ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > خزانة الكتب والأبحاث

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 27-06-09, 03:55 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي خطب عن المنافقين

بسم الله الرحمن الرحيم

وضعتها من أجل قراءتها على الجوال .....





أول مقابلة يتربص بها ابن أبيّ بالنبي صلى الله عليه وسلم


كانت أول مقابلة لهذه الشخصية مع النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أسامة بن زيد ؛ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث من الخزرج، قبل وقعة بدر ، حتى مر بمجلسٍ فيه عبد الله بن أبي ، قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ، أي: يتظاهر بالإسلام، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول : أيها المرء! إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال: عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله .. فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب ؟ يريد عبد الله بن أبي ، قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة : يا رسول الله! اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة -أي: البلدة، وهي يثرب التي صارت المدينة و طيبة - على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، أي: يتوجوا عبد الله بن أبي ملكاً عليهم -فلما أبى الله ذلك، فاتت الفرصة على عبد الله بن أبي وفاته الملك للإسلام الذي جاء- فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك -أي: غص به وكرهه- فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم). وكان النبي صلى الله وعليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب -كما أمرهم الله- ويصبرون على الأذى، أي: في تلك المرحلة التي جاءت بعدها مرحلة أخرى، كما قال الله عز وجل: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آل عمران:186] إلى آخر الآية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم، ونزلت الآيات بالأمر بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، وتغيَّر الحال، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً ، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه -أي: ظهر وبان، وقوي الإسلام وقام عموده- فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأسلموا، أي: في الظاهر. لقد اضطر ابن أبي أن ينتقل من العداوة الجهرية للدين إلى العداوة السرية، والكيد للإسلام وأهله، لقد فوت عليه هذا الدين الملك، فشرق من أجل ملكه، ونافق، وصار يعادي الإسلام والمسلمين، ويدبر المؤامرات ويحبكها هو وأعوانه كيداً للدين وأهله، وكان مما يخفي به أمره أنه كان يقوم بعد خطبة الجمعة، بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها، يدعو قومه إلى الإسلام متظاهراً أنه ينصر الله ورسوله، وهكذا كان يتظاهر بالحرص على مصلحة المسلمين. وفي الجهاد كان لا يريد المسلمين أن يخرجوا من المدينة إلى أحد، حتى لا ينكشف هو وأصحابه، ولكن الله عز وجل أراد أمراً آخر، فاضطر للخروج، ثم انسحب، وهكذا صار أمرهم في بقية الغزوات أنهم لا يخرجون، ويتخلفون بالأعذار الواهية، وإذا خروا خرجوا ليرجعوا، أو ليثيروا الفتنة في جيش المسلمين. إن ذلك الرجل يكره الدين وأهله، وتجرأ أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خمر أنفه بردائه: لا تغبروا علينا، وفي رواية أخرى للبخاري أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لـعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحد منهم أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال.


أعلى الصفحة


مكائده في غزوة بني المصطلق


فإذاً كان مؤامرات عبد الله بن أبي تسبب الوقيعة في المسلمين والفتنة بينهم، فلقد كاد النبي عليه والصلاة والسلام وآذاه في أقرب الناس إليه زوجته عائشة ، واتهم صفوان بن المعطل وإياها بفعل الفاحشة، وأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات، وبراءة صفوان رضي الله عنهما، فقد بلغ أذاه إلى أهل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لا يتوانى في انتهاز الفرص للوقيعة بين المسلمين، ولذلك فإن غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق) قد شهدت مواقف دنيئة من هذا الرجل في غاية العجب، ومن ذلك ما حصل بين رجلين مزح أحدهما مع الآخر، فحصل بينهما رفع لشعار الجاهلية، فلما أنكره النبي صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله بن أبي لما سمع القصة أوقد فعلوها؟ أي: المهاجرون، والله لقد كاثرونا في بلدنا، وصاروا يأكلون من خيراتنا، ونافسونا، ثم يريدون أن يطغوا علينا، فأراد أن يحيي العصبية، ويعيدها جاهلية، فقال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وقال أيضاً: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، أي: امنعوا الأموال عنه وعن أصحابه، لا تعطوه زكاة ولا غيرها، فيضطر الناس للانفضاض عنه، والأعراب الذين لا يأتون للمال لا يأتون، فلما سمع بذلك عمر رضي الله عنه، قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه .. لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). سلك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المسلك إيثاراً لسلامة الدين والدعوة، وحتى لا يتحدث العرب الذين لا يعرفون القصة، وهم البعيدون عن المدينة وظروفها والأحوال والملابسات، حتى لا يقال إن محمداً قتل ابن أبي وهو قد تابعه وأظهر الإسلام، فترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله، فانبرى ابنه عبد الله ، وكان رجلاً مسلماً صادقاً - عبد الله بن عبد الله بن أبي ، والله يخرج الحي من الميت- فقال لأبيه: والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز، ففعل رغماً عنه، حبسه على باب المدينة ، الحديث رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. لقد فعل ابن أبي من المؤامرات عجيباً، ومن ذلك أنه خان الله ورسوله؛ وهذا من أشنع الأمور، والله سبحانه وتعالى قال لنبيه: وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ [النساء:107] أي: يخونونها بالمعصية [النساء:107] وخان الخيانات جميعاً الصغرى إلى العظمى، إلى خيانة دولة المسلمين، وإلى التجسس لحساب العدو مع إخوانه المنافقين، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [المائدة:41]. هل تعرفون -يا أيها الأخوة- هذه الآية: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [المائدة:41] قال أهل التفسير، وذكره ابن كثير رحمه الله: هذه الآية في المنافقين، وقال في شرحها: سماعون من أجل قوم آخرين، فكانوا يأتون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، وينقلون أخباره إلى قوم وصفهم الله بقوله: لم يأتوك قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ [المائدة:41] فكان هناك كفار صرحاء لا يستطيعون الإتيان، وكان هؤلاء المنافقون يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم يسمعون الأخبار، وينقلونها إلى قوم لم يأتوه: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة:41].


أعلى الصفحة


ما هي صفات المنافقين؟


ما هي صفات عبد الله بن أبي وأصحابه؟ قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14] لقد كان أمراً عجيباً ذلك الذي فعله ابن أبي في الطعن وكشف عورات المسلمين، وإفشاء أسرارهم، والتجسس للمشركين على المسلمين، ونقل أخبار المسلمين والتآمر عليهم، كانوا طابوراً خامساً وصفاً خلفياً، يريدون أن يظهر في المسلمين عورة تنقل إلى الكفار، وثغرة يخبر بها الكفار، واتخذوا مسجد الضرار كفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وتستروا بالمسجد، وهو في الحقيقة ضرار للإسلام وأهله، هكذا كانوا يتسترون بالإسلام وهم على الكفر الأكبر، وهكذا فعلوا عندما نصبوا ذلك الصرح ليجعلوه وكراً لمؤامراتهم، حتى لا تنتبه إليهم عيون المسلمين، وكانوا يحرضون الكفار على المسلمين قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر:11] وهكذا صنع أعداء الله، وهكذا جاملوهم وكانوا في صفهم، قال الله تعالى عنهم: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النساء:138-139] فكانوا يصانعون اليهود في المدينة ليبتغوا عزة، وإذا كانت الدائرة على المسلمين قالوا: لقد دخلنا في الصف الأقوى قال تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [النساء:139] وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة:51-52] إنها مسارعة وهرولة، إنها ركض وسعي، يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ [المائدة:52-53]. لقد كان أولئك المنافقون بقيادة عبد الله بن أبي يتخلفون عن الجهاد الحقيقي، ويصانعون أعداء الله، وكانوا من تخلفهم لا يعدون عدة، ولقد كشف الله أستارهم وأسرارهم وقال: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46] فلو كانوا يريدون الجهاد حقيقةً لأعدوا عدة الجهاد، ولكنهم لم يعدوها، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، كانوا يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأعذار القبيحة، وكذلك فعل عبد الله بن أبي ، وكان المسلمون يكتشفون المنافق من وجهه ونصيحته لمن هي، ولذلك قال بعضهم في رجل اتهمه بالنفاق: إنا لنرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين، وهكذا كانت سور القرآن تنزل، كالتوبة والمنافقين، والنساء والنور؛ كاشفة لأستار هؤلاء، فإن الله تعالى لم يكن ليترك نبيه دون كشف حالهم، وسميت سورة من القرآن بالفاضحة، لأنها كانت تفضحهم، والعجب كيف كان شعور ابن أبي وغيره من المنافقين والسور تنزل في فضحهم، والله يقول: يقولون، يقولون، وهو كلامهم بالنص، وهكذا كان القرآن ينزل بكلامهم بالنص الذي قالوه سراً، فاطلع الله عليه، فأطلع المؤمنين عليه. اللهم إنا نسألك البراءة من النفاق، اللهم إنا نسألك البراءة من النفاق، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألستنا من الكذب، إنك حي قيوم سميع مجيب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.......

موت ابن أبي والصلاة عليه


الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله! ولا حول ولا وقوة إلا بالله، وأشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، وحامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، الشفيع المشفع يوم الدين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله! وبعد حياة حافلة بالمؤامرات على الإسلام مات عبد الله بن أبي ابن سلول ، وذهب منافقاً إلى ربه، فماذا كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا حصل في نهاية قصة ذلك الرجل؟ روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر ، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله، فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80] وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]) الحديث رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه ، قال ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني صاحب كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري رحمه الله تعالى في قول البخاري : جاء ابنه عبد الله بن عبد الله .. القصة: لما احتضر عبد الله ، أي: ابن أبي جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا نبي الله إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه، قال: ما اسمك؟ قال: الحباب ، قال: بل أنت عبد الله ). وكان عبد الله بن عبد الله بن أبي من فضلاء الصحابة، وشهد بدراً وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق ، ومن مناقبه: أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في قتله، خشي إن قتله أحد المسلمين ألا يتحمل الموقف، فقال: أقتله بيدي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أحسن صحبته) أخرجه ابن مندة من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر عنده ويصلي عليه، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر و الطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة ، قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عليه أي: على المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهلكك حب يهود) فقال: يا رسول الله! إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه، فأجابه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أبي ، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث، قال ابن حجر : وكأن عبد الله أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: [فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة، وثبتُ إليه فقلت: يا رسول الله! أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله] يشير بذلك إلى مثل قوله: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وإلى مثل قوله: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وقال عمر يا رسول الله: أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ وكأن عمر رضي الله عنه فهم من قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] أن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو زاد على السبعين لن يغفر الله لـعبد الله بن أبي مادام قد مات على النفاق، وهذا مقتضى كلام العرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يتألف قوم عبد الله بن أبي وولده المسلم أيضاً، وكذلك فإنه كان رحيماً بأمته، فمشى على فهم كان قد تراءى له، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت) وهكذا أراد أن يزيد، فطول القيام تطويلاً طويلاً، كما جاء في بعض الطرق لهذا الحديث، وقال: (تأخر عني يا عمر) فلما تأخر عنه، وحصلت الصلاة، نزلت الآيات، والله سبحانه وتعالى يبين للمؤمنين: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84] قال في رواية: فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (وما يغني عنه قميصي من الله، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه) وأنزل الله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]. وفي حديث ابن عباس ، فلم يمكث إلا يسيراً، حتى نزلت، أي الآية، قال: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله، وهكذا حصل في هذه السيرة لهذا الرجل، وانتهت بإعلان واضح وصريح من رب العزة سبحانه وتعالى بأنه لا مجاملات على حساب العقيدة، وأنه لا يمكن أن يستغفر المؤمنون لرجل من المشركين: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بالظاهر حتى يعلم الحق والحقيقة بالأدلة التي يراها في الواقع، أو بما يوحيه الله إليه، وبين الله تعالى لنا صفات المنافقين، في سور كثيرة من القرآن، وآيات معددة لنحذر منهم، وليس بعجيب ولا غريب أن تكون عدد الآيات في صدر سورة البقرة التي تتكلم عن المنافقين أضعاف عدد الآيات التي تتكلم عن المؤمنين، وكذلك التي تتكلم عن الكافرين الصرحاء، لأن الناس ثلاثة أقسام: مسلم، وكافر صريح، ومنافق يخفي الكفر ويظهر الإسلام، ونظراً لخفاء حال هؤلاء فقد اعتنى الله عز وجل عناية بالغة بذكر صفاتهم، ليحذرهم المؤمنون، وهكذا كان جهادهم أمراً واجباً، بنص قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ [التحريم:9]. اللهم إن نسألك أن تحيي الإيمان في قلوبنا، اللهم اجعل قلوبنا معمورة بالإيمان واليقين.......
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-06-09, 03:57 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

الخطبة الأولى
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى: في كتابه العزيز صنفاً من الناس يتلونون بكل لون ويأتون الى الناس بوجوه متعددة يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، يتظاهرون بأفعال الخير وهم من أفسد الناس باطناً ذلكم الصنف هم المنافقون الذين ضررهم على الإسلام والمسلمين أشد من ضرر الكفار الأصليين، ولذلك حذر الإسلام من فعالهم وأمر المسلمين أن لاينخدعوا بهم، فقال تعالى في بيان حالهم وكشف أستارهم وفضح عوارهم: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون واذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون واذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لايعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينيهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون صم بكم عمي فهم لايرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولوشاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير [البقرة:8-20] .
والمنافقون يقولون ما لايفعلون فهم يتظاهرون بالتوحيد ومحبة الله وهم من أكذب الناس وأفسدهم باطناً، ولذلك حذر رسول الله من الإتصاف بصفاتهم، فلهم علامات يعرفون بها تميزهم عن غيرهم، فيستدل عليهم بقرائن أحوالهم، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((آية المنافق ثلاث: اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا اؤتمن خان))1، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر))2، فهذان الحديثان أفادا أن من خصال المنافق وصفاته الكذب في الحديث وخلف الوعد وخيانة الأمانة وغدر العهد والفجور في الخصومة، فهذه الخصال المذمومة لا يتصف بها جميعها الا من كان منافقاً خالصاً، فالمنافقون ديدنهم الكذب فهم كاذبون في مقالهم وفعالهم، ويوجد بين المسلمين اليوم صنف من هؤلاء يتزيون بزي الإسلام ويطلقون اللحى ويقصرون الثوب، ويبرمون العمامة ولكنهم يكذبون على الله فيتزلفون الى الطاغوت ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل، يشترون الضلالة بالهدى والعماية بالنور ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، يكذبون على الجهلة من المسلمين في أنهم إنما يريدون بعملهم هذا خدمة الإسلام والمسلمين والذود عن حياض هذا الدين وهم كاذبون في الحقيقة موالون لأعداء الله ومعادون لأولياءه وعدواً بالناس بنصرة الدين ثم ظهروا في المواقف التي فيها الخذلان للإسلام والمسلمين، عاهدوا في الله بنصرة الإسلام ثم نقضوا العهد والميثاق في دخولهم في في أحلاف الجاهليين خانوا الأمانة التي حملوها مع أن السماوات والأرض والجبال ناءت بحملها لعظمتها فلم يؤدوها كما ينبغي أداءها فتنصلوا عن مبادئهم واذا بهم يركضون لاهثين خلف العلمانيين يطلبون منهم الفتات على موائد النفاق فبئس الفعل فعلهم وبئس الصنيع صنيعهم يا أيها الذين آمنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون [الأنفال:27] فحري بالمسلمين أن يحذروهم ويجتنبوا أعمالهم ويحذروا من أقوالهم فإن للقوم كلاماً معسولاً، وبهم من القول وزوراً، والمعصوم من عصمه الله تعالى من شرورهم ونفاقهم والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم.



________________________________________


الخطبة الثانية
إن من صفات المنافقين رفض تحكيم شرع الله وإرادة التحاكم إلى الطاغوت والصد عن رسول الله كما قال تعالى: ألم تر الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً [النساء:60-61].
ومن صفاتهم أيضاً: إتخاذهم الكفار أولياء من دون المؤمنين قال تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً [النساء:138-140]، وقد ذكر الله بعض صفاتهم في سورة التوبة التي سميت بالفاضحة لأنها فضحتهم وكشفت أسرارهم وهتكت خبايا نفوسهم وعرّت ماهم عليه من الكفر والنفاق فلنستمع الى شيء من آيات سورة التوبة التي فضح الله فيها المنافقين قال تعالى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون [التوبة:48-50]. ومن صفاتهم أيضاً مناصرتهم للكفار وموالاتهم لهم والوقوف معهم عند حربهم على الإسلام قال الله تعالى: ألم ترى إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصركم والله يعلم إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لاينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لاينصرون [الحشر:11-12] فهكذا هي أفعالهم يوالون الكافرين ويطيعونهم وينصرونهم على المسلمين في حال حربهم، ولكنهم جبناء لا يثبتون في معمعات المعارك، فعند الجد والقتال لاينصرون الكفار، بل يولون الأدبار خاذليهم فهم جبناء رعاديد، ومن صفاتهم أنهم يكثرون الإدعاء بأنهم مؤمنون بالله وبالرسول ومطيعون الله وللرسول مع إنهم كاذبون في ادعائهم، ودليل ذلك إعراضهم عن الاحتكام الى الله ورسوله كلما دعوا اليه قال الله تعالى: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين واذا دعوا الى الله ورسوله لحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم إرتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون [النور:47-50].
هذه هي بعض صفات المنافقين أولياء الشيطان وأنصار الكفر والطواغيت فالحذر الحذر منهم ومن فعالهم ومقالهم والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم.

الخطبة الأولى
أما بعد: إن الله تبارك وتعالى صنف عباده في أول سورة البقرة إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين، وأنزل في ذلك عشرين آية في أول هذه السورة.
منها ثلاث آيات في وصف المؤمنين وآيتان في وصف الكافرين، وثلاث عشرة آية في وصف المنافقين، بين فيها أحوالهم وكشف أسرارهم وصور طبائعهم ونفسياتهم وطريقة تفكيرهم ومنطقهم.
وقد تحدث القرآن عن المنافقين في مواضع كثيرة. وفي سور عديدة وأكثر ما تحدث عنهم في سورة التوبة حتى سميت الفاضحة لأنها فضحت المنافقين وكشفت أحوالهم وبينت أسرارهم ودواخلهم وخططهم ثم فرغت سورة بأكملها للمنافقين كشفت أيضًا أسرارهم وأساليبهم وبينت شيئًا من خططهم سميت سورة المنافقين كل هذا لتحذير المجتمع المسلم من خطر هذا العدو الهدام الذي يحاربهم من داخلهم، ويسعى إلى تدميرهم خلسة وخفية حتى لا تراه الأعين ولكن يجب أن تكتشفه البصائر، إن أهم سمة وأخطر صفة لهذا العدو الهدام المدمر هي صفة الخفاء فهو خلال المجتمع المسلم، داخل خلال المجتمع المسلم، يظهر التعاطف معهم ويخفي كفره وعداوته معه في باطنه، فالمكر والخداع والكذب هي أساليبه وأدواته لكن إذا سنحت الفرصة ووجد ثغرة ينفذ منها لضرب المسلمين فإنه يكون حينئذ أشد قسوة ووحشية ونكاية للمؤمنين من أي عدو مجاهر، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون [التوبة:8].
إن قدرة المنافقين على التحرك في الخفاء وسعيهم لتدمير المجتمع المسلم من داخله جعل خطرهم أشد وأعظم وأنكى من خطر العدو المجاهر الكافر المعلن لكفره ولعداوته لأن أمر العدو الكافر المجاهر واضح للعيان فيأخذ المسلمون حيطته منه واستعدادهم له بخلاف هذا العدو الهدام الخفي المتسلل بين صفوفنا بخلاف المنافقين، وقد تسللوا إلى داخل المجتمع المسلم وتشكلوا بشكله وتصوروا بصورته، فإنهم كإبليس وجنوده يروننا من حيث ما نراهم، وقد نغتر بظواهرهم ونركن إليهم ونسند إليهم بعض شئوننا يديرونها ونسلم إليهم بعض أمورنا يدبرونها، وربما فعلنا أكثر من ذلك.
إذا كانت الغفلة فينا نحن المسلمين مستحكمة ربما اتخذناهم بطانة نأتمنهم على أسرارنا ونسلطهم على دواخلنا وفي ذلك الخطر كل الخطر وأعظم من هذا خطرًا إذا تمكن هؤلاء المنافقون من التقرب من ولاة المسلمين وأمرائهم وحكمائهم ونالوا الحظوة لديهم وأصبحوا من أعوانهم المقربين، وقد يُسندون إليهم أشد الأعمال خطرًا وشأنًا وأعظمها وأهمها شأنًا فيضطلع هذا العدو الخفي الهدام على أسرار المسلمين ويكتشف مكامنهم ومداخلهم ونقاط الضعف فيهم، حتى إذا جاءت الفرصة وفار التنور أنشبوا أظافرهم ومخالبهم وكشروا عن نابهم.
والله تبارك وتعالى من رحمته بعباده المؤمنين ولطفه بهم ورعايته لهم حذرهم من هذا العدو الخفي المدمر، حذرهم من المنافقين ومن اتخاذهم بطانة والركون إليهم والانخداع بظواهرهم، حذرنا نحن المؤمنون من ذلك أيما تحذير، إنه تحذير مفصل واضح كالشمس.
قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم أي من أهل ملتكم ممن يخالفونكم في الدين ويناصبونكم العداوة ولو في بواطنهم لا يألونكم خبالاً أي لا يترددون في تدميركم وإلحاق الأذى والضرر بكم بكل وسيلة ممكنة لهم ودوا ما عنتم ما يشقيكم ويتعبكم ويربيكم ويرهقكم يسرهم يودون ذلك ويحبونه ويسعون إليه قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون [آل عمران:118].
إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط [آل عمران:120].
إن اتخاذ البطانة من هؤلاء الكافرين ممن هو دوننا من أهل ملتنا ممن يفارقوننا في الدين وإن أخفوا ذلك في بواطنهم وهم يظهرون لنا حلاوة اللسان ولين الجانب والتفاني في إرضائنا وخدمتنا والسعي لإجابة أهواءنا وخدمة شهواتنا، إن اتخاذ البطانة من هؤلاء المنافقين كان من أكبر الأسباب والعوامل لتدمير الدول الإسلامية في الماضي بل ولحلول الكوارث والنكبات العظيمة على المجتمع المسلم كله.
عندما غفل المسلمون حكامًا ومحكومين عندما تحكمت فيهم شهواتهم فحجبت عقولهم وبصائرهم من هذا الجانب الخطير، فركنوا إلى من هو دونهم من غير أهل ملتهم واستخدموهم واستعانوا بهم واتخذوا البطانات منهم فحلت الكوارث وانهارت الدول بينما الصدر الأول أصحاب رسول الله كانوا متيقظين أشد التيقظ لهذا الجانب، فلم يكونوا يسمحون أبدًا بأي ثغرة ينفذ منها أحد ممن هو دونهم من غير أهل ملتهم من المنافقين من هذا العدو الخفي الهدام، ما كانوا يسمحون أبدًا لهذا العدو الخفي الهدام أن ينفذ في مجتمعهم ويتسلل خلال صفوفه.
روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وكان قد ولاه الفاروق عمر بن الخطاب ولاه على البصرة أميرًا، يروي أبو موسى الأشعري فيقول قلتُ لعمر يا أمير المؤمنين: إن لي كاتبًا نصراني فرفع عمر يده وضرب بها على فخد أبي موسى حتى كاد يكسرها وقال له: مالك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، قال أبو موسى يا أمير المؤمنين: لي كتابته ولهم دينهم، فقال عمر: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وأقربهم إذ أبعدهم وأقصاهم الله.
وكتب عمر بعد ذلك إلى سائر ولاته وأمراءه وعماله يقول: أما بعد فإن كان لكم قبله له كاتب من المشركين فلا يعاشره ولا يؤازره - أي لا يتخذه وزيرًا أو مستشارًا - ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه.
وكان لعمر الفاروق رضي الله عنه عبد نصراني فقال له عمر: أسلم فإنا نريد أن نستعين بك على بعض أمور المسلمين وما ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم فأبى العبد النصراني أن يسلم فأعتقه عمر وقال: له اذهب حيث شئت.
ولمّا ولى الفاروق عمر رضي الله عنه أبا هريرة أميرًا على البحرين كتب له كتابًا ضمن فيه تعليمات عظيمة ما أعظمها وما أهمها لكل والٍ وأمير من المسلمين وكان مما جاء في تلك التعليمات أن قال فيها كتابه: عُد مرضى المسلمين وأشهد جنائزهم وافتح بابك وباشرهم وابعد أهل الشر عنهم وأنكر أفعالهم ولا تستعن على أمر من أمور المسلمين بمن ليس منهم وباشر مصالحهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك حاملاً لأثقالهم.
والأصل في هذه التعليمات العمرية الإسلامية المشددة في منع المسلمين وخاصة منع ولاتهم وأمراءهم من الركون لغير أهل ملتهم من استخدام الكافرين واستعمال المشركين، الأصل في ذلك الآية التي ذكرها عمر بنفسه رضي الله عنه لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [المائدة:51]. وقوله تعالى: لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً [آل عمران:118].
وكذلك قول سيدنا رسول الله : ((إنا لا نستعين بمشرك)) [1] ولكن عندما غفل المسلمون حكامًا ومحكومين في بعض العصور السابقة عن هذا المبدأ الهام وركنوا إلى أعدائهم بل واستخدموهم واستعملوهم واتخذوهم بطانة حلت الكوارث العظيمة على مجتمع المسلمين وهذا ما سنتحدث عنه إن شاء الله في الجمعة القادمة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون [التوبة: 67].
بارك الله لي ولكم في القرآن ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


________________________________________


الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71].
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تُدان.
ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56].
وقال : ((من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ)) [1]
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علىَّ وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين

أما بعد:
قوله عز وجل: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بعض موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون [الحديد:12-17].
يقول الله تعالى مخبرا عن عباده المؤمنين يوم القيامة، أنهم يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، وبأيمانهم كتبهم، قال ابن مسعود: (على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه، ويتقد مرة ويطفأ مرة).
وعن قتادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل : يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك. وقيل: ليس أحد لا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين أحوج ما يكونون إليه، عند ذلك يقول المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا [التحريم:8].
وقوله عز وجل: وبأيمانهم [الحديد:12] أي وبأيمانهم كتبهم، كما قال: فمن أوتي كتابه بيمينه [الانشقاق:7]. أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة: بشراكم أي المبشر به جنات، أو بشراكم دخول الجنات، قال ابن القيم رحمه الله: وكيف يقدر قدر دار خلقها الله بيده، وجعلها مقرا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة ونقص، فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرض الرحمن، وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيه شجرة إلا وساقها من ذهب أو فضة لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن ثمارها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل، وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل، وإن سأل عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب))( [1]).
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله قال الله عز وجل: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) مصداق ذلك في كتاب الله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة:17].
فيا عجبا ممن يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنها لا يموت أهلها، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها، كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها، ويهنأ بعيش دونها، والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان، مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان، لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته.
كيف وأهلها ملوك آمنون، وفي أنواع السرور متمتعون، لهم فيها ما يشتهون، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون، وإلى وجه الله الكريم ينظرون، وينالون بالنظر إلى وجه الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ينادي مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قول الله عز وجل: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ( [2])[الأعراف:43].
وبعد أن بين الله عز وجل حال المؤمنين، وكيف أنهم يعطون النور في الآخرة بقدر أعمالهم، ويحملون كتابهم بأيمانهم، وتبشرهم الملائكة بجنة الله عز وجل خالدين فيها، وأن ذلك هو الفوز العظيم، بين الله عز وجل أحوال المنافقين إذا حرموا النور يوم القيامة، أو أطفأ عنهم أحوج ما يكونون إليه.
فقال عز وجل: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [الحديد:13].
قوله: انظرونا أي انظروا إلينا، وقيل بمعنى انتظرونا وهو الذي عول عليه ابن جرير، وكأنهم يقولون للمؤمنين ذلك حينما يساقون إلى الجنة زمرا، والمنافقون ما يزالون في عرصات الآخرة وأهوالها وعذابها، والمراد حينئذ من الانتظار الاقتباس من نورهم، ورجاء شفاعتهم، أو دخول الجنة معهم، طمعا في غير مطمع، يقولون لهم ذلك حين يسرع بهم إلى الجنة.
قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً قال الزمخشري: طرد لهم وتهكم بهم، أي ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هناك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه، وهو الإيمان والعمل الصالح، أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أنه لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم.
قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو الذي قال الله تعالى: وبينهما حجاب [الأعراف:46]. وقال ابن كثير وهو الصحيح: باطنه في الرحمة أي الجنة وما فيها وظاهره من قبله العذاب.
والنفاق عباد الله هو الداء العضال، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر.
هم أحسن الناس أجساما وألطفهم بيانا، وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا، فهم كالخشب المسنّدة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حافظ يقيمها لئلا يطأها السالكون: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون [المنافقون:3].
يؤخرون الصلاة عن وقتها، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتقين أنه مطرود وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، ما أكثرهم وهم الأقلون، وما أجهلهم وهم المتعالمون: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [التوبة:56].
كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم فثبطهم عنها وأقعدهم، وأبغض قربهم منه وجوارهم لميلهم إلى أعدائه فطردهم عنه وأبعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين فقال تعالى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة:46].
ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم، وأن ذلك من لطفه بأوليائه، وإسعادهم فقال وهو أحكم الحاكمين: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين [التوبة:47].
إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً [النساء:61].
كثروا والله على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، سمع حذيفة رجلا يقول اللهم أهلك المنافقين فقال: (يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم قلة السالك).
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، ساء ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة: (نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله منهم؟ قال لا ولا أزكي بعدك أحدا ).
وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل). وذكر عن الحسن البصري (ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن) قوله: ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور [الحديد:14].
أي ينادي المنافقون المؤمنين، أما كنا في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونقف معكم بعرفات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ (قالوا بلى) قد كنتم معنا: ولكنكم فتنتم أنفسكم وارتبتم وغرتكم الأماني .
أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، وتربصتم أي أخرتم التوبة، وقال قتادة تربصتم بالحق وأهله: وارتبتم أي برسالة محمد ، وبالبعث بعد الموت، وغرتكم الأماني أي قلتم سيغفر لنا: حتى جاء أمر الله أي ما زلتم في هذه الحالة بغير توبة حتى جاءكم الموت وغركم بالله الغرور أي الشيطان، قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
قال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبرا، وللآخر بالأول مزدجرا، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى الخدع، ومن ذكر المنية نسي الأمنية، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل.
فمعنى قول المؤمنين للمنافقين إنكم كنتم معنا، أي بالأبدان لا بالقلوب، كنتم معنا بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك وتربص وغرور. ثم بالغ المؤمنون في توبيخهم وتقريعهم وتقنيطهم، فقالوا: فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه كما لا تقبل الفدية كذلك ممن أظهر كفره وعناده.
وقوله تعالى: مأواكم النار هي مصيركم وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: هي مولاكم أي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم وبئس المصير، ثم قال عز وجل: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [الحديد:16].
يقول تعالى أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه، عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ثم قال عز وجل: ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى؛ لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم، واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة . وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد، وكثير منهم فاسقون أي في الأعمال، فقلوبهم فاسدة وأعمالهم قاسية، كما قال تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به [المائدة:13]. ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية، ثم قال عز وجل: اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون [الحديد:17].
فيه إشارة إلى أن الله عز وجل يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتال الوابل، كذلك يحيي القلوب ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره...
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المسلمين، سبق حديث عن المنافقين وخطرهم، وكثرتهم، وبلية الإسلام بهم، ومحنة المسلمين معهم، وانخداع البعض بهم.
وفي هذا اليوم يدور الحديث عن سماتهم، وصفاتهم، وملامحهم، في الكتاب والسنة.
إخوة الإسلام، والحديث عن صفات المنافقين في كل زمان ومكان يكشف لنا طرفاً من إعجاز القرآن الكريم حيث فضح السابقين منهم رغم خفائهم وتسترهم بنفاقهم.
وبقيت آيات القرآن بين أيدينا وفي صدورنا هاديةً لمعرفة المنافقين في كل زمان ومكان، ولا يزال المؤمنون يدركون عظمة القرآن كلما أطل النفاق برأسه، وبرزت طوائف من المنافقين.
نعم أيها المسلمون، ليست حركة النفاق قصةً ماضية ولكنها حقيقةٌ باقية، اختلفت وسائلها وتعددت مسمياتها واتحدت أهدافها وسماتها، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: النفاق في عهد رسول الله هو الزندقة فينا اليوم.
ويقول ابن تيمية رحمه الله: والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة.
أيها المسلمون، والصفات الواردة في القرآن الكريم عن المنافقين نجدها بكثرة في مجتمعنا المعاصر، ولا يجد المرء عناء في التمثيل من الواقع على هذه الصفات، ولكن هذا لا يعني تعميم الحكم بالنفاق على كل من وجدت فيه تلك الصفات؛ ذلك أن النفاق شعب وأنواع، كما أن الكفر شعب وأنواع، فكذا من كان متهماً بنفاق، فهم على أنواع متعددة كما وضحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قوله: ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق.
إخوة الإسلام، ومن يُذكر في هذا العصر بصفة من صفاتهم فلا يعني ذلك حكماً عليه بل أمره إلى الله، ولا يعامل في هذه الدنيا إلا بالظاهر.
عباد الله، وإذا تقررت محنة الإسلام والمسلمين بالمنافقين قديماً وحديثاً كان لا بد من بيان سماتهم وعلاماتهم؛ حتى يحذر المسلمون شرورهم ولا يتورطوا بشيء من خلال النفاق وصفات المنافقين، على أن حصرَ جميع ِصفاتهم والإحاطةَ بكل علاماتهم ومواقفهم أمرٌ يصعب ويطول، وحسبي الإشارة إلى شيء منها.
إخوة الإيمان، أما وصف جوارح المنافقين، فأسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى، فهي لا تبصر الحقائق، وألسنتهم بها خرسٌ عن الحق فهم لا ينطقون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون.
لقد حكم القرآن بكذب ألسنتهم ومرض قلوبهم وجاءت السنة ببيان قلوبهم المنكوسة فقال تعالى: وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ [المنافقون:1]، وقال تعالى: فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا [البقرة:10]، وقال رسول الهدى : ((القلوب أربعة)) وذكر منها القلب المنكوس ـ رواه أحمد بسند جيد ـ والقلب المنكوس هو قلب المنافق لأنه عرف الحق ثم أنكره.
والمنافقون مع كذبهم يخلفون الميعاد، ويخونون الأمانة، ويغدرون حين يعاهدون، ويفجرون حين يخاصمون، بهذا صح الخبر عن رسول الله وفي رواية مسلم: ((وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)).
أيها المسلمون، من علامات المنافق التكاسل عن الطاعات والمراءات حين يؤدون الواجبات ولا يستطيعون المواربة في المكتوب من الصلوات، ففضيحتهم تكون فيها، قال الله عن المنافقين: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142]، وقال تعالى: وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ [التوبة:54].
وينكشف المنافقون أكثرُ ما ينكشفون في صلاتي العشاء والفجر حيث تقل الرقابة وتثقل عليهم الطاعة، يقول رسول الهدى : ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً)) رواه أحمد والنسائي، وأصله في البخاري.
وقال ابن مسعود : (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) رواه مسلم.
هؤلاء هم المنافقون يؤخرون الصلاة عن وقتها وينقرونها نقر الغراب، ويلتفتون التفات الثعلب، وقلَّ ما يشهدون الصلاة مع جماعة المسلمين.
وهذا أمر مشاهد في الأحياء والبيوت اليوم، وهو نفاق معلوم كما قال ابن مسعود .
ولقد بنى المنافقون مسجداً ليبرروا تخلفهم عن الصلاة معه بالصلاة في ذلك المسجد الذي هو مسجد الضرار ففضحهم الله، أما في عصرنا فحجتهم أنه يصلي مع مسجد آخر يتأخر أو مع مسجد آخر يبكر، أو يصلي في العمل أو في الطريق، وبين المؤمنين والمنافقين صلاة الفجر مع المسلمين.
المنافقون لا يتصدقون ولا يزكون، وقد شهد القرآن ببخلهم وقبض أيديهم وقال عنهم: وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَـٰرِهُونَ [التوبة:54].
أيها المسلمون، وحين يتفق العقلاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانة بقاء وصلاح المجتمع، فيه تحيا الفضيلة وتحاصر الرذيلة، ينتكس المنافقون في فهمهم وتراهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، يشتركون في السمة والأداء كما يشتركون في العقوبة والجزاء قال الله عنهم: ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ [التوبة:67]، هذه صفتهم في كل زمان ومكان، وهذه طبيعتهم لا يتغيرون ولا يتبدلون ولهم في هذا الزمن مناهج شتى في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف منها:
تجنيد الأجهزة الإعلامية لصياغة الأمة صياغة فساد وعلمنة، من خلال البرنامج المسلسل والأغنية والتعليق الإذاعي والحوار والتغطية الإعلامية والتحقيق الصحفي والمقالات ذات الكاتب المجهول،وإجراء مقابلات مع أراذل الخلق الذين يراد منهم أن يكونوا نماذج في النجاح والتحضر والمدنية.
ولقد أمطرتنا صحيفة محلية بوابل من المقالات والتحقيقات التي تهدف إلى تحرير المرأة ـ زعموا ـ وتمتعها بحقوقها المشروعة من قيادة للسيارة وتدريبات صباحية في المدارس كالحال مع البنين، وأيضاً المشاركة في مجلس الشورى وإفراد النساء بمدن صناعية خاصة، وتمكين المرأة من حمل بطاقة خاصة بها قد لصقت بها صورتها.
حملة محمومة سخَّرت فيها جميع عقارب النفاق لإقناع المجتمع بهذا الطرح الزائغ البليد، ففرح لهذا الطرح أقوام من المرضى حتى قال أحدهم: والحقيقة أنني سعيد جداً بمن يمكن أن أسميهم "عصافير الصحيفة" أولئك الإخوة والأخوات الذين يسعدونني بمقالاتهم وسجالاتهم الجميلة، سواء في صفحة الرأي, أو في الزوايا اليومية, وغير اليومية, أو في صفحة النقاشات وغيرها من الصفحات الأخرى, ويهمني بشكل خاص أن أقدم تحية حارة لأصحاب الزوايا اليومية الذين وفقت الصحيفة في اختيارهم والذين تشعر وأنت تقرأ لهم أنهم كتّاب مخلصون لفنهم, يكتبون بدمهم ورموش عيونهم.
ولما انتفش الباطل وظهر أمره رأت الصحيفة أن تغلق الستار على هذا الموضوع ولم يرق للكاتب هذا الأمر لأنه يريد ألا يوقف النقاش في قيادة المرأة للسيارة حتى يتحقق هذا المطلب بتمامه فكتب لهذه الصحيفة معاتباً كيف تغلق هذا الموضوع المهم دون نقاش القرآء، وأبدى لهم أنه أصيب بخيبة أمل شديدة لأنه أثنى عليهم في أمر ثم خذلوه في ذلك الأمر نفسه.
ومن أساليبهم أيضاً في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف طرح المسلمات العقدية والفقهية على سبيل عرض الآراء ووجهات النظر والحوار في كل شيء حتى قال أحدهم: ليست هناك قضايا ينبغي أن تظل بمنأى عن الحوار حتى تلك التي بقامة ناطحات السحاب.
ومن أساليبهم: التباكي والمدافعة عن الحقوق الشخصية والإصلاح ورد الاعتبار، ومن ذلك ما يحتجون به كثيراً في الحديث عن المرأة يقول أحدهم: والمرأة لدينا ترزح في إرث طويل من العزلة والمسكنة, نتيجة قرون طويلة من الأمية والجهل, ونتيجة خضوعها لتسلط قهري من الرجل الذي حبسها وفرض عليها العزلة التامة, تأثراً بعصر الجواري وأروقة "الحريم العثمانية".
عباد الله، المنافقون يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يتورعون عن التهم الباطلة، وإن قوماً تطاولوا في تهمهم على مقام بيوت الأنبياء عليهم السلام لن يتورعوا في إلصاق التهم زوراً وبهتاناً على غيرهم من باب أولى، ولن يقصروا في دفع مجتمع المسلمين إلى الفاحشة والرذيلة.
كتب أحدهم قديماً من لندن ينعى على أمته ما هي فيه من تحجر وتطرف ويصف ما رآه في عربة أحد القطارات من أن شاباً وفتاة غارقين في القبل ما يقرب من نصف ساعة ولم يستنكر ذلك أحد في القطار, ويتسائل متى يرى هذه الظاهرة في بلاده؟ إن قضيته الشاغلة أن الفتيان في بلاده لا يقبلون الفتيات في نواصي الطرقات وهل يتصور حب للفاحشة أكثر من هذا؟ سبحان الله!
ولا شك أن كل من يكتب اليوم عن: تحرير المرأة مشاركٌ في إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ولم يفعل ذلك لسواد أعين النساء وإنما لأمر يراد في نفسه وإن زعم أنه فوق هذه الشكليات وأنه ينظر إلى ضمير المرأة دون النظر إلى شكلها، يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في تفنيد كلام هؤلاء السخفاء مخاطباً النساء: ولا تصدقي ما يقوله بعض الرجال من أنهم لا يرون في البنت إلا خلقها وأدبها وأنهم يكلمونها كلام الرفيق ويودونها ود الصديق، كذبٌ والله ولو سمعت أحاديثهم في خلواتهم لسمعت مهولاً مرعباً وما يبسم لك الشاب بسمة ولا يلين لك بكلمة ولا يقدم لك خدمة إلا وهي تمهيد لما يريد أو هي على الأقل إيهام لنفسه أنها تمهيد.
أيها المسلمون، تاريخ المنافقين حافل بالسخرية بالدين والاستهزاء واللمز بالمتدينين، وتلك طامة كبرى كشف فيها القرآن دخيلة المنافقين وحكم بكفرهم عليها رب العالمين حتى وإن اعتذروا فيها ظاهراً أمام المسلمين وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة:65، 66]، وكشف الله عورهم مرة أخرى عندما سخروا من المطوعين من المؤمنين ووعدهم العذاب الأليم فقال تعالى: ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79].
السخرية بالصالحين أو بمعنى أصح التعبير عن كراهية الصالحين أمر موجود في إعلامنا وحساب من يتبنى ذلك على الله.
في كل عام يعرض في شهر رمضان المبارك مجموعة من حلقات ذلك البرنامج.
الذي يفترض في الممثلين القائمين على إنتاجه أن يؤدوا أدوارًا، تعالج سلبيات اجتماعية متنوعة لكن دأب القائمون على هذا البرنامج في السنوات الأخيرة على إبراز شخصية المواطن المتدين بقالب وصورة منفرة. تتعمد تشويهه، وتقديمه للمشاهد بشكل (كاريكاتيري) مضحك ومقزز، (الصورة الذهنية) التي يقدمها البرنامج عن الفرد الملتزم، تختزله في شخص متطرف، ضيق الأفق، يضطهد المرأة، مسكون بالهاجس الجنسي، رث الهيئة، ومخادع لا يعبر مظهره عن مخبره. فعلى سبيل المثال، قدم البرنامج في إحدى حلقاته، المواطن المتدين على أنه (خائن) و(مرتشي)، حينما أبدى الممثل الذي يقوم بدور شخص متدين استعداده لتزوير ميزانية إحدى الشركات.
في حلقة قديمة قُدِّمت الشخصية المتدينة على أنها غبية ومتطرفة. ففي رحلة خاوية (يحرص) المتدين، كما يقدمه البرنامج، على أن تكون المسافة بينه وبين (أقرب) مجموعة من الناس كيلومتر كامل، كما أنه يستخدم المقرب (الدربيل) ليتأكد من ذلك، وتوضع الأغطية الثقيلة على النساء في آخر المشهد الكاريكاتيري السخيف.
في مشهد آخر يقوم ابن أحد الممثلين بدور شاب متدين ويبدو من خلال ذلك الدور، أبلها معتوها، مظهره وهيئته منفران.
ولا شك أن هذه عملية تشويه، وتدمير متعمدة ومقصودة، للشخصية العامة. وهي تعني كل بيت في هذا الوطن الذي لا يكاد يخلو من شاب ملتزم، أو فتاة ملتزمة.
إن الممثل الذي يقدم ابنه ليؤدي دور شاب متدين، أبله وساذج، لا يستطيع أن ينكر أن أوائل طلبة الثانوية العامة هم في الغالب، من الشباب المتدين. كما أن الذين انبروا للدفاع عن البرنامج لا يقدرون على إنكار تميز الشخص المتدين في مجتمعنا، في أكثر من موقع، فهناك عشرات بل المئات من المتدينين، من الأطباء والمهندسين، وأساتذة الجامعات، وغيرهم، من المتفوقين علميًا، على الصعيدين المحلي والعالمي.
إن أبرز صفة للمنافقين هي بغض الصالحين والتندر بهم وهي كافية لتكفيرهم ولوكان على وجه الخوض واللعب كما قال النبي لأولئك النفر لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ [التوبة:66].
أيها المسلمون، المنافقون أصحاب المصالح والأهواء ليس لهم قرار واضح ولا قاعدة ثابتة تراهم مع المؤمنين تارة ومع الكافرين تارات رسل فساد وأصل كل بلية وهزيمة: ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141].
ولاء المنافقين للكافرين ولو عاشوا بين ظهراني المسلمين، وقلوبهم مع أعداء الدين وإن كانوا بألسنتهم وأجسامهم وعدادهم في المسلمين يخشون الدوائر فيسارعون للولاء والمودة للكافرين ويسيئون الظن بأمتهم فيرتمون في أحضان أعدائهم ويزعمون إبقاء أياد عند الكافرين تحسباً لظفرهم بالمسلمين: فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ [المائدة:52].
المنافقون هم الأعداء الحقيقيون للمسلمين، وهم الذين خططوا لأعظم نكبات المسلمين، هم رسل الفساد وعقارب النفاق وخنافس الفحش التي تسبح في كل عفونة وتصطاد في كل عكر: هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].
من كـل ذئـب إذا واتته فـرصته هدى إليك بناب الغدر عن كثب
وإن بـدا جـانب الأيـام معتـدلاً لاً أتـاك بثغر الأغيد الشـنب
ما شئت من مقـت ئت مـن أدب اشئت من ذلة في خـده الترب
ويل الأفاعي وإن لانت ملامسـها إذا على نابها من كامن العطب
كانوا المطية للأعداء مـذ درجوا ينا وما برحوا في كل محترب
رسل الفساد وما حلوا وما رحلوا لا وكانوا به أعدى من الجرب
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة وعصيان فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.
أما بعد:
فيا عباد الله، من سيما المنافقين وعلاماتهم أنهم يكرهون التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله باطناً وإن زعموا الإيمان بهما ظاهراً ويميلون إلى حكم الطاغوت وإن لم يقولوا به جهاراً: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً [النساء:61].
سياسة التجويع وقطع الأرزاق وإذلال الأعناق من سياساتهم، وهم الذين ابتدعوها وسنوها، ولا يزال تلامذتهم وأتباعهم على منهجهم يمارسون السياسة نفسها وما فقهوا أن خزائن السموات والأرض بيد الله وأن الله خلق هذه الأرض وقدر فيها أقواتها وجعل مفاتيح الرزق بيده لا بأيديهم: هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون:70].
إخوة الإسلام، هذه بعض سمات القوم وتلك ملامحهم وأماراتهم، ومن رام المزيد فكتاب الله حافل بذكر صفاتهم وفضائحهم وسنة المصطفى وسيرته زاخرة بكثير من مواقفهم وعدوانهم وحيلهم
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-06-09, 04:00 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عبادَ الله، بيَّن الله في كتابِه العزيز موقفَ الخلق مما بعَث به نبيَّه محمّدًا ، وأنهم انقسَموا إلى أقسامٍ ثلاثة، فكافِر أعلَن كفرَه ورفضَه للإسلام وعدَمَ انقياده له، وأعلَنَ عن موقفِه الواضح، كفرٌ بالله وعدَم انقياد لشرع الله، ومؤمنٌ آمن بالله إيمانًا صادقًا، إيمانًا ظاهِرًا وباطنًا، فهو المؤمِنُ الصّادِق في أقوالِهِ وأعمالِه وتصرّفاتِه، وهناك قسمٌ ثالث هم شرُّ الخلق على الإطلاقِ، آمَنت ألسنتُم وكفَرَت قلوبهم، آمَنوا ظاهرًا وكفروا باطنًا، تظاهَروا بالإسلامِ وفي نفسِ الوقت هم أعداؤه الألدّاء، وهم خصومه، وهم ضدّ الإسلام وضدّ أهله، انتسَبوا إلى الإسلام ولكنّها النسبةُ التي أرادوا بها عصمةَ دمائهم وأموالهم، والله يعلم إنّ المنافقين لكاذبون.
إذا حدَّثوك رأيتَ حديثًا جيّدًا وقولاً طيّبًا، ولكن ليس ذلك على ظاهرِه، فهذا القولُ الطيّب باطنُه الكفرُ والضلال، لكن يتظاهَرون أحيانًا بالحقّ وكلِمةِ الحقّ والدعوة إلى الخير والدعوة إلى الإصلاح والدعوة والدعوة.. ولكن يعلَم الله ما وراءَ ذلك المقالِ مِن كفرٍ وضلال وعداءٍ لله ورسولِه وللمسلمين جميعًا.
أيّها المسلم، لا تستكثِر هذا، فهؤلاء المنافقون في عهدِ النبيِّ طالما آذوا المسلمين، طالما آذَوا نبيَّهم، وآذوا أصحابَه، وبذَلوا كلَّ جهد في سبيلِ ذلك، إلا أنَّ الله جل وعلا ردَّ كيدهم في نحورِهم، وكشف أستارهم، وبيَّن ضلالتَهم، وأوضح للمسلمين صفاتِهم وأخلاقَهم؛ ليكون المسلمون على حذرٍ منهم، قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30-32].
المنافق تعرِفه، يحِبّ الذلَّ للإسلام وأهله، إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50]. إذًا فالمنافق يفرَح للإسلام بالذّلِّ والهوان، والمنافِقُ يفرح بأذَى المسلمين، والمنافق يسعَى في إيذاءِ الأمّة، والمنافق يسعَى في التشكيك والشُّبَه، والمنافِقُ يسعى في الأرضِ فسادًا، والمنافِق لا يُرَى منه خيرٌ ولا يؤمَّل منه خير، قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].
إذا حدَّثوك أصغيتَ لحديهم، تظنُّ ذلك صِدقًا وحقًّا، وتظنّ ذلك خيرًا وهدى، ولكن إذا قرأتَ ما وراءَ السطور وجدتَ ذلك كذبًا وبهتانًا ونفاقًا، وأنهم يبطِنون للإسلام وأهله كلَّ شر وبلاء، ليس في قلوبهم رحمةٌ للأمة، ولكنهم يسعَونَ في الأرض فسادًا، مشابهين لإخوانهم اليهود الذين قال الله فيهم: وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64].
قرَن الله بينهم وبين اليهودِ، وجعل بينهم أخوّةً في الباطل، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:11].
هذا الضّربُ من الناس كم عانَت الأمّةُ منهم من ضرَرٍ، وكم جرَّ عليها من بلاء، يُحسبون على الأمّة وهم بعيدون كلَّ البُعد عن الأمة وعن قِيَمها وفضائلها وأخلاقها، يقول الله جلّ وعلا مبيِّنًا حالَهم: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206].
تأمّل ـ أخي ـ هذه الآيةَ حقَّ التأمّل؛ لينجليَ الأمر أمامك، وليكونَ الأمر واضحًا أمامك، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، يعجبك هذا القولُ، يأتي بألفاظٍ طيّبة وكلماتٍ معسولة تظنّها خيرًا وصدقًا، ولكن إذا تأمّلتَ وجدتَ الأمرَ على خلافِ ما تظنّ، ورأيتَ الباطل والكفرَ والضلال، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ثم قال: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ . إذًا المنافقُ لا يسعَى بالخير، والمنافِق لا يدعو إلى خيرٍ، والمنافق لا يرجَى منه خير، والمنافق خلُقُه الفساد والإفسادُ والضلال ونشرُ كلِّ باطل بين الأمة.
إنَّ الله جلّ وعلا بعَث محمّدًا والعربُ في جاهليّة جهلاء وضلالة عمياء، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكَرًا، لم تستطع لغتُهم أن توحِّدَهم، ولم تستطع أنسابهم أن توحِّدَهم، ولم تستطع أوطانهم أن تجمعَ كلمتَهم. كانوا قبلَ الإسلام في حروبٍ طاحنة وفوضى ضاربَةٍ بأطنابها، لا يخضَعون لأحدٍ، كلٌّ يرى نفسَه الزعيمَ والقائد، وكلٌّ يرى نفسَه أنه كذا وكذا، فكانوا في فَوضى دائِمةٍ، فجاء الله بالإسلامِ، فانتشَلَهم من غوايَتِهم، وبصَّرهم مِن عماهم، وجمعهم بعد فُرقتهم، ووحَّد بينهم بعد شَتاتهم، فجعلهم الأمّةَ الواحدة التي تخضَع لشرع الله وتنقادُ لدين الله، وأرشَدَهم إلى أن تكونَ لهم قيادةٌ تجمَع شملَهم وتوحِّد صفَّهم ويخضعون لها خضوعًا لشرع الله؛ حتى تكون أمورُهم منتظِمةً غايةَ الانتظام وسيرتُهم على أحسنِ حال، فجاء الإسلام ليقولَ للمسلمين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:50]. كلُّ ذلك لأنَّ طاعة الله وطاعةَ رسوله هي الأصل، وطاعةُ وليّ الأمر هي سببٌ لانتظامِ الأمّة في مصالح دينها ودنياها وسعادَتها في دنياها وآخرتها؛ لأنَّ الأمةَ إذا لم تكن لها قيادةٌ تجمعها وتسير بها على الخير عاثَت الفَوضى والضلال.
أيّها المؤمن، إنَّ المؤمن حقًّا إذا تدبَّر الأمرَ وجدَ أنَّ أهلَ الإيمان أهلُ وضوحٍ في الرؤيَة، أهل وضوحٍ في المنهَج، أهل وضوحٍ في الطريق، أهلُ الإيمان أمرُهم واضِحٌ جليّ، إيمانٌ صادِق ظاهرًا وباطنًا، وقولٌ صادق وعمَل حقّ، أمرُهم واضِح، رؤيتُهم واضِحة، ليسوا كالمناهجِ المتعدِّدة التي لها باطنٌ وظاهر، ظاهِرُها شيءٌ وباطِنها شيءٌ آخر، تلك الأحزابُ الضّالّة المنحرفةُ عن الطريقِ المستقيم؛ ولذا حذَّرنا الله من الانقسامِ والفُرقة فقال: مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:32].
تلك الأمورُ إذا خالفتِ الشرع والدّعواتُ إذا لم تسلُك المسلكَ الشرعيّ تراها متناقِضةً في فِكرها مضطَرِبة في منهجها، لها في الباطنِ أسرارٌ وأمور، ولها في الظاهِرِ لِسان، في الباطن لها لسانٌ وفي الظاهرِ لها لسان، لسانُها في الظاهِر شيء، ولسانُها في باطنِ أمرها شيءٌ آخر، يظهِرون مَا لا يكتُمون، ويُبدون خلافَ ما يعتقدون، إنهم ـ والعياذُ بالله ـ [في] ضلال وخطأ وتصوُّرات ضالّة.
أمّا المؤمِنُ فرؤيتُه للأمور واضحة، تراه جليًّا في أمرِه واضحًا في أسلوبه، ولذا محمّد سيّدُ ولَدِ آدم كان يتعبَّد بغارِ حِراء، فلمّا جاءه الوحيُ وأمرَه الله بالبلاغ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] كان يأتي للعربِ في أنديَتِها ومجتمَعاتها، يعرِض عليهم شرعَ الله، ويدعوهم إلى دينِ الله، ويعلِن حقيقةَ ما بَعثَه الله به مِنَ الهدى ودينِ الحقّ، ويقرَأ القرآنَ ويدعو إلى الدين، كانت دعوتُه واضحةً، يعلمها عدوُّه ومن اتّبَعَه، يعلمون حقيقةَ ما جاء به، وأنّه الصادِقُ المصدوق، وأنّه الذي لم يجرَّب عليه كذِبٌ ولا خِيانة، بل هو الصادِق الأمين ؛ ولذا يقول الله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، فأمره واضحٌ، وهكذا أتباعُ سنّته والمتمسِّكون بمنهَجِه، هم على وضوحٍ في دعوتهم ظاهِرًا وباطنًا، يقولون ما يعتَقِدون، ويَدعون إلى ما يَعمَلون، فلا يكتُمون شيئًا ويظهِرون أشياء، ولا يتقلَّبون في مناهِجِهم، ولا يضطَرِبون في خُطَطهم، بل هم على مَنهجٍ واحد وطريق مستقيم، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153].
أيّها المسلم، إنَّ المؤمنَ حقًّا هو الذي يوالي ربَّه ودينَه وأمّتَه، يوالي ربَّه بمحبّتِه وطاعتِه له وقيامِه بما أوجَبَ عليه، يوالي هذَا الدينَ بنصرِ هذا الدين والدّعوةِ إليه والتمسُّك به وتحكيمِه والتحاكم إليه، يوالي أمّةَ الإسلام بأن يحبَّ لهم الخيرَ ويسعَى في تثبيتِ الخيرَ في نفوسهم ويكرَه لهم الشرَّ والبَلاء ولا يرضَى فيهم بنقيصةٍ ولا هوان، بل هو بعيدٌ كلَّ البعد عمّا يسيء إلى الأمّةِ في حاضرها ومستقبلها، يوالي وطنَه المسلم فيحمِيهِ من كيدِ الكائدين وحِقد الحاقدين، ويتصوَّر دعاةَ السوءِ والضلال وأنهم لا يريدون بالأمّةِ خيرًا، ولا يهدفون خيرًا، ولا يحقِّقون خيرًا، بل هو لا يصغِي للأقوالِ الضالة ولا للمَبادئ الخطيرة ولا للأفكارِ المنحَرِفة، لا يصغِي لشَيءٍ من ذلك، دينُه يمنَعه ويحجِزُه، دينُه يمنَعه عن الباطلِ وعن سماع الباطل وعن طاعةِ أهل الأهواء والضّلالات، دينه يحجزه عن ذلك، دينُه يدعوه إلى حبِّ الخير لنفسه وحب الخير لإخوانِه المسلمين: ((ولا يؤمِنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسِه)) [1]. المؤمنون بعضُهم أولياء بَعض، نصيحةً وتوجيهًا ودعوةً وإصلاحًا، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، ولايةُ بعضِهم لبعض فيها النُّصحُ والتّوجيه وحبُّ الخير والسّعي في الخير.
أمّا من يدَّعي خلافَ ذلك بأن يجعلَ همَّه إلحاقَ الأذى بالأمّة وتسبيبَ الشرِّ للأمّة وإحداثَ الفوضَى بين صفوفِ الأمّة فذاك القولُ الباطل والتصوُّر الخاطئ، والأمّةُ ولله الحمد على منهجٍ من دينها، تَعلَم الكاذبَ وتَعلَم المغرِض، ويستبين لها الغيّ من الرّشاد، وتعلَم دعاةَ السوء وما يهدِفون وما يريدون، وأنهم لن يريدُوا بالأمّة خيرًا، ولن يقصدوا بهم خيرًا، وإنما هي الدِّعايات المضلِّلة التي يحيكها أعداءُ الإسلام، وينبري لها من يُحسب على الأمّة، والله يعلم أنَّ الأمّةَ والدّينَ منه براء.
فليتّقِ المسلمون ربَّهم، وليتمسَّكوا بدينهم، وليحمَدوا الله على نِعَمه العظيمةِ عليهم، أعظمُها نعمةُ الإسلام والتمسّك به ثم الأمنُ والخير والاستقرار، نسأل الله أن يوفِّقَنا جميعًا لما يرضِيه عنّا، وأن ويعيذَنا من شرورِ أنفسِنا ومن سيّئات أعمالنا، وأن يردَّ كيدَ الكائدين ويذلَّ أعداءَ الإسلام ويرزقَ المسلمين الوعيَ والفهمَ الصحيح لدينهم والفهمَ الصحيحَ لمكائدِ أعدائِهم؛ حتى لا ينطلِي عليهم الباطلُ، ولا يغترّوا بهذه الضلالات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



________________________________________


الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضَى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدّين.
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عباد الله، يقول الله جلّ وعلا في حقِّ نبيّه والمؤمنين: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]، فوصفهم بأنهم رحماءُ بينهم، يرحَم بعضهم بعضًا، ويحسِن بعضهم إلى بعض، ويشفقُ بعضهم على بعض، وينصَح بعضهم بعضًا، ويوالي بعضُهم بعضًا. هكذا حالُ الأمّة المسلِمَة الحقّة، تراحمٌ فيما بينهم، وتعاوُن على البرّ والتقوى، قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]. وأرشَدَ الأمّة إلى التشاوُر في الخير والتعاون على الخير بالأصول الشرعيّة، قال تعالى في وصف المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]. فأمرهم شورَى بينهم فيما بينهم، لا يدخُل عدوّ، ولا ينفذ لهم عدوّ، ولكنّهم فيما بينهم، مشاكِلهم تحَلّ فيما بينهم، ينصَح بعضهم بعضًا، ويرشِدُ بعضُهم بعضًا، ويسمَعون ويطيعون للحقّ ولمن قادَهم بالحق من غيرِ أن يكون في نفوسهم حرج، هَكذا تعاليمُ الإسلام: النصيحة للأمة، ينصَح المسلم لأخيه المسلم، ولذا النبيّ يقول: ((الدين النصيحة))، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابِه ولرسولِه ولأئمّة المسلمين وعامتهم)) [1]. فالمسلمون أهلُ تناصحٍ وتشاورٍ في الخير وتعاونٍ على الخير، ليسوا أهلَ فوضَى ولا أهلَ اضطرابٍ وقلَق، ولا سببًا في نهبِ أموالٍ وسفكِ دماء وهتكِ أَعراض، هذه أمورٌ يترفَّع المسلمون عنها، ويعلَمون أنَّ دينَهم جاءهم بالخير والهدَى، فينصَح بعضهم بعضًا، ويُعين بعضُهم بعضًا، ويوجِّه بعضهم بعضًا، هم كالجسَد الواحد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائر الجسدِ بالحمى والسهر، هكذا حالُ الأمّة المسلِمة المصدّقة.
أمّا ما يدعو إليه أعداؤهم وما ينادِي به أعداؤُهم فكلُّ ذلك مخالِفٌ لشرع ربهم، ومخالِف لكتاب ربهم وسنّةِ نبيّهم . فالمؤمِنون أهلُ خيرٍ وتناصح فيما بينهم، يقيم بعضُهم اعوجاجَ البعض، ويصوِّب بعضُهم بعضًا، ويبصِّر بعضُهم بَعضًا في خطئِه، ويرشِدُه إلى الخير؛ لأنَّ هدفه جمعُ كلمةِ الأمّة وإصلاحُ شأنها ولمُّ شعثِها وسلامةُ أوطانها وحمايتُها من كيد الكائدين.
أمّا المنافقون والمغرِضون فليس لهم هدَفٌ إلاّ تتبّع الزّلاّت ولن يجدوا ذلك، فيفرَحون بكلِّ زلّة، ويصطادون كلَّ خطيئة، ليجسِّدوها ويجعَلوها وسيلةً إلى آرائِهم المضلِّلة وأفكارِهم المنحرفة، حمَى الله مجتَمَعَ المسلمين من كلِّ سوء، ورزَق الجميعَ التمسّكَ بالهدى والسيرَ على المنهج القويم، إنّه على كل شيء قدِير.
واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هدي محمّد ، وشرّ الأمورِ محدَثاتها، وكلّ بِدعةٍ ضلالَة، وعليكم بجمَاعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعَة، ومَن شذَّ شذَّ في النّار.
وَصَلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمَركم بذلك ربّكُم، قالَ تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك علَى عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلَفائه الرّاشِدين...


الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نبينا محمد ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ.
إن خطرًا عظيمًا وسُمًّا قاتلاً يَسْرِي في كيان المجتمع المسلم من عهد رسول الله إلى قيام الساعة يهدد الإسلام والمسلمين من الداخل، ألا وهو خطر المنافقين، حيث لا يوجد خطر أعظم من خطرهم؛ لأنه يأتي من داخل الصفوف ويغفل عنه المؤمنون وهو خَطَرٌ خَفِيٌّ، أما خطر الشيوعيين واليهود والنصارى وغيرهم من الكفار فهو شيء واضح أمام العيان، وبديهي الحذر منه.
لقد ذكر الله عز وجل من صفات المنافقين شيئًا كثيرًا، وكذلك عَدَّدَ رسولُ الله بعضَ صفاتهم، وهنا نتتبع شيئًا من علاماتهم كما وردت في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة؛ لكي نحذر الوقوع فيها، ولنعلم أيضًا المنافقين بصفاتهم سواء كانت مجتمعة كلها أو معظمها، ولنحذِّر غيرنا من الوقوع فيها فهي سبب للانحراف عن منهج الله والبعد عن الإسلام وتعاليمه من حيث يشعر مرتكبها أو لا يشعر، نسأل الله السلامة والعافية والعصمة من الوقوع فيها وفي غيرها من الآثام.
ومن أبرز صفاتهم ما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي قال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)).
وفي الحديث الأول إِخْبَارٌ من الذي لا ينطق عن الهوى من رسولنا محمد بأنه متى اجتمعت تلك الخصال الأربع في شخصٍ ما ذَكَرًا كان أو أنثى كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة من هذه الخصال كانت فيه خصلة من النفاق حتى يتركها ويبتعد عنها ويرجع إلى إيمانه النَّقِيِّ الصافي الخالص من علامات النفاق. وفي الحديث الثاني بين آية المنافق وهي علامته التي يمكن أنْ يُعْرَفَ بها، وفيها زيادة على الحديث الأول أنه إذا وعد أخلف الوعد ولم يَفِ به. ولا أستطرد في شرح وبيان تلك الصفات لأن الكلامَ عَرَبِيٌّ ومفهومٌ للجميع، ويفهمه طالب العلم والأمي والصغير والكبير، وأكتفي بإيراد الصفات مدعمة بالأدلة، فالذي ورد من صفاتهم سابقًا:
1- الخيانة في الأمانة أيًا كانت الأمانة، وليست مقصورة على أمانة المال بل الأمانة عامة.
2- الكذب في الحديث.
3- الغدر وعدم الوفاء بالعهد.
4- الفجور والخروج عن الطريق المستقيم عند الخصومة مع أي إنسان.
5- عدم الوفاء بالوعد، وهذه سبق دليلها.
6- الخداع ومرض القلوب وعدم صفائها والسعي بالفساد في الأرض، قال الله تعالى مخبرًا عنهم: يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 9-12].
7- الخوف من افتضاح أمرهم والاستهزاء بالمؤمنين وكذبهم عندما يسألون عن خوضهم في أعراض المؤمنين، قال تعالى: يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِئواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: 64-66].
وهذه الآيات وإن كان لها سببُ نزولٍ فإنَّ النَّصَّ عَامٌّ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما لم يرد نص من القرآن أو السنة تُخَصِّصُ وتُقَيِّدُ هذا العمومَ، لذلك فهو عام في المنافقين في أي زمان ومكان. عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة ـ قال: دخل حديث بعضهم في بعض ـ أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مِثْلَ قُرَّائِنَا هؤلاء أَرْغَبَ بطونًا، ولا أكْذَبَ ألسنًا، ولا أجْبَنَ عند اللقاء، يعني رسول الله وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرنَّ رسول الله ، فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رسولِ اللهِ وإن الحجارة لَتَنْكُبُ رِجْلَيْهِ وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله : أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ [التوبة: 65] ما يلتفت إليه وما يزيد عليه.
8- ومن صفات المنافقين أيضًا أنهم متكاتفون مع بعضهم ويُعِينُ بعضُهم بعضًا على الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله، فالبخل صفة ملازمة لهم، قال تعالى: ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ [التوبة: 67].
9- ومن علاماتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين للضعف الحاصل في نفوسهم وانهزامهم وعدم ثقتهم بالله عزَّ وجلَّ وبنصره تبارك وتعالى؛ لذلك فهم يركنون إلى الكافرين ويسعون إليهم مع التَّرَبُّصِ بالمؤمنين وتَحَيُّنِ الْفُرَصِ والمخادعة والخداع بشتى صوره والذبذبة وعدم الثبات والكسل عند قيامهم للصلاة والرياء وعدم ذكر الله إلا قليلاً، ولنستمع إلى هذه الآيات المحكمة التالية التي تدل على ما ذُكِرَ من صفاتهم، قال تعالى: بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً [النساء: 138-143]، وقال تعالى: وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [البقرة: 14-16]، وقال تعالى: يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ [المائدة: 51، 52].
10- البخل والشح وعدم الوفاء بالنذر واللمز والسخرية من المؤمنين، قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 75-80].
11- ومن صفاتهم وعلاماتهم نقلُ الأخبار الكاذبة وحبُّهم إشاعة الفاحشة والسوء في الذين آمنوا كما في حادثة الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد توعدهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلّ ٱمْرِئٍ مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 11]، وقال تعالى إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور: 19].
12- ومنها أيضًا أنَّ أجسامَهم تُعْجِبُ من ينظر إليها، وعندما يتكلمون ينخدع السامعُ بكلامهم ويستمع لقولهم، ولكنهم كما وصفهم الله تعالى وشبههم بالخشب المسندة، وكذلك هم دائمًا على خوف ووجل من سوء صنيعهم ويحسبون أن كل صيحة عليهم، قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون: 4].
وجزاء المنافقين من جنس فعلهم، فالله سبحانه وتعالى أعد لهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة كما في الآية السابقة وكما ورد في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء: 140]، وقال سبحانه: إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: 145]، وقال عز وجل: يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [التحريم: 9].
ولننظر إلى لطف الله بعباده وعفوه عنهم وسعة رحمته، فلو ارتكب العبد من المعاصي والآثام أَقْبحها وأَشْنَعها أو جمع بينها ثم تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له إنه هو الغفور الرحيم، ولنستمع إلى هذه الآيات من سورة النساء التي جاءت بعد الآيات السابق ذكرها والتي فيها معظم صفات المنافقين، فالواجب عليهم التوبة مع صلاح العمل والاعتصام بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد ، قال تعالى: إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِرًا عَلِيمًا [النساء: 145-147].



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فلقد كان أصحاب رسول الله من المؤمنين الصادقين يخافون على أنفسهم من النفاق، فكيف لا نخاف نحن على أنفسنا في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن وكثر فيه النفاق وأهله؟! وكيف نأمن على أنفسنا ونزكيها ولم يأمن أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أحد المبشرين بالجنة وهو الذي ضرب الأمثلة الرائعة في تاريخ الإسلام بعدله واستقامته؟! فلقد سأل رضي الله عنه حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رضي الله عنه كَاتِمَ سِرِّ رسولِ اللهِ واسْتَحْلَفَهُ بالله بقوله: أستحلفك بالله، أما عَدَّنِي عندك رسول الله من المنافقين؟ فقال له: لا، ولا أخبر أحدًا غيرك، أي: أنه لا يخبر غيره من الصحابة هل هو مؤمن أو منافق؛ لأن ذلك سِرٌّ عنده أخبره به الرسول عن أسماء المنافقين لِيَعْلَمَ بعد ذلك أن ما عداهم مؤمنون.
وكان منْ حِرْصِ عمر رضي الله عنه أنه لا يصلي على جنازةِ مَنْ جَهِلَ حَالَهُ حتى يصليَ عليها حذيفةُ بْنُ اليمان رضي الله عنه لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، وذلك بعد موت رسول الله ، وهذا حرص منه رضي الله عنه على امتثال أمر الله، وقد نزلت هذه الآية تصديقًا له وتدعيمًا لِمَوْقِفِهِ وقَوْلِهِ رضي الله عنه، قال الله تعالى: وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ [التوبة: 84]، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دُعِيَ رسولُ الله للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه تحَوَّلْتُ حتى قُمْتُ في صدره فقلتُ: يا رسولَ الله أَعَلَى عَدُوِّ اللهِ ـ عبد الله بن أبيّ ـ القائلِ يوم كذا: كذا وكذا؟ أُعَدِّدُ أيَّامَهُ، قال: ورسول الله يَتَبَسَّمُ حتى إذا أَكْثَرْتُ عليه قال: ((أَخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، إني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قد قيل لي: ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ [التوبة: 80]))، قال: ((لو أعلم أني زدتُ على السبعين غُفِرَ له لَزِدْتُ))، قال: ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبتُ مِنْ جُرْأَتِي على رسول الله ، والله ورسوله أعلم. قال: فَوَاللهِ ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلَتْ هاتان الآيتان: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 84، 85]، فما صلى رسول الله بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل.
قال البخاري في صحيحه: قال ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويُذْكَرُ عن الحسن أنه قال: ما خافه إلا مؤمن ولا أَمِنَهُ إلا منافق.
هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم، يخافون على أنفسهم من النفاق الأصغر أو ما يسمى بالعملي، وليس النفاق الأكبر؛ لأن الأصغر وسيلة النفاق الأكبر، فالنفاق الأصغر أو ما يسمى بالنفاق العملي خمسة أنواع كما وردت في الحديثين السابقين وملخصها: ((إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)). أما النفاق الأكبر وهو ما يسمى بالنفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع: 1- تكذيب الرسول . 2- تكذيب بعض ما جاء به الرسول . 3 - بُغْضُ الرسول الله . 4- بُغْضُ بَعْضِ ما جاء به الرسول الله . 5- الْمَسَرَّةُ بانخفاض دين الرسول . 6- الكراهية لانتصار دين الرسول .
والأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار لأنه وإن كان يصلي ويصوم ويعمل بالعبادات الظاهرة أمام المسلمين للتَّسَتُّرِ ولكنه في حقيقته يُظْهِرُ خِلافَ ما يُبْطِنُ ويعمل ضد الإسلام والمسلمين في الخفاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله...


الخطبة الأولى
أما بعد: فإنّ من سعادة المؤمن أن يعيش مع تفسير القرآن العظيم ليفهم كلام ربّ العالمين حين يتلوه أو يُتلى عليه، واليوم نستعرض ما تيسر من سورة المنافقين، حيث بدِئت السورة بوصف طريقة المنافقين في مداراتهم لما في قلوبهم من الكفر، وإعلانهم الإسلام والشهادة بأن النبي هو رسول الله وحلفهم كذبًا ليصدقهم المؤمنون، واتخاذهم تلك الأيمان وقايةً وجُنَّةً يُخْفُون وراءَها حقيقة أمرهم ويخدعون المسلمين بها، قال تعالى: إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [المنافقون: 1، 2]. فهم كانوا يَجِيئُونَ إلى رسول الله فيشهدون بين يديه برسالته شهادة باللسان ولا يقصدون بها وجه الحق، إنما يقولونها للتقية، وليخفوا أمرهم وحقيقتهم على المسلمين فهم كاذبون في أنهم جاؤوا ليشهدوا هذه الشهادة، فقد جاؤوا ليخدعوا المسلمين بها، ويُدَارُوا أنفسَهم بقولها، ومِنْ ثَمَّ أكذبهم الله في شهادتهم بعد أن أثبت حقيقة الرسالة: وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ .
وقد اتخذوا أيمانهم وقاية حيث صَدّوا أنفسهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله بِأََسْوَإِِ خديعة وتضليل، ألا وهو الكذبُ الْمُؤَيَّدُ بالأيمان الكاذبة. فهم عرفوا الإيمان ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، قال تعالى: ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون: 2، 3].
وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ لأنهم أجسامٌ تُعْجِبُ لا أَنَاسِيَّ تَتَجَاوَبُ، وإذا كانوا صامتين لا يتكلمون فهم أجسام معجبة للعيون، وأما حين ينطقون ويتكلمون فهم خواء من كل معنى ومن كل حسّ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ لا حركة فيها، فهم دائمًا في حالة من التّوجّس الدائم والفزع والاهتزاز والخوف، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ، فهم يَتَوَجَّسُونَ من كل حركة ومن كل صوت ومن كل كلمة وهاتف يحسبونه يطلبهم وأنهم هم المقصودون؛ لأنهم يخافون من فضيحة أمرهم ونفاقهم.
ويُنَبِّهُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتعالت عظمته ينبِّه الرسولَ وأصحابَه والمؤمنين إلى يوم القيامة على حقيقة المنافقين بأنهم هم العدو الحقيقي الذي يَنْخُرُ في جسم الأمة المسلمة، والله تعالى مقاتلهم حيثما انصرفوا وأنَّى اتَّجَهُوا، قال تعالى: هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4].
وقال جل جلاله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأعَزُّ مِنْهَا ٱلأذَلَّ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [المنافقون: 5-8].
لقد ذكر غيرُ واحدٍ من السلف أنَّ هذا السِّيَاقَ السَّابِقَ من الآيات كله نزل في عبد الله بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فقال ابن إسحاق في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة على المريسيع وهو ماء لهم أي: لبني المصطلق، قال: فبينا رسول الله على ذلك الماء ـ بعد الغزوة ـ وَرَدَتْ وَارِدَةُ الناسِ، ومع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَجِيرٌ له من بني غفار يُقَالُ له: جَهْجَاه، فازدحم جهجاهُ وسِنَانُ بْنُ يزيد الْجُهَنِيّ على الماء فاقتتلا، ـ أي: تخاصما ـ فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، وفي رواية للبخاري ومسلم: فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي : ((دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ))، ثم جاء في الرواية الأخرى: فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول وعنده رهط من قومه، وفيهم زيد بن أرقم غلام حَدَثٌ، فقال: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قد نَافَرُونَا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أَعُدُّنَا وجَلابِيب قريش إلا كما قال الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله ، وذلك عند فراغ رسول الله من عدوه، فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: مُرْ به عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فليقتله، وفي رواية البخاري ومسلم: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله : ((دعه؛ لا يتحدث الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، ولكن أَذِّنْ بالرحيل))، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله يرتحل فيها، فارتحل الناس وقد مشى عبدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ إلى رسول الله حين بلغه أنَّ زيدَ بْنَ أَرْقَمٍ قد بَلَّغَهُ ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال من حضر رسول الله من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أَوْهَمَ في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل؛ وذلك حَدَبًا منهم على ابن أبيّ بن سلول ودفعًا عنه. فلما اسْتَقَلَّ رسولُ الله وسَارَ لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَحَيَّاهُ بتحية النبوة وسلّم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رُحْتَ في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها! فقال له رسول الله : ((أوَما بلغك ما قال صاحبكم؟)) قال: وَأَيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: ((عبد الله بن أبيّ))، قال: وما قال؟ قال: ((زعم أنه إن رجع المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ))، قال: فأنت يا رسول الله والله لتخرجنه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله اُرْفُقْ به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فإنه ليرى أنك قد اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا، ثم مشى رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أنْ وَجَدُوا مَسَّ الأرضِ فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ، ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبيّ ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أَخَذَ رسولُ اللهِ بِأُذُنِ زَيْد بْنِ أرقم ثم قال: ((هذا الذي أوفى الله له بأذنه)). وفي آخر إحدى الروايات: فبعث إليَّ رسول الله فقرأها عليَّ ـ أي: الآيات من أول إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ إلى لَيُخْرِجَنَّ ٱلأعَزُّ مِنْهَا ٱلأذَلَّ ثم قال : ((إن الله قد صدقك يا زيد)) رواه البخاري ومسلم.
وبلغ عبدَ الله بْنَ عبد الله بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ الذي كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإنْ كنتَ لا بدَّ فاعلاً فَمُرْنِي به فأنا أَحْمِلُ إليك رأسَهُ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله : ((بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا)). وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنِّفونه، فقال رسول الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بلغه ذلك من شأنهم: ((كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدتْ له آنُفٌ لو أمرتُها اليوم تقتله لقتلته))، قال عمر: قد علمت واللهِ لأمْرُ رسولِ اللهِ أعظمُ بركةً من أمري.
وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبيّ على باب المدينة واسْتَلَّ سيفَه، فجعل الناس يمرُّون عليه، فلما جاءه أبوه عبد الله بن أبيّ قال له ابنه: وراءك، فقال: ما لك؟ ويلك! فقال: والله، لا تَجُوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله وكان إنما يسير في سَاقَةٍ الجيش ـ أي: في مؤخرته ـ ينظر المتخلفَ والضَّالَّ والمحتاجَ إلى مَعُونَةٍ، فشكا إليه عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابْنَهُ، فقال ابنُه عبدُ الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله فقال: أما إِذْ أَذِنَ لك رسولُ الله فَجُزِ الآنَ.
إنه لَنَمُوذَجٌ للمسلم المتجرد الطائع، وإنها لروعة تواجه القلب، روعة الإيمان في قلب، ذلك الابن المؤمن حقًا، بينما نجد على النقيض والعكس من ذلك في أبيه رأس المنافقين من زمن رسول الله وفي أمثاله إلى قيام الساعة. ذلك الموقف، موقف الرجل المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول وهو يأخذ بسيفه في مدخل المدينة على أبيه، فلا يدعه يدخل ليعلم الناس أن رسول الله هو الأعز وأن أباه هو الأذل، ألا إنها قِمَّةٌ سَامِقَةٌ تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال، رفعهم إلى هذه القمة وهم بشر، بهم ضعف البشر، وعواطف البشر، وهذا هو أجمل ما في هذه العقيدة حين يدركها المسلمون على حقيقتها، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تَدبُّ على الأرض، تدعو إلى الإسلام وتطبقه وتعمل به قولاً وعملاً في كل شؤون الحياة.



الخطبة الثانية
الحمد لله كتب العزة للمؤمنين والذلة على المنافقين، يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو العزيز الحكيم، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن المنافقين في أي زمان ومكان لهم صفات وعلامات عُرِفُوا بها، والخطبة القادمة إن شاء الله لبيان علاماتهم التي يُعْرَفُون بها، أما هنا فأقتصر على بيان خطة عرفوا بها كما ورد في السورة، تلك الخطة التي يتجلى فيها خُبْثُ الطَّبْعِ وخِسَّةُ المشاعر، تلك هي خطة التجويع التي يبدو أنهم يتواصون بها على مَرِّ العصور هم والكفار، وذلك لمحاربة أهل الإيمان، فهذه الطريقة عملتها قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضُّوا عن نصرة رسول الله ويُسْلِمُوهُ للمشركين، وهي كذلك طريقة المنافقين كما وردت في القرآن الكريم من أجل أن ينفضَّ أصحابُ رسولِ اللهِ عنه ويتفرقوا تحت وطأة الضيق في العيش والجوع، قال تعالى: هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ [المنافقون: 7].
وتلك الطريقة نفسها يستعملها المنافقون والفاسقون في هذا الزمان مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ لحربِ المؤمنين وإيذائهم والتضييق عليهم في معيشتهم وإشغالهم بالبحث عن لقمة العيش، ويستعملها مع كل أسف أصحاب المناصب السياسية في البلاد المنتسبة للإسلام لإشغال شعوبهم بالبحث عن موارد لمعيشتهم ليصرفوهم إلى عدم التفكير في غيرها مما هم عليه من أمور يحسبون أن غفلة البشر عنها وعدم علمهم بها تُعْفِيهِمْ عن السؤال ومِنْ ثَمَّ العقاب يوم الحسرة والندامة، وجَهِلُوا أو تجاهلوا أنهم موقوفون ومسؤولون يوم القيامة عن شعوبهم ومن تحت رعايتهم ومسؤوليتهم عن عدم تأمين العيش الكريم لهم وإبعادهم عن الطرق المحرمة التي تلجئهم إلى تأمين ما يحتاجونه في حياتهم، ومن تلك الطرق المحرمة التي يلجؤون إليها السرقات والمتاجرة بالمخدرات والمحرمات، وأقلُّهم من يعمل في المؤسسات الربوية إنْ وَجَدَ له عملاً فيها مع أنه يتعذر على كثير من الشباب الحصول على وظيفة حتى في هذا المجال، والواجب على من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين في أيّ منصب كان وفي جميع بلاد المسلمين أن يتنبه لخطورة الموقف والأوضاع الراهنة ويتصوّر اتساع الخرق على الراقع في الأيام القادمة وأن يعمل في زمن المهلة على ما يُخَلِّصُهُ من ذلك الموقف الرهيب يوم القيامة لينجو من العقاب، وأما السؤال والحساب فلا بدّ منه، وليفكر كل مسلم في مسؤوليته عن هذا وغيره لأن كثيرًا منا مسؤولٌ عن ذلك مهما وضعنا رؤوسنا أو جهلنا أو تجاهلنا أو حاولنا التغافل عن ذلك، فجميعنا واللهِ مسؤولون، كلٌّ في منصبه وموقعه، فليفكر كلّ منا بِجِدِّيَّةٍ في هذا الأمر الخطير في هذا البلد وفي غيره من ديار المسلمين، الأئمة والخطباء والداعون إلى الله عمومًا والقضاة والعلماء وأرباب القلم والصحافة وغيرها والمتقلدون للمناصب أيًا كانت، الجميع مسؤول في جميع ديار المسلمين عن ارتكاب الجرائم والمحرمات والبعد عما حرم الله في المعيشة وغيرها من أمور المعاملات والعبادات، فالمسؤولية مسؤولية مشتركة لا تختص بمرتكبيها لأن الوسائل التي دفعتهم لارتكابها قد اشترك فيها عِدَّةُ جهاتٍ حيث سَهَّلُوا الوصولَ إليها وعملوا على توفير الأسباب الدافعة إليها دون النظر في عواقبها الوخيمة على الجميع في الدنيا والآخرة، فلنتصوّر ولنتأمّل هذه الأمور الشائكة والمعقدة ونستخدم الحلول الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله محمد .
أعود للقول بأن طريقة الحصار والتجويع هي طريقة الشيوعيين أيضًا في حرمان المتمسكين بالإسلام ليموتوا جوعًا أو يكفروا بالله ويتركوا الصلاة، وهي الوسيلة نفسها التي استخدمتها دول الكفر الآن بالحصار الاقتصادي لبعض بلاد المسلمين وديارهم وحرمانهم من العيش الكريم في بلادهم وعلى أرضهم، تلك الطريقة اللئيمة الخسيسة التي تستخدمها الدول الكبرى الكافرة وتنساق معها الدولُ الصغيرةُ الْمُشَكِّلَةُ في النهاية لما يسمى بالأمم المتحدة، وهي في حقيقتها وعلى هذه الكيفية تستحق أنْ تُسَمَّى بعصبةِ الأممِ الظالمةِ الشِّرِّيرَةِ، لأنها تتعاون في كثير من الأحيان على الباطل والإثم والعدوان والظلم الواضح للعيان، وهكذا يتفق على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان من قديم الزمان إلى هذا الزمان إلى قيام الساعة نَاسِينَ الحقيقة التي يذكرهم الله بها في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون: 7]. فمن خزائن الله في السماوات والأرض يرتزق هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فما أغباهم وأقل علمهم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين، قال تعالى: قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا [الإسراء: 100].
وهكذا يُثبِّتُ اللهُ المؤمنين ويُقَوِّي قلوبَهم على مواجهة هذه الخطة اللئيمة والوسيلة الخبيثة التي يلجأ إليها أعداء الله في حربهم ومعاداتهم، ولكي يُطَمْئِنَ المؤمنين إلى أن خزائن الله في السماوات هي خزائن الأرزاق للجميع، وهو سبحانه الذي يعطي أعداءه ولا ينسى أولياءه، وقد أوضح ذلك في عدة آيات من القرآن الكريم وأقسم عليه سبحانه وأنه هو الرزاق يرزق الإنس والجنّ وجميع مَنْ دَبَّ على هذه الأرض من حيوانات برية أو بحرية وحشرات وطيور وديدان، فقال تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود: 6]، وقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ [الذاريات: 56-58]. كما أقسم سبحانه لعباده على هذا الرزق ليطمئنهم عليه ويَثِقُوا ويَتَيَقَّنوا منه ويعلموا حقيقة ذلك كما أنهم متيقِّنُون من نُطْقِهِمْ فقال جل ثناؤه: وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات: 22، 23].
وفي ختام هذه السورة التي فيها أوصاف المنافقين نادى الله عباده المؤمنين بأن لا تلهيهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكره سبحانه وتعالى، وعليهم أن ينفقوا مما منحهم الله ورزقهم إياه قبل فوات الأوان ومجيء الموت وقبل أن يتركوا كل شيء وراءهم لغيرهم وقبل أن يرجوا ويتمنوا التأخير وأنى لهم ذلك، قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 9-11].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27-06-09, 04:01 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عبادَ الله، بيَّن الله في كتابِه العزيز موقفَ الخلق مما بعَث به نبيَّه محمّدًا ، وأنهم انقسَموا إلى أقسامٍ ثلاثة، فكافِر أعلَن كفرَه ورفضَه للإسلام وعدَمَ انقياده له، وأعلَنَ عن موقفِه الواضح، كفرٌ بالله وعدَم انقياد لشرع الله، ومؤمنٌ آمن بالله إيمانًا صادقًا، إيمانًا ظاهِرًا وباطنًا، فهو المؤمِنُ الصّادِق في أقوالِهِ وأعمالِه وتصرّفاتِه، وهناك قسمٌ ثالث هم شرُّ الخلق على الإطلاقِ، آمَنت ألسنتُم وكفَرَت قلوبهم، آمَنوا ظاهرًا وكفروا باطنًا، تظاهَروا بالإسلامِ وفي نفسِ الوقت هم أعداؤه الألدّاء، وهم خصومه، وهم ضدّ الإسلام وضدّ أهله، انتسَبوا إلى الإسلام ولكنّها النسبةُ التي أرادوا بها عصمةَ دمائهم وأموالهم، والله يعلم إنّ المنافقين لكاذبون.
إذا حدَّثوك رأيتَ حديثًا جيّدًا وقولاً طيّبًا، ولكن ليس ذلك على ظاهرِه، فهذا القولُ الطيّب باطنُه الكفرُ والضلال، لكن يتظاهَرون أحيانًا بالحقّ وكلِمةِ الحقّ والدعوة إلى الخير والدعوة إلى الإصلاح والدعوة والدعوة.. ولكن يعلَم الله ما وراءَ ذلك المقالِ مِن كفرٍ وضلال وعداءٍ لله ورسولِه وللمسلمين جميعًا.
أيّها المسلم، لا تستكثِر هذا، فهؤلاء المنافقون في عهدِ النبيِّ طالما آذوا المسلمين، طالما آذَوا نبيَّهم، وآذوا أصحابَه، وبذَلوا كلَّ جهد في سبيلِ ذلك، إلا أنَّ الله جل وعلا ردَّ كيدهم في نحورِهم، وكشف أستارهم، وبيَّن ضلالتَهم، وأوضح للمسلمين صفاتِهم وأخلاقَهم؛ ليكون المسلمون على حذرٍ منهم، قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30-32].
المنافق تعرِفه، يحِبّ الذلَّ للإسلام وأهله، إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50]. إذًا فالمنافق يفرَح للإسلام بالذّلِّ والهوان، والمنافِقُ يفرح بأذَى المسلمين، والمنافق يسعَى في إيذاءِ الأمّة، والمنافق يسعَى في التشكيك والشُّبَه، والمنافِقُ يسعى في الأرضِ فسادًا، والمنافِق لا يُرَى منه خيرٌ ولا يؤمَّل منه خير، قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].
إذا حدَّثوك أصغيتَ لحديهم، تظنُّ ذلك صِدقًا وحقًّا، وتظنّ ذلك خيرًا وهدى، ولكن إذا قرأتَ ما وراءَ السطور وجدتَ ذلك كذبًا وبهتانًا ونفاقًا، وأنهم يبطِنون للإسلام وأهله كلَّ شر وبلاء، ليس في قلوبهم رحمةٌ للأمة، ولكنهم يسعَونَ في الأرض فسادًا، مشابهين لإخوانهم اليهود الذين قال الله فيهم: وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64].
قرَن الله بينهم وبين اليهودِ، وجعل بينهم أخوّةً في الباطل، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:11].
هذا الضّربُ من الناس كم عانَت الأمّةُ منهم من ضرَرٍ، وكم جرَّ عليها من بلاء، يُحسبون على الأمّة وهم بعيدون كلَّ البُعد عن الأمة وعن قِيَمها وفضائلها وأخلاقها، يقول الله جلّ وعلا مبيِّنًا حالَهم: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206].
تأمّل ـ أخي ـ هذه الآيةَ حقَّ التأمّل؛ لينجليَ الأمر أمامك، وليكونَ الأمر واضحًا أمامك، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، يعجبك هذا القولُ، يأتي بألفاظٍ طيّبة وكلماتٍ معسولة تظنّها خيرًا وصدقًا، ولكن إذا تأمّلتَ وجدتَ الأمرَ على خلافِ ما تظنّ، ورأيتَ الباطل والكفرَ والضلال، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ثم قال: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ . إذًا المنافقُ لا يسعَى بالخير، والمنافِق لا يدعو إلى خيرٍ، والمنافق لا يرجَى منه خير، والمنافق خلُقُه الفساد والإفسادُ والضلال ونشرُ كلِّ باطل بين الأمة.
إنَّ الله جلّ وعلا بعَث محمّدًا والعربُ في جاهليّة جهلاء وضلالة عمياء، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكَرًا، لم تستطع لغتُهم أن توحِّدَهم، ولم تستطع أنسابهم أن توحِّدَهم، ولم تستطع أوطانهم أن تجمعَ كلمتَهم. كانوا قبلَ الإسلام في حروبٍ طاحنة وفوضى ضاربَةٍ بأطنابها، لا يخضَعون لأحدٍ، كلٌّ يرى نفسَه الزعيمَ والقائد، وكلٌّ يرى نفسَه أنه كذا وكذا، فكانوا في فَوضى دائِمةٍ، فجاء الله بالإسلامِ، فانتشَلَهم من غوايَتِهم، وبصَّرهم مِن عماهم، وجمعهم بعد فُرقتهم، ووحَّد بينهم بعد شَتاتهم، فجعلهم الأمّةَ الواحدة التي تخضَع لشرع الله وتنقادُ لدين الله، وأرشَدَهم إلى أن تكونَ لهم قيادةٌ تجمَع شملَهم وتوحِّد صفَّهم ويخضعون لها خضوعًا لشرع الله؛ حتى تكون أمورُهم منتظِمةً غايةَ الانتظام وسيرتُهم على أحسنِ حال، فجاء الإسلام ليقولَ للمسلمين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:50]. كلُّ ذلك لأنَّ طاعة الله وطاعةَ رسوله هي الأصل، وطاعةُ وليّ الأمر هي سببٌ لانتظامِ الأمّة في مصالح دينها ودنياها وسعادَتها في دنياها وآخرتها؛ لأنَّ الأمةَ إذا لم تكن لها قيادةٌ تجمعها وتسير بها على الخير عاثَت الفَوضى والضلال.
أيّها المؤمن، إنَّ المؤمن حقًّا إذا تدبَّر الأمرَ وجدَ أنَّ أهلَ الإيمان أهلُ وضوحٍ في الرؤيَة، أهل وضوحٍ في المنهَج، أهل وضوحٍ في الطريق، أهلُ الإيمان أمرُهم واضِحٌ جليّ، إيمانٌ صادِق ظاهرًا وباطنًا، وقولٌ صادق وعمَل حقّ، أمرُهم واضِح، رؤيتُهم واضِحة، ليسوا كالمناهجِ المتعدِّدة التي لها باطنٌ وظاهر، ظاهِرُها شيءٌ وباطِنها شيءٌ آخر، تلك الأحزابُ الضّالّة المنحرفةُ عن الطريقِ المستقيم؛ ولذا حذَّرنا الله من الانقسامِ والفُرقة فقال: مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:32].
تلك الأمورُ إذا خالفتِ الشرع والدّعواتُ إذا لم تسلُك المسلكَ الشرعيّ تراها متناقِضةً في فِكرها مضطَرِبة في منهجها، لها في الباطنِ أسرارٌ وأمور، ولها في الظاهِرِ لِسان، في الباطن لها لسانٌ وفي الظاهرِ لها لسان، لسانُها في الظاهِر شيء، ولسانُها في باطنِ أمرها شيءٌ آخر، يظهِرون مَا لا يكتُمون، ويُبدون خلافَ ما يعتقدون، إنهم ـ والعياذُ بالله ـ [في] ضلال وخطأ وتصوُّرات ضالّة.
أمّا المؤمِنُ فرؤيتُه للأمور واضحة، تراه جليًّا في أمرِه واضحًا في أسلوبه، ولذا محمّد سيّدُ ولَدِ آدم كان يتعبَّد بغارِ حِراء، فلمّا جاءه الوحيُ وأمرَه الله بالبلاغ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] كان يأتي للعربِ في أنديَتِها ومجتمَعاتها، يعرِض عليهم شرعَ الله، ويدعوهم إلى دينِ الله، ويعلِن حقيقةَ ما بَعثَه الله به مِنَ الهدى ودينِ الحقّ، ويقرَأ القرآنَ ويدعو إلى الدين، كانت دعوتُه واضحةً، يعلمها عدوُّه ومن اتّبَعَه، يعلمون حقيقةَ ما جاء به، وأنّه الصادِقُ المصدوق، وأنّه الذي لم يجرَّب عليه كذِبٌ ولا خِيانة، بل هو الصادِق الأمين ؛ ولذا يقول الله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، فأمره واضحٌ، وهكذا أتباعُ سنّته والمتمسِّكون بمنهَجِه، هم على وضوحٍ في دعوتهم ظاهِرًا وباطنًا، يقولون ما يعتَقِدون، ويَدعون إلى ما يَعمَلون، فلا يكتُمون شيئًا ويظهِرون أشياء، ولا يتقلَّبون في مناهِجِهم، ولا يضطَرِبون في خُطَطهم، بل هم على مَنهجٍ واحد وطريق مستقيم، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153].
أيّها المسلم، إنَّ المؤمنَ حقًّا هو الذي يوالي ربَّه ودينَه وأمّتَه، يوالي ربَّه بمحبّتِه وطاعتِه له وقيامِه بما أوجَبَ عليه، يوالي هذَا الدينَ بنصرِ هذا الدين والدّعوةِ إليه والتمسُّك به وتحكيمِه والتحاكم إليه، يوالي أمّةَ الإسلام بأن يحبَّ لهم الخيرَ ويسعَى في تثبيتِ الخيرَ في نفوسهم ويكرَه لهم الشرَّ والبَلاء ولا يرضَى فيهم بنقيصةٍ ولا هوان، بل هو بعيدٌ كلَّ البعد عمّا يسيء إلى الأمّةِ في حاضرها ومستقبلها، يوالي وطنَه المسلم فيحمِيهِ من كيدِ الكائدين وحِقد الحاقدين، ويتصوَّر دعاةَ السوءِ والضلال وأنهم لا يريدون بالأمّةِ خيرًا، ولا يهدفون خيرًا، ولا يحقِّقون خيرًا، بل هو لا يصغِي للأقوالِ الضالة ولا للمَبادئ الخطيرة ولا للأفكارِ المنحَرِفة، لا يصغِي لشَيءٍ من ذلك، دينُه يمنَعه ويحجِزُه، دينُه يمنَعه عن الباطلِ وعن سماع الباطل وعن طاعةِ أهل الأهواء والضّلالات، دينه يحجزه عن ذلك، دينُه يدعوه إلى حبِّ الخير لنفسه وحب الخير لإخوانِه المسلمين: ((ولا يؤمِنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسِه)) [1]. المؤمنون بعضُهم أولياء بَعض، نصيحةً وتوجيهًا ودعوةً وإصلاحًا، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، ولايةُ بعضِهم لبعض فيها النُّصحُ والتّوجيه وحبُّ الخير والسّعي في الخير.
أمّا من يدَّعي خلافَ ذلك بأن يجعلَ همَّه إلحاقَ الأذى بالأمّة وتسبيبَ الشرِّ للأمّة وإحداثَ الفوضَى بين صفوفِ الأمّة فذاك القولُ الباطل والتصوُّر الخاطئ، والأمّةُ ولله الحمد على منهجٍ من دينها، تَعلَم الكاذبَ وتَعلَم المغرِض، ويستبين لها الغيّ من الرّشاد، وتعلَم دعاةَ السوء وما يهدِفون وما يريدون، وأنهم لن يريدُوا بالأمّة خيرًا، ولن يقصدوا بهم خيرًا، وإنما هي الدِّعايات المضلِّلة التي يحيكها أعداءُ الإسلام، وينبري لها من يُحسب على الأمّة، والله يعلم أنَّ الأمّةَ والدّينَ منه براء.
فليتّقِ المسلمون ربَّهم، وليتمسَّكوا بدينهم، وليحمَدوا الله على نِعَمه العظيمةِ عليهم، أعظمُها نعمةُ الإسلام والتمسّك به ثم الأمنُ والخير والاستقرار، نسأل الله أن يوفِّقَنا جميعًا لما يرضِيه عنّا، وأن ويعيذَنا من شرورِ أنفسِنا ومن سيّئات أعمالنا، وأن يردَّ كيدَ الكائدين ويذلَّ أعداءَ الإسلام ويرزقَ المسلمين الوعيَ والفهمَ الصحيح لدينهم والفهمَ الصحيحَ لمكائدِ أعدائِهم؛ حتى لا ينطلِي عليهم الباطلُ، ولا يغترّوا بهذه الضلالات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



________________________________________


الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضَى، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدّين.
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عباد الله، يقول الله جلّ وعلا في حقِّ نبيّه والمؤمنين: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]، فوصفهم بأنهم رحماءُ بينهم، يرحَم بعضهم بعضًا، ويحسِن بعضهم إلى بعض، ويشفقُ بعضهم على بعض، وينصَح بعضهم بعضًا، ويوالي بعضُهم بعضًا. هكذا حالُ الأمّة المسلِمَة الحقّة، تراحمٌ فيما بينهم، وتعاوُن على البرّ والتقوى، قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]. وأرشَدَ الأمّة إلى التشاوُر في الخير والتعاون على الخير بالأصول الشرعيّة، قال تعالى في وصف المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]. فأمرهم شورَى بينهم فيما بينهم، لا يدخُل عدوّ، ولا ينفذ لهم عدوّ، ولكنّهم فيما بينهم، مشاكِلهم تحَلّ فيما بينهم، ينصَح بعضهم بعضًا، ويرشِدُ بعضُهم بعضًا، ويسمَعون ويطيعون للحقّ ولمن قادَهم بالحق من غيرِ أن يكون في نفوسهم حرج، هَكذا تعاليمُ الإسلام: النصيحة للأمة، ينصَح المسلم لأخيه المسلم، ولذا النبيّ يقول: ((الدين النصيحة))، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابِه ولرسولِه ولأئمّة المسلمين وعامتهم)) [1]. فالمسلمون أهلُ تناصحٍ وتشاورٍ في الخير وتعاونٍ على الخير، ليسوا أهلَ فوضَى ولا أهلَ اضطرابٍ وقلَق، ولا سببًا في نهبِ أموالٍ وسفكِ دماء وهتكِ أَعراض، هذه أمورٌ يترفَّع المسلمون عنها، ويعلَمون أنَّ دينَهم جاءهم بالخير والهدَى، فينصَح بعضهم بعضًا، ويُعين بعضُهم بعضًا، ويوجِّه بعضهم بعضًا، هم كالجسَد الواحد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائر الجسدِ بالحمى والسهر، هكذا حالُ الأمّة المسلِمة المصدّقة.
أمّا ما يدعو إليه أعداؤهم وما ينادِي به أعداؤُهم فكلُّ ذلك مخالِفٌ لشرع ربهم، ومخالِف لكتاب ربهم وسنّةِ نبيّهم . فالمؤمِنون أهلُ خيرٍ وتناصح فيما بينهم، يقيم بعضُهم اعوجاجَ البعض، ويصوِّب بعضُهم بعضًا، ويبصِّر بعضُهم بَعضًا في خطئِه، ويرشِدُه إلى الخير؛ لأنَّ هدفه جمعُ كلمةِ الأمّة وإصلاحُ شأنها ولمُّ شعثِها وسلامةُ أوطانها وحمايتُها من كيد الكائدين.
أمّا المنافقون والمغرِضون فليس لهم هدَفٌ إلاّ تتبّع الزّلاّت ولن يجدوا ذلك، فيفرَحون بكلِّ زلّة، ويصطادون كلَّ خطيئة، ليجسِّدوها ويجعَلوها وسيلةً إلى آرائِهم المضلِّلة وأفكارِهم المنحرفة، حمَى الله مجتَمَعَ المسلمين من كلِّ سوء، ورزَق الجميعَ التمسّكَ بالهدى والسيرَ على المنهج القويم، إنّه على كل شيء قدِير.
واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هدي محمّد ، وشرّ الأمورِ محدَثاتها، وكلّ بِدعةٍ ضلالَة، وعليكم بجمَاعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعَة، ومَن شذَّ شذَّ في النّار.
وَصَلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمَركم بذلك ربّكُم، قالَ تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك علَى عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلَفائه الرّاشِدين...


الخطبة الأولى
أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نبينا محمد ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ.
إن خطرًا عظيمًا وسُمًّا قاتلاً يَسْرِي في كيان المجتمع المسلم من عهد رسول الله إلى قيام الساعة يهدد الإسلام والمسلمين من الداخل، ألا وهو خطر المنافقين، حيث لا يوجد خطر أعظم من خطرهم؛ لأنه يأتي من داخل الصفوف ويغفل عنه المؤمنون وهو خَطَرٌ خَفِيٌّ، أما خطر الشيوعيين واليهود والنصارى وغيرهم من الكفار فهو شيء واضح أمام العيان، وبديهي الحذر منه.
لقد ذكر الله عز وجل من صفات المنافقين شيئًا كثيرًا، وكذلك عَدَّدَ رسولُ الله بعضَ صفاتهم، وهنا نتتبع شيئًا من علاماتهم كما وردت في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة؛ لكي نحذر الوقوع فيها، ولنعلم أيضًا المنافقين بصفاتهم سواء كانت مجتمعة كلها أو معظمها، ولنحذِّر غيرنا من الوقوع فيها فهي سبب للانحراف عن منهج الله والبعد عن الإسلام وتعاليمه من حيث يشعر مرتكبها أو لا يشعر، نسأل الله السلامة والعافية والعصمة من الوقوع فيها وفي غيرها من الآثام.
ومن أبرز صفاتهم ما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي قال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)).
وفي الحديث الأول إِخْبَارٌ من الذي لا ينطق عن الهوى من رسولنا محمد بأنه متى اجتمعت تلك الخصال الأربع في شخصٍ ما ذَكَرًا كان أو أنثى كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة من هذه الخصال كانت فيه خصلة من النفاق حتى يتركها ويبتعد عنها ويرجع إلى إيمانه النَّقِيِّ الصافي الخالص من علامات النفاق. وفي الحديث الثاني بين آية المنافق وهي علامته التي يمكن أنْ يُعْرَفَ بها، وفيها زيادة على الحديث الأول أنه إذا وعد أخلف الوعد ولم يَفِ به. ولا أستطرد في شرح وبيان تلك الصفات لأن الكلامَ عَرَبِيٌّ ومفهومٌ للجميع، ويفهمه طالب العلم والأمي والصغير والكبير، وأكتفي بإيراد الصفات مدعمة بالأدلة، فالذي ورد من صفاتهم سابقًا:
1- الخيانة في الأمانة أيًا كانت الأمانة، وليست مقصورة على أمانة المال بل الأمانة عامة.
2- الكذب في الحديث.
3- الغدر وعدم الوفاء بالعهد.
4- الفجور والخروج عن الطريق المستقيم عند الخصومة مع أي إنسان.
5- عدم الوفاء بالوعد، وهذه سبق دليلها.
6- الخداع ومرض القلوب وعدم صفائها والسعي بالفساد في الأرض، قال الله تعالى مخبرًا عنهم: يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 9-12].
7- الخوف من افتضاح أمرهم والاستهزاء بالمؤمنين وكذبهم عندما يسألون عن خوضهم في أعراض المؤمنين، قال تعالى: يَحْذَرُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِئواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة: 64-66].
وهذه الآيات وإن كان لها سببُ نزولٍ فإنَّ النَّصَّ عَامٌّ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما لم يرد نص من القرآن أو السنة تُخَصِّصُ وتُقَيِّدُ هذا العمومَ، لذلك فهو عام في المنافقين في أي زمان ومكان. عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة ـ قال: دخل حديث بعضهم في بعض ـ أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مِثْلَ قُرَّائِنَا هؤلاء أَرْغَبَ بطونًا، ولا أكْذَبَ ألسنًا، ولا أجْبَنَ عند اللقاء، يعني رسول الله وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرنَّ رسول الله ، فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رسولِ اللهِ وإن الحجارة لَتَنْكُبُ رِجْلَيْهِ وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله : أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ [التوبة: 65] ما يلتفت إليه وما يزيد عليه.
8- ومن صفات المنافقين أيضًا أنهم متكاتفون مع بعضهم ويُعِينُ بعضُهم بعضًا على الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله، فالبخل صفة ملازمة لهم، قال تعالى: ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ [التوبة: 67].
9- ومن علاماتهم أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين للضعف الحاصل في نفوسهم وانهزامهم وعدم ثقتهم بالله عزَّ وجلَّ وبنصره تبارك وتعالى؛ لذلك فهم يركنون إلى الكافرين ويسعون إليهم مع التَّرَبُّصِ بالمؤمنين وتَحَيُّنِ الْفُرَصِ والمخادعة والخداع بشتى صوره والذبذبة وعدم الثبات والكسل عند قيامهم للصلاة والرياء وعدم ذكر الله إلا قليلاً، ولنستمع إلى هذه الآيات المحكمة التالية التي تدل على ما ذُكِرَ من صفاتهم، قال تعالى: بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً [النساء: 138-143]، وقال تعالى: وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ [البقرة: 14-16]، وقال تعالى: يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ [المائدة: 51، 52].
10- البخل والشح وعدم الوفاء بالنذر واللمز والسخرية من المؤمنين، قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 75-80].
11- ومن صفاتهم وعلاماتهم نقلُ الأخبار الكاذبة وحبُّهم إشاعة الفاحشة والسوء في الذين آمنوا كما في حادثة الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد توعدهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ جَاءوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلّ ٱمْرِئٍ مّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 11]، وقال تعالى إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور: 19].
12- ومنها أيضًا أنَّ أجسامَهم تُعْجِبُ من ينظر إليها، وعندما يتكلمون ينخدع السامعُ بكلامهم ويستمع لقولهم، ولكنهم كما وصفهم الله تعالى وشبههم بالخشب المسندة، وكذلك هم دائمًا على خوف ووجل من سوء صنيعهم ويحسبون أن كل صيحة عليهم، قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون: 4].
وجزاء المنافقين من جنس فعلهم، فالله سبحانه وتعالى أعد لهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة كما في الآية السابقة وكما ورد في قوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء: 140]، وقال سبحانه: إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: 145]، وقال عز وجل: يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [التحريم: 9].
ولننظر إلى لطف الله بعباده وعفوه عنهم وسعة رحمته، فلو ارتكب العبد من المعاصي والآثام أَقْبحها وأَشْنَعها أو جمع بينها ثم تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له إنه هو الغفور الرحيم، ولنستمع إلى هذه الآيات من سورة النساء التي جاءت بعد الآيات السابق ذكرها والتي فيها معظم صفات المنافقين، فالواجب عليهم التوبة مع صلاح العمل والاعتصام بالله وبكتابه وسنة نبيه محمد ، قال تعالى: إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِرًا عَلِيمًا [النساء: 145-147].



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فلقد كان أصحاب رسول الله من المؤمنين الصادقين يخافون على أنفسهم من النفاق، فكيف لا نخاف نحن على أنفسنا في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن وكثر فيه النفاق وأهله؟! وكيف نأمن على أنفسنا ونزكيها ولم يأمن أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أحد المبشرين بالجنة وهو الذي ضرب الأمثلة الرائعة في تاريخ الإسلام بعدله واستقامته؟! فلقد سأل رضي الله عنه حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رضي الله عنه كَاتِمَ سِرِّ رسولِ اللهِ واسْتَحْلَفَهُ بالله بقوله: أستحلفك بالله، أما عَدَّنِي عندك رسول الله من المنافقين؟ فقال له: لا، ولا أخبر أحدًا غيرك، أي: أنه لا يخبر غيره من الصحابة هل هو مؤمن أو منافق؛ لأن ذلك سِرٌّ عنده أخبره به الرسول عن أسماء المنافقين لِيَعْلَمَ بعد ذلك أن ما عداهم مؤمنون.
وكان منْ حِرْصِ عمر رضي الله عنه أنه لا يصلي على جنازةِ مَنْ جَهِلَ حَالَهُ حتى يصليَ عليها حذيفةُ بْنُ اليمان رضي الله عنه لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، وذلك بعد موت رسول الله ، وهذا حرص منه رضي الله عنه على امتثال أمر الله، وقد نزلت هذه الآية تصديقًا له وتدعيمًا لِمَوْقِفِهِ وقَوْلِهِ رضي الله عنه، قال الله تعالى: وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَـٰسِقُونَ [التوبة: 84]، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دُعِيَ رسولُ الله للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه تحَوَّلْتُ حتى قُمْتُ في صدره فقلتُ: يا رسولَ الله أَعَلَى عَدُوِّ اللهِ ـ عبد الله بن أبيّ ـ القائلِ يوم كذا: كذا وكذا؟ أُعَدِّدُ أيَّامَهُ، قال: ورسول الله يَتَبَسَّمُ حتى إذا أَكْثَرْتُ عليه قال: ((أَخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، إني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قد قيل لي: ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ [التوبة: 80]))، قال: ((لو أعلم أني زدتُ على السبعين غُفِرَ له لَزِدْتُ))، قال: ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: فعجبتُ مِنْ جُرْأَتِي على رسول الله ، والله ورسوله أعلم. قال: فَوَاللهِ ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلَتْ هاتان الآيتان: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 84، 85]، فما صلى رسول الله بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل.
قال البخاري في صحيحه: قال ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويُذْكَرُ عن الحسن أنه قال: ما خافه إلا مؤمن ولا أَمِنَهُ إلا منافق.
هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم، يخافون على أنفسهم من النفاق الأصغر أو ما يسمى بالعملي، وليس النفاق الأكبر؛ لأن الأصغر وسيلة النفاق الأكبر، فالنفاق الأصغر أو ما يسمى بالنفاق العملي خمسة أنواع كما وردت في الحديثين السابقين وملخصها: ((إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)). أما النفاق الأكبر وهو ما يسمى بالنفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع: 1- تكذيب الرسول . 2- تكذيب بعض ما جاء به الرسول . 3 - بُغْضُ الرسول الله . 4- بُغْضُ بَعْضِ ما جاء به الرسول الله . 5- الْمَسَرَّةُ بانخفاض دين الرسول . 6- الكراهية لانتصار دين الرسول .
والأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار لأنه وإن كان يصلي ويصوم ويعمل بالعبادات الظاهرة أمام المسلمين للتَّسَتُّرِ ولكنه في حقيقته يُظْهِرُ خِلافَ ما يُبْطِنُ ويعمل ضد الإسلام والمسلمين في الخفاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله...


الخطبة الأولى
أما بعد: فإنّ من سعادة المؤمن أن يعيش مع تفسير القرآن العظيم ليفهم كلام ربّ العالمين حين يتلوه أو يُتلى عليه، واليوم نستعرض ما تيسر من سورة المنافقين، حيث بدِئت السورة بوصف طريقة المنافقين في مداراتهم لما في قلوبهم من الكفر، وإعلانهم الإسلام والشهادة بأن النبي هو رسول الله وحلفهم كذبًا ليصدقهم المؤمنون، واتخاذهم تلك الأيمان وقايةً وجُنَّةً يُخْفُون وراءَها حقيقة أمرهم ويخدعون المسلمين بها، قال تعالى: إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [المنافقون: 1، 2]. فهم كانوا يَجِيئُونَ إلى رسول الله فيشهدون بين يديه برسالته شهادة باللسان ولا يقصدون بها وجه الحق، إنما يقولونها للتقية، وليخفوا أمرهم وحقيقتهم على المسلمين فهم كاذبون في أنهم جاؤوا ليشهدوا هذه الشهادة، فقد جاؤوا ليخدعوا المسلمين بها، ويُدَارُوا أنفسَهم بقولها، ومِنْ ثَمَّ أكذبهم الله في شهادتهم بعد أن أثبت حقيقة الرسالة: وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ .
وقد اتخذوا أيمانهم وقاية حيث صَدّوا أنفسهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله بِأََسْوَإِِ خديعة وتضليل، ألا وهو الكذبُ الْمُؤَيَّدُ بالأيمان الكاذبة. فهم عرفوا الإيمان ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، قال تعالى: ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون: 2، 3].
وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ لأنهم أجسامٌ تُعْجِبُ لا أَنَاسِيَّ تَتَجَاوَبُ، وإذا كانوا صامتين لا يتكلمون فهم أجسام معجبة للعيون، وأما حين ينطقون ويتكلمون فهم خواء من كل معنى ومن كل حسّ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ لا حركة فيها، فهم دائمًا في حالة من التّوجّس الدائم والفزع والاهتزاز والخوف، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ، فهم يَتَوَجَّسُونَ من كل حركة ومن كل صوت ومن كل كلمة وهاتف يحسبونه يطلبهم وأنهم هم المقصودون؛ لأنهم يخافون من فضيحة أمرهم ونفاقهم.
ويُنَبِّهُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتعالت عظمته ينبِّه الرسولَ وأصحابَه والمؤمنين إلى يوم القيامة على حقيقة المنافقين بأنهم هم العدو الحقيقي الذي يَنْخُرُ في جسم الأمة المسلمة، والله تعالى مقاتلهم حيثما انصرفوا وأنَّى اتَّجَهُوا، قال تعالى: هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4].
وقال جل جلاله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأعَزُّ مِنْهَا ٱلأذَلَّ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [المنافقون: 5-8].
لقد ذكر غيرُ واحدٍ من السلف أنَّ هذا السِّيَاقَ السَّابِقَ من الآيات كله نزل في عبد الله بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فقال ابن إسحاق في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة على المريسيع وهو ماء لهم أي: لبني المصطلق، قال: فبينا رسول الله على ذلك الماء ـ بعد الغزوة ـ وَرَدَتْ وَارِدَةُ الناسِ، ومع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أَجِيرٌ له من بني غفار يُقَالُ له: جَهْجَاه، فازدحم جهجاهُ وسِنَانُ بْنُ يزيد الْجُهَنِيّ على الماء فاقتتلا، ـ أي: تخاصما ـ فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، وفي رواية للبخاري ومسلم: فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي : ((دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ))، ثم جاء في الرواية الأخرى: فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول وعنده رهط من قومه، وفيهم زيد بن أرقم غلام حَدَثٌ، فقال: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قد نَافَرُونَا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أَعُدُّنَا وجَلابِيب قريش إلا كما قال الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلكَ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله ، وذلك عند فراغ رسول الله من عدوه، فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: مُرْ به عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فليقتله، وفي رواية البخاري ومسلم: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله : ((دعه؛ لا يتحدث الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه، ولكن أَذِّنْ بالرحيل))، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله يرتحل فيها، فارتحل الناس وقد مشى عبدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ إلى رسول الله حين بلغه أنَّ زيدَ بْنَ أَرْقَمٍ قد بَلَّغَهُ ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به، وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال من حضر رسول الله من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أَوْهَمَ في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل؛ وذلك حَدَبًا منهم على ابن أبيّ بن سلول ودفعًا عنه. فلما اسْتَقَلَّ رسولُ الله وسَارَ لَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَحَيَّاهُ بتحية النبوة وسلّم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رُحْتَ في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها! فقال له رسول الله : ((أوَما بلغك ما قال صاحبكم؟)) قال: وَأَيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: ((عبد الله بن أبيّ))، قال: وما قال؟ قال: ((زعم أنه إن رجع المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ))، قال: فأنت يا رسول الله والله لتخرجنه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله اُرْفُقْ به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فإنه ليرى أنك قد اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا، ثم مشى رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أنْ وَجَدُوا مَسَّ الأرضِ فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ، ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبيّ ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أَخَذَ رسولُ اللهِ بِأُذُنِ زَيْد بْنِ أرقم ثم قال: ((هذا الذي أوفى الله له بأذنه)). وفي آخر إحدى الروايات: فبعث إليَّ رسول الله فقرأها عليَّ ـ أي: الآيات من أول إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ إلى لَيُخْرِجَنَّ ٱلأعَزُّ مِنْهَا ٱلأذَلَّ ثم قال : ((إن الله قد صدقك يا زيد)) رواه البخاري ومسلم.
وبلغ عبدَ الله بْنَ عبد الله بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ الذي كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإنْ كنتَ لا بدَّ فاعلاً فَمُرْنِي به فأنا أَحْمِلُ إليك رأسَهُ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله : ((بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا)). وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنِّفونه، فقال رسول الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين بلغه ذلك من شأنهم: ((كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدتْ له آنُفٌ لو أمرتُها اليوم تقتله لقتلته))، قال عمر: قد علمت واللهِ لأمْرُ رسولِ اللهِ أعظمُ بركةً من أمري.
وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبيّ على باب المدينة واسْتَلَّ سيفَه، فجعل الناس يمرُّون عليه، فلما جاءه أبوه عبد الله بن أبيّ قال له ابنه: وراءك، فقال: ما لك؟ ويلك! فقال: والله، لا تَجُوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله وكان إنما يسير في سَاقَةٍ الجيش ـ أي: في مؤخرته ـ ينظر المتخلفَ والضَّالَّ والمحتاجَ إلى مَعُونَةٍ، فشكا إليه عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابْنَهُ، فقال ابنُه عبدُ الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله فقال: أما إِذْ أَذِنَ لك رسولُ الله فَجُزِ الآنَ.
إنه لَنَمُوذَجٌ للمسلم المتجرد الطائع، وإنها لروعة تواجه القلب، روعة الإيمان في قلب، ذلك الابن المؤمن حقًا، بينما نجد على النقيض والعكس من ذلك في أبيه رأس المنافقين من زمن رسول الله وفي أمثاله إلى قيام الساعة. ذلك الموقف، موقف الرجل المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول وهو يأخذ بسيفه في مدخل المدينة على أبيه، فلا يدعه يدخل ليعلم الناس أن رسول الله هو الأعز وأن أباه هو الأذل، ألا إنها قِمَّةٌ سَامِقَةٌ تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال، رفعهم إلى هذه القمة وهم بشر، بهم ضعف البشر، وعواطف البشر، وهذا هو أجمل ما في هذه العقيدة حين يدركها المسلمون على حقيقتها، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تَدبُّ على الأرض، تدعو إلى الإسلام وتطبقه وتعمل به قولاً وعملاً في كل شؤون الحياة.



الخطبة الثانية
الحمد لله كتب العزة للمؤمنين والذلة على المنافقين، يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو العزيز الحكيم، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فإن المنافقين في أي زمان ومكان لهم صفات وعلامات عُرِفُوا بها، والخطبة القادمة إن شاء الله لبيان علاماتهم التي يُعْرَفُون بها، أما هنا فأقتصر على بيان خطة عرفوا بها كما ورد في السورة، تلك الخطة التي يتجلى فيها خُبْثُ الطَّبْعِ وخِسَّةُ المشاعر، تلك هي خطة التجويع التي يبدو أنهم يتواصون بها على مَرِّ العصور هم والكفار، وذلك لمحاربة أهل الإيمان، فهذه الطريقة عملتها قريش وهي تقاطع بني هاشم في الشعب لينفضُّوا عن نصرة رسول الله ويُسْلِمُوهُ للمشركين، وهي كذلك طريقة المنافقين كما وردت في القرآن الكريم من أجل أن ينفضَّ أصحابُ رسولِ اللهِ عنه ويتفرقوا تحت وطأة الضيق في العيش والجوع، قال تعالى: هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ [المنافقون: 7].
وتلك الطريقة نفسها يستعملها المنافقون والفاسقون في هذا الزمان مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ لحربِ المؤمنين وإيذائهم والتضييق عليهم في معيشتهم وإشغالهم بالبحث عن لقمة العيش، ويستعملها مع كل أسف أصحاب المناصب السياسية في البلاد المنتسبة للإسلام لإشغال شعوبهم بالبحث عن موارد لمعيشتهم ليصرفوهم إلى عدم التفكير في غيرها مما هم عليه من أمور يحسبون أن غفلة البشر عنها وعدم علمهم بها تُعْفِيهِمْ عن السؤال ومِنْ ثَمَّ العقاب يوم الحسرة والندامة، وجَهِلُوا أو تجاهلوا أنهم موقوفون ومسؤولون يوم القيامة عن شعوبهم ومن تحت رعايتهم ومسؤوليتهم عن عدم تأمين العيش الكريم لهم وإبعادهم عن الطرق المحرمة التي تلجئهم إلى تأمين ما يحتاجونه في حياتهم، ومن تلك الطرق المحرمة التي يلجؤون إليها السرقات والمتاجرة بالمخدرات والمحرمات، وأقلُّهم من يعمل في المؤسسات الربوية إنْ وَجَدَ له عملاً فيها مع أنه يتعذر على كثير من الشباب الحصول على وظيفة حتى في هذا المجال، والواجب على من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين في أيّ منصب كان وفي جميع بلاد المسلمين أن يتنبه لخطورة الموقف والأوضاع الراهنة ويتصوّر اتساع الخرق على الراقع في الأيام القادمة وأن يعمل في زمن المهلة على ما يُخَلِّصُهُ من ذلك الموقف الرهيب يوم القيامة لينجو من العقاب، وأما السؤال والحساب فلا بدّ منه، وليفكر كل مسلم في مسؤوليته عن هذا وغيره لأن كثيرًا منا مسؤولٌ عن ذلك مهما وضعنا رؤوسنا أو جهلنا أو تجاهلنا أو حاولنا التغافل عن ذلك، فجميعنا واللهِ مسؤولون، كلٌّ في منصبه وموقعه، فليفكر كلّ منا بِجِدِّيَّةٍ في هذا الأمر الخطير في هذا البلد وفي غيره من ديار المسلمين، الأئمة والخطباء والداعون إلى الله عمومًا والقضاة والعلماء وأرباب القلم والصحافة وغيرها والمتقلدون للمناصب أيًا كانت، الجميع مسؤول في جميع ديار المسلمين عن ارتكاب الجرائم والمحرمات والبعد عما حرم الله في المعيشة وغيرها من أمور المعاملات والعبادات، فالمسؤولية مسؤولية مشتركة لا تختص بمرتكبيها لأن الوسائل التي دفعتهم لارتكابها قد اشترك فيها عِدَّةُ جهاتٍ حيث سَهَّلُوا الوصولَ إليها وعملوا على توفير الأسباب الدافعة إليها دون النظر في عواقبها الوخيمة على الجميع في الدنيا والآخرة، فلنتصوّر ولنتأمّل هذه الأمور الشائكة والمعقدة ونستخدم الحلول الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله محمد .
أعود للقول بأن طريقة الحصار والتجويع هي طريقة الشيوعيين أيضًا في حرمان المتمسكين بالإسلام ليموتوا جوعًا أو يكفروا بالله ويتركوا الصلاة، وهي الوسيلة نفسها التي استخدمتها دول الكفر الآن بالحصار الاقتصادي لبعض بلاد المسلمين وديارهم وحرمانهم من العيش الكريم في بلادهم وعلى أرضهم، تلك الطريقة اللئيمة الخسيسة التي تستخدمها الدول الكبرى الكافرة وتنساق معها الدولُ الصغيرةُ الْمُشَكِّلَةُ في النهاية لما يسمى بالأمم المتحدة، وهي في حقيقتها وعلى هذه الكيفية تستحق أنْ تُسَمَّى بعصبةِ الأممِ الظالمةِ الشِّرِّيرَةِ، لأنها تتعاون في كثير من الأحيان على الباطل والإثم والعدوان والظلم الواضح للعيان، وهكذا يتفق على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان من قديم الزمان إلى هذا الزمان إلى قيام الساعة نَاسِينَ الحقيقة التي يذكرهم الله بها في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون: 7]. فمن خزائن الله في السماوات والأرض يرتزق هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فما أغباهم وأقل علمهم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين، قال تعالى: قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا [الإسراء: 100].
وهكذا يُثبِّتُ اللهُ المؤمنين ويُقَوِّي قلوبَهم على مواجهة هذه الخطة اللئيمة والوسيلة الخبيثة التي يلجأ إليها أعداء الله في حربهم ومعاداتهم، ولكي يُطَمْئِنَ المؤمنين إلى أن خزائن الله في السماوات هي خزائن الأرزاق للجميع، وهو سبحانه الذي يعطي أعداءه ولا ينسى أولياءه، وقد أوضح ذلك في عدة آيات من القرآن الكريم وأقسم عليه سبحانه وأنه هو الرزاق يرزق الإنس والجنّ وجميع مَنْ دَبَّ على هذه الأرض من حيوانات برية أو بحرية وحشرات وطيور وديدان، فقال تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود: 6]، وقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ [الذاريات: 56-58]. كما أقسم سبحانه لعباده على هذا الرزق ليطمئنهم عليه ويَثِقُوا ويَتَيَقَّنوا منه ويعلموا حقيقة ذلك كما أنهم متيقِّنُون من نُطْقِهِمْ فقال جل ثناؤه: وَفِى ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبّ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات: 22، 23].
وفي ختام هذه السورة التي فيها أوصاف المنافقين نادى الله عباده المؤمنين بأن لا تلهيهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكره سبحانه وتعالى، وعليهم أن ينفقوا مما منحهم الله ورزقهم إياه قبل فوات الأوان ومجيء الموت وقبل أن يتركوا كل شيء وراءهم لغيرهم وقبل أن يرجوا ويتمنوا التأخير وأنى لهم ذلك، قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 9-11].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27-06-09, 04:03 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

ثلاثون علامة للمنافقين

النفاق داء خطير خاف منه الصالحون والمخلصون، وأما الكاذبون في إيمانهم فقد فضحهم الله وكشف سرائرهم ومكائدهم، ولهم علامات ذكرت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها:
الكذب، والغدر، والفجور، وخلف الوعد، والكسل في العبادات، والرياء، وقلة الذكر، وقلة الصلاة، ولمز المطوعين، والاستهزاء والسخرية، والإنفاق كرهاً، والتخذيل، والإرجاف، والاعتراض على أقدار الله، والوقوع في أعراض الصالحين، والتخلف عن صلاة الجماعة، والإفساد في الأرض، ومخالفة الظاهر للباطن، والتخوف من الحوادث.
النفاق وخطره


الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً, وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إخوتي في الله.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته..
ومع أول مستهل هذا الدرس بمدينة الخميس أحيي وأشكر فضيلة الشيخ أحمد الحواش إمام هذا الجامع، على استضافته لهذه الدروس.
وعنوان هذا الدرس: "ثلاثون علامة للمنافقين" نعوذ بالله من النفاق, ونسأل الله عز وجل أن يشافينا منه، وأن يبرأ قلوبنا من هذا المرض الخطير.
ثلاثون علامة للمنافقين في كتاب الله عز وجل, وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وأنا أسردها سرداً، ثم أعود أفصلها بالأدلة، والله المستعان والموفق.
والمقصود من هذا: أن يتنبه المؤمن من النفاق, وأن يخشاه، ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان تعليق من كلام الحسن البصري [[ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق ]] أي: ما خاف النفاق إلا مؤمن, فالمؤمن دائماً يخاف النفاق, وأما من يأمن النفاق فهو المنافق.
قال عمر لـحذيفة في الصحيح: [[أسألك بالله يا حذيفة ! أسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ قال: لا. ولا أزكي أحداً بعدك ]].
والنفاق هذا إذا لم يتنبه له المسلم وقع فيه وقعة ما بعدها وقعة، تودي به إلى نار تلظى.......

أقسام النفاق


النفاق قسمان عند أهل السنة :......


النفاق الإعتقادي


أولاً: نفاق يخرج من الملة, وصاحبه في الدرك الأسفل من النار, وهو الذي يكذب في الباطن برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولو أظهرها في الظاهر، أو يكذب بالكتب، أو بالملائكة، أو بأي أصل من أصول أهل السنة , ودليل ذلك قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:8-10].


أعلى الصفحة


نفاق العمل


ثانياً: نفاق لا يخرج من الملة، وقد دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين {آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان }.


أعلى الصفحة


علامات المنافقين


وأسرد لكم علامات المنافقين الثلاثين:
1/ الكذب.
2/ الغدر.
3/ الفجور.
4/ الخلف في الوعد.
5/ الكسل في العبادة.
6/ المراءاة.
7/ قلة ذكر لله عز وجل
8/ نقر الصلاة.
9/ لمز المطوعين من المؤمنين والصالحين.
10/ الاستهزاء.
11/ الحلف مداجاة (مطاولة ومداراة).
12/ الإنفاق كرهاً.
13/ التخذيل.
14/ الإرجاف.
15/ الاعتراض على القدر.
16/ الوقوع في أعراض الصالحين.
17/ التخلف عن صلاة الجماعة.
18/ الإفساد في الأرض بزعم الإصلاح.
19/ مخالفة الظاهر للباطن.
20/ التخوف من الحوادث.
21/ الاعتذار كذباً.
22/ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
23/ يقبضون أيديهم بخلاً وشحاً.
24/ نسيان الله عز وجل.
25/ التكذيب بوعد الله، وبوعد رسوله صلى الله عليه وسلم.
26/ الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن.
27/ التفاصح والتملق والتشدق.
28/ عدم الفقه في الدين.
29/ الاستخفاء من الناس ومبارزة الله بالذنوب والخطايا.
30/ الفرح بمصيبة المؤمنين والتضايق من مسراتهم.
شكى الصالحون من النفاق, وبكوا منه, وخافوا على أنفسهم, وتبرءوا إلى الله منه، وسألوا الله أن يشافيهم من النفاق, والنفاق كثير، خاصة مع هذا العصر، وكثرة الفتن والمفاسد, وما طمت به المادة الغربية الملحدة المتزندقة, من ثقافات وسموم وانحرافات.
وقد ذكر الله المنافقين في أكثر من سورة, بل خصص لهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى سورة كاملة، هي: سورة التوبة، تسمى: الفاضحة لأنها فضحتهم, ذكر فيها خمس مرات: ومنهم ومنهم ومنهم..! وخصهم الله بسورة المنافقين, فابتدأها سُبحَانَهُ وَتَعَالى بقوله: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1].
أحدهم أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله! لن أخرج معك في غزوة تبوك ؛ لأني رجل إذا رأيت بنات بني الأصفر لا أصبر عن النساء, فعذره عليه الصلاة والسلام, فأنزل الله قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49].
جاء ابن جميل فقال: يا رسول الله! أنا فقير؛ فادعُ الله أن يغنيني من خزائنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى, فوالله يا رسول الله! لئن أغناني الله لأتصدقن ولأعطين ولأبذلن, فدعا له, فلما أتت عليه الزكاة كفر بها، ورفضها، ومنع وبخل وقبض يده, فأنزل الله قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:75-76].
قال عبد الله بن أبي -وقد تضارب مهاجري وأنصاري-: والله لئن رجعنا إلى المدينة من تبوك ليخرجن الأعز منها الأذل, فأنزل الله على رسوله الآيات، وكذبه، وجعل الدائرة عليه، ومات منافقاً رعديداً زنديقاً.......

الكذب


أيها المسلمون! أول علامة من علامات النفاق: الكذب, قال ابن تيمية : الكذب ركن من أركان الكفر.
وذكر -رحمه الله- أن الله إذا ذكر النفاق في القرآن ذكر معه الكذب, وإذا ذكر الكذب ذكر النفاق, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:9-10] وقال سبحانه -كما أسلفت- في سورة التوبة: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107] فذكر الله الكذب, وإذا ذكر النفاق ذكر قلة الذكر, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في آخر سورة المنافقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون:9] فنفى الله عن المؤمنين النفاق بذكرهم, ووصف الله نفاق المنافقين بقلة ذكرهم.
والكذب, يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين : {آية المنافق ثلاث، وذكر منها: وإذا حدث كذب } فمن كذب مازحاً أو جاداً، أو كذب لأمر، أو لحيلة، ففيه شعبة من النفاق, وما كذب إلا لنفاق في قلبه والله المستعان! وهو علامة صارخة تشهد على صاحبه بالنفاق.
وكذلك من كذب مازحاً، فإن بعض الناس يتساهل في ذلك, وعند أحمد في المسند بسند جيد: {ويل له, ويل له, ويل له, من كذب الكذبة ليضحك القوم } أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
والكذَّاب ملعون، سواء كان جاداً أو مازحاً، فليتنبه لهذه الخصلة الذميمة، فإن مبنى النفاق وركن النفاق الأعظم وقطبه ودائرته وبركانه وعموده هو الكذب, وما نافق المنافقون إلا بكذب في قلوبهم، وهو يبدأ كالقطرة في القلب، ثم يتعمق ويتطور حتى يصبح فسطاطاً عظيماً, ويصبح حصناً من حصون النفاق والعياذ بالله, فأحذركم ونفسي من الكذب, إياكم والكذب فإن الكذب مدد للنفاق, والله وصف المنافقين بالكذب، فقد كذبوا في أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم.


أعلى الصفحة


الغدر


العلامة الثانية: الغدر, والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: {وإذا عاهد غدر } من أعطى المسلمين بيمينه أو عاهده أو ولي الأمر أو مسلماً أو كافراً في حرب في معاهدة ثم غدر؛ فقد أشهد على نفسه بالنفاق, ولذلك ثبت في حديث بريدة يوم قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم يوم ولى الأمير وقال: {وإذا سألك أهل حصن أن تنزلهم في ذمة الله، فأنزلهم في ذمتك أو ذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم أهون -أو أسهل- من أن تخفروا ذمة الله }.
فمن أعطى عهده رجلاً أو امرأته أو ولده أو صاحبه أو صديقه أو ولي أمر ثم خانه وغدره بلا سند إسلامي، فهذا علامة وركن من أركان النفاق والعياذ بالله.


أعلى الصفحة


الفجور


العلامة الثالثة: الفجور في الخصومات؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين {وإذا خاصم فجر }.
قال أهل العلم: "من خاصم مسلماً -لأن مخاصمة الكفار لها باب آخر يفصلونه عن مخاصمة المسلمين- ثم فجر في خصومته، فقد أشهد الله على ما في قلبه أنه فاجر منافق".
وأما الكافر فهناك حديث: {الحرب خدعة } وقد عمل به علي رضي الله عنه مع الكفار, وله تفصيل آخر إذا خان الكفار, فغدرهم أو اللعب بهم والاحتيال عليهم وارد لا غدراً ولا فجوراً, وإنما من باب الحيلة، ولها بحث.


أعلى الصفحة


خلف الوعد


الأمر الرابع: الخلف بالوعد فمن وعد ثم أخلف وعده فقد ورث شعبة من شعب النفاق, يذكر عنه صلى الله عليه وسلم في السير بأسانيد تقبل التحسين, أنه وعد رجلاً عليه الصلاة والسلام أن يلاقيه, فأتى عليه الصلاة والسلام للموعد فأخلف ذاك الرجل, فبقي صلى الله عليه وسلم في المكان ثلاثة أيام بلياليها, فتذكر الرجل فجاء, فقال له صلى الله عليه وسلم: {لقد شققت عليّ } فمن أخلف في ميعاده ولم ينضبط ففيه علامة من النفاق, من وعدك في ساعة أو في يوم أو في مكان, ثم أخلف ميعادك بلا عذر، فاعلم أن فيه شعبة من النفاق, فاغسل يديك منه.
كان أحد الصالحين إذا وعد أخاه، قال: إن شاء الله ليس بيني وبينك موعد, إن استطعت حضرت وإن لم أستطع فالعذر, لئلا تكتب عليه شعبة من شعب النفاق والعياذ بالله, وهذا النفاق العملي الذي يأتي كثيراً، وذلك لقلة الإيمان في بعض المسلمين، أصبحوا يخلفون الميعاد، ويكذبون، ويفجرون، ويغدرون, فإذا سافر المسافر إلى دول الكفر ورأى انضباطهم -في النفع من أجل المادة- وانضباط مواعيدهم, قال: عجيب! وجدت هناك الإخلاص والصدق والأمانة, وأتى يمدح في أعداء الله، وأذناب كل ملحد رعديد، ويسب المسلمين, فنقول له: وجدت هناك قوماً يتعاملون بالدرهم والدينار، ويعبدون المنفعة، فانضبطوا, ووجدت هنا قوماً ليس عندهم إيمان، فخالفوا شرع الله، فقبحوا صورة هذا الدين في عيون المسلمين.
والعجيب أن هناك كتاباً في الساحة مذكرات للرئيس الأمريكي "ريجن " الهالك المتزحلق من الرئاسة, يذكرون عنه أن مواعيده كانت بالدقيقة بل بالثواني, وكان يدخل البيت الأبيض -وهذا من باب: الحكمة ضالة المؤمن- في الساعة الثانية والثامنة والخمسين دقيقة، فيتكلم مع نائبه دقيقتين ثم يجلس على مكتبه, فينقل بعض المعلقين الصحفيين، فيقول: هذا هو الانضباط, والصدق والإخلاص, وأي صدق عند ذلك الفاجر؟ وأي إخلاص عن رجل باع ذمته وعهده ووقته وأيامه؟ بل هو عدو لله، ولكنه نفعي، يعبد كرسيه وهو بعيد عن الله.


أعلى الصفحة


الكسل في العبادة


العلامة الخامسة: الكسل في العبادة, قال سبحانه: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] إذا رأيت الإنسان يتكاسل عن الصلاة، وعن الصف الأول، وعن الذكر، وعن الدعوة، والعلم، وعن مجالس الخير, فاعلم أن في نفسه وسوسة وأن الشيطان يريد أن يفرخ ويبيض في قلبه, فليتنبه لذلك, ليس المعنى أن من صلّى فهو بريء من النفاق, والمنافقون كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم, لكن علامة صلاتهم كسالى: يقومون بكسل وببطء وببرود لا يعرفون القوة, ولا الحياة, والله يقول: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] أما هؤلاء فيجر أحدهم أقدامه، فكأنما يجر بالسلاسل إلى المسجد, فيقف في طرف الصف أو في آخر المسجد, لا يدري ماذا قرأ الإمام, لا يتدبر ولا يعي.
فقل للعيون الرمد للشمس أعين تراها بحق في مغيب ومطلع
وسـامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي
وقد ورد في صحيح مسلم من حديث الأسود بن يزيد العراقي العابد {قال: قلت لـعائشة : متى كان صلى الله عليه وسلم يستيقظ لصلاة الليل؟ -أي: قيام الليل- قالت عائشة : كان يستيقظ إذا سمع الصارخ } -الصارخ: هو الديك- وقالت عائشة : {وكان صلى الله عليه وسلم يثب وثباً } -ما قالت يقوم قياماً- إنما يثب وثباً, وهذا يدل على الشجاعة, والحيوية, وحرارة الإيمان, وعلى قوة الإرادة, يأتي إلى العبادة بطاعة, ولذلك تجد الصالح ينظر دائماً في عقارب ساعته, متى يؤذن؟ هل حان وقت الصلاة؟ هل أقبل الوقت؟ ثم يقوم مبادراً.
قال الإمام أحمد في كتاب الزهد في ترجمة عدي بن حاتم : [[والله ما قربت الصلاة إلا كنت لها بالأشواق ]] , وقالوا عن سعيد بن المسيب عن سيرته: [[ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ]].
وهذا هو الإيمان والله! وإذا رأيت الرجل في الروضة، وفي الصف الأول, فاشهد له بالإيمان. وعند الترمذي بسند فيه مقال، فيه دراج أبي السمح عن أبي الهيثم وفيه ضعف, قال صلى الله عليه وسلم: {من رأيتموه يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان } لكن معناه صحيح عند أهل العلم, فإن من أتى المسجد وداوم على ذلك, برئ -إن شاء الله- من النفاق الاعتقادي, وعليه أن يبرأ نفسه من النفاق العملي.
فالكسل يا إخوتي في الله! علامة من علامات النفاق، وتظهر في العلامات الثلاث, في العبادة، في الصيام، في الذكر، في الإقبال للدروس وإلى العلم النافع، إلى الدعوة, فليتنبه العبد, وليحذر على نفسه من الكسل, فإنه والله داء خطير وصف الله به المنافقين والعياذ بالله.


أعلى الصفحة


الرياء والسمعة


العلامة السادسة: المراءاة في العبادة، قال تعالى: ((يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: {من راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به }.
كيف الرياء؟
يخشع أمام الناس، وينقر صلاته في الخلوة, إذا جلس مع الناس، عليه زهد وعبادة, ويتأدب في مجلسه, وفي كلامه ومنطقه, فإذا خلا بمحارم الله انتهكها, وعند ابن ماجة من حديث أبي هريرة بسند يقبل التحسين، قال عليه الصلاة والسلام: {ليأتين أقوام يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة , يجعلها الله هباءاً منثوراً, قال الصحابة: يا رسول الله! أليسوا بمسلمين؟ قال: بلى، يصلون كما تصلون, ويصومون كما تصومون, ولهم أموال يتصدقون بها وكان لهم حظ من الليل, لكنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها }.
فعلامة المنافق الرياء, يعمل لأجل الناس، ويتكلم لأجل الناس, ونحن نسأل الله أن يطهرنا من الرياء والسمعة, فإنها أخطر الأمراض, وإذا وقعت على العبد أفسدت عمله.
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: {أن الله يقول يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من أشرك معي في عمل تركته وشركه } فلا يقبل الله من عمل المرائي قليلاً ولا كثيراً, وعند أحمد في المسند قوله صلى الله عليه وسلم: {الرياء شرك } وقد بكى الصالحون من تخوفهم من الرياء، وشكوا إلى مولاهم، وسألوا الله أن يبرأهم من الرياء, فقد يدخل النفقة رياء، والصلاة رياء، والذكر والصيام ولا مفر لنا من الرياء إلا بثلاثة أمور:
1/ أن تعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله, ولا يعافي ولا يشافي، ولا يحيى ولا يميت، ولا يبسط ولا يجزي، ولا يعاقب إلا الله.
2/ أن تعرف قدر المخلوق، وأنه ضعيف هزيل، لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا أجراً ولا عقوبة, فعليك أن تهدأ.
3/ أن تدعو بالدعاء الحسن الذي قاله عليه الصلاة والسلام معلماً أصحابه أن يقول أحدهم: {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاًَ وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم }.
قال الحسن البصري : [[اللهم إني أعوذ بك من الرياء والسمعة ]] وفي لفظ عنه في الترجمة أنه قال: [اللهم اغفر ريائي وسمعتي ]].
فالله الله!! أما السمعة فهو طلب الصيت والعمل من أجل الشهرة, وهؤلاء يفضحهم الله على رءوس الأشهاد, نسأل الله أن يشافينا من الرياء والسمعة.


أعلى الصفحة


قلة الذكر


العلامة السابعة: قلة الذكر. سبحان الله! يذكرون الله لكن قليلاً, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً [النساء:142] ولم يقل: لا يذكرون الله, يذكرون الله لكن قليلاً, ربما المنافق يذكر الله، ويسبح قليلاً, لكن لسانه ميت، وليس عنده نشاط على الذكر, وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء {تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى تدنو من الغروب -وفي لفظ: حتى تَصْفَر - ثم يقوم فينقر أربع ركعات لا يذكر الله فيها إلا قليلاً } سبحان الله! يصلي ويذكر الله قليلاً ومنافق.
أما علامة الإيمان فكثرة الذكر, قال ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب ": لو لم يكن من فوائد الذكر إلا أنه ينفي عن صاحبه النفاق لكفى به فائدة، قيل لـعلي : الخوارج منافقون؟
الخوارج الذين قتلهم رضي الله عنه وأرضاه، قال:
[[ لا. هؤلاء يذكرون الله كثيراً, والمنافق يذكر الله إلا قليلاً ]] وقال سبحانه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وقال سبحانه: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وقال تعالى: يَذْكُرُونَ الذينَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] وقال سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41].
قيل لـابن الصلاح المحدث الشافعي: كيف يذكر الله كثيراً؟
قال: من حافظ على الأذكار المأثورة عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر الله كثيراً، من حافظ على أذكار أدبار الصلوات وفي الصباح والمساء, ومع الطعام والشراب, ومع النوم والاستيقاظ, ومع رؤية البرق وسماع الرعد ونزول الغيث, ومع دخول المسجد والخروج منه وأمثالها, فقد ذكر الله كثيراً.
ونسب إلى ابن عباس أنه قال: [[من ذكر الله في الحل والترحال، والإقامة والظعن، والصحة والمرض، فقد ذكر الله كثيراً ]].
وذكر عن بعضهم أنهم قالوا: ذكر الله كثيراً ألا يزال لسانك رطباً من ذكر الله، وعند الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن بسر قال: {يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ, فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله } وعند مسلم في الصحيح, قال عليه الصلاة والسلام: {لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر, أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس } وفي لفظ {أو غربت } وعند مسلم عن أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: {سيروا هذا جمدان ، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات }.
فيا إخوتي في الله.. أوصيكم بالذكر، قليل الذكر يخشى عليه من النفاق, علقوا قلوبكم بالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، والاستغفار، والتوبة، والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن أحسن كتب الذكر والأذكار ثلاثة: الأذكار للنووي والوابل الصيب لـابن القيم والكلم الطيب لـابن تيمية .



أعلى الصفحة


نقر الصلاة


وأما المسألة الثامنة من علامات المنافقين: فنقر الصلاة تلك صلاة المنافق، وقد ثبت في الحديث الصحيح: {ينقر أربع ركعات } أي: ومعنى نقر الصلاة: أي السرعة في الصلاة، وعدم الخشوع فيها، والتؤدة، وعدم التريث، وقلة الذكر في الصلاة، وشرود القلب، وعدم استحضار عظمة الله عز وجل وهيبته ومقامه كل هذا من علامات المنافقين.
يقول ابن القيم في المدارج : يصلي المصلي بجانب أخيه في صف واحد، ووراء إمام واحد، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لأن هذا في قلبه إخلاص وحب وأشواق ومراقبة وخشية, وفي قلب هذا شرود وبعد وموت والعياذ بالله.
فالله الله.. بالانتباه في الخشوع في الصلاة, قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] وأدلكم على رسالة الخشوع في الصلاة لـابن رجب , فهي أحسن ما كتب في الصلاة.


أعلى الصفحة


لمز المطوعين


ومن علامات النفاق، وهي التاسعة: لمز المطوعين من المؤمنين والصالحين, اللمز: نيل الأعراض منهم، وسل الألسنة عليهم, والمطوعين يدخل فيهم: المتصدقين طاعة, والباذلين أنفسهم في سبيل الله, تجد المنافق في كل مجلس لا هم له إلا الصالحين, المطاوعة المتزمتين المتطرفين!! لا يتكلم في اليهود، ولا في النصارى، ولا في الشيوعيين، ولا في الزنادقة, إنما همه صباح مساء, الصالحين من أولياء الله يتكلم فيهم وينالهم في المجالس ويجتهد بهم, مثل بعض الكتبة العصريين في كتاب له يقول: سألني رجل في الإمارات كث اللحية عن الكولونية!! -هو داعية في الظاهر نسأل الله أن يغفر لنا وله- مقصوده اللحية يحاربها والثياب, لا أدري كيف يفهم السنة إلا أن تكون سنة عوجاء؟
قال: وفي الجزائر سألني سائل كث اللحية عن مسألة تقصير الثياب؟ وسألني ساءل آخر كث اللحية عن مسألة الحجاب؟
فنقول له: ما علاقة السؤال وكث اللحية والحجاب؟ إلا الهمز واللمز.
فيا إخوتي.. فلينتبه المؤمن، فإن علامة المنافق أن ينال من الصالحين، يتتبع آثارهم، ويستهزئ بهم، مثل: العلماء، والدعاة، وطلبة العلم والعباد والمستقيمين, ولذلك يقول الأول -وقد تكرر هذا كثيراً- وذكره ابن القيم في كتاب شفاء العليل , قال لما ذكر المبتدعة وهم يهاجمون أهل السنة , قال: نحن وإياهم كما قال الأول:
ولـو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقاه لكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
وقال العربي لأخيه، يعني ليكون أخوه واضحاً, قال:
فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطّرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصفت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني
من يسبب في إرباك الصالحين والنيل منهم ومن سننهم, فهو علامة النفاق والعياذ بالله.


أعلى الصفحة


الاستهزاء والسخرية


ومن علاماتهم: الاستهزاء بالقرآن والسنة والرسول صلى الله عليه وسلم, سمعت عن فاجر حداثي في هذا العصر, من طريق أحد الثقات, بأن هذا الفاجر انسلخ -نعوذ بالله من الانسلاخ- لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي, ولا يكفي هذا! بل تقحم على السنة، واستهزأ برسول الله عليه الصلاة والسلام, وإن كانت صحت عنه هذه القصة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
جلس مع شباب من أمثاله, فاستغواهم وحرفهم عن طريق الجنة, أخذهم إلى طريق النار, قال: تريدون أن أحدثكم من أحاديث أبي هريرة ؟
قالوا: حدثنا من أحاديث أبي هريرة .
قال: حدثتني عمتي قالت: حدثتها خالتها، أن جدتها سمعت قائلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه وهم حوله: أتدرون ما البيبسي؟ -البيبسي هذا المشروب وهو لم يكن في عهد الرسول, ولكن استهزاءً- قالوا: لا ندري! قال: قوموا عني ما تدرون ما البيبسي؟!!
فهذا يكفي في تكفيره, وقد كفر بهذه الكلمة, وأصبح دمه هدراً, وحده السيف, ولا يصلى عليه, ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين, بل هو كافر قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] وقد أنزلها الله في قوم من المنافقين صلوا وصاموا وجاهدوا معه صلى الله عليه وسلم, ولكن قال أحدهم: ما وجدنا كقرائنا هؤلاء -أي: الصحابة- أرغب بطوناً، وأجبن عند اللقاء! فأنزل الله كفرهم في هذه الآية، ومقتهم وفضحهم على رءوس الأشهاد, فلا إله إلا الله كم من قصر مشيد للإسلام هدموه! وكم من حصن أوقعوه! وكم من بيت أخربوه! وكم من دار وكم من بلد دمروه! وجزاؤهم نار جهنم وساءت مصيراً.
الاستهزاء: يكون بالاستهزاء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم, كالاستهزاء بالثياب, والسواك، واللحية, والجلوس, والهيئات, والأحاديث.. ونحوها.
حكم المستهزئ المتعمد: أنه كافر.


أعلى الصفحة


الحلف مداجاة (مطاولة ومداراة)


ومن علاماتهم: الحلف مداجاة مطاولة ومداراة, يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16] أي: وقاية لهم.
إذا سألته حلف, وأسهل شيء عليه اليمين وهو كاذب, دائماً يحلف والله لأفعل..! والله قد فعلت..! والله ما أردت..! يغتاب رجلاً؛ فإذا سمع المغتاب أو الذي قيلت فيه الغيبة أتى, وقال: والله ما قلت فيك شيئاً, والله إنك أحب الناس إليّ! والله إنك صاحبي! وقد كذب اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة:16].
فمن علامة المنافق: أنه أكثر الناس يميناً كاذباً وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم:10] , والحلَّاف: كثير الحلف بصيغة مبالغة على وزن فعّال, أي: يحلف باستمرار.
قال الشافعي : (ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً لله درّك ما أتقاك..ورع, يعني: توقيراً لعظمة الواحد الأحد, فجزاه الله خيراً على ورعه.
ومما يذكر في هذا الجانب على باب الاستطراد في باب الورع: أن البخاري قال: ما اغتبت مسلماً منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها, وفي لفظ عنه في أنه قال: ما اغتبت مسلماً منذ بلغت الحلم.
قالوا: ونقد الرجال؟
تقول: فلان وضاع, فلان كذاب, وفلان سيئ الحفظ؟
قال: ليس هذا من هذا, هذا من باب الذب عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: {ائذنوا له بئس أخو العشيرة }.


أعلى الصفحة


الإنفاق كرهاً


ومن علامة المنافقين، وهي الثانية عشرة: الإنفاق كرهاً, ينفق ويتصدق ويتورع، وقد يبني المساجد، وقد يعطي, ولكن إما رياءً وإما سمعة، وينفق وهو كاره للنفقة, ينفق لأمور في نفسه، الله أعلم بها, إما للشهرة, وإما ليداجي بعض الناس, وإما يتوجه ويراعي بعض القوم، فينفق كرهاً وهو لا يريد النفقة, والمسلم إذا أنفق انشرح صدره وارتاح, وحمد الله تعالى أن سهل له مشروعاً في الخير أو فقيراً أو مسكيناً فحمد الله على هذه المكاسب, هذه علامة المؤمن.
فيا إخوتي في الله.. ليتفقد الإنسان نفقته ورياله ودرهمه أين ينفقه؟
إن رأى رياءً، أو كره في نفسه، فليمسك درهمه عليه, لئلا يضيع ماله وينفقه ثم يكون عليه حسرة، ويندم يوم العرض الأكبر.


أعلى الصفحة


التخذيل


الثالث عشر: التخذيل, فمن علامة المنافقين أنهم يخذلون في صفوف المسلمين, فالمنافق دائماً متشائم, يقول: الكفار أقوى من المسلمين, عندهم من المعدات والقوات ما الله به عليم, يقول: هل يستطيع المسلمون أن يقاتلوا أمريكا ؟ أمريكا صاحبة أسلحة نووية, وقنابل ذرية, ونحن المسلمون في هلاك ودمار وضعف ومسكنة دائماً, ولذلك تجد المنافقين الذين قدموا من هناك وغُسلت أدمغتهم, وأصبحوا صوراً للكافر والمستعمر الأجنبي، وهم من أبنائنا, يصورون عظمة أمريكا دائماً, قواتها، صواريخها، طائراتها, ودائماً يذكر ضعفنا وقلتنا؛ لأنه ما اعتز بالله, إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160] , وقال سبحانه: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126] وقال جل وعلا: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت:41] لكن لا يشعر، ما علم أن العزة من عند الله, فهو دائماً يخذل, تذكر له الجهاد الأفغاني، قال: لا. روسيا لن تترك المجاهدين، سوف تسحقهم سحقاً, عندها من القوات الكبيرة, يريد أن يخذل شباب الجهاد, قال: لا أرى أن تذهبوا، سمعنا بقتال عظيم, وأن المجاهدين يسحقون سحقاً, يذهبون إلى المحاضرات يخذل، قال: المحاضرات هذه ليس فيها فائدة, يقول أحدهم: تحضر عند هؤلاء المشايخ وطلبة العلم، لا يقولون إلا: اتقوا الله اتقوا الله.. دائماً, وهل أحسن من كلمة: (اتق الله)؟ وهل هناك أجمل وهل أنبل وأفضل منها؟ لا والله, فهو يخذل، يقول لزملائه: لا تحضروا الدروس، هذه أمور مكررة, عليك أن تبقى في بيتك، لا تضيع وقتك في أمور نعرفها في الكتب، وهذا من التخذيل، وهو علامة النفاق والعياذ بالله.


أعلى الصفحة


الإرجاف


الرابع عشر: الإرجاف, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ [الأحزاب:60] , وهم يدخلون في التخذيل, والإرجاف والتخذيل ربما بينهم أمور نسبية، لكن المرجف يضخم الحوادث, يقع أمر بسيط فيكبره, يسمع بمصيبة تقع على عالمٍ أو على مجاهد من المجاهدين فيكبرها.
مثلاً: يقتل مجاهد من المجاهدين، قال: سمعنا أنه قتل ثلاثمائة من المجاهدين, يقع أمر بسيط، قال: وقع على العالم الفلاني من الوقائع ما الله به عليم.
يخطئ عالم في مسألة فرعية أو جزئية، قال: الله يهدينا وإياه يخطئ دائماً، عنده من الأخطاء ما الله بها عليم, ما هذا العلم، ما كأنه يفقه شيئاً!
يتكلم داعية فتزل لسانه فيضخمها ويصورها وينقلها في المجالس, أما سمعتم ماذا قال فلان؟ ولهذا الداعية من الحسنات ألوف الحسنات، ولكن لا ينشرها في الناس, قال الشعبي : ما رأيت كالمرجفين, والله لو أصبت تسعاً وتسعين لنسوها ولعدوا عليّ غلطة واحدة, أي: أنت تصيب مائة مرة, ولكن تخطئ مرة, نسوا مائة مرة وعدوا عليك المرة، وهو من الإرجاف, يزعزعون القلوب.


أعلى الصفحة


الاعتراض على القدر


ومن علاماتهم: الاعتراض على القدر, قال سبحانه في المنافقين: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168] لو أطاعونا، أي: عندما خرجوا إلى أحد ، قال لهم المنافقون: لا تخرجوا إلى أحد ، لا تقاتلوا, اجلسوا معنا, فعصوهم وخرجوا، فقتلوا شهداء في سبيل الله, فيقولون -يتبجحون في المجالس-: أشرنا عليهم، قدمنا لهم النصيحة، أوصيناهم، ولكن خالفونا، ولو أطاعونا ما قتلوا, قال سبحانه: قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 168] والله أنتم كذبة، وسوف تموتون لكن كما تموت الحمير.
لعمرك ما الرزية فقدُ مالٍ ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقدَ شهمٍ يموت بموته بشر كثير
يقولون: من يموت في ممسى الدجاج مثل من يموت بالسيف في سبيل الله, هذا ميت وهذا ميت, لكن ذاك في سبيل الله، وهذا ميت من الميتين, ومن يموت في الخمارة ويغص بالخمر كمن يموت في سبيل الله في الظاهر, لكن ذاك في الجنة وهذا معرض للعذاب والعياذ بالله.
فطعم الموت في أمرٍ حقير كطعم الموت في أمرٍ عظيم
أو كما قال..
إذاً: فالاعتراض على القدر من علامات النفاق, والمؤمن يسلم بالقدر: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22] وقال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:49-50] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156] والمنافق يعترض, يموت ابنه في الحادث فيقول: لماذا خرج بدون إذني؟!
هذا السائق متهور! هو الذي صدمه! لو ترك الابن الخروج..! ويلوم الناس؛ وهذا كفر بالقضاء والقدر, وهي علامة النفاق, لا. قل: آمنت بالله وسلمت.
كل شيء بقضاء وقدر والليالي عبر أي عبر
وفي صحيح مسلم عن سهيل مرفوعاً: {عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له, وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له, وليس ذلك إلا للمؤمن }.
قال عمر : [[والله لا أبالي أمطية الفقر ركبت أو مطية الغنى ]].
فسبحان الله! كيف أرضى الله أولياءه بالقضاء والقدر, وكيف أحرم المنافقين لذة الإيمان بالقضاء والقدر, ومع ذلك سوف يذوقونها مراً ثم يعرضون على الله وهم نادمون.
يقول أبو تمام لأحد إخوانه يعزيه يقول:
أتصبر للبلوى رجاءً وحسبة فتؤجر أم تسلو سلو البهائم
يقول: إما أن تصبر وتحتسب وإلا والله لتسلون كما تسلو الدابة عن ولدها.


أعلى الصفحة


الوقوع في أعراض الصالحين


ومن علامات المنافقين: الوقوع في أعراض الصالحين, والاستهزاء شيء ولكن الوقوع شيء آخر, الوقوع مثل الغيبة, قال تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ [الأحزاب:19] حداد هذه صفة لألسنة، وأشحة: حال له, وليست صفة ثانية لألسنة, لأن الألسنة لا توصف بأنها أشحة، لكن نفوسهم أشحة, حداداً: أي: كأنها سيوف، تجدهم إذا استدبروا الصالحين سلقوهم وحنطوهم وسحقوهم وقصفوهم وأخذوا أعراضهم، غيبة في المجالس, فالصالح فلان هدانا الله وإياه, حتى يذكر ابن تيمية أن من الدعاء ما يكون غيبة في صاحبه، يدعون في الظاهر, تقول: ما رأيك في فلان؟
قال: غفر الله لنا وله, وهو لا يريد غفر الله لنا وله, لكن هناك شيء مبطن الله أعلم به, ويقول: عافانا الله مما ابتلاه به, ويقول: هداه الله, حتى يقول ابن المبارك : من التسبيح ريبة, حتى ذكر عند السلاطين رجل, فقال: سيسأل أحد وزرائي عنه, فيقول: سبحان الله! أي: انتبه له, وفي الظاهر أنه سبح الله، وفي الباطن أنه لمزه وغمزه, وهذه مقاصد الله يعلمها يوم يبعث ما في القبور، ويحصل ما في الصدور.
فالوقوع في أعراض الصالحين من علامات النفاق, بعض الناس لا يغتاب الفاجر، يسلم منه اليهود والنصارى، لكن المسلم لا يسلم منه.
جاء رجل إلى الربيع بن خثيم وقيل غيره, فاغتاب أخاً له, فقال الربيع بن خثيم : أقاتلت الروم؟ قال: لا. قال: أقاتلت فارس؟ قال: لا. قال: فيسلم منك فارس والروم ولا يسلم منك المسلم؟! قم عني.
واغتاب رجل في مجلس أحد العلماء فقال: اذكر القطنة إذا وضعوها على عينيك في سكرات الموت: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) [الشعراء:88-89].


أعلى الصفحة


التخلف عن صلاة الجماعة


ومن علاماتهم: التخلف عن صلاة الجماعة، وهذا داء عضال، من أكبر الداء, وعند مسلم في الصحيح من حديث ابن مسعود : [[وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ]].
إذا رأيت البدين الصحيح، القوي الفارغ، الذي ليس له عذر شرعي، وسمع النداء، ولم يأت إلى المسجد؛ فاشهد عليه بالنفاق, قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون العشاء معنا -وفي لفظ: الصلاة- فأحرق عليهم بيوتهم بالنار -وعند أحمد : {لولا ما في البيوت من النساء والذرية، والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء معنا }.
فمن علامة المنافق التخلف عن صلاة الجماعة، يصلي في بيته مع امرأته وابنته، ولا يحضر الجماعة، فاشهد عليه بالنفاق, لا تتوقف بالحكم عليه بالنفاق إذا تكرر منه هذا العمل بغير عذر، فإنه قد أشهد الله على نفسه أنه منافق والعياذ بالله.


أعلى الصفحة


الإفساد في الأرض


ومن علامات المنافقين أيضاً: الإفساد في الأرض بزعم الإصلاح: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12] تجده يسعى بالنميمة بين الناس, ويشهد شهادة الزور, يقاتل بين الأخ وأخيه، وبين الأب وابنه, يسعى بالوشاية، يكون كهشيم النار, يحرق البيوت، يدمر المجتمعات, فإذا قلت له: يا فلان! ويلك من الله، اتق الله، قال: والله ما أريد إلا الإصلاح، الله يعلم أني أريد أن أصلح هذه الأسرة, أو هذا المجتمع, أو هذه القبيلة, وقد علم الله أنه يريد الفساد, وأكثر من أفسد بين القبائل والمجتمعات والأسر, هؤلاء المنافقون، إما شاهد زور، وإما متزلف، وإما مدعوم بنفاق: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام * ِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:204-205], هذا علامة النفاق.. الإفساد بين الأسر والمجتمعات, وقد تجددت وسائل خدمة هؤلاء المفسدين، منها: التلفون، فأصبح يرتاح ويتكئ على أريكته ووسادته ويشغل القلوب، ويحرق بين الأسر, ويفسد المجتمعات وهو جالس, يتصل بفلان، ويقول له: قال فيك فلان, ويتدخل في المشكلة، في الظاهر أنه يريد الإصلاح، وفي الباطن يريد الإفساد, ماذا حدث بينكم؟
سمعنا أنه جرى بينكم كذا وكذا..! وقد ساءني هذا وما نمت البارحة! وقد نام البارحة وغطّ وخطّ في نومه، حتى إنه لا يعلم أين هو, لكن في الظاهر، أما في الباطن فيعلمه الله.


أعلى الصفحة


مخالفة الظاهر للباطن


ومن علاماتهم: مخالفة الظاهر للباطن، وهذا هو النفاق الصريح, أو هذه المسألة تدور عليها جميع هذه المسائل، قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1].
يسأل ويقول: قوم شهدوا شهادة فصدقوا فيها، فكذبهم الله وأدخلهم الله بشهادتهم النار, فمن هم؟
الجواب: هؤلاء المنافقون، صدقوا في الظاهر أن الرسول رسول, لكن كذبهم الله في الباطن وأدخلهم بشهادتهم الصادقة في الظاهر النار.
وقوم شهدوا فكانت شهادتهم صدقاًً، فكذبهم الله وأدخلهم النار بشهادتهم, وهم وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113] فمخالفة الظاهر للباطن علامة النفاق, ظاهره جميل، ولكن باطنه مهدم, والله المستعان.
والمنافق يظهر الخشوع, قال أحد السلف : أعوذ بالله من خشوع النفاق, قالوا: وما خشوع النفاق؟
قال: أن ترى الأعضاء ساكنة هادئة والقلب ليس بخاشع.
وأما حديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث في صلاته بلحيته وبثيابه، قال: [[لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ]] فليس بحديث, بل رده الدار قطني والحفاظ، وهو من كلام عمر بن الخطاب ولا يرفع إليه صلى الله عليه وسلم.


أعلى الصفحة


التخوف من الحوادث


ومن علاماتهم، وهي العشرون: التخوف من الحوادث، قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون:4] فهم دائماً خائفون، إذا غليت الأسعار تباكوا في المجالس، غلت الأسعار, وما سمعتم بالسعر، كيف ارتفع الأرز والسكر؟ يريدون أكلاً وشرباً! لا هم لهم في الدعوة إلى الإسلام, ولا في نصرة الدين, ولا في إنهاء المفاسد, ولا في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إنما الأسعار، والأشجار، والأخبار، والأمطار، والصيدليات المناوبة، ودرجات الحرارة, دائماً هكذا..! يريدون الحياة أكلاً وشرباً, حتى يقول بعضهم: اللهم لاتقلب علينا هذه النعمة, اللهم لا تغير علينا هذه النعمة, فإذا سألته أي نعمة؟
قال: رخص الأزر في السوق, والفرسك والتفاح والبطاطا, يظن أن النعمة فقط في المطعم والمشرب، ونسي نعمة الله في هذا الدين قال الله عنهم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] , وقال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] , ليفرحوا بالدين، بالرسالة، بالمساجد، بالقرآن، بالسنة، بالسيرة، بالعلماء، بالدعاة, أما هذه الدنيا فسبقهم الكافر عليها, يا من سكن في قصر! الخواجة يسكنون في ناطحات السحاب، يا من ركب الهيلوكس! الخواجة يركبون أحسن موديل من السيارات ومن صنعه.
منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة!
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآِخرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:-35].
شادوا الزخارف هالات مزخرفة جمّاعها لا يساوي ربع دينار
ولذلك تجد أن النعيم عندهم فقط الأكل والشرب، وهو نعيم, لكن إذا كان عوناً على الطاعة, أما إذا ترك الصلاة، وترك البيت الإسلامي الحجاب، ولم يحرِّم على نفسه الغناء، ولا التكشف على حرمات المسلمين, فأين نعمة الأكل والشرب؟ فإن الحيوان يأكل ويشرب, لكن أين نعمة الإيمان؟! فلذلك يتخوف من الحوادث, وإذا وقع بركان في الفلبين انهزوا هنا.
المسلم نفسه في كفه.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
دائماً باع نفسه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [التوبة:111] أولئك الصادقون من الصحابة، سيوفهم معلقة، وأرواحهم في أيمانهم، ويضحكون في المعركة, أما المنافق يخاف ويرتجف ويرتعش، والمعركة وراءه بألف كيلو متر!.
فلذلك الإرجاف والخوف من الحوادث، من علامات النفاق, يتزلزل دائماً، مضطرب, يريد العيش في قرار, اتركونا، دعونا، يبقي علينا الله هذه النعمة, لا نريد تغيير الحال, وحاله سيئ بنفسه، وليس بعلامة الحال الصالح.


أعلى الصفحة


الاعتذار كذباً


ومن علامات المنافقين: الاعتذار كذباً, قال أحدهم: ائذن لي يا رسول الله ولا تفتني؟ يوم قال الرسول صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس : اخرج جاهد معنا؟ قال: أنا يا رسول الله رجل أخاف على سمعي وبصري, الله أكبر ما أتقاه..! تقوى مثل ما قال ابن تيمية : الورع البارد, بعض الناس، إذا اغتبت فرعون, قال: أستغفر الله، لا تغتاب الصالحين, وإذا ذكرت إبليس, قال: أما أنا فلا أتكلم في أولياء الله بشيء! ومثلما قال ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين , يقول: إن رجلاً ذكُر عنده فرعون، فقال: أحمي سمعي وبصري من التكلم في أنبياء الله, يظن أن فرعون من أنبياء الله, قال: وهذا يسمى ورع بارد.
ولذلك قال: يا رسول الله! أنا رجل إذا رأيت النساء لا أصبر, فصدّق عليه الصلاة والسلام وأخذ ظاهره, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فيه يكذبه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة:49] أي: النساء أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49] ترك الجهاد ووقع في الفتنة, فرّ من الموت وفي الموت وقع: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] هذا الجد بن قيس أتى في الحديبية فضاع جمله, قالوا: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: والله لئن أجد جملي الأحمر أحسن لي من أن يستغفر لي محمد، قالوا: تعال يستغفر لك؟! يلوي رأسه كذا.., فنقل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الصورة والحديث حيث قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:5-6] , أبداً كتب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ألا يغفر لهم, والعدد لا مفهوم له في القرآن في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] , والرسول صلى الله عليه وسلم فهم منها أنه ولو أكثر من السبعين, ولو فهم منها العدد لاستغفر إحدى وسبعين مرة وغفر الله له, لكنه قال: {والذي نفسي بيده! لو أعلم أن الله يغفر لهم بعد السبعين لاستغفرت لهم } فعلامتهم أنهم يعتذرون بالكذب في الظاهر, لذلك تقول لهم: لماذا لم تصل معنا صلاة الفجر يا فلان؟!
قال: والله إني مريض ما رفعت جنبي إلا ما رفعه الله, ويعلم الله أنه بات في نعمة وصحة وعافية!
وفي منطقة من المناطق يقولون: هناك رجل أحمق, وكان إمام المسجد حريصاً على الخير، يحضر الناس كل صباح بعد أن يسلم الناس، يا فلان؟ حاضر! يا فلان؟ حاضر! فإذا غاب رجل كتب على اسمه وسأله, والرجل الأحمق يحضر كل وقت إلا يوم الجمعة يظن أنهم لا يحضرون؛ فترك الصلاة في فجر الجمعة, يقول جيرانه: الإمام لا يحضر صباح يوم الجمعة، يسافر عند أهله في القرية, فيسافر إليهم ويبيت عندهم, فيحضرنا كل الأيام إلا صباح الجمعة, فترك الصلاة يوم الجمعة وصلّى في البيت, ولقيه الإمام ضحى, قال: أين أنت عنا؟ بحثنا عنك اليوم! قال: والله فلان قال لي: أنك لن تصلي معنا الفجر؟ -فجعل الصلاة من أجل هذا الإمام, والله المستعان!- وأخبرني فلان وهو ثقة أنك لا تصلي فجر الجمعة! فظننت أنك ما صليت!! ما شاء الله، عذر أقبح من ذنب.


أعلى الصفحة


الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف


ومن علاماتهم أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف, الناس يستقبلون القبلة وهم يستدبرونها, ولذلك تجد أحدهم إذا حدث بقال الله وقال رسوله, قال: دعونا! ريحونا يا إخوان, نحن نعرف الدين -والله- أعرف منكم, والدين والعلم انتشر، والحمد الله، حتى العجائز والنساء يعرفن العلم, لكن تسأله عن سجود السهو لا يعرف كوعه من بوعه, وإنما مداجاة, لذلك سوف يأتي من علاماتهم: قلة الفقه, ولذلك تجدهم يأمرون بالمنكر، كما قال سبحانه: وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:67] يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا, يريدون أن ينتشر ترك الحجاب, ولذلك منهم بعض الكتبة ينادي بتحرير المرأة, والتفسخ من الحجاب, وينادون بانتشار الأغنية، وانتشار المجلات الخليعة، والمخدرات, فهذا أمر بالمنكر، وحباً في انتشار الفاحشة، ومع ذلك لا يريدون المعروف, يريدون أن يقل الخير، ويقل العلم، وتقل الدعوة, والله يتولاهم.


أعلى الصفحة


يقبضون أيديهم شحاً وبخلاً


ومن علاماتهم وهي الثالثة والعشرون: قبض الأيدي شحاً, فالمنافقون من أبخل الناس, أما في الدنيا فحدث ولا حرج, أما في مشاريع الخير فمن أبخل الناس, أحدهم يذبح في الوليمة الواحدة رياءً وسمعة ستين خروفاً أو سبعين خروفاً, لكن إذا طلبته في الإنفاق في مسجد أو جهاد أخرج عشرة فعدها ومحصها، ودعا لها واستودعها الله الذي لا تضيع ودائعه, واشترط على الله أن يبني له قصراً أبيض بذهب الجنة, ولذلك تجدهم ينفقون شحاً, قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67] يقبضون الأيدي، ولا يتبرعون في الخير، وهذا علامة النفاق والعياذ بالله.


أعلى الصفحة


نسيان الله


ومن علاماتهم: نسيان الله, يذكرون كل شيء إلا الله, ولذلك تجد الواحد منهم يذكر كل شيء، أهله وأطفاله والأغاني والأماني والعواني وكل شيء في الحياة الدنيا إلا ذكر الله فلا يمر على قلبه إلا غروراً, وهذا قلبه قد مات.
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
فنسيان الله من أعظم ما ابتلي به المنافقون: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] وقال سبحانه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [المجادلة:19] قال الغزالي صاحب الإحياء : من أحب شيئاً أكثر من ذكره, ولذلك إذا دخل أهل المهن وأهل الصنائع في قصر أو في بيت ذكر كل إنسان منهم صنعته ونظر إليها, وذكرها وأحبها.
تجد النجار إذا دخل البيت ينظر إلى الخشب وإلى النوافذ, وتجد المُليس ينظر إلى البويات وما في أحكامها, إذا علم هذا؛ فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، ومحب الله عز وجل مكثر من ذكره, وأما المنافق فأبغض ما عند الله، فقلل من ذكر الله ونسي الله فنسيه الله.
معنى نسيهم الله سبحانه: أي: تركهم, وفي القرآن صفات على المقابلة، كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:15] فهل يسمى الله مستهزئاً؟
لا يسمى مستهزئاً إلا على القيد -كما ذكر ذلك ابن تيمية وغيره- يقيد بأنه يستهزئ بمن يستهزئ به, كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة:79] يثبت لهم سخرية, وهو له سخرية سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بمن سخر منهم, وكقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال:30] أي: يمكر بمن يمكر به, هذه تثبت مقيدة, لكن الصفات النقصية المطردة لا نقولها.
ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71] لم يقل: خانهم, لأنه الخيانة ليت مقيدة ولا مطلقة، إنما هي مذمومة وصفة نقص, فقال: فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:71] أما (سخر) فتأتي مقيدة, مثل: نسي بمعنى: الترك, لأن النسيان صفة النقص، والله لا ينسى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.


أعلى الصفحة


التكذيب بوعد الله وبوعد رسوله صلى الله عليه وسلم


ومن صفاتهم: التكذيب بوعد الله ورسوله وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12].
وسبب الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام في الأحزاب حضر حفر الخندق مع الصحابة, فكان الصحابة يحفرون الخندق فعرضت له عليه الصلاة والسلام وللصحابة صخرة، فنزل عليه الصلاة والسلام بالمعول -يسمى: الفاروع أو مسحاة- فضرب الصخرة، فلمع له كالبارق, ثم ضربه، فلمع له كالبارق, قال: {أريت الكنزين: الأبيض والأحمر، وسوف تعطاهما أمتي } أو كما قال عليه الصلاة والسلام, فتغامز المنافقون وهم حول الخندق, قالوا: انظروا، يمنينا قصور كسرى وقيصر, وأحدهم لا يستطيع من الخوف أن يبول, قال سبحانه عنهم: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:12] ولكن الله حقق هذا الوعد، ونصر أمة الإسلام وصحابة الرسول عليه الصلاة والسلام, ففتحوا بقاع الأرض وانتصروا، ولله الحمد والمنة.


أعلى الصفحة


الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن


ومن علامات المنافقين وهي السادسة والعشرون: الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن.
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير
أما زيهم في الظاهر فجميل, لكن باطنهم خاوٍ, ونحن لا ندعو الإنسان إلى أن يتدروش في لباسه ولا يلبس جميلاً, ويرى أن كي الغترة من السبع الموبقات, لا! بل يكوي غترته، ويلبس الجميل، ويتطيب، ولا يتدروش، والإسلام بريء من القذارة, ويلبس أجمل اللباس، ويظهر إيمان القوة والجمال, فالله جميل يحب الجمال, ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده, لكن يجمل الباطن أيضاً بالذكر والمراقبة والإخلاص، والتوكل والعبادة، والصدق مع الله عز وجل, فيجمع الظاهر والباطن: نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].
أما الذي يهتم بالملابس فقط, ولا يعرف الصلاة ولا المراقبة ولا الذكر, فهذا بعيد عن الله عز وجل.
قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] فعرض أنهم يهتمون بظاهرهم ويهملون باطنهم, قال أبو الفتح البستي :
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان



أعلى الصفحة


التفاصح والتملق والتشدق


السابعة والعشرون: التفاصح والتشدق والتفيهق في الكلام كبراً وعلواً وعتواً, قال سبحانه: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4] وذم عليه الصلاة والسلام من تشدق في كلامه, قال أهل العلم: هو الذي يتفيهق كبراً وعتواً وترفعاً عن الناس, أي: لا يخرج الحروف من مخارجها, يمطمط الحرف ويتشدق في اللسان, ويتفاصح في المجلس، ويتكلف في الحديث, قال عمر في كتاب الأدب في صحيح البخاري : [[نهينا عن التكلف ]] فهذه من علامة النفاق فنحذرها, وعند الترمذي : [[العي والحياء شعبتان من الإيمان, والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ] قالوا: والبيان هنا من بذا وتفصح وخرج الكلام عن قدر الحاجة، وتكلف, تجده يقدم مقدمات, ويظهر أنه وجيه وفاهم وعاقل ومربٍ، وليس عنده شيء, فهذا يخشى عليه النفاق, بل وقع في جزئية من جزئيات النفاق.


أعلى الصفحة


عدم الفقه في الدين


الثامنة والعشرون: عدم الفقه في الدين, مما يميز المنافقين: أنهم -والحمد لله- لا يفقهون في الدين شيئاً, يعرف قيادة السيارة, ويعرف هندستها مسماراً مسماراً, ويعرف عواصم ودول العالم, ويعرف جزئيات ومعلومات لا تنفعه إن لم تضره, ولكن إذا أتيت به في مسلمات من الدين لا يعرف منها شيئاً, قال سبحانه: وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7] , وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين }.
قال أهل العلم: مفهوم المخالفة: أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين, ولذلك علامة المؤمن أن يفقه الله في الدين, دائماً يزداد مسألة وفائدة, يحرص على الخير وعلى مجالس الخير, أما المنافق فمعرض تماماً، إذا تحدثوا في المجلس عن أمور الصلاة والعبادة كأنهم يتحدثون بالإنجليزية, لكن إذا أتى أمر الدنيا -الأسعار والمستندات والشيكات والفرنك والدولار- جاءك يهذي ويحاضر ويلقي محاضرات, ولا أقول: إن المؤمن لا يعرف هذه الأمور, قد يعرف هذه الأمور لكن يعرف أمور الدين, أما أنه لا يعرف أمور الدين ويعرف أمور الدنيا فهذا من علامات النفاق.


أعلى الصفحة


الفرح بمصيبة المؤمنين والتضايق من مسراتهم


الثلاثون من علامات النفاق -نعوذ بالله من النفاق-: الفرح بمصيبة المؤمنين والتضايق من مسراتهم, قال سبحانه: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50] إذا جاء حادث على الصالحين، فرح ونشر الخبر وأظهر أنه متألم, وقال: الله المستعان! سمعنا أن فلاناً أتاه كيت وكيت.., الله يصبرنا وإياك! وفي باطنه الفرح والمسرة والتروح لهذا الأمر, وإذا أصاب المسلمين كذلك مسرة غضب وتذمر وتضايق، والله يتولى السرائر.
هذا درس ختمناه، وهو درس ثلاثون علامة من علامات المنافقين, ونسأل الله لنا ولكم التوفيق.


أعلى الصفحة


مسائل عرضت على الشيخ / ابن باز


وهنا مسائل عرضت على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز قبل ثلاثة أيام، عرضتها أنا والشيخ ابن مسفر , لأنها مسائل عصرية ويكثر التساؤل عنها عند الناس, فنحن نجيب عليكم بجواب الشيخ عبد العزيز .
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
وهو ليس بمعصوم، ولكنه رجل يتبع الدليل، وقد فتح الله عليه ونوَّر بصيرته.......

حكم الدف


سؤال: ما حكم ضرب الدف للرجال؟ والعرضات الشعبية التي يصحبها الطبل والدف والمزمار وما بحكمها؟
الجواب: قال سماحته: مما ظهر من الأدلة أن الدف ليس بجائز للرجال, واستدل سماحته بحديث عند أحمد بسند جيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم {نهى عن الكوبة للرجال } والكوبة يدخل فيها أدوات اللهو, فليس الدف إلا للنساء, فليس للرجال أن يستصحبوا في العرضات الطبل ولا الدف ولا المزمار.
وقال سماحته: لهم أن يعرضوا عرضات حربية بحمل السلاح، بدليل حديث الحبشة {أنهم عرضوا بالحراب في مسجده عليه الصلاة والسلام }.
فيرى أنهم لا بأس أن ينشدوا نشيداً في العرضات، ونشيداً بطولياً فيه رجولة, ليس فيه غزل ولا تأنث بدون دف ولا طبل.


أعلى الصفحة


حكم الجمعيات بين الأساتذة


سؤال: المسألة الثانية: سألناه عن مسألة الجمعية التي يسأل عنها الإخوة كثيراً, أساتذة يجتمعون ويجمع كل واحد منهم مثلاً مبلغ خمسة آلاف من الشهر تدور على أحدهم, يعطى هذا ثم هذا ثم هذا.., أو موظفون؟
الجواب: قال: الذي ظهر لي التحريم, لأن فيها قرض بشرط، وفيه منفعة يجر للقارض نفسه.


أعلى الصفحة


حديث (كل قرض جر منفعة فهو رباً)


السؤال: وسئل عن حديث {كل قرض جر منفعة فهو ربا }؟
الجواب: قال: الحديث ساقط السند وضعيف, ولكن معناه مجمع عليه, فلذلك يرى التحريم, وقال: سوف تبحث في مجلس هيئة كبار العلماء ويصدر بها فتيا, لأن بعض العلماء أباحوها، ولكن لا بد أن يجتمعوا ثم يخرج بها فتيا ثم يتوقف الناس عن هذه الجمعية حتى يأتي من علمائنا فتيا إن شاء الله تشفي العليل وتروي الغليل.


أعلى الصفحة


حكم التمثيل


سؤال: سئل سماحته عن التمثيل, الذي يدور في المخيمات والمراكز, الذي يمثل الشباب في المراكز والمسارح والمخيمات؟
الجواب: كله محرم, لأنه ينبني على الكذب, والكذب حرام, سواء منه ما مثل الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو الكافر, فهو محرم لأنه ينبني على الكذب، ولا يخرج لنا صورة من التمثيل فكله محرم.


أعلى الصفحة


حكم بعض الأحاديث


هنا حديثان سئل عنهما:
سؤال: ما صحة حديث: الحديث الأول: {من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا }؟
الجواب: لا يصح هذا الحديث, قال ابن تيمية : حديث باطل, ومعناه باطل, والصلاة لا يزداد بها العبد إلا قرباً من الله, ولا يزداد بها إلا زلفى ووسيلة إلى الله عز وجل.
سؤال: ما صحة حديث: {رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر }؟
الجواب: قال: باطل ومعناه ليس بصحيح, بل الجهاد في سبيل الله من أعظم الجهاد في ذات الله عز وجل, وهو الأكبر إذا أطلق سراحه, لأن العبد في جبهة الجهاد يقاتل عدوين: الكافر والنفس, وإذا رجع إلى داره قاتل نفسه وجاهد نفسه وحدها, فلا يصح المعنى.
هذه مسائل تعرض لها بارك الله فيكم..


أعلى الصفحة


الأسئلة


......

طلب العلم الشرعي للمبتدئين


السؤال: كيف نطلب العلم الشرعي وأي كتب نبدأ بها؟
الجواب: على الإخوة إذا كان في المدينة أو في البلد طلبة علمٍ أن يمضوا ويتعلموا معهم, وفي كل بلد -والحمد لله- وفي كل مدينة طلبة علم، أئمة المساجد غالبهم طلبة علم, وأن يطلبوا العلم على أيديهم, ولكن هناك ملخصات يبدأ بها طالب العلم، منها بعد حفظ كتاب الله, -وألوم نفسي وبعض الإخوان الذين يبدءون ببعض المتون قبل القرآن- تجده يحفظ الرحبية ولا يحفظ القرآن, تجده يحفظ في ألفية ابن مالك ولا يحفظ القرآن, لكن مع ألفية ابن مالك والرحبية عليه أن يبدأ بكتاب الله عز وجل, ومنها: بلوغ المرام يحفظه في الأحكام, ومنها كتاب رياض الصالحين للدعاة من يحفظه فهو كتاب الخطيب والداعية والواعظ, وكتاب زاد المستقنع في الفقه, ونخبة الفكر في مصطلح الحديث, وألفية ابن مالك في النحو, وألفية العراقي أو البيقونية أو ما شابهها في مصطلح الحديث, والله يتولانا وإياكم.


أعلى الصفحة


حكم المشاركة في المخيمات والمراكز


السؤال: يسأل الكثير عن المشاركة في المخيمات والمراكز؟
الجواب: أمر طيب, وما رأينا في المراكز والمخيمات إلا الخير الكثير, لكن تختلف باختلاف القائمين عليها, بعضهم يحفظها بالعلم، بقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، بطلب العلم النافع, بالتزود من الصالحات، فهذا مشكور مأجور, وبعضهم يكثر من الأناشيد فيها, والنشيد -حفظكم الله- كما قال بعض العلماء له ضوابط ثلاثة:
1/ ألا يصاحبه آلات موسيقى لا دف ولا طبل ولا مزمار.
2/ ألا يكون الشعر بذيئاً أو ماجناً أو فيه غزل.
3/ ألا يكثر منه؛ لأن بعض الناس إذا وقع في النشيد وقع وقعة ما بعدها وقعة, يجعل ليله ونهاره نشيد, وهذا ليس بمطلوب, يطلب من النشيد وقت الحاجة، فقط.


أعلى الصفحة


حكم زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل


السؤال: هل زيادة الثمن من أجل زيادة الأجل واردة أم لا؟
الجواب: يعني: بيع التقاسيط في السيارات، كأن تقول لمشتري: هذه السيارة قيمتها نقداً بثلاثين ألفاً, وإن كنت تريدها ديناً بالتقسيط بخمسة وأربعين ألفاً, فهذا بيعه صحيح, وزيادة الثمن من أجل زيادة الأجل لا غبار عليه, وقد أجمع على هذا العقلاء, لأنه لا يعقل في الذهن أن تبيع في نفس اليوم أو بعد سنة بنفس الثمن ليس بصحيح, فزيادة الثمن من أجل زيادة الأجل صحيح.
- مسألة أخرى، وقد أفتى فيها العلماء من هيئة كبار العلماء مسألة بيع السيارات في المعارض، يأتي إليك المشتري فيشتري منك سيارة وأنت لم تشترها، ثم تذهب معه إلى المعرض وتشتري السيارة، هذا البيع باطل، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {لا تبع ما ليس عندك } والصحيح أن تشتري السيارة أولاً بعقد ومبايعة، ثم تبيعها من هذا الرجل، هذا أمر, فليعلم ذلك ويتنبه لهذا.
قال بعض علمائنا: لا بأس أن يكون شبه اتفاق بينهم, أو يقول: أنا أشتري منك سيارة لو اشتريتها أنت، بشرط ألا يبايعه ولا يكون بينهم عقد -هذا شبه اتفاق, ولا بأس- فيذهب فيشتريها ثم يبيعها منه.


أعلى الصفحة


حكم نقض المرأة شعرها في غسل الجنابة


السؤال: هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل من الجنابة؟
الجواب: الصحيح أنها لا تنقض شعرها عند الغسل من الجنابة, وتنقضه عند الغسل من الحيض إذا طهرت من الحيض, ولكن تروي أصول الشعر عند غسلها من الجنابة.


أعلى الصفحة


حكم الزينة التي تحجب الوضوء


السؤال: ما حكم الزينة التي توضع على أظافر النساء, وتكون سميكة فتحجب الوضوء؟
الجواب: الصحيح كما أفتى كثير من علمائنا أنها تحجب عن وصول الماء, وأنه لا بد من إزالتها, أما ما ليس له سمك، مثل: الحناء فلا بأس به, فالأمر فيه سعة.


أعلى الصفحة


ملاحظات على كتاب إحياء علوم الدين


السؤال: يسأل بعض الأخوة عن كتاب إحياء علوم الدين ؟
الجواب: كتاب إحياء علوم الدين للغزالي نقده العلماء فهم شيخ الإسلام ابن تيمية , وأظنه نقده في المجلد العاشر أو الحادي عشر من فتاويه , لكن عليه ثلاث ملاحظات:
أولاً: عقيدته أشعرية لا تؤخذ منه العقيدة.
الثاني: يحب الصوفية ويغلو في حبهم ويأتي بتراهاتهم.
الثالث: كتابه فيه أحاديث.
وأنا أوصيكم بكتب ابن تيمية وكتب ابن القيم فهي الذهب الإبريز.
يقول الألوسي في كتاب الرد على النبهاني في غاية الأماني , قال: النبهاني ينتقد ابن تيمية , فهو بدعي قبوري, يأتي بقصائد بدعة القبور، ويستشهد بكلام البرعي , وهذا البرعي قبوري غالي من غلاة أشاعرة اليمن ، أتى إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فمسح القبر والشبك، وقال:
يا رسول الله! يا من ذكره في نهار الحشر رمزا ًومقاما
فأقلني عثرتي يا سيدي واكتساب الذنب في خمسين عاما
فأثنى عليه..! وهذا شرك والعياذ بالله, ويقول النبهاني : شيخنا وسيدنا أحمد الرفاعي -أي: شيخ الصوفية - وفد إلى المدينة ، فأتى إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فمد يده إلى القبر، وقال:
في حالة البعد نفسي كنت أرسلها تقبل القبر عنكم وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
قال: فانشق القبر، ومد الرسول صلى الله عليه وسلم يده، فصافحه وقبله, شيخنا أحمد الرفاعي , قلنا: كذبت يا عدو الله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف:5].
فيقول النبهاني : كتب ابن تيمية ما جعل الله لها القبول في الأرض, قال الألوسي : عجيب! بل كتب ابن تيمية هي العسل المصفى، والذهب الإبريز، أما كتبك وكتب أشياخك, فوالله لا تصلح إلا مخالي يوضع فيها الشعير للحمير, أي: تؤخذ الكتب وتوضع مخلاة، وتعلق برأس الحمار، ويوضع فيها مد شعير, أو تصلح صندوقاً للأحذية, أو تصلح كراتين للعلاجات, هذه هي كتب أهل الضلالة والعمالة والعياذ بالله.
فأحذركم، وقد انتشر كتاب للنبهاني -والعجيب أنه موجود- الصلاة على سيد الكونين , وديوان البرعي موجود، وهو في الأسواق، وأحذركم من هذا الكتاب, وبعض الكتب الأخرى التي هي لغلاة الصوفية ، التي عقيدتهم إما الحلول وإما الاتحاد وإما المغالاة في شخصه عليه الصلاة والسلام.
أما كتب ابن تيمية بعد الكتاب والسنة فشيء عجيب, ومن أراد أن يتأمل العمق والأصالة، فليقرأ الفتاوى ، لا إله إلا الله ما أصدقه! وما أنصحه! وما أعلمه! كالبحر، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
تقدم شاعراً فيهم خطيباً ولولاه لما ركبوا وراءه
وهذا الرجل عجيب أمره، ويحتاج إلى مجالس, وهناك محاضرات تسمى: ابن تيمية ، وحياة ابن تيمية ، وكتيبات, بل كتب عنه أكثر من عشرين كاتباً, فرحمه الله وجمعنا به في الجنة.


أعلى الصفحة


أحسن الكتب في العقيدة


السؤال: ما هي أحسن الكتب في العقيدة؟
الجواب: العقيدة ثلاث مستويات:
1/ البادئين في العقيدة، أوصيهم بكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب .
2/ الكتاب الثاني: معارج القبول للشيخ الجليل حافظ الحكمي رحمه الله.
3/ الكتاب الثالث: شرح الطحاوية وهو كتاب معروف وموجود وهو للمستوى الثالث.
فعليهم بهذه الكتب فإنها مفيدة ونافعة.


أعلى الصفحة


المقام المحمود


السؤال: في هذه الآية: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79] ما هو المقام المحمود؟
الجواب: بحثها بعض طلبة العلم جزاهم الله خيراً؛ فتبين لهم أقوال:
قيل: المقام المحمود -قاله القرطبي ، وقد دل عليه حديث البخاري -: هي شفاعة سيد الخلق يوم القيامة, الشفاعة الكبرى.
واستشفع الناس أهل العزم في إراحة العباد من ذي الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
فهذا المقام المحمود.
وأما مجاهد فقال: المقام المحمود، هو أن يجلسه ربه معه على العرش, وهذا أورده ابن أبي شيبة والقرطبي وسنده ضعيف.
أولاً: أن هذا من كلام مجاهد , ومجاهد إمام معتبر من التابعين, لكن مثل هذا لا يثبت بآراء الناس, بل القرطبي أشعري في بعض الصفات، يقول: على الكرسي, والكرسي شيء عند أهل السنة ، والعرش شيء, لكن الأشاعرة يدمجونه, وليس هذا القول بصحيح.
وذكروا بعض المعاني الأخرى.


أعلى الصفحة


البيت المعمور


السؤال: ما هو البيت المعمور؟
الجواب: منهم من قال: في كل سماء بيت معمور, والصحيح أنه كما ورد في الحديث الصحيح، أنه في السماء السابعة بيت معمور يوازي الكعبة، يدخل فيه كل يوم أو يطوف فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه, وقد اتكأ عليه إبراهيم الخليل, ويوم عرج بالرسول صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيح- رأى إبراهيم متكئاً عند البيت المعمور.
قال بعض أهل العلم: جازاه الله يوم بنى البيت المعمور في الدنيا؛ أن جعل له بيتاً معموراً في السماء السابعة, فهذا هو الصحيح من هذا القول.


أعلى الصفحة


المقصود بقوله تعالى: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني)


السؤال: من المقصود بقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة:49]؟
الجواب: قد سبق ذكره, وهو الجد بن قيس .



أعلى الصفحة


المقصود بقوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله)


السؤال: ما المقصود بقوله تعالى: وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:75]؟
الجواب: الأصح والأقرب كما هو عند البخاري في كتاب الزكاة أنها نزلت في ابن جميل , عندما منع الزكاة فقال عليه الصلاة والسلام: {وما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله } فأنزل الله قوله: وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:75].


أعلى الصفحة


من هو شاهد بني إسرائيل


السؤال: من هو شاهد بني إسرائيل في قوله تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10]؟
الجواب: عبد الله بن سلام شهد بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم, والحديث عند البخاري لما أسلم قال للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! لا تخبر اليهود بإسلامي، وأدخلني في هذه المشربة، وأدخله الرسول صلى الله عليه وسلم وأغلق عليه, ثم استدعى اليهود, قال: {كيف ابن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، وعالمنا وابن عالمنا, قال: أفرأيتم إن أسلم, قالوا: أعاذه الله من ذلك! قال: فإنه أسلم, فخرج عليهم ابن سلام قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, فقاموا ينفضون ثيابهم, قالوا: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا، وخسيسنا وابن خسيسنا، أو كما قالوا, فأنزل الله } وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10].
وفي الختام: أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية, وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27-06-09, 04:06 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

الخطبة الأولى
أما بعد: معاشر المسلمين، فإنه لا تكاد تخلو سورةٌ مدنية من ذكر المنافقين؛ تلميحًا أو تصريحًا وصفًا لأحوالهم وفضحًا لمكائدهم، بل نزلت سورةٌ تحمل اسمهم، ويكاد الحديث فيها يقتصر عليهم، وما ذاك إلا لعِظَم خطرِهم وشدّة ضررهم على المسلمين، إذ هم العدوُّ الأول للمسلمين وللدعوة الإسلامية، هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: 4].
والنفاق من النَفَق، وهو السِّرب في الأرض له مَخْلص إلى موضع آخر كجُحر اليربوع. واليربوع يحفر حُفيرة ثم يسدُّ بابها بترابها، ويقال لها: القاصعاء، ثم يحفر حُفَرًا أخرى يقال لها: النافقاء، فإذا هُو جم وطُلب في نافقائه خرج من قاصعائه. والمنافق كذلك سُمِّي منافقًا لأنه يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من الوجه الذي دخل فيه، فيُلبِّسُ على الناس ويغترّون به، لذا جعل الله تعالى عقوبته وعذابه يوم القيامة أشد أنواع العذاب، فهو في الدرك الأسفل من النار، أجارنا الله منها.
عباد الله، الآيات التي وردت عن المنافقين في القرآن الكريم تتضمن حملة عنيفة عليهم، كاشفةً أكاذيبهم ودسائسهم ومؤامراتهم، وما في نفوسهم من البغض والكيد للمسلمين، ومن اللؤم والجبن وانطماس البصائر والقلوب. والمنافقون الذين كانوا بالمدينة زمن الرسول ليسوا من أجناس أخرى، بل هم من قبائل العرب الخلَّص، وكذا من جاء بعدهم. وحملوا أسماء أخرى أطلقها عليهم علماء المسلمين، كالفِرَق الباطنية التي تظهر الإسلام لكنها تسعى جاهدة للانقضاض على المسلمين، كان كثير من أولئك عربًا أيضًا؛ لكن هل توقفت حركة النفاق في هذا العصر؟ سؤالٌ ربما يرد في أذهان البعض.
والجواب: لم تتوقف، بل ازدادت ضراوة؛ لأنها من جانب سَخَّرت إمكانيات هذا العصر لخدمة أهدافهم في هدم الإسلام وتقويض أركانه، الأمر الذي يجعل الكفار الصرحاء يسعون جاهدين في مدِّهم ودعمهم وتزويدهم بكل ما يحتاجون. والعامل الثاني الذي يُذكي حركة النفاق ما يراه المنافقون من علو هذا الدين وسعة وسرعة انتشاره وكثرة الداخلين فيه رغم كل ما يُكاد له، وهذا يغيظهم ويضرم نار العداوة والحقد والكراهية في نفوسهم.
وإن كل تجمع أو تيار فكري أو حزب مهما رفع من راية وحمل من اسم يعرض برامج إصلاحية تحارب الإسلام أو تقصيه وتبعده وتهمشه ولا توافق على حضوره في الخطط والتنفيذ هي في حقيقة أمرها وجهٌ من أوجه النفاق وإن تظاهر أصحابها بالإسلام، وكانت أسماؤهم إسلامية، وتضمّنت برامجهم بعض النتف والمظاهر الإسلامية التي أشبه ما تكون بالطقوس في الديانات الأخرى، لا تقدم شيئًا ولا تؤخر، ولا يعتمد عليها تقويم، ولا يعاقب تاركها ولا يثاب فاعلها، غاية تأثيرها إن أثرت على استحياء وامتعاض التذكير بأنهم من أصول إسلامية! وسرعان ما ينقشع ذلك الأثر. ترى المنافق الذي يتظاهر بالإسلام والكافرَ فلا تفرق بينهما في المظهر ولا المشاعر ولا في المحبة والبغض، ولا في العلاقات ولا التفكير والاهتمام ولا في التربية، ولا فرق بينهما إلا في الاسم فقط.
معاشر المؤمنين، من أبرز صفات المنافقين خلطهم وتخبطهم في تقدير وتقييم قوة المسلمين، يرصدون الدعوة ويراقبون في ظنهم تحركات أهلها وما يجري من نشاط دعوي وإصلاحي، ويحسبون أن الأمر بعد رحيل بعض رموز أهل العلم والدعوة والفضل قد خلا للمنافقين يبيضون ويفرخون كما يشاؤون، والحق أن الأمر خلاف ما يظنّون ويحسبون، فهذه الأمة ولود، ودين الله ليس مربوطًا بشخص ولا معلقًا مصيره برجل أو جهةٍ رسميةٍ كانت أو غيرها، ولو كان معلقًا مصيره برجل لانمحى وزال برحيل محمد المبلِّغ الأول عن ربه، لكنه مات وظل الدين حيًا، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: 144]، وتمت الفتوحات، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. والمنافقون يُخطئون التقدير كثيرًا، ورصدهم فيه تخبط ويفتقد الدقة؛ لأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم، فيرون أشباحًا ويتوهمونها أجسامًا، وربما رأوا أجسامًا فيظنونها أشباحً؛ لأنّ الله جعل على بصرهم غشاوة.
يُعمِيهم الحقد ويَصمّهم، ولا يملكون الشجاعة التي يجرؤون بها على مقابلة الدين بالإنكار الصريح، فيضطرهم الجبن إلى إظهار وإعلان خلاف حقيقتهم، وإلى الحذلقة بإيقاع الدس حينًا، والتشكيك حينًا، وتنقص علماء المسلمين حينًا، والسعي المحموم في تنحية الشرع وإفساد العقيدة والسلوك والأخلاق باسم الإصلاح والتطوير، وشاهدًا على تخبطهم وسوء تقديرهم وتقييمهم للساحة الإسلامية وقوة أهلها.
أسوق نموذجًا من الصدر الأول من عهد النبوة، والرسول لا زال حيًا، والوحي لا زال يتدفق، ومع ذلك تسوِّل لهم نفوسهم المريضة وطبيعتهم الحمقاء ويزين لهم الشيطان أنهم قادرون على الانقضاض على الدعوة وأهلها، وما هي إلا عمليات وإلقاءات يقذفون بها في المجتمع المسلم؛ ليقع فريسة بين أيديهم، هكذا يظنون ويحلمون.
روى ابن إسحاق في السيرة ـ وأصل الخبر أورده البخاري في الصحيح ـ في حديثه عن غزوة بني المصطلق في ماء المريسيع سنة ستٍ من الهجرة، قال: فبينا رسول على ذلك الماء ـ أي: بعد الغزوة ـ وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار، يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حدَث، فقال: أوَقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعُدُّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم؛ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتوهم أموالكم، وأما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله ، وذلك عند فراغ رسول الله من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب؛ فقال: مُر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله : ((فكيف ـ يا عمر ـ إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟! لا ولكن أذِّن بالرحيل))، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله يرتحل فيها، فارتحل الناس.
وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلَّغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به، وكان ابن أبي في قومه شريفًا عظيمًا، فقال من حضر رسول الله من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبًا على ابن أبيّ بن سلول ودفعًا عنه.
قال ابن إسحاق: فلما استقل رسول الله وسار لقيه أُسيد بن حضير من الأنصار، فحيّاه بتحية النبوة وسلّم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رُحتَ في ساعة مبكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال رسول الله : ((أوما بلغك ما قال صاحبكم؟)) قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: ((عبد الله بن أبيّ))، قال: وما قال؟ قال: ((زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل))، قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنّ قومه لينظمون له الخرز ليُتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكه. انتهى كلام ابن إسحاق رحمه الله.
كل إناءٍ بما فيه ينضح، تمكّن داء العظمة من زعيم المنافقين، فلم يتمالك كتمان ما كان يخفيه ويكنه من بغضٍ للإسلام ورسوله وأهله، فقذف لسانُه حِممًا كانت تعتلج في صدره طالما أخفاها، لكنه أخطأ التقدير، وظن أتباعه الأقلية النفعيين يغنون عنه شيئًا، فإذا به يفاجأ بانخناس صحبه وانقلاب المجتمع ضده، حتى إن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول حين علم بمقولة أبيه سارع إلى رسول قائلاً: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه. يقول الابن رضي الله عنه هذا الكلام وهو المعروف بشدة بِرِّه بأبيه واحترامه البالغ له، لكن دين الله مقدم على الأب والأم والعشيرة وكل شيء.



الخطبة الثانية
الحمد لله العزيز المنان، القوي العظيم الشان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم ما يكون وما كان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: شاهد آخر على تخبط المنافقين وحمقهم وخلطهم في تقييم وقياس ما لدى الصف المسلم من القوة: ما وقع في غزوة تبوك والرسول أيضًا لا زال حيًا، ونزول القرآن كذلك لم ينقطع، فقد ابتنى المنافقون مسجدًا بالمدينة قبيل غزوة تبوك ليجتمعوا فيه؛ مكايدَة للمسلمين ومضرَّةً بهم، وزعموا أنهم بنوه للمنفعة والتوسعة على المسلمين، وقد أرادوا أن يفرقوا اجتماع المؤمنين في مسجد الرسول بالمدينة بصرف بعضهم للصلاة فيه، وليتسنى لهم نفث سمومهم ومحاولة استمالة غيرهم إلى صفهم، وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: 107] أي: إعدادًا وإعانة للمحاربين الله ورسوله ممن شرقوا بهذا الدين الإسلامي ورفضوا الدخول فيه كبرًا وشقاءً، عياذًا بالله من الشقاء. وظنوا أنهم قادرون على إنفاذ مخططهم، فحين فشل أبو عامر الراهب ـ وكان من الخزرج ـ في هزيمة الرسول يوم أحد وحاول قتله التفت من طريق آخر، فكتب إلى منافقين من أهل المدينة يَعِدهم ويُمنّيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول ويغلبه، وأمر قومه أن يتخذوا له معقلاً يكون بمثابة المكتب يستقبلون فيه رسائله وتوجيهاته ومخططاته، وليكون مقرًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فبنوا المسجد بجوار قباء في المدينة، وأحكموا بناءه وفرغوا منه، ولإخفاء نواياهم ومقاصدهم والغرض الذي بنوه من أجله طلبوا من الرسول أن يقدم عليهم ليفتتحه ويصلي فيه، فيحتجوا بصلاته فيه على أنه أقرّ عملهم وبارك جهدهم.
هكذا يفكّرون، ويظنون بالمسلمين من الغباء الشيء الكثير، فاعتذر الرسول عن ذلك لأنه تجهّز للسفر إلى تبوك لغزو الروم هناك، لكنه لما رجع قافلاً من تبوك وكان عازمًا على الذهاب إلى ذلك المسجد نزل الوحي يمنعه من الذهاب إليه والصلاة فيه وأنه بُني حربًا لله ورسوله، فبعث الرسول من فوره جمعًا من الصحابة ليهدموه ويحرقوه؛ لأنه لم يُرد أهله إلا الإضرار والكفر، وليكون مركزًا للتعاون مع أعداء الإسلام تحت ستار الدين.
وفي الآيات بشارة عن مصير كل مسجد ضرار يقام إلى جوار مساجد التقوى، وأنه سينكشف ويُفضح أهله، وتطمين للمؤمنين المتطهرين العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن كل كيد يراد بهم وبدينهم مصيره الفشل والهزيمة؛ لأن مساجد التقوى أُسّست على حق وأساس راسخ، ومساجد الضرار قائمة على شفا جرف هار، على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار.
أيها المسلمون، حركة النفاق تقوى وتنشط كلما قويت الدعوة، لكنها ـ أي: حركة النفاق ـ تعمل في سراديب ودهاليز وأنفاق وفي الظلام، ولعل هذا سِرُّ قساوة ضرباتها وأذيتها، ولولا أن المؤمنين يأخذون علاجهم بوصفة نبوية ومن وحي السماء لتأخر وتفاقم جرحهم الذي أحدثه المنافقون فيهم.
فيا أيها العاملون والناصحون والدعاة وطلبة العلم، ويا أيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، سيروا وأمّلوا خيرًا وأبشروا، فليس من كان بناؤه مؤسسًا على التقوى كمن أسس بنيانه على حافة منهارة.
ثبت الله الناصحين العاملين، ورزقهم اليقين، وأبطل كيد الكائدين، إنه نعم المولى ونعم النصير

الخطبة الأولى
أما بعد: فلا يزال الحديث موصولاً عن صور الخلط والتخبط وسوء التقييم الذي هو سمة من سمات المنافقين تجاه أهل الدعوة والعلم والدين، لكن قبل ذلك أحبّ أن أذكّر وأنبّه إلى أن عدد السور المدنية ثلاثون سورة، منها سبع عشرة سورة فيها ذكر المنافقين، استغرق الحديث عنهم ما يقرب من ثلاثمائة وأربعين آية، بل إن ابن القيم رحمه الله قال: "كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم" اهـ.
وبلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدًا، لأنهم منسوبون إليه أي: إلى الإسلام، وهم أعداؤه في الحقيقة، بل هم العدو الأول، وإن كان كل كافر عدوًا للمسلمين. وكون المنافقين يتبوؤون المركز الأول في العداوة للمؤمنين لأن غيرهم يجاهر بكفره وعداوته، وله منهجه وعقيدته وشريعته المعلنة، وأما المنافقون فمُندسّون مع المسلمين في الديار والمنازل، ليلاً ونهارًا، يدلُّون على العورات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر.
كان لعبد الله بن أبي مقام يقومه في مسجد رسول الله كل جمعة نظرًا لشرفه وسيادته ووجاهته في أهل المدينة، فإذا قام النبي يخطب في الناس يوم الجمعة قام ابن أبي بعد الخطبة فقال: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا. ولما جاءت غزوة أحد وصنع رأس النفاق ما صنع من رجوعه بثلث الجيش عن القتال تخذيلاً للمسلمين لم يتخلَّ عن عمله السابق يوم الجمعة في مسجد الرسول من التظاهر بنصرته ودعوة الناس إلى السمع والطاعة لولي الأمر، لكن المسلمين هذه المرة أخذوا بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج من المسجد يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله، لكأنما قلت بُجْرًا، أي: أمرًا عظيمًا.
سجية من سجايا المنافقين لا تنفك عنهم، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7]، وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: 198]. يظنون أهل الإيمان مثلهم غفلاً لا يفقهون ولا يدركون، ولعل هذه الصفة فيهم هي التي تدفعهم دائمًا إلى تجديد أذيتهم للمسلمين، وسعيهم الدؤوب في النيل منهم، خاصة وأن المنافقين محسوبون على المسلمين، ويعيشون بينهم ومعهم.
ولا تعجب ـ أيها المسلم ـ من حمق المنافقين، ولا تستغرب وتقول: إلى هذه الدرجة يظنون أنهم يضحكون على المسلمين؟! أو إلى هذه الدرجة هم أغبياء ويظنون غيرهم أغبياء؟! أقول لك: لا تعجب، فالأمر أكبر من ذلك؛ يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: 18]. تعوَّدوا في الدنيا الحلف كذبًا لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال ووشايات لتَأَصِّل النفاق في كيانهم، فسرى هذا الحمق معهم ليصاحبهم إلى يوم القيامة في حضرة الله الخبير، فيحلفون له كما يحلفون للمخلوقين ظنًا منهم أنه يصدقهم! أتراهم لا يوقنون أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أم أن فيروس النفاق نخر في قلوبهم فسلبها خاصة الفهم والإدراك والتمييز؟! أمرٌ عجيب حقًا.
أيها المؤمنون، ورغم قوة كيد المنافقين إلا أن الذلة والهزيمة كتبت عليهم، وكتبت العزة والغلبة والتمكين لله ولرسوله وللمؤمنين، كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: 21]. وهذا وعد الله الصادق الذي كان والذي لا بد أن يكون على الرغم مما قد يبدو أحيانًا من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق. ولعل غلبة النفاق وأهله حينًا استجاشةٌ للإيمان، وتهييج له عند أهله؛ لتحقيق وعد الله في وقته الذي لا يتخلف، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم: 6]. فليطمئن المؤمنون والدعاة والمصلحون والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه كان عفوًا غفورا.



الخطبة الثانية
الحمد لله العظيم المنان، ذي الجلال والإكرام، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرًا.
أما بعد: فعن نُعيم المُجْمِر عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: ((إن أمتي يُدعون يوم القيامة ـ أي: ينادون للحساب ـ غُرًا محجّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرته فليفعل)) متفق عليه. يعني أن أمة محمد يأتون يوم القيامة تلمع وجوههم بياضًا ونورًا من آثار الوضوء. والمراد أن الله تعالى خصّ هذه الأمة بخصائص في الدنيا والآخرة لم تكن لغيرهم؛ منّةً من الله، فله الحمد والثناء والمجد، تلك المنة أنهم يأتون يوم القيامة ووجوههم وأيديهم وأرجلهم تتلألأ نورًا وبياضًا، وذلك من آثار الوضوء الذي يفعلونه في الدنيا تعبُدًا لله عز وجل وتعظيمًا لشأن الصلاة، فهنيئًا للمصلين، ويا فوز المتوضئين، ويا لعظم خسارة المفرطين في الوضوء.
عباد الله، نبيكم يقول: من قدر على أن يطيل غُرته أي: يطيل محلَّ ذلك النور في وجهه ويديه ورجليه بالزيادة في محل التطهير فليفعل، ليزداد نوره يوم القيامة، وحليته في الجنة تبلغ حيث يبلغ الوضوء كما ورد في صحيح مسلم، وكان أبو هريرة رضي الله عنه ـ وهو راوي الحديث ـ يفعل ذلك.
وكيفية إطالة الغرة أن يغسل يديه حتى يقارب المنكبين، ورجليه حتى يرفع إلى الساقين؛ استشعارًا لأهمية الوضوء، واستحضارًا لعظم أجره. لكن ليعلم المسلم أن الواجب هو غسل اليدين إلى المرفقين، وغسل الرجلين إلى الكعبين فقط، وما زاد فهو سنة يفعلها أحيانًا طمعًا أن يأتي يوم القيامة غرًا محجلاً، جعلنا الله منهم. وليحذر من الوسوسة الموقعة في الإسراف المنهي عنه شرعًا وتخرجه من السنة.
إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله.
وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...


الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون، وأطيعوه تفلحوا، والجؤوا إليه تسعدوا، فما خاب من لجأ إلى القوي العزيز سبحانه.
أيها المسلمون، إن الله سبحانه قد أخبرنا أن الناس فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير، فهما فريقان لا ثالث لهما يوم القيامة، أما في الدنيا فإن هناك صنفاً ثالثاً له سماته وخصاله وتاريخه الحافل، وهذا الصنف أراد أن يقف في الوسط ويستمد من الفريقين ما يضمن له عيشاً رغيداً وأماناً من القتل والإبادة، ولكن الله تعالى جعله في الدرك الأسفل من النار عقاباً عظيماً على معاص عظيمة.
ولخطورة هذا الصنف على المسلمين جاءت آيات القرآن منذرة ومحذرة وفاضحة لهذا الفريق من الناس، ففي مستهل القرآن الكريم وفي أول سورة البقرة يذكر القرآن المؤمنين في أربع آيات ثم يذكر الكافرين في آيتين ثم يتعرض لهذا الصنف الثالث في ثلاث عشرة آية، ولعظيم كيدهم ومكرهم وشدة أذاهم وأثرهم الكبير في زعزعة العقيدة والمسلمات الإيمانية قال الله تعالى عنهم مخاطباً نبيه هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].
ويخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى خاطب هذا الجنس من البشر خطاب تهديد ووعيد قُلِ ٱسْتَهْزِءواْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة:65-67].
وعن حالهم مع النبي وصحابته والمسلمين من بعده يقول القرآن عنهم إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50]، فهم يفرحون إذا وقع بالمسلمين نازلة أو حلت بهم مصيبة، ويعجبهم كثيراً أن يروا الكفار وقد أراقوا دماء المسلمين واجتاحوهم واحتلوا ديارهم وعاثوا في الأرض فساداً، وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن المسلمون وامتثلوا أحكام الله وقوموا بما أوجب عليكم قالوا بلسان الحال أو المقال أو القلم: أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء [البقرة:13]، فمن هؤلاء يا ترى؟ إنهم المنافقون لا كثرهم الله، فما هو النفاق يا عباد الله؟
إن النفاق هو مخالفة الباطن للظاهر، بأن يظهر صاحبُه الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار، وهو النفاق الاعتقادي.
وثمة نوع آخر من النفاق، وهو النفاق العملي، وأصوله مذكورةٌ في قوله : ((أربعٌ من كن فيه كان منافقاً، وإن كانت خصلةٌ منهن فيه كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)) أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا النوع من النفاق لا ينقل صاحبه عن الإسلام ما دام أصل الإيمان في القلب، لكنه سمي نفاقاً لتلبس صاحبه ببعض أعمال المنافقين التي يخالف فيها الظاهر ما في الباطن كالكذب والخيانة والغدر وبغض الصالحين وغير ذلك.
ولا شك أن هذه ذنوب عظيمة وصاحبها على خطر شديد، وقد عرض نفسه لفتنة النفاق الأكبر، وهذا النوع من النفاق هو الذي خافه السلف وأشفقوا من فتنته واستعاذوا بالله منها، قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر" وقال إبراهيم التيمي: "ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً"، وقال بن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخاف النفاق على نفسه"، ويذكر عن الحسن: (ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق).
ولقد بين الله تعالى أوصاف المنافقين في كتابه أكمل التبيين حتى يتعرف المؤمنون على أهل هذه الأوصاف فيحذروهم، فمما وصفهم الله تعالى به أنهم لم يرتضوا الإسلام ديناً ولم يعلنوا الكفر الصريح، فكانوا مذبذبين بين الكفار والمؤمنين، غير أنهم يبغضون المؤمنين ويتولون الكافرين، ويطلبون منهم المدد، ومنهم يستمدون عزتهم ومكانتهم، وإذا أصاب المسلمين خير شركوهم فيه، أما إن أصابهم ضر وذل تبرؤوا منهم وركنوا إلى الكفار وذكروهم بخدماتهم الجليلة التي قدموها للكفار في حرب المسلمين.
ومن صفاتهم أنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم ويتقاعسون عن تنفيذ ما يشق عليهم كشهود صلاة العشاء والفجر في المسجد، وإذا أرادوا شيئاً من العبادات فكأنما يستكرهون أنفسهم عليه، فيؤدونه بكسل وتثاقل، وأنهم يقولون مالا يفعلون، فيقولون ويكتبون الكلام المعسول والعبارات المنمقة بينما يضمرون الكيد والمكر، قلوبهم قاسية، وعقولهم قاصرة، وعند الملمات والأزمات ينكشف معدنهم الخبيث، وتفوح روائح الكفر المنتنة منهم، يخذلون المؤمنين عن الجهاد، وإن خرجوا معهم في الجهاد أحدثوا الخلل والاضطراب في صفوفهم، والمنافقون يلجئون في طلب النصر إلى الأعداء، يقول سبحانه في محكم كتابه ذاكراً بعض أوصاف المنافقين ومتوعداً لهم: بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ٱللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلاْسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء:138-146].
وللمنافقين تاريخ حافل في خذلان المسلمين في أشد الأزمات التي تحيط بالمسلمين، ها هم المنافقون وهم في معية النبي الكريم في معركة أحد وقبيل التقاء الصفين ينخذلون وينسحبون من ميدان المعركة وهم قرابة ثلث جيش المسلمين، وفي معركة الأحزاب وعندما أحاط الأعداء بالمدينة من كل جانب شرع المنافقون في مزاولة كيدهم وبث مكرهم فمن تخذيل وسخرية بالمؤمنين، كما قال سبحانه: وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً [الأحزاب:12، 13].
ولا تخلو حقبة من تاريخ الأمة الإسلامية من هذا الصنف الخطير الذي يفُتُّ في عضد الأمة ويقف في صف أعدائها عندما تدلهِمُّ الأمور ويسيطر الكافرون، والشواهد كثيرة، والله المستعان.
ومن مظاهر المنافقين وسماتهم ترك الاهتمام بأمر الدين وأهله وعدم الاهتمام بأحوال المسلمين وشؤونهم والانصراف إلى المصالح الدنيوية والانشغال بها، قال تعالى عمن حضر أحداً من المؤمنين والمنافقين: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلاْمْرِ مِن شَىْء قُلْ إِنَّ ٱلاْمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلاْمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ [آل عمران:254]، فوصف طائفة المنافقين بأنهم مهتمون بأنفسهم ويخافون عليها الموت، ولا يهمهم ما وراء ذلك.
ومن صفاتهم وأعمالهم مساعدة الكافرين على المسلمين بالمال والقول والنصرة أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَـٰفَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ [الحشر:11]، ومن حكمة الله تعالى أن يصيب المسلمين شيء من المحن والمصائب ليتميز صف المسلمين عن صف الكافرين وإخوانهم المنافقين، كما وقع ذلك للمسلمين مع النبي في معركة أحد حين أصيب المسلمون، وقتل منهم من قتل، بعد أن انخذل المنافقون وانسحبوا من الميدان قبل نشوب المعركة، قال سبحانه: وَمَا أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران:166، 167].
والإشارة هنا إلى موقف رأس النفاق عبد الله بن أُبَي بن سلول ومن معه من المنافقين، وقد كشفهم الله في هذه الموقعة، وميز الصف الإسلامي منهم . وقرر حقيقة موقفهم يومذاك: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ [آل عمران:167]، فقد كان في قلوبهم النفاق الذي يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها، ثم مضى سياق الآيات يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس: ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168]، فهم لم يكتفوا بالتخلف ـ والمعركة على الأبواب ـ وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس، بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة، وهم يقولون: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا فيجيبهم القرآن: قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ [آل عمران:168]، ثم بيَّن عاقبة الشهداء الذين أراقوا دماءهم وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، ويخبرنا القرآن أن المنافقين يسوؤهم أن يجد الرسول والمسلمون خيراً: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة:50]، وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة، وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ [التوبة:50]، واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ، وتخلفنا عن الكفاح والغزو وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50]، أي بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء، ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور، ويحسبون البلاء شراً في كل حال، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود. وقد خلت قلوبهم من التسليم للّه، والرضا بقدره، واعتقاد الخير فيه، فارتكسوا في حمأة النفاق والعياذ بالله.
اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والنفاق والشقاق، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.




الخطبة الثانية
أما بعد: فإن للمنافقين صفات مغايرة لصفات المؤمنين، فحين يتآمر المسلمون بالمعروف ويتناهون عن المنكر فإن للمنافقين شأناً آخر سجله القرآن: ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ [التوبة:67].
وإذا رأى المسلم من يفعل الخير غبطه وشكر صنيعه، أما المنافقون فإنهم إذا رأوا من يفعل الخير ويبذله لمزوه واستنقصوه ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79]، والمسلم الحق يتمنى أن يجاهد في سبيل الله، ويفرح إن سمع براية جهاد ترفع، والمسلم يجاهد بنفسه وماله. أما المنافقون فيخبرنا القرآن أنهم لا يخرجون إلى الجهاد ولا يعدون له العدة وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ [التوبة:46]، ثم بين سبحانه خطورتهم لو خرجوا مع المسلمين في القتال لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولاَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ [التوبة:47]، أي لا يزال في صفوف المسلمين من يغتر بكلام المنافقين وأكاذيبهم لما يزوقون به أحاديثهم وكتاباتهم، ومهما استخفى المنافق وتنكر ولبس لباس المؤمنين وتظاهر بحبه وموالاته لهم فإن الله تعالى يفضحه بفلتات لسانه أو بخط بنانه أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ [محمد:29، 30]، وفي التحذير منهم يقول الله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118]، وقد أُمِر المسلمون بجهاد المنافقين كما أُمِروا بجهاد الكافرين يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [التوبة:73].
وللنفاق في كل عصر ومصر لباسه وخلاله ومقاله، وللمنافقين في كل بلية أو مصيبة تنزل بالمسلمين مشاركة أو شماتة، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى، والزموا طاعته، واحذروا معصيته، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ [الحشر: 18، 19].
أيها الناس، في المحن والأزمات يظهر الرجال من أشباههم، وحين يتكالب الأعداء على أهل الإسلام يبين المؤمنون من المنافقين، ويتميز الثابتون على دينهم من الناكصين على أعقابهم.
إن المحن والابتلاءات تفضح الأنانيين الذين يقدمون ذواتهم على أمتهم، ويضحون بقضاياهم في سبيل مصالحهم، ويمالئون أعداء الأمة على إخوانهم، في صفاقة متناهية ورقاعة غير مبالية وعداء سافر ونفاق ظاهر.
إن من أعظم أسباب الخذلان والخسران والذل والهوان التي أودت بالأمة المسلمة عبر تاريخها الطويل ثقة كبرائها في المنافقين، واطمئنانهم إليهم، وإدناءهم لاستشارتهم، وتقريبهم وتوليتهم، واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، وتسليمهم قضايا الأمة ومصالحها؛ ليعملوا عملهم في خيانتها وهدمها وتمكين أعدائها منها.
وما خُذلت الأمة في القديم والحديث حتى ضاع مجدها وأفل نجمها واضمحلت سيادتها وامتهنت كرامتها وفقدت كثيرا من أراضيها وثرواتها إلا على أيدي المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويبدون النصح وهم يخونون. بهم ضاعت ممالك الأندلس، وعلى أيديهم سقطت خلافة بني العباس في أيدي التتر، حتى جيء بآخر الخلفاء العباسيين فألقي تحت أقدام هولاكو وجنده يرفسونه ويدوسونه حتى مات، وبالمنافقين العبيديين سقط بيت المقدس في براثن الصليبيين، وبالمنافقين سقطت دولة بني عثمان، ومزقت دولة الإسلام العظيمة إلى دول مجزأة ترزح تحت الاستعمار النصراني فيما عرف باتفاقية (سايكسبيكو).
بالمنافقين امتطى الأعداء دول الإسلام دولة دولة ومزقوها شر ممزق، وحاولوا تحريف دينها، وأفسدوا مناهجها، وقضوا على أوقافها، وحرَّشوا بينها.
بالمنافقين انتهكت سيادة الأمة واستقلاليتها، وأضحت عالة على غيرها. لقد أضعفوها بعد القوة، وأذلوها بعد العزة، وأفقروها بعد الجدة، وأكثر الفقر والعوز في الأرض مرتكز في دول أهل الإسلام، رغم امتلاكهم أكثر الثروات.
وكل احتلال لأراضي المسلمين في عصرنا هذا بدءًا من فلسطين فكشمير فأفغانستان فالشيشان فالصومال وانتهاء بالعراق كانت كتائب المنافقين في مقدمة جيوش المستعمرين، تدل على العورات، وتُرَوِّج للاحتلال، وتُخَذِّل في الناس.
إن من نظر إلى سيرة المنافقين مع هذه الأمة واستقرأ أفعالهم فيها علم لماذا جاءت آيات القرآن تحذر المؤمنين من المنافقين أشد من تحذيرها من المشركين، وفي مطلع سورة البقرة آيتان فقط عن الكافرين، وثلاث عشرة آية عن المنافقين، وصفهم الله تعالى فيها بأنهم مرضى القلوب مخادعون مستهزئون، يدَّعون الإصلاح وهم مفسدون. ولا يعدو حالهم في زمننا هذا الوصف الدقيق الذي أُنزل من عند الله تبارك تعالى قبل أربعة عشر قرنا وزيادة.
وأكثر الآيات القرآنية التي حذرت من المنافقين وبينت أوصافهم القبيحة وذكرت خياناتهم المتكررة للأمة جاءت في سياق الحروب والأزمات والغزوات، فهي وقت عمل المنافقين وإرجافهم، وفي أحد دُعوا للقتال فقالوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران: 167]، ثم لما ابتلى الله تعالى المؤمنين بالقتل كانت مواساة المنافقين للمؤمنين لا تخرج عن الشماتة والتشفي فقالوا: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران: 156].
وفي غزوة الخندق دُعوا للدفاع عن المدينة فقال فريق منهم: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب: 13]، وقال آخرون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ [الأحزاب: 13]، ففضحهم الله تعالى فقال سبحانه: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا [الأحزاب: 13]، وكانوا يقولون: مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا [الأحزاب: 12].
وفي سورة براءة فضحهم الله تعالى، وبين خيانتهم للمؤمنين في غزوة تبوك، وقال في القاعدين منهم: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة: 47].
ولذلك حذر الله تعالى المؤمنين من المنافقين أكثر مما حذرهم من الكافرين، ونهاهم عن اتخاذهم بطانة، وكان هذا النهي في إثر أول خيانة للمنافقين في غزوة أحد بعد أقل من عام واحد على ظهور النفاق في هذه الأمة؛ مما يدل على عظيم خطر المنافقين وفداحة جرمهم، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: 118-120].
فذكر الله تعالى في هذه الآيات الكريمة عشرة أوصاف لهم تزجر من يعي القرآن ويعمل به أن يتخذ المنافقين بطانة له، ومن هذه الأوصاف أنهم جادون في أذية المؤمنين والنيل منهم: لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ، حريصون على عنتهم وضررهم: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قد فاضت قلوبهم بالحقد والضغينة على المؤمنين حتى فلتت ببعضه ألسنتهم: قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ، وبلغ من غيظهم أنهم عضوا بسببه أناملهم مما يجدون في قلوبهم: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ ، وهذه البغضاء التي بدت منهم هي أقل مما في قلوبهم السوداء: وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ، وهم يقابلون وفاء المؤمنين لهم بالخيانة ومحبتهم لهم بالبغضاء والكراهية: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ، والكذبُ والمخادعة صفتهم الملازمة لهم؛ إذ عليها بُني نفاقهم: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا ، يحسدون المؤمنين على أي خير أو نصر يتحقق لهم فينفونه أو يقللون من شأنه: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ، وفي مقابل ذلك يفرحون بأي مصيبة تنزل بالمؤمنين، فيلومونهم ويشمتون بهم، ويتبرؤون منهم: وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ، وهم أهل مكر كبير وكيد عظيم بأهل الإسلام: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120].
وكل هذه الأوصاف العشرة التي ذكرها الله تعالى عن منافقي غزوة أحد ملازمةٌ للمنافقين في كل زمان ومكان؛ ولذلك قال الله تعالى محذّرا عباده المؤمنين في هذه الآيات العظيمة الكاشفة للمنافقين: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ، فالثقة في المنافقين والاطمئنان إليهم واتخاذهم بطانة ليس من العقل في شيء كما دل على ذلك القرآن الكريم، فمن وثق بهم واتخذهم له بطانة كان مخذولا مهزوما؛ إذ إنهم من أهم أسباب الخذلان، وما أصيبت أمة الإسلام بشيء كما أصيبت بهم، وقد رأينا هذه الأوصاف التي ذكر الله تعالى للمنافقين في منافقي زمننا هذا، وتجلى ذلك أكثر في الأزمات والحروب التي سعرها اليهود والنصارى في العقدين الأخيرين ضد المسلمين، وبدا ذلك واضحا كل الوضوح قبل أيام في معركة غزة من بدايتها إلى نهايتها؛ إذ وقفوا مع الصهاينة بأقوالهم وأقلامهم وأفعالهم في بداية عدوانهم على المستضعفين، يعتذرون لهم، ويسوغون جرائمهم، ويجلدون ضحاياهم، ولم يزعجهم قتل النساء والأطفال وتمزيق الأشلاء وهدم المساجد والدور، فلما خُذل الصهاينة وانهزموا ورجعوا مقهورين مذلولين تحركت عواطف صهاينة العرب المنافقين على الأطفال والنساء، فذرفوا دموع التماسيح، وصوروا للناس أن المجاهدين الدافعين للصائل المعتدي هم السبب في قتل هؤلاء المستضعفين، وكأنهم القتلة وليس إخوانهم صهاينة أهل الكتاب، فأعادوا علينا ما قال إخوانهم في أحد: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: 168]، حسبهم الله بما قالوا وما كتبوا وما فعلوا، وأخزاهم بما كسبوا، وأراح المسلمين من شرهم وكيدهم، إنه سميع قريب.
وأقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم...



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281].
أيها المسلمون، من تأمل كتاب الله تعالى في المنافقين وأوصافهم ونظر إلى أفعالهم بالمسلمين عبر التاريخ ثم التفت إلى مواقفهم مع قضايا المسلمين في هذا العصر عَلِم لِمَ أبدى الله تعالى فيهم في القرآن وأعاد، وكرر القول فيهم، وذكر أوصافهم، وأكثر التحذير منهم.
يقول الله تعالى عن موقف المنافقين في غزوة بني النضير: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر: 11]، ونرى هذا الموقف عينه من منافقي عصرنا مع صهاينة أهل الكتاب حتى فاقوهم في الإخلاص لهم والدفاع عنهم وتسويغ أفعالهم، فكانوا صهاينة أكثر من الصهاينة أنفسهم. وهذا ما عَجِب منه صهاينة أهل الكتاب؛ حتى إن وزيرة خارجية دولة اليهود أمرت بأن تُنشر مقالات صهاينة العرب الموافقة للصهاينة في مذابحهم على الموقع الرسمي لوزارتها في سابقة لم تُعهد من قبل، وعللت ذلك بقولها: "إن هؤلاء سفراء إسرائيل لدى العالم العربي وأفضل من يوصل وجهة النظر الإسرائيلية إلى الشارع العربي"، وتُرجم مقالٌ لأحد صهاينة العرب إلى العبرية، فقرئ على رئيس وزراء اليهود، فقام اليهودي عن كرسيه مبتهجا، ورفع يديه منتشيا، يقترح ترشيح هذا الكاتب العربي لأعلى وسام في إسرائيل، ووصفه بأنه أكثر صهيونية من هرتزل.
والمقال كان تأييدا للصهاينة في سحق أهل غزة وإبادتهم عن بكرة أبيهم، وكثير من كتاب اليهود يقصرون عن الوصول إلى هذا المستوى الدموي المتوحش الذي وصل إليه الصهاينة العرب؛ ولذلك كان وتر صهاينة العرب بهزيمة الجيش اليهودي أعظم من وتر اليهود أنفسهم، ففقدوا بها صوابهم، وأعلنوا للمسلمين عداءهم، وتخبطوا تخبطا كبيرا، قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران: 118].
لقد كان اليهود ولا يزالون يقولون: إن حروبهم دينية دعتهم إليها التوراة، وكان المنافقون ولا يزالون يقولون: إنها حروب دنيوية لا علاقة للدين بها؛ خوفا من إحياء الشعور الديني لدى المسلمين فيهزمون بحقهم باطل غيرهم.
ولما خسر اليهود حربهم الأخيرة اعترف عدد من قادتهم بهزيمتهم، وعدَّها المفكرون منهم هزيمة استراتيجية، لن ينتصر اليهود بعدها أبدا، وستجترئ بعدها الشعوبُ المقهورة المغلوبة على دولة الصهاينة، لكن المنافقين من بين كل البشر جعلوه نصرا مؤزرا لليهود.
فمتى يعي الناس حقيقة هؤلاء الصهاينة العرب الذين فُرضوا على الأمة بالقهر والقوة في إرهاب فكري أحادي؟! ومتى يعلم الناس أن من أعظم أسباب خذلان المسلمين في هذا العصر هو إمساك جوقة المنافقين في دول أهل الإسلام منابر الإعلام؛ لينفثوا سمومهم على الناس، ويبثوا فيهم روح الانهزام والتبعية التي تشربوها من أسيادهم حتى ثملوا منها؟! وإلى متى يُتخذ هؤلاء المفلسون المفسدون المنحرفون بطانة يُستشارون وهم الذين أضاعوا الأمة من قبل بالشعارات الجاهلية القومية، قبل أن يتحولوا إلى عملاء للصهيونية والإمبريالية، حتى صاروا صهاينة أكثر من أربابها، ينافحون عنهم، ويجادلون غيرهم فيهم، ويخونون الأمة لأجلهم؟! وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [التوبة: 57].
وصلوا وسلموا على نبيكم محمّد...


الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعرفوا فضل ربكم عليكم فاشكروه، واقدروا دينكم قدره فالزموه، وأيقنوا بوعد الله تعالى لكم تجدوه، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128].
أيها الناس، لا شيء أضر على الأفراد والأمم من طاعتهم لأعدائهم وتعلقهم بهم وركونهم إليهم وثقتهم فيهم وانسياقهم خلفهم، يظنون نصحهم، ويستجدونهم حقوقهم، ويرجون نفعهم، ويخافون ضرهم، ويصبرون على ظلمهم، ويتجرعون الذل منهم، والحقوق لا يهبها الأعداء لأعدائهم، بل تؤخذ منهم قسرا بلا رضاهم.
ولذا كان القرآن واضحا كل الوضوح في تحذير المؤمنين من الثقة بالكافرين والمنافقين وطاعتهم، ولا أحد أنصح لنا من ربنا جل جلاله، ولا أحد أعلم منه عز وجل بحقيقة أعدائنا ولا بما يصلحنا وينفعنا، وقد بين لنا في كتابه العزيز شدة عداوة الكفار والمنافقين لنا.
إن طاعة الكفار والمنافقين لا يجني منها العبد إلا الوبال والخسران في الدنيا والآخرة، وإن تقديم أقوالهم على أقوال الله ورسوله لمن أعظم الضلال والانحراف، وهو من أسباب الخذلان للأفراد والأمم.
كان أبو طالب يحوط النبيّ وينصره، ويدافع عنه ويؤيده، فلما حضرته الوفاة دعاه النبي إلى كلمة الحق ليحاج له بها عند ربه، فقال : ((يا عَمِّ، قُلْ: لا إِلَهَ إلا الله كَلِمَةً أَشْهَدُ لك بها عِنْدَ الله))، فقال أبو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بن أبي أُمَيَّةَ: يا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ؟! فلم يَزَلْ رسول الله يَعْرِضُهَا عليه وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حتى قال أبو طَالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: هو على مِلَّةِ عبد الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَهَ إلا الله. رواه الشيخان. فأوردت طاعةُ الكفار أبا طالب نار جهنم خالدا فيها مخلدا وهو عم أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام.
وهرقل عظيم الروم علم صدق النبي ، وأيقن بأن ما جاء به هو الحق، وكاد أن يعلن إسلامه لولا أن قومه ثاروا عليه، فأطاعهم، فكانت طاعته إياهم سبب خسرانه الأبدي في الآخرة، وقد فارق ما أطاعهم لأجهله في الدنيا وهو الملك.
وفي مقابل ذلك فإن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله سبب للهدى والرشاد والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: 69]، وفي آية أخرى: وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ [النور: 52]، ومَرِضَ غلامٌ يهوديٌ لو مات على يهوديته لكان من أهل النار خالدا فيها مخلدا، فزاره النبي ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فقال له: ((أَسْلِمْ))، فَنَظَرَ إلى أبيه وهو عِنْدَهُ فقال له: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النبيُّ وهو يقول: ((الْحَمْدُ لله الذي أَنْقَذَهُ من النَّارِ)) رواه البخاري. فكانت طاعته للنبي سبب فوزه وفلاحه.
وكما كانت طاعة الكفار والمنافقين وبالا على الأفراد فإنها وبال كذلك على الدول والأمم، وما انتُقصت أمة الإسلام نقصا عظيما وخذلت خذلانا كبيرا واستبيحت كما لم تستبح من قبل إلا بسبب طاعة كثير من ساستها وكبرائها للكفار والمنافقين، فأردوهم في دينهم، ولم يصلحوا لهم دنياهم التي أطاعوهم من أجلها، وقد خاطب الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام ينهاه عن طاعة الكفار والمنافقين، ويحذره من ذلك أشد التحذير، وأكثر ما جاء النهي عن ذلك في سورة الأحزاب التي سميت بهذا الاسم لتحزّب الأحزاب من قريش وحلفائها ضدّ النبيّ ، وفيها أرجف المنافقون وخذلوا، ونقض اليهود عهدهم مع رسول الله وبيّتوا غدره، وكان موقفا عصيبا يشبهه تكالب أمم أهل الكتاب والنفاق على المسلمين اليوم.
لقد كان موقفا يستدعي اللين والتنازل، ويستوجب المناورة والمهادنة، ولا سيما أن الأبصار قد زاغت من الخوف، وبلغت القلوب الحناجر، ولكن مقادير الله سبحانه غير حسابات البشر، ودينه سبحانه هو دينه في السراء وفي الضراء، فتفتتح هذه السورة العظيمة المخبرة عن هذه الغزوة الكبيرة بنهي النبي عن طاعة الكفار والمنافقين: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفَى بِالله وَكِيلاً [الأحزاب: 13]، فليس من تقوى الله تعالى ولا من التوكل عليه سبحانه طاعة الكفار والمنافقين.
ثم يتكرر هذا النهي الجازم وسط السور في قول الله تعالى: وَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفَى بِالله وَكِيلاً [الأحزاب: 48]، فلا طاعة للكفار والمنافقين حتى في الأوقات الحرجة والساعات العسرة والنوازل العظيمة والأزمات الكبيرة؛ ذلك أن طاعتهم سبب للخذلان والانتكاس، وهم لن ينصحوا للمؤمنين ولن ينصفوهم، ولن يحفظوا لهم عهدا أو يعيدوا لهم حقا؛ فالكفار لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ [التوبة: 10]، والمنافقون لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118].
يا لها من حقائق ربانية قد عمي عنها كثير من المسلمين أو تعاموا عنها، فكانت النتيجة خذلانا بعد خذلان، وهزيمة في إثر هزيمة، وإخوانهم يقتلون ولا يملكون حيلة.
إنها طاعة الكفار والمنافقين التي أوردت الأمة موارد الضعف والخذلان، وسقتها كأس الهزيمة والخسران، وجرعتها علقم الذل والهوان، وأقعدتها عن نصرة الإخوان، فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 89]، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله [الأنعام: 116]، ومن سبيل الله تعالى العزة والغلبة والنصر، فحُجب ذلك بطاعة الكفار والمنافقين.
بل حتى لو كانت الأمّة في حال ضعف ودعة وهوان فلا يَحِلُ لها طاعة الكفار والمنافقين فيما فيه نقص الدين وخذلان المسلمين، وإنما الواجب الثبات على الحق والتواصي بالصبر إلى أن يأتي الله تعالى بالفرج كما صبر السابقون، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان: 24]، وفي آية أخرى: فَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52] أي: جاهدهم بالقرآن، ومِنْ جِهادهم بالقرآن العمل به وتحكيمه، وموالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، وعدم طاعتهم في التخلي عن الدين أو في خذلان المسلمين.
بل جعل الله تعالى طاعة الكفار والمنافقين واتباع أهوائهم ظلما توعّد عليه بالعقوبة: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 145]، وفي آية أخرى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ [الرعد: 37].
إن الله سبحانه وتعالى نهى عن اتباع أهواء الكفار والمنافقين؛ لما في أهوائهم من الظلم والفساد والبغي والانحراف، ومن اتبعهم في أهوائهم فهو شريك لهم في بغيهم، معين لهم على ظلمهم، وتلك حيدة عن دين الله تعالى وشريعته، وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ [المائدة: 48]، وفي آية أخرى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49]. وإن من أعظم الفتنة في هذا العصر عما أنزل الله تعالى صرفَ المسلمين عن الدعوة إلى دينهم ونصرة إخوانهم، وتكبيلهم عن جهاد أعدائهم بمعاهدات جائرة واتفاقيات آثمة، ألزمتهم بها المجالس العالمية الطاغوتية. والبارحة تمخض مجلس الأمن في قضية غزة فولد فأرًا؛ إذ كافأ الجلاد، وعاقب الضحية، وانحاز للقاتل ضدَ المقتول.
إن ربنا جل جلاله قد أمرنا باتباع شريعته، ونهانا عن الانسياق خلف الكفار والمنافقين؛ لأنهم لن ينفعونا شيئا: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ [الجاثية: 1819].
أسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يدلنا على ما ينفعنا، وأن يكفينا شر أعدائنا.
وأقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم...



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ولا تطيعوا أهل الكفر والنفاق، فإنهم أهل الانحراف والفساد، لا يُبقون على دين من اتبعهم، ولا يُصلحون له دنياه، وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ [الأعراف: 142].
أيها المسلمون، إن حقيقة ما يجري للمسلمين في هذا العصر على أيدي عباد الصليب وعباد العجل لا يخرج عن قول الله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: 120]. وقد اتبع كثير من ساسة المسلمين وقادتهم أهواء اليهود والنصارى، ففقدوا ولاية الله تعالى وتأييده ونصره، فلم يسلم لهم دينهم، ولا كسبوا قضاياهم.
لقد أطاع الساسة العرب أئمة الكفر من اليهود والنصارى في قضيتهم الأولى قضية فلسطين، واتبعوا فيها أهواءهم، فآل الأمر إلى ما ترون من الذل والهوان وذبح الإخوان، ولا أحد ينصرهم، بل أعانوا على خنقهم وقتلهم.
لقد استفرد اليهود والنصارى بأكبر دول الطوق في كامب ديفد الأولى، فحيدوها عن الصراع، وكبلوها بمعاهدات لم تنفع شعوبهم، بل أضرتها وأضرت بفلسطين، وهي السبب الأهم في خنق أهل غزة وقتلهم، ولا أحد يتحرك.
ثم كانت اتفاقيات مدريد وأوسلو ووادي عربة وشرم الشيخ التي أطاع العرب فيها أعداءهم، واتبعوا أهواءهم، وها هم أولاءِ إخوانهم في غزة يُذبحون وهم مكبلون عن نصرتهم ونجدتهم، وعن الوقوف معهم، ورد العدوان عنهم، لا يملكون سوى استجداء الأعداء القتلة وأعوانهم الظلمة في أن يقنعوا الصائل الغاشم في وقف عدوانه أو تخفيفه، ولولا غضبة الشعوب وتأثرها لما حفلوا بالأمر أبدا.
إنها فضيحة وعار وخزي لحق المسلمين في هذا العصر، لا يمحوه الزمان وإن نسيته الذاكرة. عار يسجله التاريخ بمداد الذل والهوان، حين يُقتل أطفال ونساء ومستضعفون لا حول لهم ولا قوة أمام بصر إخوانهم في الشاشات ولا يستطيعون نصرتهم، في الوقت الذي تُحرّك فيه الأشلاء الممزقة قلب داعرة نصرانية تمثل أدوار الإثارة والإغراء في هوليود، فتشنّ هجومها على دولة اليهود وتحملها مسؤولية ما يجري في غزة، وتخسر أكبر المنتجين للأفلام السينمائية؛ لأنه يهوديّ دعم دولة اليهود في عدوانها على غزة ماديا ومعنويا، وتقاطعه إنكارا لما يقع في غزة!
يا لزمنٍ بلغ فيه خذلان المسلمين وهوانهم وغفلتهم مبلغا تتحرك فيه قلوب الداعرات لأطفال غزة بالرحمة والشفقة، وتموت فيه قلوب كثير من المسلمين، فهم يلعبون ويرقصون ويفرحون بالدورات الرياضية، ويحيون الحفلات الغنائية الليلية، في الوقت الذي يقدم فيه إخوانهم قرابين لعقائد اليهود ومشاريعهم على المذابح الصهيونية التوراتية في غزة، فنسأل الله تعالى أن يعفو عنا، وأن لا يكل إخواننا إلينا، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
ورغم شدة هذه النازلة وفداحتها وتعدد أطراف الجريمة فيها فإن الأمل معقود بعد الله تعالى على الغزاويين في صبرهم وثباتهم أمام قصف الأعداء الذين طاشوا وتخبطوا، وصاروا يضربون بلا وعي، وإنما النصر صبر ساعة، وقد بدت بوادر هذا الفشل، وعبر عنه عدد من المفكرين والمحللين اليهود، يقول جدعون ليفي: "لقد خرجت إسرائيل إلى حرب فاشلة، كما ارتكبت جريمةَ حربٍ بشعة، تجاوزتْ كل منطق وكل حدود إنسانية، بشكلٍ يُدَلِّلُ على غباء سياسي مستفحل لدى قيادتها".
وإننا ـ إن شاء الله تعالى ـ لنرجو أن يحظى إخواننا المرابطون في الأرض المباركة وفي غزة بقول النبي : ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ من أمتي على الدِّينِ ظَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ من خَالَفَهُمْ إلا ما أَصَابَهُمْ من لأْوَاءَ حتى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلِكَ))، قالوا: يا رَسُولَ الله، وَأَيْنَ هُمْ؟ قال: ((بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)) رواه أحمد.
وصلوا وسلموا على خير البرية...


الخطبة الأولى
أما بعد: فيا إخوة الإيمان، قد سبقَ الحديثُ عن المنافقين وخطرِهِمْ، وبَليَّةِ الإسلامِ بهم، ومحنةِ المسلمين معهم، وانخداعِ البعضِ بهم لخفائِهِم، ووعدتُ في هذه الخطبةِ بالحديث عن سِماتِهم وصِفاتِهم التي تُميطُ اللِّثَامَ عن وجوههمُ الكالحة البغيضة، مسترشداً ومستهدياً بالكتاب والسنة.
فقد ذكر الله عز وجل من صفات المنافقين شيئاً كثيراً، وكذلك عدَّدَ رسولُ اللهِ بعضَ صفاتِهم، لكي نحذر الوقوعَ فيها، ولنعلم أيضاً المنافقين بصفاتهم، سواء كانت مجتمعة كلّها أو معظمها، ولنحذِّر غيرنا من الوقوع فيها. فهي سببٌ للانحرافِ عن منهجِ اللهِ، والبعدِ عنِ الإسلامِ وتعاليمِهِ من حيث يشعر مرتكبها أو لا يشعر.
فمن أبرز صفاتهم، بغض الرسول ، وازدراؤُهُ، وتَنقُّصُهُ، فالذين عاشوا معه كانوا يؤذونهُ بأفعالهم وأقوالهم .. وأخلافُهُمُ اليوْمَ يُؤَلفُونَ الكتبَ، ويحرِّرون المقالاتِ في جرائدِهمْ، ويعقدون الندواتِ والمحاضراتِ سعياً في تشويه حياة النبي ودعوتهِ.
ومن صفاتهم، بغضهم لشرائع الإسلام، فتجدهم يتذمـرون من الفرائـض والأحكام الدينية، ويقيمون الحملاتِ لمحادَّةِ هذه الأحكام والتلاعب بها باسم الإصلاح والمرونة، ويستخرجون الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقاً لأمانيهـم، أو تقـرباً إلى سادتهم وأولياء نعمتهم.
ومن صفاتهم، أنهم يأخذون من الدين ما سهـل عليهم، أو ما فيه مصلحتهم، ولا يفعلون ذلك لوجه الله بل رياءً للمؤمنين، وإذا أدَّوا شيئاً من العبادات فإنما يستكرهون أنفسهم عليه، ويؤدونه بتكاسل وتثاقل... قـال تعالى: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَاءونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142].
ومن صفاتهم، أنهم يسعون للإفساد في الأرضِ بتيسير سبل الفساد التي تحطم الأخلاقَ وتقضي على الفضائلِ الإنسانيةِ.. قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلارْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12].
نعم فهم إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، برَّروا سلوكَهُمُ المنافق المفسد بأنه من الأعمال الإصلاحيةِ، وجعلوا الباطلَ حقاً، والحقَّ باطلاً دونَما حياءٍ... يفتتحون الكازينوهات وعلبَ الليل، ويقولون: نشجعُ الفنَّ... ويُحْيُونَ الشعوذةَ والدَّجلَ، ويقولون: نحيي التراث والثقافة... ويسمون الأشرطة التي تدعو إلى الإسلام وتمسك الناس بدينهم أشرطة التطرُّف، والأشرطة التي تدعو إلى المجون والرذيلةِ وإفسادِ عقـولِ وقلـوبِ الشبابِ أشرطةَ الفنِّ الرفيع.
ومن صفاتهم، أنهم متكاتفون مع بعضهم، ويعين بعضهم بعضاً على الشر، يأمرون بالمنكر وينهـون عن المعروف، قال تعالى: ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ [التوبة:67].
فهم يشجعون ويحرضون على الزنا، والقمار، والعُريِ... وإذا رأوا إنساناً سائراً في طريق الخير سفَّهوه واحتقروه، بل يستغلون كلَّ فرصة للطعن في المتمسكين بتعاليم الإسلام وتشويههم والتحريض عليهم.
ومن صفاتهم، أنهم يتحاكمـون إلى الطواغيت الذين يحققون لهم رغباتهم في ظلم الآخرين، ولا يتحاكمون إلى ما أنزل الله وإلى رسوله ، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً [النساء:61].
فمن أعرض عمداً عن حكم الله ورسوله كان منافقاً.
ومن صفاتهم، أنهم يوالون الكفـار، ويخدمونهم، ويتجسسون لهم ضدَّ المؤمنين، ويعينوهم على المسلمين، قال تعالى: تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ [المائدة:80].
فولاؤهم للكافرين وإن عاشوا بين ظهراني المسلمين، وقلوبهم مع أعداء الدين وإن كانوا بألسنتهم وأجسامهم في المسلمين، يخشون الدوائر فيسارعون للولاء والمودة للكافرين ويسيئون الظن بأمتهم، فيرتمون في أحضان أعدائهم، ويزعمون إبقاءَ أيادٍ عند الكافرين تحسُّباً لظفرهم بالمسلمين فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِين [المائدة:52].
ومن صفاتهـم، أن ظواهرَهُمْ قد تعجب الناظرين، وأن أقوالَهُم ترضي السامعينَ.. قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ [المنافقون:4].
فهم يتصنعون الظواهر التي تخدع الأنظار حتى تظن فيهم خيراً.
كما ترى أحدَهُمْ ـ عند حديثه ـ تسبق يمينُه كلامَه، لعلمه بشكِّ المؤمنين في كلامه وارتيابهم منه. قال تعالى: ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [المنافقون:2].
ومن صفاتهم أن لهم أكثرَ من وجهٍ، لهم وجهٌ يستعلنون به، وآخـرُ يتوارون به ولا يظهرونهُ.
ترى أحدَهُم يسعى إليكَ مُبدياً تودُّدَهُ ومحبَّتهُ، مُظْهِراً لك أتمَّ استعداده ليكون أخاك الذي لم تلدهُ أمك، ويمدحك بما فيك وما ليس فيك.
وإذا تواريت أو غبت عنه، كادَ لك بلا تورُّعٍ، وقرضَ لحمك بلا حياءٍ، واستطال على عرضكَ بغير حقٍّ، وطعنك من الخلف طعناتِ غدرٍ.
ومن صفاتهم التي قد يتلبَّسُ بها بعض المؤمنين ما ورد في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ قَالَ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَـرَ)) وفي رواية لمسلم: ((وَإِنْ صَـامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)).
فمتى اجتمعت تلك الخصال الأربع في شخص مَا، ذكراً كان أو أنثى كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلةٌ من هذه الخصالِ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يتركَها ويبتعدَ عنها، ويرجعَ إلى إيمانه النقي الصافي الخالصِ من علاماتِ النفاق.
وسياسة التجويع عند المنافقين منهج وطريقة ابتدعوها، وهم يقصدون منها إضعاف انتماء المؤمنين لدينهم، وإبعادهم عن هدي نبيهم، وغاب عنهم أنَّ خزائنَ السماواتِ والأرضِ بيد الله، وذلك من قلة فقههم كما حكـى الله عنهم: هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ [المنافقون:7].
ومن مراتب النفاق الكبرى، أن يجلس جالسهم مجلساً يَسمع فيه آياتُ اللهِ يُكفر بها ويُستهزأُ بها فيسكتُ ويتغاضى، ملتمساً لنفسه أعذاراً ومسوغاتٍ من التسامح واللباقة والدهاء والكياسة وسعة الأفق وحرية الرأي، وما درى أن هذه هي الهزيمةُ تدب في أوصاله، وتنحر في فؤاده، وما فرّق بين حرية الفكر وجريمة الكفر وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً [النساء:140].
إخوة الإسلام، هذه بعض صفات القوم، وتلك بعض ملامحهم وأماراتهم، ومن رام المزيد فكتابُ الله حافل بذكر صفاتهم وفضائحهم، وسنة المصطفى وسيرتُه زاخرةٌ بكثير من مواقفهم وعدوانهم وحيلهم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أسعد بجواره من أطاعه واتقاه، وقضى بالذل والهوان على من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسـوله، وحبيبه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا إخوة الإيمان، لقد خاف النفاقَ على أنفسهم خيارُ هذه الأمة وصفوتُها من أصحاب رسول الله ، ومن بعدهم من أئمة التابعين، وغيرهم من أئمة الإسلام وأهل الدين والصلاح، حتى قال الإمـام الحسن البصري رحمه الله: "ما خاف النفاق على نفسه إلا مؤمن، ولا أمنه على نفسه إلا منـافق".
وسأل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حذيفةَ بنَ اليمان صاحبُ سرِّ رسولِ الله وقال له: "ناشدتك الله: هل عدَّني لك رسول الله في المنافقين فقال: لا، ولا أزكي أحدا بعدك". وروى البخاريُ في صحيحه: "قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ".
فإذا كان هؤلاء المتقون الأبرار، والصفوة الأخيار من هذه الأمة يخشون النفاق على أنفسهم، فإننا أولى بأن نحذر منه، وأن نخشاه على أنفسنا.
أيها الإخوة، ولفظاعة هذا الجرم وشدة أثره على أهل الدين والدنيا، فقد لعن الله أصحابه وذمَّهم، وبالعذاب المقيم توعَّدهم، وفي الدرك الأسفل من النار حشرَهم وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:68]. وقال تعالى: إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلاْسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء:145].
ولكن الله البر الرحيم ذا الفضل العظيم شرع الباب مفتوحاً لمن رجع وأناب مهما كانت شناعة الفعل، ومهما كـان كبر الذنب إذا أصلح عمله، واعتصم بربه، وأخلص لله دينه إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء:146].
هذا وصلوا وسلموا على محمد سيد الأولين والآخرين، وأفضل الخلق أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفـاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسـان إلى يـوم الديـن.

الخطبة الأولى
عباد الله، إن من سنة الله الماضية وقدره السابق أن يبتلي عباده المؤمنين بأنواع البلايا، وذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3]، وليفاوت سبحانه وتعالى بين عباده المؤمنين في الدرجات، كلّ حسب إيمانه وثباته وعمله.
وإن مما ابتلى به عباده المؤمنين تسلّط أعدائهم من الكفرة والمنافقين، فما يزال الصراع بين المؤمنين وأعدائهم قائمًا حتى قيام الساعة، وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].
عباد الله، إن عداوة المنافقين أشد من عداوة الكافرين، ذلك أنهم مندسّون في الصفّ، يعيشون بين ظهرانينا ويتسمّون بأسمائنا ويصلون خلف أئمتنا ويطّلعون على أسرارنا، وهم مع ذلك محكومون بما يكرهون، عاجزون عن إظهار ما يعتقدون، فعداوتهم أشد وسلاحهم أمضى.
إخوة الإيمان، ولما كانت عداوة المنافقين أشدّ وضررهم أعظم وكان المؤمن مأمورًا بإحسان الظن وبمعاملة الناس بظواهرهم وأن يكل سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى جلّى الله سبحانه وتعالى المنافقين بأوصافهم وسماتهم حتى لا يخدع بهم أهل الإيمان.
لقد تكاثرت الآيات التي تخبر المؤمنين بصفات أهل النفاق حتى كان المنافقون يحذرون كلما أضمروا كيدًا أن يفضحهم القرآن، يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ [التوبة:64]. لقد وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه حتى كان المؤمن يعرفهم بكلامهم لا يشك فيهم: وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30]
عباد الله، إن للمنافقين من التخفي والتلون ما يجعلُ المؤمن مأمورًا بالتعرف عليهم حتى لا يخدع بهم ولا يغتر بكلامهم، ولا سبيل للتعرف عليهم إلا من خلال ما قصّه الله سبحانه وتعالى علينا من أوصافهم.
فمن أوصافهم في القرآن الكريم أنهم يتخفّون خلف دعاوى الإصلاح والإحسان، فإنّ بالمنافقين من صفاقة الوجه وقلّة الحياء ما يجعل الواحد منهم يسعى إلى الفساد بكل حيلة وينقض عرى الإسلام عروة عروة إن استطاع، فإذا قيل له: اتق الله رفع عقيرته بدعوى الإصلاح: إنني أريد خيرَ الأمة وصلاحها وتقدّمها وازدهارها. فالذين بنوا مسجد الضرار على عهد رسول الله لما ظهر أمرهم وفضحهم القرآن أخذوا يحلفون لرسول الله أنهم ما أرادوا إلا الخير، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107].
إن من يشيع الفتن في المؤمنين ويحارب تعاليم الدين ويسعى في مسخ الأمة وتغريبها وإشاعة الفاحشة في أبنائها وبناتها منافق ولو صرخ بأعلى صوته أنه مصلح، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12]
إخوة الإيمان، ومن صفاتهم التي وصفهم بها القرآن الكريم أنهم دعاة فتنة وفرقة بين المؤمنين، فسعيهم حثيث وحرصهم شديد على فرقة المؤمنين وتناحرهم، وذلك ليضعف أهل الإيمان وتكون الدائرة لهم، قال الله سبحانه وتعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:47، 48]، وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:107].
إن من سمات المنافقين سعيهم بين المؤمنين أو بين المؤمنين وولاة أمرهم بأسباب الفرقة والخلاف وإغراء العداوة وإيغار الصدور، فلا صلاح لهم إلا بضعف أهل الإيمان. إن الفرقة بين المؤمنين أو بين المؤمنين وولاة أمرهم لا مصلحة فيها إلا لأعداء الأمة من الكفرة وأهل النفاق. وقد يلبس المنافقون فتنتهم وسعيهم بالشر بين المؤمنين بلباس النصيحة والشفقة، أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:12].
إخوة الإيمان، ومن سماتهم التي وسمهم القرآن بها وصفاتهم التي وصفهم الله بها أنهم إذا ضاقت بهم الحيل وانكشف أمرهم بادروا إلى الأيمان الكاذبة والدعاوى الفاجرة، فمن يكذب في إسلامه لا يعجزه أن يكذب في يمينه، قال الله سبحانه وتعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [المنافقون:2]. وحين انكشف أمر مسجد الضرار فزعوا إلى الأيمان الكاذبة، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107]. وحين رجع رسول الله من غزوة تبوك بادر المنافقون رسول الله بالأيمان الكاذبة يستدفعون غضبه، فوقعوا في غضب الله سبحانه وتعالى، سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:95، 96].
عباد الله، ما أشبه الليلة بالبارحة، فدعاة الفساد والمروّجون للرذيلة والفاحشة ومثيرو الفتنة بين المؤمنين وبين المؤمنين وولاة أمرهم كلّما تكشف أمرهم بادروا إلى ادعاء النصيحة والإصلاح، وشفعوا دعاواهم الكاذبة بالأيمان الفاجرة، فصدق الله العظيم: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30].
اللهم نوّر بصائرنا حتى نعرف أعداءك فنعاديهم، وأوليائك فنواليهم، وصراطك المستقيم فنسلكه يا رب العالمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم.



الخطبة الثانية
ثم أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنين، واعلموا أن ربكم سبحانه وتعالى قد أمركم بما أمر به نبيَّكم، وقد أمر نبيّكم بجهاد المنافقين: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التحريم:9].
وإن جهاد المنافقين لا يتمّ إلا بمعرفتهم، ولا سبيل إلى معرفتهم إلا بالتعرّف على أوصافهم في القرآن الكريم الذي نزل من عند حكيم عليم، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].
عباد الله، ومن أخطر أوصاف المنافقين التي وصفهم بها القرآن الكريم أنهم كهفٌ لأعداء الدين والملة وفئة للكفار، يتّصلون بهم ويوالونهم ويستقبلونهم، ويسعون لتحقيق أهدافهم، فقد بنى المنافقون مسجد الضرار ليكون مرصادًا لمن حارب الله ورسوله، يجتمع فيه المنافقون، ويأرز إليه كلّ من شرق بهذا الدين، فيخططون للفتنة والإفساد، قال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ [التوبة:107]. قال البغوي رحمه الله عند قوله سبحانه: وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ : "أي: انتظارًا وإعدادًا لمن حارب الله ورسوله" اهـ.
إن من يدعو أعداء الأمة إلى بيته أو مكتبه ليكشف لهم أسرار الأمة ومَواطن ضعفها وليمالِئهم على الكيد لها والتخطيط لإفسادها أو يدعو أعداء الأمة للضغط عليها وإرغامها على ما يريد من الفساد أو يسعى للاتصال بأعدائها في الخارج ليطلِعهم على مواطن ضعفها ويعِدهم بالنصرة، كل ذلك علامة على نفاق وفساد باطن وإن حلف الأيمان المغلظة وادعى النصح والإصلاح، فالله يشهد إنهم لكاذبون.
عباد الله، ومن صفات المنافقين في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى بظلمهم وفسقهم وكفرهم بعد إيمانهم قد طمس بصائرهم وطبع على قلوبهم، فلا تنفعهم المواعظ، ولا تحرّكهم الزواجر، ولا تؤثّر فيهم المثلات، قال سبحانه وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3]، وقال سبحانه: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:87]. والطبع ـ إخوة الإيمان ـ هو أن تختم قلوبهم وتغلق فلا تدخلها المواعظ ولا تنفعها الزواجر.
إن القرآن الذي جعله الله هدى وشفاء للمؤمنين لا يزيد هؤلاء المنافقين إلا كفرًا ونفاقًا، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124، 125].
أخي المؤمن، حين تقرأ هذه الآية يذهب عنك العجب من قسوة قلوب هؤلاء المنافقين، يشيب عارضا أحدهم في بلاد الإسلام ويقرأ القرآن والسنة ويطّلع على كلام أهل العلم ويناصِحه العلماء وأهل الدين فلا يزيده ذلك إلا رجسًا ونفاقًا، قد أظلم قلبه وطمست بصيرته، نعوذ بالله من حال الأشقياء.
عباد الله، إن من ظهر شرّه وبان إفساده اتهمناه وحَذِرنا وحَذَّرنا منه ووكلنا سريرته إلى الله، فهو الذي يتولى السرائر.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، وأعذنا برحمتك من حال أهل الزيغ والفساد، اللهم افتح قلوبنا لأهل طاعتك، وبصرنا بأعدائك، وأعذنا برحمتك من الهوى والشيطان.
اللهم إنا نعوذ بك أن نقول زورًا، أو نغشى فجورًا، أو أن نطعن في أحد من المؤمنين يا كريم
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 27-06-09, 04:12 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

الخطبة الأولى
ثم أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوه وراقبوه، راقبوه عند خطرات القلب ولحظات العين وعثرات اللسان، واعلموا أن الله عز وجل قد وكّل بكم من ليس يغفل أو ينام، يحصي الأعمال ويكتب الحسنات والسيئات، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12].
احذروا ـ عباد الله ـ غدرات دوِّنت وسيّئات حفظت، فلئن نسيتموها فإنّ الدواوين لا تنسى، أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6]، وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].
عباد الله، إنّ الكلمة من أعظم الأمانات وأثقل المسؤوليات، تكون في قلب الرجل فلا يُسأل عنها ولا يحاسب عليها، ثم تخرج إلى لسانه فيتكلم بها فتورده الموارد أو ترفعه المنازل، تهوي به في الدركات أو تعلو به في الدرجات.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم))، وعن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال: إن رسول الله قال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتبُ الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه)) رواه مالك في الموطأ والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
عباد الله، لم يكن اللسان بهذه المنزلة إلا لما له من الفعل الشديد والأثر الأكيد، يتكلم المؤمن بالحق والعدل فيتجلى للناظرين ويروق للسالكين، ويلحنُ الفاجرُ بالباطل فيعمي الحق على الناس ويزوّقُ لهم الباطل ويصدهم عن الصراط ويُلبسُ عليهم دينهم، فيضلُ الخلق ويضيعُ الحق.
ولهذا لما بين رسول الله لمعاذ رضي الله عنه أسباب دخول الجنة والبعدِ عن النار ودلّه على أبواب الخير ثم أخبره برأس الأمر وعمودِه وذروة سنامه قال له: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟)) فلما قال: بلى، أخذ بلسانه وقال: ((كفَّ عليك هذا))، فقال معاذ رضي الله عنه: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: ((ثكلتك أمك، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
عباد الله، إن اللسان هو أخطرُ الجوارح؛ ذلك أنه أخفُّها حركة وأشدُّها أثرًا حتى إن رسول الله شبه أثر اللسان في قلب الحقائق وتلبيس الحق بالباطل بالسحر فقال: ((إن من البيان لسحرا)).
إخوة الإيمان، إن رجالاً يطلقون لألسنتهم العنان ولأقلامهم الزّمام، إنما يتقحمون بذلك نار جهنم، فعن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله : ما أخوفُ ما تخافُ عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: ((هذا)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح"، وسأل عقبة بن عامر رضي الله عنه رسول الله : ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك، وليسعكُ بيتك، وابكِ على خطيئتك)) رواه الترمذي وحسنه، وكان أبو بكر رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: ((هذا الذي أوردني الموارد))، بل إن رسول الله تكفّل لمن حفظ لسانه الذي بين لحييه وفرجه الذي بين رجليه بالجنة. متفق عليه.
عباد الله، هل أدرك هذا الأمرَ من يحمل قلمًا يكتب به في الصحف والمجلات أو الساحات والشبكات؟! هل أدرك هؤلاء أنهم يحملون في أيديهم سلاحًا أمضى من كل سلاح، سلاحًا يصلح ويفسد ويجمع ويفرق؟!
إن شئت أصلحتَ به ذات البين، وإن شئتَ فرقت به بين الحميمين، إن شئت جليتَ به الحقّ وعرّيت به الباطل فكنت هاديًا مهديًا، وإن شئتَ لبست به الحق ونصرتَ به الباطل فكنت شيطانًا على سبيل من سبل جهنم.
إن عددًا من مرضى القلوب ممن يحملون ألسنة حدادا وأقلامًا سلِطة وجرأة على الدين قد اتخذوا من الأحداث الآثمة التي تمرّ بها بلادنا ذريعة وسلَّمًا لنيل مآربهم وتحصيل مقاصدهم وتصفية حساباتهم، فباسم مقاومة الإرهاب سبّوا الدين وتكلّموا في الثوابت واجترؤوا على العقيدة ونالوا من رجالات الإسلام ودعاة الخير. فمرّةً على فهم السلف لملة إبراهيم، وأخرى لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وثالثة لعقيدة الولاء والبراء، ورابعة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وخامسة لمناهج التعليم، وسادسة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسابعة لحِلق تحفيظ القرآن الكريم، وثامنة للجمعيات الخيرية، والمحصّلَة حرب الإسلام باسم حربِ الإرهاب، فإذا أنكِر على أحدهم أو خوِّف بالله أقسم الأيمان المغلظة أنه ما قصد إلا الإصلاح ولا أراد إلا الحسنى، وصدق الله العظيم: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107]، ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا [النساء:62، 63]، لقد زعم كثير من هؤلاء الكتاب أنهم يحاربون الإرهاب، وكذبوا والله، إنهم يصنعون الإرهاب.
إن الرجل ليرخص نفسه ويبذلُ مهجته إذا انتهِك عرض، ولا شك أن دين الإنسان أغلى وأنفسُ من عرضه، فمن يسب الدين بسبِّ رجالاته ورموزه وأجهزته وهيئاته ومناهجه وعقائده يستعدي شعبًا بأكمله، بل أمة بأكملها، يسبّ دينها وثوابتها.
لقد رأى هؤلاء المفتونون أنّ الدولة ـ وفقها الله ـ تدافع عن الإسلام، وتدعَم هيئاته ومؤسّساته، فشرقوا بذلك، وأرادوا استعداءها على أهل الدين.
يتظاهرون بحرب الإرهاب وهم يطلبون الفتنة ويغرون بالعداوة، وصدق الله العظيم: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:47، 48].
إخوة الإيمان، تهدأُ الأمور فيتخفّى المنافقون ويلبسون مسوحَ الإصلاح، حتى إذا كادوا أن يشتبهوا بأهل الحقّ رحم اللهُ الأمة ففتنَ أهل النفاق وأخرج أضغانهن وكشفَ دخائلهم، فيتبيّنهم المؤمنون، لا يضامّون في معرفتهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:29، 30].
بارك الله لي ولكم...




الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك البر الرحيم، وأشهد أنّ محمدًا النبيّ الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أنه لا بد للمؤمن من العلم ومعرفة الحق، ولا بد بعد العلم من العمل.
إخوة الإيمان، إنه لا يكفي أن يعرف المؤمن الحقّ من الباطل ولا المؤمنَ الصادق من المنافق الكاذب، بل لا بد بعد العلم من العمل.
إنّ دين المسلم هو أغلى شيء يملكه في الحياة، كيف لا وهو سرّ سعادة المرء في الدنيا والآخرة.
إخوة الإيمان، كان الرجلُ من صحابة رسول الله ما إن يدخلُ في هذا الدين ويخالط شغاف قلبه إلا وينذر نفسه لنصرتِه والدفاعِ عنه وموالاة أهله ومعاداة أعدائه. فبهذا انتصر هذا الدين وعلا شأنه وارتفعت رايته وعز أهله. وإن دَور كلّ مسلم يرى هذه الحربَ الضروس على دينه أن ينصر دين الله، ويقارع أعداء الله.
واعلموا ـ عباد الله ـ أن دين الله منصور وأمره ظاهر، ولكن الإنسان يرتفع بنصرة هذا الدين، ويحقق النجاة لنفسه، إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].
ثم اعلموا ـ أيها المؤمنون ـ أن كلاًّ على ثغر، وأنّ كل أحد يطيق أن ينصر هذا الدين، فالوسائل كثيرة، والمجالات متعددة، ولكن ينبغي أن تكون نصرة هذا الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، بالكلمة الهادئة والموعظة اللينة، بعيدًا عن التكفير والتفسيق أو التبديع والسبّ، فلعل صاحب شبهة أو مغررًا به يُغْلَظُ عليه ويُستعدى فيكون من أعداء الدين.
لقد كان رسول الله يعلم أعيانَ المنافقين ومع ذلك لم يكن يواجههم بذلك.
إن الكلام اللينَ والدعوات الصادقة تفتح القلوب وتشرح الصدور وأنتم دعاة إلى الله سبحانه. وأما من ظهر فسقه واستشرى شره وعظمت فتنته فمنهج السلف الصالح تحذيرُ الناس من بدعته وتعريفُهُم شرَّه وخطَرَه.

الخطبة الأولى
أما بعد: عباد الله: النفاق من اللُّوثات الخبيثة، والأمراض المعنوية الخطيرة التي يعاني منها الإسلام على مر الأيام والدهور بمرارة، وهو انحراف خلقي خطير في حياة الفرد والجماعة، إذ يقوم بعمليات الهدم الشنيع، والتفتيت الفظيع للمجتمع من الداخل، وصاحبه آمن مستأمن، لا تراقبه الأعين، ولا تطيف بذكره الألسن، ولا تحسب حساباً لمكره ومكائده الأنفس.
النفاق ـ يا رعاكم الله ـ: سلوك مركب في الفرد، يرجع إلى عناصر خلقية متعددة، أولها: الكذب، وثانيها الجبن، وثالثها الطمع في حطام الدنيا الفاني، ورابعها الإعراض عن الحق وجحوده، وتلك بمجموعها تمثل شبكة شيطانية عنيدة، يصعب التعامل معها، والحذر منها. ترى الواحد منهم يعيش بين الناس بلسانين، وتتلون نفسه بلونين، يقود نفسه بزمام الشيطان إلى الرذائل والمحرمات، فإذا همت بالمعروف قال لها: مهلاً!
وتبرز خطورة النفاق والمنافقين على المؤمنين: في تدبير المؤتمرات، وحبك الدسائس، والمشاركة فيها، والاستجابة لمروجيها، لأنهم قوم خونة، لا تصفو مودتهم لأحد، ولا يسلم من أذاهم بشر، قد صدق فيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((تجدون من شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه و هؤلاء بوجه)) رواه مسلم.
ترى أحدهم يتقلب بين الأفراد والجماعات، لا يُدرى مع من يأمن، ولا من يخالط ويرضى، منطبقاً عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((مثل المنافق كمثل الشاة العائِرَة بين الغَنَمَين، تَعِيُر إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة)) رواه مسلم.
ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:67، 68].
عباد الله، ومن أبرز المخططات النفاقية التي سجلها القرآن الكريم وصمة عار على جبين المنافقين إلى يوم القيامة: مخطط مسجد الضِّرار، التي دبرها المنافق" أبو عامر الراهب" مع فريق من "المنافقين" من جهة، ومع "الروم" من الجهة الأخرى، بقصد القضاء على المسلمين سراً وهم غافلون. كان" أبو عامر الراهب "خَزرجياً من أهل يثرب، وقد "تنصر قبل الإسلام"، وكان ذا مكانة في قومه، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبنى (مسجد قباء) أول مسجد أُسِّسَ على التقوى، ورأى هذا المنافق تجمع المسلمين فيه، وظهور أمرهم أعلن عداءه الأكيد للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأخذ يؤلب عليه من استطاع صده عن الإسلام من قومه.
غير أن هذا المنافق لم يظفر بما يريده داخل المدينة، فخرج منها إلى مكة محرضاً المشركين فيها على محاربة المسلمين، بعد أن شرقت نفسه بانتصار المسلمين في (غزوة بدر الكبرى).
وكان قد حلف ليحاربن محمداً مع كل من يحاربه. وقال لمشركي مكة: إن لي أنصاراً في يثرب، إذا رأوني لم يختلف عليَّ منهم رجلان.
فخرج مع المشركين في غزوة أحد، وكان في أول جيشهم، ليستحث قومه الذين في صفوف المسلمين على طاعته، وخذلان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم. لكنهم لم يستجيبوا له بعد أن شرفت نفوسهم بالإسلام، ونعمت قلوبهم ببرد الطاعة وحلاوة الإيمان. فرجع إلى مكة مع المشركين ممتلئاً غيظاً وحقداً على المسلمين، الذين فرقوا بينه وبين قومه بزعمه.
وما برح هذا المنافق يدبر الخطط، ويحيك المؤامرات ضد المسلمين حتى فتح الله مكة على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح الطائف، فانضم هذا المنافق إلى قبائل هَوازن وثَقيف ومن معهم يقاتل المسلمين. ولكن الله جل شأنه نصر المسلمين في حُنين، فيئس "أبو عامر الراهب" من الاعتماد على قوات الشرك داخل الجزيرة، وقلبه يغلي كراهية وبغضاً للإسلام والمسلمين.
فقرر أن يستعين على المسلمين بهرقل الروم في الشام فهرب إليه، واتفق معه على أن يرسل معه جنداً لحرب محمد وأصحابه، في عملية انقضاض ماكرة خبيثة على عاصمة الإسلام والمسلمين. وفي سبيل إحكام هذه المؤامرة، ولتكون حملة شرسة خاطفة لا يتنبه لها أحد، أخذ أبو عامر يُراسل خلصاءه من المنافقين في المدينة سراً بما اتفق عليه مع قيصر الروم، ويأمرهم بالاستعداد بكل ما استطاعوا من قوة وسلاح، وأن يبنوا قاعدة سرية في ضاحية المدينة، لا يشعر المسلمون لما يراد منها.
تمثلت هذه القاعدة في مسجد يبنيه المنافقون، ويجتمعون فيه، متخذين لإقامته المبررات الكافية أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يأذن لهم بإقامته. وفي سبيل تنفيذ هذه المؤامرة الماكرة اجتمع اثنا عشر منافقاً، وقرروا إقامة مسجدهم هذا قريباً من مسجد قباء، وقد تم بناؤه بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجهز للسفر إلى (تبوك)، لغزو الروم. فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: يا رسول الله! إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال صلى الله عليه وسلم: ((إني على جناح سفرٍ، وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه)).
وخرج المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمسلمين إلى تبوك، دون أن يصلي لهم في مسجدهم هذا، وبينما هو عائد من تبوك، راجع إلى المدينة، وقد انهكته مؤامرات المنافقين الذين رافقوه في غزوة تبوك، نزل عليه الوحي يخبره بمؤامرة المنافقين، وحال المسجد الذي بنوه في المدينة، وينهاه عن الصلاة فيه، قائلاً سبحانه وتعالى: وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:107-110].
فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أصحاب مسجد الضرار، فسألوه أن يأتي مسجدهم ويصلي لهم فيه، فدعى نفراً من أصحابه، وأمرهم أن ينطلقوا إلى المسجد الظالم أهلُه فيهدموه ويحرقوه، فانطلقوا حتى أتوه، فهدموه وحرقوه. وانكشفت مكيدة المنافقين، وتم وأدها في مهدها، وتوقفت مكائد المنافق أبي عامر الراهب، ثم هلك في "قنسرين" من أرض الشام، إلى جهنم وبئس القرار.
أيها المسلمون، لقد بنى المنافقون مسجد الضرار إضراراً بالمسلمين، وتفريقاً بينهم، وقصدوا من خلاله مباهاة أهل الإسلام، وتقوية أهل النفاق، والإرصاد والتجميع لحرب الله ورسوله والمؤمنين، ولكن الله غالب على أمره، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ [الأنفال:30]. يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [التوبة:32].
إن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون: هو بمثابة الأساس الخرب لكل مخطط، يُقصد من خلاله الإضرار بالمسلمين وإسلامهم إلى يوم القيامة، فإن الله سبحانه وتعالى قال: لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:110]. أي: لا تزال الريبة والمكر والعداء للإسلام وأهله في نفوس المنافقين قائمةً، ما داموا على قيد الحياة، حتى يُقتلوا أو يتوبوا إلى الله، توبة تتقطع لها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم وعدوانهم للإسلام وأتباعه.
وإن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في الصدر الأول ما يزال اليوم يتخذ في صور شتى من الوسائل الماكرة التي يتخذها أعداء الإسلام لحرب المسلمين، وتفريقهم، وتشويه صورة الإسلام في نفوسهم، عبر وسائلهم المختلفة، فقنوات البث المباشر الناشرة للرذيلة يعد وكراً من أوكار الضرار، والمجلات الفاتنة الفاضحة، والجرائد المنحرفة الضالة، والكتب الهدامة، صور جديدة لمسجد الضرار، وقوالب مختلفة لمسجد الضرار، يقوم عليها علمانيون وحداثيون وإن تلبسوا باسم الإسلام، وافتتحوا أوكارهم بمقدماته، ونشرت بعض قيمه وأخلاقه، فهي تحمل في طياتها الفساد والانحلال والغزو الفكري المركز ضد عقيدة المسلمين، وتربيتهم وقيمهم وأخلاقهم، وإنما يتأكلون باسم الإسلام. وعلى شاكلتها كل محل ينشر الرذيلة، أو يبيع الفساد والخبث للمسلمين، كمحلات الفيديو ومحلات الأشرطة الغنائية، والأزياء الفاضحة، والمكتبات التي تروج للفساد والإفساد بين المسلمين، كلها صور متنوعة ومختلفة لمسجد الضرار . بل وكثير من المنظمات والأحزاب المنتمية للإسلام، والفرق الخارجة عنه إنّما هي صور مشكلة مزخرفة لمسجد الضرار.
ترفع لافتة الإسلام وتدعي الدفاع عنه وتتحدث باسمه، وتزعم أنها الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وكلها في النار إلا من كان على مثل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، وما هي إلا وسائل فرقة وهدم للإسلام والمسلمين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، يذبح المسلمون على أيديهم في مشارق الأرض ومغاربها، ويمحق الإسلام بمخططاتهم، وتداس أوامره ونواهيه على أيديهم، ومع ذلك يزعمون أن الإسلام بخير، وأن المسلمين بأمن وأمان، لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون. قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].
بل إن مسجد الضرار معاشر المسلمين: ما هو إلا صورة جامدة للنفاق والمنافقين، فقد يتمثل ذلك المسجد في منافق يمشي بالنفاق بين الناس، يخذلهم ويثبطهم عن نصرة الإسلام والمسلمين، والدفاع عن كرامتهم، وحماية حقوقهم وينشر بينهم من الرذائل والموبقات ما تنهدم به مجتمعاتهم، وتفسد به أخلاقهم، كمروجي المخدرات، وبائعي الأفلام الخبيثة، والمجلات الفاضحة، والكذبة والنمامين والواشين ومن في حكمهم.
ولكن الفرج والغلبة للمسلمين، فإن التعبير القرآني الفريد في آيات مسجد الضرار، يرسم الصورة النهائية التي توضح بجلاء مصير كل وسيلة إضرار بالمسلمين تقام إلى يوم القيامة، ويكشف عن نهاية كل محاولة خادعة تخفي وراءها نية خبيثة ضد المسلمين وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:43]. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ [التوبة:109].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن آيات مسجد الضرار اشتملت على عدد من التوجيهات الفريدة، التي يجب العناية بها، والحذر من نقيضها:
أولاً: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار بمسجد آخر قريب منه محرم، يجب هدمه إذا اطلع عن مقصود أهله.
ثانياً: أن كل وسيلة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، هي من المعاصي التي يتعين تركها، وإزالتها. كما أن كل وسيلة يحصل بها جمع المسلمين، وائتلافهم يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليه.
ثالثاً: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها.
رابعاً: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في المسجد الذي بنوه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن، ولهذا كان لمسجد قُباء من الفضل ما ليس لغيره، فقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يزوره كل سبت، يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه بقوله: ((من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة)) رواه ابن ماجه.
خامساً: أن كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية لله تعالى، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو مساعدة لمن عادى الله ورسوله والمؤمنين فإنه محرم ممنوع منه، فليحذر كل مسلم من المشاركة بماله أو بجهده في شيء من ذلك، في شيء من الصور الجديدة التي ذكرتها أو غيرها لمسجد الضرار، فإنَّ كل من شارك بماله في باطل، أو باع أذى للمسلمين أو أعان على نشر فساد بينهم، أو عقد عقداً أو أجّر أجاراً فيه ضرر على المسلمين، فهو كالمنافقين الذين اتخذوا مسجد الضرار.
سادساً: أنه يجب هدم كل مكان يضر بالمسلمين، وينشر الفساد بينهم ويفرق جماعتهم، ويهدم أخلاقهم، لأن شره وفساده لا ينتهي إلا بهدمه والقضاء عليه، كما هدم صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار الذي قد يستغل للطاعة، لما تيقن من ضرره على الإسلام والمسلمين.
ألا فاتقوا الله تبارك وتعالى ـ أيها المسلمون ـ وصلُّوا وسلموا على من أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليه في قوله عز من قائل: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشراً)) رواه مسلم.

الخطبة الأولى
أما بعد، فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى .
معاشر المسلمين،
أستكمل اليوم حديثاً بدأته عن خطر النفاق والمنافقين، وكثرتهم، والحذر من الانخداع بهم، وأبرز ملامح المنافقين وصفاتهم، وليس يخفى أنك لن تجد علامة صريحة على المنافقين، ولن تجد لافتة على رأسه مكتوب عليها منافق، ولن تجد أيضاً من يرضى أن يوصم بالنفاق أو يُعد في المنافقين، ولو كان من شرار الخليقة وكبار المنافقين، ولكنها الأعمال ـ أيها المسلمون ـ تكشف النفاق وتحدد هوية المنافقين .
الأفعال تفضحهم، ولحن القول يرديهم ، وفلتات اللسان تبرزهم، قال الله وهو أصدق القائلين : وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ [محمد: 30]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- : "فمعرفة المنافقين في لحن القول ثابتة مقسم عليها، لكن هذا يكون إذا تكلموا ، وأما معرفتهم بالسيما فهو موقوف على مشيئة الله ".
أيها المسلمون، وهنا توارد أسئلة مهمة: ما موقف المسلم من المنافقين ؟، وما هي أنواع النفاق؟، وهل أحدنا في نجوة منه؟ أم لا بد أن ينقب ويتهم نفسه ؟ وإن المتأمل في كتاب الله وسنة رسول الله وسيرتِه وسيرِ أصحابه ، يجد الإجابة عن الموقف الشرعي من المنافقين في الأمور التالية:
أولاً الحذر من المنافقين قال الله تعالى فيهم : هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: 4]، ولم لا يكون الحذر من المنافقين وهم يظهرون ما لا يبطنون ، ويسرون ما لا يعلنون ، ولربما تحدثوا باسم الدين ، وقد يغتر بهم فيحسبون من الناصحين والله أعلم بما يكتمون .
ثانياً ومع الحذر من المنافقين لا بد من كشف خططهم، وفضح أساليبهم ، فالمنافقون جبناء، لا يجرؤون على التصريح بما يريدون، بل هم أصحاب حيل، وأرباب مكر وخديعة، وأصحاب ظواهر لا بواطن، فلربما سعوا إلى التدمير باسم التطوير ، ولربما سعوا في الأرض فساداً وهم يزعمون أنهم مصلحون، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 12].
ثالثا: مجاهدتهم والغلظة عليهم امتثالاً لقول الله تعالى : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [التوبة: 73] قال القرطبي – رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "الخطاب للنبي وتدخل فيه أمته من بعده ".
رابعاً : عدم موالاة المنافقين واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين ، والحكمة من هذا ظاهرة في نص القرآن : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ [آل عمران: 18، 19].
خامساً : عدم الدفاع والمجادلة عن المنافقين كما أوحى الله إلى نبيه : إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً .[النساء: 105 ـ 107]
سادساً : تحقيرهم وعدم تسويدهم قال رسول الهدى : ((لا تقولوا للمنافق سيداً؛ فإنه إن يك سيداً فقد أغضبتم ربكم –عز وجل- )) أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
سابعا : وعظ المنافقين وتذكيرهم برقابة الله ، قال تعالى : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً [النساء: 63]
أيها المسلمون :النفاق كله شر وبلية، ولكنه نوعان كما قال ابن كثير – رحمه الله- اعتقادي وهو الذي يخلد صاحبه في النار وهو الذي يظهر صاحبه الإسلام ويبطن الكفر، والآخر عملي وهو من أكبر الذنوب وهو التلبس بشيء من علامات المنافقين كالكذب في الحديث والخلف في الوعد ونحوها.
والنفاق أكبر وأصغر كما أن الكفر أكبر وأصغر ولذا يقول العلماء : كفر ينقل عن الملة وكفر لا ينقل عن الملة ، قال ابن تيمية –رحمه الله- : "لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق" .
إخوة الإسلام، ذلك مؤشر على كثرة النفاق وتعدد شعبه، حتى إنه ليداخل أهل الإيمان في حال ضعفهم، ويكون تهمة توجه إليهم ، ألم يقل عمر بن الخطاب في شأن حاطب بن أبي بلتعة : ((دعني أضرب عنق هذا المنافق)) وذلك حين كاتب حاطبٌ المشركين بمكة ببعض أخبار النبي .
وحين احتملت الحمية سعد بن عبادة فنافح عن المنافق ابن سلول، قال له أسيد بن الحضير: (إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين).
وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدُّخشم :منافق، وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين.
وما تقدم إخوة الإيمان ما يدعو إلى الحذر من النفاق صغيره وكبيره ، دقه وجله ، العملي منه والاعتقادي، فقد يؤول النفاق الأصغر بصاحبه إلى النفاق الأكبر ، وفي هذا يقول ابن رجب –رحمه الله-: "والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشى على من أصر على النفاق أن يسلب الإيمان فيصير منافقاً خالصاً "
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة وعصيان فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم




الخطبة الثانية
الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه وصلاة الله وسلامه على أشرف المرسلين.
أما بعد فيا عباد الله، الرياء أحد شعب النفاق وهو شرك أصغر خفي أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء كما قال النبي حتى قال أبو بكر : وكيف ننجوا منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال : ((ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقِّه وجلِّه ؟ قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)) رواه أبوحاتم في صحيحه.
كذلك الكذب إخوة الإسلام هو أحد شعب النفاق وهو يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وهكذا بقية شعب النفاق العملية ،من إخلاف الوعد ، وفجور في الخصومة ، وخيانة في الأمانة وغيرها، قد نتساهل بها أحياناً وهي طريقُ الضلالِ والنفاقِ الأكبر ، ألا فليحذر العاقلُ من شعب النفاق كُلِّها ويتهمَ نفسه كما اتهم السابقون أنفسهم وليطيِّب أعماله كما طيَّبها السابقون، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، ومن يرائي يرائي الله به ومن يسمع يسمَّع الله به ، واحذروا ذا الوجهين فهم شرار الخلق كما قال النبي : ((تجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه)) رواه البخاري، وهذا الصنيع وإن كان في عرف المتأخرين دهاءٌ ولباقة فهو في عرف المتقدمين كذب ونفاق وخيانة .
اللهم أنر بصائرنا ، وألهمنا رشدنا، واحفظ علينا ديننا، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا يارب العالمين
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه في قوله: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد

الخطبة الأولى
ثم أما بعد:
فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى الذي ما من غائبة في السماء ولا في الأرض إلا ويعلمها ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, فأصلحوا عباد الله بواطنكم كما تعتنون بصلاح ظواهر كم، فإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأجسام، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل حذيفة بن اليمان وكان (حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم) سأله عمر فقال: أنشدك الله يا حذيفة أما ذكرني رسول الله مع المنافقين، فقال: لا، ولا أزكي أحداً بعدك.
الله أكبر يا عمر، يخاف عمر على نفسه النفاق … يخاف أن يكون من الذين قال الله فيهم إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلاْسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء:145].
من هو عمر؟ إن مسلماً على وجه الأرض لا يعرف عمر لا يكاد يكون موجوداً …. إن عمر من أهم شخصيات أمة الإسلام، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه: أنه من أهل الجنة، وأنه ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان آخر، ويخاف الشيطان منه، وأنه شهيد، ولو كان بعده نبي لكان عمر، وأنه ملهم، ومع ذلك يخاف عمر على نفسه النفاق.
إذاً يا عباد الله، فالنفاقُ أمره عظيم وخطير. إذا كانت تلك الشخصيةُ الهامةُ بعد رسول الله وأبي بكر. يخاف النفاق على نفسه.
فما هو النفاق؟
إن النفاق هو مخالفة الباطن للظاهر، بأن يظهر صاحبُه الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار، وهو النفاق الاعتقادي.
وثمة نوع آخر من النفاق، وهو النفاق العملي، وهو طريقٌ موصل إلى الأول وأصوله مذكورةٌ في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أربعٌ من كن فيه كان منافقاً، وإن كانت خصلةٌ منهن فيه كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)) [البخاري ومسلم].
ولقد بين الله تعالى أوصاف المنافقين في كتابه أكمل التبيين حتى يتعرف المؤمنون على أهل هذه الأوصاف فيحذروهم، فمما وصفهم الله تعالى به بالأوصاف التالية:
أنهم لم يرتضوا الاسلام ديناً ولا الكفر الصريح مبدأً، فكانوا مذبذبين بين الكفار والمؤمنين غير أنهم يبغضون المؤمنين ويتولون الكافرين، وأنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم ويتقاعسون عن تنفيذ ما يشق عليهم كشهود صلاة العشاء والفجر في المسجد، وإذا أرادوا شيئاً من العبادات فكأنما يستكرهون أنفسهم عليه فيؤدونه بكسل وتثاقل، وأنهم يقولون مالا يفعلون، فيقولون الكلام المعسول بينما يضمرون الكيد والمكر، قلوبهم قاسية، وعقولهم قاصرة، فلا يتأثرون بالقيم الإنسانية النبيلة، والمثل العليا، ولا يقدرون مكارم الأخلاق، أفقهم ضيق، ونظرتهم محدودة، فصحاء شجعان في السلم، فإذا جد الجد وجاء دور العمل استخْفوا بأنفسهم ولاذوا بغيرهم يحسبون كل صيحة عليهم ، يخدمون الكفار ويتجسسون لهم ضد المؤمنين، يخذلون المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله، وإذا اشتركوا معهم أحدثوا الخلل والاضطراب في صفوفهم، وعملوا على تفكيك وحدتهم وتفتيت قوتهم، ييأسون من رحمة الله، وينقطع أملهم في نصره، ويلجئون في طلب النصر إلى الأعداء، ويعتمدون على القوى الحسية وحدها في وزن القوى المتقابلة في الميدان، يستغلون الفرص المناسبة للطعن في دعاة الإسلام المخلصين وتشويه سمعتهم عن طريق الكذب وتغيير الحقائق، يستغلون الفرص لإثارة الشبهات حول الإسلام ليزعزعوا إيمان المؤمنين به ويصدوا الناس عن الدخول فيه، يحاولون إفساد المجتمع الاسلامي عن طريق تيسير سبل الفساد التي تحطم الأخلاق وتقضي على الفضائل الإنسانية، يحاربون الإسلام عن طريق التسمي به والدعوة إليه، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، يقبضون أيديهم فلا ينفقون المال في الحقوق الواجبة.
عباد الله: هذا شيءٌ من صفات المنافقين التي ذكرها الله تعالى في كتابه المبين، ليبين للمؤمنين حتى يحذروا من النفاق وصفات المنافقين ويعرفوا أعداءهم حقيقة، إن المنافقين شرٌ على الاسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والكافرين، وذلك لأن أولئك قد أعلنوا الكفر،، فالمؤمنون جميعاً يدركون عداوتهم ويتكتلون ضدهم، وأي فرد منا يتعاون معهم يتهم بالخيانة، أما حين يكون منافقاً فإنه لا يدرك عداوته وخطره على الأمة إلا القليل من المسلمين، وهم أصحاب الوعي الكامل، ولا يتصدى لحربه إلا الذين جمعوا بين الوعي الكامل والإيمان القوي، أما بقية المسلمين فينخدعون بالمظاهر ويشغلهم التمتع بالوعود الكاذبة، والجري وراء الدعايات الجوفاء عن النظر والتأمل والنقد الهادف والاستشهاد بالماضي على الحاضر، ثم بين عشية وضحاها يصبح والأمر قد انفلت من أيدي المؤمنين وأخذ المنافقون حريتهم الكاملة في تنفيذ مخططاتهم للإفساد في الأرض، وحينما يتولى المنافقون السلطة على المسلمين ويعملون أيديهم في المخلصين منهم قتلاً وتشريداً لا ينكر ذلك إلا القليل من المؤمنين، وسائر المسلمين إما جاهل بخطرهم على الإسلام والمسلمين، وإما عالم بذلك ولكنه يداجيهم لمصلحته الخاصة دفعاً لشرهم أو رجاء خيرهم، ومن هنا كان المنافقون أخطر على الأمة الإسلامية فيما إذا تولوا شيئاً من السلطة عليه مما إذا تولاها الكفار .قاله صاحب كتاب "المنافقون في القرآن".
وإن مما حدث في هذا الزمان أن المنافقين تسموا بأسماء ظاهرها جمالٌ وباطنها مرُّ المذاق، ومن أمثلة ذلك من المتسمين بالعلمانيين، ومنهم من يسمون أنفسهم بالحداثيين، الذين يتنكرون لكل ما هو ماض،ٍ بزعمهم أن ذلك تخلفٌ ورجعية فيتنكرون للدين واللغة والأخلاق الفاضلة، ويصفون أنفسهم بالأدباء والمثقفين، وتنشر صورهم وتلمع أسماؤهم، وتؤخذ آراؤهم، قدواتهم: أدونيس، ونزار قباني، وسميح القاسم، ومحمود درويش، الذين يصفون الله تعالى بالأوصاف الشنيعة …جلَّ الله وتنزه وتعالى.
اللهم غفرانك، اللهم غفرانك …. ما أحلمك يا الله عن هؤلاء وأمثالهم، ولو شئنا لسمينا غيرهم، ولكن الله تعالى يقول: وَلَوْ نَشَاء لارَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ [محمد:30]. لهم الأمسيات الشعرية والمنتديات الأدبية يخرجون الباطل في صورٍ يخالها الجاهل حقاً. فاحذروهم عباد الله. مهرجاناتهم المربد وجرش وغيرها، أخزاهم الله.
ماذا يقولون في أدبهم الفج، كان ينبغي أن تنزه أسماع المسلمين عن هذا الكفر المبين، ولكن اسمعوا إلى أقوالهم لتتبينوا عداءهم الصارخ لله ورسوله كما كان عليه حال عبد الله بن أُبي ورفاقه، بل إن أولئك لم يجرؤوا على ما جرأ عليه هؤلاء.
يقول محمود وليس بمحمود: (نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير) تعالى الله عن هذا الوصف الشنيع، بل إنه الله الذي لا إله إلا هو لا تأخذه سنة ولا نوم …، وقِس على هذا كلامهم الباقي والله المستعان.
إنه ليس غريباً أن يكون هناك أشخاص كفروا بالله وتجرؤوا على ذاته، فذلك يكون، ولكن أن يمجدوا ويتخذوا قدواتٍ، ويكون لهم تلاميذٌ وتلمعُ أسماؤهُم ويفصلُ بين الأدب والدين فإن هذا هو المنكرُ العظيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ [المجادلة:14-19].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية
الحمد لله الذي تقدس في علاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، ولي من تولاه، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، حذر أمته من النفاق وأوصاف المنافقين فجزاه الله عن أمته خير ما جازى نبياً عن أمته.
ثم أما بعد:
فيا عباد الله، إن العبد إذا لم يتعاهد إيمانه، ويحافظ على طاعة ربه، واستهان بالمعاصي قاده ذلك إلى الشر ومراتعه، فينسل من الخير رويداً رويداً حتى يغلف قلبه الران، قال صلى الله عليه وسلم: ((تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عوداً، فأيُّ قلبٍ أُشربها نُكتت في قلبه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصير القلبُ أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنةٌ ما دامتِ السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه)) [صحيح الجامع (2960)، رواه أحمد ومسلم عن حذيفة].
وقد كان السلف الصالح يخاف على نفسه النفاق أشد الخوف، فقد سبق قول عمر رضي الله عنه، وكان يلاحِظ حذيفة عند الجنائز، فإن صلى حذيفة على الميت صلى عمر، وإن لم يصلِ لم يصل.
وقال البخاري رحمه الله: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق.
ويذكر عن الحسن أنه قال: (ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق). وروي عن الحسين أنه حلف: (ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولامضى منافق قط ولابقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول :من لم يخف النفاق فهو منافق).
وسئل الإمام أحمد رحمه الله: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ فقال: ومن يأمن النفاق على نفسه؟
وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصاف النفاق العملي منافقاً، وروي نحوه عن حذيفة.
فالحذر الحذر عباد الله من النفاق وخصال المنافقين، اصدقوا في الأقوال والأعمال، ووفوا بالعهود والمواثيق، والتزموا بالمواعيد، واعفوا عند المخاصمة. وكونوا حرباً على المنافقين، وبينوا للناس عوارهم حتى يحذروهم، وقد أمر الله رسوله بجهادهم فقال: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [التحريم:90].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:118-1
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المنافقين , خطب

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:46 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.