![]() |
|
#1
|
|||
|
|||
|
هذا بحث مختصر في إثبات رمضان بالحساب كتبه فضيلة الشيخ رياض بن راشد الرشود حفظه الله
وأحببت نشره في المنتدى للفائدة -------------------- الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ،، أما بعد: إن موضوع رؤية الهلال وبداية الشهور القمرية ترتبط به بعض المناسبات الإسلامية، وينبني عليه الكثير من الأحكام الفقهية التي يحتاجها المسلم فـي حياته، ولذلك فإن هذا الموضوع له أهمية كبرى فـي حياة المسلم، وكما نرى فـي الآونة الأخيرة احتدام النزاع فـي العالم الإسلامي عند نهاية شهر شعبان من كل سنة بشأن مشروعية الاستفادة من الحساب الفلكي فـي ثبوت شهر رمضان، فيبدأ النقاش بين المسلمين علماء وعامة، ويصبح لدى بعض المسلمين شك نحو البلاد الإسلامية الأخرى التي تخالف بلادهم فـي بداية الصوم، وتعظم المشكلة عند المسلمين فـي البلاد الغربية حيث إن معظم المسلمين فـي تلك البلاد من جنسيات مختلفة، وأصبح كل منهم يصوم ويفطر بناء على المتبع فـي بلده. فـي كل سنة يكثر الجدال والنقاش حول هذا الموضوع حتى يكون هو المحور الأساسي لوسائل الإعلام المرئي منها والمسموع، وإنه من المؤسف أن تجد من غير المختصين بل ومن غير المسلمين من يقحم نفسه فـي هذا الموضوع الفقهي الهام. لذلك كان لزاماً على طلبة العلم والمختصين بالدراسات الفقهية الإلمام بهذا الموضوع الهام، وأن يكون لهم الدور الفعال فـي مجتمعهم تجاه أحكام هذا الموضوع. والجدير بالذكر أن الكلام فـي هذه المسألة ليس وليد هذا العصر، فقد تكلم عنه الفقهاء المتقدمون كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن سريج والسبكي وغيرهم، فشيخ الإسلام تطرق لهذه المسألة فـي مواضع من: الاقتضاء ومجموع الفتاوى، وقد ألف بعض المتقدمين والمتأخرين حول هذه المسألة . وسوف يكون البحث ــ بإذن الله ـــ فـي هذه المسألة حسب الخطة التالية: المبحث الأول: موقف العلماء المتقدمين من الرؤية والحساب الفلكي. ·المطلب الأول: ثبوت شهر رمضان عند الفقهاء المتقدمين. ·المطلب الثاني: تحقيق القول فـي الاتجاه القائل بالاستفادة من نتائج الحساب الفلكي. المبحث الثاني: العلماء المعاصرون والحساب الفلكي. ·المطلب الأول: موقف العلماء المعاصرين. ·المطلب الثاني: الأدلة والمناقشات. ·المطلب الثالث: الترجيح. |
|
#2
|
|||
|
|||
|
المبحث الأول
موقف العلماء المتقدمين من الرؤية والحساب الفلكي المطلب الأول: ثبوت شهر رمضان عند الفقهاء المتقدمين: يقول ابن عابدين: "ولا عبرة بقول المؤقتين أي فـي وجوب الصوم على الناس ... ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه"( )، وصرح فـي موضع آخر: "وقد صرحت أئمة المذاهب الأربعة بأن الصحيح أنه لا عبرة برؤية الهلال نهاراً، وإنما العبرة برؤيته ليلاً وأنه لا عبرة بقول المنجمين"( ). وقد جاء فـي مختصر الشيخ خليل أنه لا يثبت دخول شهر رمضان بقول منجم( )، ويقول ابن الحاجب: "ولا يلتفت إلى حساب المنجمين وإن ركن إليه بعض البغداديين" ونُقل عن مالك: أن الإمام إذا كان يصوم بالحساب أو يفطر أنه لا يقتدى به( )، وقعد القرافـي لعدم الأخذ بالحساب قاعدة ذكرها فـي الفرق الثاني والمائة بين اعتماد الحاسب فـي أوقات الصلوات وعدم اعتماده فـي ثبوت الشهر بأن الله سبحانه ربط الصوم والفطر بالرؤية لا بالخروج من شعاع الشمس خروجاً يمكن من مشاهدته بينما أوقات الصلوات ربطها بزوال الشمس وبلوغ الظل وغروب الشمس ومغيب الشفق( ). وأما الشافعية: فإن شهر رمضان يثبت دخوله عندهم بالرؤية وتمام الشهر ثلاثين لا بقول منجم ولا حاسب، ذكر ابن حجر فـي شرح المنهاج قوله: "لا قول منجم أي لا يجب الصوم بقول المنجم وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره"، وذكر ابن عابدين فـي رسالته (تنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان) نقلاً عن الشافعية: أنه لا يجب بمعرفة منازل القمر لا على العارف بها ولا غيره( ). غير أن بعض علماء الشافعية كالسبكي خالف ما عليه جماعة المسلمين آنذاك وذهب إلى قبول قول علماء النجوم والحساب، وظهر مذهبه جلياً واضحاً عندما قال فـي رسالته (العلم المنشور فـي إثبات الشهور): "أجمع المسلمون فيما أظن على أنه لا حكم لما يقوله الحاسب من مفارقة الشمس إذا كان غير ممكن الرؤية لقربه منها، وإنما اختلفوا فيما إذا بعد عنها بحيث تمكن رؤيته وعلم ذلك بالحساب وكان هناك غيم يحول بيننا وبينه ... فأنا اختار فـي ذلك قول ابن سريج جواز الصوم بذلك لمن عرف الحساب فـي الجواز خاصة لا فـي الوجوب، وشرط اختياري للجواز حيث ينكشف من علم الحساب انكشافاً جلياً إمكانه ولا يحصل ذلك إلا لماهر فـي الصنعة والعلم"( ). وأما الحنابلة فقد نص ابن قدامة فـي المغني على أنه لا يجب الصوم إلا برؤية الهلال أو كمال شعبان ثلاثين يوماً( )، وقد نقل ابن عابدين فـي رسالته عن الحنابلة عند شرح باب صلاة الكسوف: (لا عبرة بقول المنجمين فـي كسوف ولا غيره مما يخبرون به، ولا يجوز عمل به؛ لأنه من الرجم بالغيب فلا يجوز تصديقهم فـي شيء من المغيبات( ). مما سبق يمكن القول بأن للفقهاء فـي هذه المسألة اتجاهين: الأول: أن شهر رمضان لا يثبت دخوله إلا بالرؤية أو بإتمام شعبان ثلاثين وهذا الاتجاه هو الذي سار عليه الأغلبية من فقهاء المذاهب الأربعة. الثاني: أنه يمكن الاستفادة من نتائج الحساب الفلكي فـي ثبوت دخول شهر رمضان، وهذا الاتجاه وإن كان مخالفاً لما عليه الأكثر من الفقهاء غير أنه فـي هذا العصر ينادي به الكثير من العلماء، وهذا الاتجاه يمثله بعض العلماء كابن سريج والسبكي وابن قتيبة ومحمد ابن مقاتل ومطرف بن عبدالله بن الشخير، وحُكي عن الشافعي. المطلب الثاني: تحقيق القول في الاتجاه القائل بالاستفادة من نتائج الحساب الفلكي: قرر ابن تيمية رحمه الله: أن الخلاف الحادث فـي الجواز ـــ أي جواز الاستفادة من الحساب الفلكي فـي ثبوت شهر رمضان ـــ مقيد بأمرين هما: حال الإغمام وللحاسب فقط لا يتعداه إلى غيره، فالأصل فـي خلاف ابن سريج أنه رأى الأخذ بالحساب جوازاً فـي حق الحاسب خاصة إذا غم الشهر ولم يره الراؤون وما سوى ذلك يبقى على الأصل فـي حكم الرؤية وقد حكى ابن سريج عن الشافعي هذا الاتجاه، ونقل حكايته بعض العلماء كابن رشد فـي بداية المجتهد وابن عبدالبر فـي التمهيد ولهذا قال ابن تيمية (وحكاه بعض المالكية عن الشافعي)، وحكاية ابن سريج عن الشافعي غلط كما قرره بعض علماء الشافعية، وأما مطرف بن عبدالله فلا يصح عنه ومحمد بن مقاتل ضعيف، وابن قتيبة ليس من أهل هذا الفن، وأما العلامة تقي الدين السبكي فقد انتصر لرأي ابن سريج للجواز لا للوجوب مقيداً ذلك بشرطين: 1- أن ينكشف الحساب جلياً من ماهر بالصنعة والعلم. 2- أن يكون الجواز فـي خصوص الصوم لا الفطر. |
|
#3
|
|||
|
|||
|
المبحث الثاني
العلماء المعاصرون والحساب الفلكي المطلب الأول: موقف العلماء المعاصرين: للعلماء المعاصرين تجاه هذه المسألة ثلاث اتجاهات هي على النحو التالي: الاتجاه الأول: عدم الأخذ بالحساب الفلكي، وأن شهر رمضان لا يثبت دخوله إلا بالرؤية أو بإتمام شعبان ثلاثين وإليه ذهب الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وبكر أبو زيد، وأبو بكر الجزائري، وحمود التويجري وغيرهم. الاتجاه الثاني: الأخذ بالحساب مطلقاً، وجواز ثبوت شهر رمضان بالحساب الفلكي، وإليه ذهب مصطفى الزرقاء، ومحمد المختار السلامي، ويوسف القرضاوي، ومحمد بخيت المطيعي، وأحمد شاكر. الاتجاه الثالث: التفصيل، فقد ذكر بعض العلماء تفصيلاً بخصوص هذه المسألة والذي يجدر ذكره أن الذين نهجوا منهج التفصيل قد اختلفوا عن بعضهم فيه، ومن الذين فصلوا: أ- محمد عبد اللطيف الفرفور حيث يرى أن الأصل فـي إثبات الأهلة الرؤية البصرية أو التلسكوبية من على ظهر الأرض، وإذا كانت السماء صحواً ولم ير الهلال فـي القطر كله لم نعمد إلى الحساب لوضوح الأمر وأما إذا كانت السماء غير صحو واحتمل الأمران: ولادة الهلال وعدمها ولم تحدث رؤية معتبرة، فعندها يؤخذ بقول الفلكيين وأصحاب الأرصاد الجوية ذوي الحسابات الدقيقة( ). ب- علي الطنطاوي: حيث يرى أن الحساب الفلكي قطعي والشهادة على الرؤية غير قطعية لورود التوهم والكذب عليها، فرأى الجمع بين العمل بحديث (صوموا لرؤيته) وبين حقائق علم الفلك على النحو التالي: أن يسأل علماء الفلك: هل يمكن أن يرى الهلال هذه الليلة؟ فإن قالوا: نعم، تحرينا رؤيته، فإن رأيناه أثبتنا دخول الشهر بالرؤية، وإن قالوا بأنه لا يمكن أن يرى رددنا شهادات الشهود( )، وبهذا نعرف أن هذا الرأي اعتمد الحساب الفلكي فـي النفي فقط، بمعنى أنه إذا جاء من يشهد برؤية الهلال، ودلّت الحسابات الفلكية على أن رؤية الهلال مستحيلة أو غير ممكنة فإن هذه الشهادة ترد، وإلى هذا الرأي ذهب عبدالله بن منيع ومحمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر، وهذا الرأي هو امتداد لرأي السبكي حيث ذكر فـي فتاواه: أن الحساب إذا نفى إمكانية الرؤية البصرية فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود. |
|
#4
|
|||
|
|||
|
المطلب الثاني: الأدلة والمناقشات:
* أدلة النافين للحساب الفلكي: 1- الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل دلالة صريحة على أن الشرع علق الأحكام التعبدية الشهرية على الأهلة بطريقتي اليقين: الرؤية أو الإكمال ومن ذلك: أ- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً) رواه الشيخان والنسائي( ). وفـي لفظ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عد\ة شعبان ثلاثين)( ). وفـي لفظ (فاقدروا له). وفـي لفظ (فاقدروا له ثلاثين). ب- حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، وفـي لفظ لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: (الشهر هكذا وهكذا) ثم عقد إبهامه فـي الثالثة (فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين) ( ). جـ- حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: (لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم ولا تصوموا حتى تروه ثم صوموا حتى تروه فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين) ( ) فهذه الأحاديث دلت على أن الشرع جعل علامة أول الشهر، الهلال لا غير وأن الشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديراً وأن وجوده حقيقة بالرؤية البصرية بالإهلال أو الإكمال. 2- المتمسكون بظاهر الرؤية لا يعتمدون الحساب، لأنهم يعتقدون أن الحساب الفلكي ليس وسيلة قطعية، بل لم يصل عندهم إلى مرتبة الظن، لأنه حدس وتخمين. 3- إجماع المسلمين على موجب النصوص المتقدمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم يقول شيخ الإسلام (إنا نعلم بالضرورة من دين الإسلام أن العمل فـي رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحساب ـــ أنه يرى أو لا يرى ـــ لا يجوز، والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي كثيرة وقد أجمع المسلمون عليه)( ). |
|
#5
|
|||
|
|||
|
مناقشة الأدلة السابقة:
أولاً: بالنسبة للأحاديث الواردة فيمكن مناقشة الاستدلال بها: بأنها ليست النصوص الوحيدة فـي الموضوع، بل هناك روايات أخرى ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم توضح علة أمره باعتماد رؤية الهلال البصرية، فقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام فـي الثالثة والشهر هكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين) ( ). فقد علل الرسول أمره باعتماد رؤية الهلال رؤية بصرية لبدء الصوم والإفطار بأنهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فما من سبيل لمعرفة حلول الشهر إلا رؤية الهلال، فالأمر باعتماد الرؤية ليس لأن الرؤية هي في ذاتها عبادة، أو أن فيها معنى التعبد، بل لأنها هي الوسيلة الممكنة الميسورة آنذاك لمعرفة بدء الشهر القمري لمن يكونون أميين، وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يمنع شرعاً أن يعتمد الحساب الفلكي اليقيني فـي حال معرفة هذا العلم معرفة تامة. ثانياً: يمكن مناقشة قول الفقهاء بأن الحساب حدس وتخمين ولا يجوز الأخذ به بالآتي: أ- أن الفقهاء الأوائل واجهوا مشكلة خطيرة فـي عصرهم وهي الارتباط الوثيق حينذاك بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم (علم الفلك) من جهة أخرى، فيبدو أن كثيراً من حسَّاب النجوم كانوا أيضاً يشتغلون بتلك الأمور الباطلة التي نهت عنها الشريعة أشد النهي، فكان للقول باعتماد الحساب فـي الأهلة مفسدتان: أنه ظني من باب الحدس والتخمين، والثانية وهي الأشد انسياق الناس إلى التعويل على أولائك المنجمين والعرافين، والمفسدة الثانية هي التفسير للنكير الشديد الذي أطلقه شيخ الإسلام على من يلجأون إلى حساب النجوم فـي إثبات الأهلة بدلاً من الرؤية، ولذا من يلاحظ بعض نصوص الفقهاء فـي النهي عن اعتبار الحساب تجد أنها مربوطة بلفظ التنجيم، باعتبار أن الحساب الفلكي لا يكون إلا من المنجمين( ). ب- أن الحساب الفلكي فـي العصور المتأخرة أصبح بمنزلة العلم القطعي، يقرر هذا فريق علماء جامعة الملك عبد العزيز ـــ قسم علوم الفلك ـــ حينما قدموا بحثاً فـي الدورة الثالثة لمجمع الفقه الإسلامي، وجاء فـي البحث: "مما يؤسف له أن يعتقد البعض بأن علم الفلك هو علم التنجيم،أو أنه يعتمد على الظن والتخمين فـي حساباته، والواقع أن علم الفلك مثل العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء، فهو يعتمد على أمور علمية محسوسة وعلى التجربة والمشاهدة ... وتطور العلوم والتقنية فـي مجال الفضاء أدى إلى التحقق فـي النظريات الفلكية، وأدت الأجهزة الحديثة إلى الوصول إلى مستويات عالية من الدقة فـي مراقبة وحسابات سير الكواكب والأجرام السماوية" وذكروا فـي موضع آخر: "الاعتماد على الحساب الفلكي اليوم جائز لا مانع منه شرعاً بعد أن وصل علم الفلك إلى ما وصل إليه من الدقة المدهشة واليقين المدعم بالشواهد والبراهين، وبذلك فنحن نعتقد بأن الحسابات الفلكية تحقق ما تحققه الرؤية بصورة أيسر وأبعد عن الخطأ مع بقاء الرؤية هي الأصل، بمعنى أنه إذا فقد هنا العلم بقيت الرؤية مستنداً فـي الحكم"( ). ثالثاً: يمكن مناقشة الاستدلال بالإجماع: بأنه من المعلوم فـي أصول الفقه أن أهل الإجماع إذا أجمعوا على شيء ولم يفصلوا، فلا يدل عدم تفصيلهم على بطلان التفصيل، لأن عدم التفصيل لا يدل على بطلان التفصيل، فعلم من ذلك أن التفصيل فـي المسألة جائز، ولا إشكال فيه، وبالتالي يمكن الأخذ بقول فيه تفصيل لا يناقض ما كان عليه الفقهاء المتقدمون( ). |
|
#6
|
|||
|
|||
|
* أدلة القائلين بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي:
1- قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن غم عليكم فاقدروا له) أي استدلوا عليه بمنازله وقدروه بحساب المنازل، وهو خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقوله صلى الله عليه وسلم (فأكملوا العدة) خطاب للعامة( ). 2- حديث (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ....) فالأمر باعتماد الرؤية جاء معللاً بعلة وهي: أن الأمة لا تكتب ولا تحسب، والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا وصلت الأمة إلى حال فـي معرفة هذا العلم باليقين فـي حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب فـي إثبات أوائل الشهور( ). 3- القياس على إثبات أوقات الصلوات بالحساب، فكما يجوز الأخذ بالحساب لمعرفة دخول وقت الصلاة وهي الركن الثاني من أركان الإسلام وشأنها أعظم من الصيام، جاز الأخذ بالحساب فـي ثبوت رمضان من باب أولى. 4- أن الأخذ بالحساب القطعي اليوم وسيلة لإثبات الشهور، يجب أن يقبل من باب قياس الأولى، بمعنى أن السنة شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدنى لما يحيط بها من الشك والاحتمال وهي الرؤية لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود، والخروج بالأمة من الاختلاف الشديد فـي تحديد بداية صيامها وفطرها( ). 5- أن أهل الشرع يرجعون إلى أهل الخبرة فـي كل حادثة، فهم يأخذون بقول أهل اللغة فـي معاني ألفاظ القرآن والحديث، وبقول الطبيب فـي إفطار شهر رمضان، فما الذي يمنع من بناء إكمال شعبان ورمضان وغيرها من الأشهر على الحساب والرجوع فـي ذلك إلى أهل الخبرة العارفين به إذا أشكل علينا الأمر( ). |
|
#7
|
|||
|
|||
|
مناقشة أدلة القائلين بجواز الاعتماد على الحساب الفلكي:
أولاً: نوقش الاستدلال بالحديث (فاقدروا له): أنه جاءت روايات صحيحة تفسر المراد بقوله (فاقدروا له)، فالذين رووا رواية (فاقدروا له) جاء عنهم (فاقدروا له ثلاثين يوماً)، وجاء فـي رواية أبي داود لحديث ابن عمر أن ابن عمر كان لا يأخذ بالحساب، فهذا تفسير منه لروايته (فاقدروا له) ( ). وأجيب عن ذلك: لا تنافـي بين الروايات، فالرواية (فأكملوا العدة ثلاثين) و(فاقدروا له ثلاثين) خطاب للعامة، ورواية (فاقدروا له) خطاب لمن خصه الله بعلم الحساب، فلا تنافـي بين الروايتين، بل هما فـي حالتين مختلفتين يعمل بكل منهما فـي حال( ). ثانياً: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ..) محض خبر لأمته: أنها لا تحتاج فـي أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب إذ هو إما (30) يوماً أو (29) يوماً، ومرد معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال، فهو خبر يتضمن نهياً عن الاعتماد على الكتاب والحساب فـي أمر الهلال، وفطم للأمة عن الاعتماد عليه، ولهذا نظائر فـي النصوص الخبرية كقوله عليه الصلاة والسلام (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)( ) فهذا خبر يفيد صفة المسلم متضمناً النهي عن إيذاء المسلم بلسان أو يد( ). ثالثاً: وأما القياس على الصلوات فقد بينه القرافـي بأن الله سبحانه ربط الصوم والفطر بالرؤية لا بالخروج من شعاع الشمس خروجاً يمكن من مشاهدته بينما أوقات الصلوات ربطها بزوال الشمس وبلوغ الظل وغروب الشمس ومغيب الشفق( )، بمعنى أن صلاة الفجر مثلاً ارتبطت بطلوع الفجر حقيقة، ولكن الصيام ارتبط برؤيتنا هلال الشهر الجديد، فلو طلع الفجر وجبت الصلاة ولو لم يره أحد، أما الصوم فلا يجب إلا إذا رأينا الهلال، فلو لم يره منا أحد لم يجب الصيام( ). رابعاً: وأما الرجوع إلى أهل الخبرة فهو قياس مع الفارق؛ لأن قول الطبيب فـي الفطر يخص شخصاً واحداً، وأما قول علماء الحساب فإنه يعم جماعة المسلمين. |
|
#8
|
|||
|
|||
|
دليل القائلين بالتفصيل:
أن الحساب الفلكي قطعي الثبوت نظراً إلى ما وصل إليه علم الحساب والفلك من الدقة والوثوق فـي نتائجهما، بينما الشهادة على الرؤية غير قطعية، فربما توهم الشاهد أو كذب، فإذا جاء من شهد برؤية الهلال ليلة السبت مثلاً، وأثبت دخول الشهر بشهادته، وصامت البلاد الإسلامية، ثم كسفت الشمس يوم السبت، تبين أن الشهادة متوهمة أو كاذبة قطعاً؛ لأن من المستحيل أن يرى هلال رمضان ليلة السبت ثم تكسف الشمس يوم السبت، وبالتالي يستفاد من الحساب الفلكي فـي النفي دون الإثبات جمعاً بين النصوص الشرعية والحسابات الفلكية( ). |
|
#9
|
|||
|
|||
|
المطلب الثالث: الترجيــــــح:
مما سبق يتضح لي ـــ والله تعالى أعلم ــ أن التوفيق بين الرؤية والحسابات الفلكية ضرورة لابد منها، فالقول بالرؤية مطلقاً إجحاف بالعلم وما وصل إليه من الدقة المدهشة واليقينية، ولم يكن الدين الإسلامي يوماً يعارض العلم القطعي اليقيني، بل يشجع ذلك ويحرص عليه، يتجلى ذلك فـي الكثير من النصوص القرآنية التي تدعو الناس للتفكر فـي خلق الله تعالى وبالأخص للتفكر فـي الكون والكواكب، يقول تعالى: الشمس والقمر بحسبان ويقول تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب وأخطأ من قال إن الظواهر الكونية القطعية الثابتة بالبراهين والمشاهدات تخالف النصوص الشرعية ذلك لأن الذي أبدع الكون وأنزل القرآن وأوحى إلى الرسول الكريم هو الله سبحانه، وهو سبحانه منزه عن وجود التناقض والاختلاف بين شرعه وخلقه. والقول باعتماد الحساب الفلكي مطلقاً إجحاف بالنصوص الشرعية الصحيحة وإهمال لها، وما كان المسلم يوماً يعرض عن النصوص الشرعية المأمور بإتباعها وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ويقول تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ولذلك فإن الباحث فـي هذه المسألة يتجاذبه أمران: الأول: النصوص الشرعية الصحيحة. الثاني: الحساب الفلكي القطعي. فالانسياق لأحد الأمرين وترك الآخر قدح فـي المسلم المأمور بإتباع النصوص والتفكر والعمل بالقطعيات. لذلك يتضح لي ــ والله تعالى أعلى وأحكم ـــ العمل بالحساب الفلكي فـي النفي دون الإثبات، وبهذا الرأي يبقى المسلم عاملاً ومطبقاً بالنصوص الشرعية وبما توصل إليه العلم القطعي اليقيني، ويسلم من الوقوع فـي الخطأ، وسبب الترجيح هو الآتي: 1- أن الحساب الفلكي قطعي، فقد تطورت العلوم عامة والعلوم الفلكية خاصة، وأتى بعدها غزو الفضاء الخارجي والذي أدى بدوره إلى ربط الحسابات الفلكية والمشاهدات والتوقعات مع الواقع الحقيقي والتأكد من دقة الحسابات رغم المسافات الشاسعة بين الكواكب والأجرام فأصبح بإمكان العلماء تحديد موقع ومكان الخسوف والكسوف قبل أعوام من حدوثها بدقة متناهية،وليس هذا من علم الغيب، بل من المغيبات التي وفق الإنسان لاكتشافها، فكل ما عرف واكتشف ليس بغيب، ألا ترى أن الحاسب إذا قال بناء على حسابه إن الخسوف والكسوف يقع ساعة كذا من يوم كذا وقع كما قال قطعاً ولا يتخلف، خصوصاً وأن مبنى الحساب على الأمور المحسوسة والمشاهدة. 2- المعروف أن الشهادة على الرؤية غير قطعية فربما توهم الشاهد أو كذب، والحساب الفلكي قطعي، فإذا قرر علماء الفلك أن غداً يستحيل أن يكون هو اليوم الأول من رمضان، فجاء من شهد بالرؤية، وجب على القاضي رده؛ لأنه من المعلوم أن واقع الحال إذا كان مكذباً للشهادة فلا يجوز الأخذ بها، لأن من شروط الشهادة أن تنفك عما يكذبها، فالحساب الفلكي إذا قرر استحالة دخول رمضان غداً لوجود كسوف علمنا قطعاً أن الشهادة غير صحيحة. 3- أن هذا الرأي فيه إعمال للنصوص الشرعية والحساب الفلكي، وهو أجدر من ترك العمل بالحساب كلية خصوصاً أنه لا يوجد فـي النصوص ما يدل على عدم الأخذ بالحساب. 4- جاء عن شيخ الإسلام فـي مسألة اختلاف المطالع: (إن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب فإنه متى رؤي فـي المشرق وجب أن يرى فـي المغرب ولا ينعكس لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان قد رؤي ازداد بالمغرب نوراً وبعداً عن الشمس وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق بالرؤية)( ) أنه إذا رئي الهلال فـي بلد ما، فإنه يجب الصوم على أهل البلد الذي رئي فيه الهلال والبلاد التي تقع عنه غرباً، بمعنى أن الهلال إذا رئي فـي مصر فيجب الصوم على أهل مصر وجميع الدول الواقعة غرباً عن مصر، لأن الهلال إذا خرج على أهل مصر، فإنه منطقياً وفلكياً سيخرج على البلاد الواقعة غرباً عنها، وهذا الرأي قد رجحه الكثير من العلماء، وبالتالي إذا وجد غيم على المغرب العربي وقد رئي الهلال فـي مصر، فإنه بموجب هذا الرأي يجب الصوم على أهل المغرب وإن لم يروا الهلال، فعلى أي أساس كان الصوم واجباً على أهل المغرب مع أنهم لم يروا الهلال؟ الجواب: أنه فلكياً وحسابياً ما دام أن الهلال خرج فـي بلد فإنه حتماً سيخرج على البلاد الواقعة عنه غرباً، وبالتالي يمكن أن أقول: إن شيخ الإسلام مع أنه لا يرى الحساب وشنع على من أخذ به، فإن رأيه هذا فـي مسألة اختلاف المطالع يدل على أنه يعمل بالحساب حالة كونه قطعياً، وفـي عصرنا هذا صار الحساب الفلكي قطعياً، ولذا فإنه يجوز العمل بالحساب الفلكي. مما سبق يبرز جلياً أن التوفيق بين الرؤية والحسابات الفلكية ضرورة لابد منها، فكيف نقبل شهادة شخص برؤية الهلال ونحن نعلم قطعاً أن القمر قد غاب قبل الشمس، وبناء على ذلك: أ- فإذا قرر علماء الفلك استحالة كون غد مثلاً من رمضان، لحصول كسوف أو أن القمر يسبق الشمس غروباً، فإنا نرد شهادة الشهود على الرؤية. ب- وإذا قرروا أن غداً هو الأول من رمضان، تحرينا رؤيته ولا نصوم إلا بالرؤية، فإن وجد فـي ذلك اليوم غيم أو غبار صمنا إن رئي الهلال فـي البلاد الواقعة عنا شرقاً، لأنه قطعاً سيخرج علينا وإن كان الجو صحواً ولم ير الهلال فلا صيام حتى يرى الهلال. وعند التأمل نجد أن العمل بالحساب الفلكي فـي النفي هو من باب معرفة دخول وقت تحري رؤية الهلال بمعنى أن الحساب الفلكي لا يثبت به دخول الشهر وإنما نعرف به بدء وقت تحري الرؤية، فإذا قرر علماء الفلك أن غداً ليس من رمضان، فالتحري هذه الليلة لا وجه له لعدم دخول وقت التحري، وإذا قرروا أن غداً من رمضان فإنه إعلام منهم ببدء وقت التحري للرؤية. والله تعالى أعلم. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد ،،، |
|
#10
|
|||
|
|||
|
بارك الله فيك أخي راشد وجزاك الله كل خير على هذا البحث القيم
وأرجو منك أن تقوم بنشره في مكتبة صيد الفوائد مثلا أو المشكاة حتى يتمكن أكبر قدر ممكن من طلبة العلم من الاستفادة منه ولا تكتفي مستقبلا في النشر في المنتديات فالمطلعون فيها قليل والمشاركات معدومة ومع الوقت يتأخر ترتيبه ويحول للأرشيف أدخل نسخة في المنتديات وأرسل نسخا لمكتبات الكترونية لتحتفظ به في متناول الجميع وبارك الله فيك |
|
#11
|
|||
|
|||
|
جزاك الله خيرا أخي محمود محمود ورفع قدرك
ولعل ما ذكرت يكون بإذن الله. |
|
#12
|
|||
|
|||
|
لماذا لم يتعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحساب الفلكي ويعملوا به ويجبروا الأمة على العمل به ؟
هل عبّدنا اللهُ بالرؤية أم بالحساب الفلكي ؟ لماذا لانقف حيث وقف القوم ؟ |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| مختصر , بالحساب , بحث , دخول , رمضان , شهر , إثبات |
| أدوات الموضوع | |
|
|