ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-10-09, 10:21 AM
مؤسسة ابن جبرين الخيرية مؤسسة ابن جبرين الخيرية غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-02-09
المشاركات: 525
Post "خُلق النبي صلى الله عليه وسلم" للشيخ عبدالله ابن جبرين رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم
خُلق النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد...
فإن الله سبحانه وتعالى اختار محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبعثه إلى هذه الأمة وقد اخبر تعالى بأنه يخلق ما يشاء ويختار فمن اختياره لهذا النبي انه جبل على أحسن الأخلاق كما قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍالقلم:4، وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القران"، يتأدب بآدابه ويمتثل أوامره وينتهي عن زواجره ويتبع إرشاداته.
وحيث إنه صلى الله عليه وسلم قدوة لأمته في هذه الأخلاق فإنه يجب على المسلمين أن يعرفوا أخلاقه ومعاملته للناس حتى يتأسوا به كما قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي قدوة حسنة تتبعونه فيها وكذلك أمر الله بإتباعه في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْآل عمران:31، ذكر العلماء أن هذه الآية تسمى آية المحنة، فكل من يدعي أنه يحب النبي صلى الله عليه وسلم فان عليه أن يقتدي به ويتأدب بآدابه ويتبع ما كان يعمله وما كان يتأدب به، وهكذا قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ المائدة:158، الاتباع هو الاقتداء بآثاره وبأعماله وبسيرته وبما كان عليه.
وقد كتب العلماء قديمًا وحديثًا في سيرته صلى الله عليه وسلم وبما كان يتعامل به، وتوسع الأولون في السيرة النبوية كما فعل ابن إسحاق ومن جاء بعده في كتابة السيرة النبوية وما فيها من العبر وما فيها من الصبر ونحو ذلك، وكذلك أيضًا كتبوا في أعماله وما كان يتبعه، كما ألف الترمذي كتاب شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وكتب ابن القيم رحمه الله كتابه الكبير: (زاد المعاد في هدي خير العباد)، وتوسعوا في ذلك.
وحيث إن من أعماله معاملته للناس المسلمين والمشركين واليهود وغيرهم قبل النبوة وبعدها فان معرفة ذلك مما يهم المسلم ليحصل له الاقتداء بالنبي صلى اله عليه وسلم في ذلك وفي هذه الورقات شيء مما يتعلق بمعاملته للناس مما جبل عليه، فإنه صلى الله عليه وسلم جبل على أتم الأخلاق وأحسنها حتى قبل النبوة وكذلك بعدها فنكتب في ذلك بحسب ما تتم الحاجة والضرورة إليه

خلق النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة:

لا شك أن الله تعالى أنشأه نشأة صالحة، حيث اختاره لحمل النبوة ولحمل الرسالة ولتبليغ هذه الشريعة، وهذه الجبلة وهذا الخُلُق أدى به إلى أن يشتهر بين أهل مكة بالصدق والأمانة، فكانوا يسمونه الأمين، وكانوا يودعون عنده ودائع وأمانات لأجل أن يحفظها، وهذا اسم شريف يدل على رفعة له كما أن الله تعالى اختار له الاسم الحسن الذي هو "محمد"، فإنه سمي به لكثرة خصاله الحميدة هذا من أمانته بحيث كثُرت عنده الودائع والأمانات التي يودعها عنده أهل مكة، ولذلك لما هاجر وكل عليًا رضي الله عنه ليؤدي ما عنده من الأمانات والودائع إلى أهلها وهو يعرفهم، مع أنهم من أهل مكة هذا من اختيار الله له حيث جعله أمينا على هذه الودائع ونحوها وبذلك يكون أهلاً لحمل الرسالة ولأدائها كما أمر، فقد بلغ الرسالة التي أرسل بها وذلك من أمانته كما أمره الله بقوله: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ المائدة:67.
فبلغ كل شي أمر به وما كتم منه شيئًا حتى ما يختص به مما قد يكون فيه شي من العتاب، مثل قوله تعالى في قصة زيد: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَالأحزاب:37. يعني عندما أمره بأن يمسك زوجته مع أن الحكمة تقتضي انه يطلقها حتى ينكحها النبي صلى الله عليه وسلم قطعا لما كان عليه أهل الجاهلية ولذلك قال تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْالأحزاب:37. ولذلك عاتبه الله بقوله: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فتقول عائشة: "لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من الوحيين لكتم هذه الآية".
وكذلك قوله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُالإسراء:73. هذه الآية أيضا فيها شيئًا من الإنكار عليه ولكنه بينها وقرأها للناس وكتبت مع أن الله تعالى حماه أن يفتنوه عن شي من الوحي الذي أنزل عليه ومثلها أول سورة عبس في قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى عبس:1-2. لما جاءه ابن أم مكتوم وكان عنده بعض أكابر قريش وطمع في إيمانهم فلم يلتفت إلى ابن أم مكتوم وهو لا يعلم فعاتبه الله في هذه الآية ولم يكتمها فكل ذلك دليل على أمانته حيث كان أمينا في الجاهلية وكذلك أمينا على وحي الله سبحانه.

قصة بناء قريش الكعبة ووضع الحجر الأسود:

في حدود سنة خمس وثلاثين بعد قصة الفيل عزمت قريش على بناء الكعبة وكانت قد انهدمت وكان الناس يطوفون حولها وهي منهدمة اشترك معهم النبي صلى الله عليه وسلم في بنائها وكانوا ينقلون الحجارة وهم عراة يضع أحدهم إزاره على منكبه لحمل الحجارة اشترك معهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له العباس: "اخلع إزارك وضعه على كتفك ليقيك الحجارة" ولما خلعه وبدت عورته سقط مغمًا عليه حماية له عن إبداء عورته ولما أفاق قال: "إزاري إزاري" ولم يرى بعد ذلك كاشفًا عورته.
ولما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا أيهم يضعه في موضعه ثم قالوا: "نحكم أول من يدخل علينا" فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من دخل عليهم فرضوا به حكما فأمرهم أن يضعوا الحجر على ثوب وان يحمله من كل قبيلة واحد يحمل بزاوية من زواياه الأربع وأخذه بيديه الكريمتين ووضعه في موضعه وهذا أيضا مما اختاره الله تعالى له لا شك أن ذلك كله دليل على ما جبله الله علية من هذه الأخلاق الكريمة.

ملامح من أخلاقه صلى الله عليه وسلم
:

ولما قرب وقت إنزال الوحي عليه بدا بالرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكان يخلوا في غار حراء و يتزود لذلك، وجاءه الحق وهو بغار حراء ونزل عليه أول ما نزل قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ العلق:1. ثم بعد ذلك فتر الوحي مدة ثم نزل عليه بعد ذلك أول سورة المدثر، فامتثل ما أمر به فقام بالدعوة إلى الله بعد الوحي، فكان ينذر الناس ويدعوهم ولكن لا يشدد عليهم حتى لا ينفروا من دعوته، فمن ذلك أنه رقى مرة على الصفا ورفع صوته بقوله: "وا صباحاه" وجاء عنده أهل مكة وحظروا عنده فضرب لهم مثلا قال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الجبل تصبحكم أو تمسيكم أكنتم مصدقي" قالوا: "ما جربنا عليك كذبا"فقال لهم : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" هذا من أسلوبه الحسن يدعو به الناس.
كذلك في موضع آخر قال لهم: "إنما أريد منكم كلمة تملكون بها العرب وتدينون بها العجم" قالوا: "نعطيكها وعشرا" فقال: "قولوا لا اله إلى الله" فثقلت عليهم وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداًص:5، فهذا أيضا من خلقه وتعامله معهم لأجل أن يقبلوا دعوته بضرب هذه الأمثال.
ثم كان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في الموسم على القبائل، ففي السنن أنه كان يعرض نفسه على كل قبيلة من قبائل العرب الذين كانوا يتوافدون في موسم الحج ويقول: "من يجيرني حتى أبلغ كلام ربي" يعني القران، وكان يمشي عليهم ويدعوهم إلى التوحيد يدعوهم إلى كلمة التوحيد، ولكن كان ممن عارضه عمه أبو لهب لعنه الله، فكان يحذر الناس منه، ولكن من ركن إلى قوله واطمأن إليه عرف صحة ما يدعو إليه، هكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الناس.
وعندما كان أهل مكة يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، كان يقول لهم إذا قالوا: لبيك لا شريك لك، يقول: "قعد قعد" أي قفوا هاهنا فإن هذا هو الصحيح فإن الله لا شريك له فلا تزيدوا عليها فتفسدوا توحيدكم، فلا يستجيبون له إلا من هداه الله ويعرفون أن ما قاله صحيح وذلك لأنهم يقرون أن الله تعالى هو الخالق الرازق كما في قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ61العنكبوت. ولكنهم يدعون أن آلهتهم التي يدعونها تنفعهم وتشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى فيدعوهم بالتي هي أحسن، فقد كان يعرض دعوته بلطف ولين على بعض الأفراد يعمل بقول الله تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النحل:125. فيعرض عليهم الدعوة بهذا الأسلوب ولا شك انه مؤثر وقد تكلم العلماء على هذه الآية وبينوا الحكمة والموعظة والمجادلة وتوسعوا في ذلك ولنا رسالة في الدعوة إلى الله تعالى مطبوعة في أساليب الدعوة .
واستجاب لدعوته أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وكان قد صحبه واطلع على صحة نبوته واطلع على أخلاقه ورأى بعض الآيات والمعجزات التي حصلت له، فعند ذلك استجاب له وصدقه ونزل في ذلك قوله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِه الزمر:33 الذي صدق به هو أبو بكر، وكان أبو بكر رضي الله عنه له أيضا أسلوب حسن فكان يدعو بعض الصحابة الذين يعرف قربهم من التقبل، فأسلم بدعوته الكثير من الصحابة هكذا كان أسلوبه وكان هؤلاء الذين استجابوا لدعوته وقبلوا منه، وكانوا بعد ذلك مساعدين له بالدعوة.
ومع ذلك كان يعامل المشركين بالمعاملة الحسنة خصوصا إذا كان لهم قرابة، كأبي طالب حيث كان يحرص على إسلامه ويدعوه ويبين له، ولما حضرته الوفاة عرض عليه الشهادة وقال: "قل لا اله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" ولكن كان عنده جلساء سوء صرفوه عن قبولها وقالوا: "أترغب عن ملة عبدالمطلب" فكان آخر ما قاله: هو على ملة عبد الطلب ونزل قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَالقصص:56. وكان التزم أن يستغفر له حتى نهاه الله بقوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى التوبة:113.
أما بقية أهله وأقاربه فانه قد اهتدى منهم كثير كعمه حمزة رضي الله عنه وكذلك ابن عمه علي بن أبي طالب وكان صغيرا في حجره، وكذلك ابن عمه جعفر وغيرهم.
هكذا كانت معاملته وكانت دعوته لهم ثم أذن الله تعالى له بالهجرة إلى المدينة وذلك بعد أن عرض دعوته على حجاج أهل المدينة ولما عرضها عليهم عرفوا صدقه، وكانوا يسمعون من اليهود أن هذا زمن نبي سوف يخرج قريبًا، وأنه يدعو إلى التوحيد، وأن من علاماته كذا وكذا، فأسرعوا إلى قبوله وإلى قبول دعوته، فبايعوه والتزموا أنه إذا هاجر إليهم ينصرونه مما ينصرون منه آبائهم وأبنائهم وأقاربهم، وتمت دعوته إلى الهجرة.
هكذا كانت مبادئ دعوته ومبادئ أخلاقه حيث كانوا يتخلقون بالأخلاق الحسنة التي تدل على ما كان عليه النبي صلى الله عيه وسلم، ولما قدم المدينة كان بها ثلاث قبائل من اليهود، ولم يسلموا فدعاهم وبين لهم، ولكن لم يسلموا حسدًا وبغيًا كما ذكر الله تعالى بقوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه النساء:54 ومع ذلك عاهدهم وأكد معهم العهد على ألا ينقضوا العهد، فنقضوا العهد كان أول من نقض بنو قينقاع ثم بنو النضير ثم بنو قريظة فأجلى بني قينقاع والنضير وقتل بني قريظة ، ثم كان أيضا أهل خيبر على عهد ولما نقضوا العهد أو انتهت مدته غزاهم ، وفتح خيبر وأبقاهم فيها كعمال ولهم شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، وكذلك أيضا عاهد قريش في الحديبية وأوفى لهم بعهدهم مع كراهة المسلمين لبعض فقرات تلك المعاهدة التي جاء فيها أن من جاء مسلما فإنه يرد عليهم وان كان مسلما ومع ذلك أوفى لهم بهذا العهد وهذا دليل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الوفاء بالعهود وقد جعل إخلاف الوعد ونقض العهد من سمات المنافقين هذه حالته مع الكفار من المشركين واليهود.
أما حالته مع المسلمين فإنه كان رفيقا بهم كما وصفه الله بقوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يونس:128 هذه صفته أنه منهم من أنفسهم وأنه يشق عليه الشيء الذي يعنتهم ويكلفهم وأنه حريص على هدايتهم وأنه رؤوف بهم ورحيم بهم لا يحب شيئا يشق عليهم بل يرفق بهم مهما استطاع فمن ذلك أنه رفق بأصحابه كثيرًا، فلما سافروا لغزوة الفتح وصاموا في رمضان شكي إليه لما قرب من مكة أن الناس قد شق عليهم الصيام فأفطر وأمرهم بالفطر وأكد ذلك عليهم ليكون ذلك علامة على أنه رفق بهم وكذلك أيضا كان يرفق بهم في أسفاره بحيث أنه لا يكلفهم الشيء الذي يشق عليهم، والشيء الذي يطيقونه كأن يسري بهم إلى نصف الليل أو نحو ذلك، فإن هذا مما يطيقونه وهو قدوتهم فيصبرون على ما يصبر عليه.
وكان أيضا ينبسط مع أصحابه رضي لله عنهم يقول جرير رضي الله عنه: "ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت وما رآني إلا تبسم" يدل على محبته له وأنه لم يحجبه عن الدخول عليه هذا أيضا من رفقه بأصحابه رضي الله عنهم، كذلك كان يجلس معهم بعد صلاة الصبح إلى أن تشرق الشمس يحضرون معه يتناشدون الشعر ويذكرون حالاتهم في الجاهلية قبل الإسلام ويقرهم على ذلك ويضحكون، ولكنه يتبسم – كان أكثر ضحكه تبسمًا – وإن كان قد روي عنه في بعض الأحيان أنه يضحك إذا رأى شيئًا يعجبه يقولون فيه : "ضحك حتى بدت نواجذه".
كذلك من رفقه ما حصل لذلك الأعرابي الذي بال في المسجد ولما أنكر عليه الصحابة منعهم وقال: "دعوه فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ثم دعاه وعلمه أن هذه المساجد لا يصلح فيها شي من هذا البول ونحوه إنها للصلاة والذكر وقراءة القران وأمر أن يطهر بوله كما هو معروف ، وكذلك كان أيضا يتوسع مع بعض أصحابه وبالأخص مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكان يخرج معهما ويدخل معهما كما شهد بذلك علي رضي الله عنه يقول: "إني كثيرا ما كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول خرجت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وجلست أنا وأبو بكر وعمر" كان مرة جالسًا في بيته وقد توسع فأخرج بعض فخذيه دخل عليه أبو بكر فبقي كذلك ثم عمر ولما دخل عليه عثمان رضي الله عنه ستر فخذيه وركبتيه فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"، هكذا يحب أن يتوسع مع بعض أصحابه.
ونقل أبو موسى رضي الله عنه قصة دخوله ذلك الحش، ثم لما دخل وقضى حاجته جلس على شفير البئر وأدلى رجليه وقام أبو موسى كبواب له ، فاستأذن أبو بكر ثم عمر فأمره أن يأذن لهما وجلسا إلى جانبيه ثم استأذن عثمان رضي الله عنه وجلس مقابلا لهم في الجانب الثاني يقول الراوي فأولت ذلك قبورهم، هذا أيضًا من توسعه مع أصحابه.
وكان إذا بعثهم للدعوة يوصيهم فيقول لأبي موسى ومن معه كعمار وسلمان ومن معهم: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا" لأن في ذلك ما يبين خصال الإسلام وما عليه المسلمون لتكون هذه المعاملة داعية للناس إلى اعتناق دين الإسلام وعدم الخروج منه هكذا كان يوصيهم بهذه المعاملة.
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه مما علمه الله فكان يجلس في المسجد في الضحى في ظل مسجده أو بيته ولا يزال كذلك يتوافد إليه صحابته ويتحلقون عنده يحدثهم ويقرأ عليهم القران ويخبرهم بما نزل ويعلمهم، وهم كذلك يتلقون ما يأخذون عنه ويصبر على ذلك ولو طال المجلس كساعتين أو خمس ساعات أو نحو ذلك حتى تدركهم الشمس، وكل ذلك من حرصه على معاملته لأصحابه بما يكون سببًا في تقبلهم وثباتهم على الإسلام.
وكان أيضا عليه الصلاة والسلام يرفق حتى بغير المسلمين ولا يشدد عليهم ففي الصحيحين عن عائشة رضي اله عنها قالت: دخل قوم من اليهود فقالوا: السام عليكم فقال: "وعليكم" فقالت عائشة رضي الله عنها: بل السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فأنكر عليها وقال: "مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش" قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: "أولم تسمعي ما قلت ردوا علينا فرددنا عليهم فيستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا" مع أنه نهى عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وقال: "إنهم يقولون السام عليكم" يعني يدعون بالسام الذي هو الموت هذا كان يدل على حقدهم على المسلمين، ولكن مع ذلك لم يرد عليهم ردًا شديدًا وإنما يقول: "عليكم" أو "وعليكم" مما يدل على حسن معاملته صلى الله عليه وسلم للناس ولو لم يكونوا من المسلمين، كاليهود والمعاهدين ونحو ذلك.
كذلك كان يمازح أصحابه ويقول حق، قيل يا رسول الله: إنك تمازح فقال: "إني لا أقول إلا حقا" وقد ذكر العلماء لذلك أمثلة ذكر صاحب مشكاة المصابيح أحاديث في ذلك فمنها أحاديث أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا ويقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير ما فعل النغير" وكان لذلك الغلام نغير يلعب به – أي طير – فمات، فهذا أيضًا من مزاحه على ذلك الطفل ليقربه وليمزح معه، وذكر أن رجلاً قال: يا رسول الله احملني فقال: "أحملك على ولد الناقة" فقال لا يطيقني وفي رواية: ماذا أفعل بولد الناقة فقال: الحاضرون وهل الجمل إلا ولد الناقة؟ وفي رواية: وهل تلد الإبل إلا النوق؟ هكذا كان معه مثل هذه الممازحة، كذلك جاءته امرأة كبيرة السن فقالت: ادعوا الله أن يدخلني الجنة فقال: "إنه لا يدخل الجنة عجوز" فبكت لذلك فقال: "اخبروها أن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراًالواقعة:36.35. أي أنهن في الآخرة يرجعن فتيات وأبكارًا ولا تبقى كبيرة السن، وكذلك أيضا الرجال كما ورد في بعض الأحاديث ، وذكروا أيضًا قصته مع أعرابي يقال له زاهر لما جاءهمرة وهو يبيع متاعًا له في السوق، فاحتضنه من ورائه، ولما عرف النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلصق ظهره ببطن النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: "من يشتري العبد" فقال: إذا تجدني كاسدا، فقال : "لكنك عند الله لست بكاسد" كان يقول: "زاهر باديتنا ونحن حاضرته" أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، وجاءته امرأة ذكرت له زوجها فقال: "زوجك الذي في عينيه بياض" فأنكرت ذلك ولما جاءته فقالت: هل في عينيك بياض؟ فقال: وهل أحد إلا في عينيه بياض وسواد؟، هذا من جميل مزاحه ولكنه لا يقول إلا حقا.
وكان الصحابة يتسابقون إلى مجلسه ويحرصون أن يقابلوه، إذا انصرف من الصلاة انصرف غالبا على جانبه الأيمن، فكانوا يحبون أن يكونوا في الصف الأيمن ليقابلهم بوجهه، وأنه أحيانا ينصرف على وجهه الأيسر، هذا من جملة محبة الصحابة له ونظرهم إليه، وكان إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر هكذا ذكر الصحابة عنه، وكذلك ذكروا أنه ما غضب لنفسه ما غضب إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت يغضب لله تعالى لا يغضب لنفسه كذلك كانت حالته عليه الصلاة والسلام.
وذكروا أنه ما ضرب خادمًا ولا زوجة ولا أحد إلا أن يقاتل في سبيل الله، لما أمره الله تعالى بالجهاد صبر على ذلك وحث أصحابه بالجهاد ورغبهم فيه وكان يقول: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما عليها" هكذا كان يخرج معهم بنفسه وقد يتوسط صفوف القتال كما فعل في غزوة حنين لما أن الكثير منهم هربوا وانصرفوا ثبت وجعل يقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد الطلب" يشهر بنفسه ثم أمره الله تعالى فحذفهم بحصيات في يمينه وقال: "شاهت الوجوه" فما زال يضعف أمرهم إلى أن انهزموا، كذلك صبره في غزوة أحد مع أن المشركين يحاولون أن يقتلوه، ومع ذلك حصل أن بعضهم كسر رباعيته وشجه في وجهه آخر وهشمت المغفر عليه ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجننته ومع ذلك صبر.
وكان صلى الله عليه وسلم يتواضع مع أصحابه لا يترفع عليهم فكان إذا جاء وقاموا له نهاهم أن يقوموا له من باب التواضع، وكذلك أيضًا يجلس على التراب، ولما استنكر ذلك بعضهم قال: "اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في جملة المساكين" ولما جاء أعرابي وهابه لما قيل هذا النبي صلى الله عليه وسلم تواضع وقال له: "إني ابن امرأة من قريش تأكل القديد" أي هذا من تواضعه ، كذلك أيضا لما جاء مرة وأرادوا أن يجلسوه على فراش ونحوه جلس على الأرض من باب تواضعه يجلس على التراب.
وقد يكرم بعض أصحابه إذا قدم عليه في منزله جاء بوسادة حشوها ليف وأجلس الزائر عليها من باب تكريمه له، كان صلى الله عليه وسلم يحرص على إكرام مزاره ورفع مكانته بقدر الاستطاعة، وكان يمشي معهم متواضع دون أن يتميز أو يترفع عنهم بشي، ويأكل أيضا مع زوجاته تذكر عائشة أنها تشرب من القدح فيأخذه ويشرب بل يضع فمه موضع فمها وتتعرق من العظم أي تنهس منه بأسنانها ويأخذه بعدها ويتعرق ويضع أسنانه موضع أسنانها، وكذلك كان يأكل معه ربيبه الذي هو عمر ابن أبي سلمة فأدبه يقول لما رأى يده تطيش في الصفحة قال: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" يقول رضي الله عنه "فما زالت تلك طعمتي" أي تأدب بذلك والتزم بهذا الإرشاد النبوي، ولما زار مرة أو زاره يهودي وقدم له خبزا وفيه شيا من الدباء الذي هو القرع جعل يتتبع الدباء وجعل أنس يجمعه إليه فيقول انس "ما زلت أحب الدباء من يومئذ" تواضع لأنه يجيب دعوة ذلك الذي دعاه ولو لم يكن على دينه.
وكذلك أيضا لما دعته مليكة التي هي جدة أنس لطعام صنعته لم يتكبر بل أجابها وأكل من طعامها ثم أراد أن يكافئهم فقال: "قوموا لأصلي بكم" فصلى بهم على حصير فقام أنس وغلام يتيم معه يعني قد بلغ خلفه وقامت العجوز خلفهم وصلى بهم ركعتين كان ذلك ليؤنس أصحابه ويعاملهم هذه المعاملة الحسنة .
كان أهله وزوجاته قد يشتكين من قلة النفقة، لكنه مع ذلك يحثهن على الصبر إلى أن ييسر الله، ومع ذلك لم يكن يدخر لنفسه شيئًا بل كان يعيش عيشة الفقراء ويتحمل ذلك، ويمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، إنما هما الأسودان التمر والماء، وحتى لما جاءه المال الكثير الذي قيل إنه تسعون ألف درهم من خراج البحرين أو جزيته نثره على بساط أو على ثوب وجاء الناس وجعل يحثوا لهم ويعطيهم، ولم يقم حتى فرقه ولم يدخر لنفسه شيئًا كل ذلك دليل على زهده في الدنيا وتقشفه وعدم توسعه، عملاً بقول الله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا أي لا تغبط الذين انبسطوا في الدنيا وتوسعوا فيها، هكذا كانت حالته، ولما أن بعض زوجاته أسأن صحبته أو عملن معه عملاً فيه شيء من الخشونة أو الشدة، آلى ألا يدخل عليهن شهرًا واعتزل في مشربة له وظن بعض الناس أنه قد طلقهن، وجاء إليه عمر رضي الله عنه وصعد إليه في تلك المشربة أي الغرفة يقول: "فما رأيت ما يرد بصري إلا ثلاثة أهب" جمع إيهاب وهي الجلود التي لم تدبغ وجلس على حصير قد أثر الحصير في جنبه فدمعت عينا عمر رضي الله عنه وقال: "يا رسول الله فارس والروم قد بسطت عليهم الدنيا وأنت رسول الله" فقال: "أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم" فزهده وأخبره بأن هذه الدنيا إنما هي متاع، مما يدل على تقشفه وزهده وعدم التكلف في المأكل والمشرب ونحو ذلك.
وكان أيضا لا يعيب طعامًا أيا كان ذلك الطعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه، هكذا معاملته للمسلمين وللصحابة رضي الله عنهم، وهو قدوة لامته الذين مرهم الله بأن يتأسوا به ويسيروا على طريقته.
نسأل الله أن يرزقنا حسن الاستماع والاتباع، وأن يجعلنا من أهل الاستقامة والسير على طريق السلف ومن المتمسكين بالسنة والسائرين على نهج نبينا صلى الله عليه وسلم والله أعلم وصلى الله على محمد.
قاله وأملاه
عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين
رحمه الله
29/12/1429هـ
الرابط: http://www.ibn-jebreen.com/article2.php?id=74
__________________
البريد الإلكتروني info@ibn-jebreen.com
جوال ابن جبرين 816661
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الله , النبي , خُلق , صلى , عليه , وسلم

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:08 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.