ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > خزانة الكتب والأبحاث

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 27-07-09, 03:57 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي البلاغة الواضحة شرح ناصر الخنين

اللغة العربية
المستوى الثالث
البلاغة
ناصر بن عبد الرحمن الخنين
الدرس الأول
مقدمة في البلاغة الواضحة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده فصلوات الله وسلامه عليه وعلى من سار على هديه واقتفى أثره واستن بسنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فأحمد الله -جل وعز- على أن يسر لنا هذا الاجتماع الطيب المبارك في هذه الأكاديمية المباركة وإنها لفرصة تتاح لي أن أشكر القائمين على هذه القناة، بارك الله فيهم وفي أعمارهم وفي أموالهم وفي جهودهم وفي قواهم، فلقد أبدلوا السيئ وجاءوا بالجديد، ولله الحمد فقد كانت هذه القناة بفروعها وأنواعها العامة والأكاديمية العلمية والأطفال وغير تلك الفروع المتعددة والأنواع المتعددة كانت حقيقة بديلاً ناجحًا وأسهمت في توعية المسلمين وفي تثقيفهم وفي تبصيرهم وفي تفقيههم لأمور دينهم وهذا هو الواجب الشرعي، وإني لأرجو أن يكون هذا مندرجا في عموم قوله جل وعز: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، فإن هذا ضرب من الجهاد في سبيل الله، في سبيل تفقيه الأمة وتعليمها وبيان ما يهمها وما يعنيها، وبيان –أيضًا- المعارف المهمة بالنسبة لها وبخاصة هذه الأكاديمية التي عُنيت بالعلم وإن هذا لعله مندرج فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (خيركم من علم القرآن وتعلمه)، فتعليم القرآن أو علم القرآن يقتضي فقه لغته، والعلم بها وضبط قواعدها والوقوف على علوم معانيها وبيانها وبديعها وهذه هي مفاتيح التنزيل فلا يمكن أن يوصل إلى أحكام هذا القرآن ولا إلى درك مسائله وإلى فقه دقائقه وأحكامه إلا بهذه العربية فإن العربية هي علم الآلة، وهذه الشريعة وهذا الدين كنز عظيم، أشبه بالقصر المملوء بالخيرات ولكن هذا القصر يتعثر الوصول إليه إلا بمفتاح، وهذا المفتاح هو العربية، وذروة سنام العربية ولبها وجوهرها وتاجها هي البلاغة، ولقد عدها العلماء علمًا قرآنيًا؛ لأن نشأتها في الأساس هي في أحضان فهم التنزيل وإدراك أسباب الإعجاز ومعرفة طرقه ومسالكه التي تحدى الله -عز وجل- بها العرب قاطبة، تحدى الله العرب وهم أهل اللسن والفصاحة والبيان والبلاغة تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فطفق كثير من العلماء يبحث عن أسباب إعجاز هذا القرآن وتحديه، ولذلك فإن هذا العلم ينال الشرف الأعلى لكون موضوعه ولكون مادته هي القرآن الحكيم وهي الآيات الحكيمات، ومن وصل إلى القرآن الكريم ووقف على إعجازه وعرف مسائله ودقائقه وضبط قواعده فإنه إلى ما دونه من الفصاحة أعلم وأفقه وأدرى؛ فإن ذروة البيان وذروة التحدي هي في القرآن، يلي بعد ذلك القرآن الحكيم في الفصاحة والبلاغة سنة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- ثم كلام العرب الفصحاء الذين لا يشق لهم غبار في البيان في الشعر في الأمثال في الخطب.
فأقول إن إدراك ذلك والوقوف عليه لا يتم إلا بالعربية وبخاصة علم البلاغة وعلم الفصاحة وعلم البيان، وهذا ما سيكون-إن شاء الله- مسلكنا في هذه الحِلق المباركة التي ستمد فيما أعلم إلى قرابة أربعة عشر حلقة تقريبًا-إن شاء الله-.
ولقد اخترنا كناب البلاغة الواضحة البيان المعاني البديع ،ودليل البلاغة الواضحة للشاعر علي الجارم، وللأديب مصطفى أمين، وذلك لأسباب منها:
-كون هذا الكتاب مختصرا والذين يتابعون هذه الحِلق وهذه الدروس المباركة لاشك أنهم أجناس متفاوتة وأن مستوياتهم أيضًا مختلفة، وأن منهم الداني ومنهم العالي وكلهم يتقرب إلى الله -عز وجل- بهذه العلم.
-وكذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فمن أيسر الطرق ومن أسهلها ومن أدلها ومن أدينها هو مثل هذا الكتاب الذي بسط القواعد وسهلها ويسرها وضرب أمثلة ونماذج عليها، فهذا الكتاب جمع بين التقعيد الموجز والشرح التطبيقي المكثر المطول ليمرن طالب العلم وليربي ذائقته العربية وسليقته اللغوية على أمثل الأساليب العربية وأبلغها وهي القرآن الحكيم والأشعار الفصيحة الصحيحة.
ثم إن سببًا آخر أيضًا ينضم إلى السبب الأول وهو كون هذا الكتاب منتشرًا في مكتبات العالم العربي والإسلامي فبإمكان طالب العلم وطالبة العلم أن تمتد يدها إلى اقتناء هذا الكتاب وشراءه من أي مكتبة فهو سهل التناول وسهل الحصول عليه،
-ثم إن لغته كما ذكرنا وأسلوبه سهل الهضم جيد الإدراك، ولذلك اخترنا هذا، هذا أمر.
الأمر الآخر أن المنهج الذي سنسير عليه -إن شاء الله- وفي هذه الحلقة سيكون ما تيسر من مقدمة عن هذا العلم ثم بعد ذلك نبدأ في مسائل العلم وذلك بقراءة القاعدة التي ضربها أو قعدها المؤلفان لهذا العلم ثم بعد نختار من الأمثلة والشواهد ما يوضحها ويبين دقائقها ومتنها.
ثم بعد ذلك نشير على الطلاب والطالبات أن يعودوا إلى النماذج المحلولة والشواهد التطبيقية الموجودة في الكتاب ليطبقوا تلك القاعدة التي سمعوها.
وهذا مرفق مع كتاب الشيخ دليل البلاغة الواضحة وهي حلول للأسئلة التي في نفس المتن يرجع إليه
نعم هذا صحيح، ولهذا أحب أن أنبه على الإخوة والأخوات الذين يرغبون في اقتناء الكتاب ومتابعة هذه الحلقات العلمية، أن يشتروا كتاب "البلاغة الواضحة" و"دليل البلاغة الواضحة"؛ لأن الدليل هو جمع كثيرًا من النصوص وطبقها ثم حللها على وفق منهج البلاغة الواضحة.
فهذا الكتاب كتابان في كتاب، ثم إن هناك نسخًا قد تكون مفردة، البلاغة الواضحة فقط، وهذا جيد ولكن طالب العلم يفوته في هذه النسخة المختصرة الدليل الذي فيه شواهد وشوارد كثيرة متعددة ومفيدة يحسن أن يقتني الكتاب الذي يضم كتابين في كتاب في طبعة واحدة، وهي طبعة الدار المصرية السعودية،طبعت هذين الكتابين في كتاب أو في مجلد واحد، وأظنه موجود في بعض المكتبات، وبالنسبة لنا في الرياض فإنه موجود في مكتبة "الرشد" للتوزيع والنشر.
بعد ذلك بحسب طريقة المنهج والعرض نشرح ما تيسر من القواعد والضوابط ثم بعد ذلك نتيح المجال لمن أراد أن يسأل أو يناقش ثم بعد ذلك نستمع إلى المداخلات أو الأسئلة سواء كانت هاتفية أو مقروءة، فما كان منها حاضر الجواب نجيب عنه، وما كان منها يحتاج إلى تحضير أو مراجعة نؤجله إلى حلقة قادمة؛ لأن العلم أمانة لا ينفع فيه إلا التدقيق والتحقيق قدر الإمكان بإذن الله -عز وجل-.
هذه مسألة انتهينا منها، أمر آخر نحب أن ننبه عليه وهو أننا ينبغي أن نحمد الله -عز وجل- على نعمة عظيمة وهي أن جعلنا مسلمين، وأن جعلنا من عباده المهتدين، وأن جعلنا على هذا الصراط المستقيم، فهو صراط عظيم من هُدِيَ إليه فقد هدي، ولذلك نلحظ نعمة الهداية واردة مكررة في سورة الفاتحة عندما نقرأها في فرائضنا في الصلوات أو في النوافل أو في غيرها نجد قوله -جل وعز-: ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ما المطلب؟ قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 1- 6]، يكرر هذا لاحظ أن هذا أمر ولكنه لما كان من الأدنى إلى الأعلى انقلب إلى غرض مجازي بلاغي، والغرض منه هنا هو طلب الدوام والتثبيت على هذه الهداية، أي أدم هدايتنا وثبتنا على هذا الصراط المستقيم، في كل يوم خمس مرات أو أكثر بعدد الصلوات في أربع ركعات أحيانًا أو ثلاث أو ثنتين نكرر هذه الفاتحة أي أدم هدايتنا، لأن الهداية نعمة، ولهذا تلاحظون عظم ما كان يواظب عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وعلى طاعتك) وأيضًا الآية الحكيمة: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8]، فالهداية نعمة من وفق إليها ينبغي أن يسأل الله -عز وجل- دوام الثبات عليها والاستقامة؛ لأنها كنز عظيم إذا فقد الإنسان انحدر إلى أسفل وصار في عداد الحيوانات: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12]، فالشاهد من هذا أن هذا الدين نعمة.
وهذا الدين -كما تعلمون- وكما هو مقرر في الواقع- هذا الدين مكون من الوحي المتلو وهو كلام الله -عز وجل- والوحي الثاني السنة وهي وحي من الله -عز وجل- معنى لكن لفظها بلسان النبي -عليه الصلاة والسلام-، كلا الوحيين المتلو والمعنوي الذي هو سنة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- الثابتة عنه كلاهما بلسان عربي مبين، إذن من أراد الوحي وهذا الكنز وهذه النعمة لا يمكن أن يصل إليها إلا بهذا اللسان وبهذا المفتاح، ومن هنا كان علم العربية وكان تعلمه والوصول إليه وضبط قواعده والوقوف على معانيه ودقائقه وبيانه كان تعبدًا، كان فعل ذلك والعمل به والوصول إليه وبذل الجهد في هذا السبيل كان ماذا؟ كان عبادة وتعبدا.... لماذا؟ لأنه مربوط بهذا الدين ولهذا ندرك كلام عمر -رضي الله تعالى عنه- عندما قال: «تعلموا العربية فإنها من دينكم» لا يمكن أن يوصل إلى الدين إلا بهذه اللغة.
ولذلك ندرك شرف هذه العربية، لماذا شرفت اللغة العربية؟ وإلا كانت من سائر اللغات، إنما شرفت بشرف مادتها ومادة القرآن الكريم وهو كلام الله -عز وجل- الذي جاء بهذا اللسان، فلما جاء بهذا اللسان ارتقت هذه اللغة وعلت، ثم نالها من بركة الله -عز وجل- من بركة كلامه لأن الله -جل وعز- قد قال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي شيء؟ ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: 29]، فنال العربية بركة هذا القرآن الحكيم.
ولشيخ المفسرين -الذي أخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية أصول التفسير وطلب العلم فألف كتابًا مشهوراً (تفسير القرآن العظيم) ابن كثير -رحمه الله- الحافظ بن كثير- له كلمة رائعة تكتب بمداد من ذهب عندما بدأ وشرع في تفسير أول سورة يوسف في قوله -جل وعز-: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]، قال كلمة رائعة يقول -رحمه الله-: "لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا -كما قال- أنزل الله -عز وجل- أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل، -يريد به المصطفى -عليه الصلاة والسلام- بسفارة أشرف الملائكة -يريد جبريل-، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، -يريد به في مكة المكرمة- وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة -يريد به رمضان المبارك-، فكمل في كل الوجوه"، أي كمل هذا الكتاب من كل الوجوه من لغته ومعانيه ودقائقه وأحكامه وألفاظه ومبانيه وتوجيهاته لأنه من الله -عز وجل-.ولذلك نالت العربية هذه البركة .
فإن طالب العربية إذا أخلص وأقبل على الله -عز وجل- يجد بركة في وقته وفي علمه وفي قلمه وفي مداده وفي بيانه وفي ما يطلبه ولذلك ما على طالب العلم إلا أن يتقرب إلى الله -عز وجل- بطلب العربية لأجل غرض -ليس لذات العربية- كمن يريد أن يصل إلى حاجة ويقف ويعثر دونها، الغرض الرئيس هو ماذا؟ هو فهم هذا الدين وفقه ما أنزله الله -عز وجل- لأننا متعبدون بهذا ولأن الله -عز وجل- قد قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] وعبادة الله -عز وجل- لا يمكن أن يوصل إليها ولا أن تعرف دقائقها وضوابطها وأحكامها إلا من خلال هذه اللغة بالوصول إلى الأحكام والدقائق واللطائف، ولذلك تجد أنه قد ضل من ضل ممن كان عنده قصور في فهم العربية فتأول النصوص على غير فهمها وعسفها وتعسفها وضرب النصوص بعضها ببعض، وانغلقت عليه بعض المعاني لأنه لم يحذق اللغة ولم يفهمها ولم يدرك مداركها، ولم يقف على معانيها وبيانها.
هذا الأمر وهذه الآية الحكيمة التي تناولناها وهي قوله -عز وجل-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: 29]، في هذه الآية العظيمة أربع فوائد:
الفائدة الأولى:
أنه كتاب عظيم.. من أين استفدنا صفة العظمة؟ من التنكير في قوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ أي كتاب عظيم متناهٍ في العظمة، لا يحده حد ولا يحصره عد، فقال كتاب عظيم وعظمته في مادته في قيمته في إحكامه.
الفائدة الثانية:
أنه منزل من عند الله ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ والجمل -كما قال النحاة- "الجمل بعد النكرات صفات".
"كتاب" نكرة و"أنزلناه" صفة ، فتبين أن هذا القرآن منزل من عند الله -عز وجل- فهو كلام الله -عز وجل- منزل من عنده على محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام- الرسول الخاتم إلى آخر الزمان، فكان هذا القرآن عظيمًا مباركًا نزل بلغة مباركة على رجل مبارك وهو محمد -عليه الصلاة والسلام-.
الفائدة الثالثة:
أنه كتاب مبارك بالوصف عندما نص الله -عز وجل- عليه، عندما قال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾، فتبين بهذا أن هذا القرآن مبارك وأن لغته مباركة وأن أحكامه مباركة؛ وأن كل ما يقود إليه ومن عمل به واشتغل بعلومه ومادته فإنه تدركه تلك البركة كما ذكرنا: في وقته وفي علمه وفي نفسه وفي كتبه ومؤلفاته.
ومن بركة كلام الله -عز وجل- على لغة العرب أن حفظها إلى قيام الساعة، ونطق بذلك وتعهد به --جل وعز- عندما قال:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، انظر إلى لغات العالم كيف اندثرت وكيف انقرضت وكيف تحول بعضها إلى لغات، كاللغات اللاتينية كيف تفرعت واندثرت، بل إن اللغة الإنجليزية -وهي لغة العلم الآن -كما يقولون- الصناعي وغير ذلك هي -الآن- النص الذي قبل ثلاثمائة وأربعمائة وخمسمائة عام لا يستطاع قراءته ولا فهمه حتى ولو كان الإنسان حاذقا للغة الإنجليزية لابد من معرفة اللهجات في ذلك الزمان، لأنها انقرضت، أما نحن العرب ولله الحمد فنص قبل ألف وأربعمائة عام أو ألف وخمسمائة عام بالإمكان أن تقرأ كلام الله -عز وجل- المنزل في ذلك الزمان وحديث المصطفى -عليه الصلاة والسلام- أو قصيدة لامرئ القيس أو للأعشى أو لغيره وتفهم وإن كنت محدود العربية، لماذا؟ لأن النسق محفوظ ولأن اللغة أيضًا محفوظة ولأن الأسلوب أيضًا انضبط بضبط القرآن الكريم ولذلك تدرك خلل وخطل من يريد أن يفسد على العرب لغتهم، فيدعوا إلى العامية أو اللهجات المحلية أو غيرها فإن هذه مصيبة كبرى، ولكن الله -عز وجل- تعهد بحفظ كتابه فقيض العلماء -وإن كانوا أعاجم- لتقعيد العربية.
والعجيب أن في هذا لطيفة -حتى لا يمتن العرب على الله -جل وعز- بأنهم الحفظة لهذه اللغة-، فقيض عجمًا ليقيدوا العربية ويقعدوها وأكبر مثال على هذا: سيبويه -رحمه الله- المتوفى سنة 108 هجرية، مع أنه فارسي، إلا أنه قعد العربية، فقد رضع العربية من شيخه الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العربي، وكان سيبويه -رحمه الله- طالب حديث في بداية أمره ولكنه لما لحن في الحديث :(قرأ في أحد الأحاديث في أحد الأيام على شيخه حماد بن سلمة شيخ البصرة المحدث فلحنه وقال أخطأت يا أعجمي- في بعض الأحاديث التي قرأها عندما قال كان النبي -صلى الله عليه وسلم- -عليه الصلاة والسلام- صعد إلى الصفاء، همزها الصفاء، فقال: أخطأت يا أعجمي، فوقعت في نفسه ثم خطأه مرة أخرى ،ثم قال في نفسه لأطلبن علما لا يلحنني فيه أحد،) انظر إلى همة الرجال، كيف وقع في نفسه ذلك التقريع، ثم عزمت نفسه وانعقدت همته وتقرب إلى الله -عز وجل- فذهب إلى الخليل بن أحمد فتوسد ركبته ورضع علم النحو عنه ثم قعده في كتابه المشهور "الكتاب" فكان دائمًا يشير إلى شيخه، قال الشيخ، وزعم الشيخ، ووضح الشيخ، فإذا أطلق الشيخ فالمراد به الخليل بن أحمد -رحم الله الجميع-، فالشاهد أن هذا هو الأمر في هذه اللغة فإنها لغة عظمية جميلة.
الفائدة الرابعة من تلك الآية ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾:
أن الغرض من إنزال القرآن الحكيم هو التدبر والتفكر والعمل، ليس فقط التلذذ وليس فقط البكاء إنما العمل، ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾.
ثم إننا إذا رأينا كيف نصل إلى التفكر والتدبر والعمل بهذا؟
عن طريق اللغة، عن طريق البيان، عن طريق علم المعاني، عن طريق هذه الدقائق هذه هي التي توصلنا إلى ماذا؟ إلى التفكر .
والله -عز وجل- قد بين أن كتابه ميسر ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، هنا استفهام مجازي "ادكروا"، يأمرهم ويحثهم ويبعث هممهم إلى الادكار والاتعاظ عن طريق ماذا؟ حذق المعاني ثم فتح هذه الكنوز وإدراك هذه اللطائف، فعلم المعاني والبيان والبديع هي مفاتيح التنزيل، مفاتيح هذه اللغة.
ومعروف أن المعاني ينبني على النحو، على علم النحو على دقائقه.
فعندنا أولاً سلامة العربية إنما تكون بالجملة النحوية العربية يترقى الإنسان ثم يُفَعِِّل تلك القواعد وينتهي إلى الدقائق واللطائف في علم المعاني، ثم إلى التصوير في البيان ثم البديع وهي الحلية ثم يصل إلى طائف الأسرار والدقائق في كلام الله -عز وجل-.
ولذلك نصل الزمخشري في أول فاتحة كتابه "الكشاف" -التفسير المشهور- على أن علم التفسير من أعظم العلوم وأنه لا يمكن تعاطيه ولا الوصول إلى دقائقه وإلا إلى لطائفه، لا يمكن أن يكون ذلك إلا لرجل قد اختص بعلمين وتمكن في علمين جليلين هما علم المعاني وعلم البيان.
فنص على أن علم المعاني وعلم البيان هما المفتاح.
وبالمناسبة هذه الإشارة من الزمخشري في قوله علم المعاني وعلم البيان هي أول ما تلقانا إذا أخذنا تاريخ البلاغة، أول ما تلقانا من الإشارات الصريحة الظاهرة على تسمية علم المعاني بعلم المعاني، وعلم البيان بعلم البيان، كان الشيخ عبد القاهر شيخ البلاغيين تلك المعاني مترادفة في كتابه الأسرار أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، مترادفة فيقول: علم البلاغة والبراعة والبديع والبيان كلها عنده مترادفة.
ثم جمعت في البلاغة.
أي نعم.
جاء الزمخشري وقرأ كتابي عبد القاهر الأسرار أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز فبدأ يحصل بعقليته لأن الرجل -عبد القاهر نفسه وكذلك الزمخشري- كلاهما متضلعان في العربية متمكنان في النحو، فبدأ يقعد ويطبق في تفسيره" الكشاف"، فأول تسمية واجهتنا لعلم المعاني وعلم البيان هي من الزمخشري في الكشاف، والزمخشري قد توفي خمسمائة وثمانية وثلاثين هجرية.
لكن قد يرد سؤال: ما حكم تعلم اللغة العربية وعلى رأسها علم البلاغة؟ حقيقة أرجح الأقوال في هذا أنها فرض كفائي، إذا قام بهذا العلم من يكفي سقط العلم، ولكن لو أجمعت لا قدر الله الأمة في زمن من الأزمان، أو في وقت من الأوقات، أو في دولة من الدول، ألا تتعلم اللغة العربية وألا كذا، فإنها تأثم على قدر الوسع والطاقة، تأثم لماذا؟ أو يأثم كل شخص بحسب وسعه وطاقته وقدرته.
نطبق ذلك في امتداد العالم الإسلامي الآن قد يكون في بلد ليس فيه عرب، فيجب على هذه الطائفة أنها تتعلم أو مجموعة منهم يتعلمون اللغة العربية ويحذقونها ثم يرجعون إلى قومهم ليكونوا مفسرين ومنذرين
أي نعم صحيح، ولهذا التفصيل الحكم بهذا، بالنسبة إلى الشعائر التعبدية كالصلاة كإقامة الصلاة وقراءة الفاتحة والتكبيرات في الصلاة وغيرها، واجب عيني على الطاقة وعلى الوسع يجب في الآذان وجمله وفي الإقامة وفي جملها، وفي الصلاة وفي التكبيرات باللغة العربية قراءة الفاتحة كما نعلم بلسان عربي مبين، هذا واجب عيني.
لكن الكلام على ماذا؟ على تعليم العربية لأبناء المسلمين وبنات المسلمين كل ما يخصه الرجال للرجال يعملونهم، والنساء للنساء يعلمنهن، فهذا واجب كفائي، أما بالنسبة إلى الأعيان فإن ذلك في الشرائع التعبد في الفرائض واجب عيني على الوسع والطاقة ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾ [البقرة: 286]، فواجب على كل مسلم عربيا كان أو عجميا أن يتقن العربية في تلاوة الفاتحة وما تيسير من الذكر الحكيم، وفي الشعائر وفي والانتقالات في التكبيرات وفي الأركان وفي الصلوات وما في حكمها.
لذلك فإن حِذْق العربية وإدراكها والعلم بها لاشك أن صاحبها ومن فعل هذا مأجور، وهذا يقودنا إلى إلمامة سريعة في تاريخ التأليف البلاغي، كيف نشأ هذا العلم؟
الحقيقة أن نشأة هذا العلم إنما نشأت في أحضان القرآن الكريم وفي محاولة الإجابة عن سر إعجازه، ولذلك يرى المحقق والمدقق في المؤلفات البلاغية التي أُلفت وابتدأت في التأليف فيها أنها ترتبط أحيانًا باسم القرآن في نظمه أو في مجازه أو كذا.
وأول مؤلَّف يطالعنا في هذا هو مؤلف اسمه "مجاز القرآن"، من أوائل ما ألف في هذا ولن أحصر كل ما ألف في هذا وإنما سأذكر البدايات والأعلام الرئيسة في هذا، أول مؤلف في هذا هو كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن مثنى، المتوفى سنة مائتين وثمانية وقيل مائتين وتسعة وقيل مائتين وعشرة هجرية، فهذا الكتاب ينبغي أن يُعلم أن تسمية المؤلف "مجاز القرآن" ليس المقصود: المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، وإنما المقصود بالمجاز القرآن مجاز الآية معناه تأويلها أو معناها أو تفسيرها.
سنأتي للمجاز
أي نعم، سنأتي للمجاز -إن شاء الله تعالى-.
والأمور هذه نوضحها أكثر لأن حولها جدل.
صحيح حولها جدل وحولها كلام يحتاج إلى بيان.
ثم بعد ذلك يأتي بعد ذلك "البيان والتبيين" للجاحظ -الأديب المعروف- المتوفى سنة مائتين وخمسة وخمسين هجرية، وهذا الكتاب حقيقة يعد مستودعًا ضخمًا لنصوص البيان العربي بشكل عام، أولها نصوص من الكتاب الحكيم والسنة والمطهرة، وأشعار العرب وخطبها وأمثالها، وهذا المستودع الضخم اتاح للعلماء من بعده نصوصا شواهد لقواعدهم التي ضبطوها ومسائلهم التي قعدوها.
بعد ذلك يأتي أو أتى أو كتاب أيضًا لابن قتيبة العالم السني المشهور "تأويل مشكل القرآن الكريم"، وابن قتيبة -رحمه الله- توفي سنة مائتين وستة وسبعين هجرية، هذا فيه كان فيه.
كان فيه حديث بحديث أو خاص بعام أو كذا، تأويل مشكل القرآن
أي نعم، هو درس المجاز وأسباب الضلال فيه وما تعلق به وأيضًا أتى بصور من هذا الأمر، واستطرد -رحمه الله- في هذا.
أيضًا له كتاب أيضًا له كتاب في هذه المعنى "تأول مختلف الحديث" أيضًا قريب من "تأويل مشكل القرآن الكريم".
أتى بعد ذلك الشاعر العباسي المشهور عبد الله بن المعتز فألف كتابه المشتهر "البديع"، وقد توفي الشاعر عبد الله بن المعتز سنة مائتين وستة وتسعين هجرية تحقيقًا.
وهذا الرجل شاعر ولهذا كان ذواقة في مؤلفه، وسبب تأليفه أو مؤلفه هذا هو أنه أراد أن يرد على شائعة ذاعت في عصره ذلك الزمان وهو أن شعراء البديع المشتهرين الذين بدءوا البديع والإعجاب والصنعة والتجنيس وغير ذلك كأنهم هم الذين انفردوا بالبديعات وتميزوا فيها، فأراد أن يرد عليهم وأولئك المشتهرون مثل أبي تمام وبشار بن برد وأمثال هؤلاء، فألف هذا المؤلف يثبت أن البديع وأنواعه وفنونه موجودة في كلام العرب بل في التنزيل، في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، فضرب شواهد ونماذج يبين أن هذا لم يتفرد به هؤلاء وإنما هو موجود أصلاً في لغة العرب وبيانها لأنه من جنس كلامها ومما يبين ويوضح أيضًا مقاصدها.
بعد ذلك (نقد الشعر) وقد ألفه قدامة بن جعفر وكان نصرانيًا فأسلم على يد المكتفي بالله وهذا الرجل قد توفي سنة ثلاثمائة وسبعة وثلاثين، ومال في مؤلفه هذا إلى المنطق والفلسفة وتأثر بشوب فلسفة من اليونانيين فظهر أثر مؤلفه هذا في التحديد والتعريف والتدقيق إلى حد ما، وإن ركز كثيرًا على النقد ومسائله وبديعياته أو أنواع الفنون البديعية وما تعلق بها وزاد على ما جاء به ابن المعتز.
أيضًا "النكت في إعجاز القرآن" للرماني، الرماني هذا مؤلف اقترب إلى حد ما من لمس إعجاز القرآن وتشخيص دقائقه ومسائله، والرماني قد توفي سنة ثلاثمائة وستة وثمانين هجرية تقريبًا، ثم جاء صاحب الوساطة علي بن عبد العزيز الجرجاني الناقد المعروف، فقد أضاف إضافات حسنة في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وقد توفي ثلاثمائة واثنين وتسعين هجرية، ثم جاء "صاحب الصناعتين" أبو هلال صاحب الصناعتين وهو أبو هلال العسكري المتوفى سنة ثلاثمائة وخمسة وتسعين هجرية، والحقيقة هذا الكتاب يعتبر لبنة رائعة وتجديدية في تاريخ البلاغة العربية؛ لأنه فيه وبه بدأت تتمايز المسائل البلاغية من القضايا النقدية إلى حد ما؛ لأن مسائل بلاغته مختلطة في التأليف الأساسي لمسائل النقد إلى حد ما، فبدأت تتمايز إلى حد ما في تعريفاته وتشخيصاته وتحديداته بعض مسائل البلاغة عن قضايا النقد بشكل عام.
ثم جاء بعد ذلك الباقلاني أبو بكر في "إعجاز القرآن" وقد توفي سنة أربعمائة وثلاثة هجرية.
ثم صاحب" العمدة في صناعة الشعر ونقده" وهو ابن رشيق القيرواني وقد توفي سنة ثلاثة وستين وأربعمائة، وقيل ستة وستين وأربعمائة هجرية.
ثم "سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي المتوفى سنة أربعمائة وستة وستين هجرية، والحقيقة "سر الفصاحة" فيه تجديد وبخاصة في مباحث الفصاحة والبلاغة والتفريق بين الفصاحة فصاحة الكلمة والكلام والمتكلم والبلاغة كذلك والتعميق في دراسات الأصوات والمؤثرات أيضًا في إخراج الكلمة من حيث قبولها ومن حيث –أيضًا- استساغتها و-أيضًا- التركيز على الذوق فيها.
بعد ذلك نصل إلى شيخ البلاغيين الذي أصل إلى حد ما البلاغة وقعدها ونضرها وتذوقها وهو الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة هجرية، وكتاباه المشهوران اللذان إذا ذكرا ذكر الرجل، وإذا ذكر هذا الرجل ذكر الكتابان وهما "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز".
و"أسرار البلاغة" يكاد يكون معظمه في البيان في التشبيهات في الاستعارات في الكنايات وما تعلق بذلك ودلائل الإعجاز يكاد يكون معظمه في نظرية الإعجاز النظم.
نظرية النظم والتي إلى الآن تدرس وهي من أعلى النظريات في اللغويات.
أي نعم، بالضبط وصاحب الفضل بعد الله -عز وجل- في تأصيلها وتقعيدها وإضفاء أهمية هذه النظرية وكونها هي الأساس في إعجاز القرآن هو عبد القاهر صاحب الفضل في ذلك هو عبد القاهر في كتابه "الدلائل" فقد تذوق وعلل وحلل وتفاعل وانفعل في سبيل التقرير والتحديد وبيان أن القرآن معجز بنظمه ليس باستعاراته فقط ولا ببديعه ولا بتشبيهاته ولا بالمغيبات أو بالقصص لو كان الأمر كذلك لكانت الآيات التي ليس فيها قصص أو تشبيهات أو استعارات غير معجزة، لا، القرآن معجز بنظمه والنظم معناه التأليف والضم والجمع، كل كلمة فيه متسقة وجارية ومنتظمة مع أختها -ما قبلها وما بعدها- مؤثرة بحيث كما قال الإمام ابن عطية -رحمه الله- صاحب "المحرر الوجيز" المفسر الأندلسي: "وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على أفضل منها لم توجد"، فهو لا شك ﴿ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [فصلت: 42]، فالشاهد أن عبد القاهر الجرجاني يعد شيخ البلاغيين من حيث التأصيل، ولا يفهم هذا أنه قعد البلاغة أصلاً وضبطها وكذا لا، إنما أضاف جهدًا عظيمًا وأعطى هذا العلم ثِقلاً وموضوعية.
كلها مسألة تراكمية من بدايتها إلى نهايته.
أي نعم، فاستفاد مما قبله لكنه زاد بحبحة وتحليلاً وبين أيضًا تذوقًا وتفصيلاً وبخاصة في كتابه الدلائل؛ لأن الدلائل "دلائل الإعجاز" الدلائل جمع دليل والدليل هو البرهان، أراد الرجل أن يبرهن على أن القرآن معجز بدقيق نظمه، وبديع تأليفه، لأنه كلام رب العالمين جل وعز.
جاء بعد ذلك المفسر المشهور المتضلع في النحو الزمخشري فألف كتابه المشهور "الكشاف" -حقيقة- الرجل أعجب بكلام عبد القاهر في الدلائل والأسرار فأراد أن يطبق نظرات عبد القاهر ونظرياته في الإعجاز بأن ذهب يحلل ويعلل ويطبق.
إذا لم يسعف الوقت عبد القاهر الجرجاني بأن يطبق ويحلل تحليلاً أو يفسر صورًا بأجمعها في كتاب "الدلائل" أو في كتب أخرى، فإن الوقت قد أسعف الزمخشري عندما اقترح عليه بعض تلاميذه أن يؤلف كتابًا يبين فيه أسرار الإعجاز ودقائق التنزيل ولطائفه فاستجاب له فجاور مكة أربع سنوات فألف كتابه المشهور "الكشاف"، وهو الذي ذكر في مقدمته: أنه لا يمكن تعاطي علم التفسير إلا بعلمين جليلين: هما علم المعاني، وعلم البيان، فطفق يطبق هذه النظرية في كشافه، والزمخشري ينسب إليه فكرة أو مقولة: "الفنقلة"، وهي أسلوب من خلاله يتعرف الرجل أو المطالع أو المتدبر لكلام الله -عز وجل- على الدقائق واللطائف.
أسلوب الفنقلة هذا مشتق من قولك أو من قول الشيخ أو الزمخشري في كتابه: فإن قلت لم عبر -عز وجل- بالفعل دون الاسم؟ أقول كذا وكذا.
يحدث سؤالاً في أثناء تفسيره ليدغدغ -إن صح التعبير- عقل طالب التفسير أو القارئ حتى يثيره؛ لأن الإنسان إذا سئل استثير، ثم راح يشرئب للبحث عن الجواب فيجيبه ويعطيه الجواب مباشرة، فهذه المسألة أعانت الزمخشري وأعانت أيضًا طلابه والقراء في تفسيره أن يصل إلى الحقائق.
لكن الزمخشري كما نعلم هو على مذهب المعتزلة، المعتزلة ضلوا السبيل في أسماء الله -عز وجل- وصفاته وفي مرتكب الكبيرة وفي النظرة إلى الحاكم وغير ذلك من الأمور، فعندهم ضلالات لم يقرهم أهل السنة والجماعة عليها.
هناك كتب تحقق هذه الأمور.
ولذلك أنصح من أراد أن يستفيد من الزمخشري من المتضلعين المتخصصين لأن الزمخشري -في الحقيقة- لا يكاد يفهمه إلا متضلع، وعنده تضلع لأن الرجل نفسه متضلع في العربية وله كتاب مفصل في النحو وهو مكين في العربية متمكن فيها، أنصح من أراد أن يطالع كتاب الكشاف للزمخشري وأن يستفيد من دقائقه ولطائفه أن يطالع النسخة التي عليها تعليقات ابن المنير الشيخ أحمد المنير الإسكندري، فقد ألف كتابه "الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال" فيأخذ النسخة التي عليها تعليقات وتهميشات.
وقد ذكر ابن منير في مقدمته يقول: إنني تتبعت الزمخشري في اعتزالياته في الكشاف بالمناقيش كناية عن ماذا؟ عن دقتها وخفائها، لأن الرجل إذا تمكن في العربية أوفي الآية أو في النص قلب الحق باطلاً والباطل حقًا، بحكم إمكانيته في العربية ودقائقها ولطائفها وتقليب النصوص لكنه كيف نصل إلى هذا؟ بالرجوع إلى مذهب السلف وبخاصة في مسائل الصفات، صفات الله -عز وجل- وأسمائه لأن الله -عز وجل- كما هي قاعدة أهل السنة والجماعة: لا نصف الله -عز وجل- إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو ما صح عن رسوله -عليه الصلاة والسلام- من غير تحريف ولا تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل على حد قوله جل وعز: ليس: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].
هناك يا شيخ خلط بين العلوم العربية وهناك من يجعل النحو هو فوق كل شيء ولذلك نرى الآن الذين يريدون أن يستشرحوا شيئا يظنون أن النحو هو الذي سوف يصل بهم إلى شأو عظيم في فهم كتاب الله -سبحانه وتعالى- ونسيت البلاغة، البلاغة نسيت فترة من الزمن فما أدري ما هي هذه الأسباب؟ ولذلك سأعرض لك الأسئلة التي أتت:
تقول: بم تنصحني؟ هل أبدأ بالآجرومية أولاً؟ مع أني أول مرة أدرس هذه المادة أو لا يشترط؟
يقول: أيهما أولى لطالب العلم: النحو أم البلاغة؟ وإذا كان النحو أولى من علم البلاغة فما هي نصيحتكم لبعض من يشتغل بالبلاغة على النحو؟.
هو –حقيقة- علم البلاغة قائم على علم النحو، ولذلك -في مقدمة كلامي- قلت: إن البلاغة ذروة سنام العربية، لا يمكن أن يفقه البلاغة ولا أن يعرف دقيقها وجليلها وأسرارها ولطائفها إلا من تمكن أيضًا في النحو، ولأمر ما :كان الشيخ عبد القاهر -وهو شيخ البلاغيين- كان نحويًا قبل أن يكون بلاغيًا.
يعني بدايتها بالنحو.
النحو هو الأساس، النحو هو الأساس، التذوق والتعليل والتحليل والوصول إلى الدقائق من خلال البلاغة، ولهذا يمكن أن أقول:(إن البلاغة نحو معلل) وبخاصة علم المعاني، نحو معلل.
كيف ذلك؟
لو قلنا: "إن زيداً قائم"، النحوي يقول: "إن" حرف توكيد ونصب، و"زيد" اسمها منصوب، و"قائم" خبرها، البلاغي يبدأ من حيث انتهى النحوي، لماذا أُكد بـ"إن"؛ ما السر في التوكيد؟
السر في التوكيد قد يكون لشد الاهتمام والانتباه، قد يكون لطرد الشك في ذهن المخاطب لأن عنده تشككًا في كون زيد قائمًا، فالبلاغة تفلسف تبين لماذا قدم هذا، لماذا حلل، لماذا علل، لماذا أكد، لماذا كان القسم، لماذا جاء الخبر عطلاً من المؤكدات، لماذا وقع الأمر هنا، لماذا جاءت الجملة فعلية، فهي تفلسف النحو إن صح التعبير وتعلل له، وتأتي بالدقائق.
طيب يا شيخ الآن هذا العلم الجليل هو استنباط الحكم الشرعي من النص.
صحيح، علم البلاغة هي علم الاستنباط بالضبط.
وهو يدخل في أصول الفقه، ويدخل في جميع الأصول.
تمامًا ولهذا علم مشترك عند الأصوليين وعند البلاغيين وعند الفلاسفة وعند المناطقة وعند المتكلمين، وليس فقط النحاة، النحاة يؤسسون الجملة الصحيحة.
من حيث نطقه.
نطقها وسلامة النطق وكونك تنحو نحو كلام العرب، تسير على طريقة العرب، هذا الذي بعده -وهو التحليل والتعليل وأصول الدقائق واللطائف يتولاه علم البلاغة، المعاني علم البيان وعلم الصورة، التصوير في التشبيهات والبديعيات وما تعلق بذلك فعلم البلاغة يقوم على أساس وهو علم النحو ولا يحذق البلاغة من كان جاهلاً بالنحو، وإذا أردت أن تأتي القمة أو السطح فابدأ من تحت من السلم من الدرج وهو النحو.
يبدأ في النحو.
بالآجرومية أو بغيره مما سهل، أنا أنصح الطلاب والطالبات،- حقيقة-: العجيب أن بعض الناس يهن بعض الناس -إن صح التعبير- يذهب ذهنه إلى أن يطفح .
أقول: إن المناهج التعليمية أسست تأسيسًا رائعًا من أراد يتدرج يتدرج مع بنته أو ابنه في الابتدائي ثم المتوسط ثم.. رائع جدًا من غير أن يتفلسف الآجرومية أو يذهب هذه علم نعم وابن عقيل كذلك وابن هشام نعم للمتخصصين.
ولكن الفاعل لديهم هو الفاعل لديهم.
النحو في هذه المراحل مذلل ميسر مبغوى وصيغ بصيغة رائعة مناسبة لعقول هؤلاء الصغار وأنت عقلك كبير سيكون استيعابك أوسع وأسرع وأنجز.. تفهم.
أنا أنصح طلابي وطالباتي وغيرهم من هؤلاء إذا أراد فعلاً أن يحذق العربية يبدأ مع أبنائه يتدرج بها، يستفيد فائدة كبيرة.
أولاً: أنه يضرب مثالا للتواضع عندما يدرس ابنه أو أخاه أو ابن أخته أو غير ذلك أو بنته وكذا الأمر الثاني: أنه هو المستفيد الأول؛ لأن الطريق الصحيح للعلم هو ماذا؟ هضمه وفهمه، لا يمكن أن تدرس قومًا شيئًا وأنت تجهله، يهضمه ثم يعطي الآخرين.
ثم إن لغة تلك القواعد والضوابط سهلة مذللة لأنها صيغة لمستويات هؤلاء لا تبعد النجعة وتذهب بعيدًا وكذا.
عليك بهذه المناهج تدرج بحسبها تحذق أشياء فيها أمثلة محلولة فيها أشياء مشروحة فيها قواعد مضبوطة ليس في النحو فقط في الإملاء في البلاغة في النقد في الحديث في الفقه في التفسير هذه عندك علوم رائعة جدًا وتتدرج بحسب المستوى، ما أظن أحدا ما في بيته أحد في الابتدائي أو في المتوسط -ولله الحمد- هذا شيء وإن لم يكن فعندك المكتبات الكتب الميسرة مذللة ومسهلة جدًا.
يقول: ما رأيكم في كتاب "التميز" الذي انتقد "الكشاف"؟.
الحقيقة لم أطلع عليه، أنا الذي اطلعت على كتاب "الانتصاف" لابن المنير، وحق جيد وهو مالكي سني، نعم.
يقول: ما هو أحسن نظم مختصر في هذا الفن؟ هل هناك نظم يا شيخ؟.
نعم هناك نظم "الجمان" للسيوطي، "منظومة الجمان" للسيوطي، وقد حلها وحللها ونثرها في كتابه "العقود" "عقود الجمان".
يقول: ما هي الكتب البلاغية أو اللغوية التي تكفي طالب العلوم الشرعية حيث أن العلوم الشرعية كثيرة فلا نستطيع التوسع في اللغة كالمتخصص فيها؟.
هو نحن الآن نتدرج فيها، هذا سيأتي، سنصل إلى هذا إن شاء الله.
يقول: البلاغة نشأت بنزول القرآن الكريم، أو اتضحت معالمها بنزول القرآن الكريم لكن السؤال هنا يا شيخ: ألم يكن العرب قبل الجاهلية على قدر كبير من البلاغة فلما جاء القرآن تحداهم بهذا الكتاب البليغ، يعني هل القرآن أتى ببلاغة جديدة؟ أو يعني بأنواع من البلاغة أعجزتهم أو أعياهم عن مجاراتها أو مجاراة هذا التحدي؟.
البلاغة التي نتحدث عنها من حيث التأصيل والتقعيد والضبط المسائل هذه لم تكن ولم تظهر إلا بعد نزول القرآن الكريم عندما احتاج الناس أجمعين عربًا وعجمًا إلى فهم الكتاب والتنزيل، وعندما خيف على اللسان العربي أن تتطرق إليه العجمة واللحن، ومن ثم تتعقد مسائله وأحكامه فقيض الله -عز وجل- همم العلماء، أما العرب قبل الإسلام فإن لغتهم تدرجت في النضج وبلغت أوجها وقمتها وذروتها إبان النزول تنزيل الوحي عندما بعث المصطفى -عليه الصلاة والسلام- هيأ الله -عز وجل- بحكمته البالغة أن ينزل كتابه بلهجة أو بلغة قريش؛ لأن هذه اللغة لغة قريش كانت هي السائدة إبان التنزيل لماذا؟ توافرت أسباب كثيرة كثرة الأسواق وأعظمها سوق عكاظ كانت القبائل تفد بشعرائها وخطبائها وكلهم يتعلم وأيضًا يحذق لغة قريش لماذا؟ لأنه سيكون لسان شاعره بهذه اللغة، اللغة القرشية، ولذلك انتشرت هذه اللغة ثم إن رحلة قريش في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام هؤلاء العرب وهم معهم شعراؤهم وغير ذلك يحتكون بالقبائل التي في الطريق، فالقبائل هذه استفادت من لهجة ولغة قريش فشاعت هذه اللهجة وتمكنت فكانت العرب بشكل عام في مفاخراتها في مطارحاتها وفي أشعارها وفي منتدياتها تحاول أو تتكلم باللغة القرشية فلما نزل القرآن الكريم بهذه اللهجة بهذه اللغة عرف العرب منطق القرآن وفهمه ولذلك كانوا يشدهون به بمعنى أنه قبل القرآن الكريم لم يكن هناك علوم كما نعلم ولا قواعد ولا ضوابط كانت اللغة ذوقية سماعية يسمعها ثم يهتز العربي لها، لو سألته تعجب، لكن أن يفلسف ويمنطق لك، لم تكن العرب أمة فلسفة أو منطق أو تأليف أو كذا، وإنما كانت أمة لسن وفصاحة وبيان وشعر بحيث إن الألسن تخرص إذا سمعت، لما جاء القرآن الكريم بجزيل فصاحته وقوة بلاغته بهرهم فكان كالشمس وشعراؤهم كالسروج، فانطفأت سروجهم.
أحسن الله إليك يا شيخ، وإن كان فيه والله بصراحة أسئلة لم نتوقع أن تأتي بهذا الزخم ولكن نكمل معكم يا شيخ بعض الكتب لأن كثير منهم يسأل عن الكتب التي اعتنت بالتفسير البلاغي والكتب التي اعتنت بمنطق النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك هناك مجموعة من الكتب، ومنهم من قال أنه لماذا لم تكن الكتب البلاغية أو أنها لغير أهل السنة فسؤاله هنا يا شيخ بعدها نكمل ذلك: لماذا الكتب البلاغية لغير أهل السنة؟ هل يجعلونها موطئًا ليعسفون النص الشرعي حتى يوافقون به أنفسهم؟.
هو الحقيقة أن الكتب البلاغية لغير أهل السنة ليس موضعيًا ولا دقيقًا، يعني علم العربية بما في ذلك علم البلاغة كما ذكرنا: أن الله -عز وجل- فتح الباب للعربي والعجمي في التأليف في هذا العلم حتى يبين للناس أجمعين أن هذا الدين دين الله -عز وجل- خالد ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ﴾ [آل عمران: 19] وفي آية: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، فالشاهد أن علم العربية شارك فيه الأعاجم وشارك فيه العرب في التقعيد والتأصيل والضبط فالبلاغة فيها علماء عرب "ابن الأثير" -رحمه الله- صاحب "المثل السائر" بل إن الخطيب القزويني الذي قعد القواعد في تلخيص المفتاح كما سنأتي إليه والإيضاح أيضًا أصله عربي، فهؤلاء البلاغة ليست حكرًا على العرب ولا وقفًا على الأعاجم ، اشترك هؤلاء وهؤلاء لكن الكلام على ماذا؟ الكلام على التوظيف، التوظيف لا شك أن البيان كما ذكرنا والمعاني بالذات هي خطيرة فهذه بحسب المعتقد فيأتي المعتزلي ويعصف النص ويعطفه ويلوي عنقه ليخدم معتقده ويأتي المعطل فيأتي من باب المجاز أو غير ذلك فيعطل الله -عز وجل- من صفاته -جل وعز- بحكم أن العقل لا يستوعب ذلك أو أنه يأباه أو شيء من ذلك، إذن البلاغة من حيث كونها علومًا وتأصيلاً وقواعد هي مضبوطة على يد الأعاجم وعلى يد العرب بشكل عام، لكن العبرة بأي شيء؟ بالمعتقد، فالسني يسير على مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب السلف في فهم النص كما أنزل وفهم السلف، والمعتزلي أو غيره يعطله على معتقده.
تقول: نرجو الشيخ يعيد الكتب التي سندرسها "البلاغة الواضحة"؟.
الكتاب ما باين يعني؟
ما لحقنا أن نكتبه.
أما عرفتم الكتاب ؟.
نعم.
هو الحقيقة الكتاب "البلاغة الواضحة" "البيان والمعاني والبديع" ومعه "دليل البلاغة الواضحة" لكل من الأستاذين علي الجارم ومصطفى أمين، هذا هو الكتاب، وأعتقد أنه سيكون واضحًا على الشبكة العنكبوتية.
أهما كتابان أم كتاب واحد ملحق؟.
هو الملحق مع هذا، الطبعة الجديدة الملحق معها، لكن هناك طبعات سابقة كان الكتاب مفصولاً عن الدليل، هما كتابان.
نكمل يا شيخ ما بقي معنا الوقت اليسير لتبين الكتب.
نسرد فقط مؤلفات بحسب التاريخ منها بعد الزمخشري جاء الفخر الرازي فألف كتابه "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" والحقيقة هذا الكتاب بسط وحاول أن يعنصر فلسفة عبد القاهر ومنطقه وتذوقه في صورة قواعد وضوابط ولذلك استفاد منه السكاكي لما جاء بعده، الفخر الرازي توفي سنة ستمائة وستة هجريا في كتابه المشهور الذي أضاف جديدًا إلى حد ما من حيث التلخيص بداية الضبط التقعيدي في نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز.
جاء بعد ذلك شيخ البلاغيين إن صح التعبير- في التقعيد والتأصيل والتشعيب والتقسيم والتفريع من هو؟ السكاكي، أبو يعقوب يوسف السكاكسي المتوفى سنة ستمائة وستة وعشرين هجرية فألف كتابه المشهور "مفتاح العلوم" وينبغي أن يعلم أن "مفتاح العلوم" هذا ليس هذا الكتاب كله في البلاغة وإنما قسمه المؤلف ثلاثة أقسام: القسم الأول في الصرف وفقه اللغة، القسم الثاني: في النحو، القسم الثالث: في علمي المعاني والبيان، وذيله بكلامه عن الفصاحة والبلاغة ثم جعله ملحقًا بالقافية والعروض.
الشاهد أن الكتاب نفسه اشتهر بقسمه الثالث المتعلق بالبلاغة وهو علما المعاني والبيان.
ولهذا جاء الخطيب القزويني الحقيقة -وكان حسن الاصطياد- فاصطاد القسم الثالث الذي اشتهر به المفتاح فلخصه في كتاب سماه "تلخيص المفتاح".
والخطيب القزويني توفي سنة سبعمائة وتسعة وثلاثين هجرية.
ثم رأى أن تلخيصه متن موجز محدد فيه بعض الفلسفة والمنطق التي تأثر بها أيضًا السكاكي عندما ألف كتابه "المفتاح" السكاكي كان من المتكلمين ومن الفلاسفة ومن المناطقة، الخطيب أيضًا عنده فلسفة ومنطق.
رأى أن التلخيص يحتاج إلى توضيح فألف كتابه المشهور "الإيضاح" وبعض الناس يفهم أن "الإيضاح" شرح لـ"التلخيص" لا، وإنما قال: ترجمته على مؤلفي "الإيضاح" وجعلته له كالشرح، ليس شرحًا بل كالشرح فقدم وأخر وضبط وقعد وأضاف إليه زيادات من ابن عبد القاهر ومن السكاكي ومن الزمخشري ومن غيره وأضاف أيضًا تجديدات من عقله ومن استنتاجاته فصار أشهر كتاب الآن في البلاغة تقريبًا -في المدرسة الأخيرة- وهو زعيم المدرسة المتأخرين زعيم مدرسة المتأخرين هو "الخطيب القزويني".
هل بقي عندنا من الكتب كثير يا شيخ؟.
إلى حد ما: إن شئت أن نسردها وإلافلا.
ما رأيك يا شيخ نجعلها -إن شاء الله- في الدرس القادم -إن شاء الله- لنكمل هذه الكتب المتبقية معنا ثم نبدأ -إن شاء الله- في كتابن.
الأمر واسع، إذا ضاق الأمر اتسع.

الدرس الثاني
تقسيمات كتاب البلاغة الواضحة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى أصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فنحمد الله -عز وجل- على أن يسر لنا هذه البداية الطيبة المباركة ونسأله -جل وعز- أن ييسر لنا ما تبقى من الحلقات القادمة بإذن الله -عز وجل-، ثم أما بعد:
فلقد ذكرنا فيما سبق أن الباعث الحثيث على التأليف في البلاغة بشكل عام هو محاولة فهم القرآن الحكيم، والتعرف على إعجازه، وتدبر أسراره، فهو علم قرآني قبل كل شيء، فعلومه الثلاثة -المعاني والبيان والبديع- متغلغلة في الإعجاز، ومتمكنة في التنزيل، ولذلك كانت مؤلفات العلماء تدور حول هذا.
وقلنا إن أشهر من تناول قضية الإعجاز، وتناول النظم –بالذات- بالتحليل والتعليل والبسط والتقعيد هو الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة هجرية، في كتابيه المشهورين "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، ثم إنه قد تلاه فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير فألف كتابه أيضًا في البلاغة وهو "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" وقد توفي سنة ستمائة وستة هجرية وقد بدأ نوعًا من التأصيل والتقعيد لأن أداته وثقافته كانت يشوبها المنطق والفلسفة والتحديد والتعريف فأعان هذا المؤلف على أن يحدد أو يبدأ في التحديدات والتعريفات البلاغية.
ثم -بعد ذلك- جاء شيخ البلاغة المقعد بشكل عام، وهو أبو يوسف أبو يعقوب يوسف بن محمد بن علي السكاكي المتوفى سنة ست وعشرين وستمائة للهجرة، فألف كتابه المشهور "مفتاح العلوم"، وكأنه باختياره هذا العنوان كأن دلالته فعلاً ذكية، فإن كتابه مفتاح –فعلاً- للعلوم، ولم يكن كل "المفتاح" -كما ذكرنا- في علوم البلاغة وإنما كان قد قسمه إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول متخصص أو خاص بالصرف وفقه اللغة، لأن تأسيس الجملة العربية ينبني على ذلك، ثم النحو، القسم الثاني: قسم النحو، وضبط قواعده وشواهده بضابط منطقي، ثم القسم الثالث -وهو الأهم- المتعلق بعلمي المعاني والبيان، ولم يسم البديع علمًا، وإنما جعله ملحقًا وسماه وجوه تحسين الكلام.
ثم أيضًا أضاف في كتابه شيئًا عن المنطق وعن العروض والقافية فتم بذلك أو تم بتلك الإضافة علوم العربية بشكل عام.
الرجل أوتي منطق الفلسفة فحقيقة أصل وقعد وشعب وتفرع في كثير من المسائل وأحسن الاستدلال والتقعيد ومعظم كتابات البلاغيين المتأخرين أشبه بالعالة على طريقته وعلى أسلوبه وعلى منهجه، ولهذا فإن الخطيب القزويني المتوفى سنة سبعمائة وتسعة وثلاثين هجرية نحا نحوه، وقد استهواه القسم الثالث من كتاب "المفتاح" المتعلق بعلمي المعاني والبيان، فشرع في تلخيصه فكتب كتابه المشهور "تلخيص المفتاح" ولم يلخص "المفتاح" كله وإنما لخص ما تعلق بفني أو بعلمي البلاغة، وهما علم المعاني وعلم البيان، فسماه "تلخيص المفتاح" وكان تلخيصه متنًا موجزًا مركزًا، ومعلوم أن أيضًا ثقافة الخطيب القزويني كانت أيضًا ذات منطق وفلسفة وفيها شيء من علم الكلام، أعانه هذا على التقعيد والتشعيب والتسديد في الفروع والجزئيات وحسن الاستشهادات أيضًا إلا أنه رأى أن تأليفه هذا يحتاج إلى توضيح أو بسط أو تفصيل لأن المتن موجز ومرَكّز، فألف كتابًا أوسع من هذا، وسماه "الإيضاح"، وليس "الإيضاح" كما يظن البعض شرحًا للتلخيص، وإنما كما قال المؤلف: «جعلته كالشرح له» لأنه قدم وأخر وبدل وغير وحذف كثيرًا مما ذكر السكاكي، وأيضًا زوده وطعمه أيضًا بتحليلات الشيخ عبد القاهر الجرجاني، وتسديدات –أيضًا- استنباطات الزمخشري في "الكشاف"، وأيضًا ضوابط السكاكي نفسه وأضاف إلى هذا شيئا من منطقه ومن تعريفاته ومن تحديداته، فكان "الإيضاح" أشبه بالكتاب المدرسي المتأخر في علم البلاغة، ولهذا فكثير من الدراسات المتأخرة المتخصصة في كليات اللغة العربية المتعمقة تعتمد "الإيضاح" في تدريس مادة البلاغة لطلابها وطالباتها بشكل عام.
أعود إلى "التخليص" نفسه:
استهوى "التلخيص" الدارسين أو الباحثين، استهوى الدارسين البلاغيين من بعد استهواهم بمنطقه وإيجاز عبارته فأقبل الشراح على "التلخيص" ولم يقبلوا على "الإيضاح" إقبالهم على "التلخيص"، وذلك لكونه متنا يحتمل التفصيل والتحليل والتعليل والتحشية، ولذلك أقبل عليه الشراح وجعلوه صلب دراساتهم البلاغية المتأخرة.
ومن أفضل الشروح التي تناولت هذا ومن أطولها ومن أجودها الشروح التي جمعت في كتاب سمي "شروح التلخيص" وهذه الشروح مكونة من "عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح" لأحمد بن علي السبكي المتوفى سنة ثلاثمائة وسبعين وسبعمائة هجرية، سماه "عروس الأفراح".
أيضًا هناك شرح سمي "المطول والمختصر" "المطول" كتاب و"المختصر" كتاب كلاهما على "التلخيص" لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة للهجرة، وهناك أيضًا "الأطول" شرح اسمه الأطول" لعصام الدين إبراهيم بن محمد عرب شاه الإسرائيلي المتوفى في منتصف القرن العاشر الهجري تقريبًا، وهناك أيضًا من أجود الشروح وأمتعها أيضًا "مواهب الفتاح لشرح تلخيص المفتاح" لابن يعقوب المغربي المتوفى سنة ألف ومائة وعشرة هجرية.
هذه الكتب جمعت حقيقة في كتاب -في طبعته الرديئة- لكنها بالنسبة إلى المتخصص تعينه وتفتح له الأبواب، وأيضًا تمتع ناظره وتذوق ذائقته وأيضًا تثري معرفته بالبلاغة لأن طباعة هذه الكتب الأربعة أو الخمسة في الكتاب نفسه يجعل بين يديك في الصفحة الأولى خمسة كتب، لأنها مقسمة تقسيمات أبان الطابع في مقدمة كتابه تفاصيل ومواقع كلام كل مؤلف، حتى أن "التلخيص" موجود، وأيضًا "الإيضاح" موجود، وكذلك هناك حاشية للدسوقي في الهامش الجانبي جيدة وفيها تحقيقات، إلا أن هذه الكتب بشكل عام -الذي ليس عنده خلفية عن المنطق والعربية والفلسفة وأيضًا ليس له بخص أو تخصص في هذه وطلب في هذه العلوم فإنه يملها لأن هضمها عسر ولأن أيضًا تعامل مع منطقها يحتاج إلى خلفية دقيقة في علم العربية والمنطق والفلسفة، فالمتخصصون يفرحون بمثل هذه ويستمتعون بها، وأما غيرهم فإنهم يكاد يملون من مثل هذا.
إلا أننا نجد في العصر الحديث كتابات طيبة وبسطًا لقواعد البلاغة بشكل عام ما بين مختصر ومتوسط ومطول، فمن كتب البلاغة المختصرة في هذا "البلاغة في ثوبها الجديد" للدكتور بكري شيخ أمين، وأيضًا "البلاغة الواضحة" الذي قررناه للشاعر علي الجارم، ومصطفى أمين.
ومن الكتب المتوسطة كتاب "علوم البلاغة" لأحمد مصطفى المراغي، علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع لمصطفى أو لأحمد مصطفى المراغي مثله أو قريب منه أو يزيد عليه في المنطق والتقسيم "جواهر البلاغة" للسيد أحمد الهاشمي.
هناك أيضًا كتاب يصلح للمتخصصين وهو "علم المعاني" مستقلاً، و"علم البيان، والبديع" للدكتور بسيوني عبد الفتاح فيوض، وهذا الكتاب الحقيقة فيه نوع تجديد وفيه أيضًا ترجيحات وتحليلات وتعليلات وأيضًا وجهات نظر للمؤلف طيبة ومستحسنة تصلح أيضًا للدارسين المتخصصين.
كذلك هناك "المفصل في علوم البلاغة العربية" للدكتور عيسى علي العاكوب، وهو جيد في عربيته ومفصل أيضًا في تقسيماته، واستفاد واتكأ على الخطيب القزويني أيضًا في منطلقاته البلاغية وعنده نوع تجديد وبخاصة في فنون البديع، فإنه يذكر الصفة البلاغية أو الجمالية كالطباق مثلاً أو المقابلة أو اللف والنشر أو غير ذلك مما يتعرض له ويخصص ذلك بمزيد توقف وشرح وبيان.
هناك للدكتور أيضًا عبد العزيز عتيق مؤلفات خص كل فن بلاغي أو كل علم بلاغي بمؤلف، فألف في "علم المعاني" كتابا، وألف في "البيان" كتابًا، وألف في "البديع" أيضًا كتابا وهي تصلح أيضًا للمتخصصين في كلية اللغة العربية أو الأقسام الأدبية بشكل عام.
هناك أيضًا لشيخ البلاغيين -إن صح التعبير- في المعاصرين هو الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى كتاب جامع وجيد وهو كتاب "دلالات التراكيب في علم المعاني" وله أيضًا في البيان "التصوير البياني"، والحقيقة أن فيه تجديدات حسنة، ورأيًا بلاغيًا طيبًا، ونفَسًا بيانيًا مشرقًا وهذا يصلح للمتخصصين في الدراسات العليا بالذات ،ففيه إشراقات وفيه تقليب، وفيه أيضًا تجرئة لطالب العلم على الاجتهاد وعلى الاستنباط وعلى حسن أيضًا التفنن في العرض البلاغي بشكل عام.
الحقيقة لا يفوتني في هذا المعرض أن أشير أيضًا إلى دراسات طيبة جدت وحدثت في العصر الحديث في تناول وعرض المادة العلمية البلاغية من خلال المعجم، فألفت معاجم في البلاغة على طريقة معاجم اللغة، فما على طالب البلاغة إلا أن يرجع إلى هذه المعاجم فيرجع إلى التشبيه في (التشبيه) مثلاً والاستعارة بحسب المعجم فرتبه على طريقة "أ ب ت ث ج".
ومن أجود هذه المعاجم وأظهرها وأشهرها التي هي متداولة الآن في السوق معجم "المصطلحات البلاغية وتطورها" للدكتور أحمد مطلوب، فهو حقيقة معجم مؤصل يذكر الفن البلاغي ثم يذكر بداياته ويبدأ بتعريف لغوي ثم كيف تطور ونشأ ثم استقر في مصطلحه ويذكر أيضًا أبرز شواهده.
كذلك لأستاذنا الأستاذ الدكتور بدوي أحمد طبانة -رحمه الله- معجم في هذا المقام وهو "معجم البلاغة العربية" على نسق سابقه وإن كان أقل نفَسًا.
وأقل من ذلك أو حوله "المعجم المفصل في علوم البلاغة" للدكتورة إنعام فوال عكاوي فهي أيضًا تناولت هذا الجانب تناولاً تحليليًا وأيضًا تناولت المصطلح البلاغي من حيث تدرجه وتطوره ونهايته فيما استقر عليه.
فهذه المعاجم تعين طالب البلاغة إلى أن يتجه مباشرة إلى المصطلح البلاغي -طباق، أو مقابلة، أو تشبيه، أو استعارة، كذا، ثم يجد كلام طيبًا قد حواه موقع ذلك المصطلح.
كتب التفسيرالبلاغي
والحقيقة بمناسبة كلامنا على البلاغة وأنها علم قرآني وأن سبب تأليفها هو الذكر الحكيم وأنها نشأت في أحضان آيات الذكر الحكيم ومحاولة التعرف على الإعجاز وأسرار البلاغة ولطائفها يحصل بنا أن نحصل بنا أن نذكر شيئًا من الإلمامة على سبيل السرد العام لأبرز كتب التفسير التي تناولت كلام الله -عز وجل- وحاول مؤلفها أو مؤلفوها أن يتعرف على الدقائق واللطائف أو أن يذكر شيئًا من الأسرار واللطائف البلاغية البيانية المتعلقة بالآيات القرآنية.
مما ذكرناه سابقًا "الكشاف" للزمخشري مع الحذر من اعتزالياته وسقطاته في مسائل الصفات ومسائل مرتكب الكبيرة والموقف من الحاكم أو غير ذلك مما ذلت فيه أقدام المعتزلة.
نذكر أيضًا كتاب "البحر المحيط" لأبي حيان المفسر الأندلسي المتوفى سنة سبعمائة وأربعة وخمسين للهجرة فإن البحر هذا هو حقيقة اسم طابق مسماه، ولفظ أدرك معناه-فعلاً- ، فمن قلب صفحات "البحر المحيط" لأبي حيان وجد بحرًا فعلاً متلاطمًا، فإنه يذكر أسباب النزول، ويشرح الآية شرحًا لغويًا، ثم يذكر أيضًا أعاريبها التي تنبني عليها المعاني ثم -أيضًا- لا يفوت أن يذكر المعاني والدقائق واللطائف التي تنقدح له في أثناء تقليب نظره في الآية الحكيمة، ونراه أحيانًا يستدرك على الزمخشري في اعتزالياته ويصفه بصفات -أحيانًا- يدركها القارئ كأن يقول: وهذه من دسائسه، وهذه من اعتزالياته، وهذا -حقيقة- من محاسن هذا التفسير أنه ينبه طالب العلم على السقطات التي وقع فيها الزمخشري كما ذكرنا يعد أبًا رئيسًا للنظر في الإعجاز وتقليب النظر في الأسرار واللطائف القرآنية.
من ذلك أيضًا تفسير البيضاوي وحواشيه، وهي الحقيقة حواشي مفيدة جدًا لطالب البلاغة والمعاني والدقائق واللطائف، ولكن أشهرها وأهمها وأظهرها حاشية الشهاب الخفاجي، وحاشية محيي الدين الشيخ زاده وحاشية القنوي فهذه حواشي الحقيقة ثرية بالمعاني القرآنية وثرية أيضًا باللطائف البلاغية، فالمتخصص بالذات لا يكاد يستغني عن هذه الحواشي.
كذلك تفسير أبي السعود، كان قاضيًا من قضاة الدولة العثمانية في القرن التاسع الهجري، وقد كتب كتابه الرائد "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" وتمكن حقيقة من العربية وتضلع فيها، وعبارته جزلة وأسلوبه عالٍ، وإلا أنه أحيانًا تجد فيه نوع عسر في بعض مجملاته أو جمله ولكنه مفيد، وأعلم أن كلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قد قررت ذلك في فترة من فترات تدريسها لطلابها لجودة عبارة المؤلف ولرقيها ولكونها تكسب قارئها ثروة لغوية وأسلوبًا بيانيًا جيدًا ناقلاً للمعاني حاويًا للأفكار.
هناك أيضًا "روح المعاني" للآلوسي فإنه جمَّاعة، وأيضًا يحسن النظر والتقليب وتوليد المعاني من خلال ما ينظر، وله رأيه أيضًا الذي كثيرًا ما يكون موفقًا في عرضه وفي بسطه.
لا يعني ذكرنا لهذه التفاسير أننا نرضى عن ما يقع فيها.. لا، هؤلاء بشر يخطئون كما يصيبون، ويصيبون كما يخطئون، لكن العبرة بغلبة صوابهم على خطئهم وبغلبة إيجابياتهم على هنّاتهم وكل واحد -كما قال الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويعني به المصطفى -عليه الصلاة والسلام- فإنه المعصوم.
من الكتب المعاصرة الحقيقة التي لا أظن طالب علم في البلاغة أو في البيان أو في النظر في دقائق التعبير ولطائفه أن يستغني عنه، من كتب التفسير المعاصرة التي لا يكاد يستغني عنها طالب علم متخصص في العربية وفي البلاغة بالذات: "التحرير والتنوير" تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور التونسي، وهذا الرجل مالكي المذهب إلا أنه مجتهد في مذهبه كاجتهاد شيخ الإسلام في مذهبه الحنبلي، ورجل موسوعة ومتضلع في العربية وله كتاب "الموجز في البلاغة العربية" وهو أيضًا عنده إلمام بالأصول وبالفقه وهو متخصص في ذلك، فمن ينظر إلى كتابه وإلى بيانه في التحرير يجد أن لاسم كتابه أثرًا على تفسيره فهو تحرير وتنوير، تحرير للعبارة وتنوير للذهن أيضًا بها، فالتحرير والتنوير حقيقة من الكتب التي تكاد تكون مطبقة لبعض أو لكثير من مسائل البلاغة وقواعدها وضوابطها على التنزيل، وأنا أعده -مع الفارق- زمخشري عصره الشيخ الطاهر بن عاشور يعد زمخشري عصره في العصر الراهن ولقد توفي سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وتسعين هجرية في السنة التي توفي فيها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب "أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن" -رحمه الله-، وهذا الكتاب كما ذكرنا لطيف جيد مع الحذر من بعض الأشعريات في الصفات مما قد يزل به القلم.
كذلك من الكتب التي يمكن أيضًا أن تكون نظرت إلى القرآن الكريم بمنظار أدبي بياني لغوي "التفسير القرآني بالقرآن" لعبد الكريم الخطيب، فلغته مشرقة وعبارته مؤدبة وأدبية، وأيضًا أساليبه راقية، وتكسب قارئها ضربًا من حصن التعبير وأيضًا من لطائف البيان وجودته.
كذلك يعد كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب من الكتب التي تناولت الآية أو القرآن الحكيم بمنظار أدبي، وإن توسع السيد قطب في عباراته فهو أديب ينبغي أن يحكم على عباراته وعلى جمله في ضوء تخصصه وفي ضوء قلمه وبيانه.
ولقد حمل على سيد بعض المعاصرين وحُمّلت ألفاظه أكثر مما تتحمل .
نعم هو وغيره وقع في خطأ وقع في ذلل لكن العبرة كما ذكرنا باستقامة النهج العام وأيضًا بغلبة الحسنات على السلبيات، فحمّلت ألفاظه بأن اجتزأت من سياقاتها فالشيء أو فاللفظ والجملة إذا اجتزأت من سياقها تؤدي عكس مرادها، القرآن الحكيم وهو من عند الله جل وعز إذا اجتزأت ألفاظه أو آيات من سياقاتها تؤدي غير المراد منها مثل ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴾ [الماعون: 4] لو تقف عليها كأن هذا تهديد ووعيد لمن يصلي، لكن صلها لما بعدها يتضح المعنى ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴿4﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5] وهكذا، فأيما مؤلف ليس من الحق ولا من العدل أن نجتزئ شيء من كلامه ثم نحمله ما لا يتحمل، ينبغي أن نأخذه بحسب المقام والسياق ثم إن أخطأ نقول: إنه أخطأ في كذا وكذا بدليل كيت وكيت ونسوق له الحجة إن كان حيًا ونقنعه بها والحري بمثله أن يرجع أما إن كان ميتًا فنحسن له التأويل ونبين للناس وجه الخلل ولكن لا نصرفهم عن الكتاب كله، ولا نركب نظارة سوداء وننظر إلى الكتاب أو إلى الشخص بمنظار أسود، كلا.
وهذا يا دكتور حفظكم الله هو من وظائف العلماء بحيث أنهم يبينون.. في هذا الكتاب وينبهون للسقطات والزلات والإنسان طبعًا غير معصوم الحقيقة، وكما قلت الغلبة غلبة الظن.
ومعلوم أن منهج أهل السنة والجماعة هو منهج العدل في الكلام على الحكومات وعلى العلماء وعلى الحكام وعلى المؤلفين وعلى النساء وعلى الرجال وعلى الطلاب، في قوله جل وعز قاعدة عريضة: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8] هذا هو الميزان الشرعي، ولهذا: أهل السنة عدلوا مع المعتزلة وغيرهم فأخذوا من خيرهم مما أتوا بهم ردوا ضلالهم بالأدلة، وهذا هو المعيار الشرعي الصحيح، كل إنسان يقع منه وله، ولكن العبارة بغلبة الحسنات فنأخذها فإن وقع في هنات فنبينها ونقف أمامها وفي ضوء البيان.
من ذلك أيضًا كتاب جيد ولغته سهلة ويصلح للقراءة على الجماعة في المساجد وغيرها "تفسير كلام المنان" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي شيخ الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله- رحم الله الجميع، توفي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي سنة ألف وثلاثمائة وستة وسبعين هجرية فكتابه هذا تفسير ابن سعدي كتاب مختصر وجيد وله لفتات لغوية وإشراقات بيانية وتوضيحات أسلوبية في لغة سهلة وتوجه سليم ونظرة -ولله الحمد- لآيات الصفات ولغيرها سليمة ومأمونة، فلهذا ينصح أيضًا بهذا الكتاب للمتوسطين أو للعوام أو لمن في حكمهم ممن يريدون فهم الآية في عجلة من أمره.
وبمناسبة الكلام على كتب التفسير التي تناولت كلام الله -عز وجل- تناولا بلاغيا أو لغويا نذكر شيئًا أو طرفًا من كتب الحديث التي تناولت أيضًا كلام المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من وجه بلاغي أو بياني لعل الدارسين أو بعض الحاضرين أو المشاهدين والمشاهدات أن يكون لديه رغبة في النظر في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- والتعرف على بلاغته التي تأتي في المرتبة الثانية بعد بلاغة الذكر الحكيم.
عموم شراح الحديث وعلى رأسهم ابن حجر العسقلاني وابن العيني كل هؤلاء –حقيقة- عندما يتناولون الحديث الشريف ينظرون إلى لغته، وإلى ما فيه من تشبيهات أو كنايات ويضعون أقدامهم في توسعة واضطراب واستطراد وهذا –الحقيقة- جميل يصح لطالب العربية وأيضًا لطالب بلاغة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- والتعرف عليها أن يلتقط تلك الإشارات، وكثيرًا ما نقل ابن حجر العسقلاني عن ابن بطال -رحمه الله- في كتابه "الفتح" وحقيقة الفتح على اسمه "فتح الباري" فيه وقد أجهد وأنفق الشيخ ابن حجر -رحمه الله- قرابة ثمانية وعشرين عامًا في سبيل تأليفه فجمع مستودعًا ضخمًا من العلم العام والاستنباطات الحسنة وأقوال العلماء وأيضًا علم العربية والدقائق واللطائف المتعلقة بالحديث الذي يورده والشواهد التي أيضًا.. ويحشدها في شرحه.
كذلك في "إرشاد الساري" لبدر الدين بن عيني، فيه أو بخاصة في ربعه الأول، فالشيخ -رحمه الله- توسع إلى درجة أنه قد فاق "فتح الباري" في مقدمته أو في الربع الأول منه، لكن نفسه بدأ يتضاءل بعد ذلك.
كذلك الإمام النووي -رحمه الله- على شرح مسلم، فلغته مجملة لكنها دقيقة وجيدة، وله إشارات ولمحات ذكية يمكن أن يستفيد منها طالب العربية وأيضًا يقف عندها مقتنص الإشارات البلاغية.
من الكتب المعاصرة حقيقة التي تفيد البحث البلاغي هو كتاب "التصوير الفني في الحديث النبوي" للدكتور محمد الصباغ مجلد طيب يتجاوز سبعمائة وثمانمائة صفحة عرض طائفة من الأحاديث وشرحها شرحًا لغويًا بلاغيًا وركز على الصورة وعلى التصوير النبوي في الحديث الشريف.
كذلك هذا المؤلف الدكتور محمد الصباغ أيضًا له كتاب "الحديث النبوي" مصطلحه، بلاغته، كتبه، كتاب "الحديث النبوي" أيضًا طرق أو تعرض لطائفة من الأحاديث النبوية الشريفة وشرحها وبين وجوه البلاغة فيها.
كذلك من الكتب أيضًا "الحديث النبوي الشريف" من الوجهة البلاغية لأستاذنا الدكتور عز الدين علي السيد، وقد درس في كلية اللغة العربية -رحمه الله- ثم في الجامعة الإسلامية في كلية اللغة العربية فكتابه هذا "الحديث النبوي الشريف" من الوجهة البلاغية أيضًا قيم وجيد ومتوسع في هذا المقام.
كذلك من الكتب المتعلقة أو المعتنية ببيان المصطفى -عليه الصلاة والسلام- "البيان النبوي" للدكتور محمد رجب البيومي، فكتابه مختصر لكن فيه لمحات وإشارات طيبة.
كذلك من الكتب أيضًا: "في ظلال الحديث النبوي" للدكتور نبوي الدين عتر، هذا أيضًا فيه تقسيمات وتفصيلات جيدة، له إشراقات بيانية وولغوية وتدرب طالب العربية على استنباط اللطائف واستخراج الأسرار من الحديث النبوي الشريف.
كذلك: "من أسرار البيان النبوي" للدكتور أحمد محمد علي، هذا كتاب موجز ومختصر يمكن أن نعطيه طالب العلم دربًا من الدربة على النظر في الحديث النبوي الشريف.
أهمية العربية وقيمتها في استنباط الحكم الشرعي
وأختم كلامي حقيقة في هذا المقام ببيان أهمية العربية وقيمتها في استنباط الحكم الشرعي، فثمة كتب في هذا لكن أظهرها مما طالعته ونظرت فيه كتاب رسالة دكتوراه حقيقة عنوانها "أثر العربية في استنباط الأحكام الفقهية من السنة النبوية" للدكتور يوسف خليف العيساوي، مطبوع متداول طبعته "دار البشائر الإسلامية" ببيروت عام ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرين هجرية، الحقيقة أن الكتاب قيم في هذا الباب ويعطي الناظر فيه قيمة العربية، -وفعلاً- عندما أطلق العلماء العربية في نحوها أو بلاغتها ومعانيها وبيانها بأنها مفتاح التنزيل، حق وأنه لا يستطيع من ينظر في النص الحكيم أو النص النبوي الشريف أن يصل إلى الدقائق واللطائف والأحكام إلا بها، وقد اثبت المؤلف ذلك بالشواهد وبالأمثلة.
هذا أيضًا كتاب آخر اسمه "الصعقة الغضبية على منكر العربية" للطوفي الحنبلي المتوفى سنة سبعمائة وستة عشر هجرية، حققه زميلنا وأخونا الدكتور محمد بن خالد الفاضل وفقه الله وأعانه، والذي هو في قسم النحو وهو الآن مُعار في جامعة الأمير سلطان وطبعته شركة أو مكتبة "العبيكان للطباعة والنشر" في عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين ميلادية، فهذا يبين قيمة العربية واللغة العربية وهو كتاب -الحقيقة- ضخم في حدود سبعمائة صفحة ذكر شواهد وشوارد من السلف وغيرهم وضرب الأمثلة والأمثال على هذا على قيمة العربية فمن أراد أن يتعرف على هذا ويتوسع في هذا المقامات فدونه هذا الكتاب وغير ذلك من الكتب التي تبين فضل العربية وقيمة البلاغة أيضًا في استنباط الأحكام الشرعية بشكل عام.
يقول: ما هو الكتاب المناسب لغير المتخصص أو لطالب العلم الشرعي الذي لا يريد أن يتعمق كثيرًا؟ لأن هذه الكتب الكثيرة ربما للمتخصصين فنريد يا شيخ لو سلم بسيط يجتمع فيه مجموعة من الصفات السهولة والتدريب على النص الشرعي مثلاً واحتوائه على أغلب المسائل حتى يكون سفرًا متنقلاً في كل زمان ومكان؟.
يحضرني كتابان الأول: "البلاغة فنونها وأفنانها" للدكتور فضل عباس حسن، وهذا الرجل ليس متخصصًا في اللغة العربية وإنما هو متخصص في علم التفسير، ولكنه أتى التفسير من بابه من زاوية آلته، وهي علم المعاني والبيان والبديع فألف كتابه هذا -والحقيقة- يتميز هذا الكتاب بميزات متعددة، منها:
- سهولة عربية، ومنها أيضًا: سهولة عرض المصطلح البلاغي بشكل عام.
- ومنها تفنن المؤلف في تقليب النظر في المصطلح نفسه من عدة أوجه.
- ومنها كذلك أنه في شواهده أو في أمثلته تكون أمثلته إنشائية معاصرة من الواقع المعاصر.
- ومن أهمها أنه اقترب بالمصطلح البلاغي من التنزيل فأعادها إلى حد ما إلى أحضانها الأولى، أعادها إلى أحضانها الأولى، نجد أن كثيرًا من البلاغيين أو بعض البلاغيين يكثر من الشواهد الشعرية مثلاً أو كذا، ودونه أعلى قمة في البلاغة وهو كلام الله -عز وجل-، وهذا الرجل إلى حد كبير ركز على التنزيل، على الآيات الحكيمات, ومنها أيضًا أنه لم يغفل جانب الحديث النبوي الشريف، فأورد أحاديث، ومن حسناته في إيراده للحديث أنه يخرج الحديث من مظانه المعتبرة عند المحدثين، كالبخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي وأحمد وموطأ مالك وغيره ،بخلاف بعض المتساهلين في اللغة العربية أو الدارسين للبلاغة أنه يخرجها من كتب ليست مظان البحث في الحديث ولا تخريجها ولا تدقيق متنه ولا رجاله كـ"الأغاني" مثلاً أو "العقد الفريد" أو "البيان والتبيين" أو "الحيوان" أو "العمدة" أو غير ذلك مما يتساهل فيه بعض الكتاب.
أيضًا جعل المؤلف بعد كل فن -تقريبًا- مستقل كالتشبيه أو الاستعارة عقد فصلا خاصا للتشبيهات القرآنية وأسرارها ولطائفها وتمييزها عن تشبيهات العربية بشكل عام، الاستعارة القرآنية الكناية القرآنية ميزاتها وسماتها في كتاب الله -عز وجل- وحلل وعلل وتذوق فهذا أيضًا كتاب الحقيقة جيد.
ثم إنه درس في خاتمة علم المعاني سورة السجدة بشكل عام ودقق في نظمها، وإن كانت دراسته مجملة لكنه ضرب مثالاً أو شاهدًا على سورة السجدة، فدقق في نظمها وفي لطائف البلاغة فيها، هذا بشكل عام كما ذكرت وفيه يتبعه بأسئلة تطبيقية، الكتاب حقيقة هو ليس مختصرًا إنما هو فيه شيء من التطويل أو الطول أو الإطناب إن صح التعبير، ولكنه من أجل التوضيح والتذليل والتيسير، لأن الاختصار التام قد يعيق الطالب الفهم يعيق عليه فهمه، وينعقد عليه المعنى، لكن هذا فيه تذليل وتبسيط بشكل عام. أنا عندما أذكر هذا الكتاب لا أعني أنه كامل عليه ملحوظات بشكل عام، لكنه بشكل عام فيه سهولة وفيه يسرر وفيه أيضًا غناء لطالب البلاغة.
هناك كتاب آخر -الحقيقة- عثرت عليه في معرض الكتاب القائم حاليًا في مدينة الرياض "شرح دروس في البلاغة" لمجموعة من المؤلفين في الأزهر وشرحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وشرحه في مجموعة أشرطة، ولكن إحدى الدور فرغتها في هذا الكتاب وصار النص في أعلى ثم وضع خط وشرح الشيخ على بعض العبارات في أسفل، وهو الحقيقة مختصر شرح مختصر وقد لا يكون متيسرًا أو متوافرًا في المكتبات لحداثته وأظن طبعته دار في الكويت دار "إيلاف" أو كذا في الكويت، ويباع حاليًا في المعرض، وهذا الكتاب كما ذكرت يصلح لطالب المختصرات، ويكفي أن الشيخ محمد -رحمه الله- تناوله بالعرض والتفصيل والشرح لإدراكه أهمية البلاغة في العلم الشرعي وإدراك واستنباط الأحكام الشرعية بشكل عام.
وكذلك هذا الكتاب الذي بين أيدين.
نعم كتاب "البلاغة الواضحة" نعم مختصر مذلل وفيه شواهد كثيرة يفيد طالب العلم أيضًا.
يقول: من أول من استعمل مصطلح البلاغة تخصيصًا لهذا العلم؟.
أنا ذكرت في أثناء السرد أن ألفاظ البلاغة والبراعة والبيان والبديع والنظم والمعاني كان الشيخ عبد القاهر الجرجاني -رحمه الله- وبخاصة في كتابه "دلائل الإعجاز" يعدها أو يذكرها على سبيل الترادف، أما أول من أطلق على علمي المعاني والبيان وصف العلم فهو الزمخشري المتوفى سنة خمسمائة وثمانية وثلاثين هجرية في مقدمة تفسيره "الكشاف" عندما ذكر أنه لا يتصدى للتفسير إلا رجل برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علما المعاني والبيان، بدع ذلك سار العلماء على نهجه، ونلاحظ إطلاقات عامة مثل "البديع" لابن المعتز وهو متقدم مائتان ستة وتسعين، لكنها لا تعني علم البديع بذاته وإنما البديع ما أبدع بشكل عام من تشبيهات أو استعارات أو عامة.
بدر الدين ابن الناظم المتوفى سنة ستمائة وستة وثمانين هجرية في كتابة "المصباح في علوم البلاغة" هو حقيقة جمع ما ذكر السكاكي من فنون البديع فأطلق على البديع علمًا، فصارت علوم البلاغة ثلاثة: علم المعاني، والبيان، والبديع، وذلك في كتابه المشهور "المصباح في علوم البلاغة" لاحظ هذه التسمية "المصباح في علوم البلاغة"، وبعد ذلك استقر الوضع، فالخطيب لما جاء أصَّلَ وأطلق على ذلك "تلخيص المفتاح في علوم البلاغة" "الإيضاح في علوم البلاغة" فأصبحت علمًا ثابتًا له أركانه الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع.
يقول: بما أن الكلام عن الكتب متعلق بالبلاغة والتفاسير هل يعتبر تفسير الشيخ الشعراوي -رحمه الله- من هذه الكتب التي عنيت بالبلاغة؟.
تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله-، لا شك أن الرجل قد برع في عرض معاني القرآن عرضًا منطقيًا فلسفيًا لغويًا بلاغيًا، وإن كان يستعمل اللهجة العامية أحيانًا لمقام من حوله لأن من حوله ومن يستمعون أحيانًا فيهم طائفة من العوام، فهو يتبسط وينزل إليهم أخذًا بقاعدة البلغاء وهي مسألة المقام، يلاحظ مقامات الحاضرين وأقدارهم ومستوياتهم، الشاهد أنه في منطقه ودلالاته وإشاراته فيه روائع لكلامه ولتحليلاته ويلمس التنزيل والإعجاز فيه ولاشك أن هذا العمل أدخل ما يكون في البلاغة، وفي تلمس الإعجاز وفي أيضًا النظر فيه -على ما عليه أيضًا -رحمه الله- ملحوظات كغيره-، لكنه بشكل عام تفسيره... أنا قرأت وعثرت على مجموعة ومجلدات تسمى أو سميت تفسير الشعراوي وهي يبدو أنها تفريغ لأشرطته -رحمه الله-، وفيها حتى إن لهجته العامية كانت بين قوسين في أثناء متن الكتاب نفسه المحكي عنه، فالشيخ الشعراوي يستفاد منه، لا شك أنه من خيرة من يستفاد منه في النظر إلى الدلالات واللطائف والأسرار، أما إذا تجاوز أو كذا في آيات الصفات أو غيرها فالإنسان ينظر إلى مذهب السلف ويقيس معايير السلف -رحمهم الله- وقاعدتهم في هذا مشهورة وهو: أننا لا نصف الله -عز وجل- إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به الرسول -عليه الصلاة والسلام- في ما صح عنه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل على حد قوله جل وعز: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].
يقول: بما أننا في مقدمة عن البلاغة قد يدخل البعض في مصطلح البلاغة بأنها فن، وبعضهم بأنها علم ما الصحيح وما توجيهكم في ذلك؟.
هو البلاغة حقيقة هي علم متفنن، أو فن علم متذوق، وهي ليست كحد النحو، النحو علم حاد أو متميز أو واضح محدد، يغلب عليه جانب العلم والحد المنطقي والضوابط والقواعد، أما البلاغة فإنها تبدأ من حيث ينتهي النحوي من حيث التعليل والتحليل، ولهذا فيها مزيج ذوق وتذوق، وفيها تحليل وتعليل ورد الأمور إلى منطقها وأساساتها في التقديم أو التأخير أو الذكر
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-07-09, 04:32 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

أو الحذف أو الفصل أو الوصل أو التشبيهات أو الاستعارات أو الكنايات أو غير ذلك فهي علم فيه مسحة ذوق، فليس جافًا حادًا، وليس سائبًا متسيبًا، وإنما هو منضبط بقواعد في ذوق عالٍ راقٍ.
يقول: في الحلقة الماضية فرقت بين بعض العلوم كعلم النحو والبلاغة وعلم الصرف والبلاغة أيضًا فهل هناك فرق بين علم البلاغة والنقد؟.
هو الحقيقة في أصل نشأة البلاغة العربية، وكذلك النقد الأدبي هذان الفنان ظلا متصاحبين أو ممتزجين مختلطين في الدراسات -حتى في نظرات الشعر العربي في الجاهلية، وفي عصر صدر الإسلام كذلك وفي العصر الأموي- المؤلفات البلاغية التي ذكرنا طائفة منها في بدايات ذكرنا كانت مسائل البلاغة مختلطة بقضايا النقد، لماذا؟ لأن حقيقة النقد يقوم على قواعد البلاغة وضوابطها.
البلاغة سابقة للنقد.
البلاغة بشكل عامة سابقة قد يقال إن النقد سابق من حيث توجيه النقدات والتي ينبني عليها تعليلات وتنقدح منها تعريفات لكن بشكل عام، الناقد لا يستغني في البداية عن فصاحة الكلمة، يدرس فصاحة الكلمة من حيث عربيتها أو عجمتها، تعقيدها أو وضوحها، مخالفتها القياس الصرفي أو مطابقتها له، وكذلك الكلام نفسه من حيث موافقته أو مخالفته أو غرابته أو تعقيداته أو كذا هذه الأشياء الأولية.
إنها القواعد الأولية.
أي نعم.
تسبق النقد الأدبي.
نعم، كذلك الناقد ينظر في النص من حيث تأكيداته من حيث خبرًا، من حيث دلالاته إذا كان إنشاءً أهو أمر أو انتقل إلى صيغة مجازية، أهو نداء أو انتقل إلى صفة مجازية، أو استفهام أو كذا وكذلك الفصل والوصل، وكذلك الإيجاز والإطناب، وكذلك البدائع، وكذلك التشبيهات والتصويرات، كلها ضوابط بلاغية في أصلها العلمي ، فالناقد يوظفها لخدمة النص واستنطاق النص الأدبي، فهناك تراضع وتعاون وتعاضد بين البلاغة والنقل ؛ ولهذا في الأقسام العلمية المتخصصة سميت بذلك قسم البلاغة والنقد، فبدء بالبلاغة لكونها علمًا ثم سمي بالنقد لكونه فنًا، فبينهما تعاطف، قسم البلاغة والنقد.
يقول: ما الهدف من علم البلاغة؟ أريد توضيح ذلك بشكل مبسط وواضح لدى المشاهد الكريم؟.
الهدف من علم البلاغة أساسًا هو التعرف على النص العربي، التعرف على دلالاته وإثرائه وأيضًا تصويراته وظلاله، وكما ذكرنا إن في البلاغة كانت ذوقية عند العرب، فلما شدههم القرآن الحكيم بإعجازه وبلاغته ودقيق نظمه انبروا وأقبلوا عليه يتعرفون على دقائق ومظاهر هذا الإعجاز، فكان التعريف البلاغي، إذن علم البلاغة إن صح التعبير هي: مفتاح النص العربي من حيث تذوقه واستنطاقه واستنباط الدلالات اللغوية منه سواء في تشبيهاته أو استعاراته أو كناياته أو في تأكيداته أو في قسمه أو تعجبه.
كذلك الدلالات يا دكتور من حيث الأمر، أمر الوجوب, والنهي للتحريم وغيرها من هذه يتعلق الفقه.
نعم، لا شك دلالات الاستنباط هي كما نعلم أن الكلام قسمان خبر وإنشاء كما سيأتي معنا، والإنشاء أيضًا دربان طلبي وغير طلبي، والطلبي منه الأمر والنهي، والأمر الأصل فيه الوجوب، لكن قد ينتقل إلى الإباحة أو للتهديد أو إلى الندب أو إلى غير ذلك بحسب الدلالة وبحسب المقام أو بحسب الحالة التي سيق أو ورد الأمر في حقها.
فعلم البلاغة حقيقة هو المنظار أو الكشاف للنص العربي بشكل عام، ولا يستغني عنه مفسر ولا شارح للحديث ولا أيضًا الناظر في النص الشعري أو النثري العربي أبدًا، لأن النحو لا شك أنه يقيم الجملة ويصححها، لكن البلاغة وعلومها الثلاثة المعاني والبيان والبديع، تشرح النص إن صح التعبير وتلقي وتبحث وتجعل الباحث يلتقط الدرر والروائع في النص نفسه، ويتبصرها، أشبه بالكشاف، النص عندك مغلق، فإذا سلطت عليه ضوء البلاغة وكشافاتها من معانٍ أو بيان أو بديع تجلى لك أو أظهر درره ولمعه ودقائقه ولطائفه وصرت تتذوق ذلك النص العربي وعلى قدر ما فيه من مخزون بلاغي تستمتع بكشافك البلاغي، وعلى قدر افتقارها أو كذا أو تصليحه يظهر لك أيضًا فقره أو ضعفه من خلال الزوايا أو المعايير البلاغية التي تفعلها أو تنظر من خلالها في ذلك النص.
وهذا يا دكتور يعطي الإنسان عندما يقرأ كتاب الله -سبحانه وتعالى- نورًا وجلاءً في قلبه ويبدأ يفهم هذا الكتاب العجيب الذي أعجز الكل.
صحيح، لا شك ولذلك أنا ذكرت الآية الحكيمة آية عظيمة أية "ص" ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾ لأي غرض؟ ﴿ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ بأي صورة؟ عن طريق لغة العرب وبلاغة العرب ﴿ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ ﴾ [ص: 29]
فالغرض من إنزال هذا القرآن الحكيم التدبر والتفكر والتذكر كيف نتدبره إلا بلغة العرب، ما قمة بيانها؟ ما ذروة سنامها؟ هي البلاغة، قمة بيان العربية وذروة سنامها هي البلاغة بعلومها الثلاثة المعاني والبيان والبديع.
نريد أن نبين للمشاهد الكريم أنه لن يكون زمخشريا من أول يوم أو من ثاني يوم أو من أول أسبوع، يحتاج الإنسان إلى أن يجلس فترات طويلة حتى يبدأ يتذوق كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو غيرها من النصوص الأدبية.
كلامك صحيح وجميل، فطالب البلاغة لا يتوقع أنه في يوم وليلة أو بعد انتهاء هذه الدروس أو كذا -مثل ما تفضل سيادتكم- زمخشريًا أو جاحظيًا أو كذا، كلا وإنما تحتاج المسألة إلى تضلع ومران ودُربة وقبل ذلك حفظ التنزيل، والحقيقة أنا بهذه المناسبة أنصح الإخوة والأخوات جميعًا، أنصح أيضًا الإخوة والأخوات أولياء الأمور ممن تحتهم من البنين والبنات أن يوجهوا أبناءهم إلى حفظ كلام الله -عز وجل- وإلى تسجيل أبنائهم في دور تحفيظ القرآن والجمعيات أو مدارس تحفيظ القرآن أو العناية بتحفيظهم كلام الله -عز وجل- لأن حفظ كلام الله -عز وجل- فيه فوائد عظيمة جدًا:
فهو قمة البلاغة والبيان، هذا أمر، الأمر الثاني: أن حافظ كلام الله -عز وجل- تسيل قريحته وحافظته وتنطلق، فهي.. والقرآن الكريم أحفظ من قواعد ومتون وعلوم، فإذا نشطت الحافظة وسيلت هذه الحافظة عن طريق كلام الله -عز وجل- فلامست هذه الحافظة بركة القرآن الكريم سالت حافظته وتدفقت.
ثم إنه يدرب لسانه وتفصح عربيته، لأن أستاذ التجويد سيقوي لسانه سيجعل الإنسان ناطقًا بصحة الكلمة من حيث مخارج الحروف ومخارج الكلمات والإدغامات والإظهارات والاقلابات وغير ذلك، فهنا يجود العربية، فإذا جود العربية من خلال كلام الله -عز وجل- سيجود نطقه عندما يتكلم بها نثرًا أو شعرًا، ولذلك بركة القرآن الكريم ولهذا تجد أن أنبه العلماء وأفضلهم من كان حافظًا، ولهذا أول ما يترجم للشيخ يقول: الحافظ ابن كثير، الحافظ ابن حجر، الحافظ لأي شيء؟ لكذا ولذلك يخطئ بعض التربويين عندما يأتي ويقف أمام الطلاب أو الطالبات يقول: لا تحفظوا لا تكونوا ببغاوات لا هذا خطأ كبير جدًا، إنما العلم بالحفظ والفهم نعم، لكن الحفظ يزود ذاكرة الحافظ بثروة لغوية هائلة، وبأسلوب بياني مشرق، وبلغة عالية جدًا.
وهذا أُثبت علميًا كذلك.
نعم، يستطيع أن يوظفها في المقامات المتعددة، ولهذا فإنني أنصح الجميع بأن يحفظوا كلام الله -عز وجل- وأن يطيلوا النظر في أساليب تعبيره ودقائقه وأن ينظر أيضًا في كتب التفسير التي تعينهم على فهم دقائقه والوصول إلى لطائفه.

الدرس الثالث
الفصاحة والبلاغة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فبعد تلك المقدمات المتقدمة عن أهمية هذا العلم وعن تاريخه والمؤلفات التي ألفت فيه وأبرز الكتب أيضًا التي عرضت قواعده وبسطت مسائله وشرحت شواهده: نبدأ بعون الله وتوفيقه وتيسيره في مقدماتها -أيضًا- الأساسية التي ذكرها العلماء.
وأول ما يواجهنا في مسألة علم البلاغة: هو الكلام عن الفصاحة وعن البلاغة وعن شروط الكلمة الفصيحة والكلام الفصيح، والمتكلم متى يكون فصيحًا؟ وما ضابط ذلك؟
ثم ينتقل -أيضًا- المؤلفون إلى الكلام عن البلاغة، وعن ضابطها في اللغة وفي الاصطلاح، بعدما استقر هذا العلم، والحقيقة أن الكلام عن الفصاحة والبلاغة كان عند المؤلفين في القديم -وبخاصة عند شيخهم الشيخ عبد القاهر الجرجاني- كانت -كما ذكرنا وأعدنا- هذه المصطلحات كانت مترادفة (الفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان والبديع والنظم) كذلك.
لكن من أوائل من أفرد الفصاحة والبلاغة وخصها بمزيد عناية وأفردها عن قضايا أو مسائل أو قواعد البلاغة بشكل عام: السكاكي المتوفى سنة ستمائة وستة وعشرين هجرية في كتابه "المفتاح" في كلامه عن علمي المعاني والبيان فقد ذيلهما بكلام عن الفصاحة والبلاغة، تكلم في هذا.
ولكن الذي أصل هذا وقرره وأخذ عنه أيضًا من تأخر عنه: وهو ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة أربعمائة وستة وستين هجرية بكتابه المشهور "سر الفصاحة" وقد تكلم عن الفصاحة وعن ضوابطها وعن قواعدها وعن مسائلها وعن شروطها، وأكثر من جاء بعده وبخاصة ابن الأثير أخذ عنه.
السكاكي كما ذكرنا يُعد مؤصلاً ومقعدًا، نعم تكلم عن الفصاحة والبلاغة ولكن جعلها في ذيل الكلام عن علمي المعاني والبيان.
بدر الدين بن مالك هو الذي جاء ونقل الكلام عن الفصاحة والبلاغة وبيان معناهما نقله من "الذيل" -من ذيل المعاني والبيان- إلى "المقدمة" إلى مقدمة علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع، فجعلها في المقدمة، سار على منوال بدر الدين بن مالك في كتابه "المصباح" سار على منواله الخطيب القزويني وهو يعد زعيم مدرسة المتأخرين في البلاغة، المتوفى سنة سبعمائة وتسعة وثلاثين هجرية في كتاب التلخيص، وأيضًا الإيضاح، فاستقر الوضع في الكلام عن الفصاحة وعن البلاغة في مقدمة علومها، في المقدمة لا في المؤخرة، وعلى هذا نبدأ -إن شاء الله- ولعل الأخ الكريم يبدأ بقراءة المتن.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
ذكر المؤلفان في مقدمة هذا الكتاب: ("الفصاحة البلاغة الأسلوب"، الفصاحة: الظهور والبيان، تقول: أفصح الصبح إذا ظهر، والكلام الفصيح ما كان واضح المعنى سهل اللفظ جيد السبك ولهذا وجب أن تكون كل كلمة فيه جارية على القياس الصرفي بينة في معناها، مفهومة عذبة سلسلة).
كلام المؤلفين -رحمهما الله- عندما عنونا للمقدمة ب(الفصاحة البلاغة الأسلوب) هذا يعد جديدًا عندهما، فإن كثيرًا من البلاغيين كان يعنون للفصاحة والبلاغة بهذين العنوانين فقط، أما هما فكأنهما -ويبدو أنهما- أرادا أن من برع في الفصاحة وبرع -أيضًا- في البلاغة المترتبة على الفصاحة سينتج عنه أسلوب رائع، يمكن أن يصنف بحسب تخصص الكاتب، فقد يكون عالمًا فيكون أسلوبه علميًا، وقد يكون أديبًا فيكون أسلوبه أدبيًا، وقد يمزج بينهما فيكون أسلوبًا علميًا متأدبا، وقد يكون خطابيًا، الحاصل أن هذه العنونة تعد إلى حد ما تجديدًا عند المؤلفين في بداية كلامهما عن الفصاحة والبلاغة.
ثم بدأ بذكر الفصاحة من حيث المدلول اللغوي لهذه الكلمة.
المدلول اللغوي للفصاحة: تعني الظهور والانكشاف والنصاعة والبيان والوضوح.
ويستشهد على هذا بما ذكر وأُثر عن العرب:
فيقولون: أفصح الصبح: إذا بان وظهر من الليل، وأفصح الطفل: إذا أبان عن حاجاته بلغة مفهومة معروفة، وأفصح العجمي: إذا تخلص من رطانته العجمية، وأصبح يتكلم على طريقة العرب في بيانهم، ولبن فصيح، إذا كانت طبقته ظاهرة، انجلت عنه الرغوة، لأن أول ما يحلب اللبن من الدابة -من ناقة أو شاة أو غيرها- فإن الرغوة تعلوه وتغطيه، فإذا علته وغطت صفحته فإنه غير فصيح، غير خالص ولا واضح، لكن إذا انجلت بعد فترة فإنها تنتهي وتتبخر وينجلي، بعدئذ ينجلي اللبن وتظهر صفحته فيكون فصيحًا. إذن الفصاحة تعني الخلوص من الشوائب والوضوح والنصاعة والبيان.
ثم ذكر قال: (والكلام الفصيح ما كان واضح المعنى) إذن احترز بالوضوح عن الغموض، احترز بوضوح المعنى في الكلمة عن غموضها، أو في الكلام عن غموضه، (سهل اللفظ) احترز بذلك عن الحزونة والصعوبة والثقل الذي يعتريه.
(جيد السبك) واحترز بذلك عن أن يكون الكلام مفككًا قلقًا غير مستقر غير واضح الدلالة.
قال: (ولهذا وجب أن يكون كل كلمة فيه جارية على القياس الصرفي) كأنهما بهذا بدءا في ذكر شروط الكلمة الفصيحة، فعلماء البلاغة ذكروا:
أن من شروط الكلمة الفصيحة أن تكون جارية على القياس الصرفي.
نتكلم عن الكلمة يا دكتور لا نتكلم عن الجملة الآن؟.
نعم، نحن نتكلم في بنية الجمل أو الكلام، ينبني من كلمة، لأن المنطق يقتضي هذا، نبدأ في التأسيس في لبنة، في كلمة، والكلام مؤسس من كلمة، والكلمة أيضًا مؤسسة من حرف، فالكلام هنا عن الكلمة.
يشترطون لفصاحتها ولوضوحها يشترطون أن تكون جارية على النسق الصرفي على الميزان الصرفي بحيث يكون معناها واضحًا ودالاً ولا تكون مخالفة للقياس الصرفي.
مخالفة القياس الصرفي مثل: فك الإدغام في الحرفين المتماثلين مثل "ردّ" أن يقول "ردد" أو "عدّ" "عدد" أو "كدّ" "كدد".
وقد أخذوا على أبي النجم الراجز المشهور قوله" الحمد لله العلي الأجلل" كان قياسه أن يقول: "العلي الأجل" لأن اللفظين أو حرفي اللام هنا متماثلان يدغمان في حر ف مشدد.
الحمد لله العلي الأجلل ** الواهب الفضل الكريم المجزلِ
كذلك أخذوا على الشاعر قوله:
مهلاً عاذلاً قد جربت من خلقي ** أني أجود لأقوام وإن ضننو
"ضننوا" قياسه أن يقول: وإن "ضنوا"، أي: وإن بخلوا، فهنا فك الإدغام بين الحرفين المتماثلين وهما "النون".
فمخالفة القياس الثابت عن العرب في الميزان الصرفي الذي حدده النحاة وحدده الصرفيون يعد عندئذ قدحًا في الفصاحة، وعيبًا في الفصاحة.
(وإنما تكون الكلمة كذلك إذا كانت مألوفة الاستعمال بين النابهين من الكُتاب والشعراء؛ لأنها لم تتداولها ألسنتهم ولم تجر بها أقلامهم إلا لمكانها من الحسن إلا باستكمالها جميع ما تقدم من نعوت الجودة وصفات الجمال).
أشار المؤلفان عندما قال: (وإنما الكلمة كذلك) يعني تكون فصيحة (إذا كانت مألوفة الاستعمال) إذا كانت مألوفة الاستعمال عند المتخصصين، عند النبهاء عند الكُتاب، عند العرب البيانيين في زمانهم الذين حذقوا العربية وأجادوا سبكها، وأجادوا عرضها، هؤلاء هم المقياس، وهم الذين يحتذى على نمطهم وتكون الكلمة عندئذ واضحة بينة سهلة متداولة في عرفهم.
حتى يا شيخ إذا كانت مأخوذة منذ القِدم؟
في عصرنا هذا -مثلاً- نأخذ كلمات قديمة -مثلا-ً كانت متداولة بين العرب ونستخدمها الآن وهي غير مفهومة عند الناس، هل يعد ذلك ضربًا من ضروب مناقضة الفصاحة؟.
هذا سيأتينا من حيث الغرابة، غرابة الكلمة، إذا كانت الكلمة غريبة ومهجورة هجرتها ألسنة العرب الفصحاء وتركوها: لا شك أن استعمالها من هذا الباب يعد قدحًا في الفصاحة، مثل كلمة "الفدوكس" وهي للأسد، هجرت هذه الكلمة، هذه الكلمة -أيضًا- مثلها كلمة "الهرماس" أو "هرماس" أيضًا للأسد، مثل كلمة "الاستمصال" وصف لحالة الإسهال، أيضًا هذه كلمة قد هجرت ولا توجد إلا في القواميس ومعاجم العربية، فاستعمال مثل هذه الكلمات المهجورة أساسًا عند الفصحاء والنبهاء والكتاب والشعراء لم تكن سائرة ولا دائرة في بيانهم ولا في أشعارهم يعد ذلك قدحًا وغرابة -أيضًا- وفيها نوع من الغموض.
وهذا -أيضًا- يقودنا إلى:
الشرط الثاني من شروط فصاحة الكلمة وهي: أن تكون الكلمة خالية من الغرابة: واضحة خالية من الغرابة عند العرب الفصحاء، لا يعني أن القياس في هذا هو عرف العوام، السواد الأعظم من الناس عوام، فلا تعد غرابتهم للكلمة أو استغرابهم للكلمة لا يعد ميزانًا دقيقًا، وإنما الغرابة كما ذكرنا أن تكون الكلمة مهجورة عند المتخصصين، عند البيانيين، عند الشعراء، عند الكُتاب النبهاء المعترف ببيانهم المقر أيضًا بسلامة عربيتهم.
ضربوا مثالا على الغرابة: مثل التكأكؤ، كلمة "تكأكأتم" هي -فعلاً- غريبة مهجورة، وأخذوها من قول أحدهم لما سقط من دابته قال:
مالكم تكأكأتم علي كَتَكَأكُئِكُم على ذي جنة؟ افرنقعوا عني
التكأكؤ هو الاجتماع، والافرنقاع يعني ابتعدوا عني، فهي في هذا المعنى غريبة، فالميزان في هذا هو الاستعمال الفصيح عند من يعتد بكلامه.
وقد يرد سؤال وهو: هل غريب القرآن والسنة يعد غريبًا؟ هل غريب القرآن من الألفاظ الواردة في الذكر الحكيم وكذلك في السنة المطهرة يعد غريبًا؟
الحقيقة لا يعد غريبًا، لماذا؟ لأن القرآن الحكيم يتلى ليلاً ونهارًا في رمضان وفي غيره، فإذا تلي وإذا قرأه الأئمة وإذا قرأه المؤمن فإن غرابته تذهب من خلال التلاوة والاستعمال والسماع والسياق، ثم إن غرابته تنكشف بالرجوع إلى كتب التفسير وإلى غريب القرآن وإلى معاجم اللغة، فتصبح ألفاظه متداولة بين العلماء وطلاب العلم، لأنه مصدر الأحكام، مصدر التشريع، مصدر التوجيه، كذلك السنة المطهرة.
إذن ما ورد في غريب القرآن أو في غريب السنة لا يعد غريبًا.
هي غريبة على أفراد الأمة وليست على كل الأمة.
هو غريب على عوامهم، بعض عوامهم، وبعض من لا يعتد بغرابته أو بعرفه في الغرابة أو بفهمهم للغرابة أو بقياسهم للغرابة، ولهذا فإن القرآن الحكيم لا توجد فيه كلمة يقال أنها غير فصيحة لغرابتها، كـــلا، وإنما هي مستعملة ودارجة ومتلوة ومتعبد بتلاوة حروفه وكلماته تقربًا إلى الله -عز وجل- فلا غرابة في ألفاظه وكذلك لا غرابة في ألفاظ السنة المطهرة، وإن احتاجت إلى تنقيب وبحث واستقصاء ليتم المعنى في السياق.
(والذوق السليم هو العمدة في معرفة حسن الكلمات وسلاستها وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه؛ لأن الألفاظ أصوات، فالذي يطرب لصوت البلبل، وينفر من أصوات البوم والغربان ينبو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبة متناثرة الحروف، ألا ترى أن كلمتي "المزنة" و"الديمة" للسحابة الممطرة، كلتيهما سهلة عذبة يسكن إليها السمع، بخلاف كلمة "البعاق" التي في معناهما فإنها قبيحة تصك الآذان، وأمثال ذلك كثير في مفردات اللغة تستطيع أن تدركه بذوقك).
الحقيقة: إشارة المؤلفين -رحمهما الله- في قولهما: (والذوق السليم هو العمدة في معرفة حسن الكلمات وسلاسته) صحيح.
معلوم أن الذوق مبني على سلامة وصحة العربية وملاحظة قواعد وقوانين النحو وميزان الصرف اللغوي، فالذوق حقيقة هو عمدة في هذا الباب، والذوق واستعمال الكلمات أيضًا يرفع الغربة.
ومما شرطه علماء البلاغة في الكلمة لتكون مستساغة مقبولة، أن تكون خالية من تنافر الحروف: تنافر الحروف قد يكون بسبب بُعد مخرج حروف الكلمة، يكون مخرجها -مثلاً- حرفا شفويا من الشفة، والآخر من الحلق، مثل "بعاق" هذا كلمة تطلق على المطر، فهذه نلاحظ أن "الباء" من الشفتين "بُعاق" و"العين" من الحلق، وكذلك "القاف" حلقية، فهذا مما قالوا أنه يسبب تنافر الحروف في الكلمة.
قد يكون أيضًا من تقارب مخرج حروف الكلمة مثل "الهعخع" وهو نبت ترعاه الإبل، وتضرر به إذا أكلته، فلما سئل أعرابي عن ناقته قيل: أين ناقتك؟ قال تركتها ترعى "الهعخع"، هنا نلاحظ أن "الهاء" و"العين" أو حروف هذه الكلمة كلها "الهاء" و"العين" و"الخاء" و"العين" كلها حلقية متقاربة، ولذلك أورثها ثقلاً وعسرا، كذلك أخذوا على امرئ القيس كلمة "المستشزرات" في وصف شعر صاحبته عندما قال:
غدائره مستشزرات إلى العلا ** تضل المدارى في مثنًى ومرسل
يصف صاحبته بأنها غزيرة الشعر، لأن خصال شعرها بعضه مرتفع وبعضه منخفض وهو غزير، وهذه الكلمة "مستشزرات" يعني مرتفعات تلك الغدائر، هي ثقيلة، وعدوا هذا عيبًا على امرئ القيس في استعماله هذه الكلمة، لكن بعض الدارسين المعاصرين عد هذا تفننًا، وحسبها لامرئ القيس ولم يحسبها عليه، وجعل ذلك فلاحًا ونجاحًا في استعمال هذه الكلمة، لماذا؟ لأنه لم يجد لفظة معبرة عن حال الشعر وهيئته مثل هذه الكلمة، لأن "مستشزرات" مرتفعات بعضها مرتفع وبعضها منخفض، ثم إن بعضهم -وهو الدكتور بكري شيخ أمين- في كتابه "البلاغة العربية في ثوبها الجديد" قال: إنه وفق، وأنا لست مع النقاد عندما عدوا هذا سقطة أو مأخذة على امرئ القيس في هذا، لأن هذه الكلمة إذا نطقتها حتى لسانك يرتفع وينخفض في إخراج حروفها "مستشزرات" فهذا يصور حال شعر هذه المرأة في ارتفاع وانخفاض وغزارة، وطول أيضًا للكلمة، فتمثل طول الشعر، فيقول: أنه قد وفق في هذا.
إذن المرجع مثل ما ذكر المؤلفان هنا: (الذوق السليم هو العمدة) بدليل أننا نرى كلمات في الذكر الحكيم تقاربت حروف كلمتها ومع ذلك هي فصيحة بينة دالة، كقوله جل وعلا: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ [يس: 60] ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ ﴾ "الهمزة" و"العين" و"الهاء" كلها حلقية ومع ذلك، كذلك قولك: "ذقته بفمي" هنا "ذقته" تجد أن "الذال" في أول الفم في نطق اللسان، و"القاف" في أسفله حلقية، كذلك قوله -جل وعز-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ﴾ [التوبة: 38]، ﴿ اثَّاقَلْتُمْ ﴾ وقف كثير من العلماء عند هذه الكلمة فقالوا: إن هذه الكلمة لا يصور تثاقل القوم المخاطبين والمعاتبين على تثاقلهم عن الجهاد في سبيل الله مثل هذه الكلمة، فهي تمثل الثقل والتباطؤ ﴿ اثَّاقَلْتُمْ ﴾ الواضح في دلالتها والظاهر أيضًا من أصل نطقها.
كذلك قوله -جل وعز- على لسان نوح -عليه السلام-: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ [هود: 28]، ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ تلاحظ أن فيها ثقلاً في النطق، لكنه يعبر عن أن هذا الإلزام ينتج عنه ثقل عليكم وفيه أيضًا شدة ونحن نأبى هذا، فالكلام في التوحيد -توحيد الله -عز وجل-، ولا إكراه في الدين الكلام في أن المرد في هذا هو الذوق وحسن الاستعمال، أيضًا مقام الحال للكلمة، إذا استدعى المقام هذه الكلمة بحيث لا يسد غيرها مسدها كان صاحبها موفقًا.
مثلاً مقام التوبيخ يختلف عن مقام الهجاء.
نعم.. والهجاء والمدح والغزل أو كذا.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-07-09, 04:35 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي

تحتاج إلى كلمات قوية جدًا ربما يكون فيه ضعف.
وهذا مقتضى البلاغة، سوق الكلام الفصيح على مقتضى الحال، بحيث يختار الكلمات الدالة على المقتضى، على الحال، على المقام الذي يريده المؤلف أو الشاعر أو الكاتب.
(ويشترط في فصاحة التركيب فوق جريان كلماته على القياس الصحيح وسهولتها أن يسلم من ضعف التأليف، وهو خروج الكلام على قواعد اللغة المطردة كرجوع الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً في قولنا سيدنا حسان -رضي الله عنه-:
ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا ** من الناس أبقى مجده الدهر مطعمً
فإن الضمير في "مجده" راجع إلى "مطعمًا" وهو متأخر في اللفظ).
هنا في كلام المؤلفين لما قالا: (ويشترط في فصاحة التركيب) هنا إشارة إلى أنهما انتقلا من الكلام على فصاحة الكلمة إلى فصاحة التركيب.
التركيب مكون من كلمات، والكلمات في أصلها كلمة، فإذا ركبت كلمة ثم كلمة وضممت أخرى إلى أختها صار تركيبًا.
فتبين بهذا أن الشروط الأساسية في فصاحة الكلمة:
1- أن تكون خالية من تنافر الحروف.
2- وأن تكون خالية من الغرابة أيضًا.
3- وأن تكون موافقة للقياس الصرفي.
هذه ثلاثة شروط في فصاحة الكلمة.
يحفظها المشاهد الكريم، يحفظها وتعلق عليها مستقبلاً، نبدأ الآن في فصاحة التركيب من حيث الجملة.
الآن ننتقل إلى فصاحة التركيب المكون من كلمات، ذُكر هنا:
الشرط الأول: (أن تكون الكلمات جارية على القياس الصحيح).
هو يشير بهذا إلى أن الكلام نفسه يشترط لفصاحته الشروط المشروطة أصلاً لفصاحة الكلمة، لابد أن يخلو الكلام من العيوب القادحة في الكلمة، من حيث تنافر حروفها، أن يكون سالمًا من ذلك، أن تكون الكلمة سالمة من مخالفة القياس الصرفي، أن تكون سالمة من البشاعة والغرابة، هذه الشروط الأساسية التي اشترطها العلماء أو البيانيون للكلمة لتكون فصيحة، لابد منها في فصاحة الكلام.
لماذا؟
لأن التركيب أو الكلام يتكون من كلمة ثم كلمة، فإذا كانت هذه الكلمة معيبة انتقل العيب إلى الكلام نفسه.
فذكر بعد ذلك بعد هذا الشرط الأساسي: (أن يكون خاليًا من ضعف التأليف) ضعف التأليف هو عرفه هنا قال: (وهو أخذ الكلام على قواعد اللغة المطردة) كلمة (المطردة) هنا الإشارة إلى أو احترازًا عن خروج الكاتب أو المتكلم عن قواعد اللغة المجمع عليها، قواعد النحو المجمع عليها.
هو كالشذوذ.
أي نعم، المجمع عليه لا يعد هذا قدحًا فقط في فصاحة الكلام، فسيعد فسادًا كأن ينصب الفاعل، أو يرفع المفعول، أو يرفع المجرور، أو يرفع اسم إن، أو ينصب اسم كان، هذه القواعد المجمع عليها والتي شهد لها التنزيل في عربيته وفي صحته لا يعد مخالفة ذلك ضعفًا في التأليف، ينبغي أن ننتبه إلى هذا، بل إن هذا الفعل يعد فسادًا ولحنًا وخطًأ، يعد خطًأ وفسادًا.
لكن هناك قواعد مشهورة وضوابط أيضًا راجحة عند علماء اللغة وعلماء النحو إذا خالفها المتكلم أو خالفها الناظم في شعره أو كذا يعد عندئذ ارتكب ضعفًا في التأليف، مثل ما ذكر هنا كرجوع الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة: كبيت حسان هنا في قوله:
"أبقى مجده الدهر مطعمًا"
فهنا الضمير في "مجده" عائد على "مطعم" المتأخر في البيت، هو عاد على متأخر في اللفظ: يعني في النطق هنا "مطعمًا"، وفي الرتبة: لأن رتبة المفعول به أن يأتي متأخرًا عن الفعل ثم عن الفاعل.
هذا ترتيب الجملة، فعل فاعل مفعول به.
أي نعم... أن يكون الفعل أولاً ثم الفاعل ثم المفعول، الضمير هنا لما كان معرفة لابد أن يعود على معرفة -معروف-، وأين يعود؟ ليس على مذكور في آخر الكلام بل في أوله، يعود على معروف في أوله، ومثل هذا في التنزيل قول -جل وعز- ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ [البقرة: 124]، ففي "ربه" الضمير هنا عائد على إبراهيم وهو "الهاء" عائد على إبراهيم فهو متقدم، لما كان الضمير معرفة -ونعلم أن الضمير من أنواع المعارف-، فإنه لابد أن يعود على معروف مذكور في الكلام قبله، أي قبل الضمير، فهنا في بيت حسان أعاد الضمير على متأخر وهو "مطعمًا" فأصبح عندما يسمع السامع "مجده" يبحث عن مرجع الضمير فلا يجده إلا متأخرًا، فهذا ضعف في الكلام وفي التأليف.
لا يجد قبله يجده بعده.
صحته أن يقول: "أبقى مطعمًا مجده الدهر" ومطعم هذا الذي ذكره حسان -رضي الله عنه- وهو شاعر الرسول الفحل المعروف الذي جاهد بلسانه وكان في جهاده بلسانه -رضي الله عنه- كان أشد مضاءً في قريش وفي كفارها من رشق النبال كما حكى وبين ذلك المصطفى -عليه الصلاة والسلام- دل على أهمية الشعر في هذا المقام.
"مطعم" هذا هو أحد رؤساء المشركين الذي ذب عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وكان له مقامه ، يقول: لو أن أحدًا من الناس ينفع فيه شرفه، وتخلده فضائله لكان أولى الناس هذا الرجل . لماذا؟ لأفضاله على النبي -عليه الصلاة والسلام- ولنفاحه ودفاعه عنه -عليه الصلاة والسلام-.
ومثل أن تقول: وهو مثال يتداوله البلاغيون أيضًا في كتبهم: "ضرب غلامُه زيدًا" "ضرب غلامه" هذا ضعف في التأليف، لماذا؟ لأن الضمير عائد على متأخر في اللفظ لأنه وقع آخر الكلام "زيدًا" نطقت به آخر شيء، وفي الرتبة لأنه مفعول به، فتأخر.
وصحة الكلام أن تقول: "ضرب زيدًا غلامه" من الذي ضرب زيداً؟ غلامه، "ضرب زيدًا غلامه" ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ﴾ فيكون بهذا الصورة، على النسق وعلى الترتيب الصحيح، ولذلك نجد في الأساليب الصحفية أخطاء شائعة من هذا الباب، أو جرت على خلاف المشهور من قواعد العربية، كأن يقول: "من جهته صرح مسئول في جامعة الدول العربية" -مثلاً- "من جهته" من؟
"صرح مسئول في جامعة الدول العربية"، من جهته صرح وزير الخارجية بكذا وكذا وكذا"، المفترض أن يقول: "صرح وزير الخارجية بكذا أو أدلى وزير الخارجية بكذا وكذا من جهته بتصريح".
حتى يعود الضمير على المتأخر.
أي نعم.. لابد أن يكون الضمير وهو معرفة لابد أن يعود على معروف متقدم في الكلام، لا أن يعود إلى مجهول، وهذا ضعف في التأليف. هذا أول شرط.
(ثانيًا: ويشترط أن يسلم التركيب من تنافر الكلمات، فلا يكون اتصال بعضها ببعض مما يسبب ثقلها على السمع، وصعوبة أدائها باللسان، كقول الشاعر:

وقبر حرب بمكان قفر ** وليس قرب قبر حرب قبر
قيل إن هذا البيت لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات متواليات دون أن يتعتع).
أو يتتعتع، يجوز، هو مكتوب يتتعتع ويجوز يتعتع.
(لأن اجتماع كلماته وقرب مخارج حروفها يحدثان ثقلاً ظاهرًا، مع أن كل كلمة منه لو أخذت وحدها كانت غير مستكرهة ولا ثقيلة).
صحيح هذا الشرط وهو: (أن يسلم التركيب من تنافر الكلمات) شبيه بشرطهم: (أن تكون الكلمة خالية من تنافر الحروف) لكن الجهة منفكة، هنا نلاحظ أن كل كلمة في البيت الذي استشهد ومثل به نلاحظ أن كل كلمة من كلمات هذا البيت فصيحة، لو أخذتها "قرب، وحرب، ومكان، وقفر، وليس، قرب، قبر، حرب، قبر" كلها فصيحة، لا إشكال إذا أخذت كل واحدة على حدة، لكنك إذا نظمتها ونطقت بها متسقة مع أختها تجد صعوبة في النطق، ولهذا تجد أن بعض الممتحنين الذين يمتحنون الناس في الألغاز أو في غيرها يقول: ردد هذه الكلمة "ليرة وراء ليرة" ويتحدون في ذلك، مثل أيضًا قولهم: "مرقة رقبة بقرتنا أحلى من مرقة رقبة بقرتكم" رددها، أنت عندما ترددها خمس أو ست مرات أو كذا لابد أن تتعثر في ذلك، السبب في ذلك تنافر الكلمات لقرب مخارج بعض حروفها، أو لوقوع بعضها حول بعض أو لأنها تتردد فتصبح ثقيلة على النطق، مثل أيضًا بيت أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ** معي وإذا ما لمته لمته وحدي
"أمدحه أمدحه" ثقل في الترداد، وإن كان هذا أخف من البيت المشهور، وقيل: إن هذا البيت لم يعرف قائله، وقيل: إنه من أشعار الجن، وقيل: إنه مصنوع للمعاياة أي للاختبار وكذا، فالشاهد أن الكلمات أيضًا لابد أن تكون سلسلة واضحة بحيث إن المتكلم إذا تكلم بها أوقر أو قرأها لا يتعثر لسانه.
هذا لا يدخل في الفصاحة ولا البلاغة.
أي نعم.. هذا يعد قدحًا في الفصاحة والوضوح والظهور.
(ثالثًا: ويجب أن يسلم التركيب من التعقيد اللفظي، وهو أن يكون الكلام خفي الدلالة.
يجوز "الدِّلالة" و"الدَلالة" لك فيها نطقان، بكسر الدال مشددة أو مفتوحة "الدِّلالة" "الدَلالة" لا بأس.
(وهو أن يكون الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد بسبب تأخير الكلمات أو تقديمها عن مواطنها الأصلية أو بالفصل بين الكلمات التي يجب أن تتجاور ويتصل بعضها ببعض، فإذا قلت: "ما قرأ إلا واحدًا محمد مع كتابًا أخيه").
هو مقصود هذا الترتيب بهذه الطريقة، المؤلف أو المؤلفان ذكرا هذا من أجل بيان أن هذا الترتيب الذي هو غير دقيق ويخالف مقتضى قاعدة النحو يخل بالفصاحة ويخفي الدلالة دلالة المراد، ولهذا سيبين صحته، نعم.
("ما قرأ إلا واحدًا محمد مع كتابًا أخيه" كان هذا الكلام غير فصيح).
(غير فصيح) يعني غير ظاهر الدلالة، غير واضح.
(لضعف تأليفه، إذ أصله: "ما قرأ محمد مع أخيه إلا كتابًا واحدًا، فقدمت الصفة على الموصوف وفصل بين المتلازمين، وهما أداة الاستثناء والمستثنى، والمضاف والمضاف إليه، ويشبه ذلك قول أبي).
كلام المؤلف هنا عن التعقيد اللفظي.
التعقيد هنا نوعان: تعقيد لفظي في الكلام، وتعقيد معنوي.
التعقيد اللفظي: يتعلق بالألفاظ، تقديم، أو تأخير، أو الضمائر وإعادتها وعدم وضوح مراجعها، فيعد هذا أيضًا قدحًا مثل ما شرح أيضًا ومثل أيضًا قول الشاعر فيما أثر في بعض الشعر:
فأصبحت بعد خط بهجتها ** كأن قفرًا رسومها قلمً
هذا غير واضح، لكنك إذا رتبته الترتيب المناسب يكون واضحًا، "فأصبحت" هو يصف دارًا بالية أي اندرست وعفت آثارها، "فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كأن قلمًا خط رسومها" واضح الترتيب، "فأصبحت بعد بهجتها قفرًا" أي خالية مندثرة، "كأن قلمًا خط رسومها" فلاحظ أن ترتيب الألفاظ بحسب مقتضى اللغة ودقائق النحو ينجلي من خلاله المعنى ويظهر، وأن التعسر في الترتيب وعدم الضبط وعدم ملاحظة قوانين النحو يؤدي إلى الفساد اللغوي، ومن هنا يكون عدم الوضوح وفقدان الفصاحة، والغموض.
(رابعًا: ويجب أن يسلم التركيب من التعقيد المعنوي وهو أن يعمد المتكلم إلى التعبير عن معنى فيستعمل فيه كلمات في غير معانيها الحقيقية، فيسيء اختيار الكلمات للمعنى الذي يريده، فيضطرب التعبير ويلتبس الأمر على السامع.
مثال ذلك: أن كلمة "اللسان" تطلق أحيانًا ويراد بها اللغة، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾[الرعد: 4] أي: ناطقًا بلغة قومه، وهذا استعمال صحيح فصيح، فإذا استعمل إنسان هذه الكلمة في الجاسوس وقال: "بث الحاكم ألسنته في المدينة" كان مخطئًا وكان في كلامه تعقيد معنوي).
هنا هذا المثال الذي ذكره المؤلف في مسألة التعقيد المعنوي.
التعقيد المعنوي المقصود به خفاء الدلالة، خفاء دلالة العبارة أو اللفظة أو التركيب بشكل عام على المراد بدقة مثل ما ذكر "اللسان"، اللسان مقصود به اللغة، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ أي بلغة قومه، وهذه من حكمة الله -عز وجل- حتى يفهموا عليه، حتى لا يكون لهم حجة أننا لم نفهم هذا أو كذا، الحاصل أن هذا قد يقيس عليه إنسان فيقول: "بث الحاكم ألسنته في المدينة" مثلاً، فالمقصود بالألسنة ما هي؟ اللغات، لا يمكن، فدلالته تكون خافية، ولو قال: "بث الحاكم عيونه في المدينة" صح؛ لأن العين ترى وتبصر وتجمع وتضبط وكذا، لكن بث ألسنته هنا خفي الدلالة فهو غير واضح، ولهذا عد العلماء بعض السقطات على بعض الشعراء كما سيأتي شواهد لذلك.
(ومن ذلك قول امرئ القيس في وصف فرس:
وأركب في الروع خيفانة ** كسا وجهها سعف منتشر
الخيفانة في الأصل الجرادة، ويريد بها هنا الفرس الخفيفة، وهذا لا بأس به وإن كان تشبيه الفرس بالجرادة لا يخلو من الضعف، أما وصف هذه الفرس بأن شعر ناصيتها طويل كسعف النخل يغطي وجهها فغير مقبول، لأن المعروف عند العرب أن شعر الناصية إذا غطى العينين لم تكن الفرس كريمة ولم تكن خفيفة).
نعم هو في بيت امرئ القيس هنا عدوا عليه مسألة "كسا وجهها سعف منتشر" لأن الكريم من الخيول أن يكون وجهها واضحًا بحيث ترى وتنظر مواطئ أقدامها، أما إذا عراها شعر وكذا قد تتعثر فيكون هذا ضعفا في قوتها وفي -أيضًا- نشاطها وفي المقصد منها، فاستعماله هنا غير دقيق ونال من فصاحة ألفاظه.
نخلص من هذا إلى أن :
فصاحة الكلام: هو أن يكون خاليًا من هذه العيوب، خاليًا من العيوب القادحة في الكلمة أصلاً، ثم أن يكون خاليًا من ضعف التأليف، وأيضًا خاليًا من التعقيد اللفظي والمعنوي الذي هو أساس الدلالة.
ينتج عن هذا :
إذا استوفى المتكلم شروط فصاحة الكلمة وشروط فصاحة الكلام أصبح المتكلم فصيحًا.
من هنا نقول: إن فصاحة المتكلم هي عبارة عن ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، ملكة أي مهارة وقدرة ودربة عند المتكلم إذا امتلكها وظهرت على لسانه وفي عقله وفي بيانه يقتدر بها على تأليف كلام أو نظم كلام فصيح سواء كان نثرًا أو شعرًا في أي موضوع ما، ليس بالضرورة أن يكون في الأدب أو في كذا، إنما يكون في أي موضوع يعرض عليه، فإذا قرأ واستوفى وحصل لديه ذلك المخزون اللغوي وعرف طرائق العرب، وتنبه إلى سننها في الكلام وضبط قواعدها، تصبح عنده تلك الملكة قدرة ومهارة يستطيع من خلالها أن ينظم أو يؤلف في كلام بليغ يبين مراده ويحدد مقاصده.
يقول: هل يُعد السجع والإتيان بالكلمات الغريبة عما يتداوله الناس من التعقيد اللفظي وعدم الفصاحة؟.
ليس بالضرورة أن يكون السجع فيه تعقيد لفظي وخفاء، إنما بحسب مقتضى إن ظهر على الساجع التكلف، إن ظهر عليه التكلف والتقصد على حساب المعنى كان ذلك قدح في عمله ونيلاً من صنعته، ولهذا: العلماء تكلموا عن أبي تمام وبشار وأبي نواس ومسلم بن وليد في العصر العباسي الثالث الهجري وهم يسمون شعراء البديع الذي تكلف في الصنعة، ثم جاء بعدهم من تكلف، وفي الأعصر المتأخرة فصاروا يقصدون السجع لذاته والجناس لذاته حتى صار عملهم صنعة وتكلفًا لإظهار مهارته وقدرتهم فنال من بيانهم وإشراقه لأن الأصل في البيان أن يكون مشرقًا سلسًا طلقًا ولا يكون المقصود هو اللفظ ذاته، وإنما أن يُقصد المعنى واللفظ، أن يقصد المعنى بحيث يضعه المتكلم في لفظ ناقل، ويكون المدلول اللفظي على معناه واضحًا جليًا من غير تكلف، فإن سجع فطيب من غير تكلف، لكن إذا تكلف وتقصد هذا وظهر عليه في أثناء صنعته وكلامه وتكلفه نال منه ومُجَّ من قِبَل الأسماع، وما زالت العرب تُعرف بسجعها وأسجاعها وكثير من الأمثال إنما حفظت لجريانها على أساليب السجع، والشعر أشبه بالسجع عندما تنتهي أبياته على القافية، ولذلك سهل حفظه، أما النثر فلما لم يكن مسجوعًا ولا منظومًا كنظم الشعر اندثر وضاع كثير منه، ولهذا قيل: ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد المنظوم، فما ضاع من المنظوم ثلثه وما بقي من المنثور ثلثه، يعني أن الشعر لما كان في صورة أوزان وقوافٍ أشبه بالسجع كان محفوظًا.
أشبه بالتكلف تقريبًا، يعني ربما يكلف الإنسان نفسه عن سجيته.
نعم.. إذا خرج عن سجيته وعن التطوع، يعتبر تكلفًا وممجوجًا، لكن إذا اقتضاه المقام وجاءت اللفظ في موقعها ودلت على المقصود منها من غير كلفة لاشك أنه موفق أي صاحب ذلك موفق.
يقول: كيف يصح نقد شعر امرئ القيس وأمثاله؟ وهم أهل الفصاحة واللغة؟ ومن الذي يحق له ذلك النقد؟.
نقد أشعار امرئ القيس أو زهير أو حسان -رضي الله عنه- لا ضير لأن هؤلاء -وإن تكلموا- تقع ألسنتهم في بعض الهنات، وبعض المسائل لأنها تخالف المشهور المضبوط عن العرب، لأن مخالفة الإجماع العربي في اللغة أو في البيان أو كذا يعد أيضًا خروجًا عن النسق، ثم إن المعاني المتضافرة التي تدل على خروجه إذا دلت هذه المعاني على خروج الشاعر في هذا مخالفة القواعد المشتهرة عند العرب خالف الإجماع، أو خالف أكثر من قال هذا، فلا ضير في هذا هم بشر يخطئون ويصيبون، إنما المنزه عن ذلك هو كلام الله -عز وجل- الذي أحاط بالمعاني، وأحاط بما يليق بها من الألفاظ، بحيث تدل عليها وتؤدي المقاصد منها، أما البشر فإنهم يصيبون ويخطئون عد العلماء على الفرزدق وهو يحتج بشعره وكذلك جرير وكذلك الأخطل وكذلك أيضًا زهير بن أبي سلمة الذين حفظوا العربية وقعدوها وضبطوا شواهدها وجمعوها وقاسوا ذلك عرفوا أن هذا قد خرج أو خالف، فلا ضير في هذا.
يقول: لماذا تكلمنا عن الفصاحة؟ هل هناك فرق بين الفصاحة والبلاغة؟ وما علاقة الأسلوب بالفصاحة والبلاغة؟.
هو الحقيقة الفرق بين الفصاحة والبلاغة لا يمكن أن يظهر ولا أن ينجلي إلا بعد أن نأخذ الكلام عن البلاغة من حيث معناها اللغوي ومعناها أيضًا الاصطلاحي، فلعلنا نؤجل الجواب عن هذا بعد أن نأخذ الكلام عن معنى البلاغة في اللغة وعن دلالتها في الاصطلاح عند أهلها عند البلغاء الذين أصلوها، فسنجيب عن هذا -إن شاء الله- أو يظهر الجواب عنه بعد أن نذكر -إن شاء الله- المعنى اللغوي والاصطلاحي للبلاغة بعد أن عرفنا المعنى الاصطلاحي واللغوي للفصاحة.
تقول: كيف يجمع المتكلم الفصيح بين فصاحة الكلام ومستوى السامعين؟ وهل يُعاب المتكلم أن ينزل لمستوى من يسمعه ويتخلى عن بعض فصاحته؟ كأني أسمع هذا الصوت الذي نراه الآن يا شيخ؟ هل أنا -الخطيب أو المتكلم أو المتحدث أو الكاتب أو غيره- وأنا أتكلم أمام ناس وأنا أعلم أن عامتهم من عامة الناس، ولم يدرسوا في جامعة عربية ولا غيرها، فهل لي أن أنزل بتلك الكلمات التي توازي مستواهم وتكون خرجت عن الفصحى إلى العامية، وأكون ناديت أنا بالعامية يا شيخ؟.
مضمون سؤال الأخت الكريمة يقودنا -أيضًا- إلى الكلام عن البلاغة لأن الكلام عن البلاغة هو توظيف للفصاحة، بمعنى أن الكلمة الفصيحة إذا ضمت في كلام فصيح، ثم وظف ذلكم الكلام الفصيح في أداء المعنى المراد بحسب المقام وفق المقتضى كان الكلام عندئذ فصيحًا، الكلام في هذا يجرنا إلى الكلام حقيقة عن البلاغة لأن هناك فرقًا بين البلاغة والفصاحة، فالفصاحة مقتصرة على سلامة الألفاظ من القوادح، سواءً كانت القوادح خاصة بالكلمة أو بالكلام في مجموعه، أما توظيف ذلكم الكلام الفصيح في خدمة الغرض وبحسب المقتضى فعندئذ يكون الانتقال والكلام عن البلاغة ، لأن البلاغة كما عرفها الخطيب -وهذا يجرنا إلى الكلام فيها الآن- هو بلاغة الكلام أو بلاغة المتكلم، بلاغة الكلام: هو مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال بحسب المقام، فما ذكر هنا أو ما سئل عنه: كون الكلام مفيداً بالتوظيف، توظيف الكلمات الفصيحة أو الكلام الفصيح في خدمة الغرض الذي سيق من أجله.
أما استعمال العامية أو اللهجات المحلية أو اللغة الأجنبية الأعجمية، -قصدي بعض الكلمات- ضمن كلام عربي فصيح فلا شك أن هذا يعد قادحًا من قوادح الفصاحة، ولكن بحسب المقامات ،الأم -مثلاً- مع رضيعها أو مع طفلها الذي في المدرسة أولم يدخلها أو يكاد أو كذا عندما تستعمل معه الألفاظ فينبغي أن تنزل إلى مستوى إدراكه، فإذا نزلت إلى مستوى إدراكه واستخدمت ألفاظًا فصيحة، ألفاظًا عربية صحيحة تعد عندئذ -هي نفسها- بليغة، تعد بليغة لأنها وظفت الألفاظ الفصيحة الصحيحة في مقام هذا الطفل أو الطفلة، كذلك عندما يخاطب الخطيب العمال الذين أمامه إذا كان خطيب جمعة أو يلقي فيهم موعظة أو كلمة أو شيئا من ذلك يلاحظ مداركهم ويلاحظ أيضًا عقولهم فيتنزل بلهجته وبألفاظه العربية -لا العامية-، العربية على مستوى مداركهم، يرفع مستوى مداركهم ليفهموا ويتنزل هو في مستوى عربيته وألفاظه بحيث تكون فصيحة تناسب يختار الألفاظ المناسبة لمداركهم، ولهذا أثر عن علي -رضي الله تعالى عنه- قوله: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟» وأحسب أن عليًا -رضي الله تعالى عنه- قد عرف البلاغة بهذا المعنى، وهي فن مخاطبة الآخرين أو الناس على قدر عقولهم بحسب مستوياتهم، فمن خاطب من أمامه -ملكًا أو وزيرًا أو فقيرًا أو حقيرًا أو غنيًا أو رئيسًا أو مرءوسًا أو عالمًا أو فيلسوفًا- بحسب منزلته وسخر لغته الفصيحة في مستوى ذلكم المخاطب الذي أمامه كان بليغًا، من وفق إلى مراعاة المقامات والمناسبات والأحوال وساقها على قدر ذلك كان بليغًا، ومن لم يكن قادرًا على ذلك بحيث استخدم حتى ولو كانت كلماته فصيحة، إلا أن مستوى عربيته أو مستوى المعاني الذي في لغته كان أعلى من مستوى من أمامه لم يكن بليغًا وإن كان فصيحًا، لماذا؟ المهم هو فهم من أمامك من حيث المستوى والإدراك، فإذا كان من أمامك -مثلاً- مسئولاً كبيرًا ينبغي أن تسخر عربيتك لترفعها لمستوى هذا المسئول وتعطيه بقدر ما يفهم وما يناسبه ويليق به من الأدب اللائق، وإذا كان الذي أمامك عاميا أو امرأة أو صغيرا أو كبيرا ينبغي أن تتنزل على مستواه، لكن أيضًا تحافظ على فصاحة الألفاظ وعلى عربيتها، لا تأتي بكلمات إنجليزية أو فارسية أو كذا أو عامية أو شيء من ذلك لماذا؟ لأنها في ذلك خدشًا لألفاظ القرآن ولكلام العرب، وأيضًا فيه تدليس وتدريس لهذا الصغير على غير ما جرى عليه عرف العرب، وأيضًا مخالفة الغيرة على القرآن وعلى اللغة العربية وفي ذلك عدم الحفاظ على اللغة وعلى نسقها وعلى ألفاظها، فالكلام في هذا يقودنا إلى الكلام في البلاغة نفسها.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: ما الفرق بين فصاحة الكلمة وفصاحة الكلام؟
السؤال الثاني: هل يمكن أن يكون الكلام فصيحًا وبعض كلماته عجمية أو عامية؟
يقول: أنا عندي سؤال وهو كما يلي: هل يجوز للذي لا يتقن اللغة العربية ولا يعرف معانيها أن يقوم بالدعوة إلى الله تعالى؟.
أولاً صيغة سؤاله تحتاج النظر، عندما قال: هو كما يلي، يعني سؤاله يقول إن سؤالي هذا يشبه الذي يلي، الكاف هنا.
نقول للمشاهد الكريم عندما يكتب شيئًا فإن الدكتور سيكون دقيقًا معه فانتبهو.
فقوله كما يلي يعني سؤالك وهو كما يلي، يعني يشبه الذي يلي، يعني أنه لم يأتنا السؤال بعد، لم يأتِ السؤال بعد، نحن ننتظره إذن، على كل حال نأخذه على مراده، فهو يريد صيغة السؤال وصحته أن يقول: عندي سؤال وصيغته أو مضمونه الآتي، أو نصه الآتي، وهو قوله: إن من لم يحذق معنى سؤاله ماذا يريد؟
الذي لا يتقن اللغة العربية ولا يعرف معانيها هل يقوم بالدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-؟.
معرفة العربية وإتقان معانيها حقيقة لا يتيسر لكل أحد، هذا يحتاج إلى علماء ويحتاج إلى جهد جهيد، والرسول -عليه الصلاة والسلام- قد قال فيما صح عنه: (بلغوا عني ولو آية) فمن حذق معنى آية وأدرك حكمًا شرعيًا وعرفه وعنده إحاطة به يبلغ ويدعوا إلى الله -عز وجل- لأن الدعوة هناك دعوة تكون كاملة وهناك دعوة جزئية، الدعوة الكاملة عند الداعية الذي ألم وأحاط بمعارف الدين بشكل عام، و أحاط بجزئياته وكلياته وعنده علم شرعي بهذا فالحمد لله الأمر متاح أمامه، وهنا يتعين عليه بقدر طاقته أن يبلغ لكن من حفظ حجة وحفظ حديثًا أو علمًا شرعيًا أو أحاط بحكم شرعي وقد أحاط بجزئياته وصغائره وكبائره فيبلغ، مثل من رأى من يشرب الخمر لا قدر الله ينبغي أن ينكر وهذا يسميه العلماء هي من المعلوم من الدين بالضرورة، كذلك من رأى تاركًا للصلاة والناس يصلون يأمر وينهى بالحسنى، كذلك من رأى من يعق والديه فهذا نهيه عن عقوق والديه دعوة إلى الله -عز وجل- أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فالقصد من هذا لا ينبغي أن يأتينا مثل ما قيل تلبيس إبليس، يأتي الشيطان للإنسان فيقول: إنك كيف تدعو الناس وأنت لم تحط بمعاني العربية ولا بدقائق الدين، لا.. ما أحطت به فأنت في ذلك هو حجة لك إن تركته، وأنت إذا فعلت أمرت ونهيت حجة على من نهيت.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-08-11, 08:53 PM
موسى حجاج موسى حجاج غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-08-11
المشاركات: 1
افتراضي رد: البلاغة الواضحة شرح ناصر الخنين

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التلاعب , الخنين , الواضحة , شرح , ناصر

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:02 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.