاب وجد، الرواية التي يسوقها ابن عدي مثلاً في الكامل وابن عدي إنما يسوق الأحاديث في الكامل ليستدل بها على ضعف الراوي الذي ترجم له، إذن هي عنده أحاديث مناكير أخطاء إسنادية، كذلك العقيلي كذلك ابن حبان في المجروحين، كذلك الكتب التي تعنى بغرائب الروايات كالطبراني في معاجمه لا سيما المعجم الأوسط والصغير، وكذلك الإمام الدارقطني في كتاب الغرائب والأفراد إلى غير ذلك، فهم يجمعون أو يذكرون في هذه الكتب الأحاديث التي أخطأ فيها الرواة وغالب الأخطاء إنما تكون في الإسناد، فيأتي بعض المتأخرين أو المعاصرين ممن لا يدرسوا هذا الباب جيدا إذا بهم يجمعون هذه الروايات من كل صعيد ومن كل باب ويقولون هذه تتقوى إنما العلماء ينكرون بعضها أو ينكرون هذه الروايات وهي أخطاء عندهم والحديث قد يكون معروفاً من وجه واحد فجاء هؤلاء الضعفاء فكل منهم جاء له بوجه من قبله فتلك مناكير وأخطاء إسنادية والخطأ لا يعتبر به والمنكر لا يعتبر به، إنما يعتبر بالضعيف الذي يحتمل أن يكون صواباً ويحتمل أن يكون خطأ حينئذٍ ينتفع بتلك الروايات وتصلح في الترجيح والاعتضاد وتقوية ما نريد أن نقويه بها، أما أن نعمد إلى أخطاء الرواة والمناكير والشواذ وما لا أصل له فنضم بضعه إلى بعض ونقوي ذلك ببعض فهذا خطأ وهذا الذي أشار إليه الإمام أحمد لما سئل عن الأحاديث الفوائت فقال الأحاديث عن الضعفاء قد يحتاج إليها في وقت يعني تصلح في باب الاعتبار والمنكر أبداً منكراً المنكر لا يصلح أبداً حتى ولو كان من قبل الثقات، لأن الثقة إذا أخطأ وترجح لدينا خطؤه فلا معنى بعد ذلك إلى أن نستفيد بروايته للتقوية، لأننا معنى أننا استفدنا بروايته للتقوية أنه لم يخطيء، ونحن مقرون بأنه أخطأ, والله أعلم.

هناك عدة أسئلة:السؤال الأول: ما الفرق بين الشاذ وزيادة الثقة؟

هذا سيأتي في الدرس القادم -إن شاء الله تعالى- ثم إن هذا السؤال أصلاً خطأ، يعني هذه التركيبة هذا السؤال أن تجعل الشاذ في جهة وزيادة الثقة في جهة مقابلة هذا خطأ، فسيتبين لنا -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم أن زيادة الثقة منها ما هو شاذ ومنها ما هو غير شاذ، والله أعلم.

السؤال الثاني: هل يشترط في الشاذ المخالفة؟

نحن تكلمنا فيه في اللقاء الماضي وباستفاضة وذكرنا مذاهب العلماء في ذلك ونحن نقول أنه لا يشترط فيه المخالفة بل من الشاذ ما يستدل على شذوذه بالتفرد، حيث لا يكون المتفرد أهلاً للتفرد بمثل هذه الرواية التي تفرد بها، أو الصورة الثانية ألا يستدل على شذوذه بالمخالفة، والله أعلم.

فضيلة الشيخ هل يشترط في المتابعة التامة أن يكون متنها هو نفس المتن الأصل بلا زيادة أو نقصان يعني زيادة كلمة أو نقصان كلمة؟

إذا كان الاختلاف بين الروايتين اختلافاً طفيفاً يعني زيادة لفظة أو نحو ذلك بما لا يؤثر على المعنى الذي تضمنه الحديث فهذا يتسامحون فيه ولا يدققون فيه، أما إذا كان الاختلاف يدل على اختلاف المعنى أو ترجح لدى العلماء أن ذاك حديث وذاك حديث آخر هذا حديث قاله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في واقعة وفي مناسبة وهذا حديث آخر قاله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في واقعة أخرى أو في مناسبة أخرى فحينئذ يتعاملون مع الحديثين معاملة الشواهد هذا حديث وهذا حديث آخر.

أما إذا ظهر لهم أن الواقعة واحدة وأن الحديث واحد وأن القصة واحدة وأن المناسبة واحدة فحينئذ يعاملون ذلك معاملة المتابعات والله أعلم.

السؤال الأول: اذكر مثالاً على إطلاق الاعتبار بمعنى المعرفة؟

السؤال الثاني: اذكر مثالاً على النكارة الإسنادية؟

والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم.


http://www.islamacademy.net/Index.as...d=3020&lang=Ar
__________________
هذه المشاركة ما كان فيها من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-05-08, 12:16 AM
محمد بو سيد محمد بو سيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-05
المشاركات: 351
افتراضي

نخبة الفكر - شرح الشيخ سعد بن عبد الله الحميد


الاعتبار والمتابع والشاهد


والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابع، وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد، وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار


--------------------------------------------------------------------------------


فقط هذه العبارة تحتاج منا إلى بسط الآن عندنا ثلاثة أنواع من أنواع علوم الحديث الاعتبار والمتابع والشاهد ابن الصلاح -رحمه الله- حينما عنون بهذا العنوان ظن العلماء بعض الناس، أو قد يفهم منه أن الاعتبار قسم والمتابع قسم والشاهد قسم ثالث.

فالحافظ ابن حجر -رحمه الله- يبين أن الاعتبار ليس قسيما للمتابع، والشاهد يعني ليس قسما ثالثا لهما، وإنما المسألة وما فيها كل منها تنقسم إلى قسمين: متابع وشاهد، لكن الاعتبار هو الطريقة التي يتوصل بها إلى معرفة المتابع والشاهد، فإذا جاءني حديث وجدته من طريق واحد فأنا لا أستطيع أن أحكم على هذا الحديث بأنه حديث فرد أي حديث غريب لا غرابة نسبية ولا غرابة مطلقة أيا كانت إلا بعد التتبع والاستقصاء.

فمن هنا علي أن أبدأ في تقليب كتب الحديث التي تروي الحديث بالسند كالكتب الستة، مسند الإمام أحمد صحيح ابن خزيمة ابن حبان مستدرك الحاكم، الكتب الأخرى الأجزاء الحديثة، أبدأ أفتش فيها هذا التفتيش الذي أقوم به والبحث يسمى اعتبارا، فالاعتبار هو الهيئة أو الطريقة التي يتوصل بها إلى معرفة الحديث الذي يظن أنه فرد هل شارك راويه غيره أم لا؟ هو الهيئة التي يتوصل بها إلى معرفة هل شارك راوي الحديث الفرد غيره أم لا، فظاهر الآن يعني واضح أن الاعتبار ليس قسيما للمتابع والشاهد، وإنما هو الذي يتفرع منه المتابع والشاهد، أما المتابع والشاهد فيمكن أن نعتبرهما قسمين مختلفين كل منهما يغاير الآخر، وهذه المغايرة اختلف فيها العلماء فمنهم من نظر إلى المتن ومنهم من نظر إلى السند، فمن نظر إلى المتن عرف المتابع تعريفا، وعرف الشاهد تعريفا آخر، ومن نظر إلى السند عرفه تعريفا آخر، وعرف أيضا الشاهد تعريفا.

وأوضح هذا بالآتي: بعضهم قال: إن المتابع هو الحديث الذي يشترك رواته في لفظه تماما ما يختلف اللفظ، وسواء كان راويه راوي هذا الحديث صحابيا واحدا وعنه تفرع أو مع الاختلاف في الصحابة يعني مثال لو يعني مثلا حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار هذا الحديث ورد بلفظ آخر المعنى هو نفس المعنى ما يختلف ما عدا الاختلاف في بعض الألفاظ وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: من تقول علي ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار يختلف المعنى؟ من كذب علي بمعنى من تقول علي ما لم أقله فمنهم من نظر إلى اللفظ، فيقول: هذا الحديث يعتبر من تقول علي ما لم أقله يعتبر شاهدا لحديث من كذب علي متعمدا لماذا؟ قال: لأن اللفظ اختلف والمعنى واحد، فأنا أعتبر هذا شاهدا قلنا له، حتى ولو كان الراوي للحديث واحدا؟ وهو أبو هريرة مثلا؟ قال: حتى ولو كان الصحابي واحدا، أنا لا ألتفت للإسناد وإنما ألتفت لأي شيء للمتن لكن لو جاءنا مثلا الحديث من رواية أبي هريرة وهو من كذب علي متعمدا ونحن نريد أن نعثر على رواية أخرى له لهذا الحديث، فوجدناه في رواية ابن عمر من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فهل يعتبر هذا عنده عند يعني من نظر إلى المتن شاهدا أو متابعا؟ قال: أنا أعتبره متابعا لماذا؟، قال: لأن اللفظ قد اتحد ولو اختلف الصحابي؟ قال: ولو اختلف الصحابي.

هذا أحد التعريفات لكنه تعريف مرجوح، والراجح هو الذي سنذكره وهو الالتفاف في الطريق إلى الإسناد، فبالنظر إلى الصحابي إن اتحد الصحابي، واختلفت الطرق عنه.

فهذا يسمى متابعا سواء اختلف اللفظ أو اتحد، وإن اختلف الصحابي فهو شاهد سواء اتفق اللفظ أو اختلف، أيا كان فلو جئنا للحديث السابق مثلا حديث من كذب علي عمدا متعمدا طبعا مثال موجود عندكم، أنا سأركز عليه بس أنا أوضح بهذا المثال لكونه ممكن يكون أقرب إلى الأذهان، لو رجعنا للحديث السابق جاءنا مثلا من حديث أبي هريرة بلفظين الطريق الأول يرويه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ثم جاءني من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من تقول علي ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار الآن بناء على التعريف الثاني الذي قلنا إنه الراجح يعتبرون هذا الطريق طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن متابعا لطريق سعيد بن المسيب، ثم ذهبنا فبحثنا ووجدنا عبد الله بن عمر يروي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فالحديث بهذه الصورة يصبح ماذا؟ يصبح شاهدا، هذا بناء على التعريف الثاني، فإذن بناء على هذا التعريف المختار يمكن أن نعرف المتابع بالتعريف الآتي:

نقول: المتابع هو الحديث الذي يشارك رواته رواة الحديث الذي يظن أنه فرد سواء اختلف اللفظ أو اتحد، مع الاتحاد في الصحابة، أما الشاهد فهو الحديث الذي يشارك رواته رواة الحديث الذي يظن أنه فرد سواء اختلف اللفظ أو الفرد أو اتحد، مع الاختلاف في الصحابة.

لعل بهذا إن شاء الله يعني نكون عرفنا الرأي الراجح في تعريف المتابع والشاهد والاعتبار. الأخ هذا يقول: قد يفهم مثلا من تعريف المتابع أو الشاهد أنه يمكن أن يختلف معنى الحديث أقول: يعني قيدناه في البداية حينما قلنا هو الحديث لكن لا بأس أن تراعى العبارة، يعني تبعد هذا الإشكال، فيمكن أن نقول: مع اتحاد المعنى في كلا الحديثين.

عندنا أيضا المتابعة تنقسم إلى قسمين: متابعة تامة ومتابعة قاصرة فالمتابعة التامة طبعا حين نتكلم الآن عن المتابعة بناء على التعريف الراجح، ولنعرف أنه مع الاتحاد في كل شيء مع الاتحاد في الصحابة، فالمتابعة تنقسم إلى قسمين: متابعة تامة ومتابعة قاصرة، المتابعة التامة تحصل للراوي نفسه للراوي الأدنى، والمتابعة القاصرة هي التي تحصل لشيخه -لشيخ الراوي.

دعونا نأخذ الآن مثالا جاء به الحافظ ابن حجر، وهو مثال جيد يمكن أن يقسم على هذه الأقسام كلها، وهو ذلك الحديث الذي رواه الإمام مالك.

وهذا قد نكون مثلنا به يعني الليلة قبل البارحة جوابا على أحد الأسئلة على أن الشافعي --رحمه الله-- قيل إنه شذ في هذا الحديث، وخالف من هو أوثق منه، وقلت سيأتي إن شاء الله في هذا التفصيل، هذا هو التفصيل: الإمام مالك -رحمه الله- روى حديثا عن التابعي الجليل عبد الله بن دينار، وعبد الله بن دينار يرويه عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الشهر تسع وعشرون صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له وكلمة فاقدروا له هذه محتملة لأن تكون يجعل الشهر تسعة وعشرين يوما ومحتملة لأن تكون جعل الشهر ثلاثين يوما، فلا بد من رواية توضح أي المعنيين هو الذي أريد، معظم الرواة الذين رووا هذا الحديث عن مالك رووه بهذا اللفظ، فاقدروا له .

لكن وجد أن الشافعي -رحمه الله- روى هذا الحديث في كتابه المشهور الأم عن مالك نفسه لكن بدل من فاقدروا له جاء بلفظ فأكملوا العدة ثلاثين فهنا هذه الرواية قيدت المعنى المطلق الذي قد يحدث الاختلاف في فهمه مثلما حدث الاختلاف في قول الله جل وعلا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ هل المراد بالقرء الطهر أو الحيض، فيمكن أن يحدث الاختلاف أيضا في هذا اللفظ لو لم ترد هذه الرواية المقيدة لأحد المعنيين المراد، منهم من قال: إن الشافعي -رحمه الله- خالف الرواة الذين رووه عن مالك، لكن قبل أن تطلق المخالفة، ويطلق على الراوي أنه شاذ، لا بد من التأني وعدم العجلة، فعلى طالب العلم أن يكثر من البحث لينظر هل يصدق الوصف على الشافعي بأنه شاذ، أو أن ساحته بريئة من الشذوذ؟.

فبعد البحث وجد أن الشافعي -رحمه الله- لم يشذ بل تابعه عبد الله بن مسلمة القعنبي وهو أحد الرواة للموطأ فروى هذا الحديث عن الإمام مالك مثلما رواه الشافعي تماما، وروايته في صحيح البخاري، فتبين بهذا أن الإمام مالكا -رحمه الله- يروي الحديث بكلا اللفظين بمعنى أنه سمعه باللفظين كليهما مرة فاقدروا له ومرة فأكملوا العدة ثلاثين فالمتابعة هذه حصلت لمن للشافعي أليس الشافعي هو الراوي الأدنى؟ هو صاحب الكتاب هو صاحب كتاب الأم هو أدنى رجل في سلسلة الإسناد فهذه تسمى متابعة ماذا؟ تسمى متابعة تامة لأنها حصلت من الأصل، والمتابعة التامة دائما أقوى من المتابعة القاصرة؛ لأنها تحصل للرجل الذي قد يتهم بأنه تفرد بحديث أو أخطأ في حديثه، ثم نظرنا في هذا الحديث، هل له طرق أخرى أو لا؟ فوجدنا له طرقا أخرى من جملتها بعض المتابعات وبعض الشواهد، فوجدنا له متابعتين قاصرتين:

المتابعة الأولى: ما رواه ابن خزيمة في الصحيح من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر، فالآن يعني لو نظرنا في هذا الطريق يلتقي مع الطريق السابق في من؟ .

الآن لاحظوا أن الطريق الأول يرويه مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هذا يرويه عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد، عن جده عبد الله بن عمر يلتقيان في من؟ أحسنتم بارك الله فيكم يلتقيان في الصحابي، يعني ما التقوا فيمن قبل الصحابي، فهكذا المتابعة أحيانا تكون ما تحصل إلا في الصحابي وأحيانا تكون فيمن قبله، وأحيانا تكون فيمن قبله، وهكذا فكلما حصلت فيمن هو قبل فهي أقوى، أقوى من العليا، فهذه الآن إحدى المتابعتين.

المتابعة الثانية: هي التي رواها مسلم في صحيحه من رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، فهذه نسميها أيضا ماذا؟ متابعة قاصرة حصلت فيمن؟ حصلت في الصحابي الذي هو عبد الله بن عمر، فهذا المثال للمتابعة القاصرة ذهبنا فبحثنا، هل لهذا الحديث من شاهد، فوجدنا أن له شاهدا ومن شواهده ما رواه النسائي في سننه من طريق محمد بن حنيف عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بمثل حديث عبد الله بن دينار، يعني

فأكملوا العدة ثلاثين فهذا يسمى أيش؟ يسمى شاهدا.

الآن الكلام هذا كله بناء على القول الراجح على أن المتابع والشاهد هو بالنظر إلى السند، لكن لو أردنا أن نمثل بهذه الأمثلة على الرأي المرجوح، وهو بالالتفات إلى المتن فنظرنا مثلا في مثال متابعة عبد الله بن مسلمة القنعنبي، نجد أنها رويت بلفظين أحدهما موافق للفظ الشافعي، والآخر فيه بعض الاختلاف، فاللفظ الموافق لرواية الشافعي هو الذي عند البخاري في صحيحه، واللفظ المخالف أو الذي يعني يختلف في اللفظ اختلافا يعني يسيرا أنه قال: فاقدروا له ثلاثين أو فأكملوا العدة ثلاثين يعني فيه رواية نسيت من الذي أخرجها، المهم أن رواية القعنبي موافقة لرواية عبد الله بن دينار، ومرة فيها اختلاف يسير فعلى كلا التعريفين يمكن أن تكون هذه المتابعة يمكن أن تكون متابعة، ويمكن أن تكون شاهدة، فالرواية التي فيها الموافقة للفظ تسمى متابعة أيش؟ تامة.

والرواية التي فيها اختلاف يسير في اللفظ تسمى شاهدة نحن الآن نريد أن نمثل بهذه الأمثلة على المتن مع غض النظر الآن عن السند، وانتهينا عن التمثيل للسند لو جئنا لرواية مثلا محمد بن حنيف عند النسائي، فلفظها موافق تماما للفظ من؟ لفظ عبد الله بن دينار الذي رواه الإمام مالك عن عبد الله بن دينار من طريق الشافعي، عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه فأكملوا العدة ثلاثين فهذه الرواية تماما مثل رواية محمد بن حنيف عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر حديثا، وفيه فأكملوا العدة ثلاثين فبناء على القول الثاني الذي يلتفت للمتن هذه تسمى ماذا؟ تسمى متابعة تسمى متابعة؛ لأن اللفظ اتفق تماما ما فيه اختلاف، لكن لو جئنا لرواية عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:

فاقدروا له ثلاثين أو فاقدروا ثلاثين الآن فيه اختلاف في اللفظ ولا ما فيه اختلاف؟.

فيه اختلاف يسير المعنى واحد أو ما هو واحد؟ المعنى واحد والصحابي واحد ولا ما هو واحد؟ الصحابي واحد هذه تسمى بناء على التعريف المرجوح ماذا؟ تسمى شاهدا أحسنت يعني الآن إن شاء الله الأمر يكون اتضح.

قد يقول قائل: ما هي الفائدة من هذا التقسيم كله؟ يعني حينما نفصل، فنقول: هذه تامة وهذه متابعة قاصرة، وهذا متابع وهذا شاهد، وما إلى ذلك، وما الفائدة من البحث عن متابع أو شاهد؟ في أي شيء يفيدنا هذا؟ نعم في النظر إلى الحديث هل يتقوى أو لا يتقوى؟ صحيح لكن هذا التقييد ماذا تفيدنا أحسنت بارك الله فيك حينما نجد حديثا آخر يعارض هذا الحديث الذي معنا، فنحن حينما لا نستطيع أن نوفق بين الحديث، ونكون مضطرين إلى أن نرجح أحدهما على الآخر، هذا الترجيح إنما يكون بقوة الطرق فنحن حينما نبحث عن حديث من الأحاديث، فنجد له طرقا كثيرة فمعنى ذلك أننا نقوي هذا الحديث الذي له طرق كثيرة على الحديث الذي ليس له طرق إلا قليلة، فهذا يفيد في حال الترجيح بين الروايات الحافظ ابن حجر -رحمه الله- يعني هذا جواب لسؤالك يا أخي يقول: إن التفريق بين المتابع والشاهد بالنظر إلى السند أو المتن هذا يعني أمر سهل كأنه يشير إليك يا طالب العلم إذا ما وجدت كلام العلماء السابقين يختلف أحيانا في هذه المسألة، فمنهم من يطلق المتابعة على الشاهد أو الشاهد على المتابعة، فلا تتعجب لأن الاختلاف في هذا يسير يعني ليس هناك مثلا شيء ينبني على هذا الاختلاف المهم أن الحديث له طرق تقويه، وهذا هو المراد فقد تجد بعض العلماء السابقين يعني يتساهل، فيطلق المتابعة على الشاهد أو العكس، فكما يقول: الأمر في هذا سهل.
__________________
هذه المشاركة ما كان فيها من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-05-08, 12:18 AM
محمد بو سيد محمد بو سيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-05
المشاركات: 351
افتراضي

اختصار علوم الحديث - شرح الشيخ إبراهيم بن عبد الله اللاحم



النوع الخامس عشر في الاعتبارات والمتابعات والشواهد


مثاله: أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب، وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثا، فإن رواه غير حماد عن أيوب، أو غير أيوب عن محمد، أو غير محمد عن أبي هريرة، أو غير أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذه متابعات.

فإن روي معناه من طريق أخرى، عن صحابي آخر سمي شاهدا لمعناه، وإن لم يرو بمعناه أيضا حديث آخر فهو فرد من الأفراد، ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات، من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يغتفر في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك؛ ولهذا يقول الدار قطني: وفي بعض الضعفاء يصلح للاعتبار، أو لا يصلح أن يعتبر به -والله أعلم-.



--------------------------------------------------------------------------------


نعم، هذا الموضوع ما فيه كلام كثير، ما فيه اختلاف، ولا يعني بالنسبة للنوعين اللذين قبله، هذا؛ لأنه ليس تحته حكم إلا أمر يسير في آخره، ذكره ابن كثير بالنسبة للمتابعات والشواهد، مثل ابن كثير -رحمه الله تعالى- بهذا المثال، ننتبه له قال: روى حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثا، نسمي هذا نحن الآن -يعني كتقريب للطلاب- نسمي هذا الإسناد الأصل.

ويفترض في الباحث أنه قد طبق عليه شروط الحديث الصحيح، إذا درست هذا الحديث لوحده، كم تستطيع أن تطبق عليه من الشروط؟ كم تستطيع أن تطبق عليه من شروط الحديث الصحيح؟.

تستطيع أن تطبق عليه ثلاثة شروط، بالنسبة للشذوذ الذي هو التفرد، أو بالنسبة للمعلل الذي هو المخالفة، إذا أردت أن تطبق عليه هذه الشروط، هذا هو السبيل إليه، وهو الذي يسميه العلماء الاعتبار، نسميه نحن البحث، هو البحث عن طرق أخرى للحديث.

وكذلك أيضا ما مر بنا، أن الحديث الضعيف قد يرتقي إلى الحسن لغيره، وأيضا ابن الصلاح ولم يذكره ابن كثير، أو أشار إليه ابن كثير إشارة، أن الحديث الحسن قد يرتفع أيضا إلى الصحيح، السبيل إلى هذا، إلى التأكد من خلو الحديث من الشذوذ، أو خلو الإسناد من الشذوذ أو العلة، وكذلك التأكد من اعتضاده أو عدم اعتضاده، سبيله هو ما يطلق عليه العلماء اسم الاعتبار.

إذن الاعتبار هذا، الاعتبار هو الطريق إلى المتابعات، إلى البحث عن المتابعات والشواهد؛ ولهذا اعترضوا على ابن الصلاح -رحمه الله- لما قال: الاعتبار والمتابعات والشواهد، قد يظن القارئ أن الاعتبار قسيم للمتابع والشاهد، وهم قالوا: ليس كذلك، وليس مراده هذا، لكنه اعترضوا عليه في العنوان، مراده: أن الاعتبار طريق للبحث عن متابع أو شاهد، ونحن نقول: وهو طريق أيضا للتأكد من خلو الحديث من الشذوذ والعلة.

لا تستطيع أن تحكم، أو أن تستوفي الكلام عن الشرطين الأخيرين إلا بالاعتبار، فإذا روى شخص غير حماد بن سلمة، لنفرض أنه حماد بن زيد، روى الحديث عن أيوب، ماذا نقول؟: حماد بن زيد تابع من؟ حماد بن سلمة، إذن المتابَع من هو؟ حماد بن سلمة، والمتابِع هو حماد بن زيد، المتأخرون زادوا هذا تقسيما، فسموا هذه المتابعة تامة، متابعة تامة لمن الآن؟ لحماد بن سلمة، لماذا تامة؟ يقولون: لأنه توبع في شيخه، شيخه من هو؟ أيوب.

وإذا توبع الراوي في الشيخ فهذا أقوى في الاعتضاد بالنسبة لحماد، إذا رواه غير أيوب، لنفرض أنه ابن عوف، أو أنه هشام بن حسان، رواه عمن؟ عن محمد بن سيرين، فحماد بن سلمة الآن قد توبع، لكن توبع في شيخه، أو في شيخ شيخه؟

في شيخ شيخه، هذه يسموها متابعة قاصرة، أو توبع محمد بن سيرين، لنفرض أنه رواه الأعرج عن أبي هريرة، فهذه المتابعة لشيخ شيخ الشيخ، فهذه المتابعة قاصرة لدرجتين، والأولى قاصرة بكم؟ بدرجة.

هذه تفصيلات عندهم -وهذا كله لا إشكال فيه- ولكن هنا قضيتان:

القضية الأولى: هل دائما المتابع هو حماد بن سلمة، أو أيوب، أو محمد بن سيرين؟ ألا يمكن أن يكون حماد بن سلمة هو المتابِع؟ أو لا يمكن هذا؟.

انتبهوا لهذا، هو يمكن قد يكون المتابِع عندي حماد بن زيد، وقد يكون عندك المتابِع هو من؟ إذن هذا يخضع لأي شيء؟ حسب الإسناد الذي كان عندك، فكلمة "متابع" ليس حماد بن سلمة مثلا دائما في هذا الطريق هو المتابَع، وإنما هذا بحسب الإسناد الأول الذي تقف عليه، فإذا كان الإسناد، يعني أنت مثلا قد تشتغل في كتاب، أخرج الحديث من طريق حماد بن سلمة، وأنا أشتغل بكتاب أخرج الحديث من طريق حماد بن زيد، فأنت عندك حماد بن زيد هو المتابِع، وأنا عندي حماد بن سلمة هو المتابِع، وهذا لا إشكال فيه، هذا أمر نسبي، لكن نبهت عليه، يعني بس فقط للانتباه.

نلاحظ في كلام ابن كثير أمرا آخر أيضا، وهو أنه قال: أو غير أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ماذا سمى ابن كثير الآن حديث الصحابي الآخر؟ ماذا سماه؟ لا، هنا سماه متابعا، ونحن في عرفنا ما هو اصطلاحنا الآن؟ إذا كان الحديث رواه صحابي آخر، ماذا نسميه؟

هذا يقولون عنه: إنه اصطلاح، ابن كثير -رحمه الله- جرى على أن الحديث إذا رواه الصحابي بلفظه، ورواه معه صحابي آخر بلفظه، فالصحابي الآخر يعتبر بالنسبة للحديث الأول، ماذا يسمى؟ متابِعا.

إذن النظر الآن إلى الصحابي، أو إلى اللفظ؟ إلى اللفظ، قال: فإن روي معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر سمي شاهدا، شاهدا لمعناه، إذن الفرق بين المتابِع والشاهد في أي شيء الآن؟

في الصحابي وفي اللفظ والمعنى، فإذا كان الصحابي قد روى نفس اللفظ، يقول ابن كثير: نسميه متابعا، وإذا روى الحديث بالمعنى، أو روى معنى الحديث فنسميه شاهدا، وهذا اصطلاح مشى عليه البيهقي وغيره، ولكن هناك اصطلاح آخر، وهو أن العبرة بالصحابي مطلقا، سواء روى اللفظ أو روى معناه، وهذا هو الذي عليه عمل الباحثين الآن.

الباحثون الآن يسمونها متابعات إلى أن يصلوا إلى حلقة الصحابي، فيسمون ما رواه صحابي آخر، يسمونه، يسمونه شاهدا، وكما يقول ابن حجر -رحمه الله- لما شرح هذا يقول: الخطب في ذلك سهل، الخطب في ذلك سهل يعني سواء سميته هو من جهة اللغة، ومن جهة المعنى متابع، وهو شاهد أيضا، فسواء سميته متابعا، أو سميته شاهدا، وهذا من الأمثلة على أن المصطلحات إذا لم يترتب عليها عمل، فالأمر فيها واسع بحمد الله تعالى.

أشار ابن كثير -رحمه الله- إلى قضية، وهي قضية يعني قالوا: ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات، من الرواية عن الضعيف القريب الضعف، ترى هذه عندكم، القريب الثانية عن الضعيف القريب الضعف، عندي أنا: القريب الضعيف، وهي يعني صوابها: عن الضعيف القريب الضعف، ما لا يغتفر في الأصول كما يقع في الصحيحين وغيرهما.

مثل ذلك، هذا الكلام الذي قاله ابن كثير صحيح لا إشكال فيه، وهو أن الأئمة -رحمهم الله تعالى- إذا صح الحديث عندهم، قد يتسامحون في تخريجه عن بعض من تكلم فيهم، ولم يصلوا إلى حد أن يكون الراوي متروكا، وقد أحيانا يقدمون، بل أحيانا يكون عندهم الحديث من طريق صحيح، ولكن يخرجونه من طريق فيه ضعف، وقد يلجئهم إلى ذلك ملجئ، أو يعني أنهم لسبب من الأسباب، ومن أهم أسبابه عندهم العلو.

قد يختار الإمام الطريق الذي فيه ضعف؛ لأنه عنده بإسناد عال؛ ولهذا مسلم -رحمه الله- يعني نوقش في تخريجه لبعض الضعفاء، أحد الرواة عن حفص بن ميسرة فأجاب -رحمه الله- بأنه قال: إنما أخرجته من طريقه -معنى كلامه رحمه الله-؛ لأنه أعلى إسنادا؛ لأنه بينه وبين حفص بن ميسرة شخص واحد وفيه ضعف، لو أراد طريقا فيه ثقات لنزل عن؛ ولهذا قال بعض الأئمة: ليته شد هذا الطريق، بعد أن رواه عاليا -رواه- رواه نازلا.

وهذا أمر معروف لم يبال مسلم به؛ لأن هذه النسخة معروفة عن حفص بن ميسرة، لا إشكال في ذلك، فابن كثير -رحمه الله-، وهذا أيضا يقول: يغتفر في باب المتابعات والشواهد؛ ولهذا العلماء -رحمهم الله-، مر بنا الكلام على شرط الشيخين، يمكن كان قد مر وهو أنهم، كثير من العلماء يقول: فلان إذا أراد الكلام على الإسناد يقول: رجاله رجال الصحيح.

ونبه العلماء إلى أن هذه الكلمة فيها إطلاق، وفيها إيهام؛ لأن رجال الصحيح ليسوا على درجة واحدة، بل منهم من أخرج له في الأصول، ومنهم من أخرج له في المتابعات، ومنهم من أخرج له مقرونا، ومنهم من أخرج له في الشواهد، فليسوا على درجة واحدة، بل أحيانا في الصحيح يأتي الراوي ولم يقصد البخاري أو مسلم التخريج له، وإنما مسلم روى إسنادا فيه جماعة ومنهم هذا الضعيف، فذكره مسلم، يعني هكذا؛ لأنه رواه هكذا، ولم يرد التخريج له، لكن الآن الكلام على كلمة ابن كثير -رحمه الله- قال: الكلام صحيح يغتفر في باب المتابعات والشواهد ما لا يغتفر في الأصول.

ولهذا عند الكلام على شرط الشيخين، إذا قال الباحث أو الناقد: إن هذا الإسناد على شرط الشيخين، يطبق عليه أن ينظر في رواته، كيف أخرج لهما صاحبا الصحيح؟ هل أخرج لهما في الأصول؟ أو أخرج لهما في المتابعات أو الشواهد؟ وهذا باب يعني واسع، ويعني كثير ما يزل فيه الباحثون بالنسبة لدعوى شرط الشيخين، أو بالنسبة يعني في هذا المصطلح بخصوصه، وقد تأتي مناسبة يعني يشرح هذا الشرط. نعم، تفضل يا شيخ، النوع السادس عشر.
__________________
هذه المشاركة ما كان فيها من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 07-05-08, 03:37 PM
أبو المنذر الدوماوي أبو المنذر الدوماوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-08-05
الدولة: الإمارات والأردن
المشاركات: 68
افتراضي

وفقكم الله وزادكم علما
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:53 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.