ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 20-08-08, 02:47 PM
علي الفضلي علي الفضلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-03-06
المشاركات: 3,502
افتراضي حكم شراء العقار قبل أن يُبْنى.(فتوى للعلامة العثيمين).

السؤال :
لقد قمت بتسليم إحدى الشركات مبلغا من المال ، وذلك لتمليك منزل في مجمع سكني ، علما بأن هذا المجمع لم يبْنَ بعد ، وقد طالبت بعد ذلك باسترجاع المبلغ ، فوافقوا على ذلك ، وكان بعد فترة من الزمن ، فهل على هذا المبلغ زكاة ؟ وهل هذا البيع جائز ؟ علما أن هذا المجمع لم يبْن بعد.
الجواب :
[ يقول العلماء : إن بيع العقار لا تكفي فيه الصفة ، لا تكفي فيه الصفة ، فلو كان عند الإنسان بيت ، وعرضه للبيع ، فلابد أن يعلمه المشتري بالرؤية ، لأنك مهما وصفت البيت لن تصل إلى غاية ما نفس المشتري ، لو قلت : مثلا : الحُجَر أربع ، كل حجرة أربعة أمتار في ستة أمتار ، ووصفته تماما ، فإنه لن يبلغ غاية ما نفس المشتري إلا بالرؤية ، ولهذا قالوا : بيع العقار لابد فيه من الرؤية بالعين ، ولا يكفي فيه الوصف ؛ وهذا القول حقّ.
لكن فيه قول آخر يقول : يجوز بيعه بالوصف ، وللمشتري الخيار إذا رآه ، وِشْ معنى له الخيار إذا رآه ؟ يعني إذا رآه إن شاء أمضى البيع ، وإن شاء رده .
أما إذا لم يُبْنَ فهذا علة العلل ، علة العلل ، لأنه : أولا : ليس قائما .
ثانيا : رأينا أنَّ بعض الناس يلعب بعقول الناس وأموالهم ، يجْبِي الأموال الكثيرة على أنه سيقيم في هذا مشروعا ،ثم تبقى السنوات بعد السنوات ، والناس يطالبونه وهو يماطل ! إما لأنه أشغل الدراهم بشيء آخر ، وإما لأن المؤونة كثرت وشقت ، أو لغير ذلك ، ولهذا نرى أن بيع البيوت والدكاكين التي لم تُعْمر لا يجوز ، وما الذي جعله يستعجل ؟!! ينتظر ، إما أن يبيعها وهي لم تقم بعد ، يحصل بهذا مشاكل .
وكم من أناس جاؤوا يَشْكون بمثل هذا ، يقولون : نحن تبرعنا وساهمنا ، وما زلنا نطالب صاحب المشروع بإقامته وهو يماطل ، فتحصل بهذا مشاكل ، وتتعطل دراهم الناس عند هذا الرجل ، فلهذا ننْهى عن ذلك ، ونقول : الحمد لله ، لا تستعجل ، تأن ، وإذا تأنّيت فالغالب أن في التأني السلامة ]اهـ.
الشيخ العلامة ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – (فتاوى ودروس الحرم) شريط(2) وجه ب دقيقة 37.20 .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-08-08, 03:45 PM
العوضي العوضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-10-02
الدولة: الشارقة - الإمارات
المشاركات: 5,351
افتراضي

بارك الله فيك أخي الكريم على نقلك لهذه الفتوى , ورحم الله العلامة ابن عثيمين

وهذا هو طابع أغلب المشاريع الضخمة التي تبنى الآن , ومنهم من يبيع العقار بعد أن يشتريه بهذه الصورة , فليتك أخي الكريم إن حصلت على فتوى بخصوص هذا الأمر أن تزودني به لأني سألت أكثر من شيخ عندنا وقالوا نحن متوقفون في المسألة
__________________
adelalawadi@
لأي خدمة [علمية] من بلدي الإمارات لا تتردد في الطلب
ahalalquran@hotmail.com
00971506371963
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-08-08, 04:13 PM
علي الفضلي علي الفضلي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-03-06
المشاركات: 3,502
افتراضي

وبكم بارك أخي المكرم العوضي .
وأنبه على أن الفتوى السابقة من فتاوى الحرم لعام 1418هـ.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20-08-08, 06:05 PM
محمد العبادي محمد العبادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 28-12-06
المشاركات: 697
افتراضي

جزاكم الله خيرًا، ورحم الله الشيخ .
والمسألة مما عمت بها البلوى؛ لأن مثلًا شراء العقار قبل بنائه يكون سعره أقل بحوالي ( مئة ألف جنيه مثلًا أو أقل ) !
لذلك أخذ بعض العلماء باستحسان الأحناف رحمهم الله تعالى لعقد الاستصناع .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20-08-08, 06:22 PM
الديولي الديولي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-09-05
المشاركات: 437
افتراضي

هل العله في المنع لذات العقد أم لما يترتب عليه من مشكلات
__________________
قال الحسن : لو كان الرجُل كلما قال أصاب وكلما عمل أحسنَ لأوشك أن يُجَنَّ من العُجْب
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20-08-08, 06:30 PM
أبو الحسن الأثري أبو الحسن الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-12-05
الدولة: عالية نجد
المشاركات: 2,367
افتراضي

بحث
عقد الاستصناع
كتبه أبو زيد
الفصل الأول : مقدمة في الاستصناع
المبحث الأول : تعريف الاستصناع في اللغة :
الاستصناع استفعال من صنع ، فالألف والسين للطلب ، يقال : استغفار لطلب المغفرة ، والصنع : يقول الرازي : "(الصنع) : بالضم مصدر قولك صنع إليه معروفاً وصنع به صنيعاً قبيحاً أي : فعل"1 ، والصناعة - بكسر الصاد : حرفة الصانع ، واصطنعه : اتخذه ، قال تعالى : " واصطنعتك لنفسي "2 ، يقول ابن منظور : " ويقال اصطنع فلان خاتما إذا سأل رجلا أن يصنع له خاتما "3 واستصنع الشيء : دعا إلى صنعه ، فالاستصناع لغة : طلب الفعل 4.
المبحث الثاني : تعريف الاستصناع في الاصطلاح :
اختلفت عبارات العلماء في تعريف الاستصناع ، ويرجع ذلك إلى اختلافهم في حقيقة الاستصناع وتكييفه - كما سيأتي إن شاء الله5 - حيث أدخله الجمهور ضمن السلم ، أما الأحناف فعدوه عقداً مستقلاً ، لكنهم اختلفوا في تعريفه ، ومرجع ذلك الاختلاف إلى إدخال بعض القيود أو إخراجها ، ومن تلك التعريفات :
* تعريف الكاساني : " هو عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل " 6 .
وهنا قد بيّن كونه عقداً ، لكن لم يذكر اشتراط تحديد الثمن ، فلم يكن جامعاً .
* تعريف ابن الهمام : " الاستصناع طلب الصنعة وهو أن يقول لصانع خف أو مكعب أو أواني الصفر اصنع لي خفا طوله كذا وسعته كذا أو دستا أي برمة تسع كذا وزنها كذا على هيئة كذا بكذا ويعطى الثمن المسمى أولا يعطي شيئا فيعقد الآخر معه "7 .
وهو تعريف بالرسم لا الحد ، حيث عرف الاستصناع بذكر بعض صوره .
* تعريف السمرقندي : " هو عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع "8 .
وهو تعريف مختصر جيد ، لكن يلاحظ عليه عدم ذكر الثمن واشتراطه .
* تعريف مجلة الأحكام العدلية : " مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً "9 .
وهو من أجود التعريفات ، لكن يلاحظ عليه كذلك عدم ذكر الثمن واشتراطه ،وكذلك فهو غير مانع حيث يدخل فيه الإجارة.
ويمكننا من خلال التعريفات السابقة وما لوحظ عليها أن نقول : إن الاستصناع هو :
" عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل على وجه مخصوص بثمن معلوم " .
* شرح التعريف :
o عقد : يخرج ما هو وعد ، وهو الصحيح خلافاً لأكثر فقهاء الأحناف .
o على مبيع : يخرج الإجارة ، فهي عقد على منافع لا على عين .
o في الذمة : قيد ثالث احترز به عن البيع على عين حاضرة .
o شرط فيه العمل : أخرج السلم ، حيث لا يشترط فيه كون المسلم فيه مصنوعاً .
o على وجه مخصوص : أي : جامع لشروط الاستصناع ببيان الجنس والنوع والقدر وغير ذلك مما تصير به معلومة ، بحيث لا يؤدي إلى نزاع .
o بثمن معلوم : أي : قدره ونوعه ، ولا يلزم قبضه في مجلس العقد على ما سيتم تفصيله قريباً - إن شاء الله -10
المبحث الثالث : أهميته :
تتضح أهمية عقد الاستصناع بالحاجة العظيمة إليه في الحياة البشرية ، حيث بين الله أن البشر متفاوتون فيما بينهم تسخيرا منه سبحانه لبعضهم البعض ، فقال سبحانه : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاُ سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون " 11 ، ومن صور تسخير البشر لبعض : عقد الاستصناع ، فإن المستصنع محتاج لمن يصنع له حاجته بالشكل الذي يريد ، والصانع محتاج إلى المال الذي يأخذه مقابل صنعته ليستعين به على مصارف الحياة هذا على وجه الإجمال ، وأما على التفصيل فللاستصناع أهمية كبيرة تتضح فيما يلي :
* من جهة الصانع : فبالرفق في كون ما يصنعه جرى بيعه مسبقاً ، وتحقق أنه ربح فيه ، وعرف مقدار ربحه ، فهو يعمل بطمأنينة ، وعلى هدى وبصيرة ، أما بغير عقد الاستصناع فإن الصانع قد يحتاج إلى مدة لتسويقه وربما يخسر خسائر كبيرة على حفظه لحين البيع ، وقد تكسد البضاعة فتكون الخسارة مضاعفة - من جهة العمل ومن جهة المواد - .

* من جهة المستصنع : فبكونه يحصل على ما يريد بالصفة والنوع الذي يريد ، فلا يضطر لشراء ما قد لا يناسبه من البضائع الجاهزة ، بل إن بعض الأمور لا توجد جاهزة بل لا بد من طلب صنعها من الصانع فتصنع حسب الطلب ، كبعض البيوت والأبنية، كما أن المستصنع يكون مطمئناً بالاستصناع لكونه يتابع الصنع بنفسه ، فيتأكد من عدم وجود غرر أو تدليس في المصنوع، مما يجعله مرتاح النفس مطمئناً .
* من جهة المجتمع : فبالاستصناع تتحرك الأموال من جهة إلى أخرى مما ينعش الحركة الاقتصادية في البلد ، ولذلك يدعو كثير من الاقتصاديين المسلمين إلى أهمية جعل أطراف الاستصناع من المسلمين لتنعش اقتصادهم وتزيد من مصادر دخلهم ، كما أن فيه تفريغاً لأصحاب التخصصات في تخصصاتهم ، فلو أن العالم أراد أن يبني بيتاً ولم يجد من يصنع له ، لكان في ذلك ضرر كبير على المجتمع بإشغال هذا العالم مما يحرم المجتمع من علمه ونفعه ، ومثل ذلك الطبيب والمفكر وغيرهم .12
الفصل الثاني : حقيقته وحكمه
المبحث الأول : الاستصناع بين العقد والوعد :
هناك سؤال يطرحه الفقهاء حول الاستصناع ، ألا وهو : هل الاستصناع عقد أم وعد ؟ وقبل الإجابة على ذلك نعرض لمحة مختصرة عن معنى العقد والوعد .
العقد لغة : من عقد الحبل إذا وثقه وأحكم ربطه ، ومنه : عقد اليمين إذا وثقها وغلظها ، وعقد البيع إذا أحكمه وأكده ، والمعاقدة : المعاهدة ، وتعاقد القوم فيما بينهم أي : تعاهدوا . 13
العقد اصطلاحاً : العهد ، وهو : ما أحل الله وحرم ، قال تعالى : " والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولائك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " 14 ، ويدخل في ذلك كافة العقود : كعهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وغير ذلك ، ولعل أصل تسمية العقد ما كان يفعلونه من الحلف عند إقامة العهود بينهم لتوثيق ذلك العهد ، ثم أطلق ذلك على كثير مما يكون فيه اتفاق مؤكد بين طرفين كالبيع والنكاح وغيره .15
الوعد لغة : وعد يعد وعداً و عدة ، والوعد والعدة يطلقان على الخير والشر ، فيقال : وعد خيراً ، ووعد شراً ، لكن إذا أسقط الخير والشر قالوا في الخير : الوعد والعدة ، وفي الشر : الإيعاد والوعيد .16
الوعد اصطلاحاً : ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما يطلب ، وصورته في الفقه : أن يعد غيره أن يبيعه داره أو أرضه أو نحو ذلك ، فيلزمه ديانة لا قضاء 17.
من خلال ما سبق يتضح معنى العقد والوعد ، لكن ما الآثار المترتبة بين كون الاستصناع عقداً أو وعداً ؟
فالجواب : إن كان الاستصناع عقداً ، فإنه يكون لازماً عند الاتفاق فلا يحق لأحدهما فسخه - على الصحيح - ، أما إن كان وعداً ، فإنه يلزمهما الإتمام ديانة ، ويأثم بعدم الإمضاء ، ولا ضمان على كل واحد منهما .18
وبعد اتضاح الفرق بين العقد والوعد يأتي السؤال : هل الاستصناع عقد أم وعد ؟
اختلف علماء الأحناف19 في ذلك على قولين :
الأول : أن الاستصناع عقد وليس وعداً ، وهو رأي أكثر الأحناف ، ورجحه أكثر المعاصرين ، وعلى رأسهم المجمع الفقهي الإسلامي .
الثاني : أن الاستصناع وعد وليس عقداً ، وذهب إليه بعض من علماء الأحناف ، ومنهم : الحاكم الشهيد20 ، ومحمد بن مسلمة ، وأبو القاسم الصفار ، ومحمد بن سلمة21 ، والسمرقندي ، وغيرهم ، واختاره من المعاصرين : د. علي السالوس22 .
أدلة القائلين بأنه وعد :
1. أن الصانع له ألا يعمل ، فلا يجبر عليه ، فيكون ما بينهما وعد لا عقد ؛ لأنه لو كان ما بينهما عقد للزم الصانع العمل .
2. أن المستصنع له الحق في أن يرد المصنوع ، وله الرجوع فيما استصنعه قبل رؤيته تسليمه ، ولو كان عقداً لما كان بإمكانه الرجوع ، بل يلزمه القبول .
3. أنه لو كان عقداً لما بطل بموت أحد طرفي العقد ، بينما نجد أنه يبطل بموت أحدهما .
4. أنه لو كان عقداً لما صح ؛ لأنه بيع معدوم .23
المناقشة :
* نوقش القول بأن للصانع عدم العمل وأن للمستصنع الرد وعدم القبول بعدم التسليم بثبوت الخيار لكل منهما، بل الاستصناع لازم بمجرد العقد ، وعلى فرض التسليم فإن ثبوت الخيار لكل منهما لا يدل على أنه مواعدة فإن مثل ذلك البيع عرضاً بعرض ، فإن لهما خيار الرؤية عند رؤية المبيع إذا لم يسبق لهما رؤيته ، ومثل ذلك الاستصناع .
* وأما قولهم : إنه لو كان عقداً لما بطل بموت أحد الطرفين ، فإنه إنما بطل بموت أحد الطرفين لشبهه بالإجارة وهي تنفسخ بموت أحد الطرفين ، والإجارة عقد ، فمثلها الاستصناع .
* وأما قولهم : إنه لو كان عقداً لم يصح ؛ لأنه بيع معدوم ؛ فلا نسلم أن بيع المعدوم منهي عنه شرعاً ، فإن النهي هو عن الغرر وعن بيع الإنسان ما لا يملك .
فأما الغرر : فكما في المزابنة والمحاقلة ؛ لأنه لا يدري هل ينبت ذلك المكان أم لا ، أما الاستصناع فإنه يغلب على الظن وجوده بصفته في وقت طلبه ؛ لتوفر أدواته وآلاته وقدرة الصانع على صناعته .
وأما بيع الإنسان ما لا يملك : فإذا على كان البيع حالّاً معيناً كما في حديث حكيم بن حزام مرفوعاً : " لا تبع ما ليس عندك " حيث كان يبيع الناسَ السلعةَ ثم يدخل السوق فيشتريها لهم ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ؛لوجود الغرر وإفضاءه إلى النزاع إذا علم البائع الأول أنه باعها بأعلى - بعد شرائها مباشرة - ، أما الاستصناع فليس كذلك إذ هو بيع آجل موصوف في الذمة ويغلب على الظن إمكان إيجاده وقته طلبه ، ففرق فيما بينهما .
ولو سلمنا بالنهي عن بيع المعدوم ؛ فإن إلحاق الاستصناع بالسلم أقيس من إلحاقه ببيع المعدوم المنهي عنه؛إذ إن الاستصناع كالسلم في كونه بيع آجل موصوف في الذمة يغلب على الظن وجوده وقت التسليم،فإلحاقه به أولى .24
على أن بعض الفقهاء - ممن منع بيع المعدوم - أجاز بيع المعدوم عند القدرة على تسليمه ؛لانتفاء الغرر عن المشتري ، وانتفاع البائع بالمال لعدم قدرته على تحصيل ذلك المعدوم ، ففيه من المصلحة ما لا يخفى .
يقول ابن القيم - رحمه الله - : " في "السُّنن" و"المسند" من حديث حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجلُ يسألني من البيع ما ليس عندي، فأبيعه منه، ثم أبتاعُه من السوق، فقال: "لا تَبع ما لَيسَ عِندَك" قال الترمذي: حديث حسن 25.
وفي "السنن" نحوه من حديث ابن عمرو رضي الله عنه، ولفظه: "لا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيعٌ، وَلاَ شَرطَانِ في بَيعٍ، وَلاَ رِبحُ مَا لَم يُضمَن، وَلاَ بَيعُ مَا لَيسَ عِندَك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح26.
فاتفق لفظُ الحديثين على نهيه عن بيعِ ما ليس عنده فهذا هو المحفوظُ من لفظه وهو يتضمن نوعاً من الغَرر، فإنه إذا باعه شيئاً معيناً، ولَيس في ملكه، ثم مضى ليشتريه، أو يسلمه له، كان متردداً بينَ الحصول وعدمه، فكان غرراً يشبه القِمَار، فَنُهِيَ عنه.
وقد ظن بعضُ الناس أنه إنما نهى عنه، لكونه معدوماً، فقال: لا يَصِحُّ بيعُ المعدوم، وروى في ذلك حديثاً أنه نهى عن بيع المَعدُومِ، وه?ذا الحديث لا يُعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له أصل، والظاهر أنه مروي بالمعنى من هذا الحديث، وغلطَ مَن ظَن أن معناهما واحد، وأن هذا المنهي عنه في حديث حكيم وابن عمرو رضي الله عنهما لا يلزمُ أن يكون معدوماً، وإن كان ، فهو معدوم خاص، فهو كبيع حَبَلِ الحَبَلةِ وهو معدوم يتضمن غرراً وتردداً في حصوله " 27 .
ثم قال - رحمه الله - : " والمعدوم ثلاثة أقسام:
1. معدوم موصوف في الذمة، فه?ذا يجوز بيعه اتفاقاً، وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث الجملة، وه?ذا هو المُسلم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
2. والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثرَ منه وهو نوعانِ: نوع متفق عليه، ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيعُ الثمار بعد بُدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناسُ على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاحُ واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومةً وقتَ العقد، ولكن جاز بيعها للموجود، وقد يكون المعدوم متصلاً بالموجود، وقد يكون أعياناً أُخر منفصلة عن الوجود لم تُخلق بعد.
3. والنوع المختلف فيه كبيع المقاثىء والمباطخ إذا طابت. فهذا فيه قولان: أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشتري شيئاً بعد شيء، كما جرت به العادة ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بُدُو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتابٌ ولا سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية "28 .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " وهذا الذي ذكرناه في الإجارة بناء على تسليم قولهم: إن بيع الأعيان المعدومة لا يجوز. وهذه المقدمة الثانية والكلام عليها من وجهين:
أحدهما: أن نقول: لا تسلم صحة هذه المقدمة، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله؛ بل ولا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا لفظ عام ولا معنى عام، وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة، وليست العلة في المنع لا الوجود ولا العدم بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه نهي عن بيع الغرر، والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجوداً أو معدوماً، كالعبد الآبق والبعير الشارد ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، هو غرر لا يجوز بيعه وان كان موجوداً، فإن موجب البيع تسليم المبيع، والبائع عاجز عنه، والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة، فإن أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع. وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشتري.
وهكذا المعدوم الذي هو غرر، نهى عن بيعه لكونه غرراً لا يكونه معدوماً، كما إذا باع ما يحمل هذا الحيوان أو ما يحمل هذا البستان، فقد يحمل وقد لا يحمل، وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه، فهذا من القمار، وهو من الميسر الذي نهى الله عنه.
ومثل هذا إذا أكراه دواب لا يقدر على تسليمها؛ أو عقاراً لا يمكنه تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، فإنه إجارة غرر.
الوجه الثاني: أن نقول بل الشارع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع؛ إنه ثبت عنه من غير وجه انه نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وهذا من أصح الحديث، وهو في الصحيح عن غير واحد من الصحابة، فقد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره، فأحل أحدهما وحرم الآخر. ومعلوم أنه قبل ظهور الصلاح لو اشتراه بشرط القطع كما يشتري الحِصْرِم ليقطع حصر ما جاز بالاتفاق. وإنما نهى عنه إذا بيع على أنه باق؛ فدل ذلك على أنه جوزه بعد ظهور الصلاح أن يبيعه على البقاء إلى كمال الصلاح. وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
ومن جوز بيعه في الموضعين بشرط القطع؛ ونهى عنه بشرط التبقية أو مطلقاً؛ لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة، ولم يفرق بين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلّم وما أذن فيه.
وصاحب هذا القول يقول: موجب العقد التسليم عقيبه فلا يجوز التأخير. فيقال له: لا نسلم أن هذا موجب العقد: إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان على أنفسهما، وكلاهما منتف، فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع مستحق التسليم عقب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه كما إذا باع معيناً بدين حال، وتارة يشترطان تأخير تسليم الثمن كما في السلم؛ وكذلك في الأعيان.
وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير التسليم كما كان لجابر حين باع بعيره من النبي صلى الله عليه وسلّم واستثنى ظهره إلى المدينة؛ ولهذا كان الصواب انه يجوز لكل عاقد أن يستثنى من منفعة المعقود عليه ماله فيه غرض صحيح، كما إذا باع عقاراً واستثنى سكناه مدة، أو دوابه واستثنى ظهرها، أو وهب ملكاً واستثنى منفعته، أو أعتق العبد واستثنى خدمته مدة؛ أو ما دام السيد، أو وقف عيناً واستثنى غلتها لنفسه مدة حياته، وأمثال ذلك. وهذا منصوص أحمد وغيره، وبعض أصحاب أحمد قال: لا بد إذا استثنى منفعة المبيع من أن يسلم العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناء على هذا الأصل الفاسد، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقب العقد. وهو قول ضعيف وهو أن موجب العقد استحقاق التسليم عقبه، والشرع لم يدل على هذا الأصل؛ بل القبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين، تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الإمكان، وتارة يكون موجب العقد تأخير التسليم لمصلحة من المصالح ... "29 .
أدلة القائلين بأنه عقد :
1. أنه قد أجري في الاستصناع القياس والاستحسان ، فلو كان وعداً لما احتاج إلى ذلك .
2. أن الاستصناع يثبت فيه خيار الرؤية ، والوعد لا يحتاج إلى خيار رؤية لأنه لم يلزم أصلاً .
3. أن الاستصناع يجوز فيما فيه تعامل بين الناس ، لا فيما لا تعامل فيه .
4. أن الصانع يملك الدراهم بقبضها ، ولو كان وعداً لم يملكها .
5. أن الاستصناع يجري فيه التقاضي ، والتقاضي يكون غي المعقود لا الموعود .
6. أن الاستصناع لو كان وعداً لما صح أن يحكم فيه بعدم الصحة ؛ لأن الوعد لا يوصف بالصحة أو عدمها ، وإنما تختص العقود بذلك الوصف .30
الترجيح :
يتبين من الأدلة السابقة : أن الراجح هو أن الاستصناع عقد لا وعد ؛ لقوة أدلتهم ومناقشة أدلة القول الأول .
بعد بيان كون الاستصناع عقداً ، فإننا نحتاج لمعرفة مسألتين :
* هل عقد الاستصناع من قبيل البيع أم من قبيل الإجارة ؟
* وهل عقد الاستصناع جائز أم لازم ؟
* المسألة الأولى : هل عقد الاستصناع من قبيل البيع أم من قبيل الإجارة ؟
اختلف جمهور فقهاء الأحناف في ذلك على أقوال :
القول الأول : أنه بيع .
وهو قول جمهور فقهاء المذهب الحنفي ؛ إلا أنه بيع من طبيعة خاصة ، فكان له وضع خاص مثل السلم ، فهو نوع من أنواع البيوع ، لكن لكونه ذا طبيعة خاصة استحق تسمية خاصة وأحكاماً مميزة .
يقول محمد بن الحسن : " الاستصناع جائز بإجماع المسلمين وهو بيع عند عامة المشايخ "31 .
ويقول الكاساني : " وقال بعضهم هو بيع لكن للمشتري فيه خيار وهو الصحيح "32 .
ويقول السرخسي : " اعلم بأن البيوع أنواع أربعة بيع عين بثمن وبيع دين في الذمة بثمن وهو السلم وبيع عمل العين فيه تبع وهو الاستئجار للصناعة ونحوهما فالمعقود عليه الوصف الذي يحدث في المحل بعمل العامل والعين هو الصبغ بيع فيه وبيع عين شرط فيه العمل وهو الاستصناع "33 .
ومن هذه النقول يتبين أن الاستصناع بيع ، لكنهم ذكروا في هذا البيع أموراً يختص بها عن بقية البيوع ، أبرزها أمران :
o اشتراط الخيار وهو خيار الرؤية .
o واشتراط العمل في الاستصناع .
ونوقش هذا القول :
* بأن الاستصناع بيع معدوم فلا يصح أن يكون بيعاً .
وأجيب : بما سبق ذكره من التفصيل في حكم بيع المعدوم34 .
* لو كان الاستصناع بيعاً لما بطل بموت أحد العاقدين ، لكن يبطل بموت أحدهما ، فهو أشبه بالإجارة .
وأجيب : بأن الاستصناع فيه شبه بالإجارة من جهة طلب العمل ، وفيه شبه بالبيع من جهة كون المقصود هو المستصنع لا العمل ، فلشبهه بالإجارة يبطل بموت أحد العاقدين ، ولشبهه بالبيع لم يجب تعجيل الثمن في مجلس العقد ، وأُثبت فيه الخيار .
القول الثاني : أنه إجارة :
فالاستصناع شبيه بالإجارة ، ويتضح هذا الشبه في الصباغ حيث يقوم بصباغة الثوب ونحوه بمادة من عنده ، ففيه شبه كبير بالاستصناع .
وأجيب : بأن الأصل في الصباغ العمل ، وإذا كان عمله يستلزم وضع الصبغ من عنده -لأنه أعرف بالمواد - فهو تبع للعمل ، كما أن المستصنع يأتي إلى الصانع صفر اليدين ، بينما صاحب الثوب يأتي إلى الصباغ بثوبه ليصبغه ، فيتضح الفرق في ذلك .
الترجيح :
الراجح أن الاستصناع نوع من البيع ، لكن يتميز بشروط خاصة كالسلم .35
* المسألة الثانية : هل عقد الاستصناع جائز أم لازم ؟
اختلف الأحناف في عقد الاستصناع من حيث اللزوم والجواز على أقوال ، وقد رتب بعض المعاصرين تلك الأقوال بجعلها في قولين :
القول الأول: التفصيل : وذلك حسب مراحل العقد كما يأتي :
1. بعد التعاقد وقبل الصنع .
2. بعد التعاقد والفراغ من العمل ، وذلك قبل أن يراه المستصنع .
فالعقد في هاتين الحالتين غير لازم ، قال الكاساني : " بلا خلاف "36 .
3. بعد الفراغ من العمل ورؤية المستصنع للمصنوع ، وفي هذه الحالة اختلفوا على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أن للمستصنع الخيار دون الصانع ، وعللوا ذلك بأن الصانع بائع والمستصنع مشترٍ ، وقد أسقط الصانع خياره بإحضار المصنوع ، فبقي الخيار للمستصنع ، وهذا قول جمهور الأحناف .
القول الثاني : أن لكل من الصانع والمستصنع الخيار ، وعللوا ذلك بأن الخيار لدفع الضرر ، وفي تخيير كل منهما دفع للضرر عنه ، فتخيير الصانع لكون السلعة تستحق أكثر مما دفع المستصنع ، وتخيير المستصنع لأن السلعة قد تكون أقل من القيمة التي دفعها ، أو لأمر آخر ، ففي تخييرهما دفع للضرر عنهما ، وهو رواية عن أبي حنيفة .
القول الثالث : سقوط الخيار عنهما ، وعللوا بأن الصانع فلأنه بائع ، وإحضاره للمستصنع دليل على إسقاطه الخيار ، وأما المستصنع فلأن في إبقاء الخيار له ضرر بالصانع لكونه تعب في صنعه واجتهد ليصل إلى بدله - وهو الثمن - ففي إثبات الخيار للمستصنع ضرر بيّن به ، وهو رواية عن أبي يوسف .
القول الثاني : أن الاستصناع لازم بمجرد العقد :
وهذا القول رواية عن أبي يوسف ، وهو الذي نصت عليه مجلة الأحكام العدلية ، واختاره المجمع الفقهي الإسلامي الدولي ،وعليه فلو تم العقد بين الطرفين فليس لأحدهما الفسخ إلا بإذن الآخر ،واستدلوا بعدة أدلة منها :
1. قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ، وجميع النصوص الدالة على وجوب الوفاء بالعقود .
2. أن في عدم إلزام الطرفين بالعقد ضرر على أحدهما ، إما أن يكون ضررا على البائع لكونه قد بذله جهده وتكلف الأدوات وأنهى العمل ، أو لكونه قد جهز الأدوات وبدأ العمل ، أو استعد بترتيب وقته وإلغاء أعماله للبدء في العمل ، ففي عدم لزومه ضرر بيّن عليه ، وإما أن يكون ضررا على المستصنع لحاجته إلى العين المصنوعة ، وربما تكون حاجته عاجلة ، ففي إثبات الخيار للصانع ضرر عليه بانتظاره مرة أخرى أو بحثه عن صانع آخر ، والشريعة قد جاءت بإزالة الضرر عن الجميع .
3. أن عقد الاستصناع هو عقد بيع - كما ذكرنا - فيكون لازماً .
4. أن عقد الاستصناع لو لم يكن لازماً ؛ لابتعد الناس عنه ؛ لكونه غير مضمون النتيجة ، فالمستصنع قد يطلب من صانع عملاًُ ثم يفاجئ أن الصانع قد باع ما طلب منه ، أو العكس فيعمل الصانع عملاً - وربما يكون مكلفاً - ثم يفاجئ بالمستصنع وقد رغب عن العين المصنوعة ، فلا يجد الصانع من يشتريها ، وإن وجد فإنه سيبيعها بأقل من تكلفتها ، فتذهب ثمرة مشروعية الاستصناع ، أو ربما يلجأ الناس إلى اشتراط اللزوم في الاستصناع عن التعاقد ، فيصبح اللزوم شرطاً - لكن من جهة المتعاقدين - .
5. أن في عدم لزوم الاستصناع إثارة للنزاع بين الناس ، وذلك لإلغاء أحد الطرفين العقد في أثنائه ، وفي ذلك ضرر على الآخر ، مما يثير النزاع والمخاصمات بين الطرفين ، وهذا مما جاءت الشريعة بنفيه وسد بابه .
الترجيح :
يتضح مما سبق أن الراجح هو أن عقد الاستصناع عقد لازم بمجرد العقد ؛ لما في ذلك من المصلحة بتحقق أهداف الاستصناع ، وإزالة للضرر عن المتعاقدين .37
والله أعلم .
المبحث الثاني : حكم عقد الاستصناع :
اختلف الاستصناع في حكم عقد الاستصناع بين مبيح وحاظر ، وقد كان هذا الاختلاف بسبب اختلافهم في تكييف عقد الاستصناع ، حيث يرى جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة : أن الاستصناع ملحق بالسلم ؛ فيشترط فيه ما يشترط في السلم ، وأما الأحناف : فيرون أن الاستصناع عقد مستقل بذاته وله خصائصه وأحكامه .
ومن هذا المنطلق اختلف العلماء في حكم عقد الاستصناع كعقد مستقل بذاته إلى قولين :
* القول الأول : عدم جواز عقد الاستصناع إذا كان على غير وجه السلم .
وهو قول جمهور العلماء من الأحناف والمالكية والشافعية .
* القول الثاني : جواز عقد الاستصناع .
وهو قول الأحناف .
أدلة القول الأول :
1. ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ .
وجه الدلالة : دل الحديث على عدم جواز بيع الكالئ بالكالئ38 - وهو الدين بالدين - ، وفي عقد الاستصناع بيع دين بدين ؛ لأن السلعة في ذمة الصانع والثمن في ذمة المستصنع ، وقد أجمع العلماء على منعه .
وأجيب : بأن الحديث ضعيف ، وسبب ضعفه : أن موسى بن عبيدة تفرد به عن نافع وهو ضعيف ، قال أحمد : لا تحل الرواية عن موسى بن عبيدة ، ولا أعلم هذا الحديث لغيره ، وقد ضعفه الإمام الشافعي والبيهقي 39 ، وأما ادعاء الإجماع ، فعلى فرض التسليم إلا أنه لا ينطبق على جميع الصور التي يشملها الدين بالدين ، وقد اضطرب النقل في الصورة التي ينطبق عليها الإجماع ، فلا يجوز حينها التمسك بالإجماع على عدم جواز الاستصناع لكونه دينا بدين.
2. أن الاستصناع بيع معدوم ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرء عن بيع ما ليس عنده40 .
وقد سبقت الإجابة على هذا 41.
3. وجود الجهالة في السلعة المستصنعة ؛ لكونها قد تزيد وقد تنقص فيضر بأحد الطرفين .
وأجيب : أن ما يحتمل وجوده من الجهالة مغتفر إذا كان يسيراً ، كما في السلم ، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره42 ، مع أن مقدار الحجامة وكمية الدم المستخرج غير معروفة عند التعاقد .
أدلة القول الثاني :
1. ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- أن النبي ? اصطنع خاتما من ذهب وجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه فاصطنع الناس خواتيم من ذهب فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال إني كنت اصطنعته وإني لا ألبسه فنبذه فنبذ الناس ... "43 الحديث .
وجه الدلالة : أن النبي صلى الله عليه وسلم استصنع خاتماً من ذهب ، ففيه مشروعية الاستصناع ، وأما إلقاؤه له فلأنه كان من الذهب وقد حُرّم على الرجال التزين به ، بدليل أنه اتخذ بعد ذلك خاتماً من فضة44 .
2. ما ثبت في الصحيحين من حديث سهل قال : أرسل رسول الله ? إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - :مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ? فأمر بها فوضعت ها هنا... "45 الحديث .
وجه الدلالة : أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من المرأة أن تأمر غلامها بصنع المنبر ، فدل على مشروعيته ونوقش : باحتمال أن يكون صناعته على سبيل التبرع لا على سبيل التعاقد .
3. التعامل من غير نكير على مر العصور في المباني والأحذية والأثاث ونحوها ، وهو يتضمن إجماعاً عملياً .
ونوقش : بعدم التسليم للإجماع ، بدليل مخالفة جمهور العلماء للقول بمشروعية الاستصناع .
4. ومن المعقول : فإن حاجة الناس إلى الاستصناع كبيرة 46 ، وفي الشرع مراعاة لحاجات الناس بل هو من مقاصده ؛ لما في ذلك من التيسير عليهم والرفق بهم ، كما في التيمم والمسح على الخفين وعقد السلم وغير ذلك ، فجاز الاستصناع استحساناً .
ونوقش : بأن الحاجة تندف بما أباحه الله من العقود ، كالسلم .
وأجيب : بأن الحاجة إلى الاستصناع كبيرة ، وقد سبق بيان شيء من ذلك ، وفي ترك ضرر بالمسلمين ، فليس كل ما يباع جاهزاً مناسب ، بل ليس كل ما يحتاجه المرء يجده جاهزاً ، خاصة وأن الباعة لا يصنعون ما يقل شراؤه ؛ لما في ذلك من الخسارة بكساد البضاعة وعدم وجود مشترٍ لها ، فيحتاج الناس إلى من يصنع ما يحتاجونه حال طلبهم وبالصفة التي يريدونها ، وهذا هو الاستصناع ، أما السلم فلا يكفي للوفاء بحاجة المجتمع لكونه يشترط لصحته تعجيل الثمن ولا يصح فيه اشتراط الصانع .
يقول الكاساني عنه : " فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والإجارة لأن السلم عقد على مبيع في الذمة واستئجار الصناع يشترط فيه العمل وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزا "47 .
الترجيح :
الراجح هو القول بجواز عقد الاستصناع ، لما يأتي :
1. قوة أدلة أصحاب القول الثاني .
2. أن الحاجة داعية للاستصناع ، وفي منعه من إلحاق الحرج بالناس ما لا يخفى .
3. ضعف أدلة المانعين بما ورد من مناقشتها .
وقد رجح القول بجوازه المجمع الفقهي الإسلامي الدولي في مؤتمره السابع المنعقد بجدة لعام 1412 هـ .48
والله أعلم

بحث في عقد الإستصناع
__________________
قال عبد الله بن المعتز : « المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علما ، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء »
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21-08-08, 08:06 AM
أبو حسن الشامي أبو حسن الشامي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-02-03
المشاركات: 314
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الديولي مشاهدة المشاركة
هل العله في المنع لذات العقد أم لما يترتب عليه من مشكلات
نعم، سؤال وجيه...

فالشاري اليوم لبيت أو عقار يشتريه بناء على الخرائط كما أصبح بإمكانه رؤية البيت من الداخل والخارج من خلال نموذج حاسوبي ثلاثي الأبعاد، وأي تغيير يطرأ لاحقا بغير رضاه يخوله استعادة أمواله من الناحية القانونية...
__________________
قال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه :
قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كُفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه، لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم : حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فما دونهم مقصّر، ولا فوقهم محصر، لقد قصر دونهم ناس فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم من ذلك لعلى هدى مستقيم.

أخرجه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها" وصححه الشيخ عمرو عبدالمنعم سليم في تحقيقه على كتاب "المناظرة في القرآن الكريم" للشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21-08-08, 10:42 AM
شتا العربي شتا العربي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-02-07
المشاركات: 2,796
افتراضي

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
__________________
حُبُّ الصحابةِ والقَرَابة سُنَّة... ألْقى بها ربِّي إذا أحياني
الإمام القحطاني في «النونية»
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 14-06-12, 05:55 PM
أبو هاجر الغزي السلفي أبو هاجر الغزي السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-09-11
المشاركات: 2,348
افتراضي رد: حكم شراء العقار قبل أن يُبْنى.(فتوى للعلامة العثيمين).

بارك الله فيكم.
يرفع للمناقشة!
__________________
أسند اللالكائي : عن الحسن بن عمرو قال : قال طلحة بن مصرف :
(( لولا أني على وضوء لأخبرتك ببعض ما تقول الشيعة!! )).
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
للعلامة , العثيمين , العقار , يُبْنىفتوى , يُبْنفتوى , حكم , شراء , قبل

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:45 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.