ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-06-09, 11:20 PM
أبو سليمان الأثري أبو سليمان الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-01-09
المشاركات: 39
افتراضي التـــــــأمين !! تحت منظور شرعي ..

بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى في تحريم التأمين الإلزامي على الرخصة وغيرها

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : لقد كثرت الأسئلة والاستفسارات عن مسألة ما يُسمى بالتأمين التعاوني الإلزامي الإجباري على رخصة قيادة السيارة وعلى التأمين الصحي والتجاري وغيره التابع للشركة الوطنية التعاونية للتأمين ، ما هو حكمه وما الموقف منه وما يتعلق بذلك .

وقياما بواجب النصح للمسلمين ، وللمسئولين ولأصحاب الشركة ، فإن الدين النصيحة ، وقياما بواجب العلم والتبليغ كما قال تعالى { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } . ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ) رواه أبو داود والترمذي وقال في الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو ثم قال حديث أبي هريرة حديث حسن ، وصححه ابن حبان . وبعد الاطلاع على وثائق هذه الشركة التي نشرتها على الناس ، وبعد الإطلاع على موقعهم على شبكة الانترنيت ، وبعد الإطلاع على بعض البحوث المتخصصة في هذا المجال .

سوف نتكلم إن شاء الله في هذه الفتوى عن : 1 ـ طبيعة هذا التأمين وحقيقته ، والتلبيس والغش في تسميته بغير اسمه . 2 ـ حكمه . 3 ـ حكم الإلزام به . 4 ـ موقف المسلم من هذا الإلزام وما يترتب عليه ، وكيفية التعامل معه . 5 ـ حكم العمل في هذه الشركة المسماة الوطنية التعاونية للتأمين ، وغيرها . 6 ـ مفاسده . 7 ـ شبهات من أجازه . 8 ـ البديل الشرعي الإسلامي الذي يحقق السعادة للناس .

أولا : هذا العقد في الحقيقة هو تأمين تجاري قائم على أكل أموال الناس بالباطل ، وقائم على الجهالة والغرر والميسر ، وتسميته بالتأمين التعاوني هذا من باب التلبيس والتحريف والخداع , ومن الحيل المحرمة بالإجماع ، ومحاولة إيحاء أنه عقد إرفاق قائم على المعروف وبذل الخير والتعاون عليه ، قال تعالى { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ، وقال تعالى { مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } ، وقال تعالى عن يهود { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } . وهو عقد طارئ في العصر الحالي لم ينشأ أصلا بين المسلمين إنما جاء إليهم من الكفار الغربيين ، حيث نشأ في ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة ، هذا أصل وظروف نشأته .

أما معناه والمقصود به فالتأمين ( كما جاء في نشرتهم التي وزعت على العامة ) : هو عبارة عن عقد التزام بين حامل الرخصة ويسمى المؤمِّن ، وبين شركة التأمين تلتزم الشركة بتعويض وتحمل الأخطار والخسائر تجاه الغير من التزامات مالية في حال وقوع حادث مروري يكون المؤمِّن متسببا فيه كليا أو جزئيا وينتج عنه أضرار سواء في سيارات الآخرين أو ممتلكاتهم ، كما تُغطي الديات وتكاليف إصابات الآخرين الجسدية ، مقابل ما يدفعه حامل الرخصة من قسط مالي محدد اهـ . وهذا عقد معاوضة يلتزم به طرف لآخر بتعويضه وتحمل الخسائر عنه عند وقوع حادث معين مقابل قسط مالي محدد . فكلاهما يعطي شيئا مقابل ما يأخذه ، فالشركة تتعهد بدفع مبلغ التأمين والخسارة مقابل ما يدفع المؤمِّن ، ولولاه لما تم العقد فهذا معنى المعاوضة فيه . وهو عقد تجاري تكسبي لأن القصد منه التكسب والربح ، والمشترك فيه مقامر ، قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) رواه البخاري ومسلم من حديث عمر . والأمور بمقاصدها وهذه من أمهات القواعد الفقهية والأصول الشرعية . فتقول الشركة له ادفع لي كذا فإذا أصابك حادث ما مهما كان ذلك الحادث ، تحملت الخسارة عنك مقابل ما تدفع ، وإن لم يصبك شئ خسرت ما دفعت إليّ وذهب عليك وليس لك حق استرجاعه . وهو عقد غرر لأنه متعلق بأمر قد يحدث وقد لا يحدث ولا يُدرى متى يقع الحادث وكم يكلف وما هي حجم الخسارة ؟ .

وقد صدر بيان في 22/ 2 / 1417 هـ من الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في كشف تلبيس هذه الشركة وأمثالها حينما أطلقوا على عملهم التجاري اسم التعاوني ، ونص البيان هو : ( الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد ... فانه سبق أن صدر من هيئة كبار العلماء قرار بتحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه ، لما فيه من الضرر والمخاطرات العظيمة وأكل أموال الناس بالباطل وهي أمور يحرمها الشرع المطهر وينهى عنها أشد النهي ، كما صدر قرار من هيئة كبار العلماء بجواز التأمين التعاوني ، وهو الذي يتكون من تبرعات من المحسنين ، ويقصد به مساعدة المحتاج والمنكوب ولا يعود منه شيء للمشتركين لا رؤوس أموال ولا أرباح ولا عائد استثماري لأن قصد المشترك ثواب الله سبحانه وتعالى ، ومساعدة المحتاج ولم يقصد عائدا دنيويا ، وذلك داخل في قوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) وهذا واضح لا إشكال فيه .

ولكن ظهر في الآونة الأخيرة من بعض المؤسسات والشركات تلبيس على الناس وقلب للحقائق حيث سموا التأمين التجاري المحرم تأمينا تعاونيا ، ونسبوا القول بإباحته إلى هيئة كبار العلماء من أجل التغرير بالناس والدعاية لشركاتهم ... وهيئة كبار العلماء بريئة من هذا العمل كل البراءة ، لأن قرارها واضح في التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني . وتغيير الاسم لا يغير الحقيقة ، ولأجل البيان للناس ، وكشف التلبيس ودحض الكذب والافتراء صدر هذا البيان ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ) .

ثانيا : حكمه : وبعد معرفة المعنى نأتي إلى معرفة الحكم ، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره : هذا التأمين بصورته هذه محرم شرعا ، ومن كبائر الذنوب ، وهو عقد باطل بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، أما الأدلة على ذلك فهي : 1 ـ قال تعالى ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ، وهذا العقد من أكل أموال الناس بالباطل ، ومن المعاوضات القائمة على الباطل . 2 ـ وقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، فقد اتفق المفسرون على أن الميسر المحرم بنص هذه الآية هو القمار بجميع أنواعه ، وهذا العقد مقامرة بين الشركة والمؤمّن . 3 ـ يعارض هذا العقد شروط البيع ، فإن من شرط العقد أن يكون المتعاقدان جائزي التصرف عن رضا منهما ، وهذا العقد ليس فيه رضا من المؤمِّن ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ) ، ومن شروط العقد أيضا أن يكون المعقود عليه مباح النفع ، وأن يكون المعقود عليه معلوما ، وأن يخلو من الشروط الفاسدة ، وكل هذه الشروط معدومة في هذا العقد . 4 ـ ومن أدلة التحريم أن المقصد منه محرم ولو لُبّس غطاء التعاون ، فهذه شركة تجارية قصدها الربح والاتجار ، ولها مجالات أخرى في التامين غير هذه ، فهي تؤمن على الصحة ، وعلى المركبات الداخلة ، وعلى المعدات ... الخ والأمور بمقاصدها في العقود والتصرفات ، وهذه قاعدة عظيمة من أمهات القواعد الفقهية ، وعليها الإجماع وتعتبر في كل المذاهب الفقهية ، قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) رواه البخاري ومسلم من حديث عمر ، وتكلم الشاطبي باستفاضة في كتابه الموافقات عن اعتبار المقاصد في العقود والتصرفات ، وذكر ابن تيمية في الفتاوى 30/353 أنه أصل من الأصول ، فقال : وأصل هذا اعتبار المقاصد والنيات في التصرفات وهذا الأصل قد قرر وبسط في كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل اهـ المقصود .

وقال ابن قاسم في الحاشية على الروض المربع 4/374 عن ابن تيمية وغيره ان المقاصد معتبرة في العقود ونقله عن ابن القيم . 5 ـ وهذا العقد من عقود المعاوضة التي فيها جهالة ، فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ، ونهى عن الملامسة ، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه ) رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم ، قال ابن عبد البر في التمهيد : وهي كلها داخلة تحت الغرر والقمار فلا يجوز شيء منها بحال اهـ . وعن ابن عمر قال كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة ، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ) رواه البخاري ومسلم ، فقد حُرم من عقود المعاوضات ما فيه جهالة ومخاطرة كأمثال هذه البيوع القائمة على الجهالة ، أمثال بيع الملامسة والمنابذة وبيع نتاج النتاج وهو حبل الحبلة ، وقد دل الإجماع على ذلك ، كما نقله ابن المنذر وابن قدامة والنووي رحمهم الله . 7 ـ يخالف مقاصد الشريعة وأصولها . 8 ـ لما فيه من المفاسد التي سوف نذكرها إن شاء الله .

ثالثا : حكم الإلزام به : أما الذين سارعوا في استخراج وثيقة التأمين مختارين راغبين فقد سارعوا في الإثم والعدوان ، وتعدوا حدود الله ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) وقال تعالى ( تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) وقال تعالى ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ، ويُخشى عليه أن يُعاقب بنقيض قصده ، فلا يأمن ولا يطمئن ولا يرجع إليه حقه ، وما ربك بظلام للعبيد . أما إلزام الناس به فحرام ، ومن الاستيلاء على مال الغير بغير حق ، وهو ظلم وعدوان ويدل عليه : أ ـ ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال ( يا أيها الناس فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) . ب ـ و لحديث عمرو بن يثربي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى ، فسمعته يقول ( لا يحل لمرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه ) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي . وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل لمرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه ، وذلك لشدة ما حرم الله عز وجل مال المسلم على المسلم ) رواه البيهقي وقواه ابن المديني . قال ابن حزم في مراتب الإجماع في باب الغصب : واتفقوا أن أخذ أموال الناس كلِّها ظلماً لا يَحِل اهـ .

رابعا : موقف المسلم من هذا الإلزام وما يترتب عليه وكيفية التعامل معه :

أ ـ لا يجوز للمسلم قبول هذا الإلزام والتمشي معه إن استطاع ذلك ، وعليه التخلص من ذلك ، ولا تجوز طاعة أحد في ذلك ، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني قالوا بلى قال قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا فأوقدوا فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض قال بعضهم إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار أفندخلها ، فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف ، وفي لفظ : لا طاعة في معصية الله ) رواه البخاري في باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ، ورواه مسلم أيضا . ب ـ ولا يجوز للمسلم أن يجدده كل سنة وهو يستطيع إلى ذلك سبيلا . وإذا دفع المسلم المال إلزاما وبقوة السلطان ، فيبقى هذا المال الذي دفعه غصبا حقا له ، يحق له استرجاعه متى ظفر به ، وأخذه منه بغير رضاه لا يُسقط ملكه له ، وهو دين في ذمة الشركة الغاصبة أخذته منه بالقوة ، وليس لها حق فيه ، ولا تملكه بالقبض ، إنما قبضها له قبض غاصب ، لحديث سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( وليس لعرق ظالم حق ) رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب ، وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ... وقال وفي الباب عن جابر وعمرو بن عوف المزني جد كثير وسمرة حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال سألت أبا الوليد الطيالسي عن قوله وليس لعرق ظالم حق فقال العرق الظالم الغاصب الذي يأخذ ما ليس له .

وأخذ الشركة المال بالقوة له حكم الغصب ، فتضمنه على كل حال ، فعن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ) متفق عليه ، رواه البخاري في كتاب المظالم ، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض ، وذكره النووي في شرح مسلم في باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها من كتاب المساقاة . فتضمن الشركة هذا المال على كل حال ولك أيها المسلم استرجاعه متى ما ظفرت به ، وإن عاد إليك فهو حقك ، ومن ظفر بحقه الذي سببه ظاهر فهو أحق به ، ولا يمكن أن يُلزَموا بقوة السلطان على الدفع ثم يُمنعوا بالفتوى من أخذ حقهم واستيفائه متى ما تيسر ، فيُجمع لهم بين ظلمين ، فيُؤمروا بالدفع ويُمنعوا من الاستيفاء ، والظلم ظلمات يوم القيامة . واسترجاعهم له جائز وهو مبني على مسألة الظفر ، ودليلها حديث عائشة رضي الله عنها أن هندا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح فأحتاج أن آخذ من ماله ، قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) متفق عليه ، ومبني على ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره ) متفق عليه ، ذكره البخاري في باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به ، ثم قال : قال سعيد بن المسيب قضى عثمان : من اقتضى من حقه قبل أن يفلس فهو له وعرف متاعه بعينه فهو أحق به اهـ .

ولو فُرض أن الشركة الغاصبة لحقك أصلحت سيارة من أخطأت علية ، فهذه صورة تمكنت فيها من استرجاع حقك ، قال البخاري في باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه ، وقال ابن سيرين يقاصه وقرأ ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) اهـ ، وقد وصله عبد بن حميد في تفسيره من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين إن أخذ أحد منك شيئا فخذ مثله اهـ . وما زاد فليس لك فيه حق ، لأنه مال الغير لكن يبقى في ذمتك للمسلمين ، يصرف للمجاهدين والفقراء والمساكين ، ولا تُرجعه إليهم فليس لعرق ظالم حق .

خامسا : حكم العمل في هذه الشركة التأمينية التعاونية التجارية الإلزامية : يحرم العمل في هذه الشركة الظالمة الغاصبة التي تأكل أموال الناس بالباطل ، لأن العمل فيها إعانة على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى ( وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) والأموال التي أخذوها مغصوبة ، والعامل في هذه الشركة مساعد على هذا الغصب وهم يتصرفون في أموال لم يملكوها ولم يجزها لهم المالك ، قال ابن حزم في المراتب : واتفقوا أن بيع المرء ما لا يملك ولم يجزه مالكه ولم يكن حاكما ولا منتصفا من حق له أو لغيره أو مجتهدا في مال قد يئس من ربه فإنه باطل اهـ .

سادسا : مفاسده : أ ـ التسبب في كثرة الجرائم ، كالتهور في القيادة والسرقات وغير ذلك . ب ـ تكدس الأموال في أيدي قلة من الناس ، وهم أصحاب الشركة ومن وراءها . ج ـ الإغراء بإتلاف أموال وممتلكات الغير عدوانا حيث يغري التأمين ضعاف النفوس بارتكاب الجرائم الفظيعة وعدم مراعاة حرمة الدماء والأموال والممتلكات . د ـ إبطال حقوق الآخرين . هـ ـ إفساد الذمم . ز ـ ضياع المحافظة الفردية على الممتلكات وعدم الحيطة الفردية واتخاذ الوسائل والأسباب . ح ـ تخويف الناس والتغرير بهم . ط ـ ضياع الروابط وتفكك المجتمع ، وغير ذلك كم المفاسد .

سابعا : شبهات من أجازه : ومن أجاز هذا العقد فانه لا يستند إلى دليل خاص في المسألة ، وإنما يستند إلى أحد أمرين : إما مجرد قياسات باطلة في معارضة النصوص ، وإما على مصالح موهمة أو فاسدة الاعتبار . وليس عندهم إلا التلبيس وتقديمه على غير حقيقته .

ثامنا : البديل الشرعي الإسلامي الذي يحقق السعادة للناس : إن دين الإسلام صالح لكل زمان ومكان ، قال تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وقال تعالى ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) ، ويحقق لأهل الإيمان السعادة والاطمئنان قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) والإسلام ضمن العيش والأمن ، وهما مطلبان عظيمان ، وإذا قام حكام المسلمين على أمور الناس أحسن قيام بالتحكيم لكتاب الله والعمل بالشريعة وتوجيه حياة الأمة ورعايتها حصل الأمن ، فليس هناك أمر يحقق للإنسان تأمين عيشه وماله ونفسه ودينه وأهله مثل الإسلام وتطبيقه . وإذا أردنا الأمان فلابد من الاكتفاء بالطريقة الشرعية لتأمين حال الناس ، فمن الطرق الشرعية في تحقيق الأمن للناس :

1ــ رفع الأضرار والأخطار عن طريق بيت مال المسلمين ، فإن لكل مسلم حقا في بيت المال يجب دفعه إليه ، لحديث ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فماله لموالى العصبة ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه ) رواه البخاري ، ومسلم . 2ــ ضمان الحد الأدنى من المعيشة ، ففي كتاب الأموال لأبي عبيد 260 وهي قصة عمر حين قدم الشام فاشتكى إليه بلال حال الناس فقال لا أقوم من مجلسي هذا حتى تكفلوا لكل رجل من المسلمين بمدّي بر وحظهما من الخل والزيت فقالوا نكفل لك يا أمير المؤمنين هو علينا قد أكثر الله من الخير ووسع قال فنعم إذا اهـ . وجاء عنه أنه قال إني قد فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل وقسطي زيت ، فقال رجل والعبيد ؟ فقال عمر نعم والعبيد اهـ . الأموال لأبي عبيد ص 261. وجاء عن ابن عمر أن عمر كان لا يفرض للمولود حتى يفطم قال ثم أمر مناديا فنادى لا تعجلوا أولادكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ، قال وكتب بذلك في الآفاق بالفرض لكل مولود في الإسلام : الأموال 249 . 3 ـ تحمل الدولة للديون عن العاجزين كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( من توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤه ) رواه البخاري في كتاب النفقات ، ومسلم . وحديث قبيصة فقد تحملت الدولة ديونا عليه . فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها ، فقال ( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) قال ثم قال ( يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا ) رواه مسلم . 4ــ رفع حاجات الناس عن طريق الصدقات من الزكاة وزكاة الفطر والكفارات والهدي والأضاحي ، قال تعالى ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( أطعموا الجائع وفكوا العاني ) رواه البخاري ، وقال صلى الله عليه وسلم ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد ) متفق عليه . 5ــ تفعيل جانب القرابة والعاقلة في نفع بعضهم لبعض ، وتحمل بعضهم عن بعض ، قال تعالى (ْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وقال تعالى ( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ) . 6ــ منع الربا، وإلغاء البنوك الربوية المحاربة لله ورسوله ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) . 7 ــ إلغاء الضرائب والرسوم التي أنهكت الناس وأثقلت كواهلهم ، وقديما كانت تسمى بالمكوس ويحرم العمل فيها بأي نوع من أنواع العمل ، ومعلوم أن الضرائب محرمة في الكتاب والسنة والإجماع ، أما الأدلة على ذلك : أ ـ قال تعالى ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) وجه الدلالة : أن أخذ ضرائب على المسلم باطل وظلم لأنه بغير حق ، قال الله تعالى ( وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) . ب ـ جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال ( يا أيها الناس فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) ، وفي الباب عن ابن عمر وجابر وابن عباس وغيرهم . و لحديث عمرو بن يثربي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى ، فسمعته يقول ( لا يحل لمرئ من مال أخيه شيء إلا ما طابت به نفسه ) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي . وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يحل لمرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه ، وذلك لشدة ما حرم الله عز وجل مال المسلم على المسلم ) رواه البيهقي وقواه ابن المديني .

فأخذ الرسوم من الظلم لأنه عن غير طيب نفس منه وروى مسلم في صحيحه في المرأة الزانية لما تابت وقد رجمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ) والشاهد : أن صاحب المكس قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب ويحتاج لتوبة صادقة ، وروى أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يدخل الجنة صاحب مكس ) , وصاحب المكس في هذه الأحاديث هو من يعمل في جمع الضرائب والرسوم واستحصالها وكتابتها وأخذها .. إلخ . ج ـ أما الإجماع فقال ابن حزم في كتابه المراتب في الإجماع صـ121ـ واتفقوا أن المراصد الموضوعة للمغارم على الطرق وعند أبواب المدن وما يؤخذ في الأسواق من المكوس على السلع المجلوبة من المارة والتجار ظلم عظيم وحرام وفسق .اهـ , وقال ابن تيمية في الفتاوى 28/278 لما ذكر ما يأخذه الإمام فقال : ونوع يحرم أخذه بالإجماع .. كالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقا .اهـ , وقال ابن مفلح 6/280 ويحرم تعشير الأموال (أي المكوس) والكلف التي ضربها الملوك (أي الرسوم والضرائب عامة) على الناس إجماعا .اهـ , وقال ابن قاسم في حاشية الروض المربع 4/119 وتحرم الكلف التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي إجماعا .

وقال ابن حزم في مراتب الإجماع في باب الغصب : واتفقوا أن أخذ أموال الناس كلِّها ظلماً لا يَحِل اهـ . قال ابن تيمية في الاختيارات ـ كتاب الغصب ـ ويدخل فيه ما يأخذه الملوك والقطاع من أموال الناس بغير حق من المكوس وغيرها اهـ .

وأخيرا :

فليتق الله من يجرؤ على الفتوى فيبيح هذا التأمين الإلزامي المضاعف التحريم بحجج واهية ومصالح تخالف النص ويتلمس الأعذار في ذلك . ويجب على العلماء والقضاة في المحاكم الشرعية وطلبة العلم أن يقوموا بما يجب عليهم من إنكار هذا الأمر وبيان حكمه وأخطاره ، فقد أوجب الله عليهم ذلك . وليتق أهل هذه الشركة والمسؤولون ظلم الناس بإلزامهم بالتأمين المحرم ، وليتقوا دعوة مظلوم ، فعن سعيد بن زيد أن أروى خاصمته في بعض داره فقال دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة ، اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها ) متفق عليه . اهـ . والله أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين .

الــمــوقــعــون

1- محمد بن فهد العلي الرشودي . 2- علي بن خضير الخضير . 3- حمد بن ريس الريس . 4- محمد بن سليمان الصقعبي . 5- حمد بن عبد الله الحميدي . 6- عبد الله بن عبد الرحمن السعد . 7- عبد العزيز بن سالم العمر . 8- أحمد بن صالح السناني . 9- ناصر بن حمد الفهد . 10- أحمد بن حمود الخالدي .

---------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصَّلاةُ والسَّلامُ على من لا نبي بعده .. وبعد
فإن من نوازل هذا العصر وقضاياه المستجدة عقد التأمين الذي نشأ وانتشر بفعل القوانين التجارية والمدنية التي جعلته واقعاً في كثير من التشريعات وحيث إنه سبق أن بحث في عدد من اللقاءات والندوات وصدرت حوله كثير من المؤلفات والأبحاث والرسائل .
وحيث حصل مؤخراً في هذا العقد مناقشات ومداولات فقد أحببت أن أكتب معتصراً عن هذا العقد ورأي الباحثين فيه في هذه الأكتوبة الموجزة وذلك من خلال أربع نقاط .
أولا : تعريف التأمين وحقيقته :
التأمين في اللغة مصدر أمَّن يؤمَّن مأخوذة من الاطمئنان الذي هو ضد الخوف ومن الأمانة التي هي ضد الخيانة . يقال أمَّنهُ تأميناً وائتمنه واستأمنه[1].
وعند الفقهاء التأمين قول آمين .
وصار يستخدم التأمين للدلالة على عقد خاص تقوم به شركات التأمين تدفع بموجبه مبلغاً في حال وقوع حادث معين لشخص يدفع لها قسطاً من المال [2].
لا بد للناظر للتأمين أن يتنبه إلى الفرق بين تناول التأمين كفكرة ونظريَّة وبين تنظيمه في عقد .
فالتأمين كنظرية ونظام مقبول إذ انه تعاون بين مجموعة بين الناس لدفع أخطار تحدق بهم بحيث إذا أصابت بعضهم تعاونوا على تفتيتها مقابل مبلغ ضئيل يقدمونه [3].
ولا شك أن هذه الفكرة فكرة مقبولة تقوم عليها كثير من أحكام الشريعة مثل الزكاة والنفقة على الأقارب , وتحميل العاقلة للدية . إلى أمثلة كثيرة تدعو إلى التعاون على البر والإحسان والتقوى والتكافل والتضامن .
هذه فكرة التأمين وهي فكرة تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية و أحكامها وليس في هذا إشكال بحمد الله وإنما الإشكال في صياغة هذه الفكرة في عقد معاوضة أي في كونه علاقة بين المؤمن من جهة والمستأمن من جهة أخرى .
وسيكون هذا هو محل البحث في هذه الأوراق .
نشأة التأمين التجاري :
كان أول ظهور التأمين التجاري تأميناً للمخاطر التي تتعرض لها السفن المحملة بالبضائع وذلك في شمال إيطاليا في القرن الثاني عشر الميلادي . حيث كان صاحب البضاعة يدفع قسطاً معيناً على أنه في حال تلف البضاعة يقبض مبلغاً من المال ثم بدأ التأمين التجاري بالرواج ولكنه لم ينتقل إلى الدول العربية إلا في القرن التاسع عشر بدليل أن فقهاء المسلمين حتى القرن الثالث عشر الهجري لم يبحثوه مع أنهم بحثوا كل ما هو محيط بهم في شئون حياتهم العامَّة . فتناوله العلاَّمة محمد أمين ابن عابدين( 1252هـ ) في كتابه رد المحتار [4] على الدر المختار وسماه سوكوه [5] .
وقد تزايد التعامل به بعد ذلك حتى دخل كثيراً من المجالات الاقتصادية وغيرها [6].
ويرى بعض الباحثين أن التأمين التجاري يتجه إلى الانكماش فالزوال وذلك أن دول العالم الغربي تتجه إلى الأخذ بالتأمين التعاوني وأن أكبر المنظمات التأمينية في سويسرا هي منظمات تعاونية . كما أن إحصائيات التأمين في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1972م تذكر أن التأمين التعاوني أصبح يغطي أكثر من 70% من نشاط التأمين فيها [7].
تعريف عقد التأمين التجاري :
تنوعت تعريفات هذا العقد في القوانين المدنية ولدى الباحثين المهتمين ويمكن منها أن يستخلص تعريف له بأنه : عقد معاوضة يلتزم أحد طرفيه وهو المؤمِّن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمَّن له أو من يعينه عوضاً مالياً يتفق عليه . يدفع عند وقوع الخطر أو تحقق الخسارة المبينة في العقد وذلك نظير رسم يسمى قسط التأمين يدفعه المؤمَّن له بالقدر والأجل والكيفيَّة التي ينص عليها العقد المبرم بينهما [8].
ومن خلال هذا التعريف وما ذكره القانونيون نجد أن من أبرز خصائص [9] عقد التأمين :
1- أنه عقد ملزم لطرفيه فيلتزم المؤمَّن له بدفع الأقساط حسب الاتفاق ويلتزم المؤمِّن بدفع التأمين عند حصول حادث محتمل .
2- كما أنه عقد مفاوضة لأن كلا المتعاقدين يأخذ مقابلاً لما أعطى فالمؤمِّن يعطي قسط التأمين والمؤمَّن له يعطي مبلغ التأمين عند تحقق ما يوجبه . وليست المعاوضة مقابل أمان محض يحصل عليه المؤمن .
3- كما أنه عقد احتمالي لأن كل طرف لا يعرف كم سيدفع وكم سيعطى على وجه التحديد لأن ذلك يتوقف على وقوع الخطر أو عدم وقوعه .
4- أنه عقد تجاري يهدف المؤمِّن منه إلى الربح والفائدة من خلال الأقساط المتجمعة لديه .
ثانياً : حكم عقد التأمين التجاري :
لم يكن هذا العقد معروفاً عند السلف , فلم يرد فيه نص شرعي ولم يوجد من الصحابة والأئمة المجتهدين من تعرَّض لحكمه . ولمَّا انتشر في هذا العصر درسه الباحثون واختلفوا في حكمه على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أن التأمين التجاري عقد غير جائز .
وقال به ابن عابدين الحنفي [10] , ومحمد بخيت المطيعي [11] (1354هـ) مفتي الديار المصريَّة , والشيخ محمد رشيد رضا [12] , ومحمد أبو زهرة [13] , وعبد الله القلقيلي مفتي الأردن [14] , ومحمد أبو اليسر عابدين مفتي سوريا [15] , والدكتورصديق الضرير [16] , وشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق [17] , والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ [18] وجماعة كثيرون . كما أنه الرأي الذي أفتت به عدة هيئات كهيئة كبار العلماء في المملكة العربيَّة السعودية [19] والمجمع الفقهي الإسلامي [20] التابع لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه الدولي بجدة [21] التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي [22] وهيئة رقابة بنك فيصل الإسلامي [23] إلى غيرها من الجهات العلميَّة .
القول الثاني : أن التأمين التجاري عقد جائز .
وقال به مصطفى الزرقا [24] و علي الخفيف [25] و محمد يوسف موسى [26] و عبد الوهاب خلاف [27] وصدر به قرار الهيئة الشرعيّة لشركة الراجحي المصرفيّة [28] .
القول الثالث : وهو التفصيل بجواز أنواع من التأمين وتحريم أنواع .
فمنهم من أجاز التأمين على الأموال دون التأمين على الحياة وهو قول محمد الحسن الحجوى [29] , ومنهم من أجاز التأمين من الخطر الذي من أفعال العباد كالسرقة وحرّم التأمين من الخطر الذي سببه آفة سماوية وهو قول نجم الدين الواعظ مفتي العراق [30] , ومنهم من أباح التأمين على حوادث السيارات والطائرات والسفن والمصانع وحرّم ما عداه وهو قول الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود [31] .
أدلّة أصحاب القول الأول :
استدل أصحاب هذا القول بجملة أدلّة منها :
الدليل الأول : أن عقد التأمين عقد معاوضة وهو مع ذلك مشتمل على غرر , والغرر يفسد عقود المعاوضات .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر [32]. والنهي يقتضي الفساد .
والغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات أو ما طُوِيت معرفته و جُهلت عينه[33].
فكل عقد بني على أمر محتمل مشكوك فيه فهو غرر .
والغرر المؤثر هو ما كان في عقود المعاوضات المالية . وكان غالباً على العقد حتى يصح وصف العقد كله بأنه غرر .
ولا شك أنَّ عقد التأمين مشتمل على الغرر في أكثر من موضع منه :
فالجهالة حاصلة في صفة محل التعاقد فالعوض لا يُعْرف مقداره حتى يقع الخطر المؤمن عليه .
كما أنها حاصلة في أجل العوض الذي لا يعرف متى يحل .
كما أن حصول العوض نفسه مجهول مشكوك فيه فلا يعرف المتعاقدان ذلك لتوقفه على وقوع الخطر أو عدم وقوعه .
فالغرر في الحصول وصفته وأجله وهي أمور مقصودة عند التعاقد وهذا يفسد العقد .
وقد نوقش هذا الدليل بأمرين الأوَّل : أنه لا يوجد غرر في عقد التأمين لأن غايته حصول الأمان وقد حصل بمجرد العقد سواء وقع الخطر أو لا والثاني أنّه على فرض حصوله فهو غرر يسير لا يؤثر في العقد[34].
والجواب أن النظر الشرعي في عقود المعاوضات إنما يكون لمحلها لا إلى غاياتها فإن الغاية أمر غير منضبط ولكلٍّ أن يجعل غاية عقده بما يراه فيصح لنا أن نقول إن غايته عقد التأمين أكل المال بالباطل . ويمكن لمن يبيح الفوائد الربويّة أن يتذرع بأن غايتها تحريك المال وتنميته واستثماره . وعليه فلا تعلق توصيف الأحكام بالمقاصد والحكم منها دون النظر لمحلها . ومحل عقد التأمين هو قسط التأمين وعوضه وهذا العِوَض مجهول الحصول والمقدار والأجل .
وخروجاً من هذا اضطر بعض الباحثين إلى القول بأن محل عقد التأمين هو نفس ضمان الأمن والأمان .
وقرر أن الأمن والأمان حق معنوي متفق مع الحقوق المحسوسة في اعتباره محل معاوضة ومحلاً لتداول الأيدي على تملكه ولذا فلا مانع من أن يكون الأمان هو محل المعاوضة في عقد التأمين [35] .
ويناقش هذا القول بما يلي :
1- أن الحق هو اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً [36]. ( والحق المعنوي سلطة لشخص على شيء غير مادي هو ثمرة فكره أو نشاطه ) و الأمان ليس اختصاصاً بل هو شعور داخلي وطمأنينه نفسيَّة كالحب والبغض لا يمكن تداوله ولا المعاوضه عليه .
2-أن عقد التأمين لا يحقق للشخص الذي يرغب في توقي نتائج الخطر أماناً حقيقياً لأنه مهدد بإعسار المتعاقد معه .
3- أن جعل الأمان محلاً لعقد التأمين مخالف للنظرة القانونية التي نشأ هذا العقد في ظلالها ومخالف للنظر الفقهي حتى لدى من أجاز عقد التأمين كالشيخ مصطفى الزرقا [37].
4- أن الأمان إذا كان هو محل عقد التأمين فإنه ينبغي أن يكون منحه للمستأمن كافياً عن بذل عوض التأمين . وإذا قيل إن الأمان لا يحصل إلا ببذل عوض التأمين علمنا أن محل العقد هو المال وأن الأمان هو الباعث عليه أو الغاية منه .
5-ثم إن الأمان المجعول محلاً لعقد التأمين مجهول المقدار غير معلوم الصفة تحديداً وهذا غرر أيضاً .
الدليل الثاني : أن عقد التأمين يتضمن الميسر والقمار وقد حَرَّم الله الميسر بقوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(المائدة: من الآية90) .
والميسر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( أخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوض أو لا يحصل )[38] .
وهذا الوصف متحقق في عقد التأمين باعتراف رجال القانون وذلك لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر فإذا لم يتحقق كسب المبلغ الذي دُفع له , وإذا تحقق دَفع مبلغاً يزيد كثيراً عما قبضه وهذا هو الرهان [39].
وقد نوقش هذا الدليل بأن التأمين جد والقمار لعب وأن المؤمن إنما دفع ماله لمن يدفع عنه ضرراً كما يدفع التاجر لمن يحرس القافلة مبلغاً لحفظها من الخطر [40].
الجواب أن عقد التأمين يدخل تحت تعريف الميسر وتوجد فيه خصائصه .
وأما الخفارة التي تُدفع لمن يحرس القافلة ونحوها فهذا المبلغ إنما يُدفع أجرةً للحارس مقابل تسليمه نفسه وقت العقد ليقوم بمقتضاه ولم يأخذ المبلغ دون تسليمه نفسه . ثم إنه لا يضمن ما سرق أو تلف إذا لم يفرط في واجبه .
الدليل الثالث : أن عقد التأمين يتضمن الربا بل هو أصيل فيه والربا محرم مفسد للعقد المشتمل عليه . وذلك أن التأمين كما عَرَّفه القانون : عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له مبلغاً من المال ... في نظير مقابل نقدي ... فهو معاوضة مال بمال دون تقابض ولا تماثل وهذا هو الربا .
أدلة أصحاب القول الثاني :
استدل أصحاب هذا القول بأقيسةٍ مختلفةٍ من أبرزها ما يلي :
الأول : القياس على العاقلة : فإنَّ العاقلة تتحمَّل شرعاً دية قتل الخطأ عن القاتل وتتقاسمها بين أفرادها لأجل تفتيت أثر المصيبة عن الجاني . وكذلك الحال في شركات التأمين فإنها تعمل على ترميم الأخطار , وتخفيف المصاب [41].
ويناقش هذا القياس بأمور :
1- أن العاقلة تتحمل الدية لما بينها وبين القاتل من قرابة ورحم التي تدعو للتعاون ولو دون مقابل, وعقود التأمين تجارية تقوم على المعاوضة الماليَّة المحضة لا إلى عاطفة الإحسان فهذا قياس مع الفارق .
2- أن ما تتحمله العاقلة يختلف باختلاف أحواله من غنى وفقر أما أعضاء شركات التأمين فيتحملون على السواء ولا يُنظر إلى ثروتهم الخاصة في تقدير ما يتحمله كل فرد .
الثاني : تخريج عقد التأمين على مسألة ضمان خطر الطريق وقد نَصَّ الحنفيَّة على جوازها وصورتها أن يقول رجل لآخر : اسلك هذا الطريق فإنّه آمن وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن فإذا سلكه فأخذه اللصوص ضمن القائل .
وعقد التأمين يشبه هذه المسألة من حيث التزام الضمان فالشركة التزمت الضمان كما أنَّ القائل التزم الضمان [42].
ونوقش بوجود الفارق بين المسألتين من وجوه :
1- ففي مسألة الضمان كان الالتزام من طرف واحد في حين أن الالتزام في عقد التأمين من الطرفين [43].
2-ولأن الضمان من عقود التبرعات التي يراد بها المعروف , والتأمين عقد معاوضة مالية فلا يصح القياس بينهما .
3- ثم إن مسألة ضمان خطر الطريق مبعثها تغريره للسالك وإخباره بأنه آمن لا لمجرد الضمان , أما شركات التأمين فهي تقرر التضمين مطلقاً [44].
4- كما أن للضامن أن يرجع على المضمون بما دفع عنه وليس الحال كذلك في التأمين لكونه معاوضة لا ضماناً .
الثالث : قياس عقد التأمين على نظام التقاعد وأشباهه . وذلك أن نظام التقاعد عقد معاوضة يقوم على اقتطاع جزء ضئيل من مرتب الموظف شهرياً ليصرف له تعويض في نهاية خدمته وهذا يشبه أقساط التأمين وعوضه وفي كليهما لا يدري الشخص كم يستمر دفعه ولا كم يبلغ مجموعه ثم قد يستلم ما يزيد كثيراً على مجموع الأقساط وقد لا يستلم شيئاً فإذا جاز نظام التقاعد فليكن الحكم مثله للتأمين [45].
ونوقش : بأن التقاعد ليس عوضاً عما اقتطع من الموظف شهرياً و إلا لوجب توزيعه على سنن الميراث ولم يجز أن يحرم منه الموظف ولا ورثته بعده وإنما التقاعد مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولاً عن رعيته وراع في احتسابها ما قام به الموظف من خدمة ومصلحة أقرب الناس إليه ومظنّة الحاجة فيهم . فليس التقاعد معاوضة بين الدولة وموظفيها ولا يقوم على أساس التجارة وتحصيل الأرباح .
هذا وقد استدل أصحاب هذا القول بأقيسة أخرى تشترك جميعها في أنها لا يصح التخريج عليها لعدم توافر شروط القياس وأهمها أن يكون المقيس عليه متفقاً عليه لئلا يمنع المخالف حكم الأصل وهذا ممكن في جميع الأقيسة .
كما أنه يوجد الفارق بين عقد التأمين وبين المقيس عليه وأما القول الثالث فاستدل على ما منع بأدلة المانعين وعلى ما أباح بأدلة المبيحين وقد سبق ذلك .
القول الراجح :
القول الراجح مما سبق بعد تأمل الأدلة هو القول بتحريم هذا العقد لكون أدلتهم أقوى استنباطاً وأتم دلالة , فمن أباح التأمين اعتمد على أقيسة مأخوذة من استنتاجات الفقهاء بينما المحرِّم له استند إلى نصوص شرعيَّة وقواعد أساسيَّةٍ أجمع المجتهدون على الأخذ بها .
كما أن التأمين لا يتضمن مصلحة غالبة وسبق أن نشر تفسير ذلك جلياً [46].
وليس فيه مصلحة للمجتمع في النهاية بل كل ما يترتب عليها هو نقل عبء الخطر برمته من عاتق شخص إلى عَاتِق شخص آخر وهذا ليس فيه أيَّة فائدة للمجتمع [47]. وله خطورة على اقتصاد الدولة من حيث سيطرة شركات التأمين ممثلة في أفراد قلائل على مدخرات المواطنين وتوجيهها وفق هواها ومصالحها الخاصة مما اضطر بعض الدول إلى تأميم شركات التأمين [48].
ثالثاً : البديل الشرعي لعقد التأمين التجاري .
لا شك أن التعاون في تفتيت الأخطار ومواجهة الظروف والتكافل في حلها مما يدعو إليه الإسلام وقرره في تشريعات مختلفة كالزكاة التي هي مظلة التأمين الكبرى لجميع المواطنين في المجتمع الإسلامي وكواجب الإنفاق على القرابة والضيف وكواجب بيت المال في تأمين حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي .
ومن وسائل التعاون التي أفتت المجامع الفقهية المعاصرة بجوازها ما يسمى بالتأمين التعاوني [49].
والمراد به في ضوء القرارت المشار إليها : قيام جماعة يتفق أفرادها على تعويض الأضرار التي قد تنزل بأحدهم نتيجة خطر معين وذلك من مجموع الاشتراكات التي يتعهد كل فرد منهم بدفعها .
فهذا عقد تبرع يقصد به التعاون ولا يستهدف تجارة ولا ربحاً كما أنه يخلو من الربا ولا يضر جهل المساهمين فيه بما يعود إليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة .
وأبسط تصوير لهذا التأمين هو أن تكون أسرة أو جماعة صندوقاً ويدفعوا مبالغ يؤدى من مجموعها تعويض لأي فرد منهم يقع عليه الخطر فإن لم تفي المبالغ التي دفعوها سَدَّدوا الفرق المطلوب وإن زاد شيء بعد التعويضات أُعيد إليهم أو جُعل رصيداً للمستقبل ويمكن أن يوسَّع هذا التصور المبسط ليطور هذا الصندوق ليكون هيئة أو مؤسسة يتفرغ لها بعض العاملين لتحصيل المبالغ وحفظها وصرف التعويضات ويكون لها مجلس إدارة يقرر خطط العمل وكل ذلك بمقابل أجر معين أو تبرعاً منهم .
بشرط أن يكون مبناه التبرع ولا يقصد منه تحصيل الأرباح وغاية جميع أطرافه التعاون [50].
تطبيقات التأمين التعاوني :
طرح عدد من المهتمين بالاقتصاد الإسلامي عدة نماذج وتصورات للتأمين الإسلامي وتبنت جهات مالية إنشاء شركات تقوم بالتأمين من منظور إسلامي سُمّي أكثرها بالتعاوني وذلك في عدد من البلاد الإسلاميّة استفيد أكثرها من فكرة التأمين التعاوني لدى الغرب [51] إلا أن واقع هذه المؤسّسات ليس بالضرورة مطابقاً لمقصود المجامع العلميّة التي أفتت بإباحة التأمين التعاوني وإنما هو تطبيق لنظريته لدى الهيئة الشرعيّة المؤسّسة له .
فقد يكون منها ما هو فكرة مطورة للتأمين التعاوني ومنه ما يكون تأميناً تجاريَّاً بضوابط معينة أو حتى بصورته المعروفة [52].
ولذا صدر البيان المعروف من اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء بالمملكة العربية السعوديَّة حيال بعض المؤسسات والشركات المتسمية بالتأمين التعاوني بأنها لا تمثل التأمين التعاوني التي أباحته هيئة كبار العلماء وإنما هو تأمين تجاري وتغيير اسمه لا يغير حقيقته [53].
والحقيقة أن المؤسسات القائمة بالتأمين والساعية لتصحيح وضعها ومطابقته للبديل الإسلامي تواجه أموراً صعبة من أبرزها إعادة التأمين [54] وهو أن تدفع شركة التأمين جزءاً من أقساط التأمين التي تحصل عليها من جمهور المستأمنين لشركة إعادة تأمين تضمن لها في مقابل ذلك جزءاً من الخسائر .
فإذا وقع الخطر المؤمن ضده لجأ المستأمن إلى شركة التأمين التي تدفع له ثم تطالب شركة إعادة التأمين بدفع جزء من التعويض حسب الاتفاق المبرم بينهما .
فتكون شركة التأمين المباشر كوسيط بين المستأمن وشركة إعادة التأمين وتعترف شركات التأمين الإسلامية بأنه لا قيام لها ولا ازدهار لصناعتها إلا بترتيبات إعادة التأمين [55] وشركات إعادة التأمين الضخمة جميعها تجارية وقد بدأت الآن شركات إعادة تأمين تتبنى المنهج الإسلامي فيه [56].
رابعاً : الإلزام بالتأمين :
من جملة ما طرح من أفكار في موضوع التأمين ما رآه الأستاذ محمد البهي حيث قرر حل التأمين بجميع أنواعه ورأى أنه يجب على الدولة الإلزام به لما فيه مصلحة .
أمَّا الدكتور محمد شوقي الفنجري فإن بعد أن قرر معارضته للتأمين التجاري وعدم شرعيته وأن التأمين التعاوني هو بديله المثالي قال : ( ونرى لضمان نجاح التأمين التعاوني , في مثل ظروف المجتمعات العربيَّة والتي تعاني من عدم كفاية الوعي التأميني مع ترامي مساحاتها الشاسعة وارتفاع إمكانياتها الماليَّة ؛ أن يكون التأمين إلزامياً في الأصل واختيارياً في الحالات التي يقررها .
وهو يكون إلزامياً بالنسبة للفئات التي يكثر لديها وقوع الخطر كأصحاب السيارات وأصحاب المصانع , وبالنسبة للحالات المؤكد وقوعها كالمرض والشيخوخة والوفاة .. ) [57] .
ولي مع هذا الرأي وقفات :
1- عقد التأمين عقد رضائي , والعقود في الشريعة الإسلامية أساسها التراضي بين طرفي العقد . قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) ( سورة النساء : 29 ) .
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال : ( لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس )[58].
وقد اتفق جمهور أهل العلم على أن من أُكره على قول أو عقد لم يترتب عليه حكم من الأحكام وكان لغواً [59].
وإذا ألزم أحد بعقد فات شرط التراضي فانعدمت الصِّحَة فيه . والتأمين التعاوني أساسه التبرع ولا يُتَصَوَّر تبرع من مُكْرَه ! .
مع أنه قد يصح تخريج ذلك بالنسبة للتأمين التجاري عند القائل به على نزع ملكية العقارات للصالح العام والتسعير وإلزام المحتكر على البيع بسعر المثل وإلزام أرباب المهن على العمل بأجرة المثل إذا امتنعوا عن العمل إلا بأُجور فاحشة والناس بحاجة إلى منافعهم
إلا أن القول بهذا يحتاج إلى إثبات أن الحاجة إلى هذا النوع من التعاقد ضرورة عامة يصح أن تكون سبباً لإلغاء أساس العقود الذي هو الرضا من طرفيه .
وأن هذا العقد فعلاً سبب لرفع هذه الضرورة .
ثم إن صح هذا في التأمين التجاري وقد تقدم بيان حكمه فلا يصح في التعاوني الذي تقدَّم أن أساسه التبرع والمسامحة ولا يتصور تبرع إلا برضا البَاذِل .
2- أن في الإلزام بأمر هو محل خلاف بين أهل العلم نظراً واضحاً . وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمّن ولي أمراً من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان فهل يجوز له منع الناس ؟ . فأجاب : [ ليس له منع الناس من مثل ذلك , ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد , وليس معه بالمنع نَصٌّ من كتاب , ولا سنة , ولا إجماع , ولا ما هو في معنى ذلك ؛ لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك وهو مما يعمل به عامَّة المسلمين في عامَّة الأمصار .
وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل , ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس بإتباعه في مثل هذه المسائل ؛ ولهذا لما استشار الرشيد مالكاً أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من ذلك . وقال إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرّقوا في الأمصار , وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم . وصَنَّف رجلٌ كتاباً في الاختلاف , فقال أحمد : لا تسمّه كتاب الاختلاف ولكن سمّه : كتاب السُّنة .
ولهذا كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجَّةٌ قاطعة واختلافهم رحمة واسعة . وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما يسرّني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا ؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً . وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا , ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة . وكذلك قال غير مالك من الأئمة : ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه .
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهاديّة لا تنكر باليد , وليس لأحد أن يلزم الناس بإتباعه فيها ؛ ولكن يتكلم فيها بالحجج العلميَّة فمن تبين له صحّة أحد القولين تبعه ومن قَلّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه ونظائر هذه المسائل كثيرة ] [60].
وليس هذا من الحكم الذي يرفع الخلاف , فإن ذلك في الأمور المعينة والمسائل الخاصّة بموطنها . قال شيخ الإسلام : ( الأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة , ليس لأحدٍ أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ .. وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة لا يحكمون في الأمور الكليّة .. ) [61].
وبناء على هذين الأمرين فإنه لا يظهر لي وجاهة ما قرره الأستاذان الفاضلان والله الموفق .
وبعد! فهذا آخر ما تهم معرفته عن حكم هذا العقد أسأل الله تعالى أن يوفق للصواب لا إله إلا هو .
-----------------------------
[1] مختار الصحاح (ص26)مادة (أ م ن) , المنجد الأبجدي ص 223 .
[2] المعجم الوسيط (1/28) مادة (أمن) . ورمز له مج وهو اللفظ الذي أقرّه مجمع اللغة العربيّة .
[3] الوسيط في شرح القانون المدني للسنهودي (7 / 1080) , نظام التأمين مصطفى الزرقا (ص 33) .
[4] حاشية ابن عابدين (4 / 170) .
[5] لفظ ( سوكوه ) لفظ شائع بمعنى عقد التأمين وهو مأخوذ من اللفظ الفرنسي ( سيكورتيه ) ومعناه الأمان والاطمئنان . نظام التأمين للزرقا (ص 23) .
[6] انظر في النشأة التاريخية للتأمين بحث هيئة كبار العلماء بالسعودية له (ص 38) , المعاملات المالية المعاصرة د. محمد شبير (97) , التأمين في الشريعة والقانون د. غريب الجمال (ص 11) .
[7] الإسلام والتأمين د. محمد شوقي الفنجري (ص46 , 47) , الاقتصاد الإسلامي مذهباً ونظاماً د. إبراهيم الطحاوي [1 / 445] .
[8] معجم المصطلحات الاقتصادية نزيه حماد (ص 106) , وانظر القوانين العربيّة المعرفة للتأمين وهي 747القانون المصري , و 713 سوري , و 950 لبناني , و 983 عراقي , و920 أردني , والوسيط للسنهوري (7 / 1079) .
[9] انظر الوسيط للسنهوري (7 / 1136) , بحث عقود التأمين الدكتور محمد الفرفوز لمجلة مجمع الفقه الإسلامي (2 / 577) , دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د. محمد مصطفى (2 / 470) .
[10] مجموعة رسائل ابن عابدين (2 / 175) .
[11] له في ذلك رسالة مستقلة باسم أحكام السوكرتاه
[12] فتاوى المنابر (4 / 164) , (3 / 964)
[13] بواسطة نظام التأمين للزرقا (ص 67) .
[14] عقد التأمين ضمن أعمال مهرجان ابن تيمية (ص 420) .
[15] أعمال المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي (ص 553) .
[16] الغرر وأثره في العقود (ص 650) .
[17] بواسطة رؤية شرعية في التأمين للشيخ عبد الله المنيع .
[18] فتوى رقم 570 / 2 في 18 / 8 / 1388هـ .
[19] القرار رقم (5 / 10) في 4/ 4/ 1397هـ .
[20] في 4/4/1399هـ .
[21] في 16/4/1406هـ .
[22] في عام 1396هـ .
[23] انظر : التأمين التجاري والبديل الإسلامي د. غريب الجمال .
[24] نظام التأمين (ص 57) .
[25] بواسطة الغرر للفرير (ص 656) .
[26] الإسلام ومشكلاتنا المعاصرة (ص 64) .
[27] التأمين د. غريب الجمال (ص 202) .
[28] في 1411هـ .
[29] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (2/504) .
[30] دراسة شرعية لأهم العقود (2/499)
[31] التأمين وإعادة التأمين مجلة مجمع الفقه الإسلامي (2/618) العدد الثاني .
[32] صحيح مسلم 1513 .
[33] زاد المعاد (5/822) .
[34] نظام التأمين 165 .
[35] رؤية شرعية في التأمين للشيخ عبد الله المنيع .
[36] المدخل الفقهي العام (3/10) .
[37] نظام التأمين 166 .
[38] مجموع الفتاوى (28/76) .
[39] التأمين وفقاً للقانون الكويتي د. جلال إبراهيم (ص 30) , وانظر : الوسيط للسنهوري (7 / 1086) .
[40] نظام التأمين (ص47) , التأمين جائز مقال للشيخ عبد المحسن العبيكان جريدة الرياض عدد 12567 في 15/9/1423هـ .
[41] نظام التأمين (ص 62) .
[42] نظام التأمين للزرقا (ص 58) .
[43] المعاملات المالية المعاصرة محمد شبير (ص 118) .
[44] التأمين بحث أعدّته اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية (ص 294) .
[45] التأمين نظرة شرعية للشيخ عبد الله المنيع .
[46] بمجلة البيان بعنوان حقيقة شركات التأمين د. سليمان الثنيان .
[47] انظر : شرح القانون المدني الجديد د. محمد علي عرفة (ص 67) .
[48] الإسلام والتأمين د. محمد الفنجري (ص 70) .
[49] المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام 1385هـ وقرار هيئة كبار العلماء رقم 51 في 4/4/1397هـ وقرار المجمع الفقهي الإسلامي في 10/8/1398هـ وغيرها .
[50] المعاملات المالية المعاصرة (ص 135) .
[51] حيث نشأت الفكرة في ألمانيا في ظل حكم بسمارك . انظر التأمين د. غريب الجمال (ص 276) .
[52] ومن أسباب ذلك أن جملة من الشركات المالية وبيوت التمويل الإسلامية تمادت في تقليد النظام الربوي بل واستعارت هياكله التنظيم فأفرغت العمل المالي الإسلامي من مضامينه الحيوية وأهدافه الاستثماريّة .
وقد أشار كثير من هذا وأبان سببه الشيخ صالح الحصين في بحثه : الهيئات الشرعيَّة الواقع وطريق التحول لمستقبلٍ أفضل .
[53] مجلة البحوث الإسلامية العدد 50 ص 359
[54] التأمين وإعادة التأمين د. وهبة الزحيلي بمجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني (2/553) . وبنفس المجلة التأمين في الفقه الإسلامي د. محمد الفرفور (2/602) .
[55] انظر مثلاً : مجموعة فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني , أعمال الندوة الفقهيّة لبيت التمويل الكويتي (ص201) , التأمين التجاري د. غريب الجمال 340 , 344 .
[56] انظر التأمين على الحياة د. علي محيي الدين القره داغي ضمن بحوثه في فقه المعاملات (ص 263) .
[57] الإسلام والتأمين (ص 92) .
[58] السنن الكبرى للبيهقي (6/100) بإسنادٍ حسن وروى عن أنس وعمر بن يثربي وأبي حميد , انظر إرواء الغليل للألباني (5/ 279) مجمع الزوائد (4/ 171) .
[59] زاد المعاد (5/205) , جامع العلوم والحكم (ص 376) . وفرق فقهاء المذهب الحنفي بين ما يحتمل الفسخ ومالا يحتمله فانظره في تكملة فتح القدير (8/166) .
[60] مجموع الفتاوى (30/ 79 , 80) وانظر أيضاً مجموع الفتاوى (35/387 , 388) مهم .
[61] بواسطة طريق الوصول للشيخ عبد الرحمن بن سعدى ص 209 .
-الإسم: هاني بن عبد الله بن محمد الجبير.
-قاضي بالمحكمة العامة بمكة المكرمة وعمل سابقا في القضاء في مدن أخرى.
-كانت مسيرته الأكاديمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
-شارك في عدد من الندوات العلمية داخل المملكة وخارجها، منها ندوة التحكيم بالقاهرة وأخلاقيات الطبيب في الرياض.
-صدر له عدد من الكتب وألبحاث يزيد المنشور منها على عشرين، منها العمليات الإستشهادية صورها
وأحكامها، مقاطعة بضائع الكفار، جداول الفرائض، المسؤولية عن الحيوان، الولاية.
العنوان: ص.ب 14028
مكة المكرمة- العوالي.
جوال:0555124796
مكتب:02/5307897
فاكس:02/5283305


ومن لديه المزيد فقلوبنا ،،،،، تستقبل برحابة ..

إذا كان منكر نطالب بإزالته - فنحن في بلد التوحيد - وإن كان جائز أو من الضرورات أخذنا به ..
علمائنا .. ما رأيكم بهذه المسألة ؟؟

إنها من الملمات لم أنم بل ظللت أبحث وأبحث ،، أفتونا مأجورين ..

أخوكم /
أبو سليمان الأثري
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
منظور , التأمين , بحث , شرعي

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:43 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.