سيرة الصحابي: عقبة بن عامر الجهني
لفضيلة الشيخ: محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة المؤمنون
نحن مع الدرس السادس والثلاثين، من دروس سيرة أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، صحابي اليوم ، سيدنا عقبة بن عامر الجهني .
هذا الصحابي الجليل يمثِّل نموذجاً إنسانياً فذًّا ، أراد الحدَّ الأدنى في سلّم الإيمان ، ثم عدل عنه إلى الحدَّ الأقصى ، وسوف ترون كم هي المسافة كبيرةٌ بين الحد الأدنى والحد الأقصى ، وفي سورة الواقعة ، إشارةٌ في آخرها إلى هذا المعنى: ( سورة الواقعة ) يوجد عندنا سابق مقرَّب ، وهناك أصحاب اليمين ، فالمؤمن مِن بيته إلى دكانه ، من بيته إلى وظيفته ، صائم مصَلٍّ مستقيم ، يدفع زكاة ماله ، نفسيته طيبة ، فهنيئًا له ، أنعم وأكرم بهذا المؤمن ، لكن هناك مستويات أعلى ، هذا الذي يجنِّد كل إمكاناته ، وطاقاته ، وعلمه ، وحجَّته ، ووقته ، وعضلاته في سبيل الحق ، هذا من السابقين السابقين ، هذا يرفعه الله سبحانه وتعالى إلى أعلى عليِّين .
والإنسان أيها الإخوة ... مطلوبٌ منه أن يكون طموحاً ، فبإمكانك أن تأخذ الحد الأدنى ،فلا تؤذي أحداً ، وتبتعد عن أن تعتدي على أحد ، من بيتك إلى عملك ، تؤدِّي صلاتك ، و تدفع زكاة مالك ، تغض بصرك ، تحسن إلى جيرانك ، هذا مستوى .
لكن هناك مستوى أعلى وأرقى ؛ أن تساهم في نشر هذا الدين ، أن تسخِّر كل إمكاناتك ، في الدعوة إلى الله ، أن تجعل من شخصك ، مثلاً أعلى للناس ، أن تنفق المال في سبيل الله ، لا أن تنفقه في المباحات ، أن تجعل من وقتك كلِّه ، وقتاً مستغلاًّ في سبيل الله وقتًا مكرَّسًا للدعوة في سبيل الله .
سيدنا عقبة بن عامر الجُهني؛ ينتمي الي قبيلة جهينة العريقة التي هيَّ من اسبق القبائل لنصرة الرسول صلى الله علية وسلم ومساهمتها الكبيرة في حروب الردة والفتوحات الاسلامية؛ ومن منقبها عن ابي هريرة قال رسول الله صلي الله علية وسلم: (قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله) وعن أيوب الأنصاري قوله صلى الله عليه وسلم : (أسلم وغفارواشجع ومزينة وجهيينة ومن كان من بني كعب موالي دون الناس والله ورسوله مولاهم) وعن أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفس محمد بيده لغفار وأسلم ومزينة وجهينة ومن كان من مزينة خير عند الله يوم القيامة من اسد وطيء وغطفان )
سيدنا عقبة بن عامر الجُهني صحابيٌ جليل ، له غنيمات ، يحرص عليها حرصاً بالغاً ، كان يرعاها خارج المدينة ، ثم خطر في باله ، أن يلتحق برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وسوف ترون ، كم هي المسافة بين الحالين . فالنبي عليه الصلاة والسلام ، يبلغ مشارف المدينة ، في الهجرة ، ونحن في ذكرى الهجرة هذه الأيام ، وها هم أولاء أهل المدينة الطيبة يتزاحمون على الدروب ، وفوق السطوح ، مهلِّلين مكبِّرين فرحاً بلقاء النبي صلى الله عليه وسلَّم ، نبي الرحمة ، وصاحبُه الصدِّيقُ ، وها هن الفتيات الصغيرات ، ينشدن :
طلَعَ الْبَدرُ عَلَيـنَا منْ ثَنِياتِ الوَداع ..... وَجَبَ الشُكُرُ عَلَيِنَا مَا دَعَـا للّهِ دَاع
وهذا موكب النبي الكريم ، يتهادى بين الصفوف ، تحفُّه المهج المشتاقة ، وتحوطه الأفئدة التوَّاقة، وتنثر حواليه دموع الفرح ، وبسمات السرور .
لكن عقبة بن عامر الجهني لم يشهد موكب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولم يسعد باستقبالِهِ مع المستقبلين ، ذلك أنه كان قد خرج إلى البوادي بغنيماتٍ له ليرعاها هناك ، بعد أن اشتد عليها السغب ، وخاف عليها الهلاك ، وهي كل ما يملك من حطام الدنيا .
فلو أردنا ، أن نسقط هذا الكلام على حياتنا اليومية ، إنسان مشغول بدكانه ، يقول لك : نحن هذه الأيام عندنا موسم ، فهو إنسان مشغول بتجارته ، وآخر مشغول بمعمله ، وثالث اشترى أرضًا ، وهو يزرعها ، أين أنت ؟ فيجيب : واللهِ في المزرعة ، ما رأيناك هذا الأسبوع في الدرس ، واللهِ كنا في المزرعة مشغولين ، فمَن شغلته الدنيا فهذا مباح ، والمباح مِن الحلال، ولا يعنينا هنا الحرام إطلاقاً ، إنسان مشغول بدنياه .
فالصحابة الكرام مهاجرون وأنصار استقبلوا رسول الله ، وهذا الصحابي الجليل كان في البوادي مع غنيماتٍ له يرعاها . لكنَّ الفرحة التي غمرت المدينة المنورة ، ما لبثت أن عمَّت بواديها القريبة والبعيدة ، وأشرقت في كل بقعةٍ من بقاعها الطيبة ، وبلغت تباشيرها عقبة بن عامر الجهني ، وهو مع غنيماته بعيداً في الفلوات ، أخبار مجيء النبي ، وصلت إلى البوادي ، كما أنّ أخبار استقباله وصلت إلى البوادي والحواضر .
لاحظْ الآن شعور سيدنا عقبة ، فقد كان بعيدًا عن رسول الله ، بعيدًا عن استقباله ، مشغولاً بغنيماته ، لكن لا تنسَ أيها الأخ الحديث القدسي : مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ * (سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري) شيء كبير بالتعبير العامي ، لمَّا تطلب العلم ، ولمَّا تنتزع من وقتك الثمين وقتًا لحضور مجالس العلم ، ولمَّا تنتزع من وقتك وقتًا لمعرفة الله ، ولمَّا تنتزع وقتًا ، من وقتك الثمين للدَّعوة إلى الله ، ولمَّا تنتزع وقتًا من وقتك الثمين لإصلاح ذات البين ، فهذا عمل عظيم ، كله مسجل . يقول أصحاب السِّيَر : فلنترك الكلام لعقبة بن عامر ليروي لنا قصته ، مع رسول الله صلى الله علية وسلَّم ، قال عقبة : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المدينة ، وأنا في غنيماتٍ لي أرعاها . فالواحد منّا أيها الإخوة ، لا يكون أسير دكانه ، وأسير تجارته ، وأسير معمله ، وأسير مهنته ، وأسير بيته ، قابعًا في البيت ، مستعدًّا أن يتخلّى عن أكبر طاعة ، وعن واجب ديني ، وعن عمل جليل ، وعن بطولة ، من أجل تلبية حاجة أهله ، أو مزاولة عمله ، فواجب الإنسان أكبر من بيته ، وأكبر من عملِهِ ، أكبر مِن كل شاغل ، والله عزَّ وجل يقول :( سورة المدثر )
يعني الله أعظم ، من أن تُشغل عنه .
فسيدنا عقبة بن عامر الجهني قال : قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، المدينة وأنا في غنيمات لي أرعاها ، فما إن تناهى إليَّ خبر قدومه صلّى الله عليه وسلّم ، حتى تركتُها ، ومضيت إليه ، لا ألوي على شيء ، إيمان جيد ، فلّما لقيته قلّت : يا رسول الله تبايعني ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : فمن أنت ؟ قلتُ : أنا عقبة بن عامر الجهني .
انظرْ إلى الأدب ، فقد سأله النّبي : من أنت ؟ والإنسان لا شك يحب أن يتعرف على إخوانه، أخ يداوم معه منذ ثماني سنوات ، لا يعرف اسمه ، لا ما عمله ، ولا كم مرة التقيت معه !! ألا يجب أن يكون بينكم تعارف ؟ أحياناً هذه المعرفة تثمر خيراً كبيراً ، من ثمراتها التواصل ، والتوادد والتعاون ، يرقى عند الله عزَّ وجل ، أحياناً يُعاوَن معاونة طيبة ، يرقى عند الله عزَّ وجل ، والتعارف من سنة رسول الله ، أمّا الفوضى ، أحضرْ وامشِ ، ليس لي علاقةٌ مع أحد ، هناك جامعات فيها نظام الاستماع ، وأيّ إنسان يتمكن أنْ يدخل هذه الجامعة حاليًّا ، يحضر ويدخل في شعبة الطب ، ويأخذ شهادة ؟ أما إذا كان اسمه موجودًا في السجلات ، يُعدُّ طالبًا نظاميًا ، ويصبح دكتورًا بعد ذلك .
الأخ المتفوق الذي له أعمال طيبة يحفظ اسمه مباشرةً ، أمّا الذي ليس له أي سيئة ، ولا حسنة ، وهو على الحياد ، فهذا قلما يذكره الإخوة الكرام إذا غاب ، أما بعضُ الإخوة إذا غاب درسًا واحدًا أحدث فراغًا ، فكنْ من هذا النوع ، إذا غِبتَ درساً تُحدِثُ فراغاً ، فلان لم يأتِ اليوم، فنحن أسرة متآخية ، فلِمَ ؟ اسألوا عنه . قال له : من أنت ؟ قال له : أنا عقبه بن عامر الجهني ، دققوا في هذا السؤال .. قال عليه الصلاة والسلام : أيُّما أحبُّ إليك ، تبايعني بيعةً أعرابيةً ، أو بيعة هجرةٍ ؟ أي أأنت تحب إسلامًا من بعيد ؟ لقد كنتَ في البادية فأتيتَ إلينا ، تحب أن تبايعني يا عقبة بيعة باديةٍ ، أعرابيةٍ ، أو بيعة هجرةٍ ؟ فهل ستعطينا شيئًا من وقتك ؟ وشيئًا من طاقتك ؟ وشيئًا من جهدك ، وتكون كلَّك لله عزَّ وجل ؟ كلّ وقتك ، وكل طاقتك، وكل إمكانياتك . قلت : بل بيعة هجرةٍ ، وهذه أعلى رتبةً ومنزلة وقربًا ، فبايعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما بايع عليه المهاجرين ، وأقمتُ معه ليلةً ، ثم مضيت إلى غنمي ، ليلة واحدة ، وكنا إثني عشر رجلاً مِمَّن أسلموا ، نقيم بعيداً عن المدينة ، لنرعى أغنامها في بوادينا ، فقال بعضنا لبعض: والله لا خير فينا ، إذا نحن لم نقدُم على رسول الله صلّى الله عليه وسلًم، يوماً بعد يوم، ليفقِّهنا في ديننا ، وليسمعنا ما ينزل عليه من وحي السماء ، فليمض كلَّ يومٍ واحدٌ منا إلى يثرب، وليترك غنمه لنا ، فنرعاها له .
والله ، هذا اتِّفاقٌ جميل ، لقد اتفق هؤلاء على أن يرسلوا كلَّ يومٍ واحداً منهم إلى النّبي عليه الصلاة والسلام ، ليستمع منه إلى وحي السماء ، ثم ليعود إلى أصحابه ، فيبلِّغهم ذلك . فقلت لهم : اذهبوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم واحداً بعد آخر ، وليترك لي الذاهب غنمه ، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي مِن أن أتركها لأحد .أي آثر غنماته على أن يذهب يومًا كل فترة إلى النّبي عليه الصلاة والسلام . حينما أخبر النّبيُّ عليه الصلاة والسلام سيدَنا الصديق أنه مهاجر ، سمح له أن يكون رفيقه، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينـَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ أَخْرِجْ مَنْ عِنْـدَكَ قـَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمـَا هُمـَا ابْنَتَايَ يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ قَالَ أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصُّحْبَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ فَخُذْ إِحْدَاهُمَا قَالَ قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ*(رواه البخاري)
فالإنسان في بعض أطوار إيمانه لا يستطيع أن يدع إخوانه المؤمنين أبداً ، حياته معهم ، المسجد بيته ، فهو في المسجد كالسمك في الماء ، فإذا خرج منه شعر بالضياع ، حتى الذهاب إلى النبي اعتذر عنه ، وقال : دعوني ، اذهبوا أنتم إلى مجلس النّبي الكريم واحداَ بعد آخر ، وليتركْ ليَّ الذاهب غنمه ، لأني كنت شديد الإشفاق على غُنيماتي ، لا أحب أن أتركها لأحد . ثم طفق أصحابي يغدون الواحد تلوَّ الآخر إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم ، ويترك لي غنمه أرعاها له ، فإذا جاء أخذت منه ما سمع ، وتلقيِّت عنه ما فقه ، لكنني ما لبثت أن رجعت إلى نفسي ، وقلت : ويحك ، أمن أجلُّ غنيماتٍ لا تسمن ، ولا تغني ، تفوِّت على نفسك صحبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ والأخذ عنه مشافهةً ، من غير واسطة ؟ ثم تخلّيت عن غنيماتي ، ومضيت إلى المدينة ، لأقيم في المسجد ، بجوار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . فالملازمة جزء أساسي من دين الإنسان ، والمتابعة ، والثبات ، والدوام ، أن تكون دوماً مع المؤمنين ، دوماً معهم في مهماتهم ، في دروسهم ، في أعيادهم ، في مسراتهم ، في مناشطهم ، أنت معهم دائماً ، أما أن يغيب الإنسان لمصالحه الشخصية ، ويؤثرها على الله ورسوله ، فهذا لا يغني ولا يشفي .
سيدنا عقبة بن عامر الجهني إنسان يرعى غنيمات في البادية ، ما مرتبته الاجتماعية ؟ راعي غنم ، وأعتقد أن أقل وظيفة في الأرض أن تكون راعي غنم ، اذهب إلى أطراف البادية فستجد راعي الغنم إنسانًا لا يملكُّ شيئاً من الدنيا ، لا ثقافة ، ولا علّم ، ولا إمكانيات ، يرعى الغنم ، لكن سيدنا عقبة بن عامر الجهني ، لما لازم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ولعلكم لا تصدقون ، قال : لم يكن يخطر على بال عقبة بن عامر الجهني حين اتخذ هذا القرار الحاسم الحازم ، راعي الغنم ، الذي آثر غنيماته في البادية على مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لما اتخذ قراراً حازماً حاسماً بملازمة النّبي عليه الصلاة والسلام ، مَن منكم يصدِّق ، أنه سيغدو بعد عقدٍ من الزمان - والعَقْد عشرُ سنوات - عالماً :
1ـ عالماً من أكابر علماء الصحابة .
2ـ قارئاً من شيوخ القرَّاء .
3ـ قائداً من قوَّاد الفتح .
4ـ والياً من ولاة الإسلام المعدودين .
ولم يخطر على باله مجرَّد التخيُّل وهو يتخلّى عن غنيماته ، ويمضي إلى الله ورسوله ، أنه سيكون في طليعة الجيش الذي يفتح دمشق ، هو الذي ساهم مع قيادة الجيش في فتح دمشق ، ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند باب توما ، دارُ هذا الصحابي الجليل ، عند باب توما، ولم يكن يتصور ، أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون مصر ، وأنه سيغدو والياً عليها ، ويتخذ لنفسه داراً في سفح جبلها المقطم ، كلُّ هذا كان بعد أن تخلّى عن غنيماته . دعْك مِن هذه الدكان ، الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه ، قال : من طلب العلم تكفَّل الله له برزقه .
قال : كان الحديث منعطفًا في حياتي ، وطلب العلم . الله عزَّ وجل أكرم الأكرمين ، إذا شغلك شيءٌ عن طلب العلم فدعْه ، ولا تقبلْ عملاً يحرمك من طلب العلم ، شرطوا عليك دوامًا إلى الساعة العاشرة ليلاً كلَّ يوم ، إذًا فلن تحضر أي درس، يقولون لك : أما أعجبك هذا الدوام ؟ لا ، إذًا مع السلامة ، وأنا لي الله الرازق ، ومَن بيده الخير، لا أحد يقبل عملاً يحرمه من كل دروس العلم ، فليس معقولاً ذلك . لا تسمح لزوجة ، أو لأيّ عمل مهما كان نوعه ؛ دكان ، معمل صغير ، مزرعة ، مدجنة، أن يستهلكك نهائيًّا ، فالعمر قصير مهما طال ، والأجل قريب ، وملّك الموت بالمرصاد ، فماذا قدَّمت ؟ واللهِ لا شيء ، هذه قاصمة الظهر .
والله أيها الإخوة ... موقف لا أنساه أبداً ، أخ كان يحضر بعض الأحيان ، بلَّغني ابنه أنه توفي ، رحمه الله ، فحضرتُ جنازته ، وقام أحد الدعاة فأبَّنه ، قال : أخوكم أبو فلان ، كان مؤذنًا ، ترحموا عليه ، كلمة واحدة ، لم يتمكن أن يتكلمَّ كلمة ثانية ، ولا كلمة ثالثة ، فلعله لم يجد إيجابيات أخرى لتأبينه ، فالإنسان يعمل عملاً في الدنيا ويتكلمون عند تأبينه عشر دقائق فقط، أو عشرين دقيقة ، أو نصف ساعة ، فأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، فماذا فعلت أنت ؟ حينما يوقفك ربنا عزَّ وجل بين يديه ، يقول لك : يا عبدي ماذا فعلت ؟ أين عملك ؟ أين جهادك ؟ أين طاعتك ؟ أين بذلُك ؟ أين تضحيتك ؟ فتجد ما قدَّمت . ولْنَعُدْ إلى عامر الجهني ، فقد غدا هذا الصحابي الجليل بعد أن صحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم عالماً من أكابر علماء الصحابة ، ثم قارئاً من شيوخ القرَّاء، وقائداً من قوَّاد الفتح ، ووالياً من ولاة الإسلام ، وهو الذي ساهم في فتح دمشق ، وصار والياً عليها ، وساهم في فتح مصر ، وصار والياً عليه ، لذلك هذا الحديث القدسي يجب أن يبقى في أذهانكم : مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ * ( سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري)
أنت تريد وأنا أريد .... :
ولْنستمع إلى هذا الحديث القدسي الآخر : " أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد ، كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " . مـَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ * ( سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري) " ابن آدم ، كن لي كما أريد ، ولا تعلمني بما يصلحك ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد " .أنت تعامل مَن ؟ تعامل خالق الكون ، هل يعجزه شيءٌ في السماوات و الأرض ؟. " ما ترك عبدٌ شيئاً لله ، إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه " .(ذكره ابن كثير في تفسيره لسورة النحل ، الآية 40-41 ، من قول مجاهد) " أوحى ربك إلى الدنيا ، أنه من خدمك فاستخدميه " .... يحرق نفسه ، ويعيش في الهمِّ ، ويموت في الهمِّ ، وضغوط ، وهموم لا نهاية لها ، فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها همًّا . " أوحى ربك إلى الدنيا ، أنه من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه " . بالتعبير الدارج ، " حوينتك " ، أيْ خسارتك كبيرة كبيرة أن تكون لغير الله عزَّ وجل ، " حوينتك " ، وتكون قد احتقرتَ نفسك ، حين تبيعها لغير الله عزَّ وجل ، وربنا عزَّ وجل يقول: ( سورة فاطر )