ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > خزانة الكتب والأبحاث

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-11-09, 09:59 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [1] من رحمة الله تعالى بخلقه، ومن تيسيره لأسباب العيش في الحياة بالدنيا أن جعل حاجات بعضهم عند بعضهم الآخر، لتدور المنافع بينهم، وليستمر كل أحد لمنافع الآخرين، وليتم تبادل هذه المنافع على صور مختلفة منها البيع والشراء، ومما تكثر الحاجة إليه في البيع والشراء: بيع الأصول والثمار، وعندها ينبغي على المسلم معرفة أحكام بيع الأصول والثمار من صحة وفساد، وما يتعلق بها من شروط واستثناءات.. إلى غير ذلك، من الأحكام المتعلقة بهذا الباب. تعريف الأصول والثمار بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيع الأصول والثمار]: الأصول: جمع أصل، والأصل ما انبنى عليه غيره، كأساس الدار يسمى أصلاً؛ لأن الدار تبنى عليه. والثمار جمع ثمرة، وثمرة الشيء: نتاجه، وما يكون منه. فقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيع الأصول والثمار]؛ لأن مما جرت به العادة أن البائع إذا باع شيئاً، أو اشترى شيئاً، فتارةً يقصد عين الشيء، وتارةً يكون مقصوده الشيء ونتاجه الموجود، ومن هنا قد يقع الخلاف بين البائع والمشتري، كرجل باع بستاناً وفيه ثمرة، فاشتراه المشتري بمائة ألف، ثم قال له البائع: بعتك البستان، ولم أبعك الثمرة، فالثمرة لي. وقال المشتري: بل اشتريت الأصل والثمرة؛ فالثمرة لي. فإنهما يختصمان فيرد السؤال: هل الفرع يتبع الأصل، أو لا يتبعه؟ ومن هنا بينت الشريعة مسائل الفروع والثمار، ففي أحوال يحكم بكونها للبائع، وفي أحوال يحكم بكونها للمشتري، والأصل في هذا الباب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين، أنه قال : (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، ومن باع عبداً وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع) ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأصل والنتاج الظاهر الذي لا يُسْتَصحَب مع العين، ومن هنا لا بد من بحث مسألة الفروع، ومسألة ما يتبع الشيء، وما لا يتبعه. ومن سعة الفقه الإسلامي أنه بيَّن مسائل التوابع في البيع، وفصل الفقهاء رحمهم الله تعالى هذه المسائل، وبيَّنوا ما يتبع المبيع، وما لا يتبعه، سواء كان المبيع من العقارات أم كان من المنقولات، فإنك قد تشتري داراً، فإذا تم البيع بينك وبين البائع فهناك أشياء من حق البائع أن يأخذها من الدار، وهناك أشياء ليس من حقه أن يأخذها، ومن هنا فصل العلماء ما الذي يتبع البيع، وما الذي لا يتبعه؟ فلربما لو ابتعت داراً، وجاء البائع وقال لك: أريد أن آخذ متاعي الذي في الدار، فإن من حقه أن يأخذ متاعاً معيناً وضع العلماء رحمهم الله تعالى له الضوابط، وكذلك لو باع منقولاً كالسيارة مثلاً، فتارة يكون من حقه أن يأخذ المتاع الموجود، كالفرش غير الملتصق بالسيارة، وهو الفرش الخاص به، وهكذا ما يكون من المتاع المتعلق به، كأن يضع أشرطة له يستمعها، فإن الأشرطة ليست تابعة للرقبة؛ لأنه باعك السيارة، ولم يبعك ما فيها من الأشرطة، وهكذا لو كان له في داخلها لباس، أو حوائج تختص به، فإنك لا تقول: قد اشتريت منك السيارة بما فيها؛ لأن البيع وقع على السيارة، فيتبع البيع ما قد انصب العقد عليه، وما لم ينصب العقد عليه فإنه لا يتبع والعكس، فلو أنه باعك السيارة، ثم أراد أن يأخذ عدتها اللازمة الموجودة فيها، كالآلات الموجودة لاستصلاح السيارة ونحوها، فإنه يقال له: ليس من حقك إلا الأدوات الخاصة التي تستصلح بها السيارة من أجهزة وعدد لا تكون موجودة في الأصل في السيارة، وإنما اشتراها لنفسه، فإن من حقه أن يأخذها. أما الآلات التي توجد في طبيعة السيارة، كالآلة التي ترفعها عند استصلاح ما يكون فيها من عطل، فإنه ليس من حقه أن يأخذها؛ لأنها موجودة في المبيع أصلاً، وتابعة له من أجل الارتفاق. لكن لو أنه اشترى آلات معينة، وأجهزة معينة، لاستصلاح السيارة عند العطل زائدةً عن المعروف والمألوف الذي يتبع عين السيارة، فإن من حقه أن يأخذها عند البيع. إذاً هذه المسألة مسألة مهمة يُحتاج فيها لعلمك، فتعلم ما الذي لك وما الذي عليك بائعاً ومشترياً، وللناس أيضاً، فإنهم يختلفون ويختصمون ويحتكمون إلى العلماء، للفصل بينهم، فيدعي البائع أنه باع الرقبة ولم يبع ما فيها، والمشتري يدعي أنه اشترى الرقبة وما فيها، فتارة يكون البائع ظالماً، وتارة يكون المشتري ظالماً، ومن هنا وجب أن يعرف الحد الفاصل بين ملك البائع وملك المشتري، وهذا هو الذي يجعله العلماء في باب بيع الأصول والثمار. ...... علاقة باب بيع الأصول والثمار بباب الربا لعل سائلاً يسأل: ما علاقة هذا الباب بباب الربا؟ والجواب: الربا فيه زيادة ظلم؛ لأنه إذا باع الدينار بالدينارين، فقد ظلم صاحب الدينارين، فأخذ زائداً عن حقه؛ لأن الذي من حقه الدينار، فإذا أخذ الزائد فهو الربا الذي حرم الله تعالى، فإذا باع الأصل والثمر وجب عليه أن يعرف ما الذي له، حتى لا يأخذ الزائد المحرم، فاتفق هذا الباب وتناسب أن يذكر بعد باب الربا؛ لأنه إذا بُيِّنَ ما الذي يتبع المبيع، وما الذي لا يتبعه، أمكن أن ينصف الناس بعضهم بعضاً بحكم الله عز وجل، وبما استخرجه العلماء من مقاصد الشريعة وأدلتها وقواعدها العامة، مما يدل على الحقوق في البيع والشراء، وهذا ما قصد المصنف بيانه في هذا الموضع. كأنه يقول رحمه الله: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام المتعلقة ببيع الأصول والثمار.
بيع الدور والبنيان وما يتبعها ...... ما يتبع الدور والبنيان عند بيعها قال رحمه الله تعالى: [إذا باع داراً شمل أرضها]: أي: إذا قال له: بعتك هذا البيت، أو هذه العمارة، أو هذه الغرفة، فإن البيع قد انصب على رقبة الدار، فذات الدار مملوكة بالبيع، ثم يشمل ذلك أصل الدار، وهي الأرض التي بنيت عليها، ويشمل سقفها وهواءها، أما ملكيتك لأرض الدار وما سفل منها فلظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين)، فجعل الظلم في أخذ الأعلى ظلماً في أخذ الأسفل، وجعل الأسفل تابعاً للأعلى، ومن هنا قال جماهير العلماء: من ملك داراً ملك أسفلها، وعليه قالوا: إنه لو كانت له دار، فأراد أحدٌ أن يستحدث من تحتها معبراً لم يكن من حقه حتى يستأذنه؛ لأنه ملكٌ له، ومن حقه أن يأذن له، ومن حقه أن يمتنع، لما يرى من رفقه أو ضرره. فمن ملك داراً ملك أرضها، فالدار التي بيعت، والصيغة التي وقعت بين البائع والمشتري على هذا المكان المعين ملكه بالعقد فإن قال له: بعتك هذه الدار وعيّنها، وكان طول الدار عشرين متراً أو ذراعاً، وعرضها عشرة، فإن هذه الدار بهذا الطول المتفق عليه ملك للمشتري إذا أوجب البيع، وتمت الصفقة بينهم، وحينئذ يملك الدار، ويملك أسفلها، فإذا باع داراً، شمل أرضها وما سفل منها. ومن هنا خَرَّجَ بعض العلماء مسألة: أنه لو كان معتكفاً في مسجد فنزل في أسفله لم يبطل اعتكافه؛ لأنه لم يخرج عن المسجد، وجعلوا حرمة الأسفل والأعلى بمنزلة. ومن هنا -أيضاً- خرج بعض العلماء المسألة المعروفة: وهي عدم جواز بناء المسجد فوق المتاجر؛ لأن الأرض إذا كانت موقوفة ومسبلة للمسجد، كانت غير مملوكة، وغير مستصلحة للمعاوضات بالبيع والشراء، وليست محلاًّ للبيع والشراء؛ لأن حرمة الأعلى والأسفل واحدة. ومن هنا أيضاً: إذا قلنا ملك الأسفل والأعلى، صح أن يملك أعلاها، فإذا صعد إلى أعلى المسجد لم يكن اعتكافه باطلاً، ولو حلف أنه لا يخرج من المسجد، فصعد إلى سطحه فإنه غير خارج؛ لأنه ما زال في حدود المسجد. وعليه كأنه لما قال له: بعتك هذه الدار، فإن هذا هو حد الدار، وحد البناء الذي وقع عليه العقد. وقول العلماء: من ملك داراً ملك أرضها، من باب بيان الاستحقاق، فحقك بهذا العقد الدار وأرضها وأساسها وأسفلها ملك لك. قال رحمه الله تعالى: [شمل أرضها وبناءها] قوله: [وبناءها]، أي: البناء الذي عليها، فلو كانت الأرض فيها غرفٌ، فإنك تملك هذه الغرف، ولو كانت عليها عمارة ملكتها، أو كان عليها أي بناء، كرجل باع قطعة في مخطط عليها سور، فإن هذا السور ملك لك إذا اشتريته، فلو أنه باعك هذه الأرض في المخطط بضابطها وعينها، وأخذتها وضبطتها، وعلمت أن هذه الأرض الفلانية ذات الرقم الفلاني ملك لك فأعطيته مئة ألف وهي قيمة الأرض واتفقتما، وإذا بالأرض عليها سور، فجاء لكي يخلع السور الموجودة فيها، فإنك تقول له: ليس من حقك؛ لأنني أملك الأرض وبناءها، فليس من حقك أن تخلع هذا السور، أو تهدم هذا السور؛ لأنه صار إلى ملكي، ولا يستطيع أحد أن يحدث شيئاً في هذه السور، أو ينتفع بهذا السور إلا بأذني، ولذلك قال المصنف: [شمل أرضها وبناءها]. وهكذا بناء الدار، أي: البناء الموجود في الدار؛ فإنه يشمله البيع. وهنا مسألة عصرية -ونحن نحب دائماً أن نربط الموضوع بالوقائع الموجودة الآن- وهي أنه في بعض الأحيان يبيع الشخص داراً وهو لا يملك الأرض، وذلك في البيوت الجاهزة، والبيوت المتنقلة، فإذا قال له: عندي غرفة متنقلة، فإن هذا لا يستلزم أنه يبيعه الغرفة بما هي عليه من الأرض، فلو اتفقا على غرفة متنقلة -مثلاً- بطول معين وعرض معين من نوع معين، فاشتراها، ثم قال له: خذ غرفتك قال: لا، من ملك أرضاً ملك بناءها وأرضها، وهذه الأرض في حكم الدار، فأملك الأرض التي تحتها، نقول: لا، ليس لك هذا؛ لأنه باعك إياها على وصف التنقل، فأنت تملكها متنقلة، ولا تملكها ثابتة على الأرض. قال رحمه الله تعالى: [وسقفها]: سقف الدار كذلك، فإن السقف يملك، وعلى هذا قالوا: إنه إذا طاف في السطح الأعلى من المسجد، كان كمن طاف في أسفله؛ لأن الله تعالى يقول : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج:26]، وجماهير العلماء على أن الطواف لا يصح خارج البيت، فإذا طاف في داخل البيت صح طوافه. ولو صعد إلى الدور الثاني، أو صعد إلى الدور الثالث، قالوا: يصح طوافه؛ لأنه طاف في داخل البيت، ولم يخرج عن حرم البيت، ولو كان معتكفا وصعد من داخل المسجد إلى أعلى المسجد في الدور الأول والثاني فإنه لا يبطل اعتكافه؛ لأنه ما زال في حرم المسجد. فمعنى قوله: [وسقفها] أن السقف تابع للأسفل، وفرِّع على هذا مسألة السعي بين الصفا والمروة في الدور الثاني، فإنه مفرَّع على مسألة من ملك أرضاً ملك سماءها وبناءها. قال رحمه الله تعالى: [والباب الملصوق]: بعد أن بيّن لنا رحمه الله تعالى أنه يملك الأرض، ويملك البناء، يأتي السؤال الآن عن الأشياء الموجودة في جدران الأرض، كرجل باعك غرفة، وهذه الغرفة بطول معين، وعرض معين، وسمك معين، فاتفقتما، وتم البيع، ثم لما تم البيع ودفعت المال، جاء يريد أن يأخذ الباب والنافذة، ويقول: أنا بعتك الغرفة للجرم والذات، وما بعتك نوافذها، وأبوابها، ويقول: ما بعت لك إلا عين الرقبة، فهل من حقه أن يقول ذلك؟ نقول: لا، بل فيه تفصيل: فما كان من الأبواب مُسَمَّراً، في نفس الغرفة، فإنه يملك وينصب البيع عليه، وما كان منها منفصلاً، ولم يسمر، فإنه ليس من الرقبة، ولا يعتبر تابعاً للرقبة، وعلى هذا ليس من حقه أن يخلع الباب المسمر، ولا النافذة المسمرة، وعليه تكون تابعة للأصل وتابعة للدار. لكن لو كان الباب مخلوعاً، كما لو باعه الغرفة ونظر إليها وبابها مخلوع، فمعناه أنه اشترى حاضراً ناظراً بهذه الصفة، وحينئذ يتم البيع على أنها غرفة بدون باب. ولو كان عنده غرفة لها باب، وفي هذه الغرفة ثلاثة أبواب وضعها البائع في الغرفة، أي: استخدم الغرفة كمخزن، فجاء المشتري وقال: أنا أملك الغرفة والأبواب الموجودة، نقول: لا، فالأبواب فيها تفصيل، فما كان منها مسمراً يملك ويتبع العقد، وما كان منها غير مسمر فإنه لا يتبع العقد. قال رحمه الله تعالى: [والسلم والرف المسمرين]: السلم هو الذي يصعد عليه، وأما الرف فهو مثل الذي يوضع في دورات المياه، على المغاسل لتوضع عليه أشياء، ففي القديم كانوا يجعلونها في الغرف لأجل أن توضع عليها الأشياء، أو تكون في الصالات فإن المسمر منها في الغرفة لا يخرج، وليس من حقه أن يأخذه، لكن لو كان الرف مخلوعاً وموضوعاً في مخزن البيت، أو موضوعا في غرفة من غرف البيت كمخزن، فمن حقه عند البيع أن يأخذه؛ لأنه غير مسمر، وقد اشترى العين بصفاتها الموجودة، وحينئذ يجب عليه أن يترك المسمر، وأن يأخذ غير المسمر. والسلم ينقسم إلى قسمين -خاصة في القديم-: قسم من السلالم ثابت، كأن يبيعه داراً لها دوران، الدور الأرضي، والأول الذي فوق الأرضي، فالذي فوق الأرضي يحتاج إلى الصعود إليه بسلم، وهذا السلم ثابت موجود في نفس الدار، وهو -طبعاً- مسمر، ومحفور ومرتكز، فإنه إذا باعه يتبع المبيع، فلو جاء لكي يخلعه، نقول له: ليس من حقك خلعه، هذا مسمر وتابع للرقبة، وتابع للمبيع، وهناك قسم من السلام ليس بمسمر، مثل السلم الذي تضعه في المكتبة من أجل أن ترقاه من أجل أن تجد كتاباً في الأعلى، أو سلم تستصلح به -مثلاً- مصابيح الكهرباء ونحو ذلك، أو تتناول به الأشياء العالية، وهذا النوع من السلالم غير مسمر، فهذا من حقه إذا باعك الدار أن يستخرجه ويأخذه معه، فهو غير مسمر، ولا يتبع الرقبة، ولا يكون البيع منصباً عليه مع ذاته. وبناء على ذلك يفصل في السلالم، فما كان منها مسمراً فإنه يتبع العين والرقبة، ولا يجوز فكه، ولا يجوز أن يأخذه البائع معه، وإنما يبقى مع المبيع ويتبعه، وما كان منها منفكاً ومتنقلاً غير مسمر، فمن حقه أن يأخذه معه. هذا بالنسبة للسلالم، فما الحكم في المصاعد؟ كما لو باعه عمارة فيها مصعد كهربائي، واشتراها منه بنصف مليون مثلاً، ثم فوجئ بالبائع يريد أن يأخذ المصعد معه، فقال له: بعتني العمارة والمصعد تابع للعمارة، قال: لا، أنا بعتك العمارة، وما بعتك المصعد، فننظر: إن كان المصعد مسمرا، بمعنى أنه في نفس العمارة ويعمل فحينئذ يصبح تابعاً للعمارة، حتى ولو كان عاطلا،ً ما دام أنه مهيأ للعمل، ومثبت في العمارة، فإنه تابع للرقبة، فيكون الخطأ من البائع، فإذا أراد أن يستثني فليقل: أبيعك العمارة إلا المصعد، إذا أراد أن لا يبيع المصعد، فإذا لم يستثنِ ودخل المشتري ورأى المصعد، ورأى العمارة بمصعدها فكأنه يقول له: أبيعك العمارة بمصعدها، وعلى هذا تكون المصاعد في حكم السلالم المسمّرة، ونحوها. لكن لو أنه باعه عمارةً وفي حوشها مصعد معطل، أو جاهز للعمل لكنه غير مركب، فهل يكون المصعد تابعاً للعمارة؟ نقول: لا؛ لأنه غير مسمر، وغير موجود في العمارة، والبيع وقع على العمارة، وهذا ليس متصلاً بها ولا في حكم المتصل بها. قال رحمه الله تعالى: [والخابية المدفونة]: أي: وكذلك الخابية المدفونة تتبعها، ويشترط الدفن؛ لأنه كالتسمير في الأرفف.
ما لا يتبع الدور عند بيعها قال رحمه الله تعالى: [دون ما هو مودع فيها من كنزٍ وحجر] قوله رحمه الله تعالى: [دون] استثناء، أي: لا يشمل البيع ما كان مودعاً في المبيع، أي: محفوظاً فيه، فإذا كانت لك عمارة فيها غرفة لك أشبه بالمخزن، فما وضع في هذه الغرفة مما هو من حوائجك الخاصة والأشياء التي لمصالحك تريد أن ترتفق بها، فإنها ملك لك، إذا كنت البائع، وليس من حقه أن يقول: اشتريت العمارة كلها بما فيها. فما أودع في المبيع، فليس بتابع للمبيع، وإنما يكون البيع على ظاهره، والمودع يكون ملكاً لصاحبه الذي أودعه دون المودع فيها. والودع: أصله الترك، ومنه قوله تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ [الضحى:3] أي ما تركك، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : (لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات -يعني تركهم صلاة الجمعة- أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)، نسأل الله السلامة والعافية، فالودع الترك، وسميت الوديعة وديعة؛ لأن صاحبها يتركها عند من استودعه إياها. و[مِنْ] في قوله: [دون ما هو مودع فيها من كنز وحجر] بيانية، كقوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة:1]، فـ(من) هنا بيانية. وقوله: [دون ما هو مودع فيها من كنز]، أي: من أمثلة ما يودع فيها الكنز، كمثل رجل أخذ دنانير ذهب -وفي القديم كان الناس يخافون على أموالهم، وليس هناك أماكن يحفظون فيها الأموال- فربما وضع الذهب في صرة أو نحوها وحفر لها في الدار، ثم دفنها، كأنه يكتنزها لنفسه للحاجة، فهذا كنزٌ أو في حكم الكنز. كذلك في زماننا اختلفت الصورة، فلو أن رجلاً عنده خزنة، وفي هذه الخزنة -مثلاً- مائة ألف، أو فيها حلي، أو فيها ذهب، أو فيها جواهر، فهو يضع في هذه الخزنة أموالاً، فباع العمارة ثم جاء إلى الخزانة يريد أن يفتحها، فقال له المشتري: لا، هذه العمارة بعتني إياها بما فيها، فالكنز لي. فليس من حقه، فالبائع يقول: بعتك العمارة ولم أبعك كنوزها؛ لأن هذا الكنز ملك لي، فهذا معنى قوله: [من كنز]، أي: ما كان مكتنزاً في العمارة، محفوظاً ومودعا فيها، فإنه ملك لبائعها، ليس من حق المشتري أن يطالبه به. قال رحمه الله تعالى: [ومنفصل منها كحبلٍ ودلوٍ]: أي: كحبل الدلو، فقد كانوا في القديم يحفرون الآبار في البيوت حتى يستقون منها ويرتفقون بها، فالحبل يحتاجه من أجل أن يستقي الماء، وربما كان الحبل موجوداً في المخزن، فالحبل إذا كان موجوداً في الدار، للاستسقاء بالدلو، فهذا لا يعتبر تابعاً للبيع، وإنما باعه البئر، والبئر تابعة للرقبة، وهذا الحبل ليس بمسمر ولا بمتصل، وهكذا الدلو الذي يغرف به لا يعتبر تابعاً للمبيع. قال رحمه الله تعالى: [وبكرة]: وهكذا البكرة التي يجري عليها الحبل. قال رحمه الله تعالى: [وقفل]: القفل: واحد الأقفال، وكانوا في القديم يضعون الأقفال على الأبواب، يقفلون بها، فالباب له قفل يضعه البائع على داره، ثم لما باع الدار جاء وأخذ أقفالها، فهل من حقه ذلك؟ نقول: نعم؛ لأن القفل ليس متصلاً بالمبيع، فمن حقه أن يأخذ الأقفال، لكن في زماننا هذا تستخدم الأقفال المتصلة، فإذا كانت الأقفال متصلة فليس من حقه أن يأخذها، لكن الأقفال المنفصلة، ونحوها الضباب التي تعلق تعتبر ملكاً للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وهكذا السلاسل التي توضع على الأبواب تسفل بها لتقفل، فإنها تعتبر تابعة للبيع، فالمشتري إذا اشترى يشتري القفل الذي يناسبه، وهو يملك المتصل دون المنفصل، وهذا هو ضابطها كما قال رحمه الله: [دون ما هو مودع فيها... ومنفصل منها..]. قال رحمه الله: [وفرش]. إذا باع عمارة أو غرفة فمن حقه أن يأخذ جميع الفرش الموجودة فيها، وحينئذ يقوم المشتري بفرشها من جديد، أو الاستغناء عن فرشها إذا كان يريدها لغير الجلوس، فالمهم أن الفراش يكون ملكاً للبائع، فإن الفراش ليس متصلاً بالرقبة، ولا يأخذ حكم المتصل، لكن في بعض الأحيان إذا كان الشيء المبيع مهيأً لكي ينتفع به المنتفع، كأن يبيعه شيئاً يقُصد به نفعٌ معين ولهذا المبيع تهيئة خاصة تتعلق به، مثل ما يوجد في المحلات الآن كما لو باعه -مثلاً- مطبخا، أو باعه على أنه مطبخ، فإن جميع ما يتعلق بهذا المطبخ من عُدَدِه وآلاته ووسائله إذا كان مهيأ مجهزاً بذلك يكون تابعاً للمبيع. لكن إذا باعه العمارة السكنية، أو باعه الغرفة، فإن هذا كله لا يعتبر فيه الفراش تابعاً، ويعتبر منفصلا عن المبيع فمن حقه أن يخلع الفراش ويقوم المشتري بفرشها بما يشاء. قال رحمه الله تعالى: [ومفتاح]: أي: والمفاتيح كذلك، وهذا في الأقفال، فإذا كان القفل ملكاً للبائع فمعنى ذلك أن المفتاح سيكون ملكاً للبائع، لكن الكوالين الموجودة الآن، تعطى بالمفاتيح للمشتري؛ لأنها متصلة بالمبيع، وهذا الذي ذكره المصنف رحمه الله كائنٌ في المبيعات القديمة، لكن نمثل بأشياء موجودة اليوم، فمثلاً: في زماننا لو باع سيارة،، وكانت رقبتها ليس فيها أشياء تخص المشتري فلا إشكال، فحينئذ يتبع السيارة ما هو فيها من آلاتها وعددها المعروفة بالعرف، لكن لو أنه -طالب أي البائع- بشيء موجود فيها بالعرف، كأن يكون باعه سيارة فأراد أن يستخرج مسجلها مثلاً، أو المكيف الموجود فيها، فهل من حقه ذلك؟ الجواب: ليس من حقه ذلك؛ لأنه متصلٌ بالمبيع ومسمرٌ في المبيع، ووقع البيع أثناء العقد على هذا الشيء بعينه، فإن أراد أن يستثني فعليه أن ينص على ذلك ويقول: دون مسجلها أو: أبيعك هذه السيارة وأشترط أن آخذ مسجلها، أو مكيفها، أو راديها، أو نحو ذلك من الأشياء الموجودة فيها مما هو متصل بها. كذلك أيضاً لو باع داراً وقام على أجهزتها الكهربائية واستخرجها وخلعها، وقال: هذه الدار المسلمة هي التي بعتك إياها، أما بالنسبة لما فيها من الأدوات الكهربائية فأنا ما بعتك إياها، فهل من حقه أن يستخرج هذه الأجهزة الكهربائية أو لا؟ فيه تفصيل: فما كان منها متصلاً مثل المصابيح الكهربائية، فهذه تبقى، وليس من حقه أن يستخرجها، أما ما كان منفصلاً، كالثلاجات والغسالات، فهذه تعتبر منفصلة، وفي حكم المنفصل، فمن حقه أن يأخذها؛ لأن ليست تابعة للرقبة. فلو باعه داراً فيها تلفون، فهل من حقه أن يأخذ التلفون معه؟ أو يترك له خط التلفون؟ نقول: إن التلفون ملكٌ لصاحبه؛ لأن التلفون في الأصل صفة كمال في المبيع، ولذلك الدور منها ما هو موجود فيها، ومنها ما هو غير موجود، لكن الكهرباء موجودة في المبيعات، وحينئذ نقول: هذا التلفون من حقه أن يستخرجه، لكن لو اشترط المشتري، وقال: أشتري الدار بما فيها من التلفونات، كان من حقه ذلك. وبناء على ذلك، يُفرق بين ما يكون متصلاً، خاصة بالعرف، وبين ما يكون منفصلاً عن الدار، فيتبع المتصل ولا يتبع المنفصل، وكذلك أيضاً من الفراش، فما يوجد من فرش الدار الموجود في عصرنا، فيحكم بكونه ملكاً للبائع، كما قرر العلماء رحمهم الله تعالى أن فرش الدار يكون ملكاً للبائع، ولا يحكم بكونه تابعاً للرقبة.
بيع الأرض وما عليها ...... بيع الأرض مطلقاً يشمل الغرس والبناء قال رحمه الله تعالى: [وإن باع أرضاً ولو لم يقل بحقوقها شمل غرسها وبناءها]: لو أن رجلاً قال لك: أبيعك مزرعةً طولها كذا، وعرضها كذا، في مكان كذا، فإنه حينئذ أوجب الصفق على هذا المبيع الموصوف في الذمة، أو المعين، كأن يقول: مزرعتي هذه، والمزرعة فيها زرع، فلما أوجب البيع وتمت الصفقة، قال لك: بعتك الأرض، فأنت تأخذ المزرعة، أي: الأرض الصالحة للزراعة، فمن حقي أن أخلع النخل، وأُخرج النخل، ومن حقي أن أخرج الزروع إلا أن تعوضني عنها، فيقال: من باع أرضاً شمل غرسها وزرعها، وليس من حق البائع أن يأخذ ذلك، إلا إذا اشترط على المشتري، فقال له: أبيعك هذه المزرعة على أن آخذ جميع ما فيها، فحينئذ لا إشكال، إما أن يخلع النخل أو يتراضى مع البائع على حسب ما يتفقا.
حكم الزرع الموجود في الأرض المبيعة قال رحمه الله تعالى: [وإن كان فيها زرع كبُر وشعير، فلبائع مبقي]: الحبوب إذا زرعها البائع فإن هذه الحبوب لا تبقى ولا تستديم، ولا تعتبر تابعةً للمبيع، وتكون للبائع، لكن يستبقيها إلى الحصاد، فيكون من حقه إذا باع الأرض أن يبقيها، ويطالب المشتري ببقائها وسقيها حتى يحصدها، فإن هذا الزرع مبقيٌ للبائع إلى الحصاد، فإذا جاء الحصاد وجب عليه أن يحصد، وتكون مئونة الحصاد، وكلفة الحصاد على المشتري، ثم بعد ذلك تبقى الأرض والرقبة للبائع. ثانياً: ما كان نتاجه مراراً: قال رحمه الله تعالى: [وإن كان يجز أو يلقط مراراً، فحقوله للمشتري، والجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع]: الآن بيّن لنا أن الذي يبتاع الرقبة يملكها وما فيها مما هو متصلٌ بها، والزرع في الأصل متصلٌ بالأرض، وكان ينبغي أن يكون تابعاً للبيع، لكن العلماء رحمهم الله فصلوا في هذا؛ لأن السنة نبهت على ملكية البائع لزرعه إذا كان له ثمرة في ذلك الزرع، فتخرج في ملكه ولا تخرج في ملك المشتري. والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (من باع نخلاً قد أبرت)، فالأصل النخل، وقوله صلى الله عليه وسلم: (قد أبرت)، أي: الثمرة، فإذا أبرت النخلة فمعناه أن الثمرة حدثت في ملكي أنا البائع، فليس من حق المشتري أن يطالبني بها، إلا إذا اشترط، فإذا أبرت النخلة فمعناه أن هذه الثمرة التي أبرت حدثت في ملكي وضماني، فأنا أستحقها ويتم البيع على الأصل دون الثمرة. وبناءً على هذا تكون لي الثمرة في تلك السنة، لكن في السنة القادمة إذا أطلعَ النخلُ تكون الثمرة للمشتري؛ لأنها وقعت في ملك المشتري، أكد هذا النبي صلى الله عليه وسلم بالمفهوم، فلما قال بمنطوق النص، : (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع)، فهمنا أن من باع نخلاً لم تؤبر فثمرتها للمشتري. وعلى هذا كأن الثمرة إن وقعت في ملك البائع فللبائع، وإن وقعت في ملك المشتري فللمشتري. وبناء عليه يُفَصَّل في الثمار، فلو أنه باعه نخلاً قد أبرت، وقلنا: إنها تابعةٌ للبائع، فإن الموجود عندنا أصل وثمرة، فالذي دلت عليه السنة أن المشتري يملك الثمرة لذلك العام وحده، ففرع عليهما ما كان يُجز ويُلقط مراراً، فما يجز مراراً مثل الكرّاث، ومثل البرسيم، فالبرسيم إذا جززته نبت مرة ثانية، والكرّاث إذا جززته نبت مرة ثانية، أو يلقط كالعنب فإنه يؤخذ ويلقط، والرطب والبلح ونحو ذلك، هذا كله يلقط، وقد يلقط ويتجدد، وقد يلقط على بطن ظاهر وبطن متخلف، كالقثاء، والباذنجان، ونحو ذلك. إذاً لا بد من التفصيل في هذه الأنواع كلها، فما كان له جزة واحدة كالحبوب، فإنه إذا باع أرضاً فيها زرع، كالحب، فإنه يكون قد حدث في ملك البائع، فليس من حق المشتري أن يطالبه بهذا الزرع الموجود، ويجزه البائع عند حصاده، ويكون ملكاً له، إلا إذا اشترط المشتري، وقال: أشترط أن آخذ الأرض بهذا الزرع الموجود فيها فهي ملكٌ له. الحالة الثانية: أن يكون مما يجز، ولاحظ أن الأول يجز فلا يعود، فجزَّته واحدة، أما الذي يجز ويعود، إن كان يجز مرة بعد مرة، كالبرسيم ، فإنه ربما يبقى في الأرض خمس سنوات، وربما إلى عشر سنوات، على حسب أنواعه، وحسب جودة الأرض، فإذا كان هذا البرسيم يجز مرة بعد مرة فباعه والبرسيم فيه جزة ظاهرة فإنها قد حدثت في ملك البائع، فنقول: أصل البرسيم للمشتري والجزة الظاهرة للبائع، ولكن الأصل للمشتري، فإذا جز البائع الجزة الظاهرة أصبح الكل ملكاً للمشتري. قال رحمه الله تعالى: [وإن اشترط المشتري ذلك صح]: أي: إن اشترط المشتري ذلك، فقال: الجزة الظاهرة لي، أو قال فيما يلقط: هذا الملتقط لي، أو قال في ثمرة البستان هذا لي، فإنه يكون له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع)، أي: أنها ملك للمبتاع إن اشترطها.
أحكام بيع النخل مع ثمره قال رحمه الله تعالى: [فصل: ومن باع نخلاً تشقق طلعه فلبائع مَبقيٌ إلى الجذاذ، إلا أن يشترطه مشترٍ]: هذا الفصل ينبني على ما قبله، وانظروا إلى سعة هذه الشريعة ودقتها، وكيف أن الحديث الواحد يمكن أن تفرع عليه أبواب، وتبنى عليه فصول، وتبنى عليه قواعد وأصول؛ لأنها شريعة كاملة، نبهت بالقواعد العامة وبالأصول العامة، فهذا الحديث حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، ومن باع عبدا له مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) أصل عظيم في مسألة ما الذي يتبع المبيع وما الذي لا يتبعه، وكل المسائل تفرعت على هذا الأصل، وانبنت عليه. فالزروع تكون ملحقة بالمعنى، والمنقولات تكون ملحقة بالأصل، وهذا لا شك يدل على عظم هذه الشريعة، وأنها شملت، فما تركت صغيراً ولا كبيراً إلا بينته، ويدل أيضاً على أن القواعد الكلية في الشريعة أصل معتبر؛ لكي يحكم بشموليتها، وعلى هذا فما ذكرناه في الفصل السابق مفرع على هذا الحديث. يقول رحمه الله تعالى: [ومن باع نخلاً تشقق طلعه]: النخل: معروف طبعاً، وهذا النخل من حكمة الله سبحانه وتعالى، يراد لثمره وما يكون منه، وهو ينقسم إلى زوجين: الذكور والإناث، فذكور النخل هي الفحول التي يؤخذ منها اللقاح لكي يلقح به الأنثى، وهناك الإناث التي فيها الثمار المختلفة، اختلفت ألوانها، واختلفت أشكالها واختلف طعمها، والكل يُسقى بماء واحد، وهذا من أعظم الدلائل على وحدانية الله جل جلاله، فهو دليل على وحدانيته تعالى، ومن شواهد التوحيد أنك إذا تأملته وجدته مختلفاً أُكُله، ومختلفاً أشكاله، ومختلفاً حتى في مواسم خروجه. وثمره بعضه يؤكل بلحاً، ولا تستطيبه وتجده ألذ ما يكون إلا بلحاً، وبعضه لا تستعذبه ولا تجده لذيذاً إلا وهو رطب، وبعضه لا تستلذه إلا تمراً كامل اليبس، وأيضاً تجده مختلف الألوان، فإذا بدا اللون الأخضر فيه، الذي هو الأصل، ينقلب إلى أحمر، وينقلب إلى أصفر، وينقلب إلى أبيض أشهب، وقد يبقى على خضرته، وهذا كله يدل على وجود الله جل جلاله ووحدانيته؛ لأن هذه الأشياء لو حدثت بنفسها كانت حدثت بلون واحد، وحدثت بشكل واحد، وبطعم واحد، وتجدها تختلف باختلاف المؤثرات؛ لكن الله سبحانه وتعالى جعلها على حالة مختلفة مع أنها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة، كما قال تعالى: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4] فليست آيةً، بل آيات، لكن لمن يتأمل، فأعظم به سبحانه وتعالى! وهذا النخل من حكمة الله سبحانه وتعالى أن تطلع ثمرته من الأنثى، وتخرج ثمرته في وعاء كيزان تكون حافظةً للثمرة بإذن الله عز وجل، وتتخلق الثمرة فيما لا يقل عن شهرين، تستتم وتتخلق في داخل النخلة، ثم تخرج من بين الجريد وبين الجذع، وتستتم خروجها حتى تكتمل إلى القدر الذي تكتمل إليه، ثم ينشق هذا الوعاء بقدرة الله عز وجل، وقد يكون طلعه في زمان بارد، فيوافق عند التشقق حرارة تعتريه، وقد يكون الناس في شدة البرد، لكن يرسل الله عز وجل عليه من الحرارة ما يكتمه حتى يتشقق؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا قال للشيء: كن، فيكون، ولو كان في شدة البرد، فإن الله سبحانه وتعالى يخرجه، ولو كنت في شدة الحر، وأنت تتألم يفجر لك الأنهار من الجبال عذبة باردة، سبحانه! سبحانه! وأعظم به. فالشاهد أنه يخرج ذاك الكوز مكتملاً، فإذا اكتمل تشقق، ويتشقق بعد يوم، أو يومين، أو ثلاثة أو أسبوع على حسب المناطق، وعلى حسب النوعية، ثم إذا بدأ يتشقق يأتي الفلاح إلى الذكر، والذكر يطلع في الوقت الذي تطلع فيه الإناث، فتخرج كيزانه مغلفة، فتقص وهي مغلفة، ثم يزال الغلاف الخارجي، وبعض الناس يلقح به وهو طري، وبعضهم ينشره في الشمس؛ لأن الشمس تقوي اللقاح وتغذيه وتجعل فائدته أكثر، فيتركونه ينشر في الشمس ليستوي. وفيه غبار، ورائحته كمني الرجل الآدمي، سبحان الله! ولذلك تجد العلماء يقولون عن المني: رائحته كطلع النخل، سبحان الله تعالى! ويقولون: إن النخل تشبه الإنسان كثيراً، حتى إن فيها الكريم وفيها البخيل -سبحان الله تعالى!- أي: في الصفات، فيقولون: إنها من أشبه ما تكون بالإنسان، فمن هنا إذا وضع اللقاح خرجت وتشققت، ولا يمكن أن تصلح هذه الثمرة إلا إذا لقحت ووضع هذا الغبار. ثم انظر إلى أنواعه، فبعض الأنواع بمجرد ما تنشق تلقح، وبعضها الأفضل أن تبرد، وتنتظر يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، وإذا برزت ولقحتها بعد البروز كانت ثمرتها فاخرة، فإذا بادرتها باللقاح في أول شيء جاءت ثمرتها صغيرة، فلربما حشفت وجاء الشيط الذي لا نوى فيه، فتجد بعضها ليس فيه نوى؛ لأنه لم يلقح، أو بادره باللقاح قبل وقته. ثم منه العكس، فبعضه ما لم يبادر مباشرة بلقاحه صار إلى الشيص وتغير، يخالف بين الأحوال حتى يدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الأمور وراءها أمر من الله جل جلاله، ومدبر يدبرها سبحانه وتعالى. فالشاهد إذا جاء الفلاح وغبر النخل، قالوا أبرها، فهذا هو التأبير. إذاً عندنا مراحل للنخلة: الكن الذي يكون قبل تخلق الثمرة، ثم بعد ذلك الطلع بداية الطلع، ثم بعد ذلك التشقق، ثم بعد ذلك التأبير، فإذا أبرت وغُبرت، فهنا جعل الشرع هذا الحد فاصلاً بين ملك البائع وملك المشتري، فقال صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً قد أبرت، فثمرتها للبائع)؛ لأنها إذا أطلعت وتشققت ففي ملك من ظهرت الثمرة؟ الجواب: في ملك البائع، فإن حدثت الثمرة في ملكي، فإذا بعت فقد بعت الأصل، والثمرةُ لا زالت ملكاً لي! فإذا لم ينصب العقد عليها بالتبعية لم يحكم بتبعيتها. لكن لو أنه باع البستان، أو باع النخلة وهي لم تؤبر، أو بمجرد بدو الكيزان أو خروجها ولم تتشقق، فقالوا: إذا باعه قبل مرحلة التشقق والتأبير فإنها تتبع المبيع، وتصبح الثمرة حينئذ تشققت وتأبرت في ملك المشتري، وتصير ملكه، فهذا الفاصل بين مال البائع والمشتري. قال صلى الله عليه وسلم : (من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع). قوله رحمه الله تعالى: [إلا أن يشترطها مشترٍ]: إلا أن يشترطها المبتاع هو اللفظ الصحيح، أو المشتري بمعنى: المبتاع الذي اشترى، فلو قال له: بعتك بستاناً فيه نخلٌ مؤبر، فقال المشتري: أشترط أن تكون الثمرة تابعة للنخل، فقال له البائع: لك ذلك، فحينئذ يملكها بالشرط ولا يملكها بالأصل، وعلى هذا يتم البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون على شروطهم)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه: (مقاطع الحقوق عند الشروط)، أي: أنه إذا اشترط عليك فمن حقه أن تفي له بشرطه. ...... بيع العنب والتوت والرمان ونحوه مع ثمره قال رحمه الله تعالى: [وكذلك شجر العنب والتوت والرمان وغيره]: هناك نوع من الثمار يظهر من نَوْرِه، ومنها ما يتشقق من أكمامه، ومنها ما يظهر من الأرض، فهذا الشيء الذي تتفتح أكمامه تكون العبرة بتفتحه؛ لأنها تفتحت الثمرة على ملك البائع، وهذا الشيء الذي يكون في داخل النَّور كالتفاح ونحوه، إذا تساقط عنه نَوره، فإنه حينئذ تظهر الثمرة بعد تساقط الأنوار الذي فيه، وهكذا الليمون إذا تساقط زهره، فحينئذ تجعل لكل ثمرة ظهورها، وهذا يختلف باختلاف أنواع الثمار، فما كان منها له أكمام ويتفتح فإنه عند تفتحه عن كُمِّه يكون تابعاً للأصل، فإن وقع البيع قبله فإنه يكون ملكاً للمشتري؛ لأنه ظهرت الثمرة بعد البيع، وإذا ظهرت الثمرة قبل البيع يكون للبائع سواءً أظهرت بتفتح الكم أم بغيره؛ لأن الثمرات تخرج من أكمامها، كما قال تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا [فصلت:47]، فهناك نوع من الثمرات يخرج من أكمامه، وبعضها يتشقق كذلك عن قشره، وبعضها يكون داخل وعائه مثل اللوز، والجوز، ونحوه، فهذا يرجع فيه إلى أهل الخبرة في ظهوره، إن ظهرت علامات وجوده فإنه يحكم بكونه ملكاً للبائع إن كان ظهوره قبل العقد، ويحكم بكونه ملكاً للمشتري إن كان ظهوره بعد العقد. قال رحمه الله تعالى: [وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح]: هذه كلها يحكم بكونها ملكاً للبائع إذا ظهرت من نَوْرها قبل العقد، وتكون ملكاً للمشتري إن ظهرت من نَوْرها بعد العقد. قال رحمه الله تعالى: [وما خرج من أكمامه كالورد والقطن]: الورد يظهر وهو مستغلق الأكمام، ثم بعد ذلك يخرج قلب الوردة من كمها، فتظهر ثمرة الورد، ومن المعلوم أن المزرعة قد تباع وتكون مزرعة ورد، والورد يباع وينتفع به، وله ثمن وله قيمة، فتشتري منه هذه المزرعة التي فيها ورود، أو فيها الفل والياسمين ونحوها من الزهور التي لها روائح وينتفع بها، فإذا كانت هذه المبيعات تفتحت وظهرت ثمارها من أكمامها أو من قشورها، فتقشرت أو ظهرت، أو خرجت من كيزانها -كما في النخل-، فإنه يحكم بكونها للبائع إن كان الظهور وهي في ملك البائع أي قبل العقد، ويحكم بكونها للمشتري إن كان جميع ذلك بعد العقد. قال رحمه الله تعالى: [وما قبل ذلك والورق فلمشترٍ]: قوله: [وما قبل ذلك] أي: ما كان قبل ذلك، يعن:ي قبل ظهور الثمرة، إما بتشقق الكيزان كما في النخل، إن قيل: العبرة بالتشقق، أو قيل العبرة بالتأبير؛ لأن الأول يختاره الجمهور والثاني يختاره الإمام أحمد رحمة الله عليه، أو كان بظهوره من نَوْره كالتفاح والمشمش ونحوه، أو كان بتفتح أكمامه كالورد ونحوه من الزهور، فهذا كله إن وقع فيه الظهور للثمرة قبل العقد كان في ملك البائع، وإن كان بعده كان في ملك المشتري وما كان قبل ذلك، أي: ما كان مبيعاً وحدث فيه ذلك، (قبل العقد) أي: قبل البيع، فإنه يكون ملكا ً للبائع؛ لأنه حدث في ملكه. قوله: [والورق] في بعض الأحيان يكون ملكاً للبائع مطلقاً، إذا كان الورق الظاهر مثل الحنا، فالحناء إذا بيعت يراد منها الورق، فالورق الظاهر للبائع، فينتف ورقها ثم تعيد ورقها مرة ثانية لملك المشتري؛ لأن الورق الأول كان في ملك البائع، فإذا باعه الحنا كان من حقه أن يقطف ورقها؛ لأن الورق مقصود. لكن هناك ورق غير مقصود، كورق الأغصان الذي ليس هو بذاته يباع مثل ما يقع في النباتات، فهذا من حيث الأصل أنه إذا بيع يكون تبعاً للمبيع، مثل الجريد، فالجريد يكون تابعاً للنخلة، فلو باعه نخلته ثم قام المشتري يريد أن يقص جميع جريدها، ويقول: الورق للبائع، نقول له: لا؛ لأن هذا الورق في الأصل للمبيع، لكن لو باعه شيئاً يراد منه الورق، فالورق الظاهر للبائع، والورق الذي هو البطن الذي بعده للمشتري، وذلك في الذي يتجدد ورقه. وكذلك ورق العنب يقطف في موسمه، ويكون ملكاً للبائع في هذه الحالة، ثم ما تجدد منه يكون ملكاً للمشتري. إذاً الورق فيه تفصيل على ما ذكرناه، وإطلاق المصنف يحتاج إلى نظر، وقد نبه بعض العلماء رحمهم الله تعالى على ذلك كالإمام الماوردي وغيره، فنبهوا على أن الورق منه ما يكون مقصوداً؛ لأن المبيعات منها ما يقصد منها ورقها، ومنها ما يقصد منها ثمرتها، ومنها ما يقصد منه الأمران: الورق والثمرة، أي: كون المنفعة في الورق والثمرة، وعلى هذا فإنه إذا باعه مبيعاً له ورق، والورق حدث في ملك البائع، ثم لما باعه قال: أريد أن آخذ هذا البطن من الورق الذي حدث في ملكي ، كان من حقه ذلك، فلا يكون الورق للمشتري، وإنما يكون للبائع. ...... الأسئلة ...... الدار المشتركة وحكم أرضها السؤال: إذا اشترك جماعة في بناء دار وأصبح لكلٍّ شقة من الدار، فلمن تكون الأرض؟ الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإذا اشترك جماعة في أرض، وكانت مشاعة بينهم مناصفة، كرجلين يملك كل منهما نصف الأرض، أو أثلاثاً، أو أرباعاً، أو أخماساً على حسب الشراكة، وبنوها بنفس السهم الذي لهم، فبنوها -مثلاً- بنصف مليون، كلٌّ دفع مائة ألف وهم خمسة، فحينئذ تكون الأرض وبناؤها وما عليها بينهم أخماساً، كل يملك خمس الأرض، فإن أمكن قسمتها كأن تكون فيها خمس شقق، فلكلٍّ شقة ينتفع بها، فإن تنازعوا فقال أحدهم: آخذ الشقة السفلى؛ لأنها أخف مؤنة وأقل عناءً، وقال البقية: بل نحن نأخذها، فتشاحوا فيها، فإنهم يقترعون وتجري بينهم القرعة، ثم بعد ذلك تكون بينهم إذا أرادوا أن يسكنوها، أما لو أرادوا أن يؤجروها فإنها تؤجر، ويكون لكلٍّ خمس أجرتها. هذا بالنسبة للملكية، وبالنسبة لبيع الشقة بعد وجود العمارة فله حكم خاص، فإذا كانت العمارة فيها ثلاثُ شقق، وأراد صاحبها أن يبيعها على ثلاثة أشخاص، وقال: أبيع هذه العمارة بينكم الثلاثة. صح البيع، وحينئذ تكون الأرض بذاتها، وشققها مشاعة بينهم، لكن لو قال لأحد: أبيعك شقة من هذه العمارة، وباع للثاني شقة، وباع للثالث شقة، فهنا لا يصح البيع على أصح أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. والسبب في هذا أننا لو قلنا: إن الشقة تملك وحدها، يكون ملك صاحب الدور الأول الشقة الأولى، وملك صاحب الدور الثاني الشقة الثانية، وملك صاحب الدور الثالث الشقة الثالثة، فيبقى السطوح لا شقة فيه، فيأتي ويحدث شقة رابعة، ويبيعها على رابع، ثم يأتي ويحدث شقة خامسة ويبيعها على خامس، ويصبح السطح ليس ملكاً لأحد، بل ملك له متى ما شاء بنى فيه؛ لأنه إنما باع الشقق، وهو يملك الأرض ويملك سماءها، فإذا قلنا بصحة البيع للشقة بذاتها، فمعناه أنه يملك بدرومها وأساسها وما فيها، ويملك أيضاً عاليها، فيتصرف في العالي كما شاء، وهذا لا شك يدخل فيه الغرر؛ لأنه يخاطر بأصحاب الشقق، فأنت إذا بنيت العمارة على أنها -مثلاً- ثلاث شقق، أو على أنها ثلاثة أدوار، ليس كما لو أحدثت أدواراً فوقها. ثم إن هذه الشقة لو قلنا: إنه قد باع الشقة ويملك المشتري الشقة فقط، فهذه الشقة كم ستبقى؛ لأنه سيملك الشقة وحدها، فلا ندري أيطول أجل العمارة وهي باقية فيطول أجل الشقة؟ أم يقصر أجل العمارة؟ وقد تكون العمارة محكوماً عليها أنها خلال عشرين سنة، أو ثلاثين سنة ستنتهي، فإذا تهدمت فلمن تكون الأرض؛ لأنه باعه الشقة وما باعه الأرض. فالعقود لا بد أن تحدد، فإن كان يريد أن يبيعه فيبيعه بالمشاع، كأن يقول له: هذه عمارة لك ربعها، فكل يعرف حقه، وكل يعرف نصيبه، لكن أن يقول له: أبيعك شقة من عمارة، ولا يدرى كم تبقى، فكيف يصح هذا؟ وصحيح لو أننا اشترينا العمارة كذلك، لا ندري كم تبقى؟ لكن حتى لو فنيت في أقرب أجل، فإني أملك أرضها، أما أني أملك شقة فقط! ويزول ملكي بزوال الشقة! ولا أدري أقريب أم بعيد، ولا أدري كم بقاؤها، ويخاطر البائع ويغرر بالمشتري فلا، لكن لو ملكت الأرض، أو جزءاً من الأرض، ويكون لي ربع الأرض، فإني أنتفع بشقة، كأنها ربع قسمة، كما لو مات ميت عن دار وقسمت بين الورثة فلا إشكال، لكن أن يقال: أبيعك الشقة بعينها فهذا غرر، وهذا على أصح قولي العلماء، واختيار طائفة من مشايخنا رحمة الله عليهم، أنه لا يصح بيع الشقة لما فيه من الغرر؛ لأن الملكية تنصب على الشقة، ولا يكون لذات الأرض فيها ملك. وإذا قيل بملكيتها كأن يقال: بيع الشقق المراد به أن يملك الشقة، فتقسم العمارة بحسب الشقق، فإن الدور الرابع ليس ملكاً لأحد، فلو كان هناك ثلاث شقق، فباع للأول شقة وللثاني شقة، وللثالث شقة، فإن قالوا: نحكم بأن لكلٍّ شقة، فتصبح الأرض أثلاثاً، نقول: السطح ليس بمبيع، بل السطح ملك للبائع، فإن قلت: أقسمها أثلاثاً، قلنا: كيف جعلت من لا شقة له يقاسم الذي له شقة؟ وكيف جعلت قيمة السطح الذي لا شقة فيه بقيمة الشقة؟ إن قلت: أدخل صاحب العمارة شريكاً فتكون أرباعاً؟ فحينئذٍ ليس هناك تكافؤٌ؛ لأن السطح ليس فيه بناء كما في الشقة! وإن قلت: أدخله بجزء، فكم هذا الجزء؟ وإن قلت: لا أدخله، فإن الأرض في الأصل ملك له بكاملها، وقد باع شقة ولم يبع سطحها، ولم يبع ما فيها، فإن قلت: إن سطح العمارة يكون تابعاً للشقق، نقول: حينئذ من باع شقة فإنه يكون ما فوق الشقق تابعاً لهذه الشقة، وهذا لا يستقيم من ناحية فقهية، فلا يستقيم أن نقول: إنه يجوز أن تجزأ العمارة، ولذلك تقع مشاكل كثيرة في بيع الشقق، وبيع أجزاء العمائر من الشقق المملكة. وهناك قول ثانٍ، ولهذا القول وجهته، ومن اشترى شقة يتأول على هذا القول الثاني فلا بأس، وهذا حكمٌ مثل ما يختلف العلماء على قولين، لكن نحن نبين ما ظهر لنا بالدليل؛ فإننا لا نعرف في زمن السلف رحمهم الله تعالى أنهم كانوا يبيعون دوراً من العمارة، أو دوراً من الأرض، أو غرفة من الدار، إنما تباع إما بنسبة مشاعة، كنصف العمارة، أو ربعها، أو ثمنها، فيقول له: أدخل معك شريكاً، فبكم تبيع هذه العمارة؟ فإن قال: بمليون، قال: أنا أدفع نصف مليون، ونصبح شركاء فيها، وحينئذ لا تجد أي شبهة أو لبس، حيث يدخلون سوياً في الغرم والغنم، وإذا جئنا نقسم الأرباح نعرف كيف نقسمها، فلهذا نصف ولهذا نصف، وإذا قسمنا الأضرار نقسمها بالنصف، لكن لو أن هذه العمائر التي لم تبع بنسبة مشاعة حدث ضرر في مائها، أو حدث عطل فيها، فلن تستطيع أن تقسم، لا الغرم ولا الربح، ويحدث إشكال، ولو أنه قال: أريد أن أبني على العمارة، فأنا بعتكم الشقق وشققكم موجودة، وأريد أن أبني على العمارة، وقرر المهندسون أن العمارة تتحمل عشرة أدوار، فتكون قد اشتريت الشقة من العمارة وفيها -مثلاً- ساكنان، الذي فوقك والذي تحتك، فإذا بك بعمارة فيها عشرة أدوار، وأدخل عليك عشرة ساكنين، فأنت إنما رضيت بالواحد ورضيت بالاثنين، لكن لن ترضى بالعشرة، وتستضر بكثرة الجيران، وتحدث أضرارٌ، فلا تتأتى ملكية الجزء على وجهٍ ليس بمحدد الملكية؛ لأنهم قالوا: من ملك أرضاً ملك سماءها مثل ما قرر العلماء، وحينئذ نقول: من ملك شقة، فحينئذ ملك الشقة بدون أرضها، وبدون سمائها، وما الدليل على أنه يملك الشيء بدون أرضه ولا سمائه، فهذا الذي نريد له الدليل، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من اغتصب قيد شبر من الأرض طُوّقه يوم القيامة من سبع أرضين)، فجعل الأسفل تابعاً للأعلى! فهاتوا دليلاً يستثني هذا النوع من البيع، وأن من ملك الأعلى لا يملك الأسفل! هذا أمر يحتاج إلى تقرير أصل شرعي يمكن أن يبنى عليه جواز تجزئة العمارة بشققها؛ لأنه إذا قيل بصحة تجزئة العمارة بشققها، يقال بصحة تجزئة البيوت بغرفها. وعلى هذا فالذي يظهر، والذي يتبين أنه لا يصح بيع الشقق، ولكن نقول: هناك قول مخالف، ولهذا القول حجته ودليله لكنه لم يظهر لي؛ لأنهم يقولون، باعه جزءاً من العمارة، ويغتفرون هذا الجزء، وأقول: لا زال الإشكال قائماً، فإذا كانت العمارة من ثلاثة شقق كما ذكرنا، وقلت: تقسم أثلاثاً، عارضك صاحب الملك، فقال: السطح لي، وإن قلت: إن السطح ليس له، وإنما لصاحب الشقة الثالثة، فحينئذ صاحب الشقة الأولى يملك سطح شقته فلا يصح بيع الشقة الثانية، وصاحب الشقة الثانية يملك سطح شقته، كما ذكرت، وأظن هذا من ناحية فقهية لا يستقيم، فإذا قال: نقسم هذه العمارة أثلاثا بين الثلاث الشقق، عارض صاحب العمارة بأن له السطح، وإن قلت: ندخل صاحب العمارة شريكاً، قلنا: سبحان الله، شقة كاملة مبنية مدفوع فيها مئات الألوف، بسطح عارٍ لا بناء فيه ولا شيء، كيف تدخل؟ وما وجه الإدخال؟ وإن قلت: أدخله على أنه باع الأصل ولم يبع ما فوقه، نقول حينئذ: هذا الذي دفع قيمة الشقة ليست قيمتها كقيمة السطح؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرا وحقا. فالذي يظهر أنه لا بد من وضع حلٍّ، والشريعة ما تركت شيئاً وليس في هذا ضيق؛ لأن المراد من هذا حفظ حقوق الناس، فالذي يشتري يعرف ما الذي يأخذه، وما الذي يعطيه. فنقول: الحل أن العمارة إذا كانت من أربع شقق يعرضها، ويقول: هذه العمارة معروضة للبيع، إن شاء شخص أن يشتريها بأربعمائة ألف وتكون ملكاً له فبها ونعمت، وإن جاء أربعة يشترونها فلهم ذلك، وبدلاً من أن تجزئ شققها، بِع بيعاً شرعياً لا إشكال فيه ولا شبهة، فلماذا نُحدث هذه البيوعات التي ما كنا نعرفها ولم تكن موجودة بيننا؟ والبيع الشرعي أن نجعل البيع كما هو، ونقول: يعرضها في أربع شقق على أربعة شركاء، كلٌّ له ربع الأرض، ثم إذا ملك هؤلاء الأربعةُ الشركاء كان لهم التصرف في العمارة كما يتصرف الشركاء في أموالهم، فهو بيع شرعي ومخرج شرعي لا شبهة فيه ولا إشكال، هذا ما ظهر، والله تعالى أعلم. أما لو باع الشقة قبل أن تبنى فهذا أمر أشد؛ لأنه باع المعدوم وباع الشيء قبل أن يخلق ويوجد، فحين يقول: سنبني العمارة، أو سنبني الشقة، فالشقة لم توجد، فإن قالوا: يصح هذا البيع قياساً على السَّلَم، نقول: السلم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فهو في الموزونات والمكيلات، واختلف في المعدودات. وأما الدُّور فإنها تباع بالذرع، فهي مذروعة، والبناء مذروع، ولذلك يقال: طوله كذا وعرضه كذا، ويحدد أجرامه سُمكاً وطولاً وعرضاً، فهذا لا يدخل في السلم. وعلى هذا فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه من بيع الغرر، وبيع ما لم يوجد، ثم قد يقال: إننا سنبني هذه العمارة فيها مائة شقة، أو فيها مثلاً خمسون شقة، ثم تؤخذ الأموال، وبعد فترة إذا به قد قرر البيع على أنها كل شقة بمائة ألف، فلما أراد المنفذ أن ينفذ إذا بالأسعار قد غلت، وارتفعت قيمة المؤنة، فأصبحت بأضعاف القيمة التي رسمت، فهو بيع غرر؛ لأنك تدفع في زمان، وتنفذ في زمان، وإذا بالحقيقة تخالف الواقع، فيغرر الإنسان بنفسه، ولو قال المقاول أو المالك: أنا راضٍ، فالشريعة لا ترضى؛ لأن الرضا الذي يأتي على خلاف الشرع كبيع المخاطر
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-11-09, 10:01 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [2] من الأحكام المتعلقة بباب بيع الأصول والثمار: أنه لا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، على تفصيل في بدو الصلاح وعلاماته واختلافه باختلاف أنواع الثمار والزروع، وإن باع قبل بدو الصلاح فلابد من شرط القطع، على تفصيل في اختلاف أنواع الثمار والزروع وما يجز منها وما يلقط. بيع الثمار والزروع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ...... اشتراط بدو الصلاح في بيع الثمار وعلة ذلك فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه]: أي: ولا يجوز أن يباع ثمر قبل بدو صلاحه، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري)، أي: نهى البائع أن يبذل الثمرة على هذا الوجه، ونهى المشتري أن يدفع الثمن في هذا النوع من الثمار. وثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمارُّ أو تصفارُّ)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في السنن أن الناس كانوا يتبايعون الثمار، ثم إذا حضر تقاضيهم قال المشتري: أصاب الثمارَ الدمانُ -وهو نوع من الأمراض التي تصيب الثمرة فتتلفها- والدمان مثل ما يصيب البلحة حين يأتيها شيء مثل الحمار، أشبه بلون الدم إلى اللون البني، فتصبح يابسة لا طعم لها، وربما أفسد الثمرة بالكلية، فيقول المشتري: أصاب الثمرة الدمانُ، أصاب الثمرةَ القشامُ، لأمراض وعاهات يذكرونها، فلما كثرت خصوماتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
علامات بدو الصلاح في النخل علمنا الحكم وعلمنا الدليل فنحتاج إلى شرح هذه المسألة، فنقول وبالله التوفيق: النخلة كما ذكرنا تُطلع، وإذا أطلعت وتشققت وأبّرها الفلاح، تبقى ما لا يقل عن شهرين، فأول ما يخرج الكوز فيه الثمرة، وتنظر إلى العرجون الذي تراه حاملاً للثمرة بعد استوائها ونضجها، وإذا أخرجها الفلاح وغبرها، فقبل ما يخرجها تنظر إليها وإذا بها حبات مرتبة منسقة بنظام عجيب بديع غريب، وتتعجب من بديع صنع الله عز وجل، فإذا حضر موسم التأبير والتغبير فاذهب إلى المزرعة وانظر؛ لأن هذا مما يزيد العبد إيماناً بالله جل جلاله، وتحار العقول في بديع صنعه، قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ [السجدة:7]، حتى تحس بمعاني الآيات التي في كتاب الله جل جلاله، تنظر إليها وإذا بها في ذلك الكوز، وتنظر إلى الكوز نفسه فترى مادته الخشبية العجيبة في سماكتها وثخنها من الخارج، ولطفها ونعومتها من الداخل، وكيف أنه يحفظ الثمرة، وإذا بالثمرة تخرج بيضاء ناصع لونها نقية ليس فيها أي شائبة، أو أي خلل، أو أي ارتباك، بل متناسقة مرتبة منظمةٌ، الثمرة بجوار الثمرة بطريقة عجيبة بديعة، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء! سبحانه لا إله إلا هو! ووالله إن هذا يزيد من إيمان الإنسان، وينبغي لطلاب العلم أن ينظروا؛ لأن الله تعالى يقول: انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام:99] فالله تعالى ندبنا إلى هذا. فإذا نظرت إلى ذلك وجدته بهذه الطريقة، فيأتي الفلاح فيزيلها عن بعضها؛ لأنها مرتبة متناسقة، ويبعدها عن بعضها حتى يدخل الغبار فيما بينها، ويدخل لقاح الذكر فيما بينها، ثم يزيل هذا الوعاء، وتبقى مفتحة، وتبقى على مر الأيام بحساب دقيق عجيب غريب لا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، فإذا به مدة زمنية معينة يكتمل كبر هذه الثمرة، ونضجها واستواؤها، لا يسبق زمانه ولا يتعداه أبداً. ومن أغرب ما يكون أن يكون لها موسم معين، يكتمل فيه جرمها وحجمها، وبعض النخل يكون طويلاً كالعنبرة -نوع من أنواع التمر طويل- وبعضها صغير الحجم كالعجوة، خاصة المسماة العجوة الثانية، وهي التي تنطبق عليها السنة، وهي الصغيرة، وهناك عجوة طويلة، وهي عجوة مستحدثة وقعت شبيهة بالعجوة، لكن العجوة التي ينطبق عليها السنة أكثر هي العجوة الصغيرة. فالشاهد أنك تجد هذه صغيرة الحجم، وتلك طويلة الحجم، ثم تجد الوسط بينهما، كالصفاوي، ثم تجد هذا حلواً شديد الحلاوة، بحيث إنك إذا أكلته لا تستطيع أن تتمالك نفسك من قوة الحلاوة، وكذلك العكس، فتجد منها ما عذوبته في حموضته، شيء من الحموضة فيه، وتجد ما هو وسط بين الاثنين. فهذا الاكتمال إذا مرت الأيام تبدأ هذه الثمرة تكبر شيئاً فشيئاً، وإذا رأيت الحبوب تجدها بقدر حبة الذرة على أطراف الشماريخ، وتمر الفترة الزمانية فتبدأ تكبر شيئاً فشيئاً، حتى يتناهى كبرها في الزمان المعين، فلا تتقدم ولا تتأخر، وفي مثل ذلك يقول تعالى: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس:40]، وكل شيء مقدر، والله تعالى قدر له لا يزيد ولا ينقص، فإذا جاء وقت اكتمال جرمه -وهذا أول شيء- فبعد أن يكتمل الجذر يأتي اللون، فيضربها الحمار ويضربها الصفار، فتنظر إليها في الأول وإذا بها خضراء في حالة الخضرة، وهذا يسمى في عرف الناس الصربان، أي: وهي في الخضار قبل أن يضربها اللون، فهذا الأخضر الغالب في الثمار لا يؤكل؛ لأنك إذا أكلته وهو في خضرته، كأن سقماً يضر الإنسان، ويعطى علفاً للدواب، ولكن مع كونه هكذا في الغالب فقد جعل الله تعالى منه شاباً، فمنه الأخضر الذي إذا جنيته أخضر يكون من ألذ ما يكون، وهو الذي يكون في صنف الحلوة المشهورة أخضرها عذب ويؤكل، وله نكهة ولذة كما تجد اللذة فيها وهي بسرٌ أو ربط أو تمر؛ لكي يختلف الشيء فيدل على أن الله سبحانه وتعالى خالقها، كما قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49] فلو الأخضر لا يؤكل لكن الله تعالى جعل بعض الأخضر يؤكل، حتى ينبه على أن الله تعالى هو الذي جعله لا يؤكل؛ وقادر أن يجعله يؤكل. فالشاهد: أن هذا الأخضر لا يؤكل، وليس بزمان يصلح فيه الأكل، ففي هذه المرحلة تكون مرحلة قبل بدو الصلاح، فإذا صار أخضر ضربه اللون، وضربة اللون تكون عند بداية الصلاح، فإذا ضربه اللون الحمار أو الصفار فإن الغالب أن يأمن العاهة بقدرة الله عز وجل ويسلم، وأكثر الخطر يقع ما بين التأبير والاحمرار والاصفرار، أما إذا احْمَرَّ أو اصْفَرَّ فالغالب أن يسلم ويحفظ، إلا أن تأتيه آفة سماوية كإعصار، أو يأتيه سيل... إلخ. فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا يشمل مرحلة الطلع، ومرحلة التأبير، ومرحلة ما قبل الإزهاء، ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم وما تزهي؟ قال: (تحمار أو تصفار)، فجعل بدوَّ الصلاح بالاحمرار، أو الاصفرار. ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله تعالى أن بداية الجواز لبيع الثمرة بعد بدو الصلاح بالاحمرار أو الاصفرار. هذا بالنسبة للنخلة تحمر أو تصفر، فإذا احمرت أو اصفرت أمنت العاهة غالباً، ولذلك قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو -يعني يظهر، من بدا الشيء: إذا ظهر- يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.
علامات بدو الصلاح غير الحمرة والصفرة قد يقال: فإذا كان بدو الصلاح باللون، ففي بعض الأحيان تكون النخلة خضراء، كالخضري الآن، فالخضري لا يحمر ولا يصفر؟ قلنا: اللون علامة بدو الصلاح الأولى، وقد أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: (حتى تزهي؟ قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمار أو تصفار)، فإذا كان لونها واحداً قبل بدو الصلاح وبعد بدو الصلاح كالخضري، وهو نوع من التمر ونوع من النخل أخضرُ لا يحمار ولا يصفار، فمتى يحكم ببدو صلاحه؟ الجواب: يحكم ببدو صلاحه بطيب أكله، فإذا أصبح حلواً وطاب أكله، فحينئذ يكون قد بدا صلاحه، أما قبل الإزهاء فلا يمكن أن يكون حلوا، وفي بعض الأحيان يكون الفرق يوماً واحداً، بالأمس تمر على النخل فلا تجد فيها حبة صفراء، وتصبح في اليوم الثاني وإذا بها قد اصفرت أو احمرت، قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88] سبحانه لا إله إلا هو! وفي بعض الأحيان عندنا في المدينة إذا طلع سهيل تكون الثمرة موجودةً ويكون البلح موجوداً، فتأكل البلح بالأمس له طعم، وإذا طلع النجم أكلتها في اليوم الثاني كأنها لم تكن مرّةً، وهذا شيء جربته بنفسي؛ لأن الله تعالى قدر كل شيء بوقته وزمانه. فالشاهد أنه ربما يكون الفرق يوماً واحداً في بدو الصلاح، فما كان بلونه فبلونه، وما لم يكن باللون يكون بالطعم، والدليل على ذلك الحديث أيضاً، وهو صحيح وثابت أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تؤكل، فقوله: (حتى تؤكل)، وفي رواية: (حتى تُطعم)، وذلك بأن يكون طعمها صالحاً للأكل، وبناء على ذلك جاءت العلامة الثانية: أن يكون بدو الصلاح بالطعم. فهناك علامة بالطعم، وهناك علامة باللون، وهناك علامة ثالثة في النخل بالزمان، وهي طلوع الثريا؛ لحديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى يطلع النجم، وتؤمن العاهة)، أي: أن الله تعالى جعل طلوع النجم بداية لموسم صلاح الثمار، وهذا -كما ذكر بعض العلماء رحمه الله تعالى- من الاهتداء بالنجم الذي ليس بمحرم؛ لأن الله تعالى يقول: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، والمراد بطلوع النجم: طلوع الثريا، وهذا في بعض الأماكن مثل المدينة والحجاز، فإذا طلعت الثريا، يبدأ الصلاح، وفي المدينة غالباً إذا طلعت الجوزاء فإنه يبدو الصلاح، ويبدأ الإزهاء في النخل فيحمر ويصفر، وهذا كما ذكرنا علامة زمان، فسبحان الله الذي بيده ملكوت كل شيء!
استباق العلامات وما الذي يعتبر به منها إذا علمنا أن عندنا علامة باللون، وعلامة بالطعم، وعلامة بالزمان، فبالنسبة للطعم واللون والزمان فلا إشكال إذا اتفق الكل، بمعنى طلع النجم وجاء الزمان وبدا الصلاح فأزهت النخلة فاحمرت واصفرت، أو طاب طعم ما كان أخضر منها، لكن الإشكال لو سبقت علامة الزمان الاحمرار والاصفرار، أو سبقت علامةُ الاحمرار والاصفرار طلوع النجم، فهل العبرة بالزمان الذي وضعه الله تعالى سنة كونية؛ للسلامة من العاهة في الغالب؟ أم العبرة بالحال والصورة؟ قال بعض العلماء: العبرة بأي واحدة منهما؛ لأن السنة دلت على هذا كما دلت على هذا، فأيُّ العلامتين ظهرت أو سبقت فالعبرة بها، والغالب أنه لا يسبق إلا باليوم أو اليومين والشيء اليسير، وهذا بقول أهل الخبرة: إنه لا يسبق إلا بالشيء اليسير. فنخرج من هذا بالخلاصة: أن بيع الثمر إذا بدا صلاحه في النخل، سواء كان باللون أم بالطعم، أم بالزمان، فإنه يحكم بجواز بيعه، سواء اتفقت هذه العلامات أم سبق بعضها، فإنه يعتبر موجباً للحكم بالجواز. هذا بالنسبة للنخل، ويبقى غير النخل، وفي الحقيقة من المستحب والأفضل لطالب العلم دائماً أن يكون على إلمام بمثل هذه الأشياء إذا كانت المسألة تتصل بالزروع والثمار؛ لأنك تُسأل وتُستَفَتى، وقد تكون في المدينة لا ترى شيئاً من هذا، لكن افرض أنك يوماً سافرت إلى قرية، فجاءك الفلاحون يسألونك: ما حكم الشرع في بيع النخيل والزروع والثمار؟ فينبغي لطالب العلم أن يكون عنده إلمام بمثل هذه الأشياء، فإذا جاء فصل التأبير ذهب ونظر وعرف التأبير، وكان الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله تعالى برحمته الواسعة يخرج مع طلابه، لكي يمتثل أمر الله عز وجل بقوله : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17] وكان رحمه الله تعالى يمسك بالبعير، ويجسه رحمه الله تعالى برحمته الواسعة، فيُعَوّد الإنسان نفسه على أنه يعرف الأشياء على حقيقتها، فإن كانت المسألة متصلة بالزروع والثمار سأل أهل الخبرة بالزروع والثمار. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذا ذكر المسألة أسهب فيها، كأنه يحسن هذا الفن والعلم، وقد ذكر مسألة الأهلة، فجاء يتكلم على منازل الهلال واختلاف المطالع حتى تكاد تقول: إنه فلكي، وفعلاً هو قد درس علم الفلك؛ لأنه لا يمكن أن يحكم بهذه الأشياء من كون المطالع تتفق أو تختلف، إلا إذا كان متقناً لعلمها، فإتقان العلوم وضبطها مهم، وعليه أن يرجع إلى أهل الخبرة وأهل النظر، ليصبح طالب العلم على بصيرة من أمره وعلى علم، حتى يمكنه ذلك من الترجيح في المسائل، فهذا أمر مهم جداً.
علامات بدو الصلاح في العنب وغيره إذا عرفنا المسألة بالنسبة للنخل، فتنتقل إلى العنب، فالعنب أول ما يخرج إذا خرج في عناقيده يكون صغير الحجم، وهذا الحجم الصغير لو أخذت منه حبة تكاد تكتوي من حموضتها، ثم يستتم يكبر شيئاً فشيئاً، حتى يبلغ قدره الذي قدره الله تعالى له، فيبقى على خضرته الغامقة، وإذا أكلته أكلته حامضاً، فإذا جاء وقت صلاحه تفتحت خضرته، وضربه الماء فإذا بلونه اليوم ليس كلونه بالأمس، وإذا بطعمه الساعة ليس كطعمه قبل أن يأذن الله تعالى بحلاوته، فيتموه، وهذا التموه هو بداية الصلاح. وإذاً يكون صلاح العنب بالطعم، وفي حديث عند أحمد رحمه الله تعالى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسودّ)، وهذا في نوع خاص من العنب، يكون باللون، لكن بالنسبة لضابطه يكون بالطعم؛ لأنه أخضر، فينظر الطعم بالنسبة للعنب إلا في بعض أنواعه، كالأحمر الذي يكون غامقاً؛ فإن بداية صلاحه تكون بالحمرة الغامقة. ومما يبدو صلاحه بالطعم -أن يصبح حلواً بعد مرارته ويكون سكرياً- قصب السكر، فقصب السكر إذا أُكل قبل بدو صلاحه لا يكون له طعم، ولا يوجد له طعم العذوبة السكرية الموجودة فيه، فإذ بدا صلاحه كان طعمه مستعذباً، فقالوا: بدو صلاحه أن يحلو بعد مرارته. وفي بعض الأحيان يكون بدو الصلاح بلينه بعد يبسه، ومن أمثلته التين، فإن التين يبدأ يابساً، وتكون حياته صلبة شديدة، ثم بعد ذلك يبدو صلاحها فتلين شيئاً فشيئاً، حتى البطيخ، إذا كانت صلبة شديدة فاتَّقها، لكن إذا كانت رخوة فمعنى ذلك أنها قد بدا صلاحها، ولذلك تجدهم يضربون عليها حتى يستكشفون ما فيها، فقالوا: كالتين والبطيخ، يلين بعد شدته. وهناك ما هو عكس -وانظر إلى قدرة الله تعالى- فهناك ما يطيب بشدته بعد لينه، وهي العلامة الرابعة، مثل الحبوب، في السنابل، كالبر والشعير، فإنه أول ما يبدأ يكون ليناً، ولو أخذتها وعصرتها لخرج مادته، ثم تبدأ تشتدّ شيئا فشيئاً حتى تيبس، كما في الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتدّ)، فهذا الاشتداد، قالوا: اشتداده بعد لينه عكس الأول. وهناك ما يبدو صلاحه بانتهائه في الكبر، أو الطول، كالقثاء (الخيار) وكالبطيخ والخربز ونحوه، فإنه لا يمكن أبداً أن يباع وهو صغير، فهذا يتعاظم حتى يبلغ غاية عظمه، فمنه ما يكون بالطول مثل القثاء، ومنه ما يكون بالحجم كالدباء، فالدباء تكون بكبر الحجم وهو الذي يسمى بالقرع. كذلك أيضاً يكون من بدو الصلاح أن يتفتح عن أكمامه، كالورد، فالورد إذا تفتح من كمه بدا صلاحه، لكن قبل أن يتفتح وهو مصكوك كثيراً ما تهجم عليه الحشرات، أو تأتيه الآفات ولا يتفتح، ولا يغلب على الظن سلامته إذا لم يتفتح، إنما يغلب على الظن سلامته إذا بدأ يتفتح ، فهذا يكون بتفتحه من أكمامه. فهذه من أشهر علامات بدو الصلاح. قال رحمه الله تعالى: [ولا زرع قبل اشتداد حبه]: أي: ولا يجوز بيع الزرع قبل اشتداد حبه، كالشعير ونحوه؛ لحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد). وكذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الحب حتى يبيض، وإذا اشتدّ يبدأ ييبس غلافه الخارجي، وهذا هو البياض، أي: يشتدّ ويشتدّ حتى يتساقط ما عليه ويكتمل استواؤه.
البيع قبل بدو الصلاح ...... بيع الثمر وما يجز ويلقط من الزرع قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا رطبة وبقل ولا قثاء ونحوه كباذنجان، دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال، أو جزة جزة، أو لقطة لقطة]: ذكرنا أن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على تحريم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، ويشهد لذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، نهى البائع والمشتري. وذكرنا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أيضاً بمعناه. ومعناه أن الشريعة لا تجيز بيع الثمار، ولا بيع محاصيل المزروعات إذا كان بيعها على وجه فيه غرر وتغرير ومخاطرة على المشتري. وبناء عليه قلنا: لا بد من بدو الصلاح في الثمار، سواء أكانت من النخيل أم كانت من غيره من المزروعات، وبينا هذا كله. لكن السؤال يتعلق ببعض المزروعات التي تجز محاصيلها، وبعضها تلتقط، كالرطبة، فإن أصلها ثابت، ويجز ظاهرها، فتجز الجزة، ثم تنبت مرة ثانية، ثم تجز، وهكذا بعض أنوع الجزر الذي يؤخذ ورقه علفاً للدواب، يجز ظاهره ويبقى أصله، وكذلك أيضاً البرسيم يجز ظاهره ويبقى أصله في الأرض، فإذا باع رجل برسيماً، كأن يأتي رجل يريد حوض برسيم من صاحب مزرعة، فيقول له: بعني هذا الحوض من البرسيم، فقال له: أبيعك بمائة، قال: قبلت، فإنه في هذه الحالة قد اشترى البرسيم بالجزة الظاهرة، فلا يجوز أن يشتري البرسيم بأصله، وذلك لأنه لا يعلم، ولا ندري كم جزة ستكون فيه، ولا ندري كم سيكون بقاؤه في الأرض، فبعض البرسيم قد يبقى سنة، وبعضه قد يبقى ثلاث سنوات، وقد يبقى إلى فوق خمس سنوات، كما في البرسيم الحجازي، فإنه يجلس إلى أكثر من خمس سنوات، وربما إلى عشر سنوات، فلو أنه باعه البرسيم الظاهر شيئاً موجوداً، لأنه يكون في الظاهر في شيء موجود، لكن بالنسبة لما هو باطن في السنوات والشهور والأيام الآتية فإنه مجهول كبيع الثمرة في النخل سنين وأعواماً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه نهى عن بيع السنين والمعاومة، وبيع السنين والمعاومة كما فسره العلماء رحمهم الله تعالى: هو بيع الثمرة -أعني ثمرة النخل- سنوات، فيقول له: أشتري منك محصول مزرعتك من التمور ثلاث سنوات، فلا يجوز هذا؛ لأنه وإن كان في السنة الأولى قد باع ثمرة قد بدا صلاحها، ففي السنة الثانية مجهولة وفي السنة الثالثة مجهولة، فكذلك لو باعه البرسيم الذي يجز على مراتب، فلو كانت الجزة الأولى ظاهرة فإن ما سيأتي مجهول. وعلى هذا فإنه لا يباع من الشيء الذي يجز مرات مع بقاء أصله إلا الجزة الظاهرة، فتقول له: أبيعك هذا الحوض الموجود الآن بمائة، أو أبيعك هذه الخمسة الأحواض بخمسمائة، فاشتراها بخمسمائة ثم قام بجزها علفاً لدوابه، فلا حرج وهو جائز، لكن لو قال له: أشتري منك هذا البرسيم مدة بقائه في الحوض، لم يجز؛ لأنه بيع مجهول، ويغرر به، فربما ظن أن هذا البرسيم يبقى في الحوض سنة، فإذا به يبقى أقل، وربما ظن البائع أنه سيبقى سنة ثم سيبيع حوضاً ثانياً، فإذا به يبقى خمس سنوات، فهو من بيع المخاطرة، ثم هو بيع للمجهول، لا يدرى أيوجد أو لا يوجد، وهل يخرج جيداً أو يخرج رديئاً. والخلاصة: أن المصنف هنا يريد أن يطبق القاعدة في بيع الأصول والثمار، وهي أنه لا يجوز بيع الغرر. وبيع الغرر في بيع الأصول والثمار. فالبرسيم له أصل، وله ثمرة هي نتاجه الظاهر، والجزة الظاهرة، وكذلك الرطبة لها أصل، وهو الذي يسمى بالجزر، وهو غير الجزر المعروف الذي يعصر، وإنما الجزر السميك المتين هذا الذي يباع وله ورق يزحف على الأرض يقطع علفاً للدواب، هذا النوع من الجزر، وهذا النوع من العلف الذي هو البرسيم لا يباع إلا جزة ظاهرة، ولا يباع أصله مع ثمرته؛ لأننا لا ندري كم ينتج الأصل. لكن لو باع المزرعة وكان فيها صح تبعاً، ولم يصح أصلاً، وقد بينا القاعدة: أنه يجوز في التبع ما لا يجوز في الأصل، وبينا ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما. قوله رحمه الله تعالى: [ولا رطبة]. أي: ولا يجوز بيع الرطبة، وفي حكمها كل شيء مما يكون مستتر الأصل، ظاهر الثمرة فلا يباع إلا الثمرة، ولا يباع النتاج إلا على الظاهر، أن يأخذ ظاهره جزة جزة، أو لقطة لقطة، كما سيأتي في لفه ونشره رحمه الله. قوله: [وبقل]: البقول كما لا يخفى تستتر في الأرض، ولما قلنا: أنه لا يجوز بيع الظاهر من البرسيم إلا جزة جزة، لا يجوز أيضاً بيع البقول إلا لقطة لقطة، ومن هنا فلا يجوز بيع الفجل، ولا يجوز أيضاً بيع الكرّاث، إلا إذا كان قد استخرج الفجل من الأرض، وهكذا بالنسبة للكرّاث، تكون الجزة الظاهرة هي التي تباع؛ لأن الكرّاث كالبرسيم، إذا استتم طوله جزه، ثم ينبت مرة ثانية، ثم يجز فينبت مرة ثالثة، فلا يبيع أصل الكرّاث وفرعه، وإنما يبيع الجزة الظاهرة، وهذا على القاعدة التي ذكرناها: أنه لا يصح البيع إلا لشيء معلوم لا يغرر فيه بالمشتري، وإنما يكون المشتري على علم وبينة، حتى يعلم أن المال الذي يدفعه هل يُستحق لهذا الشيء، ويعلم ما الذي له وما الذي عليه، فلا يجوز إلا لقطة لقطة بالنسبة لما يلتقط، وجزة جزة بالنسبة لما يجز، وهذا كله دفعاً للضرر الذي اشتمل عليه هذا النوع من بيوع الغرر. قوله: [ولا قثاء]: القثاء معروفة، والقثاء إذا أثمرت يكون بعض الحبوب مستتم الخلقة، وبعضها صغيراً، وبعضها متوسطاً، فمنها ما استتم خلقه، ومنها ما لم يستتم، وبناء على ذلك يقولون: لا يبيع إلا الذي استتم خلقه، ومن هنا كما قلنا: لا يجوز بيع المجزوز إلا جزة ظاهرة، جزة جزة، كذلك الملتقط لا يجوز بيعه إلا ما كان متأهلاً صالحاً للالتقاط، أما الذي لم يصلح للالتقاط، فإن بيعه كبيع الحب قبل اشتداده، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والقاعدة واحدة، والشريعة جاءت بقاعدة، وهي أن بدو الصلاح تؤمن معه العاهة غالباً. فإذاًَ بعد أن قررت القاعدة فوردت في النخل، ووردت في الحبوب، فأصبح النخل أصلاً لما ظهر،والحبوب أصلاً لما يحصد، هذا أصل، وهذا أصل، والمعنى في كل منهما أن لا يغرر بالمشتري، ومن هنا كانت الشريعة الإسلامية حافظة لحق البائع، حافظة لحق المشتري، فكل يشتري الشيء بيناً واضحاً دون أن يغرر البائع بأخيه المسلم، ودون أن يشتري المسلم شيئاً يجهله، فيغرر بماله ويخاطر بحقه. قوله: [ونحوه كباذنجان]: ذلك؛ لأن فيه الصغير والكبير، وما بدا صلاحه وما لم يبدُ، فلو قال له: أبيعك محصول الباذنجان هذا، فإنه لا يجوز. وقال بعض العلماء في القثاء والباذنجان، كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى وطائفة: يجوز بيع كله إذا بدا الصلاح في بعضه، قياساً على النخيل، ولا شك أن الغرر في الباذنجان والقثاء أعظم من الغرر في النخيل، فإن النخيل، إذا بدا الصلاح في بعضها فغالباً تؤمن العاهة فيها كلها، ولكن المحاصيل تختلف عن ذلك، وهذا معلوم بالتجربة، ورجح بعض العلماء قول من قال بالجواز، وقال: إن الذي هو صغير، أو لم يظهر في حكم الظاهر، ولكن هذا ضعيف، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علل النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بخوف الآفة والعاهة، وهذا المعنى موجود في المحاصيل التي لم يستتم خلقها.
البيع قبل بدو الصلاح بشرط القطع قوله: [دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال]: بعد أن ذكر لنا الرطبة، وذكر لنا البقلة، وقال: لا يجوز بيع ما لم يبدُ صلاحه، وكذلك الباذنجان وما في حكمه، ذكر أن هذه الأشياء كلها، لا يجوز بيعها إلا بشرط القطع في الحال. وهنا مسائل سندخل فيها تتعلق ببيع الشيء الذي لم يبدُ صلاحه. قد قررنا أن الشيء الذي لم يبد صلاحه من التمور ومن المزروعات ومن الحبوب، لا يجوز بيعه، والشريعة دالة على هذا، والنصوص واضحة في هذا الحكم. لكن بيع الشيء الذي لم يبد صلاحه، له حالات: الحالة الأولى: أن يشتري ثمرة لم يبدُ صلاحها بشرط أن يقطعها في الحال، كأن يعطيها علفاً للدواب. الحالة الثانية: أن يشتريها من أجل أن يستبقيها لكي تصلح. فإن اشترى ثمرة بستان، لم يبدُ صلاحها، واشترط أن يقطعها فوراً، أو اشترط البائع على المشتري أن يجز ويقطع العراجين التي هي للثمرة فوراً فالبيع صحيح في قول جماهير العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (الأئمة الأربعة)، وهو مذهب جماهير السلف والخلف: أن من اشترى ثمرة بستان قبل بدو الصلاح بشرط أن يقطعها فوراً، صح البيع؛ لأن السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بينت العلة، وهي أنه لا يؤمن على الثمرة أن تفسد، فإذا كان يريدها في الحال، ويقطعها في الحال علفاً للدواب، فقد زالت العلة. وإليك توضيح هذه المسألة: نحن ذكرنا أن النخل يطلع وبعد الطلع يتشقق ثم يؤبر، ثم يجلس فترة ما بين التأبير وما بين بدو الصلاح، فهذه الفترة التي ما بين التأبير وبدو الصلاح، هل يجوز فيها بيع الثمرة أو لا؟ الواقع أن هذه الفترة إذا وقع فيها البيع لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يبيع بشرط القطع. الحالة الثانية: أن يبيعها بشرط التبقية. الحالة الثالثة: أن يبيع بيعاً مطلقاً، أي: خالياً من شرط القطع والتبقية. فإذا بدت الثمرة فأبرها صاحبها، ولم يبدُ صلاحها، ثم باعها قبل بدو الصلاح، فإما أن يبيع بشرط القطع أو يبيع بشرط التبقية، أو يبيع بيعاً مطلقاً. أما الحالة الأولى: فهي أن يبيع بشرط القطع، كأن يكون عندك بستان فيه مائة نخلة أطلعت، ولكن لم يبدُ الصلاح في الثمرة، فالأصل الشرعي يقتضي عدم جواز البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة أنه نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، هذا الأصل الشرعي، لكن لو جاءك رجل، وقال لك: هذه الثمرة التي في البستان ثمرة مائة نخلة أريد أن أشتريها وأقطعها فوراً علفاً للدواب، وفي بعض الأحيان إذا أطلع النخل لأول مرة فبعض أهل الخبرة يقطعون الثمر، ويقولون: إن هذا يفيد النخلة كثيراً ويقوي النخلة، وفي بعض الأحيان حتى لو أطلعت وكان طلعها كثيراً، وفيها عراجين كثيرة، يقطعون بعض العراجين، ولو كانت في السنة الثانية أو الثالثة أو بعد سنوات، فيقطعون بعض العراجين؛ لأنه إذا قطع بعض العراجين قوي المحصول في الآخر، وبقاؤه قد يؤثر على النخلة؛ لأن كثرة المحاصيل تؤثر عليها، فربما أجهلت في السنة الثانية، أي: لا تطلع، فيقطعون المحصول عنها، حتى يخف العبء على النخلة الأم؛ لأنه مثل الحمل في الآدمية، فيخففون عنها، فهذا العرجون إذا قطعت ثمرته قبل بدو الصلاح هل يجوز بيعه أو لا؟ نقول: يحرم بيعه على النخلة بشرط التبقية، أو بيعاً مطلقاً، أما لو قطعه وباعه بعد قطعه، أو اشتراه رجل واشترط أن يقطعه، فإنه يصح البيع. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، قال عليه الصلاة والسلام: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك، فبم تستحل أكل ماله). وتأمل الحديث فإنه نهى عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين العلة، قال: (أرأيت أي: أخبرني، لو منع الله الثمرة عن أخيك)، يعني: لو بعت بستانك لرجل ولم يبدُ الصلاح -وقبل بدو الصلاح لا تؤمن الآفة- كما ذكرنا فقال صلى الله عليه وسلم: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك)، أي: جاءت الآفة فعلاً، وتلفت الثمرة، فبم تستحل أكل ماله، فالثمرة تلفت؛ لأنه قبل بدو الصلاح لا يؤمن التلف، فإذا تلفت الثمرة صار المال لقاء لا شيء، وأصبح حينئذ البائع يأخذ مالاً بدون ثمرة في مقابله، فقال صلى الله عليه وسلم : (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله)، فأخذ الجمهور من هذا الحديث دليلاً على أن العلة في تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هو خوف فسادها، فإن كان يريدها حاضرة ناضرة بحالها هذا، لكي ينتفع بها علفاً للدواب، لا للآدميين الذين بسببهم منع البيع خوفاً من فسادها قبل أن ينتفعوا بها، جاز البيع، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن السنة واضحة الدلالة عليه، وهو مذهب صحيح؛ لأن القاعدة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والعلة هنا جاءت منصوصاً عليها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا ثبت هذا فمن باع ثمرة من بستان قبل بدو صلاحها، فإنه يجوز إذا كان بشرط القطع، أو قطعها وعرضها للبيع فإنه جائز؛ لأن العلة في هذا التي من أجلها حرم البيع قبل بدو الصلاح غير موجودة، والأصل حل البيع، وهذا يريدها علفاً للدواب، ولا يريدها للآدميين. الحالة الثانية: أن يبيعها بشرط التبقية، كأن يكون عندك مائة نخلة ولم يبدُ صلاحها، فأطلعت وأبرتها، وبعد التأبير وقبل بدو الصلاح جاءك رجل، وقال : أريد أن أشتري منك صيف البستان في هذه السنة، قلت له: صيف هذا البستان في هذه السنة بمائة ألف، قال : إذاً أشترط عليك أن تبقيها لي حتى يبدو صلاحها، فهذا يسميه العلماء: شرط التبقية، عكس الأول، إذ الأول يشترط القطع والثاني يشترط التبقية، والتبقية تفعلة من البقاء، أي: يقول المشتري للبائع: أنا أشتريها، والآن لم يبدُ صلاحها، ولكن شرطي عليك أن تبقيها لي حتى آكلها بلحاً، أو آكلها رطباً، وآكلها تمراً، فهذا يسمونه شرط التبقية. ففي الحالة الأولى حالة اشتراط القطع فإن البائع هو الذي يشترط غالباً؛ لأن من مصلحته أن تقطع الثمرة حتى يرتفق النخل وينتفع بذلك. وفي الحالة الثانية حالة اشتراط التبقية فإن الغالب أن يشترط المشتري. ففي الحالة الثانية إذا اشترى قبل بدو صلاحها، واشترط في العقد أن تبقى إلى بدو الصلاح، فالإجماع على تحريم هذا البيع؛ لمخالفته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، فإذا باعها قبل بدو صلاحها، واشترط بقاءها فالعلة موجودة بخلاف الحالة الأولى التي فيها العلة مفقودة. لكن هناك وجه عند المالكية خرجه اللخمي من أصحاب الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقتضي الجواز، ولكنه شاذ وضعيف. وشذوذه لمخالفته الإجماع، ومخالفته لنصِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً في الحالة الأولى إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فالصحيح قول الجماهير ومنهم الأئمة الأربعة بصحة البيع، لظاهر السنة، وأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والحالة الثانية: أن يبيع بشرط التبقية، فالإجماع على عدم الجواز، وهناك وجه شاذ عند المالكية يقتضي الجواز، وهو باطل لمخالفته السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحالة الثالثة: أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها ويكون البيع مطلقاً. والبيع المطلق هنا: هو الذي لا يشترط فيه القطع ولا تشترط فيه، كأن يقول: عندي مائة نخلة، وهذه المائة نخلة لم يبدُ صلاحها، قال : أنا أشتريها منك بمائة ألف، وسكت البائع، وسكت المشتري، فلم يشترط هذا ولم يشترط هذا، هذا يسمى عند العلماء بالبيع المطلق؛ لأنه عري عن الشرط. فإذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها بيعاً مطلقاً، فما الحكم؟ جماهير العلماء على عدم صحة البيع؛ لأن السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم حرمت بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقال الحنفية: يصح البيع، ولكن يجب على المشتري أن يقطع، فقالوا: نصحح البيع، ونلزم المشتري بالقطع فوراً، وهذا ضعيف؛ لأنه مصادم للسنة الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي نهى فيها عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولم يفرق بين الذي فيه شرط التبقية، وبين الذي فيه شرط القطع، وبين الذي هو بيع مطلق، وجاء الاستثناء لشرط القطع بالعلة، فبقي ما عداه على الأصل الموجب للتحريم؛ لأن السنة: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، فجاءت السنة بالعلة وقيدت حال القطع، فبقي ما عداه على التحريم. إذاً الخلاصة: أن بيع ثمرات النخيل قبل بدو الصلاح، -وهو ما بين التأبير، وما بين بدو الصلاح الذي هو الإزهاء- له ثلاث صور: إما أن يبيعه بشرط القطع، فيصح في قول الجماهير، لظاهر حديث أنس رضي الله عنه: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك). أو يبيعه بشرط التبقية، فلا يصح بإجماع، وفيه شذوذ لا يعول عليه. أو يبيع بيعاً مطلقاً، فالجمهور على عدم الجواز لظاهر السنة، والحنفية مخالفون، والصحيح مذهب الجمهور.
تابع بيع ما يجز ويلقط بعد هذا نرجع إلى مسألة بيع الرطبة والقثاء ونفرِّعها على بيع الثمرة، وانظر إلى دقة المصنف رحمه الله تعالى، حيث جعل بيع النخل بشرط القطع أصلاً، فألحقت به الزروع والثمار والمحاصيل التي تكون في نفس المعنى، فإذا كان الزرع مما يحصد مثل الكرّاث، أو الجُزر الذي يراد ورقه، أو البرسيم، الذي يراد علفاً، فلا يجوز بيع أصله وفرعه، لكن لو باعه بشرط القطع على الجزة الظاهرة صح له ذلك وجاز؛ لأن العلة من خوف الغرر غير موجودة، ويلحق بهذا ما يلتقط، فكما أن الذي يجز يباع فيه الجزة الظاهرة، كذلك الذي يلتقط كالقثاء والباذنجان، والقثاء يختلف؛ لأنه لا يبدو صلاحه إلا إذا تناهى في الطول، والباذنجان لا يبدو صلاحه إلا إذا تناهى في الجرم والحجم، ولذلك قد تبيع الباذنجان وهو أخضر، ثم يصير أحمر، فاللون ليس لذاته مؤثراً، ولكن المؤثر تناهي الحجم، والحجم إما في الطول كما في القثاء، وإما في العرض كما في الباذنجان، وانظر كيف اختار المصنف رحمه الله تعالى، حتى نعلم أن الفقهاء حين يأتون بالتمثيل والتقريب يراعون الأحوال المختلفة، فإن سئلت عن ثمرة طويلة كالقرع المديني تقول : تلتحق بالقثاء، فإن الفقهاء نصوا على عدم جواز بيع القثاء إلا ما تناهى كبره للَّقطة الظاهرة، فلا يباع القرع المديني إلا بعد تناهي طوله فيما تم طوله وتناهى. وأما ما كان من عرضه ممتلئاً فتقول: لا يصح بيعه إلا بعد تناهي كبره لبدو صلاحه في اللقطة الظاهرة، كالقرع غير المديني، وهو القرع الذي يكون مدوراً، فهذا يكون صلاحه بعد تناهي كبره، ويكون للقطة الظاهرة، فيبيع ما صلح للقط، وأما ما لم يصلح فإن البيع فيه بيع غرر، فينتظر إلى صلاحه. [أو جزة جزة]: ذلك كالكرّاث، وكذلك أيضاً البرسيم وأنواع العلف، والقصب. قوله: [أو لقطة لقطة]: وذلك كما ذكرنا في الأشياء التي تلتقط ويكون بعضها لم يصلح، ولم يستتم صلاحه، أو لم يتناه كبره، فإنه حينئذ يباع لَقطة لَقطة. ولاحظ عبارة المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه ولا زرع قبل اشتداد حبه، ولا رطبة وبقل، ولا قثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال أو جزة جزة أو لقطة لقطة]. فأول شيء ذكر لنا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وأعاد عليها قوله: [دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال] فلا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، وحينئذ تعيد إليها [إلا بشرط القطع]، أي: لا يباع ثمر قبل بدو صلاحه إلا بشرط القطع. ثم قال: [ولا زرع قبل اشتداد حبه ولا رطبة وبقل، ولا قثاء ونحوه كباذنجان] وأعاد عليها قوله: [أو جزة جزة أو لقطة لقطة]، فجعل القطع عائداً إلى النخل، فيقطع ما عليها من العراجين والشماريخ، والجز عائداً إلى الحب وإلى الرطبة، والحب يجز ويحصد ويقص من الأرض، سواء بالآلات أم بالوسائل الموجودة الآن، فالمهم أنه يحصد. وأيضاً كذلك الرطبة، قلنا أصلها باطن وفرعها مقصود، كالبرسيم يجز ظاهره، والكراث يجز، فلا يباع إلا جزة جزة، وبعد الجزة قال: [أو لقطة لقطة]، كقثاء وباذنجان ونحوه؛ لأنه يلتقط فأعاد اللقطة إلى الباذنجان والقثاء ونحوهما. وهذه أمور كانت من أوضح ما تكون، أي: الزروعات، وكان الناس عمال أنفسهم كما قالت عائشة رضي الله عنها: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم)، وهذه الأمور أصبحت تخفى. فيكون كلامه على هذا فيه لف ونشر، فتعيد القطع إلى النخل، والجز إلى الحب وإلى الرطبة، والالتقاط إلى القثاء والباذنجان. إذاً: هذه الأمور كلها مرتبة على حسب إيراد المصنف رحمه الله من الأنواع الأول.

شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [3] تبادل المنافع بالبيع والشراء حاجة من حاجات الناس، ولما كانت النفوس مجبولة على استيفاء حظوظها والنظر في مصالحها دون مصالح الآخرين، فإن هذا قد يؤدي إلى النزاع في البيع والشراء فيما يستحقه كل منهما بالبيع، أو وقوع الغبن على أحدهما، فاقتضت تعاليم الشريعة المحكمة أن تضع شروطاً وضوابط وموانع لما يباع، وبيان حقوق البائع والمشتري في البيع، وبيان بطلان البيع.. إلى غير ذلك مما يجب على المسلم علمه حال البيع، وفي هذه المادة بيان لبعض هذه التعاليم الغراء في بيع الأصول والثمار خاصة. أحكام تتعلق بالبائع والمشتري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلف الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري]: ...... من يلزمه الحصاد والجذاذ واللقاط ونبدأ بالنخيل، فإن اشترى ثمرة مائة نخلة في هذا الصيف بعد بدو الصلاح والشروط متوفرة، وبعد أن تم البيع، وحان وقت جني المحصول، قال المشتري للبائع: النخل نخلك، والثمرة اشتريتها منك، فاحصده لي، فأنت الذي تجذ النخل، وعليك الجذاذ. وكما هو معلوم النخل تارة يؤخذ بثراً، وهذا يحتاج إلى التقاط، ورطباً يحتاج إلى التقاط، وتمراً يحتاج إلى جذ، فيجذ العرجون كله ثم يحصد ما فيه، فقال: أنا اشتريت منك ثمرة بستانك فالذي عليك، أن تجذ لي النخل، وتلتقط لي الرطب، وتلتقط لي البثر، قلت له: يا أخي أنا بعتك الثمرة، والحصاد والجذاذ عليك أنت! وهذا النخل موجود فادخل وخذ ثمرتك، أما أنا فكيف أتكلف هذا؟ لأن الحصاد يكلف بعض الأحيان عشرات الألوف، خاصة إذا كان النخل كثيراً وفيه مؤنة ومشقة، وفي مثل مواسم الحصاد. فيأتي السؤال: هل الحصاد والجذاذ على البائع، أو على المشتري؟ يقول رحمه الله تعالى: [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري]، أي: أنت أيها المشتري عليك مؤونة جني الثمرة، فالثمرة ثمرتك وهو يمكنك من دخول البستان لجني المحصول، ويكون هذا بالمعروف، فإذا مكنك من ذلك فهذه ثمرتك، إن شئت تأخذها بلحاً وإن شئت تأخذها رطباً، وإن شئت تأخذها تمراً، فيخلي بينك وبين المبيع، أما أن تلزمه بالجذاذ، فهذا ليس من حقك. وقوله: [والحصاد]، الحصاد في الزروع، كحصد محصول الحب، والشعير، ونحو ذلك، فيقول البائع للمشتري: أنت الذي تحصد، فتأتي بمن يحصد لك هذا الحب الذي اشتريت مني. فتكون مؤونة الحصاد على المشتري لا على البائع. قوله: [والجذاذ]: كذلك جذ النخل، فإذا أراد أن يجذ نخله والثمرة التي اشتراها، تكون المؤونة والأجرة على المشتري لا على البائع. قوله: [واللقاط على المشتري] كذلك اللقاط، وهو الجني، مثل القثاء يلتقطها، ومثل الباذنجان والكوسة والباميا، ونحو ذلك من الأشياء التي تحتاج إلى التقاط، فإن مؤونة الالتقاط على المشتري، لا على البائع.
حالات يبطل بها البيع قال رحمه الله تعالى: [وإن باعه مطلقاً، أو بشرط البقاء، أو اشترى تمرا ً قبل بدو صلاحه بشرط القطع، وتركه حتى بدا، أو جزة أو لقطة فنمتا، أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها، أو عرية فأثمرت، بطل والكل للبائع] قوله: [وإن باعه مطلقاً]: تقدم أن البيع المطلق هو الذي ليس فيه شرط التبقية ولا شرط القطع، أي: يبيعه بيعاً خالياً من الشرط، وينبغي على طالب العلم أن يتنبه إلى أن سياق الكلام هنا في الثمرة التي لم يبدُ صلاحها؛ لأن الكلام متصل بقوله: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه]. فيرد السؤال: الحكم أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فلو حصل وباعه قبل بدو الصلاح؟ قال رحمه الله تعالى: [وإن باعه]، أي: قبل بدو الصلاح، [بيعاً مطلقاً... بطل]، فالأصل يقتضي عدم جواز البيع، خلافاً للحنفية، إذ يرون أنه لو باعه بيعاً مطلقاً فإنه يجوز، ويجب على المشتري أن يقطع فوراً. فلو باعه بيعاً مطلقاً وتم البيع بينهما مخالفا للسنة التي ذكرنا، ومضى الحال سواءٌ علم الحكم أم جُهل، ثم بعد أربعة أشهر لما بدا الصلاح سأل أهل العلم، فقالوا: هذا البيع لا يجوز، فماذا يكون حكمه؟ الثمرة الآن صالحة، فهل تكون الثمرة ملكاً للبائع، بناء على أن البيع فاسد، والأصل أنها ملك له ولم تخرج من يده؟ أم أنها ملك للمشتري بناء على أنه لم يتدارك الفساد؟ بين رحمه الله تعالى أنها ملك للبائع، وهذا هو الصحيح؛ لأن هذا البيع فاسد من أصله، فلما تبايع معه بيعاً غير شرعي، فمعناه أن الثمرة ما زالت باقية في ملك البائع، وأن المشتري لا يملك هذه الثمرة؛ لأن الإيجاب والقبول والصيغة وقعت على وجه غير معتبر، فوجودها وعدمها على حد سواء، لكن ما الحكم حينئذ؟ الجواب: يُلزم البائع برد الثمن، ويقال: هذا البيع منفسخ، ثم يقال للمشتري: الآن بدا الصلاح فإذا أردت أن تشتري فلتشتر من جديد؛ لأن البيع الأول فاسد، فإن أحببت أن تنصرف بمالك فلا إشكال، وإن أردت هذه الثمرة فادفع حقها الآن؛ لأن الإيجاب والقبول في بيعكما باطل لا قيمة له، فالثمرة ما زالت في ملك صاحبها، ولكن ما الفائدة في هذا؟ الجواب: في بعض الأحيان يبيعه الثمرة قبل بدو صلاحها، على أن السوق غالٍ، فتكون قيمتها -مثلاً- مائة ألف، ثم لما بدا الصلاح أصبح السوق كاسداً، فتنزل القيمة، فلربما اشتراها بخمسين ألفاً، فيكون أخف وأرفق بالمشتري، وربما يكون العكس؛ لأن فيها مخاطرة، فتكون القيمة أقل. فإذا بدا الصلاح قلنا: إذا أردتما أن تنشئا العقد فأنشئا من الآن، ولو أرادا أن لا ينشئا عقداً، أو قال البائع: لا أريد أن أبيع، أو رجعت عن بيعي وأريد أن آخذ الثمرة بنفسي كان له ذلك؛ لأن الثمرة ما زالت في ملكه وهو أحق بها، ويجب عليه أن يرد للمشتري ماله كاملاً. قوله: [أو بشرط البقاء]: هي الحالة الثانية، اشترى قبل بدو الصلاح، وقال له: أشترط أن تبقي لي الثمرة حتى يبدو الصلاح، فسواء علم الحكم أم جهله فالبيع فاسد، وحينئذ إذا رفع الأمر إلى القاضي فإنه يحكم بانفساخ البيع ووجوب رد المال إلى المشتري، ورد الثمرة إلى البائع. قوله: [أو اشترى ثمراً قبل بدو صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا]: أي: لو جاءك رجل وأنت عندك مائة نخلة، لم يبدُ صلاح ثمرها، فقال: أشتريها منك، قلت له: أنا لا أبيعها إلا بشرط أن تقطعها، قال: قبلت، واشتراها منك بعشرة آلاف ريال على أنه يقطعها، ثم جاءته ظروف فلم يستطع القطع، أو تهرب وماطل، حتى بدا صلاح ثمرها، فما الحكم؟ الحكم حينئذ أن نقول: إن هذا العقد الذي وقع بينكما وقع بشرط القطع مصححا، وإلا الأصل عدم صحته، فلما فات الوصف الشرعي المعتبر للتصحيح فإنه يرجع إلى حكم الأصل ببطلانه، فترد له المال، ولا حق له بالمطالبة بالثمرة، وتنشئان بيعاً جديداً إذا أردت البيع. قوله: [أو جزة أو لقطة فنمتا]: أي: إذا جاء واشترى منه برسيماً وهو على طول شبر، فالبرسيم على شبر له قيمة، والبرسيم على شبرين له قيمة، ففي بعض الأحيان يأتي المشتري، وتأتيه ظروف فيقول: أريد البرسيم الآن، فتقول له: ليس عندي إلا هذا البرسيم الذي هو في نصف الاكتمال، فيقول: بكم أشتريه منك؟ فيقول البائع مثلاً: عشرة أحواض بمائة، قال : قبلت، وأعطاه المائة، ثم إذا به يماطل ويتأخر، أو جاءه ظرف، حتى أصبح البرسيم فوق ذلك بكثير، فيصبح المبيع الحاضر غير الذي أوجبا البيع عليه من قبل، وقد تكلف البائع مؤونة سقيه والقيام عليه، فحينئذ ينفسخ البيع الأول؛ لأن الجزة التي تعاقدتما عليها ليست بموجودة، ففاتت بتفويت المشتري، وحينئذ يتحمل مسئولية فوات البيع وترد له القيمة، وينُشئان بيعاً جديداً، وغالباً ما يكون البرسيم بضعفي قيمته؛ لأنه لما نما كان غير الذي اتفقا عليه. إذاً: الثمرة إذا صلحت وبدا صلاحها، فقيمتها غير قيمتها قبل بدو الصلاح، ولا شك أن المشتري إذا أراد أن يتلاعب، وفعل ذلك عن تلاعب لا شك أن هذا من خديعة المسلم، ولذلك يمثل بعض العلماء بأن الغش كما يكون من البائع للمشتري يكون كذلك من المشتري للبائع، ومن غِشِّ المشتري للبائع أن يشتري بشرط القطع، فإذا به يؤخر ويماطل حتى تكتمل الثمرة، فيأتي ويأخذها، ولا شك أن هذا إذا فعله على قصد التلاعب، فإنه معصية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى حرّم أن يفعل المسلم بأخيه هذا، فيشتري منه الشيء بنصف قيمته على أن يأخذه فوراً، وهو يضمر ويريد منه ما هو أكمل، مما يستحق قيمة أكثر، وليس هذا من النصح للمسلمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة)، فمما ينبغي للمسلم أن ينصح لأخيه، وهذا ليس من النصح. فقوله: [أو جزة]، أي: من كراث، أو برسيم ونحوه، [أو لقطة]، أي: من قثاء وباذنجان ونحوه، كالقرع والباميا، ونحو هذه الأشياء التي تلتقط، فاشتراها على هيئة ثم تركها حتى زادت، فالذي أوجب البيع عليه غير الذي صار إلى هذه الحالة، فوجب أن ينشأ العقد على الذي صار إليه الحال، ويلغى البيع في الأول. قوله: [أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها]: أي: إذا اشترى ما بدا صلاحه، وحصل آخر، أي: زيادة على الذي اتفقا عليه، واختلطت الزيادة بالأصل، و[اشتبها]، فما استطاعا أن يميزا الذي اتفقا عليه من الذي لم يتفقا عليه، فحينئذ يصير المال ما بين حلال وحرام، والقاعدة أنه إذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، في كلب الصيد إذا أُرسل للصيد، وأكل الكلب من الفريسة، قال صلى الله عليه وسلم : (وإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه)؛ لأنه إذا أكل من الفريسة فيحتمل أنه أمسك لك فصيده حلال، ويحتمل أنه أمسك لنفسه، فصيده حرام، فقال : (إن أكل فلا تأكل). فإذا أكل وجلس على الفريسة يأكل منها فهذا لا إشكال فيه؛ لأنه أمسك لنفسه، لكن إذا أكل منها، ثم جاءك بفضلته فحينئذ يحتمل أن يكون صاد لنفسه، ثم من باب الوفاء جاء لسيده بالباقي، أو أنه صاد لسيده، فلما ذاق حلاوة اللحم ولذة الفريسة نهش منها، كأنه يرى أن سيده لا يضربه ولا يؤذيه، فيحتمل أنه صاد لسيده فعلاً، لكن الكلب -أكرمكم الله تعالى- لا ينطق ولا يتكلم، وإنما يباح صيده إذا صاد لك، ويحرم إذا صاد لنفسه؛ لأن الله تعالى يقول: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] فدل على أنه إذا لم يمسك لك لا يجوز لك الأكل؛ لأن كلاب الصيد والجوارح، كالصقور، والبوازي، والشواهين والنسور ونحوها، يصح صيدها إذا لم تأكل، أما لو أكلت فلا، فالصقر -مثلاً- إذا أرسلته وأكل من الفريسة فحينئذ لا يؤكل منها؛ لأنه اختلط الحلال بالحرام، فهناك موجب يقتضي الحل، وهو كونك أنت الذي أرسلت، وذكرت اسم الله تعالى، وأنت الذي حددت الفريسة، وهناك موجب يقتضي الحرمة؛ لأن شرط حل صيدها أن لا يأكل، فلما أكل اشتبه أن يكون أمسك لنفسه ولم يمسك لك، فإذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل. ولذلك نقول: القاعدة أنه إذا اجتمع حاظرٌ ومبيح، قدم الحاظر على المبيح، والسبب في هذا أن الحاظر والحرام أمرك الله تعالى باجتنابه، والحلال لم يأمرك الله تعالى بأخذه، فحينئذ تعارض الأمر مع ما هو دونه، فقال العلماء: إذا تعارض الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح. ومن هنا قالوا: إذا اشتبهت ميتة بمذكاة حرمتا، وإذا اشتبهت زوجة بأجنبية حرمتا، فلو كان هناك امرأتان متشابهتان تماماً وكانت إحداهما زوجة لإنسان، فجاء ودخل فوجد امرأتين كلتيهما شبه لزوجته، لا يدري هذه زوجته أو هذه، وقد يقع هذا في بعض الأحيان كما كان يقع في القديم في سفر القوافل، فقد كان يقع بعض اللبس، فإذا لم يتحرَّ ولم يتأكد أنها زوجته لم يجز له أن يقدم على غرة؛ لأنه ربما وطئ في حرام، والله تعالى أمره باجتناب الحرام. إذاً: اجتمع الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح. وهنا إذا اشتبه ماله الذي اشتراه، وهو ملك للمشتري والمال الذي حدث في ملك المشتري وجب ترك الكل، وتصحيح العقد ما أمكن. قوله: [أو عرية فأثمرت]: العرية: من العرايا، سميت بذلك لأنها تعرى من البستان. والعرايا: أن يباع الرطب على رءوس النخل بخرصه تمراً، وليس الرطب بمجني؛ إذ المجني لا يباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر، لكن يباع على رءوس النخل. فلو فرضنا أن رجلاً عنده تمر سكري، لكنه أحب أن يأكل بدلاً منه رطباً، ففي الأصل لا يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم وجود التماثل، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع العرايا بخرصها تمراً، في قدر خمسة أوسق، كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فإذا كانت العرية في خمسة أوسق فما دون صح، أي: أن يؤخذ منه ثلاثمائة صاع؛ لأن الوسق ستون صاعاً، فيبيع نخلاً عرايا في حدود ثلاثمائة صاع، فإذا نقص عن ذلك جاز، ولو زاد لم يجز. فلو فرضنا أن النخلة فيها عشرون صاعاً، فخرصها الخارص وقال: هذا الرطب إذا صار تمراً يصير عشرين صاعاً، فقلت له: إذاً أعطيك عشرين صاعاً من التمر الذي في الأرض بهذه العريا التي فيها عشرون صاعاً، واتفقتما ع
ما يلزم البائع والمشتري عند بطلان البيع قوله: [بطل والكل للبائع] أي: بطل البيع، وقوله: [والكل للبائع] ذكرنا أن المشتري إذا أخذ الثمرة بشرط القطع فإن أبقى الكل فالكل للبائع، ويرد له الثمن، لكن لو أنه أخذ بعض التمرة وترك بعضها حتى صار تمراً، أو ترك بعضها حتى بدا صلاحه، فقال رحمه الله تعالى: [والكل للبائع]، أي: أنه يُلغى البيع كله، ويرد الثمن كاملاً، ويصبح المثمن كاملاً للبائع، فيقدر الذي أخذه بقيمته، ويلزم المشتري بدفع قيمة ما أخذ. وعلى هذا في العرايا لو اشتراها صفقة واحدة ثم أكل النصف رطباً وأبقى النصف تمراً، فمن العلماء من قال: تتجزأ الصفقة، فتصحح في النصف وتبقى في النصف، ومنهم من يقول: يبطل الكل؛ لأنها بيعت بصفقة واحدة. وعلى هذا الوجه يلزم البائع أن يرد الثمن كاملاً، ويضمن المشتري للبائع قيمة ما أخذه بحقه.
حكم البيع المطلق وبشرط التبقية قال رحمه الله تعالى: [وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة، واشتدّ الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية]: أي: إذا بدا ما له صلاح في الثمر جاز بيع الكل بيعاً مطلقاً وبشرط التبقية، فإذا بدا الصلاح في النخيل فأزهت، فاحمَّرت واصفرت، فحينئذ يجوز بيعها بيعاً بشرط التبقية، وبيعاً مطلقاً. كرجل عنده مائة نخلة وبدا صلاحها، فقلت: يا فلان بكم تبيعني هذه المائة نخلة؟ فقال لك: أبيعكها بألف ريال، فقلت له: قبلتُ، فمن حقك أن تشترط عليه أن يبقيها، فتقول: قبلت بشرط أن تبقيها لي حتى تصير تمراً، وإذا بدا الصلاح تكون حبات التمر بلحاً؛ والنخيل منه ما لا يؤكل إلا بلحاً، ومنه لا يؤكل إلا رطباً، ومنه ما لا يؤكل إلا تمراً، وهناك ما يجمع الثلاثة الأحوال، كالتي تسمى أم جرذان، قيل: إنها التي ورد في السير أنه حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة -وكانت بقباء- أكل منها، وهذه من أبكر أنواع النخيل الموجودة في المدينة وتؤكل بسراً وبلحاً ورطباً وتمراً. فهذا النوع يؤكل بجميع الأحوال، لكن هناك نوع إذا اشتراه المشتري يشترط بقاءه إلى التمر، وهناك ما يؤكل بلحاً ورطباً وتمراً، لكن من مصلحة بيعها أن تؤخر حتى تصير تمراً، فقيمتها تمراً أغلى من قيمتها رطباً، وبعضها قيمتها رطباً أغلى من قيمتها تمراً، فالذي يحتاج إلى تأجيل من أجل ربح السوق، فحينئذ يشترط بقاءه إلى الحصاد والجذاذ. ومن هنا قال رحمه الله تعالى: إذا اشترى بعد بدو الصلاح يجوز أن يتم البيع بيعاً مطلقاً، دون أن يوجد شرط، ويكون من حق المشتري أن يبقيها إلى القطع، ويجوز أن يشتريها ويقول: أشترط عليك أن تبقيها لي إلى الجذاذ. وفائدة هذه المسألة: لو أن رجلاً اشترى منك مائة نخلة بعد بدو الصلاح، فقلت له : أنت اشتريت الحاضر الناضج، فألزمك بقطعها، لم يكن من حقك ذلك، بل تبقى إلى جذاذها، ولا يجوز لك أن تلزمه بالقطع قبل الجذاذ، فله حقٌّ أن يقطعها فوراً، أو أن يؤخرها إلى منتصف الموسم، أو إلى آخر الموسم، ولا يلزمه أن يقطعها فوراً. لكن الحنفية يخالفون الجمهور في هذه المسألة، فيرون أنه إذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها يجب عليه القطع مطلقاً، سواء اشترط أم لم يشترط، وهذا مذهب مرجوح، والسبب في هذا أنهم يرون أن بيع الثمرة على أن تبقى إلى بدو الصلاح من بيوع الغرر، وبيوع الآجال، ولا يصححون هذا النوع من البيع بشرط التبقية، ولا يجيزون في البيع المطلق إلا أن يقطع فوراً، ويلزمون المشتري بقطعها فوراً، ولا شك أن مذهب الجمهور أصح.
حالات بدو الصلاح وآراء الفقهاء فيها وفي حق المشتري بناءً على ما سبق عندنا الأحوال التالية: الحالة الأولى: إذا بدا الصلاح بسراً فاحمَّرت الثمرة، أو اصفرت. الحالية الثانية: أن ترطب، فيكون النضج في نصفها، أو في ربعها، أو في أكثرها. الحالة الثالثة: أن يتم استواؤها ويكتمل، فتتهيأ للصرام والقطع. هذه ثلاثة أحوال بعد بدو الصلاح ينتبه لها. الحالة الأولى: أن تكون بلحاً، وبسراً. الحالة الثانية: أن تكون رطباً. الحالة الثالثة: أن تكون تمراً. فإن بيعت النخلة في هذه الثلاث الأحوال، إما أن تباع عند نهاية الاستواء، فإذا بيعت بعد اكتمال استوائها واكتمال نضجها، فبالإجماع يصح البيع ويقطعها فوراً، كرجل عنده مائة نخلة سكرية، وتركها وحفظها حتى صارت تمراً، ثم جاءه رجل وقال: أشتري منك هذه المائة نخلة بمائة ألف، فقال: خذها. فإنه يتم البيع بالإجماع ويصح. الحالة الثانية: أن تباع قبل أن تثمر، وقبل أن يكتمل استواؤها، فجماهير أهل العلم على جواز البيع وصحته، وخالف في هذه المسألة. رجلان عالمان، وكلاهما من التابعين، أولهما: عكرمة بن عبد الله ، صاحب ابن عباس رضي الله عنهما، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، الفقيه المشهور، فقالا: لا يجوز البيع، فلم يصححا بيع ثمرة النخيل قبل الاستواء الكامل، ولكن الصحيح مذهب الجماهير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها). ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النهي توقف عند بدو الصلاح فدل على أنه بعد بدو الصلاح يحل البيع، وهذا على القاعدة الأصولية المشهورة أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها في الحكم، فلما قال: حتى يبدو صلاحها، فالغاية بدو الصلاح، فمعناه أن الحكم بعد بدو الصلاح يخالف الحكم قبل بدو الصلاح، وقبل بدو الصلاح قال: (نهى)، فمعناه أنه بعد بدو الصلاح، يجوز ولا بأس به. وإذا قلنا بقول الجمهور: إنَّه يجوز بيعها قبل أن تثمر، فهم على طائفتين: فالمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، رحمة الله تعالى على الجميع، على أنك إذا اشتريت ثمرة بعد بدو صلاحها يجوز لك أن تبقيها، ولا يجب عليك القطع. وقال الحنفية: يصح بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، ونلزم المشتري بقطعها فوراً، فإن بيعت بُسراً وجب عليه أن يقطعها بسراً، وإن بيعت رطباً يجب عليه أن يقطعها حال كونها رطباً. والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط في حل ما كان بعد الغاية مفهوم القطع. وعلى هذا يكون الحكم أنه يجوز بيعها بعد بدو صلاحها بيعاً مطلقاً، وبيعاً بشرط التبقية، وبشرط القطع، لا بأس بذلك كله، على ظاهر السنة.
يلزم في بيع الحب ما يلزم في بيع ثمر النخل عند صحتها قوله: [واشتدّ الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية]: الحب أول ما يظهر. يكون طرياً، حيث يكون فيه ماء السنبلة، ثم يبدأ ييبس قليلاً قليلاً، حتى يشتدّ ويكتمل استواؤه، فإذا اكتمل استواؤه جاز بيعه، وبيع الحب على حالتين: الحالة الأولى: أن يأتي المشتري يشتري منك الحب، كأن تكون زرعت مزرعة كلها حبوب، فيأتي فينظر إليها ويقدرها، وتتوافر شروط البيع من العلم بقدر المبيع ونوعه، وبعد ذلك قال: أنا أشتري منك هذا الحب الموجود في مزرعتك بخمسين ألفاً، فقلت له: قبلت، فإن كان الحب طرياً لم يشتدّ لم يجز، إلا بشرط قطعه فوراً، كالنخل، كأن يقول: أريده علفاً الآن، ولا أريد بقاءه حتى يُحصد، فلو اشتراه قبل بدو صلاحه واشتداده بشرط أن يقطعه فوراً، صح البيع. ولو أخذه منك في هذه الحالة بشرط أن يقطعه فأخره حتى اشتدّ، فما الحكم؟ الجواب: يبطل البيع على القاعدة التي ذكرناها، فإذا اشترى الحب قبل بدو صلاحه، بشرط القطع صح، وإن اشتراه بشرط أن لا يقطعه، بطل البيع، فإن بدا صلاحه، واشتدّ فحينئذ فيه تفصيل: فإن اشترى منك الحب وهو في سنابله وفي أرضه صح البيع، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، لكن لو أن هذا الحب حصدته، فأدخلته في البيدر، ومعه الشوك، ولم يصف الحب بعد، فهل يجوز أن يشتريه منك بالخرص قبل أن يكال؟ أو هل يجوز أن يشتريه بالكيل؟ أو يجوز أن يشتريه غير خالص؟ الجواب: لا؛ لأنه إذا حصد ووضع في البيدر، وأراد أن يأخذه بصفته فإنه يكون من بيع الغرر؛ لأننا لا ندري كم يصفى من هذا الحب، فلو قال قائل: هذا الحب يجوز بيعه، وهو في سنابله! قلنا : بالخرص، لكنه إذا خلط وأصبح محصوداً لا ينفع فيه الخرص، ولا يستطيع الخارص أن يحدد بدقة، أو بغلبة ظن ما هو أقرب للحقيقة، بخلاف ما إذا كان على رءوس زرع مشتدّ في سوقه، فإنه يمكنه أن يخرص، لكنه إذا دخل في البيدر، تكون السيقان الطويلة، والصغيرة، ويختلط الحب بغلافه، وبعد ذلك لا يمكن معرفته على الحقيقة أو قريب من الحقيقة إلا إذا صفي، فلا يجوز بيعه بعد الحصد إلا بتصفيته؛ لأنه يفضي إلى الغرر؛ فإنه حينما تشتري الصاع فإنك تشتري الحب مع الشوك، ولا يجوز بيع الشوائب لما فيها من الغرر، إلا بعد تصفيتها، ما دام أنه يمكن تصفيتها. قال رحمه الله تعالى: [وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ]: هذه هي الحالة الثانية: فإذا اشترى الحب بعد اشتداده، فإنه لا يجوز لك أن تقول له: احصد الآن، بل من حقه أن يؤخر إلى اكتمال الحصاد، حتى ينشف نشافاً كاملاً، ثم بعد ذلك يحصد، فإن اكتمل استواؤه، فقال: أريد أن أتأخر، فليس من حقه ذلك، أي: إذا تمت المدة وجاء موسم الحصاد يلزم المشتري بالحصاد؛ لأن هذا قد يضر بالبائع، ولذلك يلزم بحصده فوراً.
ما يلزم البائع بعد بيع الثمرة قال رحمه الله تعالى: [ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل]: بعد أن بين لنا رحمه الله تعالى مسائل البيع، شرع في مسائل الحقوق التي تتبع البيع، ولذلك الكلام على الفرع، وبيان الفرع بعد بيان الأصل والكلام عليه، وهذا كما ذكرنا أكثر من مرة من دقة العلماء، إذ قد تصح البيوع ويأتي الناس يتقاضون في الحقوق، فتختلف الأحوال فتارة يبيعه النخل بيعاً صحيحاً، ويبيعه الحب بيعاً صحيحاً، ولكن يفرط البائع في حق المشتري، أو يمنع البائع حقاً من حقوق المشتري، فيرد السؤال: ماذا يكون من حق المشتري إذا اشترى الثمرة بعد كمال استوائها، أو بعد صلاحها؟ الجواب: يجب على البائع أن يحافظ على الثمرة، ويحافظ على الأسباب التي تحافظ على الثمرة، وأهم تلك الأسباب مسألة السقي، كسقي النخل، فإن الثمرة تتأثر بالماء، فإذا اشترى منه نخلاً، وجب عليه أن يقوم على سقيه، وبناء على ذلك لو أن المزارع الذي اشتريت منه تعطلت آلة الماء عنده وجب عليه أن يصلحها، فإن لم يمكنه أن يسقي بآلته، وجب عليه أن يستسقي لك ماء يبقي لك الثمرة، إلى أن يتم حصادها، فإذا قصر فإنه يتحمل مسئولية التقصير، فإذا قلت: إنه يجب على البائع أن يسقي الثمرة بالمعروف، معناه أنه لو قصر كأ، يكون النخل يسقى، النخل يسقى إلى ثلاثة أيام، أو إلى يومين، إذا كان سقيه بالري الكامل وبأحواض كبيرة، فأصبح يسقي كل أربعة أيام، أو كل خمسة أيام، أو كل أسبوع مرة؛ لكونه فيه كلفة على الآلة، وهذه أمور، كانت تكلف الناس، ولا زالت تكلف الناس، فيخفف على نفسه؛ لأن الثمرة لم تعد ثمرةً له، وإنما صارت ثمرة لغيره، فحينئذ لا يتضرر، ولا يضره شيءٌ، فيقوم بالتساهل في سقيها، فقال المصنف رحمه الله تعالى: يجب على البائع السقي، أي: أنه مسئول عن سقي النخل، ويلزم بالماء الذي يستبقى به النخل إبقاءً للفرع المشترى، وهو الثمرة، فلو أنه تساهل في السقي، ولم يستتبع النخل في السقي، أو تساهل عماله، فحينئذ يلزمه الضمان، فلو أن الثمرة تضررت حتى ذهب العشر بسبب ضعف السقي، يُلزم بضمان عشر القيمة. وهكذا لو أنه تساهل في السقي، وتلاعب في ذلك حتى ذهب نصف الثمرة، يلزم بضمان نصف الثمرة، فإذا ألزمناه بالسقي ألزمناه بما يتبع التفريق للتساهل إذا كان ذلك بتساهل منه. قوله: [وإن تضرر الأصل]: في بعض الأحيان يكون السقي مضرّاً بالأصل، فهل نقول: نقدم حق المشتري ويجب عليه السقي؟ أو نقول نقدم حق البائع؛ لأن الأصل الضررُ به أعظم من الفرع؛ لأن ضرر النخل ليس كضرر ثمرته، ففي بعض الأحيان يقول أهل الخبرة مثلاً: من المصلحة أن لا تسقي النخلة، وتحتاج أن تمسك الماء عنها أسبوعاً علاجاً لها من بعض الأمراض، والنخلة تمرض كما يمرض الآدمي؛ لأن لها أمراضاً تخصها، فإن قيل له مثلاً: الأرض مختمرة، ولا بد أن تمسك الماء عنها أسبوعاً، فحينئذ إذا أمسك الماء تضررت الثمرة، فنقول: إنه يلزم بالسقي بالمعروف ولو تضررت النخلة، لكن تضرر النخلة غالباً في مثل هذه المسائل ليس تضرراً سارياً إلى الثمرة، إنما هو في التضرر المستقل.
الآفات وأقسامها وعلى من ضمانها [وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع] أي: إن تلفت بآفة سماوية، كما لو اشترى بستاناً بمائة ألف، ثم أصابته جائحة، والجوائح هي من حيث الأصل: الآفات والأضرار التي تصيب المحاصيل، وتصيب الزروع والثمار، وتنقسم إلى قسمين: الأول: آفات سماوية، وهي التي لا دخل للمكلف فيها. الثاني: وآفات غير سماوية، ويكون فيها للمكلفين دخل. أما الآفات السماوية: فمثل الأعاصير، كأن يأتي إعصار فيه نار فيحرق محصول الحب، ومزارع الحب في بعض الأحيان إذا كان هناك إعصار تشتعل ناراً، خاصة إذا كانت متأهلة للحصاد، فإذا اشتعلت ناراً بالإعصار، أو الصواعق، أو جاء سيل فغمر المحصول كله وأتلفه، فما الحكم؟ إذا كانت الآفة سماويةً، ولا دخل للمكلف فيها، فالسنة مضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح، فأخوك المسلم إذا اشترى منك ثمرة البستان، أو اشترى منك محصول الزرع، ثم أصاب ذلك المحصول، أو تلك الثمرة جائحةٌ سماوية ليس بيده ولا بيدك دفعها، فإنه يجب عليك أن تضع الجائحة عنه، بمعنى أنك ترد له المال، ويكون الضمان على حسب الجوائح، والدليل على وضع الجائحة حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيح مسلم وغيره، قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح)، فالسنة على أن الجوائح توضع. ومثل الحب النخل، فبعض المواسم يكون فيها: غبار كثير، والغبار يتلف ثمرة النخيل خاصة إذا كان عند التغبير، أو قبل بدو الصلاح، فتجد الثمرة منتفخة ليست بمليئة، وتصاب بأمراض بسبب الغبار، وتصاب بأمراض بسبب الأعاصير وسبب الرياح. وفي بعض الأحيان تهب رياح عاتية قوية، فإذا تحرك النخل تساقط التمر على الماء، ويفسد التمر؛ لأن التمر يصيبه الخمج إذا وقع في الماء، فتتحرك الرياح اليوم واليومين، وتلعب بجريد النخل فربما لا تبقي منه إلا ربعه، وربما لا تبقي منه إلا نصفه، وربما لا تبقي منه إلا ثلثه، فحينئذ إذا جاءت الجائحة فأتلفت الثمرة كاملة وضعت القيمة كاملة، وإن أتلفت نصفها وضع نصف القيمة، وإن أتلفت الربع وضع ربع القيمة. وكيف نعرف أنها أتلفت نصف المحصول، أو ربعه، أو ثلثه؟ الجواب: يرجع إلى أهل الخبرة، فينظر أهل الخبرة في البستان، ويقولون: هذا البستان تلف من محصوله الربع، فإذا اشترى منك بأربعمائة ألف. ترد له مائة ألف، وإن قالوا: تلف النصف، فحينئذ ترد له نصف القيمة، أي: أن الجائحة بالآفة السماوية تضمن وترد القيمة إذا تلف المحصول كاملاً، أو تلفت الثمرة بكاملها، وإن تلف الجزء فيرد بحسابه. هذا بالنسبة للآفات السماوية، أما الآفات غير السماوية وهي ما يكون بفعل المكلف، مثل أن تحصل بين الناس خصومة، فيتلف بعضهم محاصيل بعض، يكون فقد كان في القديم تقع الفتن والحروب فتتلف المحاصيل، فإذا جاء رجل واشترى منك محصول حب، ثم جاء الغزاة وأحرقوا هذا المحصول، فإن العلماء يقولون: آفات الآدمي تنقسم إلى قسمين : القسم الأول: ما يكون بالغلبة والمغاصبة والقهر، مثل أن تأتي الجماعة التي لا تغلب، فتعيث في القرية أو في المدينة فساداً وتتلف محاصيلها، فهذا بالغلبة والمغاصبة. القسم الثاني: ما يؤخذ بالخلسة، كأن يكون محصولك جاهزاً، وإذا بسارق سرق ربعه أو نصفه أو ثلثه. فأما النوع الذي يكون من فعل الآدمي فجمهور العلماء على أنه لا توضع الجائحة فيه؛ لأنه يكون من تقصير من نفس الشخص غالباً، وإذا غُلب بالقهر فيكون هذا من باب الغنم بالغرم، وبعض أصحاب الإمام مالك رحمهم الله تعالى، يقولون: توضح الجائحة فيه، والأول أقوى، والثاني من ناحية العلة أظهر. أما لو أنك بعت ثمرة بستانك، فجاء السارق بالليل وسرق ممن اشترى منك، فالأفضل أن تخفف على أخيك، لكن لا يجب عليك ذلك، فهو الذي يلزم بالحفظ، ويلزم بالرعاية، وأنت لست بمسئول عن ضمان حقه. قال رحمه الله تعالى: [وإن أتلفه آدمي خير مشترٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف]: قوله: [وإن أتلفه آدمي]: هذا في حالة خاصة غير ما ذكرنا أولاً، وهو أن يأتي شخص بعينه، كأن يكون صاحب المزرعة بينه وبين رجل خصومة، فجاء هذا الرجل وأتلف محصول المزرعة، ولم يبق فيها شيئاً، أو أتلف نصف المحصول، أو ثلاثة أرباعه، فما الحكم؟ الجواب: نقول للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت فسخت البيع ورجعت بالمال كله على البائع إذا تلف المحصول كله، وهذا يعتبر كالعيب الذي طرأ في المبيع، وإن شئت طالبت المتلف بضمان حقك. وفي الأمرين فرقٌ: ففي بعض الأحيان، الأفضل له أن يسترد القيمة الأصلية، كأن يكون اشترى بقيمة غالية، فلما تم المحصول، ونزل إلى السوق وإذا بالقيمة رخيصة، فجاء المتلف في رخص السوق، فالأفضل له أن يفسخ البيع، وتارة يكون الأفضل له أن يطالب المتلف، فإنه قد يشتريها بعد بدو صلاحها بمائة ألف، فلما أتلفها المتلف كانت قيمتها مائة وخمسين، فإذا كانت قيمتها مائة وخمسين، فالأحظ له أن يطالب المتلف بالضمان، فالمقصود أنه إن شاء أخذ هذا، وإن شاء أخذ هذا.
استباق الثمار في بدو الصلاح وأحكامه ...... صلاح بعض الثمرة دون بعضها قال رحمه الله تعالى: [وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان]: مما ينبغي علمه أن النخل إذا بدا صلاحه فيه لا يبدو دفعة واحدة، فأنت إذا نظرت إلى النخلة تجد أن فيها أكثر من عرجون، وإذا نظرت إلى البستان ففيه أكثر من نوع، وإذا نظرت إلى المدينة والقرية ففيها مئات البساتين، فحينئذ سنبحث مسائل جديدة: أولاً: بدو الصلاح في عرجون واحد، كأن تظهر فيه حبةٌ واحدة فقط حمراء أو صفراء، فإذا بدا الصلاح في حبة واحدة من عرجون واحد، فهل معناه أن العرجون كله يباع؟ فهذه مسألة. ثم إذا قلنا بجواز بيع هذا العرجون، فهل معناه جواز بيع النخلة كلها؟ وهذه مسألة ثانية. وإذا قلت: تباع النخلة، فهل يباع أمثالها من نفس النوع في البستان؟ وهذه مسألة ثالثة. وإذا قلت: إنه يباع هذا النوع في هذا البستان، فهل يجوز أن يباع في البساتين الأخرى هذا النوع نفسه؟ وهذه مسألة رابعة. وإذا قلت بجواز بيع هذا النوع في هذا البستان، فهل يقاس عليه بقية الأنواع؟ وهذه مسألة خامسة. هذه مسائل كلها تابعة لمسألة بدو الصلاح. وحتى تكون الصورة واضحة، فالنخل -كما سبق- إذا بدا الصلاح فيه يتفاوت، فهناك ما يبكر صلاحه، وهناك ما يتأخر ويصبح في آخر النخل، وهناك ما هو وسط بين المبكر والمتأخر. فمن أمثلة المتقدم في بدو الصلاح: اللونة والحليا، وهما من أبكر ما يظهر صلاحه من تمور المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ويتأخر عنهما الربيع والروثان؛ لأن ثمرة الربيع والروثان صفراء، فلا تصفر إلا بعد وقت، وبقريب منها الحلوة، فلا تحمر إلا بعد وقت، وهي من الأنصاف، أي: المتوسط، وهناك ما يتأخر كالعجوة والصفاوي، ونحو ذلك، فعندنا نوع يبكر، وعندنا نوع يتأخر، وعندنا نوع وسط بينهما. فإذا بدا صلاح في حبة في عرجون، أو حبتين، وكان الزمان زمان صلاح فإنه يحكم ببدو الصلاح في النخلة كلها، وعلى هذا يجوز بيع ذلك العرجون وبيع سائر العراجين في النخلة، ويجوز بيع هذا النوع في البستان كله، فلو ظهر صلاحه في نخلة واحدة، فهو كبدو الصلاح في بقية النخل. وبالتجربة أنه إذا بدا الصلاح في أول النهار في نخلة، فغالباً لا يأتي آخر النهار إلا وقد بدا في نخلة أو نخلتين، أو ثلاث، ثم لا تأتي من الغد أو بعد الغد إلا وقد انتشر في البستان كله من هذا النوع، فتأخره قليل جداً، وعلى هذا يجوز بيع جميع النوع في البستان. لكن هل يجوز بيع بقية البساتين؟ أي: لو ظهر الصلاح عندك في بستانك، ولكن في بستان جارك لم يبدُ، فهل يجوز لجارك أن يبيع؟ الجواب: نعم؛ بزمان بدو الصلاح نفسه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما: (حتى تطلع الثريا وتؤمن العاهة)، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا الزمان، أنه إذا بدا الصلاح في واحدة أن يكون للجميع، فهو زمان الصلاح وأَمْنِ العاهة غالباً، ومن هنا قال الجمهور: إنَّ بدو الصلاح في نخلة بدوٌّ في جميعها، وبدو الصلاح في ذلك النوع يوجب جواز بيع ذلك النوع في البستان كله، وكما جاز بيع ذلك النوع في البستان، يجوز بيعه في بقية البساتين؛ لأنه ربما كان جارك ليس بينك وبينه إلا الحائط، وقد تكون مزرعتك مائة متر، ومزرعته مائة متر، فلو قلنا: لا يجوز أن يبيع جارك، فكيف بالذي عنده مزرعة فيها مائتي مترٍ، وبدا الصلاح في نخلة واحدة؟ إذً العبرة بالزمان، والعبرة بغلبة الظن في السلامة وهي موجودة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيجوز أن تبيع النخلة، وأن تبيع نوعها في البستان، وأن يباع نوعها في بقية البساتين.
صلاح نوع دون نوع هناك يقال: هل يجوز بيع المتأخر إذا بدا الصلاح في المبكر؟ الجواب: لا، والعبرة في كل نوع بحسبه، فلا نبيع تمر الحلوة، إلا إذا بدا الصلاح ولو في واحدة منه، لكن إذا بدا الصلاح في الحليا، لا نبيع في ذلك الحلوة، ولو بدا في تمر اللونة، لا نبيع العجوة، وإذا بدا في السكري لا يباع الصفاوي وقس على هذا. فكل نوع بحسبه، فإن من جرب النخيل، وجرب الزراعة يعلم أنها تتفاوت في طلعها، وتتفاوت في تأبيرها، وتتفاوت في بدو صلاحها. وعلى هذا فإنه لا يحكم بجواز بيع النوع إذا ظهر الصلاح في نوع غيره، وإنما يتقيد بالنوع نفسه، الذي بدا الصلاح فيه. قال رحمه الله تعالى: [وبدو الصلاح في زمن النخل أن تحمر أو تصفر]: هذه علامة بدو الصلاح، والأصل في ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه،: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمار أو تصفار)، فهذا يدل على أن الحمرة والصفرة توجب الحكم ببدو الصلاح. قال رحمه الله تعالى: [وفي العنب أن يتموه حلواً]: العنب يبدو صغيراً، وبعد ذلك يبدأ يكبر شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل حبة العنب في الحجم، وهي خضراء شديدة الخضرة، ثم يضربها الماء، فإذا تموهت وصار الماء عليه تفككت خضرتها، فبمجرد ما ينظر إليها صاحب الخبرة يعلم أنها قد نضجت، فإذا كانت شديدة الخضرة، فهي حامضة، وطعمها حامض، ويبدو صلاحها بذلك، وإذا بدا الصلاح في عنبة جاز بيع بقية العنب في ذلك البستان. لكن لو كان العنب أنواعاً، كالعنب الطائفي والحجازي والمشرقي، فهذه الأنواع يفصل فيها: فإذا تموه العنب من نوعٍ، فلا يحكم بجواز بيع غيره من نوع آخر إذا تفاوت في النضج. قال رحمه الله تعالى: [وفي بقية الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله]: قد بينا فيما سبق علامات بدو الصلاح، فمن الأشياء ما يكون بدو صلاحه بلينه بعد اشتداده، كالتين والبطيخ. ومنها ما يكون باشتداده بعد لينه كالحب. ومنها ما يكون بحلاوته بعد مرارته كقصب السكر، والرمان ونحو ذلك. ومنها ما يكون بتفتح أكمامه، كما ذكرنا في الورد، ويقاس على ذلك بقية الأنواع.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-11-09, 10:02 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [2] من الأحكام المتعلقة بباب بيع الأصول والثمار: أنه لا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، على تفصيل في بدو الصلاح وعلاماته واختلافه باختلاف أنواع الثمار والزروع، وإن باع قبل بدو الصلاح فلابد من شرط القطع، على تفصيل في اختلاف أنواع الثمار والزروع وما يجز منها وما يلقط. بيع الثمار والزروع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ...... اشتراط بدو الصلاح في بيع الثمار وعلة ذلك فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه]: أي: ولا يجوز أن يباع ثمر قبل بدو صلاحه، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري)، أي: نهى البائع أن يبذل الثمرة على هذا الوجه، ونهى المشتري أن يدفع الثمن في هذا النوع من الثمار. وثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمارُّ أو تصفارُّ)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في السنن أن الناس كانوا يتبايعون الثمار، ثم إذا حضر تقاضيهم قال المشتري: أصاب الثمارَ الدمانُ -وهو نوع من الأمراض التي تصيب الثمرة فتتلفها- والدمان مثل ما يصيب البلحة حين يأتيها شيء مثل الحمار، أشبه بلون الدم إلى اللون البني، فتصبح يابسة لا طعم لها، وربما أفسد الثمرة بالكلية، فيقول المشتري: أصاب الثمرة الدمانُ، أصاب الثمرةَ القشامُ، لأمراض وعاهات يذكرونها، فلما كثرت خصوماتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
علامات بدو الصلاح في النخل علمنا الحكم وعلمنا الدليل فنحتاج إلى شرح هذه المسألة، فنقول وبالله التوفيق: النخلة كما ذكرنا تُطلع، وإذا أطلعت وتشققت وأبّرها الفلاح، تبقى ما لا يقل عن شهرين، فأول ما يخرج الكوز فيه الثمرة، وتنظر إلى العرجون الذي تراه حاملاً للثمرة بعد استوائها ونضجها، وإذا أخرجها الفلاح وغبرها، فقبل ما يخرجها تنظر إليها وإذا بها حبات مرتبة منسقة بنظام عجيب بديع غريب، وتتعجب من بديع صنع الله عز وجل، فإذا حضر موسم التأبير والتغبير فاذهب إلى المزرعة وانظر؛ لأن هذا مما يزيد العبد إيماناً بالله جل جلاله، وتحار العقول في بديع صنعه، قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ [السجدة:7]، حتى تحس بمعاني الآيات التي في كتاب الله جل جلاله، تنظر إليها وإذا بها في ذلك الكوز، وتنظر إلى الكوز نفسه فترى مادته الخشبية العجيبة في سماكتها وثخنها من الخارج، ولطفها ونعومتها من الداخل، وكيف أنه يحفظ الثمرة، وإذا بالثمرة تخرج بيضاء ناصع لونها نقية ليس فيها أي شائبة، أو أي خلل، أو أي ارتباك، بل متناسقة مرتبة منظمةٌ، الثمرة بجوار الثمرة بطريقة عجيبة بديعة، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء! سبحانه لا إله إلا هو! ووالله إن هذا يزيد من إيمان الإنسان، وينبغي لطلاب العلم أن ينظروا؛ لأن الله تعالى يقول: انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام:99] فالله تعالى ندبنا إلى هذا. فإذا نظرت إلى ذلك وجدته بهذه الطريقة، فيأتي الفلاح فيزيلها عن بعضها؛ لأنها مرتبة متناسقة، ويبعدها عن بعضها حتى يدخل الغبار فيما بينها، ويدخل لقاح الذكر فيما بينها، ثم يزيل هذا الوعاء، وتبقى مفتحة، وتبقى على مر الأيام بحساب دقيق عجيب غريب لا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، فإذا به مدة زمنية معينة يكتمل كبر هذه الثمرة، ونضجها واستواؤها، لا يسبق زمانه ولا يتعداه أبداً. ومن أغرب ما يكون أن يكون لها موسم معين، يكتمل فيه جرمها وحجمها، وبعض النخل يكون طويلاً كالعنبرة -نوع من أنواع التمر طويل- وبعضها صغير الحجم كالعجوة، خاصة المسماة العجوة الثانية، وهي التي تنطبق عليها السنة، وهي الصغيرة، وهناك عجوة طويلة، وهي عجوة مستحدثة وقعت شبيهة بالعجوة، لكن العجوة التي ينطبق عليها السنة أكثر هي العجوة الصغيرة. فالشاهد أنك تجد هذه صغيرة الحجم، وتلك طويلة الحجم، ثم تجد الوسط بينهما، كالصفاوي، ثم تجد هذا حلواً شديد الحلاوة، بحيث إنك إذا أكلته لا تستطيع أن تتمالك نفسك من قوة الحلاوة، وكذلك العكس، فتجد منها ما عذوبته في حموضته، شيء من الحموضة فيه، وتجد ما هو وسط بين الاثنين. فهذا الاكتمال إذا مرت الأيام تبدأ هذه الثمرة تكبر شيئاً فشيئاً، وإذا رأيت الحبوب تجدها بقدر حبة الذرة على أطراف الشماريخ، وتمر الفترة الزمانية فتبدأ تكبر شيئاً فشيئاً، حتى يتناهى كبرها في الزمان المعين، فلا تتقدم ولا تتأخر، وفي مثل ذلك يقول تعالى: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [يس:40]، وكل شيء مقدر، والله تعالى قدر له لا يزيد ولا ينقص، فإذا جاء وقت اكتمال جرمه -وهذا أول شيء- فبعد أن يكتمل الجذر يأتي اللون، فيضربها الحمار ويضربها الصفار، فتنظر إليها في الأول وإذا بها خضراء في حالة الخضرة، وهذا يسمى في عرف الناس الصربان، أي: وهي في الخضار قبل أن يضربها اللون، فهذا الأخضر الغالب في الثمار لا يؤكل؛ لأنك إذا أكلته وهو في خضرته، كأن سقماً يضر الإنسان، ويعطى علفاً للدواب، ولكن مع كونه هكذا في الغالب فقد جعل الله تعالى منه شاباً، فمنه الأخضر الذي إذا جنيته أخضر يكون من ألذ ما يكون، وهو الذي يكون في صنف الحلوة المشهورة أخضرها عذب ويؤكل، وله نكهة ولذة كما تجد اللذة فيها وهي بسرٌ أو ربط أو تمر؛ لكي يختلف الشيء فيدل على أن الله سبحانه وتعالى خالقها، كما قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49] فلو الأخضر لا يؤكل لكن الله تعالى جعل بعض الأخضر يؤكل، حتى ينبه على أن الله تعالى هو الذي جعله لا يؤكل؛ وقادر أن يجعله يؤكل. فالشاهد: أن هذا الأخضر لا يؤكل، وليس بزمان يصلح فيه الأكل، ففي هذه المرحلة تكون مرحلة قبل بدو الصلاح، فإذا صار أخضر ضربه اللون، وضربة اللون تكون عند بداية الصلاح، فإذا ضربه اللون الحمار أو الصفار فإن الغالب أن يأمن العاهة بقدرة الله عز وجل ويسلم، وأكثر الخطر يقع ما بين التأبير والاحمرار والاصفرار، أما إذا احْمَرَّ أو اصْفَرَّ فالغالب أن يسلم ويحفظ، إلا أن تأتيه آفة سماوية كإعصار، أو يأتيه سيل... إلخ. فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وهذا يشمل مرحلة الطلع، ومرحلة التأبير، ومرحلة ما قبل الإزهاء، ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم وما تزهي؟ قال: (تحمار أو تصفار)، فجعل بدوَّ الصلاح بالاحمرار، أو الاصفرار. ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله تعالى أن بداية الجواز لبيع الثمرة بعد بدو الصلاح بالاحمرار أو الاصفرار. هذا بالنسبة للنخلة تحمر أو تصفر، فإذا احمرت أو اصفرت أمنت العاهة غالباً، ولذلك قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو -يعني يظهر، من بدا الشيء: إذا ظهر- يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.
علامات بدو الصلاح غير الحمرة والصفرة قد يقال: فإذا كان بدو الصلاح باللون، ففي بعض الأحيان تكون النخلة خضراء، كالخضري الآن، فالخضري لا يحمر ولا يصفر؟ قلنا: اللون علامة بدو الصلاح الأولى، وقد أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: (حتى تزهي؟ قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمار أو تصفار)، فإذا كان لونها واحداً قبل بدو الصلاح وبعد بدو الصلاح كالخضري، وهو نوع من التمر ونوع من النخل أخضرُ لا يحمار ولا يصفار، فمتى يحكم ببدو صلاحه؟ الجواب: يحكم ببدو صلاحه بطيب أكله، فإذا أصبح حلواً وطاب أكله، فحينئذ يكون قد بدا صلاحه، أما قبل الإزهاء فلا يمكن أن يكون حلوا، وفي بعض الأحيان يكون الفرق يوماً واحداً، بالأمس تمر على النخل فلا تجد فيها حبة صفراء، وتصبح في اليوم الثاني وإذا بها قد اصفرت أو احمرت، قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88] سبحانه لا إله إلا هو! وفي بعض الأحيان عندنا في المدينة إذا طلع سهيل تكون الثمرة موجودةً ويكون البلح موجوداً، فتأكل البلح بالأمس له طعم، وإذا طلع النجم أكلتها في اليوم الثاني كأنها لم تكن مرّةً، وهذا شيء جربته بنفسي؛ لأن الله تعالى قدر كل شيء بوقته وزمانه. فالشاهد أنه ربما يكون الفرق يوماً واحداً في بدو الصلاح، فما كان بلونه فبلونه، وما لم يكن باللون يكون بالطعم، والدليل على ذلك الحديث أيضاً، وهو صحيح وثابت أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تؤكل، فقوله: (حتى تؤكل)، وفي رواية: (حتى تُطعم)، وذلك بأن يكون طعمها صالحاً للأكل، وبناء على ذلك جاءت العلامة الثانية: أن يكون بدو الصلاح بالطعم. فهناك علامة بالطعم، وهناك علامة باللون، وهناك علامة ثالثة في النخل بالزمان، وهي طلوع الثريا؛ لحديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى يطلع النجم، وتؤمن العاهة)، أي: أن الله تعالى جعل طلوع النجم بداية لموسم صلاح الثمار، وهذا -كما ذكر بعض العلماء رحمه الله تعالى- من الاهتداء بالنجم الذي ليس بمحرم؛ لأن الله تعالى يقول: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، والمراد بطلوع النجم: طلوع الثريا، وهذا في بعض الأماكن مثل المدينة والحجاز، فإذا طلعت الثريا، يبدأ الصلاح، وفي المدينة غالباً إذا طلعت الجوزاء فإنه يبدو الصلاح، ويبدأ الإزهاء في النخل فيحمر ويصفر، وهذا كما ذكرنا علامة زمان، فسبحان الله الذي بيده ملكوت كل شيء!
استباق العلامات وما الذي يعتبر به منها إذا علمنا أن عندنا علامة باللون، وعلامة بالطعم، وعلامة بالزمان، فبالنسبة للطعم واللون والزمان فلا إشكال إذا اتفق الكل، بمعنى طلع النجم وجاء الزمان وبدا الصلاح فأزهت النخلة فاحمرت واصفرت، أو طاب طعم ما كان أخضر منها، لكن الإشكال لو سبقت علامة الزمان الاحمرار والاصفرار، أو سبقت علامةُ الاحمرار والاصفرار طلوع النجم، فهل العبرة بالزمان الذي وضعه الله تعالى سنة كونية؛ للسلامة من العاهة في الغالب؟ أم العبرة بالحال والصورة؟ قال بعض العلماء: العبرة بأي واحدة منهما؛ لأن السنة دلت على هذا كما دلت على هذا، فأيُّ العلامتين ظهرت أو سبقت فالعبرة بها، والغالب أنه لا يسبق إلا باليوم أو اليومين والشيء اليسير، وهذا بقول أهل الخبرة: إنه لا يسبق إلا بالشيء اليسير. فنخرج من هذا بالخلاصة: أن بيع الثمر إذا بدا صلاحه في النخل، سواء كان باللون أم بالطعم، أم بالزمان، فإنه يحكم بجواز بيعه، سواء اتفقت هذه العلامات أم سبق بعضها، فإنه يعتبر موجباً للحكم بالجواز. هذا بالنسبة للنخل، ويبقى غير النخل، وفي الحقيقة من المستحب والأفضل لطالب العلم دائماً أن يكون على إلمام بمثل هذه الأشياء إذا كانت المسألة تتصل بالزروع والثمار؛ لأنك تُسأل وتُستَفَتى، وقد تكون في المدينة لا ترى شيئاً من هذا، لكن افرض أنك يوماً سافرت إلى قرية، فجاءك الفلاحون يسألونك: ما حكم الشرع في بيع النخيل والزروع والثمار؟ فينبغي لطالب العلم أن يكون عنده إلمام بمثل هذه الأشياء، فإذا جاء فصل التأبير ذهب ونظر وعرف التأبير، وكان الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله تعالى برحمته الواسعة يخرج مع طلابه، لكي يمتثل أمر الله عز وجل بقوله : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:17] وكان رحمه الله تعالى يمسك بالبعير، ويجسه رحمه الله تعالى برحمته الواسعة، فيُعَوّد الإنسان نفسه على أنه يعرف الأشياء على حقيقتها، فإن كانت المسألة متصلة بالزروع والثمار سأل أهل الخبرة بالزروع والثمار. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذا ذكر المسألة أسهب فيها، كأنه يحسن هذا الفن والعلم، وقد ذكر مسألة الأهلة، فجاء يتكلم على منازل الهلال واختلاف المطالع حتى تكاد تقول: إنه فلكي، وفعلاً هو قد درس علم الفلك؛ لأنه لا يمكن أن يحكم بهذه الأشياء من كون المطالع تتفق أو تختلف، إلا إذا كان متقناً لعلمها، فإتقان العلوم وضبطها مهم، وعليه أن يرجع إلى أهل الخبرة وأهل النظر، ليصبح طالب العلم على بصيرة من أمره وعلى علم، حتى يمكنه ذلك من الترجيح في المسائل، فهذا أمر مهم جداً.
علامات بدو الصلاح في العنب وغيره إذا عرفنا المسألة بالنسبة للنخل، فتنتقل إلى العنب، فالعنب أول ما يخرج إذا خرج في عناقيده يكون صغير الحجم، وهذا الحجم الصغير لو أخذت منه حبة تكاد تكتوي من حموضتها، ثم يستتم يكبر شيئاً فشيئاً، حتى يبلغ قدره الذي قدره الله تعالى له، فيبقى على خضرته الغامقة، وإذا أكلته أكلته حامضاً، فإذا جاء وقت صلاحه تفتحت خضرته، وضربه الماء فإذا بلونه اليوم ليس كلونه بالأمس، وإذا بطعمه الساعة ليس كطعمه قبل أن يأذن الله تعالى بحلاوته، فيتموه، وهذا التموه هو بداية الصلاح. وإذاً يكون صلاح العنب بالطعم، وفي حديث عند أحمد رحمه الله تعالى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسودّ)، وهذا في نوع خاص من العنب، يكون باللون، لكن بالنسبة لضابطه يكون بالطعم؛ لأنه أخضر، فينظر الطعم بالنسبة للعنب إلا في بعض أنواعه، كالأحمر الذي يكون غامقاً؛ فإن بداية صلاحه تكون بالحمرة الغامقة. ومما يبدو صلاحه بالطعم -أن يصبح حلواً بعد مرارته ويكون سكرياً- قصب السكر، فقصب السكر إذا أُكل قبل بدو صلاحه لا يكون له طعم، ولا يوجد له طعم العذوبة السكرية الموجودة فيه، فإذ بدا صلاحه كان طعمه مستعذباً، فقالوا: بدو صلاحه أن يحلو بعد مرارته. وفي بعض الأحيان يكون بدو الصلاح بلينه بعد يبسه، ومن أمثلته التين، فإن التين يبدأ يابساً، وتكون حياته صلبة شديدة، ثم بعد ذلك يبدو صلاحها فتلين شيئاً فشيئاً، حتى البطيخ، إذا كانت صلبة شديدة فاتَّقها، لكن إذا كانت رخوة فمعنى ذلك أنها قد بدا صلاحها، ولذلك تجدهم يضربون عليها حتى يستكشفون ما فيها، فقالوا: كالتين والبطيخ، يلين بعد شدته. وهناك ما هو عكس -وانظر إلى قدرة الله تعالى- فهناك ما يطيب بشدته بعد لينه، وهي العلامة الرابعة، مثل الحبوب، في السنابل، كالبر والشعير، فإنه أول ما يبدأ يكون ليناً، ولو أخذتها وعصرتها لخرج مادته، ثم تبدأ تشتدّ شيئا فشيئاً حتى تيبس، كما في الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتدّ)، فهذا الاشتداد، قالوا: اشتداده بعد لينه عكس الأول. وهناك ما يبدو صلاحه بانتهائه في الكبر، أو الطول، كالقثاء (الخيار) وكالبطيخ والخربز ونحوه، فإنه لا يمكن أبداً أن يباع وهو صغير، فهذا يتعاظم حتى يبلغ غاية عظمه، فمنه ما يكون بالطول مثل القثاء، ومنه ما يكون بالحجم كالدباء، فالدباء تكون بكبر الحجم وهو الذي يسمى بالقرع. كذلك أيضاً يكون من بدو الصلاح أن يتفتح عن أكمامه، كالورد، فالورد إذا تفتح من كمه بدا صلاحه، لكن قبل أن يتفتح وهو مصكوك كثيراً ما تهجم عليه الحشرات، أو تأتيه الآفات ولا يتفتح، ولا يغلب على الظن سلامته إذا لم يتفتح، إنما يغلب على الظن سلامته إذا بدأ يتفتح ، فهذا يكون بتفتحه من أكمامه. فهذه من أشهر علامات بدو الصلاح. قال رحمه الله تعالى: [ولا زرع قبل اشتداد حبه]: أي: ولا يجوز بيع الزرع قبل اشتداد حبه، كالشعير ونحوه؛ لحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد). وكذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الحب حتى يبيض، وإذا اشتدّ يبدأ ييبس غلافه الخارجي، وهذا هو البياض، أي: يشتدّ ويشتدّ حتى يتساقط ما عليه ويكتمل استواؤه.
البيع قبل بدو الصلاح ...... بيع الثمر وما يجز ويلقط من الزرع قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا رطبة وبقل ولا قثاء ونحوه كباذنجان، دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال، أو جزة جزة، أو لقطة لقطة]: ذكرنا أن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على تحريم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، ويشهد لذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، نهى البائع والمشتري. وذكرنا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أيضاً بمعناه. ومعناه أن الشريعة لا تجيز بيع الثمار، ولا بيع محاصيل المزروعات إذا كان بيعها على وجه فيه غرر وتغرير ومخاطرة على المشتري. وبناء عليه قلنا: لا بد من بدو الصلاح في الثمار، سواء أكانت من النخيل أم كانت من غيره من المزروعات، وبينا هذا كله. لكن السؤال يتعلق ببعض المزروعات التي تجز محاصيلها، وبعضها تلتقط، كالرطبة، فإن أصلها ثابت، ويجز ظاهرها، فتجز الجزة، ثم تنبت مرة ثانية، ثم تجز، وهكذا بعض أنوع الجزر الذي يؤخذ ورقه علفاً للدواب، يجز ظاهره ويبقى أصله، وكذلك أيضاً البرسيم يجز ظاهره ويبقى أصله في الأرض، فإذا باع رجل برسيماً، كأن يأتي رجل يريد حوض برسيم من صاحب مزرعة، فيقول له: بعني هذا الحوض من البرسيم، فقال له: أبيعك بمائة، قال: قبلت، فإنه في هذه الحالة قد اشترى البرسيم بالجزة الظاهرة، فلا يجوز أن يشتري البرسيم بأصله، وذلك لأنه لا يعلم، ولا ندري كم جزة ستكون فيه، ولا ندري كم سيكون بقاؤه في الأرض، فبعض البرسيم قد يبقى سنة، وبعضه قد يبقى ثلاث سنوات، وقد يبقى إلى فوق خمس سنوات، كما في البرسيم الحجازي، فإنه يجلس إلى أكثر من خمس سنوات، وربما إلى عشر سنوات، فلو أنه باعه البرسيم الظاهر شيئاً موجوداً، لأنه يكون في الظاهر في شيء موجود، لكن بالنسبة لما هو باطن في السنوات والشهور والأيام الآتية فإنه مجهول كبيع الثمرة في النخل سنين وأعواماً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه نهى عن بيع السنين والمعاومة، وبيع السنين والمعاومة كما فسره العلماء رحمهم الله تعالى: هو بيع الثمرة -أعني ثمرة النخل- سنوات، فيقول له: أشتري منك محصول مزرعتك من التمور ثلاث سنوات، فلا يجوز هذا؛ لأنه وإن كان في السنة الأولى قد باع ثمرة قد بدا صلاحها، ففي السنة الثانية مجهولة وفي السنة الثالثة مجهولة، فكذلك لو باعه البرسيم الذي يجز على مراتب، فلو كانت الجزة الأولى ظاهرة فإن ما سيأتي مجهول. وعلى هذا فإنه لا يباع من الشيء الذي يجز مرات مع بقاء أصله إلا الجزة الظاهرة، فتقول له: أبيعك هذا الحوض الموجود الآن بمائة، أو أبيعك هذه الخمسة الأحواض بخمسمائة، فاشتراها بخمسمائة ثم قام بجزها علفاً لدوابه، فلا حرج وهو جائز، لكن لو قال له: أشتري منك هذا البرسيم مدة بقائه في الحوض، لم يجز؛ لأنه بيع مجهول، ويغرر به، فربما ظن أن هذا البرسيم يبقى في الحوض سنة، فإذا به يبقى أقل، وربما ظن البائع أنه سيبقى سنة ثم سيبيع حوضاً ثانياً، فإذا به يبقى خمس سنوات، فهو من بيع المخاطرة، ثم هو بيع للمجهول، لا يدرى أيوجد أو لا يوجد، وهل يخرج جيداً أو يخرج رديئاً. والخلاصة: أن المصنف هنا يريد أن يطبق القاعدة في بيع الأصول والثمار، وهي أنه لا يجوز بيع الغرر. وبيع الغرر في بيع الأصول والثمار. فالبرسيم له أصل، وله ثمرة هي نتاجه الظاهر، والجزة الظاهرة، وكذلك الرطبة لها أصل، وهو الذي يسمى بالجزر، وهو غير الجزر المعروف الذي يعصر، وإنما الجزر السميك المتين هذا الذي يباع وله ورق يزحف على الأرض يقطع علفاً للدواب، هذا النوع من الجزر، وهذا النوع من العلف الذي هو البرسيم لا يباع إلا جزة ظاهرة، ولا يباع أصله مع ثمرته؛ لأننا لا ندري كم ينتج الأصل. لكن لو باع المزرعة وكان فيها صح تبعاً، ولم يصح أصلاً، وقد بينا القاعدة: أنه يجوز في التبع ما لا يجوز في الأصل، وبينا ذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما. قوله رحمه الله تعالى: [ولا رطبة]. أي: ولا يجوز بيع الرطبة، وفي حكمها كل شيء مما يكون مستتر الأصل، ظاهر الثمرة فلا يباع إلا الثمرة، ولا يباع النتاج إلا على الظاهر، أن يأخذ ظاهره جزة جزة، أو لقطة لقطة، كما سيأتي في لفه ونشره رحمه الله. قوله: [وبقل]: البقول كما لا يخفى تستتر في الأرض، ولما قلنا: أنه لا يجوز بيع الظاهر من البرسيم إلا جزة جزة، لا يجوز أيضاً بيع البقول إلا لقطة لقطة، ومن هنا فلا يجوز بيع الفجل، ولا يجوز أيضاً بيع الكرّاث، إلا إذا كان قد استخرج الفجل من الأرض، وهكذا بالنسبة للكرّاث، تكون الجزة الظاهرة هي التي تباع؛ لأن الكرّاث كالبرسيم، إذا استتم طوله جزه، ثم ينبت مرة ثانية، ثم يجز فينبت مرة ثالثة، فلا يبيع أصل الكرّاث وفرعه، وإنما يبيع الجزة الظاهرة، وهذا على القاعدة التي ذكرناها: أنه لا يصح البيع إلا لشيء معلوم لا يغرر فيه بالمشتري، وإنما يكون المشتري على علم وبينة، حتى يعلم أن المال الذي يدفعه هل يُستحق لهذا الشيء، ويعلم ما الذي له وما الذي عليه، فلا يجوز إلا لقطة لقطة بالنسبة لما يلتقط، وجزة جزة بالنسبة لما يجز، وهذا كله دفعاً للضرر الذي اشتمل عليه هذا النوع من بيوع الغرر. قوله: [ولا قثاء]: القثاء معروفة، والقثاء إذا أثمرت يكون بعض الحبوب مستتم الخلقة، وبعضها صغيراً، وبعضها متوسطاً، فمنها ما استتم خلقه، ومنها ما لم يستتم، وبناء على ذلك يقولون: لا يبيع إلا الذي استتم خلقه، ومن هنا كما قلنا: لا يجوز بيع المجزوز إلا جزة ظاهرة، جزة جزة، كذلك الملتقط لا يجوز بيعه إلا ما كان متأهلاً صالحاً للالتقاط، أما الذي لم يصلح للالتقاط، فإن بيعه كبيع الحب قبل اشتداده، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والقاعدة واحدة، والشريعة جاءت بقاعدة، وهي أن بدو الصلاح تؤمن معه العاهة غالباً. فإذاًَ بعد أن قررت القاعدة فوردت في النخل، ووردت في الحبوب، فأصبح النخل أصلاً لما ظهر،والحبوب أصلاً لما يحصد، هذا أصل، وهذا أصل، والمعنى في كل منهما أن لا يغرر بالمشتري، ومن هنا كانت الشريعة الإسلامية حافظة لحق البائع، حافظة لحق المشتري، فكل يشتري الشيء بيناً واضحاً دون أن يغرر البائع بأخيه المسلم، ودون أن يشتري المسلم شيئاً يجهله، فيغرر بماله ويخاطر بحقه. قوله: [ونحوه كباذنجان]: ذلك؛ لأن فيه الصغير والكبير، وما بدا صلاحه وما لم يبدُ، فلو قال له: أبيعك محصول الباذنجان هذا، فإنه لا يجوز. وقال بعض العلماء في القثاء والباذنجان، كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى وطائفة: يجوز بيع كله إذا بدا الصلاح في بعضه، قياساً على النخيل، ولا شك أن الغرر في الباذنجان والقثاء أعظم من الغرر في النخيل، فإن النخيل، إذا بدا الصلاح في بعضها فغالباً تؤمن العاهة فيها كلها، ولكن المحاصيل تختلف عن ذلك، وهذا معلوم بالتجربة، ورجح بعض العلماء قول من قال بالجواز، وقال: إن الذي هو صغير، أو لم يظهر في حكم الظاهر، ولكن هذا ضعيف، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علل النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بخوف الآفة والعاهة، وهذا المعنى موجود في المحاصيل التي لم يستتم خلقها.
البيع قبل بدو الصلاح بشرط القطع قوله: [دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال]: بعد أن ذكر لنا الرطبة، وذكر لنا البقلة، وقال: لا يجوز بيع ما لم يبدُ صلاحه، وكذلك الباذنجان وما في حكمه، ذكر أن هذه الأشياء كلها، لا يجوز بيعها إلا بشرط القطع في الحال. وهنا مسائل سندخل فيها تتعلق ببيع الشيء الذي لم يبدُ صلاحه. قد قررنا أن الشيء الذي لم يبد صلاحه من التمور ومن المزروعات ومن الحبوب، لا يجوز بيعه، والشريعة دالة على هذا، والنصوص واضحة في هذا الحكم. لكن بيع الشيء الذي لم يبد صلاحه، له حالات: الحالة الأولى: أن يشتري ثمرة لم يبدُ صلاحها بشرط أن يقطعها في الحال، كأن يعطيها علفاً للدواب. الحالة الثانية: أن يشتريها من أجل أن يستبقيها لكي تصلح. فإن اشترى ثمرة بستان، لم يبدُ صلاحها، واشترط أن يقطعها فوراً، أو اشترط البائع على المشتري أن يجز ويقطع العراجين التي هي للثمرة فوراً فالبيع صحيح في قول جماهير العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (الأئمة الأربعة)، وهو مذهب جماهير السلف والخلف: أن من اشترى ثمرة بستان قبل بدو الصلاح بشرط أن يقطعها فوراً، صح البيع؛ لأن السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بينت العلة، وهي أنه لا يؤمن على الثمرة أن تفسد، فإذا كان يريدها في الحال، ويقطعها في الحال علفاً للدواب، فقد زالت العلة. وإليك توضيح هذه المسألة: نحن ذكرنا أن النخل يطلع وبعد الطلع يتشقق ثم يؤبر، ثم يجلس فترة ما بين التأبير وما بين بدو الصلاح، فهذه الفترة التي ما بين التأبير وبدو الصلاح، هل يجوز فيها بيع الثمرة أو لا؟ الواقع أن هذه الفترة إذا وقع فيها البيع لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يبيع بشرط القطع. الحالة الثانية: أن يبيعها بشرط التبقية. الحالة الثالثة: أن يبيع بيعاً مطلقاً، أي: خالياً من شرط القطع والتبقية. فإذا بدت الثمرة فأبرها صاحبها، ولم يبدُ صلاحها، ثم باعها قبل بدو الصلاح، فإما أن يبيع بشرط القطع أو يبيع بشرط التبقية، أو يبيع بيعاً مطلقاً. أما الحالة الأولى: فهي أن يبيع بشرط القطع، كأن يكون عندك بستان فيه مائة نخلة أطلعت، ولكن لم يبدُ الصلاح في الثمرة، فالأصل الشرعي يقتضي عدم جواز البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة أنه نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، هذا الأصل الشرعي، لكن لو جاءك رجل، وقال لك: هذه الثمرة التي في البستان ثمرة مائة نخلة أريد أن أشتريها وأقطعها فوراً علفاً للدواب، وفي بعض الأحيان إذا أطلع النخل لأول مرة فبعض أهل الخبرة يقطعون الثمر، ويقولون: إن هذا يفيد النخلة كثيراً ويقوي النخلة، وفي بعض الأحيان حتى لو أطلعت وكان طلعها كثيراً، وفيها عراجين كثيرة، يقطعون بعض العراجين، ولو كانت في السنة الثانية أو الثالثة أو بعد سنوات، فيقطعون بعض العراجين؛ لأنه إذا قطع بعض العراجين قوي المحصول في الآخر، وبقاؤه قد يؤثر على النخلة؛ لأن كثرة المحاصيل تؤثر عليها، فربما أجهلت في السنة الثانية، أي: لا تطلع، فيقطعون المحصول عنها، حتى يخف العبء على النخلة الأم؛ لأنه مثل الحمل في الآدمية، فيخففون عنها، فهذا العرجون إذا قطعت ثمرته قبل بدو الصلاح هل يجوز بيعه أو لا؟ نقول: يحرم بيعه على النخلة بشرط التبقية، أو بيعاً مطلقاً، أما لو قطعه وباعه بعد قطعه، أو اشتراه رجل واشترط أن يقطعه، فإنه يصح البيع. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، قال عليه الصلاة والسلام: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك، فبم تستحل أكل ماله). وتأمل الحديث فإنه نهى عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين العلة، قال: (أرأيت أي: أخبرني، لو منع الله الثمرة عن أخيك)، يعني: لو بعت بستانك لرجل ولم يبدُ الصلاح -وقبل بدو الصلاح لا تؤمن الآفة- كما ذكرنا فقال صلى الله عليه وسلم: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك)، أي: جاءت الآفة فعلاً، وتلفت الثمرة، فبم تستحل أكل ماله، فالثمرة تلفت؛ لأنه قبل بدو الصلاح لا يؤمن التلف، فإذا تلفت الثمرة صار المال لقاء لا شيء، وأصبح حينئذ البائع يأخذ مالاً بدون ثمرة في مقابله، فقال صلى الله عليه وسلم : (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله)، فأخذ الجمهور من هذا الحديث دليلاً على أن العلة في تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هو خوف فسادها، فإن كان يريدها حاضرة ناضرة بحالها هذا، لكي ينتفع بها علفاً للدواب، لا للآدميين الذين بسببهم منع البيع خوفاً من فسادها قبل أن ينتفعوا بها، جاز البيع، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن السنة واضحة الدلالة عليه، وهو مذهب صحيح؛ لأن القاعدة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والعلة هنا جاءت منصوصاً عليها في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا ثبت هذا فمن باع ثمرة من بستان قبل بدو صلاحها، فإنه يجوز إذا كان بشرط القطع، أو قطعها وعرضها للبيع فإنه جائز؛ لأن العلة في هذا التي من أجلها حرم البيع قبل بدو الصلاح غير موجودة، والأصل حل البيع، وهذا يريدها علفاً للدواب، ولا يريدها للآدميين. الحالة الثانية: أن يبيعها بشرط التبقية، كأن يكون عندك مائة نخلة ولم يبدُ صلاحها، فأطلعت وأبرتها، وبعد التأبير وقبل بدو الصلاح جاءك رجل، وقال : أريد أن أشتري منك صيف البستان في هذه السنة، قلت له: صيف هذا البستان في هذه السنة بمائة ألف، قال : إذاً أشترط عليك أن تبقيها لي حتى يبدو صلاحها، فهذا يسميه العلماء: شرط التبقية، عكس الأول، إذ الأول يشترط القطع والثاني يشترط التبقية، والتبقية تفعلة من البقاء، أي: يقول المشتري للبائع: أنا أشتريها، والآن لم يبدُ صلاحها، ولكن شرطي عليك أن تبقيها لي حتى آكلها بلحاً، أو آكلها رطباً، وآكلها تمراً، فهذا يسمونه شرط التبقية. ففي الحالة الأولى حالة اشتراط القطع فإن البائع هو الذي يشترط غالباً؛ لأن من مصلحته أن تقطع الثمرة حتى يرتفق النخل وينتفع بذلك. وفي الحالة الثانية حالة اشتراط التبقية فإن الغالب أن يشترط المشتري. ففي الحالة الثانية إذا اشترى قبل بدو صلاحها، واشترط في العقد أن تبقى إلى بدو الصلاح، فالإجماع على تحريم هذا البيع؛ لمخالفته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، فإذا باعها قبل بدو صلاحها، واشترط بقاءها فالعلة موجودة بخلاف الحالة الأولى التي فيها العلة مفقودة. لكن هناك وجه عند المالكية خرجه اللخمي من أصحاب الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقتضي الجواز، ولكنه شاذ وضعيف. وشذوذه لمخالفته الإجماع، ومخالفته لنصِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً في الحالة الأولى إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فالصحيح قول الجماهير ومنهم الأئمة الأربعة بصحة البيع، لظاهر السنة، وأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والحالة الثانية: أن يبيع بشرط التبقية، فالإجماع على عدم الجواز، وهناك وجه شاذ عند المالكية يقتضي الجواز، وهو باطل لمخالفته السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحالة الثالثة: أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها ويكون البيع مطلقاً. والبيع المطلق هنا: هو الذي لا يشترط فيه القطع ولا تشترط فيه، كأن يقول: عندي مائة نخلة، وهذه المائة نخلة لم يبدُ صلاحها، قال : أنا أشتريها منك بمائة ألف، وسكت البائع، وسكت المشتري، فلم يشترط هذا ولم يشترط هذا، هذا يسمى عند العلماء بالبيع المطلق؛ لأنه عري عن الشرط. فإذا باعه الثمرة قبل بدو صلاحها بيعاً مطلقاً، فما الحكم؟ جماهير العلماء على عدم صحة البيع؛ لأن السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم حرمت بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقال الحنفية: يصح البيع، ولكن يجب على المشتري أن يقطع، فقالوا: نصحح البيع، ونلزم المشتري بالقطع فوراً، وهذا ضعيف؛ لأنه مصادم للسنة الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي نهى فيها عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولم يفرق بين الذي فيه شرط التبقية، وبين الذي فيه شرط القطع، وبين الذي هو بيع مطلق، وجاء الاستثناء لشرط القطع بالعلة، فبقي ما عداه على الأصل الموجب للتحريم؛ لأن السنة: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، فجاءت السنة بالعلة وقيدت حال القطع، فبقي ما عداه على التحريم. إذاً الخلاصة: أن بيع ثمرات النخيل قبل بدو الصلاح، -وهو ما بين التأبير، وما بين بدو الصلاح الذي هو الإزهاء- له ثلاث صور: إما أن يبيعه بشرط القطع، فيصح في قول الجماهير، لظاهر حديث أنس رضي الله عنه: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك). أو يبيعه بشرط التبقية، فلا يصح بإجماع، وفيه شذوذ لا يعول عليه. أو يبيع بيعاً مطلقاً، فالجمهور على عدم الجواز لظاهر السنة، والحنفية مخالفون، والصحيح مذهب الجمهور.
تابع بيع ما يجز ويلقط بعد هذا نرجع إلى مسألة بيع الرطبة والقثاء ونفرِّعها على بيع الثمرة، وانظر إلى دقة المصنف رحمه الله تعالى، حيث جعل بيع النخل بشرط القطع أصلاً، فألحقت به الزروع والثمار والمحاصيل التي تكون في نفس المعنى، فإذا كان الزرع مما يحصد مثل الكرّاث، أو الجُزر الذي يراد ورقه، أو البرسيم، الذي يراد علفاً، فلا يجوز بيع أصله وفرعه، لكن لو باعه بشرط القطع على الجزة الظاهرة صح له ذلك وجاز؛ لأن العلة من خوف الغرر غير موجودة، ويلحق بهذا ما يلتقط، فكما أن الذي يجز يباع فيه الجزة الظاهرة، كذلك الذي يلتقط كالقثاء والباذنجان، والقثاء يختلف؛ لأنه لا يبدو صلاحه إلا إذا تناهى في الطول، والباذنجان لا يبدو صلاحه إلا إذا تناهى في الجرم والحجم، ولذلك قد تبيع الباذنجان وهو أخضر، ثم يصير أحمر، فاللون ليس لذاته مؤثراً، ولكن المؤثر تناهي الحجم، والحجم إما في الطول كما في القثاء، وإما في العرض كما في الباذنجان، وانظر كيف اختار المصنف رحمه الله تعالى، حتى نعلم أن الفقهاء حين يأتون بالتمثيل والتقريب يراعون الأحوال المختلفة، فإن سئلت عن ثمرة طويلة كالقرع المديني تقول : تلتحق بالقثاء، فإن الفقهاء نصوا على عدم جواز بيع القثاء إلا ما تناهى كبره للَّقطة الظاهرة، فلا يباع القرع المديني إلا بعد تناهي طوله فيما تم طوله وتناهى. وأما ما كان من عرضه ممتلئاً فتقول: لا يصح بيعه إلا بعد تناهي كبره لبدو صلاحه في اللقطة الظاهرة، كالقرع غير المديني، وهو القرع الذي يكون مدوراً، فهذا يكون صلاحه بعد تناهي كبره، ويكون للقطة الظاهرة، فيبيع ما صلح للقط، وأما ما لم يصلح فإن البيع فيه بيع غرر، فينتظر إلى صلاحه. [أو جزة جزة]: ذلك كالكرّاث، وكذلك أيضاً البرسيم وأنواع العلف، والقصب. قوله: [أو لقطة لقطة]: وذلك كما ذكرنا في الأشياء التي تلتقط ويكون بعضها لم يصلح، ولم يستتم صلاحه، أو لم يتناه كبره، فإنه حينئذ يباع لَقطة لَقطة. ولاحظ عبارة المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه ولا زرع قبل اشتداد حبه، ولا رطبة وبقل، ولا قثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال أو جزة جزة أو لقطة لقطة]. فأول شيء ذكر لنا بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وأعاد عليها قوله: [دون الأصل إلا بشرط القطع في الحال] فلا يباع ثمر قبل بدو صلاحه، وحينئذ تعيد إليها [إلا بشرط القطع]، أي: لا يباع ثمر قبل بدو صلاحه إلا بشرط القطع. ثم قال: [ولا زرع قبل اشتداد حبه ولا رطبة وبقل، ولا قثاء ونحوه كباذنجان] وأعاد عليها قوله: [أو جزة جزة أو لقطة لقطة]، فجعل القطع عائداً إلى النخل، فيقطع ما عليها من العراجين والشماريخ، والجز عائداً إلى الحب وإلى الرطبة، والحب يجز ويحصد ويقص من الأرض، سواء بالآلات أم بالوسائل الموجودة الآن، فالمهم أنه يحصد. وأيضاً كذلك الرطبة، قلنا أصلها باطن وفرعها مقصود، كالبرسيم يجز ظاهره، والكراث يجز، فلا يباع إلا جزة جزة، وبعد الجزة قال: [أو لقطة لقطة]، كقثاء وباذنجان ونحوه؛ لأنه يلتقط فأعاد اللقطة إلى الباذنجان والقثاء ونحوهما. وهذه أمور كانت من أوضح ما تكون، أي: الزروعات، وكان الناس عمال أنفسهم كما قالت عائشة رضي الله عنها: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم)، وهذه الأمور أصبحت تخفى. فيكون كلامه على هذا فيه لف ونشر، فتعيد القطع إلى النخل، والجز إلى الحب وإلى الرطبة، والالتقاط إلى القثاء والباذنجان. إذاً: هذه الأمور كلها مرتبة على حسب إيراد المصنف رحمه الله من الأنواع الأول.

شرح زاد المستقنع - باب بيع الأصول والثمار [3] تبادل المنافع بالبيع والشراء حاجة من حاجات الناس، ولما كانت النفوس مجبولة على استيفاء حظوظها والنظر في مصالحها دون مصالح الآخرين، فإن هذا قد يؤدي إلى النزاع في البيع والشراء فيما يستحقه كل منهما بالبيع، أو وقوع الغبن على أحدهما، فاقتضت تعاليم الشريعة المحكمة أن تضع شروطاً وضوابط وموانع لما يباع، وبيان حقوق البائع والمشتري في البيع، وبيان بطلان البيع.. إلى غير ذلك مما يجب على المسلم علمه حال البيع، وفي هذه المادة بيان لبعض هذه التعاليم الغراء في بيع الأصول والثمار خاصة. أحكام تتعلق بالبائع والمشتري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلف الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري]: ...... من يلزمه الحصاد والجذاذ واللقاط ونبدأ بالنخيل، فإن اشترى ثمرة مائة نخلة في هذا الصيف بعد بدو الصلاح والشروط متوفرة، وبعد أن تم البيع، وحان وقت جني المحصول، قال المشتري للبائع: النخل نخلك، والثمرة اشتريتها منك، فاحصده لي، فأنت الذي تجذ النخل، وعليك الجذاذ. وكما هو معلوم النخل تارة يؤخذ بثراً، وهذا يحتاج إلى التقاط، ورطباً يحتاج إلى التقاط، وتمراً يحتاج إلى جذ، فيجذ العرجون كله ثم يحصد ما فيه، فقال: أنا اشتريت منك ثمرة بستانك فالذي عليك، أن تجذ لي النخل، وتلتقط لي الرطب، وتلتقط لي البثر، قلت له: يا أخي أنا بعتك الثمرة، والحصاد والجذاذ عليك أنت! وهذا النخل موجود فادخل وخذ ثمرتك، أما أنا فكيف أتكلف هذا؟ لأن الحصاد يكلف بعض الأحيان عشرات الألوف، خاصة إذا كان النخل كثيراً وفيه مؤنة ومشقة، وفي مثل مواسم الحصاد. فيأتي السؤال: هل الحصاد والجذاذ على البائع، أو على المشتري؟ يقول رحمه الله تعالى: [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري]، أي: أنت أيها المشتري عليك مؤونة جني الثمرة، فالثمرة ثمرتك وهو يمكنك من دخول البستان لجني المحصول، ويكون هذا بالمعروف، فإذا مكنك من ذلك فهذه ثمرتك، إن شئت تأخذها بلحاً وإن شئت تأخذها رطباً، وإن شئت تأخذها تمراً، فيخلي بينك وبين المبيع، أما أن تلزمه بالجذاذ، فهذا ليس من حقك. وقوله: [والحصاد]، الحصاد في الزروع، كحصد محصول الحب، والشعير، ونحو ذلك، فيقول البائع للمشتري: أنت الذي تحصد، فتأتي بمن يحصد لك هذا الحب الذي اشتريت مني. فتكون مؤونة الحصاد على المشتري لا على البائع. قوله: [والجذاذ]: كذلك جذ النخل، فإذا أراد أن يجذ نخله والثمرة التي اشتراها، تكون المؤونة والأجرة على المشتري لا على البائع. قوله: [واللقاط على المشتري] كذلك اللقاط، وهو الجني، مثل القثاء يلتقطها، ومثل الباذنجان والكوسة والباميا، ونحو ذلك من الأشياء التي تحتاج إلى التقاط، فإن مؤونة الالتقاط على المشتري، لا على البائع.
حالات يبطل بها البيع قال رحمه الله تعالى: [وإن باعه مطلقاً، أو بشرط البقاء، أو اشترى تمرا ً قبل بدو صلاحه بشرط القطع، وتركه حتى بدا، أو جزة أو لقطة فنمتا، أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها، أو عرية فأثمرت، بطل والكل للبائع] قوله: [وإن باعه مطلقاً]: تقدم أن البيع المطلق هو الذي ليس فيه شرط التبقية ولا شرط القطع، أي: يبيعه بيعاً خالياً من الشرط، وينبغي على طالب العلم أن يتنبه إلى أن سياق الكلام هنا في الثمرة التي لم يبدُ صلاحها؛ لأن الكلام متصل بقوله: [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه]. فيرد السؤال: الحكم أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فلو حصل وباعه قبل بدو الصلاح؟ قال رحمه الله تعالى: [وإن باعه]، أي: قبل بدو الصلاح، [بيعاً مطلقاً... بطل]، فالأصل يقتضي عدم جواز البيع، خلافاً للحنفية، إذ يرون أنه لو باعه بيعاً مطلقاً فإنه يجوز، ويجب على المشتري أن يقطع فوراً. فلو باعه بيعاً مطلقاً وتم البيع بينهما مخالفا للسنة التي ذكرنا، ومضى الحال سواءٌ علم الحكم أم جُهل، ثم بعد أربعة أشهر لما بدا الصلاح سأل أهل العلم، فقالوا: هذا البيع لا يجوز، فماذا يكون حكمه؟ الثمرة الآن صالحة، فهل تكون الثمرة ملكاً للبائع، بناء على أن البيع فاسد، والأصل أنها ملك له ولم تخرج من يده؟ أم أنها ملك للمشتري بناء على أنه لم يتدارك الفساد؟ بين رحمه الله تعالى أنها ملك للبائع، وهذا هو الصحيح؛ لأن هذا البيع فاسد من أصله، فلما تبايع معه بيعاً غير شرعي، فمعناه أن الثمرة ما زالت باقية في ملك البائع، وأن المشتري لا يملك هذه الثمرة؛ لأن الإيجاب والقبول والصيغة وقعت على وجه غير معتبر، فوجودها وعدمها على حد سواء، لكن ما الحكم حينئذ؟ الجواب: يُلزم البائع برد الثمن، ويقال: هذا البيع منفسخ، ثم يقال للمشتري: الآن بدا الصلاح فإذا أردت أن تشتري فلتشتر من جديد؛ لأن البيع الأول فاسد، فإن أحببت أن تنصرف بمالك فلا إشكال، وإن أردت هذه الثمرة فادفع حقها الآن؛ لأن الإيجاب والقبول في بيعكما باطل لا قيمة له، فالثمرة ما زالت في ملك صاحبها، ولكن ما الفائدة في هذا؟ الجواب: في بعض الأحيان يبيعه الثمرة قبل بدو صلاحها، على أن السوق غالٍ، فتكون قيمتها -مثلاً- مائة ألف، ثم لما بدا الصلاح أصبح السوق كاسداً، فتنزل القيمة، فلربما اشتراها بخمسين ألفاً، فيكون أخف وأرفق بالمشتري، وربما يكون العكس؛ لأن فيها مخاطرة، فتكون القيمة أقل. فإذا بدا الصلاح قلنا: إذا أردتما أن تنشئا العقد فأنشئا من الآن، ولو أرادا أن لا ينشئا عقداً، أو قال البائع: لا أريد أن أبيع، أو رجعت عن بيعي وأريد أن آخذ الثمرة بنفسي كان له ذلك؛ لأن الثمرة ما زالت في ملكه وهو أحق بها، ويجب عليه أن يرد للمشتري ماله كاملاً. قوله: [أو بشرط البقاء]: هي الحالة الثانية، اشترى قبل بدو الصلاح، وقال له: أشترط أن تبقي لي الثمرة حتى يبدو الصلاح، فسواء علم الحكم أم جهله فالبيع فاسد، وحينئذ إذا رفع الأمر إلى القاضي فإنه يحكم بانفساخ البيع ووجوب رد المال إلى المشتري، ورد الثمرة إلى البائع. قوله: [أو اشترى ثمراً قبل بدو صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا]: أي: لو جاءك رجل وأنت عندك مائة نخلة، لم يبدُ صلاح ثمرها، فقال: أشتريها منك، قلت له: أنا لا أبيعها إلا بشرط أن تقطعها، قال: قبلت، واشتراها منك بعشرة آلاف ريال على أنه يقطعها، ثم جاءته ظروف فلم يستطع القطع، أو تهرب وماطل، حتى بدا صلاح ثمرها، فما الحكم؟ الحكم حينئذ أن نقول: إن هذا العقد الذي وقع بينكما وقع بشرط القطع مصححا، وإلا الأصل عدم صحته، فلما فات الوصف الشرعي المعتبر للتصحيح فإنه يرجع إلى حكم الأصل ببطلانه، فترد له المال، ولا حق له بالمطالبة بالثمرة، وتنشئان بيعاً جديداً إذا أردت البيع. قوله: [أو جزة أو لقطة فنمتا]: أي: إذا جاء واشترى منه برسيماً وهو على طول شبر، فالبرسيم على شبر له قيمة، والبرسيم على شبرين له قيمة، ففي بعض الأحيان يأتي المشتري، وتأتيه ظروف فيقول: أريد البرسيم الآن، فتقول له: ليس عندي إلا هذا البرسيم الذي هو في نصف الاكتمال، فيقول: بكم أشتريه منك؟ فيقول البائع مثلاً: عشرة أحواض بمائة، قال : قبلت، وأعطاه المائة، ثم إذا به يماطل ويتأخر، أو جاءه ظرف، حتى أصبح البرسيم فوق ذلك بكثير، فيصبح المبيع الحاضر غير الذي أوجبا البيع عليه من قبل، وقد تكلف البائع مؤونة سقيه والقيام عليه، فحينئذ ينفسخ البيع الأول؛ لأن الجزة التي تعاقدتما عليها ليست بموجودة، ففاتت بتفويت المشتري، وحينئذ يتحمل مسئولية فوات البيع وترد له القيمة، وينُشئان بيعاً جديداً، وغالباً ما يكون البرسيم بضعفي قيمته؛ لأنه لما نما كان غير الذي اتفقا عليه. إذاً: الثمرة إذا صلحت وبدا صلاحها، فقيمتها غير قيمتها قبل بدو الصلاح، ولا شك أن المشتري إذا أراد أن يتلاعب، وفعل ذلك عن تلاعب لا شك أن هذا من خديعة المسلم، ولذلك يمثل بعض العلماء بأن الغش كما يكون من البائع للمشتري يكون كذلك من المشتري للبائع، ومن غِشِّ المشتري للبائع أن يشتري بشرط القطع، فإذا به يؤخر ويماطل حتى تكتمل الثمرة، فيأتي ويأخذها، ولا شك أن هذا إذا فعله على قصد التلاعب، فإنه معصية لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى حرّم أن يفعل المسلم بأخيه هذا، فيشتري منه الشيء بنصف قيمته على أن يأخذه فوراً، وهو يضمر ويريد منه ما هو أكمل، مما يستحق قيمة أكثر، وليس هذا من النصح للمسلمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة)، فمما ينبغي للمسلم أن ينصح لأخيه، وهذا ليس من النصح. فقوله: [أو جزة]، أي: من كراث، أو برسيم ونحوه، [أو لقطة]، أي: من قثاء وباذنجان ونحوه، كالقرع والباميا، ونحو هذه الأشياء التي تلتقط، فاشتراها على هيئة ثم تركها حتى زادت، فالذي أوجب البيع عليه غير الذي صار إلى هذه الحالة، فوجب أن ينشأ العقد على الذي صار إليه الحال، ويلغى البيع في الأول. قوله: [أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها]: أي: إذا اشترى ما بدا صلاحه، وحصل آخر، أي: زيادة على الذي اتفقا عليه، واختلطت الزيادة بالأصل، و[اشتبها]، فما استطاعا أن يميزا الذي اتفقا عليه من الذي لم يتفقا عليه، فحينئذ يصير المال ما بين حلال وحرام، والقاعدة أنه إذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، في كلب الصيد إذا أُرسل للصيد، وأكل الكلب من الفريسة، قال صلى الله عليه وسلم : (وإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه)؛ لأنه إذا أكل من الفريسة فيحتمل أنه أمسك لك فصيده حلال، ويحتمل أنه أمسك لنفسه، فصيده حرام، فقال : (إن أكل فلا تأكل). فإذا أكل وجلس على الفريسة يأكل منها فهذا لا إشكال فيه؛ لأنه أمسك لنفسه، لكن إذا أكل منها، ثم جاءك بفضلته فحينئذ يحتمل أن يكون صاد لنفسه، ثم من باب الوفاء جاء لسيده بالباقي، أو أنه صاد لسيده، فلما ذاق حلاوة اللحم ولذة الفريسة نهش منها، كأنه يرى أن سيده لا يضربه ولا يؤذيه، فيحتمل أنه صاد لسيده فعلاً، لكن الكلب -أكرمكم الله تعالى- لا ينطق ولا يتكلم، وإنما يباح صيده إذا صاد لك، ويحرم إذا صاد لنفسه؛ لأن الله تعالى يقول: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] فدل على أنه إذا لم يمسك لك لا يجوز لك الأكل؛ لأن كلاب الصيد والجوارح، كالصقور، والبوازي، والشواهين والنسور ونحوها، يصح صيدها إذا لم تأكل، أما لو أكلت فلا، فالصقر -مثلاً- إذا أرسلته وأكل من الفريسة فحينئذ لا يؤكل منها؛ لأنه اختلط الحلال بالحرام، فهناك موجب يقتضي الحل، وهو كونك أنت الذي أرسلت، وذكرت اسم الله تعالى، وأنت الذي حددت الفريسة، وهناك موجب يقتضي الحرمة؛ لأن شرط حل صيدها أن لا يأكل، فلما أكل اشتبه أن يكون أمسك لنفسه ولم يمسك لك، فإذا اشتبه الحلال بالحرام، حرم الكل. ولذلك نقول: القاعدة أنه إذا اجتمع حاظرٌ ومبيح، قدم الحاظر على المبيح، والسبب في هذا أن الحاظر والحرام أمرك الله تعالى باجتنابه، والحلال لم يأمرك الله تعالى بأخذه، فحينئذ تعارض الأمر مع ما هو دونه، فقال العلماء: إذا تعارض الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح. ومن هنا قالوا: إذا اشتبهت ميتة بمذكاة حرمتا، وإذا اشتبهت زوجة بأجنبية حرمتا، فلو كان هناك امرأتان متشابهتان تماماً وكانت إحداهما زوجة لإنسان، فجاء ودخل فوجد امرأتين كلتيهما شبه لزوجته، لا يدري هذه زوجته أو هذه، وقد يقع هذا في بعض الأحيان كما كان يقع في القديم في سفر القوافل، فقد كان يقع بعض اللبس، فإذا لم يتحرَّ ولم يتأكد أنها زوجته لم يجز له أن يقدم على غرة؛ لأنه ربما وطئ في حرام، والله تعالى أمره باجتناب الحرام. إذاً: اجتمع الحاظر والمبيح، قدم الحاظر على المبيح. وهنا إذا اشتبه ماله الذي اشتراه، وهو ملك للمشتري والمال الذي حدث في ملك المشتري وجب ترك الكل، وتصحيح العقد ما أمكن. قوله: [أو عرية فأثمرت]: العرية: من العرايا، سميت بذلك لأنها تعرى من البستان. والعرايا: أن يباع الرطب على رءوس النخل بخرصه تمراً، وليس الرطب بمجني؛ إذ المجني لا يباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر، لكن يباع على رءوس النخل. فلو فرضنا أن رجلاً عنده تمر سكري، لكنه أحب أن يأكل بدلاً منه رطباً، ففي الأصل لا يجوز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم وجود التماثل، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع العرايا بخرصها تمراً، في قدر خمسة أوسق، كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فإذا كانت العرية في خمسة أوسق فما دون صح، أي: أن يؤخذ منه ثلاثمائة صاع؛ لأن الوسق ستون صاعاً، فيبيع نخلاً عرايا في حدود ثلاثمائة صاع، فإذا نقص عن ذلك جاز، ولو زاد لم يجز. فلو فرضنا أن النخلة فيها عشرون صاعاً، فخرصها الخارص وقال: هذا الرطب إذا صار تمراً يصير عشرين صاعاً، فقلت له: إذاً أعطيك عشرين صاعاً من التمر الذي في الأرض بهذه العريا التي فيها عشرون صاعاً، واتفقتما ع
ما يلزم البائع والمشتري عند بطلان البيع قوله: [بطل والكل للبائع] أي: بطل البيع، وقوله: [والكل للبائع] ذكرنا أن المشتري إذا أخذ الثمرة بشرط القطع فإن أبقى الكل فالكل للبائع، ويرد له الثمن، لكن لو أنه أخذ بعض التمرة وترك بعضها حتى صار تمراً، أو ترك بعضها حتى بدا صلاحه، فقال رحمه الله تعالى: [والكل للبائع]، أي: أنه يُلغى البيع كله، ويرد الثمن كاملاً، ويصبح المثمن كاملاً للبائع، فيقدر الذي أخذه بقيمته، ويلزم المشتري بدفع قيمة ما أخذ. وعلى هذا في العرايا لو اشتراها صفقة واحدة ثم أكل النصف رطباً وأبقى النصف تمراً، فمن العلماء من قال: تتجزأ الصفقة، فتصحح في النصف وتبقى في النصف، ومنهم من يقول: يبطل الكل؛ لأنها بيعت بصفقة واحدة. وعلى هذا الوجه يلزم البائع أن يرد الثمن كاملاً، ويضمن المشتري للبائع قيمة ما أخذه بحقه.
حكم البيع المطلق وبشرط التبقية قال رحمه الله تعالى: [وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة، واشتدّ الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية]: أي: إذا بدا ما له صلاح في الثمر جاز بيع الكل بيعاً مطلقاً وبشرط التبقية، فإذا بدا الصلاح في النخيل فأزهت، فاحمَّرت واصفرت، فحينئذ يجوز بيعها بيعاً بشرط التبقية، وبيعاً مطلقاً. كرجل عنده مائة نخلة وبدا صلاحها، فقلت: يا فلان بكم تبيعني هذه المائة نخلة؟ فقال لك: أبيعكها بألف ريال، فقلت له: قبلتُ، فمن حقك أن تشترط عليه أن يبقيها، فتقول: قبلت بشرط أن تبقيها لي حتى تصير تمراً، وإذا بدا الصلاح تكون حبات التمر بلحاً؛ والنخيل منه ما لا يؤكل إلا بلحاً، ومنه لا يؤكل إلا رطباً، ومنه ما لا يؤكل إلا تمراً، وهناك ما يجمع الثلاثة الأحوال، كالتي تسمى أم جرذان، قيل: إنها التي ورد في السير أنه حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة -وكانت بقباء- أكل منها، وهذه من أبكر أنواع النخيل الموجودة في المدينة وتؤكل بسراً وبلحاً ورطباً وتمراً. فهذا النوع يؤكل بجميع الأحوال، لكن هناك نوع إذا اشتراه المشتري يشترط بقاءه إلى التمر، وهناك ما يؤكل بلحاً ورطباً وتمراً، لكن من مصلحة بيعها أن تؤخر حتى تصير تمراً، فقيمتها تمراً أغلى من قيمتها رطباً، وبعضها قيمتها رطباً أغلى من قيمتها تمراً، فالذي يحتاج إلى تأجيل من أجل ربح السوق، فحينئذ يشترط بقاءه إلى الحصاد والجذاذ. ومن هنا قال رحمه الله تعالى: إذا اشترى بعد بدو الصلاح يجوز أن يتم البيع بيعاً مطلقاً، دون أن يوجد شرط، ويكون من حق المشتري أن يبقيها إلى القطع، ويجوز أن يشتريها ويقول: أشترط عليك أن تبقيها لي إلى الجذاذ. وفائدة هذه المسألة: لو أن رجلاً اشترى منك مائة نخلة بعد بدو الصلاح، فقلت له : أنت اشتريت الحاضر الناضج، فألزمك بقطعها، لم يكن من حقك ذلك، بل تبقى إلى جذاذها، ولا يجوز لك أن تلزمه بالقطع قبل الجذاذ، فله حقٌّ أن يقطعها فوراً، أو أن يؤخرها إلى منتصف الموسم، أو إلى آخر الموسم، ولا يلزمه أن يقطعها فوراً. لكن الحنفية يخالفون الجمهور في هذه المسألة، فيرون أنه إذا اشترى الثمرة بعد بدو صلاحها يجب عليه القطع مطلقاً، سواء اشترط أم لم يشترط، وهذا مذهب مرجوح، والسبب في هذا أنهم يرون أن بيع الثمرة على أن تبقى إلى بدو الصلاح من بيوع الغرر، وبيوع الآجال، ولا يصححون هذا النوع من البيع بشرط التبقية، ولا يجيزون في البيع المطلق إلا أن يقطع فوراً، ويلزمون المشتري بقطعها فوراً، ولا شك أن مذهب الجمهور أصح.
حالات بدو الصلاح وآراء الفقهاء فيها وفي حق المشتري بناءً على ما سبق عندنا الأحوال التالية: الحالة الأولى: إذا بدا الصلاح بسراً فاحمَّرت الثمرة، أو اصفرت. الحالية الثانية: أن ترطب، فيكون النضج في نصفها، أو في ربعها، أو في أكثرها. الحالة الثالثة: أن يتم استواؤها ويكتمل، فتتهيأ للصرام والقطع. هذه ثلاثة أحوال بعد بدو الصلاح ينتبه لها. الحالة الأولى: أن تكون بلحاً، وبسراً. الحالة الثانية: أن تكون رطباً. الحالة الثالثة: أن تكون تمراً. فإن بيعت النخلة في هذه الثلاث الأحوال، إما أن تباع عند نهاية الاستواء، فإذا بيعت بعد اكتمال استوائها واكتمال نضجها، فبالإجماع يصح البيع ويقطعها فوراً، كرجل عنده مائة نخلة سكرية، وتركها وحفظها حتى صارت تمراً، ثم جاءه رجل وقال: أشتري منك هذه المائة نخلة بمائة ألف، فقال: خذها. فإنه يتم البيع بالإجماع ويصح. الحالة الثانية: أن تباع قبل أن تثمر، وقبل أن يكتمل استواؤها، فجماهير أهل العلم على جواز البيع وصحته، وخالف في هذه المسألة. رجلان عالمان، وكلاهما من التابعين، أولهما: عكرمة بن عبد الله ، صاحب ابن عباس رضي الله عنهما، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، الفقيه المشهور، فقالا: لا يجوز البيع، فلم يصححا بيع ثمرة النخيل قبل الاستواء الكامل، ولكن الصحيح مذهب الجماهير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها). ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النهي توقف عند بدو الصلاح فدل على أنه بعد بدو الصلاح يحل البيع، وهذا على القاعدة الأصولية المشهورة أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها في الحكم، فلما قال: حتى يبدو صلاحها، فالغاية بدو الصلاح، فمعناه أن الحكم بعد بدو الصلاح يخالف الحكم قبل بدو الصلاح، وقبل بدو الصلاح قال: (نهى)، فمعناه أنه بعد بدو الصلاح، يجوز ولا بأس به. وإذا قلنا بقول الجمهور: إنَّه يجوز بيعها قبل أن تثمر، فهم على طائفتين: فالمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، رحمة الله تعالى على الجميع، على أنك إذا اشتريت ثمرة بعد بدو صلاحها يجوز لك أن تبقيها، ولا يجب عليك القطع. وقال الحنفية: يصح بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، ونلزم المشتري بقطعها فوراً، فإن بيعت بُسراً وجب عليه أن يقطعها بسراً، وإن بيعت رطباً يجب عليه أن يقطعها حال كونها رطباً. والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط في حل ما كان بعد الغاية مفهوم القطع. وعلى هذا يكون الحكم أنه يجوز بيعها بعد بدو صلاحها بيعاً مطلقاً، وبيعاً بشرط التبقية، وبشرط القطع، لا بأس بذلك كله، على ظاهر السنة.
يلزم في بيع الحب ما يلزم في بيع ثمر النخل عند صحتها قوله: [واشتدّ الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية]: الحب أول ما يظهر. يكون طرياً، حيث يكون فيه ماء السنبلة، ثم يبدأ ييبس قليلاً قليلاً، حتى يشتدّ ويكتمل استواؤه، فإذا اكتمل استواؤه جاز بيعه، وبيع الحب على حالتين: الحالة الأولى: أن يأتي المشتري يشتري منك الحب، كأن تكون زرعت مزرعة كلها حبوب، فيأتي فينظر إليها ويقدرها، وتتوافر شروط البيع من العلم بقدر المبيع ونوعه، وبعد ذلك قال: أنا أشتري منك هذا الحب الموجود في مزرعتك بخمسين ألفاً، فقلت له: قبلت، فإن كان الحب طرياً لم يشتدّ لم يجز، إلا بشرط قطعه فوراً، كالنخل، كأن يقول: أريده علفاً الآن، ولا أريد بقاءه حتى يُحصد، فلو اشتراه قبل بدو صلاحه واشتداده بشرط أن يقطعه فوراً، صح البيع. ولو أخذه منك في هذه الحالة بشرط أن يقطعه فأخره حتى اشتدّ، فما الحكم؟ الجواب: يبطل البيع على القاعدة التي ذكرناها، فإذا اشترى الحب قبل بدو صلاحه، بشرط القطع صح، وإن اشتراه بشرط أن لا يقطعه، بطل البيع، فإن بدا صلاحه، واشتدّ فحينئذ فيه تفصيل: فإن اشترى منك الحب وهو في سنابله وفي أرضه صح البيع، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، لكن لو أن هذا الحب حصدته، فأدخلته في البيدر، ومعه الشوك، ولم يصف الحب بعد، فهل يجوز أن يشتريه منك بالخرص قبل أن يكال؟ أو هل يجوز أن يشتريه بالكيل؟ أو يجوز أن يشتريه غير خالص؟ الجواب: لا؛ لأنه إذا حصد ووضع في البيدر، وأراد أن يأخذه بصفته فإنه يكون من بيع الغرر؛ لأننا لا ندري كم يصفى من هذا الحب، فلو قال قائل: هذا الحب يجوز بيعه، وهو في سنابله! قلنا : بالخرص، لكنه إذا خلط وأصبح محصوداً لا ينفع فيه الخرص، ولا يستطيع الخارص أن يحدد بدقة، أو بغلبة ظن ما هو أقرب للحقيقة، بخلاف ما إذا كان على رءوس زرع مشتدّ في سوقه، فإنه يمكنه أن يخرص، لكنه إذا دخل في البيدر، تكون السيقان الطويلة، والصغيرة، ويختلط الحب بغلافه، وبعد ذلك لا يمكن معرفته على الحقيقة أو قريب من الحقيقة إلا إذا صفي، فلا يجوز بيعه بعد الحصد إلا بتصفيته؛ لأنه يفضي إلى الغرر؛ فإنه حينما تشتري الصاع فإنك تشتري الحب مع الشوك، ولا يجوز بيع الشوائب لما فيها من الغرر، إلا بعد تصفيتها، ما دام أنه يمكن تصفيتها. قال رحمه الله تعالى: [وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ]: هذه هي الحالة الثانية: فإذا اشترى الحب بعد اشتداده، فإنه لا يجوز لك أن تقول له: احصد الآن، بل من حقه أن يؤخر إلى اكتمال الحصاد، حتى ينشف نشافاً كاملاً، ثم بعد ذلك يحصد، فإن اكتمل استواؤه، فقال: أريد أن أتأخر، فليس من حقه ذلك، أي: إذا تمت المدة وجاء موسم الحصاد يلزم المشتري بالحصاد؛ لأن هذا قد يضر بالبائع، ولذلك يلزم بحصده فوراً.
ما يلزم البائع بعد بيع الثمرة قال رحمه الله تعالى: [ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل]: بعد أن بين لنا رحمه الله تعالى مسائل البيع، شرع في مسائل الحقوق التي تتبع البيع، ولذلك الكلام على الفرع، وبيان الفرع بعد بيان الأصل والكلام عليه، وهذا كما ذكرنا أكثر من مرة من دقة العلماء، إذ قد تصح البيوع ويأتي الناس يتقاضون في الحقوق، فتختلف الأحوال فتارة يبيعه النخل بيعاً صحيحاً، ويبيعه الحب بيعاً صحيحاً، ولكن يفرط البائع في حق المشتري، أو يمنع البائع حقاً من حقوق المشتري، فيرد السؤال: ماذا يكون من حق المشتري إذا اشترى الثمرة بعد كمال استوائها، أو بعد صلاحها؟ الجواب: يجب على البائع أن يحافظ على الثمرة، ويحافظ على الأسباب التي تحافظ على الثمرة، وأهم تلك الأسباب مسألة السقي، كسقي النخل، فإن الثمرة تتأثر بالماء، فإذا اشترى منه نخلاً، وجب عليه أن يقوم على سقيه، وبناء على ذلك لو أن المزارع الذي اشتريت منه تعطلت آلة الماء عنده وجب عليه أن يصلحها، فإن لم يمكنه أن يسقي بآلته، وجب عليه أن يستسقي لك ماء يبقي لك الثمرة، إلى أن يتم حصادها، فإذا قصر فإنه يتحمل مسئولية التقصير، فإذا قلت: إنه يجب على البائع أن يسقي الثمرة بالمعروف، معناه أنه لو قصر كأ، يكون النخل يسقى، النخل يسقى إلى ثلاثة أيام، أو إلى يومين، إذا كان سقيه بالري الكامل وبأحواض كبيرة، فأصبح يسقي كل أربعة أيام، أو كل خمسة أيام، أو كل أسبوع مرة؛ لكونه فيه كلفة على الآلة، وهذه أمور، كانت تكلف الناس، ولا زالت تكلف الناس، فيخفف على نفسه؛ لأن الثمرة لم تعد ثمرةً له، وإنما صارت ثمرة لغيره، فحينئذ لا يتضرر، ولا يضره شيءٌ، فيقوم بالتساهل في سقيها، فقال المصنف رحمه الله تعالى: يجب على البائع السقي، أي: أنه مسئول عن سقي النخل، ويلزم بالماء الذي يستبقى به النخل إبقاءً للفرع المشترى، وهو الثمرة، فلو أنه تساهل في السقي، ولم يستتبع النخل في السقي، أو تساهل عماله، فحينئذ يلزمه الضمان، فلو أن الثمرة تضررت حتى ذهب العشر بسبب ضعف السقي، يُلزم بضمان عشر القيمة. وهكذا لو أنه تساهل في السقي، وتلاعب في ذلك حتى ذهب نصف الثمرة، يلزم بضمان نصف الثمرة، فإذا ألزمناه بالسقي ألزمناه بما يتبع التفريق للتساهل إذا كان ذلك بتساهل منه. قوله: [وإن تضرر الأصل]: في بعض الأحيان يكون السقي مضرّاً بالأصل، فهل نقول: نقدم حق المشتري ويجب عليه السقي؟ أو نقول نقدم حق البائع؛ لأن الأصل الضررُ به أعظم من الفرع؛ لأن ضرر النخل ليس كضرر ثمرته، ففي بعض الأحيان يقول أهل الخبرة مثلاً: من المصلحة أن لا تسقي النخلة، وتحتاج أن تمسك الماء عنها أسبوعاً علاجاً لها من بعض الأمراض، والنخلة تمرض كما يمرض الآدمي؛ لأن لها أمراضاً تخصها، فإن قيل له مثلاً: الأرض مختمرة، ولا بد أن تمسك الماء عنها أسبوعاً، فحينئذ إذا أمسك الماء تضررت الثمرة، فنقول: إنه يلزم بالسقي بالمعروف ولو تضررت النخلة، لكن تضرر النخلة غالباً في مثل هذه المسائل ليس تضرراً سارياً إلى الثمرة، إنما هو في التضرر المستقل.
الآفات وأقسامها وعلى من ضمانها [وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع] أي: إن تلفت بآفة سماوية، كما لو اشترى بستاناً بمائة ألف، ثم أصابته جائحة، والجوائح هي من حيث الأصل: الآفات والأضرار التي تصيب المحاصيل، وتصيب الزروع والثمار، وتنقسم إلى قسمين: الأول: آفات سماوية، وهي التي لا دخل للمكلف فيها. الثاني: وآفات غير سماوية، ويكون فيها للمكلفين دخل. أما الآفات السماوية: فمثل الأعاصير، كأن يأتي إعصار فيه نار فيحرق محصول الحب، ومزارع الحب في بعض الأحيان إذا كان هناك إعصار تشتعل ناراً، خاصة إذا كانت متأهلة للحصاد، فإذا اشتعلت ناراً بالإعصار، أو الصواعق، أو جاء سيل فغمر المحصول كله وأتلفه، فما الحكم؟ إذا كانت الآفة سماويةً، ولا دخل للمكلف فيها، فالسنة مضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح، فأخوك المسلم إذا اشترى منك ثمرة البستان، أو اشترى منك محصول الزرع، ثم أصاب ذلك المحصول، أو تلك الثمرة جائحةٌ سماوية ليس بيده ولا بيدك دفعها، فإنه يجب عليك أن تضع الجائحة عنه، بمعنى أنك ترد له المال، ويكون الضمان على حسب الجوائح، والدليل على وضع الجائحة حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيح مسلم وغيره، قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح)، فالسنة على أن الجوائح توضع. ومثل الحب النخل، فبعض المواسم يكون فيها: غبار كثير، والغبار يتلف ثمرة النخيل خاصة إذا كان عند التغبير، أو قبل بدو الصلاح، فتجد الثمرة منتفخة ليست بمليئة، وتصاب بأمراض بسبب الغبار، وتصاب بأمراض بسبب الأعاصير وسبب الرياح. وفي بعض الأحيان تهب رياح عاتية قوية، فإذا تحرك النخل تساقط التمر على الماء، ويفسد التمر؛ لأن التمر يصيبه الخمج إذا وقع في الماء، فتتحرك الرياح اليوم واليومين، وتلعب بجريد النخل فربما لا تبقي منه إلا ربعه، وربما لا تبقي منه إلا نصفه، وربما لا تبقي منه إلا ثلثه، فحينئذ إذا جاءت الجائحة فأتلفت الثمرة كاملة وضعت القيمة كاملة، وإن أتلفت نصفها وضع نصف القيمة، وإن أتلفت الربع وضع ربع القيمة. وكيف نعرف أنها أتلفت نصف المحصول، أو ربعه، أو ثلثه؟ الجواب: يرجع إلى أهل الخبرة، فينظر أهل الخبرة في البستان، ويقولون: هذا البستان تلف من محصوله الربع، فإذا اشترى منك بأربعمائة ألف. ترد له مائة ألف، وإن قالوا: تلف النصف، فحينئذ ترد له نصف القيمة، أي: أن الجائحة بالآفة السماوية تضمن وترد القيمة إذا تلف المحصول كاملاً، أو تلفت الثمرة بكاملها، وإن تلف الجزء فيرد بحسابه. هذا بالنسبة للآفات السماوية، أما الآفات غير السماوية وهي ما يكون بفعل المكلف، مثل أن تحصل بين الناس خصومة، فيتلف بعضهم محاصيل بعض، يكون فقد كان في القديم تقع الفتن والحروب فتتلف المحاصيل، فإذا جاء رجل واشترى منك محصول حب، ثم جاء الغزاة وأحرقوا هذا المحصول، فإن العلماء يقولون: آفات الآدمي تنقسم إلى قسمين : القسم الأول: ما يكون بالغلبة والمغاصبة والقهر، مثل أن تأتي الجماعة التي لا تغلب، فتعيث في القرية أو في المدينة فساداً وتتلف محاصيلها، فهذا بالغلبة والمغاصبة. القسم الثاني: ما يؤخذ بالخلسة، كأن يكون محصولك جاهزاً، وإذا بسارق سرق ربعه أو نصفه أو ثلثه. فأما النوع الذي يكون من فعل الآدمي فجمهور العلماء على أنه لا توضع الجائحة فيه؛ لأنه يكون من تقصير من نفس الشخص غالباً، وإذا غُلب بالقهر فيكون هذا من باب الغنم بالغرم، وبعض أصحاب الإمام مالك رحمهم الله تعالى، يقولون: توضح الجائحة فيه، والأول أقوى، والثاني من ناحية العلة أظهر. أما لو أنك بعت ثمرة بستانك، فجاء السارق بالليل وسرق ممن اشترى منك، فالأفضل أن تخفف على أخيك، لكن لا يجب عليك ذلك، فهو الذي يلزم بالحفظ، ويلزم بالرعاية، وأنت لست بمسئول عن ضمان حقه. قال رحمه الله تعالى: [وإن أتلفه آدمي خير مشترٍ بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف]: قوله: [وإن أتلفه آدمي]: هذا في حالة خاصة غير ما ذكرنا أولاً، وهو أن يأتي شخص بعينه، كأن يكون صاحب المزرعة بينه وبين رجل خصومة، فجاء هذا الرجل وأتلف محصول المزرعة، ولم يبق فيها شيئاً، أو أتلف نصف المحصول، أو ثلاثة أرباعه، فما الحكم؟ الجواب: نقول للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت فسخت البيع ورجعت بالمال كله على البائع إذا تلف المحصول كله، وهذا يعتبر كالعيب الذي طرأ في المبيع، وإن شئت طالبت المتلف بضمان حقك. وفي الأمرين فرقٌ: ففي بعض الأحيان، الأفضل له أن يسترد القيمة الأصلية، كأن يكون اشترى بقيمة غالية، فلما تم المحصول، ونزل إلى السوق وإذا بالقيمة رخيصة، فجاء المتلف في رخص السوق، فالأفضل له أن يفسخ البيع، وتارة يكون الأفضل له أن يطالب المتلف، فإنه قد يشتريها بعد بدو صلاحها بمائة ألف، فلما أتلفها المتلف كانت قيمتها مائة وخمسين، فإذا كانت قيمتها مائة وخمسين، فالأحظ له أن يطالب المتلف بالضمان، فالمقصود أنه إن شاء أخذ هذا، وإن شاء أخذ هذا.
استباق الثمار في بدو الصلاح وأحكامه ...... صلاح بعض الثمرة دون بعضها قال رحمه الله تعالى: [وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان]: مما ينبغي علمه أن النخل إذا بدا صلاحه فيه لا يبدو دفعة واحدة، فأنت إذا نظرت إلى النخلة تجد أن فيها أكثر من عرجون، وإذا نظرت إلى البستان ففيه أكثر من نوع، وإذا نظرت إلى المدينة والقرية ففيها مئات البساتين، فحينئذ سنبحث مسائل جديدة: أولاً: بدو الصلاح في عرجون واحد، كأن تظهر فيه حبةٌ واحدة فقط حمراء أو صفراء، فإذا بدا الصلاح في حبة واحدة من عرجون واحد، فهل معناه أن العرجون كله يباع؟ فهذه مسألة. ثم إذا قلنا بجواز بيع هذا العرجون، فهل معناه جواز بيع النخلة كلها؟ وهذه مسألة ثانية. وإذا قلت: تباع النخلة، فهل يباع أمثالها من نفس النوع في البستان؟ وهذه مسألة ثالثة. وإذا قلت: إنه يباع هذا النوع في هذا البستان، فهل يجوز أن يباع في البساتين الأخرى هذا النوع نفسه؟ وهذه مسألة رابعة. وإذا قلت بجواز بيع هذا النوع في هذا البستان، فهل يقاس عليه بقية الأنواع؟ وهذه مسألة خامسة. هذه مسائل كلها تابعة لمسألة بدو الصلاح. وحتى تكون الصورة واضحة، فالنخل -كما سبق- إذا بدا الصلاح فيه يتفاوت، فهناك ما يبكر صلاحه، وهناك ما يتأخر ويصبح في آخر النخل، وهناك ما هو وسط بين المبكر والمتأخر. فمن أمثلة المتقدم في بدو الصلاح: اللونة والحليا، وهما من أبكر ما يظهر صلاحه من تمور المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ويتأخر عنهما الربيع والروثان؛ لأن ثمرة الربيع والروثان صفراء، فلا تصفر إلا بعد وقت، وبقريب منها الحلوة، فلا تحمر إلا بعد وقت، وهي من الأنصاف، أي: المتوسط، وهناك ما يتأخر كالعجوة والصفاوي، ونحو ذلك، فعندنا نوع يبكر، وعندنا نوع يتأخر، وعندنا نوع وسط بينهما. فإذا بدا صلاح في حبة في عرجون، أو حبتين، وكان الزمان زمان صلاح فإنه يحكم ببدو الصلاح في النخلة كلها، وعلى هذا يجوز بيع ذلك العرجون وبيع سائر العراجين في النخلة، ويجوز بيع هذا النوع في البستان كله، فلو ظهر صلاحه في نخلة واحدة، فهو كبدو الصلاح في بقية النخل. وبالتجربة أنه إذا بدا الصلاح في أول النهار في نخلة، فغالباً لا يأتي آخر النهار إلا وقد بدا في نخلة أو نخلتين، أو ثلاث، ثم لا تأتي من الغد أو بعد الغد إلا وقد انتشر في البستان كله من هذا النوع، فتأخره قليل جداً، وعلى هذا يجوز بيع جميع النوع في البستان. لكن هل يجوز بيع بقية البساتين؟ أي: لو ظهر الصلاح عندك في بستانك، ولكن في بستان جارك لم يبدُ، فهل يجوز لجارك أن يبيع؟ الجواب: نعم؛ بزمان بدو الصلاح نفسه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما: (حتى تطلع الثريا وتؤمن العاهة)، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا الزمان، أنه إذا بدا الصلاح في واحدة أن يكون للجميع، فهو زمان الصلاح وأَمْنِ العاهة غالباً، ومن هنا قال الجمهور: إنَّ بدو الصلاح في نخلة بدوٌّ في جميعها، وبدو الصلاح في ذلك النوع يوجب جواز بيع ذلك النوع في البستان كله، وكما جاز بيع ذلك النوع في البستان، يجوز بيعه في بقية البساتين؛ لأنه ربما كان جارك ليس بينك وبينه إلا الحائط، وقد تكون مزرعتك مائة متر، ومزرعته مائة متر، فلو قلنا: لا يجوز أن يبيع جارك، فكيف بالذي عنده مزرعة فيها مائتي مترٍ، وبدا الصلاح في نخلة واحدة؟ إذً العبرة بالزمان، والعبرة بغلبة الظن في السلامة وهي موجودة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيجوز أن تبيع النخلة، وأن تبيع نوعها في البستان، وأن يباع نوعها في بقية البساتين.
صلاح نوع دون نوع هناك يقال: هل يجوز بيع المتأخر إذا بدا الصلاح في المبكر؟ الجواب: لا، والعبرة في كل نوع بحسبه، فلا نبيع تمر الحلوة، إلا إذا بدا الصلاح ولو في واحدة منه، لكن إذا بدا الصلاح في الحليا، لا نبيع في ذلك الحلوة، ولو بدا في تمر اللونة، لا نبيع العجوة، وإذا بدا في السكري لا يباع الصفاوي وقس على هذا. فكل نوع بحسبه، فإن من جرب النخيل، وجرب الزراعة يعلم أنها تتفاوت في طلعها، وتتفاوت في تأبيرها، وتتفاوت في بدو صلاحها. وعلى هذا فإنه لا يحكم بجواز بيع النوع إذا ظهر الصلاح في نوع غيره، وإنما يتقيد بالنوع نفسه، الذي بدا الصلاح فيه. قال رحمه الله تعالى: [وبدو الصلاح في زمن النخل أن تحمر أو تصفر]: هذه علامة بدو الصلاح، والأصل في ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه،: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي، قالوا: يا رسول الله! وما تزهي؟ قال: تحمار أو تصفار)، فهذا يدل على أن الحمرة والصفرة توجب الحكم ببدو الصلاح. قال رحمه الله تعالى: [وفي العنب أن يتموه حلواً]: العنب يبدو صغيراً، وبعد ذلك يبدأ يكبر شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل حبة العنب في الحجم، وهي خضراء شديدة الخضرة، ثم يضربها الماء، فإذا تموهت وصار الماء عليه تفككت خضرتها، فبمجرد ما ينظر إليها صاحب الخبرة يعلم أنها قد نضجت، فإذا كانت شديدة الخضرة، فهي حامضة، وطعمها حامض، ويبدو صلاحها بذلك، وإذا بدا الصلاح في عنبة جاز بيع بقية العنب في ذلك البستان. لكن لو كان العنب أنواعاً، كالعنب الطائفي والحجازي والمشرقي، فهذه الأنواع يفصل فيها: فإذا تموه العنب من نوعٍ، فلا يحكم بجواز بيع غيره من نوع آخر إذا تفاوت في النضج. قال رحمه الله تعالى: [وفي بقية الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله]: قد بينا فيما سبق علامات بدو الصلاح، فمن الأشياء ما يكون بدو صلاحه بلينه بعد اشتداده، كالتين والبطيخ. ومنها ما يكون باشتداده بعد لينه كالحب. ومنها ما يكون بحلاوته بعد مرارته كقصب السكر، والرمان ونحو ذلك. ومنها ما يكون بتفتح أكمامه، كما ذكرنا في الورد، ويقاس على ذلك بقية الأنواع.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-11-09, 10:09 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

بيع العبد وما يتبعه قال رحمه الله تعالى: [ومن باع عبداً له مال، فماله لبائعه إلا أن يشترطه المشتري]: هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)، فإن البيع ينصب على الرقبة، فيبقى المال ملكاً للبائع؛ لأن الأصل أنه مَلَكَ العبد والمال، فإذا وقع البيع على العبد، فإن المال ليس بمتصل به، فيحكم بكون المشتري مالكاً للعبد دون ماله، فإن أراد أن يأخذ ماله اشترط، وقال: أشترط أن يكون لي ماله، فإذا لم يشترط لم يكن له ذلك. قال رحمه الله تعالى: [فإن كان قصده المال، اشترط علمه، وسائر شروط البيع، وإلا فلا]: والمراد من هذا، أنه لو اشترى عبداً وله مال، وكان لدى العبد عمارة وقال للبائع: أشترط أن يكون ماله تابعاً له. فينبغي أن توصف هذه العمارة؛ لأنه اشترى الرقبة وما يقصد منها من الانتفاع بمالها، فينبغي أن يكون المال الذي قصده بالبيع معلوماً، والأموال إذا بيعت يشترط فيها العلم، فنعلم نوع المال وجنسه وقدره، وغيرها من الشروط المعتبرة في البيع. فيشترط فيه ما يشترط في البيع. قال رحمه الله تعالى: [وثياب الجَمال للبائع والعادة للمشتري]: إذا بيع العبد وعليه ثياب، فالثياب التي يلبسها في العادة تكون تابعةً للرقبة، وقد تكلمنا عند هذا في بيع المبيع وما يتبعه وما لا يتبعه، وبينا القواعد فيه والضوابط، لكن لو كان الثوب الذي عليه ثوبَ جمال، أي: ثوباً زائداً عن المعتاد، فحينئذ لا يكون المشتري مالكاً له بالبيع ولا يتبع؛ لأن المتصل بالعبد يتبعه، فإن كان المتصل له خصوصية، وهو ثياب الجمال، فإنه لا يتبع. فإذا باع عبداً وعليه ثياب فإنها تتبع الرقبة؛ لأن هذا هو الأصل في العادة، إذا كان ملبوسها بالعادة. وأما إذا كانت ثياباً فارهةً، وثياباً خاصة، كما كان في القديم، إذا كان الرجل له ملك يمين من الأرقاء، ويحتاجهم في معونته إذا ذهب إلى عمله أو نحوه، فكان يلبسهم لباساً معيناً لما يحتاجهم إليه، وهذه ثياب جمال يتجملون بها أثناء ذهابهم معه لعمله، أو لزيارة أناس، أو نحو ذلك، فهذه لا تتبع الرقبة في البيع، وأما بالنسبة لثياب العادة فإنها تكون تابعة للعبد؛ لأنها متصلة به. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل علمنا خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لرضوانه العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ......

شرح زاد المستقنع - باب بيع السلم [1] من العقود التي أحلها الشرع عقد السلم، الذي هو بيع معجل بمؤجل، وهو مما فيه توسعة على البائع والمشتري، ولابد فيه من انضباط صفات المسلم فيه من جهة قدره، ومن جهة جنسه ونوعه، ومن جهة أجله، وكذلك من جهة إمكان وجوده وقت التسليم، وهذا كله حتى لا يدخل الغرر والجهالة في هذا العقد. عقد السلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: [باب السلم: وهو عقدٌ على موصوفٍ في الذمة مؤجلٍ بثمن مقبوض بمجلس العقد، ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة، أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع وأما المعدود المختلف كالفواكه والبقول والجلود والرءوس والأواني المختلفة الرءوس والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرءوس، والجواهر والحامل من الحيوان، وكل مغشوش، وما يجمع أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين: فلا يصح السلم فيه، ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين، وما خلطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها. الثاني: ذكر الجنس والنوع وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه، ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود بل جيد ورديء، فإن جاء بما شرط أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه: لزمه أخذه. الثالث: ذِكرُ قدره بكيل أو وزن أو ذرع يُعلم، وإن أسلم في المكيل وزنا أو في الموزون كيلاً: لم يصح. الرابع: ذكر أجل معلوم له وقع في الثمن، فلا يصح حالاً ولا إلى الحصاد والجذاذ ولا إلى يوم، إلا في شيء يأخذه منه كل يوم: كخبز ولحم ونحوهما. الخامس: أن يوجد غالباً في محله ومكان الوفاء لا وقت العقد، فإن تعذر أو بعضه: فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه]. ...... أموال البيع قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلم] فيقول رحمه الله: (باب السلم)، هذا الباب يعتبر أحد أنواع البيوع المهمة والتي رخص الله عز وجل لعباده فوسع عليهم فيها، وقد بين العلماء رحمهم الله وجه التوسعة في هذا النوع من البيع وذلك أن الإنسان إذا باع السلعة لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يدفع المشتري الثمن نقداً، ويدفع البائع المثمن معجلاً. والحالة الثانية: أن يؤخر المشتري الثمن، ويقدم البائع المثمن. والحالة الثالثة: أن يقدم المشتري الثمن ويؤخر البائع المثمن. هذه ثلاثة أحوال للبيع، إذا دفعت المال حاضراً ودفع البائع لك السلعة حاضرة فإن هذا النوع من البيع يكون الثمن فيه مكافئاً للمثمن، فلو أردت أن تشتري سيارةً مثلاً أو داراً فقال لك: أبيعها لك بعشرة آلاف حاضرة، أي: نقداً، فإنك تراعي قيمة السيارة ويكون الثمن -غالباً- مكافئاً للمثمن، أي: أن السيارة تستحق هذا المبلغ دون زيادة أو نقص، الحالة الثانية: أن يكون المثمن مقدماً والثمن متأخراً كرجل أراد أن يستلم سيارةً، وطلب من البائع أن يؤخره سنةً كاملة فمعنى ذلك: أن المثمن معجل والثمن مؤجل، فإذا عجل البائع لك السلعة وقلت: لا أستطيع أن أعطيك المال حاضراً انتظرني سنة أو انتظرني سنتين، فالغالب أنه يثقل عليك في الثمن وتصبح القيمة قد زادت لقاء الأجل. وعليه: تكون التوسعة على البائع في زيادة الثمن توسعة على المشتري في إنظاره وتأخيره، فيأخذ السيارة عاجلاً ويخف عليه دفع القيمة آجلاً، ولا يعتبر هذا كالربا؛ لأن الربا جاءت الزيادة فيه لقاء الأجل المحض، ولكن هنا: جاءت الزيادة لقاء السلعة، وقيمتها حاضرة ليست كقيمتها مؤجلة وقد جعل الله لكل شيءٍ قدراً.
التوسعة في بيع السلم تبقى الصورة الثالثة: وهي أن تدفع الثمن معجلاً ويؤخر البائع المثمن مؤجلاً، وهذا هو الذي يقع في بيع السلم، مثلاً: رجل عنده مزرعة، وهذه المزرعة يزرعها براً أو يزرع فيها شعيراً، أو فاكهةً أو غير ذلك، هذا المزارع ليست عنده سيولة وليس عنده مال، وجاء الموسم للزراعة، وليس عنده ما يشتري به البذر، وقد لا يوجد من يدينه، فيأتي الرجل ويقول: أنا أسلفك ألف ريال، وتعطيني مائة صاعٍ في نهاية رجب أو في نهاية شعبان، فيقدم الثمن ويؤخر المثمن، في هذه الحالة سيكون الرفق بهذا المزارع، وسيكون التيسير على هذا المزارع حيث إنه انتفع بأرضه وقام بزرعها واشترى ما احتاج من بذره، ثم انتفع المشتري؛ لأنه يحتاج إلى المائة الصاع، إلا أن هذه المائة صاع لو أنه جاء لهذا الفلاح بعينه ولم يستلف منه وجاءه في نهاية رجب يريد أن يشتريها بقيمتها لكان قيمتها ألفاً وخمسمائة، ولكنه لقاء التعجيل سيشتريها بألف فقط، فأصبح السلم أن يقدم المشتري لك الثمن وتعده بالمثمن بكيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم، ويقع هذا في المكيلات وفي الموزونات، وتقدم معنا ضبط المكيلات وضبط الموزونات، فلو جاءه وقال: هذه عشرة آلاف ريال لقاء مائة صاع -مثلاً- من التمر السكري في نهاية شهر شوال، فإن هذا البيع تعجل فيه الثمن وتأخر فيه المثمن، ولو جئت في نهاية شوال تبحث عن تمرٍ بهذه الصفات لوجدته بأحد عشر ألفاً أو باثني عشر ألفاً، ولكن الله وسع على المشتري وخفف عليه المئونة؛ لأنك ستشتري والموسم ليس بحاضر، وأنت لا تريد السلعة الآن إنما تريدها إلى أجل، وكثيراً ما يقع هذا البيع عند التجار، ويقع كثيراً ما بين التاجر والمورد، فيقول التاجر للمورد: أريد -مثلاً في المكيلات- مائة صندوق من التمر بوزن كذا وكذا أو مائة صندوق من العسل أريدها لصيف كذا وكذا، فيحدد الشهر ويحدد الأجل الذي يريد أن يدفع له هذا الملتزم هذه السلعة فيه، فيقول البائع: قد التزمت لك هذه المائة صندوق من العسل أو من التمر أن أحضرها لك في نهاية شهر شوال، وقيمتها عشرة آلاف ريال أو قيمتها ثمانية آلاف ريال، فتعجل الثمن وتؤجل المثمن، وذلك في موزونٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم، وكذلك إذا وقع في الكيل فتقول له: أريد مائة صاعٍ من شعير أو أريد مائة صاع من بر، أريدها في نهاية شهر شوال بكم؟ قال له: بألفين أو بثلاثة آلاف ريال، فقال: خذ هذه الثلاثة آلاف ريال وهذه المائة صاع أكتبها ديناً عليك تحضرها لي في نهاية شهر شوال، فأسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم بثمنٍ معلوم، ويعطيه الثمن نقداً، هذا بالنسبة للمكيلات والموزونات، والمعدودات مثل ما يقع في بيع السيارات الموجودة الآن، يأتي ويقول لك مثلاً: السنة القادمة هناك نوع من السيارة سواءً كانت من هذا الصنف أو من هذا الصنف قيمتها عشرة آلاف ريال، أو قيمتها مائة ألف ريال فتدفع المائة ألف ريال مقدماً، قبل أن يأتي ما يسمى بالموديل أو بأي اسم يعبر عن الصنف الذي يهيأ للسنة القادمة تدفع المعجل مائة ألف أو مائتي ألف تدفع القيمة ثم يعطيك أوصاف السيارة كاملة، هذا إذا قيل بجواز السلم في المعدودات؛ لأن السيارة من المعدودات؛ ولأن من العلماء من يرى أن السلم لا يقع إلا في مكيل أو موزون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)، وهناك من يرى أن المعدود كالمكيل والموزون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالمثل على مثله، ولم يرد استثناء المعدود كما ورد في بيع الربا، ولذلك قالوا: يبقى المعدود منبهاً عليه بالنظير على نظيره، فإذا قلنا بأن المعدود يقع فيه بيع السلم، فحينئذٍ يمكن أن يعطيه -مثلاً- مائة ألف لقاء السيارة أو لقاء السيارتين أو الثلاث أو اشترى منه دفعةً من السيارات من نوعٍ معين أو من صنف معين قال: هذا النوع إذا حضر فأنا: أشتريه منك بمليون أو بنصف مليون، كذلك أيضاً ربما يقع في المعدودات من أدوات الكهرباء فيقول له: أريد منك مائة غسالة أو مائة ثلاجة -مثل ما يقع بين التجار بعضهم مع بعض- هذه المائة غسالة أو المائة ثلاجة أريدها إلى أجل معلوم وهذا ثمنها، فإذاً هذا البيع فيه توسعةٌ على البائع من جهة كونه استفاد بثمنٍ معجل أو استفاد بزرع أرضه وأخذ ثمنٍ معجل، وتوسعةٌ على المشتري بتخفيف القيمة عليه.
مشروعية السلم والسلم والسلف لغتان، يقال: السلم ويقال: السلف، والسلف لغة أهل المشرق، والسلم لغة أهل الحجاز، والأصل في مشروعيته دليل الكتاب في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، كان ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن يقول: (أشهد أن الله قد أحل السلم) ويتلو هذه الآية، وكأنه يرى أن هذه الآية نزلت في السلم؛ وذلك لأنها نصت على الدين، وبيع السلم يكون على إسلام الثمن وتعجيله والسلف في الْمُسلَّم وتأجيله، وأما دليل السنة فما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسف في كيل معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)، فهذا الحديث -كما يقول العلماء- أصلٌ في مشروعية السلم، وكذلك حديث الأنباط من الشام أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسلفونهم في الحنطة ويعطونهم من الغنائم إذا غنموها إلى أجلٍ معلوم، وسئلوا: هل كان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ قال الراوي: ما كنا نسألهم عن شيء من ذلك. فاتفقت هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشروعية السلم وجوازه، ومن هنا أجمع العلماء على جواز بيع السلم. ومناسبة ذكر بيع السلم بعد باب النسيئة أن باب النسيئة ثبت فيه التحريم لبيع الدين بالدين، وبينا فيه أنه لا يجوز بيع الدين بالدين ثم ذكرنا الصرف وبينا في الصرف حرمة النسيئة من الطرفين أو من أحدهما، فلما كان الكلام متعلقاً بالصفقات المشتملة على البيوع المؤجلة، وكان بيع السلم بيعاً مؤجلاً مرخصاً فيه ناسب أن يذكر المباح المستثنى من المحرم فيما سبق، ومحل بيع السلم إذا لم يكن في الربويات، فإذا كان في الصنف الربوي كأن يقول له: أعطيك مائة صاع من البر بمائة صاع من البر مع اتحاد الصنف لا يجوز، أو أعطيك مائة صاع بر الآن وتعطيني مائة صاع شعير، أو أعطيك مائة صاع بر الآن وتعطيني مائة صاع من التمر السكري، فهذا لا يجوز؛ لأنه لا بد في البر مع التمر أن يكون يداً بيد، سواءً اتحد الربوي أو اختلف، هذا حاصل ما يقال في مقدمة باب السلم.
تعريف السلم قال رحمه الله تعالى: [وهو عقدٌ على موصوفٍ في الذمة مؤجلٍ بثمن مقبوضٍ بمجلس العقد]. يقول رحمه الله برحمته الواسعة وأنار قبره بأنواره الساطعة: (وهو) أي: البيع السلم (عقدٌ)، العقد في لغة العرب: التوثيق والإبرام، يقال: عقد الحبل إذا أدخل بعضه في بعض، وعقدة الحبل معروفة، فيكون في المحسوسات كعقد الحبل وعقد العقال، ويكون في المعنويات، كعقدة النكاح وعقدة البيع فيقولون: عقد بيعٍ أو عقد نكاح قال تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة:235]، فالعقد يستعمل في المحسوسات ويستعمل في المعنويات، وأما في الاصطلاح فالعلماء إذا وجدتهم يقولون: هذا عقد، فاعلم أنه إيجاب وقبول، إيجاب من البائع وقبول من المشتري، إن كان الإيجاب والقبول على بيعٍ قلت: عقد بيع، وإن كان الإيجاب والقبول على إجارة قلت: عقد إجارة، وإن كان الإيجاب والقبول على رهن، قلت: عقد رهن. فقال رحمه الله عن بيع السلم: (هو عقدٌ) أي: إيجاب وقبول على السلف، أو إيجاب وقبول على السلم، وعلى هذا إذا قال: أسلمتك هذه العشرة آلاف بمائة صاعٍ من بر، قال: قبلت، فقول المشتري: أسلمتك هذه العشرة آلاف بالمائة صاع من البر إلى نهاية السنة، وقوله: قبلت، إيجاب وقبول، وهذا عقدٌ، والعقد يستلزم وجود الطرفين: الموجب والقابل، والعقد يتضمن الصيغة، والصيغة تستلزم وجود الطرفين: الموجب والقابل. وقوله رحمه الله: (عقدٌ على موصوفٍ في الذمة) الموصوف المراد به: محل العقد، وصفة الشيء: حليته وما يتميز به، سواء كانت من الأوصاف الحسية أو الأوصاف المعنوية، فقوله: (على موصوفٍ في الذمة) أي: أن الإيجاب والقبول ينصب على شيء موصوف في الذمة، فمثلاً: قوله: مائة صاع، يقول أولاً: مائة فيذكر القدر، ثم يقول: صاع، فيحددها ويميزها، سواءً من برٍ أو من تمر أو من شعيرٍ أو من زبيب... إلخ. فإذاً السلم يكون على موصوفٍ، وهذا الموصوف يكون في الذمة، فخرج العقد على المعين، كأن يقول له: هذه العشرة آلاف بهذا البر هذا ليس بسلم وليس بسلف؛ لأنه حاضر وهو بيع معجل، ولا يكون السلم إلا في البيوع المؤجلة، لذلك بعض العلماء يقول في تعريفه: بيع العاجل بالآجل وبيع المعجل بالمؤجل، وقوله رحمه الله: (على موصوفٍ في الذمة) هذا ينبني على ما ذكرنا في السابق أن المبيع إما أن يكون بالعين وإما أن يكون بالذمة، فالمعين أن تقول: هذا، وتحدده وتبينه، أو تقول: سيارتي، وهو يعلم أنه ليس لك سيارة غيرها، هذا معين، أما الموصوف في الذمة فهو أن يصف الشيء ويحدده والذمة محل في الإنسان قابل للالتزام والإلزام، أي أن هذا المحل قابل أن يلتزم، فيقول لك: في ذمتي عشرة آلاف، فالذمة ليست بشيء مشاهد كالرأس واليد، بل الذمة وصف اعتباري، فقوله: (موصوفٌ في الذمة): أي أنه في ذمته، أي: أدخل في ذمته وتعلقت ذمته بذلك الشيء أنه يحضره لك، وأنه يقوم بإنجاز ما وعدك به عند حلول الأجل. قال: (عقدٌ على موصوفٍ في الذمة مؤجل بثمنٍ). الباء للمقابلة والبدلية، تقول: هذا بهذا، وعقود السلم تقوم على الثمن المعجل لقاء المثمن المؤجل، فقال: (بثمن) والثمن هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من أسلف فليسلف، -يعني: فليعطِ، وهو الثمن المعجل-، في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجلٍ معلوم)إلخ. وهذا الثمن يكون حاضراً في مجلس العقد، وسيذكر المصنف رحمه الله له شروطاً لابد من توفرها لكي يحكم بصحة العقد واعتباره، فابتدأ رحمه الله بتعريف السلف وبيانه، وهذا مبنيٌ على أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ومن عادة العلماء أنهم يبدءون أولاً بتعريف الأشياء ثم يبينون أحكامها.
ألفاظ السلم قال رحمه الله: [ويصح بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة]. يقول رحمه الله: هذا النوع من البيع -وهو بيع السلم- يصح بألفاظ: البيع والسلم والسلف، فإذا سألك سائل وقال لك: قد علمتُ أن بيع السلم عقد وعلمتُ أن العقد يقوم على الإيجاب والقبول، فهذا الإيجاب وهو قوله: أسلفت، هل له ألفاظٌ مخصوصة؟ والإيجاب يكون تارةً من البائع وتارةً يكون من المشتري -فالجواب أنه إذا أوجب بالسلم وابتدأ به عرضاً وقال: أسلفتك، أو قال: أسلفني، أو قال: أسلمتك، أو قال: أسلمني عشرة آلاف الآن أعطيك بها مائة صاع إلى نهاية السنة، قال: قبلت فالإيجاب يقع بلفظ السلم، ويقع بلفظ السلف، ويقع بلفظ البيع، هذه ثلاثة ألفاظ اختار المصنف رحمه الله أن عقد السلم يقوم عليها: السلم والسلف والبيع، وغير ذلك لا يصح به؛ لأن السلم رخصة وبيوع الرخص تتقيد بألفاظها.
شروط عقد السلم قال رحمه الله: [بشروط سبعة]. أي: لابد من توفر هذه الشروط لكي نحكم بصحة السلم، فهي شروط صحة، فإذا وجدت هذه الشروط صح العقد، فإذا سألك تاجر عن بيعٍ تتأمل البيع، فإن كان الثمن مدفوعاً لقاء مثمن معجل خرج عن كونه سلماً، لكن لو كان الثمن معجلاً والمثمن مؤجلاً فانظر رحمك الله هل هذا النوع من المعجل والمؤجل من جنس السلم المأذون به شرعاً أو لا، فإذا جئت تحكم بأنه سلم شرعي أو غير شرعي تحتاج إلى سبع علامات، وهي التي سماها العلماء بالشروط، وهذه العلامات إن وجدت حكمتَ بصحة السلم، وإن فقدت أو فقد أحدها حكمت بعدم صحته، فقال رحمه الله: (ويصح)، إذا قال: يصح بشروط، فمعنى هذا أنها شروط صحة، وإذا قال: يجب بشروط فمعنى هذا شروط وجوب، فهذا نوع من الشروط وهو: شروط الوجوب، وهذا نوع من الشروط يسمى: شروط الصحة، وشروط الصحة علامات وأمارات وضعها الشرع، إن وجدت حكمنا بصحة العبادة والمعاملة وإن فقدت حكمنا بعدم صحتها ولو فقد شرطٌ واحد، على تفصيل في العبادات والمعاملات، وهذه الشروط يأخذها العلماء من نص الكتاب والسنة، فالشروط علامات وأمارات نصبها الشرع، فإما أن تؤخذ من نص الكتاب أو من نص السنة أو يقع عليها إجماع أو كان ثم نظر صحيح، نبه الله سبحانه وتعالى في دليل كتابه أو سنة رسوله على اعتبار هذا الشرط بالمعنى. ...... الشرط الأول: انضباط الصفات قال رحمه الله: [أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع]. يقول رحمه الله: (أحدها) وهو الشرط الأول (انضباط صفاته)، أي: صفات الشيء المسلم فيه، (انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع)، أن يكون من جنس ما ينضبط بالصفات، والسبب في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلومٍ أو وزنٍ معلوم)، فقيد الشيء المسلم فيه بكونه منضبطاً فقال: (في كيلٍ) ثم قال: (معلوم)، ثم قال: (في وزنٍ معلوم)، ومعنى هذا: أنه لا بد وأن يكون منضبطاً بطريقةٍ يندفع بها التنازع والاختلاف، مثلاً: لو جاء رجلٌ تاجر إلى رجل عنده مصنع أو -مثلاً- يقوم بتجارة الأواني -إذا كانت الأواني منضبطة وقلنا بالسلم في المعدودات- فقال له: أريد مائة وعاء أو كأس، أو مائة صندوق من الكأس من النوع الفلاني، إن كان هذا الكأس مثل ما هو في القديم يصنعونه ولا ينضبط، فإذا جاء الصانع يصنعه ربما كان واسعاً وربما كان ضيقاً وربما كان طويلاً وربما كان قصيراً، فما ينضبط بصفةٍ معينة، فإذا قلنا: يجوز، فمعنى هذا أنه سيعطيه العشرة آلاف مثلاً في شيءٍ قد يختاره المشتري حينما أعطاه العشرة آلاف على أنه متوسط أو جيد فإذا به يأتي بالأفواه الضيقة، أو يأتي بأكواب بعضها كبير وبعضها صغير، فيحصل الاختلاف ويقع التنازع وتقع الشحناء فيقول: لا. أنا ما قصدت هذا، فيقول هذا الآخر: أنت لم تقل إلا هذا، فهذا قد يحصل؛ لأنه شيءٌ غير منضبط، فالبيوع والمعاملات من قواعد الشريعة، ومن الأصول الشرعية أن المعاملات إذا أفضت إلى التنازع أو كانت على وجهٍ يفضي إلى الشحناء والبغضاء حرمت، لأنها تقطع أواصر الأخوة بين المؤمنين، والدنيا أحقر من أن تفسد الدين، ومن هنا حرم الله بيع المسلم على بيع أخيه، وحرم النجش، وحرم الغش؛ لأنه متى ما دخلت المعاملة المالية لإفساد الدين منع الشرع منها وحرمها، فإذاً لو أجزنا السلم وأجزنا للرجل أن يدفع مبلغ العشرة آلاف في شيء لا ينضبط فقد يظن أن التاجر سيعطيه شيئاً كاملاً فيأتيه به ناقصاً، فيقول له: يا أخي! هذا ناقص، فيقول: أليس هذا كأساً؟ فيقول: بلى، فيقول: أليس هذا يسمى طبقاً؟ فيقول: بلى، فيقول: أنت طلبت مني مائة طبق وهذه مائة طبق، فإذاً إذا لم يكن هناك انضباط بالكيل أو بالوزن ولا كان هناك وصف ينضبط به الشيء فإنه لا يندفع التنازع وتقع الشحناء وتقع البغضاء فحرم الشرع هذا النوع من المعاملات، فلا يصح السلم إلا إذا كان منضبطاً، وهذا شرطٌ أجمع عليه جماهير العلماء رحمهم الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه عليه بقوله: (في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم)، فجعل المسلَّم فيه مما ينضبط، فلو سألك سائل: ما الدليل على اشتراط هذا الشرط؟ تقول: لأن الأصل حرمة السلف وجاء الشرع باستثنائه، ولكن فيما ينضبط، فوجب تخصيص الرخصة فيه بمحلها.
حكم السلم في الأطعمة غير المنضبطة قال رحمه الله: [وأما المعدود المختلف كالفواكه والبقول والجلود والرءوس والأواني المختلفة الرءوس والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرءوس والجواهر والحامل من الحيوان وكل مغشوش وما يجمع أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين: فلا يصح السلم فيه]. قرر المؤلف الشرط في صحة السلم أن يكون بما ينضبط، ومفهوم هذا الشرط أن الشيء الذي لا ينضبط لا يصح السلم فيه، فقال رحمه الله: (كالفواكه)، وتعرفون أن مفاهيم الشرط في المتون معتبرة، فلما قال: (كالفواكه) يعني: إذا باعه سلماً في فواكه فقال له: أسلمتك -مثلاً- في الموز، والموز من المعلوم أن فيه الصغير وفيه الكبير، خاصةً في القديم حين كان يباع بالعدد، وفي البرتقال أو في التفاح أو في الكمثرى أو نحو ذلك من الفواكه فقد كانت تباع عدداً وإن كانت في زماننا تباع وزناً، لكن هذا المسلم فيه وهو الفواكه لا ينضبط؛ لأن فيه الكبير وفيه الوسط وفيه الصغير، فهو مختلف الأحجام مختلف الرءوس، ولذلك قالوا: إذا كان من جنس الأطعمة ولا ينضبط كالفواكه: لم يصح. قال رحمه الله: [والبقول]. إذا نظرنا إلى المعدود من البقوليات والكراث ونحوها فإنها لا تنضبط؛ لأنها من ناحية الحجم فيها الكبير وفيها الصغير، وحينئذٍ يقع الاختلاف بين البائع و المشتري مثلما ذكرنا فيما لو أسلمه في معدود لا ينضبط، وهذا من جنس الأطعمة، وقد مثل المصنف بالفواكه والبقول، والأمر يشمل الأطعمة الأخرى فلا ينحصر الأمر في الفواكه أو في البقول، مثلاً: لو أسلمه في شيء من أنواع الأطعمة الأخرى التي لا تنضبط، مثلاً: الكمثرى أو الخيار أو القثاء أو الطماطم أو البطاطا أو البطيخ فإنه لا ينضبط فلو قال له: أسلفتك هذه الألف ريال في مائة من البطيخ، ويكون موسم البطيخ في أول رجب فإنه لا يصح؛ لأن البطيخ لا ينضبط، ولو أسلمها في قرع فالقرع لا ينضبط كذلك، إذاً لو سألك تاجرٌ خضروات عن بيع السلم على هذا الوجه تقول: لا يصح؛ لأنه لا ينضبط، والسنة قد دلت على لزوم الانضباط دفعاً للشحناء والتنازع كما يفهم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يسلم في كيلٍ معلوم أو وزن معلوم إلى أجلٍ معلوم)، وهكذا لو سأل بائع البقول تقول: إن البقول لا تنضبط، أما لو انضبطت وكانت من الطعام المنضبط لأجزناه مثلما تقدم معنا، ومثلاً الآن نجد بعض شركات الأطعمة تتكفل بالطعام ويكون وزنه معلوماً وكيله منضبطاً، وتوضع في أغلفة معينة لأحجام معينة، فهم يعطون المشتري عينة قبل أن يعطوه الشيء المسلم فيقولون: هذه عينة هذا النوع ونعطيك من هذا النوع والصنف، وفعلاً إذا جاء الأجل يسلمونه بذلك النوع المعين أياً كان المطعوم، حتى ولو كان من الحلويات، فلو أنه أسلمه من الحلويات الموزونة وقال له: هذه ألف ريال في حلوى من النوع الفلاني مقابل عشرة صناديق منها -مثلاً- خمسة صناديق من النوع الفلاني والصنف الفلاني فيأتي التاجر إلى تاجر الجملة ويعطيه هذا المبلغ، في بعض الأحيان يعطيه إلى شهر ويقول: هذه البضاعة ليست موجودةً عندي، ولاحظوا أن أكثر ما يقع هذا النوع من البيع بين التجار في بيع الجملة؛ لأن هذا التاجر يحتاج إلى توريد هذا الشيء من أجل أن يعرضه على الأفراد، وقليلاً ما يقع في بيع الأفراد، فأكثر ما يقع بيع السلم في بيع الجملة وأكثر من يسأل عنه التجار إذا اشتروا صفقات كبيرة؛ لأنه غالباً ما يشتريها إلى أجل معلوم وتكون منضبطة بصفاتها ومنضبطة أيضاً بمواعيدها، فإذا كانت طعاماً فقد ذكرنا أن الطعام إذا كان من الفواكه أو البقول التي لا تنضبط لم يصح السلم.
حكم السلم في الجلود والرءوس قال: [والجلود]، الجلد منه ما هو رقيق ومنه ما هو ثخين، ومنه ما يسلم من القد وما لا يسلم من القد، وبناءً على ذلك لا يصح السلم في الجلود؛ لأن الجلود لا تنضبط، ثم لا تنضبط أحجام الحيوانات نفسها، أي: أنه لو أن رجلاً في المسلخ يأتي -وكثيراً ما يقع هذا في تجارة الأحذية أكرمكم الله فالتجار يحتاجون إلى الجلود ليصنعوا منها حقائب وأوعيةً أو غير ذلك -يأتي إلى جزار ويقول لصاحب المجزرة: احفظ لي مثلاً مائة جلد من الغنم وهذه ألف ريال، أو مثلاً: أريد عدداً معيناً من جلد البقر وهذه ألف ريال، ويحدد له العدد، هل يصح؟ نقول: لا يصح؛ لأن الجلد من الشاة المذبوحة أو البقرة أو الناقة المنحورة لا نعلم أهو من النوع الكبير أم الصغير، فما تستطيع أن تضبط أحجام الحيوانات لكن بسنها قد تنضبط إذا كان المبيع داخلاً في البيع، لكن أنت تريد الجلد، ولا تريد المبيع حياً ولا تريد لحمه موزوناً، إنما تريد الجلد، والجلد فيه الصغيرة والكبير فلا ينضبط بوزنه؛ لأنه ليس من جنس ما يوزن إنما يراد به الحجم والجلد، ولذلك يمتنع السلم في الجلود، فلو سألك من يشتري الجلود: إذا طلبت من المسلخ -مثلاً- مائة جلد غنم، وأعطيته ألفاً حاضرة على أنه سلم فهل هذا جائز؟ تقول له: لا يجوز، قال: يا أخي! هذه تجارة، فما الحل؟ قل له: الحل يسير، وكل وكالة، وقل له: اشترِ لي الجلود في موسمها ثم لك عن كل جلدٍ تحضره خمسة ريالات أو ريالان أو ثلاثة ريالات، فتعطيه حقه وتكون إجارة؛ فحينئذٍ الناس لا تتعطل مصالحهم، ويكون هناك البديل الشرعي الذي يضمن فيه السلاخ حقه والجزار حقه ويضمن أيضاً فيه التاجر حقه. قال: [والرءوس]. مثلاً: الذين يبيعون الرءوس المشوية مثل المندي -وهذا يقع في الحاضر كما كان يقع في القديم، فكانوا يبيعونه بهذه الصفة وكانت هذه التجارة موجودة ومشهورة- يأتي الرجل صاحب الحفرة الذي يشوي الرءوس، فلا يستطيع أن يذهب ويحضر هذه الرءوس، فيقول للجزار: أريد مائة رأس من الغنم من أجل أن أطبخها وهذه ألف أسلمتكها في مائة من رءوس الغنم، فنقول: لا يصح؛ لأن الرءوس لا تنضبط وليست من جنس ما ينضبط، والحل أن يعدل إلى الإجارة؛ لأن الرأس ولو كان من الغنم وعلم جنسه وعلم نوعه لكن لا ينضبط فهناك رأس كبير وهناك رأس صغير فالرءوس لا تنضبط، وأحجامها ليست بمنضبطة فلا يصح السلمُ فيها دفعاً للتنازع.
حكم السلم في الأواني قال: [والأواني المختلفة الرءوس]. بعد أن بين رحمه الله السلم بالمطعومات وبالجلود شرع رحمه الله في غيرها كالأواني، والأواني تنقسم إلى قمسين: منها ما ينضبط ومنها ما لا ينضبط. أما ما ينضبط من الأواني فغالب ما في زماننا الآن، حيث وجدت المصانع وانضبطت الأواني سواءً كانت زجاجية أو نحاسية أو حديدية انضبطت بالصفات، حتى إنك تجد كل صنف من الأواني له رقم معين، وله وصف معين والتجارة به معلومة، والمصانع التي تقوم بصنعه ودقه ونقشه ونحو ذلك معلومة، فإذا كانت الأواني منضبطة جاز السلم فيها، فلو جاء تاجر الأواني وقال لصاحب المصنع: هذه عشرة آلاف ريال أعطيكها وأسلفها لك لقاء مائة صندوق من صنف كذا من الأواني الزجاجية أو النحاسية أو غيرها فيقول: قبلت. فإذا كانت الأواني معلومة النوع والصنف ولها أرقامها ولها صفاتها المنضبطة فيها صح السلم أجلاً؛ لأن المقصود أن يكون المسلم منضبطاً معلوم الصفات وهذا متحقق في السلم على هذا الوجه. أما لو كانت الأواني غير منضبطة ومختلفة الرءوس، مثل ما ذكر: القماقم من النحاس، ففي القديم كان النحاس إذا صنع صنعاً يدوياً يختلف بالصنعة، فتارةً يوسع فوهة الصاع وتارةً يضيقها، وتارةً يصنع المد فيضيق فوهته وتارةً يوسعها، فلا تنضبط في هذه الحالة، فمثل العلماء بالأواني المختلفة الرءوس، فهناك أوانٍ رءوسها ضيقة وأوانٍ رءوسها واسعة، ثم الأوساط، فبعضها أوساطها واسعة وبعضها أوساطها ضيقة، ومثل ذلك ما يسمى في عرفنا (الزير) المصنوع من الفخار وأواني الفخار ونحوها هذه مختلفة الرءوس مختلفة الأوصاف لا يمكن ضبطها أما لو صنعت على وجهٍ تنضبط به وأمكن ضبطها جاز السلم فيها على القول بجواز السلم في المعدود. قال: [والأوساط]، كذلك [كالقماقم والأسطال الضيقة الرءوس]. الأسطال: جمع سطل، والسطل من المعلوم أنه تكون له العروة، ويكون واسعاً ويكون ضيقاً، ومثلها: الطشت، فالأسطال تضيق وتتسع، ورءوسها تختلف، والقماقم أوساطها تتسع وتضيق، فهذه وأمثالها لا يصح السلم فيها، فالقاعدة كلها تدور حول الشيء المنضبط، ومثّل العلماء رحمهم الله بهذه الأمثلة وطالب العلم لا يحس بفجوة بينه وبين المسألة؛ لأن المسألة تقوم على التمثيل والتنظير وهم تارةً يحكون مثالاً من الطعام ومثالاً من الأواني؛ لأنه لو مثّل بالطعام ربما أعجزك سؤال في الأواني، لكن حينما يجعل لك مثالاً من الطعام ومثالاً من الأواني، والطعام نفسه يعطيك مثالاً على ما اختلف في خلقته، ومثالاً على ما يحصد مثل البقول بعد أن يحصدها ويحزمها، فحزمة واسعة وحزمة ضيقة فيعطيك أمثلة للتنظير حتى تستطيع أن تطبق هذه النظرية على أفرادها، وتضع القاعدة وتطبقها على فروعها، فالقاعدة كلها تدور حول الانضباط، فإن كان المبيع منضبطاً صح السلم فيه مكيلاً كان أو موزوناً أو معدوداً على القول بجواز السلم في المعدود، وإن كان غير ذلك فلا يجوز.
حكم السلم في الجواهر قال: [والجواهر]. الجواهر لا تنضبط لأنها مختلفة الرءوس، ومختلفة الأحجام في القديم، لكن في زماننا اليوم أمكن تصنيعها ووضع ضوابط معينة، فتجار الجواهر يضعون مثلاً للألماس أحجاماً معينة بأرقام معينة، بل حتى إن الآلات التي تصنعها لها أرقام محفوظة ودقيقة، والتجار الذين يتعاملون بالجواهر يعلمون ذلك، فيأتي طالب العلم ويقول: الذي أدركنا عليه العلماء أن الجواهر لا يجوز فيها السلم، والسبب أننا قرأنا في الفقه أن الجواهر لا يسلم فيها، لكن حينما يعلم أن العلة هي الانضباط يعلم أن مدار الأمر على وجود هذا الوصف وهو الانضباط، فإن انضبطت الجواهر كما هو موجود وكان تجار الجواهر لهم فيها أرقام معينة يضبطونها بها صح السلم، وإن كانت الآلات التي تصنع بها يديوية لا تنضبط بها لم يصح السلم. وكذلك الأحجار الكريمة، حيث توجد الآن بعض الآلات التي تقص الأحجار الكريمة قصاً معيناً بأحجام معينة، فإذا انضبطت هذه الأحجام صح السلم وإذا لم تنضبط لم يصح. قال: [والحامل من الحيوان]. والحامل من الحيوان كذلك، فهو مجهول ولا يدرى قدره ولا يعلم ما فيه، فلو أسلم: في مائة شاة حامل في بطونها أولادها ما يصح، وهكذا الإبل وهكذا البقر؛ لأنها مجهولة لا يعلم ما فيها.
حكم السلم في المغشوش والمخلوط غير المتميز قال: [وكل مغشوش]. من دقة المصنف ذكر لك ما اختلف في حجمه، فإذا قلت: إن مختلف الحجم لا ينضبط تأتي أمورٌ ملحقة بهذا المعنى ليست من جنس الأحجام كالسوائل، فالسوائل ممكن ضبطها بالوزن وممكن ضبطها بالكيل، مثلاً: عندنا العلبة التي يوضع فيها العود، لو قال له: أسلم في مائة علبة من العود، فهذا في حكم المكيل، وتكون معدودة بالعدد على القول بجواز السلم في العدد فلا إشكال، وهناك أنواع من العود: كالكمبودي أو الهندي، فالنوع المخصوص الذي يريده، إذا وضع له ضابطاً في هذا النوع من العود لا إشكال، لكن لو أن السلم وقع على نوع من الطيب مخلوط، فإنه لا ينضبط إذا كان مخلوطاً، فإن طيب الأخلاط كما سيأتي مثل مختلف الرءوس ومختلف القماقم من حيث المعنى، فالأمر لا يختص بالجوامد بل يشمل حتى السوائل. قال رحمه الله: [وما يجمع أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين]. جاء المصنف رحمةُ الله عليه بأمثلة من الجوامد، فأعطى مثالاً على الطعام، وأعطى مثالاً على غير الطعام، ثم بعد ذلك ذكر السوائل، قال: (وما يجمع أخلاطاً)، يعني: يجمع أكثر من نوع فلا ينضبط به، ولا يمكن أن تحدد كم نسبة هذا من نسبة هذا فلا يصح، ما السبب؟ لأنه يوجب الشحناء والنزاع، ولا يمكن به حفظ الحقوق، لا حفظ حق البائع ولا حفظ حق المشتري؛ لأن الأخلاط يقع فيها الخطأ في التقدير والضبط فيها يكون متعذراً أو متعسراً. قال: [أخلاطاً غير متميزةٍ كالغالية والمعاجين]. أما إذا تميزت جاز، فمثلاً لو عندنا صنف من الطيب كصنف يخلط من العودة والورد، وكان للعودة نسبة معينة في العلبة، وهي نصف العلبة، فيخلط بطريقة معينة يتميز بها، كأن يكون نصف التولة من العود ونصف التولة من الورد، ويخلط، وأهل الخبرة يضبطونه بذلك: صح؛ لأن مدار المسألة على الانضباط فإذا لم ينضبط: لم يصح. قوله: (كالغالية والمعاجين فلا يصح السلم فيه). فلا يصح السلم فيه للعلة التي ذكرناها.
حكم السلم في الحيوان والثياب المنسوجة من أنواع قال رحمه الله: [ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين]. أي: ويصح السلم في الحيوان وذلك بذكر جنسه ونوعه وسنه، فيقول مثلاً: أسلم في مائة من الإبل في سن البكر أو مائةٍ خياراً رباعياً، أو مائة جذعة قالوا: يصح، وهذا مبني على الخلاف المشهور، وهو هل المعدود يدخل في جنس السلم أو لا؟ وللعلماء في هذه المسألة وجهان، قال جمهور العلماء: يصح السلم في المعدودات؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الكيل والوزن تنبيهاً على العدد. قال: [والثياب المنسوجة من نوعين]. الثياب المنسوجة -أي: المخيطة- معدودة؛ لأن الثياب إذا لم تكن مخيطة فإنها مذروعة وليست بمعدودة، وحينئذٍ أدخل الثياب في جنس المسلم في باب العدد، والثوب لا يخلو من حالتين: إن كان من قماشٍ واحد فلا إشكال، مثل الموجود الآن عند تجار القماش، يأتي إلى تاجر ويقول له: هذه مائة ألف، أريد -مثلاً- بيعة من الثياب المفصلة من نوع -مثلاً- (الأصيل) الموجود الآن عندنا، لو طلب مائة ثوب من (الأصيل)، قال: أريدها -مثلاً- في موسم رمضان في نهاية شهر شعبان، صحت على القول بالعدد، فيصفه بأوصافه ويحدد الأوصاف الموجودة فيه، أو كما يوجد -مثلاً- الذي يسمى في عرفنا: (الفنائل) ونحن نمثل بأشياء موجودة الآن، فيكون التطبيق أوضح -قال له: أريد أن أشتري منك -مثلاً- بيعة الفنائل أو الشماغ أو الغتر ونحوها، فحدد نوعها وصنفها وعددها، وحدد الأجل الذي يستلم فيه وأعطاه -مثلاً- مائة ألف أو أعطاه مائتي ألف لهذه البيعة صح وجاز؛ لأن الثوب منضبط إذا كان من مادة واحدة وخام واحد ولا إشكال فيه، يقول: أريد ألوانها بيضاء أو ألوانها مختلفة أو أريد الألوان الآتية: الأبيض، الأخضر، الأصفر... إلخ، يكون هناك نوع من الانضباط التام ببيان الجنس والنوع والصنف والمقاسات والأطوال.. إلخ، هذا يصح، ولا إشكال عندنا فيه على القول بصحة السلم بالمعدود، والمصنف بعد أن انتهى من الأشياء التي تكون في الأطعمة وتكون في السوائل والجوامد شرع في الثياب، فإن كانت الثياب منسوجة من أكثر من نوع ونسجها لا يمكن أن ينضبط لا يصح السلم، كما ذكرنا فيما تقدم إذا كان لا يمكن أن ينضبط، لكن إذا كان نسجها ينضبط وكان تحديد كل خام وقدره معلوماً عند أهل الخبرة صح السلم فيه وجاز.
حكم السلم فيما خلطه غير مقصود قال رحمه الله: [وما خلطه غير مقصودٍ كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها]. أي ويصح السلم في الشيء الذي خلطه غير مقصود، ولو كان الشيء جمع أكثر من مادة، كالجبن، فمادته من اللبن مع الأنفحة، لكن هذا الخلط غير مقصود، فأنت عندما تشتري الجبن ما تريد الأنفحة ولا تريد اللبن منفصلاً، فالخلط فيه غير مقصود، فتشتري المادة من أجل الشيء الموجود دون النظر إلى الخلط الذي فيه، وهكذا خل التمر وهكذا الدبس، أو نحوه مما يكون فيه أكثر من مادة ولا يكون المخلوط مقصوداً بنسبه؛ لأنه إذا قصد بنسبه فمعناه أنه ينبغي أن نعطي كل نسبة حظها وحقها، لكن إذا كان الخلط فيه غير مقصود، أو كانت طبيعة صنعه تقوم على ذلك فإنه لا يؤثر ولا يضر؛ لأن خل التمر هو خل تمر، فلا تأتي تقول: خل التمر فيه مادة كذا ومادة كذا، فأريد خل تمر فيه نسبة (80%) من المادة الفلانية، وفيه: (20%) من المادة الفلانية، أي: أنه تختلف نسبه، فخل التمر صفةٌ واحدة وإن كان بعضه جيداً وبعضه أجود، لكن المادة واحدة، والخلط الموجود يراد بمادته ولا يراد بأجزائه وأفراده، لكن إذا اشتريت القماش مركباً من نوعين من الخام فإنه يراد لذلك، ولذلك تجد هناك ما فيه صوف وغير الصوف، وتجد الصوف له قيمة وغير الصوف له قيمة، كذلك الصوف له نسبته وغير الصوف له نسبته، فالمقصود أنه إذا كان الخلط غير مقصود جاز وصح. قال: [والسكنجبين ونحوها]. والسكنجبين: نوع من الدواء، لو سألك صيدلي -مثلاً- أنه يريد أن يسلم إلى تاجر في الأدوية يقول له: هذه مائة ألف أريد -مثلاً- من الدواء الفلاني عدد كذا، فيحدد العدد ويحدد صنف الدواء والأشياء الموجودة فيه، فإذا تميز صح وجاز، وإن كانت الأدوية في تركيبها أخلاطاً، مثلاً: لو طلب منه شراباً لعلاج السعال، أو حبوباً لعلاج القرحة فهذه الأدوية مخلوطة، لكن هذا الخلط غير مقصود، إنما انصب السلم على مادةٍ مكتملة هي التي تسمى بالأسبرين أو هي التي تسمى -كما ذكر العلماء- بالسكنجبين وغيرها من الأدوية الأخرى فهي أكثر من مادة، لكنها بالخلط صارت مادة واحدة وأريدت مخلوطة، فلا تقل: القاعدة عندنا أن المخلوط لا يجوز السلم فيه، والخلط في الأدوية غير متميز فلا يصح، لا، فقد ذكر رحمه الله السكنجبين أصلاً للأدوية التي تنضبط بأعدادها أو بأوزانها أو تنضبط مكيلةً، ففي هذه الحالة إذا انضبطت جاز وصح السلم فيها، فلو سألك صيدلي أنه يريد بيعة من دواءٍ معين من شراب، أو يريد بيعة من حبوب لعلاج، وهذه البيعة بمائة ألف، وذكر لك الشيء الذي أسلم فيه من الأدوية وتميز بصفاته، فذكره منضبطاً بكيله إن كان مكيلاً أو بوزنه إذا كان موزوناً أو عدده الذي لا يختلف بأشكاله إن كان معدوداً صح وجاز، والعكس بالعكس، إن كان الخلط يراد فيه المواد منفصلةً لم يصح ذلك ولم يجز إلا بعد الانضباط.
الشرط الثاني: ذكر الجنس والنوع قال رحمه الله تعالى: [الثاني: ذكر الجنس والنوع]. يقول رحمه الله: (الشرط الثاني: ذكر الجنس) أي: جنس المسلم فيه (ونوعه)، فجنسه -مثلاً-: بهيمة الأنعام، ونوعه: من إبل أو بقر أو غنم، فلو قال له: هذه مائة ألف أسلمتكها في مائة رأس من الحيوان، لم يصح حتى يبين نوع جنس هذا الحيوان، فإذا قال: من بهيمة الأنعام قيل: لابد أن تذكر نوع بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، فإذا قال: من الغنم، فإنه يُحدد: هل هي من الضأن أو من الماعز، وإذا قال: من الإبل، قيل: هل هي عرابي أو بختية، وكذلك البقر، هل هي من البقر أو من الجواميس، ففي بعض الأعراف يكون البقر والجواميس كالشيء الواحد، فإذاً لابد أن يحدد الجنس ويحدد النوع. قال رحمه الله: [ذكر الجنس والنوع وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه]. إذا الفرق بين هذا الشرط والشرط الأول: أن الشرط الأول يحدد لك مكان السلم، ويخرج ما ليس بمحلٍ للسلم، فإذا قلنا: مكان السلم المنضبط -فقد يسلم في منضبط فيقول: هذه في مائة رأس من الغنم- لكن لو لم يحدد كم عددها وما هو نوعها ومن أي أنواع الغنم، من الماعز أو من الضأن، أو يقول: من الإبل ولا يحدد نوعها عرابي أو بختية ولا يحدد سنها، إذاً لابد للشيء أن يكون من جنس ما ينضبط ثم يضبط، إذاً: الشرط الأول شيء والشرط الثاني شيءٌ آخر، والشرط الثاني مركب على الشرط الأول، فإنه إذا وجد الشرط الأول وهو كامل منضبط يرد السؤال: هل يطلقه بدون أن يذكر ما ينضبط به أم لابد من ضبطه بالمكيل كيلاً والموزون وزناً؟
اشتراط ذكر الأوصاف التي يحصل بها الاختلاف في السلم قال: [وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً وحداثته وقدمه]. أي يشترط أن يذكر هذه الأمور والأوصاف التي يختلف فيها المبيع ثمناً وكذلك رغبةً فيقول -مثلاً-: العودة الكمبودي أو الهندي هناك نوعان منه: نوعٌ قديم ونوعٌ جديد، كذلك التمر السكري: يكون للعام الماضي وللسنة الحالية، فلابد أن يبين هل هو قديم أو حديث؟ ولابد أن يذكر هذه الأشياء؛ لأن القديم له قيمة والحديث له قيمة، وقد يكون القديم أغلى من الجديد، مثلاً دهن العود القديم منه أفضل من الجديد. أربعةٌ قديمهن أجود خِلٌ وخَلٌ دُهن عود عسجد الخِل: هو الصديق، فالقديم من الأصدقاء أجود من الجديد، وخَلٌ: الخَل القديم أفضل من الجديد، دُهن عودٍ: العود القديم أفضل من الجديد، عسجد: الذهب، الذهب القديم أفضل من الجديد، فهذه الأشياء تختلف في جودتها قدماً وحداثة، فإذا كان جديداً فإنه يكون أقل وأردأ، والعكس وارد فهناك أشياء جديدها أفضل من قديمها، كالتمور مثلاً، فإن التمور قديمها ليس كالجديد، فالجديد أفضل وأطيب، فحينئذٍ لابد أن يذكر: هل هو من القديم أو من الجديد دفعاً للتنازع، والقاعدة هي القاعدة، وخذ هذا أصلاً لا بد أن يسير عليه طالب العلم في المعاملات خاصةً بيوعات المعاوضات: أن كل شيء يختلف، سواءً قدماً وحداثة، كبراً وصغراً ونحو ذلك يختلف باختلافه الثمن، فلابد وأن يضبط البيع، ولا يمكن أن يصح البيع إلا إذا ضبط وحدد، أما لو أطلق فإن هذا مظنة التنازع ومظنة الاختلاف ومظنة لأكل أموال الناس بالباطل؛ لأنك تشتري وأنت تريد الجديد وتقصد لنفسك الجديد فيعطيك القديم، تقول له: اشتريت أواني جديدة، قال: وأنا بعت أواني قديم؛ لأنك لم تشترط عليه الجديدة، فإذاً لابد من بيان ما تنضبط به صفاته وما يختلف به الثمن ظاهراً بقدم وحداثة ونحو ذلك.
حكم اشتراط أجود أو أردأ شيء في السلم قال رحمه الله: [لا يصح شرط الأردأ أو الأجود بل جيد ورديء]. إذا قلنا: إنه لابد أن تستوي الصفات فقال: هذه عشرة آلاف لقاء ألف صندوق -مثلاً- من التمر السكري من تمر هذه السنة، قال: وأشترط أن يكون أجود التمر السكري، لم يصح؛ لأن أجود أفعل، والأجود ما ينضبط، فأصبح المنضبط يئول بالشرط إلى ما لا ينضبط، فإن الأجود عندي ليس كالأجود عندك، والأجود عند البائع ليس كالأجود عند المشتري، وبناءً على ذلك إذا أدخل شرطاً يوجب الغرر فإنه لا يصح، فإذا قال: من الجيد، فالجيد وصف في السوق، وعندما يحصل التنازع بينهما نسأل أهل الخبرة ونقول: هل هذا جيد؟ فلو قال أهل الخبرة: نعم، هذا جيد، لزم المشتري أن يأخذه، لكن لو قال: أريد الأجود، فالأجود لا ينضبط؛ لأن الأجود عند المشتري ليس كالأجود عند غيره ومن هنا قالوا: يفرق بين الأجود والجيد؛ لأن الرديء وصف، وفي بعض الأحيان لا يقال: طيب ورديء وإنما يقال: رقم واحد، أو اثنين أو ثلاثة، أو درجة أولى، أو درجة ثانية، أو بالأماكن فيقال -مثلاً-: مشرقي أو مغربي أو جنوبي أو شمالي، فينضبط بالجهات ويضبط بالأوصاف، كل هذا يكفي إذا كان من جنس ما ينضبط، لكن إذا كان من جنس ما لا ينضبط ومما يوجب الغرر فإنه يئول إلى الأصل الذي ذكرنا أنه يوجب التنازع الذي يحكم بسببه بعدم صحة السلم.
حكم إتيان البائع بما هو أفضل من المتفق عليه أو قبل الوقت قال رحمه الله: [فإن جاء بما شرط أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر قي قبضه لزمه أخذه]. قوله: [فإن جاء بما شرط]. عرفنا أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون مما ينضبط وأن تذكر صفات ضبطه، لو قال له: أريد من التمر السكري الجيد، يقولون: فاخر، وهذا في عرف الناس أن منه الفاخر، والفاخر يمتاز بكبر حجمه، وأيضاً: الري، فتكون الحبة من التمر ظاهرٌ فيها الريّ، وفي بعض الأحيان تراها كبيرة بسبب الكيماوي أو نحوه، لكن ما فيها ما يدل على الغذاء والري، فإذا جاءه به -مثلاً- من التمر الفاخر، وقال: هذا من جيد السكري، فإنه يكون قد جاءه بأفضل من الجيد وهو الأجود، فإذا قال المشتري: أنا اشتريت فاشترطت أن يكون من الجيد، فقال له البائع: جئتك بالجيد وزيادة، قال له: لا. ما أريد إلا الجيد، فما الحكم؟ يلزم بأخذه؛ لأنه أعطاه صفته وزيادة إلا إذا وجد الضرر في أخذه، مثلاً: لو أن رجلاً اشترى نوعاً من الطيب من العودة وقال له: أريد الصنف الرديء الذي هو الدرجة الثانية، فقال له: قبلت أعطيك مثلاً مائة علبة منه في نهاية شوال بألف ريال أو بألفين، قال: اتفقنا، ففي نهاية شوال جاءه بجيد أفضل من الرديء قال له: ما أريد؛ لأن هذا أجود من الرديء الذي طلبت وأنا أريد الرديء؛ لأنه هو المرغوب؛ لأنني أبيع بين أناس فقراء لا يعرفون كلمة الجيد ولا يرغبون الجيد وأنا أتضرر، فمع كونه جيداً، لكنه يتضرر، فنقول: إذاً يلزم البائع بإحضار النوع الرديء؛ لأنه وإن كان قد أعطاه الجيد إلا أنه يفوت عليه مقصوده من تصريف البضاعة من محله، فيلزم بإحضار المثل. إذاً ليست المسألة أنه إذا جاء بدل الجيد بأجود منه أنه ملزم بأخذه مطلقاً، وانظروا إلى العدل وكيف أن الفقهاء رحمهم الله يضعون الضوابط لرد الحقوق إلى أصحابها، فما دام أنه يريدها للتصريف والتجارة، ومثل هذا إذا كان أجود لا يتصرف فلا يلزم به، كذلك أيضاً ربما لو قال له: من تمرٍ رديء، والتمر الرديء يريد أن يبيعه علفاً للدواب فجاءه بتمرٍ جيد، فقال له: أنا لا أقبل هذا التمر؛ لأني أريده علفاً للدواب، ولا يمكن أن آخذ شيئاً طيباً يأكله الآدمي وأعطيه علفاً للدواب؛ لأن هذا لا أراه يرضي الله عز وجل، فالآدمي أحق به، فامتنع، كان هذا من حقه، وحينئذٍ يلزم البائع بإحضار الرديء الذي اتفق معه عليه. قال: [ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه] (ولو قبل محله) لو أنه قال له: أريد هذا في نهاية شوال فجاءه به في نهاية رمضان، إذاً البائع لم يقصر مع المشتري، المشتري قال: أريد مائة غسالة أو مائة ثلاجة في نهاية شوال فجاءه بها في رمضان، فهو أحسن إليه، فبدل أن يتأخر عجّل، فقال له: لا أريدها الآن ولا أقبضها إلا في نهاية شوال، قلنا: يا أخي! هذه تجارة قد جاءت معجلة لماذا لا تقبضها؟ قال: لا، ليست هناك مصلحة، هذه المائة ثلاجة أريدها للحج والموسم، وأريد أن أبيعها، ولو أنني قبضتها الآن سأحتاج لمستودع أضعها فيه شهراً، وهذا يكلفني ويحملني عبئاً، فمع كون الأجل سبق، ومن المصلحة التعجيل، إلا أن هذا التعجيل يؤدي إلى ضررٍ للمشتري، فنقول: لا يلزم المشتري، وينبغي أن يبقى البائع إلى الأجل المحدد فيدفع له ما اتفقا عليه؛ لأنه يستضر بهذا، وقد يكون البائع في بعض الأحيان يريد أن يتخلص من ضرر وجود السلعة عنده وحينئذٍ يصرفها حتى يأتي بغيرها، ويكون هذا أخف مئونةً عليه؛ ولكنه يثقل على المشتري وحينئذٍ قالوا: إنه لا يلزم المشتري بالأخذ إلا في المحل، أي: في الوقت الذي اتفقا عليه والمكان الذي اتفقا عليه. قال: [ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه]. انظر دقة الفقهاء رحمهم الله، والله تعجب كيف خرجت هذه القيود وهذه الاستثناءات؛ لأن بعض المتون الفقهية عصارة فهم العلماء من خلال مخاصمات الناس ومن خلال فتاويهم ومن خلال الأقضية، وهذا الجهد الموجود في المتون الفقهية حصيلة تعب وعناء لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولذلك تجد الترتيب في الأفكار والدقة في التصريف وحسن الترتيب في التنظير، وكل ذلك من فضل الله عز وجل عليهم، ولا شك أن هذا توفيق من الله عز وجل، وهذا كله يدل على دقة العلماء وحسن احترازهم بالقيود ونحوها من خلال ما عالجوه من مشاكل الناس، فقال رحمه الله: (ولا ضرر في أخذه لزمه) معنى هذا: أن القاضي لا يلزم المشتري بالأخذ حتى ينظر، هل هناك ضرر في قبضه أو لا، فيقول: يا فلان! هل هذه سلعتك؟ قال: نعم، قال: واتفقتما على هذه السلعة؟ قال: نعم، فإذا ثبت عند القاضي أن السلعة هي السلعة انتقل إلى المسألة الثانية: يقول للبائع: ما دعواك؟ قال: دعواي أني أريده أن يقبض السلعة، ما دام أنه اعترف أنها سلعته فليقبضها؛ فيسأل القاضي المشتري: هل أنت اشتريتها واتفقت مع فلان على كذا وكذا؟ وكان الوعد بينكما كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: إذاً معنى ذلك أنه قدم بشهر، قال له: رحمك الله لماذا لم تأخذ؟ قال: إذا أخذتها ففيها ضرر عليّ، فالموسم لم يحضر بعد، ومعنى ذلك أنني سأتكلف حفظها، وإذا كانت دواباً سأتكلف علفها وسأتكلف مئونتها وحراستها والقيام عليها، فأنا لا أريد هذا الضرر، قال: هذا الضرر يقع عليك؟ قال: نعم، فسأل أهل الخبرة، فقالوا: نعم، الموسم لم يحل بعد، فوجد أن كلام المدعى عليه صحيح، قال: ثبت عندي أن المشتري يستضر وعليه تصرف الدعوى بإلزام القبض فوراً لوجود الضرر على المشتري. والقاعدة في الشريعة: لا ضرر ولا ضرار، وما ظلم البائع أبداً؛ لأن الاتفاق أن تسلم البضاعة في عشرين أو ثلاثين من شوال، هذا الاتفاق الذي بينهما وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فإن خرج عن الاتفاق بقي النظر للمشتري، ويقول القاضي للمشتري: أنت بالخيار، إن شئت أن تقبض فاقبض وإن شئت ألا تقبض فلا تقبض، ويقول للبائع: ليس لك أن تلزمه بالقبول.
الشرط الثالث: تحديد قدر المسلم فيه يعلم كيلاً ووزناً وذرعاً قال رحمه الله تعالى: [الثالث: ذِكرُ قدره بكيل أو وزن أو ذرع]. قال رحمه الله: الشرط الثالث: ذكر قدر المسلم فيه بكيل إن كان مكيلاً أو وزنٍ إن كان موزوناً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فبين أن المكيل يكون معلوماً، وأن الموزون يكون معلوماً، وقد تقدم معنا ضوابط العلم في شرط العلم بالمبيع، وبينا كيفية ضبطه من ناحية الجنس ومن ناحية النوع ومن ناحية القدر والصفات المعتبرة التي يندفع بها موجب الغرر، وقد شرحنا هذا في أول شروط البيع. قال: [ أو ذرعٍ يُعلم ]. إذا قلنا: إن السلم يقع في المذروع أيضاً، فالقماش مذروع -وطاقة القماش فيها -مثلاً- عشرون ياردة، أو مثلاً فيها تسعة عشر متراً- فإذا أراد تاجر قماش أن يشتري بالجملة، فأسلف له مائة طاقة من القماش إلى أجلٍ معلوم واتفقا على ذلك فلابد من تحديد جنسها ونوعها وقدرها والصفات التي فيها، مثلاً: لو بين أنها من نوع السلك مثلاً، هذا النوع السلكي، إذا كان نوعاً واحداً لا إشكال، وإذا كان درجات فيذكر هل هو من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة، ثم اللون هل يريد لوناً واحداً، أو ألواناً، فإذا كان يريد لوناً واحداً فليحدد اللون، وإذا كان يريد ألواناً يحدد الألوان ويحدد عددها فيقول: هي خمسون طاقة: عشرةٌ منها من لون كذا، وعشرة منها من لون كذا، إذاً لابد وأن يكون المسلَم فيه معلوماً منضبطاً بهذا الانضباط الكامل، في الكيل كيلاً -كما ذكرنا- وفي الوزن وزناً وفي العدد عدداً وفي الذرع ذرعاً.
حكم السلم في المكيل وزناً أو العكس قال رحمه الله: [وإن أسلم في المكيل وزناً أو في الموزون كيلاً: لم يصح] تقدم معنا أن المكيل لا ينضبط بالوزن، وأن الموزون لا ينضبط بالكيل غالباً، فمن هنا تجدون العلماء في القديم لا يحررون الآصع في الفدية والكفارات بالوزن؛ لأن التمر يختلف وزنه، والحبوب يختلف وزنها، ومن هنا جعلوا الضبط في المكيل بالكيل، وأبقوا السنة كما هي؛ لأن الانضباط فيها بالكيل كيلاً وبالوزن وزناً، وهذا هو الأصل، أن يبقى الكيل كيلاً حتى من باب فقه الفتوى وفقه السنة حتى لا يميت الناس السنة فيأتي زمان لا يعرف فيه الصاع، فلو جاءك شخص عليه فدية في الحج، كم صاعاً يجب عليه؟ نقول: ثلاثة آصع يقسمها بين ستة مساكين، الناس اليوم لو جئنا نقول لأحدهم: عليك ثلاثة آصع، يقول: ما هو الصاع؟ نقول له يا أخي! الذي تخرجه في آخر رمضان تقسمه بين اثنين، يفهم، لكن لو أصبحنا نضبط الفديات بالوزن لجاء زمان لا يعلم الناس فيه ما هو الصاع، حتى ولو جاز ضبطه بالوزن لما كان هذا من فقه الفتوى، حتى لا يأتي زمان لا يعلم الناس ما هو الصاع، وتموت هذه السنة؛ ولذلك ينبغي أن يبقى المكيل مكيلاً والموزون موزوناً؛ لأن الانضباط في الكيل لا يكون بالوزن، والموزون غالباً لا ينضبط بالكيل، ومن هنا تجد العلماء المتقدمين يحررون الفديات والكفارات وصدقة الفطر ونحوها بما وردت به السنة، ويضبطون ذلك بالسنة، إن كانت صاعاً فصاعاً، وإن كانت نصف صاع فنصف صاع فيضبطونها بالمكيل كيلاً ويحددون ذلك، وعلى هذا قال: لا يسلم في المكيل وزناً ولا في الموزون كيلاً، ورخص بعض العلماء في الإسلام في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً، والأولى ما ذكرناه؛ لأننا ذكرنا أن بيع السلم رخصة، والذين يجيزون بيع المكيل وزناً والموزون كيلاً يرون أن بيع السلم ليس برخصة وإنما يرونه بيعاً قائماً برأسه، وجماهير العلماء رحمهم الله وعليه الفتوى في المذاهب الأربعة أن السلم جاء على خلاف الأصل، وهو رخصة واردة ثبت بها النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعتبر مستثناةً من الأصل؛ لأن فيها نوعًا من الغرر، وكذلك فيها نوع من الجهالة وبناءً على ذلك قالوا: إنها استثنيت لورود النص، وعليه يقدر المكيل كيلاً والموزون وزناً.
الشرط الرابع: تحديد الأجل قال رحمه الله تعالى: [الرابع: ذِكر أجل معلوم له وقع في الثمن]. أن يكون السلم إلى أجلٍ معلوم، فلابد أن يحدد هذا الأجل، فيبين السنة ويبين الشهر ويبين اليوم؛ فهناك سلم لا ينضبط إلا باليوم فيحدد الأجل، وهناك بعض البيوعات يكون التحديد فيها بالساعات، وقد يكون التحديد بأول النهار وآخر النهار، فكل شيء فيه غرر أو فيه ضرر في المواقيت والمواعيد وجب تحديده إن كان مما يلزم الدقة فيه لزم التدقيق، وإن كان مما يتسع فإن الأمر يبقى فيه على السعة، لكن لابد من ذكر الأجل، أما الدليل على اشتراط الأجل فقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عنه قال: (فليسلف في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)، فلابد وأن يكون السلم إلى أجلٍ معلوم، فلو قال له: أسلمتك هذه المائة ألف لقاء ألف صاعٍ من تمر متى ما جئتني بها: لم يصح، ولم يجز ذلك، بل لابد أن يحدد الأجل الذي يكون إليه السلم. قال: [له وقعٌ في الثمن]. أي: له أثر في الثمن، ولا يصح أن يقول له: أسلمتك هذه الألف ريال لقاء مائة صاع في آخر النهار، فإن آخر النهار أجل، لكنه أجل ليس له وقعٌ في الثمن، والسبب في قولهم: له وقعٌ في الثمن، حتى تتحقق الرخصة التي من أجلها جاء السلم؛ لأنه إذا كان له وقع في الثمن معناه حصلت الرخصة من الاتفاق بتعجيل الثمن فحينئذٍ يرخص المبيع، فصار هذا من رحمةِ الله عز وجل بالأسواق مما يؤدي إلى رخصها والرفق بالمشتري إذا اشترى على هذا الوجه. قال رحمه الله: [فلا يصح حالاً ولا إلى الحصاد والجذاذ]. (لا يصح حالاً) إذا كان مثل ما ذكرنا، لو قال: إلى نهاية اليوم أو بعد ساعتين أو بعد ثلاث فهذا بيع معجل وأما إذا قال: إلى نهاية الحصاد فإن الحصاد لا ينضبط، هناك حصاد معجل وهناك حصاد وسط وهناك حصاد مؤجل، فمثلاً إذا قال له: إلى حصاد النخل، فالنخل منه ما يجد مبكراً عند بداية استوائه تمراً، ومنه ما يتأخر إلى نشاف العرجون وقد يأخذ العرجون في النشاف ما يقرب من شهر كامل، فلو قال له: إلى الحصاد فيبس الثمر، فإنه يقول: أنا قصدت أول اليُبس، فيقول الآخر: لا. بل قصدت قطعه من على النخل، أو قصدت تمام اليبس، فيقع بينهما التنازع، فكما يقع النزاع الصفات وغير المنضبطة كذلك يقع في الآجال غير المنضبطة. قال رحمه الله: [ولا إلى يوم إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما]. (ولا إلى يومٍ) يقول: في غدٍ مثلاً، إلا في مثل خبزٍ يأخذه يومياً، مثلاً لو قال له: هذه خمسمائة ريال، كل يومٍ يأتيك فلان ويأخذ منك عشرة آصع من تمر كذا، ويكون شخصاً يتصدق على غيره، فيقول لوكيله: سأجعل لك عند بائع التمور الفلاني عشرة آصع لمدة عشرة أيام، هذه المائة صاع أريدك كل يوم تأخذ منها عشرة آصع وتفرقها على مساكين بني فلان، فهذا الوكيل الذي سيقبض، سيقبضها مقسطة. كذلك أيضاً في المكيلات، فالحليب -مثلاً- يباع باللتر، فقال له: يأتيك ابني كل يوم ويأخذ كيلو حليب، لمدة ثلاثين يوماً في الشهر، وهذه مائة وخمسون ريالاً لقاء الحليب، كل يوم تعطيه كذا وكذا، ويقع أيضاً في البقالات، مثلاً يجد شخص أيتاماً أو أرملة يحتاجون إلى طعام يوم، وهذا الطعام من جنس ما ينضبط، فيقول لصاحب البقالة -إذا رخص بمعدود كالخبز- هؤلاء الأيتام سيأتونك كل يوم فأعطهم مثلاً بعشرة ريالات، ثلاثة ريالات مثلاً لخبز من نوع كذا وكذا، وثلاثة ريالات للجبن من نوع كذا وكذا، فيحدد المعدود والموزون والمكيل، فيأتي كل يوم ويأخذ قسطاً، فهذا سلم مقسط في الأيام فحينئذٍ يجوز ولا حرج.
الشرط الخامس: وجود المسلم فيه وقت التسليم قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أن يوجد غالباً في محله ومكان الوفاء لا وقت العقد]. يشترط في صحة السلم أن يكون المبيع موجوداً في محله في غالب الظن مثلاً: عندنا التمر، فالتمر يكون رطباً ثم يتمر، والرطب لا يوجد إلا في زمان معين وفي موسمٍ معين، لكن التمر يمكن أن يوجد في زمان الصيف، ويمكن أن يوجد في زمان الشتاء إلا أنه في زماننا -بفضل الله عز وجل- لوجود الثلاجات والبرادات أمكن إيجاد الرطب في زمان غير زمانه، لكن في القديم الرطب غير موجود في حال إكنان النخل، وهو عدم وجود الطلع، وكذلك في بداية الطلع، فالرطب لا يوجد إلا في زمانه ووقته، فلو أنه أسلم له في شيء لا يوجد في زمان فحدده إلى نهاية شوال، وفي نهاية شوال لا يوجد هذا الشيء سواءً كان من جنس الأطعمة أو من جنس الأقمشة أو من جنس المبيعات الأخرى، لم يصح السلم، والسبب في هذا أنه على هذا الوجه يكون قد دخل في الغرر، وأصبح السلم غير غالب على الظن وجوده، فمن هنا لا يصح على هذا الوجه.
الحكم إذا تعذر الوفاء بالمتفق عليه في السلم قال رحمه الله: [فإن تعذر أو بعضه فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض]. إذا كان الشيء يوجد في زمن الأجل، ثم لما جاء زمانه أصابت الناس جائحة -والعياذ بالله- فتلف التمر، وكان قد أسلمه تمراً إلى نهاية شهر معين يوجد فيه تمر، فجاء الشهر والتمر غير موجود، فإذا وقعت هذه الحادثة واختصم البائع والمشتري فقال البائع: إنني قد قبلت منك هذا المبلغ وأنا أظن أنه يوجد، فإذا به لم يوجد، أو جاءت جائحة وأخذت التمور وأتلفتها. فحينئذٍ يخير المشتري بين أمرين: إن شاء طالب البائع أن يأتي له بمثل ما اتفقا عليه فيدبر أمره فيقال للبائع: أنت اتفقت معه، فحينئذٍ تأتي بمثل هذا الشيء، فيذهب ويبحث حتى يجد مثل ما اتفقا عليه؛ لأنه حق من الحقوق، وإن شاء قال له: أصبر عليك هذه السنة، وإن شاء الله السنة القادمة تعطيني ما اتفقنا عليه، وأمهله وأنظره، وهذا هو الأفضل والأكمل له: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، فإن هذا من العسر. [فله الصبر أو فسخ الكل أو البعض]. (فله الصبر)، أي: للمشتري (أو فسخ الكل أو البعض) فسخ الكل إذا لم يوجد، (أو البعض) مثلاً: إذا قال له: أسلمتك بمائة صاع، فأعطاه خمسين ولم يستطع أن يوجد الخمسين الباقية فحينئذٍ نقول له: أنت بالخيار إن شئت أمضيت الصفقة في نصف المبلغ المتفق عليه، وتأخذ ما بقي أو تؤجله إلى سنة قادمة، وإن شئت ألغيت الكل فأنت بالخيار؛ لأنه في بعض الأحيان يتضرر إذا قلنا له: أمضِ البعض، فحينئذٍ نترك الخيار له، فهذا الخيار يختلف باختلاف الحال، ونظراً لاختلاف الحال والصفقة، والعقد ليس على هذا الوجه، فهو بالخيار بين أن يمضي ويعذر أخاه ويصبر عليه وبين أن يلغي العقد كليةً. قال رحمه الله: [ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه]. إذا كان الثمن ليس بموجود ويوجد عوض عنه فإنه يأخذ العوض عنه، حتى ولو كان بالصرف، لكن بشرط أن يكون حالاً، كأن يكون أسلم له بريالات ولم يتيسر إلا وجود الدولارات عند فساد العقد والرد، فحينئذٍ يردها دولارات فيصرفها في ساعتها مثلاً بمثله.
الأسئلة ...... حكم بيع المسلم فيه قبل قبضه السؤال: ما الحكم إذا باع المشتري المسلَم فيه إلى رجل آخر قبل أن يقبضه؟ الجواب: إذا اتفق البائع والمشتري على مسلَمٍ فيه لم يجز للمشتري أن يتصرف في الشيء المسلم فيه إلا بعد القبض، فلا يجوز له بيعه ولا يجوز له هبته ولا يجوز له أن يرهنه ولا يجوز له أن يحيل عليه، إلا بعد قبضه، مثال ذلك: لو أنك اشتريت -مثلاً- مائة صندوق من التمر السكري وبعد أن اشتريت هذه المائة صندوق بعشرة آلاف ريال جاءك رجل وقال: هذه الصناديق التي اشتريتها من فلان أنا أشتريها منك بعشرين، لم يصح حتى تقبضه، وبعد أن تقبضه يجوز لك البيع، أما قبل القبض فإنه لا يجوز، وهو من بيع الإنسان ما ليس عنده، وفي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (لا تبع ما ليس عندك)، ولأن هذا الشيء المسلم فيه لم يؤل إلى ضمانك، وقد بينا أنه لا يصح بيع الطعام قبل ضمانه وقبضه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، والله تعالى أعلم.
الفرق بين عقد الاستصناع وعقد السلم السؤال: ما الفرق بين عقد الاستصناع وعقد السلم؟ عقد الاستصناع أكثر من تكلم عليه وفصل فيه فقهاء الحنفية رحمهم الله، والفرق بينه وبين عقد السلم أن عقد الاستصناع يقارب الإجارة كثيراً، ويكون في بعض الأحيان الخام من البائع والعمل من البائع، ويقع مثلاً في صنع الخفاف، يقول له مثلاً: أريد مائة خف على أن تصنعها لي، قالوا: إنه يجوز أن يكون هذا من عقد الاستصناع، وهو أقرب إلى الإجارة منه إلى السلم، ولكنه دخل في بيع السلم وقارب بيع السلم لانصبابه على الذوات، وقارب الإجارة لانضباطه على المنفعة، فهو يجمع بين المنفعة وبين البيع للذات، فهو من ناحية الطلب يقول: أريد أن تصنع لي -مثلاً- مائة خف، فهذا إجارة، ومن جهة كون الخام من البائع ويلتزم به فهو أشبه بعقد السلم، ومن هنا شرك بين البيع وبين الإجارة، فأفردوه بقولهم: عقد الاستصناع، والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع - باب بيع السلم [2] عقد السلم من العقود المؤجلة التي رخَّص الشرع فيها على خلاف الأصل، ولهذا اشترط له شروط خاصة، منها: أن يقبض الثمن وأن يكون معلوماً، وألا يكون السلم في معين، وتحديد مكان الوفاء إذا لم يمكن الوفاء في مكان العقد، كل هذا تقيداً بمحل الرخصة في عقد السلم، ودفعاً للنزاع، ولهذا لا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الحوالة به أو عليه لنفس العلة. تابع شروط عقد السلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ...... الشرط السادس: قبض الثمن تاماً قبل التفرق قال المصنف رحمه الله تعالى: [السادس: أن يقبض الثمن تاماً معلوما قدره ووصفه قبل التفرق]. فلا زال المصنف رحمه الله يبين الشروط المعتبرة لصحة السلم، ومن هذه الشروط الشرط السادس: وهو قبض الثمن، فيشترط في صحة السلم، إذا اشترى التاجر الصفقة، وتم العقد بينه وبين من يبيعه تلك الصفقة ووقعت سلماً فإنه يشترط أن يعجل له الثمن، أما الدليل على ذلك فهو ما ثبت في قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فليسلف) بمعنى فليعطِ. وعلى هذا استنبط العلماء رحمهم الله من هذا الحديث أنه يشترط في صحة السلم أن يقدم الثمن، وأن يعطيه في مجلس العقد، وهناك صورتان للإعطاء: الصورة الأولى: أن يكون الإعطاء عقب الإيجاب والقبول مباشرةً، والصورة الثانية: أن يتأخر الإعطاء عن العقد، أعني: عن الإيجاب والقبول، مثال الصورة الأولى: قال له: أسلفتك مائة ألفٍ لقاء سيارتين إلى نهاية رمضان من نوع كذا وصنف كذا، قال: قبلت، فأعطاه بمجرد القبول المائة ألف، فوقع الإسلام والإعطاء عقب العقد مباشرةً، أو يقول له أيضاً في هذه الصورة: هذه عشرة آلاف أسلمتكها لقاء مائة صندوق مثلاً من التمر البرحي أو من تمر العجوة أو من التمر السكري إلى نهاية رمضان، قال: قبلت وقبض، فحينئذٍ لا إشكال إذا وقع القبض والإسلام والإعطاء موافقاً للعقد ومصاحباً له. الصورة الثانية: أن يتراخى عن الإيجاب والقبول ويتحقق القبض قبل افتراقهما عن مجلس السلم كأن يقول التاجر للتاجر: أعطيك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق من تمر العجوة أو مائة صاع من التمر البرحي أو الشعير، فقال له: قبلت، فيتأخر في إعطائه ويحصل الإعطاء قبل أن يفترقا، فالإيجاب والقبول تم في الساعة الثانية، والإعطاء تم في الساعة الثالثة، لكنهما لم يفترقا إلا بعد أن أعطاه، صح ذلك وجاز. إذاً عندنا صورتان، الصورة الأولى: أن يقع الإعطاء مصاحباً للعقد أو بعد العقد مباشرةً وهذه بالإجماع جائزة، والصورة الثانية: أن يتراخى عن الإيجاب والقبول ويتأخر عنه ولكن لا يفترقان إلا بالقبض، وهي صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح العقد ما دام أنهما لم يفترقا إلا بعد وجود القبض فيما يشترط له القبض. قال: [أن يقبض الثمن تاماً معلوما قدره]. ومفهوم هذا: أنه لو قال له: أسلفتك عشرة آلاف ريال لقاء مائة صاعٍ من التمر السكري، أو من التمر البرحي أو من تمر العجوة قال: قبلت، ولم يعطه العشرة آلاف، قال: أعطيكها غداً، أو أعطيكها الأسبوع القادم، أو أعطيكها بعد ثلاثة أيام: لم يصح؛ لأنه يصير من باب الدين بالدين، فلا يجوز أن يفترقا إلا بعد أن يعطيه الثمن، سواءً أعطاه إياه بعد الإيجاب والقبول مباشرةً أو أعطاه إياه متراخياً عنه قبل أن يفترقا عن العقد. قال رحمه الله: (يقبض الثمن)، الثمن يشترط فيه ما يشترط في الأثمان في البيوع، وأن يكون القبض تاماً، فإذا قال: عشرة آلاف، يعطيه العشرة آلاف كاملة، ولا يفترقان حتى يقبض منه العشرة آلاف تامة، وكذلك أيضاً أن يكون معلوماً، فإذا قال له: بعشرة آلاف، يبين نوعها؛ لأنه ربما مثلاً قال له: بعشرة آلاف، فيحتمل أن تكون دولارات وريالات إذا كان هناك أكثر من نوع من النقد، فلابد أن يبين نوع النقد وأن يبين جنسه وقدره. وعلى هذا: لو قال له أعطيك ريالات في مقابل مائة صندوق من العجوة أو أعطيك دنانير أو أعطيك دراهم لم يصح؛ لأنه لم يبين قدرها، فلابد من بيان القدر فيما ينضبط قدره، وكذلك يبين نوعها إذا كان هناك نوعان من النقد، كأن يذكر الجنيهات فيقول له: أعطيك مائة جنيه لقاء مائة صاع، أو ألف صاع من التمر السكري، فيحتمل أن تكون جنيهات سعودية وقيمتها غالية، ويحتمل أن تكون غير سعودية وقيمتها رخيصة، فيكون هناك جهالة، فلابد وأن يحدد نوعها وقدرها من حيث العدد كما ذكرنا في شرط العلم بالثمن والمثمن، وبينا دليل ذلك من أن الشرع لا يصحح بيع المجهول؛ لأنه يفضي إلى التنازع والتلاعب بحقوق الناس، ومن هنا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر لاشتماله على الجهالة المفضية إلى التنازع بين الطرفين. قال: [ووصفه قبل التفرق]. يصف هذا الشيء الذي أسلم فيه وصفاً منضبطاً، وقد بينا هذا كله في شرط العلم به؛ لأن السلم بيع، ويشترط فيه ما يشترط في البيع وزيادة، فللسلم شروط تسمى: الشروط العامة، وهي شروط البيع، وشروطٌ خاصة بالسلم، وهي التي بيناها في المجلس الماضي، ولا زال المصنف يذكر بعضها، فهنا: مسألة أن يكون الثمن معلوماً، فهذا من شروط البيع ويعتبر من الشروط العامة.
حكم السلم إذا تم قبض بعض الثمن قال رحمه الله: [وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه]. هذا الشرط يتركب من أمرين، الأمر الأول: أن يكون الثمن معلوماً، وحدود العلم كما ذكرنا أن يكون بالجنس والنوع والقدر، فلا يكون مجهولاً جهالةً مفضية إلى النزاع، فلو قال له: أسلمتك مائة ألف لقاء مائة صندوق، قال: قبلت، وقد قدمنا في البيوع أنه إذا حدد الثمن على هذا الوجه ما الحكم؟ فيه تفصيل: إن كان ليس هناك إلا نقدٌ واحد كالريالات، فنعرف أن قوله: خذ مائة ألف أو أسلمتك مائة ألف أنه منصب إلى الريالات فيصح، لكن لو كان هناك ثلاث عملات، الريالات والدولارات والجنيهات -مثلاً- لم يصح، فلابد أولاً من العلم بالثمن في جنسه ونوعه وقدره على ما ذكرناه، ثانياً: أن يحصل القبض للثمن حتى لا يكون من باب الدين بالدين؛ لأنهما متى افترقا عن مجلس العقد بدون أن يحصل القبض فقد باع الثمن ديناً بمثمنٍ ديناً، وقد: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ)، وبينا أنه على ظاهر هذا الحديث لا يجوز بيع الدين بالدين. وعلى هذا إذا قررت أنه يشترط في السلم القبض فتقول للتاجر: إذا عقدت صفقة سلم فيجب أن تعجل الثمن، ولا يجوز أن تعقد الصفقة سلماً في سيارات أو أطعمة أو أكسية أو نحو ذلك إلا إذا قدمت رأس المال ودفعته قبل أن تفارق مجلس العقد، فعندنا حالات: إما أن يدفع البعض ويؤخر البعض، وإما أن يؤخر الكل، أو يعجل الكل، فإذا عجل الكل صحّ، وإذا أخر الكل لم يصح ويلغى العقد، وإذا أخر البعض وقدم البعض ففيه تفصيل، مثال الأول -وهو أن يعجل الكل- قال له: خذ هذه عشرة آلاف، فحينئذٍ لا إشكال، حيث تم الشرط الذي اعتبره الشرع لصحة العقد، وإما أن يؤخر ويقول: أعطيك غداً أو أعطيك بعد أسبوع، أو أعطيك شيكاً على أنه سيصرف فيفترقان قبل القبض فلا يصح، بل لابد وأن يكون الثمن حاضراً في مجلس العقد ويسلمه إياه، ولو كان المبلغ كبيراً فإنه يمكن أن يذهب معه إلى البنك ويعطيه إياه، ولو كان بالنقلة. وعلى هذا لابد من القبض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط، وقال: (من أسلف فليسلف)، ولأن بيع السلم خارجٌ عن الأصل، وما خرج عن الأصل يقيد الحكم بجوازه بمثل الصورة التي وردت بالنص، والذي ورد في النص الإعطاء والإسلام الفوري، وذلك في رأس المال فلا يجوز مؤخراً، ويكون أيضاً ذلك الشيء الذي أسلم فيه معلوماً، فلو قال له: خذ هذه الصرة من الذهب أو خذ هذه الصرة من الفضة وما فيها لقاء مائة صندوق من العجوة أو مائة صاع من بر، أو لقاء سيارةٍ إلى نهاية شعبان أو نحو ذلك لم يصح؛ لأنه لا يدرك كم بداخلها، فلا يصح الإسلام بمجهول سواءً كان من الذهب أو الفضة ولو عُلِم نوعه ذهباً أو فضة إذا لم يعلم قدر ذلك الثمن المسلم. فتبين أنه إذا عجل الثمن كله صح، وإذا أجله كله لم يصح، لكن لو قال له: أسلفتك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق من العجوة، فأعطاه خمسين ألفاً معجلة، وقال له: الخمسين الألف الباقية أعطيكها غداً، أو بعد أسبوع أو بعد شهر، فقدم البعض وأخر البعض فما الحكم؟ للعلماء وجهان: فقال بعض العلماء: يبطل السلم؛ لأن العقد واحد والصحة لا تجزأ، وقال بعضهم: يصح في الخمسين المعجلة ويبطل في الخمسين المؤجلة؛ لأن الأصل إعمال العقود ما أمكن، فلما كان التأخير في بعض الصفقة فإنه يقيد الحكم بالبطلان بالمؤجل، ويحكم بالصحة على المعجل سواءٌ كان ذلك أنصافاً أو أثلاثاً أو أرباعاً، فأنصافاً كأن يقول له: أسلمتك مائة ألفٍ لقاء ألف صندوق -مثلاً- من تمر قال: قبلت، فأعطاه خمسين ألفاً وأخر عنه الخمسين الباقية، فيصح في النصف ويبطل في النصف، وأما أرباعاً فكأن يقول له: أسلمتك مائة ألف لقاء سيارة من نوع كذا وكذا إلى نهاية شعبان، وهذه خمسة وعشرون ألفاً وأعطيك الخمسة والسبعين الباقية بعد يوم أو بعد شهر، فحينئذٍ إذا كانت السيارات أربع سيارات ولكل سيارة خمسة وعشرون ألفاً حكمنا بصحة السلم في الربع وهو الخمسة والعشرون التي دفعها، وألغينا صفقة الخمسة والسبعين الباقية، متى ما فصل لكل سيارةٍ قيمتها، لكن لو كانت السيارة واحدة، وقال له أسلمتك المائة ألف في سيارة من نوع كذا وكذا، أو كانت الصفقة على سيارتين وأعطاه خمسة وعشرين وكل سيارة لها خمسون ألفاً، فحينئذٍ لا تقبل الصفقة التجزئة فيبطل في الكل. إذاً إذا جزأ وقال له: أسلمتك مائة ألفٍ لقاء مائة صاعٍ أو مائة صندوق وأمكنت التجزئة صححنا في الأجزاء، فإن كان قد دفع له خمسين ألفاً صححنا في نصف الصفقة وأبطلنا النصف الباقي، وإن كانت الصفقة لا تقبل التجزئة كما لو اشترى سيارة وأعطاه خمسة وعشرين ألفاً من قيمتها أو خمسين ألفاً من قيمتها أو خمسة وسبعين ألفاً من قيمتها أو حتى تسعين ألفاً من قيمتها فهي لا تقبل التجزئة ويبطل العقد، إذاً لابد وأن يكون معجلاً، فلو قدم البعض وأخر البعض وأمكنت التجزئة وتصحيح جزء العقد صح، وإن لم يمكن لم يصح.
حكم السلم في أجناس وآجال مختلفة أو متوافقة قال رحمه الله: [وإن أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه: صح إن بيَّن كل جنسٍ وثمنه وقسط كل أجل]. (إن أسلم في جنس إلى أجلين) بين رحمه الله صحة السلم والشروط المعتبرة له، فإذا كان مالاً في جنس واحد فلا إشكال، لكن لو أن المال في جنسين، أو كان لكل جنسٍ مثلاً حظه وقيمته، أو أعطاه في ثلاثة أجناس مختلفة الأجل، أو أعطاه في أكثر من جنس متفقة الأجل، هذه كلها صور، فتارةً يقول له: هذه مائة ألف أعطيكها، منها خمسون ألفاً في سيارة من نوع كذا، وخمسون ألفاً في تمرٍ من نوع كذا، فحينئذٍ أسلم بمالٍ واحد في جنسين مختلفين، وهذا كثيراً ما يقع من التجّار حينما يشترون البضائع، مثلاً: إذا جئنا إلى تجار السيارات، يأتي التاجر في بعض الأحيان فيشتري من نوعٍ واحد، ويقول: هذه مائة ألف لقاء عشر سيارات أو خمس سيارات من نوع كذا، فحينئذٍ يكون المال واحداً والجنس واحداً ولكن الأنواع مختلفة، فإذا كان النوع مختلفاً وحدد لكل نوعٍ قيمته، فتارةً يكون الأجل واحداً، وتارةً يكون الأجل مختلفاً فيقول: أريد خمس سيارات، السيارة الأولى في شهر محرم، والثانية في صفر، والثالثة في ربيع الأول، والرابعة في ربيع الثاني، والخامسة في جماد، فأسلم في نوعٍ واحد وفي أنواع متعددة، ولكن الآجال أيضاً متعددة، وتارةً يقول: خمس سيارات من نوع كذا ونوع كذا ونوع كذا ولكن إلى نهاية محرم، فالأجل واحد، فإما أن يسلم في أنواعٍ متعددة بآجال متعددة لكل سيارةٍ قيمتها فيصح، وله أن يسلم في أنواع بأجل واحد، فيستوي أن يكون في أنواع إلى أجل واحد أو آجال. والشرط يتوقف على صحة التجزئة، فإن أعطى كل نوعٍ حظه وحقه فلا إشكال، وهكذا إذا حدد الأجل لكل واحدٍ صح. قال رحمه الله: [صح إن بيَّن كل جنسٍ وثمنه وقسط كل أجل]. إن بيَّن كل نوع أو كل جنس وثمنه وأجله صح مثلما ذكرنا، وفي بيع الطعام يقول له: هذه عشرة آلاف ريال، خمسة آلاف منها لقاء مائة صاع من التمر في نهاية رمضان هذا، وخمسة آلاف لقاء مائة صاع من الشعير إلى ذي القعدة فيصح؛ لأنه بين لكل أجل قيمته، وحينئذٍ لا إشكال سواء اتحد الجنس واختلف الأجل أو اختلف الجنس واتحد الأجل، فكله جائز ما دام أنه قد جعل لكل مبيع حظه وحقه، فقد صححنا السلم إذا قال له: هذه مائة ألف لقاء سيارة إلى نهاية محرم، فلو أنه قال له: وهذه خمسمائة ألف في خمس سيارات، السيارة الأولى في محرم، والثانية في صفر، والثالثة في ربيع الأول، والرابعة في ربيع الثاني، والخامسة في جماد، فتأخذ نفس الحكم؛ لأن المسألة مسألة تفصيل، يعني سواء اتفق النوع واختلف الأجل، أو اختلف النوع واتحد الأجل، أو اختلف النوع والأجل، أو اتحد النوع والأجل، فاتحد النوع والأجل مثل أن يقول له: هذه عشرة آلاف ريال في مائة صاع من التمر إلى نهاية محرم، فاتحد النوع واتحد الأجل، وهذه واضحة. وأما مثال اختلاف الجنس مع اتحاد الأجل، تقول مثلاً: أريد تمراً وبراً وشعيراً وملحاً، إلى نهاية رمضان، فاختلفت الأجناس ولكن الأجل واحد، فإذا اختلفت الأجناس الأربعة أعط لكل صنف حظه وحقه، حتى يُعلم المائة صاع من البر كم لها وكذا التمر والشعير والملح، فاختلفت الأجناس واتحد الأجل. وأما مثال اختلاف الأجل مع اتحاد الجنس: لو وجد تاجر يبيع التمر السكري بالجملة، وأنت تريد أن تشتري منه من أجل أن تبيع بالتجزئة كما في البقالات ونحوها، فتقول له: يا أخي! أنا عندي موسمان، الموسم الأول: رمضان، والموسم الثاني: في ذي الحجة، موسم الحج، فأعطيك هذه المائة ألف في التمر، فأشتري منك بخمسين ألفاً مائة صاع أو مائة صندوق إلى نهاية شعبان، هذا الأجل الأول، والخمسين الألف الثانية إلى نهاية ذي القعدة أي: إلى موسم الحج، فعندنا الجنس واحد، والأجل مختلف. الصورة الرابعة: اختلف الجنس واختلف الأجل مثاله: كتمرٍ وبرٍ، فتقول: أسلمك في مائة صاع من التمر، ومائة صاع من البر أو من الملح، على أن تعطيني مائة صاع تمر في رمضان ومائة صاع بر أو ملح في ذي القعدة، فحينئذٍ اختلف الجنس واختلف الأجل، فهذه الصور الأربع: أن يتحد الجنس ويختلف الأجل، وأن يختلف الجنس ويتحد الأجل، أو يتحدا أو يختلفا، فإذا جزأ لكل واحد منهما حظه وحقه فلا إشكال.
الشرط السابع: أن يكون السلم في الذمة لا في معين قال رحمه الله تعالى: [السابع: أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين]. يقول رحمه الله: الشرط السابع من شروط السلم، والسلف (أن يسلم في الذمة)، ولذلك قالوا: لا يصح أن يسلم في المعين، وتقدم معنى بيان العين والذمة، فلو قال له: هذه مائة ألف لقاء هاتين السيارتين إلى نهاية رمضان: لم يصح؛ لأن بيع هذه السيارة بيع عين وليس بيع ذمة وإذا قال له: هذه مائة ألف لقاء هذه المائة كتاب إلى نهاية رمضان: لم يصح، والحل أن يقول: خذ هذه المائة الألف لقاء هذه الكتب وسآتي وآخذها إن شاء الله منك إلى نهاية رمضان أو نهاية شعبان، فيحدد الأجل للقبض، أما أن يجعله سلماً فلا، والسبب في ذلك: أنه لو باعه المعين سلماً لم يأمن أن يتلف المعين، وحينئذٍ قالوا: لا يصح السلم بالعين إنما يصح وصفاً في الذمة فيقول له: أريد مائة كتاب من نوع كذا وكذا ويصفها وصفاً منضبطاً كما تقدم معنا في المعدودات إن كان من المعدودات، والكيل إن كان من المكيلات، وبالوزن إن كان من الموزونات، وبالذرع إن كان من المذروعات على القول بصحته في المعدودات والمذروعات.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23-11-09, 10:13 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

أحكام متعلقة بالسلم ...... محل الوفاء في عقد السلم قال رحمه الله: [ويجب الوفاء موضع العقد]. بعد أن بين رحمه الله المسائل المتعلقة بالشروط شرع في بيان ما يترتب على قضية العين والذمة، إذا كان السلم ينبني على بيع الموصوف في الذمة بالثمن المعجل فمعنى ذلك أنه سيكون من بيع الدين (بيع الآجال) وإذا كان من بيوع الآجال فترد مشكلة مترتبة على الحكم بجواز بيع الأجل وهي قضية القبض، فإذا اتفقت معك على صفقة وكان البيع بيع السلم وحل الأجل، فهل يجب علي أنا البائع أن أوصل المبيع إليك أم يجب عليك أن تحضر إلي لقبض المسلم فيه، أم أن الأمر يتوقف على مكان العقد ومحله؟ الجواب: أنه يجب الوفاء في مكان العقد، وقال: (الوفاء)؛ لأن بيع السلم يقوم على شيء من الدين، كأنني التزمت في ذمتي أن أعطيك التمر أو أعطيك السيارات المبيعة فلما التزمت هذا لقاء هذا المبلغ المعين لزمني الوفاء بهذا العقد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وانظر كيف أن العلماء يتأدبون مع الشرع، فيختارون في المتون الفقهية المصطلحات القريبة من الشرع، فالعلماء رحمهم الله في فقههم -خاصةً فقه العلماء الذي يسير على منهج السلف- يتأدبون حتى في ألفاظهم، قالوا: يجب الوفاء؛ لأنه إذا صار العقد بالإيجاب والقبول ترتب عليه الوفاء، فالوفاء ينبغي أن يكون في مكان العقد، فإذا اختصم التاجران، فإن كانا من مدينةٍ واحدة فغالباً لا يقع إشكال، أي: إذا كنتما قد اتفقتما في مكة أو في المدينة أو في جدة فحينئذٍ الغالب ألا يقع إشكال، لكن يقع الإشكال في المبيعات التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حملها ويكون المتعاقدان من موضعين مختلفين، فيقول التاجر الذي اشترى: تحضر لي السلعة إلى بلدي، ويقول البائع: إنما التزمت إذا حل الأجل أن أعطيك، ومعنى ذلك أنك تحضر عندي وتأخذ السلعة، فحينئذٍ يقع التنازع بينهما، مثلاً: لو أعطيت رجلاً عشرة آلاف لقاء مائة صندوق من التمر السكري، وكان التبايع مثلاً في المدينة ومزرعته في المدينة وأنت من مكة، فلو وجب عليه الوفاء بحيث إنه يجب عليه أن يوفر لك السلعة فمعناه: أنه سيستأجر من يحملها من المدينة إلى مكة، ويتحمل أعباء هذه الإجارة، فقال: (يجب الوفاء في موضع العقد)، يعني: أنه ينظر إلى المكان الذي وقع فيه العقد إن كان في المدينة، فالوفاء في المدينة، وإن كان في مكة فالوفاء في مكة، وإن كان في القصيم فالوفاء في القصيم، وإن كان في الرياض فالوفاء في الرياض، فيجب عليه أن يفي في المكان الذي تمت فيه الصفقة، أي: الإيجاب والقبول. فإذا كان هذا واجباً في مكان العقد، فهل يشترط أن يكتباه في نفس العقد؟ الجواب: سواء كتبا أو لم يكتبا فإنهما يلزمان بمكان العقد، وهذا أصل في البيوع، إذا وقع البيع بين اثنين، فإن الوفاء يكون في مكان العقد؛ لو أنهما تعاقدا في طرف المدينة الشرقي وأحدهما -مثلاً- من جنوب المدينة والثاني من شمالها، فنقول: يكون الوفاء في مكان العقد الذي هو شرقها.
حكم اشتراط الوفاء في غير محل السلم قال رحمه الله: [ويصح شرطه في غيره]. أي: يصح ويجوز لكلا المتعاقدين إذا تعاقدا بالسلم أن يتفقا على أن التسليم يكون في غير مكان العقد، مثلاً الآن: لو أن رجلاً اشترى من رجلٍ مزارعٍ فقال له: أسلمتك عشرة آلاف ريال لقاء مائة صندوق من التمر السكري، وكان هذا الاتفاق -مثلاً- في مكة، وكلاهما من غير مكة، فصاحب المزرعة مزرعته في القصيم، -السكري لا يوجد إلا في القصيم غالباً، ولذلك نجعل التمثيل بالسكري؛ لأنه معروف ومشهور، ولا نمثل بالعدوي والبرحي، وإن كان البرحي مشهورا ًأيضاً- فقال: السكري موجود في مزرعتي، يعني: إذا حان الحصاد فإني غالباً أهيئه في مزرعتي في القصيم، فألزمك أو أشترط عليك أن تأتي وتأخذه مني قال له: قبلت، فيلزم بالذهاب وأخذ الصفقة من مكانها الذي اتفقا عليه، أو قال له -مثلاً-: هذه عشرة آلاف ريال لقاء سيارة من نوع كذا وكذا قال: قبلت، ولكن أشترط عليك أن أعطيك السيارة في جدة قال: قبلت، حينئذٍ الاتفاق وقع في مكة سواءً في التمر أو في السيارة، لكنهما اتفقا بالتراضي من الطرفين أن يكون الوفاء في موضع غير موضع العقد فيصح ذلك، وكأن المصنف يريد أن يقرر لك أن وجوب الوفاء في مكان العقد محله ما لم يتفقا على غيره، فإن اتفقا على غيره جاز، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (المسلمون على شروطهم)، فهما قد اشترطا أن يكون ذلك في موضعٍ غير موضع العقد برضاهما واختيارهما، وعلى هذا: يلزم الطرفان بما اتفقا عليه وحصل الشرط عليه.
محل الوفاء إذا كان العقد قد تم في مكان لا يضبط قال رحمه الله: [وإن عقدا ببرٍ أو بحرٍ: شرطاه]. هذا من دقة العلماء، إذا كنت تقرر أن العقد إذا وقع في مكانٍ وجب الوفاء فيه، فافترض أن العقد وقع في مكان لا يمكن ضبطه، كالبر: الصحراء التي ليست فيها معالم، فلا يمكن ضبط المكان، لكن في الصحراء لو أنهما اتفقا في موضعٍ معين ومعلمٍ معين مثل القرى التي تكون في الطريق، أو اتفقا في استراحة معينة في مكانٍ معين، وجب الوفاء في مكان الاتفاق، ما لم يتفقا على غيره، هذا إذا كان ببر، ومثل البر أيضاً: البحر، فلو كان في سفينة أو مركب وقال له: هذه عشرة آلاف لقاء مائة صاع من البر أو من التمر، قال: قبلت، وكان الاتفاق في البحر، فإنه في هذه الحالة لا بد وأن يحددا مكاناً غير المكان الذي اتفقا فيه؛ لأن المكان الذي اتفقا فيه لا ينضبط، وهكذا لو كان في الجو كما في زماننا، فلو أن تاجرين كانا في طائرة، وقال أحدهما للآخر: هذه عشرة آلاف ريال لقاء -مثلاً- نوع من القماش أو من المزروعات، أو نوع من الطعام من المكيلات أو من الموزونات، وتمت صفقة السلم كاملة وهما في الجو فهذا المكان لا ينضبط، إذاً لابد في العقد أن يتفقا على موضع للوفاء، فيقول له: نحن الآن مسافران فيكون وفاؤنا في المدينة، أو وفاؤنا في مكة أو في موضع كذا، فيحددان المكان ويتفقان عليه.
حكم بيع المسلم فيه قبل قبضه قال رحمه الله: [ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه] إذا تمت هذه الشروط المعتبرة للسلم، فاعلم رحمك الله أنه يترتب عليها أحكام، ومن أحكام السلم أنه لا يجوز لمن عَقَد عَقْد السلم أن يبيع الشيء الذي اتفق عليه وأسلم من أجله قبل أن يقبضه، فلو أن رجلاً اشترى سيارةً سلماً بمائة ألف من الوكالة، ثم قال له رجل: هذه السيارة أرغبها هل تبيعها لي؟ فنقول: لا يجوز أن يبيعها قبل قبضها، وهكذا لو اشترى تمراً أو براً أو غير ذلك من المبيعات، لكن ما الدليل على أنه لا يصح أن يبيع؟ نقول: إن كان السلم وقع على طعام فإننا نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أرى غير الطعام كالطعام)، وإن كان غير طعام، وقلت: النص خاص بالطعام، نقول: إنه قد ربح ما لم يضمن، فإذا اشتريت سيارةً من وكالة بعشرة آلاف إلى نهاية رمضان هذه السنة، وبعتها بأحد عشر ألفاً أو بعتها باثني عشر ألفاً أو بعتها بثلاثة عشر ألفاً، فمعنى ذلك أنك قد بعت شيئاً وربحت فيه قبل أن يكون في ضمانك، وهذا بيناه في مسألة: ربح ما لم يضمن، فتعلمون أن السيارة الآن لو تلفت فإنها تتلف على ضمان البائع الذي هو الوكالة، فلا يصح في الشريعة أن يتحمل غيرك مسئولية السلعة وأنت تأخذ الربح والنتاج، فانظروا إلى عدل الله عز وجل بين عباده، فلا يصح أن تتحمل الوكالة مسئولية هذه السيارة وحفظها وصيانتها والقيام عليها وتكون مسئولةً عنها، وأنت الذي تربح وتغنم، هذا شيء من الأنانية، ولذلك لا تجيز الشريعة أن تأخذ ربح شيء لم تضمنه، لكن تتحمل مسئوليته وضمانه وتأخذ ربحه ونتاجه، وعلى هذا: لا يصح أن تبيع السيارة قبل قبضها، ولا يصح أيضاً أن تبيع الطعام قبل قبضه، ولا يصح أن تبيع القماش إذا أسلمت فيه قبل قبضه، وهكذا الحديد والنحاس والرصاص وغيرها من سائر المبيعات لابد أن تقبض أولاً، ثم بعد قبضه بع وتصرف، ولأنه لا ينتقل إلى ملكيتك إلا بالقبض فاشترط القبض لصحة التصرف فيه.
حكم هبة المسلم فيه قبل قبضه قال: [ولا هبته]. إذا كان لا يجوز لي أن أبيع حتى لا يحصل الربح قبل الضمان، فافرض أن شخصاً قال لك: هذا المسلم فيه أريد أن أعطيه بدون عوض، كأن أهبه لأخي، فأقول لأخي: يا فلان! هذه السيارة التي اشتريتها من الوكالة هبةٌ مني لك، لم يصح؛ لأن الهبة لا تصح شرعاً إلا بعد الملكية، والملكية تتوقف على القبض، ولا يصح التصرف في شيء بهبته إلا بعد قبضه وملكه، ومن هنا: هبة الأعضاء والتبرع بالأعضاء على القول بعدم جوازها، بني هذا القول على أن الإنسان لا يملك أعضاءه؛ لأن الهبة شرطها: أن تكون مالكاً للشيء الذي تهبه، والإنسان ليس مالكاً لجسده، فهو ممكن أن يهب ماله، وممكن أن يهب سيارته، لكن يده ليست ملكاً له، وكذلك كليته وأعضاؤه، وقرنية العين ونحو ذلك لا يملكها، فقالوا: يشترط في الهبة الملكية، ومن هنا قالوا: صحيح أنه قد تعاقد، ولكنه لم يصل إلى ملكيته الحقيقية التي تبيح له التصرف فيه، فاشترط القبض لهبته، فلا يصح أن يهب السيارة ولا أن يهب الطعام ولا أن يهب القماش ولا أن يهب أي شيءٍ وقع عليه السلم إلا بعد قبضه.
حكم الحوالة بالمسلم فيه أو عليه قبل قبضه قال: [ولا الحوالة به ولا عليه]. أي: أن يحيل بهذا الشيء الذي وقع عليه السلم، فلا يصح أن يحيل به، ولا أن يحيل عليه، لا يصح في كلتا الحالتين، فحينما تدفع مائة ألف لقاء سيارة، فإن المائة ألف هذه لا يصح للوكالة التي اتفقت معها على أن تعطيك سيارة أن تحيلك إلى مكانٍ آخر؛ لأنه لا يصح للشخص الذي تعاقدت معه سلماً أن يحيلك إلى شخصٍ آخر، وأنت أيضاً لا يصح أن تحيل غيرك إلى ذلك الشيء الذي يقع السلم عليه؛ لأن الحوالة تكون على دين مستقر، والسلم لا يستقر ديناً إلا بعد حلول أجله وقبضه، فأنت إذا دفعت مائة ألف لقاء سيارة وجئت تحيل شخصاً له عليك مائة ألف وقلت له: خذ هذا الدين الذي لي على الوكالة، لا يصح إذ الوكالة ليست بمدينة؛ لأن الأجل لم يحل أصلاً، وهذا بيع وصفقة خارجة عن الديون، والحوالة شرطها أن تكون على ديون كما سيأتي (من أحيل على مليء فليتبع) كما قال صلى الله عليه وسلم، فالحوالة تكون في الديون المستقرة، وأنت تحيل على شيء لا يستقر ديناً، وصحيح أن الصفقة أوجبته، لكنه لم يستقر ديناً، فلا يصح للوكالة أن تحيلك على وكالة ثانية، ولا يصح لتاجر الحبوب أن يحيلك على تاجر آخر، ولا يصح لتاجر التمر أن يحيلك على تاجر آخر، كذلك أيضاً لا يصح لك أنت أيضاً أن تحيل على هذا التاجر، فكما أنه لا يصح لهذا أن يحيل على هذا، فكذلك الطرف الثاني لا يصح أن يحيل غيره عليه. قال: [ولا أخذ عوضه]. أي: العوض عن هذا المسلم فيه، مثلاً: رجل تعاقدت معه على مائة صندوق من التمر في نهاية رمضان، فلما حضر الأجل قال لك: والله ما عندي مائة صندوق من التمر السكري الذي اتفقنا عليه، فأريد أن أعطيك عوضاً عنها تمراً برحياً، لم يصح، وإنما يجب عليه أن يحضر هذا الذي اتفقتما عليه وهو السكري، فإن كان ليس عنده يذهب ويحضره من الغير، ولكن بعض العلماء يقول: إذا عجز، كأن يكون هناك جائحة اجتاحت التمور وأصبح هذا الموسم ليس فيه تمر من هذا الصنف الذي اتفقا عليه، فينفسخ العقد، ويحكم بانفساخ عقد السلم، وفي هذه الحالة يطالب برد المال، ولا يطالب بالعوض؛ لأنه غير موجود، فلو قال له: أعطيك عوضاً من نوعٍ ثانٍ، أو أعطيك بدل السيارة طعاماً لم يجز، ولابد أن يعطيه نفس الشيء الذي أسلم فيه، وهذا كله -كما ذكرنا- مبني على أن السلم رخصة خارجة عن الأصل، والخارج عن الأصل يتقيد بالصورة الواردة و التي اتفقا عليها وأوجدا العقد عليها، ولا يجوز التصرف في هذه العقود لإخراجها عن حقيقتها؛ لأنه لو قلنا بجواز ذلك خرج عن كونه سلماً إلى بيع آخر، وأصبح بيع السلم ذريعة إلى بيوع أُخر، ومن هنا: الرخص لا يتجاوز بها محالها، فما جاء على سبيل الرخصة يقيد بصورته ولا يصح إلا بعقده.
حكم الرهن والكفالة بالسلم قال رحمه الله: [ولا يصح الرهن والكفيل به]. الرهن للاستيثاق، فإذا أخذ منك شخص ديناً مائة ألف ريال، تقول له: أعطني رهناً، فيعطيك رهناً مثلاً: أرضه أو عمارته، فيقول: هذه العمارة رهن حتى أعطيك المائة ألف، أو هذا كفيلي يكفلني في الديون، فلا يجوز أن يجعل السلم رهناً، وكذلك أيضاً قالوا: لا يجوز أن يجعل في السلم رهناً، وهذا فيه خلاف، فبعض العلماء يقول: يجوز أخذ الرهن في السلم، وبعضهم يمنع من أخذ الرهن في السلم، مثلاً: رجل تعاقد مع غيره سلماً في تمر، فقال له: هذه عشرة آلاف لقاء مائة صندوق من التمر السكري آخذها منك في نهاية رمضان، قال: قبلت، قال: أعطني رهناً لقاء هذه المائة ألف التي سأعطيك إياها، فمعناه أنه سيأخذ الرهن لقاء الوفاء بالسلم، فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب بعض العلماء، وقال بعض العلماء بصحة الرهن فيه وهو أقوى، وذلك لظاهر آية الدين لقوله تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، فإذا كان الشخص لا يأمن ولا يستوثق قالوا: يجوز له أن يأخذ رهناً لقاءه، إلا أنه ضُعف، والحنابلة ومن وافقهم يجيبون بأنه إذا لم يمكنه الوفاء فإنه يلزم بالمثل، وإذا لم يكن المثل فإنه يلزم برد المال الذي هو الثمن الذي أسلمه إليه، فلا داعي لأخذ الرهن به، والصحيح والأقوى ما ذكرنا؛ لظاهر الآية الكريمة؛ لأنها نزلت في السلم، وكان ابن عباس رضي الله عنه يحلف أن آية الدين في السلم، وفي آية الدين ذكر الرهن؛ ولأنه قد يعجز عن الوفاء بالسلم، أو يتعذر وجود الشيء الذي اتفقا عليه ووقع عليه عقد السلم، وتصبح المائة ألف ديناً، فيكون حينئذٍ من حقه أن يستوثق للمال الذي دفعه إليه. قال: [والكفيل به]. كذلك لو قال له: أحضر لي كفيلاً ليكفل قالوا: لا يصح، والصحيح أنه يصح كالرهن. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة ...... الفرق بين عقد السلم وبيع الثمر قبل بدو صلاحها السؤال: أشكل عليّ بيع السلَم مع بيع الثمرات قبل بدو صلاحها وبين بيع الرجل ما لا يملك؟ الجواب: هذا إشكال جيد، فقد تقدم معكم أن من باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، فإنه لا يصح البيع؛ لأنه لا يأمن فساد الثمر، وبناءً على ذلك يقولون كأنه باع شيئاً غير موجود؛ لأنه اشترى الثمرة، والثمرة أثناء العقد صلاحها مفقود، فكيف صححنا السلم مع أن المبيع مفقود وغير موجود؟ والجواب: أن بيع الثمرة ينصب على معين، وبيع السلم انصب على غير المعين، وهذا الذي ذكرناه: أنه يشترط في السلم أن يكون موصوفاً في الذمة، ومعنى ذلك: أنه لما باع الثمر انصب على معينٍ يفوت بفواته، ولكن في بيع السلم ينصب على غير معين، فهذا الفرق، وبناءً على ذلك إنما يرد الاعتراض أن لو اتفقا في الحكم، بحيث قلنا: يجوز هذا و يجوز هذا وهما متفقان أيضاً في الوصف، والواقع أن هذا شيء وهذا شيء، فلما كان الغرر في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها موجباً للتحريم حرمنا، ولما كان الغرر غير موجب في بيع السلم، أو كان موجوداً ولكنه يسير، وأجاز الشرع أجزناه، والفرق بينهما من هذا الوجه ظاهر، والله تعالى أعلم.
الفرق بين السلم وبيع الرجل ما لا يملك السؤال: ما الفرق بين بيع السلم وبيع الرجل ما لا يملك؟ الجواب: بيع السلم: بيع من الرجل لما لم يملك، ولكن هذا كما قال العلماء: عام وخاص، والقاعدة: لا تعارض بين عامٍ وخاص، فنقول القاعدة: عدم جواز بيع الرجل لما لا يملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث حكيم بن حزام كما في حديث السنن: (لا تبع ما ليس عندك)، فلما نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده جاء حديث ابن عباس فقال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فنقول: صح السلم؛ لأنه فردٌ من أفراد العام المنهي عنه، والقاعدة: لا تعارض بين عام وخاص، فبيع ما ليس عند الإنسان محرم إلا في السلم؛ لورود الرخصة فيه، وقال بعض العلماء: ليس بيع السلم من بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأنه من بيع الذمة، ولكن مذهب الجمهور على أنه من بيع الإنسان ما ليس عنده، والحق أن مذهب الجمهور أرجح والرخصة فيه واضحة، ولذلك قال: ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في السلم، والسلم مرخصٌ فيه من هذا الوجه.
حكم الكتابة والإشهاد في عقد السلم السؤال: هل تجب الكتابة والإشهاد في السلم؟ الجواب: السلم من الديون، والديون يفصل فيها: فإذا كان الدين موثقاً والحق ممكن توثيقه لصاحبه بكتابةٍ، وثابت لصاحب الحق حقه فلا إشكال بأنه يجوز أن يتعاقد باللفظ دون حاجة إلى إشهاد. وأما إذا كان الحق لا يمكن الوصول إليه إلا بالاستيثاق فيجب الإشهاد، وإن كان الاستيثاق بالكتابة وجبت الكتابة، ومن هنا يفصل فيه، فإذا كنت قد اشترى منك رجل سلماً سلعة وكتبت في وصيتك: إن لفلان وفلان كذا وكذا سلماً وثبت حقه؛ فحينئذٍ لا إشكال، أما إن كان عدم الكتابة سيؤدي إلى ضياع الحق فإن الكتابة واجبة، والإشهاد عليه واجب، والكتابة استيثاق إن حصل بدونها فبها ونعمت؛ كالشهادة المجردة باللفظ، وإن كان قد حصل الاستيثاق بالكتابة مع الإشهاد فهذا أكمل وأفضل على ظاهر آية البقرة، وقد رخص بعض العلماء في ترك الإشهاد لحديث اليهودي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهون عند يهودي في صاعين من شعير)، قالوا: ولم يكتب في وصيته حقه، وإنما ترك ذلك لمكان الاستيثاق، ولكنه لا يخلو من النظر لما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
حكم الاتفاق مع الخياط على خياطة ثوب السؤال: هل العقد الذي يتم مع خياط الثياب يعتبر من عقود السلم؟ الجواب: إذا قال له: أريد ثوباً من هذا القماش، بكم؟ قال: الثوب من هذا القماش بمائةٍ أو مائة وعشرين، فإنه حينئذٍ يكون عقد بيع وإجارة، فلو قال له: أريد ثوباً من هذا القماش، فكم متراً يكفيني؟ قال: ثلاثة أمتار، قال: وتفصلها؟ قال: وأفصل، قال: إذاً أشتري منك بمائة، لم يصح؛ لأنه جمع بين الإجارة والبيع مع الجهالة، فلم يعلم قسط الإجارة من قسط البيع، كيف؟ لما قال له: كم متراً يكفيني من هذا الثوب؟ قال: ثلاثة أمتار، فحينئذٍ رغب أن يعطيه من هذا الثوب ثلاثة أمتار، ثم قال له: وتفصل؟ قال: وأفصل، قال: كم تأخذ عليه؟ -يعني: على البيع وعلى التفصيل- فقال: مائة، فجمع بين الثلاثة الأمتار المبيعة أولاً وبين إجارة الخياطة ثانياً على وجهٍ لا يدرى فيه حق الإجارة من حق البيع، وهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يمنع منه؛ لأنه جمعٌ بين عقدين في عقد واحد على وجهٍ موجب للجهالة والغرر، أما لو قال له: بكم المتر من هذا؟ قال: المتر بستة ريالاً، قال: إذاً أعطني ثلاثة أمتار بثمانية عشر ريالاً، وبكم تفصل؟ قال: بثلاثين، قال: إذاً هذه ثمانية وأربعون، اقطع لي ثلاثة أمتار وفصلها لي، صح ذلك وأجازه العلماء وألحقوه بعقد الاستصناع.

شرح زاد المستقنع - باب القرض [1] يعتبر القرض من المعاملات المالية التي يراد بها الإرفاق، وقد ثبت القرض بأدلة الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، فيستحب لمن وسع الله عليه أن يوسع على إخوانه المسلمين بالقرض، فيوسع به على المكروب، ويفك به الغارم والمديون، ومن جانب آخر على المقرض أن يحذر من إقراض من يستعين بالقرض على حرام أو مكروه؛ لأنه حينئذٍ يكون شريكاً له في وزره. مشروعية القرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [باب القرض]. القَرض والقِرض، والأشهر: بالفتح، لكن يصح الكسر، وأصل قرض الشيء الاقتطاع منه، ومنه قولهم: قرضه فأر، إذا اقتطع منه، وسمي القرض قرضاً: لأن الشخص يقتطع من ماله جزءاً للمديون، فيعطيه إياه ديناً، وأصل القَرض: دفع المال للغير إرفاقاً ليرده عند حلول أجله المتفق عليه، وهذا النوع يسميه العلماء: إرفاقاً، وقد اعتبروه من عقود الرفق؛ لأن الشخص يعطي ماله يحتسب الثواب عند الله عز وجل ويريد الرفق بما أخذ منه، فيكون حينئذٍ عبادة، وقد يدفع المال له من باب العاطفة، فيكون عادة، كشخصٍ -مثلاً- جاءك وقال: أريد مائة ألفٍ قرضاً إلى نهاية السنة، فإنك قد تنظر إلى ظروفه وما ألمّ به من الحوائج فتعطيه المائة ألف، لكن لما أعطيته المائة ألف أعطيتها من باب الرفق، وقد تقدم في أول كتاب البيوع أن عقود المعاوضات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1- ما يقصد منه الرفق المحض. 2- ما يقصد منه القبض المحض. 3- ما يقصد منه مجموع الأمرين القبض والرفق. أما ما يقصد منه القبض المحض فمثل البيع، فإذا جئت تشتري من المعرض أو جئت تشتري من التاجر إذا عرض عليك السلعة فأنت تريد أن تغبنه وهو يريد أن يغبنك؛ فإن قال لك: هذه السلعة بمائة تقول له: بل بتسعين، وإذا قال بثمانين، قلت: بل بسبعين، هو يريد أن يكون الغبن عندك وأنت تريد أن يكون الغبن عنده، فهذه يسمونها عقود الغبن في البيع وكذلك في الإجارة، إذا قال: أجرتك داري هذا بعشرة آلاف سنةً كاملة، فقلت: بل بتسعة آلاف، فهو يريد أن يغبنك في الألف، وأنت تريد أيضاً أن تغبنه في الألف، فهذا يسمى عقد الغبن، كذلك لو اكتريت أحدهم من أجل أن يوصلك إلى الحرم فقال لك: من هنا أذهب بك إلى الحرم بعشرين، تقول: لا. بل بعشرة، فالغبن إما أن يكون في حق المستأجر أو الأجير، فهذا النوع من العقود يسمونها عقود الغبن والشرع يشدد في شروط هذا النوع، ولذلك تجد شروط البيع أشد من شروط غيره؛ لأنه ما دام أن هناك غبناً فالشرع يريد أن يحتاط للبائع وللمشتري، وبعبارة أخرى: يحتاط للمتعاقدين في حقيهما، فلا يصحح بيع المجهولات ولا يصحح بيوع الغرر بأحوالها، كل هذا احتياطاً لحق البائع، وحق المشتري. النوع الثاني: عقود الرفق، ومنها: الهبة، كما لو أن شخصاً جاءك وقال لك: يا فلان! إني أحبك في الله، وأهدى لك هدية، أو قال: هذا القلم هبةٌ مني لك، أو هديةٌ مني لك؛ فإنه يعطيك القلم ولا يريد الثواب إلا من الله عز وجل، أو يريد أن يكون ثوابه المحبة والمودة، فهذا يسمى عقد الرفق المحض، لا يريد أن يغبنك ولا تريد أن تغبنه، فليس هناك غبن من الطرفين أو أحدهما، إنما يراد الرفق، فيشمل هذا الصدقات والهبات بعوض. النوع الثالث من العقود: ما جمع الغبن والرفق، ومن أمثلة ذلك: الشركات، فلو أن رجلاً قال لك: ندفع مائة ألف، أنت تدفع خمسين وأنا أدفع خمسين، ويكون ثلاثة أرباع الربح لي، وربع الربح لك، تقول له: لا. بل ثلاثة أرباع الربح لي، وربعه لك، فهناك غبن في الربح، وهناك رفق في التقوي بكلا المالين؛ فإن المتاجرة بمائة ألف ليست كالمتاجرة بالخمسين، فأنت تريد أن تقوي ماله وهو يريد أن يقوي مالك، فترى رفقاً منك به وهو أيضاً يرى رفقاً منه بك، فصار رفقاً من الطرفين، ولكنه غبن من الطرفين، فإذاً: عقد الشركة جامع بين الغبن وبين الرفق (المضاربة والقراض)، كرجلٍ قال: خذ هذه العشرة آلاف واضرب بها في الأرض، ويكون لي ثلثا الربح ولك ثلث الربح، فتجد في المضاربة رفقاً من الطرفين؛ لأن العامل يأخذ المائة الألف المجمدة والتي لا تستطيع أن تعمل بها فيرفق بك بالمتاجرة، فأنت ارتفقت من هذه الناحية، والعامل ارتفق من جهة اكتساب صنعته وتنمية خبرته، واستفاد من جهة الربح الذي سيجده من المائة ألف، فإذاً: صار عقد المضاربة عقد رفق من هذا الوجه وهو عقد غبنٍ؛ لأنك ستقول: لي ثلثا الربح، وهو سيقول: بل لي ثلثا الربح ولك ثلثه، وكل منكما يريد أن يغبن الآخر في حضه من الربح، فصار عقد المضاربة والقراض جامع بين الغبن والربح. القرض والدين من العقود التي يقصد بها الرفق المحض، فإنه يعطيه القرض على سبيل أن يرفق به، جاءك رجل وعنده كربة أو نكبة لا قدر الله، وقال لك: يا فلان! إني في ضائقة وحاجة، كرجل يريد إيجاراً لشقته أو يريد علاجاً لمريضه أو علاجاً لمرضه؛ فإن هذا كله يقصد به الرفق من دفع الشدة والحاجة عن المحتاج، ولذلك قالوا: دفع المال للغير إرفاقاً -بقصد الرفق- على أن يرده، فلما قالوا: على أن يرده خرجت الهبة والصدقة، فصار القرض من عقود الهبات، والهبة من عقود الرفق. ...... أدلة مشروعية القرض القرض مشروع بالكتاب والسنة وبإجماع الأمة، إذا أعطيت الناس أموالك قرضاً، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ [البقرة:282]، وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245] فجعل معاملة المخلوق للخالق مركبة على القرض، وشبهها بالقرض، فشبهها بالمعروف والمعهود فدل على السنن. كذلك دلت السنة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً على جواز القرض، أما القول: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، فهذا يدل على أن من أخذ القرض وفي نيته أن يرده -لا أن يتلاعب بحقوق الناس- فإن الله يعينه، قال بعض العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: (أدى الله عنه)، يحتمل أمرين: الأمر الأول: يحتمل أن يوفقه في الدنيا فيسدده، وقل أن تجد رجلاً يأخذ أموال الناس وفي نيته أن يردها إلا ويوفق للرد. الأمر الثاني: يحتمل أن يكون في الآخرة، أي: إذا مات ولم يسدد الدين، فإن الله لما علم من حسن نيته يتكفل بإرضاء خصمه و الأداء عنه فضلاً من الله عز وجل و تكرماً لحسن نيته؛ لأن نيته كانت صالحة، والله هو المطلع على الضمائر والسرائر، أما لو كانت نيته سيئة، كرجل يُكثر الذنوب ولا يستطيع أن يسدد ويأتي إلى أخيه المسلم ويخدعه بالعبارات وبالكلمات الحسنة والوعود المكذوبة، والله يطلع على ضميره وسريرته أنه كذاب، سيأتي إلى الرجل، ويقول له: أعطني مائة ألف، وفي نهاية السنة تأتيني أموال ويعده وعوداً كاذبة ويمنيه والله يعلم أنه في قرارة قلبه ليس بصادق، وأنه ليس عنده ما يستطيع أن يسدد به، وليس صادقاً فيما يقول من أنه سيعطيه، بل بعض الأحيان يعلم أنه ستأتيه الأموال ولكن يبيت في قرارة قلبه أن يأخذ الدين ولا يرده، فمثل هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، ولذلك لا يوفق للسداد، فتتراكم عليه الديون حتى يشتكى ويطالب، فيلبس لباس الذلة في الدنيا، وما ينتظره من عذاب الآخرة أشد وأبقى، نسأل الله السلامة والعافية. فالدين جائزٌ ومشروع لظاهر هذا الحديث، وكانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها تكثر من الدين فيلومونها، وهي لم تكن تكثر من الدين من أجل أن تتاجر وتبيع إنما كانت تفرج به الكربات، فكانوا يقولون لها: ما هذا الذي تفعلينه؟ لماذا تتدينين؟ فقالت: لا أدع هذا الدين منذُ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)، فهي تستدين للحاجة وتفريج الكربة. وأما دليل الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية القرض وجوازه وأنه من الأمور المستحبة والمندوبة، فيستحب لمن وسع الله عليه أن يوسع على إخوانه المسلمين بالقرض.
مراتب القرض من حيث الجواز والمنع والقرض يكون واجباً، ويكون حراماً، ويكون مندوباً، ويكون مكروهاً، ويكون مباحاً. أما أنه يكون واجباً: كرجلٍ تاجر عنده قدرة ومال، ويأتيه المكروب -خاصةً من الأقرباء- ويطلبه مالاً يسيراً، وهذا المديون الذي يريد الدَّين عنده كربة مثلاً فيه مرض خطير، وقد يهلك إذا بقي فيه هذا المرض، ويريد منه الدين من أجل أن ينقذ نفسه، أو يريد هذا القرض من أجل أن يشتري طعاماً، أو يشتري شراباً لابد منه لحياة نفسه، فإنه في هذه الحالة يجب على هذا الذي وسع الله عليه أن يفرج كربة أخيه المسلم، خاصةً إذا غلب على ظنه أنه إذا لم يفعل ذلك أنه سيهلك، والله عز وجل أمر المسلم أن ينقذ أخاه المسلم، ولا يجوز له أن يقتله، فإذا لم يعطه المال فكأنه قتله؛ لأنه تعاطى السبب لهلاكه ولحوق الضرر به، ومثل ذلك لو جاءك المديون يسألك العون، وعلمت أنك إذا لم تسدد دينه فإنه يتضرر، فيكون مثلاً احتاج إلى عشرة آلاف ريال؛ لأن رجلاً اشتكاه في عشرة آلاف ريال، وإذا لم يسدد العشرة آلاف سيسجن، ثم إذا سجن في هذه العشرة آلاف كحق واجب عليه فإن ذلك يعرض أسرته وأولاده للضرر، وقد تتعرض زوجته للزنا والحرام، فلابد أن يضع المسلم الأمر في حسبانه، فإذا كان المدين قريباً لك إما ابن عمٍ لك أو ابن خالٍ لك -بينك وبينه نسب- وأنت تستطيع تفريج كربته فإنه يجب عليك أن تقوم بسداد هذا الدين وتتحمل عنه، خاصةً إذا غلب على ظنك أنه سيسدد، قالوا: قد يكون واجباً عليك أن تدفع له القرض، فإن لم تدفع فإنك تأثم، وتتحمل وزر هذا المسلم، وهذا من كفر نعمة الله عز وجل؛ ولذلك لما جاء الملك للأقرع، قال له: ابن سبيلٍ منقطع، قال له: الحقوق كثيرة، سبحان الله! وهذا هو قول الناس اليوم: عندما تأتي لشخص يقول لك: الالتزامات كثيرة، رجل يكون عنده عشرات الألوف، بل مئات الألوف، بل قد يكون عنده ملايين، وتأتيه في حاجة يسيرة فيقول لك: الحقوق كثيرة، وعليَّ التزامات كثيرة، يعني: هذه الملايين وعشرات الألوف ومئات الألوف لا تفي لسداد هذا الدين الذي لا يعادل شعرةً في مقابل ما عنده، هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليه والمحروم من حرم الخير، وهذا من كفر النعم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يأمن من نقمة الله العاجلة والآجلة، فإن من كفر نعمة الله عز وجل فإن الله يلبسه ثوب الذلة، ويسلبه النعمة ويذيقه سوء العذاب الذي ذاقه غيره ما دام أنه يرى قريبه ويرى المحتاجين على تلك الحال ولا يعينهم، هذه كلها أمور ينبغي وضعها في الحسبان عند الحكم بالقرض. من جاء يطلب قرضاً وأنت تعلم أنه يريده لسكنه أو لطعامه ورزقه ورزق أولاده وأنت قادرٌ عليه ينبغي عليك أن تفرج كربته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. كذلك يمكن أن يكون القرض حراماً، كما لو جاء يطلب القرض من أجل أن يفعل الحرام كأن يشتري به خمراً أو يسافر به لارتكاب الحرام، والمسئول الذي طلب منه القرض يعلم ويغلب على ظنه أن هذا المال سيصرف في هذا الحرام فلا يجوز له أن يعطيه، وإذا أعطاه كان شريكاً له في وزره وإثمه نسأل الله السلامة والعافية. ويكون القرض مندوباً، كأن يكون المقترض مسلماً وجاءك في حاجة ولا يجب عليك أن تنقذه كطالب علمٍ أو رجلٍ يريد أن يسافر إلى أهله ليعف نفسه أو نحو ذلك من المستحبات والمندوبات فأعنته على ذلك فهذا قرضٌ مندوب، وهذا هو الذي نبه عليه المصنف، وهذا عند انتفاء الموانع التي توجب حرمته وانتفاء الدوافع التي ترفعه إلى مرتبة الوجوب، مثلاً: لو جاءك مديون يستطيع أن يأخذ منك الدين ويأخذ من غيرك، وقال لك: يا فلان! أقرضني، وتعلم أنك إذا لم تقرضه سيذهب إلى غيرك فلا يتعين عليك في هذه الحال ولم يجب عليك، ولكن من الأفضل والأكمل أن تبذل له الدين، ففي هذه الحالة يكون القرض مندوباً. ويكون مكروهاً إذا كان لشيءٍ مكروه لا يصل إلى درجة الحرام، كأشياء تشغله عن ذكر الله ولا تصل إلى درجة الحرام ويقضي به وطره فيكون المعونة عليه معونة على المكروه. ويكون مباحاً، كرجلٍ جاءك يريد أن يأخذ المال من أجل أن يشتري صفقة وتجارة، فهو في الأصل ليس مضطراً حتى يصل إلى درجة الوجوب، كتفريج الكربات، إنما يريد أن يربح ويزيد ماله، فأنت استحيت منه وأعطيته، كما يقع بين التجار بعضهم مع بعض، يأتي ويأخذ منه السلعة ديناً وهو قادر أن يسدده، هذا يكون مباحاً؛ لأنه لا دوافع تجعله مندوباً أو واجباً ولا موانع تجعله محرماً أو مكروهاً فصار مباحاً، أو كرجلٍ غني ثري يأخذ منك ديناً فتستحي منه وتعطيه، فهنا لا تستطيع إن تقول: إن هذا تفريج، أي: ليس هو بمكروه، ولا تستطيع أن تقول: إن هذا محرم؛ لأنه ليس بحرام، فليس في مقام المطلوبات ولا في مقام المحرمات، فيكون مباحاً.
الجمع بين مشروعية القرض وذم المسألة إذا طلب إنسان القرض هل يدخل هذا في ذم المسألة؟ لقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة ورغب في ترك سؤال الناس، وبين فضيلة ترك المسألة، وأن من ضمن أن لا يسأل الناس شيئاً ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، قال: (من يضمن لي أن لا يسأل الناس شيئاً أضمن له الجنة) والسبب في هذا الاستغناء بالله جل وعلا وصدق اللجأ إلى الله سبحانه وتعالى وكمال اليقين به، والمؤمن إذا صان ماء وجهه عن أن يريقه للناس كان هذا أكمل في إيمانه ومروءته، وهذا كله يقصده الشرع ويطلبه. فهل إذا استدان يدخل في المسألة المكروهة؟ الجواب: إن طلب الدين لا يعتبر من المسألة المكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب الدين، وتوفي كما في الصحيحين ودرعه مرهونة في صاعين من شعير عند يهودي، وهذا يدل على أن طلب الدين ليس من المسألة المكروهة، وما زال على ذلك عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين رحمهم الله، حتى إن محمد بن سيرين وهو من أجلاء أئمة التابعين رحمه الله برحمته الواسعة، أصابته الديون وعظمت عليه حتى سجن في الدين، وأصبح مرهوناً، ولما توفي أنس بن مالك رضي الله عنه أوصى أن يغسله محمد بن سيرين وكان مسجوناً في دينه، وهذا يدل على أن مسألة الدين ليست من المسألة المحرمة، ولا من المسألة المكروهة؛ لأنه يأخذ الدين ويرده، وليس بآخذ شيئاً بدون عوض.
أركان القرض المشروع القرض يقوم على ثلاثة أركان، وهي: العاقدان، ومحل العقد، والصيغة، فأما العاقدان: فهما المقرض والمستقرض، فالمقرض هو الذي يدفع القرض، والمستقرض هو الشخص الذي يأخذ القرض، ويشترط فيهما: الأهلية، وهذه الأهلية تستلزم العقل، فلا يصح أن يستقرض من مجنون، أو صبي غير مأذون له بالتصرف في المال، ولو أقرض لم يصح القرض وجاز لوليه أن يأخذه مباشرة. كذلك يشترط في المقرض أن يكون مالكاً للمال الذي يقرضه، فإذا كان غير مالكٍ له لم يصح أن يقرضه للغير، والمال الذي يدفعه للغير قرضاً إذا لم يكن مالكاً له فقد تصرف في ملك غيره، ومن المعلوم أن القرض يصير المال المقتَرَض ملكاً للمقتَرِض، وعلى هذا لابد أن يكون الذي بذل مالكاً. ويتفرع على هذا المسألة المشهورة: لو أن رجلاً أُعطي مالاً لكي يزكيه لا يصح أن يعطيه قرضاً؛ لأنه أُعطي المال وكالة، والإذن له بالتصرف في المال وكالة في الزكاة، وعلى هذا فلا يجوز له أن يقرضه، وكذلك أيضاً لا يجوز أن يتصرف في مال اليتيم فيقرضه للغير؛ لأن نصب الولي على اليتيم من أجل أن ينظر مصلحة المال في تنميته والقيام عليه، فإذا أعطاه قرضاً فإنه قد خاطر بالمال؛ لاحتمال أن يعجز الشخص الذي أخذ القرض عن السداد، وإنما أُذن للولي أن يتصرف في مال موليه وهو اليتيم إذا كان على وجه الإحسان والحفظ والصيانة، فإذا أعطاه قرضاً كان ذلك مخالفاً للأصل، فلم يصح ولا يجوز له. أما الصيغة فإنها تقوم على الإيجاب والقبول، فتقول: أقرضتك، أو أسلفتك، فإنه يصح أن يعبر بالقرض ويصح أن يعبر بالسلف، لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: (استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً)، فقوله: (استسلف) تدل على جواز أن يقول: أسلفتك هذه الدراهم، أو أسلفتك هذه الريالات، ومن هنا قالوا: يصح أن تتركب الصيغة بلفظ القرض وبلفظ السلف.
الحكمة من مشروعية القرض القرض في مشروعيته حِكم عظيمة، فهو يفرج كربات المكروبين، ويدفع ويقضي حوائج المحتاجين، حتى قال بعض العلماء: إنه من أفضل القربات وأجلها وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن المديون لا يأتيك إلا من حاجة، فإذا ضاقت عليه السبل وأراد أن يطلب منك أن تعينه بالقرض وهو موثوق لا يعرف بالتلاعب ولا بالكذب ولا بالغش ولا بالخديعة للناس، وخاصة إذا كان غريباً لا يعرف غيرك، أو بينك وبينه قرابة، فإنك إن فرجت كربته كان هذا من أبلغ ما يكون من الأثر والإحسان إلى الناس، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً فضل الإحسان إلى الناس في القروض والتوسعة عليهم فيها: (من يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وعلى هذا استحب العلماء القرض، واستحبوا التيسير على المقترض، ومن التيسير على المقترض عدة أمور: أولاً: أن تيسر له إذا جاء يسأل، فلا تعنفه، ولا توبخه، ولا تهينه، ولا تشعره بشيء من الحرج، كان السلف يملكون الأموال ولكن كأنها ليست ملكاً لهم، بل ملكاً لمن سأل، حتى قال ابن عباس: (ثلاثة لهم عليَّ فضل: رجل احتاج حاجة فجاء يسألنيها) ووجه فضله قالوا: إنه اختارك من بين الناس كلهم، فكان الناس يوم كانوا يحسون أن من جاء للحاجة والفاقة وقصدني فإنه اختارني من بين الناس. وهذا أمر يعظم وقعه على الكريم الذي له نفس حية وقلب حي، فيرد هذا، حتى إنه يتحرج أن تأتي، وتقول له: يا فلان! قد نزلت بي حاجة، فيقول لك: ماذا تريد؟ ماذا تأمر؟ ولا يسمح لك أن تقص حاجتك، وتريق ماء وجهك، يحس بأخوة الإسلام وأن ما أصابك كأنه أصابه، ويحس أن الذي نزل بك كأنه نزل به، فيستشعر حينما جئت إليه وفي وجهك ولسانك ما يدل على الشدة والحاجة والفاقة كأنك هو، فهو يحس بهذه الآلام والأشجان ويتألم كما تتألم بها أنت، فلا يريدها أن تستمر، فيقول لك: أرجوك قل ما تريد، ولا يسمح لك أن تذكر سبباً للسؤال وللحاجة، فهذا من التيسير على المعسرين، وهو يدل على كمال الإيمان وشكر نعمة الله عز وجل المنعم المتفضل على العبد، فإن الله إذا أعطاك نعمة وبارك لك فيها شكرتها، وإذا شكرتها وجاءك المكروب أحسست كأنك هو. وعلى هذا قالوا: هذا من التيسير عند ابتداء القرض، ثم إذا جئت تعطيه القرض لا تشعره بالأسلوب القوي العنيف، فهذا من التعسير عليه والتضييق؛ لأنه لم يشعر بآلامه ولم يحسها فيوسع عليه، يقول له: المال مالك، وأسأل الله أن يبارك لك فيه، خذه مباركاً.. خذه بطيبة نفس، أسأل الله أن يفرج عنا وعنك، فيخرج المكروب والمنكوب ميسراً عليه وقد كان جاءك بهموم الدنيا وقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، فيخرج من عندك مجبور القلب والخاطر، فلا يملك إلا أن يدعو لك بظهر الغيب ويذكرك بالخير، وهذه هي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نعم المال الصالح عند الرجل الصالح)، فإن المال الصالح الذي جاء من طريق الحلال والكسب الطيب إذا جاء للرجل الصالح فستر به العورات وفرج به الكربات، أنعم الله عليه بهذا المال، فيصبح الناس يدعون له بظهر الغيب، كذلك من التيسير على المعسر ما لو قال لك مثلاً: أعدك بالسداد في نهاية رجب، وأنت تعلم أنه قد ضيق على نفسه، فتقول له: لا يا أخي! بل إن شاء الله إلى أن ييسر الله عليك، فهذا أيضاً من التيسير على المعسر في الأجل. فعلى العموم من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله هذا القرض، وفي مشروعيته حكم عظيمة، منها: أن الله عز وجل يعظم الأجر والمثوبة لمن أعطاه الله المال، فشكره بمثل هذا. ومن حكمه العظيمة أنه يحقق الألفة والمحبة والأخوة بين الناس، فإن الناس لا زالوا بخير ما رحم بعضهم بعضاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فهذه من الأمور التي تستفاد من القرض أنه يجعل الناس متراحمين، وانظر إلى الرجل حينما يأتيك، ويقول لك: أصابتني ضائقة فذهبت إلى فلان وسألته عشرة آلاف فأعطانيها ويسر لي، فعل الله به وفعل، فتحس أن الناس يشعرون أن الخير لا يزال موجوداً، ولكن نسأل الله السلامة والعافية، إذا احتاج المحتاج ونزلت الكربة بالمكروب وضاقت على المسلم الأرض فأصبح يفكر، وينظر ذات اليمين وذات الشمال يبحث عمّن يعينه فلا يجد، بل يذهب ويريق ماء وجهه عند الرجل ويشكو له حاجته وكربته وفاقته، فإذا به يقول له: والله الحقوق كثيرة، والذين يتدينون كثير وقل من يقضي، وكأنه يقول له: أنت مثلهم، هذه من الأمور التي لا تحمد عقباها، وهو من كفر نعمة الله عز وجل، إما أن تعطيه، وإما أن ترده بالتي هي أحسن. وعلى هذا فالقرض فيه خير كثير، وفيه حكم عظيمة وتوسعة على الناس وتفريج لكرباتهم، وربما جاءك المكروب وهو يحتاج المال لسداد دين مسكنه، فإذا لم تسدد عنه كيف يكون حال الناس؟! يخرجون من مساكنهم إذا ضاقت عليهم الدنيا؟ كذلك أيضاً ربما جاءك وقد ابتُلي بغريم لا يحسن، ومن هنا كانوا يوصون ويقولون: إذا رجوت فلا ترج إلا الحيي الذي يستحي، حتى قيل: (لا ترج من ليس له حياء)؛ لأن الحيي إذا جئته فإنه يستحي منك وأقل شيء أنه إذا ردك ردك بالتي هي أحسن، فإذا نظرنا إلى هذه الحكم المستفادة من قضاء الديون، فإننا ندرك حكمة الشرع في تجويزه للقرض، وأنه من الخير والرحمة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فمن رحمة الله ويسر هذه الشريعة أن يسرت على الناس في هذا النوع من المعاملات. وقوله: [وهو مندوب]. بعد أن عرفنا أن القرض يقوم على عاقدين: المستقرض والمقرض، وعلى محل وهو: المال المدفوع وبدله، وعلى صيغة وهي الإيجاب والقبول، (أقرضتك) و(قبلت)، انتقل بعدها رحمه الله إلى الحكم العام، فقال: [وهو مندوب] أي: القرض وذلك بالنسبة للشخص الذي يدفع ويعطي وهو المقرض. ولكن هنا مسألة عارضة، وهي: من المعلوم أن الواجبات أعظم أجراً من المندوبات والمستحبات، فمرتبة الواجب أعلى وأعظم، فإذا نُظر إلى الدين فإنه مندوب، وإذا فرج عن أخيه ويسر وسهل عليه كان من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن التيسير ليس بواجب، فقالوا: إنه فُضِّل هذا المندوب على الأصل من المطالبة، وهو إلزام الغريم بمطالبته، وعلى الصدقة، قالوا: لأن هذا فيه معنى الوفاء وفيه زيادة، فكأنه اشتمل على الأصل الواجب والزيادة عليه، فكان أفضل من هذا الوجه.
الأشياء التي يجري فيها القرض وقوله: [وما يصح بيعه يصح قرضه] أي: يصح قرض كل شيء يصح بيعه، وعلى هذا تشمل الأموال: الأثمان والمثمنات، وعند العلماء خلاف في هذه المسألة، فبعض العلماء يقول: لا يصح القرض إلا إذا كان من المثليات، المكيلات والموزونات والمعدودات المنضبطة، أما لو استقرض شيئاً لا ينضبط مثله لم يصح القرض، والسبب في هذا أن القرض يلزم المديون برد المثل، فإذا أخذ شيئاً لا ينضبط فمعنى ذلك أنه يفضي إلى الغرر والاختلاف والتنازع، وعلى هذا قالوا: لابد وأن يكون منضبطاً، واختلفوا في المنضبط على وجهين: الوجه الأول: منهم من يخصه بالمكيل والموزون ولا يجيز في المعدود كالحنفية. الوجه الثاني: منهم من يجيز في الكل كالجمهور، ودرج المصنف على مذهب الجمهور -وهو الصحيح- أنه يجوز حتى في العدد، قالوا: والدليل على مشروعيته ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي رافع رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فردها خياراً رباعياً) والبكر من الإبل معدود وليس بمكيل ولا موزون ورده خيارًا رباعيًا، وقال: (إن خير الناس أحسنهم قضاءً) فدل على جواز السلف والدين والقرض في المعدودات، وأنه لا ينحصر بالمكيلات والموزونات. وبناءً على مذهب الحنفية لا يجوز أن يقترض إلا ما كان منضبطاً بالوزن أو بالكيل، وأما ما عداه فلا يجوز، وإذا قررنا الإجماع فكلهم متفقون على أن الذي لا ينضبط لا يجوز قرضه، فمثلاً قال له: هذه الحفنة من الطعام أُعطيكها قرضاً، فإنه إذا جاء يسدد لا يستطيع أن يعطي مثل الحفنة، وهكذا لو قال له: هذا كيس لا يُعلم كم بداخله أعطيكه قرضاً، فإنه لا يُعلم كم بداخله، ولو أعطاه جواهر؛ لأن المشكلة أنه إذا أخذ هذا الكيس سيستنفده، ولا يدري كم هو، فلابد وأن يكون الذي يأخذه منضبطاً، ولو أخذ الجواهر وكانت مما لا ينضبط ولم يكن لها وصف تتميز به، فإنه لا يصح قرضها على هذا الوجه؛ لأنه يفضي إلى الاختلاف والتنازع. وقوله: [إلا بني آدم] فمثلاً: قال شخص لآخر: أقرضني هذه الأمة، وعندنا أن كل ما صح بيعه فإنه يصح قرضه، والمملوك يجوز بيعه، وبناءً على ذلك يجوز قرضه، ومن حيث الأصل أنه إذا استقرض بعيراً مثلاً، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استقرض البعير ورد مثله وأفضل منه، وعلى ذلك فإذا استقرض المملوك فإنه يرد مثله في صفاته، فالسبب في منع قرض بني آدم، قالوا: خشية إعارة الفروج، والسبب في هذا أن القرض يراد منه الانتفاع والارتفاق، فإذا أخذه المقترض فإنه يملكه، ولا يكون مالكاً له إلا بالقبض أو بالتصرف، فإذا تصرف فيه ملكه، وحينئذٍ ربما أخذه واقترضه ووطئ المرأة قبل أن يتصرف فيها أو وطئها بعد قرضها، وحينئذٍ يكون قد وطئ فيما يملك الغير، قالوا: إنه وطئ في ملك الغير، فلو صححنا أنه وطئ في شيء ملكه بالقبض قالوا: يصير كأنه أعار الفرج بالفرج؛ لأنه أخذها للوطء، ثم جاء ببدل عنها مكان الذي ارتفق به، قالوا: وبناءً على هذه العلة وهي عدم جواز إقراض بني آدم يصبح الحكم الأشبه فيه أن يختص بالتي يمكن أن يطأها. والشافعية دققوا في هذه المسألة، فقالوا: قرض بني آدم إن كان مما لا يوطأ كصغيرة لم تبلغ سن الوطء، أو ذات محرم كأن يقرضه أخته تكون مملوكة، فقال له: أقرضني أختي ديناً، فأخذها قرضاً وديناً فحينئذٍ قالوا: يصح؛ لأنه لو أعطاه بدلاً عنها فلا تتحقق المفسدة؛ لأنه إذا أخذ أخته قرضاً عتقت عليه، ثم إذا عتقت عليه جاء بالبدل عنها، وحينئذٍ قالوا: إن المفسدة المرادة من إعارة الفروج ليست موجودة، بخلاف ما إذا أعاره أمة فأخذها وملكها فوطئها ثم رد مثلها، فكأنه رد الفرج بالفرج، وعلى هذا قالوا: يفرق بين ذات المحرم وغير ذات المحرم، ويفرق بين ما يمكن وطؤه وما لا يمكن. أيضاً قالوا: يجوز أن تستقرض المرأة المملوكة، فيجوز قرض بني آدم للنساء بعضهن مع بعض؛ لأن مفسدة إعارة الفروج ليست بموجودة؛ لأن المرأة لا تطأ المرأة، ومن هنا قالوا: ينبغي تقييد المنع بما وجدت فيه العلة، وهذا هو وجه المنع من استقراضه، وإلا فلو نظرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف المعدود ورد المعدود فإن هذا يدل على جواز قرض بني آدم ورد المثل إذا لم يكن هناك مثل، أو رد العين إن كانت العين موجودة.
ما يملك به الإنسان القرض وقوله: [ويملك بقبضه فلا يلزم رد عينه] ويملك القرض بقبضه، هناك ثلاث مراحل وسبق وأن نبهنا عليها، وهي: العقد، وهو الإيجاب والقبول، وهناك القبض والحيازة والتسليم ونحو ذلك، وهناك التصرف سواءً بالبيع، أو بالإجارة، أو بالهبة، أو بالعتق، وهذا كله تصرف في المبيع، فأما بالنسبة للعقد، فمثلاً: قال له: أقرضني عشرة آلاف ريال إلى نهاية رمضان، قال: قبلت، فقال بعض العلماء: إذا قال له: أقرضني عشرة آلاف، أو أقرضني هذا الكتاب، أو أقرضني هذه السيارة، أو أقرضني هذه الدابة، وقال الآخر: قبلت، فإنه بمجرد الإيجاب والقبول تصير إلى ملك المستقرض، وحينئذٍ من حق المستقرض أن يعطي البدل عن القرض، وفائدة المسألة سنبينها في البدلية، قال بعض العلماء: لا يقع الملك إلا بعد القبض. فمثلاً: لو فرضنا مالاً كمائة ألف ريال من فئة الخمسمائة، إذا قال له: أقرضني مائة ألف إلى نهاية رمضان، قال له: هذه مائة ألف إلى نهاية رمضان ولم يقبضها، فعلى القول الأول: تصير إلى ملك المستقرض بمجرد الإيجاب والقبول، والقول الثاني: أنها لا تصير إلى ملك المستقرض إلا بالقبض، فإذا قبضها فحينئذٍ لو طالبه صاحب الدين؛ لأنه في بعض الأحيان يقول صاحب الدين: خذ المائة ألف إلى نهاية رمضان، ثم يقول: لا. قد رجعت عن ديني، أعطني إياه الآن، فيريد أن يفسخ، وسنبين هل يلزمه أن يبقى أم لا يلزمه، لكن نقول على ما اختاره المصنف رحمه الله وجماعة: إن من حقه أن يرجع ولو كان بعد العقد مباشرة، فلو أنها من فئات الخمسمائة ريال، فقلنا: إنها تملك بالقبض على القول الثاني الذي اختاره المصنف، فإذا قبض المستقرض القرض حينئذٍ ملكه، فجاز له إذا طالبه برده أن يرد المثل بدلاً عنه؛ لأنه قد ملك وحينئذٍ يصل إلى ملكيته إن شاء أعطى نفس الشيء وإن شاء أعطى مثله؛ لأنه صار إلى ملكيته بمجرد القبض. القول الثالث: لا يصير إلى ملكية المستقرض إلا بالتصرف، فإن تصرف في الدين فحينئذٍ ملكه ولم يلزم رد عينه، فالمسألة هنا في رد العين، لو أن هذا الشيء في بعض الأحيان يكون خمسمائة والسوق الأفضل أن تكون مفرقة فاستقرضها مفرقة، فأراد أن يعطيه بدلاً عنها جملة وبرأسها كما يقولون كان له ذلك؛ لأنه ملكها بالقبض وصح له أن يصرفه إلى المثل، هذا إذا قلنا: إنها بمجرد العقد. إذاً: يملك القرض بالعقد، ويملك بالقبض، ويملك بالتصرف، فإن اقترض منه قمحاً ولم يتصرف فيه وطالبه صاحب القمح برده قبل التصرف لزمه أن يرد عين القمح ولا يصرفه إلى مثله؛ لأنه لم يملكه إذا لم يتصرف فيه، وهكذا أيضاً لو قلنا: لو قبضه وبعد القبض طالبه لم يصح أن يطالبه بعينه، والعكس لو طالبه قبل القبض وبعد العقد لزمه أن يدفع له عين الطعام الذي أخذ، وهكذا لو أنه اقترض منه سيارة أو دابة على أن يرد مثلها، فإنه إذا اقترض منه السيارة قرضاً بعينها ورقبتها فإنه يصير مالكاً لها بمجرد العقد على القول الأول، وبالقبض إذا ركبها وقبضها وساقها على القول الثاني، وإذا تصرف فيها وبذلها على القول الثالث، فإذا تصرف فيها فباعها أو أجرها للغير صارت ملكاً له، فحينئذٍ يجوز أن يعطيه بدلها ويجوز أن يعطيه عينها، فالخيار له إذ لا يكون ملزماً بالعين، هذا بالنسبة لمسألة ما يملك بقبضه. إذاً: عندنا ثلاثة أوجه للعلماء: فالجمهور يرجحون القبض، وغيرهم يرجح التصرف، والجمهور كلهم على القبض والتصرف، وقال المالكية: إنه يملك بمجرد العقد، لكن الجمهور منقسمون على القبض وعلى التصرف، واختار المصنف رحمه الله قول من قال: إنه يملك بالقبض. وهذه المسائل بناها العلماء على أصول في الشريعة، فأنت حينما تعطي شخصاً ديناً فإن هذا الدين بأصل الشرع إذا أخذه كان من حقه أن يتصرف فيه، فمن أقرض قرضاً فإن الإجماع قائم على أن المقترض يملك القرض، بدليل أنه يذهب يأخذ منك المائة ألف فيشتري بها عمارة أو سيارة وليس من حقك أن تطالبه بهذه العمارة أو السيارة إنما تطالبه بالمائة ألف، إذاً: الإجماع والأصل الشرعي يدل على أنه يملكها. يبقى السؤال: هذه المائة ألف في الأصل هي ملك لي وأعطيتها لك وحصل بيني وبينك إيجاب وقبول، فهل ملكيتك لها تكون بمجرد الإيجاب والقبول؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ودل على أنه يلزم بمجرد العقد، أم أنه لابد من القبض وهذا أصل مفرع على المعاوضات؛ لأن الديون في البداية فيها شبه بالعارية وفي النهاية فيها شبه بالبيع؛ لأنه إذا تصرف فيها لزمه البدل، فإذا قلت: إنه ملكها ودخلت إلى ملكيته وتصرف فيها فحينئذٍ يضمن البدل، فهذا يقتضي أنها معاوضة وفيها شبه من البيوع والمعاوضات؛ لكن في الابتداء ومن حيث الأصل الدين لي والمال مالي، خاصة على قول من يقول: إنه من حقي أن أطالبك في أي وقت ولو قبل الأجل. فإذاً: لابد أن نحدد متى ينتقل المال من عندي إليك، وهذا يترتب عليه الأحكام الشرعية حتى ننصف صاحب المال وننصف المديون أيضاً، وحتى نعلم أن هذه الشريعة كاملة، وأنها فاقت جميع القوانين والتشريعات التي هي من صنع البشر والتي لا تسمن ولا تغني من جوع، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ [الأعراف:52] قواعد صحيحة وأصول متينة، فالعلماء يدرسون كل شيء يترتب عليه ذمم الناس والحقوق والمسئوليات، فيفرعون ويفصلون حتى يُعرف ما لكل ذي حقٍ من حق، فيعطى كل ذي حقٍ حقه. فالفقه ميزته أنه سبب ليعطى كل ذي حقٍ حقه، وهذه المسائل وإن كانت في البداية غريبة لكنها تنبني عليها حقوق، فقد يأخذ المقترض الطعام فيطحنه، وقد يأخذ الدقيق فيطحنه أو يتصرف فيه ثم يطالب الرجل بعين ماله، فهل من حقه أن يطالب أو ليس من حقه؟ وإذا قلت: من حقه، لماذا؟ وإذا قلت: ليس من حقه، لماذا؟ هذه كلها أمور محسومة ومفصلة في كلام العلماء رحمهم الله حتى يتيسر القضاء إن حصلت الخصومة، وتتيسر الفتوى إن حصل السؤال، ويتيسر العلم إذا حصل الطلب، فالمراد أننا ندرس هذه المسائل حتى نعرف بيان ضوابط القرض، وكذلك الأموال حتى نعلم متى تنتقل من ملكية المالك الأصلي إلى ملكية غيره.
حكم تسديد الدين قبل حلول الأجل وقوله: [بل يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله] (بل يثبت) أي: يثبت الدين والضمير في (بدله) عائد إلى الدين، وقوله: (في ذمته) أي: ذمة المديون والذي استقرض، والذمة وصف يقوم بالأشخاص قيام الأوصاف الحسية بمحسوساتها، وهو وصف يقبل الالتزام، فقوله: [في ذمته] أي: أنه لابد وأن يكون الشخص الذي يقترض عنده ذمة قابلة بأن يلتزم بها. وقوله: [بل يثبت بدله في ذمته حالاً] هذا فيه خلاف. وقوله: [ولو أجله] ولو: إشارة إلى خلاف مذهبي. وهذه المسألة نريد أن نبحثها، فمثلاً: لو أن رجلاً أعطاك مائة ألف ديناً، فهذه المائة ألف قلت له: أخذت منك هذه المائة ألف أو آخذ منك هذه المائة ألف ديناً إلى نهاية السنة، فقال لك: قبلت خذها ديناً إلى نهاية السنة، نحن الآن في رمضان، فإذا قبضتها على القول بأن الملكية بمجرد قبضك لها يثبت في ذمتك لصاحب الدين مائة ألف حالة، أي: تدفع فوراً، لو طالبك بها في أي وقت ولو قبل نهاية السنة تدفع، ولو اتفقتما على التأجيل لماذا؟ لأنهم يقولون: القرض كالعارية بدليل أنك لا تملكه إلى الأبد، صحيح أنك لما أخذت المائة ألف تصرفت فيها لكن لا تملكها إلى الأبد، بل تلزم برد مثلها، فإذاًَ: هذا المثلي مملوك لك أم غير مملوك، وبالإجماع إذا قلنا بثبوته على المديون ليس ملكاً له، فمعنى ذلك: أنك إذا أخذت مائة ألف فهي ليست ملكاً لك، إنما ملكت الانتفاع والارتفاق بها إلى الأجل، هذا من حيث الأصل. فإن قلنا: إنها كالعارية، فلو أن شخصاً أخذ منك السيارة يريد أن يصل بها إلى الحرم المكي ويرجع، فمعنى ذلك: أنه أخذها وردها، وهو ليس مالكاً لها، فإذاً: يقول أصحاب هذا القول من الحنابلة والحنفية رحمهم الله: الدين يثبت في ذمة المديون حالاً ولو أجله صاحب الدين فأعطاه مهلة إلى أجل، ولو قال له: أشترط عليك أن يكون إلى أجل، قالوا: يفسد الشرط ويلغى ويكون وجوده وعدمه على حدٍ سواء، ويلزم لو طالبه في أي وقت أن يعطيه دينه؛ لما يلي: أولاً: أن الدين كالعارية، ومن حقه في أي وقت أن يرجع ويأخذ العارية، فلو أنك أخذت السيارة عارية إلى الحرم فمشيت بها مثلاً مائة متر فلحقك، وقال: أعطني سيارتي، قالوا: من حقه أن يستردها؛ لأنها كالعارية. ثانياً: أنه إذا قال لك: خذها إلى نهاية السنة فوعد، والوعد ليس بملزم، وإن كان المسلم مطالب أن يفي بوعده، وإلا فإنه يأثم، لكن ما فيه إلزامات مترتبة على هذا الوعد؛ لأنه إحسان وتبرع محض، فقد يعطيك الدين على أنه موسع ثم يرجع عن ذلك فيتذكر حقوقه، والله تعالى يقول: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91] والذي بذل الدين محسن، فلو أعطاك قرضاً إلى نهاية السنة وقال: أنا أريد الأجر والثواب ثم جاءه ظرف بعد شهر أو شهرين أو يوم أو ساعة، وقال لك: أعطني الآن فعليك أن تعطيه، وقالوا: يثبت في ذمتك حالاً. أي: لو أنك تصرفت فيها وطالبك بالدفع فوراً فأصبحت بعد التصرف مباشرة معسراً يثبت في ذمتك حالاً، فليست القضية أن تدفع فوراً إذا كان فيه إمكان، لكن شاهدنا: أن الدين لا يُلزم بإبقائه إلى الأجل، هذا هو الذي درج عليه المصنف واختاره، وهو مذهب الحنفية والحنابلة والشافعية رحمهم الله. وهناك قول للمالكية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمة الله على الجميع، أنه إذا أجله فإنه يلزم بالأجل، وأنه إذا اشترط عليه أن يسدد في رمضان لم يكن من حقه أن يطالبه قبل رمضان، ويلزم بالبقاء إلى نهاية رمضان، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) وهذا قد أخذ ديناً، فلو سلمنا أن الدين كالعارية في شبهه، فإننا نقول: يمكن أن نسلم بهذا، لكن لما اشترط عليه ألزم بشرطه، والفرق بين ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام ابن القيم وبين مذهب المالكية: أن شيخ الإسلام يجعله عند الشرط إذا اشترط، والمالكية يقولون: اشترط أو ذكر الأجل فإنه يلزم بالتأخير إلى الأجل، والصحيح أنه إذا اشترط عليه أن يؤجل فليس من حقه أن يطالبه قبل الأجل. وقوله: [ويثبت في ذمته حالاً ولو أجله] أي: أنه إذا قبض المديون الدين فإنه يملكه، فيجوز له بيعه وهبته وإتلافه؛ لأنه ملكه، فلو أخذ منك دقيقاً وطحنه وعجنه وخبزه فإنه يملكه بقبضه، فعلى هذا يثبت في ذمته مثل الذي أخذ إن تصرف فيه، وإذا لم يتصرف فيه ووجد عين المبيع فمن حقه أن يطالبه بدفع العين، وقيل: يثبت مثله أو بدله، وهذا هو الذي نص عليه المصنف بقوله: [ويثبت]. وقوله: [بل يثبت بدله] البدلية: تستلزم اتحاد الجنس واتحاد النوع واتحاد الصفة واتحاد القدر، وهنا تستلزم المثلية، والمثلية تقوم على اتحاد الجنس: طعام بطعام، واتحاد النوع: بر ببر، واتحاد الصفة: إبل عرابية بعرابية أو بختية ببختية، وبختية ما لها سنامان، والعرابية ما لها سنام واحد، إذاً: يعطيه بصفتها، واتحاد العدد والقدر كأن يأخذ منه مائة ويرد مائة. فقوله: [يثبت بدله] أي: بدل الدين، ولا يلزم برد العين إن طالبه صاحب الدين، ففي بعض الأحيان يستسلف دنانير ذهب جديدة ويقضيها قديمة، والجديدة أفضل من القديمة، وقد يستسلف خمسمائة دينار كل عشرة دنانير على حدة، مثلاً: بوزنها، والجملة أثقل من الصرف؛ لأن المصروف أفضل، وفي بعض الأحيان الجملة أفضل، فلو أنه أخذها منك خمسمائة فجئت وطالبته بها كان من حقه أن يعطيك بدلاً عنها تفاريق، ولا تقل له: أعطني هذه الخمسمائة. إذاً: لما قال المصنف: [ يثبت بدله ] قرر المسألة عند الخلاف إذا تنازعا، فمثلاً: لو استدان رجل منك أي مال من الأموال، ثم تبين أن هذا الرجل في ماله شبهة، فجئت وقلت له: أعطني ديني، وأنت تريد عين ما أخذ منك تورعاً، فحينئذٍ على قوله: [يثبت بدله] ليس من حقك أن تطالب بالعين، وعلى القول: بأنه إذا طالبه بالعين ولو عند نهاية الأجل يثبت عينه إن كان موجود العين، فحينئذٍ يلزم بدفع عينه، ولا يجوز له أن يصرفه إلى المثل والبدل، فلو كان عندك بعير تحبة فجاءك من يطلبه منك، فأعطيته إياه فبقي عنده، ثم بعد ذلك جئت تطالبه وإذا بالبعير عنده، فقال لك: خذ بعيراً مثله، فقلت له: أُريد نفس بعيري. وعلى هذا أثبت الحق لك بالبدل، إن شاء أعطاك عينه، وإن شاء أعطاك بدله، هذه مسألة البدلية، فقد يكون من الأفضل أن يأخذ الإنسان عيناً وفي بعض الأحيان العكس. وقوله: [فإن رده المقترض: لزم قبوله] [فإن رده المقترض] إن رد المقترض القرض [لزم] أي: لزم المقرض [قبوله] أي: أخذ المال ولا يجوز له أن يمتنع والضمير في [رده] عائد إلى البدل، فإذا رد البدل لزم المقرض قبول البدل، ولا يقول: أطالب بعين ما دفعت، ولا يطالبه بعين ما دفع، وعلى هذا يقرر المصنف أنه بمجرد قبضه ينتقل الأمر إلى الذمة، وإذا انتقل إلى الذمة سقطت العين، فإذا قلت: ذمة فإنه يصبح مثلياً، وإذا قلت: عيناً فإنه يصبح منحصراً في نفس الدين. فمثلاً: إذا أقرضت هذا الكتاب فمعناه أننا إذا قلنا: إنه يثبت عين الكتاب إن وجد أو بدله إذا لم يوجد يصبح ليس من حق المقترض أن يلزمك بمثله إن وجد عينه، فينصرف المعين إلى الذمة، أما لو قلنا: إن الواجب عليك المثل، فمعناه أنه في ذمتك، ولذلك قال: [ويثبت بدله في ذمته] ولم يقل: يثبت عينه، فإن لم يثبت عينه فبدله، لا. إنما يثبت البدل والمثل، والبدلية تستلزم المثلية في الجنس والنوع والعدد والقدر والصفة.
قضاء الديون إن اختلفت العملة وقوله: [وإن كانت مكسرة أو فلوساً فمنع السلطان المعاملة بها: فله قيمتها وقت القرض] هذه المسألة كانت في القديم حيث كانوا يضربون الدنانير والدراهم في بيت المال ثم يتعامل الناس بها، وهذه الدنانير والدراهم يصاحبها نوع ثالث من النقود وهي الفلوس، وكثيراً ما تكون من النحاس، ويكون لها رواج، ثم تلغى هذه الفلوس التي من النحاس ويؤتى بفلوس أخرى، ويسمونها السِّكَّة بحيث تضرب من جديد، فيضرب نوع جديد غير النوع القديم، وفي زماننا يضرب ورق نقدي جديد غير الورق النقدي القديم. فحينئذٍ إذا منع السلطان التعامل بالورق القديم وأحدث ورقاً جديدة، فحينئذٍ يلزم بمثلها، أي: إذا كانت الريالات هي نفس الريالات فلا إشكال، فكما أنه ينتقل إلى المثلي في أصل الدين من نفس العملة ينقل إلى العملة نفسها إن صارت مثلية، فمثلاً إذا أخذ منك مائة ريال على أن يردها بعد شهر، فجاء بعد شهر وأعطاك المائة ريال، من نفس النقد، فكما جاز له أن يرد المثل من نفس النقد ومن نفس الريالات جاز أن يرد ريالات أيضاً عليها شكل آخر أو ضرب آخر أو بصفة أخرى مادام أنها هي نفسها. وعلى هذا لو أنه اقترض ريالات قديمة ثم أُلغيت واستبدلت بريالات جديدة فإنه يقضيه بالريالات الجديدة، فإن أُعدمت الريالات نهائياً وجاءت عملة أخرى بدلاً عنها باسم جديد فحينئذٍ يقدر قيمة القديم بالجديد إذا كانت حالة. فعندنا هنا حالتان: الدنانير القديمة تكون مثلاً بغلية، ثم يؤتى بدراهم إسلامية، فلو أنه اقترض بالدرهم البغلي ثم أُلغي حتى لا يتعامل به الناس -فسواءً توقف الناس عن التعامل به أو أُلغي من السلطان- فحينئذٍ لو أُلغي هذا الدينار فإنه ينزل الدينار الذي ضرب مكانه منزلته، إن كان بوزنه وبقدره وبحجمه، كريال الفضة القديم مع ريال الورق الموجود الآن، فإن ريال الفضة القديم حينما سحب أعطي بدله المستند، ومن هنا قالوا: إن المستند منزل منزلة رصيده فوجبت فيه الزكاة، وهذا هو وجه من يقول: إن النصاب ثلاثة وخمسون ريالاً؛ لأن ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة القديمة تعادل السَّكَّة الجديدة، فالفضة القديمة ألغيت لكن أُقيم المستند مقامها فنزل منزلتها، والعجز عن الرصيد يعتبر عذراً فنزلت منزلتها حكماً. وعلى هذا نوجب فيها الزكاة، مع أن الورق لا تجب فيه الزكاة، فلو قلنا: لا رصيد لها فمعناه أن الزكاة لا تجب فيها، وعلى هذا وجبت الزكاة فيها؛ لأن رصيدها من الفضة، ويقوم رصيدها بمائتي درهم الذي هو أصل الفضة، فلما كان عدل المائتين درهم ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة القديمة بوزنها يعادل الخمسة أواقٍ من الفضة التي هي النصاب، قالوا: نزلت الثلاثة والخمسون ورقاً منزلة ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة، ولو جئت تبادل ريال الورق بريال الفضة القديم فإنك تبادله مثلاً بمثل، يداً بيد، فلو جئت تبادل ريال الفضة القديمة بثلاثة ريالات جديدة فهو عين الربا، كأنك بادلت رصيده من الفضة القديمة ثلاثاً بريال وهو عين الربا، ومن هنا إذا ألغي القديم وجاء الجديد مكانه اسماً وصفة وحكماً واعتباراً وجب أن يبقى على هذا الأصل. فلو قال قائل: ألغي رصيده في التعامل العام الذي يكون بين الجماعات والجماعات، والدول والدول، هذا إلغاء رصيد، فأصبحت القيمة للمشتريات والصادرات والواردات بالريال الجديد، لكن قيمة الريال في ذاته وأصله وحقيقته مستند، ولو وضعت عندي كيلو من الذهب أمانة وأعطيتك مستنداً عليه، ثم قلت لك: ألغيت الرصيد وهذا المستند لا قيمة له لم يصح في حكم الشرع، فدل على أن إلغاء الرصيد لا يلغي قيمة الريال، وإذا كان لا يلغي قيمة الريال، فوجب أن يصرف الريال بالريال مثلاً بمثل، يداً بيد، وأنه لو صرف تسعة ريالات بعشرة ريالات فهو كصرف تسعة ريالات فضة قديمة بعشرة ريالات فضة قديمة، لأنه إذا أُلغي القديم ونزل الجديد منزلته اسماً وصفة فإنه يأخذ حكمه، سواءً بسواء، فلو قلت: إنه ورق، نقول: إن الورق لا قيمة له، ولا تجب الزكاة فيه. فإن قيل: إنه ورق له قيمة فنزل منزلة الذهب والفضة نقول: إن ورق كتب العلم له قيمة، والدفاتر لها قيمة، وغيرها من الأوراق لها قيمة؛ لأنها كلها لها قيمة شرائية، فلو كانت مسألة القيمة توجب الزكاة لوجبت في الأوراق؛ لأن العبرة بالرصيد. وبناءً على ذلك: إذا ألغي القديم ينظر في الجديد، فإن نزل منزلته من كل وجه صار آخذاً حكمه من كل وجه، فلو استدان منه مائة ريال فضة قديمة قضاها مائة من الفضة القديمة إن وجدت، فإن لم توجد قضاها بالورق، ونزل الموجود من الورق منزلتها.
تسديد القروض المثلية بالمثل وقوله: [ويرد المثل في المثليات] مثلما ذكرنا أن المثلية تستلزم الجنس والنوع والقدر والصفة، فمثلاً: لو استلف بعيراً بكراً أو خياراً فإنه يرد الجنس بالجنس، والنوع بالنوع، والسن بالسن الذي هو القدر، فقدره في السن بكر ببكر.. رباعي برباعي.. جذعة بجذعة.. وابن لبون بابن لبون، مثِلاً بمثل، ذكر بذكر، أنثى بأنثى، فإذاً: يرد المثل في المثليات، وعلى هذا يكون العدل، وكما قال الله تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] (وإن تبتم) أي: في مسألة الديون، (تَظْلِمُونَ) أي: الناس، حينما أخذتم رأس المال لم تأخذوا زائداً عن حقكم، (وَلا تُظْلَمُونَ) لأنكم لم تبخسوا حقوقهم، فأخذتم رأس مالكم وحقيقة ما دفعتموه، وعلى هذا لابد من التماثل، هذا في القديم، ونفس الشيء في الجديد، فلو اقترض منه سيارته أو أدوات أو فراشاً، فإنه ينظر إلى جنسه ونوعه وصفاته ويرد مثله في الصفات وفي الجنس وفي النوع.
تسديد القيمة عند عدم وجود المثل وقوله: [والقيمة في غيرها] المثليات قالوا: في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، وفي المعدود عدداً، أما إذا تعذر أن يصير إلى المثل حينئذٍ صار إلى القيمة، فالدراهم والدنانير إذا أُلغيت وجيء بعملة غير العملة القديمة بأن كانت القديمة من الذهب فصارت من الفضة، فإنه ينظر إلى القيمة، عِدل الذهب من الفضة في ذلك الزمان يوم القرض، إن قالوا: يعادل خمس جنيهات، فحينئذٍ هذه الخمس جنيهات الموجودة الآن تقضى له خمس جنيهات، فينظر إلى المثلي يوم القرض؛ لأنه فيه خلاف، فبعض العلماء يقول: يعتبر يوم القرض، وبعضهم يعتبر بيوم القبض، وهذا هو الصحيح، وهو أننا إذا كنا نقول: إنه يملك بالقبض فمعناه أن ذمته شغلت بالقبض، وعلى هذا ينبغي أن يتقيد بالقبض. فلو أنه اقترض سيارة في شهر رجب وهذه السيارة قبضها منه في شعبان، وكانت قيمتها في رجب خمسة آلاف، وفي شعبان قيمتها أربعة آلاف، فحصل القبض في شعبان، ثم تصرف في السيارة حتى تلفت ولا يوجد لها مثلي، فحينئذ نصير إلى القيمة، فإن نظرنا إلى العقد يوم القرض فهو في شعبان وهو قبضها في رمضان، فإذا جئنا يوم الاتفاق والعقد في شعبان وكانت قيمتها خمسة آلاف، ويوم القبض والتصرف في رمضان كانت قيمتها أربعة آلاف اختلفت القيمة، قالوا: العبرة بيوم القبض وهذا هو الصحيح، أنه إذا استلفها منه نظر إلى يوم القبض؛ لأن الملكية تصير إليه وتتعلق بذمته عند القبض، فصار مشغول الذمة وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، ونص الإمام أحمد رحمه الله على هذا كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة في المغني. وقوله: [فإن أعوز المثل: فالقيمة إذاً] مثل السيارات التي ينقطع موديلها ولا يوجد لها مثيل فينظر إلى قيمتها، ولا يصار إلى القيمة إلا إذا أعوز المثل، ومن هنا تتفرع المسألة في اختلاف القيمة الشرائية للعُمل، فإن استسلف شخص عملة بالدولارات، والدولار قيمته عشرة ريالات في عام ألف وأربعمائة، ثم أصبحت قيمته في عام ألف وأربعمائة وثمانية عشر -عند القضاء- عشرين، فحينئذٍ هل نقول: إنه يجب أن يقضيه نصف القيمة؛ لأنه قد زاد عن الأصل الذي أخذ به، أم نقول: يجب أن يعطي المثل بغض النظر عن قيمته؟ نقول: يجب أن يعطي المثل بغض النظر عن قيمته غالياً أو رخيصاً، والسبب في هذا قاعدة سبق وأن بيناها: أن الغنم بالغرم. وبناءً على ذلك: في العملة؛ إذا استدان منك مائة دولار إلى السنة القادمة فمعناه أنه قد رضي بخسارتها ورضيت أنت بخسارتها، ورضي بما يكون من ربحها وارتفاع سعرها، ورضيت بربحها وارتفاع سعرها، فلا يصح إذا نقصت قيمتها أن يأتي يطالبك؛ لأنه لو زادت قيمتها لطالبك بالمثل، ومن هنا قالوا: يتحمل المسئولية، فأي شيء استدانه وجاء ليحل ويفي رد مثله، بغض النظر عن كونه غالياً أو رخيصاً، يطالب بالمثل؛ وعلى هذا أصل شرعي، وهو أنه إذا أخذ الشيء رده، فإن قلنا: إن الشيء ملكه يرد مثله، فإن وجد المثل وجب أن ينصرف إليه. لكن لو أنه قبل خمسين سنة أخذ منه ثلاثة ريالات فضة، ويمكن أن تصل قيمتها اليوم ثلاثة ملايين. نقول: يقضيه ثلاثة ريالات الآن، لكن من باب الوفاء وحسن القضاء لا بأس أن يزيده لكن لا يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خيركم أحسنكم قضاءً)، وقال: (رحم الله امرء سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) فإذا أردت أن تقضي فتحسن وتتذكر فضله، وهذا من خلق الكرام، فإن الكريم إذا أكرمته رد الكرامة بمثلها وزيادة، وعلى هذا لا يليق وليس من المحاسن أن يرد نفس المال، وإنما يرد ويحاول أن يجبر خاطر من دينه، خاصة وأن هذا فيه رد للجميل.
حكم القروض التي تجر منافع وقوله: [ويحرم كل شرط جر نفعاً] الشروط في القروض تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط مشروعة. والقسم الثاني: شروط ممنوعة. والقسم الثالث: شروط مختلف فيها. وهذا القرض له نوعان من الشروط: شروط شرعية وشروط جعلية، والفرق بين الشروط الشرعية والجعلية: أن الشرعية لا يصح أن يكون القرض من مجنون أو ممن لا يملك المال، وليس له حق التصرف فيه، أما الجعلية، أي: جعلها المتعاقدان أو اشترطها أحدهما ورضي بها الآخر. وهذه الشروط الجعلية من المتعاقدين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون مشروعة، وإما أن تكون ممنوعة، وإما أن تكون مختلفاً فيها. فالشروط المشروعة المتفق عليها أن يقول له: أعطني قرضاً مائة ألف، قال: أعطيك ولكن بشرط أن تحضر كفيلاً غارماً يغرم، هذا شرط اشترطه رب الدين على المدين، وكما لو قال له: أقرضني مائة ألف إلى نهاية رمضان، قال: أقرضك ولكن بشرط أن ترهن دارك أو ترهن عندي رهناً، فهذا شرط، أو يقول له: أقرضني مائة ألف، قال: بشرط أن نسجل هذا الدين وأثبته عليك بكتابة وشهود، قال: قبلت، فإذاً: هذا دين بشرط، وهذا الشرط جعلي من المكلفين، ولكنه مشروع غير ممنوع، وضابط المشروع: أن لا يخالف مقتضى القرض وأن لا يفضي إلى محرم، فمثلاً لو اقترضت من شخص فقال لي: أقرضك هذه المائة ألف بشرط أن لا تشتري بها شيئاً، ومقتضى القرض في الأصل أن أنتفع به وأرتفق، فإذا أخذت المائة ألف على هذا الشرط فماذا أفعل بها؟ فإذاً: هذا يخالف مقتضى العقد، وقالوا: يشترط الرهن ويشترط الكفيل الغارم؛ لأن هذا يحقق مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع أن يفي المديون للدائن، وأن ترد الحقوق إلى أصحابها، فإذا اشترط عليه الكفيل الضمان للاستيثاق بالرهن، فإن هذا مما يوافق الشرع ولا يخالفه. النوع الثاني: الشروط المحرمة وهي الممنوعة التي تخالف مقتضى عقد القرض، فإن عقد القرض يقصد منه الارتفاق، فيقول: أقرضك على أن لا تتصرف في الدابة، بأن لا تركبها ولا تبيعها ولا تحلبها، فهذا كله يخالف مقصود عقد القرض، فهذا نوع من الشروط المحرمة. النوع الثالث: أن يكون الشرط متضمناً للربا مفضياً إليه، كأن يقول له: أشترط عليك فائدة في كل مائة (6%) أو كل شهر (5%) فهذا من شرط الربا، ولا يجوز. فالمقصود: أن كل قرض اشتمل على شرط يجر نفعاً فإنه لا يجوز وهناك شروط اختلف فيها العلماء فمثلاً: يقول له: آخذ منك هذه المائة ألف بشرط أن أسددها في نهاية السنة، فهذا اشتراط التأجيل، فبعضهم يراه جائزاً كالمالكية ومن وافقهم، وبعضهم لا يراه جائزاً كالجمهور، وهناك مثلاً بعض الشروط لا بأس بها وهي مشروعة، وفي بعض الأحيان تكون ممنوعة بنص الشرع، كأن يقول له: أقرضني مائة ألف، قال له: أقرضك مائة ألف بشرط أن تبيعني بيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف)، فهذا قرض خالف الشرع لورود النص فيه بعينه، قالوا: لأنه إذا اشترط عليه البيع، فالبيع غالباً فيه ربح، فكأنه يعطيه الدين بالدين مع زيادة الربح في صفقة البيع، وهذا ينبه على أن الشريعة حرمت الربا، وحرمت ذرائع الربا، ولا يشترط في الربا أن يقول له: الواحد باثنين أو الواحد بثلاثة. ومن هنا كان الفقه في مسائل المعاملات والمعاوضات مهم، فهي في بعض الأحيان تتضمن المحذور بطريقة الذريعة والوسيلة. إذاً: كل قرض اشتمل على شرط جر نفعاً فهو ربا، أما لو أنه اشترط عليه ما فيه رفق به، فهذا فيه تفصيل عند العلماء، ومن أمثلته مثلاً، لو قال له: أسلفني مائة ألف، قال له: أسلفك مائة ألف، قال له: والله أنا لا أستطيع أن أسدد المائة ألف لكن أسدد لك ثلاثة أرباعها، قال له: إذاً: أسلفتك وخذ خمسة وعشرين منها وردّ خمسة وسبعين، فإذاً: أسلفه بشرط أن يحله من ربع الدين، ويرد له ثلاثة أرباع الدين، قالوا: هذا لا بأس به ولا حرج فيه.
الأسئلة ...... اعتبار المقاصد في عقود البيع السؤال: هل هناك فرق في الصورة بين القرض وبين صرف الأثمان مع النسيئة دون التفاضل؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: .. فإن المقاصد معتبرة في العقود، ولذلك تقوم العبرة في العقود بمقاصدها، فإذا قال له: بعني كان بيعاً، وإذا قال له: صارفني كان صرفاً، وإذا قال له: أسلمتك صار سلماً، وإذا قال: أسلفتك صار سلفاً، فلما كان العقد عقد سلف قالوا: هذا مستثنى، ومن هنا استثني أن يأخذ الدراهم ويردها بعد مدة؛ لأنه لم يقصد المصارفة وإنما قصد الدين، ومن هنا قالوا: هذا مستثنىً كاستثناء العارية من المزابنة، ورخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فإنه يعتبر المقصد، فإن كان المقصد الدين جاز، وإن كان المقصد الصرف والبيع لم يجز، والله تعالى أعلم.
حكم إنقاص المشتري من الثمن المتفق عليه السؤال: رجل اشترى سلعة فاتفق مع البائع على ألف ريال، لكنه لما أعطاه المال أعطاه تسعمائة وخمسين ريالاً فقط فوافق البائع، فهل يجوز هذا؟ الجواب: إذا اشتريت بألف ريال ثم جئت، وقلت له: أعطيك تسعمائة وخمسين ريالاً ورضي البائع جاز، والرضا ينقسم إلى أقسام: 1- الرضا بطيب نفس ورضا خاطر، كأن تأتي تريد أن تعطي المال، فلما وصلت إلى تسعمائة وخمسين وأردت أن تخرج الخمسين، فقال لك: لا. هذه تكفي، وهذا يقع بين الأحبة والإخوان، وتعلم من دلائل الحال وبساط المجلس ما يدل على أنه يريد ذلك. 2- الرضا الممكن الذي يكون على حد سواء، مثل: شخص تأتي وتبيع عليه بألف، فإذا جاء أعطاك تسعمائة وخمسين، فقلت له: يا أخي! أعطني خمسين، فقال: سامحني، فنقول: يا أخي! أعطني حقي! قال: سامحني، فتطالبه، وإذا بك ترى أنك تزري بنفسك، وربما يكون بين أُناسٍ تستحيي أن تطالبه أمامهم، فتضطر أن تقول له: اذهب، فكأنك اضطررت غلى مسامحته، فتقول بلسان الحال: وما حيلة المضطر إلا ركوبها! فهذا المأخوذ بسيف الحياء لا خير فيه ولا بركة فيه، ومثل هذا ينزع الله البركة له من الصفقة؛ لأنه لم يأخذ بالسماحة، وإنما أخذ بالأذية وإحراج الناس، ومثل هذا ما يقع في فضول أموال الناس، كأن يأتي لبائع يبيع الطعام، فيقول له: بكم هذا؟ ويلتقط منه ويأكل دون أن يستأذن، وربما أنه أكل الشيء، فلا يستطيع البائع أن يقول له: يا أخي! لا تأكل. فمثل هذه الأشياء ينبغي اتقاؤها، وهي إلى التحريم أقرب إن عُلم أو غلب على الظن أن البائع لا يرضى، ولابد أن يتحرى في رضاه، وأن يعلم منه طيبة النفس ورضا الخاطر، فإذا غلب على ظنك أنه بطيبة نفسه ورضا خاطره فلا بأس، وإن كان الأفضل والأكمل العفة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن يستعفف يعفه الله وما أعطي عبد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) فالقناعة بما أعطى الله عز وجل خير للعبد، فإذا جاء أحد يستفضل عليك، قلت له: لا، هذا حقك خذه كاملاً، وبارك الله لك في مالك، فهذا هو الأفضل والأكمل للمسلم، أن يعامل الناس ويؤدي حقوقهم إليهم كاملة. وأما إذا كان بسيف الحياء أو يكون البائع غريباً أو عاملاً مستضعفاً، فيأتي ويقف يصيح عليه بقوة ويرعبه ويزعجه، فإذا جاء وقت المطالبة أعطاه المال ناقصاً ثم زجر بقوة فاضطر العامل أن يسكت، فإن هذا من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا الرضا وجوده وعدمه على حد سواء، فينبغي أن يُتقى في مثل هذا، وأن يفصل فيه، فما كان من الرضا مستوفياً بالصفات المعتبرة حكم به وإلا فلا، والله تعالى أعلم.
حكم بيع الدابة نسيئة السؤال: أيجوز بيع دابة بدابة ويدفع المشتري أو البائع لصاحبه زيادة من المال أو من أي شيء آخر؟ الجواب: الدابة بالدابة معدود بمعدود يجوز متفاضلاً ونسيئة، والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) فهذا ليس بمحذور؛ لأنه جمع بين البيع والدين، فهو بيع لأنه بعير ببعيرين -ولو كان ديناً لكان بعيراً ببعير- ودين من جهة الأجل؛ لأنه قال: (البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) وعلى هذا يجوز لك أن تشتري السيارة بالسيارتين، والسيارة بالسيارة من نوعها مع الزيادة، والسيارة بالسيارة من نوعها مع زيادة من نوعها أو صفاتها أو بزيادة في المال، كأن يقول: أعطيك سيارتي وتعطيني سيارتك وأزيدك خمسة آلاف أو عشرة آلاف فلا بأس، وهكذا بقية المعدودات، فلو بادل ثلاجة بثلاجتين، أو غسالة بغسالتين، أو مصباحاً بمصباحين، وقس على هذا، فإن الكل جائز، والله تعالى أعلم.
كلمة توجيهية حول طلب العلم السؤال: الدعوة إلى الله عز وجل تحتاج إلى علم شرعي مبني على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج سلف الأمة رحمهم الله تعالى، فهل من كلمة توجيهية تحث فيها كل داعية إلى الله عز وجل على الاهتمام بالعلم الشرعي، وفقكم الله؟ الجواب: الدعوة إلى الله من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، ويشهد لذلك قول الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً) ومن حمل هموم الدعوة إلى الله وحمل أمانة الدعوة وتبليغ رسالة الله إلى عباد الله فقد حمل أشرف الأشياء، وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، بل إنه الشيء الذي خلق الله من أجله خلقه وهو عبادته ولا عبادة إلا بالعلم وبالبصيرة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108]. فلابد للداعي أن يستشعر أولاً: ما هي الدعوة؟ وما هي الرسالة التي يحملها، والأمانة التي في عنقه لأهلها؟ فإذا عرف عظم هذه المسئولية؛ علم أنه يتكلم لله وفي الله، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى، وأنه يعقد الصفقة فيما بينه وبين الله بأن يكون أجره على الله لا على أحد سواه: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47] وقال عن أنبيائه نوح وهود وصالح وشعيب ولوط: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109] أجرك على من بيده خزائن السماوات والأرض ويده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة، أجرك على من يكتب لك الكلمة والجملة والحرف.. على من يكتب لك الخطوة والتعب والنصب والسهر، ويكتب لك كل صغيرة وكبيرة سبحانه وتعالى، يحصيها لك فيكتب لك أجرها وثوابها فتوافيه يوم توافيه بمثاقيل الحسنات إن قبل عملك، وأجرك على من لا يضيع أجر من أحسن عملاً وهو الله جل جلاله. وعلى الداعية أن يستشعر أن هذا المقام أحب المقامات إلى الله عز وجل وهو مقام الأنبياء والرسل، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإنما يكون الداعية العالم ولا تكون دعوة إلا بعلم، فمن أراد أن ينال فضل الدعوة على أتم وجوهه وأن يكون في أكمل صوره فليتم العلم، وليأخذ من العلم، وينتهي من العلم ويحرص على مجالس العلم، ويكون من أهل هذه الرياض التي تنشر فيها رحمة الله، ويبتغى فيها ما عند الله، ويصبر ويصابر ويجد ويجتهد ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى في جميع ذلك، حتى يبلغ من العلم أعلى مراتبه، فإذا بلغ ذلك قام بالدعوة على أتم وجوهها وأكملها. وأول ما ينبغي على الداعية طلب العلم، وإذا طلبت العلم تطلبه بقوة وبعزيمة وهمة صادقة لا يثنيك عنها شيء، فلا تثنيك عنها الدنيا وزينتها وغرورها وما فيها من متاع زائل وغرور حائل، إنما تجد وتجتهد وأنت تحس أنك أنت الرابح، ولا يكون طلبك للعلم بضعف، فتشعر أن الدنيا ستفوتك، وأن أهل الدنيا يتاجرون ويربحون وأنت لا تتاجر ولا تربح، لا. بل تدخل في العلم وتحس أنك أربح صفقة وأكثر ربحاً في تجارتك مع الله سبحانه وتعالى، فقد طلب أقوام العلم فكفاهم الله هم الدنيا والآخرة، واقرأ في سير العلماء، والله إن منهم من كان لا يجد إلا طعمة يومه.. مرقع الثياب.. حافي القدم، ولكنه أغنى الناس بالله جل جلاله، وأسعد الناس، وأشرحهم صدراً، وأثبتهم جناناً، وأصدقهم لساناً، وأوضحهم بياناً، أغنى الناس بالعلم الذي وضعه الله في قلبه وفي لسانه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] لما صبروا في طلب العلم وتحصيله، فلا يشتكي من السهر والتعب في طلب العلم، إنما يبحث عن هذا العلم بكل همة وصدق وعزيمة. فإذا جد طالب العلم في طلبه عليه أن يعلم أن منزلته عند الله على قدر ما يحصل من العلم، فإن الله يرفع بهذا العلم درجات، وقد تجلس في المجلس الواحد وتدرس فيه مسائل قل من يضبطها ويحصلها فتكفي الأمة همها وتسد ثغرها، فيكون أجرك عند الله بمكان، فترفع درجتك على نفاسة هذا العلم، وبقدر ما يكون علمك نفيساً عظيماً محتاجاً إليه عظيم البلاء بقدر ما تكون درجتك عند الله أعلى وأسمى. كما ينبغي أن تعلم أن هذا العلم يحتاج منك إلى أمانة، فإذا جلست في مجالس العلم ضبطت وتقيدت بما سمعت، فلا تزيد من عندك شيئاً، ولا تحدث في دين الله برأيك ما لم يكن عندك حجة أو برهان، وتحرص في مجالس العلم على أن تسمع وتحفظ، ثم بعد ذلك تعمل بضوء ما علمت وتبلغ ما سمعت، وهذا أكمل ما يكون في العلم، أن يكون قلبك واعياً بكل ما يقال، وتتقيد بالكلمة لا تزيد ولا تنقص، وإن استطعت ألا تأتي بالمعنى إنما تأتي باللفظ نفسه، فإذا بلغت ذلك كملت نظارة وجهك، قال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فحفظها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)، فهذا أكمل ما يكون في طلب العلم فإذا أردت أن تدعو إلى الله على أكمل المراتب وأفضلها، فعليك أن تضبط العلم ضبطاً تاماً، وتحرص في مجالس العلم على أن تتقيد بما سمعت، ثم بعد ذلك إذا تعودت على هذا الضبط وضع الله لك القبول، وثق ثقة تامة أن الله مطلع على سريرتك وما في قلبك، وإن نظر الله إليك في كل مجلس ودرس تحاول أن تفهم وترجع مهموماً محزوناً تريد أن تضبط هذا العلم وتضبط كل كلمة وعبارة وجملة، أثابك على ذلك. العلم تسلو به الأرواح والأنفس، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام إمام من أئمة السلف وديوان من دواوين العلم والعمل، كان آية في القراءات.. آية في علم اللغة.. آية في لسان القرآن.. آية في الحديث والرواية بالأسانيد.. آية في الفقه وهو صاحب كتاب الأموال وصاحب الغريبين، هذا الإمام العظيم استوقفه رجل بعد صلاة العشاء، وكان قدم عليه من خراسان، فسأله عن مسائل في الفقه، يقول: إنه وقف معه في شدة البرد، فقام معه رحمه الله يذاكره ويسأله وهو يراوح بين قدميه فلم يشعر إلا وقد أذن الفجر، وهذا ليس من ضرب الخيال، والله إنك إذا ذقت لذة العلم فإنك تسمو عن كل شيء، إذا ذهبت في هذه المعاني المستنبطة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الكنز العظيم الذي خلف، تحس بالغبن أن سلفك الصالح سهرت عيونهم وتعبت أجسادهم من أجل أن يخرجوا لك هذا العلم، فقد كان الرجل منهم إذا لم يجد إلا صخرة لنقش العلم عليها حتى لا يفوت على من بعده. إن همم كان النصيحة لله ولأمة الإسلام رضي الله عنهم ورحمهم برحمته الواسعة، فإذا كانت هذه الهمة الصادقة بذلها السلف لنا من أجل أن نحفظ علومهم فمن الغبن والله، أن ننظر إلى كتبهم وبيننا وبينها حواجز لا نعلمها؛ لأن علمنا علم سطحي لم نتعمق ونضبط ونجد ونجتهد، فطالب العلم اليوم يقف فقط عند الحكم دون أن يبحث عن الدليل ووجه الدلالة، هل هو صحيح أو غير صحيح؟ وإذا كان ليس بصحيح فلماذا؟ تغوص في أعماق العلم، فإذا أصبحت بهذه المثابة بوأك الله من العلم أعلى المكانة، إذا تعبت اليوم وأصبحت تبحث عن كل صغيرة وكبيرة وتجد وتجتهد لا تشتكي من سهر ليل ولا ظمأ الهواجر، ولا تشتكي من غربة ولا من تعب ولا نصب وإنما تحس أنك أنت الرابح. لا إله إلا الله! لو ذهبت إلى الأسواق في رمضان وفي ذي الحجة تجد التجار يسهرون ويتعبون ويحسون بالنشاط والرجولة، والرجل تجده أمام أولاده، يقول لهم: هذا موسمي، هذا رزقي من الله عز وجل لا أفرط فيه، ويعتبر أنه وضع الشيء في موضعه وهو يبحث عن الدنيا، فكيف بمن يخوض في رحمة الله جل جلاله؟ فمنزلتك عند الله على قدر العلم الذي عندك، فابحث عن العلم المستنبط من الكتاب والسنة، فعلى المرأ رجلاً كان أو امرأة أن يطلب العلم ويجد ويجتهد، ولا يقف عند الحدود بل يحاول أن يغوص في أعماق العلم. فإذا تعبت في طلب العلم طالباً أراحك الله مطلوباً، وإذا تعبت في طلب العلم طالباً وذللت فيه أعزك الله مطلوباً، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ذللت طالباً وعززت مطلوباً)، فكان رضي الله عنه يقف في يوم عرفة يفسر القرآن، يقول بعض أصحابه: لقد شهدت من ابن عباس مشهداً في يوم عرفة لو رأته الروم لأسلمت، وقف يفسر سورة النور آية آية وكأنه يغرف من بحور، كان إذا تكلم في اللغة خاض فيها وفي لسانها وبيانها وأسرارها ونكتها وبلاغتها وفصاحتها، وإذا ذهب في علوم القرآن رأيت منه العجب وهو يستنبط، كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وإذا ذهب إلى السنة فناهيك به علماً وورعاً وعملاً مصاحباً للعلم رضي الله عنه وأرضاه. فهذا هو الذي يبحث عنه الإنسان، وما دمت قد عرفت شرف هذا العلم فعليك أن تضحي بكل ما تجد من أجل بلوغه، فإذا نظر الله إليك أثناء الطلب وأنت تتعب وتحصل، فاعلم أنه لا أكرم ولا أوفى من الله، والله إذا تعبت اليوم فإن الله سبحانه وتعالى سيريك ثمرة تعبك، ولن تموت حتى يقر عينك بما ترى، إن كنت تعبت في الطلب وكنت تحرص على أخذ العلم كاملاً سخر الله لك طلاب علم يتعبون كما تعبت، ويحبون العلم كما أحببت، ويأخذونه من فمك طيباً مطيباً كما أخذته من علمائك طيباً مطيباً، وكما أقررت عين العالم الذي أخذت عنه وهو يراك مجداً محصلاً فلابد وأن يقر الله عينك في طلابك، وهذه سنة الله عز وجل، وانظر في حال السلف فلا تجد طالباً لزم عالماً وأخذ عنه وضحى معه إلا ونبغ بعد وفاته، وأصبح مكانه يحاكيه ويماثله، فلما توفي ابن عباس فإذا طلابه هم سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان ومجاهد بن جبر ، فإذا نظرت إلى تلامذة ابن عباس كدت لا تفرق بينه وبينهم عِلماً وعملاً، لابد وأن يقر الله عينك، وكله على قدر تعبك في طلب العلم. الآن انظر إلى الذين يأخذون الكتب ويقرءون من الكتب ولو كا

شرح زاد المستقنع - باب القرض [2] مشروعية القرض معلومة، وشروطه منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع، ومنها ما هو مختلف فيه، كما أن القروض التي توضع في البنوك منها ما هي ودائع مشروعة، ومنها ما فيه احتيال وغرر، ومنها ما هو استثمار، وكل هذا له ضوابط وحدود معروفة عند علماء المسلمين، وأما الجمعيات المعروفة فهي في حكم المشتبه الذي لا يقطع فيها بالحرمة ولا بالجواز؛ لأن من نظر إلى ظاهر شروطها يجدها ربوية، ومن نظر إلى مضمون شروطها يجدها جائزة ليس فيها زيادة. أنواع الشروط التي يجعلها صاحب الدين على المدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الشروط التي يجعلها صاحب الدين على المدين، أو يجعلها المدين على صاحب الدين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: مشروعة، والثاني: ممنوعة، والثالث: مختلف فيها، والأصل أنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين على المدين زيادة على دينه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] فإذا سُئلت عن قضاء الدين؟ تقول: الأصل أن يرد له دينه دون زيادة أو نقص؛ لأنه إذا زاد فقد ظلم المدين، وإذا انتقص من الدين فقد ظلم صاحب الدين، فأنصف الشرع وعدل بين الطرفين، فأوجب أن يكون الرد مثل المأخوذ دون زيادة أو نقصان، وإذا سُئلت عن دليله؟ قلت: قوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]. ثم إن العلماء تكلموا على الفوائد والأمور التي تكون زائدة عن الدين، وفصلوا فيها؛ لأن الشريعة منعت وأجازت، فمنعت من الزيادة في قوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] وأجازت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قضى الدين وزاد، والشرط في الدين أن يقول صاحب الدين للشخص المدين: أعطيك مائة ألف بشرط كذا وكذا، وهذا الذي يشترطه تارة يكون مالاً من جنس الذي دفع إلى المدين، كأن يقول: أعطيك مائة ألف بشرط أن تردها لي مائة وعشرة، فهذا شرط بزيادة. وتارة يقول له: أعطيك مائة ألف ولكن بشرط أن تؤجرني دكانك أو تبيعني سيارتك أو عمارتك أو أرضك أو مخططك أو طعامك إلى آخره، فصار قرضاً وبيعاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع. وبناءً على هذا يقول العلماء: إن الفوائد المستفادة فيها تفصيل: فإن كان صاحب الدين اشترط منفعة زائدة على المدين أياً كانت المنفعة إما بالمال والنقد أو ما يكون مقدراً له قيمة فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف) فالزيادة لا تجوز ولو كانت ضمن عقد آخر، فإنه لما نهى عن بيع وسلف، عندما يقول لك: هذه عشرة آلاف بشرط أن تبيعني سيارتك بثمانية آلاف تكون السيارة قيمتها عشرة آلاف، فتتنازل عن الألفين لقاء القرض، وعلى هذا قالوا: لا يجوز الشرط بالمنفعة. هنا مسألة: وهي وجود المنافع كأن يقول لك: أعطيك مائة ألف مثلاً من الذهب، في القديم الدنانير تحتاج إلى حمل؛ لأنها من الذهب، والذهب يوضع في الأكياس، والأكياس لابد من حفظها، وإذا أعطاه في مكة، وقال: بشرط أن تعطيني المائة ألف في نهاية رمضان في المدينة، فإن حمل الذهب من المدينة إلى مكة فيه مخاطرة ومئونة؛ لأنه يحتاج إلى حمله والاستئجار للدواب لوضعه بها ثم نقله إلى المدينة، فإذا قال: أعطيك مائة ألف في مكة بشرط أن تقضيني إياها في المدينة أو الطائف، فهمنا أنه يريد منفعة السلامة من الخطر، والنجاة من ضمان الحمل. فإن كان الحمل يكلف خمسمائة ريال مثلاً، فكأنه أعطاه مائة ألف ليردها مائة ألف وخمسمائة. إذاً: الفوائد تكون ظاهرة وتكون خفية عن طريق المنافع، ومن هنا نهي عن قرض وشرط، فالقرض الذي يكون معه شرط فيه فائدة فهو محرم، فمثلاً: الودائع المصرفية كأن يودِع في المصرف عشرة آلاف على أنها وديعة، فيأخذ عشرة آلاف وخمسمائة بعد أجل مسند، فيشترط عليه المصرف شرطين: الشرط الأول: أن لا يسحب هذه الوديعة قبل سنة؛ لأن الودائع المصرفية التي عليها فوائد لابد أن تمكث مدة معينة، وكل سنة فيها مثلاً (6%)، فمعناه أنه اشترط عليه بقاءها إلى أجل على أن لا يطالبه قبلها. وثانياً: أن يعطيه زيادة عليها، فشرط الأجل من المصرف وشرط الزيادة من العميل؛ لأن العميل هو الذي يطالب بالزيادة. وبناءً على ذلك: إذا كانت القروض تأتي بفوائد عينية كمائة بمائة وخمسة، أو مائة بمائة وعشرة فهذا واضح لا إشكال فيه، وهذا يدعونا إلى دراسة ما يسمى بالوديعة المصرفية؛ لأن الباب باب قرض، وفيه قديم وجديد، وطالب العلم قد يدخل إلى المصرف ويرى كلمة (حساب جاري) ولا يعرف ما معنى ذلك، ويرى مثلاً: الودائع بفوائد، وهو لا يدري عنها، فلابد أنه يعلم الحكم والموقف الشرعي من هذا النوع من القرض، فنحتاج إلى مسائل: ...... الفرق بين الوديعة الشرعية والوديعة المصرفية المسألة الأولى: هل الوديعة المصرفية قرض أو وديعة حقيقية؟ فإن كانت وديعة سنبحثها في باب الودائع، وإن كانت قرضاً فسنبحثها هنا؛ لأننا في باب القرض. فما هي أنواع الودائع المصرفية، وما هي أحوالها وأمثلتها، وما موقف الشريعة الإسلامية من كل مثال وحالة؟ أما بالنسبة للوديعة المصرفية فصورتها أن يأتي العميل بمبلغ معين قليلاً كان أو كثيراً ويدفعه إلى المصرف، ونحن نعبر بالمصرف؛ لأنها أفصح من عبارة (بنك) وهي أوضح في الدلالة، وإن كان في المصطلح الاقتصادي الموجود اليوم يوجد فرق بين مصطلح البنك وبين مصطلح المصرف، لكن إذا قلنا: مصرفية تشمل المصرف بمعناه أو البنك بمعناه. الوديعة المصرفية يقوم العميل فيها بوضع مبلغ معين، وهذا المبلغ المعين يكون فيه اتفاق بين المصرف وبين العميل، ففيه طرفان: موُدِع: الذي هو العميل، وموُدَع عنده: الذي هو المصرف، على أن يلتزم المصرف بحفظ هذا المبلغ ويلتزم بأدائه للعميل متى طلبه، لكن في بعض الأحوال يتفقان على مدة معينة كما ذكرنا، والسؤال: هل وضع مائة ألف مثلاً في المصرف نعتبره وديعة أم قرضاً؟ إن أي مسألة عصرية إذا جئت تبحثها بحثاً فقهياً منهجياً أول ما يجب عليك أن تأخذ الألفاظ وتدرس معانيها، ثم هذه المعاني الموجودة في واقعك ومعيشتك وعُرفك وبيئتك على حسب ما يفهمها الناس أو يتعاملون بها، هل تتفق مع المصطلحات الشرعية أو تختلف؟ فإن قالوا: وديعة، فالعلماء وضعوا للوديعة تعريفاً ومصطلحاً معيناًَ، فطبق المصطلح على الحقيقة والواقع، فإن اتفق أعطيتها حكم الوديعة، وإن اختلف بحثت ما هي حقيقته ولم تغتر بالاسم الظاهر، إذاً: لو جاءوا وسموا معاملة ما بيعاً، فنقول: ما هي حقيقة البيع؟ مبادلة المال بالمال، فهل هذا مال مبادل بمال؟ إذاً: فهو بيع، لكن لو كان منفعة بمال فهو إجارة، فالناس قد يخطئون في التعبير بقصد أو غير قصد. فالوديعة في الشريعة تقوم على حفظ المال وأدائه بعينه دون تصرف فيه، فإذا جاءك بكيس ووضعه عندك وديعة، فمعناه أنه ينبغي أن تحفظ نفس الكيس وما فيه؛ لأنك أمرت بحفظ هذا الشيء بعينه دون أن تتصرف فيه، قالوا: فلو فتح الكيس انتقلت الوديعة من كونها وديعة إلى كونها قرضاً ويضمن؛ لأن الوديعة تستلزم أن تحفظ المودع بعينه وترده بعينه، فإن أخذ المال بأن أعطاك إياه خمسمائة ريال فأخذت الخمسمائة بعينها ووضعتها في الدرج وقفلت عليها: وكتبت عليها هذه وديعة فلان بن فلان، فجاءك بعد عشر سنين وأعطيته العين نفسها، فهذه وديعة، ولو أنك وضعتها فاحترق الصندوق والبيت واحترقت هذه الفلوس بهذه الطريقة التي لم تتصرف فيها لم تضمن؛ لأن يدك يد أمانة. إذاً: كل شيء له في الشرع ضوابط، فلا يسير الإنسان على تعبيرات الناس وأهواء الناس، وهذا الفقه عُصارة أذهان أكثر من عشرة قرون، والعلماء يتعبون ويسهرون ويكدحون من أجل إعطاء كل ذي حقٍ حقه، فإذاً: عندما نقول: وديعة فعندنا ضابط معين، وهو أن يستلزم منك ذلك حفظ عين الشيء وأداءه بعينه متى ما طلبه دون مماطلة أو تأخير، فلو أن الإنسان جاء بالعشرة آلاف ووضعها في المصرف فهل يلتزم المصرف بحفظ عين المال ورد العين أم بحفظه ورد مثله؟ الجواب: رد المثل، ولا يوجد مصرف يأخذ منك عين المال ويرد لك عين المال، وإنما يأخذ ويعطي بدلاً عنه. ولذلك ينبغي أن نتنبه إلى أن التسمية بالوديعة ليست صحيحة من ناحية شرعية، بل حتى في القوانين الوضعية، وفي العرف الاقتصادي الموجود المعاصر يسمون الودائع المصرفية قروضاً، وإنما سميت وديعة على حسب ما يقصد من هذا، سواءً كانت تسمية ظاهرة أو غير ظاهرة، حتى يقول: إن الوديعة مشروعة، وإذا كانت الوديعة مشروعة في الأصل؛ فإنه يترتب عليها نوع من إضفاء الشرعية على هذا الشيء. وبناءً على ذلك: لا يمكن أن نحكم بكون الوديعة المصرفية وديعة بمعناها الشرعي الصحيح، حتى نفس العرف الاقتصادي يسلم بأن الودائع قروض، وإذا احترقت المصارف وصار عليها عارض ليس بيدها، فإنها تضمن المال الذي أودع فيها؛ لأنها لا تأخذ حكم الودائع. إذا ثبت أن الوديعة المصرفية دين فهي قرض، وتكون معنا في الباقي على نفس الدراسة التي درسناها، فأصبحت المعاملة في الحقيقة على أن يدفع له المال ويرد له مثله، هذا من حيث الشكل العام والمضمون العام في الودائع، وإذا ثبت هذا فمعناه أنك تبني عليه جميع الأحكام الشرعية المبنية على القروض، وهذا يستلزم أن نقسم الودائع المصرفية إلى أقسام. ...... أقسام الودائع المصرفية القسم الأول: الوديعة المستندية. القسم الثاني: الحساب الجاري. القسم الثالث: الودائع بالفوائد. القسم الرابع: شهادات الاستثمار. ...... الوديعة المستندية أما بالنسبة للوديعة المستندية فمن الممكن أن نسميها وديعة شرعية، وهذه الوديعة حقيقتها: أن يقوم العميل باستئجار صندوق معين في المصرف أو البنك، ويمكنه البنك من مفتاحه، على أن يضع فيه وثائقه ومستنداته، ويتكفل البنك بحفظ هذه الودائع والمستندات، ويمكن العميل من أخذها في أي وقتٍ شاء، على أن يدفع أجرة معينة على حسب المتفق عليه، وهذا النوع موجود الآن في بعض المصارف الكبيرة، ويسمونها مستندية؛ لأن الغالب أنها تستأجر من أجل المستندات، يكون التاجر عنده صكوك يخشى عليها السرقة أو الاحتراق أو التلف، أو عنده وثائق معينة لأعماله فيخشى أن يطلع إنسان عليها فتفسد تجارته، فيأتي ويستأجر هذا الصندوق ويحفظ فيه وثائقه ويقفله ويأخذ المفتاح، ومتى ما جاء التزم المصرف بتمكينه من أخذ ما شاء من هذا المكان. إذاً: لو سألت هذا الصندوق الذي يضع فيه العميل حوائجه، هل يأخذ عين المودع أم مثله؟ الجواب: يأخذ العين، وهل أحد يتصرف في هذه العين غيره؟ لا. إذاً: هي وديعة وتأخذ حكم الوديعة الشرعية، لكن السؤال: اتفاق المصرف مع العميل على أن يدفع مبلغاً معيناً شهرياً أو سنوياً هل هو جائز أم ممنوع؟ يمكننا أن نقول: إنها إجارة؛ لأنه استأجر المصرف لحفظ هذا المبلغ خلال المدة المتفق عليها، وبناءً على ذلك يسري عليه ما يسري على الإجارة الشرعية؛ لأنك قد تستأجر شخصاً من أجل أن يحفظ لك مزرعتك أو يحفظ لك دوابك. فالإجارة من أجل الحفظ مشروعة بالإجماع؛ لأن القاعدة أن الإجارة تجوز على كل منفعة مباحة، كذلك حفظ الصكوك والمستندات مباح فإذا استأجره لحفظها كان مباحاً، وبعض الناس يأخذ هذه الصناديق ويضع فيها مجوهرات وحلياً ونفائس موجودة عنده ويخشى عليها السرقة فيضعها ويقفل عليها، ويأتي ويأخذ عين المجوهر وعين الشيء الذي له، وهذا يأخذ نفس الحكم، سواء استأجرها للوثائق وللمستندات أو للجواهر أو للحلي، بل حتى لو جاء ووضع ماله في هذا الصندوق وأخذه بعينه فإنه جائز ومشروع؛ لأنها وديعة شرعية دون أن يختلط ماله بمال الغير، ودون أن يسري عليه أي شبهة أو أي محصول. إذاًَ: الوديعة المستندية جائزة ومشروعة؛ لأنها عقد إجارة على منفعة مباحة، وشروط الإجارة مستوفية، فهي إجارة على منفعة مباحة، في مدة معلومة، وبثمن معلوم، واستوفت جميع الصفات المعتبرة شرعاً.
الحساب الجاري والودائع بالفوائد القسم الثاني: الحساب الجاري، وحقيقته أن يقوم العميل بدفع مبلغٍ معينٍ للمصرف، ثم يلتزم المصرف تجاه هذا المبلغ المعين أن يمكن العميل من سحبه كله أو بعضه أي وقتٍ شاء، سواءً سحبه أصالة أو وكالة، والحساب الجاري في الحقيقة له ثلاث صور. الصورة الأولى: أن يدفع المبلغ، فيسحب على قدر مبلغه دون أن يزيد أو ينقص. الصورة الثانية: أن يدفع المبلغ ويعطيه المصرف زيادة إذا بقي المبلغ دون أن يطلبها هو، لكن إذا مضت فترة معينة حتى لو لم يقصد، فمثلاً: وضع مائة ألف على أساس أن يسحبها بعد شهر ثم تأخر سحبه إلى ثلاثة أشهر، وبعض المصارف تعطي فائدة على مدة بقائها ثلاثة أشهر، ولو لم يكن هناك اتفاق مسبق من باب المكافأة على وضعها هذه المدة، ففي هذه الحالة يكون المستفيد هو العميل، والاستفادة وقعت بدون شرط، إنما أعطاه المصرف من باب المكافأة على بقاء المبلغ هذه المدة، وهذا يقع في الخارج خاصة في أوروبا، فبعض البنوك تكافئ من يودع عندها مدة معينة ويكون المبلغ كبيراً فتجعل له الزيادة (6%) على بقائها ثلاثة أشهر دون أن يسحب أو ينزل رصيده عن حدٍ معين؛ لأنهم يستغلون هذه الأموال، ويحسون أن هذا الاستغلال لابد أن يرد فائدة، وهذا في نظرتهم. الصورة الثالثة من الحساب الجاري: وهو العكس وهذا يقع في الدول الفقيرة، بخلاف النوع الثاني فهو يقع في الدول الغنية التي فيها ثراء والسيولة فيها كثيرة. أما النوع الثالث فمثلاً: إذا دفع مبلغاً وبقي في المصرف أو البنك مدة وضعوا عليه ضريبة، فإذا جئت تسحب المال، ودفعت مائة ألف ومكثت سنة، فإنهم يأخذون ألفاً، فتأخذ تسعة وتسعين ألفاً. إذاً الحالة الأولى: إذا دفع المبلغ ثم سحب مثله والتزم أن يعطى قدر مبلغه دون زيادة أو نقصان، فهذا قرض ليس فيه فائدة، وليس هناك شرط فائدة ولا زيادة ولا ربا، ومن حيث الأصل العام إذا أعطى شخص شخصاً مائة ألف وجاء وسحب كل المال، أو التزم الطرف الثاني وقال له: يا فلان! خذ المائة ألف هذه قرضاً، قد أبعث لك شخصاً في أي ساعة يسحبها كلها أو بعضها فأعطه، فهذا جائز، والأصل يقتضي الجواز، لكن الإشكال من كونه ذريعة معينة على الحرام، فإنه إذا كان يعطي المال للمصرف فهذا يفصل فيه، فإن كان تعامل المصرف يكون بشيء محرم كان وضعه على هذا الوجه معونة على الحرام، فلا يجوز، وإن كان لا يتعامل بالحرام كان جائزاً؛ لأنه يدفع المبلغ ثم يأخذه دون زيادة أو نقصان. أما الحالة الثانية: إذا كان المصرف يعطيه الزيادة بدون موعد ولا عِدة، فهل يجوز ذلك؛ لأن: (خير الناس أحسنهم قضاءً) ؟ الجواب: إذا جئنا ننظر إلى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً ورده خياراً رباعياً) نقول: يجوز، لكن المشكلة أن هذه العوائد تركبت من ديون بالآجال عليها فوائد، فهو يعطي لأشخاصٍ ديناً، ويأخذ عوائد هذا الدين باقتراضهم منه لكي يصرفها في الفوائد، وبناءً على ذلك صار أصله من حرام، فنقول: إن هذا الوجه يقتضي التحريم. الوجه الثاني: لو قال قائل: يجوز في الحساب الجاري، لو سافر إلى بلد غني ووضع مليوناً، ثم سحب الحساب الجاري المليون وأعطي مليوناً وعشرة، نقول: لو قيل: إن هذا من باب مكافأة الدين لم يصح، أولاً: لأنه عائد من حرام والفرع تابع لأصله، وثانياً: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فلما جرت عادة المصرف بأنه يكافئ على الوضع فيه، فكأنه حينما أودع فيه اشترط مسبقاً على المصرف أن يكافئه، وهذا عين المحرم؛ لأن كل شرطٍ جر نفعاً فهو ربا، والإجماع منعقد كما حكاه ابن المنذر والإمام ابن قدامة وغيرهم على تحريم ذلك. إذاً: مسألة وضع المال وإعطاء الفائدة بدون شرط مسبق، يصح تحريمها من وجهين: الوجه الأول: أن عائده من حرام والفرع تابع لأصله. الوجه الثاني: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ولفظاً كما يقول بعض العلماء، فكأنه حينما جرت عادة المصرف بذلك فإنه يكون عند وضعه للمال كأنه قد رضي بذلك وطلبه فينزل منزلته. وهنا سؤال: لو أن شخصاً جاء ووضع المال في هذا النوع من المصارف، فدفع مائة ألف فأعطي أرباحاً (مائة وخمسة)، فهل يتركها أو يأخذها؟ الجواب: عندنا نصوص في الكتاب والسنة نرجع إليها إذا جئنا نحكم في المسائل ونركب بعضها على بعض، وقد أثبتنا أن الوديعة والحساب الجاري يعتبر قرضاً، والله تعالى يقول في القرض: فَلَكُمْ [البقرة:279] أي: هذا الذي تتملكونه وهو من حقكم: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] فهو إذا سحب رصيده حينئذٍ يكون قد حقق المأمور به شرعاً، لم يظلم ولم يُظلم، وهذا بالنسبة للأصل العام، أنه إذا سحب رصيده وأصل ماله فإنه لا يظلم ولا يُظلم والنص آمر بذلك وملزم به، ودال على أنه إذا أخذ الزائد عنه فقد أخذ الحرام. وقد يقول قائل: لو أخذ الزيادة واستفاد منها بإنفاقها في مشروع خير أو نحو ذلك، لكان أفضل من بقائها، خاصة وأنها إذا بقيت ربما أخذت لأمور تضر بالمسلمين، فهل يأخذها ولا يتركها؟ نقول: هذا اجتهاد في مقابل النص، والنص يقول: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] ثم لما اجتهدوا هذا الاجتهاد، وقالوا بجواز أخذ المال مع زيادة عادوا فقالوا: لكن لا تصرفها في بناء مسجد أو طبع كتاب، ولا تفعل بها أموراً فيها طعام أو شراب لمسكين، فيشتبه هو في هذا المال بعد حكمه بأخذه كيف يتصرف فيه؟ ودائماً إذا خالف الإنسان النص يقع في حيرة؛ لأنه إذا التزم بالنص ما عنده إشكال، ثم نقول: لو أنك أخذت رأس المال لم يقع الربا، فإذا قيل: له أن يأخذ الزيادة حتى لا تبقى عند الغير، عندئذٍ تحقق الربا، ولذلك احتار! إذاً: ما دام أن هذه الزيادة محرمة فلماذا نفتي بجواز أخذها؟ ثانياً: لو أننا أخذنا هذه الزيادة حتى لا يستضر المسلم بها، فإننا نقول: تركها أكثر منفعة للمسلمين؛ بل إنه أبلغ في دعوة الكافر وتنبيهه على فضل الإسلام، فأنت إذا جئت لكافر يتعامل بالربا في مصرفه وأخذت رأس المال، وقلت له: ديني يأمرني أن لا آخذ إلا رأس المال، يقول لك: كيف تترك ربحاً قدره عشرة آلاف، فهم يكادون يعبدون المال من شدة تعظيمهم له، ولا يتعاملون إلا بالدينار والدرهم، ولا يعرفون إلا المال، فإذا وجد أنك لا تأخذ المال الربوي وأحس بعزتك؛ لأن الكافر يغتاظ إذا رأى المسلم معتزاً بدينه، قوي الشكيمة في الحق، لا يريد إلا دينه وما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. ثالثاً: هو بنفسه يشعر بفضل هذا الأمر الشرعي؛ لأنه يأخذ الدين من غيره، وغيره يطالبه بفائدة الدين فإذا وجد أنك لا تأخذ إلا رأس مالك، وقلت له: ديننا يأمرنا أن نأخذ رأس المال، فإنه يتأثر ويحس أن هذا الذي تقوله هو عين العدل، فقد يكون سبباً في التأثير عليه، وقد يكون سبباً في شعوره بفضل الإسلام، فالدعوة كما تكون باللسان تكون أيضاً بالجوارح والأركان، لأنك بتعاملك معه تعرفه حقيقة الإسلام، وأن الإسلام دين عدل، فاليوم يأتي شخص لا يأخذ الفائدة، وآخر يأتي بموقف اجتماعي يقول: الإسلام يأمر بكذا، فلا تزال تجتمع عنده محاسن الإسلام حتى تكون سبباً في هدايته، وقد حكى بعض طلاب العلم أنه وقع في ذلك يقول: ولم أرض أن آخذ هذه الزيادة، فطلبني المسئول، وسألني: لماذا لا تأخذ الزيادة؟ فقلت له: ديني يأمرني أن آخذ رأس المال فقط، قال لي: لماذا؟ فقلت له: لأني أنا أعطيتك عشرة آلاف فآخذ عشرة آلاف فقط، فلا أظلمك بأخذ الزيادة، قال الأخ: فجعل يتعجب؛ لأنه يأخذ الدين من غيره، وغيره يطالبه بفائدة الدين، فالشاهد أننا إذا اجتهدنا لهذا فإن محاسن الشريعة بأخذ رأس المال أجل وأكمل، ولا نستطيع أن نجتهد في مقابل النص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، فهذه الحالة الثانية: وهي أن يدفع المال ثم يعطى الزيادة عليه بدون عدة. الحالة الثالثة: أن يدفع المال فيؤخذ من المال على قدر الحفظ، فإذا قال له: ضع المال عندي لمدة شهر وآخذ منه مقابل حفظه، فهذه المسألة تتفرع على مسألتين: المسألة الأولى: رخص بعض العلماء رحمهم الله إذا أعطاه قرضاً، وقال له: خذ هذه المائة ألف قرضاً وردها لي تسعين، أو ثمانين، قالوا: يجوز؛ لأنه أبرأه وأسقط عنه ذلك، لكن المشكلة ليست هنا، المشكلة أن هذا النقص إنما أخذ بدعاية الحفظ وهي غير موجودة، فصار من أكل المال بالباطل، فالصورة الأولى: محض تبرع، وهناك فرق بين الصورة الأولى والثانية، وقد ذكرت هذا حتى لا يلتبس على بعض طلاب العلم، وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني أنه إذا أعطاه القرض وأسقط عنه شيئاً منه جاز له ذلك، وقد رخص في هذا أئمة من السلف رحمة الله عليهم، وروي عن ابن عباس نحو هذا، لكن هذا غير ما نحن فيه؛ لأن الذي نحن فيه أن الآخذ يدعي استحقاقه للمال لقاء الحفظ، والحفظ غير موجود، فصار من أكل المال بالباطل، فالذي يأخذه يأخذه ظلماً، ولذلك قال الله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] ولو ساغ للمدين أن يأخذ من الدين شيئاً لما جعل الله الأخذ ظلماً، ولو ساغ للمدين أن يأخذ لقاء الاستدانة شيئاً لبين الله سبحانه وتعالى ذلك ولما جعله ظلماً، فكما أنه لا يجوز لرب المال أن يسقط عنه في الحفظ شيئاً، لا يجوز أن يسقط عنه فيما يدعيه حفظاً على هذا الوجه شيئاً. إذاً: الصحيح في هذه الحالة الثالثة أنها لما كانت على سبيل التعاقد والإلزام كانت من أكل المال بالباطل، والدليل على تحريمها قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] ولأن النص أثبت أنه لا يجوز للمديون أن يأخذ لقاء وجود المال عنده على الدائن؛ لقوله: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] فأمر الله المديون والدائن أن يكون الوفاء برأس المال، فدل على أنه إذا اقتطع منه شيئاً فقد ظلمه ولا يجوز ذلك.
شهادات الاستثمار هناك مسألة الوديعة بزيادة مشترطة، وهي ما يسمى بالاستثمار، فمثلاً يحدد المصرف مبلغاً ما ويقول للعميل: ادفع ما لا يقل عن ستة آلاف ولا يزيد عن عشرة آلاف قسطاً شهرياً لمدة ثلاث سنوات، فإذا مضت الثلاث السنوات أعطيناك زيادة (6%) على المبلغ كله. أولاً: لابد أن يحدد المصرف الحد الأقل للمبلغ المدفوع والحد الأقصى، أي: ما بين ألف إلى عشرة آلاف، كأن لا تزيد على عشرة آلاف ولا تنقص عن ألف، إن شاء يدفع ألفاً شهرياً قُُبل منه، وإن شاء يدفع ألفين أو ثلاثة آلاف إلى أن يصل إلى عشرة آلاف، فلو قال: سأدفع شهرياً أحد عشر ألفاً يقولون: لا، ادفع فقط ما بين ألف إلى عشرة آلاف. وهذه هي الفئة الممتازة، فعندما تكون فئة (أ) يكون فيها المبلغ أكبر والمدة محددة، فبعد أن يحدد المصرف أقل مبلغ يدفع يحدد له أكثر المبلغ، ثم تحدد المدة، يقال لك: تدفع لمدة سنتين شهرياً، فلو دفع ألفي ريال شهرياً، والسنة فيها اثنا عشر شهراً، فمعناه أنه سيدفع أربعة وعشرين ألف ريال، والأربعة والعشرون ألف ريال خلال ثلاث سنوات يكون مجموعها اثنين وسبعين ألف ريال، وهذا المبلغ يحسب منه فوائد (10%) أي: سبعة آلاف ومائتين، معناه أنه سيعطيه تسعة وسبعين ألفاً ومائتين، فكانت المعاملة على النحو الآتي: يحدد المبلغ الأقلي والأكثري على أن يكون الدفع بينهما، ويلتزم العميل بالدفع شهرياً ولا يتخلف أي شهر حتى تتم المدة، ثم يلتزم بعدم السحب من الرصيد لمدة ثلاث سنوات؛ لأن المصرف سيأخذها ويقرضها للناس، وهذه الالتزامات على العميل مكونه من: التزام في المبلغ أن لا ينقص عن كذا ولا يزيد عن كذا، والتزام في المدة: ثلاث سنوات أو سنتين أو سنة ونصف، والتزام بعدم السحب، هذه ثلاثة أشياء، وبعد أن يتم الاتفاق على هذا الوجه يلتزم البنك والمصرف بإعطائه فائدة بنسبة معينة. إذاً: هناك استثمار من فئة (أ) واستثمار من فئة (ب)، لماذا تتفاوت فئة (أ) عن فئة (ب)، فئة (أ) يكون المبلغ كبيراً ويحدد بمدة لأصحاب الأموال الكثيرة؛ لأنهم يعرفون طبقات المجتمع، ويريدون أن يستفيدوا من طبقات المجتمع، فيجعلون لمن كان راتبه أكثر مبلغاً أكثر، فيحددون مثلاً: من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، طبعاً: لا يستطيع أن يدخل في هذا الاستثمار لمدة ثلاث سنين بهذا المبلغ الكبير إلا إنسان مقتدر، النوع الثاني: يضعونه، فئة (ب)، وهذه الفئة تتراوح المبالغ فيها من ثلاثة آلاف ريال أو من ألفين شهرياً إلى ستة آلاف، فيكون التحديد أقل والمبلغ أقل وأيضاً الفائدة أقل، أي: هناك تجد الفائدة (10%) وهنا الفائدة (5%) مثلاً، فالتفاوت والتفاضل بين الفئة (أ) والفئة (ب) من حيث المضمون والجوهر، لكن من ناحية شرعية الحكم فيهما واحد، فلا تضرك المسميات؛ لأن هذا شيء يرجع إلى طريقة حساب الفوائد، فهي تختلف من طبقة إلى طبقة. أعطوا في الفئتين السابقتين الاستثمار للطبقة العالية والطبقة المتوسطة وبقي الطبقة الضعيفة، فتعطى استثماراً من فئة (ج)، وفئة (ج) من مائة ريال، أو مائتي ريال، أو ثلاثمائة ريال، يقولون: تدفع من خمسين ريالاً مثلاً؛ لأنهم يعرفون أنه سيشارك في هذه الفئة عدد أكبر، فيدفعون مثلاً: من خمسين ريالاً إلى ستمائة ريال لمدة ثلاثة شهور، وفي بعض الأحيان يحددون ويقولون: تدفع مائتي ريال شهرياً، فإذا دفع مائتي ريال شهرياً لمدة ثلاثة شهور هذه ستمائة ريال، والستمائة ريال يقولون: يلتزم المصرف بردها، ولكن يجمعون أسماء المشاركين كلهم، ثم توضع القرعة، ومن خرجت له القرعة أخذ الفائدة أو الجائزة الموجودة، وتقسم أرباح هذه الفئة كلها على عشرة أشخاص، يكون للأول ألف، وللثاني ألفان، وللثالث أربعة آلاف... إلخ. فنلاحظ أن عندنا فئة (أ) وفئة (ب) وفئة (ج)، هذه ثلاث دركات -نسأل الله السلامة والعافية- فئة (أ) وفئة (ب) لها دراسة مستقلة، أما فئة (ج) فسنركز عليها أكثر؛ لأن البعض أفتى بجوازها، وأدخل بعض الشبهات في الحكم بجوازها، فسندرس فئة (أ) و(ب) على حدة، ثم بعد ذلك ندرس فئة (ج). فئة (أ) و(ب) حينما يقال: تدفع ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، وتلتزم ببقاء المبلغ ثلاث سنوات، وتلتزم أيضاً بعدم السحب منه وتعطى فائدة كذا، ما حقيقة هذا العقد؟ أولاً: هو قرض، وثانياً: اشترط فيه وجود المنفعة والزيادة، وهذا بإجماع العلماء ربا محرم؛ وهو مخالف لقوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، فإذا أعطاه بزيادة -سواءً حدد المدة أو لم يحدد المدة مادام أنه يقول: آخذ منك هذا الدين وأرده بزيادة كذا وكذا سواء قلت الزيادة أو كثرت- فإنه الربا الذي حرم الله ولو ريالاً واحداً، فإن اشتراط هذه الزيادة قليلة كانت أو كثيرة هو عين الربا. الأمر في (أ) و(ب) واضح جداً ولا إشكال فيه، لكن الإشكال في فئة (ج)، فما هي الشبهة وكيف جوابها؟ قالوا: أولاً: في فئة (ج) المصرف أو البنك لم يلتزم أن يعطيك فائدتك إنما هو قال: تدخل في القرعة، فيحتمل أن تربح ويحتمل ألا تربح، فإذاً: حينما دخل العميل في الاستثمار لم يشترط على المصرف أن يربح ولم يشترط المصرف له أن يعطيه الزيادة، فإذاً: خلا عن قرض شرط فيه النفع, وأصبحت الزيادة بدون اشتراط، فهي جائزة، وغاية ما فيه أن المصرف تفضل بإعطاء هذه الزيادة وهذا الربح من باب المكافأة، والمكافأة على الدين جائزة، هذا بالنسبة للشبهة التي تثار في فئة (ج)، أنه لم يلتزم بإعطاء الفائدة وإنما وقع ذلك على سبيل الاحتمال، وإنما تحرم الزيادة إذا كانت على البت، كما لو أقرض الشخص شخصاً يحتمل أن فيه مكافأة ويحتمل أن لا يعطيه مكافأة، فتردد بين الزيادة وعدمها، قالوا: فيجوز. والجواب عن هذه الشبهة: أن يقال من وجوه: الوجه الأول: أن دخول العميل في هذا النوع من شهادات الاستثمار إنما قصد منه الربح والنماء، لم يدخل أحد في هذا الاستثمار لمجرد أن يحفظ ماله إنما دخل من أجل أن يربح، والمقاصد معتبرة في العقود، وعلى هذا كأنه يدين من أجل أن يربح. الوجه الثاني: أن هذا الربح لو كان مكافأة فإنه مبني على أصل محرم، والمكافأة من المحرم فرع راجع إلى أصله، وما بني على حرام فهو حرام، وبناءً على ذلك: لو سُلم جدلاً أنه مكافأة، فإننا نقول: إنه يعتبر من مال محرم، والمكافأة من المحرم محرمة؛ لأنها مأخوذة من فوائد من الإيداع ومكافأ بها العميل، وعلى هذا فلا يمكن التسليم بأنها من المكافأة؛ لأن العميل دخل وقد علم المكافأة، وحددت له، وبينت له، ووضع المال قاصدها، وشرط المكافآت أن لا يكون هناك علم أو تواطؤ أو إخبار، فلو قال له: ادفع لي عشرة آلاف يمكن أن أعطيك عليها ربحاً أو لا أعطيك لحرمت بالإجماع، قال له: إذاً: أشترط عليك أنه إذا يسر الله تعطيني وإذا لم ييسر فلا تعطيني، فهنا يقول: أشترط عليك إن ظهر اسمي أعطيتني، وإن لم يظهر اسمي فلا تعطيني، فلا يوجد فرق بين الحالتين. فإذاً: التذرع بأن خير الناس أحسنهم قضاءً، هذا ليس بوارد، إنما يكون ذلك لو خلا عن المقصد، وجاء بدون قصد ولا عدة، وهنا جاء بقصد؛ لأنه دخل وهو يريد، وجاء بعدة محتملة، أي: إن ظهر اسمك كان لك وإن لم يظهر فلا، فالتذرع بمثل هذا لا يصح ولا يستقيم. الآن عرفنا الشبهة وجوابها، وعندنا شبهة سبق وأن نبهنا عليها، وهي: أنه يتذرع في شهادات الاستثمار بأنها من باب القراض، ولو فرضنا أن وجائز، كأن يدفع رب المال إلى العامل ماله على أن يتجر به والربح بينهما على ما شرطاه، القراض يكون عندك مائة ألف وأنت طالب علم لست بمهيأ للمرابحة بهذه المائة ألف أو المتاجرة فيها، وهي موجودة عندك كرصيد مجمد، فمن رحمة الله عز وجل وتيسيره أن أباح لك أن تعطيها رجلاً عنده خبرة، يضرب بها في الأرض ويتاجر فيستفيد بخبرته، وينمي هذا المال، فإن ظهر ربح كان بينكما على ما اشترطتما.. إما أن يقول: الربح بيني وبينك مناصفة، أي: إذا ربح خمسة آلاف فإن لك ألفين وخمسمائة وله ألفين وخمسمائة، فيذهب ويتاجر بالمائة ألف في السيارات، أو الأقمشة، أو الأغذية، أو الأدوية أو غيرها... وبعد مضي المدة المتفق عليها تقول له: يا فلان! احسب لي المضاربة، فيذهب ويبيع الأشياء الموجودة بمائتي ألف، ثم يدفع أجرة الدكاكين وأجرة الأعباء وأجور العمال، فاستقر المبلغ على مائة وخمسين ألفاً؛ لأن الربح لا يكون إلا بعد رد الحقوق، فأنت دفعت مائة واتفقتما على أن الربح بينكما مناصفة وكان الربح خمسين ألفاً، فيأخذ خمسةً وعشرين ويرد لك مائة وخمسة وعشرين، هذه هي المضاربة الشرعية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: من قال: إن القراض الذي هو المضاربة، ويسمى قراضاً ويسمى مضاربة، وسمي مضاربة؛ لأنه من الضرب في الأرض: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ [المزمل:20] الذي هي التجارة، وسمي قراضاً؛ لأنه اقتطع من ماله قرضاً فسمي بهذا. يقول: إن من قال: إنها ثابتة بالإجماع فقد وهم، إنما هي ثابتة بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضارب بمال خديجة، وجاء الإسلام والقراض موجود ومعروف، ورحلة الشتاء والصيف تدل على أنهم كانوا يسافرون في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن للتجارة، ثم ترد الأرباح وتقسم على حسب ما يتفقون عليه، فأجازت الشريعة هذا النوع من العقود. يقولون: إن الفوائد والأرباح تعتبر قراضاً، وأعجب فما تنفك من عجائب! حينما يأتي من يقول: إن عقد القراض ليس فيه نص من الكتاب والسنة بشروط معينة، وإذا كان ليس فيه نص معين لا من الكتاب ولا من السنة وليس فيه إجماع على شروط معينة، فإنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فيصبح قراض الأمس له حالة، وقراض اليوم له حالة، هذا هو الفقه الجديد الذي -نسأل الله السلامة والعافية- زين لصاحبه حتى يحل ما حرم الله، فيضل ويضل ومن ثم يهلك ويُهلك غيره. والقراض في الأصل يقوم على أركان وهي: رب المال، والعامل الذي يضرب بالمال ويتاجر، وهو الطرف الثاني، والمحل الذي هو المتاجرة، والصيغة التي هي الإيجاب والقبول، كأن يقول له: قارضتك على أن يكون الربح بيننا. يقولون: إذا جاء العميل للمصرف ودفع مائة ألف فإنن...... حكم اشتراط المنافع على القرض يقول المصنف رحمه الله: [ويحرم كل شرط] أي: في الدين إذا اشترط المنفعة فلا يجوز؛ لأن اشتراط المنافع تارة يكون من المكر، كأن يقول: العشرة آلاف تردها لي عشرة آلاف وخمسمائة، وبعض الأحيان يكون اشتراط المنفعة بالمعنى سواءً كانت منفعة اعتبارية أو منفعة من غير النقد، كأن يقول له: أعطيك عشرة آلاف على أن تعمل عندي يوماً، أو توصل هذا لفلان، أو تفعل كذا وكذا، فصار قرضاً جر نفعاً، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن كل قرض جر نفعاً من حيث الجملة إذا وقع على سبيل الشرط والمشارطة أنه لا يجوز، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر، ونقله الإمام ابن قدامة رحم الله الجميع برحمته الواسعة، فمن حيث الأصل لا يجوز القرض الذي يجر نفعاً، ولكن إذا ثبت هذا فهو يحتاج إلى شيء من التفصيل وفي عصرنا الحاضر عندنا مسألتان نحتاج إلى ذكرهما: المسألة الأولى: قديمة وموجودة في زماننا. والمسألة الثانية: موجودة أو طرأت وكثر الكلام فيها الآن....... مسألة السفتجة أما المسألة الأولى: فهي السفتجة وهي تنبني على الحوالات. المسألة الثانية: فهي جمعيات المال. أما السفتجة ففي القديم كانوا يخافون الخروج بالأموال في السفر، فيأخذ الرجل مائة دينار في مكة ويعطيه ورقة لوكيل له في المدينة، أنه إذا جاءك فلان فأعطه مائة دينار، وإذا جئنا إلى صورة المسألة نجد أنه دفع مائة دينار وأخذ مائة دينار، لكن الشخص الذي هو رب المال دفع المال في مكة بشرط أن يأخذه في المدينة، فاشترط أخذه في المدينة حتى يحيله إلى وكيله، وهذا الشرط في الحقيقة قصد منه منفعة الأمن من خطر حمل المال معه، ومن هنا اختلف السلف رحمهم الله في هذا النوع، وكان موجوداً في زمان الصحابة رضوان الله عليهم، فمنهم من رخص، ومنهم من منع. فإذا دفعت لأحد مالاً على أن تأخذه في مكان آخر، فلا يخلو المال من حالتين: السفتجات، وهي فارسية معربة، ويبحثها الفقهاء تحت هذا المسمى السفتجة، والسفتجة من حيث الأصل لها صورتان: الصورة الأولى: أن يكون المال المديون يحتاج إلى مئونة حمل إلى المدينة، فمثلاًً: يأخذ المدين من صاحب المال مائة صاع في مكة ويقول له صاحب المال: بشرط أن تحيلني على وكيلك في المدينة وأستلمها منه، فإن كان نقل مائة صاع من المدينة إلى مكة يكلف ديناراً أو عشرة دنانير فصار كأنه أقرضه مائة صاع معها عشرة دنانير، فصار قرضاً جر نفعاً، وهنا نقول: لابد من دراسة؛ لأن المشكلة أن بعض العقود ترى في ظاهرها أن لا شيء فيها، لكن حينما تنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) فتجد أنه لابد من التأمل والنظر بعمق. لذلك فلابد من دراسة المسألة حتى تفهم نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع وسلف، فالسلف يعطي نفس المال، لكن لما أدخل البيع معه ربما وجدت الزيادة في البيع؛ لأنه لا يبيع أحد شيئاً إلا وفيه ربح، ففهمنا من هنا أن الشرع لا يقتصر على كون هذا أخذ رأس مالٍ ما لم يحقق في اشتراطه عليه، فلما اشترط شرطاً فيه الزيادة والمصلحة له فهمنا أنه قرض جر نفعاً واختلف فيه الصحابة رحمهم الله. أما لو كان المال المدفوع طعاماً يحتاج إلى نقل ومئونة، فجماهير العلماء سلفاً وخلفاً على تحريمه؛ لأنه استفاد النقل، وسلم مئونة النقل، والمال صحيح أنه ما نقل لكنه اشترط شرطاً على وكيله هناك ولم يقل له: أدها لي هنا، فدل على أنه قصد الهروب من مئونة الحمل، ودلالة الحال قد تدل على المقاصد في المآل. ثانياً: أن يكون المال ليس فيه مئونة، فمثلاً: يعطيه مائة دينار في مكة، ويقول له: هذه المائة دينار أحلني على وكيلك في المدينة يعطيني المائة دينار وهذه المائة دينار، ليس في حملها مئونة، فلا تحتاج إلى أكياس وإجارة، بل يضعها الإنسان في جيبه، أو في خرجه... إلخ، فلو كانت أكثر، مثلاً: عشرة آلاف دينار من الذهب -كما في القديم-، فتحتاج إلى صرر ويستأجر لحملها وكرائها، فهذا يدل على أنه يريد أن يخرج من مئونة الحمل ومئونة الخطر في الطريق؛ لأنه ربما ركب بحراً فغرق، وربما أخذت منه في الطريق، فالمقصود أنه يريد أن يتهرب من هذا كله، فيشترط أن يأخذها على وكيله حوالة، فصارت حوالة بمنفعة. فإن كانت لا مئونة فيها فقد شدد فيها بعض السلف ورخص فيها البعض الآخر، وممن رخص فيها علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، فقد كان ابن الزبير كما روى عطاء يأخذ المال من الرجل في مكة ويكتب لأخيه مصعب في البصرة أن يقضيه، وهذا على سبيل الترخص؛ لأنه نفس عين المال وما فيه مئونة، وبناءً على ذلك رخص فيها هؤلاء الصحابة، وكذلك قال بهذا القول جمع من التابعين رحمهم الله، وهو رواية عن الإمام أحمد . ومنعها بعض السلف على خلاف بينهم، فمنهم من يفهم من كلامه التحريم، ومنهم من يفهم من كلامه الكراهية، وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية وطائفة من الحنفية رحم الله الجميع، فيقولون بالمنع، إما على سبيل التحريم، وإما على سبيل الكراهة، وروي الجواز مع الكراهة عن مالك من وجه يثبت عنه. وبناءً على ذلك يرد السؤال الآن في الحوالة في الأصل بنفس العملة وبغير العملة، كأن تريد مثلاً تحويل عشرة آلاف ريال من مكة إلى المدينة، فالعملة واحدة، وتريد تحويل عشرة آلاف ريال إلى دولارات في غير مكة خارج البلاد مثلاً. والحوالة في الأصل هل هي حوالة أم قرض؟ هذا يحتاج إلى نظر، الحوالات الموجودة الآن هي قرض، وهي آخذة حكم السفتجات؛ لأنك تأتي إلى المصرف وتعطيه عشرة آلاف، وحين يأخذ المبلغ فإنه لا يحيلك بنفس المبلغ، وإنما حقيقته أنه أخذ هذا القرض في ذمته وأحال إلى وكيله أن يعطيك إياه، وأنت لا تحيل إلا لمصلحة، فكأنك أقرضته لمصلحتك، وهذا وجه دخولها في السفتجات؛ لأنه يريد توصيلها وفي توصيلها مئونة، فإن جاء يسافر هو بنفسه فمئونة السفر مكلفة، وإذا استأجر الغير فإنه يدفع قيمة استئجار الغير، فهي داخلة في حكم السفتجة. فعلى قول من قال من الصحابة بالترخيص في السفتجات، وهذا مع اتحاد العملة فلا إشكال في الجواز، يكون في حكم السفتجة جائزة على قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود ، والنفس تطمئن إلى هذا القول، خاصة كما قال الإمام مالك: إن الناس يحتاجون إلى ذلك، فخفف فيه لوجود المصلحة، وصار فيه نوع من الإرفاق وهو متفق مع مقصود الدين. ويبقى النظر في الحوالة مع اختلاف العملة، إذا دفعت عشرة آلاف فإنها في الأصل تكون ريالات وتريد تحويلها إلى البلد الثاني بعملته، فهنا عقدان: العقد الأول: الصرف، وهو كونك تبدل العشرة آلاف من ريالات إلى دولارات، والعقد الثاني: عقد الحوالة، فيجب أولاً: أن تصرف وتبدل العملة إلى عملة أخرى، وتقبض يداً بيد، فإذا حصل الصرف بصفته الشرعية المعتبرة، ودخلت النقود في شيك أو حوالة وأحيلت فلا إشكال في جوازها على قول من ذكرنا من السلف رحمهم الله، لكن لو أعطاه عشرة آلاف ريال، وقال: حولها إلى فلان دولارات، فحينئذٍ وقعت النسيئة والتأخير في الصرف، ولا خلاف في أن وجود التأخير يوجب التحريم، إذاً: المخرج والمباح أن يصرف أولاً وبعد القبض يحيل ما شاء من المال.
مسألة الدين في الجمعيات أما مسألة الدين في الجمعيات، فإن الجمعية -إذا جئت تنظر إليها- في الواقع هي قرض جر نفعاً، فلو دخلنا الجمعية بخمسة آلاف ريال، فكل شخص يدفع الخمسة آلاف على شرط أن يدينه الثاني أو يدين من يدينه، فأنت إذا دفعت الخمسة آلاف وكل شخص دفع خمسة آلاف، فمعناه أن محمداً الأول هو الذي سيأخذ مجموع المال، فكأنك دفعت الخمسة آلاف لمحمد من أجل أن يقضك ويقرض الباقين أيضاً، ودفعتها لأولئك الأربعة الباقين بنفس الشرط، فصار قرضاً جرَّ نفعاً، ولو علمت أنهم لا يعطونك لامتنعت، فإذاً: أنت لم تدفع المال إلا من أجل أن تستفيد من قوة المبلغ، والدين إنما يدفع من أجل الرفق بالمديون، وقد أجمع العلماء على أن الدين عقد رفق. ومن هنا حرم أن يستفيد المدين، فأنت إذا دفعت الخمسة آلاف مع زيد وعمرو وخالد لمحمد، كأنك تقول: يا محمد! خذ مني الخمسة آلاف الآن بشرط أن تعطي الشهر القادم خمسة آلاف لزيد، والذي بعده لعمرو، والذي بعده لبكر، فلو علمت أنه يمتنع لما دفعت ولما أعطيته، وهذا يقتضي المنع، فصار قرضاً جر نفعاً، وإن قلنا: إنه دفع خمسة آلاف وأخذ خمسة آلاف فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] يقولون: دفع ديناً وأخذ عين الدين، فإن وجدت من يجيز ويفتي بالجواز فإنه يرى أنه دفع خمسة آلاف وأخذ الخمسين ألفاً ورد لكلٍ دينه بدون زيادة، وإن وجدت من يحرم وجدته يرى شبهة زائدة على الارتفاق وهي كونه يدين بشرط، وهذا سلف وشرط، فصار قرضاً بشرط فيه منفعة، إما له حقيقة أو تبعاً، فحقيقة من جهة أنه سيستفيد الخمسين ألفاً، وتبعاً كأنه يقول: يا محمد! أقرض من أقرضني، وأعط لمن أعطاني كما أنني أعطيتك. وعلى هذا أقول: إنها من جنس المشتبه، فلا أقوى على الجزم بالتحريم؛ لأن فيها شبهة من الحلال، وفيها شبهة من الحرام، فإذا جئنا ننظر إلى وجود الشرط فهذا شبه من الحرام، وإذا جئنا لمضمون الشرط مع أنه لا يأخذ إلا رأس ماله لقلنا بالجواز، فأنا أقوال: إنه من المشتبه، وأنا ما أفتيت بحلها يوماً ولا بحرمتها، ولكن أرى أنها -أي: الجمعيات- من المشتبه الذي لا يفتى بحله ولا يفتى بحرمته، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب القرض [3] الغاية من القرض هي الإرفاق بالمقترض والتيسير عليه، وهو من قبيل الدين والله سبحانه وتعالى عدل بين صاحب الدين والمدين فألزم كلاً منهما بإلزامات تمنع الضرر عن الآخر، ومن ذلك أنه أوجب على المديون أن يرد الدين لصاحبه دون أن يزيد عليه إلزاماً، لكن أن يزيد تكرماً فلا بأس، كما يحرم على الدائن أن يشترط زيادة على دينه عند السداد. مسائل في القرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويحرم كل شرط جر نفعاً] تقدم الكلام على هذه الجملة، وبينا أنه متى اشترط صاحب الدين على المدين شرطاً يتضمن منفعة له فهذا ذريعة إلى الربا، وهو: - إما أن يكون رباً محضاً، كقوله: أشترط عليك أن ترد العشرة خمسة عشر؛ فإنه شرط تمحض بالزيادة المحرمة وهي الربا. - وإما أن يشترط عليه شرطاً فيه منفعة تكون حينئذٍ الحرمة من جهة وجود الزيادة. والأصل في ذلك أن الله سبحانه وتعالى عدل بين صاحب الدين والمدين، وأن الواجب على المديون أن يرد الدين والحق لصاحبه دون أن يزيد عليه إلزاماً، لكن أن يزيد تكرماً فلا بأس، وكذلك لا يجوز له أن ينتقص من حقه. إذاً: فقوله: [ويحرم] أي: يأثم بهذا الفعل إذا اشترط الزيادة، ولا يجوز دفع هذه الزيادة، فلو ترافعا إلى القاضي فإن القاضي لا يحكم على المديون أن يدفع هذه الزيادة، فلو قال: أشترط عليك أن ترد العشرة خمسة عشر، فإن القاضي يحكم عليه بأن يرد العشرة فقط. ...... مكافأة صاحب الدين بدون شرط وقوله: [وإن بدأ به] إذا بدأ المديون بمكافأة صاحب الدين بدون شرط ولا مواطأة جاز له ذلك، والدليل على هذا حديث أبي رافع رضي الله عنه في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فقال: لا أجد إلا خياراً، قال: أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً) ومعنى هذا: أن المنفعة والزيادة جائزة إذا لم تكن بمواطأة أو بشرط. والمنفعة كرجل استدان منك عشرة آلاف، فجاء وأعطاك العشرة آلاف، وقال لك: إنك أحسنت إليّ، وإني قد وهبتك داري شهراً، فهذه منفعة، وهذا القرض جر نفعاً لكنه ليس على وجه محرم؛ لأنه جاء على سبيل الإكرام بعد انتهاء الدين وقضائه، وقوله: [وإن بدأ به] أي: المديون، ومعناه أنه لم يكن النفع مشترطاً من سابق، فيبدأ به المديون لكن بعد القضاء والوفاء، فابتدأ من عند نفسه دون أن يلزمه صاحب الدين أو يكون هناك شرط بينهما، وإن بدأ به على هذا الوجه فإنه جائز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فمن السماحة في القضاء أن يزيد ويستفضل، سواءً كانت الزيادة بالأعيان أو بالمنافع، فيرد له عيناً أفضل من عينه، أو يرد له حقه من المال ويزيده منفعة أو مالاً، هذا كله دلت السنة على جوازه، ولكن بشرطين: الشرط الأول: أن يكون بعد تمام الوفاء، فلا يكون قبل الوفاء، فإن كان قبل الوفاء ففيه كلام. الشرط الثاني: أن يكون دون شرط أو مواطأة، بل تعطى الزيادة بطيبة نفس ورضا خاطر، فهذه جائزة ولا بأس بها. وقوله: [بلا شرط] أي: من محض اختياره ومن عند نفسه، لكن فصل بعض العلماء في الشخص الذي تكون من عادته الزيادة، مثل: الكرماء وأهل السخاء والجود، فإن أمثال هؤلاء الغالب أنهم إذا استدانوا أن يكافئوا من استدانوا منه؛ لأن الله جبلهم على الكرم، والكرم نعمة من الله عز وجل، والكريم يشعر أنه لا يملك مالاً، وفي هذه الحالة تجده يعطي الضعيف والمحتاج ومن يسأل، فكيف إذا كان الذي أمامه قد أحسن إليه، فإن الكريم لا يرضى أن يعطي نفس الذي أعطيته، وغالباً ما يرد بأفضل؛ لأن الله جبله على ذلك، فالكرم من مظنته الزيادة، فيرد السؤال: إذا أعطى الدين لكريم فإنه سيشعر أنه سيكافئه. إذاً: فهل هذا المعروف من الكريم ينزل منزلة الشرط؟ الجواب: فيه تفصيل، إن كان الذي أعطاه الدين في نيته ورغبته وقرارة نفسه يقصد أنه إن أعطاه سيكافئه وأحب أن يعطيه حتى يكافئه فحينئذٍ تكون الشبهة، فمن العلماء من حرم ومنهم من كره، وعلى هذا تنزل القاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً وشرطاً، فحينما علم أنه كريم وجواد وأنه سيرد الشيء بأفضل فكأنه أعطاه على أن يزاد في عطائه. وقال بعض العلماء: بالكراهة، كما أشار إليه الإمام النووي رحمه الله في الروضة، واختاره بعض أهل العلم، ووجه الكراهة أنه تردد بين الحرام وبين الحلال، فإنه إذا أعطاه الدين على أن يرده بنفسه اقتضى ذلك الحل، وإن أعطاه الدين بشرط الزيادة اقتضى التحريم، فإن سكت وعُلم ذلك من طبيعة الشخص ورغبة من أعطى كان متردداً بين الحلال والحرام، وهذا ضابط عند بعض علماء الأصول أنهم يجعلون المكروه ما تردد بين الحرام والحلال، فيصفون بعض المعاملات وبعض الأفعال بكونها مكروهة؛ لأنها في مرتبة بين الحلال والحرام، فيها شبه من الحل يقتضي جوازها وشبه من الحرام يقتضي منعها. فإن نظرنا إلى أنه ليس هناك شرط ولا مواطأة ولا وعد قلنا: بالحلال، وإن نظرنا إلى الداخل والنية والقصد قلنا: إنه حرام، ومن هنا يقولون: يصير مكروهاً، مثل ما ذكروا في الثوب، إن كان فوق الكعبين فهو حلال بالنسبة للرجل، وإن كان أسفل من الكعبين فإنه حرام، وإن كان على الكعبين فهو مكروه، لأنه ليس بالحرام المحض؛ لأنه لم يرد نص بتحريمه، إنما ورد النص بما أسفل الكعبين، ومفهوم (أسفل) أنه يشترط في الحكم بكونه حراماً أن يكون أسفل. فالشاهد أننا عندما قلنا: يشترط أن يكون حراماً إذا اشترط، فإذا لم يشترط اقتضى هذا الحل، وإذا جرت العادة نزلت منزلة الشرط، فإذا قصد هذا المعتاد منه قالوا: يكون مكروهاً.
حكم رد القرض بأفضل منه وقوله: [أو أعطاه أجود] كأن يستدين منه نوعاً من الإبل فقضاه بنوع أجود منه، أو استدان منه نوعاً من الطعام فقضاه أجود منه، أو استدان منه نوعاً من الثياب والألبسة والأكسية فرد أفضل وأجود منه. إذا أخذ الجيد ورد بأجود، أو أخذ الحسن ورد بأحسن، أو أخذ الفاضل فرد بالأفضل، فإنه يجوز إذا لم يكن بشرط ولم يكن بعدة ولا بمواطأة، أما الدليل على جواز ذلك، فإن السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحت بفضيلة القضاء بالأحسن، فقال صلى الله عليه وسلم: (أعطه -أي: سددوا دينه واقضوا دينه- فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) وكونه أحسن: يدل على أنه يكون أفضل، إما في الجودة والرداءة وفي الصفات الموجودة في المذروع وفي المعدود. وإما أن تكون الجودة والأحسن في القدر، وذلك كأن يستلف منه خمسة ريالات فيرد ستة ريالات أو يستلف منه مائة ريال فيردها مائة وعشرة بدون شرط وبدون عدة.
الهدية بعد وفاء الدين وقوله: [أو هدية بعد الوفاء جاز] أي: أو أهدى إليه هدية بعد وفاء الدين جاز، كأن يستدين منك مائة ألف ريال، ثم جاءك وأعطاك المائة ألف بعد حلول الأجل وأعطاك معها ساعة أو كتاباً أو قلماً؛ لأنه يرى أن لك معروفاً عليه، وأحب أن يكافئك على المعروف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) قالوا: هذه الهدية لما جاءت بدون شرط وجاءت بعد تمام الوفاء ولم يكن ذلك جارٍ على عرفٍ يقتضي الاشتباه جاز بدون حرمة ولا كراهة. وقد اختلف العلماء في مسألة المكافأة على الدين والرد بأفضل، وبعض العلماء يقول: إنه يجوز أن ترد بالأفضل في الصفات ولا ترد في العدد، فمثلاً: لو أخذ مائة ريال لا يجوز أن يردها مائة وعشرة، وهذا هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، يرى أن تكافئ في الصفات لكن لا تكافئ في العدد؛ لأن المكافئة في العدد صورة الربا، فإذا أخذ مائة ريال وردها مائة وواحداً أو مائة واثنين أو مائة وعشرة فهو ربا، فهو على صورة: أن يأخذ الواحد ويرده اثنين أو ثلاثاً، واستدل بقوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، فهذه المسألة فيها خلاف، وإن كان بعض الحنفية يميل مع المالكية في بعض التفصيلات، لكن المشهور الخلاف بين المالكية، وعن الإمام أحمد أيضاً رواية في رد المكافأة مطلقاً لكن الصحيح ما ذكرناه. وعندنا دليلان: الدليل الأول: في سداد الديون: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] وهذا الأصل يقتضي أن سداد الدين يكون مماثلاً، إن كان عين الدين فلا إشكال، وإذا لم يكن عيناً كان مماثلاً في العدد والصفة؛ لأنه رأس المال، وإن لم يكن رأس المال حقيقة يكون حكماً، وظاهر هذه الآية الكريمة يمكن أن تجزم بأنه لا يجوز لأحد أن يدفع مكافأة على الدين؛ لأن الأصل يقتضي أنه كما أخذ العشرة أن يرد العشرة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما استسلف البكر وهو نوع من الإبل، وجاء عند القضاء، فقال: (يا رسول الله! لا أجد إلا خياراً رباعياً، قال: أعطه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) فمن أهل العلم من قال: إن هذا الحديث ورد في الصفة، فإن الخيار الرباعي أفضل من البكر، فيجيز في المعدودات بأوصافها والمذروعات بأوصافها ويمنع في الربويات من الذهب والفضة والأطعمة، فلا يجوز أن تعطي الصاعين مقابل صاع، ولا يجوز أن تعطي الدرهمين مقابل درهم. لأنه يرى أن حديث أبي رافع في المعدودات والزيادة عنده جاءت في الصفة، فلا يجوز أن نتوسع ونجيز القضاء في المعدودات الربوية، في المكيل كيلاً بزيادة الكيل، وفي الموزون وزناً بزيادة الوزن، فعلى هذا القول لا يجوز لك إذا استدنت كيلو من الذهب أن ترده كيلو ونصفاً، أو ترده كيلو وربعاً مثلاً، أي بزيادة ربع عليه؛ لأنه يرى أن الأصل التحريم، والحديث جاء في المعدودات وهي الإبل وما في حكمها، فعلى هذا القول فإن الحكم يختص بالجواز بصورة هذا الحديث، والجمهور قالوا: يجوز أن يزيد سواءً كان في الذهب والفضة التي هي الأثمان أو في المطعومات، سواء المكيلات أو الموزونات، ويجوز أن يزيد في المعدودات صفة وعدداً، وعلى الوجه الأول عندهم أنك لو أخذت بعيراً فلا يجوز أن تقضي بعيرين؛ لأن الحكم عندهم يختص بالصفة، والزيادة بالصفة مع وجود الاتحاد في العدد، فلا يجيزون أن تقضي البعير بالبعيرين، ولا يجيزون أن تقضي الشاة بالشاتين وبالثلاث؛ لأنهم يرون أن الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختص بالصفة، فقال (يا رسول الله! إني لا أجد إلا خياراً رباعياً)، فمن هنا يقولون: لا يجوز أن تدفع بزيادة عدد لقاء عدد أقل، هذا بالنسبة للقول الأول الذي ذكرناه. وأما الجمهور لما أجازوا هذا قالوا: الحديث ورد فيما ذكرتموه، لكن في الحديث عبارة، وهي قوله عليه الصلاة والسلام : (أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) فجعل الأمر بالزيادة في الصفة والجودة مركب من قوله: (فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)، فالتعليل يفيد العموم، فلما كان منشأ الحكم الإحسان في القضاء، وأكد هذا بقوله: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فهمنا أن مقصود الشرع المكافأة على الدين، ما دام أنه بدون وعد ولا تواطؤ ولا شرط، وبناءً على هذا نخرج ما ذكره المصنف رحمه الله. ويمكننا أن نقول: إنه يجوز أن يقضي الشيء بأحسن منه وأجود في الصفات، ويجوز أن يقضي الشيء بضعفه في العدد، فيقضي البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين، ويقضي أيضاً الثوب -بصفاته المنضبطة- بثوبين إذا كان قد اقترضه منه، والطاقة من القماش بالطاقتين إذا استدان مذروعاً، وقس على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن خير الناس أحسنهم قضاءً). أما إذا كان كريماً، ومن عادته أن يكافئ على الدين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكرم الخلق، ومع ذلك استدان واستدان منه الناس وهم يعلمون كرمه وفضله عليه الصلاة والسلام وجوده وسخاءه، قال رجل: يا قوم! أسلموا فقد جئتكم من عند رجل لا يخشى الفقر، ما سُئل عن شيء إلا أعطاه، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين، فالمقصود: أنه ولو كان كريماً سخياً يجوز أن تتعامل معه، لكن ينبغي أن لا تجعل في نيتك أن يكافئك بالأفضل، وإنما يكون ذلك على سبيل المسامحة والارتفاق.
حكم الهدية لصاحب القرض قبل سداد الدين وقوله: [وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز]. عرفنا أنه يجوز أن تزيد عند القضاء بأفضل؛ لحديث أبي رافع بشرط أن تكون الزيادة بعد انتهاء الأجل وبعد الوفاء، حتى قال بعض العلماء: لو جئت تسدد الدين لا تقدم الهدية، بل سدد الدين أولاً وبعد أن يقبض دينه أعطه الهدية، ولا تجعل العطاء للهدية سابقاً لوفاء الدين، إنما تعطيه بعد تمام الوفاء، فحينئذٍ يرد السؤال: لو اقرضت شخصاً فجاء وأعطاك شيئاً قبل السداد فهل يجوز لك أن تأخذ من المديون شيئاً، سواءً كان من الأثمان أو الأطعمة أو الأكسية أو المنافع... كرجل استدان منك عشرة آلاف ريال، وكان الدين إلى نهاية السنة، وجاءك في رمضان، وقال: يا فلان! هذه خمسة آلاف ريال مني لك أو هذه ألف ريال، أو هذه مائة ريال، فأعطاك هدية من غير جنس الدين، كأن يكون استدان منك عشرة آلاف ريال ففوجئت به قبل تمام الأجل وقد جاءك بشيء من غير الأثمان كطعام أو كساء أو ساعة أو قلم أو كتاب، وقال: يا فلان! إني أحبك في الله وهذه هدية مني لك، لكن بينك وبينه دين ولم يسدد الدين بعد. فحينئذٍ إذا أعطاك شيئاً قبل الدين فإنك تتقيه، وعلى هذا وردت نصوص الصحابة والنقول عنهم متظافرة، وقد جاء عند ابن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قبول هذه الهدية، لكن هذا الحديث متكلم في سنده، وذكر بعض العلماء أن له شواهد من حيث المضمون العام للمتن، وأما عن الصحابة فلا إشكال، فإن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري لما جاء إلى عبد الله بن سلام الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، قال له: إنك بأرض أرى الربا فيها فاشياً، فإذا استدان منك رجل ديناً فأعطاك هدية أو حملاً أو.. فإياك أن تقبله. فمنعه من قبول الهدية قبل تمام الدين، وأُثر هذا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، فإن ابن عباس سئل عن رجل استدان من آخر عشرين درهماً، ثم صار المديون يهدي للدائن السمك، فأهداه في المرة الأولى سمكاً، ثم مرة ثانية أهداه سمكاً، ثم المرة الثالثة أهداه سمكاً، حتى وصلت قيمة السمك ثلاثة عشر درهماً، فأخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن الرجل استدان منه عشرين درهماً، وأهداه هدية تبلغ ثلاثة عشر درهماً فقال: خذ منه سبعة دراهم. فاحتسب جميع ما أهداه إليه، وعدّ ذلك محرماً عليه إلا أن تعطى قيمته. والسبب في هذا واضح، فكأنه قبل وفاء الدين تارة تتخذ الهدايا لإطالة الأجل، فإذا جاء السداد تنكسر عين صاحب الدين بالهدايا، ولا يستطيع أن يطالب المديون، ويؤخره ويؤجله، وكذلك أيضاً فيها ذريعة إلى الربا أن يمحض له الأجل من نفس المبلغ، ومن هنا تظافرت النقول عن الصحابة رضوان الله عليهم كـعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، ومن أئمة التابعين كـسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي رحمة الله على الجميع، كلهم منعوا قبول الهدية قبل الوفاء. وقد ضيق السلف في هذا حتى إن بعضهم كان يتورع عما هو أخف من هذا بكثير، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله استدان منه رجل ديناً، ثم جاء الإمام أبو حنيفة يطالبه بالدين، فوقف على بابه في شدة الظهر في الهاجرة، وكان مع الإمام أبي حنيفة أصحابه، فكان الرجل في داخل الدار وقُرع عليه الباب، فوقف الإمام أبو حنيفة في الشمس وجاء أصحابه إلى مظلة الباب (الروزنة)، ودخلوا تحتها، وقالوا: هلم يا إمام إلى الظل، قال: لا والله، أخشى أن يكون فضل منه عليَّ، فلم يرض أن يأتي إلى ظل داره قبل وفاء دينه. والفقه في بعض الأحيان يضيق على الإنسان، لكنه يثاب على هذا، إذا تورع بمثل هذا الورع الذي كان عليه سلف الأمة، واحتاط إلى هذه الدرجة، بأن يدع ما لا بأس به خشية من الوقوع فيما فيه بأس، وهذا الورع أكمل ما يكون من الورع، شريطة أن لا يفضي ذلك إلى الوسوسة وتحريم ما أحل الله عز وجل من الطيبات. فالشاهد أنه خشي أن يكون مرتفقاً بهذا الظل، وبناءً عليه لا تقبل الهدية من الشخص الذي لك عليه دين قبل سداد الدين إلا في حالات: الحالة الأولى: أن تحتسب الهدية من الدين، فلو كان رجل عنده لك عشرة آلاف ريال، فأهداك ساعة بخمسمائة، فاقبلها على أن الذي بقي لك عليه تسعة آلاف وخمسمائة، ولو أهداك هدية بألف، فاقبلها على أن الدين تسعة آلاف، فإذا كنت تقبل الهدية على أنها من الدين فلا بأس به. الحالة الثانية: أن يكون الرجل الذي أهداك الهدية من عادته أن يهديك، أو يكرمك، كرجل استدان منك ديناً ومن عادته أنه يهدي لك هدية في كل رمضان، فاستدان منك الدين إلى نهاية السنة فجاءك بالهدية في رمضان وأعطاكها، فإنها خارجة كلية عن الدين، والأورع والأفضل أن لا تقبلها في ذلك العام، لكن التهمة هنا منتفية، ولذلك أجازوا للقاضي أن يستضيفه من كان من عادته أن يستضيفه قبل القضاء، فإذا دعاه إلى وليمة خاصة أجابه؛ لأننا نعلم أن بينهما وداً قديماً، وأنه لم يستضفه مبتلىً بهذه الأمانة وهذه الحقوق. فالمقصود أنه إذا كان من عادته أن يهديك وأهداك على عادته صحت هديته، لكن إن كان من عادته أن يهديك وزاد في هديته في ذلك العام حرمت الزيادة؛ لأنها خرجت عن المألوف والمعروف، ومن هنا لو استدان رجل منك ديناً ودعاك إلى وليمة، فإما أن يكون الطعام عاماً، كأن يكون زاوج ابنه أو ابنته فإن هذه الدعوة لا يخصك بها، وإنما أنت والناس فيها على حد سواء، ويبعد أن تكون مكافأة عن الدين؛ لأن هذا أمر عام يقصد منه إشهار النكاح ولا علاقة له بالدين، ومن هنا أجازوا للقاضي أن يجيب الولائم العامة. لكن قال بعض العلماء: يجوز أن تتخلف عنها تورعاً، إذا خشيت أن يكسر عينك بالزيادة في الإكرام في الحفلات العامة والولائم العامة، فيحابيك محاباة خاصة، ويميزك بها، فإنها في الظاهر دعوة عامة لكن فيها شيء تتورع عنه إذا علمت ذلك، وهذا أصل عام يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأعراف والأزمنة، وعلى المؤمن أن يتقي الله، ويتورع عن مثل هذه الدعوات، وهذا هو الذي فيه طمأنينة القلب، ففي مثل هذه المسائل يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فإنه في بعض الأحيان يكون الشيء في ظاهره حلالاً لكن تجد أموراً وقرائن تدل على وجود الشبهة، فمثل هذا تتقي فيه وتمتنع منه، صحيح أنه يدعوك دعوة عامة، إلا أنه يميزك على من هو أفضل منك، فتفهم من هذا أن القدر المباح والمشترك زدت على حقك فيه، كما لو أهداك هدية وكان من عادته أن يهديك وزاد في الهدية، فإن الزيادة تحرم، فالمقصود أنهم لما قالوا: من عادته أن يهديك، محل ذلك أن لا يكون فيه شبهة أو ذريعة إلى الحرام، كأن يزيد عن هديته، أو يفعل معك فعلاً يميزك به في وليمة عامة أو نحوها، ولو دعاك إلى دعوة خاصة لم يجز أن تجيبه؛ لأنها أشبه بالمكافأة على الدين قبل وفائه وأدائه. وقوله: [لم يجز] أي: لم يجز لك أن تأخذ الهدية منه قبل وفائه للدين إلا أن تنوي مكافأته على الهدية، كرجل استدان منك عشرة آلاف وذلك إلى نهاية السنة، ثم جاءك بهدية (ساعة) لم يجز لك أن تقبلها، إلا أن تنوي مكافأته على الساعة، فتنوي في قلبك أنك ستقبل منه الساعة الآن على أن ترد عليه هدية مثل هديته أو أفضل من هديته، فتكون حينئذٍ قطعت الهدية بمثلها أو أفضل منها. وقوله: [إلا أن ينوي مكافأته] وهذا ما يسمى بهبة الثواب، وهي الهبة بعوض، وهذا النوع محرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعله الإنسان من أجل أن يكافئه الغير، وهو الذي عناه الله عز وجل بقوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] (ولا تمنن) أي: تفعل الهدية وتعطي الهدية وما فيه منة، (تستكثر) أي: تستدعي الكثرة بطلبك لما هو أكثر، وهذا يفعله الضعفاء، فيأتون للأغنياء ويعطونهم هدية، ومن المعلوم أن الفقير إذا أهدى للغني فمعنى ذلك أن يكافئه، وعلى هذا قالوا: إنه إذا أهداه ونوى في قلبه أن يرد هديته وأن يكافئه عليها جاز له ذلك. وقوله: [أو احتسابه من دينه] كرجل يأتي ويعطيك هدية، فتقدر هذه الهدية بقيمتها، وتنوي في قرارة قلبك أنه إذا جاء يسدد الدين فإنك تسقط الهدية من قيمة الدين، فيجوز لك أن تقبلها.
حكم اشتراط تسليم الدين في غير مكان القبض وقوله: [وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وفيما لحمله مئونة قيمته] [وإن أقرضه أثماناً] كذهب وفضة، دنانير ودراهم، أو أقرضه ريالات وطالبه بها في غير البلد، كأن يستدين منك عشرة آلاف في مكة، فقلت له: أنا جالس في مكة في رمضان، ولكنني أطالبك بردها لي مثلاً في الرياض في ذي القعدة، أو في جدة أو المدينة لزمه ذلك، أي: لزم المدين أن يسدد الدين في الموضع الذي اتفقا عليه، فهذا من الشرط، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (المسلمون على شروطهم) . وقد نص العلماء رحمهم الله على أنه إذا أعطاه الأثمان في بلد وطالبه بقضائها في بلد آخر، أنه لا بأس بذلك ولزمه أن يسددها في البلد الآخر، لكنهم فرقوا بين الأثمان وغير الأثمان، كالطعام والكساء وغيرها مما يحمل وفيه مئونة؛ لأنه إذا اشترط عليه أن يوفيه في بلد غير بلده استضر المديون، وصارت منفعة زائدة للدائن على المديون، فلا يجوز ولا يلزم بهذا. أما الأثمان كالذهب والفضة، في القديم إذا قال لك: أعطيك مائة دينار في المدينة وتقضيها في مكة جاز ولزمه أن يسدد الدين في مكة؛ لأنه لم يكن في حمله مئونة، لكن في زماننا فيه مئونة، خاصة إذا كان من بلد إلى بلد تختلف العُمل فيه، فإن العُملة إذا كانت صعبة كأن يستدين مثلاً: دولارات، فيقول له وهو في مكة: هذه العشرة آلاف دولار أشترط أن تسددها لي في المشرق أو في المغرب، والدولارات في المشرق أو المغرب غالية وعزيزة الوجود، وحملها إلى هناك فيه مئونة ومشقة، فكأن الدائن صاحب الدين اشترط منفعة وصار أخذ الدين مع المنفعة الزائدة، وعليه قالوا: إنه لا يلزمه هذا الشرط، إذا كان على وجهٍ فيه ذريعة إلى الربا. كذلك الذي في حمله مئونة، كما لو استدان منه طعام بر أو استدان منه طن حديد أو طن نحاس وهو في مكة، وقال له: السداد يكون في المدينة، وهذا الدين قد لا يوجد مثلاً في المدينة، كما في القديم، إذا كانت البلدان مختلفة والأطعمة والمنافع كانت المثمونات مختلفة في الأماكن، فيلزمه ببلد غير بلده، فيتحمل مشقة الحمل إليه، قالوا: عندها يُنتقل إلى القيمة، ولا يلزمه دفع العين ولا دفع المثل إذا كان المثل لا يتيسر في ذلك البلد وكان حمله إلى ذلك البلد فيه مئونة، فأنت إذا تأملت أن حمل هذا الشيء إلى جدة يكلفه خمسمائة، فصار كأنه استدان منه مائة صاع فقضاها مائة صاع وخمسمائة، وصار يستفضل على دينه، وصار شرطاً جر منفعة، والشروط التي تجر المنافع تعتبر محرمة. لكن إذا اشترط عليه في المثمونات التي في حملها مئونة أن يسدده في بلد غير بلده وفي حمله إلى ذلك البلد مئونة، فحين نقول: ينتقل إلى القيمة، يرد السؤال: إذا قال له: هذا الطن من الحديد تأخذه مني في مكة وتقضيه لي في المدينة، وقلنا: إنه يلزمه أن يدفع قيمته بدلاً عن مثله، فالطن الحديد مثلاً في المدينة قيمته أكثر من قيمته في مكة، فهل العبرة بمكة أو بالمدينة؟ الجواب: من حيث الأصل لا يلزم من استدان منك أن يعطيك ما في حمله مئونة في البلد الذي اشترطته، وإن ألزمته بذلك يُنتَقَل إلى القيمة؛ لأننا إذا ألزمناه بالعين صار الحمل مئونة، وإذا ألزمناه بالمثل سيتضرر بحمل المثل إلى بلد القضاء، وغالباً ما تقع هذه المسألة، إذا كان البلد الذي اشترط عليه القضاء فيه ليس فيه نفس الشيء، أما لو كان فيه نفس الشيء فلا إشكال، يأخذ هذا الشيء ثم يذهب إلى البلد ويقضيه نفس الشيء، لكن حين لا يكون في البلد نفس ذلك سواءً كان من طعام أو غيره، فقال له: اقضني في مكة وقد استدان منه في المدينة، أو اقضني في المدينة وقد استدان منه في مكة، فمعناه: أنه سيتحمل مئونة الحمل إلى مكة، فصار فضل زيادة مشترطة في الدين وهذا محرم، وفي هذه الحالة يعدل إلى القيمة، ويلزمك أن تدفع قيمة الدين. إذاً: الأمر إما أن تكون قيمة الدين في مكة هي قيمته في المدينة فلا إشكال، فلو أن الطن الحديد الذي أخذه منك قيمته في مكة عشرة آلاف ريال، وقيمته في المدينة عشرة آلاف ريال، فيلزمه أن يدفع عشرة آلاف ريال ولا إشكال، أي: لم يقع ظُلِم على المدين، ولم يطالب بأن يعطيك عين السلعة؛ لأنها غير موجودة؛ لأنه استنفدها، ولا يلزمه أن يعطيك المثل؛ لأنه لو جاء يعطيك المثل في البلد المتفق عليه فإنه حينئذٍ يستضر بالحمل وصار قرضاً جر نفعاً، ولكن يلزمه أن يدفع لك القيمة، وإذا لزمه أن يدفع لك القيمة فحينئذٍ يرد السؤال هل العبرة ببلد القرض أم العبرة ببلد الوفاء؟ إن اتفقت القيمة لا يرد هذا السؤال،بمعنى: إن كانت قيمته في مكة هي قيمته في المدينة لا إشكال، لكن إن اختلفت القيمة فحينئذٍ هل العبرة ببلد الدين الذي أعطاه فيه الدين أم العبرة ببلد الوفاء؟ الجواب: العبرة ببلد الدين. وقوله: [إن لم تكن ببلد القرض أنقص] إذا كان الدين في بلد القرض أنقص فحينئذٍ تلزمه القيمة، فقلنا: يدفعها ببلد القرض الذي هو مكة، فإن كانت أنقص في مكة بأن كانت قيمتها عشرة آلاف، وفي المدينة قيمة القرض عشرون ألفاً، فحينئذٍ يدفع بقيمة بلد القرض، وقول بعض العلماء: [إن لم تكن ببلد القرض أنقص] خطأ، والصواب: أكثر، إن لم تكن ببلد القرض أكثر، وفي هذه الحالة عكس المسألة وجعل البلاء على المقرض وأعتد ببلاء المقرض على حساب المقترض، والأول له وجهه والثاني له وجهه، وإن قيل: إن العبرة ببلد القرض لا إشكال في صحته واعتباره زائداً أو ناقصاً؛ لأن الحق ثبت في بلد القرض، وبعض العلماء يرى أن العبرة ببلد الوفاء، ويلزمه بقيمته في بلد الوفاء، سواءً كانت أكثر أو أنقص.
الأسئلة ...... حكم تأخير الدين السؤال: ما حكم تأخير الدين؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالواجب على المسلم إذا استدان من أخيه المسلم ديناً ألا يؤخره، وأن يبادر بالسداد عند حلول الأجل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى) ، ومن السماحة أن ترُد الدين في أجله، وأن لا تزيد على هذا الأجل فتماطل وتؤخر، فتأخير الدين عن وقته للقادر الذي يستطيع السداد محرم، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (مطل الغني ظلم يحل لومه وعرضه) قال العلماء: في هذا دليل على أن الرجل إذا استدان منك ديناً، وحل الأجل وهو قادر على السداد وامتنع أن يسدد، فهو آثم بهذا، ويحل لك أن تغتابه وتقول: فلان ظالم، فيجوز إذا اشتكاه أن يقول: فلان ظلمني، أو يذهب إلى أبيه أو قريبه أو من له عليه قوة، ويقول: اردع فلاناً وأمره أن يفي فإنه ظالم، فقوله: إنه ظالم، فيه أذية ولكنها تجوز لمكان الظلم، وفيه سوء، والله تعالى يقول: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ [النساء:148]. فتأخير الناس في حقوقهم والمطل في ذلك محرم، كما أجمع العلماء على ذلك، وقال بعض أهل العلم: من امتنع من سداد ديون الناس وهو قادر على السداد عند حلول آجالها محق الله البركة من ماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) فتوعد من ظلم الناس في أموالهم وحقوقهم، ولا شك أن من الظلم أن يمتنع الإنسان من السداد. الأمر الثاني: أن تأخير الدين والمماطلة به والتلوم فيه مع القدرة على السداد يضر الإنسان، فلربما كان صاحب الدين يحتاج إلى هذا المال لعلاج أو طعام أو مصالح يريد قضاءها فيعطله عن هذه المصالح ويؤذيه فيها، وهذا لا شك أنه ضرر عظيم. الأمر الثالث: أن كل من استدان ديناً فإن نفسه تتعلق بذلك الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن مرهونة بدينه) ولذلك لا ينفك هذا الرهن إلا بسداد الدين، ومن هنا قال العلماء: من مات حلت ديونه، فالميت إذا مات وجب أن تسدد ديونه فوراً وتحل ديونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في أول الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين لم يترك وفاءً، فقد ورد في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل عليه ديناران لم يترك وفاءً، فقال: ما دينه؟ قالوا: ديناران، قال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة : يا رسول الله! هما عليَّ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة : فلم يزل يلقاني في سكك المدينة ويقول لي: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد حتى لقيني ذات يوم، وقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته) وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين أخبرني به جبريل آنفاً)، فهذا أمر عظيم. وقد اختلف العلماء في قوله: (نفس المؤمن مرهونة بدينة) قالوا: إنه ينحبس عن النعم حتى يسدد دينه، وهذا أمر عظيم، فالرهن أصله الحبس: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38] أي: مرهونة، فعلى هذا لا يجوز أن يؤخر ويماطل، ومن السنن العجيبة أن الشخص إذا يسر الله له القضاء فماطل وأخر فإن الله لا يوفقه للقضاء إلا فيما ندر، ولذلك قل أن تجد صاحب تجارة يأخذ الأموال من الناس ولا يبادر بسدادها إلا وجدته يدخل من دين إلى دين ومن دين إلى دين حتى تستنفد تجارته ويصبح رأس ماله في التجارة أقل بكثير من الدين، فعلى الإنسان أن يتقي مثل هذه الأمور، وإذا قدر على السداد أن يبادر بسداد أموال الناس ورد حقوقهم إليهم كاملة حتى يكون ذلك من باب الوفاء وأداء الحقوق إلى أهلها، والله تعالى أعلم.
حكم بيع التمر وهو في رءوس النخل السؤال: في بيع التمر وهو في رءوس النخل أليس في هذا جهالة في المقدار؟ الجواب: في بيع الثمار يباع الثمر على رءوس النخل خرصاً، يأتي الرجل الخبير ويخرص، وكل فلاح يعلم هذا، أنه إذا جاء أحد يريد أن يشتري ثمرة بستانه، لا يأتي وحده إلا إذا كان عنده خبرة ومعرفة، أما إذا لم تكن عنده خبرة فيأتي برجل له خبرة بالثمرة وبالسوق، فينظر في النخل ويقول: هذا النخل يخرج منه مثلاً: ثلاثة آلاف صاع، وهذه الثلاثة آلاف صاع غالباً تكون قيمتها إن كان السوق طيباً مثلاً: ثلاثين ألفاً، وإن كان السوق وسطاً تكون القيمة مثلاً عشرين ألفاً، وإن كان السوق رديئاً تكون القيمة عشرة آلاف، فيعطيك سعراً تقريبياً، إذاً: إنما جاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه على سبيل الاستثناء، ولذلك لا يرد عليه ما يرد على الأصل. ومن هنا قال العلماء رحمهم الله: بيع الثمرة على رءوس النخل مستثنىً من بيع الغرر؛ لأن الأصل أن يُعلم قدر المبيع، وأن يكون المشتري على علم بما يكون من الثمرة رطباً كانت أم تمراً، ولكن أُبيح ذلك من باب التوسعة على الناس وهو مستثنىً من الأصل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
استغلال شهر رمضان السؤال: نطلب كلمة توجيهية حول استغلال ما تبقى من شهر رمضان المبارك في طاعة الله سبحانه وتعالى وغير ذلك من الأعمال الصالحات؟ الجواب: نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا فيما بقي من هذا الشهر الكريم، كما نسأله تعالى ألا يختم لنا هذا الشهر إلا بعتق من النار، وفوز بالرحمة والمغفرة والعفو عمّا سلف وكان، ومما أوصي به إخواني ونفسي تقوى الله عز وجل، ومن غيب النية الصالحة في الخير أعانه الله على الخير، ومن كانت نيته على الطاعة والبر قوى الله عزيمته وسدده ووفقه وأرشده، قال تعالى: إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً [الأنفال:70] فالله تعالى اختار القلوب للنظر، فأول ما أوصي به أن تغيب في سريرتك لما بقي من هذا الشهر خيراً، وأن تعزم في قرارة قلبك أن تعمر هذه الأوقات والساعات واللحظات في طاعة الله ومرضات الله. أما الأمر الثاني: فالحرص على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة ما بقي من هذا الشهر في الطاعات والتي من أحبها كثرة تلاوة القرآن، فطوبى ثم طوبى لمن وفقه الله لحب القرآن، وإذا أردت أن يبارك الله لك فيما بقي من شهرك، بل ويبارك لك فيما بقي من عمرك، فالزم كتاب الله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، طوبى ثم طوبى لمن جعل الله القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب همه وغمه، وسائقه وقائده إلى رضوانه والجنة، طوبى لعبد عكف على كتاب الله يتلوه قائماً وقاعداً، يتلوه آناء الليل، يتقرب به إلى الله ويرجو به رحمة الله، يقف عند آياته ويخشع لعظاته، ويتدبره ويتلوه حق تلاوته. فخير ما يُوصى به أن يكثر العبد من تلاوة القرآن، فإن أكثرت من تلاوة القرآن أصلح الله قلبك، فإن الله تعالى يقول: قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57] وإذا شُفي ما في صدرك، وجعل الله القرآن أنيساً لك وجليساً، فعندها انشرح صدرك للخيرات، واطمأن قلبك بذكر الله والطاعات، وأصبحت مشمراً عن ساعدك في مرضات الله جل جلاله، وما فاز السلف رحمهم الله إلا بتوفيق الله أولاً وآخراً، ثم بتلاوة القرآن، وانظر إلى أفضل الناس طاعة وبراً تجده ملازماً لكتاب الله ليلاً ونهاراً. القرآن مفتاح كل خير، ومفتاح كل بر؛ لأن الإنسان صلاحه كله في قلبه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ولن يصلح هذا القلب إلا بكتاب الله جل جلاله وبكلام الله جل جلاله. فخير ما يوصى به من أراد أن يبارك الله له في رمضان وفيما بقي من أيامه ولياليه أن يكثر من تلاوة القرآن، وأن يحاول ألا تمر عليه ثلاث ليالٍ إلا وقد ختم كتاب الله عز وجل، مع التفكر والتدبر والتأمل، ومع الإشفاق على النفس والإزراء والإحساس بما بينه وبين كتاب الله من النقص حتى يكمله، ومن العيب حتى يستره، ومن الثلمة حتى يسدها، فإذا تلوت كتاب الله فسوف تستشعر أن الله يأمرك ويعظك، فإذا كان حال الإنسان مع القرآن في ليله ونهاره بورك له في شهره، بل بورك له في عمره، ولذلك نجد بعض الناس إذا خرج من رمضان خرج بحفظ القرآن، وكم من سعيد وفق للسعادة باغتنام رمضان في القرآن حتى أصبح القرآن أنيسه وجليسه، لا يفتر عن تلاوة كتاب الله وسماعه وتدبره، فيحس أن سعادته كلها في كتاب الله جل جلاله، كان شيخ الإسلام رحمه الله في آخر حياته يبكي ويتحسر على كل لحظة فاتت في غير كتاب الله جل جلاله. القرآن خير كثير، ولن تبحث في سيرة أحد من السلف الصالح إلا وجدتها مقرونة بالقرآن في قيام الليل أو تلاوته في النهار، قال بعض السلف: صحبت عبد الرحمن بن القاسم العتقي رحمه الله -صاحب الإمام مالك - من مكة إلى المدينة والله ما فتر عن تلاوة القرآن، كان السلف يتلون القرآن، وقد أدركت والله أقواماً وهم ذاهبون إلى السوق تسمعهم يتلون كتاب الله عز وجل، وإذا جن عليهم الليل سمعت كتاب الله من بيوتهم ومن حجراتهم، وأعرف أقواماً في ضيق وشظف من العيش ومع ذلك تجدهم أسعد الناس بكتاب الله جل جلاله، أغناهم من الفقر، وأمنهم بفضل الله من الخوف، وألبسهم لباس العافية، فتجدهم أبعد الناس عن الشهوات والشبهات والمذلات بكتاب الله جل جلاله. الوصية الجامعة لخيري الدين والدنيا والآخرة: لزوم هذا القرآن: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] فالاعتصام بكتاب الله جل جلاله والقرب من هذا القرآن والحب لهذا القرآن واستشعار أنه كلام الله الذي ما نزل أحب إلى الله ولا أكرم على الله في كلامه مثل هذا الكلام وهو القرآن، وقد أجمع السلف رحمهم الله على تفضيل القرآن على سائر الكتب السماوية المنزلة، لفضله وعلو شرفه ومكانته، وأُنزلت آيات منه من كنوز تحت العرش، وهذا فضل عظيم وخير كثير اختص الله به هذه الأمة. فالإنسان السعيد الموفق الذي يريد أن يبارك الله له حتى في حياته وعمره يلزم كتاب الله، وانظر إلى أي ملتزم وشابٍ صالح يستقيم على طاعة الله لن تجده أقوى الناس التزاماً وهداية إلا إذا وجدته ملازماً لكتاب الله يتلوه ويتفكر فيه ويتدبره ويخشع له ويحب سماعه، فلا يفتر عن تلاوة كتاب الله وسماعه وتدبره حتى ينال السعادة ويجدها في نفسه، وهذا هو حال أهل القرآن. فينبغي الإكثار من تلاوة القرآن والإحساس بفضل هذا الكتاب، والإحساس بعظيم ما أنعم الله به على هذه الأمة بهذا الكتاب الذي: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] . أما الوصية الأخرى: فالحرص على أن يكون للإنسان في هذا الشهر حسنة وصدقة بينه وبين الله خفية، من إطعام الجائع، وكسوة العاري، وتفريج كربة المكروب، قال بعض العلماء: إن الله جعل رمضان ليتذكر الغني الفقير، ويتذكر القوي الضعيف، ويتذكر الصحيح المريض، فيتفقد بعضنا بعضاً، ويحسن بعضنا إلى بعض، فتجعل لك في هذا الشهر الكريم بعض الصدقات الخفية، وتجعل صيامك حينما جاعت أمعاؤك وظمئت أحشاؤك يذكرك بالمكروب والمنكوب والجائع، ويذكرك بالأرملة واليتيم، فتكفكف دموع اليتامى، وتجبر قلوب الأرامل والثكالى، وتحتسب الثواب عند الله جل جلاله: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فإن المعروف لا يبلى، والخير لا يُنسى، مات أقوام وما ماتت مآثرهم، مات أقوام وهم في الناس أحياء، بالذكر الجميل والعمل الصالح الجليل. تجعل لك من هذا الشهر زاداً للإحسان، فكما أنك تصلح في نفسك بالقرآن، تصلح لغيرك بحسنة أو بصدقة، فإن لم تستطع من نفسك وأمكنك أن تشفع عند من يقبل الشفاعة منك وتزكي نعمة الجاه التي أنعم الله بها عليك فتدخل السرور على بيت مسلم في هذا الشهر المبارك فنعم ما صنعت، فإن (الساعي على الأرملة كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر) ما دمت قد ذقت حر الصيام وألم الصيام ولذة عبادة الصيام، فإن تفريج كربة المكروب وإدخال السرور على الأرملة يعادل ذلك الفضل، كالصائم الذي لا يفطر، فأنت الآن عرفت قيمة الصيام، ووجدت لذة هذه العبادة فاعلم أنه من الخير لك بمكان أن تفرج عن أرملة أو يتيم، ولو بكلمة تشفع بها عند من يمكنه ذلك. كذلك مما يدخل في هذا قضاء الديون وتفريج كربات المكروبين، فإذا علمت أن قريباً أو جاراً لك مديون وتستطيع أن تذهب إلى غني خاصة في هذا الشهر والنفوس مقبلة على الخير وباغي الخير مقبل، فتحتسب عند الله جل جلاله قضاء دين المديون، فإذا علمت أن أخاك مديون أو عنده كربة أو عنده حاجة أو عوز وضيق: (فاشفعوا تؤجروا) فالشفاعة في مثل هذا عظيمة خاصة في هذا الشهر الكريم؛ لأنك تدخل على بيت من بيوت المسلمين الفرحة والسرور بقضاء دين عليهم أو تفريج كربة أو التوسعة عليهم، وهذا مما يحتسب عند الله جل جلاله، وقد كان بعض السلف يفضل السعي على الناس وتفريج كرباتهم على الاعتكاف في العشر الأواخر، فكان يخرج من معتكفه لتفريج كربة المكروب، وتنفيس نكبة المنكوب، فهذا من أحب وأفضل ما يثقل به ميزان العبد عند الله. فكم من أرملة إذا دخلت عليها وقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت، ليس عندها من قريب ولا صديق ولا حبيب يلتفت إلى حالها أو يفرج ما يكون بها من بلائها بإذن ربها، فإذا دخلت عليها في ظلمة ليل أو في ضياء نهار، فأدخلت السرور عليها بإعطاء مال أو إعطاء طعام ووليت ظهرك وهي تشيعك بصالح الدعوات وما تسأل الله لك من جميل المكرمات فإن الله لا يضيع تلك الدعوات؛ لأنها تخرج من القلب الصادق، الكلب -أكرمكم الله- لما مرت عليه بغي من بغايا بني إسرائيل فاستقى، ومن شدة الظمأ كان يلهث الثرى، فنزلت البغي إلى البئر واستقت له بخفها، وفي رواية : (فشكر الله لها) أي: أن الكلب لم يستطع أن يشكرها، عظم جميلها حتى عند الكلب -أكرمكم الله- (فغفر الله لها ذنوبها)، فكيف بالمسلمة وقد تكون أمة صالحة، وقد تكون أمة متعرضة للحرام يعفها الله عز وجل بشفاعة حسنة: (اشفعوا تؤجروا) وكان الناس فيهم خير كثير عندما كانوا متراحمين، وكان القوي لا يغفل عن الضعيف. وأنبه على مسألة تفريج الكربات؛ ففي غالب الأحيان تكون صدقاتنا للفقراء المعروفين، ولكن هناك من يغفل عنهم كثير من الناس ألا وهو الفقراء الأخفياء الذين لا يسألون الناس إلحافاً، ركبتهم ديون وحاجات يفضلون أن يتعرضوا للموت على أن يمدوا كفاً لأحد، قد جعلوا فقرهم إلى الله وغناهم بالله، وقد يكون معك زميل لك وترى من حاله البؤس والفقر وأنت غني ثري وسع الله عليك، وقد تأتيه على طعامه وتطعم من ذلك الطعام الضيق ولا تتحرك في نفسك معاني الرحمة، هذا أمر يشتكى منه، فينبغي أن يحس بعضنا ببعض. ومسألة الشفاعة عند الأغنياء أيضاً أجرها عظيم خاصة في هذا الشهر الكريم؛ لأن نفوسهم مهيأة للخير، ولا يزال الخير موجوداً في الناس إلى قيام الساعة، لكن إذا كان طالب العلم يدخل على أناس
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-11-09, 10:15 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

أحكام متعلقة بالسلم ...... محل الوفاء في عقد السلم قال رحمه الله: [ويجب الوفاء موضع العقد]. بعد أن بين رحمه الله المسائل المتعلقة بالشروط شرع في بيان ما يترتب على قضية العين والذمة، إذا كان السلم ينبني على بيع الموصوف في الذمة بالثمن المعجل فمعنى ذلك أنه سيكون من بيع الدين (بيع الآجال) وإذا كان من بيوع الآجال فترد مشكلة مترتبة على الحكم بجواز بيع الأجل وهي قضية القبض، فإذا اتفقت معك على صفقة وكان البيع بيع السلم وحل الأجل، فهل يجب علي أنا البائع أن أوصل المبيع إليك أم يجب عليك أن تحضر إلي لقبض المسلم فيه، أم أن الأمر يتوقف على مكان العقد ومحله؟ الجواب: أنه يجب الوفاء في مكان العقد، وقال: (الوفاء)؛ لأن بيع السلم يقوم على شيء من الدين، كأنني التزمت في ذمتي أن أعطيك التمر أو أعطيك السيارات المبيعة فلما التزمت هذا لقاء هذا المبلغ المعين لزمني الوفاء بهذا العقد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وانظر كيف أن العلماء يتأدبون مع الشرع، فيختارون في المتون الفقهية المصطلحات القريبة من الشرع، فالعلماء رحمهم الله في فقههم -خاصةً فقه العلماء الذي يسير على منهج السلف- يتأدبون حتى في ألفاظهم، قالوا: يجب الوفاء؛ لأنه إذا صار العقد بالإيجاب والقبول ترتب عليه الوفاء، فالوفاء ينبغي أن يكون في مكان العقد، فإذا اختصم التاجران، فإن كانا من مدينةٍ واحدة فغالباً لا يقع إشكال، أي: إذا كنتما قد اتفقتما في مكة أو في المدينة أو في جدة فحينئذٍ الغالب ألا يقع إشكال، لكن يقع الإشكال في المبيعات التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حملها ويكون المتعاقدان من موضعين مختلفين، فيقول التاجر الذي اشترى: تحضر لي السلعة إلى بلدي، ويقول البائع: إنما التزمت إذا حل الأجل أن أعطيك، ومعنى ذلك أنك تحضر عندي وتأخذ السلعة، فحينئذٍ يقع التنازع بينهما، مثلاً: لو أعطيت رجلاً عشرة آلاف لقاء مائة صندوق من التمر السكري، وكان التبايع مثلاً في المدينة ومزرعته في المدينة وأنت من مكة، فلو وجب عليه الوفاء بحيث إنه يجب عليه أن يوفر لك السلعة فمعناه: أنه سيستأجر من يحملها من المدينة إلى مكة، ويتحمل أعباء هذه الإجارة، فقال: (يجب الوفاء في موضع العقد)، يعني: أنه ينظر إلى المكان الذي وقع فيه العقد إن كان في المدينة، فالوفاء في المدينة، وإن كان في مكة فالوفاء في مكة، وإن كان في القصيم فالوفاء في القصيم، وإن كان في الرياض فالوفاء في الرياض، فيجب عليه أن يفي في المكان الذي تمت فيه الصفقة، أي: الإيجاب والقبول. فإذا كان هذا واجباً في مكان العقد، فهل يشترط أن يكتباه في نفس العقد؟ الجواب: سواء كتبا أو لم يكتبا فإنهما يلزمان بمكان العقد، وهذا أصل في البيوع، إذا وقع البيع بين اثنين، فإن الوفاء يكون في مكان العقد؛ لو أنهما تعاقدا في طرف المدينة الشرقي وأحدهما -مثلاً- من جنوب المدينة والثاني من شمالها، فنقول: يكون الوفاء في مكان العقد الذي هو شرقها.
حكم اشتراط الوفاء في غير محل السلم قال رحمه الله: [ويصح شرطه في غيره]. أي: يصح ويجوز لكلا المتعاقدين إذا تعاقدا بالسلم أن يتفقا على أن التسليم يكون في غير مكان العقد، مثلاً الآن: لو أن رجلاً اشترى من رجلٍ مزارعٍ فقال له: أسلمتك عشرة آلاف ريال لقاء مائة صندوق من التمر السكري، وكان هذا الاتفاق -مثلاً- في مكة، وكلاهما من غير مكة، فصاحب المزرعة مزرعته في القصيم، -السكري لا يوجد إلا في القصيم غالباً، ولذلك نجعل التمثيل بالسكري؛ لأنه معروف ومشهور، ولا نمثل بالعدوي والبرحي، وإن كان البرحي مشهورا ًأيضاً- فقال: السكري موجود في مزرعتي، يعني: إذا حان الحصاد فإني غالباً أهيئه في مزرعتي في القصيم، فألزمك أو أشترط عليك أن تأتي وتأخذه مني قال له: قبلت، فيلزم بالذهاب وأخذ الصفقة من مكانها الذي اتفقا عليه، أو قال له -مثلاً-: هذه عشرة آلاف ريال لقاء سيارة من نوع كذا وكذا قال: قبلت، ولكن أشترط عليك أن أعطيك السيارة في جدة قال: قبلت، حينئذٍ الاتفاق وقع في مكة سواءً في التمر أو في السيارة، لكنهما اتفقا بالتراضي من الطرفين أن يكون الوفاء في موضع غير موضع العقد فيصح ذلك، وكأن المصنف يريد أن يقرر لك أن وجوب الوفاء في مكان العقد محله ما لم يتفقا على غيره، فإن اتفقا على غيره جاز، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (المسلمون على شروطهم)، فهما قد اشترطا أن يكون ذلك في موضعٍ غير موضع العقد برضاهما واختيارهما، وعلى هذا: يلزم الطرفان بما اتفقا عليه وحصل الشرط عليه.
محل الوفاء إذا كان العقد قد تم في مكان لا يضبط قال رحمه الله: [وإن عقدا ببرٍ أو بحرٍ: شرطاه]. هذا من دقة العلماء، إذا كنت تقرر أن العقد إذا وقع في مكانٍ وجب الوفاء فيه، فافترض أن العقد وقع في مكان لا يمكن ضبطه، كالبر: الصحراء التي ليست فيها معالم، فلا يمكن ضبط المكان، لكن في الصحراء لو أنهما اتفقا في موضعٍ معين ومعلمٍ معين مثل القرى التي تكون في الطريق، أو اتفقا في استراحة معينة في مكانٍ معين، وجب الوفاء في مكان الاتفاق، ما لم يتفقا على غيره، هذا إذا كان ببر، ومثل البر أيضاً: البحر، فلو كان في سفينة أو مركب وقال له: هذه عشرة آلاف لقاء مائة صاع من البر أو من التمر، قال: قبلت، وكان الاتفاق في البحر، فإنه في هذه الحالة لا بد وأن يحددا مكاناً غير المكان الذي اتفقا فيه؛ لأن المكان الذي اتفقا فيه لا ينضبط، وهكذا لو كان في الجو كما في زماننا، فلو أن تاجرين كانا في طائرة، وقال أحدهما للآخر: هذه عشرة آلاف ريال لقاء -مثلاً- نوع من القماش أو من المزروعات، أو نوع من الطعام من المكيلات أو من الموزونات، وتمت صفقة السلم كاملة وهما في الجو فهذا المكان لا ينضبط، إذاً لابد في العقد أن يتفقا على موضع للوفاء، فيقول له: نحن الآن مسافران فيكون وفاؤنا في المدينة، أو وفاؤنا في مكة أو في موضع كذا، فيحددان المكان ويتفقان عليه.
حكم بيع المسلم فيه قبل قبضه قال رحمه الله: [ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه] إذا تمت هذه الشروط المعتبرة للسلم، فاعلم رحمك الله أنه يترتب عليها أحكام، ومن أحكام السلم أنه لا يجوز لمن عَقَد عَقْد السلم أن يبيع الشيء الذي اتفق عليه وأسلم من أجله قبل أن يقبضه، فلو أن رجلاً اشترى سيارةً سلماً بمائة ألف من الوكالة، ثم قال له رجل: هذه السيارة أرغبها هل تبيعها لي؟ فنقول: لا يجوز أن يبيعها قبل قبضها، وهكذا لو اشترى تمراً أو براً أو غير ذلك من المبيعات، لكن ما الدليل على أنه لا يصح أن يبيع؟ نقول: إن كان السلم وقع على طعام فإننا نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أرى غير الطعام كالطعام)، وإن كان غير طعام، وقلت: النص خاص بالطعام، نقول: إنه قد ربح ما لم يضمن، فإذا اشتريت سيارةً من وكالة بعشرة آلاف إلى نهاية رمضان هذه السنة، وبعتها بأحد عشر ألفاً أو بعتها باثني عشر ألفاً أو بعتها بثلاثة عشر ألفاً، فمعنى ذلك أنك قد بعت شيئاً وربحت فيه قبل أن يكون في ضمانك، وهذا بيناه في مسألة: ربح ما لم يضمن، فتعلمون أن السيارة الآن لو تلفت فإنها تتلف على ضمان البائع الذي هو الوكالة، فلا يصح في الشريعة أن يتحمل غيرك مسئولية السلعة وأنت تأخذ الربح والنتاج، فانظروا إلى عدل الله عز وجل بين عباده، فلا يصح أن تتحمل الوكالة مسئولية هذه السيارة وحفظها وصيانتها والقيام عليها وتكون مسئولةً عنها، وأنت الذي تربح وتغنم، هذا شيء من الأنانية، ولذلك لا تجيز الشريعة أن تأخذ ربح شيء لم تضمنه، لكن تتحمل مسئوليته وضمانه وتأخذ ربحه ونتاجه، وعلى هذا: لا يصح أن تبيع السيارة قبل قبضها، ولا يصح أيضاً أن تبيع الطعام قبل قبضه، ولا يصح أن تبيع القماش إذا أسلمت فيه قبل قبضه، وهكذا الحديد والنحاس والرصاص وغيرها من سائر المبيعات لابد أن تقبض أولاً، ثم بعد قبضه بع وتصرف، ولأنه لا ينتقل إلى ملكيتك إلا بالقبض فاشترط القبض لصحة التصرف فيه.
حكم هبة المسلم فيه قبل قبضه قال: [ولا هبته]. إذا كان لا يجوز لي أن أبيع حتى لا يحصل الربح قبل الضمان، فافرض أن شخصاً قال لك: هذا المسلم فيه أريد أن أعطيه بدون عوض، كأن أهبه لأخي، فأقول لأخي: يا فلان! هذه السيارة التي اشتريتها من الوكالة هبةٌ مني لك، لم يصح؛ لأن الهبة لا تصح شرعاً إلا بعد الملكية، والملكية تتوقف على القبض، ولا يصح التصرف في شيء بهبته إلا بعد قبضه وملكه، ومن هنا: هبة الأعضاء والتبرع بالأعضاء على القول بعدم جوازها، بني هذا القول على أن الإنسان لا يملك أعضاءه؛ لأن الهبة شرطها: أن تكون مالكاً للشيء الذي تهبه، والإنسان ليس مالكاً لجسده، فهو ممكن أن يهب ماله، وممكن أن يهب سيارته، لكن يده ليست ملكاً له، وكذلك كليته وأعضاؤه، وقرنية العين ونحو ذلك لا يملكها، فقالوا: يشترط في الهبة الملكية، ومن هنا قالوا: صحيح أنه قد تعاقد، ولكنه لم يصل إلى ملكيته الحقيقية التي تبيح له التصرف فيه، فاشترط القبض لهبته، فلا يصح أن يهب السيارة ولا أن يهب الطعام ولا أن يهب القماش ولا أن يهب أي شيءٍ وقع عليه السلم إلا بعد قبضه.
حكم الحوالة بالمسلم فيه أو عليه قبل قبضه قال: [ولا الحوالة به ولا عليه]. أي: أن يحيل بهذا الشيء الذي وقع عليه السلم، فلا يصح أن يحيل به، ولا أن يحيل عليه، لا يصح في كلتا الحالتين، فحينما تدفع مائة ألف لقاء سيارة، فإن المائة ألف هذه لا يصح للوكالة التي اتفقت معها على أن تعطيك سيارة أن تحيلك إلى مكانٍ آخر؛ لأنه لا يصح للشخص الذي تعاقدت معه سلماً أن يحيلك إلى شخصٍ آخر، وأنت أيضاً لا يصح أن تحيل غيرك إلى ذلك الشيء الذي يقع السلم عليه؛ لأن الحوالة تكون على دين مستقر، والسلم لا يستقر ديناً إلا بعد حلول أجله وقبضه، فأنت إذا دفعت مائة ألف لقاء سيارة وجئت تحيل شخصاً له عليك مائة ألف وقلت له: خذ هذا الدين الذي لي على الوكالة، لا يصح إذ الوكالة ليست بمدينة؛ لأن الأجل لم يحل أصلاً، وهذا بيع وصفقة خارجة عن الديون، والحوالة شرطها أن تكون على ديون كما سيأتي (من أحيل على مليء فليتبع) كما قال صلى الله عليه وسلم، فالحوالة تكون في الديون المستقرة، وأنت تحيل على شيء لا يستقر ديناً، وصحيح أن الصفقة أوجبته، لكنه لم يستقر ديناً، فلا يصح للوكالة أن تحيلك على وكالة ثانية، ولا يصح لتاجر الحبوب أن يحيلك على تاجر آخر، ولا يصح لتاجر التمر أن يحيلك على تاجر آخر، كذلك أيضاً لا يصح لك أنت أيضاً أن تحيل على هذا التاجر، فكما أنه لا يصح لهذا أن يحيل على هذا، فكذلك الطرف الثاني لا يصح أن يحيل غيره عليه. قال: [ولا أخذ عوضه]. أي: العوض عن هذا المسلم فيه، مثلاً: رجل تعاقدت معه على مائة صندوق من التمر في نهاية رمضان، فلما حضر الأجل قال لك: والله ما عندي مائة صندوق من التمر السكري الذي اتفقنا عليه، فأريد أن أعطيك عوضاً عنها تمراً برحياً، لم يصح، وإنما يجب عليه أن يحضر هذا الذي اتفقتما عليه وهو السكري، فإن كان ليس عنده يذهب ويحضره من الغير، ولكن بعض العلماء يقول: إذا عجز، كأن يكون هناك جائحة اجتاحت التمور وأصبح هذا الموسم ليس فيه تمر من هذا الصنف الذي اتفقا عليه، فينفسخ العقد، ويحكم بانفساخ عقد السلم، وفي هذه الحالة يطالب برد المال، ولا يطالب بالعوض؛ لأنه غير موجود، فلو قال له: أعطيك عوضاً من نوعٍ ثانٍ، أو أعطيك بدل السيارة طعاماً لم يجز، ولابد أن يعطيه نفس الشيء الذي أسلم فيه، وهذا كله -كما ذكرنا- مبني على أن السلم رخصة خارجة عن الأصل، والخارج عن الأصل يتقيد بالصورة الواردة و التي اتفقا عليها وأوجدا العقد عليها، ولا يجوز التصرف في هذه العقود لإخراجها عن حقيقتها؛ لأنه لو قلنا بجواز ذلك خرج عن كونه سلماً إلى بيع آخر، وأصبح بيع السلم ذريعة إلى بيوع أُخر، ومن هنا: الرخص لا يتجاوز بها محالها، فما جاء على سبيل الرخصة يقيد بصورته ولا يصح إلا بعقده.
حكم الرهن والكفالة بالسلم قال رحمه الله: [ولا يصح الرهن والكفيل به]. الرهن للاستيثاق، فإذا أخذ منك شخص ديناً مائة ألف ريال، تقول له: أعطني رهناً، فيعطيك رهناً مثلاً: أرضه أو عمارته، فيقول: هذه العمارة رهن حتى أعطيك المائة ألف، أو هذا كفيلي يكفلني في الديون، فلا يجوز أن يجعل السلم رهناً، وكذلك أيضاً قالوا: لا يجوز أن يجعل في السلم رهناً، وهذا فيه خلاف، فبعض العلماء يقول: يجوز أخذ الرهن في السلم، وبعضهم يمنع من أخذ الرهن في السلم، مثلاً: رجل تعاقد مع غيره سلماً في تمر، فقال له: هذه عشرة آلاف لقاء مائة صندوق من التمر السكري آخذها منك في نهاية رمضان، قال: قبلت، قال: أعطني رهناً لقاء هذه المائة ألف التي سأعطيك إياها، فمعناه أنه سيأخذ الرهن لقاء الوفاء بالسلم، فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب بعض العلماء، وقال بعض العلماء بصحة الرهن فيه وهو أقوى، وذلك لظاهر آية الدين لقوله تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، فإذا كان الشخص لا يأمن ولا يستوثق قالوا: يجوز له أن يأخذ رهناً لقاءه، إلا أنه ضُعف، والحنابلة ومن وافقهم يجيبون بأنه إذا لم يمكنه الوفاء فإنه يلزم بالمثل، وإذا لم يكن المثل فإنه يلزم برد المال الذي هو الثمن الذي أسلمه إليه، فلا داعي لأخذ الرهن به، والصحيح والأقوى ما ذكرنا؛ لظاهر الآية الكريمة؛ لأنها نزلت في السلم، وكان ابن عباس رضي الله عنه يحلف أن آية الدين في السلم، وفي آية الدين ذكر الرهن؛ ولأنه قد يعجز عن الوفاء بالسلم، أو يتعذر وجود الشيء الذي اتفقا عليه ووقع عليه عقد السلم، وتصبح المائة ألف ديناً، فيكون حينئذٍ من حقه أن يستوثق للمال الذي دفعه إليه. قال: [والكفيل به]. كذلك لو قال له: أحضر لي كفيلاً ليكفل قالوا: لا يصح، والصحيح أنه يصح كالرهن. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأسئلة ...... الفرق بين عقد السلم وبيع الثمر قبل بدو صلاحها السؤال: أشكل عليّ بيع السلَم مع بيع الثمرات قبل بدو صلاحها وبين بيع الرجل ما لا يملك؟ الجواب: هذا إشكال جيد، فقد تقدم معكم أن من باع ثمرةً قبل بدو صلاحها، فإنه لا يصح البيع؛ لأنه لا يأمن فساد الثمر، وبناءً على ذلك يقولون كأنه باع شيئاً غير موجود؛ لأنه اشترى الثمرة، والثمرة أثناء العقد صلاحها مفقود، فكيف صححنا السلم مع أن المبيع مفقود وغير موجود؟ والجواب: أن بيع الثمرة ينصب على معين، وبيع السلم انصب على غير المعين، وهذا الذي ذكرناه: أنه يشترط في السلم أن يكون موصوفاً في الذمة، ومعنى ذلك: أنه لما باع الثمر انصب على معينٍ يفوت بفواته، ولكن في بيع السلم ينصب على غير معين، فهذا الفرق، وبناءً على ذلك إنما يرد الاعتراض أن لو اتفقا في الحكم، بحيث قلنا: يجوز هذا و يجوز هذا وهما متفقان أيضاً في الوصف، والواقع أن هذا شيء وهذا شيء، فلما كان الغرر في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها موجباً للتحريم حرمنا، ولما كان الغرر غير موجب في بيع السلم، أو كان موجوداً ولكنه يسير، وأجاز الشرع أجزناه، والفرق بينهما من هذا الوجه ظاهر، والله تعالى أعلم.
الفرق بين السلم وبيع الرجل ما لا يملك السؤال: ما الفرق بين بيع السلم وبيع الرجل ما لا يملك؟ الجواب: بيع السلم: بيع من الرجل لما لم يملك، ولكن هذا كما قال العلماء: عام وخاص، والقاعدة: لا تعارض بين عامٍ وخاص، فنقول القاعدة: عدم جواز بيع الرجل لما لا يملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث حكيم بن حزام كما في حديث السنن: (لا تبع ما ليس عندك)، فلما نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده جاء حديث ابن عباس فقال: (من أسلف فليسلف في كيلٍ معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، فنقول: صح السلم؛ لأنه فردٌ من أفراد العام المنهي عنه، والقاعدة: لا تعارض بين عام وخاص، فبيع ما ليس عند الإنسان محرم إلا في السلم؛ لورود الرخصة فيه، وقال بعض العلماء: ليس بيع السلم من بيع الإنسان ما ليس عنده؛ لأنه من بيع الذمة، ولكن مذهب الجمهور على أنه من بيع الإنسان ما ليس عنده، والحق أن مذهب الجمهور أرجح والرخصة فيه واضحة، ولذلك قال: ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في السلم، والسلم مرخصٌ فيه من هذا الوجه.
حكم الكتابة والإشهاد في عقد السلم السؤال: هل تجب الكتابة والإشهاد في السلم؟ الجواب: السلم من الديون، والديون يفصل فيها: فإذا كان الدين موثقاً والحق ممكن توثيقه لصاحبه بكتابةٍ، وثابت لصاحب الحق حقه فلا إشكال بأنه يجوز أن يتعاقد باللفظ دون حاجة إلى إشهاد. وأما إذا كان الحق لا يمكن الوصول إليه إلا بالاستيثاق فيجب الإشهاد، وإن كان الاستيثاق بالكتابة وجبت الكتابة، ومن هنا يفصل فيه، فإذا كنت قد اشترى منك رجل سلماً سلعة وكتبت في وصيتك: إن لفلان وفلان كذا وكذا سلماً وثبت حقه؛ فحينئذٍ لا إشكال، أما إن كان عدم الكتابة سيؤدي إلى ضياع الحق فإن الكتابة واجبة، والإشهاد عليه واجب، والكتابة استيثاق إن حصل بدونها فبها ونعمت؛ كالشهادة المجردة باللفظ، وإن كان قد حصل الاستيثاق بالكتابة مع الإشهاد فهذا أكمل وأفضل على ظاهر آية البقرة، وقد رخص بعض العلماء في ترك الإشهاد لحديث اليهودي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهون عند يهودي في صاعين من شعير)، قالوا: ولم يكتب في وصيته حقه، وإنما ترك ذلك لمكان الاستيثاق، ولكنه لا يخلو من النظر لما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
حكم الاتفاق مع الخياط على خياطة ثوب السؤال: هل العقد الذي يتم مع خياط الثياب يعتبر من عقود السلم؟ الجواب: إذا قال له: أريد ثوباً من هذا القماش، بكم؟ قال: الثوب من هذا القماش بمائةٍ أو مائة وعشرين، فإنه حينئذٍ يكون عقد بيع وإجارة، فلو قال له: أريد ثوباً من هذا القماش، فكم متراً يكفيني؟ قال: ثلاثة أمتار، قال: وتفصلها؟ قال: وأفصل، قال: إذاً أشتري منك بمائة، لم يصح؛ لأنه جمع بين الإجارة والبيع مع الجهالة، فلم يعلم قسط الإجارة من قسط البيع، كيف؟ لما قال له: كم متراً يكفيني من هذا الثوب؟ قال: ثلاثة أمتار، فحينئذٍ رغب أن يعطيه من هذا الثوب ثلاثة أمتار، ثم قال له: وتفصل؟ قال: وأفصل، قال: كم تأخذ عليه؟ -يعني: على البيع وعلى التفصيل- فقال: مائة، فجمع بين الثلاثة الأمتار المبيعة أولاً وبين إجارة الخياطة ثانياً على وجهٍ لا يدرى فيه حق الإجارة من حق البيع، وهذا هو الذي دعا بعض العلماء أن يمنع منه؛ لأنه جمعٌ بين عقدين في عقد واحد على وجهٍ موجب للجهالة والغرر، أما لو قال له: بكم المتر من هذا؟ قال: المتر بستة ريالاً، قال: إذاً أعطني ثلاثة أمتار بثمانية عشر ريالاً، وبكم تفصل؟ قال: بثلاثين، قال: إذاً هذه ثمانية وأربعون، اقطع لي ثلاثة أمتار وفصلها لي، صح ذلك وأجازه العلماء وألحقوه بعقد الاستصناع.

شرح زاد المستقنع - باب القرض [1] يعتبر القرض من المعاملات المالية التي يراد بها الإرفاق، وقد ثبت القرض بأدلة الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، فيستحب لمن وسع الله عليه أن يوسع على إخوانه المسلمين بالقرض، فيوسع به على المكروب، ويفك به الغارم والمديون، ومن جانب آخر على المقرض أن يحذر من إقراض من يستعين بالقرض على حرام أو مكروه؛ لأنه حينئذٍ يكون شريكاً له في وزره. مشروعية القرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [باب القرض]. القَرض والقِرض، والأشهر: بالفتح، لكن يصح الكسر، وأصل قرض الشيء الاقتطاع منه، ومنه قولهم: قرضه فأر، إذا اقتطع منه، وسمي القرض قرضاً: لأن الشخص يقتطع من ماله جزءاً للمديون، فيعطيه إياه ديناً، وأصل القَرض: دفع المال للغير إرفاقاً ليرده عند حلول أجله المتفق عليه، وهذا النوع يسميه العلماء: إرفاقاً، وقد اعتبروه من عقود الرفق؛ لأن الشخص يعطي ماله يحتسب الثواب عند الله عز وجل ويريد الرفق بما أخذ منه، فيكون حينئذٍ عبادة، وقد يدفع المال له من باب العاطفة، فيكون عادة، كشخصٍ -مثلاً- جاءك وقال: أريد مائة ألفٍ قرضاً إلى نهاية السنة، فإنك قد تنظر إلى ظروفه وما ألمّ به من الحوائج فتعطيه المائة ألف، لكن لما أعطيته المائة ألف أعطيتها من باب الرفق، وقد تقدم في أول كتاب البيوع أن عقود المعاوضات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1- ما يقصد منه الرفق المحض. 2- ما يقصد منه القبض المحض. 3- ما يقصد منه مجموع الأمرين القبض والرفق. أما ما يقصد منه القبض المحض فمثل البيع، فإذا جئت تشتري من المعرض أو جئت تشتري من التاجر إذا عرض عليك السلعة فأنت تريد أن تغبنه وهو يريد أن يغبنك؛ فإن قال لك: هذه السلعة بمائة تقول له: بل بتسعين، وإذا قال بثمانين، قلت: بل بسبعين، هو يريد أن يكون الغبن عندك وأنت تريد أن يكون الغبن عنده، فهذه يسمونها عقود الغبن في البيع وكذلك في الإجارة، إذا قال: أجرتك داري هذا بعشرة آلاف سنةً كاملة، فقلت: بل بتسعة آلاف، فهو يريد أن يغبنك في الألف، وأنت تريد أيضاً أن تغبنه في الألف، فهذا يسمى عقد الغبن، كذلك لو اكتريت أحدهم من أجل أن يوصلك إلى الحرم فقال لك: من هنا أذهب بك إلى الحرم بعشرين، تقول: لا. بل بعشرة، فالغبن إما أن يكون في حق المستأجر أو الأجير، فهذا النوع من العقود يسمونها عقود الغبن والشرع يشدد في شروط هذا النوع، ولذلك تجد شروط البيع أشد من شروط غيره؛ لأنه ما دام أن هناك غبناً فالشرع يريد أن يحتاط للبائع وللمشتري، وبعبارة أخرى: يحتاط للمتعاقدين في حقيهما، فلا يصحح بيع المجهولات ولا يصحح بيوع الغرر بأحوالها، كل هذا احتياطاً لحق البائع، وحق المشتري. النوع الثاني: عقود الرفق، ومنها: الهبة، كما لو أن شخصاً جاءك وقال لك: يا فلان! إني أحبك في الله، وأهدى لك هدية، أو قال: هذا القلم هبةٌ مني لك، أو هديةٌ مني لك؛ فإنه يعطيك القلم ولا يريد الثواب إلا من الله عز وجل، أو يريد أن يكون ثوابه المحبة والمودة، فهذا يسمى عقد الرفق المحض، لا يريد أن يغبنك ولا تريد أن تغبنه، فليس هناك غبن من الطرفين أو أحدهما، إنما يراد الرفق، فيشمل هذا الصدقات والهبات بعوض. النوع الثالث من العقود: ما جمع الغبن والرفق، ومن أمثلة ذلك: الشركات، فلو أن رجلاً قال لك: ندفع مائة ألف، أنت تدفع خمسين وأنا أدفع خمسين، ويكون ثلاثة أرباع الربح لي، وربع الربح لك، تقول له: لا. بل ثلاثة أرباع الربح لي، وربعه لك، فهناك غبن في الربح، وهناك رفق في التقوي بكلا المالين؛ فإن المتاجرة بمائة ألف ليست كالمتاجرة بالخمسين، فأنت تريد أن تقوي ماله وهو يريد أن يقوي مالك، فترى رفقاً منك به وهو أيضاً يرى رفقاً منه بك، فصار رفقاً من الطرفين، ولكنه غبن من الطرفين، فإذاً: عقد الشركة جامع بين الغبن وبين الرفق (المضاربة والقراض)، كرجلٍ قال: خذ هذه العشرة آلاف واضرب بها في الأرض، ويكون لي ثلثا الربح ولك ثلث الربح، فتجد في المضاربة رفقاً من الطرفين؛ لأن العامل يأخذ المائة الألف المجمدة والتي لا تستطيع أن تعمل بها فيرفق بك بالمتاجرة، فأنت ارتفقت من هذه الناحية، والعامل ارتفق من جهة اكتساب صنعته وتنمية خبرته، واستفاد من جهة الربح الذي سيجده من المائة ألف، فإذاً: صار عقد المضاربة عقد رفق من هذا الوجه وهو عقد غبنٍ؛ لأنك ستقول: لي ثلثا الربح، وهو سيقول: بل لي ثلثا الربح ولك ثلثه، وكل منكما يريد أن يغبن الآخر في حضه من الربح، فصار عقد المضاربة والقراض جامع بين الغبن والربح. القرض والدين من العقود التي يقصد بها الرفق المحض، فإنه يعطيه القرض على سبيل أن يرفق به، جاءك رجل وعنده كربة أو نكبة لا قدر الله، وقال لك: يا فلان! إني في ضائقة وحاجة، كرجل يريد إيجاراً لشقته أو يريد علاجاً لمريضه أو علاجاً لمرضه؛ فإن هذا كله يقصد به الرفق من دفع الشدة والحاجة عن المحتاج، ولذلك قالوا: دفع المال للغير إرفاقاً -بقصد الرفق- على أن يرده، فلما قالوا: على أن يرده خرجت الهبة والصدقة، فصار القرض من عقود الهبات، والهبة من عقود الرفق. ...... أدلة مشروعية القرض القرض مشروع بالكتاب والسنة وبإجماع الأمة، إذا أعطيت الناس أموالك قرضاً، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ [البقرة:282]، وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245] فجعل معاملة المخلوق للخالق مركبة على القرض، وشبهها بالقرض، فشبهها بالمعروف والمعهود فدل على السنن. كذلك دلت السنة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً على جواز القرض، أما القول: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، فهذا يدل على أن من أخذ القرض وفي نيته أن يرده -لا أن يتلاعب بحقوق الناس- فإن الله يعينه، قال بعض العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: (أدى الله عنه)، يحتمل أمرين: الأمر الأول: يحتمل أن يوفقه في الدنيا فيسدده، وقل أن تجد رجلاً يأخذ أموال الناس وفي نيته أن يردها إلا ويوفق للرد. الأمر الثاني: يحتمل أن يكون في الآخرة، أي: إذا مات ولم يسدد الدين، فإن الله لما علم من حسن نيته يتكفل بإرضاء خصمه و الأداء عنه فضلاً من الله عز وجل و تكرماً لحسن نيته؛ لأن نيته كانت صالحة، والله هو المطلع على الضمائر والسرائر، أما لو كانت نيته سيئة، كرجل يُكثر الذنوب ولا يستطيع أن يسدد ويأتي إلى أخيه المسلم ويخدعه بالعبارات وبالكلمات الحسنة والوعود المكذوبة، والله يطلع على ضميره وسريرته أنه كذاب، سيأتي إلى الرجل، ويقول له: أعطني مائة ألف، وفي نهاية السنة تأتيني أموال ويعده وعوداً كاذبة ويمنيه والله يعلم أنه في قرارة قلبه ليس بصادق، وأنه ليس عنده ما يستطيع أن يسدد به، وليس صادقاً فيما يقول من أنه سيعطيه، بل بعض الأحيان يعلم أنه ستأتيه الأموال ولكن يبيت في قرارة قلبه أن يأخذ الدين ولا يرده، فمثل هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، ولذلك لا يوفق للسداد، فتتراكم عليه الديون حتى يشتكى ويطالب، فيلبس لباس الذلة في الدنيا، وما ينتظره من عذاب الآخرة أشد وأبقى، نسأل الله السلامة والعافية. فالدين جائزٌ ومشروع لظاهر هذا الحديث، وكانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها تكثر من الدين فيلومونها، وهي لم تكن تكثر من الدين من أجل أن تتاجر وتبيع إنما كانت تفرج به الكربات، فكانوا يقولون لها: ما هذا الذي تفعلينه؟ لماذا تتدينين؟ فقالت: لا أدع هذا الدين منذُ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه)، فهي تستدين للحاجة وتفريج الكربة. وأما دليل الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية القرض وجوازه وأنه من الأمور المستحبة والمندوبة، فيستحب لمن وسع الله عليه أن يوسع على إخوانه المسلمين بالقرض.
مراتب القرض من حيث الجواز والمنع والقرض يكون واجباً، ويكون حراماً، ويكون مندوباً، ويكون مكروهاً، ويكون مباحاً. أما أنه يكون واجباً: كرجلٍ تاجر عنده قدرة ومال، ويأتيه المكروب -خاصةً من الأقرباء- ويطلبه مالاً يسيراً، وهذا المديون الذي يريد الدَّين عنده كربة مثلاً فيه مرض خطير، وقد يهلك إذا بقي فيه هذا المرض، ويريد منه الدين من أجل أن ينقذ نفسه، أو يريد هذا القرض من أجل أن يشتري طعاماً، أو يشتري شراباً لابد منه لحياة نفسه، فإنه في هذه الحالة يجب على هذا الذي وسع الله عليه أن يفرج كربة أخيه المسلم، خاصةً إذا غلب على ظنه أنه إذا لم يفعل ذلك أنه سيهلك، والله عز وجل أمر المسلم أن ينقذ أخاه المسلم، ولا يجوز له أن يقتله، فإذا لم يعطه المال فكأنه قتله؛ لأنه تعاطى السبب لهلاكه ولحوق الضرر به، ومثل ذلك لو جاءك المديون يسألك العون، وعلمت أنك إذا لم تسدد دينه فإنه يتضرر، فيكون مثلاً احتاج إلى عشرة آلاف ريال؛ لأن رجلاً اشتكاه في عشرة آلاف ريال، وإذا لم يسدد العشرة آلاف سيسجن، ثم إذا سجن في هذه العشرة آلاف كحق واجب عليه فإن ذلك يعرض أسرته وأولاده للضرر، وقد تتعرض زوجته للزنا والحرام، فلابد أن يضع المسلم الأمر في حسبانه، فإذا كان المدين قريباً لك إما ابن عمٍ لك أو ابن خالٍ لك -بينك وبينه نسب- وأنت تستطيع تفريج كربته فإنه يجب عليك أن تقوم بسداد هذا الدين وتتحمل عنه، خاصةً إذا غلب على ظنك أنه سيسدد، قالوا: قد يكون واجباً عليك أن تدفع له القرض، فإن لم تدفع فإنك تأثم، وتتحمل وزر هذا المسلم، وهذا من كفر نعمة الله عز وجل؛ ولذلك لما جاء الملك للأقرع، قال له: ابن سبيلٍ منقطع، قال له: الحقوق كثيرة، سبحان الله! وهذا هو قول الناس اليوم: عندما تأتي لشخص يقول لك: الالتزامات كثيرة، رجل يكون عنده عشرات الألوف، بل مئات الألوف، بل قد يكون عنده ملايين، وتأتيه في حاجة يسيرة فيقول لك: الحقوق كثيرة، وعليَّ التزامات كثيرة، يعني: هذه الملايين وعشرات الألوف ومئات الألوف لا تفي لسداد هذا الدين الذي لا يعادل شعرةً في مقابل ما عنده، هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليه والمحروم من حرم الخير، وهذا من كفر النعم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يأمن من نقمة الله العاجلة والآجلة، فإن من كفر نعمة الله عز وجل فإن الله يلبسه ثوب الذلة، ويسلبه النعمة ويذيقه سوء العذاب الذي ذاقه غيره ما دام أنه يرى قريبه ويرى المحتاجين على تلك الحال ولا يعينهم، هذه كلها أمور ينبغي وضعها في الحسبان عند الحكم بالقرض. من جاء يطلب قرضاً وأنت تعلم أنه يريده لسكنه أو لطعامه ورزقه ورزق أولاده وأنت قادرٌ عليه ينبغي عليك أن تفرج كربته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. كذلك يمكن أن يكون القرض حراماً، كما لو جاء يطلب القرض من أجل أن يفعل الحرام كأن يشتري به خمراً أو يسافر به لارتكاب الحرام، والمسئول الذي طلب منه القرض يعلم ويغلب على ظنه أن هذا المال سيصرف في هذا الحرام فلا يجوز له أن يعطيه، وإذا أعطاه كان شريكاً له في وزره وإثمه نسأل الله السلامة والعافية. ويكون القرض مندوباً، كأن يكون المقترض مسلماً وجاءك في حاجة ولا يجب عليك أن تنقذه كطالب علمٍ أو رجلٍ يريد أن يسافر إلى أهله ليعف نفسه أو نحو ذلك من المستحبات والمندوبات فأعنته على ذلك فهذا قرضٌ مندوب، وهذا هو الذي نبه عليه المصنف، وهذا عند انتفاء الموانع التي توجب حرمته وانتفاء الدوافع التي ترفعه إلى مرتبة الوجوب، مثلاً: لو جاءك مديون يستطيع أن يأخذ منك الدين ويأخذ من غيرك، وقال لك: يا فلان! أقرضني، وتعلم أنك إذا لم تقرضه سيذهب إلى غيرك فلا يتعين عليك في هذه الحال ولم يجب عليك، ولكن من الأفضل والأكمل أن تبذل له الدين، ففي هذه الحالة يكون القرض مندوباً. ويكون مكروهاً إذا كان لشيءٍ مكروه لا يصل إلى درجة الحرام، كأشياء تشغله عن ذكر الله ولا تصل إلى درجة الحرام ويقضي به وطره فيكون المعونة عليه معونة على المكروه. ويكون مباحاً، كرجلٍ جاءك يريد أن يأخذ المال من أجل أن يشتري صفقة وتجارة، فهو في الأصل ليس مضطراً حتى يصل إلى درجة الوجوب، كتفريج الكربات، إنما يريد أن يربح ويزيد ماله، فأنت استحيت منه وأعطيته، كما يقع بين التجار بعضهم مع بعض، يأتي ويأخذ منه السلعة ديناً وهو قادر أن يسدده، هذا يكون مباحاً؛ لأنه لا دوافع تجعله مندوباً أو واجباً ولا موانع تجعله محرماً أو مكروهاً فصار مباحاً، أو كرجلٍ غني ثري يأخذ منك ديناً فتستحي منه وتعطيه، فهنا لا تستطيع إن تقول: إن هذا تفريج، أي: ليس هو بمكروه، ولا تستطيع أن تقول: إن هذا محرم؛ لأنه ليس بحرام، فليس في مقام المطلوبات ولا في مقام المحرمات، فيكون مباحاً.
الجمع بين مشروعية القرض وذم المسألة إذا طلب إنسان القرض هل يدخل هذا في ذم المسألة؟ لقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة ورغب في ترك سؤال الناس، وبين فضيلة ترك المسألة، وأن من ضمن أن لا يسأل الناس شيئاً ضمن له النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، قال: (من يضمن لي أن لا يسأل الناس شيئاً أضمن له الجنة) والسبب في هذا الاستغناء بالله جل وعلا وصدق اللجأ إلى الله سبحانه وتعالى وكمال اليقين به، والمؤمن إذا صان ماء وجهه عن أن يريقه للناس كان هذا أكمل في إيمانه ومروءته، وهذا كله يقصده الشرع ويطلبه. فهل إذا استدان يدخل في المسألة المكروهة؟ الجواب: إن طلب الدين لا يعتبر من المسألة المكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب الدين، وتوفي كما في الصحيحين ودرعه مرهونة في صاعين من شعير عند يهودي، وهذا يدل على أن طلب الدين ليس من المسألة المكروهة، وما زال على ذلك عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين رحمهم الله، حتى إن محمد بن سيرين وهو من أجلاء أئمة التابعين رحمه الله برحمته الواسعة، أصابته الديون وعظمت عليه حتى سجن في الدين، وأصبح مرهوناً، ولما توفي أنس بن مالك رضي الله عنه أوصى أن يغسله محمد بن سيرين وكان مسجوناً في دينه، وهذا يدل على أن مسألة الدين ليست من المسألة المحرمة، ولا من المسألة المكروهة؛ لأنه يأخذ الدين ويرده، وليس بآخذ شيئاً بدون عوض.
أركان القرض المشروع القرض يقوم على ثلاثة أركان، وهي: العاقدان، ومحل العقد، والصيغة، فأما العاقدان: فهما المقرض والمستقرض، فالمقرض هو الذي يدفع القرض، والمستقرض هو الشخص الذي يأخذ القرض، ويشترط فيهما: الأهلية، وهذه الأهلية تستلزم العقل، فلا يصح أن يستقرض من مجنون، أو صبي غير مأذون له بالتصرف في المال، ولو أقرض لم يصح القرض وجاز لوليه أن يأخذه مباشرة. كذلك يشترط في المقرض أن يكون مالكاً للمال الذي يقرضه، فإذا كان غير مالكٍ له لم يصح أن يقرضه للغير، والمال الذي يدفعه للغير قرضاً إذا لم يكن مالكاً له فقد تصرف في ملك غيره، ومن المعلوم أن القرض يصير المال المقتَرَض ملكاً للمقتَرِض، وعلى هذا لابد أن يكون الذي بذل مالكاً. ويتفرع على هذا المسألة المشهورة: لو أن رجلاً أُعطي مالاً لكي يزكيه لا يصح أن يعطيه قرضاً؛ لأنه أُعطي المال وكالة، والإذن له بالتصرف في المال وكالة في الزكاة، وعلى هذا فلا يجوز له أن يقرضه، وكذلك أيضاً لا يجوز أن يتصرف في مال اليتيم فيقرضه للغير؛ لأن نصب الولي على اليتيم من أجل أن ينظر مصلحة المال في تنميته والقيام عليه، فإذا أعطاه قرضاً فإنه قد خاطر بالمال؛ لاحتمال أن يعجز الشخص الذي أخذ القرض عن السداد، وإنما أُذن للولي أن يتصرف في مال موليه وهو اليتيم إذا كان على وجه الإحسان والحفظ والصيانة، فإذا أعطاه قرضاً كان ذلك مخالفاً للأصل، فلم يصح ولا يجوز له. أما الصيغة فإنها تقوم على الإيجاب والقبول، فتقول: أقرضتك، أو أسلفتك، فإنه يصح أن يعبر بالقرض ويصح أن يعبر بالسلف، لما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: (استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً)، فقوله: (استسلف) تدل على جواز أن يقول: أسلفتك هذه الدراهم، أو أسلفتك هذه الريالات، ومن هنا قالوا: يصح أن تتركب الصيغة بلفظ القرض وبلفظ السلف.
الحكمة من مشروعية القرض القرض في مشروعيته حِكم عظيمة، فهو يفرج كربات المكروبين، ويدفع ويقضي حوائج المحتاجين، حتى قال بعض العلماء: إنه من أفضل القربات وأجلها وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن المديون لا يأتيك إلا من حاجة، فإذا ضاقت عليه السبل وأراد أن يطلب منك أن تعينه بالقرض وهو موثوق لا يعرف بالتلاعب ولا بالكذب ولا بالغش ولا بالخديعة للناس، وخاصة إذا كان غريباً لا يعرف غيرك، أو بينك وبينه قرابة، فإنك إن فرجت كربته كان هذا من أبلغ ما يكون من الأثر والإحسان إلى الناس، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم مبيناً فضل الإحسان إلى الناس في القروض والتوسعة عليهم فيها: (من يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) وعلى هذا استحب العلماء القرض، واستحبوا التيسير على المقترض، ومن التيسير على المقترض عدة أمور: أولاً: أن تيسر له إذا جاء يسأل، فلا تعنفه، ولا توبخه، ولا تهينه، ولا تشعره بشيء من الحرج، كان السلف يملكون الأموال ولكن كأنها ليست ملكاً لهم، بل ملكاً لمن سأل، حتى قال ابن عباس: (ثلاثة لهم عليَّ فضل: رجل احتاج حاجة فجاء يسألنيها) ووجه فضله قالوا: إنه اختارك من بين الناس كلهم، فكان الناس يوم كانوا يحسون أن من جاء للحاجة والفاقة وقصدني فإنه اختارني من بين الناس. وهذا أمر يعظم وقعه على الكريم الذي له نفس حية وقلب حي، فيرد هذا، حتى إنه يتحرج أن تأتي، وتقول له: يا فلان! قد نزلت بي حاجة، فيقول لك: ماذا تريد؟ ماذا تأمر؟ ولا يسمح لك أن تقص حاجتك، وتريق ماء وجهك، يحس بأخوة الإسلام وأن ما أصابك كأنه أصابه، ويحس أن الذي نزل بك كأنه نزل به، فيستشعر حينما جئت إليه وفي وجهك ولسانك ما يدل على الشدة والحاجة والفاقة كأنك هو، فهو يحس بهذه الآلام والأشجان ويتألم كما تتألم بها أنت، فلا يريدها أن تستمر، فيقول لك: أرجوك قل ما تريد، ولا يسمح لك أن تذكر سبباً للسؤال وللحاجة، فهذا من التيسير على المعسرين، وهو يدل على كمال الإيمان وشكر نعمة الله عز وجل المنعم المتفضل على العبد، فإن الله إذا أعطاك نعمة وبارك لك فيها شكرتها، وإذا شكرتها وجاءك المكروب أحسست كأنك هو. وعلى هذا قالوا: هذا من التيسير عند ابتداء القرض، ثم إذا جئت تعطيه القرض لا تشعره بالأسلوب القوي العنيف، فهذا من التعسير عليه والتضييق؛ لأنه لم يشعر بآلامه ولم يحسها فيوسع عليه، يقول له: المال مالك، وأسأل الله أن يبارك لك فيه، خذه مباركاً.. خذه بطيبة نفس، أسأل الله أن يفرج عنا وعنك، فيخرج المكروب والمنكوب ميسراً عليه وقد كان جاءك بهموم الدنيا وقد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، فيخرج من عندك مجبور القلب والخاطر، فلا يملك إلا أن يدعو لك بظهر الغيب ويذكرك بالخير، وهذه هي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (نعم المال الصالح عند الرجل الصالح)، فإن المال الصالح الذي جاء من طريق الحلال والكسب الطيب إذا جاء للرجل الصالح فستر به العورات وفرج به الكربات، أنعم الله عليه بهذا المال، فيصبح الناس يدعون له بظهر الغيب، كذلك من التيسير على المعسر ما لو قال لك مثلاً: أعدك بالسداد في نهاية رجب، وأنت تعلم أنه قد ضيق على نفسه، فتقول له: لا يا أخي! بل إن شاء الله إلى أن ييسر الله عليك، فهذا أيضاً من التيسير على المعسر في الأجل. فعلى العموم من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله هذا القرض، وفي مشروعيته حكم عظيمة، منها: أن الله عز وجل يعظم الأجر والمثوبة لمن أعطاه الله المال، فشكره بمثل هذا. ومن حكمه العظيمة أنه يحقق الألفة والمحبة والأخوة بين الناس، فإن الناس لا زالوا بخير ما رحم بعضهم بعضاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فهذه من الأمور التي تستفاد من القرض أنه يجعل الناس متراحمين، وانظر إلى الرجل حينما يأتيك، ويقول لك: أصابتني ضائقة فذهبت إلى فلان وسألته عشرة آلاف فأعطانيها ويسر لي، فعل الله به وفعل، فتحس أن الناس يشعرون أن الخير لا يزال موجوداً، ولكن نسأل الله السلامة والعافية، إذا احتاج المحتاج ونزلت الكربة بالمكروب وضاقت على المسلم الأرض فأصبح يفكر، وينظر ذات اليمين وذات الشمال يبحث عمّن يعينه فلا يجد، بل يذهب ويريق ماء وجهه عند الرجل ويشكو له حاجته وكربته وفاقته، فإذا به يقول له: والله الحقوق كثيرة، والذين يتدينون كثير وقل من يقضي، وكأنه يقول له: أنت مثلهم، هذه من الأمور التي لا تحمد عقباها، وهو من كفر نعمة الله عز وجل، إما أن تعطيه، وإما أن ترده بالتي هي أحسن. وعلى هذا فالقرض فيه خير كثير، وفيه حكم عظيمة وتوسعة على الناس وتفريج لكرباتهم، وربما جاءك المكروب وهو يحتاج المال لسداد دين مسكنه، فإذا لم تسدد عنه كيف يكون حال الناس؟! يخرجون من مساكنهم إذا ضاقت عليهم الدنيا؟ كذلك أيضاً ربما جاءك وقد ابتُلي بغريم لا يحسن، ومن هنا كانوا يوصون ويقولون: إذا رجوت فلا ترج إلا الحيي الذي يستحي، حتى قيل: (لا ترج من ليس له حياء)؛ لأن الحيي إذا جئته فإنه يستحي منك وأقل شيء أنه إذا ردك ردك بالتي هي أحسن، فإذا نظرنا إلى هذه الحكم المستفادة من قضاء الديون، فإننا ندرك حكمة الشرع في تجويزه للقرض، وأنه من الخير والرحمة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فمن رحمة الله ويسر هذه الشريعة أن يسرت على الناس في هذا النوع من المعاملات. وقوله: [وهو مندوب]. بعد أن عرفنا أن القرض يقوم على عاقدين: المستقرض والمقرض، وعلى محل وهو: المال المدفوع وبدله، وعلى صيغة وهي الإيجاب والقبول، (أقرضتك) و(قبلت)، انتقل بعدها رحمه الله إلى الحكم العام، فقال: [وهو مندوب] أي: القرض وذلك بالنسبة للشخص الذي يدفع ويعطي وهو المقرض. ولكن هنا مسألة عارضة، وهي: من المعلوم أن الواجبات أعظم أجراً من المندوبات والمستحبات، فمرتبة الواجب أعلى وأعظم، فإذا نُظر إلى الدين فإنه مندوب، وإذا فرج عن أخيه ويسر وسهل عليه كان من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن التيسير ليس بواجب، فقالوا: إنه فُضِّل هذا المندوب على الأصل من المطالبة، وهو إلزام الغريم بمطالبته، وعلى الصدقة، قالوا: لأن هذا فيه معنى الوفاء وفيه زيادة، فكأنه اشتمل على الأصل الواجب والزيادة عليه، فكان أفضل من هذا الوجه.
الأشياء التي يجري فيها القرض وقوله: [وما يصح بيعه يصح قرضه] أي: يصح قرض كل شيء يصح بيعه، وعلى هذا تشمل الأموال: الأثمان والمثمنات، وعند العلماء خلاف في هذه المسألة، فبعض العلماء يقول: لا يصح القرض إلا إذا كان من المثليات، المكيلات والموزونات والمعدودات المنضبطة، أما لو استقرض شيئاً لا ينضبط مثله لم يصح القرض، والسبب في هذا أن القرض يلزم المديون برد المثل، فإذا أخذ شيئاً لا ينضبط فمعنى ذلك أنه يفضي إلى الغرر والاختلاف والتنازع، وعلى هذا قالوا: لابد وأن يكون منضبطاً، واختلفوا في المنضبط على وجهين: الوجه الأول: منهم من يخصه بالمكيل والموزون ولا يجيز في المعدود كالحنفية. الوجه الثاني: منهم من يجيز في الكل كالجمهور، ودرج المصنف على مذهب الجمهور -وهو الصحيح- أنه يجوز حتى في العدد، قالوا: والدليل على مشروعيته ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي رافع رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فردها خياراً رباعياً) والبكر من الإبل معدود وليس بمكيل ولا موزون ورده خيارًا رباعيًا، وقال: (إن خير الناس أحسنهم قضاءً) فدل على جواز السلف والدين والقرض في المعدودات، وأنه لا ينحصر بالمكيلات والموزونات. وبناءً على مذهب الحنفية لا يجوز أن يقترض إلا ما كان منضبطاً بالوزن أو بالكيل، وأما ما عداه فلا يجوز، وإذا قررنا الإجماع فكلهم متفقون على أن الذي لا ينضبط لا يجوز قرضه، فمثلاً قال له: هذه الحفنة من الطعام أُعطيكها قرضاً، فإنه إذا جاء يسدد لا يستطيع أن يعطي مثل الحفنة، وهكذا لو قال له: هذا كيس لا يُعلم كم بداخله أعطيكه قرضاً، فإنه لا يُعلم كم بداخله، ولو أعطاه جواهر؛ لأن المشكلة أنه إذا أخذ هذا الكيس سيستنفده، ولا يدري كم هو، فلابد وأن يكون الذي يأخذه منضبطاً، ولو أخذ الجواهر وكانت مما لا ينضبط ولم يكن لها وصف تتميز به، فإنه لا يصح قرضها على هذا الوجه؛ لأنه يفضي إلى الاختلاف والتنازع. وقوله: [إلا بني آدم] فمثلاً: قال شخص لآخر: أقرضني هذه الأمة، وعندنا أن كل ما صح بيعه فإنه يصح قرضه، والمملوك يجوز بيعه، وبناءً على ذلك يجوز قرضه، ومن حيث الأصل أنه إذا استقرض بعيراً مثلاً، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استقرض البعير ورد مثله وأفضل منه، وعلى ذلك فإذا استقرض المملوك فإنه يرد مثله في صفاته، فالسبب في منع قرض بني آدم، قالوا: خشية إعارة الفروج، والسبب في هذا أن القرض يراد منه الانتفاع والارتفاق، فإذا أخذه المقترض فإنه يملكه، ولا يكون مالكاً له إلا بالقبض أو بالتصرف، فإذا تصرف فيه ملكه، وحينئذٍ ربما أخذه واقترضه ووطئ المرأة قبل أن يتصرف فيها أو وطئها بعد قرضها، وحينئذٍ يكون قد وطئ فيما يملك الغير، قالوا: إنه وطئ في ملك الغير، فلو صححنا أنه وطئ في شيء ملكه بالقبض قالوا: يصير كأنه أعار الفرج بالفرج؛ لأنه أخذها للوطء، ثم جاء ببدل عنها مكان الذي ارتفق به، قالوا: وبناءً على هذه العلة وهي عدم جواز إقراض بني آدم يصبح الحكم الأشبه فيه أن يختص بالتي يمكن أن يطأها. والشافعية دققوا في هذه المسألة، فقالوا: قرض بني آدم إن كان مما لا يوطأ كصغيرة لم تبلغ سن الوطء، أو ذات محرم كأن يقرضه أخته تكون مملوكة، فقال له: أقرضني أختي ديناً، فأخذها قرضاً وديناً فحينئذٍ قالوا: يصح؛ لأنه لو أعطاه بدلاً عنها فلا تتحقق المفسدة؛ لأنه إذا أخذ أخته قرضاً عتقت عليه، ثم إذا عتقت عليه جاء بالبدل عنها، وحينئذٍ قالوا: إن المفسدة المرادة من إعارة الفروج ليست موجودة، بخلاف ما إذا أعاره أمة فأخذها وملكها فوطئها ثم رد مثلها، فكأنه رد الفرج بالفرج، وعلى هذا قالوا: يفرق بين ذات المحرم وغير ذات المحرم، ويفرق بين ما يمكن وطؤه وما لا يمكن. أيضاً قالوا: يجوز أن تستقرض المرأة المملوكة، فيجوز قرض بني آدم للنساء بعضهن مع بعض؛ لأن مفسدة إعارة الفروج ليست بموجودة؛ لأن المرأة لا تطأ المرأة، ومن هنا قالوا: ينبغي تقييد المنع بما وجدت فيه العلة، وهذا هو وجه المنع من استقراضه، وإلا فلو نظرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف المعدود ورد المعدود فإن هذا يدل على جواز قرض بني آدم ورد المثل إذا لم يكن هناك مثل، أو رد العين إن كانت العين موجودة.
ما يملك به الإنسان القرض وقوله: [ويملك بقبضه فلا يلزم رد عينه] ويملك القرض بقبضه، هناك ثلاث مراحل وسبق وأن نبهنا عليها، وهي: العقد، وهو الإيجاب والقبول، وهناك القبض والحيازة والتسليم ونحو ذلك، وهناك التصرف سواءً بالبيع، أو بالإجارة، أو بالهبة، أو بالعتق، وهذا كله تصرف في المبيع، فأما بالنسبة للعقد، فمثلاً: قال له: أقرضني عشرة آلاف ريال إلى نهاية رمضان، قال: قبلت، فقال بعض العلماء: إذا قال له: أقرضني عشرة آلاف، أو أقرضني هذا الكتاب، أو أقرضني هذه السيارة، أو أقرضني هذه الدابة، وقال الآخر: قبلت، فإنه بمجرد الإيجاب والقبول تصير إلى ملك المستقرض، وحينئذٍ من حق المستقرض أن يعطي البدل عن القرض، وفائدة المسألة سنبينها في البدلية، قال بعض العلماء: لا يقع الملك إلا بعد القبض. فمثلاً: لو فرضنا مالاً كمائة ألف ريال من فئة الخمسمائة، إذا قال له: أقرضني مائة ألف إلى نهاية رمضان، قال له: هذه مائة ألف إلى نهاية رمضان ولم يقبضها، فعلى القول الأول: تصير إلى ملك المستقرض بمجرد الإيجاب والقبول، والقول الثاني: أنها لا تصير إلى ملك المستقرض إلا بالقبض، فإذا قبضها فحينئذٍ لو طالبه صاحب الدين؛ لأنه في بعض الأحيان يقول صاحب الدين: خذ المائة ألف إلى نهاية رمضان، ثم يقول: لا. قد رجعت عن ديني، أعطني إياه الآن، فيريد أن يفسخ، وسنبين هل يلزمه أن يبقى أم لا يلزمه، لكن نقول على ما اختاره المصنف رحمه الله وجماعة: إن من حقه أن يرجع ولو كان بعد العقد مباشرة، فلو أنها من فئات الخمسمائة ريال، فقلنا: إنها تملك بالقبض على القول الثاني الذي اختاره المصنف، فإذا قبض المستقرض القرض حينئذٍ ملكه، فجاز له إذا طالبه برده أن يرد المثل بدلاً عنه؛ لأنه قد ملك وحينئذٍ يصل إلى ملكيته إن شاء أعطى نفس الشيء وإن شاء أعطى مثله؛ لأنه صار إلى ملكيته بمجرد القبض. القول الثالث: لا يصير إلى ملكية المستقرض إلا بالتصرف، فإن تصرف في الدين فحينئذٍ ملكه ولم يلزم رد عينه، فالمسألة هنا في رد العين، لو أن هذا الشيء في بعض الأحيان يكون خمسمائة والسوق الأفضل أن تكون مفرقة فاستقرضها مفرقة، فأراد أن يعطيه بدلاً عنها جملة وبرأسها كما يقولون كان له ذلك؛ لأنه ملكها بالقبض وصح له أن يصرفه إلى المثل، هذا إذا قلنا: إنها بمجرد العقد. إذاً: يملك القرض بالعقد، ويملك بالقبض، ويملك بالتصرف، فإن اقترض منه قمحاً ولم يتصرف فيه وطالبه صاحب القمح برده قبل التصرف لزمه أن يرد عين القمح ولا يصرفه إلى مثله؛ لأنه لم يملكه إذا لم يتصرف فيه، وهكذا أيضاً لو قلنا: لو قبضه وبعد القبض طالبه لم يصح أن يطالبه بعينه، والعكس لو طالبه قبل القبض وبعد العقد لزمه أن يدفع له عين الطعام الذي أخذ، وهكذا لو أنه اقترض منه سيارة أو دابة على أن يرد مثلها، فإنه إذا اقترض منه السيارة قرضاً بعينها ورقبتها فإنه يصير مالكاً لها بمجرد العقد على القول الأول، وبالقبض إذا ركبها وقبضها وساقها على القول الثاني، وإذا تصرف فيها وبذلها على القول الثالث، فإذا تصرف فيها فباعها أو أجرها للغير صارت ملكاً له، فحينئذٍ يجوز أن يعطيه بدلها ويجوز أن يعطيه عينها، فالخيار له إذ لا يكون ملزماً بالعين، هذا بالنسبة لمسألة ما يملك بقبضه. إذاً: عندنا ثلاثة أوجه للعلماء: فالجمهور يرجحون القبض، وغيرهم يرجح التصرف، والجمهور كلهم على القبض والتصرف، وقال المالكية: إنه يملك بمجرد العقد، لكن الجمهور منقسمون على القبض وعلى التصرف، واختار المصنف رحمه الله قول من قال: إنه يملك بالقبض. وهذه المسائل بناها العلماء على أصول في الشريعة، فأنت حينما تعطي شخصاً ديناً فإن هذا الدين بأصل الشرع إذا أخذه كان من حقه أن يتصرف فيه، فمن أقرض قرضاً فإن الإجماع قائم على أن المقترض يملك القرض، بدليل أنه يذهب يأخذ منك المائة ألف فيشتري بها عمارة أو سيارة وليس من حقك أن تطالبه بهذه العمارة أو السيارة إنما تطالبه بالمائة ألف، إذاً: الإجماع والأصل الشرعي يدل على أنه يملكها. يبقى السؤال: هذه المائة ألف في الأصل هي ملك لي وأعطيتها لك وحصل بيني وبينك إيجاب وقبول، فهل ملكيتك لها تكون بمجرد الإيجاب والقبول؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ودل على أنه يلزم بمجرد العقد، أم أنه لابد من القبض وهذا أصل مفرع على المعاوضات؛ لأن الديون في البداية فيها شبه بالعارية وفي النهاية فيها شبه بالبيع؛ لأنه إذا تصرف فيها لزمه البدل، فإذا قلت: إنه ملكها ودخلت إلى ملكيته وتصرف فيها فحينئذٍ يضمن البدل، فهذا يقتضي أنها معاوضة وفيها شبه من البيوع والمعاوضات؛ لكن في الابتداء ومن حيث الأصل الدين لي والمال مالي، خاصة على قول من يقول: إنه من حقي أن أطالبك في أي وقت ولو قبل الأجل. فإذاً: لابد أن نحدد متى ينتقل المال من عندي إليك، وهذا يترتب عليه الأحكام الشرعية حتى ننصف صاحب المال وننصف المديون أيضاً، وحتى نعلم أن هذه الشريعة كاملة، وأنها فاقت جميع القوانين والتشريعات التي هي من صنع البشر والتي لا تسمن ولا تغني من جوع، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ [الأعراف:52] قواعد صحيحة وأصول متينة، فالعلماء يدرسون كل شيء يترتب عليه ذمم الناس والحقوق والمسئوليات، فيفرعون ويفصلون حتى يُعرف ما لكل ذي حقٍ من حق، فيعطى كل ذي حقٍ حقه. فالفقه ميزته أنه سبب ليعطى كل ذي حقٍ حقه، وهذه المسائل وإن كانت في البداية غريبة لكنها تنبني عليها حقوق، فقد يأخذ المقترض الطعام فيطحنه، وقد يأخذ الدقيق فيطحنه أو يتصرف فيه ثم يطالب الرجل بعين ماله، فهل من حقه أن يطالب أو ليس من حقه؟ وإذا قلت: من حقه، لماذا؟ وإذا قلت: ليس من حقه، لماذا؟ هذه كلها أمور محسومة ومفصلة في كلام العلماء رحمهم الله حتى يتيسر القضاء إن حصلت الخصومة، وتتيسر الفتوى إن حصل السؤال، ويتيسر العلم إذا حصل الطلب، فالمراد أننا ندرس هذه المسائل حتى نعرف بيان ضوابط القرض، وكذلك الأموال حتى نعلم متى تنتقل من ملكية المالك الأصلي إلى ملكية غيره.
حكم تسديد الدين قبل حلول الأجل وقوله: [بل يثبت بدله في ذمته حالاً ولو أجله] (بل يثبت) أي: يثبت الدين والضمير في (بدله) عائد إلى الدين، وقوله: (في ذمته) أي: ذمة المديون والذي استقرض، والذمة وصف يقوم بالأشخاص قيام الأوصاف الحسية بمحسوساتها، وهو وصف يقبل الالتزام، فقوله: [في ذمته] أي: أنه لابد وأن يكون الشخص الذي يقترض عنده ذمة قابلة بأن يلتزم بها. وقوله: [بل يثبت بدله في ذمته حالاً] هذا فيه خلاف. وقوله: [ولو أجله] ولو: إشارة إلى خلاف مذهبي. وهذه المسألة نريد أن نبحثها، فمثلاً: لو أن رجلاً أعطاك مائة ألف ديناً، فهذه المائة ألف قلت له: أخذت منك هذه المائة ألف أو آخذ منك هذه المائة ألف ديناً إلى نهاية السنة، فقال لك: قبلت خذها ديناً إلى نهاية السنة، نحن الآن في رمضان، فإذا قبضتها على القول بأن الملكية بمجرد قبضك لها يثبت في ذمتك لصاحب الدين مائة ألف حالة، أي: تدفع فوراً، لو طالبك بها في أي وقت ولو قبل نهاية السنة تدفع، ولو اتفقتما على التأجيل لماذا؟ لأنهم يقولون: القرض كالعارية بدليل أنك لا تملكه إلى الأبد، صحيح أنك لما أخذت المائة ألف تصرفت فيها لكن لا تملكها إلى الأبد، بل تلزم برد مثلها، فإذاًَ: هذا المثلي مملوك لك أم غير مملوك، وبالإجماع إذا قلنا بثبوته على المديون ليس ملكاً له، فمعنى ذلك: أنك إذا أخذت مائة ألف فهي ليست ملكاً لك، إنما ملكت الانتفاع والارتفاق بها إلى الأجل، هذا من حيث الأصل. فإن قلنا: إنها كالعارية، فلو أن شخصاً أخذ منك السيارة يريد أن يصل بها إلى الحرم المكي ويرجع، فمعنى ذلك: أنه أخذها وردها، وهو ليس مالكاً لها، فإذاً: يقول أصحاب هذا القول من الحنابلة والحنفية رحمهم الله: الدين يثبت في ذمة المديون حالاً ولو أجله صاحب الدين فأعطاه مهلة إلى أجل، ولو قال له: أشترط عليك أن يكون إلى أجل، قالوا: يفسد الشرط ويلغى ويكون وجوده وعدمه على حدٍ سواء، ويلزم لو طالبه في أي وقت أن يعطيه دينه؛ لما يلي: أولاً: أن الدين كالعارية، ومن حقه في أي وقت أن يرجع ويأخذ العارية، فلو أنك أخذت السيارة عارية إلى الحرم فمشيت بها مثلاً مائة متر فلحقك، وقال: أعطني سيارتي، قالوا: من حقه أن يستردها؛ لأنها كالعارية. ثانياً: أنه إذا قال لك: خذها إلى نهاية السنة فوعد، والوعد ليس بملزم، وإن كان المسلم مطالب أن يفي بوعده، وإلا فإنه يأثم، لكن ما فيه إلزامات مترتبة على هذا الوعد؛ لأنه إحسان وتبرع محض، فقد يعطيك الدين على أنه موسع ثم يرجع عن ذلك فيتذكر حقوقه، والله تعالى يقول: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91] والذي بذل الدين محسن، فلو أعطاك قرضاً إلى نهاية السنة وقال: أنا أريد الأجر والثواب ثم جاءه ظرف بعد شهر أو شهرين أو يوم أو ساعة، وقال لك: أعطني الآن فعليك أن تعطيه، وقالوا: يثبت في ذمتك حالاً. أي: لو أنك تصرفت فيها وطالبك بالدفع فوراً فأصبحت بعد التصرف مباشرة معسراً يثبت في ذمتك حالاً، فليست القضية أن تدفع فوراً إذا كان فيه إمكان، لكن شاهدنا: أن الدين لا يُلزم بإبقائه إلى الأجل، هذا هو الذي درج عليه المصنف واختاره، وهو مذهب الحنفية والحنابلة والشافعية رحمهم الله. وهناك قول للمالكية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمة الله على الجميع، أنه إذا أجله فإنه يلزم بالأجل، وأنه إذا اشترط عليه أن يسدد في رمضان لم يكن من حقه أن يطالبه قبل رمضان، ويلزم بالبقاء إلى نهاية رمضان، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) وهذا قد أخذ ديناً، فلو سلمنا أن الدين كالعارية في شبهه، فإننا نقول: يمكن أن نسلم بهذا، لكن لما اشترط عليه ألزم بشرطه، والفرق بين ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام ابن القيم وبين مذهب المالكية: أن شيخ الإسلام يجعله عند الشرط إذا اشترط، والمالكية يقولون: اشترط أو ذكر الأجل فإنه يلزم بالتأخير إلى الأجل، والصحيح أنه إذا اشترط عليه أن يؤجل فليس من حقه أن يطالبه قبل الأجل. وقوله: [ويثبت في ذمته حالاً ولو أجله] أي: أنه إذا قبض المديون الدين فإنه يملكه، فيجوز له بيعه وهبته وإتلافه؛ لأنه ملكه، فلو أخذ منك دقيقاً وطحنه وعجنه وخبزه فإنه يملكه بقبضه، فعلى هذا يثبت في ذمته مثل الذي أخذ إن تصرف فيه، وإذا لم يتصرف فيه ووجد عين المبيع فمن حقه أن يطالبه بدفع العين، وقيل: يثبت مثله أو بدله، وهذا هو الذي نص عليه المصنف بقوله: [ويثبت]. وقوله: [بل يثبت بدله] البدلية: تستلزم اتحاد الجنس واتحاد النوع واتحاد الصفة واتحاد القدر، وهنا تستلزم المثلية، والمثلية تقوم على اتحاد الجنس: طعام بطعام، واتحاد النوع: بر ببر، واتحاد الصفة: إبل عرابية بعرابية أو بختية ببختية، وبختية ما لها سنامان، والعرابية ما لها سنام واحد، إذاً: يعطيه بصفتها، واتحاد العدد والقدر كأن يأخذ منه مائة ويرد مائة. فقوله: [يثبت بدله] أي: بدل الدين، ولا يلزم برد العين إن طالبه صاحب الدين، ففي بعض الأحيان يستسلف دنانير ذهب جديدة ويقضيها قديمة، والجديدة أفضل من القديمة، وقد يستسلف خمسمائة دينار كل عشرة دنانير على حدة، مثلاً: بوزنها، والجملة أثقل من الصرف؛ لأن المصروف أفضل، وفي بعض الأحيان الجملة أفضل، فلو أنه أخذها منك خمسمائة فجئت وطالبته بها كان من حقه أن يعطيك بدلاً عنها تفاريق، ولا تقل له: أعطني هذه الخمسمائة. إذاً: لما قال المصنف: [ يثبت بدله ] قرر المسألة عند الخلاف إذا تنازعا، فمثلاً: لو استدان رجل منك أي مال من الأموال، ثم تبين أن هذا الرجل في ماله شبهة، فجئت وقلت له: أعطني ديني، وأنت تريد عين ما أخذ منك تورعاً، فحينئذٍ على قوله: [يثبت بدله] ليس من حقك أن تطالب بالعين، وعلى القول: بأنه إذا طالبه بالعين ولو عند نهاية الأجل يثبت عينه إن كان موجود العين، فحينئذٍ يلزم بدفع عينه، ولا يجوز له أن يصرفه إلى المثل والبدل، فلو كان عندك بعير تحبة فجاءك من يطلبه منك، فأعطيته إياه فبقي عنده، ثم بعد ذلك جئت تطالبه وإذا بالبعير عنده، فقال لك: خذ بعيراً مثله، فقلت له: أُريد نفس بعيري. وعلى هذا أثبت الحق لك بالبدل، إن شاء أعطاك عينه، وإن شاء أعطاك بدله، هذه مسألة البدلية، فقد يكون من الأفضل أن يأخذ الإنسان عيناً وفي بعض الأحيان العكس. وقوله: [فإن رده المقترض: لزم قبوله] [فإن رده المقترض] إن رد المقترض القرض [لزم] أي: لزم المقرض [قبوله] أي: أخذ المال ولا يجوز له أن يمتنع والضمير في [رده] عائد إلى البدل، فإذا رد البدل لزم المقرض قبول البدل، ولا يقول: أطالب بعين ما دفعت، ولا يطالبه بعين ما دفع، وعلى هذا يقرر المصنف أنه بمجرد قبضه ينتقل الأمر إلى الذمة، وإذا انتقل إلى الذمة سقطت العين، فإذا قلت: ذمة فإنه يصبح مثلياً، وإذا قلت: عيناً فإنه يصبح منحصراً في نفس الدين. فمثلاً: إذا أقرضت هذا الكتاب فمعناه أننا إذا قلنا: إنه يثبت عين الكتاب إن وجد أو بدله إذا لم يوجد يصبح ليس من حق المقترض أن يلزمك بمثله إن وجد عينه، فينصرف المعين إلى الذمة، أما لو قلنا: إن الواجب عليك المثل، فمعناه أنه في ذمتك، ولذلك قال: [ويثبت بدله في ذمته] ولم يقل: يثبت عينه، فإن لم يثبت عينه فبدله، لا. إنما يثبت البدل والمثل، والبدلية تستلزم المثلية في الجنس والنوع والعدد والقدر والصفة.
قضاء الديون إن اختلفت العملة وقوله: [وإن كانت مكسرة أو فلوساً فمنع السلطان المعاملة بها: فله قيمتها وقت القرض] هذه المسألة كانت في القديم حيث كانوا يضربون الدنانير والدراهم في بيت المال ثم يتعامل الناس بها، وهذه الدنانير والدراهم يصاحبها نوع ثالث من النقود وهي الفلوس، وكثيراً ما تكون من النحاس، ويكون لها رواج، ثم تلغى هذه الفلوس التي من النحاس ويؤتى بفلوس أخرى، ويسمونها السِّكَّة بحيث تضرب من جديد، فيضرب نوع جديد غير النوع القديم، وفي زماننا يضرب ورق نقدي جديد غير الورق النقدي القديم. فحينئذٍ إذا منع السلطان التعامل بالورق القديم وأحدث ورقاً جديدة، فحينئذٍ يلزم بمثلها، أي: إذا كانت الريالات هي نفس الريالات فلا إشكال، فكما أنه ينتقل إلى المثلي في أصل الدين من نفس العملة ينقل إلى العملة نفسها إن صارت مثلية، فمثلاً إذا أخذ منك مائة ريال على أن يردها بعد شهر، فجاء بعد شهر وأعطاك المائة ريال، من نفس النقد، فكما جاز له أن يرد المثل من نفس النقد ومن نفس الريالات جاز أن يرد ريالات أيضاً عليها شكل آخر أو ضرب آخر أو بصفة أخرى مادام أنها هي نفسها. وعلى هذا لو أنه اقترض ريالات قديمة ثم أُلغيت واستبدلت بريالات جديدة فإنه يقضيه بالريالات الجديدة، فإن أُعدمت الريالات نهائياً وجاءت عملة أخرى بدلاً عنها باسم جديد فحينئذٍ يقدر قيمة القديم بالجديد إذا كانت حالة. فعندنا هنا حالتان: الدنانير القديمة تكون مثلاً بغلية، ثم يؤتى بدراهم إسلامية، فلو أنه اقترض بالدرهم البغلي ثم أُلغي حتى لا يتعامل به الناس -فسواءً توقف الناس عن التعامل به أو أُلغي من السلطان- فحينئذٍ لو أُلغي هذا الدينار فإنه ينزل الدينار الذي ضرب مكانه منزلته، إن كان بوزنه وبقدره وبحجمه، كريال الفضة القديم مع ريال الورق الموجود الآن، فإن ريال الفضة القديم حينما سحب أعطي بدله المستند، ومن هنا قالوا: إن المستند منزل منزلة رصيده فوجبت فيه الزكاة، وهذا هو وجه من يقول: إن النصاب ثلاثة وخمسون ريالاً؛ لأن ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة القديمة تعادل السَّكَّة الجديدة، فالفضة القديمة ألغيت لكن أُقيم المستند مقامها فنزل منزلتها، والعجز عن الرصيد يعتبر عذراً فنزلت منزلتها حكماً. وعلى هذا نوجب فيها الزكاة، مع أن الورق لا تجب فيه الزكاة، فلو قلنا: لا رصيد لها فمعناه أن الزكاة لا تجب فيها، وعلى هذا وجبت الزكاة فيها؛ لأن رصيدها من الفضة، ويقوم رصيدها بمائتي درهم الذي هو أصل الفضة، فلما كان عدل المائتين درهم ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة القديمة بوزنها يعادل الخمسة أواقٍ من الفضة التي هي النصاب، قالوا: نزلت الثلاثة والخمسون ورقاً منزلة ثلاثة وخمسين ريالاً من الفضة، ولو جئت تبادل ريال الورق بريال الفضة القديم فإنك تبادله مثلاً بمثل، يداً بيد، فلو جئت تبادل ريال الفضة القديمة بثلاثة ريالات جديدة فهو عين الربا، كأنك بادلت رصيده من الفضة القديمة ثلاثاً بريال وهو عين الربا، ومن هنا إذا ألغي القديم وجاء الجديد مكانه اسماً وصفة وحكماً واعتباراً وجب أن يبقى على هذا الأصل. فلو قال قائل: ألغي رصيده في التعامل العام الذي يكون بين الجماعات والجماعات، والدول والدول، هذا إلغاء رصيد، فأصبحت القيمة للمشتريات والصادرات والواردات بالريال الجديد، لكن قيمة الريال في ذاته وأصله وحقيقته مستند، ولو وضعت عندي كيلو من الذهب أمانة وأعطيتك مستنداً عليه، ثم قلت لك: ألغيت الرصيد وهذا المستند لا قيمة له لم يصح في حكم الشرع، فدل على أن إلغاء الرصيد لا يلغي قيمة الريال، وإذا كان لا يلغي قيمة الريال، فوجب أن يصرف الريال بالريال مثلاً بمثل، يداً بيد، وأنه لو صرف تسعة ريالات بعشرة ريالات فهو كصرف تسعة ريالات فضة قديمة بعشرة ريالات فضة قديمة، لأنه إذا أُلغي القديم ونزل الجديد منزلته اسماً وصفة فإنه يأخذ حكمه، سواءً بسواء، فلو قلت: إنه ورق، نقول: إن الورق لا قيمة له، ولا تجب الزكاة فيه. فإن قيل: إنه ورق له قيمة فنزل منزلة الذهب والفضة نقول: إن ورق كتب العلم له قيمة، والدفاتر لها قيمة، وغيرها من الأوراق لها قيمة؛ لأنها كلها لها قيمة شرائية، فلو كانت مسألة القيمة توجب الزكاة لوجبت في الأوراق؛ لأن العبرة بالرصيد. وبناءً على ذلك: إذا ألغي القديم ينظر في الجديد، فإن نزل منزلته من كل وجه صار آخذاً حكمه من كل وجه، فلو استدان منه مائة ريال فضة قديمة قضاها مائة من الفضة القديمة إن وجدت، فإن لم توجد قضاها بالورق، ونزل الموجود من الورق منزلتها.
تسديد القروض المثلية بالمثل وقوله: [ويرد المثل في المثليات] مثلما ذكرنا أن المثلية تستلزم الجنس والنوع والقدر والصفة، فمثلاً: لو استلف بعيراً بكراً أو خياراً فإنه يرد الجنس بالجنس، والنوع بالنوع، والسن بالسن الذي هو القدر، فقدره في السن بكر ببكر.. رباعي برباعي.. جذعة بجذعة.. وابن لبون بابن لبون، مثِلاً بمثل، ذكر بذكر، أنثى بأنثى، فإذاً: يرد المثل في المثليات، وعلى هذا يكون العدل، وكما قال الله تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] (وإن تبتم) أي: في مسألة الديون، (تَظْلِمُونَ) أي: الناس، حينما أخذتم رأس المال لم تأخذوا زائداً عن حقكم، (وَلا تُظْلَمُونَ) لأنكم لم تبخسوا حقوقهم، فأخذتم رأس مالكم وحقيقة ما دفعتموه، وعلى هذا لابد من التماثل، هذا في القديم، ونفس الشيء في الجديد، فلو اقترض منه سيارته أو أدوات أو فراشاً، فإنه ينظر إلى جنسه ونوعه وصفاته ويرد مثله في الصفات وفي الجنس وفي النوع.
تسديد القيمة عند عدم وجود المثل وقوله: [والقيمة في غيرها] المثليات قالوا: في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، وفي المعدود عدداً، أما إذا تعذر أن يصير إلى المثل حينئذٍ صار إلى القيمة، فالدراهم والدنانير إذا أُلغيت وجيء بعملة غير العملة القديمة بأن كانت القديمة من الذهب فصارت من الفضة، فإنه ينظر إلى القيمة، عِدل الذهب من الفضة في ذلك الزمان يوم القرض، إن قالوا: يعادل خمس جنيهات، فحينئذٍ هذه الخمس جنيهات الموجودة الآن تقضى له خمس جنيهات، فينظر إلى المثلي يوم القرض؛ لأنه فيه خلاف، فبعض العلماء يقول: يعتبر يوم القرض، وبعضهم يعتبر بيوم القبض، وهذا هو الصحيح، وهو أننا إذا كنا نقول: إنه يملك بالقبض فمعناه أن ذمته شغلت بالقبض، وعلى هذا ينبغي أن يتقيد بالقبض. فلو أنه اقترض سيارة في شهر رجب وهذه السيارة قبضها منه في شعبان، وكانت قيمتها في رجب خمسة آلاف، وفي شعبان قيمتها أربعة آلاف، فحصل القبض في شعبان، ثم تصرف في السيارة حتى تلفت ولا يوجد لها مثلي، فحينئذ نصير إلى القيمة، فإن نظرنا إلى العقد يوم القرض فهو في شعبان وهو قبضها في رمضان، فإذا جئنا يوم الاتفاق والعقد في شعبان وكانت قيمتها خمسة آلاف، ويوم القبض والتصرف في رمضان كانت قيمتها أربعة آلاف اختلفت القيمة، قالوا: العبرة بيوم القبض وهذا هو الصحيح، أنه إذا استلفها منه نظر إلى يوم القبض؛ لأن الملكية تصير إليه وتتعلق بذمته عند القبض، فصار مشغول الذمة وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، ونص الإمام أحمد رحمه الله على هذا كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة في المغني. وقوله: [فإن أعوز المثل: فالقيمة إذاً] مثل السيارات التي ينقطع موديلها ولا يوجد لها مثيل فينظر إلى قيمتها، ولا يصار إلى القيمة إلا إذا أعوز المثل، ومن هنا تتفرع المسألة في اختلاف القيمة الشرائية للعُمل، فإن استسلف شخص عملة بالدولارات، والدولار قيمته عشرة ريالات في عام ألف وأربعمائة، ثم أصبحت قيمته في عام ألف وأربعمائة وثمانية عشر -عند القضاء- عشرين، فحينئذٍ هل نقول: إنه يجب أن يقضيه نصف القيمة؛ لأنه قد زاد عن الأصل الذي أخذ به، أم نقول: يجب أن يعطي المثل بغض النظر عن قيمته؟ نقول: يجب أن يعطي المثل بغض النظر عن قيمته غالياً أو رخيصاً، والسبب في هذا قاعدة سبق وأن بيناها: أن الغنم بالغرم. وبناءً على ذلك: في العملة؛ إذا استدان منك مائة دولار إلى السنة القادمة فمعناه أنه قد رضي بخسارتها ورضيت أنت بخسارتها، ورضي بما يكون من ربحها وارتفاع سعرها، ورضيت بربحها وارتفاع سعرها، فلا يصح إذا نقصت قيمتها أن يأتي يطالبك؛ لأنه لو زادت قيمتها لطالبك بالمثل، ومن هنا قالوا: يتحمل المسئولية، فأي شيء استدانه وجاء ليحل ويفي رد مثله، بغض النظر عن كونه غالياً أو رخيصاً، يطالب بالمثل؛ وعلى هذا أصل شرعي، وهو أنه إذا أخذ الشيء رده، فإن قلنا: إن الشيء ملكه يرد مثله، فإن وجد المثل وجب أن ينصرف إليه. لكن لو أنه قبل خمسين سنة أخذ منه ثلاثة ريالات فضة، ويمكن أن تصل قيمتها اليوم ثلاثة ملايين. نقول: يقضيه ثلاثة ريالات الآن، لكن من باب الوفاء وحسن القضاء لا بأس أن يزيده لكن لا يجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خيركم أحسنكم قضاءً)، وقال: (رحم الله امرء سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) فإذا أردت أن تقضي فتحسن وتتذكر فضله، وهذا من خلق الكرام، فإن الكريم إذا أكرمته رد الكرامة بمثلها وزيادة، وعلى هذا لا يليق وليس من المحاسن أن يرد نفس المال، وإنما يرد ويحاول أن يجبر خاطر من دينه، خاصة وأن هذا فيه رد للجميل.
حكم القروض التي تجر منافع وقوله: [ويحرم كل شرط جر نفعاً] الشروط في القروض تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط مشروعة. والقسم الثاني: شروط ممنوعة. والقسم الثالث: شروط مختلف فيها. وهذا القرض له نوعان من الشروط: شروط شرعية وشروط جعلية، والفرق بين الشروط الشرعية والجعلية: أن الشرعية لا يصح أن يكون القرض من مجنون أو ممن لا يملك المال، وليس له حق التصرف فيه، أما الجعلية، أي: جعلها المتعاقدان أو اشترطها أحدهما ورضي بها الآخر. وهذه الشروط الجعلية من المتعاقدين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون مشروعة، وإما أن تكون ممنوعة، وإما أن تكون مختلفاً فيها. فالشروط المشروعة المتفق عليها أن يقول له: أعطني قرضاً مائة ألف، قال: أعطيك ولكن بشرط أن تحضر كفيلاً غارماً يغرم، هذا شرط اشترطه رب الدين على المدين، وكما لو قال له: أقرضني مائة ألف إلى نهاية رمضان، قال: أقرضك ولكن بشرط أن ترهن دارك أو ترهن عندي رهناً، فهذا شرط، أو يقول له: أقرضني مائة ألف، قال: بشرط أن نسجل هذا الدين وأثبته عليك بكتابة وشهود، قال: قبلت، فإذاً: هذا دين بشرط، وهذا الشرط جعلي من المكلفين، ولكنه مشروع غير ممنوع، وضابط المشروع: أن لا يخالف مقتضى القرض وأن لا يفضي إلى محرم، فمثلاً لو اقترضت من شخص فقال لي: أقرضك هذه المائة ألف بشرط أن لا تشتري بها شيئاً، ومقتضى القرض في الأصل أن أنتفع به وأرتفق، فإذا أخذت المائة ألف على هذا الشرط فماذا أفعل بها؟ فإذاً: هذا يخالف مقتضى العقد، وقالوا: يشترط الرهن ويشترط الكفيل الغارم؛ لأن هذا يحقق مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع أن يفي المديون للدائن، وأن ترد الحقوق إلى أصحابها، فإذا اشترط عليه الكفيل الضمان للاستيثاق بالرهن، فإن هذا مما يوافق الشرع ولا يخالفه. النوع الثاني: الشروط المحرمة وهي الممنوعة التي تخالف مقتضى عقد القرض، فإن عقد القرض يقصد منه الارتفاق، فيقول: أقرضك على أن لا تتصرف في الدابة، بأن لا تركبها ولا تبيعها ولا تحلبها، فهذا كله يخالف مقصود عقد القرض، فهذا نوع من الشروط المحرمة. النوع الثالث: أن يكون الشرط متضمناً للربا مفضياً إليه، كأن يقول له: أشترط عليك فائدة في كل مائة (6%) أو كل شهر (5%) فهذا من شرط الربا، ولا يجوز. فالمقصود: أن كل قرض اشتمل على شرط يجر نفعاً فإنه لا يجوز وهناك شروط اختلف فيها العلماء فمثلاً: يقول له: آخذ منك هذه المائة ألف بشرط أن أسددها في نهاية السنة، فهذا اشتراط التأجيل، فبعضهم يراه جائزاً كالمالكية ومن وافقهم، وبعضهم لا يراه جائزاً كالجمهور، وهناك مثلاً بعض الشروط لا بأس بها وهي مشروعة، وفي بعض الأحيان تكون ممنوعة بنص الشرع، كأن يقول له: أقرضني مائة ألف، قال له: أقرضك مائة ألف بشرط أن تبيعني بيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف)، فهذا قرض خالف الشرع لورود النص فيه بعينه، قالوا: لأنه إذا اشترط عليه البيع، فالبيع غالباً فيه ربح، فكأنه يعطيه الدين بالدين مع زيادة الربح في صفقة البيع، وهذا ينبه على أن الشريعة حرمت الربا، وحرمت ذرائع الربا، ولا يشترط في الربا أن يقول له: الواحد باثنين أو الواحد بثلاثة. ومن هنا كان الفقه في مسائل المعاملات والمعاوضات مهم، فهي في بعض الأحيان تتضمن المحذور بطريقة الذريعة والوسيلة. إذاً: كل قرض اشتمل على شرط جر نفعاً فهو ربا، أما لو أنه اشترط عليه ما فيه رفق به، فهذا فيه تفصيل عند العلماء، ومن أمثلته مثلاً، لو قال له: أسلفني مائة ألف، قال له: أسلفك مائة ألف، قال له: والله أنا لا أستطيع أن أسدد المائة ألف لكن أسدد لك ثلاثة أرباعها، قال له: إذاً: أسلفتك وخذ خمسة وعشرين منها وردّ خمسة وسبعين، فإذاً: أسلفه بشرط أن يحله من ربع الدين، ويرد له ثلاثة أرباع الدين، قالوا: هذا لا بأس به ولا حرج فيه.
الأسئلة ...... اعتبار المقاصد في عقود البيع السؤال: هل هناك فرق في الصورة بين القرض وبين صرف الأثمان مع النسيئة دون التفاضل؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: .. فإن المقاصد معتبرة في العقود، ولذلك تقوم العبرة في العقود بمقاصدها، فإذا قال له: بعني كان بيعاً، وإذا قال له: صارفني كان صرفاً، وإذا قال له: أسلمتك صار سلماً، وإذا قال: أسلفتك صار سلفاً، فلما كان العقد عقد سلف قالوا: هذا مستثنى، ومن هنا استثني أن يأخذ الدراهم ويردها بعد مدة؛ لأنه لم يقصد المصارفة وإنما قصد الدين، ومن هنا قالوا: هذا مستثنىً كاستثناء العارية من المزابنة، ورخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فإنه يعتبر المقصد، فإن كان المقصد الدين جاز، وإن كان المقصد الصرف والبيع لم يجز، والله تعالى أعلم.
حكم إنقاص المشتري من الثمن المتفق عليه السؤال: رجل اشترى سلعة فاتفق مع البائع على ألف ريال، لكنه لما أعطاه المال أعطاه تسعمائة وخمسين ريالاً فقط فوافق البائع، فهل يجوز هذا؟ الجواب: إذا اشتريت بألف ريال ثم جئت، وقلت له: أعطيك تسعمائة وخمسين ريالاً ورضي البائع جاز، والرضا ينقسم إلى أقسام: 1- الرضا بطيب نفس ورضا خاطر، كأن تأتي تريد أن تعطي المال، فلما وصلت إلى تسعمائة وخمسين وأردت أن تخرج الخمسين، فقال لك: لا. هذه تكفي، وهذا يقع بين الأحبة والإخوان، وتعلم من دلائل الحال وبساط المجلس ما يدل على أنه يريد ذلك. 2- الرضا الممكن الذي يكون على حد سواء، مثل: شخص تأتي وتبيع عليه بألف، فإذا جاء أعطاك تسعمائة وخمسين، فقلت له: يا أخي! أعطني خمسين، فقال: سامحني، فنقول: يا أخي! أعطني حقي! قال: سامحني، فتطالبه، وإذا بك ترى أنك تزري بنفسك، وربما يكون بين أُناسٍ تستحيي أن تطالبه أمامهم، فتضطر أن تقول له: اذهب، فكأنك اضطررت غلى مسامحته، فتقول بلسان الحال: وما حيلة المضطر إلا ركوبها! فهذا المأخوذ بسيف الحياء لا خير فيه ولا بركة فيه، ومثل هذا ينزع الله البركة له من الصفقة؛ لأنه لم يأخذ بالسماحة، وإنما أخذ بالأذية وإحراج الناس، ومثل هذا ما يقع في فضول أموال الناس، كأن يأتي لبائع يبيع الطعام، فيقول له: بكم هذا؟ ويلتقط منه ويأكل دون أن يستأذن، وربما أنه أكل الشيء، فلا يستطيع البائع أن يقول له: يا أخي! لا تأكل. فمثل هذه الأشياء ينبغي اتقاؤها، وهي إلى التحريم أقرب إن عُلم أو غلب على الظن أن البائع لا يرضى، ولابد أن يتحرى في رضاه، وأن يعلم منه طيبة النفس ورضا الخاطر، فإذا غلب على ظنك أنه بطيبة نفسه ورضا خاطره فلا بأس، وإن كان الأفضل والأكمل العفة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن يستعفف يعفه الله وما أعطي عبد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر) فالقناعة بما أعطى الله عز وجل خير للعبد، فإذا جاء أحد يستفضل عليك، قلت له: لا، هذا حقك خذه كاملاً، وبارك الله لك في مالك، فهذا هو الأفضل والأكمل للمسلم، أن يعامل الناس ويؤدي حقوقهم إليهم كاملة. وأما إذا كان بسيف الحياء أو يكون البائع غريباً أو عاملاً مستضعفاً، فيأتي ويقف يصيح عليه بقوة ويرعبه ويزعجه، فإذا جاء وقت المطالبة أعطاه المال ناقصاً ثم زجر بقوة فاضطر العامل أن يسكت، فإن هذا من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا الرضا وجوده وعدمه على حد سواء، فينبغي أن يُتقى في مثل هذا، وأن يفصل فيه، فما كان من الرضا مستوفياً بالصفات المعتبرة حكم به وإلا فلا، والله تعالى أعلم.
حكم بيع الدابة نسيئة السؤال: أيجوز بيع دابة بدابة ويدفع المشتري أو البائع لصاحبه زيادة من المال أو من أي شيء آخر؟ الجواب: الدابة بالدابة معدود بمعدود يجوز متفاضلاً ونسيئة، والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) فهذا ليس بمحذور؛ لأنه جمع بين البيع والدين، فهو بيع لأنه بعير ببعيرين -ولو كان ديناً لكان بعيراً ببعير- ودين من جهة الأجل؛ لأنه قال: (البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) وعلى هذا يجوز لك أن تشتري السيارة بالسيارتين، والسيارة بالسيارة من نوعها مع الزيادة، والسيارة بالسيارة من نوعها مع زيادة من نوعها أو صفاتها أو بزيادة في المال، كأن يقول: أعطيك سيارتي وتعطيني سيارتك وأزيدك خمسة آلاف أو عشرة آلاف فلا بأس، وهكذا بقية المعدودات، فلو بادل ثلاجة بثلاجتين، أو غسالة بغسالتين، أو مصباحاً بمصباحين، وقس على هذا، فإن الكل جائز، والله تعالى أعلم.
كلمة توجيهية حول طلب العلم السؤال: الدعوة إلى الله عز وجل تحتاج إلى علم شرعي مبني على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج سلف الأمة رحمهم الله تعالى، فهل من كلمة توجيهية تحث فيها كل داعية إلى الله عز وجل على الاهتمام بالعلم الشرعي، وفقكم الله؟ الجواب: الدعوة إلى الله من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى، ويشهد لذلك قول الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً) ومن حمل هموم الدعوة إلى الله وحمل أمانة الدعوة وتبليغ رسالة الله إلى عباد الله فقد حمل أشرف الأشياء، وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، بل إنه الشيء الذي خلق الله من أجله خلقه وهو عبادته ولا عبادة إلا بالعلم وبالبصيرة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108]. فلابد للداعي أن يستشعر أولاً: ما هي الدعوة؟ وما هي الرسالة التي يحملها، والأمانة التي في عنقه لأهلها؟ فإذا عرف عظم هذه المسئولية؛ علم أنه يتكلم لله وفي الله، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى، وأنه يعقد الصفقة فيما بينه وبين الله بأن يكون أجره على الله لا على أحد سواه: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47] وقال عن أنبيائه نوح وهود وصالح وشعيب ولوط: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109] أجرك على من بيده خزائن السماوات والأرض ويده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة، أجرك على من يكتب لك الكلمة والجملة والحرف.. على من يكتب لك الخطوة والتعب والنصب والسهر، ويكتب لك كل صغيرة وكبيرة سبحانه وتعالى، يحصيها لك فيكتب لك أجرها وثوابها فتوافيه يوم توافيه بمثاقيل الحسنات إن قبل عملك، وأجرك على من لا يضيع أجر من أحسن عملاً وهو الله جل جلاله. وعلى الداعية أن يستشعر أن هذا المقام أحب المقامات إلى الله عز وجل وهو مقام الأنبياء والرسل، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإنما يكون الداعية العالم ولا تكون دعوة إلا بعلم، فمن أراد أن ينال فضل الدعوة على أتم وجوهه وأن يكون في أكمل صوره فليتم العلم، وليأخذ من العلم، وينتهي من العلم ويحرص على مجالس العلم، ويكون من أهل هذه الرياض التي تنشر فيها رحمة الله، ويبتغى فيها ما عند الله، ويصبر ويصابر ويجد ويجتهد ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى في جميع ذلك، حتى يبلغ من العلم أعلى مراتبه، فإذا بلغ ذلك قام بالدعوة على أتم وجوهها وأكملها. وأول ما ينبغي على الداعية طلب العلم، وإذا طلبت العلم تطلبه بقوة وبعزيمة وهمة صادقة لا يثنيك عنها شيء، فلا تثنيك عنها الدنيا وزينتها وغرورها وما فيها من متاع زائل وغرور حائل، إنما تجد وتجتهد وأنت تحس أنك أنت الرابح، ولا يكون طلبك للعلم بضعف، فتشعر أن الدنيا ستفوتك، وأن أهل الدنيا يتاجرون ويربحون وأنت لا تتاجر ولا تربح، لا. بل تدخل في العلم وتحس أنك أربح صفقة وأكثر ربحاً في تجارتك مع الله سبحانه وتعالى، فقد طلب أقوام العلم فكفاهم الله هم الدنيا والآخرة، واقرأ في سير العلماء، والله إن منهم من كان لا يجد إلا طعمة يومه.. مرقع الثياب.. حافي القدم، ولكنه أغنى الناس بالله جل جلاله، وأسعد الناس، وأشرحهم صدراً، وأثبتهم جناناً، وأصدقهم لساناً، وأوضحهم بياناً، أغنى الناس بالعلم الذي وضعه الله في قلبه وفي لسانه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] لما صبروا في طلب العلم وتحصيله، فلا يشتكي من السهر والتعب في طلب العلم، إنما يبحث عن هذا العلم بكل همة وصدق وعزيمة. فإذا جد طالب العلم في طلبه عليه أن يعلم أن منزلته عند الله على قدر ما يحصل من العلم، فإن الله يرفع بهذا العلم درجات، وقد تجلس في المجلس الواحد وتدرس فيه مسائل قل من يضبطها ويحصلها فتكفي الأمة همها وتسد ثغرها، فيكون أجرك عند الله بمكان، فترفع درجتك على نفاسة هذا العلم، وبقدر ما يكون علمك نفيساً عظيماً محتاجاً إليه عظيم البلاء بقدر ما تكون درجتك عند الله أعلى وأسمى. كما ينبغي أن تعلم أن هذا العلم يحتاج منك إلى أمانة، فإذا جلست في مجالس العلم ضبطت وتقيدت بما سمعت، فلا تزيد من عندك شيئاً، ولا تحدث في دين الله برأيك ما لم يكن عندك حجة أو برهان، وتحرص في مجالس العلم على أن تسمع وتحفظ، ثم بعد ذلك تعمل بضوء ما علمت وتبلغ ما سمعت، وهذا أكمل ما يكون في العلم، أن يكون قلبك واعياً بكل ما يقال، وتتقيد بالكلمة لا تزيد ولا تنقص، وإن استطعت ألا تأتي بالمعنى إنما تأتي باللفظ نفسه، فإذا بلغت ذلك كملت نظارة وجهك، قال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فحفظها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع)، فهذا أكمل ما يكون في طلب العلم فإذا أردت أن تدعو إلى الله على أكمل المراتب وأفضلها، فعليك أن تضبط العلم ضبطاً تاماً، وتحرص في مجالس العلم على أن تتقيد بما سمعت، ثم بعد ذلك إذا تعودت على هذا الضبط وضع الله لك القبول، وثق ثقة تامة أن الله مطلع على سريرتك وما في قلبك، وإن نظر الله إليك في كل مجلس ودرس تحاول أن تفهم وترجع مهموماً محزوناً تريد أن تضبط هذا العلم وتضبط كل كلمة وعبارة وجملة، أثابك على ذلك. العلم تسلو به الأرواح والأنفس، فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام إمام من أئمة السلف وديوان من دواوين العلم والعمل، كان آية في القراءات.. آية في علم اللغة.. آية في لسان القرآن.. آية في الحديث والرواية بالأسانيد.. آية في الفقه وهو صاحب كتاب الأموال وصاحب الغريبين، هذا الإمام العظيم استوقفه رجل بعد صلاة العشاء، وكان قدم عليه من خراسان، فسأله عن مسائل في الفقه، يقول: إنه وقف معه في شدة البرد، فقام معه رحمه الله يذاكره ويسأله وهو يراوح بين قدميه فلم يشعر إلا وقد أذن الفجر، وهذا ليس من ضرب الخيال، والله إنك إذا ذقت لذة العلم فإنك تسمو عن كل شيء، إذا ذهبت في هذه المعاني المستنبطة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الكنز العظيم الذي خلف، تحس بالغبن أن سلفك الصالح سهرت عيونهم وتعبت أجسادهم من أجل أن يخرجوا لك هذا العلم، فقد كان الرجل منهم إذا لم يجد إلا صخرة لنقش العلم عليها حتى لا يفوت على من بعده. إن همم كان النصيحة لله ولأمة الإسلام رضي الله عنهم ورحمهم برحمته الواسعة، فإذا كانت هذه الهمة الصادقة بذلها السلف لنا من أجل أن نحفظ علومهم فمن الغبن والله، أن ننظر إلى كتبهم وبيننا وبينها حواجز لا نعلمها؛ لأن علمنا علم سطحي لم نتعمق ونضبط ونجد ونجتهد، فطالب العلم اليوم يقف فقط عند الحكم دون أن يبحث عن الدليل ووجه الدلالة، هل هو صحيح أو غير صحيح؟ وإذا كان ليس بصحيح فلماذا؟ تغوص في أعماق العلم، فإذا أصبحت بهذه المثابة بوأك الله من العلم أعلى المكانة، إذا تعبت اليوم وأصبحت تبحث عن كل صغيرة وكبيرة وتجد وتجتهد لا تشتكي من سهر ليل ولا ظمأ الهواجر، ولا تشتكي من غربة ولا من تعب ولا نصب وإنما تحس أنك أنت الرابح. لا إله إلا الله! لو ذهبت إلى الأسواق في رمضان وفي ذي الحجة تجد التجار يسهرون ويتعبون ويحسون بالنشاط والرجولة، والرجل تجده أمام أولاده، يقول لهم: هذا موسمي، هذا رزقي من الله عز وجل لا أفرط فيه، ويعتبر أنه وضع الشيء في موضعه وهو يبحث عن الدنيا، فكيف بمن يخوض في رحمة الله جل جلاله؟ فمنزلتك عند الله على قدر العلم الذي عندك، فابحث عن العلم المستنبط من الكتاب والسنة، فعلى المرأ رجلاً كان أو امرأة أن يطلب العلم ويجد ويجتهد، ولا يقف عند الحدود بل يحاول أن يغوص في أعماق العلم. فإذا تعبت في طلب العلم طالباً أراحك الله مطلوباً، وإذا تعبت في طلب العلم طالباً وذللت فيه أعزك الله مطلوباً، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ذللت طالباً وعززت مطلوباً)، فكان رضي الله عنه يقف في يوم عرفة يفسر القرآن، يقول بعض أصحابه: لقد شهدت من ابن عباس مشهداً في يوم عرفة لو رأته الروم لأسلمت، وقف يفسر سورة النور آية آية وكأنه يغرف من بحور، كان إذا تكلم في اللغة خاض فيها وفي لسانها وبيانها وأسرارها ونكتها وبلاغتها وفصاحتها، وإذا ذهب في علوم القرآن رأيت منه العجب وهو يستنبط، كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وإذا ذهب إلى السنة فناهيك به علماً وورعاً وعملاً مصاحباً للعلم رضي الله عنه وأرضاه. فهذا هو الذي يبحث عنه الإنسان، وما دمت قد عرفت شرف هذا العلم فعليك أن تضحي بكل ما تجد من أجل بلوغه، فإذا نظر الله إليك أثناء الطلب وأنت تتعب وتحصل، فاعلم أنه لا أكرم ولا أوفى من الله، والله إذا تعبت اليوم فإن الله سبحانه وتعالى سيريك ثمرة تعبك، ولن تموت حتى يقر عينك بما ترى، إن كنت تعبت في الطلب وكنت تحرص على أخذ العلم كاملاً سخر الله لك طلاب علم يتعبون كما تعبت، ويحبون العلم كما أحببت، ويأخذونه من فمك طيباً مطيباً كما أخذته من علمائك طيباً مطيباً، وكما أقررت عين العالم الذي أخذت عنه وهو يراك مجداً محصلاً فلابد وأن يقر الله عينك في طلابك، وهذه سنة الله عز وجل، وانظر في حال السلف فلا تجد طالباً لزم عالماً وأخذ عنه وضحى معه إلا ونبغ بعد وفاته، وأصبح مكانه يحاكيه ويماثله، فلما توفي ابن عباس فإذا طلابه هم سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان ومجاهد بن جبر ، فإذا نظرت إلى تلامذة ابن عباس كدت لا تفرق بينه وبينهم عِلماً وعملاً، لابد وأن يقر الله عينك، وكله على قدر تعبك في طلب العلم. الآن انظر إلى الذين يأخذون الكتب ويقرءون من الكتب ولو كا

شرح زاد المستقنع - باب القرض [2] مشروعية القرض معلومة، وشروطه منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع، ومنها ما هو مختلف فيه، كما أن القروض التي توضع في البنوك منها ما هي ودائع مشروعة، ومنها ما فيه احتيال وغرر، ومنها ما هو استثمار، وكل هذا له ضوابط وحدود معروفة عند علماء المسلمين، وأما الجمعيات المعروفة فهي في حكم المشتبه الذي لا يقطع فيها بالحرمة ولا بالجواز؛ لأن من نظر إلى ظاهر شروطها يجدها ربوية، ومن نظر إلى مضمون شروطها يجدها جائزة ليس فيها زيادة. أنواع الشروط التي يجعلها صاحب الدين على المدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الشروط التي يجعلها صاحب الدين على المدين، أو يجعلها المدين على صاحب الدين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: مشروعة، والثاني: ممنوعة، والثالث: مختلف فيها، والأصل أنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين على المدين زيادة على دينه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] فإذا سُئلت عن قضاء الدين؟ تقول: الأصل أن يرد له دينه دون زيادة أو نقص؛ لأنه إذا زاد فقد ظلم المدين، وإذا انتقص من الدين فقد ظلم صاحب الدين، فأنصف الشرع وعدل بين الطرفين، فأوجب أن يكون الرد مثل المأخوذ دون زيادة أو نقصان، وإذا سُئلت عن دليله؟ قلت: قوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]. ثم إن العلماء تكلموا على الفوائد والأمور التي تكون زائدة عن الدين، وفصلوا فيها؛ لأن الشريعة منعت وأجازت، فمنعت من الزيادة في قوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] وأجازت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قضى الدين وزاد، والشرط في الدين أن يقول صاحب الدين للشخص المدين: أعطيك مائة ألف بشرط كذا وكذا، وهذا الذي يشترطه تارة يكون مالاً من جنس الذي دفع إلى المدين، كأن يقول: أعطيك مائة ألف بشرط أن تردها لي مائة وعشرة، فهذا شرط بزيادة. وتارة يقول له: أعطيك مائة ألف ولكن بشرط أن تؤجرني دكانك أو تبيعني سيارتك أو عمارتك أو أرضك أو مخططك أو طعامك إلى آخره، فصار قرضاً وبيعاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سلف وبيع. وبناءً على هذا يقول العلماء: إن الفوائد المستفادة فيها تفصيل: فإن كان صاحب الدين اشترط منفعة زائدة على المدين أياً كانت المنفعة إما بالمال والنقد أو ما يكون مقدراً له قيمة فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف) فالزيادة لا تجوز ولو كانت ضمن عقد آخر، فإنه لما نهى عن بيع وسلف، عندما يقول لك: هذه عشرة آلاف بشرط أن تبيعني سيارتك بثمانية آلاف تكون السيارة قيمتها عشرة آلاف، فتتنازل عن الألفين لقاء القرض، وعلى هذا قالوا: لا يجوز الشرط بالمنفعة. هنا مسألة: وهي وجود المنافع كأن يقول لك: أعطيك مائة ألف مثلاً من الذهب، في القديم الدنانير تحتاج إلى حمل؛ لأنها من الذهب، والذهب يوضع في الأكياس، والأكياس لابد من حفظها، وإذا أعطاه في مكة، وقال: بشرط أن تعطيني المائة ألف في نهاية رمضان في المدينة، فإن حمل الذهب من المدينة إلى مكة فيه مخاطرة ومئونة؛ لأنه يحتاج إلى حمله والاستئجار للدواب لوضعه بها ثم نقله إلى المدينة، فإذا قال: أعطيك مائة ألف في مكة بشرط أن تقضيني إياها في المدينة أو الطائف، فهمنا أنه يريد منفعة السلامة من الخطر، والنجاة من ضمان الحمل. فإن كان الحمل يكلف خمسمائة ريال مثلاً، فكأنه أعطاه مائة ألف ليردها مائة ألف وخمسمائة. إذاً: الفوائد تكون ظاهرة وتكون خفية عن طريق المنافع، ومن هنا نهي عن قرض وشرط، فالقرض الذي يكون معه شرط فيه فائدة فهو محرم، فمثلاً: الودائع المصرفية كأن يودِع في المصرف عشرة آلاف على أنها وديعة، فيأخذ عشرة آلاف وخمسمائة بعد أجل مسند، فيشترط عليه المصرف شرطين: الشرط الأول: أن لا يسحب هذه الوديعة قبل سنة؛ لأن الودائع المصرفية التي عليها فوائد لابد أن تمكث مدة معينة، وكل سنة فيها مثلاً (6%)، فمعناه أنه اشترط عليه بقاءها إلى أجل على أن لا يطالبه قبلها. وثانياً: أن يعطيه زيادة عليها، فشرط الأجل من المصرف وشرط الزيادة من العميل؛ لأن العميل هو الذي يطالب بالزيادة. وبناءً على ذلك: إذا كانت القروض تأتي بفوائد عينية كمائة بمائة وخمسة، أو مائة بمائة وعشرة فهذا واضح لا إشكال فيه، وهذا يدعونا إلى دراسة ما يسمى بالوديعة المصرفية؛ لأن الباب باب قرض، وفيه قديم وجديد، وطالب العلم قد يدخل إلى المصرف ويرى كلمة (حساب جاري) ولا يعرف ما معنى ذلك، ويرى مثلاً: الودائع بفوائد، وهو لا يدري عنها، فلابد أنه يعلم الحكم والموقف الشرعي من هذا النوع من القرض، فنحتاج إلى مسائل: ...... الفرق بين الوديعة الشرعية والوديعة المصرفية المسألة الأولى: هل الوديعة المصرفية قرض أو وديعة حقيقية؟ فإن كانت وديعة سنبحثها في باب الودائع، وإن كانت قرضاً فسنبحثها هنا؛ لأننا في باب القرض. فما هي أنواع الودائع المصرفية، وما هي أحوالها وأمثلتها، وما موقف الشريعة الإسلامية من كل مثال وحالة؟ أما بالنسبة للوديعة المصرفية فصورتها أن يأتي العميل بمبلغ معين قليلاً كان أو كثيراً ويدفعه إلى المصرف، ونحن نعبر بالمصرف؛ لأنها أفصح من عبارة (بنك) وهي أوضح في الدلالة، وإن كان في المصطلح الاقتصادي الموجود اليوم يوجد فرق بين مصطلح البنك وبين مصطلح المصرف، لكن إذا قلنا: مصرفية تشمل المصرف بمعناه أو البنك بمعناه. الوديعة المصرفية يقوم العميل فيها بوضع مبلغ معين، وهذا المبلغ المعين يكون فيه اتفاق بين المصرف وبين العميل، ففيه طرفان: موُدِع: الذي هو العميل، وموُدَع عنده: الذي هو المصرف، على أن يلتزم المصرف بحفظ هذا المبلغ ويلتزم بأدائه للعميل متى طلبه، لكن في بعض الأحوال يتفقان على مدة معينة كما ذكرنا، والسؤال: هل وضع مائة ألف مثلاً في المصرف نعتبره وديعة أم قرضاً؟ إن أي مسألة عصرية إذا جئت تبحثها بحثاً فقهياً منهجياً أول ما يجب عليك أن تأخذ الألفاظ وتدرس معانيها، ثم هذه المعاني الموجودة في واقعك ومعيشتك وعُرفك وبيئتك على حسب ما يفهمها الناس أو يتعاملون بها، هل تتفق مع المصطلحات الشرعية أو تختلف؟ فإن قالوا: وديعة، فالعلماء وضعوا للوديعة تعريفاً ومصطلحاً معيناًَ، فطبق المصطلح على الحقيقة والواقع، فإن اتفق أعطيتها حكم الوديعة، وإن اختلف بحثت ما هي حقيقته ولم تغتر بالاسم الظاهر، إذاً: لو جاءوا وسموا معاملة ما بيعاً، فنقول: ما هي حقيقة البيع؟ مبادلة المال بالمال، فهل هذا مال مبادل بمال؟ إذاً: فهو بيع، لكن لو كان منفعة بمال فهو إجارة، فالناس قد يخطئون في التعبير بقصد أو غير قصد. فالوديعة في الشريعة تقوم على حفظ المال وأدائه بعينه دون تصرف فيه، فإذا جاءك بكيس ووضعه عندك وديعة، فمعناه أنه ينبغي أن تحفظ نفس الكيس وما فيه؛ لأنك أمرت بحفظ هذا الشيء بعينه دون أن تتصرف فيه، قالوا: فلو فتح الكيس انتقلت الوديعة من كونها وديعة إلى كونها قرضاً ويضمن؛ لأن الوديعة تستلزم أن تحفظ المودع بعينه وترده بعينه، فإن أخذ المال بأن أعطاك إياه خمسمائة ريال فأخذت الخمسمائة بعينها ووضعتها في الدرج وقفلت عليها: وكتبت عليها هذه وديعة فلان بن فلان، فجاءك بعد عشر سنين وأعطيته العين نفسها، فهذه وديعة، ولو أنك وضعتها فاحترق الصندوق والبيت واحترقت هذه الفلوس بهذه الطريقة التي لم تتصرف فيها لم تضمن؛ لأن يدك يد أمانة. إذاً: كل شيء له في الشرع ضوابط، فلا يسير الإنسان على تعبيرات الناس وأهواء الناس، وهذا الفقه عُصارة أذهان أكثر من عشرة قرون، والعلماء يتعبون ويسهرون ويكدحون من أجل إعطاء كل ذي حقٍ حقه، فإذاً: عندما نقول: وديعة فعندنا ضابط معين، وهو أن يستلزم منك ذلك حفظ عين الشيء وأداءه بعينه متى ما طلبه دون مماطلة أو تأخير، فلو أن الإنسان جاء بالعشرة آلاف ووضعها في المصرف فهل يلتزم المصرف بحفظ عين المال ورد العين أم بحفظه ورد مثله؟ الجواب: رد المثل، ولا يوجد مصرف يأخذ منك عين المال ويرد لك عين المال، وإنما يأخذ ويعطي بدلاً عنه. ولذلك ينبغي أن نتنبه إلى أن التسمية بالوديعة ليست صحيحة من ناحية شرعية، بل حتى في القوانين الوضعية، وفي العرف الاقتصادي الموجود المعاصر يسمون الودائع المصرفية قروضاً، وإنما سميت وديعة على حسب ما يقصد من هذا، سواءً كانت تسمية ظاهرة أو غير ظاهرة، حتى يقول: إن الوديعة مشروعة، وإذا كانت الوديعة مشروعة في الأصل؛ فإنه يترتب عليها نوع من إضفاء الشرعية على هذا الشيء. وبناءً على ذلك: لا يمكن أن نحكم بكون الوديعة المصرفية وديعة بمعناها الشرعي الصحيح، حتى نفس العرف الاقتصادي يسلم بأن الودائع قروض، وإذا احترقت المصارف وصار عليها عارض ليس بيدها، فإنها تضمن المال الذي أودع فيها؛ لأنها لا تأخذ حكم الودائع. إذا ثبت أن الوديعة المصرفية دين فهي قرض، وتكون معنا في الباقي على نفس الدراسة التي درسناها، فأصبحت المعاملة في الحقيقة على أن يدفع له المال ويرد له مثله، هذا من حيث الشكل العام والمضمون العام في الودائع، وإذا ثبت هذا فمعناه أنك تبني عليه جميع الأحكام الشرعية المبنية على القروض، وهذا يستلزم أن نقسم الودائع المصرفية إلى أقسام. ...... أقسام الودائع المصرفية القسم الأول: الوديعة المستندية. القسم الثاني: الحساب الجاري. القسم الثالث: الودائع بالفوائد. القسم الرابع: شهادات الاستثمار. ...... الوديعة المستندية أما بالنسبة للوديعة المستندية فمن الممكن أن نسميها وديعة شرعية، وهذه الوديعة حقيقتها: أن يقوم العميل باستئجار صندوق معين في المصرف أو البنك، ويمكنه البنك من مفتاحه، على أن يضع فيه وثائقه ومستنداته، ويتكفل البنك بحفظ هذه الودائع والمستندات، ويمكن العميل من أخذها في أي وقتٍ شاء، على أن يدفع أجرة معينة على حسب المتفق عليه، وهذا النوع موجود الآن في بعض المصارف الكبيرة، ويسمونها مستندية؛ لأن الغالب أنها تستأجر من أجل المستندات، يكون التاجر عنده صكوك يخشى عليها السرقة أو الاحتراق أو التلف، أو عنده وثائق معينة لأعماله فيخشى أن يطلع إنسان عليها فتفسد تجارته، فيأتي ويستأجر هذا الصندوق ويحفظ فيه وثائقه ويقفله ويأخذ المفتاح، ومتى ما جاء التزم المصرف بتمكينه من أخذ ما شاء من هذا المكان. إذاً: لو سألت هذا الصندوق الذي يضع فيه العميل حوائجه، هل يأخذ عين المودع أم مثله؟ الجواب: يأخذ العين، وهل أحد يتصرف في هذه العين غيره؟ لا. إذاً: هي وديعة وتأخذ حكم الوديعة الشرعية، لكن السؤال: اتفاق المصرف مع العميل على أن يدفع مبلغاً معيناً شهرياً أو سنوياً هل هو جائز أم ممنوع؟ يمكننا أن نقول: إنها إجارة؛ لأنه استأجر المصرف لحفظ هذا المبلغ خلال المدة المتفق عليها، وبناءً على ذلك يسري عليه ما يسري على الإجارة الشرعية؛ لأنك قد تستأجر شخصاً من أجل أن يحفظ لك مزرعتك أو يحفظ لك دوابك. فالإجارة من أجل الحفظ مشروعة بالإجماع؛ لأن القاعدة أن الإجارة تجوز على كل منفعة مباحة، كذلك حفظ الصكوك والمستندات مباح فإذا استأجره لحفظها كان مباحاً، وبعض الناس يأخذ هذه الصناديق ويضع فيها مجوهرات وحلياً ونفائس موجودة عنده ويخشى عليها السرقة فيضعها ويقفل عليها، ويأتي ويأخذ عين المجوهر وعين الشيء الذي له، وهذا يأخذ نفس الحكم، سواء استأجرها للوثائق وللمستندات أو للجواهر أو للحلي، بل حتى لو جاء ووضع ماله في هذا الصندوق وأخذه بعينه فإنه جائز ومشروع؛ لأنها وديعة شرعية دون أن يختلط ماله بمال الغير، ودون أن يسري عليه أي شبهة أو أي محصول. إذاًَ: الوديعة المستندية جائزة ومشروعة؛ لأنها عقد إجارة على منفعة مباحة، وشروط الإجارة مستوفية، فهي إجارة على منفعة مباحة، في مدة معلومة، وبثمن معلوم، واستوفت جميع الصفات المعتبرة شرعاً.
الحساب الجاري والودائع بالفوائد القسم الثاني: الحساب الجاري، وحقيقته أن يقوم العميل بدفع مبلغٍ معينٍ للمصرف، ثم يلتزم المصرف تجاه هذا المبلغ المعين أن يمكن العميل من سحبه كله أو بعضه أي وقتٍ شاء، سواءً سحبه أصالة أو وكالة، والحساب الجاري في الحقيقة له ثلاث صور. الصورة الأولى: أن يدفع المبلغ، فيسحب على قدر مبلغه دون أن يزيد أو ينقص. الصورة الثانية: أن يدفع المبلغ ويعطيه المصرف زيادة إذا بقي المبلغ دون أن يطلبها هو، لكن إذا مضت فترة معينة حتى لو لم يقصد، فمثلاً: وضع مائة ألف على أساس أن يسحبها بعد شهر ثم تأخر سحبه إلى ثلاثة أشهر، وبعض المصارف تعطي فائدة على مدة بقائها ثلاثة أشهر، ولو لم يكن هناك اتفاق مسبق من باب المكافأة على وضعها هذه المدة، ففي هذه الحالة يكون المستفيد هو العميل، والاستفادة وقعت بدون شرط، إنما أعطاه المصرف من باب المكافأة على بقاء المبلغ هذه المدة، وهذا يقع في الخارج خاصة في أوروبا، فبعض البنوك تكافئ من يودع عندها مدة معينة ويكون المبلغ كبيراً فتجعل له الزيادة (6%) على بقائها ثلاثة أشهر دون أن يسحب أو ينزل رصيده عن حدٍ معين؛ لأنهم يستغلون هذه الأموال، ويحسون أن هذا الاستغلال لابد أن يرد فائدة، وهذا في نظرتهم. الصورة الثالثة من الحساب الجاري: وهو العكس وهذا يقع في الدول الفقيرة، بخلاف النوع الثاني فهو يقع في الدول الغنية التي فيها ثراء والسيولة فيها كثيرة. أما النوع الثالث فمثلاً: إذا دفع مبلغاً وبقي في المصرف أو البنك مدة وضعوا عليه ضريبة، فإذا جئت تسحب المال، ودفعت مائة ألف ومكثت سنة، فإنهم يأخذون ألفاً، فتأخذ تسعة وتسعين ألفاً. إذاً الحالة الأولى: إذا دفع المبلغ ثم سحب مثله والتزم أن يعطى قدر مبلغه دون زيادة أو نقصان، فهذا قرض ليس فيه فائدة، وليس هناك شرط فائدة ولا زيادة ولا ربا، ومن حيث الأصل العام إذا أعطى شخص شخصاً مائة ألف وجاء وسحب كل المال، أو التزم الطرف الثاني وقال له: يا فلان! خذ المائة ألف هذه قرضاً، قد أبعث لك شخصاً في أي ساعة يسحبها كلها أو بعضها فأعطه، فهذا جائز، والأصل يقتضي الجواز، لكن الإشكال من كونه ذريعة معينة على الحرام، فإنه إذا كان يعطي المال للمصرف فهذا يفصل فيه، فإن كان تعامل المصرف يكون بشيء محرم كان وضعه على هذا الوجه معونة على الحرام، فلا يجوز، وإن كان لا يتعامل بالحرام كان جائزاً؛ لأنه يدفع المبلغ ثم يأخذه دون زيادة أو نقصان. أما الحالة الثانية: إذا كان المصرف يعطيه الزيادة بدون موعد ولا عِدة، فهل يجوز ذلك؛ لأن: (خير الناس أحسنهم قضاءً) ؟ الجواب: إذا جئنا ننظر إلى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً ورده خياراً رباعياً) نقول: يجوز، لكن المشكلة أن هذه العوائد تركبت من ديون بالآجال عليها فوائد، فهو يعطي لأشخاصٍ ديناً، ويأخذ عوائد هذا الدين باقتراضهم منه لكي يصرفها في الفوائد، وبناءً على ذلك صار أصله من حرام، فنقول: إن هذا الوجه يقتضي التحريم. الوجه الثاني: لو قال قائل: يجوز في الحساب الجاري، لو سافر إلى بلد غني ووضع مليوناً، ثم سحب الحساب الجاري المليون وأعطي مليوناً وعشرة، نقول: لو قيل: إن هذا من باب مكافأة الدين لم يصح، أولاً: لأنه عائد من حرام والفرع تابع لأصله، وثانياً: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فلما جرت عادة المصرف بأنه يكافئ على الوضع فيه، فكأنه حينما أودع فيه اشترط مسبقاً على المصرف أن يكافئه، وهذا عين المحرم؛ لأن كل شرطٍ جر نفعاً فهو ربا، والإجماع منعقد كما حكاه ابن المنذر والإمام ابن قدامة وغيرهم على تحريم ذلك. إذاً: مسألة وضع المال وإعطاء الفائدة بدون شرط مسبق، يصح تحريمها من وجهين: الوجه الأول: أن عائده من حرام والفرع تابع لأصله. الوجه الثاني: أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ولفظاً كما يقول بعض العلماء، فكأنه حينما جرت عادة المصرف بذلك فإنه يكون عند وضعه للمال كأنه قد رضي بذلك وطلبه فينزل منزلته. وهنا سؤال: لو أن شخصاً جاء ووضع المال في هذا النوع من المصارف، فدفع مائة ألف فأعطي أرباحاً (مائة وخمسة)، فهل يتركها أو يأخذها؟ الجواب: عندنا نصوص في الكتاب والسنة نرجع إليها إذا جئنا نحكم في المسائل ونركب بعضها على بعض، وقد أثبتنا أن الوديعة والحساب الجاري يعتبر قرضاً، والله تعالى يقول في القرض: فَلَكُمْ [البقرة:279] أي: هذا الذي تتملكونه وهو من حقكم: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] فهو إذا سحب رصيده حينئذٍ يكون قد حقق المأمور به شرعاً، لم يظلم ولم يُظلم، وهذا بالنسبة للأصل العام، أنه إذا سحب رصيده وأصل ماله فإنه لا يظلم ولا يُظلم والنص آمر بذلك وملزم به، ودال على أنه إذا أخذ الزائد عنه فقد أخذ الحرام. وقد يقول قائل: لو أخذ الزيادة واستفاد منها بإنفاقها في مشروع خير أو نحو ذلك، لكان أفضل من بقائها، خاصة وأنها إذا بقيت ربما أخذت لأمور تضر بالمسلمين، فهل يأخذها ولا يتركها؟ نقول: هذا اجتهاد في مقابل النص، والنص يقول: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] ثم لما اجتهدوا هذا الاجتهاد، وقالوا بجواز أخذ المال مع زيادة عادوا فقالوا: لكن لا تصرفها في بناء مسجد أو طبع كتاب، ولا تفعل بها أموراً فيها طعام أو شراب لمسكين، فيشتبه هو في هذا المال بعد حكمه بأخذه كيف يتصرف فيه؟ ودائماً إذا خالف الإنسان النص يقع في حيرة؛ لأنه إذا التزم بالنص ما عنده إشكال، ثم نقول: لو أنك أخذت رأس المال لم يقع الربا، فإذا قيل: له أن يأخذ الزيادة حتى لا تبقى عند الغير، عندئذٍ تحقق الربا، ولذلك احتار! إذاً: ما دام أن هذه الزيادة محرمة فلماذا نفتي بجواز أخذها؟ ثانياً: لو أننا أخذنا هذه الزيادة حتى لا يستضر المسلم بها، فإننا نقول: تركها أكثر منفعة للمسلمين؛ بل إنه أبلغ في دعوة الكافر وتنبيهه على فضل الإسلام، فأنت إذا جئت لكافر يتعامل بالربا في مصرفه وأخذت رأس المال، وقلت له: ديني يأمرني أن لا آخذ إلا رأس المال، يقول لك: كيف تترك ربحاً قدره عشرة آلاف، فهم يكادون يعبدون المال من شدة تعظيمهم له، ولا يتعاملون إلا بالدينار والدرهم، ولا يعرفون إلا المال، فإذا وجد أنك لا تأخذ المال الربوي وأحس بعزتك؛ لأن الكافر يغتاظ إذا رأى المسلم معتزاً بدينه، قوي الشكيمة في الحق، لا يريد إلا دينه وما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. ثالثاً: هو بنفسه يشعر بفضل هذا الأمر الشرعي؛ لأنه يأخذ الدين من غيره، وغيره يطالبه بفائدة الدين فإذا وجد أنك لا تأخذ إلا رأس مالك، وقلت له: ديننا يأمرنا أن نأخذ رأس المال، فإنه يتأثر ويحس أن هذا الذي تقوله هو عين العدل، فقد يكون سبباً في التأثير عليه، وقد يكون سبباً في شعوره بفضل الإسلام، فالدعوة كما تكون باللسان تكون أيضاً بالجوارح والأركان، لأنك بتعاملك معه تعرفه حقيقة الإسلام، وأن الإسلام دين عدل، فاليوم يأتي شخص لا يأخذ الفائدة، وآخر يأتي بموقف اجتماعي يقول: الإسلام يأمر بكذا، فلا تزال تجتمع عنده محاسن الإسلام حتى تكون سبباً في هدايته، وقد حكى بعض طلاب العلم أنه وقع في ذلك يقول: ولم أرض أن آخذ هذه الزيادة، فطلبني المسئول، وسألني: لماذا لا تأخذ الزيادة؟ فقلت له: ديني يأمرني أن آخذ رأس المال فقط، قال لي: لماذا؟ فقلت له: لأني أنا أعطيتك عشرة آلاف فآخذ عشرة آلاف فقط، فلا أظلمك بأخذ الزيادة، قال الأخ: فجعل يتعجب؛ لأنه يأخذ الدين من غيره، وغيره يطالبه بفائدة الدين، فالشاهد أننا إذا اجتهدنا لهذا فإن محاسن الشريعة بأخذ رأس المال أجل وأكمل، ولا نستطيع أن نجتهد في مقابل النص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، فهذه الحالة الثانية: وهي أن يدفع المال ثم يعطى الزيادة عليه بدون عدة. الحالة الثالثة: أن يدفع المال فيؤخذ من المال على قدر الحفظ، فإذا قال له: ضع المال عندي لمدة شهر وآخذ منه مقابل حفظه، فهذه المسألة تتفرع على مسألتين: المسألة الأولى: رخص بعض العلماء رحمهم الله إذا أعطاه قرضاً، وقال له: خذ هذه المائة ألف قرضاً وردها لي تسعين، أو ثمانين، قالوا: يجوز؛ لأنه أبرأه وأسقط عنه ذلك، لكن المشكلة ليست هنا، المشكلة أن هذا النقص إنما أخذ بدعاية الحفظ وهي غير موجودة، فصار من أكل المال بالباطل، فالصورة الأولى: محض تبرع، وهناك فرق بين الصورة الأولى والثانية، وقد ذكرت هذا حتى لا يلتبس على بعض طلاب العلم، وقد ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني أنه إذا أعطاه القرض وأسقط عنه شيئاً منه جاز له ذلك، وقد رخص في هذا أئمة من السلف رحمة الله عليهم، وروي عن ابن عباس نحو هذا، لكن هذا غير ما نحن فيه؛ لأن الذي نحن فيه أن الآخذ يدعي استحقاقه للمال لقاء الحفظ، والحفظ غير موجود، فصار من أكل المال بالباطل، فالذي يأخذه يأخذه ظلماً، ولذلك قال الله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] ولو ساغ للمدين أن يأخذ من الدين شيئاً لما جعل الله الأخذ ظلماً، ولو ساغ للمدين أن يأخذ لقاء الاستدانة شيئاً لبين الله سبحانه وتعالى ذلك ولما جعله ظلماً، فكما أنه لا يجوز لرب المال أن يسقط عنه في الحفظ شيئاً، لا يجوز أن يسقط عنه فيما يدعيه حفظاً على هذا الوجه شيئاً. إذاً: الصحيح في هذه الحالة الثالثة أنها لما كانت على سبيل التعاقد والإلزام كانت من أكل المال بالباطل، والدليل على تحريمها قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] ولأن النص أثبت أنه لا يجوز للمديون أن يأخذ لقاء وجود المال عنده على الدائن؛ لقوله: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] فأمر الله المديون والدائن أن يكون الوفاء برأس المال، فدل على أنه إذا اقتطع منه شيئاً فقد ظلمه ولا يجوز ذلك.
شهادات الاستثمار هناك مسألة الوديعة بزيادة مشترطة، وهي ما يسمى بالاستثمار، فمثلاً يحدد المصرف مبلغاً ما ويقول للعميل: ادفع ما لا يقل عن ستة آلاف ولا يزيد عن عشرة آلاف قسطاً شهرياً لمدة ثلاث سنوات، فإذا مضت الثلاث السنوات أعطيناك زيادة (6%) على المبلغ كله. أولاً: لابد أن يحدد المصرف الحد الأقل للمبلغ المدفوع والحد الأقصى، أي: ما بين ألف إلى عشرة آلاف، كأن لا تزيد على عشرة آلاف ولا تنقص عن ألف، إن شاء يدفع ألفاً شهرياً قُُبل منه، وإن شاء يدفع ألفين أو ثلاثة آلاف إلى أن يصل إلى عشرة آلاف، فلو قال: سأدفع شهرياً أحد عشر ألفاً يقولون: لا، ادفع فقط ما بين ألف إلى عشرة آلاف. وهذه هي الفئة الممتازة، فعندما تكون فئة (أ) يكون فيها المبلغ أكبر والمدة محددة، فبعد أن يحدد المصرف أقل مبلغ يدفع يحدد له أكثر المبلغ، ثم تحدد المدة، يقال لك: تدفع لمدة سنتين شهرياً، فلو دفع ألفي ريال شهرياً، والسنة فيها اثنا عشر شهراً، فمعناه أنه سيدفع أربعة وعشرين ألف ريال، والأربعة والعشرون ألف ريال خلال ثلاث سنوات يكون مجموعها اثنين وسبعين ألف ريال، وهذا المبلغ يحسب منه فوائد (10%) أي: سبعة آلاف ومائتين، معناه أنه سيعطيه تسعة وسبعين ألفاً ومائتين، فكانت المعاملة على النحو الآتي: يحدد المبلغ الأقلي والأكثري على أن يكون الدفع بينهما، ويلتزم العميل بالدفع شهرياً ولا يتخلف أي شهر حتى تتم المدة، ثم يلتزم بعدم السحب من الرصيد لمدة ثلاث سنوات؛ لأن المصرف سيأخذها ويقرضها للناس، وهذه الالتزامات على العميل مكونه من: التزام في المبلغ أن لا ينقص عن كذا ولا يزيد عن كذا، والتزام في المدة: ثلاث سنوات أو سنتين أو سنة ونصف، والتزام بعدم السحب، هذه ثلاثة أشياء، وبعد أن يتم الاتفاق على هذا الوجه يلتزم البنك والمصرف بإعطائه فائدة بنسبة معينة. إذاً: هناك استثمار من فئة (أ) واستثمار من فئة (ب)، لماذا تتفاوت فئة (أ) عن فئة (ب)، فئة (أ) يكون المبلغ كبيراً ويحدد بمدة لأصحاب الأموال الكثيرة؛ لأنهم يعرفون طبقات المجتمع، ويريدون أن يستفيدوا من طبقات المجتمع، فيجعلون لمن كان راتبه أكثر مبلغاً أكثر، فيحددون مثلاً: من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، طبعاً: لا يستطيع أن يدخل في هذا الاستثمار لمدة ثلاث سنين بهذا المبلغ الكبير إلا إنسان مقتدر، النوع الثاني: يضعونه، فئة (ب)، وهذه الفئة تتراوح المبالغ فيها من ثلاثة آلاف ريال أو من ألفين شهرياً إلى ستة آلاف، فيكون التحديد أقل والمبلغ أقل وأيضاً الفائدة أقل، أي: هناك تجد الفائدة (10%) وهنا الفائدة (5%) مثلاً، فالتفاوت والتفاضل بين الفئة (أ) والفئة (ب) من حيث المضمون والجوهر، لكن من ناحية شرعية الحكم فيهما واحد، فلا تضرك المسميات؛ لأن هذا شيء يرجع إلى طريقة حساب الفوائد، فهي تختلف من طبقة إلى طبقة. أعطوا في الفئتين السابقتين الاستثمار للطبقة العالية والطبقة المتوسطة وبقي الطبقة الضعيفة، فتعطى استثماراً من فئة (ج)، وفئة (ج) من مائة ريال، أو مائتي ريال، أو ثلاثمائة ريال، يقولون: تدفع من خمسين ريالاً مثلاً؛ لأنهم يعرفون أنه سيشارك في هذه الفئة عدد أكبر، فيدفعون مثلاً: من خمسين ريالاً إلى ستمائة ريال لمدة ثلاثة شهور، وفي بعض الأحيان يحددون ويقولون: تدفع مائتي ريال شهرياً، فإذا دفع مائتي ريال شهرياً لمدة ثلاثة شهور هذه ستمائة ريال، والستمائة ريال يقولون: يلتزم المصرف بردها، ولكن يجمعون أسماء المشاركين كلهم، ثم توضع القرعة، ومن خرجت له القرعة أخذ الفائدة أو الجائزة الموجودة، وتقسم أرباح هذه الفئة كلها على عشرة أشخاص، يكون للأول ألف، وللثاني ألفان، وللثالث أربعة آلاف... إلخ. فنلاحظ أن عندنا فئة (أ) وفئة (ب) وفئة (ج)، هذه ثلاث دركات -نسأل الله السلامة والعافية- فئة (أ) وفئة (ب) لها دراسة مستقلة، أما فئة (ج) فسنركز عليها أكثر؛ لأن البعض أفتى بجوازها، وأدخل بعض الشبهات في الحكم بجوازها، فسندرس فئة (أ) و(ب) على حدة، ثم بعد ذلك ندرس فئة (ج). فئة (أ) و(ب) حينما يقال: تدفع ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، وتلتزم ببقاء المبلغ ثلاث سنوات، وتلتزم أيضاً بعدم السحب منه وتعطى فائدة كذا، ما حقيقة هذا العقد؟ أولاً: هو قرض، وثانياً: اشترط فيه وجود المنفعة والزيادة، وهذا بإجماع العلماء ربا محرم؛ وهو مخالف لقوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، فإذا أعطاه بزيادة -سواءً حدد المدة أو لم يحدد المدة مادام أنه يقول: آخذ منك هذا الدين وأرده بزيادة كذا وكذا سواء قلت الزيادة أو كثرت- فإنه الربا الذي حرم الله ولو ريالاً واحداً، فإن اشتراط هذه الزيادة قليلة كانت أو كثيرة هو عين الربا. الأمر في (أ) و(ب) واضح جداً ولا إشكال فيه، لكن الإشكال في فئة (ج)، فما هي الشبهة وكيف جوابها؟ قالوا: أولاً: في فئة (ج) المصرف أو البنك لم يلتزم أن يعطيك فائدتك إنما هو قال: تدخل في القرعة، فيحتمل أن تربح ويحتمل ألا تربح، فإذاً: حينما دخل العميل في الاستثمار لم يشترط على المصرف أن يربح ولم يشترط المصرف له أن يعطيه الزيادة، فإذاً: خلا عن قرض شرط فيه النفع, وأصبحت الزيادة بدون اشتراط، فهي جائزة، وغاية ما فيه أن المصرف تفضل بإعطاء هذه الزيادة وهذا الربح من باب المكافأة، والمكافأة على الدين جائزة، هذا بالنسبة للشبهة التي تثار في فئة (ج)، أنه لم يلتزم بإعطاء الفائدة وإنما وقع ذلك على سبيل الاحتمال، وإنما تحرم الزيادة إذا كانت على البت، كما لو أقرض الشخص شخصاً يحتمل أن فيه مكافأة ويحتمل أن لا يعطيه مكافأة، فتردد بين الزيادة وعدمها، قالوا: فيجوز. والجواب عن هذه الشبهة: أن يقال من وجوه: الوجه الأول: أن دخول العميل في هذا النوع من شهادات الاستثمار إنما قصد منه الربح والنماء، لم يدخل أحد في هذا الاستثمار لمجرد أن يحفظ ماله إنما دخل من أجل أن يربح، والمقاصد معتبرة في العقود، وعلى هذا كأنه يدين من أجل أن يربح. الوجه الثاني: أن هذا الربح لو كان مكافأة فإنه مبني على أصل محرم، والمكافأة من المحرم فرع راجع إلى أصله، وما بني على حرام فهو حرام، وبناءً على ذلك: لو سُلم جدلاً أنه مكافأة، فإننا نقول: إنه يعتبر من مال محرم، والمكافأة من المحرم محرمة؛ لأنها مأخوذة من فوائد من الإيداع ومكافأ بها العميل، وعلى هذا فلا يمكن التسليم بأنها من المكافأة؛ لأن العميل دخل وقد علم المكافأة، وحددت له، وبينت له، ووضع المال قاصدها، وشرط المكافآت أن لا يكون هناك علم أو تواطؤ أو إخبار، فلو قال له: ادفع لي عشرة آلاف يمكن أن أعطيك عليها ربحاً أو لا أعطيك لحرمت بالإجماع، قال له: إذاً: أشترط عليك أنه إذا يسر الله تعطيني وإذا لم ييسر فلا تعطيني، فهنا يقول: أشترط عليك إن ظهر اسمي أعطيتني، وإن لم يظهر اسمي فلا تعطيني، فلا يوجد فرق بين الحالتين. فإذاً: التذرع بأن خير الناس أحسنهم قضاءً، هذا ليس بوارد، إنما يكون ذلك لو خلا عن المقصد، وجاء بدون قصد ولا عدة، وهنا جاء بقصد؛ لأنه دخل وهو يريد، وجاء بعدة محتملة، أي: إن ظهر اسمك كان لك وإن لم يظهر فلا، فالتذرع بمثل هذا لا يصح ولا يستقيم. الآن عرفنا الشبهة وجوابها، وعندنا شبهة سبق وأن نبهنا عليها، وهي: أنه يتذرع في شهادات الاستثمار بأنها من باب القراض، ولو فرضنا أن وجائز، كأن يدفع رب المال إلى العامل ماله على أن يتجر به والربح بينهما على ما شرطاه، القراض يكون عندك مائة ألف وأنت طالب علم لست بمهيأ للمرابحة بهذه المائة ألف أو المتاجرة فيها، وهي موجودة عندك كرصيد مجمد، فمن رحمة الله عز وجل وتيسيره أن أباح لك أن تعطيها رجلاً عنده خبرة، يضرب بها في الأرض ويتاجر فيستفيد بخبرته، وينمي هذا المال، فإن ظهر ربح كان بينكما على ما اشترطتما.. إما أن يقول: الربح بيني وبينك مناصفة، أي: إذا ربح خمسة آلاف فإن لك ألفين وخمسمائة وله ألفين وخمسمائة، فيذهب ويتاجر بالمائة ألف في السيارات، أو الأقمشة، أو الأغذية، أو الأدوية أو غيرها... وبعد مضي المدة المتفق عليها تقول له: يا فلان! احسب لي المضاربة، فيذهب ويبيع الأشياء الموجودة بمائتي ألف، ثم يدفع أجرة الدكاكين وأجرة الأعباء وأجور العمال، فاستقر المبلغ على مائة وخمسين ألفاً؛ لأن الربح لا يكون إلا بعد رد الحقوق، فأنت دفعت مائة واتفقتما على أن الربح بينكما مناصفة وكان الربح خمسين ألفاً، فيأخذ خمسةً وعشرين ويرد لك مائة وخمسة وعشرين، هذه هي المضاربة الشرعية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: من قال: إن القراض الذي هو المضاربة، ويسمى قراضاً ويسمى مضاربة، وسمي مضاربة؛ لأنه من الضرب في الأرض: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ [المزمل:20] الذي هي التجارة، وسمي قراضاً؛ لأنه اقتطع من ماله قرضاً فسمي بهذا. يقول: إن من قال: إنها ثابتة بالإجماع فقد وهم، إنما هي ثابتة بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضارب بمال خديجة، وجاء الإسلام والقراض موجود ومعروف، ورحلة الشتاء والصيف تدل على أنهم كانوا يسافرون في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن للتجارة، ثم ترد الأرباح وتقسم على حسب ما يتفقون عليه، فأجازت الشريعة هذا النوع من العقود. يقولون: إن الفوائد والأرباح تعتبر قراضاً، وأعجب فما تنفك من عجائب! حينما يأتي من يقول: إن عقد القراض ليس فيه نص من الكتاب والسنة بشروط معينة، وإذا كان ليس فيه نص معين لا من الكتاب ولا من السنة وليس فيه إجماع على شروط معينة، فإنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فيصبح قراض الأمس له حالة، وقراض اليوم له حالة، هذا هو الفقه الجديد الذي -نسأل الله السلامة والعافية- زين لصاحبه حتى يحل ما حرم الله، فيضل ويضل ومن ثم يهلك ويُهلك غيره. والقراض في الأصل يقوم على أركان وهي: رب المال، والعامل الذي يضرب بالمال ويتاجر، وهو الطرف الثاني، والمحل الذي هو المتاجرة، والصيغة التي هي الإيجاب والقبول، كأن يقول له: قارضتك على أن يكون الربح بيننا. يقولون: إذا جاء العميل للمصرف ودفع مائة ألف فإنن...... حكم اشتراط المنافع على القرض يقول المصنف رحمه الله: [ويحرم كل شرط] أي: في الدين إذا اشترط المنفعة فلا يجوز؛ لأن اشتراط المنافع تارة يكون من المكر، كأن يقول: العشرة آلاف تردها لي عشرة آلاف وخمسمائة، وبعض الأحيان يكون اشتراط المنفعة بالمعنى سواءً كانت منفعة اعتبارية أو منفعة من غير النقد، كأن يقول له: أعطيك عشرة آلاف على أن تعمل عندي يوماً، أو توصل هذا لفلان، أو تفعل كذا وكذا، فصار قرضاً جر نفعاً، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن كل قرض جر نفعاً من حيث الجملة إذا وقع على سبيل الشرط والمشارطة أنه لا يجوز، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر، ونقله الإمام ابن قدامة رحم الله الجميع برحمته الواسعة، فمن حيث الأصل لا يجوز القرض الذي يجر نفعاً، ولكن إذا ثبت هذا فهو يحتاج إلى شيء من التفصيل وفي عصرنا الحاضر عندنا مسألتان نحتاج إلى ذكرهما: المسألة الأولى: قديمة وموجودة في زماننا. والمسألة الثانية: موجودة أو طرأت وكثر الكلام فيها الآن....... مسألة السفتجة أما المسألة الأولى: فهي السفتجة وهي تنبني على الحوالات. المسألة الثانية: فهي جمعيات المال. أما السفتجة ففي القديم كانوا يخافون الخروج بالأموال في السفر، فيأخذ الرجل مائة دينار في مكة ويعطيه ورقة لوكيل له في المدينة، أنه إذا جاءك فلان فأعطه مائة دينار، وإذا جئنا إلى صورة المسألة نجد أنه دفع مائة دينار وأخذ مائة دينار، لكن الشخص الذي هو رب المال دفع المال في مكة بشرط أن يأخذه في المدينة، فاشترط أخذه في المدينة حتى يحيله إلى وكيله، وهذا الشرط في الحقيقة قصد منه منفعة الأمن من خطر حمل المال معه، ومن هنا اختلف السلف رحمهم الله في هذا النوع، وكان موجوداً في زمان الصحابة رضوان الله عليهم، فمنهم من رخص، ومنهم من منع. فإذا دفعت لأحد مالاً على أن تأخذه في مكان آخر، فلا يخلو المال من حالتين: السفتجات، وهي فارسية معربة، ويبحثها الفقهاء تحت هذا المسمى السفتجة، والسفتجة من حيث الأصل لها صورتان: الصورة الأولى: أن يكون المال المديون يحتاج إلى مئونة حمل إلى المدينة، فمثلاًً: يأخذ المدين من صاحب المال مائة صاع في مكة ويقول له صاحب المال: بشرط أن تحيلني على وكيلك في المدينة وأستلمها منه، فإن كان نقل مائة صاع من المدينة إلى مكة يكلف ديناراً أو عشرة دنانير فصار كأنه أقرضه مائة صاع معها عشرة دنانير، فصار قرضاً جر نفعاً، وهنا نقول: لابد من دراسة؛ لأن المشكلة أن بعض العقود ترى في ظاهرها أن لا شيء فيها، لكن حينما تنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) فتجد أنه لابد من التأمل والنظر بعمق. لذلك فلابد من دراسة المسألة حتى تفهم نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع وسلف، فالسلف يعطي نفس المال، لكن لما أدخل البيع معه ربما وجدت الزيادة في البيع؛ لأنه لا يبيع أحد شيئاً إلا وفيه ربح، ففهمنا من هنا أن الشرع لا يقتصر على كون هذا أخذ رأس مالٍ ما لم يحقق في اشتراطه عليه، فلما اشترط شرطاً فيه الزيادة والمصلحة له فهمنا أنه قرض جر نفعاً واختلف فيه الصحابة رحمهم الله. أما لو كان المال المدفوع طعاماً يحتاج إلى نقل ومئونة، فجماهير العلماء سلفاً وخلفاً على تحريمه؛ لأنه استفاد النقل، وسلم مئونة النقل، والمال صحيح أنه ما نقل لكنه اشترط شرطاً على وكيله هناك ولم يقل له: أدها لي هنا، فدل على أنه قصد الهروب من مئونة الحمل، ودلالة الحال قد تدل على المقاصد في المآل. ثانياً: أن يكون المال ليس فيه مئونة، فمثلاً: يعطيه مائة دينار في مكة، ويقول له: هذه المائة دينار أحلني على وكيلك في المدينة يعطيني المائة دينار وهذه المائة دينار، ليس في حملها مئونة، فلا تحتاج إلى أكياس وإجارة، بل يضعها الإنسان في جيبه، أو في خرجه... إلخ، فلو كانت أكثر، مثلاً: عشرة آلاف دينار من الذهب -كما في القديم-، فتحتاج إلى صرر ويستأجر لحملها وكرائها، فهذا يدل على أنه يريد أن يخرج من مئونة الحمل ومئونة الخطر في الطريق؛ لأنه ربما ركب بحراً فغرق، وربما أخذت منه في الطريق، فالمقصود أنه يريد أن يتهرب من هذا كله، فيشترط أن يأخذها على وكيله حوالة، فصارت حوالة بمنفعة. فإن كانت لا مئونة فيها فقد شدد فيها بعض السلف ورخص فيها البعض الآخر، وممن رخص فيها علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، فقد كان ابن الزبير كما روى عطاء يأخذ المال من الرجل في مكة ويكتب لأخيه مصعب في البصرة أن يقضيه، وهذا على سبيل الترخص؛ لأنه نفس عين المال وما فيه مئونة، وبناءً على ذلك رخص فيها هؤلاء الصحابة، وكذلك قال بهذا القول جمع من التابعين رحمهم الله، وهو رواية عن الإمام أحمد . ومنعها بعض السلف على خلاف بينهم، فمنهم من يفهم من كلامه التحريم، ومنهم من يفهم من كلامه الكراهية، وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية وطائفة من الحنفية رحم الله الجميع، فيقولون بالمنع، إما على سبيل التحريم، وإما على سبيل الكراهة، وروي الجواز مع الكراهة عن مالك من وجه يثبت عنه. وبناءً على ذلك يرد السؤال الآن في الحوالة في الأصل بنفس العملة وبغير العملة، كأن تريد مثلاً تحويل عشرة آلاف ريال من مكة إلى المدينة، فالعملة واحدة، وتريد تحويل عشرة آلاف ريال إلى دولارات في غير مكة خارج البلاد مثلاً. والحوالة في الأصل هل هي حوالة أم قرض؟ هذا يحتاج إلى نظر، الحوالات الموجودة الآن هي قرض، وهي آخذة حكم السفتجات؛ لأنك تأتي إلى المصرف وتعطيه عشرة آلاف، وحين يأخذ المبلغ فإنه لا يحيلك بنفس المبلغ، وإنما حقيقته أنه أخذ هذا القرض في ذمته وأحال إلى وكيله أن يعطيك إياه، وأنت لا تحيل إلا لمصلحة، فكأنك أقرضته لمصلحتك، وهذا وجه دخولها في السفتجات؛ لأنه يريد توصيلها وفي توصيلها مئونة، فإن جاء يسافر هو بنفسه فمئونة السفر مكلفة، وإذا استأجر الغير فإنه يدفع قيمة استئجار الغير، فهي داخلة في حكم السفتجة. فعلى قول من قال من الصحابة بالترخيص في السفتجات، وهذا مع اتحاد العملة فلا إشكال في الجواز، يكون في حكم السفتجة جائزة على قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود ، والنفس تطمئن إلى هذا القول، خاصة كما قال الإمام مالك: إن الناس يحتاجون إلى ذلك، فخفف فيه لوجود المصلحة، وصار فيه نوع من الإرفاق وهو متفق مع مقصود الدين. ويبقى النظر في الحوالة مع اختلاف العملة، إذا دفعت عشرة آلاف فإنها في الأصل تكون ريالات وتريد تحويلها إلى البلد الثاني بعملته، فهنا عقدان: العقد الأول: الصرف، وهو كونك تبدل العشرة آلاف من ريالات إلى دولارات، والعقد الثاني: عقد الحوالة، فيجب أولاً: أن تصرف وتبدل العملة إلى عملة أخرى، وتقبض يداً بيد، فإذا حصل الصرف بصفته الشرعية المعتبرة، ودخلت النقود في شيك أو حوالة وأحيلت فلا إشكال في جوازها على قول من ذكرنا من السلف رحمهم الله، لكن لو أعطاه عشرة آلاف ريال، وقال: حولها إلى فلان دولارات، فحينئذٍ وقعت النسيئة والتأخير في الصرف، ولا خلاف في أن وجود التأخير يوجب التحريم، إذاً: المخرج والمباح أن يصرف أولاً وبعد القبض يحيل ما شاء من المال.
مسألة الدين في الجمعيات أما مسألة الدين في الجمعيات، فإن الجمعية -إذا جئت تنظر إليها- في الواقع هي قرض جر نفعاً، فلو دخلنا الجمعية بخمسة آلاف ريال، فكل شخص يدفع الخمسة آلاف على شرط أن يدينه الثاني أو يدين من يدينه، فأنت إذا دفعت الخمسة آلاف وكل شخص دفع خمسة آلاف، فمعناه أن محمداً الأول هو الذي سيأخذ مجموع المال، فكأنك دفعت الخمسة آلاف لمحمد من أجل أن يقضك ويقرض الباقين أيضاً، ودفعتها لأولئك الأربعة الباقين بنفس الشرط، فصار قرضاً جرَّ نفعاً، ولو علمت أنهم لا يعطونك لامتنعت، فإذاً: أنت لم تدفع المال إلا من أجل أن تستفيد من قوة المبلغ، والدين إنما يدفع من أجل الرفق بالمديون، وقد أجمع العلماء على أن الدين عقد رفق. ومن هنا حرم أن يستفيد المدين، فأنت إذا دفعت الخمسة آلاف مع زيد وعمرو وخالد لمحمد، كأنك تقول: يا محمد! خذ مني الخمسة آلاف الآن بشرط أن تعطي الشهر القادم خمسة آلاف لزيد، والذي بعده لعمرو، والذي بعده لبكر، فلو علمت أنه يمتنع لما دفعت ولما أعطيته، وهذا يقتضي المنع، فصار قرضاً جر نفعاً، وإن قلنا: إنه دفع خمسة آلاف وأخذ خمسة آلاف فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] يقولون: دفع ديناً وأخذ عين الدين، فإن وجدت من يجيز ويفتي بالجواز فإنه يرى أنه دفع خمسة آلاف وأخذ الخمسين ألفاً ورد لكلٍ دينه بدون زيادة، وإن وجدت من يحرم وجدته يرى شبهة زائدة على الارتفاق وهي كونه يدين بشرط، وهذا سلف وشرط، فصار قرضاً بشرط فيه منفعة، إما له حقيقة أو تبعاً، فحقيقة من جهة أنه سيستفيد الخمسين ألفاً، وتبعاً كأنه يقول: يا محمد! أقرض من أقرضني، وأعط لمن أعطاني كما أنني أعطيتك. وعلى هذا أقول: إنها من جنس المشتبه، فلا أقوى على الجزم بالتحريم؛ لأن فيها شبهة من الحلال، وفيها شبهة من الحرام، فإذا جئنا ننظر إلى وجود الشرط فهذا شبه من الحرام، وإذا جئنا لمضمون الشرط مع أنه لا يأخذ إلا رأس ماله لقلنا بالجواز، فأنا أقوال: إنه من المشتبه، وأنا ما أفتيت بحلها يوماً ولا بحرمتها، ولكن أرى أنها -أي: الجمعيات- من المشتبه الذي لا يفتى بحله ولا يفتى بحرمته، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب القرض [3] الغاية من القرض هي الإرفاق بالمقترض والتيسير عليه، وهو من قبيل الدين والله سبحانه وتعالى عدل بين صاحب الدين والمدين فألزم كلاً منهما بإلزامات تمنع الضرر عن الآخر، ومن ذلك أنه أوجب على المديون أن يرد الدين لصاحبه دون أن يزيد عليه إلزاماً، لكن أن يزيد تكرماً فلا بأس، كما يحرم على الدائن أن يشترط زيادة على دينه عند السداد. مسائل في القرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويحرم كل شرط جر نفعاً] تقدم الكلام على هذه الجملة، وبينا أنه متى اشترط صاحب الدين على المدين شرطاً يتضمن منفعة له فهذا ذريعة إلى الربا، وهو: - إما أن يكون رباً محضاً، كقوله: أشترط عليك أن ترد العشرة خمسة عشر؛ فإنه شرط تمحض بالزيادة المحرمة وهي الربا. - وإما أن يشترط عليه شرطاً فيه منفعة تكون حينئذٍ الحرمة من جهة وجود الزيادة. والأصل في ذلك أن الله سبحانه وتعالى عدل بين صاحب الدين والمدين، وأن الواجب على المديون أن يرد الدين والحق لصاحبه دون أن يزيد عليه إلزاماً، لكن أن يزيد تكرماً فلا بأس، وكذلك لا يجوز له أن ينتقص من حقه. إذاً: فقوله: [ويحرم] أي: يأثم بهذا الفعل إذا اشترط الزيادة، ولا يجوز دفع هذه الزيادة، فلو ترافعا إلى القاضي فإن القاضي لا يحكم على المديون أن يدفع هذه الزيادة، فلو قال: أشترط عليك أن ترد العشرة خمسة عشر، فإن القاضي يحكم عليه بأن يرد العشرة فقط. ...... مكافأة صاحب الدين بدون شرط وقوله: [وإن بدأ به] إذا بدأ المديون بمكافأة صاحب الدين بدون شرط ولا مواطأة جاز له ذلك، والدليل على هذا حديث أبي رافع رضي الله عنه في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فقال: لا أجد إلا خياراً، قال: أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاءً) ومعنى هذا: أن المنفعة والزيادة جائزة إذا لم تكن بمواطأة أو بشرط. والمنفعة كرجل استدان منك عشرة آلاف، فجاء وأعطاك العشرة آلاف، وقال لك: إنك أحسنت إليّ، وإني قد وهبتك داري شهراً، فهذه منفعة، وهذا القرض جر نفعاً لكنه ليس على وجه محرم؛ لأنه جاء على سبيل الإكرام بعد انتهاء الدين وقضائه، وقوله: [وإن بدأ به] أي: المديون، ومعناه أنه لم يكن النفع مشترطاً من سابق، فيبدأ به المديون لكن بعد القضاء والوفاء، فابتدأ من عند نفسه دون أن يلزمه صاحب الدين أو يكون هناك شرط بينهما، وإن بدأ به على هذا الوجه فإنه جائز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فمن السماحة في القضاء أن يزيد ويستفضل، سواءً كانت الزيادة بالأعيان أو بالمنافع، فيرد له عيناً أفضل من عينه، أو يرد له حقه من المال ويزيده منفعة أو مالاً، هذا كله دلت السنة على جوازه، ولكن بشرطين: الشرط الأول: أن يكون بعد تمام الوفاء، فلا يكون قبل الوفاء، فإن كان قبل الوفاء ففيه كلام. الشرط الثاني: أن يكون دون شرط أو مواطأة، بل تعطى الزيادة بطيبة نفس ورضا خاطر، فهذه جائزة ولا بأس بها. وقوله: [بلا شرط] أي: من محض اختياره ومن عند نفسه، لكن فصل بعض العلماء في الشخص الذي تكون من عادته الزيادة، مثل: الكرماء وأهل السخاء والجود، فإن أمثال هؤلاء الغالب أنهم إذا استدانوا أن يكافئوا من استدانوا منه؛ لأن الله جبلهم على الكرم، والكرم نعمة من الله عز وجل، والكريم يشعر أنه لا يملك مالاً، وفي هذه الحالة تجده يعطي الضعيف والمحتاج ومن يسأل، فكيف إذا كان الذي أمامه قد أحسن إليه، فإن الكريم لا يرضى أن يعطي نفس الذي أعطيته، وغالباً ما يرد بأفضل؛ لأن الله جبله على ذلك، فالكرم من مظنته الزيادة، فيرد السؤال: إذا أعطى الدين لكريم فإنه سيشعر أنه سيكافئه. إذاً: فهل هذا المعروف من الكريم ينزل منزلة الشرط؟ الجواب: فيه تفصيل، إن كان الذي أعطاه الدين في نيته ورغبته وقرارة نفسه يقصد أنه إن أعطاه سيكافئه وأحب أن يعطيه حتى يكافئه فحينئذٍ تكون الشبهة، فمن العلماء من حرم ومنهم من كره، وعلى هذا تنزل القاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً وشرطاً، فحينما علم أنه كريم وجواد وأنه سيرد الشيء بأفضل فكأنه أعطاه على أن يزاد في عطائه. وقال بعض العلماء: بالكراهة، كما أشار إليه الإمام النووي رحمه الله في الروضة، واختاره بعض أهل العلم، ووجه الكراهة أنه تردد بين الحرام وبين الحلال، فإنه إذا أعطاه الدين على أن يرده بنفسه اقتضى ذلك الحل، وإن أعطاه الدين بشرط الزيادة اقتضى التحريم، فإن سكت وعُلم ذلك من طبيعة الشخص ورغبة من أعطى كان متردداً بين الحلال والحرام، وهذا ضابط عند بعض علماء الأصول أنهم يجعلون المكروه ما تردد بين الحرام والحلال، فيصفون بعض المعاملات وبعض الأفعال بكونها مكروهة؛ لأنها في مرتبة بين الحلال والحرام، فيها شبه من الحل يقتضي جوازها وشبه من الحرام يقتضي منعها. فإن نظرنا إلى أنه ليس هناك شرط ولا مواطأة ولا وعد قلنا: بالحلال، وإن نظرنا إلى الداخل والنية والقصد قلنا: إنه حرام، ومن هنا يقولون: يصير مكروهاً، مثل ما ذكروا في الثوب، إن كان فوق الكعبين فهو حلال بالنسبة للرجل، وإن كان أسفل من الكعبين فإنه حرام، وإن كان على الكعبين فهو مكروه، لأنه ليس بالحرام المحض؛ لأنه لم يرد نص بتحريمه، إنما ورد النص بما أسفل الكعبين، ومفهوم (أسفل) أنه يشترط في الحكم بكونه حراماً أن يكون أسفل. فالشاهد أننا عندما قلنا: يشترط أن يكون حراماً إذا اشترط، فإذا لم يشترط اقتضى هذا الحل، وإذا جرت العادة نزلت منزلة الشرط، فإذا قصد هذا المعتاد منه قالوا: يكون مكروهاً.
حكم رد القرض بأفضل منه وقوله: [أو أعطاه أجود] كأن يستدين منه نوعاً من الإبل فقضاه بنوع أجود منه، أو استدان منه نوعاً من الطعام فقضاه أجود منه، أو استدان منه نوعاً من الثياب والألبسة والأكسية فرد أفضل وأجود منه. إذا أخذ الجيد ورد بأجود، أو أخذ الحسن ورد بأحسن، أو أخذ الفاضل فرد بالأفضل، فإنه يجوز إذا لم يكن بشرط ولم يكن بعدة ولا بمواطأة، أما الدليل على جواز ذلك، فإن السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرحت بفضيلة القضاء بالأحسن، فقال صلى الله عليه وسلم: (أعطه -أي: سددوا دينه واقضوا دينه- فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) وكونه أحسن: يدل على أنه يكون أفضل، إما في الجودة والرداءة وفي الصفات الموجودة في المذروع وفي المعدود. وإما أن تكون الجودة والأحسن في القدر، وذلك كأن يستلف منه خمسة ريالات فيرد ستة ريالات أو يستلف منه مائة ريال فيردها مائة وعشرة بدون شرط وبدون عدة.
الهدية بعد وفاء الدين وقوله: [أو هدية بعد الوفاء جاز] أي: أو أهدى إليه هدية بعد وفاء الدين جاز، كأن يستدين منك مائة ألف ريال، ثم جاءك وأعطاك المائة ألف بعد حلول الأجل وأعطاك معها ساعة أو كتاباً أو قلماً؛ لأنه يرى أن لك معروفاً عليه، وأحب أن يكافئك على المعروف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه) قالوا: هذه الهدية لما جاءت بدون شرط وجاءت بعد تمام الوفاء ولم يكن ذلك جارٍ على عرفٍ يقتضي الاشتباه جاز بدون حرمة ولا كراهة. وقد اختلف العلماء في مسألة المكافأة على الدين والرد بأفضل، وبعض العلماء يقول: إنه يجوز أن ترد بالأفضل في الصفات ولا ترد في العدد، فمثلاً: لو أخذ مائة ريال لا يجوز أن يردها مائة وعشرة، وهذا هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، يرى أن تكافئ في الصفات لكن لا تكافئ في العدد؛ لأن المكافئة في العدد صورة الربا، فإذا أخذ مائة ريال وردها مائة وواحداً أو مائة واثنين أو مائة وعشرة فهو ربا، فهو على صورة: أن يأخذ الواحد ويرده اثنين أو ثلاثاً، واستدل بقوله تعالى: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279]، فهذه المسألة فيها خلاف، وإن كان بعض الحنفية يميل مع المالكية في بعض التفصيلات، لكن المشهور الخلاف بين المالكية، وعن الإمام أحمد أيضاً رواية في رد المكافأة مطلقاً لكن الصحيح ما ذكرناه. وعندنا دليلان: الدليل الأول: في سداد الديون: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279] وهذا الأصل يقتضي أن سداد الدين يكون مماثلاً، إن كان عين الدين فلا إشكال، وإذا لم يكن عيناً كان مماثلاً في العدد والصفة؛ لأنه رأس المال، وإن لم يكن رأس المال حقيقة يكون حكماً، وظاهر هذه الآية الكريمة يمكن أن تجزم بأنه لا يجوز لأحد أن يدفع مكافأة على الدين؛ لأن الأصل يقتضي أنه كما أخذ العشرة أن يرد العشرة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما استسلف البكر وهو نوع من الإبل، وجاء عند القضاء، فقال: (يا رسول الله! لا أجد إلا خياراً رباعياً، قال: أعطه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) فمن أهل العلم من قال: إن هذا الحديث ورد في الصفة، فإن الخيار الرباعي أفضل من البكر، فيجيز في المعدودات بأوصافها والمذروعات بأوصافها ويمنع في الربويات من الذهب والفضة والأطعمة، فلا يجوز أن تعطي الصاعين مقابل صاع، ولا يجوز أن تعطي الدرهمين مقابل درهم. لأنه يرى أن حديث أبي رافع في المعدودات والزيادة عنده جاءت في الصفة، فلا يجوز أن نتوسع ونجيز القضاء في المعدودات الربوية، في المكيل كيلاً بزيادة الكيل، وفي الموزون وزناً بزيادة الوزن، فعلى هذا القول لا يجوز لك إذا استدنت كيلو من الذهب أن ترده كيلو ونصفاً، أو ترده كيلو وربعاً مثلاً، أي بزيادة ربع عليه؛ لأنه يرى أن الأصل التحريم، والحديث جاء في المعدودات وهي الإبل وما في حكمها، فعلى هذا القول فإن الحكم يختص بالجواز بصورة هذا الحديث، والجمهور قالوا: يجوز أن يزيد سواءً كان في الذهب والفضة التي هي الأثمان أو في المطعومات، سواء المكيلات أو الموزونات، ويجوز أن يزيد في المعدودات صفة وعدداً، وعلى الوجه الأول عندهم أنك لو أخذت بعيراً فلا يجوز أن تقضي بعيرين؛ لأن الحكم عندهم يختص بالصفة، والزيادة بالصفة مع وجود الاتحاد في العدد، فلا يجيزون أن تقضي البعير بالبعيرين، ولا يجيزون أن تقضي الشاة بالشاتين وبالثلاث؛ لأنهم يرون أن الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختص بالصفة، فقال (يا رسول الله! إني لا أجد إلا خياراً رباعياً)، فمن هنا يقولون: لا يجوز أن تدفع بزيادة عدد لقاء عدد أقل، هذا بالنسبة للقول الأول الذي ذكرناه. وأما الجمهور لما أجازوا هذا قالوا: الحديث ورد فيما ذكرتموه، لكن في الحديث عبارة، وهي قوله عليه الصلاة والسلام : (أعطه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) فجعل الأمر بالزيادة في الصفة والجودة مركب من قوله: (فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)، فالتعليل يفيد العموم، فلما كان منشأ الحكم الإحسان في القضاء، وأكد هذا بقوله: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) فهمنا أن مقصود الشرع المكافأة على الدين، ما دام أنه بدون وعد ولا تواطؤ ولا شرط، وبناءً على هذا نخرج ما ذكره المصنف رحمه الله. ويمكننا أن نقول: إنه يجوز أن يقضي الشيء بأحسن منه وأجود في الصفات، ويجوز أن يقضي الشيء بضعفه في العدد، فيقضي البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين، ويقضي أيضاً الثوب -بصفاته المنضبطة- بثوبين إذا كان قد اقترضه منه، والطاقة من القماش بالطاقتين إذا استدان مذروعاً، وقس على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن خير الناس أحسنهم قضاءً). أما إذا كان كريماً، ومن عادته أن يكافئ على الدين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكرم الخلق، ومع ذلك استدان واستدان منه الناس وهم يعلمون كرمه وفضله عليه الصلاة والسلام وجوده وسخاءه، قال رجل: يا قوم! أسلموا فقد جئتكم من عند رجل لا يخشى الفقر، ما سُئل عن شيء إلا أعطاه، صلوات ربي وسلامه عليه إلى يوم الدين، فالمقصود: أنه ولو كان كريماً سخياً يجوز أن تتعامل معه، لكن ينبغي أن لا تجعل في نيتك أن يكافئك بالأفضل، وإنما يكون ذلك على سبيل المسامحة والارتفاق.
حكم الهدية لصاحب القرض قبل سداد الدين وقوله: [وإن تبرع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز]. عرفنا أنه يجوز أن تزيد عند القضاء بأفضل؛ لحديث أبي رافع بشرط أن تكون الزيادة بعد انتهاء الأجل وبعد الوفاء، حتى قال بعض العلماء: لو جئت تسدد الدين لا تقدم الهدية، بل سدد الدين أولاً وبعد أن يقبض دينه أعطه الهدية، ولا تجعل العطاء للهدية سابقاً لوفاء الدين، إنما تعطيه بعد تمام الوفاء، فحينئذٍ يرد السؤال: لو اقرضت شخصاً فجاء وأعطاك شيئاً قبل السداد فهل يجوز لك أن تأخذ من المديون شيئاً، سواءً كان من الأثمان أو الأطعمة أو الأكسية أو المنافع... كرجل استدان منك عشرة آلاف ريال، وكان الدين إلى نهاية السنة، وجاءك في رمضان، وقال: يا فلان! هذه خمسة آلاف ريال مني لك أو هذه ألف ريال، أو هذه مائة ريال، فأعطاك هدية من غير جنس الدين، كأن يكون استدان منك عشرة آلاف ريال ففوجئت به قبل تمام الأجل وقد جاءك بشيء من غير الأثمان كطعام أو كساء أو ساعة أو قلم أو كتاب، وقال: يا فلان! إني أحبك في الله وهذه هدية مني لك، لكن بينك وبينه دين ولم يسدد الدين بعد. فحينئذٍ إذا أعطاك شيئاً قبل الدين فإنك تتقيه، وعلى هذا وردت نصوص الصحابة والنقول عنهم متظافرة، وقد جاء عند ابن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قبول هذه الهدية، لكن هذا الحديث متكلم في سنده، وذكر بعض العلماء أن له شواهد من حيث المضمون العام للمتن، وأما عن الصحابة فلا إشكال، فإن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري لما جاء إلى عبد الله بن سلام الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، قال له: إنك بأرض أرى الربا فيها فاشياً، فإذا استدان منك رجل ديناً فأعطاك هدية أو حملاً أو.. فإياك أن تقبله. فمنعه من قبول الهدية قبل تمام الدين، وأُثر هذا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، فإن ابن عباس سئل عن رجل استدان من آخر عشرين درهماً، ثم صار المديون يهدي للدائن السمك، فأهداه في المرة الأولى سمكاً، ثم مرة ثانية أهداه سمكاً، ثم المرة الثالثة أهداه سمكاً، حتى وصلت قيمة السمك ثلاثة عشر درهماً، فأخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن الرجل استدان منه عشرين درهماً، وأهداه هدية تبلغ ثلاثة عشر درهماً فقال: خذ منه سبعة دراهم. فاحتسب جميع ما أهداه إليه، وعدّ ذلك محرماً عليه إلا أن تعطى قيمته. والسبب في هذا واضح، فكأنه قبل وفاء الدين تارة تتخذ الهدايا لإطالة الأجل، فإذا جاء السداد تنكسر عين صاحب الدين بالهدايا، ولا يستطيع أن يطالب المديون، ويؤخره ويؤجله، وكذلك أيضاً فيها ذريعة إلى الربا أن يمحض له الأجل من نفس المبلغ، ومن هنا تظافرت النقول عن الصحابة رضوان الله عليهم كـعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، ومن أئمة التابعين كـسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي رحمة الله على الجميع، كلهم منعوا قبول الهدية قبل الوفاء. وقد ضيق السلف في هذا حتى إن بعضهم كان يتورع عما هو أخف من هذا بكثير، فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله استدان منه رجل ديناً، ثم جاء الإمام أبو حنيفة يطالبه بالدين، فوقف على بابه في شدة الظهر في الهاجرة، وكان مع الإمام أبي حنيفة أصحابه، فكان الرجل في داخل الدار وقُرع عليه الباب، فوقف الإمام أبو حنيفة في الشمس وجاء أصحابه إلى مظلة الباب (الروزنة)، ودخلوا تحتها، وقالوا: هلم يا إمام إلى الظل، قال: لا والله، أخشى أن يكون فضل منه عليَّ، فلم يرض أن يأتي إلى ظل داره قبل وفاء دينه. والفقه في بعض الأحيان يضيق على الإنسان، لكنه يثاب على هذا، إذا تورع بمثل هذا الورع الذي كان عليه سلف الأمة، واحتاط إلى هذه الدرجة، بأن يدع ما لا بأس به خشية من الوقوع فيما فيه بأس، وهذا الورع أكمل ما يكون من الورع، شريطة أن لا يفضي ذلك إلى الوسوسة وتحريم ما أحل الله عز وجل من الطيبات. فالشاهد أنه خشي أن يكون مرتفقاً بهذا الظل، وبناءً عليه لا تقبل الهدية من الشخص الذي لك عليه دين قبل سداد الدين إلا في حالات: الحالة الأولى: أن تحتسب الهدية من الدين، فلو كان رجل عنده لك عشرة آلاف ريال، فأهداك ساعة بخمسمائة، فاقبلها على أن الذي بقي لك عليه تسعة آلاف وخمسمائة، ولو أهداك هدية بألف، فاقبلها على أن الدين تسعة آلاف، فإذا كنت تقبل الهدية على أنها من الدين فلا بأس به. الحالة الثانية: أن يكون الرجل الذي أهداك الهدية من عادته أن يهديك، أو يكرمك، كرجل استدان منك ديناً ومن عادته أنه يهدي لك هدية في كل رمضان، فاستدان منك الدين إلى نهاية السنة فجاءك بالهدية في رمضان وأعطاكها، فإنها خارجة كلية عن الدين، والأورع والأفضل أن لا تقبلها في ذلك العام، لكن التهمة هنا منتفية، ولذلك أجازوا للقاضي أن يستضيفه من كان من عادته أن يستضيفه قبل القضاء، فإذا دعاه إلى وليمة خاصة أجابه؛ لأننا نعلم أن بينهما وداً قديماً، وأنه لم يستضفه مبتلىً بهذه الأمانة وهذه الحقوق. فالمقصود أنه إذا كان من عادته أن يهديك وأهداك على عادته صحت هديته، لكن إن كان من عادته أن يهديك وزاد في هديته في ذلك العام حرمت الزيادة؛ لأنها خرجت عن المألوف والمعروف، ومن هنا لو استدان رجل منك ديناً ودعاك إلى وليمة، فإما أن يكون الطعام عاماً، كأن يكون زاوج ابنه أو ابنته فإن هذه الدعوة لا يخصك بها، وإنما أنت والناس فيها على حد سواء، ويبعد أن تكون مكافأة عن الدين؛ لأن هذا أمر عام يقصد منه إشهار النكاح ولا علاقة له بالدين، ومن هنا أجازوا للقاضي أن يجيب الولائم العامة. لكن قال بعض العلماء: يجوز أن تتخلف عنها تورعاً، إذا خشيت أن يكسر عينك بالزيادة في الإكرام في الحفلات العامة والولائم العامة، فيحابيك محاباة خاصة، ويميزك بها، فإنها في الظاهر دعوة عامة لكن فيها شيء تتورع عنه إذا علمت ذلك، وهذا أصل عام يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأعراف والأزمنة، وعلى المؤمن أن يتقي الله، ويتورع عن مثل هذه الدعوات، وهذا هو الذي فيه طمأنينة القلب، ففي مثل هذه المسائل يصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، فإنه في بعض الأحيان يكون الشيء في ظاهره حلالاً لكن تجد أموراً وقرائن تدل على وجود الشبهة، فمثل هذا تتقي فيه وتمتنع منه، صحيح أنه يدعوك دعوة عامة، إلا أنه يميزك على من هو أفضل منك، فتفهم من هذا أن القدر المباح والمشترك زدت على حقك فيه، كما لو أهداك هدية وكان من عادته أن يهديك وزاد في الهدية، فإن الزيادة تحرم، فالمقصود أنهم لما قالوا: من عادته أن يهديك، محل ذلك أن لا يكون فيه شبهة أو ذريعة إلى الحرام، كأن يزيد عن هديته، أو يفعل معك فعلاً يميزك به في وليمة عامة أو نحوها، ولو دعاك إلى دعوة خاصة لم يجز أن تجيبه؛ لأنها أشبه بالمكافأة على الدين قبل وفائه وأدائه. وقوله: [لم يجز] أي: لم يجز لك أن تأخذ الهدية منه قبل وفائه للدين إلا أن تنوي مكافأته على الهدية، كرجل استدان منك عشرة آلاف وذلك إلى نهاية السنة، ثم جاءك بهدية (ساعة) لم يجز لك أن تقبلها، إلا أن تنوي مكافأته على الساعة، فتنوي في قلبك أنك ستقبل منه الساعة الآن على أن ترد عليه هدية مثل هديته أو أفضل من هديته، فتكون حينئذٍ قطعت الهدية بمثلها أو أفضل منها. وقوله: [إلا أن ينوي مكافأته] وهذا ما يسمى بهبة الثواب، وهي الهبة بعوض، وهذا النوع محرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعله الإنسان من أجل أن يكافئه الغير، وهو الذي عناه الله عز وجل بقوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] (ولا تمنن) أي: تفعل الهدية وتعطي الهدية وما فيه منة، (تستكثر) أي: تستدعي الكثرة بطلبك لما هو أكثر، وهذا يفعله الضعفاء، فيأتون للأغنياء ويعطونهم هدية، ومن المعلوم أن الفقير إذا أهدى للغني فمعنى ذلك أن يكافئه، وعلى هذا قالوا: إنه إذا أهداه ونوى في قلبه أن يرد هديته وأن يكافئه عليها جاز له ذلك. وقوله: [أو احتسابه من دينه] كرجل يأتي ويعطيك هدية، فتقدر هذه الهدية بقيمتها، وتنوي في قرارة قلبك أنه إذا جاء يسدد الدين فإنك تسقط الهدية من قيمة الدين، فيجوز لك أن تقبلها.
حكم اشتراط تسليم الدين في غير مكان القبض وقوله: [وإن أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وفيما لحمله مئونة قيمته] [وإن أقرضه أثماناً] كذهب وفضة، دنانير ودراهم، أو أقرضه ريالات وطالبه بها في غير البلد، كأن يستدين منك عشرة آلاف في مكة، فقلت له: أنا جالس في مكة في رمضان، ولكنني أطالبك بردها لي مثلاً في الرياض في ذي القعدة، أو في جدة أو المدينة لزمه ذلك، أي: لزم المدين أن يسدد الدين في الموضع الذي اتفقا عليه، فهذا من الشرط، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (المسلمون على شروطهم) . وقد نص العلماء رحمهم الله على أنه إذا أعطاه الأثمان في بلد وطالبه بقضائها في بلد آخر، أنه لا بأس بذلك ولزمه أن يسددها في البلد الآخر، لكنهم فرقوا بين الأثمان وغير الأثمان، كالطعام والكساء وغيرها مما يحمل وفيه مئونة؛ لأنه إذا اشترط عليه أن يوفيه في بلد غير بلده استضر المديون، وصارت منفعة زائدة للدائن على المديون، فلا يجوز ولا يلزم بهذا. أما الأثمان كالذهب والفضة، في القديم إذا قال لك: أعطيك مائة دينار في المدينة وتقضيها في مكة جاز ولزمه أن يسدد الدين في مكة؛ لأنه لم يكن في حمله مئونة، لكن في زماننا فيه مئونة، خاصة إذا كان من بلد إلى بلد تختلف العُمل فيه، فإن العُملة إذا كانت صعبة كأن يستدين مثلاً: دولارات، فيقول له وهو في مكة: هذه العشرة آلاف دولار أشترط أن تسددها لي في المشرق أو في المغرب، والدولارات في المشرق أو المغرب غالية وعزيزة الوجود، وحملها إلى هناك فيه مئونة ومشقة، فكأن الدائن صاحب الدين اشترط منفعة وصار أخذ الدين مع المنفعة الزائدة، وعليه قالوا: إنه لا يلزمه هذا الشرط، إذا كان على وجهٍ فيه ذريعة إلى الربا. كذلك الذي في حمله مئونة، كما لو استدان منه طعام بر أو استدان منه طن حديد أو طن نحاس وهو في مكة، وقال له: السداد يكون في المدينة، وهذا الدين قد لا يوجد مثلاً في المدينة، كما في القديم، إذا كانت البلدان مختلفة والأطعمة والمنافع كانت المثمونات مختلفة في الأماكن، فيلزمه ببلد غير بلده، فيتحمل مشقة الحمل إليه، قالوا: عندها يُنتقل إلى القيمة، ولا يلزمه دفع العين ولا دفع المثل إذا كان المثل لا يتيسر في ذلك البلد وكان حمله إلى ذلك البلد فيه مئونة، فأنت إذا تأملت أن حمل هذا الشيء إلى جدة يكلفه خمسمائة، فصار كأنه استدان منه مائة صاع فقضاها مائة صاع وخمسمائة، وصار يستفضل على دينه، وصار شرطاً جر منفعة، والشروط التي تجر المنافع تعتبر محرمة. لكن إذا اشترط عليه في المثمونات التي في حملها مئونة أن يسدده في بلد غير بلده وفي حمله إلى ذلك البلد مئونة، فحين نقول: ينتقل إلى القيمة، يرد السؤال: إذا قال له: هذا الطن من الحديد تأخذه مني في مكة وتقضيه لي في المدينة، وقلنا: إنه يلزمه أن يدفع قيمته بدلاً عن مثله، فالطن الحديد مثلاً في المدينة قيمته أكثر من قيمته في مكة، فهل العبرة بمكة أو بالمدينة؟ الجواب: من حيث الأصل لا يلزم من استدان منك أن يعطيك ما في حمله مئونة في البلد الذي اشترطته، وإن ألزمته بذلك يُنتَقَل إلى القيمة؛ لأننا إذا ألزمناه بالعين صار الحمل مئونة، وإذا ألزمناه بالمثل سيتضرر بحمل المثل إلى بلد القضاء، وغالباً ما تقع هذه المسألة، إذا كان البلد الذي اشترط عليه القضاء فيه ليس فيه نفس الشيء، أما لو كان فيه نفس الشيء فلا إشكال، يأخذ هذا الشيء ثم يذهب إلى البلد ويقضيه نفس الشيء، لكن حين لا يكون في البلد نفس ذلك سواءً كان من طعام أو غيره، فقال له: اقضني في مكة وقد استدان منه في المدينة، أو اقضني في المدينة وقد استدان منه في مكة، فمعناه: أنه سيتحمل مئونة الحمل إلى مكة، فصار فضل زيادة مشترطة في الدين وهذا محرم، وفي هذه الحالة يعدل إلى القيمة، ويلزمك أن تدفع قيمة الدين. إذاً: الأمر إما أن تكون قيمة الدين في مكة هي قيمته في المدينة فلا إشكال، فلو أن الطن الحديد الذي أخذه منك قيمته في مكة عشرة آلاف ريال، وقيمته في المدينة عشرة آلاف ريال، فيلزمه أن يدفع عشرة آلاف ريال ولا إشكال، أي: لم يقع ظُلِم على المدين، ولم يطالب بأن يعطيك عين السلعة؛ لأنها غير موجودة؛ لأنه استنفدها، ولا يلزمه أن يعطيك المثل؛ لأنه لو جاء يعطيك المثل في البلد المتفق عليه فإنه حينئذٍ يستضر بالحمل وصار قرضاً جر نفعاً، ولكن يلزمه أن يدفع لك القيمة، وإذا لزمه أن يدفع لك القيمة فحينئذٍ يرد السؤال هل العبرة ببلد القرض أم العبرة ببلد الوفاء؟ إن اتفقت القيمة لا يرد هذا السؤال،بمعنى: إن كانت قيمته في مكة هي قيمته في المدينة لا إشكال، لكن إن اختلفت القيمة فحينئذٍ هل العبرة ببلد الدين الذي أعطاه فيه الدين أم العبرة ببلد الوفاء؟ الجواب: العبرة ببلد الدين. وقوله: [إن لم تكن ببلد القرض أنقص] إذا كان الدين في بلد القرض أنقص فحينئذٍ تلزمه القيمة، فقلنا: يدفعها ببلد القرض الذي هو مكة، فإن كانت أنقص في مكة بأن كانت قيمتها عشرة آلاف، وفي المدينة قيمة القرض عشرون ألفاً، فحينئذٍ يدفع بقيمة بلد القرض، وقول بعض العلماء: [إن لم تكن ببلد القرض أنقص] خطأ، والصواب: أكثر، إن لم تكن ببلد القرض أكثر، وفي هذه الحالة عكس المسألة وجعل البلاء على المقرض وأعتد ببلاء المقرض على حساب المقترض، والأول له وجهه والثاني له وجهه، وإن قيل: إن العبرة ببلد القرض لا إشكال في صحته واعتباره زائداً أو ناقصاً؛ لأن الحق ثبت في بلد القرض، وبعض العلماء يرى أن العبرة ببلد الوفاء، ويلزمه بقيمته في بلد الوفاء، سواءً كانت أكثر أو أنقص.
الأسئلة ...... حكم تأخير الدين السؤال: ما حكم تأخير الدين؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالواجب على المسلم إذا استدان من أخيه المسلم ديناً ألا يؤخره، وأن يبادر بالسداد عند حلول الأجل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى) ، ومن السماحة أن ترُد الدين في أجله، وأن لا تزيد على هذا الأجل فتماطل وتؤخر، فتأخير الدين عن وقته للقادر الذي يستطيع السداد محرم، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (مطل الغني ظلم يحل لومه وعرضه) قال العلماء: في هذا دليل على أن الرجل إذا استدان منك ديناً، وحل الأجل وهو قادر على السداد وامتنع أن يسدد، فهو آثم بهذا، ويحل لك أن تغتابه وتقول: فلان ظالم، فيجوز إذا اشتكاه أن يقول: فلان ظلمني، أو يذهب إلى أبيه أو قريبه أو من له عليه قوة، ويقول: اردع فلاناً وأمره أن يفي فإنه ظالم، فقوله: إنه ظالم، فيه أذية ولكنها تجوز لمكان الظلم، وفيه سوء، والله تعالى يقول: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ [النساء:148]. فتأخير الناس في حقوقهم والمطل في ذلك محرم، كما أجمع العلماء على ذلك، وقال بعض أهل العلم: من امتنع من سداد ديون الناس وهو قادر على السداد عند حلول آجالها محق الله البركة من ماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) فتوعد من ظلم الناس في أموالهم وحقوقهم، ولا شك أن من الظلم أن يمتنع الإنسان من السداد. الأمر الثاني: أن تأخير الدين والمماطلة به والتلوم فيه مع القدرة على السداد يضر الإنسان، فلربما كان صاحب الدين يحتاج إلى هذا المال لعلاج أو طعام أو مصالح يريد قضاءها فيعطله عن هذه المصالح ويؤذيه فيها، وهذا لا شك أنه ضرر عظيم. الأمر الثالث: أن كل من استدان ديناً فإن نفسه تتعلق بذلك الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نفس المؤمن مرهونة بدينه) ولذلك لا ينفك هذا الرهن إلا بسداد الدين، ومن هنا قال العلماء: من مات حلت ديونه، فالميت إذا مات وجب أن تسدد ديونه فوراً وتحل ديونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في أول الإسلام كان لا يصلي على ميت عليه دين لم يترك وفاءً، فقد ورد في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل عليه ديناران لم يترك وفاءً، فقال: ما دينه؟ قالوا: ديناران، قال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة : يا رسول الله! هما عليَّ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة : فلم يزل يلقاني في سكك المدينة ويقول لي: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد حتى لقيني ذات يوم، وقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته) وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين أخبرني به جبريل آنفاً)، فهذا أمر عظيم. وقد اختلف العلماء في قوله: (نفس المؤمن مرهونة بدينة) قالوا: إنه ينحبس عن النعم حتى يسدد دينه، وهذا أمر عظيم، فالرهن أصله الحبس: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38] أي: مرهونة، فعلى هذا لا يجوز أن يؤخر ويماطل، ومن السنن العجيبة أن الشخص إذا يسر الله له القضاء فماطل وأخر فإن الله لا يوفقه للقضاء إلا فيما ندر، ولذلك قل أن تجد صاحب تجارة يأخذ الأموال من الناس ولا يبادر بسدادها إلا وجدته يدخل من دين إلى دين ومن دين إلى دين حتى تستنفد تجارته ويصبح رأس ماله في التجارة أقل بكثير من الدين، فعلى الإنسان أن يتقي مثل هذه الأمور، وإذا قدر على السداد أن يبادر بسداد أموال الناس ورد حقوقهم إليهم كاملة حتى يكون ذلك من باب الوفاء وأداء الحقوق إلى أهلها، والله تعالى أعلم.
حكم بيع التمر وهو في رءوس النخل السؤال: في بيع التمر وهو في رءوس النخل أليس في هذا جهالة في المقدار؟ الجواب: في بيع الثمار يباع الثمر على رءوس النخل خرصاً، يأتي الرجل الخبير ويخرص، وكل فلاح يعلم هذا، أنه إذا جاء أحد يريد أن يشتري ثمرة بستانه، لا يأتي وحده إلا إذا كان عنده خبرة ومعرفة، أما إذا لم تكن عنده خبرة فيأتي برجل له خبرة بالثمرة وبالسوق، فينظر في النخل ويقول: هذا النخل يخرج منه مثلاً: ثلاثة آلاف صاع، وهذه الثلاثة آلاف صاع غالباً تكون قيمتها إن كان السوق طيباً مثلاً: ثلاثين ألفاً، وإن كان السوق وسطاً تكون القيمة مثلاً عشرين ألفاً، وإن كان السوق رديئاً تكون القيمة عشرة آلاف، فيعطيك سعراً تقريبياً، إذاً: إنما جاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه على سبيل الاستثناء، ولذلك لا يرد عليه ما يرد على الأصل. ومن هنا قال العلماء رحمهم الله: بيع الثمرة على رءوس النخل مستثنىً من بيع الغرر؛ لأن الأصل أن يُعلم قدر المبيع، وأن يكون المشتري على علم بما يكون من الثمرة رطباً كانت أم تمراً، ولكن أُبيح ذلك من باب التوسعة على الناس وهو مستثنىً من الأصل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
استغلال شهر رمضان السؤال: نطلب كلمة توجيهية حول استغلال ما تبقى من شهر رمضان المبارك في طاعة الله سبحانه وتعالى وغير ذلك من الأعمال الصالحات؟ الجواب: نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا فيما بقي من هذا الشهر الكريم، كما نسأله تعالى ألا يختم لنا هذا الشهر إلا بعتق من النار، وفوز بالرحمة والمغفرة والعفو عمّا سلف وكان، ومما أوصي به إخواني ونفسي تقوى الله عز وجل، ومن غيب النية الصالحة في الخير أعانه الله على الخير، ومن كانت نيته على الطاعة والبر قوى الله عزيمته وسدده ووفقه وأرشده، قال تعالى: إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً [الأنفال:70] فالله تعالى اختار القلوب للنظر، فأول ما أوصي به أن تغيب في سريرتك لما بقي من هذا الشهر خيراً، وأن تعزم في قرارة قلبك أن تعمر هذه الأوقات والساعات واللحظات في طاعة الله ومرضات الله. أما الأمر الثاني: فالحرص على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة ما بقي من هذا الشهر في الطاعات والتي من أحبها كثرة تلاوة القرآن، فطوبى ثم طوبى لمن وفقه الله لحب القرآن، وإذا أردت أن يبارك الله لك فيما بقي من شهرك، بل ويبارك لك فيما بقي من عمرك، فالزم كتاب الله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، طوبى ثم طوبى لمن جعل الله القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وجلاء حزنه، وذهاب همه وغمه، وسائقه وقائده إلى رضوانه والجنة، طوبى لعبد عكف على كتاب الله يتلوه قائماً وقاعداً، يتلوه آناء الليل، يتقرب به إلى الله ويرجو به رحمة الله، يقف عند آياته ويخشع لعظاته، ويتدبره ويتلوه حق تلاوته. فخير ما يُوصى به أن يكثر العبد من تلاوة القرآن، فإن أكثرت من تلاوة القرآن أصلح الله قلبك، فإن الله تعالى يقول: قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57] وإذا شُفي ما في صدرك، وجعل الله القرآن أنيساً لك وجليساً، فعندها انشرح صدرك للخيرات، واطمأن قلبك بذكر الله والطاعات، وأصبحت مشمراً عن ساعدك في مرضات الله جل جلاله، وما فاز السلف رحمهم الله إلا بتوفيق الله أولاً وآخراً، ثم بتلاوة القرآن، وانظر إلى أفضل الناس طاعة وبراً تجده ملازماً لكتاب الله ليلاً ونهاراً. القرآن مفتاح كل خير، ومفتاح كل بر؛ لأن الإنسان صلاحه كله في قلبه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ولن يصلح هذا القلب إلا بكتاب الله جل جلاله وبكلام الله جل جلاله. فخير ما يوصى به من أراد أن يبارك الله له في رمضان وفيما بقي من أيامه ولياليه أن يكثر من تلاوة القرآن، وأن يحاول ألا تمر عليه ثلاث ليالٍ إلا وقد ختم كتاب الله عز وجل، مع التفكر والتدبر والتأمل، ومع الإشفاق على النفس والإزراء والإحساس بما بينه وبين كتاب الله من النقص حتى يكمله، ومن العيب حتى يستره، ومن الثلمة حتى يسدها، فإذا تلوت كتاب الله فسوف تستشعر أن الله يأمرك ويعظك، فإذا كان حال الإنسان مع القرآن في ليله ونهاره بورك له في شهره، بل بورك له في عمره، ولذلك نجد بعض الناس إذا خرج من رمضان خرج بحفظ القرآن، وكم من سعيد وفق للسعادة باغتنام رمضان في القرآن حتى أصبح القرآن أنيسه وجليسه، لا يفتر عن تلاوة كتاب الله وسماعه وتدبره، فيحس أن سعادته كلها في كتاب الله جل جلاله، كان شيخ الإسلام رحمه الله في آخر حياته يبكي ويتحسر على كل لحظة فاتت في غير كتاب الله جل جلاله. القرآن خير كثير، ولن تبحث في سيرة أحد من السلف الصالح إلا وجدتها مقرونة بالقرآن في قيام الليل أو تلاوته في النهار، قال بعض السلف: صحبت عبد الرحمن بن القاسم العتقي رحمه الله -صاحب الإمام مالك - من مكة إلى المدينة والله ما فتر عن تلاوة القرآن، كان السلف يتلون القرآن، وقد أدركت والله أقواماً وهم ذاهبون إلى السوق تسمعهم يتلون كتاب الله عز وجل، وإذا جن عليهم الليل سمعت كتاب الله من بيوتهم ومن حجراتهم، وأعرف أقواماً في ضيق وشظف من العيش ومع ذلك تجدهم أسعد الناس بكتاب الله جل جلاله، أغناهم من الفقر، وأمنهم بفضل الله من الخوف، وألبسهم لباس العافية، فتجدهم أبعد الناس عن الشهوات والشبهات والمذلات بكتاب الله جل جلاله. الوصية الجامعة لخيري الدين والدنيا والآخرة: لزوم هذا القرآن: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] فالاعتصام بكتاب الله جل جلاله والقرب من هذا القرآن والحب لهذا القرآن واستشعار أنه كلام الله الذي ما نزل أحب إلى الله ولا أكرم على الله في كلامه مثل هذا الكلام وهو القرآن، وقد أجمع السلف رحمهم الله على تفضيل القرآن على سائر الكتب السماوية المنزلة، لفضله وعلو شرفه ومكانته، وأُنزلت آيات منه من كنوز تحت العرش، وهذا فضل عظيم وخير كثير اختص الله به هذه الأمة. فالإنسان السعيد الموفق الذي يريد أن يبارك الله له حتى في حياته وعمره يلزم كتاب الله، وانظر إلى أي ملتزم وشابٍ صالح يستقيم على طاعة الله لن تجده أقوى الناس التزاماً وهداية إلا إذا وجدته ملازماً لكتاب الله يتلوه ويتفكر فيه ويتدبره ويخشع له ويحب سماعه، فلا يفتر عن تلاوة كتاب الله وسماعه وتدبره حتى ينال السعادة ويجدها في نفسه، وهذا هو حال أهل القرآن. فينبغي الإكثار من تلاوة القرآن والإحساس بفضل هذا الكتاب، والإحساس بعظيم ما أنعم الله به على هذه الأمة بهذا الكتاب الذي: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] . أما الوصية الأخرى: فالحرص على أن يكون للإنسان في هذا الشهر حسنة وصدقة بينه وبين الله خفية، من إطعام الجائع، وكسوة العاري، وتفريج كربة المكروب، قال بعض العلماء: إن الله جعل رمضان ليتذكر الغني الفقير، ويتذكر القوي الضعيف، ويتذكر الصحيح المريض، فيتفقد بعضنا بعضاً، ويحسن بعضنا إلى بعض، فتجعل لك في هذا الشهر الكريم بعض الصدقات الخفية، وتجعل صيامك حينما جاعت أمعاؤك وظمئت أحشاؤك يذكرك بالمكروب والمنكوب والجائع، ويذكرك بالأرملة واليتيم، فتكفكف دموع اليتامى، وتجبر قلوب الأرامل والثكالى، وتحتسب الثواب عند الله جل جلاله: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) فإن المعروف لا يبلى، والخير لا يُنسى، مات أقوام وما ماتت مآثرهم، مات أقوام وهم في الناس أحياء، بالذكر الجميل والعمل الصالح الجليل. تجعل لك من هذا الشهر زاداً للإحسان، فكما أنك تصلح في نفسك بالقرآن، تصلح لغيرك بحسنة أو بصدقة، فإن لم تستطع من نفسك وأمكنك أن تشفع عند من يقبل الشفاعة منك وتزكي نعمة الجاه التي أنعم الله بها عليك فتدخل السرور على بيت مسلم في هذا الشهر المبارك فنعم ما صنعت، فإن (الساعي على الأرملة كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر) ما دمت قد ذقت حر الصيام وألم الصيام ولذة عبادة الصيام، فإن تفريج كربة المكروب وإدخال السرور على الأرملة يعادل ذلك الفضل، كالصائم الذي لا يفطر، فأنت الآن عرفت قيمة الصيام، ووجدت لذة هذه العبادة فاعلم أنه من الخير لك بمكان أن تفرج عن أرملة أو يتيم، ولو بكلمة تشفع بها عند من يمكنه ذلك. كذلك مما يدخل في هذا قضاء الديون وتفريج كربات المكروبين، فإذا علمت أن قريباً أو جاراً لك مديون وتستطيع أن تذهب إلى غني خاصة في هذا الشهر والنفوس مقبلة على الخير وباغي الخير مقبل، فتحتسب عند الله جل جلاله قضاء دين المديون، فإذا علمت أن أخاك مديون أو عنده كربة أو عنده حاجة أو عوز وضيق: (فاشفعوا تؤجروا) فالشفاعة في مثل هذا عظيمة خاصة في هذا الشهر الكريم؛ لأنك تدخل على بيت من بيوت المسلمين الفرحة والسرور بقضاء دين عليهم أو تفريج كربة أو التوسعة عليهم، وهذا مما يحتسب عند الله جل جلاله، وقد كان بعض السلف يفضل السعي على الناس وتفريج كرباتهم على الاعتكاف في العشر الأواخر، فكان يخرج من معتكفه لتفريج كربة المكروب، وتنفيس نكبة المنكوب، فهذا من أحب وأفضل ما يثقل به ميزان العبد عند الله. فكم من أرملة إذا دخلت عليها وقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت، ليس عندها من قريب ولا صديق ولا حبيب يلتفت إلى حالها أو يفرج ما يكون بها من بلائها بإذن ربها، فإذا دخلت عليها في ظلمة ليل أو في ضياء نهار، فأدخلت السرور عليها بإعطاء مال أو إعطاء طعام ووليت ظهرك وهي تشيعك بصالح الدعوات وما تسأل الله لك من جميل المكرمات فإن الله لا يضيع تلك الدعوات؛ لأنها تخرج من القلب الصادق، الكلب -أكرمكم الله- لما مرت عليه بغي من بغايا بني إسرائيل فاستقى، ومن شدة الظمأ كان يلهث الثرى، فنزلت البغي إلى البئر واستقت له بخفها، وفي رواية : (فشكر الله لها) أي: أن الكلب لم يستطع أن يشكرها، عظم جميلها حتى عند الكلب -أكرمكم الله- (فغفر الله لها ذنوبها)، فكيف بالمسلمة وقد تكون أمة صالحة، وقد تكون أمة متعرضة للحرام يعفها الله عز وجل بشفاعة حسنة: (اشفعوا تؤجروا) وكان الناس فيهم خير كثير عندما كانوا متراحمين، وكان القوي لا يغفل عن الضعيف. وأنبه على مسألة تفريج الكربات؛ ففي غالب الأحيان تكون صدقاتنا للفقراء المعروفين، ولكن هناك من يغفل عنهم كثير من الناس ألا وهو الفقراء الأخفياء الذين لا يسألون الناس إلحافاً، ركبتهم ديون وحاجات يفضلون أن يتعرضوا للموت على أن يمدوا كفاً لأحد، قد جعلوا فقرهم إلى الله وغناهم بالله، وقد يكون معك زميل لك وترى من حاله البؤس والفقر وأنت غني ثري وسع الله عليك، وقد تأتيه على طعامه وتطعم من ذلك الطعام الضيق ولا تتحرك في نفسك معاني الرحمة، هذا أمر يشتكى منه، فينبغي أن يحس بعضنا ببعض. ومسألة الشفاعة عند الأغنياء أيضاً أجرها عظيم خاصة في هذا الشهر الكريم؛ لأن نفوسهم مهيأة للخير، ولا يزال الخير موجوداً في الناس إلى قيام الساعة، لكن إذا كان طالب العلم يدخل على أناس
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-11-09, 10:28 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب الرهن [1] باب الرهن يعتبر من الأبواب المهمة المتعلقة بأحكام الديون، وهو مشروع وجائز بالكتاب والسنة والإجماع، وله حكم عظيمة، منها: حفظ حقوق الناس، وقلة الخصومات والمنازعات، وتسهيل المداينات، وإشاعة روح التكافل والتراحم والتعاطف بين الناس.. وله أحكام يذكرها العلماء في بابها. الرهن حقيقته ومعناه وأحكامه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الرهن]. هذا الباب يعتبر من الأبواب المهمة المتعلقة بأحكام الديون، وذلك أن المداينات إذا وقعت بين الناس، قد يحتاج فيها صاحب الدين إلى شيءٍ يستوثق به من حقه، وهذا هو الذي يقوم عليه الرهن، فبعد أن بيّن المصنف رحمه الله أحكام بيع السلم، وأتبعها بأحكام القرض، بين بعد ذلك أحكام الرهن. والرهون توضع غالباً عند أصحاب الديون، أو من يقوم مقامهم من الوكلاء والأمناء، الذين يتفق عليهم الطرفان، وهذه الرهون يُقصد منها أن يستوثق صاحب الحق من حقه، فلما فرغ رحمه الله من بيان أحكام الدين، شرع في بيان أحكام الرهن، لتعلقه بباب الدين. والرهن له معنيان: لغوي واصطلاحي، أما المعنى اللغوي: فإنه يدور حول الدوام والثبات والاستقرار، ومنه قولهم: نعمة راهنة، أي: محبوسة، وماء راهن، أي: راكد دائم ومستقر. ومن معانيه: المنع والحبس، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، أي: مرهونة ومحبوسة بما فعلت من خيرٍ أو شر. وأما المعنى الاصطلاحي: فقد عرّفه بعض العلماء بقولهم: استيثاق الدين بالعين، ليُستوفى منها عند العجز عن السداد، أو الامتناع منه. فقولهم: (ليُستوفى منها)، أي: من العين أو من ثمنها. وقولهم: (عند العجز عن السداد، أو الامتناع منه)، هذا قيدٌ مهم، ولذلك ذكره طائفة من الفقهاء رحمهم الله. وقولهم: (استيثاق الدين بالعين)، معنى هذا: لو أن رجلاً جاءك وقال: أريد منك مائة ألف ريال ديناً، وأنت قد تخاف أن يعجز عن سداد هذا المبلغ، وقد تخشى من مماطلته، أو من عُسره مستقبلاً، وأنت محتاج إلى هذا المال، ولا تستطيع رده، ومن هنا جاز أن تستوثق من دينك بعينٍ تطالبه برهنها، فتقول له: أعطني رهناً، فإذا قلت: أعطني رهناً، فكأنك تريد شيئاً تستوثق به من حقك، فأنت مستعدٌ للدين، وعندك الرغبة أن تدينه وتعطيه المال الذي طلب؛ ولكنك تخشى من عجزه عن السداد أو امتناعه منه، وحينئذٍ تطالب بهذه العين، حتى إذا عجز أو امتنع من السداد، أمكنك أن تبيع هذه العين التي رُهنت لقاء الدين، وتصل إلى حقك، من ثمنها، إما كل حقك، أو بعض حقك على حسب الرهن الذي رضيت به كاملاً أو ناقصاً. إذا: هذا هو استيثاق الدين بالعين، فعندنا دين وهو المائة ألف ريال، وعندنا عين مرهونة، وهي العمارة -مثلاً- فاستوثق صاحب الدين بالعين وهي العمارة، والأصل بينهما أنه إذا عجز عن السداد وحضر الأجل، فإنه يحق لصاحب الدين أن يبيع العمارة، أو يكون ذلك عن طريق القضاء، فيرفع أمره إلى القاضي، أو بدون قضاء، كأن يقول المديون له: إذا لم أسددك في محرّم فبع العمارة وخذ حقك، فيقول: قبلت، فحينئذٍ استوثق من دينه بالعين، لكي يستوفي من العين في حال عجزه عن السداد. ولذلك عندما يُقال: ليُستوفى منها، هكذا بإطلاق، هذا خطأ؛ لأنه قد يسدد المديون الدين، وحينئذٍ لا نحتاج إلى بيع العمارة، إذاً القيد الذي ذكروه في التعريف: عند العجز عن السداد أو الامتناع منه، قيد مهم؛ لأنه لا يتدخل صاحب الدين في هذه العمارة فيبيعها ويتصرف فيها، إلا إذا عجز المدين أو امتنع من سداده حقه. ...... مشروعية الرهن الرهن مشروع وجائز، وقد دل على جوازه دليل الكتاب، ودليل السنة، وإجماع الأمة، فإن هذا النوع من المعاملات المالية شرعه الله في كتابه، فقال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، فقوله سبحانه: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، يدل دلالة واضحة على أنه إذا أراد صاحب الدين أن يستوثق بدينه بالعين وبالرهن فإن ذلك مشروع وجائز. كما دل دليل السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك كما في الصحيح من حديث أنس : (أنه عليه الصلاة والسلام توفي ودرعه مرهونة في آصُعٍ من شعير، استدانها عليه الصلاة والسلام من يهودي)، فقد استدان من اليهودي هذا القدر من الطعام، ورهن عنده درعه، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: (الرهن محلوبٌ ومركوبٌ بنفقته)، فبيَّن أحكامه وآثاره، فدلّت هذه السنة على مشروعية الرهن، وقد كان الناس في الجاهلية يرهنون، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقرّهم على ذلك، فاجتمع دليل الكتاب ودليل السنة القولية والفعلية والتقريرية. أما دليل الإجماع: فإن العلماء رحمهم الله قد أجمعوا على أن الرهن مشروع، لكنهم اختلفوا في جواز الرهن في الحضر، فمنهم من يقول: هو مشروعٌ مطلقاً، سواءً كنت في سفر أو كنت في حضر، أي: أنه يجوز للمسافرين أن يرهنوا، ويجوز للمقيمين أن يرهنوا، فلو أن اثنين في داخل المدينة استدان أحدهم من الآخر مالاً، فطلب منه رهناً، شُرع ذلك. وقال بعض السلف -كما هو قول مجاهد وغيره-: إن الرهن لا يجوز إلا في السفر، وهو قول ضعيف؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدان، ورهن في الحضَر، فدلّ على مشروعية الرهن في داخل المدن، وأنه لا يختص جوازه بالسفر على ظاهر القرآن، والجواب عن آية البقرة، وهي آية الدين: أنها جاءت بالوصف الغالب، والقاعدة في الأصول: أن النص إذا خرج مخرج الغالب، فإنه لا يعتبر مفهومه، بمعنى: أن الآية بيّنت حكم الرهن في السفر؛ لأن الغالب أن الرهن يُحتاج إليه في الأسفار، وأما بالنسبة للحضر، فغالباً ما يكون التعامل بين الأشخاص الذين يأمن بعضهم ببعض ويثق بعضهم بعضاً، وتكون التجارات بينهم حاضرة في الغالب، والنص -كما سبق- إذا خرج مخرج الغالب لم يُعتبر مفهومه. أو نقول: دل الكتاب على مشروعية الرهن في السفر، ودلّت السنة على مشروعية الرهن في الحضر، فهذا نوع من الرهن، وهذا نوع من الرهن، فلا بأس أن يرهن في الحضر، كما لا بأس أن يرهن في السفر.
الحكمة من مشروعية الرهن المسألة الثانية: إذا عرفنا أن الرهن مشروع وجائز بإجماع المسلمين، وبهذه الأدلة الشرعية، فقد شرع الله عز وجل الرهن للناس لحكم وفوائد عظيمة، منها: أن صاحب الدين يستوثق بدينه، وهذا يجعله في طمأنينة، ومن هنا لما وُجِد الرهن في الشريعة الإسلامية، وأمكن للمسلم أن يجد شيئاً يحفظ به ماله، أو يحفظ به حقه عند العجز عن السداد، فإن هذا يشجع الناس على الدين، ويجعل الثقة بينهم قوية، ومن هنا يكون صاحب الدين في مأمن من ضياع حقه. ومن حكم هذا النوع من المعاملات: تسهيل المداينات، وإذا سهُلَت المداينات انتفع أفراد المجتمع، وهذا فيه نوع من التكافل، ونوع من التراحم والتعاطف؛ لأن المسلم إذا وجد من يعطيه المال في ساعة الحاجة، فإنه يشكره ويحبه ويذكره بالخير، وهذا يجعل القلوب يعطف بعضها على بعض، ويحب المسلمون بعضهم بعضاً. فمن هنا استوثق صاحب الحق من حقه، وانتفع أفراد المجتمع، فانتشر بينهم الدين، وهي مصلحة دنيوية؛ حيث يقضون مصالحهم الدنيوية، ومصلحة دينية؛ لأنها تُحدث شيئاً من المحبة والألفة والأخوَّة، والشعور بالرحمة والمودة والتعاطف بين أفراد المجتمع، خاصة المعسر والضعيف إذا انتابته النوائب، ووجد من يفرج كربته بعد الله عز وجل بإعطائه المال. ومن الحكم: أن المدين إذا كان لديه رهن، فإنه يحفظ ماء وجهه، ويمكنه أن يستدين ممن شاء، فيقول له: أعطني المال وهذا رهن لقاء مالك، ولقاء دينك، وحينئذٍ يتمكن من الوصول إلى بغيته وحاجته بالدين، أي: أن الشرع يمكِّنه من حاجته، ويمكِّنه من سد عوزه وفاقته عند النوائب، وذلك عن طريق استيثاق الدين بالعين، فإنه إذا شعر أنه يخاطب الناس بما يضمن حقوقهم، أمكَنه أن يسألهم حاجته، ولا شك أن الرهن محقق لهذه الفائدة العظيمة. ومن الحكم: أن في الرهن عدلاً وقطعاً للتلاعب بالحقوق، فإن المديون إذا دفع العين، سواءً كانت سيارةً أو أرضاً أو طعاماً، وجعلها رهناً؛ فإنه ربما كان متلاعباً بحقوق الناس، ويريد أن يأكل أموال الناس، فإذا وضع الرهن انقطع السبيل عنه، ومُنِع من التلاعب بحقوق الناس، فإذا جاء من يتلاعب بحقوق الناس ليستدين؛ قيل له: ادفع الرهن، فإذا دفع الرهن؛ فإن معنى ذلك أنه لا يستطيع أن يضيع حق صاحب الحق. ومن هنا فإن شرعية الرهن تقطع وتمنع من التلاعب، ومتى ما قيل لك: إن فلاناً لا يسدد، أو إن فلاناً يتلاعب بالحقوق، أو إن فلاناً مماطل أو نحو ذلك، فإنه إذا جاء يطلبك ربما أحرجك، وربما جاءك بشخص لا تستطيع رد شفاعته، فحينئذٍ أعطاك الشرع شيئاً تضمن به حقك، فتقول له: أعطني رهناً، لا مانع عندي أن أعطيه الدين، ولكن بشرط أن يعطيني رهناً لقاء حقي، فإذا قلتَ: أريد الرهن؛ لم يعاتبك أحد، ولم يستطع أحد أن يصفك بالظلم؛ لأنك لا تطالب أكثر من حقك، وعلى هذا: فلا شك أن في الرهن الخير الكثير. ومن الحكم: أن في الرهن منعاً للأذية والإضرار؛ لأن المديون إذا عجز عن السداد مع عدم الرهن، فإن الخصومة، والأذية تقع بين الناس؛ لكن إذا وُجِد الرهن، فسيقول له: بِع الرهن وخذ حقك، فالرهن يقطع أسباب الخصومة وأسباب النزاع. وأياً ما كان فإن الله عز وجل شرع الرهن، وتمت كلمته صدقاً وعدلاً، فهو يعلم ولا نعلم، ويحكم ولا معقِّب لحكمه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115]. والحكم من مشروعية الرهن كثيرة والأسرار لا شك أنها موجودة، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أهمية معرفة أحكام الرهن يقول المصنف رحمه الله: (باب الرهن) أي: كأنه يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالرهون، وأنت كطالب علم تحتاج أن تبحث هذا الباب، وكدارسٍ في الفقه تحتاج أن تلِمّ بهذه المسائل والأحكام، فإنه يأتيك الرجل ويريد أن يستدين من الناس فتنصحه بالرهن، أو يأتيك الرجل ويريد أن يدين الناس فتنصحه بالرهن، وكذلك أيضاً إذا أراد الرهن سألك: ما الذي يجوز رهنه؟ وما الذي لا يجوز رهنه؟ ثم إذا رُهن هذا الشيء، فهل من حقي أنا صاحب الدين أن أنتفع برهني، أو ليس ذلك من حقي؟ كذلك أيضاً صاحب الدين الذي له الدين على المدين، هل من حقه أن ينتفع بالشيء المرهون عنده، أو ليس ذلك من حقه؟ كذلك أيضاً يسألك لو أن هذا الرهن نما وزاد وكثُر، فهل تكون الزيادة المتصلة أو المنفصلة للدائن والمدين أو تكون لأحدهما؟ هذا كله من المسائل التي يُحتاج إلى بحثها، ومن هنا نجد العلماء رحمهم الله يقولون: باب الرهن.
حكم الرهن وحالات الدائن مع المدين وحكم الرهن الجواز، فليس بواجب، ولا فريضة، بمعنى إذا أراد الشخص أن يعطي الناس الدين، فإنه لا يخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الذي يطلب الدين موثوقاً به، فحينئذٍ لا تحتاج إلى رهن، فتقول له: خذ مائة ألف، ومتى ما يسّر الله لك سدادها فسدِّد، وهذا جائز بإجماع العلماء رحمهم الله. الحالة الثانية: أن يكون الشخص الذي يأخذ منك المال لا تعرفه، أو شخص تعرفه بالمماطلة، وتخاف على المبلغ الذي طلبه منك، فحينئذٍ أنت بالخيار، إن شئت طلبت الرهن، وإن شئت لا تطلب الرهن، والأفضل إذا كنت تعلم أنه محتاج وأنه مكروب، وأن هذا المال الذي يطلبه منك ليس فيه ضرر لو تأخر في سداده، فالأفضل أن تعطيه إياه بدون رهن؛ لأن الرهن يحمِّله المشقة والعناء، وقد يكون الشيء الذي يريد رهنه غير موجود عنده، ومن هنا يُفرَّق في الرهن، فإن كان الذي يريد منك الدين رجلاً عاجزاً، ولا يستطيع أن يعطيك رهناً؛ لأنه ليس عنده شيءٌ له قيمة حتى يضعه رهناً عندك؛ فالأفضل والأكمل أن تديِّنه ولا تطالبه بالرهن، وكفى بالله عز وجل وكيلاً، فإن الله يتكفل بحفظ حقك، وما دمت تعرفه بالصلاح والخير، فإنه إن شاء الله لن يُقصِّر ولن يمتنع في إبراء ذمته. أما إن وجدته مماطلاً، ووجدته رجلاً متلاعباً بحقوق الناس، وأحرجك بالدين، أو جاءك بإنسان لا تستطيع أن ترد شفاعته، فالأفضل في مثل هذا أن توقفه عند حده فتطالبه بالرهن، حتى يكون ذلك مانعاً له من تلاعبه بحقوق الناس، وأدعى لسد الباب من أن يُضر بك في ادعائه الحاجة إلى الدين؛ لأن بعض الناس قد يدعي الحاجة إلى الدين، وهو ليس بحاجة إليه، وقد يطلب الدين وهو لا يريد السداد. فحينئذٍ يقول العلماء: حكم الرهن جائز، ولكن في بعض الأحيان الأفضل أن لا تطالب بالرهن من الفقير المعدم، ونحو ذلك ممن له فضل عليك، كخاصة القرابة: كالأعمام، والأخوال، ومن لهم حق كبير، فإن طلب الرهن من هؤلاء فيه إجحاف، وأما إذا كان من الصنف الذي ذكرنا؛ فإن الأفضل أن يطالب الإنسان بالرهن، وذلك راجع إليه على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض.
أركان الرهن وشروطه للرهن أركان: أولاً: هناك راهن، وهو الشخص المديون. ثانياً: هناك مُرتَهَن، وهو الشخص الذي يوضع عنده الرهن، وقد يكون صاحب الدين، أو من يقوم مقامه. ثالثاً: هناك شيءٌ مرتَهن، وهي العين التي توضع كرهينة. رابعاً: هناك صيغة. فهذه أربعة أركان: الراهن، والمرتَهَن، والشيء المرتَهَن، والصيغة التي يقوم عليها الرهن. أما الراهن فيشترط أن يكون ممن له أهلية التصرُّف في المال، فلو جاءك طفل صغير، وقال لك: أعطني عشرة ريالات، وهذا القلم رهن عندك، فالطفل ليس من أهل التصرُّف، وليس ممن يصح رهنه، فإذا كان الطفل لم يبلغ، فإنه لا يحق له التصرف في المال إلا إذا قارب البلوغ، كما سيأتي -إن شاء الله- في الكلام على الصبي المأذون له بالتجارة. إذاً: الرهن لا يصح إلا من شخصٍ هو أهل للتصرف. وبناءً على ذلك فلا بد أن يكون بالغاً عاقلاً، فلو أن مجنوناً جاء بسيارةٍ -ولو كان يملكها- أو رجلاً في حال سكره، أو حال تعاطيه لمخدِّر أو نحوه مما يزيل العقل -والعياذ بالله!- جاء ورهن عمارته في دين، أو نحو ذلك، فإن الرهن لا يصح ممن هو ليس بأهلٍ للتصرف. كذلك يشترط أن يكون له أهلية التصرُّف في الشيء الذي يريد رهنه، فلا يرهن مال غيره، كأن يقول: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى مكان ما، فأخذ سيارتك ثم ذهب واستدان عشرة آلاف ريال، ووضع سيارتك رهناً، وحينئذٍ لو ثبت عند القاضي أن السيارة سيارتك، فإنه يُسحب هذا الرهن ويُلغى، ويطالب بالبديل على تفصيلٍ سيأتي إن شاء الله في مسألة فوات الشيء المرتهن. إذاً لا بد في الشخص الراهن أن يكون أهلاً للتصرُّف. كذلك بالنسبة للمرتَهَن، وهو الشخص الذي يوضع عنده الرهن، يشترط أيضاً أن يكون أهلاً للتصرف. أما بالنسبة للصيغة، فهي الإيجاب والقبول، وهي التي يقوم عليها عقد الرهن، كأن يقول له: أعطني مائة ألفٍ وسيارتي هذه رهنٌ عندك، فيقول: قبلت. فقول الراهن: سيارتي هذه رهن، هذا هو الإيجاب، وقول صاحب الدين: قبِلت، هذا هو القبول. والشيء المرتهن يشترط فيه أن يكون مما يجوز بيعه، فإذا كان مما يجوز بيعه، فإنه يجوز رهنه، حتى لو قال: خذ كتابي، وقلمي، وساعتي، بل حتى النظارة، كأن يأتي ويشتري من البقالة، ولا يجد شيئاً كبيراً يرهنه، فيضع مثلاً شيئاً له قيمة، كالنظارة ونحوها. إذاً: لدينا العاقدان، والصيغة التي هي الإيجاب والقبول، والشيء المرتَهَن الذي هو محلٌ للرهن. وبالنسبة للصيغة يقول بعض العلماء: يمكن أن يقع الرهن بالتعاطي بدل الإيجاب والقبول، فكما أن البيع يقع بالتعاطي، فإنه ينعقد الرهن بالتعاطي دون إيجابٍ ولا قبول. وقد قدمنا أن البيع يجوز بالتعاطي: ينعقد البيع بما يـدل على الرضا وإن تعاطى الكل ومثال التعاطي في الرهن: لو جاء شخص وقال لآخر: أعطني عشرة دراهم ديناً إلى غد، وخذ هذه الساعة، فصاحب الدين أخذ الساعة ولم يقل: قبلت، أو رضيت، بل أعطاه العشرة مباشرة، فبإعطائه العشرة كأنه قال: قبلت أن أديِّنك العشرة، وقبلت الساعة رهناً إلى السداد. إذاً: يقع الرهن بالأفعال، كما يقع بالأقوال.. هذا بالنسبة لمجمل أركان الرهن.
صحة الرهن في كل ما يجوز بيعه قال رحمه الله: [يصح في كل عين يجوز بيعها]. قوله: (يصح) أي: أن الرهن يمكن أن يكون في أي شيءٍ يمكن بيعه، ويشمل هذا: العقارات، والمنقولات، والمثمونات، فلو قال له مثلاً في العقارات: أرضي رهنٌ، كأن يستدين مائة ألف ويجعل الأرض -مبنية أو غير مبنية، أو مزرعة- رهناً إلى السداد، فإنه يصح وينعقد؛ لأن الأرض يجوز بيعها، وكذلك أيضاً الطعام، فلو قال له: أعطني ألف ريال إلى نهاية هذا الشهر، وهذا الكيس من الأرز رهن عندك، فقال: قبلت، فحينئذٍ كان الرهن من جنس المطعومات، وهكذا بالنسبة للمنقولات: كالسيارات، والدواب، فلو قال له: أعطني عشرة آلاف ريال، وسيارتي هذه رهنٌ عندك، فقال: قبلت، فإن السيارة يجوز بيعها، فيجوز رهنها، وقس على هذا غيره، سواءً كان الشيء المرهون له قيمة مرتفعة أو دون ذلك، فما دام أنه يجوز بيعه فإنه يجوز رهنه. أما لو كانت العين لا يجوز بيعها؛ كالميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، فإنه بالإجماع لا يجوز رهنها، مثاله: لو قال له: أعطني ألفاً وهذا الحيوان المحنَّط الميت رهن حتى أسددك، لم يصح؛ لأنه لا يصح بيع الميتات، فلا يصح رهنها. إذاً: الميتات، الخمر، الخنزير، والأصنام، ونحوها، كل هذه الأشياء لا يجوز بيعها، فلا يجوز رهنها. كذلك أيضاً لو قال له: أعطني عشرة آلاف وأرهن عندك بعيري الشارد، أو عبدي الآبق، فإنه لا يصح؛ لأنه لا يجوز بيع البعير الشارد ولا العبد الآبق، ولو قال له: أعطني ألفاً والسمك الذي في هذا الماء رهنٌ عندك، لم يصح؛ لأنه غير مقدورٍ على تسلُّمه، فكل هذه الأشياء التي لا يجوز بيعها لا يجوز رهنها. ...... جواز رهن المكاتب قال رحمه الله: [حتى المكاتَب]. أي: حتى المكاتَب يجوز رهنه، فإن الشخص المكاتَب الذي كاتبَه سيده، وكانت قيمته مثلاً عشرة آلاف ريال، فقال لسيده: أنا أشتري نفسي منك بعشرة آلاف ريال، أدفع لك كل شهر ألف ريال، فقال له السيد: قبلت، ثم إن هذا السيد احتاج إلى دين مقداره عشرة آلاف ريال، فقال السيد لصاحب الدين: قد رهنت عبدي فلاناً، مع أن العبد مكاتب، قالوا: يجوز ذلك؛ لأن المكاتَب عبد حتى يتخلَّص من الرق بدفع آخر أنجم الكتابة، أما إذا لم يدفعها فإنه يسري عليه حكم المملوك؛ لأنه وما ملك ملكٌ لسيده حتى يتم السداد على ما اتفقا عليه، فعقد الكتابة في أوله جائز، ولكنه يئول إلى اللزوم عند تمام السداد.
صور الرهن قال رحمه الله: [مع الحق وبعده بدينٍ ثابت]. قوله: (مع الحق وبعده) أي: يصح رهن كل شيءٍ يجوز بيعه مع الحق الذي هو الدين، أو بعده. والعلماء رحمهم الله يذكرون صوراً للرهن: فهناك صورة للرهن قبل الدين، وصورة للرهن مع الدين، وصورة للرهن بعد الدين، هذه ثلاث صور، والقسمة العقلية تقتضيها: فإما أن يعطيه الرهن قبل الدين، وإما أن يعطيه الرهن أثناء الدين، وإما أن يعطيه الرهن بعد أن يستدين منه. فأما الصورة الأولى -نبدأ بها لأنها هي الأصل والمشهورة-: فهي أن يكون الرهن مصاحباً للدين، كأن تقول لرجل: إني بحاجة إلى مائة ألف ديناً إلى نهاية السنة، وأعطيك سيارتي رهناً إلى أن أسددك. فإن رهنك للسيارة وقع مصاحباً لطلبك للدين، فحينئذٍ إذا أعطاك الدين أعطيته السيارة، فالرهن وقع مصاحباً للحق، وهذا بالإجماع جائز ومشروع. أما الصورة الثانية: فهي أن يكون الرهن بعد الدين، كما لو تأخر وتراخى، فقال له مثلاً: هذه مائة ألف، فقال: بعد يوم أو يومين: لقد أعطيتني مائة ألف، وهذه مفاتيح سيارتي أو عمارتي وهي رهن لسداد دينك عند العجز، وقد صح ذلك. أما الصورة الثالثة: وهي أن يكون الرهن قبل الدين، فمن أمثلتها قالوا: إذا كانت لك سيارة عند محمد، وقلت: يا محمد! خذ هذه السيارة أمانة عندك، فأخذها محمد أمانة عنده، ثم احتجت إلى مالٍ من محمد، فجئته وقلت له: ديّنِّي مائة ألف، فأعطاك المائة ألف وقال: بماذا تضمن لي حقي؟ فتقول له: السيارة التي عندك، أجعلها رهناً واستيثاقاً للدين. قال بعض العلماء: إن هذا جائز، وتنتقل اليد من يد الإيداع إلى يد الرهن، وذلك بمجرد الإيجاب والقبول، فتصبح رهناً بعد أن كانت وديعة، ولا يشترط التقابض مرة ثانية لإلغاء اليد الأولى. وسيأتي هذا في باب الضمان، وهو الانتقال من يد الأمانة إلى يد الضمان، وفيه تفصيل عند بعض العلماء رحمهم الله، لكن قالوا: إن هذا يجوز، وشدّد فيه بعض العلماء، كما درج عليه المصنف رحمه الله وقالوا: إنه لا يجوز سبق الرهن للدين، وفي بعض الصور يقوى مذهب المصنف، وخاصة في الصور التي فيها غرر أو فيها جهالة، ولكن إذا كان الأمر أقل غرراً، أو كان الغرر يسيراً، فإنه يصح أن يُقدِّم الرهن على الدين.
عدم صحة الرهن إلا بدين ثابت مستقر وقوله: (بدين ثابت) أي: مستقر، ومثال الدين الثابت: كأن يأتي ويأخذ منك مائة ألف، أما الدين غير الثابت، فهو كالحقوق التي تتوجه ولا تثبت إلا بعد شرط أو بعد صفة، فقبل ثبوت الشروط وهذه الصفة لا يجوز الرهن على مثل هذا الدين. مثال ذلك: لو أن شخصاً ضرب إنساناً مثلاً خطأً، أو صدم بسيارته رجلاً خطأً، فأتلف عليه أحد الأعضاء المثناة، أتلفها إتلافاً كلياً فحينئذٍ تستحق نصف الدية، كما سيأتي -إن شاء الله- في باب الديات، فإذا لزمت الجاني نصف الدية، فإن على العاقلة أن تتحمل فوق الثلث، كما هو قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والعاقلة: هم عصبة الجاني، فهؤلاء العصبة لا يثبت الدين والاستحقاق عليهم إلا بعد ثبوت الجناية، أما قبل ثبوت المطالبة على العاقلة، فإنه حينئذٍ لا يستقر الدين، ولا يثبت الحق، فلو أن شخصاً يعلم أنه إذا ثبتت هذه الجناية في المستقبل، أنه سيصير غارماً بعشرٍ من الإبل، أو خمسٍ من الإبل، فذهب إلى المجني عليه، وجعل الرهن لقاء هذا الدين، لم يصح للشخص المجني عليه أخذ الرهن لقاء حقه؛ لأن المجني عليه لم يثبُت حقه بعد، وحينئذٍ ليس من حقه أن يطالبك بالرهن إلا بعد ثبوت دينه، فإن العلماء يقولون: لا يكون الرهن إلا في دين ثابت مستقر، وعليه فإذا كان الدين غير ثابت وغير مستقر فإنه لا يصح الرهن؛ لأنه إيقاع للشيء قبل سببه، والأشياء لا تقع إلا بأسبابها، وذلك كما لو أدى الزكاة قبل الحول، وذلك فيما لو كان في غير التعجيل، فمثلاً: لو أن شخصاً قبل أن يحول الحول الأول الذي تثبُت به الزكاة قدَّم زكاته، لم يصح؛ لأن السبب لم توجد، وكذلك لو أخرج زكاة الفطر قبل غروب يوم السابع والعشرين من رمضان، فإنه لا يصح؛ لأنه لا يصح إخراجها إلا قبل العيد بيوم أو يومين، فإذا أخرجها قبل وقتها الموجب فإنه لا يصح؛ لأنه إنما يعتبر الإخراج مجزئاً إذا تم الشرط المعتبر لصحة الإخراج. فهنا بالنسبة للرهن لا نحكم بصحّته إلا بعد صحة الدين وثبوته، فإذا كان الدين لم يثبت فإن الرهن يتركب من الدين، وعليه قالوا: إنه لا بد من وجود دينٍ مستقر، وإذا لم يكن هناك دين مستقر، وأعطاه رهناً فليس برهن، وإنما هو دينٌ آخر. فلو أن شخصاً ارتَهَن قبل ثبوت الدين واستقراره؛ فإنه في هذه الحالة يصير ديناً لا رهناً، ولا يجري عليه حكم الرهن.
لزوم بقاء الرهن في حق الراهن دون المرتهن قال رحمه الله: [ويلزم في حق الراهن فقط] ذكرنا فيما سبق مسألة العقد اللازم، والعقد الجائز، وبيّنا العقود اللازمة من أول الحال، والعقود الجائزة في أول الحال اللازمة في آخر الحال، والعقود الجائزة في الحالين.. بيّنا هذا في أول الكتاب عند بياننا لأحكام الخيارات. فقوله رحمه الله: (ويلزم في حق الراهن) هذا هو العقد اللازم، وقد قلنا: هو الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه دون رضا الآخر، وأما العقد الجائز: فإنه يملك كلٌ من الطرفين فسخه ولو لم يرض الآخر، كالشركة مثلاً، فلو جئت في أي يوم من الأيام وقلت: يا فلان! افسخ الشركة التي بيني وبينك، فهذا من حقِّك، بخلاف البيع، فإنه لو باعك رجل داراً بعشرة آلاف وافترقتما دون خيارٍ بينكما، ثم جاءك وقال: لا أريد هذا البيع، فنقول: ليس من حقه أن يفسخ ما تم الاتفاق عليه بينكما؛ لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود، فهذا عقد لازم. فإذا دفع الشخص إليك الرهن وقبضته فإنه يلزمه، وحينئذٍ ليس من حقه أن يسترد هذا الرهن. فمثلاً: لو أن رجلاً قال لك: أعطني مائة ألف دَيناً إلى نهاية السنة، فقلت له: ماذا تعطيني رهناً؟ فقال: أعطيك سيارتي هذه، فقلت له: قبلت. وتم بينكما الاتفاق على هذا، فأعطاك مفاتيح السيارة وقبض منك المائة ألف، وبعد أن خرج وافترق إذا به يأتيك في اليوم الثاني ويقول لك: قد رهنتك سيارتي الفلانية، وهذه سيارة مثلها، أو أريد سيارتي وسأعطيك بدل السيارة العمارة، سواءً كانت مثلها أو كانت أكثر أو أفضل منها، فإنه ليس من حقه أن يسحب هذه العين، أو أن يُخليها من اتفاق الرهن الذي بينكما إلا برضاً من صاحب الدين. إذاً: معنى قوله: (يلزم) أي: أنه ليس له خيار، حتى يرضى الطرف الثاني، فلو أبيت وقلت له: لا أريد رهناً إلا هذه السيارة التي جئتني بها، ولا أقبل بدلاً عنها، فهذا من حقك، وليس من حقه أن يسحب هذه السيارة أو أن يأتي بعوض عنها، وتبقى مرهونة إلى أن يتم السداد.
صحة رهن المشاع قال رحمه الله: [ويصح رهن المشاع]. الأشياء المملوكة كالأراضي والسيارات والأطعمة والأكيسة ونحو ذلك، لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون ملكاً لشخص واحد، كأرضٍ يملكها زيد، أو عمارة يملكها عمرو، فحينئذٍ لا إشكال، فاليد واحدة وهي ملك لصاحبها. الحالة الثانية: أن يشترك فيها اثنان أو أكثر، فإذا اشترك فيها اثنان أو أكثر، فهذا يسمى: المشاع، وفي بعض الأحيان هذا المشاع أو المشترك، يكون سبب الشيوع والاشتراك فيه: إما أن يكون من الطرفين؛ كأن يدفعا مبلغاً ويشتريا أرضاً، فلو أنهما اشتريا أرضاً بمائة ألف، هذا دفع خمسين وهذا دفع خمسين، فالاشتراك والمشاع جاء من جهة الطرفين، فقد دفعا المبلغ واشتركا. وإما أن تكون هذه الشراكة بدون اختيارك؛ كالإرث، مثاله: شخص توفي عنه والده وترك له ولأخٍ ذكر معه داراً، ولا وارث له غيرهما، فحينئذٍ تكون الدار بينهما، وهذا المشاع وقع الاشتراك فيه بدون اختيار من الطرفين، إنما هو بحكم شرعي، فالله عز وجل جعل هذه الدار ملكاً لهما، فلو أن ابنين اشتركا في دار والدهما، حيث انتقلت ملكية الدار إليهما بعد موت أبيهما، فاحتاج أحد الابنين إلى مبلغ ما، كمائة ألف، فقال له صاحب الدين: أعطني رهناً، فقال: ليس عندي إلا إرث والدي، وهو نصف المزرعة، أو نصف العمارة، أو نصف هذه السيارة، أو نحو ذلك، فقال له: قبلت، فحينئذٍ هذا رهن المشاع، فكما يصح رهن غير المشاع، يصح رهن المشاع؛ لأن الحكمة والعلة تدور حول إمكانية رد الحق عن طريق الرهن، فهذا النصف الذي تركه الوالد للولد يمكن بيعه وسداد الحق منه، كما لو ترك له مالاً منفرداً. وكما أنك إذا ملكت الشيء لوحدك يمكن بيعه والسداد منه، فكذلك إذا كانت الأرض مشاعة بينك وبين إخوانك، فإنه يجوز الرهن؛ لأنه يمكن سداد الحقوق منها، كما يمكن سدادها من المملوكات التي لا اشتراك فيها ولا شيوع.
الأسئلة ...... مشروعية كتابة الدين وعدم وجوبها السؤال: هل كتابة الدين حالاتها مثل الرهن، وذلك أن من يؤمن السداد منه لا ينبغي له أن يطالبه بالكتابة، ومن خشي عدم سداده فإنه يطالبه بالكتابة، أم أن كتابة الدين مسنونة، وتُشرع مطلقاً أثابكم الله؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى شرع كتابة الديون؛ لأن هذا أمكن لأهل الحقوق، وأبعد عن الجحد والكذب، وكذلك النسيان، وقد يكون الرجل الذي تعامله أميناً ديناً صالحاً، ولكنه ينسى، وحينئذٍ قال العلماء: إنها تشرع، والأصل أنها مشروعة، ولا شك أنها سنة، فالسنة أن يكتب المديون الدين الذي عليه للناس، ويوثق هذا الدين بشاهدين عدلين ممن ترضى شهادته، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن يُرضى للشهادة. وأما بالنسبة لأحوال الناس من حيث الإنكار وعدمه، فكتابة الدين من حيث الأصل هي للاستيثاق، فإذا أمكن أن يستوثق لدَينه بكتابة المديون في وصيته ونحو ذلك فالأمر أخف، ولذلك قال بعض العلماء: تجب الوصية، ويجب أن يكتب وصيّته إذا كانت عليه ديون لم يستوثق أهله فيها. مثال ذلك: لو جئت إلى صاحب بقالة، وأخذت منه بريال، فإنه لا يجوز لك أن تبيت تلك الليلة إلا وقد كتبت أن لفلان عليك ريالاً؛ لأنك لا تأمن الأجل، وهذا الريال الذي يتساهل فيه الإنسان تتعلق نفسه به، كما ورد في الحديث: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، وقال أبو قتادة رضي الله عنه في قصة الدينارين، حيث أُتي عليه الصلاة والسلام برجلٍ وعليه ديناران، أي: ديناً عليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هل ترك وفاءً؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة رضي الله عنه: يا رسول الله! هما عليَّ، فصلَّى عليه عليه الصلاة والسلام، فلمّا مضت الأيام قال أبو قتادة : فلم يزل يلقني عليه الصلاة والسلام ويقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل أديت عنه؟ حتى لقيني ذات يوم فقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته). فهذا أمرٌ عظيم، حتى إن قوله: (نفس المؤمن مرهونة بدينه) اختلف فيه بعض العلماء، فبعضهم يقولون: إنه يُرهن عن النعيم، بمعنى: أنه لا يُنعم، بل يُوقف عنه النعيم حتى يُسدد عنه، لأن قوله: (مرهونة) أي: محبوسة؛ لأن الرهن أصله الحبس والمنع، فإذا عبّر بالرهن فمعناه أنها محبوسة عن شيء، ونفس المؤمن لا تُحبس إلا عن خير، ولا تُحبس إلا عن فضل؛ لأن السياق سياق تخويف وتهويل، ولذلك قالوا: إنه يُمنع عن النعيم أو عن شيءٍ من النعيم. لكن ظاهر النص أنها مرهونة، أي: محبوسة في هذا الدَّين، بل قال بعض العلماء: جرّبت الدين فوجدت فيه البلاء وحبس النفس حتى في الدنيا، فإن الرجل يكون عليه الديون وعليه حقوق الناس، فلربما تأخر في السداد فدعا المظلوم عليه، ولربما سها في السداد، أو جاءته النفس الأمارة بالسوء، فأخَّر السداد وهو قادر، فدعا عليه صاحب الدين دعوة، وهو مظلوم؛ لأن مطل الغني ظلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم)، فإذا امتنع من السداد وهو قادر، فقد ظلم، والمظلوم مستجاب الدعوة، قال: فيدعو عليه دعوة قد تكون سبباً في حرمانه من كثير من الخير. وكان بعض يقول العلماء: وجدت في نفسي وجرّبت هذا أنني ما استدنت إلا وجدت غم الدين على قلبي، حتى أؤدي حقوق الناس، ويقول: إنني في بعض الأحيان لا أجد نشاطاً لطلب العلم، ولا أجد راحة في العبادة، لما تتعلق نفسي بحقوق الناس، ولكن ما إن أنفك منها وأسدد للناس حقوقهم، إلا وجدت الانشراح، ووجدت أنني في نعمة؛ فلا أحد يطالبني، وليس لأحد علي من حق. فالبعد عن حقوق الناس ما أمكن هذا أفضل وأكمل. وهذا لا يعني أن الدين مذموم أو محرّم، بمعنى: مذمومٌ ذماً يصل إلى التحريم، لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدان، وهو خير الأمة، واستدان أصحابه والصالحون من بعده، وقالت أم المؤمنين رضي الله عنها: (والله لا أدع الدين منذ أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)، لكن إذا كان للغير عليك حق، وتعلم أنه لا سبيل لإثبات حقه إلا بالكتابة، فعليك أن تكتب في وصيتك، وهكذا إذا تعاملت مع إخوانك وأصحابك، فعليك أن تكتب ما لهم عليك من الحقوق، أو تستعير كتاباً من أخيك، أو تستعير شيئاً من أخيك، فتكتب أن لأخيك كذا وكذا، وإلا ضاعت حقوق الناس. وانظر إلى رجل يأخذ أموال الناس دَيْناً ولا يكتب دينه، حتى إذا توفاه الله عز وجل جاء أصحاب الدين يسألون حقوقهم، فقال لهم الورثة: لا نعرف شيئاً، ما ترك مورِّثنا وصيّة نعلم بها حقوقكم، فماذا سيقول أصحاب الديون؟ سيشتكون إلى الله عز وجل، وربما دعوا على الميت، نسأل الله السلامة والعافية! وهذا لا شك أنه خطرٌ عظيم على العبد، فالواجب على المسلم أنه يحتاط لدينه ويستدرك، فإذا علم أن حقوق الناس لا سبيل لإثباتها إلا بالكتابة كتب، وإذا علم أن ورثته ربما أنكروا، أو ربما زيفوا الكتابة، أو امتنعوا من إعطاء الحقوق، كتب لكل صاحب دينٍِ كتاباً يستوثق به حقه إن جاء يطلبه يوماً من الأيام، والله تعالى أعلم.
توضيح صورة الرهن بعد الدين وحكمها السؤال: ذكرتم -حفظكم الله- أن هناك ثلاثَ صور للرهن مع الدين، وذكرتم صورتين، وبقيت صورة: وهي الرهن بعد الدين، فما توضيح هذه الصورة أثابكم الله؟ الجواب: الرهن بعد الدين كما ذكرنا: أن يتفق معه مثلاً على دين عشرة آلاف ريال، ثم من الغد يعطيه رهناً، فهو في أثناء الدين لم يأخذ منه شيئاً، وبعدها بيوم أو يومين أعطاه الرهن، فإن هذا جائز ومشروع، سواءً وقع أثناء العقد أو بعد العقد، وأما قبل العقد ففيه التفصيل الذي ذكرناه، وإن كان الأصح والأقوى في غالب الصور مشروعية ذلك وجوازه، والله تعالى أعلم.
حكم التصرف في الرهن عند استيفاء أجل الدين السؤال: من الذي يتصرَّف في الرهن عند استيفاء أجل الدين، هل هو الدائن أم المدين؟ وإذا كان الدائن هو الذي يتصرف، فربما لا يُحسن التصرُّف في الرهن كأن يبيعه مثلاً بأبخس الأثمان، فهل هناك من قيد لهذا التصرُّف أثابكم الله؟ الجواب: الأصل أنه إذا أعطاه الرهن فهناك حالتان: الحالة الأولى: أن يقول له: هذه الدار رهنٌ عندك، فإذا لم أسددك فبعها، وخذ حقك منها. فهذا إذنٌ مسبق، وحينئذٍ من حقه إذا انتهى الوقت ولم يعطه حقه أن يبيعها مباشرة، وأن يأخذ حقه. الحالة الثانية: أن لا يأذن له، أو يسكت عن الإذن، فحينئذٍ يُنتظر إلى تمام المدة، ثم يُرفع الأمر إلى القاضي، والقاضي ينظر إلى من لهم معرفة وخبرة، ومن بعد ذلك يحكم، أو يأذن لنفس الشخص إذا كان عنده خبرة ومعرفة أن يبيع، وليست الأمور هكذا مفلوتة، فمثلاً: لو أنه عرض الأمر على القاضي، فإن القاضي يسأل أهل الخبرة: بكم تُباع هذه الدار؟ فإن قالوا: بمائة ألف، فيقول له: اذهب وبعها بمائة ألف، فيذهب ويبيعها، فإذا وجد أنها لا تباع إلا بثمانين، ألزمه بالمائة؛ لأن هذا قول أهل الخبرة، ويُعطى كل ذي حق حقه، فلا يُظلم المديون، ولا يُظلم صاحب الدين، وهذا هو شرع الله عز وجل، أنه يُعطى كل ذي حق حقه، لا يُظلم الإنسان في حقه إذا كان له على الغير، وليس من حقنا أيضاً أن نظلم أصحاب الديون المعسرين في ممتلكاتهم، فتُباع عليهم بالبخس، والله تعالى أعلم.
جواز اشتراط الرهن أثناء عقد الدين أو بعده السؤال: هل اشتراط الرهن ينبغي أن يكون أثناء بذل الدين، أي: في نفس المجلس، أم للدائن أن يضيف شرط الرهن بعد ذلك، خاصة إذا خشي عدم السداد أثابكم الله؟ الجواب: إذا اتفق الطرفان على الرهن في عقد الدين، فإنه لا بأس بذلك، وهو جائزٌ ومشروعٌ بالإجماع، وهكذا إذا سأله الرهن بعد أخذ الدين، وأراد أن يستوثق، فإن له ذلك، ولا بأس به؛ لأن الناس تختلف أحوالهم، فلربما أعطيت الرجل وأنت تظنه أميناً، ثم جاءك الثقة وأخبرك أنه مماطل، وأنه جحود، أو أنه متلاعب بالحق، فأردت أن تستوثق لحقك، فمن حقك أن تستوثق وتطالبه بالرهن. واشتراط وجود الرهن في الدين، سواءً كان في البيع أو كان في القرض، هذا كله من المصالح، ويُعتبر شرطاً شرعياً، فمثلاً: إذا نظرنا إلى ما يترتب على وجود الرهن من المصالح لصاحب الدين وللمديون، فإننا نرى مشروعية ذلك؛ سواءً كان أثناء عقد الدين، أو بعد عقد الدين، فالحكم واحد، والنتيجة واحدة، ولا شك أن الإنسان ربما وثق في أناس على ظاهرهم، ثم تبين له خلاف ذلك، فيريد أن يستوثق من بعد فيشترط الرهن، فهذا من حقه. أما لو وقع اشتراط الرهن أثناء عقد الدين، فإنه يعتبر ملزماً بالدَّين، والله تعالى أعلم.
حكم بيع ما زاد عن حاجة المديون لقضاء دينه السؤال: أشكل عليَّ كلام لأهل العلم رحمهم الله بعدم جواز مطالبة المدين بالدين عند حلول الأجل إذا عُلِم عُسره، فهل تباع داره أو دابته، أم أنها من الضروريات فيُنتظر إلى ميسرته أثابكم الله؟ الجواب: الأصل الشرعي أن الله تعالى وسَّع على المعسر في عسره، فقال سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، والمؤمنون رحماء بينهم، ولو أن المسلم نزّل نفسه منزلة أخيه المديون، الذي أصابته النوائب، وكثرت عليه البلايا والمستلزمات والحاجيات ونحوها، لو أنه أنزل نفسه منزلته لما رضي أن تُباع داره، ولما رضي أن يؤذى في ماله الذي لا بد له منه، إلا إذا كانت داره أكثر من حاجته، فلو أنه سكن في دارٍ قيمتها مائة ألف، والدين الذي عليه عشرة آلاف، ويمكننا بيع هذه الدار وأن يسكن في دارٍ بخمسين ألفاً، فإنها تُباع داره؛ لأنه زاد عن حقه المحتاج إليه بالمعروف بهذا القدر، فتُباع داره ويترك له ما يسكنه بالمعروف، وهذا مما يقضى فيه بالقاعدة المشهورة: (العادة محكّمة)، فإن كان الذي مثله يعيش في بيت بعشرين أو ثلاثين ألفاً، وذهب هو وسكن في بيت قيمته مائتا ألف أو مائة وخمسون ألفاً، أو حتى بستين ألفاً الذي هو الضعف، وجاء واستدان، ثم قال: أنا مُعسِر، وهو يسكن في هذا المسكن الفاره، أو عنده سيارة يحتاجها لنقل أولاده وعوائله، ولكن هذه السيارة يستطيع أن يستبدلها بما هو أرخص؛ فإنه لا يُعتبر معسراً، ولا يجوز دفع الزكاة إلى مثل هذا الذي يزيد في ماله ما يمكنه أن يُحسن التصرف به، ويسد به عجزه وعوزه، أما لو وجدت الحاجة والضرورة، وأصبح في عوز وشدة، فالحكم لا يخفى أنه يُنظر إلى الميسرة؛ لأن الله تعالى يقول: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، والله تعالى أعلم.
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما... السؤال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورِك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما)، شمل الحديث البيِّعان في بركة البيع ومحق بركته، فإن كذب أحدهما، فهل يشملهما أثابكم الله؟ الجواب: المحفوظ عند أهل العلم رحمهم الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبَّر بالمتعاقدين على أن يأتي الخير منهما، أو الشر منهما، ومفهوم ذلك أنه لا يكون هذا من جهة، بحيث لو أن أحدهما كذب فإنه -والعياذ بالله- تُمحق البركة في جانبه وحده دون الجانب الآخر، ولو أنه غش فإنه تُمحق البركة في جانبه وحده دون الجانب الآخر، ومن هنا لو باع داراً مغشوشة، ودفع له مائة ألف، وسكنها المشتري، وهو لا يعلم بهذا الغِش؛ بارك الله للمشتري إن كان رضي بهذا الشيء؛ لأنه أعطى المال دون أن يغش البائع، ولكن تُمحق البركة من مال البائع، نسأل الله السلامة والعافية! فالذي يظلم هو الذي يتعلق به محق البركة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (..فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما)، هناك من أهل العلم من يقول كلاماً غريباً في هذا الحديث، يقول: إنه إذا كذب البائع، أو كذب المشتري، فمعنى ذلك أنه سيحدث العيب في البيع، والعيب يُستحق به الرد، وحينئذٍ تعلق البلاء بالطرفين، وبناءً على ذلك يكون الحديث على ظاهره، أي: يشمل الطرفين، لكن هذا الجواب لا يخلو أيضاً من نظر؛ لأنه في بعض الأحيان يُغش الإنسان ويُدلّس عليه، فيرضى بهذا الغش ويرضى بهذا التدليس، ويبارك الله له في هذه الصفقة؛ بل إن الرجل يشتري الشيء الغالي، ويرى من غشّه وكذبه وبإمكانه أن يؤذيه ويضر به، فيترك أمره لله، فيبارك الله له في هذه الصفقة التي غُبِن فيها بأضعاف، والله عز وجل على كل شيءٍ قدير. ومن طلب العِوض من الله سبحانه وتعالى فيما ينزل به من المصائب أو يحل به من النكبات؛ فإن الله يعوِّضه، وفي الله عِوض عن كل فائت، والله يجبر الكسير، ويجعل له من الخلف ما لم يخطر له على بال، فمن مستقل ومن مستكثر، والناس في الرضا ببلاء الله على مراتب، فمن كمُل رضاه كمّل الله له الجبر، وكمّل الله له الخير والبركة. فالمقصود: أنه لا يمتنع أن تكون هناك بركة في البيع إذا كان أحدهما مظلوماً، وفوّض أمره إلى الله عز وجل، ورضي بما كان، والله سبحانه وتعالى يخلُف عليه بخير، والله تعالى أعلم.
حكم تأخير توزيع الميراث على الورثة السؤال: ما حكم تأخير توزيع الورث على الورثة مع الاستطاعة على التعجيل، أثابكم الله؟ الجواب: لا يجوز لمن يقوم على أموال الموتى وإرثهم، كالإخوان الكبار والأعمام ونحوهم -ممن يلي الأموال والتركات- لا يجوز له أن يؤخر قسمة الأموال دون وجود عذرٍ شرعي، أو رضاً من الورثة، فإذا رضي الورثة، وقالوا: رضينا بأن نبقى شركاء في هذه العمارة، أو رضينا أن نبقى شركاء في هذه المزرعة، فهم ورضاهم، ولا بأس بإبقاء المال، ولو إلى سنوات، بل حتى ولو إلى أجيال، مادام أنهم رضوا بذلك فالمال مالهم، فكما يجوز لهم أن يشتركوا بالطلب، يجوز لهم أن يشتركوا بحكم الشراكة. أما لو أن أحد الورثة طالب بحقِّه، أو عُلِم أنه محتاج، أو بقي محتاجاً مديوناً، ويبقى إخوانه يكتسبون ذلك منه مستغلين حياءه وخجله، فيمتنعون من قسمة المواريث، ورد الحق إلى صاحبه، وإعطاء كل وارثٍ ما تركه له مورِّثه، فهذا من الظلم، خاصة النساء، فإن النساء يُظلمن في هذه الحقوق كثيراً، وتغفل حقوقهن، ولربما أُكلت بالباطل، فلا يجوز مثل هذا، وعلى الأولياء والإخوان أن لا يجاملوا في هذا، ومن علم أن أخاه يريد حقّه، أو أن ظروف أخيه تحتاج إلى مساعدة، وتحتاج إلى مال، وأن من المصلحة بيع المال؛ فإنه يُباع، لكن هناك أحوال يؤخَّر فيها البيع، كأن يكون هناك ضرر على الورثة، كأن يكون السوق كاسداً، والمبلغ يسيراً، وفيه ضرر لو بِيع، ويُرجَّى بعد شهر أو شهرين -دون أن يكون هناك ضرر- أن يتحسن السوق، وأن يُباع بما هو قيمته، فحينئذٍ يجوز التأخير في حدودٍ وفي أحوالٍ معينة، فلا يجوز أن يُمنع الورثة من مال مورِّثهم، بل لقد رأيت من الناس من ترك له مورِّثه مالاً كثيراً، وهو والله يعيش كعيشة الفقير المسكين من تضييق إخوانه الكبار وأذيتهم له، ومحاولتهم احتوائهم للأموال، فإذا كان الرجل بالغاً رشيداً فهو أحق بماله، ومن منعه فقد ظلم، وظلم ذوي القربى أعظم من ظلم غيرهم، وعلى هذا ينبغي على أولياء الأموال أن يتقوا الله في إخوانهم، وأن يتقوا الله في قرابتهم، وأن يقسموا بقسمة الله عز وجل التي قسمها من فوق سبع سماوات.
حكم رهن الموصوف في الذمة السؤال: أشكل عليَّ معرفة المقصود من قول المصنف رحمه الله: (يصح في كل عين)، هل الموصوف في الذمة لا يصح الرهن فيه أثابكم الله؟ الجواب: تقدّم معنا مسألة العين، ومسألة الذمة، وبيّنا أن المعيّن يكون العقد عليه ويفوت بفواته، وأن الموصوف في الذمة يصدُق على كل شيءٍ ينطبق عليه ذلك الوصف. ومسألة قبض الرهن نص الله عز وجل عليها بقوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، ولذلك فإن الأصل في الرهن غالباً أن لا يكون إلا بالحاضر، كأن يقول: أرهنك سيارتي هذه، أو أرهنك ساعتي هذه، فهذا رهن الأعيان. وأما إذا سبق قبض الرهن على الدين، فإنه يستقيم أن يكون في الموصوف، وحينئذٍ يكون الاستقبال والاستحقاق مستقبلاً لأخذ الدين وإعطاء العين من الرهن، وعلى هذا يكون في الذمة ابتداءً، ولكنه يئول إلى العين انتهاءً عند التعاقد، وحينئذٍ لا بأس، خاصة على مذهب من قال: إنه يجوز أن يتقدم الرهن على الدين، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه المسألة في المجلس الماضي، والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب الرهن [2] من المسائل المتعلقة بباب الرهن: جواز رهن المكيل والموزون والمعدود بشرط أن يقبض، وما لا يشترط فيه القبض في بيعه، فلا يشترط القبض في رهنه، ومن تلك المسائل: عدم جواز رهن ما لا يجوز بيعه، فلا يرهن إلا ما يجوز بيعه، ومنها: عدم لزوم الرهن إلا بالقبض، ومنها: أنه لا يجوز للراهن ولا للمرتهن أن يتصرف في الرهن إلا بإذن صاحبه، ومنها: مسألة نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ومئونته. جواز رهن المكيل والموزون بشرط التقابض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره]. تقدم معنا بيان مشروعية الرهن، وبيان الأركان التي يقوم عليها عقد الرهن، وبيّنا جملة من المسائل والأحكام التي صدّر بها المصنف رحمه الله باب الرهن، وشرع المصنِّف رحمه الله في هذه الجملة ببيان مسألة قبض الرهن، وعدم قبضه، فأول ما يقع بين المتعاقدين أن يقول الراهن: رهنتك كذا وكذا، فيُسمِّي الشيء الذي يريد رهنه، فإذا رضي من له الدين، قال: قبلت، فيقول -مثلاً-: رهنتك سيارتي، أو رهنتك داري، أو رهنتك أرضي، أو نحو ذلك مما يُقال بياناً للمرهون، فإذا بيّن لك الشيء الذي يريد أن يرهنه عندك حتى يُسدد الدين، فإن هذا الشيء ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مما يُكال أو يُوزن أو يُذرع أو يُعد، وإما أن يكون من غير ذلك. فإن كان مما يُكال أو يُوزن أو يُعد أو يُذرع، فإن الرهن لا يتم ولا يكون إلا بالقبض، وبناءً على ذلك فلا بد أن يعطيك المكيل ويمكِّنك من قبضه، وهكذا الموزون، والمعدود، والمذروع قياساً، فإن كان المرهون مما لا يُكال، فإنه حينئذٍ يصح رهنه قبل قبضه، والأصل في اشتراط القبض أننا نوجب على من يريد أن يرتهن، أن يقبِض الرهن عنده، فإن الأصل في ذلك قوله تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، والأصل في هذه الأشياء التي تُجعل في الرهن، إنما جُعلت من أجل أن يبيعها، وعلى هذا فلا بد أن تُقبض إن كانت من جنس ما يُشترط له القبض، وأما إذا كانت من جنس ما لا يُشترط فيه القبض، فيصح أن يَرهَنها قبل قبضها، وعلى هذا فرّق العلماء رحمهم الله -على ضوء ما تقدم معنا-: بين ما يُشترط فيه القبض، وما لا يُشترط فيه القبض، فما اشتُرط فيه القبض في المبيعات، بحيث لا يصح بيعه منك إذا اشتريته حتى تقبضه كالطعام المكيل والموزون، فلا يصح أن ترهنه قبل القبض، والعكس بالعكس، فالشيء الذي لا يُشترط فيه القبض يصح أن ترهنه قبل قبضه. ...... جواز بيع المرهون عند العجز عن سداد الدين قوله: (على ثمنه)، فإن هذا المرهون حينما يوضع عند الشخص، إنما وُضِع من أجل أن يُسدَّد به الدين عند العجز، وتعذُّر السداد في الأجل، فلو استدان منك مائة ألف، وعجز عن سدادها، فإنه عن طريق هذا الرهن تقوم بأخذ حقك منه، وبناءً على ذلك يرهن على الثمن، ومن هنا فرّع العلماء مسائل الرهن على البيع؛ لأنه إذا عجز الشخص المدين عن سداد الدين، كان من حقك أن تأخذ حقّك من هذا الرهن؛ لأن المقصود من الرهن الوفاء وسداد الدين عند التعذُّر، أو الامتناع من السداد. ...... حكم رهن ما لا يجوز بيعه قال رحمه الله: [وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه]. أي: أن كل شيءٍ يجوز بيعه في الأصل؛ فإنه يجوز رهنه، وكل شيءٍ لا يجوز بيعه؛ فإنه لا يجوز رهنه. والسبب في كون العلماء يجعلون المرهون مبنياً على المبيع: أن المقصود من الرهن عند العجز أن تقوم ببيع الرهن وأخذ حقك منه، أو يقوم القاضي إذا اشتكيت إليه ببيع الرهن وسداد الدين منه، أو يقوم العدل الذي نُصِّب من الطرفين ببيع الرهن وسداد الدين منه. وبناءً على هذا لو كان الشيء الذي وضعه عندك رهناً لا يمكن بيعه؛ أو لا يجوز بيعه، فإنه لا يمكن أن تتحقق الحكمة التي من أجلها شُرع الرهن، حيث أنك إذا عجزت عن السداد لم يستطع صاحب الحق أن يصل إلى حقه؛ لأن هذا الشيء الذي وضعته عنده لا يمكن بيعه، فمعنى ذلك: أنك وضعت شيئاً وجوده وعدمه على حدٍ سواء. وعليه فلا بد أن يكون الشيء الذي تضعه رهناً قابلاً للبيع، بمعنى أنه يجوز بيعه، ويصح بيعه، فلا يجوز رهن ما يحرُم بيعه، وذلك كالأعيان المحرّمة، وهي التي وردت في حديث جابر بن عبد الله : (إنالله ورسوله حرّم بيع الميتة، والخمر والخنزير والأصنام) فلو أعطاه ميتة رهناً، كحيوان محنَّط من جنس ما لا يذكى، وقال له: إذا عجزت عن سداد دينك فبع هذا الحيوان وخذ حقك، فإن هذا الحيوان إذا كان ميتةً لا يجوز بيعه، فلا يصح أن يكون رهناً. وهكذا إذا كان من الأعيان المباحة، ولكن يحرِّم الشرع بيعها لوجود الاستحقاق، كحق الله عز وجل في الوقف، فلو كان الشيء الذي يريد رهنه وقفاً، لم يصح أن يُرهن؛ لأن الأوقاف لا يجوز بيعها من حيث الأصل. وعليه قالوا: يُشترط أن يكون المرهون من جنس ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه؛ لأنه يفوِّت المقصود من الرهن. وهكذا لو رهنه أم الولد -على القول بعدم جواز بيع أمهات الأولاد- وكذلك بالنسبة للخنزير، والأصنام، ونحوها مما لا يجوز بيعه، قال بعض العلماء: ولو رهنه مجهولاً، كما لو قال له: أرهن عندك ما في داخل هذا الكيس، والذي في داخل الكيس مجهول، فإنه لا يصح رهنه، لكن لو كان الذي بداخل الكيس معلوماً، جاز الرهن وصح، ولو قال له: أرهنك الكيس نفسه، كأن يكون الكيس من جلد وقيمته مثلاً مائة ريال، فقال له: أعطني سلفاً مائة، وأرهن عندك هذا الكيس، صحّ. إذاً: لا يصح رهن المجهولات، ولا يصح رهن محرَّمات الأعيان: كالميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، وكل ما حرُم بيعه لا يجوز رهنه. ...... جواز رهن الثمر قبل بدو صلاحه بدون شرط القطع قال رحمه الله: [إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع]. تقدّم معنا في باب بيع الأصول والثمار، وبيّنا هناك حكم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، وبعد بدو الصلاح، وقلنا: إن الثمرة إذا بِيعت قبل بدو الصلاح لا يخلو البيع من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون بشرط القطع، والحالة الثانية: أن يكون بشرط البقاء، والحالة الثالثة: أن يكون بيعاً مطلقاً. فلو كان عندك بستان وفيه نخل، وهذا النخل فيه ثمرة، وأردت أن تبيع الثمرة كما يسميه الناس: الصيف، أردت أن تبيع الصيف، وهذا الصيف لم يبدُ صلاحه، فإن قلتَ: خذ الثمرة بمائة ألفٍ، واشترط عليك أن تبقيها له حتى يبدو الصلاح، لم يجُز، وقلنا: إن ذلك بالإجماع. ولو قال له: بعني ثمرة بستانك هذه التي لم يبدُ صلاحها، ولكني سأقطعها، بمعنى أنني أريدها علفاً للدواب، فقلنا: يجوز في قول جماهير العلماء، خلافاً لبعض السلف، كما هو قول سفيان الثوري ، وابن أبي ليلى، كما تقدَّم معنا وبيّنا أن الراجح مذهب الجمهور، وهو أنه لو باعه الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع صحّ البيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرّم بيع الثمرة قبل بدو الصلاح خوفاً من الآفة، لحديث أنس الذي في الصحيح: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟)، فإذا كان يريد أن يقطعها مباشرة، ويأخذها وهي خضراء علفاً للدواب، انتفت العلة. فهنا لو قال: أعطني مائة ألف ديناً، فقال له: أعطني رهناً كي أعطيك هذا القرض، فقال: أرهن عندك ثمرة بستاني إلى شهر -وثمرة البستان لم يبدُ صلاحها- وإذا انتهى الشهر ولم أسددك، فاقطع الثمرة وبعها، صحّ الرهن؛ لأنه يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع. فإن اتفق معه على أن يقطع الثمرة، ورضي له بذلك، فلا إشكال، لكن يبقى الإشكال أن القاعدة: أن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه. فلو أنه قال له: أعطني مائة ألفٍ، وهذه الثمرة التي لم يبدُ صلاحها رهنٌ عندك، على أنني إذا لم أسدِّد انتظرت إلى صلاحها فبِعت وأخذت حقّك، فحينئذٍ لم يشترط القطع، فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: لا يصح أن يرهن الثمرة قبل بدو الصلاح بغير شرط القطع، وهذا على الأصل الذي ذكرناه، وهو أنه إذا كانت الثمرة قبل بدو الصلاح وباعها بغير شرط القطع؛ لم يصح البيع إجماعاً، وهو البيع المطلق، وإذا كان لم يصح البيع فمعنى ذلك: أن الرهن غير صحيح. وقال بعض العلماء: يجوز أن يرهن الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، كما درج عليه المصنِّف، وهو الوجه الثاني عند أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع، وانتصر له غير واحد، وقالوا: إنه إذا لم يسدد المال فإنه يأخذ حقه من الثمرة، فإن فسدت الثمرة، فإنه لا ضرر على الإنسان؛ لأنه ليس البيع منصباً على الثمرة نفسها، فقالوا: إذا رضي صاحب الدين، وقال: إن يسَّر الله وصلحت الثمرة، فإنه حينئذٍ يكون حقي ببيعها، كان له ذلك، وهذا القول الذي درج عليه المصنِّف واختاره غير واحد؛ لأن العلة التي من أجلها مُنِع البيع ضعيفة في هذه الصورة، ولأن البيع لم يتم أثناء الدين، وأنت تعلم أنك إذا أخذت من صاحب المال مائة ألف، فإنه لا يستحق بيع بستانك إلا إذا عجَزت، وربما كان عجزُك بعد بدو الصلاح، ولذلك لا يُنظر إلى الحال، وإنما يُنظر إلى المآل. ثم لو أن هذه الثمرة تلفت، فإن حقّه لا يلغى؛ لأنه مُطَالِب بحقِّه كدينٍ، بخلاف ما إذا دفع النقد لقاء الثمرة، فالفرق بينهما واضح، وهذا القول الذي اختاره المصنِّف واختاره جمعٌ من العلماء، أوجه وأولى بالصواب إن شاء الله تعالى. ...... اشتراط القبض في لزوم الرهن قال رحمه الله: [ولا يلزم الرهن إلا بالقبض]. العقد ينقسم إلى قسمين: عقدٌ لازم، وعقدٌ جائز. والعقد اللازم: هو الذي ليس من حق أحد المتعاقدين أو أحد الطرفين أن يفسخه إلا برضا الآخر، فإذا حصل من الطرفين الإيجاب والقبول لزِمهُما الإيجاب والقبول، والأصل فيه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فأنت إذا بِعت بيتك، وقال المشتري: قبلت، وافترقتما؛ لزمه أن يدفع الثمن، ولزمك أن تمكِّنه من البيت. إذا ثبت هذا فإنه يرد السؤال: لو أن رجلاً قال لك: أعطني مائة ألف، وخذ داري رهناً عندك، أو اجعل عمارتي رهناً عندك، أو اجعل سيارتي هذه رهناً عندك، فإننا إذا نظرنا إلى هذا العقد، فننظر: فإن قلتَ: قبلت ورضيت، وخذ هذه المائة ألف، واترك السيارة رهناً عندي، فللعلماء قولان: من العلماء فمن قال: إذا قلت له: أعطني مائة ألف، وهذه السيارة رهنٌ عندك؛ فإنه يلزمك أن تمكِّنه من السيارة فوراً، بمجرد العقد، وهذا هو مذهب طائفة من العلماء، منهم المالكية، فهم يرون أن الرهن لازم بمجرّد الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، فلو أنك مباشرةً بعد أن قلت له: خذ السيارة، وقال: قبلت، ثم قلت: لا، خذ -مثلاً- البيت بدل السيارة، أو خذ -مثلاً- الأرض الفلانية بدل السيارة، لم يكن من حقك ذلك على هذا القول. فأصحاب هذا القول يرون أنك ملزم بالرهن بمجرد الإيجاب والقبول، وليس من حقك أن ترجع عنه مادام أنكما اتفقتما على تلك العين، فإن أردت أن تبدِّل فليس من حقك، كما إذا أردت أن تسحب السيارة فليس من حقك، وتسري عليه أحكام الرهن بمجرد الإيجاب والقبول، هذا القول الأول. القول الثاني: لا يلزم الرهن إلا بالقبض، وبناءً على ذلك فإنك إذا قلت له: أرهنك هذه السيارة، وقال: قبلت. فالإيجاب والقبول لا يكفي حتى يَقبِض السيارة، فإن قَبَضَها فإنه حينئذٍ يصير الرهن لازماً، ولو أنك قبل القبض عَدَلت عن الرهن، أو جئت ببدلٍ عنه، كان من حقك ذلك، وبناءً على هذا القول -وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة، كما اختاره المصنِّف ودرج عليه- فإن الرهن يكون بالقبض، ولذلك قال الله عز وجل: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، فدل على أن صفة القبض مؤثرة في الرهن، وأن الرهن لا يكفي وحده ما لم يكن مصحوباً بالقبض، فلزومه متوقفٌ على القبض. وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله، في كون الرهن لا يلزم إلا بالقبض، فإذا قال لك: أعطني مائة ألفٍ وسيارتي رهنٌ عندك، أو هذه مائة صاع من الطعام رهنٌ عندك، أو هذا الكيس من الطعام رهنٌ عندك، فإنه من حقه أن يَعْدِل ويُبدِّل مادام أنك لم تقبض، فإن قبضت لزمه الرهن. إذاً: القبض شرط، ولا يمكن أن يتحقق اللزوم بالرهن إلا بالقبض، فهل يكون القبض منك أو من الراهن؟ قالوا: ينبغي أن تستأذن الراهن، فلو أن السيارة كانت موجودة، ولم يعطك مفتاحها، ولم يمكِّنك منها؛ فإنك لم تقبض، أما إذا أذن لك وقال: خذها، فحينئذٍ تم الرهن بقبضك لمفتاحها أو ركوبك فيها، أو نحو ذلك مما يتحقق به القبض. هذه صورة ومثال للقبض. مثال آخر: لو قال له: أعطني مائة ألف دَيْناً إلى نهاية السنة، فقال: أعطني رهناً، فقال: هذه عمارتي رهنٌ عندك، فالعمارة لا تكون رهناً لازماً إلا إذا قبض صاحب الدين العمارة، والقبض في العمائر يكون بالتخلية، فإذا خلَّى بينه وبينها وأعطاه مفاتيحها فقد قبض، فلو عَدَلَ قبل ذلك لم يقع اللُّزوم، ولا يلزم الرهن حينئذ. وبناءً على ما سبق هناك فوائد: الفائدة الأولى: أن الرهن لا يكون لازماً إلا بالقبض، ومن حق الراهن الرجوع والتبديل، ومن حقه أن يرجع ويُبدِّل مادام أنه لم يَلزمه الرهن. الفائدة الثانية: أن هذا القبض إذا كان لازماً، يتوقف عليه لزوم الرهن على ظاهر القرآن: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]؛ فإنه يُشترط أن يمكِّنَك أو يأذن لك صاحب الرهن بأخذه وقبضه. قالوا: فلو أنك أنت من عند نفسك أخذت الرهن بالقوة أو بالحيلة أو بالغفلة، دون إذنٍ منه، لم يَلزمه ذلك. إذاً: لا بد أن يكون القبض بتمكينٍ وإذنٍ من صاحب الرهن، فلو أنك من نفسك جئت وأخذت الرهن، كان وجود الأخذ وعدمه على حدٍ سواء؛ لأن الرهن عقد رفق، وعقود الرِّفق لا تلزم إلا بالقبض كالقرض ونحوه، وقد بيّنا أن هناك عقوداً يُقصد منها الغبن المحض، وعقوداً يُقصد منها الرِّفق المحض، وعقوداً يُقصد منها مجموع الأمرين. فالرهن من العقود التي يقصد بها الرِّفق؛ لأن المدين رفق بك فأعطاك الرهن لكي تستوثق من حقك، فليس من حقك أن تعتدي على ماله بأخذه دون إذنه، فهو من عنده أعطاك إياه رهناً، وإلا فالأصل أن تطالبه عند حلول الأجل بدفع المال، لكن هذا المال غير المال الذي أخذه منك. ومن المعلوم أنه إذا استدنتُ منه مائة ألف فإن الذي له عليَّ مائة ألف، وليس سيارتي ولا داري ولا مزرعتي ولا أرضي، وبناءً على ذلك يقول العلماء: ليس من حقه أن يعتدي على هذه الأملاك إلا بإذن من صاحبها، وعليه فإن لم يمكنك من القبض، كان قبضك لها بالاعتداء وجوده وعدمه على حدٍ سواء. إذاً: الفائدة الأولى: أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض لظاهر القرآن، والفائدة الثانية: أن القبض يُشترط فيه إذن المدين، أي: الذي عليه الدين....... كيفية قبض الرهن وهنا مسائل: المسألة الأولى: لو قال لك: اقبض، وذهبت لتقبض، وقبل أن تقبض رجع عن إذنه، فإنه لا يصح قبضك، كما لو اعتديت مباشرة؛ لأن الإذن قبل تحقق الفعل والرجوع عنه يوجب بطلانه. المسألة الثانية: إذا ثبت أن القبض معتبر فكيف يتحقق القبض؟ سبق أن بيّنا هذه المسألة، وقلنا: إن المبيعات منها ما يتحقق فيها القبض بالكيل إن كانت مكيلة، وبالوزن إن كانت موزونة، وبالعد إن كانت معدودة، وبالذرع إن كانت مذروعة، وبالمناولة إن كانت مما يُتناول، فلو قال لك: أعطني عشرة آلاف ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أُعطيك هذه الجواهر؛ فإن هذه الجواهر التي هي رهن يكون قبضها بالمناولة، أي: تُناوَل باليد، فإذا ناوَلك إياها، ووقعت في يدك تم قبضها، ولو كانت في كيسها ووعائها فأعطاها لك تم قبضها، لكن المكيل لا يكون إلا بكيله، والمعدود بعدِّه، والمذروع بذرعه، على التفصيل الذي ذكرنا. وبناءً على ذلك يفرَّق في الأشياء بين ما كان من جنس المكيلات والموزونات، والمعدودات والمذروعات، وما يُتناول بالطريقة التي ذكرنا. والمعدودات: مثل الإبل، كأن يقول: أعطيك عشرة من الإبل رهناً، أو هذه الناقة رهنٌ عندك، فإنه حينئذٍ يُمَكَِّنك من قبضها، فإذا قبضتها أو قبضها وكيلك فحينئذٍ لزم الرهن. ولو كانت عمارة، فَقَبْضُ العمارةِ يكون بالتخلية، بأن يخلِّي بينك وبينها بإعطاء المفاتيح، فإذا أعطاك مفتاحها، أو خلَّى بينك وبينها للدخول والاستيثاق منها، كان هذا بمثابة القبض لها. وقس على هذا بقية الأمور، وهناك أشياء يكون قبضها بالعرف، فنرجِع إلى أعراف التجار في كيفية قبضها، وقد سبقت الإشارة إلى هذه المسألة في مسألة القبض في أوائل كتاب البيع.
استدامة قبض الرهن شرط في لزومه قال رحمه الله: [واستدامته شرط]. استدامة القبض شرط، أي: أن يبقى الرهن عندك، ويكون تحت يدك وفي حوزتك، فلو أنه أعطاك السيارة ثم جاء في يوم من الأيام وأخذ مفتاحها وقادها من بيتك أو من مزرعتك، وأخرجها من المكان الذي وضعتها فيه، فحينئذٍ يزول لزوم الرهن، فإن ردّها بعد ذلك رجعت لازمة بعد الرجوع. إذاً: استدامة القبض شرط في لزوم الرهن؛ لأن الله قال: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، وهذا الوصف لازم وباقي؛ لأن الرهن ليس بيعاً بحيث نقول: ننظر إلى ابتدائه؛ لأن بعض العقود ننظر إلى ابتدائها، وبعض العقود ننظر إلى مآلها، فالرهن ننظر إلى مآله؛ لأن الرهن لا يُراد لذاته، أنت حينما تعطي العمارة رهناً لقاء (مليون)؛ فإنك لم تقصد بيع العمارة (بالمليون)، وإنما قلتَ له: إن عجزت عن سداد (المليون) كان من حقك بيعها، ثم بعد ذلك تأخذ حقك، وعلى هذا فالعمارة في الأصل ملك للمدين، وعليه فليست في حكم المبيع من كل وجه، إنما هي بمثابة الاستيثاق، فلا بد أن تبقى تحت يد المرتهن؛ لقول الله عز وجل: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، فإن خرجت عنه خرجت عن وصف الرهن؛ لأنها لم تصل إلى المآل، بحيث بِيعت أو تُصُرِّف بها، وإنما هي باقيةٌ وأمانةٌ، وإذا سُحِبت منه زال اللزوم؛ لأن وصف القبض المستصحب في الرهن قد زال.
خروج الرهن بالاختيار يزيل لزومه فإن رد عاد لزومه قال رحمه الله: [فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإن رده إليه عاد لزومه إليه]. قوله: (فإن أخرجه) أي: المرتهن صاحب الدين، أي: أخرج الرهن، فمثلاً: عندك سيارة، وجئت إلى رجل وقلت له: أقرضني عشرة آلاف ريال، فقال: أعطني سيارتك رهناً، فقلت له: هذه السيارة وهذه مفاتيحها رهن عندك وأعطني العشرة آلاف، فأعطاك العشرة آلاف. ثم بعد ذلك جِئتَ في يوم من الأيام فقلت له: يا فلان! عندي ظرف، وأريد أن أسافر إلى المدينة بأهلي، فهل تأذن لي أن آخذ السيارة؟ فقلت: خذها، فإذا أخرجتها فقد أخرجتها باختيارٍ منك ورضا منك، فيزول اللزوم، وأنت مأجور ومثاب على هذا الفعل، حيث قدرت ظرفه وأعطيته. لكن لو جاءك وقال: أريد السيارة لأسافر بها أو أذهب بها، فقلت له: لا أُعطيك؛ كأن تعرف أنه مماطل، أو رجل مخادع، ولم تأمن، فقلت له: لا أعطيك، فذهب، ولما نمت جاء إلى مكانها وأخذ المفتاح الذي عنده فقاد السيارة واستخرجها، فهل نقول: قد زال اللزوم؟ هنا خرجت بغير اختيارك، وفي هذه الحالة يكون قبضه لها غير لاغٍ لصفة القبض الأصلية، ويبقى الرهن كما هو؛ لأن الإخراج من اليد كان على سبيل القهر، والختل، والخلسة، وهكذا لو هددك فأخذها بالقوة والقهر، فإنه لا يزول وصف القبض، ولا تزول الأحكام، بل تبقى؛ لأن خروجه بغير اختيارك، والشرط أن يكون الخروج بالاختيار لا بالاضطرار. فإن كان الخروج بالإكراه أو بالغصب أو بالخلسة والخديعة، فوجوده وعدمه على حدٍ سواء. فقد اشترط رحمه الله وجود الاختيار الذي ينبني عليه اعتبار الإخراج، وعدم لزوم الرهن. وقوله: (فإن ردَّه إليه عاد لزومه إليه، أي: إن رد الرهن -كالسيارة- بعد أن قضى منه حاجته؛ رجع اللزوم إليه، أي: رجع الرهن إلى حكم اللزوم.
عدم نفاذ التصرف في الرهن من أحد الطرفين من غير إذن الآخر قال رحمه الله: [ولا ينفذ تصرف واحدٍ منهما فيه بغير إذن الآخر]. قوله: (ولا ينفذ) النفاذ: السَّرَيَان، وهناك شيء يسميه العلماء: النفاذ والوقف، أي: هناك عقد نافذ، وعقد موقوف، والعقد النافذ: هو الذي تتوفر فيه الأركان والشروط المعتبرة، فيُحكَم بنفاذه وسَرَيانه، والعقد الموقوف: هو الذي تعترضه عوارض تمنع من سريانه، كما ذكرنا في بيع وشراء الفضولي، على القول بصحته، لكنه يبقى موقوفاً على إجازة المالك الحقيقي. ومعنى كلامه رحمه الله: أنه لا ينفذ تصرُّف أحدهما في الرهن، فلو أنك أخذت الرهن وقبضته، ودفعت للرجل عشرة آلاف ريال، ثم إن الراهن أخذ وثيقة الرهن -كصك البيت مثلاً- وباعه، أو أخذ استمارة السيارة وباعها، فإن هذا التصرُّفُ من الراهن في الرهن وعليه يد القبض تصرُّفٌ لاغٍ؛ لأن الرهن الآن لازمٌ وثابتٌ ومحتكرٌ لحق الأول، وهو صاحب الدين، فإذا تصرَّف صاحب الرهن في الرهن بالبيع مثلاً، فإنه حينئذٍ قد عَطَّل هذا العقد الشرعي، ولو كان بيع الرهن يصح، وهو مقبوض عند المرتهن؛ لانعدمت المصلحة من الرهن، ولأمكن لكل شخصٍ أن يحتال على غيره، فتراه يرهن أرضه، وسيارته، وعمارته، ثم يبيعها ولا يبالي. إذاً: لا ينفُذ التصرف في الرهن، فلو أن شخصاً أعطاك بيته أو عمارته أو مزرعته أو أرضه رهناً، وتم القبض المعتبر شرعاً؛ فَلَزِم الرهن، وفوجئت بعد شهر وقبل السداد وإذا بالراهن قد باع هذه العمارة، أو الأرض، أو المزرعة، فترفع قضيتك إلى القاضي، فتُقيم الشاهدين العدلين على أنها مرهونة، فينقض القاضي بيعه ويُلغيه، وحينئذٍ يُبقي العين مرهونة إلى تمام ما بين الراهن والمرتهن، فإن تمت مدة الدين وسدّد فالحمد لله، وحينئذٍ إن شاء باع وأتم صفقة البيع فلا إشكال، فالمال ماله، وأما إذا لم يسدد كان من حق القاضي أن يبيع العين سداداً للدين، كما ذكرنا. وعلى هذا فلو تصرَّف بالبيع، أو تصرَّف مثلاً في المنافع؛ فإنها تُحبَس، كما سيأتي، فلو أجَّر العمارة، أو أجّر المزرعة، فكل هذه المكاسب تُحبس في الرهن حتى يُسدَّد الدين؛ لأنه موقوف ومرهونٌ لحق، ومستوثق لدين، فلا يمكن أن يُتصرَّف فيه إلا بعد تمامه، هذا كله إذا تصرَّف الشخص المدين الذي هو الراهن. أما لو تصرَّف صاحب الدين، كما أعطيته سيارتك في عشرة آلاف ديناً، وفوجئت أنه قد باع هذه السيارة، ادعى أنها له وباعها، فإنه لا يصح البيع، وليس من حقه أن يُقدم على بيع الرهن إلا إذا تمت المدة ولم تسدد، فحينها من حقه أن يقوم بالبيع إن أذنت له، وإلا رفع إلى القاضي وباع. وقوله: (بغير إذن الآخر)، أي: إذا أذن الآخر له أن يبيع، كأن جاءه وقال: يا فلان! قد رهنت عندك سيارتي أو أرضي أو عمارتي أو مزرعتي، وأنا محتاج لهذه الأرض أن أبيعها وأتصرف فيها، وقال له: بعها، فحينئذٍ يكون برضا الطرف الآخر، ويصح البيع، ويزول الرهن؛ لأن البيع يفوِّتها من ملكية الراهن. وفي بعض الأحيان يبقى الرهن في جزئها، كأن يقول: يا فلان! لك عليّ مائة ألف، والعمارة التي رهنتها عندك قيمتها مائتا ألف، سأبيع نصفها وأبقي نصفها رهناً عندك، فقال: قبلت، فحينئذٍ يلتغي النصف المباع، ويبقى النصف غير المباع على الرهن، وقس على هذا من المسائل في المشاعات، كما تقدم معنا في رهن المشاع. ...... حكم عتق الراهن للرهن قال رحمه الله: [إلا عتق الراهن فإنه يصح مع الإثم وتؤخذ قيمته رهناً مكانه]. قوله: (إلا عتق الراهن) أي: يصح عتق الراهن مع الإثم؛ لأن العتق لا يُمكن تداركه، ولذلك عظَّم الله عز وجل أمر العِتاق والنذر والطلاق والنكاح، ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاث جدُّهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق -وفي رواية-: النذر)، فمن قال -وهو يمزح- لعبده: أنت حر، فإنه يُلزم ويُصبح حراً لوجه الله شاء أو أبى، ولو قال: كنت أمزح، فنقول: جِدُّه جِد وهزله جِد، ولو قال لرجل: زوّجتك بنتي، وهو يمزح، وقال الآخر: قبلت، فإنه يصير ملزماً بالنكاح؛ لأن جد النكاح جد، وهزله جد. وهكذا لو قال لامرأته -يمزح معها-: أنتِ طالق، فإنها تطلُق عليه؛ لأن جد الطلاق جد، وهزله جد، وهكذا لو نذر وقال -على سبيل المزاح-: لله علي أن أصوم غداً، أو أصوم شهراً، لزِمه، ولو قال: كنتُ أمزح، فنقول: جِدُّه جِد، وهزله جِد. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أربع جائزات إذا تُكلِّم بهن: النكاح، والطلاق، والعتاق، والنذر). وعلى هذا فلو أنه تَلفّظ بالعتق فأعتق العبد المرهون، فإنه لا يمكنه أن يتدارك العِتق، ويأثم؛ لأنه تصرَّف على وجهٍ محرّم، ولأن هذا ليس من النصيحة للمسلم، وقد غشّ أخاه المسلم حينما جعل العبد رهناً عنده ثم فوّت عليه ذلك. وقوله: (ونؤخذ قيمته رهناً مكانه). فإذا اشتكى صاحب الدين إلى القاضي، وقال: فلان رهنني عبده، ثم أعتقه، قلنا: يسري العِتق، وإذا سرى العِتق بطل الرهن وفات، فماذا يفعل القاضي؟ هل يلغي العِتق؟ نقول: العِتق لا يُلغى، بل يقوم القاضي بإلزام المدين بوضع رهنٍ بديلاً عن الرهن، فمن العلماء من يقول: يكون ثمن العبد رهناً، ومنهم من يقول: يُنظر إلى الذي هو مثله، فيقوم مقامه، والأول أوجه وأقوى. والفرق بين القولين: أنه ربما كان الثمن أكثر، وربما كان مثله أو أقل، والعكس، وحينئذٍ تكون قيمة الرقيق رهناً عند صاحب الدين، فإن عجز عن السداد أُخِذ منها بقدر الدين وسُدِّد الدين، كما لو عجز وبِيع الرقيق سداداً للدين. فهذا الذي أعتق عبده إن كان قاصداً، فإن على القاضي أن يعزِّره؛ لأنه أذية للناس ومعاملة لهم بالغش، فإن القاعدة أنه إذا تعامل شخص مع أخيه المسلم بعقدٍ شرعي، فينبغي على كلٍ منهما رعايته، فإذا خدع أحدهما الآخر فعلى القاضي أن يعزّر الخادع بما يناسبه، وهذا يختلف بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص والأزمنة والأمكنة، ويرجع فيه إلى العرف، وبابه باب التعزير، كما سيأتي إن شاء الله.
نماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه قال رحمه الله: [ونماء الرهن وكسبه وأرش الجناية عليه ملحق به]. بعد أن بين المصنف رحمه الله المسائل المتقدمة في الرهن، شَرَع في مسألة نماء الرهن. ومن المعلوم أن الرهن تارةً يزيد وتارة ينقص، فإذا رهن الشيء وهو على صفة، ثم زاد أثناء مدة الرهن، فهل الزيادة تكون للمالك الحقيقي أو تكون تابعة للرهن، أم أن هناك تفصيلاً في المسألة؟ من أهل العلم من قال: كل زيادة في الرهن تُعتبر تابعة للرهن، وهذا مذهب الجمهور من حيث الجملة. والزيادة تنقسم إلى قسمين: زيادة متصلة، وزيادة منفصلة. فالزيادة المتصلة: مثل أن يعطيه بعيراً ويكون نحيفاً ثم يصير سميناً، وتصير حالته أفضل من حالته حينما وضعه عند الرهن، أو يعطيه الرهن وهو بحالةٍ ضعيفة، كأن يكون مريضاً، فيصبح صحيحاً، ونحو ذلك من الزيادات المتصلة بالرهن. وأما الزيادة المنفصلة: مثل أن يعطيه ناقة، ثم ظهر بها حمل، فولدت، فهل الولد يتبع الأم أو لا يتبعه؟ أو رهن عنده بستانه سنتين، وللبستان ثمرة، وهذه الثمرة هل تتبع قيمتها البستان فتكون رهناً، أو لا تتبع خلال السنتين؛ لأن البستان نفسه مرهون، وثمرة البستان خلال السنة قيمتها مائتا ألف مثلاً، فخلال السنتين ستكون أربعمائة ألف، فهل نقول: الأربعمائة ألف تُوقف ويمنع صاحب البستان منها، وتكون تابعة للبستان في الرهن؛ حتى يأتي وقت السداد، فإن شاء سدّد وإلا أُخِذ من الرهن على قدر الدين؟ من أهل العلم من قال -كما ذكرنا-: إن الزيادة من حيث الجملة تكون تابعة، وبعضهم يرى أن الزيادة المتصلة تتبع، والزيادة المنفصلة لا تتبع. ومن حيث الأصول فإن الأشبه والأقوى أن الزيادة تابعة لأصلها؛ لأنه لما رهنه رهنه على جهة الاستحقاق والاستيثاق، وأصول الشريعة تدل على أن الفرع تابعٌ لأصله، فلو قلنا: إنها لا تتبع، فهذا يُشكل وتنبني عليه مسائل أُخر في أبواب أخرى، وتنخرم القاعدة، فالأصل الشرعي أن هذه الرقبة صلاحها وفسادها مرهون إلى أن يأتي وقت السداد، ويُتوصل عن طريقها إلى الحق، فإذا جاء وقت السداد وسدد للناس حقوقهم وإلا أُخذ منها، ونحن لا نظلمه، فإن ماله مردودٌ عليه، له حقُّه الذي في الرقبة، سواءً كان زائداً في الرقبة أو في النماء الموجود فيها. وعلى هذا: فإن إبقاء النماء والزيادة تابعة للأصل هو الأشبه والأقعد والأقيس والأقرب للأصول، فلمّا لم يرد دليل يستثني أولاد الأمهات، إذا رهن الأرقاء، ولا أولاد البهائم، وقد عُلم أن البهائم تكون رهناً، فلمّا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استثناء للفروع والنماء، دلّ على أنها باقية وتابعة لأصولها، وعلى هذا يُقال: إنه ينبغي إبقاء هذا النماء تابعاً لأصله. لكن لو كان هذا النماء لا يمكن حبسه، ويُحتاج إلى بيعه، مثل ثمرة البستان، كما لو أخذت ديناً مائة ألف، وقلت: سأسددها بعد خمس سنوات، وهذا البستان رهنٌ عندك، فإنك إذا رهنت البستان، فالثمرة خلال خمس سنوات لا يمكن أن نبقيها في النخلة؛ لأن بقاءها في النخلة ضرر وإفساد لها في بعض الأحوال، وبناءً على ذلك نقول: من حق صاحب البستان أن يقطعها ويبيعها؛ ولكن يُطالب بجعل القيمة مرهونة، هذا إذا كان النماء لا يمكن إبقاؤه، كثمرة البستان، فإنه لا يمكن أن تبقى إلى وقت السداد، فتؤخذ قيمتها مكانها، أما لو أمكن بقاؤها كأولاد البهائم، وأولاد الأمهات إذا رهن الأرقاء، فإنها تبقى على حالها ولا يُتصرَّف فيها، كما لا يُتصرف بالأصول والأمهات. وقوله: (وكسبه) أي: كسب الرهن، فلو أن رجلاً استدان منك ألف ريال، وقال لك: أعطني ألف ريال إلى نهاية السنة، فقلت له: أريد رهناً، فقال: ما عندي رهن إلا ناقتي، أو ما عندي رهن إلا سيارتي، أو ما عندي رهن إلا هذه الشاة، فرهن الشاة أو الناقة وقيمتها ثمانمائة ريال، فلمّا مضت الأيام أصبحت قيمتها ألفين، فجاءك وقال لك: أنا أعطيتك هذا الرهن وقيمته ثمانمائة ريال، وسأُعطيك بدلاً عنه رهناً بقيمته، فنقول له: لا، بل يبقى ويكون الكسب تابعاً للرهن أيضاً، ويبقى مضموناً إلى أن يأتي وقت السداد، فإن سددت فالحمد لله، وإن لم تسدد فلن نأخذ منك إلا قدر الدين الذي عليك. إذاً: النماء والكسب التي يكون في الرهن، كزيادة قيمته، أو يكون له منافع كرقيق، فقد كانوا في القديم يضعون العبد رهناً، فإذا كان العبد صاحب حرفة، ويريد أن يتكسب، فهذا الكسب تابعٌ للرهن. وعلى هذا قالوا: نماء الرهن وكسبه ملحق به. وقوله: (وأرش الجناية عليه ملحق به)، مثال أرش الجناية في القديم والجديد: في القديم يمثلون بالرقيق أو الدابة: فلو أن رجلاً جاءك وأعطاك ناقته، وقال: هذه الناقة رهنٌ عندك لقاء ألف ريال، ثم إن هذه الناقة جنى عليها إنسان، فأتلف يدها، وأُعطي لقاء التلف الموجود فيها خمسمائة ريال التي هي أرش الجناية، فأصبح هناك ناقة وأرش جناية عليها، فالأرش يُحبس مع الناقة. وفي الجديد نمثل بمثال معاصر: لو أن رجلاً قال لك: أعطني عشرة آلاف ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أُعطيك سيارتي رهناً، فقلت له: قبلت، فوُضِعت السيارة أمام بيتك، في مكان محفوظ، فجاء شخص، وضرب السيارة بسيارته، وهذا التلف الذي أصاب السيارة قدِّر بثلاثة آلاف ريال، أرش جناية، فدُفِعت الثلاثة الآلاف، فنقول: هذا الأرش يكون تابعاً للرهن، ويبقى الأرش محبوساً مع السيارة حتى يأتي وقت السداد ويُحكم فيه. هذا هو معنى قوله: (أرش الجناية عليه). ...... تحمل الراهن مئونة الرهن قال رحمه الله: [ومئونته على الراهن]. إن الله سبحانه وتعالى عدل، ولن تجد على وجه الأرض أكمل من هذه الشريعة، لا أكمل أحكاماً، ولا أحسن نظاماً: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115]، وهذه الشريعة ما دامت أصولها كاملة، ففروعها واجتهادات العلماء رحمهم الله المستنبطة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قمة في الكمال، والبهاء، والجلال، وقمة في العدل والمساواة. فكما أن هذا الرهن كسبه ونماؤه يكون لصاحبه ويُحبس، كذلك الغُرْم والأذيَّة والضرر يتحمّل مسئوليتها الراهن، ما لم يقصِّر من وُضِع عنده الرهن تقصيراً يكون سبباً في الأذية، أو سبباً في حصول الضرر؛ فحينئذٍ يتحمل مسئوليته. ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يغلق الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه، ) (لا يغلق) أي: يكون الذي دفعته: سيارتك، وأرضك، وعمارتك، ومزرعتك، ودوابك، وعبيدك ونحو ذلك مما دفعته في الرهن، إن صار له كسب ونماء؛ فإنه يُحفظ مع رهنك، وليس لمن له الدين، ولو أنه حصل للرهن ضرر وآفة سماوية، أو ضرر بدون تعدي ممن وضعت عنده الرهن، فإنك تتحمل أنت مسئوليته، ويكون النقص عليك، وقوله عليه الصلاة والسلام: (له غنمه وعليه غرمه)، فالذي يغنَم يغرم، وهذا هو عين العدل. ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم -يقرر هذه القاعدة في حديث أبي داود -: (الخراج بالضمان)، يعني: الربح لمن يضمن الخسارة؛ إذ ليس من العدل أن نقول: ربح الرهن يكون لصاحبه، ولو حصل على الرهن ضرر أو أذية فإنه يكون على المرتهن، فإن هذا من الظلم، ومن هنا عدلت الشريعة بين الناس، فالغنم بالغرم. ومن هنا قال العلماء في القاعدة المشهورة: (الخراج بالضمان) وقولهم: القاعدة: (الخراج بالضمان) ما هو إلا تأدباً مع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحديث: (الخراج بالضمان) أجمع العلماء على متنه، والعمل به، كما حكى ذلك الإمام أحمد رحمه الله وغيره. ومنهم من يقول: (الغنم بالغرم) ، يعني: الغنيمة لمن يتحمل الخسارة، أي: يأخذ النتاج والربح والنماء من يتحمل الخسارة. وعلى هذا: فإن الراهن هو الذي يأخذ النماء، وعليه البلاء، أي: إن حصل نقصٌ تحمّله، وإن حصلت زيادة كانت له. ...... تحمل الراهن كفن المرهون وأجرة المخزن إن احتاج إلى حفظ قال رحمه الله: [وكفنه وأجرة مخزنه]. قوله: (وكفنه) إذا كان الرهن عبداً فمات، فقيمة الكفن على الراهن. وقوله: (وأجرة مخزنه) مثلاً: أعطاك رهناً واحتاج إلى وضعه في مخزن، فإن أُجرة المخزن تكون على الراهن، وليس على صاحب الدين؛ لأن الرهن في الأصل لمن عليه الدين، وعلى هذا يكون متحمِّلاً لأجرة حفظه. وقد قلنا: إن القبض إذا كان معدوداً فإنه يحتاج إلى عد، فهل تكون أُجرة العد على الراهن أو على صاحب الدين؟ قالوا: تكون أجرة العد على الراهن، فهو الذي يتحمل أجرة العد. وإذا كان منقولاً يحتاج إلى نقله إلى بيت المرتَهَن، فهل يكون النقل على المرتَهَن أم على الراهن؟ قالوا: يكون النقل على المرتهن.
الأسئلة ...... حكم أجرة الطبيب إذا لم يشف المريض السؤال: لو أن رجلاً دفع مبلغاً للطبيب؛ وذلك من أجل العلاج للمرض، فإذا لم يُشف المريض، فهل يُلزم الطبيب برد المبلغ للمريض أثابكم الله؟ الجواب: هذه المسألة فيها تفصيل من حيث الأصل، فإن المهمات والأعمال الطبية تنقسم إلى أقسام: فهناك مهمات تُطلَب من الطبيب، أو من مساعد الطبيب، أو من الممرض، أو مَن يتوكَّل عنهم، وهي إدارة المستشفى، فتطلب هذه المهمات بغض النظر عما تتضمنه، مثلاً كالتحاليل، وتصاوير الأشعة، ونحوها مِن المهمات الظاهرة التي يقوم بها الطبيب والممرض، ونحوهم من مساعدي الأطباء، فهؤلاء يقومون بهذه المهمة على وِفق ما طُلِب منهم، فهذه لا دخل لها بمسألة الشفاء وعدمه. لكن الطبيب إذا دخل عليه المريض، وقال له: افحصني، فقام بفحصه، وتعاطى أسباب الفحص الواجبة عليه طبياً، وقام بها على وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، وأدّاها على وجهها، ثم بعد ذلك شخّص المرض، فإنه إن استأجره من أجل التشخيص، وأصاب في تشخيصه؛ كان المال من حقه، وأما إذا كان أخطأ في التشخيص، فإنه يتحمل مسئولية الخطأ، كأن خرج عن الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، أو خمَّن، أو ما إلى ذلك. مثال ذلك: هناك أنواع من المرض لا يمكن للطبيب أن يحكُم بوجودها إلا بعد أن يستعين -بعد الله عز وجل-بالفحص بالوسائل المتبعة عند المختصين، وهناك نوعان من العوارض: العوارض الظاهرة، والعوارض الباطنة، فيمكن أن يشخِّص أنها قرحة بالاحتمال، فإذا جاءه شخص وقال: أشعر بألم في هذا المكان، وأشعر بحموضة، وأشعر بكذا وكذا، وجاء بالعلامات التي تسمى: بالسريرية؛ والفحص السريري هو الذي يكون في البداية، فهذا يمكن أن يكون احتمالياً، فيحتمل أن تكون قرحة أو غيرها، فقال: أنت مصاب بالقرحة، وشخَّص على أنه مصاب بالقرحة، مع أن بإمكانه التصوير بالأشعة؛ لكي يتحقق هل هو مريض بالقرحة أم لا؟ فأعطاه الدواء على أنه مريض بالقرحة دون أن يتبع الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص؛ من إحالته إلى التصوير بالأشعة، أو أن يحلل له دماً أو نحو ذلك، للوصول إلى معرفة المرض الذي لا يُتوصَّل إلى الجزم به أو غلبة الظن إلا عن طريق هذه الوسائل، فإن قصَّر على هذا الوجه، وشخَّص بالطريقة الأولى، التي هي التمهيدية، أو الفحص السريري، أو الفحص المبدئي، فإنه حينئذٍ إذا أخطأ تحمّل مسئولية الخطأ، وسقط استحقاقه في الأجر؛ لأن هذا الفحص الذي قام به ليس على الوجه المتَّبَع، وليس على أصولٍ متَّبعة. أما لو أنه قام بتعاطي الأسباب، وبذل جهده، وفعلاً وُجِدت الأمارات والدلائل، وبنى عليها، فلا إشكال، وإن كانت الدلائل محتمِلة فخالف أصول المهنة، كأن تأتي صورة ليست بواضحة، فالأصول المتَّبعة عند أهل المهنة: أنه إذا جاء التصوير بالأشعة مثلاً غير واضح؛ فإنه يطَالب بإعادته، فلم يعد التصوير، وقال: هناك احتمال في الصورة أن عندك مرض كذا، ثم أعطاه دواءً بناء عليه، فإنه يتحمل المسئولية إذا تبيّن أنه ليس عنده هذا المرض. إذاً: مدار المسألة: أنه إذا بذل ما يجب عليه بذله، واتبع الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، ولم يجازف بالمريض، ولم يعرِّضه للخطر، فحينئذٍ يكون من حقه أن يأخذ أجرة مثله، أو ما اتُّفِق عليه. لكن لو قلنا: إنه أخطأ وقصَّر، وخرج عن الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص؛ فإنه يكون هناك أمران: أولاً: أنه قام بغير العمل الذي ينبغي القيام به؛ لأن المريض ائتمنه فيما بينه وبين الله، وحمّله المسئولية أن يتقي الله عز وجل فيه فيعامله معاملة المثل، فإن خرج عن هذه الأمانة، فقد خرج عن مقتضى العقد بينهما، ومن هنا لا يستحق الأجرة، بل وتترتب عليه مسئولية الدنيا بمحاسبته ومعاقبته ومطالبته بضمان ما ترتّب على خطئه، وتترتب عليه مسئولية الآخرة إذا لم يتب الله عز وجل عليه، فيعاقَب عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة. وهناك شيء قريب من الإجارة الطبية، وهي مسألة القراءة بالقرآن، فبعض العلماء يجعلها من باب الجُعل لا من باب الإجارة، وهناك فرق بين الجعل والإجارة؛ لأن الحديث في الصحيح: (اجعلوا لنا جعلاً)، فإذا قلنا: إن القراءة بالقرآن على المرضى والمصروعين والممسوسين جُعل؛ فيكون الأمر فيها أشد، فإذا قرأ القارئ على المريض، فإنه لا يستحق المال إلا إذا شُفي؛ لأن النص الذي ورد باستحقاق أخذ الأجرة على القراءة بالشفاء، وإنما أخذ الصحابة رضوان الله عليهم الأجر بعد الشفاء. ومن هنا فكون بعض القراء يفتحون عيادات، فتجدهم يأخذون مبالغ كالرسوم قبل أن يقرءوا على المرضى، فهذا لا يخلو من نظر؛ لأنه لا يتأتى فيه الجعل وإنما هو إجارة، وليس هذا من ضرب الإجارة، وإنما تكون القراءة هبة من الله سبحانه وتعالى: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)لمن قرأه فأعطاه حقه، وجعل الله عز وجل ثمرة هذا التوجه إليه سبحانه وتعالى بقراءة القرآن الإخلاص، فإنه يجعل له أجر الدنيا والآخرة، فيجعل له عاجل البشرى من الدنيا إذا أُعطي شيئاً أن يأخذه للسُّنة، وإن أحب أن لا يأخذ وأن يختار أجر الآخرة: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47]، فهذا أكمل وأعظم أجراً، وهو أوجب لنزول البركة له إلى أن يقبضه الله عز وجل، فقلّ أن تجد قارئاً لا يأخذ من الناس إلا وتأذَّن الله ببقاء البركة والخير في قراءته. فكون القراء يفتحون العيادات، ويكون هناك أناس يقبضون أجرة معيّنة، ويجلس معهم الجلسة الأولى لكي يبين أنه ممسوس أو مسحور أو كذا، فهذا أمر فيه توسُّع، ويحتاج إلى إعادة نظر ودراسة شرعية، يحصل من لقائها الحكم بأن هذا عمل شرعي؛ لأنها تصبح أشبه بالتكسب الدنيوي المحض. ومسألة: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)إنما هو في جُعل، والجُعل ثابت في النص، قال: (اجعلوا لنا جُعلاً)، ومن قواعد الشريعة أن ما كان من باب الجعل فلا يستحق إلا بعد تمام الشفاء الكامل؛ لأن الجُعل يخالف الإجارة، وسيأتينا هذا، وهذا مقرر عند العلماء: أن الإجارة تُستحق شيئاً فشيئاً، فلو قام بنصف العمل، فإنه يستحق نصف الأجرة، لكن في الجعل لا يستحق شيئاً حتى يأتي بالعمل كاملاً، فإن كان قد جعل له جُعلاً على أن يقرأ على مريضه فيُشفى، فلا يستحق إلا إذا شفي المريض. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يُلهمنا الصواب في القول والعمل، وأن يعصمنا من الزلل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب الرهن [3] من أحكام الرهن ومسائله: أن يد المرتهن يد أمانة، ما لم يتعد أو يفرط ويقصر في حفظ الرهن، أما إذا تعدى المرتهن أو قصر فإنه يضمن، ومنها: عدم انفكاك الرهن مع بقاء بعض الدين، ومنها: بيع الرهن عند انتهاء الأجل سواء من المرتهن أو من القاضي، ومنها: أنه إذا تلف بعض الرهن فباقية رهن، وغيرها من المسائل والأحكام المفصلة في هذه المادة. يد المرتهن يد أمانة ما لم يتعد أو يفرط بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وهو أمانة في يد المرتهن إن تلف بغير تعدٍ منه فلا شيء عليه]. قوله: (وهو أمانة في يد المرتهن)، هذه الجملة قصد المصنف رحمه الله أن يبيِّن فيها حُكم الرهن: هل هو أمانة أو مضمون؟ وهل يد المرتهن تُعتبر يد أمانة فلا تَضمَن إلا إذا فرَّطت، أم أن يده يد ضمانٍ فتضمن مطلقاً؟ وتوضيح هذه المسألة: لو جئت إلى رجل وقلت له: بعني بيتك بمائة ألف أعطيكها بعد سنة، فقال: قبلت، ولكن أعطني رهناً لقاء هذا المال، فأعطيته سيارة، فهذه السيارة رهن، فلو أنها تلفت في يومٍ من الأيام، فإما أن تتلف بسبب تعدٍ منه وتقصير، كأن يحرِّكها ثم حدث لها حادث فتلفت، فحينئذٍ يده يد ضمان، هذا إذا حرّك الرهن دون إذنٍ من الراهن. هذا بالنسبة للحالة الأولى، وهي التي يقول عنها العلماء: إذا تصرّف في الشيء المرهون دون إذن من صاحبه، فالتصرُّف بدون إذنٍ من صاحبه تصرُّف يوجب الهلاك أو فساد السلعة، أو فساد العين، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الضمان، لكن لو أنه وضع الرهن عنده، فجاء شيءٌ وأتلفه بدون اختيارٍ منه، كأن يكون مزرعة فاجتاحها سيل، أو ثمرة فأصابتها جائحة، فهذا الفساد والتلف الذي تلف به الرهن بدون تقصيرٍ منك، وبدون تعدٍ، هل تضمنه أو لا تضمنه؟ للعلماء قولان في هذه المسألة: فبعض العلماء يقول: من وضع عندك رهناً، بيتاً، أو أرضاً، أو مزرعة، أو متاعاً، أو طعاماً، ثم تلف هذا الشيء أو سقط، فإنّك تضمن، وتكون يدك يد ضمان على هذا القول. وبناءً على هذا القول: فإنه إذا كانت قيمة البيت عشرة آلاف ريال، والدين الذي دُفِع في مقابله الرهن خمسة آلاف ريال، فحينئذٍ تكون يده يد ضمان للخمسة آلاف التي هي أصل الدين، والخمسة آلاف الزائدة يده يد أمانة، فلا يضمن إلا إذا فرّط، وهذا مذهب الحنفية رحمهم الله. القول الثاني: من وضع عندك رهناً ولم تتعدّ ولم تفرِّط، بل حافظت على الرهن، فجاء بلاء وأتلَف هذا الرهن، وفسد بسببه هذا الرهن، فإنك لا تضمن، ويدك يد أمانة، فلا تضمن إلا إذا فرّطت، وهذا القول هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، وهو الذي سار عليه المصنِّف رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث الصحيح -وهو حديث أبي هريرة -: (لا يغْلق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه). فقوله: (لا يغْلق الرهن ممن رهنه) يعني: من الراهن، وقوله: (له غنمه) يعني: إذا زاد سعره فإنه يزيد على ملكه وضمانه، وقوله: (وعليه غرمه) يعني: لو تلف بآفة سماوية ودون تعدٍ، أو تلف بدون تفريط ممن ارتُهِن عنده، فإنه يتحمّل المسئولية، أعنِي: صاحب الرهن. وهذا القول هو الذي اختاره المصنِّف، وهو الصحيح. أما أصحاب القول الأول، فقد احتجوا بحديثين ضعيفين: الحديث الأول: فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الرهن بما فيه)أي: مرهون بما فيه. وبناءً على هذا الحديث قالوا: (الرهن بما فيه) معناه: مَن وضَع عندك رهناً بعشرة آلاف، ودينُك عليه عشرة آلاف، وتلف هذا الرهن، فإنك حينئذٍ لا تطالبه بشيء، فالرهن تلف على ضمانك، ويدك يد ضمان على هذا القول. الحديث الثاني: وهو حديث مرسلٌ ضعيف، وفيه: (أن رجلاً رهن عند رجلٍ فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نَفَق الفرس، فجاء الرجل يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ليس لك عليه من حق)، يعني: أن الفرس يُعتبر قيمةً لقاء الدين. أما الحديث الأول -وهو من حديث أبي هريرة - فإنه يُروَى مرسلاً وموصولاً، وروايته موصولاً عند البيهقي بسندٍ ضعيف، وروايته مرسلة عند أبي داود في المراسيل بسند مرسلٍ صحيح، لكن المرسل لا يُحتج به ما لم يكن متصلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فلا يقوى الاحتجاج به. وأما الحديث الثاني -حديث الفرس- فإنه مرسلٌ ضعيف. وعلى هذا: فالصحيح مذهب الجمهور: أن من وضع عندك رهناً، فإن هذا الرهن إذا لم تفرِّط ولم تتعدّ فيه فإنك لا تضمن، فلو قال لك: خذ هذا البيت واعتبره رهناً لقاء الأربعمائة ألف التي هي لك عليَّ، فأخذت البيت وسقط البيت وانهدم، فإنك لا تضمن إذا كان سقوطه بدون تفريط، لكن لو كان سقوط البيت وانهدامه بتفريط منك، كأن يعطيك البيت رهناً، فوضعت متاعاً في السطح أثقل السطح فانكسر وانهدم، فإنك تضمن؛ لأنك في هذه الحالة تعدَّيت، وحينئذٍ إذا تعدّت يد الأمانة ضمنت. وخلاصة ما سبق: أن الرهن إذا وُضِع عند المرتهن ولم يتصرف فيه ولم يتعدّ ولم يفرِّط؛ فإنه لا يضمن إذا تلف ذلك الرهن، سواءً تلف كله أو تلف بعضه....... تلف الرهن مع بقاء المالية وعدم بقائها والتلف على قسمين: تلف لا تبقى معه المالية، وتلفٌ تبقى معه المالية. فالتلف الذي لا تبقى معه مالية: مثل أن يعطيك تمراً، ثم إن التمر فسد وخمج، فإنه تذهب قيمته وتذهب ماليته، ومثال الذي لا تذهب معه المالية: كأن يعطيك عسلاً يفسد بعضه ويبقى بعضه، فحينئذٍ لا تذهب المالية، ويبقى الصالح منه، أو يعطيك بيتاً رهناً، فينهدم البيت، فإن أرض البيت لا زالت لها قيمة، ولربما بقية الأنقاض لها قيمة، فحينئذٍ يكون هناك تلف مع بقاء المالية. أما إذا كان موازياً للدين، مثل أن يعطيك بيتاً قيمته تقدر بمليون، ثم سقط ذلك البيت، وبقيت قيمة الأرض مع الأنقاض تقارب مثلاً نصف مليون، والدين الذي له عليك نصف مليون، فحينئذٍ لا إشكال، فتبقى المالية كما هي ويبقى الرهن كما هو. وتارة يكون التلف لا يوازي كل الدين، ولكن يكون مُذهباً لبعضه، فيكون الدين مثلاً مائة ألف، فإذا تلفت العين صارت قيمتها تسعين أو ثمانين أو نحو ذلك.
أقسام الأيدي وحكمها وقوله: [وهو أمانة]. (وهو) أي: الرهن، (أمانة). واليد تنقسم إلى قسمين: فإما أن تكون يدك يد أمانة، أو يد ضمان. ويد الأمانة: أن تأخذ الشيء فتحفظه وتقوم على رعايته، ولا تتعدى ولا تقصِّر. مثال ذلك: رجل أعطاك عشرة آلاف ريال، وقال: يا فلان! ضع هذه العشرة آلاف وديعة عندك، فإن أخذت العشرة آلاف كما هي، سواءً كانت من فئة مائة، أو من فئة الخمسمائة، أو من فئة الخمسين أخذتها كما هي بغلافها، ونفس الأوراق التي أعطاك إياها، فوضعتها في صندوقٍ محفوظ، وقفلت عليها، وهذا الصندوق في مكان أمين، فإن يدك يد أمانة، ومتى جاءك يطلبها أعطيته إياها، فأنت لم تتعدّ؛ لأنك لم تأخذ منها شيئاً، ولم تقصِّر؛ لأنك وضعتها في نفس الصندوق الذي تحفظ في مثله. أما لو أعطاك عشرة آلاف ريال، وقال: يا فلان! ضعها أمانة عندك، فلما أخذت منه العشرة آلاف قلت: سأصرفها، وعندما يطلب حقه أُعطيه حقه، فأخذت العشرة آلاف وأنفقتها على مصالحك، وأنت في نيتك وتعلم أنه متى ما جاء يطلبها في أي يوم من الأيام أن تعطيه، فحينئذٍ إذا صرفت العشرة آلاف في أي شيء، فإن لك غنمه وعليك غرمه، فتتحمل وتضمن العشرة آلاف، وتصبح يدك يد ضمان، وهذا التصرف منك يدخل في التعدِّي؛ لأنه كان ينبغي عليك أن تأخذ العشرة آلاف كما هي وتقفل عليها، فإذا أخذتها لتجارة أو مصلحة خاصة فقد تعديت، فإن استأذنته صار قرضاً، وانتقل من الوديعة إلى القرض، مثاله: لو قلت له: يا فلان! العشرة آلاف التي أودعتها عندي سأصرفها في مصالحي، ومتى ما طلبتها مني أعطيتك، فقال: لا بأس، ففي هذه الحالة يُصبح قرضاً، في الحالة الأولى وديعة، والوديعة تحفظ كما هي، وفي الحالة الثانية تكون قرضاً. أما التفريط: فكما لو أعطاك عشرة آلاف، وقال: يا فلان! ضعها وديعةً عندك، فأخذتها ووضعتها على طاولتك أو مكتبك، وأنت في العمل أو الوظيفة، ودخلت تتوضأ فجاء شخص وأخذها، فحينئذٍ قصّرت؛ لأن هذا المبلغ بهذه القيمة لا يُوضع في هذا المكان.
تحول يد الأمانة إلى يد ضمان إذاً: يد الأمانة تضمن في حالتين: التعدي أو التقصير. فالتقصير في الحفظ: كأن يضع المبلغ في صندوق خشبي يُمكن كسرُه، فإن هذا يُعتبر تقصيراً. وأما التعدِّي: فكأن يأخذ الأموال ويتصرّف فيها. مثاله: جاءك رجل وقال: يا فلان! أنا سأُسافر، فضع سيارتي هذه عندك حتى آتيك، فأخذت السيارة ووضعتها في مكانٍ أمين، فلو أنه جاء بعد السفر وأراد أن يحرك السيارة وإذا بالسيارة تالفة لا تتحرك، فحينئذٍ لا تضمن شيئاً؛ لأنك لم تتعد ولم تقصِّر، فيدك يد أمانة. لكن لو أعطاك السيارة وسافر، فجئت في يوم من الأيام وحركتها وخرجت بها إلى حاجة من حوائجك، فوقع -لا قدّر الله- حادث، أو تلف شيءٌ في السيارة، فإنك تضمَن؛ لأنك تعدّيت، وفي هذه الحالة تكون يدك يد ضمان. إذاً: هناك يد تسمى: يد أمانة، وهناك يد تسمى: يد ضمان. والأصل في الأشياء التي تكون ملكاً لك أنت أن تتحمل مسئوليتها، والأشياء التي تملكها مثل: أراضي، بيوت، أطعمة، أكسية، فالشيء الذي تملكه ربحه لك وخسارته عليك، هذا هو الأصل. فلو أن رجلاً استدنت منه عشرة آلاف ريال وقلت له: خذ هذه السيارة وضعها عندك، فأنت في الأصل الضامن، فإن وضعت سيارتك رهناً عنده، فإن يده يد أمانة، فإن تصرّف في هذا الشيء فحينئذٍ ينتقل بتعدِّيه أو تفريطه إلى الضمان، وهذا هو معنى قوله رحمه الله: (ويده يد أمانة). إذاً: يد المرتهن يد أمانة، لا تضمن إلا إذا قصّرت أو تعدّت، وهذا على أصح قولي العلماء؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد صححه الدارقطني ، وقال الحافظ ابن حجر : رجاله ثقات، وغير واحد من العلماء يميلون إلى ثبوته، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يَغْلَق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه) أي: ما لم يتعد أو يفرِّط. وقوله: (إن تلف بغير تعدٍ منه فلا شيء عليه). أي: إذا تلف الرهن من غير تعدٍ منه فلا شيء عليه. فلو قال لك: أعطني مائة ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذا التمر ضعه عندك رهناً إلى نهاية الشهر، أو نهاية الأسبوع وأسددك، فأخذت التمر فوضعته في مكان حار، أو في مخزن حار، وقفلت عليه، والتمر يفسد، إذا كان في مكان حار وخزِّن في مكان مُنْكَتم، الغالب أنه يحمض ويفسد، فإذا فسد التمر فإنك تضمن؛ لأنك في هذه الحالة قصَّرت في حفظ الأمانة، ولكن لو وضعته في مكان يُحفظ في مثله، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يأتي السوس ويتلفه، وهذا المكان ليس فيه السوس، وليس بمكان يوجد فيه السوس، ولكن تلف بإرادة الله عز وجل وقدره، فأنت لا تضمن؛ لأنك لم تقصِّر ولم تتعد.
عدم سقوط شيء من الدين إذا هلك الرهن دون تعد أو تقصير قال رحمه الله: [ولا يسقط بهلاكه شيءٌ من دينه]. وهذه فائدة يد الأمانة: وهي أن الرهن إذا وضع عندك فهو أمانة، فإذا تلف فإنه يتلف على صاحبه، ولا يسقط من الدين شيء، فهذا الرهن إذا وضِع عندك ولم تتعدّ، وتلف بآفة سماوية، كثمرة بستان قيمتها ثلاثون ألفاً، والدين ثلاثون ألفاً، فلو أن هذه الثمرة التي في البستان جاءتها جائحة، وأتلفت هذه الثمرة، فإنك لا تضمن، ولا يسقط من دينك على صاحب البستان شيء، لكن لو أن قيمة الثمرة في البستان ثلاثون ألفاً، وتعاطيت أسباب التعدي، فمنعت العمال من السقي، أو قصَّرت في حفظه، فإن تعدّيت كأن تمنعهم من أن يسقوه، فأصبحت قيمة الثمرة عشرين ألفاً، فأنت تضمن ثلث القيمة، وتكون على دينك، فإذا كان دينك ثلاثين ألفاً فتسقط منه عشرة آلاف؛ لأنك تتحمل مسئولية التعدي حينما منعته من القيام بسقي البستان. هذا بالنسبة للتعدي. أما بالنسبة للتقصير فمثاله: أن يكون من عادة صاحب البستان أن يقفله، فأنت تركته مفتوحاً، فجاء السُرَّاق، وسرقوا من ثمرته بقدر خمسة آلاف ريال، فأنت تضمن هذه الخمسة آلاف؛ لأنك قصرت في الحفظ، ويدك يد أمانة، فينزل من الدين قدر خمسة آلاف. إذاً: إذا كانت يدك يد أمانة، فإنه لا يسقط من الدين شيء، وإن كانت يدك يد ضمان، فإنه يسقط من دينك على قدر ما حصل من التفريط في الرهن، حتى لو استغرق الرهن كله فإنه يسقط كله. فلو كان تقصير المرتهِن في حدود أربعين ألفاً، والدين أربعون ألفاً، فإنه يسقط ويصير رأساً برأس، ويخرج ولا شيء عليه.. هذا بالنسبة لمسألة يد الأمانة ويد الضمان. فلما كان المصنف رحمه الله يميل إلى القول: بأن المرتهِن لا يضمن إلا إذا فرّط أو تعدى، فمعنى ذلك أن يده يد أمانة كما ذكرنا، فإذا تلف كله أو بعضه فإنه على صاحبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (له غنمه وعليه غرمه)، فإن كان التلف بتعدٍ من المرتهِن ضمِن على قدر ما وقع من التلف، وأُسقِط من الدين على قدر ذلك الضمان.
تلف بعض الرهن لا يخرجه عن كونه رهناً قال رحمه الله: [وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدين] ذكرنا أن التلف ينقسم إلى قسمين: تلف يذهب المالية، وتلف لا يذهب المالية، فإن كان التلف يذهب المالية فحينئذٍ فسد الرهن، وفسد العقد؛ لأنه فات المقصود من الاستيثاق. ويقول العلماء: إن كان الرهن قد فسد فساداً كلياً، بحيث لا تبقى له مالية، كما لو قال: أعطني خمسمائة ريال ديناً، فقال له: أعطني رهناً، فقال: هذه الشاة رهن، أو هذا البعير رهن، فمات البعير أو ماتت الشاة، فحينئذٍ يفسد الرهن؛ لأن الرهن إنما شرعه الله عز وجل لكي تتوصل به إلى حقك إن امتنع المديون من سداد الدين، فإذا مات وذهبت المالية فقد فسد عقد الرهن. وفي هذه الحالة يكون لك الخيار. ومسألة البيع: إذا بعته بيتاً بعشرة آلاف ريال، وأعطاك رهناً قيمته عشرة آلاف ريال، وقال لك: سأسدد العشرة آلاف ريال بعد سنتين، وأعطاك الرهن الذي قيمته عشرة آلاف، ففسد الرهن وذهبت ماليته، فإن من حقك أن تطالبه برهن جديد مكان الرهن القديم، ومن حقك أن تقول له: أنا لا أريد أن أبيعك، وترجِع عن بيعك؛ لأن حقك في هذه الحالة سيذهب، والحقوق إنما تضمن بالاستيثاق، ويكون لك الخيار في هذا، ولذلك يقول العلماء: ذهاب المالية موجبٌ للخيار. فإن أقام مقامه رهناً يقوم بقدره وقيمته، فحينئذٍ لا إشكال، وإلا فله الخيار في الرجوع عن البيع. وقوله: (فباقيه رهنٌ بجميع الدين) مثل أن يقول لك: بعني أرضاً، فقلت له: هذه الأرض بمليون، فقال: اشتريتها، ولكن سأعطيك المليون بعد سنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهنك بستاني، فأعطاك البستان رهناً لهذا المليون، فتلف النخل الموجود في البستان، وكانت قيمة البستان قبل تلف النخيل مليوناً، ثم لما تلفت صارت قيمته نصف مليون، إذاً صار نصف قيمة البستان رهناً، فإن الباقي من المالية يبقى رهناً، ومن حق صاحب الدين أن يعامله معاملة الرهن، فإذا لم يسدد باع ذلك القدر، وأخذ ما فيه من المال، قلّ أو كثُر. إذاً: مراده رحمه الله: أنه إذا تلف بعضه وبقي بعضه فإنه يصير مرهوناً كله بالدين، أي: يبقى رهناً للدين. ...... عدم انفكاك الرهن مع بقاء بعض الدين قال رحمه الله: [ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين]. قوله: (ولا ينفك بعضه) هذه مسألة يسمونها: آثار الرهن، ومثالها: رجلٌ اشترى أرضاً بمليون، ورهن مزرعة بمليون، فلما جاء وقت السداد، سدّد نصف مليون، وبقي عليه نصف مليون، فقلنا له: هات ما تبقى عليك، فقال: ليس عندي وأنا معسر. فنقول: إن الرهن لا ينفك، ولو أنه سدّد نصف المليون قبل نهاية الأجل بشهر، وطالب بفك نصف الأرض فإنها لا تنفك، بل تبقى كل الأرض رهناً حتى تتم المدة، ويتم السداد على المتفق عليه، لا يظلم ولا يُظلم، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وهذا دين وفي ذمتك وحق واجب عليك، فحينئذٍ تؤديه على الوجه المعروف. فإن عجَزتَ عن السداد، فقد أخذت العهد على نفسك أن صاحب الدين يبيع الرهن ويأخذ حقه، فإذا سددت بعض الدين، لم يكن من حقك إخراج الوثيقة كاملة، ولا إخراج ما سُدِّد إلا في حالة واحدة، وهي: أن يكون الرهن متعدداً لديونٍ متعددة، فيقول -مثلاً-: عندي سيارتان، فأعطني عشرة آلاف ريال، خمسة آلاف آخذها اليوم، وخمسة آلاف آخذها غداً، والخمسة آلاف الأولى رهنها هذه السيارة، والخمسة الثانية رهنها هذه السيارة، فأصبحت الخمسة الأولى لها رهن مختص، والثانية لها رهن مختص، فإن سدد الخمسة آلاف كان من حقه أن يفك الرهن عن الأولى، لكن إذا كان المبلغ مع بعضه، والرهن مستوثَق للدين كله، فلا ينفك بسداد بعضه. وعلى هذا يُفصّل في الديون: فإذا كان الرهن مجزأ عليه بتجزئته، كان الاستيثاق للحق كلٌّ بحسبه. مثاله: أن يقول: أعطني مليوناً وأرهنك هذه الأرض على مائتين وخمسين ألفاً، وأرهنك المزرعة التي في المدينة على مائتين وخمسين ألفاً الثانية، والخمسمائة الباقية أرهن بها العمارة التي في جدة، فحينئذٍ هذه رهون متعددة لديون مفصَّلة، فإن سدد المائتين والخمسين الأولى؛ كان من حقه أن يفك الرهن عن الأرض الأولى، وإن سدّد المائتين والخمسين الثانية؛ كان من حقه أن يفك رهن المزرعة، وإن عجز عن الخمسمائة الباقية بقيت العمارة الأخيرة هي الرهن فقط. إذاً: ينفك الرهن إذا كان مجزأً على الدين، أما إذا كان كلاً رأساً برأس، فلا ينفك إلا به كله، فلو بقي منه ولو ريال واحد، فلا يمكن أن يُفك إلا بسداد الدين كاملاً. وهذا من عدل الله عز وجل بين عباده، فإن مقاطع الحقوق عند الشروط، وكأنه حينما وضع الرهن اشترط على نفسه أنه إذا لم يسدد فإنه يُباع الرهن ويسدد الحق، قليلاً كان الباقي أو كثيراً. ...... جواز الزيادة في الرهن مع عدم جوازها في الدين قال رحمه الله: [وتجوز الزيادة فيه دون دينه]. قوله: (وتجوز الزيادة فيه) أي: تجوز الزيادة في الرهن. وهنا مسألتان: المسألة الأولى: لو وضعت رهناً عند شخص لقاء دين، فهل يجوز أن تزيد رهناً ثانياً في نفس الدين؟ مثلاً: الدين، فأعطيته رهناً أرضاً، ثم جئت فقلت: يا فلان! أنا رهنتك أرضي، وأريد أن أعطيك رهناً مع الأرض هذه السيارة، أو أعطيك مع هذه الأرض أرضاً ثانية، فحينئذٍ تُسمَّى هذه المسألة: مسألة الزيادة على الرهن، ويكون الذي يزيد رهناً ثانياً هو المديون، وهذا غالباً ما يصنعه الإنسان الذي عنده ورع وخوف من الله سبحانه وتعالى، أو إنسان يقدِّر حقوق الناس؛ لأن المفروض على المديون أنه إذا رأى غيره تسامح معه ويسَّر له حاجته أن يحتاط لحقه، ومن كان عنده ورع وخوف من الله عز وجل، فإنه يخاف من الدين، فيخشى أنه لو بقيت عنده هذه الأرض فلربما باعها لمصلحة نفسه، ولربما ماطل، أو تأخر سداده، فيحتاط، أو يخشى أن يموت، فيتساهل أولاده وورثته في سداد الحقوق التي عليه، فيرهن بكامل الحق حتى يستوثق للناس بحقوقهم، فأضاف إلى الأرض أرضاً ثانية، أو أضاف إلى السيارة سيارة ثانية، وسواءً كانت الزيادة من جنس الرهن الأول ونوعه، كأرض مع أرض، أو كانت مختلفة، كأن تكون عقاراً ومنقولاً، كأن يقول له: أرهنك أرضي لقاء المليون، ثم جاء في اليوم الثاني وقال: أُضيف إلى ذلك الرهن سيارةً، فقد أضاف إلى العقار منقولاً. إذاً: الرهن الأول من العقارات، والرهن الثاني من المنقولات، فكله جائز. وشدد في هذا بعض العلماء وقالوا: الرهن لا يُزاد فيه، والحق مستوثق بالرهن الأول، وهذا قول زفر بن الهذيل ، وهو إمام مجتهد رحمة الله عليه، وقد كان من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة المجتهدين، وكان يرى أنك إن أدخلت الرهن الثاني دخل الشيوع، والشيوع عند الفقهاء يُبطل العقد الأول. مثاله: إذا تم العقد الأول على رهن مثلاً بثمانمائة ألف، فقد صار الرهن الأول مستوثقاً بثمانمائة ألف، فلو أَدخل الرهن الثاني أبطل الرهن الأول؛ لأنه دخل في الشيوع، قال: وحينئذٍ لا يصح أن يزيد على الرهن الأول؛ لأن الحق مستوثق به، وقد رضي صاحب الحق بهذا الرهن، فلا تجوز الزيادة. والصحيح هو مذهب الجمهور؛ لأن الزيادة الطارئة كالزيادة المبتدئة؛ لأنه كما اتفق العلماء أنه يجوز أن ترهن بأكثر من الدين، كما لو أعطاك ديناً مليوناً، فيجوز أن ترهن أرضاً قيمتها أكثر من مليون؛ فإذا كان يجوز ابتداءً جاز؛ لأن هذا بالتراضي، وما دام أنه رضي أن يُدخِل الرهن الثاني على الرهن الأول، فهذا له ولا بأس بذلك. وقوله: (دون دينه) أي: لا يجوز أن يزيد في الدين. وتوضيح ذلك: لو باعك رجلٌ أرضاً بمليون على أن تدفع القيمة بعد سنة، فقال لك: أعطني رهناً، فقلت له: أعطيك عمارتي التي في المدينة الفلانية في الموضع الفلاني رهناً لقاء هذا المليون الذي اشتريتُ به الأرض، فلو أراد أن يستدين منه أو يشتري منه سلعة ثانية، وأراد أن يجعل العمارة التي رهنها أولاً رهناً لهذا الدين أو الشراء الثاني، كأن يقول: بعني أرضك الثانية، فقال البائع: الأرض الثانية قيمتها مائة ألف، فقال له: لقد رهنتك العمارة وقيمتها مليون ومائة ألف، فأدخل هذه الزيادة من المال على الدين الأول، ويصبح الدين الأول (المليون) مليوناً ومائة ألف، لقاء هذه العمارة التي قيمتها مليون ومائة ألف، أو قيمتها مليون ومائتا ألف مثلاً، فقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه إذا تم العقد بالرهن وقُبِض، فمعنى ذلك: أن الرهن قد حُبِس على الدين الأول، وصار مستَحَقاً ومستَوثَقَاً به الدين الأول، ولا يقبل حينئذٍ أن يُصرف إلى الدين الثاني، بخلاف الصورة الأولى، وهي إدخال الرهنين، فإنها ليست كإدخال دين على الرهن، ولو فُتِح هذا لاستضر الناس، وصار هذا وسيلة إلى الأذية والإضرار. ومن الأمور التي تقوِّي هذا القول: أنه لو رهنَه عمارةً قيمتها مليوناً، وجاء ليزيد في الدين، فربما نقصت قيمة العمارة، خاصة إذا كان الرهن من العقارات، وكل شيء له قيمة فلا بد أن تتفاوت قيمه، والغالب أنه مع مضي الزمن ينقص لا أن يزيد، فهذا النقصان الأولى أن لا نُدخله على الدين؛ لأن هذا يُدخِل الضرر على صاحب الدين. وأياً ما كان الأصل في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، أن هذا الرهن مستَحَق بالدَّين الأول. وهذا كله إذا امتنع، أما لو رضي صاحب الدين، وقال: أُلغِي الرهن الأول وأعطيك إياه، ثم تُدخِله رهناً بالدينين؛ صحّ ذلك وجاز. فقد فك الرهن الأول، وردّه إلى صاحبه ومالكه الأول الذي هو المدين، ثم عاد ثانية وقال: هذه العمارة لقاء الدينين، فإنه يجوز، وهذا ما يسمى: بالحيلة الشرعية. وبهذا يمكن أن تدخل العمارة باليد الثانية، أي: بعقد ثانٍ غير العقد الأول، وتكون رهناً لقاء المليون والمائة ألفٍ، ولا بأس بذلك. ...... الرهن المشترك وصوره قال رحمه الله: [وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما، أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما؛ انفك في نصيبه]. قوله: (وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفّى أحدهما). هذا هو الرهن المشترك، مثاله: أخذتَ من رجل خمسمائة ريال، وأخذت من آخر خمسمائة ريال، وقلت لهما: الألف التي لكما لقاء هذه الدابة، أو رهنت أرضاً، أو رهنت سيارة، فالرهن لقاء دينين، فلو أن هذه السيارة قيمتها مثلاً ألف ريال، والدين ألف ريال، فجئت إلى عبد الله الذي هو صاحب الدين الأول. فسددته قبل انتهاء الأجل، فإذا وقع السداد لحق عبد الله انفك الرهن في نصيبه، وبقي النصف الثاني في نصيب الآخر مرهوناً. والرهن إذا كان للطرفين، فلا يجوز أن يكون عند أحدهما دون الآخر. ومسألة الشيوع في الرهن: إذا أعطيت رهناً واحداً في دينين لشخصين، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالرهن دون الآخر؛ لأنه مشترك للحقين، وحينئذٍ يحفظانه عند عدل، أو يرضى أحدهما أن يكون الرهن عند الآخر. وقوله: (أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه). مثاله: شخصان يملكان سيارة، واستدانا منك عشرة آلاف ريال، ووضعا السيارة التي قيمتها عشرة آلاف ريال عندك، فحينئذٍ إذا سدّد أحدهما خمسة آلاف ريال، فإنه ينفك الرهن في نصيبه، ويبقى الرهن في النصيب الباقي. ...... حكم بيع الرهن عند حلول الأجل حال الإذن والامتناع قال رحمه الله: [ومتى حل الدين وامتنع من وفائه، فإن كان الراهن أذن للمرتهِن أو العدل في بيعه باعه ووفّى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن]. قوله: (ومتى حل الدين وامتنع من وفائه). أي: حل الأجل، بمعنى: أن يأتي الوقت الذي تعهّد المديون بسداد الدين فيه، أو تعهّد المشتري بدفع قيمة الشيء الذي اشتراه، فإذا حلّ الأجل، فنقول له: ادفع المال؛ لأنه التزم في ذمته بالعقد بينه وبين صاحب المبيع أن يدفع له القيمة عند حلول الأجل، فلنا الحق إذا انتهى الأجل أن نطالبه بالسداد، فإن قال: ما عندي، أو أنا معسر، فحينئذٍ يجوز للمرتَهَن أن يطالب الراهن ببيع الرهن. وهذا مبني على العقد؛ لأن عندنا عقدين: العقد الأول: عقد البيع الذي فيه أساس الدين، أو عقد القرض الذي بينهما، فهذا اشترى منه أرضاً -كما ذكرنا- بمليون على أن يسدده في نهاية السنة القادمة، فإذا انتهت السنة القادمة، قلنا له: سدِّد، فإذا قال: لا أستطيع، أو قال: هذه نصف القيمة ولا أستطيع أن أسدِّد الباقي -وينبغي أن يُعلم إن كان صاحب الدين سمحاً رضيّاً، فقال له: رضيت أن أنتظر شهراً أو شهرين، وأعطاه مهلة، فهذا الأمر بالتراضي، ونحن لا نتكلّم فيه، إنما نتكلم عن الحقوق المطالب بها- فإذا تم الأجل ولم يؤد الدين كما وعد، فننتقل إلى عقد الرهن، في هذه الحالة يصير الرهن كأنه وثيقة، يقول العلماء: إنه استيثاق، أي: استوثق صاحب الدين لدينه بالعين، فالعمارة التي رهنها عندك وثيقة لقاء هذا الدين، بمعنى أنه إذا عجز عن السداد تبيعها وتتحصَّل مالك عليه، سواءً كل الدين أو بعض الدين. أما إذا كان هناك عدل الذي هو الطرف الثالث، والعدل: شخص ينصِّبه صاحب الدين والمديون، كأن يقول مثلاً: أعطني مليوناً، فيقول: أعطيكها لكن بشرط أن تعطيني رهناً، فقال: أرهن عندك عمارتي، ولكن أريد أن تكون عند زيد، فقال صاحب الدين: وأنا أرضى زيداً. إذاً: عندنا قرض: وهو المليون على الشخص المديون، وعندنا رهن: وهو العمارة عند زيد، فزيد هذا يُسمَّى: العدل، والعدل: هو الشخص المرضي، فيقولون: عدل؛ لأنه مَرضِي من الطرفين -حتى ولو لم يكن من العدول- من صاحب الدين ومن المديون، فلمّا رضيا زيداً ووُضِعت العمارة عند زيد، فجاء الأجل وهو نهاية السنة، فنقول: يا فلان! سدِّد، فقال: لا أستطيع، فهناك عدة أحوال: الحالة الأولى: أن يقول صاحب العمارة لزيد: خذ عمارتي رهناً في دين عبد الله الذي عليّ، فإن لم أُسدِّد في الوقت فبِعها وأعطه حقّه، فهذا يُسمى: إذن الراهن، فإن أذن الراهن للعدل أن يبيع فيقوم العدل مباشرةً عند ثبوت العجز ببيع العمارة، وسداد الدين كلِّه أو ما تبقّى من الدين، وهذا إذا كان العدل قد أذن له الراهن، لكن لو لم يأذن الراهن وامتنع من السداد، فبعض العلماء يقول: من حق صاحب الدين أن يرفعه إلى القاضي، ويطالبه إما بالسداد، وإما أن القاضي يأمر العدل أن يبيع. وقال جمهور العلماء: لا يؤذيه ولا يضره، وإنما يستدعيه القاضي، ويقول له: أده حقّه، فإن قال: ما عندي، قال: إذاً تُباع العمارة عليك ويُسدَد الدين، فإن قال للقاضي: لا أرضى؛ فجمهور العلماء على أنه يُترك ويقضي القاضي بالبيع الجبري، والبيع الجبري: هو أن تباع العمارة بدون إذنه ورضاه؛ لأن الحق متعلِّق بها، والقضاة والحكام إنّما نُصِّبوا من أجل رد الحقوق للناس. فإذا كان هذا يظلم هذا، فهم يقومون بردع الظالم عن ظلمه؛ لأنه من الظلم أن يقول: لا أسدد ولا تُباع العمارة، فحينئذٍ يفرض القاضي على العدل أن يبيع، هذا هو قول الجمهور. القول الثاني: إذا طلبه القاضي وقال له: بِع، فقال: لن أبيع، فقال له: ائذن للمرتهِن أن يبيع الرهن، فقال: لا آذن، حينئذٍ يأخذه ويعزِّره، وله الحق أن يسجنه، وأن يمنع الناس عنه حتى يأذن بالبيع، أي: يفرض عليه ذلك بالقهر والقوة. ومذهب الجمهور أقوى، أنه إذا لم يأذن فعلى القاضي مباشرة أن يُصدر حكماً بالبيع الذي يُسمَّى: البيع الجبري، وحينئذٍ تُباع السلعة؛ لأن هناك اتفاقاً مسبقاً، والحق متعلِّق بها، فتُباع كما تباع سلع المفلس، ومن حق القاضي أن يبيعها، وعلى هذا فكما ذكر المصنف رحمه الله يُباع الرهن ويُسدَّد به ما بقي من الدين، أو يسدد به كل الدين إن لم يكن دفع منه شيئاً. وقوله: (فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفّى الدين)، أي: إذا قال الراهن: يا محمد! إذا جاء أول محرم ولم أسدِّدك فالعمارة بين يديك بعها وخذ حقّك، وإن بقي عليَّ شيء أكمِّله، وإن لم يبق شيء فالحمد لله حقُّك وصل إليك، وإن زاد شيء فردَّه إليَّ. فهذا إذن مسبق، سواءً أَذِن عند عقد الرهن، أو أَذِن أثناء المدة، أو أذِن عند انتهاء الأجل، فإذا أَذِن فلا إشكال، سواءً أَذِن للمرتَهَن أو أذِنَ للعدل، فالحكم واحد. وقوله: (وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن)، يعني: على القاضي أن يجبر المديون على وفائه، ويقول له: سدِّد، فإن لم يسدد، فحينئذٍ يقوم ببيعه بالبيع الجبري كما ذكرنا. ...... جواز بيع الحاكم للرهن عن امتناع الراهن عند التسديد والبيع قال رحمه الله: [فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفَّى دينه]. أي: باعه الحاكم بيعاً جبرياً، وهذا النوع من البيع هو الذي يقول العلماء: يجوز مع فقد شرط التراضي؛ لأن الله يقول: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، والبيع لا يصح إلا بالرضا، لكن في هذه الحالة رضا المالك وعدمه على حدٍ سواء؛ لأنه متعلِّق به حقٌ للغير، فحينئذٍ يُستوفى هذا الحق؛ لأن هناك شرطاً وعقداً بينهما، ولا بد من إبراء ذمَّته على هذا الوجه.
الأسئلة ...... حكم الانتفاع بالرهن السؤال: إذا انتفع المرتهِن بالرهن، ألا يشكل عليه بأنه قرضٌ جرّ نفعاً أثابكم الله؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإنه ينقسم الحق إلى قسمين: فإما أن يكون الرهن لقاء حق بالقروض، فحينئذٍ يُعتبر قرضاً جر نفعاً، وعلى هذا كره الإمام أحمد رحمه الله رهن الدور، واعتبره من الربا المحض، خاصة إذا اشترط عليه أن ينتفع به فإنه يعتبر قرضاً جر نفعاً. وإما أن ينتفع بالرهن لقاء القيام عليه، كما في الدواب التي تُحلب وتُركب، فهذا وردت السنة باستثنائه، قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الرهن يُركب بنفقته، ولبن الدر يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا يدل دلالة واضحة على أنه يجوز، وذلك مثل الناقة تحتاج إلى علَف، فتعلِفها ثم تأخذ بقدر ما علفت، فلو كان العلف قيمته مثلاً ثلاثين، تأخذ من حليبها وتركب عليها بقيمة الثلاثين، ولا تزيد على هذا، وهذا عين العدل؛ لأنه قديماً حينما كانت الدواب تُركَب وتُحلب، من الصعب أنك إذا وضعتها رهناً أن تأتي من مكان بعيد من أجل أن تضع العلف لها وتحلبها، فيسَّر الله عز وجل وجعل الرهن هذا يُحلب ويُركب بالنفقة التي يدفعها المرتَهن عليه، أما ما عدا ذلك فلا يجوز. ومن هنا أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز للمرتهِن أن ينتفع بالرهن بدون إذن من ارتهنه إلا إذا كان بعِوض، كأن يقول له: هذه الدار أجعلُها رهناً عندك، فقال له: أريد أن أسكنها، فبكم تؤجرني إياها؟ قال: بكذا وكذا، فأجّرها، فإن استأجرها انتقلت وخرجت عن يد الرهن إلى الإجارة، وهذا إن شاء الله سنفصل أحكامه في الفصل الثاني في مسألة منافع الرهن، سواءً كانت بعوض أو كانت بغير عوض، وسواءً كانت المرهون من جنس ما يُحلب ويركب، أو يركب ولا يُحلب، أو يحلب ولا يركب، أو لا يُركب ولا يُحلب كالدور ونحوها، هذا كله -إن شاء الله- سيكون الكلام عليه في المجلس القادم، نسأل الله التيسير. والله تعالى أعلم.
حكم التصرف في الأمانات السؤال: مَن وُضِعت عنده أمانة فتعدّى، هل يأثم بذلك مع العلم بأنه قادر على أن ينقد المبلغ إذا طالب به صاحبه أثابكم الله؟ الجواب: الأمانة أمرُها عظيم، وخطبها جسيم، يفر منها الصالحون، ولا يحفظها إلا الأخيار المتّقون، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (فإذا ضُرِب الصراط على متن جهنم قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط). فقد يمكن أن يُكردس العبد في نار جهنم بأمانة خانها، أو برحمٍ قطعها، ولذلك بعض العلماء لما قرأ هذا الحديث قال: أخاف على المسلم من خيانة الأمانات وقطع الأرحام، ويقول: ما أظنه ينجو من الصراط؛ لأنه قال: (قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصراط، وإنها تتمثل لصاحبها يوم القيامة، فإذا جاء يأخذها هوت به في نار جهنم، فلا يزال يطلبها على قدر ما ضيّع من حقوقها)، فالأمانة أمرُها عظيم، فإذا اؤتُمِنت على شيءٍ فانظر رحمك الله! إن قدرت على أن تحفظه وتقوم عليه وتصونه فالحمد لله، وأنت مأجورٌ غير مأزور، خاصة إذا كان أخوك محتاجاً إلى حفظك ورعايتك، تفرِّج كربته، وتُحسن إليه، والله يثيبك على هذا، أما إذا علمت أن نفسك ضعيفة، فإياك إياك! خاصة في الأمانات التي تكون للضعفاء والفقراء، مثل: أموال الزكوات، والتبرعات، فإن هذه أمرها عظيم؛ لأنهم سيكونون خصومك بين يدي الله عز وجل، في توزيعها والقيام عليها، فلا تتقحّم هذا الشيء إلا وأنت متمكِّن من أداء الحق على وجهه، فكما أن في هذا العمل الثواب العظيم والأجر الكبير، ففي التفريط فيه الإثم الكبير. والإنسان الذي يحتاط لدينه إذا جاء لأمانة في الزكوات فيكتب أسماء المستحقين، ويأتي إلى المزكي ويقول: عندي ثلاث أسر.. أربع أسر.. خمس أسر؛ لأنه سيتحمل بين يدي الله عز وجل في عدم صرفها، كأن يُبقيها عنده، فربما تأخر في صرفها وجاءت دواخل النفس، وليس هناك فتنة مثل المال والنساء، فهاتان الفتنتان من أعظم الفتن. فإذا اؤتمِنت على المال، فليكن على قدر ما تستطيع، فالنفس أمارة بالسوء، فلا تتحمل أمانة أحد من الأموال؛ لأن النفس ضعيفة، وعلى هذا ينبغي للمسلم أن لا يدخل نفسه في مقام الأمانات إلا إذا وثِق من نفسه، فإذا وضع شخص عندك أمانة كالمال مثلاً، فعليك أن تقول له -إن كنت محتاجاً-: أنا أحتاج هذا المال، ولا أريد أن أخون، ولا أريد أن أضيِّع، ولا أريد أن أبدِّل أمانتي، إنما أريد أن أكون من أهل الجنة، وممن غفر الله لهم، فكانوا لأماناتهم حافظين، فإن قال: قد أذنت لك أن تتصرّف فيها، فلا بأس، أما إذا قال لك: لا آذن، فحينئذٍ تحفظها يرحمك الله! أو تردّها إليه. وعلى هذا فلا يجوز التصرُّف في الأمانات إلا بإذن أهلها، والله تعالى أعلم.
جواز الإقالة في البيع للبائع والمشتري السؤال: هل للبائع بعد بيع السلعة أن يتراجع ويطلب من المشتري أن يقيله، أم أن الإقالة خاصة بالمشتري أثابكم الله؟ الجواب: يجوز ذلك للبائع وللمشتري، إذا ندِم وطلَب الإقالة فإنه يجوز له أن يستقيل، ومن أقال نادماً فله من الله الثواب، وحسن العاقبة والمآب، فمن فرّج عن مسلمٍ كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، وشتان بين كربة الدنيا وكربة الآخرة، فإذا جاءك أخوك وقال لك: قد بعتك، ولكني نادم على هذا البيع، فقد يستضر في أهله، وقد يستضر في عِرضه، فبدل أن يكون ساكناً في عمارته فيذهب ويستأجر، فيخاف على عِرضه، ويخاف على أهله، فهذه كربة عظيمة، خاصة وأن بعض البيوعات تتعلق بها مصالح عظيمة للناس، فإذا جاءك البائع نادماً، فإن أقلته فإن الله عز وجل يثيبك على هذا، وهو من تفريج الكربة، وقدِّم آخرتك على دنياك، فإن الشيطان حريص، فقد يقول لك: هذه العمارة وهذا الثمن والربح الكثير كيف تفرِّط فيها؟! وقد يأتيك من شياطين الإنس من يسوِّل لك، كأن يقول: إنه من الخطأ أن تغفر له أو تعفو عنه، وآخر يقول لك: هذا يتلاعب بك، وثالث يقول لك: أنت ضعيف، وآخر يقول لك: أنت تضيع حقك، أنت تضيع الربح.. أنت كذا.. أنت كذا، ومنهم من يقول لك: إن استمريت على هذا فلن تربح في تجارة.. وهكذا، ويخذلك شياطين الإنس والجن، ولكن قل: لا، واستعن بالله، فلعل في هذه العمارة بلاءً يصرفه الله عنك بتفريج كربة أخيك المسلم. فلا أحد يعلم العواقب في الأمور، وقل أن يأتيك مسلم في كربة إلا وادّخر الله لك من وراء تفريجها خيراً كثيراً، وهذا ضعه أمامك كالأمر اليقيني، أنك لن ترحم مسلماً إلا رحمك الله، ولن تُقدِم على أمر فيه خيرٌ لإخوانك، وتضحِّي وتؤثره على نفسك إلا جعل الله لك العاقبة كأحسن ما تظن، وفوق ما تظن، وهذا أمر مجرّب، ونشهد لله أنه أوفى ما يكون لعهده، فإن الله قد وعد من رحِم أن يُرحم، فأنت عندما تأتي وترحمه في المال، قد تقع في مثل ما وقع فيه، وإذا لم تُقَل فيها ربما أُصِبْت بمرض في نفسك، وربما أُصِبت بنكبة في أهلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يلطف بك ويرحمك كما رحمت أخاك المسلم. فعلى المسلم أن يحسن إلى إخوانه، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وبالمناسبة، في ذات مرة حدثني رجل كبير السن: أنه مرّ على غلام يُجر في السوق -وهذا قبل ثمانين سنة تقريباً، وقد توفي الرجل رحمه الله، وحدثني في آخر عمره وهو في الثمانينات- قال: فسألت الذي يجره: ما به؟ فقال: هذا رجل عليه دين يقدر بريال، والغلام قريب من البلوغ، قال: فأخرجت من جيبي ريالاً ودفعته إليه، واحتسبته عند الله، فصاح هذا الغلام: ما اسمك؟ قال: فقلت له: فلان، ولا أظن أني في يوم من الأيام سأحتاج إليه، قال: فمرت الأيام، وشاء الله أن خرج في تجارته عن طريق بلد، ثم اعتُدي على تجارته، وهو معها وفي ركبها، ثم أراد الله عز وجل أنه يهيم على وجهه في البر في ليلة شديدة البرد، -يحدثني بلسانه- يقول: فكنت في ليلة شديدة البرد، فأصبحت أخاف حتى على نفسي من شدة ما أجد من البرد، فإذا أنا بنار، قال: فلما قربت منها ولفحني الضوء، إذا بصائح يقول: عمي أحمد! فلما ذكرت له نكبتي، أحسن إليَّ، وقام معي وأكرمني، ورعى شئوني وتجارتي وحفظها، وردني إلى المدينة سالماً غانماً، ثم قال لي: هل تذكرني؟ فقلت: والله ما أذكرك، فقال: أنا الغلام الذي دفعت عني الريال يوم كذا وكذا. إذاً: فأنت لن تفرج كربة أحد إلا سخر الله لك من يفرج كربتك، أو جعل لك عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فيحتسب المؤمن، فإذا جاءك البائع نادماً على بيعه، أو المشتري نادماً على شرائه، فقدِّم آخرتك، والله يبتلي أهل الأموال والتجارات بمثل هذه المواقف، والله تعالى ما خلقنا إلا للاختبار وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]. فكيف يُعرَف الصادق من الكاذب؟! وكيف يُعرف الرحيم من غير الرحيم؟! إلا بمثل هذه المواقف، فإذا جاءك أخوك نادماً عن كلمة قالها فيك، أو تصرُّف أساء إليك، فقل: غفر الله لي ولك. فمثل هذه المواقف الطيبة، ومثل هذه المعاملة الحسنة، وكما أحسنت إلى الناس، فإن الله عز وجل يحسن إليك، والله تعالى يقول: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب الرهن [4] يجوز للراهن والمرتهن أن يتفقا على أن يجعلا الرهن عند أحدهما، ولهما أن يتفقا على أن يجعلاه عند عدل يرضيانه، وهذا العدل عليه أن يحفظ الرهن إلى أن يحل أجل تسديد الدين، وله عند حلول الأجل وعجز الراهن عن تسديد الدين أن يبيع الرهن، بشرط أن يأذنا له، وعلى العدل أن يحتاط لنفسه وللراهن عند تسليم الدين، بأن يكتب أو يشهد، فإن فرط فإنه يتحمل المسئولية، وللراهن الحق في مطالبته بالثمن. اتفاق الراهن والمرتهن على عدل يأخذ الرهن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ: ويكون عند من اتفقا عليه]. قوله: (ويكون) أي: الرهن (عند مَن اتفقا عليه) أي: يجوز أن يكون الرهن عند المرتهن، ويجوز أن يكون عند شخص ثالث يتفقان عليه؛ لقوله: (عند مَن اتفقا عليه)، وعلى هذا لو قال المديون: نعطيه زيداً، فقال الدائن: لا؛ فإنه لا يلزم، ولو قال الآخر: نعطيه عمراً، فقال الطرف الثاني: لا؛ فإنه لا يلزم، فحينئذٍ لا بد أن يكون الشخص الثالث مرضياً عنه من الطرفين، وهذا الذي يُسمَّى: العدل. فإذا ثبت أن الرهن يكون عند العدل الذي اتفقا عليه، وقام الراهن وأعطى زيداً العمارة رهناً، على أساس أن زيداً عدل من الطرفين، ثم قال الراهن أو المرتهن: عزلتُك. وذلك قبل سداد الدين، فهل من حقه -أي: الراهن أو المرتهن- أن يعزل هذا الطرف الثالث قبل مضي المدة؟ للعلماء وجهان: فمن أهل العلم من قال: من حقه أن يعزله، ولا شيء في ذلك إذا عزله، لكن يكون الخيار لصاحب الدين، فله أن يُطالب بالرهن بديلاً عن العدل، وله أن يفسخ العقد؛ لأنه لو فُتِح هذا الباب لتلاعب الناس بحقوق الرهن، فإنه يرهن عند عدل، ثم يعزله ويسحب الرهن منه، فقالوا -استيثاقاً للحقوق-: يكون الخيار دفعاً لهذا، وهذا قول جمهور العلماء. وقال بعض أصحاب الإمام مالك رحمه الله: إنه ليس من حقه العزل إلا برضا الطرف الثاني، وهذا المذهب -وهو مذهب المالكية رحمهم الله- أحوط، وقالوا: ما دام الطرفان تراضيا، فإنه ليس من حق أحدهما عزله دون الآخر؛ لأن إثباته جاء من الطرفين، فنقض هذا الإثبات لا بد أن يرضيا بعزله، وفي بعض الأحيان يتفقان على عزله، خاصة إذا بدرت منه أمور تدعو إلى الريبة، هذه حالة. الحالة الثانية: أن يموت هذا الطرف الثالث وهو العدل، فلو مات قبل السداد، فما الحكم؟ قالوا: ينفسخ التوكيل ويقيمان من يرضيانه بدلاً عنه، فإذا رضيا شخصاً بدلاً عنه أقاماه مقام هذا العدل. ...... إذن الراهن والمرتهن للعدل بالبيع بنقد البلد قال رحمه الله: [وإن أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد]. هذه هي أحكام العدل، فقوله: (وإن أذنا له بالبيع) أي: إذا أذن الطرفان للعدل ببيع الرهن عند مضي المدة، فليس له أن يبيع إلا بنقد البلد الذي هو فيه، فإذا كان رهنه أرضاً في مكة، فإذا باع يبيع بنقد البلد، ويبيع بالقيمة في نفس المكان، فلو كانت القيمة متفاوتة في بلدٍ آخر لم يكن له أن يتكلَّف ذلك، إنما يبيعها بنقد البلد، ويكون العدل المرضي بين الطرفين وكيلاً عنهما في البيع، فلو كان نقد البلد من الذهب باعها بالذهب، ولو كان نقد البلد من الفضة باعها بالفضة. فلو باع بغير نقد البلد، فإنه ليس من حقه أن يبيع باختياره هكذا، إنما يبيع في حدود معيَّنة؛ لأنه وكيل، والوكيل لا يتصرف إلا في حدود ما أُذِن له، وإذا أُذِن له بالبيع، فإن العرف أن يبيع بنقد البلد الموجود؛ لأن البيع يكون بالنقد ويكون بغير النقد، والنقود والأثمان كالذهب والفضة، ويكون بغيرها الذي هو بيع المقايضة، فلو باع بشيء فيه ضرر فإنه لا يجوز، كأن يبيع العمارة بعمارة أخرى، أو يبيع العمارة بطعام، إنما عليه أن يبيع بالنقد، ويكون النقد نقد البلد؛ لأن نقد غير البلد يتكلَّف في صرفه، ويكون فيه مخاطرة، فربما نقصت القيمة، أو زادت بسبب الصرف. وعلى هذا فلا يبيع إلا بنقد البلد.
حكم تلف ثمن الرهن في يد العدل قال رحمه الله: [وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن] قوله: (وإن قبض الثمن)، لو أن هذا العدل باع العمارة (بمليون)، وبعد قبض هذا (المليون)، تلِف في يده قبل أن يعطيه صاحب الدين، فما الحكم؟ قالوا: التلف على ضمان الراهن؛ لأنه وكيلٌ عنه، ولا تبرأ ذمة المديون إلا بعد أن يؤدي الوكيل الأمانة إلى ما اؤتمِن له، فهو في هذه الحالة كأنه راهن. وقد أثبتنا أن الرهن في ضمان الراهن؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثبت هذا فقال: (لا يغلق الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه)، ففي هذه الحالة إذا استدان مني (مليوناً) فلا تبرأ ذمّته من هذا المليون، حتى يأتي الوكيل العدل ويسلم لي المبلغ، لكن لو قلتُ له أنا: بِعها واقبض عني، فقد صار وكيلاً عن الطرفين، وكيلاً عن الراهن وعن المرتهن؛ لأنه في بعض الأحيان تكون اليدان يداً واحدة، مثل وليّ اليتيم، فلو كان عندك يتيم له بيت، ورأيت من المصلحة أن تبيع هذا البيت، وأنت ترغب في هذا البيت فاشتريته بقيمته لنفسك، فأنت بائعٌ من وجه ومشترٍ من وجه، وهنا يدان: يد بيع، ويد شراء، فيدك ببيعه يد بيع على ملك اليتيم، ويد شراء على ملكِك، فالوكيل يكون وكيلاً عن الأول ووكيلاً عن الثاني، هذا في قول بعض العلماء رحمهم الله.
آثار الرهن المترتبة عليه من عادة العلماء رحمهم الله -وهذه ميزة من مميزات الفقه الإسلامي- أنّه لا يُعطي الحكم فقط، وإنما يعطي الحكم والآثار المترتبة عليه، ففي بعض الأحيان إذا نصَّبنا العدل من أجل أن يبيع ثم يسدد، قد يحصل جحود وإنكار، كأن يقول العدل: قد سددتُه، ويقول صاحب الدين: لم يسددني، أو يقول العدل: أعطيته المبلغ كاملاً، ويقول صاحب الدين: بل أعطاني ناقصاً. فهذه تسمى: من مسائل آثار الرهن، وهذه هي مسألة المدَّعِي والمدَّعَى عليه، وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأنها في القضاء والخصومات وفصل النزاعات. من المدّعِي الذي يكون القول خلافه، ويُطالَب بالبينة؟ ومن المدّعَى عليه الذي يكون القول قوله ولا يُطالَب بالبينة، ولكن يطالب باليمين عند الإنكار؟ فعندنا مدعي وعندنا مدعَى عليه، والمدعَى عليه أقوى من المدعِي، فحينئذٍ لو أن شخصاً أعطى شخصاً عشرة آلاف ريال ديناً، ثم لما جاء الأجل قال المديون: لقد سدّدته وأعطيته العشرة آلاف، فمعناه أنه يدّعي، وقال الذي له الدين: ما أعطاني شيئاً، فهذا مدَّعَى عليه. إذاً: الذي يقول: فعلت كذا هو مدعي، والذي يقول: لم يفعل كذا، هو مدعَى عليه. فنقول: هذه العشرة آلاف، اليقين أنك مديون بها؛ لأن كليهما متفق على أن المديون أخذ العشرة آلاف، وهو معترف بذلك، فنحن متأكدون أنه قد أخذ العشرة آلاف، وأن ذمته مشغولة بعشرة آلاف. فلا بد من أجل إسقاط هذا الحق أن نتأكد أيضاً أنه سدد، فيكون صاحب العشرة آلاف مدّعَى عليه، والذي عليه الدين مدعي، وقد اختلف العلماء كيف نعرف المدّعِي والمدّعَى عليه؟ لأنه عندنا قوي وضعيف: فالقوي: هو المدّعَى عليه، والأصل براءة المتهم من التهمة حتى تثبت إدانته، وبراءته من شغل ذمته بالحقوق حتى يثبت ما يدل على شغلها، والضعيف: هو المدعي. فلو أن شخصاً جاء وقال: لي على فلان ألف ريال، فإننا لو صدّقناه لكان كل شخص يدّعي على الآخر، وهذا هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أناسٌ أموال قومٍ ودماءهم)، أي: لأصبح الأمر فوضى، فكل شخص يقول: لي على فلان كذا. إذاً: لا بد أن نعرف من المدّعِي والمدعَى عليه؟ قال بعض العلماء: المدعِي: هو الذي يقول: قد كان كذا وكذا، يعني يُثبِت، والمدّعَى عليه: هو الذي ينفي ما كان. فالمدّعَى عليه الذي يقول: ما أعطيتني، والمدّعِي الذي يقول: بل أعطيتك. وإذا قال شخص: أنت فعلت كذا، فأنت مسيءٌ وظالم، فقال: ما فعلت، فالمدعي هو الذي يقول: فعلت كذا. ولو قال شخص: فلانٌ كاذب، فقال: ما كذبت، فالمدعي هو الذي يقول: فلان كاذب، والذي يقول: ما كذبت، هو مدعَى عليه. إذاً: هذا أصل عند العلماء، قال الناظم: وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكن لمن عليـه يُدَّعَى وهذا هو الضابط الأول من الضوابط التي يُضبط به المدّعِي والمدّعَى عليه: (كان ولم يكن) كما ذكر الناظم. الضابط الثاني: يقولون: المدَّعي: هو الذي قوله يخالف العرف ويخالف الأصل، والمدّعَى عليه: هو الذي شهد العرف أو الأصل بتصديقه. مثال الأعراف: كانوا قديماً يختصمون في الدواب كالإبل، فيقول أحدهم: هذه ناقتي، ويقول الثاني: لا، بل هي ناقتي، فإذا كان أحدهما يركب في المقدِّمة والثاني في المؤخرة، فالعرف يشهد أن الذي في المقدِّمة صاحبها مدّعى عليه، وأن الذي في المؤخرة مدّعي. وكذلك البيت، فلو جاء شخص وقال: هذه العمارة ملكٌ لي، وقال الآخر: لا، بل هي ملكٌ لي، فحينئذٍ يكون الذي داخل العمارة مالكها، والذي يدّعِي من خارج، العرف يشهد أنه ليس بمالكٍ للعمارة. فنقول: الذي بالداخل: مدّعَى عليه، والذي بالخارج مدعي، وهذا يسمونه: شهادة العرف. الضابط الثالث: شهادة الأصل: فحينما يقذف -والعياذ بالله- رجلٌ رجلاً بأي شيء، فإن الأصل يقتضي سلامته، حتى يدل الدليل على إدانته. ولذلك تقول القاعدة: المتهم بريء ما لم تثبت إدانته، وهذا هو الأصل، فنحن لا نستطيع أن نتهم الناس، ولا أن نطعن في الناس، لا في عقائدهم، ولا في أخلاقهم، ولا في سلوكهم، ولا في تصرُّفاتهم؛ لأن من عرفناه من أهل الإسلام، فله علينا حق أن يسلم من ألسنتنا، وأن لا نتهمه ما لم يثبت الدليل. إذاً: الأصل أنه ليس فيه هذا الشيء، فلو جاء يتهمه بالزنا، أو يتهمه بشرب خمرٍ والعياذ بالله! أو يتهمه بكذب، أو يتهمه بأي سوء، فنقول لمن اتهم: أنت كاذب حتى تُثبت ما تقول؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ..)[الحجرات:6]، فسمّاه فاسقاً بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] أي: تثبَّتوا. إذاً: من يأتي بخلاف الأصل فيقول: فلان مجرم، الأصل أنه غير مجرم حتى يثبت أنه مجرم، وقوله: فلان يكذب، الأصل أنه ليس بكاذب حتى يثبت أنه كاذب. فهذا الذي يخالف الأصل مدعي، والذي يتفق مع الأصل مُدَّعى عليه. وهذه الضوابط الثلاثة جمعها بعض العلماء في قوله: تمييز حال المدّعِي والمدّعَى عليه جملة القضاء وقعـا فالمدّعِي من قوله مجـردْ من أصل أو عرف بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكـن لمـن عليــه يُّدَّعى وهذه الضوابط الثلاثة معمول بها عند العلماء رحمهم الله. فيذكرون في مسألة الرهن إذا تنازع الطرفان فقال أحدهما: سددتك، فقال الآخر: ما سددتني، أو قال: دفعت المال إليك، فقال: ما دفعت إليَّ شيئاً، فحينئذٍ لا بد أن نعرف من الذي يُقبل قوله، ومن الذي يُطالب بالدليل، ويكون المدعي من يشهد الأصل أو العرف بخلاف قوله، وهذا ما سنبينه في المجلس القادم بإذن الله تعالى.
تسليم الدين من العدل للمرتهن بدون بينة مع الإنكار قال رحمه الله: [وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة]. قد سبق وأن ذكرنا أن الراهن والمرتهن إذا اتفقا على وضع الرهن عند عدلٍ أو شخصٍ معينٍ، فإن هذا الشخص يقوم بحفظ الرهن، وحينئذٍ إذا انتهى الأجل بيّنا أنه يقوم ببيعه إذا أذنا له بالبيع. وفصّل المصنف رحمه الله في جملة من الأحكام التي تتعلق بالعدل. وبعد هذا يرد السؤال: لو أن هذا الرجل أُعطِي سيارةً مثلاً رهناً، وحضر الأجل، ولم يستطع من عليه الدين أن يُسدد الدين وهو الراهن، وقام العدل ببيع السيارة وقبض ثمنها، فلو فُرِض أنه باعها بعشرة آلاف، والدين عشرة آلاف ريال، فلمّا قبض هذا العدل العشرة آلاف ريال، ادّعَى أنه أعطاها لصاحب الدين وهو المرتهن، فإذا ادعَى أنه أعطاها للمرتهن، فلا يخلو الأمر من حالتين: الحالة الأولى: أن يقول المرتهن الذي له الدين: قبضتُ العشرة آلاف، وحينئذٍ فلا إشكال، فيصبح العدل كالوكيل إذا سدّد عن موكِّله، ويسقط الدين عن المدين، هذا إذا أقر صاحب الدين بأنه أخذ حقّه فلا إشكال. الحالة الثانية: أن يُنكر من له الدين ويقول: لم يعطني شيئاً، فإذا أنكر فحينئذٍ نسأل العدل: هل عندك بيّنة تثبت صدق دعواك أنك أعطيت لفلان حقه؟ وحينئذٍ فلا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: إما أن يقول: عندي بيّنة، ويقيم بيّنته على صدق قوله، فلا إشكال، فيُقيم شاهدين عدلين، أو رجلاً وامرأتين، أو أربع نسوة على أنه دفع الحق؛ لأنها حقوق مالية يجوز فيها شهادة النساء منفردة ومجتمعة مع الرجال. فإذا أثبت أنه قبض ثمن الرهن، وأنه أعطاه للمرتهن وأقبضه حقه، فلا إشكال، ويصبح العدل حينئذٍ قد برئت ذمته، والسبب في هذا: أنه قد احتاط لصاحب الحق في حقه، فأنت حينما كان عليك الدين وأعطيت الرهن لهذا الرجل لكي يقوم عليه، فإن الواجب عليه إذا سدد أن يحتاط عند السداد، فيأخذ مثلاً كتابة ويُشهد عليها، ويقول للمرتهن: هذه العشرة آلاف التي لك على فلان، اكتب لي بها سنداً أنك قبضتها، ويُقِيم شاهدين عدلين. وبالمناسبة: فإن الناس قد يتساهلون في الحقوق، وما ضاعت حقوقهم إلا بسبب التساهل في السنة، وترك ما وصَّى الله عز وجل به من الكتابة والاستيثاق، فإن الإنسان لا يأمن الأجل، وقد يموت الطرفان، أي: الشخصان المتعاقدان، وحينئذٍ تضيع حقوق الورثة، فمن السنة أن تكتب ما لك وما عليك. الحالة الثانية: المفروض على العدل أنه حينما يعطي صاحب الدين دينه، ويُسلِّمه المبلغ أن يحتاط؛ لأنه في هذه الحالة مؤتمن على حق مَنْ عليه الدين. فإذا تساهل في ذلك كأن أعطى المرتهن المال بدون شهادة، أو بدون بينة، فإنه حينئذٍ يتحمّل المسئولية. وصورة ذلك أو مثاله: اتفق الراهن والمُرتَهَن أن يكون الرهن عند محمد، وأنه إذا عجَز الراهن عن السداد فيقوم محمد ببيع الرهن وهو العمارة، والدين مثلاً مليون، فلما حضر الأجل ولم يسدد الراهن، وهو المديون، قام محمد ببيع العمارة وقبض قيمتها، والقيمة مثل الدين (مليون)، فجاء وأعطاها لصاحب الدين ولم يكتب ولم يُشهِد ولم يستوثق، ففي هذه الحالة سيقول: إني أعطيت صاحب الدين حقه، فلا يخلو من له الدين من حالتين: الحالة الأولى: أن يُقر، ويقول: نعم أعطاني، فإذا أقر من له الدين أنه قبض من محمد قيمة الرهن فلا إشكال، وثبت أن محمداً صادقٌ فيما يقول، وحينئذٍ تبرأ ذمته. الحالة الثانية: أن ينكر ويقول: لم يعطني محمد شيئاً، أو يموت صاحب الدين، وينكر ورثته أن محمداً أعطى مورثهم الدين الذي كان لأبيهم على الطرف الثاني، فإن أنكروا فحينئذٍ نقول لمحمد: يا محمد! هل أشهدت؟ فإذا قال: ما أشهدت.. هل استوثقت بكتابة؟ فقال: ما فعلت شيئاً، بل أعطيته الدين وكفى، فنقول: إنك قد قصّرت، وتتحمل عاقبة التقصير ومسئولية التقصير؛ إذ كان ينبغي عليك أن تحتاط لحق أخيك، فتتحمل المسئولية، فإن أنكر فإنه يُلزم بدفع الدين كاملاً. والسبب في هذا: أننا لو صدّقنا محمداً في ادعائه أنه سدّد صاحب الدين، لصار كل من نقيمه عدلاً يقول: بعت وأعطيت فلاناً، والأصل أن الدين ثابت، وأن ذمة المديون مشغولة بالدين، حتى نتأكد ونتحقق أن الحق وصل لصاحبه. فكونه يدعي ويقول: لقد أعطيته، هذا لا يكفي ما دام أن الذي له الحق أنكر، فالبينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر، وتصوَّر لو أن كل صاحب دين أنكر قبض المال والدين من العدل، لضاعت حقوق الناس، فنحن نقول لهذا العدل: أثبِت أنك أعطيته، فإن قال: ما عندي إثبات، فيحلف الذي له الدين أنه ما قَبَض، يحلِف يمين القضاء التي من حلفها فاجراً متعمداً لقي الله وهو عليه غضبان، نسأل الله السلامة والعافية! وهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، وهي من أشد أنواع اليمين، وتسمى: اليمين الفاجرة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍ لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك)، فلو كان عوداً تافهاً حقيراً لا قيمة له عند الناس، فإنه بهذه اليمين يكون شيئاً عظيماً، ويلقى الله وهو عليه غضبان، ومن يحلل عليه غضب الله فقد هوى في نار جهنم وبئس المصير، نسأل الله السلامة والعافية! ويقولون: قَلّ أن يحلفها إنسان متعمداً ويحول عليه الحول بخير. فالشاهد: أنه يحلف أنه ما قبض، فإن حلف أنه ما قبض، فعلى القاضي أن يحكم بأن الدين لا زال ثابتاً، وأنه يجب على العدل أن يدفع. لكن أنت الذي عليك الدين مُطالَب بالدين، والعدل قائمٌ مقامك على أساس أن يبيع الرهن ويسلِّم لصاحب الدين، فإذا ادَّعَى العدل السداد، ولكن أنكر صاحب الحق أن العدل سدد الدين الذي عليك، فيرد السؤال: هل يُطالِب صاحب الحق الوكيل أو يطالب الأصيل؟ والجواب: أنه يطالبُ الأصيل؛ لأن ذمة الأصيل مشغولة بحقه، والأصيل الذي عليه الدين -وهو الراهن- له أن يُطالب هذا الوكيل. وبناءً على ذلك يكون الترتيب كالتالي: لا نقبل دعوى هذا الوكيل والعدل أنه سدد ما لم يُقِم بيّنة، أو يعترف صاحب الدين، فإن لم يُقر صاحب الدين ولم يُقِم بيّنة، وأنكر صاحب الدين وحلف أنه ما قبض، فحينئذٍ يجب على القاضي أن يحكم بأن الدين لا زال ثابتاً. وإذا ثبت الدين فتكون عندنا قضيّتان: القضية الأولى: أن صاحب الدين يطالبك مطالبة شرعية بأن تسدِّده. القضية الثانية: أن الراهن له أن يطالب العدل بدعوى قضائية، أنه قام على المال بالبيع وفرّط، وأن يضمن الحق الذي عنده. وهذا معنى قولهم: يكون وجه المرتَهِن على الراهن، ويكون وجه الراهن على العدل، فكلٌ منهما يطالب الآخر. وكذلك صاحب الدين يطالب الراهن؛ لأن الأصل أن ذمة الراهن متعلقة بهذا الدين، فنقول: لا زال الحق ثابتاً ولم يرتفع؛ فنطالبه بسداد ما عليه من الدين، ثم يُقِيم الآخر دعوى قضائية على هذا العدل أنه لم يسدِّد كما أمره، وأنه وكّله في بيع داره، أو بيع أرضه، أو سيارته، ويسدد فلاناً دينه، ولكنه لم يقم بالسداد، فله أن يطالبه بقيمة المبيع، ثم بعد ذلك يأخذ كلٌ منهما حقّه من خصمه.
تسليم العدل الدين للمرتهن مع حضور الراهن وعدمه قال رحمه الله: [ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل]. قوله: (ولم يكن بحضور الراهن) إن كان قد أعطاه حقه بدون بيِّنة، وأنكر صاحب الدين، فلا نحكم بالإلزام إذا كان الإعطاء في حال حضور الراهن، فيكون التقصير من الراهن؛ لأن الوكيل سدد بحضور الأصيل، وكان من المفروض أن يقول الأصيل للوكيل: أشهد على الإعطاء، فلمّا سكت من عليه الدين الذي هو الراهن، كأنه قد رضي أن يعطيه بدون بيِّنة، فرضي بالتقصير، ورضي بالتفريط، وحينئذٍ يكون ذلك الوكيل قد برِئت ذمّته. فالتقصير له حالتان: الحالة الأولى: إذا وقع الإعطاء في حال غيبة صاحب الرهن وهو الراهن، فإن كان قد أشهد فلا إشكال، وإن لم يُشهِد ولا بيِّنة، فإنه يتحمّل المسئولية إن أنكر المرتَهَن. الحالة الثانية: إذا كان قد أعطاه حقّه في حال حضور الراهن، فالراهن يرى ويسمع، ومعنى ذلك أنه قد رضي بما يراه؛ لأنه كان ينبغي عليه أن يقول له: اكتب وأَشهِد على الإعطاء، فلمّا سكت كأنه رضي، فانتقل التقصير من الوكيل إلى الأصيل، وأصبح الأصيل هو الذي يتحمل المسئولية، وهذا إذا لم توجد بيّنة وأنكر المرتَهَن.
حكم اشتراط عدم بيع الرهن إذا حل الدين قال رحمه الله: [وإن شرط أن لا يبيعه إذا حلّ الدين] أي: أن لا يبيع الرهن، فهذا الشرط خلاف الشرع، وعلى هذا فإن من حقك إذا حلّ الأجل ولم يسدد أن تقوم بالبيع؛ لأن أصل الرهن وثيقة، وهذه الوثيقة قلنا: يستوثق بها صاحب الدين لقاء دَينه، فإذا قال له: إذا حل الأجل فلا تبع الرهن، فمعناه: أن وجود الرهن وعدمه على حد سواء، فما فائدة الرهن إذا كنت لا تستطيع أن تسدد به الحق الذي لك على خصمك؟! والله تعالى إنما شرع الرهن من أجل أن يتوصل صاحب الحق إلى حقه عند العجز، فإذا جاء يشترط شرطاً يخالف مقتضى العقل، فإنه حينئذٍ يبطل، ويلغى ذلك الشرط ولا يُعتد به ولا يُلزم به، فإذا حل الأجل جرى المعروف شرعاً وهو بيع الرهن. إذاً هذا الشرط وجوده وعدمه على حدٍ سواء؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -وهذه قاعدة- ألغى الشروط المخالفة لكتاب الله، وصحح العقود، على تفصيل سبق أن بيّناه في باب الشروط في البيع. وهذا الشرط يكون في عقد الرهن، كأن يشترط عليه أنه إذا حل الأجل لا يبيع، وهذا -كما ذكرنا- يخالف شرع الله ويخالف مقتضى العقل، فنقول: إن هذا الشرط باطل، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، وقال: (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فجعل الشرط المستوثَق به والذي ينبني عليه الحكم إنما هو الشرط الموافق لشرع الله، لا الشرط المخالف لشرع الله، فأنت إذا تأملت الرهن حينما تأتي وتأخذ قرضاً عشرة آلاف، فقد شرع الله عز وجل لصاحب الدين أن يأخذ منك الرهن؛ حتى يستطيع سداد العشرة آلاف عند عجزك، فإن كان لا يستطيع أن يبيع ذلك الرهن، فمعناه: أنه قد فات المقصود من الرهن، فكأنه يشترط عليه شرطاً يخالف مقتضى العقد، وقد بيّنا في شروط البيع: أن الشروط التي تخالف مقتضى العقد تعتبر شروطاً فاسدة. ...... حكم اشتراط أن يكون المرهون للمرتهن عند انتهاء الأجل قال رحمه الله: [أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له]. قوله: (أو إن جاءه بحقه) مثلاً: اشتريت عمارة قيمتها خمسمائة ألف، وقال لك البائع: ادفع الثمن، فقلت له: ما عندي نقد، وكل الذي أطلبه أن يكون هناك مهلة لمدة سنة، فقال لك: ليس عندي مانع، أعطيك مهلة لمدة سنة، ولكن بشرط أن تعطيني رهناً، فاشترط في البيع شرطاً يوافق مقتضى العقد، وهو الرهن، وهنا أمور: الأمر الأول: قلنا: إن الشرط الذي يوافق مقتضى العقد صحيح، فلما اشترط عليك الرهن وقلت له: عندي أرض أجعلها رهناً عندك، فقال المرتَهِن: أنا أقبل هذه الأرض، ولكن إن جاء الأجل ولم تسدد فهي لي، فحينئذٍ لا يصح؛ والسبب في هذا: أن المعاوضة وقعت بين الأرض، وبين القرض، وحينئذٍ كأنه أدخل عقدين في عقد، وبيعتين في بيعة، البيع الأول ومركبٌ عليه البيع الثاني بشرط العجز عن السداد، فقد قال له: إذا لم أُعطِك حقك في نهاية شهر ذي الحجة فخذ الأرض، فمعناه: أنه قد أعطاه الأرض لقاء ماله، فكأنه باعه الأرض بالدين، وحينئذٍ لم يبعه بيعاً مبتوتاً فيه، فنحن لم نتحقق؛ لأنه لا يقع هذا البيع إلا إذا عجز عن السداد، والعجز عن السداد متردد، فحصل تردد في العقد، ومن هنا قلنا: إن الإجارة التي تنتهي بالتمليك ترددٌ في العقد، والتردد في عقد البيع موجبٌ للغرر، فكأنه يقول: إن قضيتُ الدين فلستُ ببائع، وإن لم أقضِ فأنا بائع، فهذا ليس ببيع على سنَن المسلمين، فبيع المسلمين على البت. الأمر الثاني: لو فرضنا أنه عجز عن السداد، وارتفعت قيمة الأرض، وحينما أعطاه القرض كانت قيمة الأرض مثلاً خمسمائة ألف، فأصبحت قيمتها مليوناً عند السداد، فمعنى ذلك: أنه باعه الشيء وهو لا يدري ما يئول إليه من نماءٍ ومن خسارة. الأمر الثالث: قد يكون العكس أيضاً، كأن يقول له الراهن: إن لم أسددك الدين فالأرض لك، فقال: قبلت، وكانت الأرض في ذلك اليوم الذي وقع فيه الاتفاق والبيع الأول -الذي من أجله كان سبب الرهن- غالية، فلما حضر السداد إذا بالأرض رخيصة، إذاً ففيه نوعٌ من الغرر، فالشخص الذي له الدين يخاطِر بماله في حال عجز الراهن عن السداد، فيقبل أرضاً لا يدري إذا حلّ الأجل هل تعادل الدين أو لا تعادله؟ الأمر الرابع: من جهة تكييف العقد، حيث لم يجعله رهناً، وإنما جعله بيعاً ثانياً، والرهن لا يدخله التشريك، فلا يصح أن تقول: رهن وبيع. بل إما رهناً على البتّ المعروف، أو يكون بيعاً على السنن المعروفة، أما أن تجعله رهناً من وجه، وبيعاً من وجه، وتردِّده، وتقول له: هو بيع إن عجزت، ورهنٌ إن لم أعجز، فهذا لا يستقيم. فهذا النوع من التداخل والنوع من الإرباك في العقود لا تُقِرُّه الشريعة، ولذلك لا تعرف في بيوع المسلمين أو في إجارات المسلمين القديمة مثل هذا التردد؛ لأن الشريعة قفلت أبواب مثل هذه المعاملات؛ لأنها تُفضِي إلى الخصومات والنزاعات، فإذا مات أحد المتعاقدين قبل تمام العقد الأول وقع النزاع، وجاء ورثته يطالبون بما كان عليه مورثهم، أو يطالبون بإلغاء ما كان عليه مورثهم، فيقع بين الناس الخصومات والنزاعات، ثم ربما تعاقدوا والمعقود عليه على حال يرثى لها، ثم يئول إلى حالة أفضل، فيكون الغبن على البائع، أو يئول إلى حالة أردى فيكون الغبن على المشتري. وعلى هذا فلا تجيز الشريعة مثل هذا؛ لأنها تريدك إذا أردت بيعاً أن تعرف قيمة ما تشتريه، إذا كنت مشترياً، وتعرف أيضاً أنك إن بعت تبيع على البت، دون أن تغرِّر بمن يشتري منك إن كنت بائعاً....... الشروط المشروعة والشروط الممنوعة في الرهن بعد أن فرغ المصنف رحمه الله من مسألة العدل، دخل في قضايا الشروط، فهناك في الرهن شروط شرعية توافق مقتضى العقد، وهي الشروط المشروعة، وهناك شروط غير شرعية لا توافق مقتضى العقد، وهي الشروط الممنوعة. عندنا شروطٌ مشروعة، وشروطٌ ممنوعة. فالشروط المشروعة: أن يقول له الراهن: إن انتهى الأجل فقد أذِنتُ لك أن تبيع الرهن. أو يقول من له الدين: أشترط عليك أنك إذا عجزت عن السداد بعت وقضيت دينك، فيقول: قبلت. وكذلك إذا قال له: هذه العمارة قيمتها مليون، فأعطني رهناً، فقال: أرهنك أرضي الفلانية، فقال: قبلت، ولكن أشترط عليك أن تكون عند محمد، -وهو رجل عدل- فقال: قبلت، فمحمد العدل الصالح حينما يوضع عنده الرهن يُقصد منه المحافظة عليه، فكأن هذا الشرط قصد منه صاحب الدين أن لا يفوت الرهن، فهو يشترط شرطاً يوافق مقتضى الشريعة من بقاء الرهونات، فهذا يسمى: شرطاً شرعياً. وهكذا لو قال له: أشترط أن يكون عند محمد، وأنه إذا تم الأجل ولم تسددني فيكون محمد مأذوناً له بالبيع، ولا يحتاج أن يستأذن مرة أخرى، فقال: قبلت، فكتب بينهم العقد على ذلك، فحينئذٍ احتاط من له الدين باحتياطين، واشترط عليه شرطين: الشرط الأول: أن يكون الرهن عند فلان من الناس المعروف بالأمانة والحفظ، فهذا شرط شرعي؛ لأنه يوافق الشرع، ويوافق مقتضى عقد الرهن من المحافظة عليه. الشرط الثاني: أنه إذا تم الأجل ولم تسددني فيكون العدل مفوضاً ومأذوناً له بالبيع، فقبل الآخر. إذاً: عندنا رهن، وعندنا شرطان، وكلا الشرطين إذا تأملتهما وجدتهما موافقين لمقصود الشرع من الرهن، فنقول: هذا شرط شرعي، ولو كان المرهون شيئاً يسيراً، ونحن نمثل دائماً بالأشياء الغالية؛ لأنها تلفت النظر، وتجذب الأنظار، لكن حتى في الأشياء اليسيرة فإنه يأخذ نفس الحكم، حتى لو رهنه ساعة، كأن يقول له مثلاً: يا فلان! أنا بحاجة إلى خمسمائة ريال إلى نهاية ذي الحجة من هذا العام، قال له: أُعطيك ولكن أعطني رهناً، فقال: هذه ساعتي رهنٌ عندك، فقال: أشترط عليك أن تكون عند محمد، أو عند زيد، وأنك إن لم تسددني عند تمام الأجل فإنه يبيعها. إذاً: الفقه إذا سُئلت عن الشروط في الرهن فقُل: تنقسم إلى قسمين: إما أن توافق مقصود الشرع، وإما أن تُخالف مقصود الشرع، فنحن لا نُبطل الشروط في الرهن، ولا نُثبتها بإطلاق، وإنما العدل الذي أمرنا الله به أن ننظر فإن كانت هذه الشروط قَصَد بها العاقدان أو أحدهما الاستيثاق وإيصال الحق لأهله، فنقول: هذه شروطٌ شرعية؛ لأن الشريعة قامت على ذلك؛ بل إن الله سبحانه لم يشرع الرهن إلا لكي يصل كل ذي حق إلى حقه، فإذا ثبت هذا فنقول: هذا شرطٌ شرعي، أما لو كان الشرط يخالف مقتضى عقد الرهن، ويخالف شرع الله عز وجل، فإنه لا يكون شرطاً شرعياً. وحينئذٍ نص المصنِّف رحمه الله بقوله: (لم يصح الشرط وحده). يبقى السؤال: هل يُلغى عقد الرهن؟ أو يُلغى الشرط ويصح عقد الرهن؟ نص المصنف على أن الشرط يبطل ويبقى عقد الرهن صحيحاً؛ لأن القاعدة تقول: الإعمال أولى من الإهمال، فإعمال وإبقاء عقد الرهن هو الأصل، حتى يدل الدليل على أنه مُهمل، وأنه منفسخ بمثل هذا الشرط، فحينئذٍ نحكم بانفساخه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فنقول: الرهن في الأصل إذا وقع بينهما واتفقا عليه أنه تام. ...... صحة الشروط أثناء العقد وبعده والشروط الشرعية التي ذكرناها تكون أثناء عقد الرهن، وتكون بعد الرهن بيوم أو يومين، أو بمدة، فمثلاً: لو أنه رهن عنده وجاءه بعد الرهن بيوم، وقال: يا فلان! نحن اتفقنا على أن تكون السيارة عند محمد، ولكني أطلب منك شرطاً وهو أنه إذا حضر الأجل أن يتولى محمد البيع دون أن ينتظر إذناً منك؛ لأنك رجل كثير السفر، وأنا رجل أريد حقي؛ لأن هذا الدين والمال الذي أعطيتكه متعلِّق بأموال أُناس أو حقوق أناس، فما أريد أن أتعطّل، فأريد إذا حضر الأجل أن يُباع الرهن ويُعطَى حقي، فقال له: لك ذلك، فالشرط لم يقع أثناء العقد، وإنما وقع بعد العقد، فإن تراضيا عليه في حال العقد أو تراضيا عليه بعد العقد، فالحكم واحد، وهو شرطٌ شرعي معتبر.
أحوال الشرط والعقد من حيث الصحة والبطلان وقوله: (لم يصح الشرط وحده)، أي: أننا نُبطِل الشرط، ولكن نصحِّح عقد الرهن، وفي بعض الأحيان تأتي شروط في العقود، وتكون الشروط فيها: على أحوال فتارةً يلغى الشرط مع العقد، وتارةً يلغى الشرط ويصح العقد، وتارة يصح العقد والشرط. فإما أن تصحِّح العقد وتلغي الشرط، أو تصحِّح العقد والشرط، أو تُلغي العقد والشرط، فهذه ثلاثة أحوال. ففي بعض الأحيان تصحِّح الشريعة الشرط مع العقد، وهذا إذا كان شرطاً موافقاً لشرع الله عز وجل، سواءً في البيع، أو في النكاح، كأن يشترط شرطاً يوافق الشريعة، وليس فيه غرر، وليس فيه أمر محرم، فنصحِّح العقد الذي هو عقد النكاح ونصحِّح الشرط. وفي بعض الأحيان يكون الشرط موجباً لإلغاء العقد؛ كأن يشترط شرطاً يُوجِب دخول الغرر في العقد، وهذا الشرط يمنع من مضي العقد، والأصل مضيه، ويمنع من لزومه، والأصل لزومه، فيضاد الشرع، فمثل هذه الشروط إذا وقعت في العقد وتَركّب العقد منها، فإنه يُلغى الشرط ويُلغى العقد، ومن هذا: البيعتين في بيعة، فلو قال له مثلاً: أبيعك هذه الدار بشرط أن تبيعني دارك، فقالوا: هذا هو البيعتان في بيعة؛ لأن البيعتين في بيعة فيها ما يقرب من أربعة أقوال للعلماء رحمهم الله: ومنها قوله: أبيعك داري بشرط أن تبيعني دارك، فحينئذٍ كأنه عاوض بين الربحين، وكأنه يبيع ربح تلك بربح هذه، ويكون مقابلاً للمال بالمال على وجهٍ يُدخِل شبهة الربا. والبيع يفسد بحرمة عين المبيع، أو بالغرر، أو بالربا، أو بالشروط التي تئول إلى الربا، أو إلى الغرر، أو مجموع الأمرين. وقد تقدَّمت معنا أمثلة في كتاب البيوع على الشروط الفاسدة المنهي عنها شرعاً، والتي توجب فساد العقود، كأن يقول له: أبيعك هذه الدار على أن لا تبيعها لأحد، فإن هذا الشرط يخالف مقتضى عقد البيع، ويخالف شرع الله؛ لأن شرع الله أنك إذا ملكت الدار فإنه من حقك أن تبيعها، فيقول العلماء: إذا قال له: أبيعك الدار بشرط أن لا تبيعها لأحد، فحينئذٍ هذا البيع فاسد؛ لأن البيع تَركّب من شرطٍ يخالف مقتضى العقد، حيث تم العقد وتركب منه. وبعض العلماء يصحَّح البيع ويُلغي الشرط، لكن الذي ذكرناه أقوى. وفي بعض الأحيان يُلغى الشرط والعقد، وتارةً يُلغى الشرط ويبقى العقد صحيحاً، كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم في حديث بريرة رضي الله عنها، فإن بريرة اشترط أهلها أن الولاء لهم، وهذا الشرط يخالف شرع الله عز وجل؛ لأن الولاء لمن أعتق، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فصحَّح البيع وألغى الشرط. وعلى هذا يقول العلماء: إن الشروط تأتي على هذه الصور كلها: فإما أن توجب فساد العقد فيلتغي الشرط والعقد، وإما أن تكون موافقة للشرع، فيُصحَّح العقد ويلزم الشرط، وإما أن يصح العقد ويلتغي الشرط. ومن القصص العجيبة التي وقعت لبعض السلف: أنه وقع له بيعٌ بشرط، فسأل بعض العلماء عن حكم هذا البيع؟ فقال: البيع فاسد بهذا الشرط الفاسد، ثم سأل ثانياً، فقال له: البيع صحيح والشرط فاسد، ثم سأل ثالثاً، فقال له: البيع صحيح والشرط معتبر؛ لأنه خفّف في ذلك الشرط واعتبره موجباً. ثم لما رجع إليهم، فوجد الذي يقول بصحة العقد وفساد الشرط يحتج بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بريرة ، حينما اشترطوا شرطاً لا يوافق شرع الله، فألغى الشرط وصحَّح العقد. والذي قال بصحة العقد والشرط احتج بحديث جابر رضي الله عنهما، لما باع جمله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشترط حملانه إلى المدينة، وهو في الصحيحين، فقال: الشرط صحيح والعقد صحيح. والذي قال بفساد العقد وفساد الشرط، احتج بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الثنيا في البيع، وعن بيعٍ وشرط؛ لحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعٍ وشرط). فكل منهم يحتج بسنة، والواقع أن هذه السنة لا تتعارض، وذلك كما ذكرنا: إن كان الشرط يخالف مقتضى العقد تماماً، وينبني العقد عليه مع فساده، فإن هذا يدخل على العقد ويوجب فساده فيلتغيان، وإن كان موافِقاً صُحِّح، وإن كان لا يدخل على العقد، ويُراد به منفعة أحد المتعاقدَين على وجه يوجب الفساد، فإننا نقول بفساد الشرط وصحَّة العقد، وهذا هو المعوّل عليه عند المحقّقين من العلماء رحمهم الله في التفصيل في الشروط. فالخلاصة: أن الرهن فيه شروط مشروعة، وهي التي لا تخالف مقتضى العقد، ويشترطها صاحب الدين ليستوثق بها من دينه، ونحو ذلك، وهناك شروط ممنوعة، وهي التي تخالف شرع الله عز وجل، وكلٌ منهما فصّلنا حكمه، فإن كانت مشروعة شُرعت ولَزِمت، وإن كانت ممنوعة بطَل الشرط وبقي الرهن على ما هو عليه.
قبول قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده قال رحمه الله: [ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده]. قوله: (ويُقبل قول الراهن في قدر الدين)، المسائل من الآن مسائل قضائية، والأصل أن مسائل القضاء تؤخَّر إلى باب القضاء، فهناك كتاب جعله العلماء رحمهم الله في الأخير يقال له: كتاب القضاء، وكتاب القضاء يُبيِّن العلماء رحمهم الله فيه آداب القاضي، وصفة الحكم بين الخصمين، والبيِّنات والأدلة والحجج، وتعارض البيِّنات والحجج، وأنواع البيِّنات... إلى آخر ما يتبع كتاب القضاء. لكن من عادة العلماء رحمهم الله أنهم ربما أدخلوا بعض المسائل في أفراد العقود وألحقوها بها، وإن كانت مندرجة تحت أصل سيقرِّرونه في القضاء، وإلا فالأصل أنها تقرر في باب القضاء، لكن قد يأتون في الرهن ويتكلمون على هذه المسائل؛ لأنها مسائل خاصة، وهي في الحقيقة مندرجة تحت أصول كتاب القضاء، وقد سبق أن بيّنا في المجلس الماضي أن مسألة المدَّعِي والمدّعَى عليه هي التي ينبني عليها طلب الدليل من المدّعِي، وطلب اليمين من المنكر، وهو المدّعَى عليه، وقلنا: إن العلماء رحمهم الله لمّا جاءوا إلى كتاب القضاء، ذكروا أن من أهم ما ينبغي على القاضي في كتاب القضاء: أن يعرِف من المدّعِي ومن المدّعَى عليه؟ فإذا ميّز بين المدعِي والمدّعَى عليه أمكنه أن يقضي؛ لأنك إذا عرفت من المدّعِي ومن المدّعَى عليه، قلت للمدّعِي: أحضر الدليل، هذا إذا أنكر المدّعَى عليه. مثاله: جاء شخص وقال: لي على فلان ألف، فنقول: يا فلان! هل له عليك ألف؟ فإذا قال: لا. فنقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: ما عندي بينة، فنقول له: ليس لك إلا يمينه؛ وذلك لما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (البيِّنة على المدَّعِي واليمين على من أنكر)، فإن حلَف اليمين، فقد دفع بها التهمة أو الدعوى عن نفسه. إذاً: تمييز المدَّعِي عن المدّعَى عليه مهم، ولو أن قاضياً لم يعرف من المدَّعِي والمدّعَى عليه؛ لما استطاع أن يقضي؛ لأنه إذا لم يميِّز من الذي قوله يوافق الأصل، وقوله يوافق العرف، وقوله يوافق الظاهر؛ فإنه لا يستطيع أن يقول: ائتني ببينة؛ ولما عرف من الذي يُخاطَب بالبيِّنة، ومن الذي يُخاطَب باليمين، فلمّا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر)؛ لزم على القاضي أن يعرف ويميِّز بين المدَّعِي والمدّعَى عليه، قال الناظم: تمييز حال المدعي والمدعى عليه جملة القضاء وقعا فالمدَّعِي من قوله مجرد من أصلٍ أو عرفٍ بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى وقد شرحنا هذا وبيّناه، وبناءً على ذلك نطبِّق هذه القواعد التي سبق شرحها: أن المدَّعَى عليه يُنكر، ويقول: لم يكن، والمدَّعِي يقول: قد كان. أو يكون المدَّعى عليه قوله يوافق الأصل، والمدعي قوله يخالف الأصل. وهنا في مسألة الدين: قول من عليه الدين -وهو الراهن- موافق للأصل. وتوضيح ذلك: عندما نأتي عند سداد الدين -والمصنِّف رحمه الله من دقته أن أخّر هذه المسألة إلى آخر باب الرهن؛ والسبب في هذا: أنه عند بيع الرهن تقع الخصومات: هل الدين ألف، أو ألفان، أو ثلاثة؟- فعندما نأتي عند سداد الدين فربما في بعض الأحوال يقع بينهما اختلاف في قدر الدين، فالسؤال الآن الذي يحتاج إلى إجابة: هل نقبل في قدر الدين قول الراهن أو نقبل قول خصمه؟ بمعنى: هل الذي يحدد قدر الدين هو الذي عليه الدين، أو الذي أعطى الدين؟ هذا سؤال لا بد له من إجابة. والجواب: أن المدَّعِي هو المرتهن، صاحب الدين، والمدّعَى عليه هو الراهن. مثل أن يقول صاحب الدين: عند محمد مليون، فقال محمد: بل دينك مائة ألف. فهنا وقعت الخصومة؛ لأن صاحب الدين ادعى عليه أكثر، فقال له: بل ديني مليون، فإذا قال محمد المديون: إن الدين مائة ألف، وقال عبد الله: بل مليون، فإننا متحققون وعلى يقين أن الدين مائة ألف؛ لأن كلاً منهما -الذي قال: مائة ألف، والذي قال: مليون- متفقون على أن المائة ألف موجودة؛ فالذي قال: الدين مليون قد أثبت وجود مائة ألف، وكذلك الذي قال: إن الدين مائة ألف، إذاً اليقين أنها مائة ألف، وشككنا فيما زاد عليها، فهذا الزائد نقول لصاحب الدين: أثبت وجوده. فدائماً نجد أن المديون مدّعَى عليه، وقوله موافق للأصل؛ لأننا قلنا: هناك أمارات للمدَّعَى عليه، منها: أن يوافق قوله الأصل، أو يوافق العرف، أو يوافق الظاهر، فهنا ثلاث حالات: يوافق الأصل كما في مسألتنا؛ لأن الأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها. فالأصل أنه لما ثبت اليقين عندنا أنه مديون بمائة ألف، ثبت كونه مديوناً، لكن المبلغ الزائد، الأصل براءة ذمته منه، حتى يَثْبُت أنه مديون بها؛ ونعتبرها دعوى يُطالَب صاحبها بالدليل. ولما قال له صاحب الدين: لي عليك مليون، فقال: لا، بل لك علي مائة ألف. فإنه منكِر للزيادة، فيكون مدَّعَى عليه، فقوله حينئذ مُعتبَر. فإذا قال العلماء: القول قول فلان، فمعناه: أنه مدَّعَى عليه. ودائماً نجد في باب الرهن، وفي باب الخصومات، وفي الحوالة، وفي العارية: القول قول فلان، ومعناه: أنه مدّعَى عليه، وأن خصمه هو الذي يُطالَب بالدليل. ...... مسألة نفي الرهن وما يترتب عليها من أحكام هذا في مسألة قدر الدين، وأن يكون المديون مقراً بأصل الدين، ولكن الخلاف فيما هو زائد، أما لو نفى كونه رهناً، وقال: إنما أعطيته عارية، ولم أعطه رهناً، وليس له عليَّ شيء، فحينئذٍ أنكر الدين أصلاً. فإذا أنكر الدين، وقال له صاحب الدين: بل أعطيتني هذا الشيء رهناً، وأنت مدينٌ لي، فبعض العلماء يقول: إن الرهن وصفٌ زائدٌ على العارية، فيُطالَب من يدَّعِي الرهن ويدّعِي كونها محبوسة بالدليل؛ لأن الأصل ملكية الشخص لهذا الشيء، فإذا ادعاه رهناً، فمعناه: أنه يريد أن ينقل عنه الملكية في المآل. فنقول لمن يدعي أن هذا الشيء رهن: أثبت أنه استدان منك، وعليه فهناك عدة مسائل: فتارةً ينفي الدين، فإذا نفى الدين فيُطالب صاحب الدين بإثبات كونه مديوناً؛ لأنه يمكن في بعض الأحيان أن يأتي شخص ويأخذ منك السيارة عارية، ويقول: سأذهب بها إلى قضاء حاجة وآتي، ثم بعد أن يعود تأتي فتقول له: أعطني سيارتي، فيقول: لا، هذه رهنٌ بعشرة آلاف لي عليك. إذاً: الأصل عدم وجود الدين، والأصل عدم شغل ذمته بالدين، فليس كل شخص أخذ متاع أحدٍ، أو احتبس متاع أحدٍ، أو كان واضعاً يده على متاع أحدٍ يُقبَل منه ادعاء الرّهن، فإذا أنكر الدين بالكلية فالقول قول المنكِر، الذي هو صاحب السلعة، ومالكها، ويُطَالب من يدّعي كونها رهناً بالدليل، على نفس الأصل الذي قررناه؛ لأنه لو فُتح هذا -كما ذكرنا- لادعى أناس أموال أناس، فقد يأتيك شخص ويقول لك: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى حاجة، ثم يقبضها ويذهب ويمتنع من إعطائها لك، ويقول: أعطيتنيها رهناً بعشرة آلاف.. أو ما إلى ذلك. فحينئذٍ لن تستطيع أن تأخذ سيارتك؛ بل إنه يدَّعِي عليك شغل الذمة، فلو فُتِح هذا الباب لتسلّط الناس على أموال بعضهم، فالشريعة تقول في هذه الحالة: الأصل أنك غير مديون؛ لأن القاعدة: أن الأصل براءة الذمة، وهذه قاعدة منتزعة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أقوامٌ أموال قومٍ ودماءهم)، فلو كل شخص يدَّعِي لذهبت أموال الناس وذهبت أعراضهم، وذهبت كذلك دماؤهم. إذاً: لا نقبل ادعاءه بكونه مديوناً، هذا أولاً، وثانياً: إذا أقر أنه مديون واختلفا في قدر الدين، فإننا نرجع إلى قول المديون، ونقول: اليقين القدر الذي ذكره والزائد يحتاج إلى دليل. ويقبل قول الراهن في قدر الدين قليلاً كان أو كثيراً.
إقرار المدين بالدين ثم هنا مسألتان: أولاً: أنه إذا قال: لك عليّ ألف، وقال صاحب الدين: نعم هي ألف، فنقبل قوله؛ لأنه شهِد على نفسه، وهذا يسمى: إقرار، وأقوى الحجج في القضاء هو الإقرار؛ لأن الإقرار شهادة الإنسان على نفسه، فإذا شهد الإنسان على نفسه فإن الغالب أنه لا يشهد على نفسه بالضرر؛ لأن الله جعل للإنسان العقل، والعقل يعقِله عن أن يُدخِل الضرر على نفسه، وما دام أنه عاقل، وأنه أهل للتصرف في ماله، ليس إنساناً مجنوناً، ولا إنساناً عنده خفَّة وعته؛ فهذا الإقرار حجّة، ومن هنا يقول العلماء كلمة مشهورة: إن الإقرار سيد الأدلة، أي: أقوى الحجج؛ لأنك لن تجد أصدق من شهادة الإنسان على نفسه. وعلى هذا نقول: إنه إذا أقر بكونه مديوناً لزمه، ويُقبل قول الراهن في قدر الدين؛ لأنه شهادة منه على نفسه. ثانياً: يُقبل قوله معارضاً لقول خصمه؛ لأن قوله يقين، فإذا اختلفا في القدر وكان الأقل فهو يقين والزائد خلافه، فيُطالَب من زاد بالدليل، والأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.
قبول قول الراهن في قدر الرهن قوله: (والرهن). أي: يقبل قول الراهن في قدر الرهن الذي أعطاه، وذلك عندما يعطي الراهن سيارته للمرتهن، ثم يقول المرتهن: ما أعطيتني السيارة كاملة، بل أعطيتنيها ناقصة، فحينئذٍ يقول بعض العلماء: إن الرهن يُقبل فيه قول الراهن، وقال بعض العلماء: يقبل فيه قول المرتَهِن، لأنه مدَّعَى عليه، فإذا ادعى الراهن أن قيمة الرهن أكثر، فمعناه أنه يدَّعِي الأكثر. فبعض العلماء يرجِّح أنه يُقبل قول الراهن في قدر الدين، ويقبل قول المرتهِن في قدر الرهن، وفُرِّق بينهما؛ لأن اليد في الرهن غير اليد في قدر الدين، ومن هنا ففيه إقرارٌ ثابت بشغل الذمة في الديون، وهذا يستلزم أنه قد أثبت شغل ذمته، فيبقى الادعاء زائداً بالقدر، فيكون القول قول الراهن، بخلاف المسألة الثانية، ولهذا فرق بينهما، واختار المصنِّف أنه في قدر الرهن يُقبل قول الراهن. وتوضيح ذلك أكثر: أنهم يجعلون الراهن مدَّعَى عليه، فهو يقول: إن الرهن كامل، وذلك إذا وقع اختلاف في النقص والزيادة في الرهن، فإذا قال الراهن: إن الرهن كامل، فقال المرتَهِن: ليس بكامل. فحينئذٍ يقولون: إن الأصل كماله؛ لأنه لا يمكن أن يعطيه رهناً لقاء دين إلا وهو كامل في الغالب. مثلاً: لو كان الدين مليوناً، ثم ادَّعى أنه رهنه مزرعة بقيمة المليون، فقال: بل أعطيتني مزرعةً بنصف مليون. قالوا: فيُقبل قول الراهن؛ لأن الراهن يكون هو المدَّعَى عليه. ويقول: إمام دار الهجرة، الإمام مالك رحمه الله -وأميل إليه في الحقيقة- يقول: يُنظَر إلى وجود الشبهة، فإن كان الرهن الذي أعطاه مقارباً؛ فإننا نقبل قول أقربهما إلى هذا -يعني في القدر- وإن كان الرهن الذي يدَّعِيه المرتَهِن أقل، فإننا نقبل قول الراهن، فيجعل التهمة معتبرة لترجيح أحد القولين، فإن كان الذي يزيد -وهو الراهن- معادلاً للدين قبلنا قوله، وإن كان الذي ينقص -وهو المرتهن- مقارباً للدين قبلنا قوله. فهذا -مثلاً- يقول: رهنتك مزرعة قيمتها مليونان، والدين مليون، فيقبل هنا قول الذي له الدين في أنها بمليون؛ لأنه يدَّعي عليه أمراً زائداً في شبهة قامت، على أن الأصل والأقوى أنها بمليون؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يرهن الأكثر في الأقل. فقالوا: إن هذه شبهة تقوِّي قول صاحب الدين، وهذا الذي سبق أن ذكرناه بالإجمال، وأما إذا كان العكس، بأن قال الراهن: رهنتك مزرعة قيمتها مليون، فقال المرتهن: بل رهنتني مزرعة قيمتها ربع مليون، والدين مليون، فحينئذٍ يكون القول قول الراهن، وأما المرتَهِن فقوله خلاف الظاهر. فهذا ترجيح وإعمال للظاهر مع وجود الشبه. وهذا التفصيل حقيقة فيه قوة خاصة عند فساد الزمان؛ لأن الغالب أن الناس كلٌ منهم يحتاط عند فساد الزمان، ويكون الرهن غالباً مقارباً، إلا أن القول الذي اختاره المصنِّف ينبني على احتمال أن الشخص يرهن شيئاً زائداً عن دينه، وهذا يقع في بعض الأحوال، لكن الحكم للغالب والنادر لا حكم له. وعلى هذا يقولون: عند الاختلاف يرجع إلى الترجيح، وإن كان أحد الخصمين مظلوماً. إذاً: لا بد أن ننظر إلى الأرجح، وإلى أكثر الصور رجحاناً ونحكم بها، وهذا منهج في التشريع معروف، ولذلك لما قال الشرع: (البينة على المدَّعِي) قد يكون المدَّعِي من أصلح خلق الله، ولا يكذب، ولو ضُرِبت عنقه ما كذب، فهل تكون البينة على المدَّعِي سواءً الصالح والفاجر؟ فنقول: نعم. فالشريعة تنظر إلى أغلب الناس، ولذلك قال الناظم: والمدَّعِي مطَالَب بالبيِّنــه وحالـة العموم فيه بيِّنـه قوله: (والمدعي مطالب بالبينة) أي: بالدليل، سواء كان فاجراً أو صالحاً، وقوله: (وحالة العموم فيه بيِّنة) يعني: واضحة ظاهرة، وهذا مما اتفقا لفظاً واختلفا معنى. فنحن إذا نظرنا إلى أصل الشريعة العامة، فإنها تنظر إلى الغالب، فكون الرهن في الغالب قريباً من الدين، هو الذي نحكم به، ويترجّح قول الإمام مالك في هذه المسألة، وهو الذي أميل إليه، واختاره بعض العلماء رحمهم الله، وبعض أصحاب الإمام أحمد ، أنه يُنظر إلى الشبهة، فإن قويت الشبهة رجحت قول أحدهما، فيكون حينئذٍ القول قوله، ومن كان قوله أضعف شبهة فإنه يكون مدَّعياً فيُطالَب بالبيّنة.
قبول قول الراهن في رد الرهن وعدمه قوله: (ورده). كذلك يقبل قول الراهن في رد الرهن. فمثلاً شخص له على المديون مليون، فسدد الدين، والحكم شرعاً أنه إذا سُدِّد الدين، فيجب على من له الدين أن يرد الرهن، مثال ذلك: شخص اشترى من شخصٍ عمارة بخمسمائة ألف، وأعطاه أرضاً رهناً على أن يسدد في نهاية العام، فلما جاء الأجل أعطاه الخمسمائة ألف كاملة تامة، فيجب على المرتَهَن أن يرد الرهن، فإذا قال الراهن: أعطني رهني، فقال المرتهن: قد أعطيتك، فقال: ما أعطيتني، فاختلفا هل رد الرهن أو لم يرده؟ فنقول: أولاً: اليقين أن الرهن موجود عند المرتَهِن؛ لأنه أخذه لقاء دينه، واستوثق به لقاء دينه، فنحن على يقين أن ذمته مشغولة بهذا الرهن حتى نتحقق من رده لصاحبه. فإذا قال القاضي للمرتهن: هل أعطاك فلان رهناً؟ فقال: نعم، قال له: هل رددت له رهنه؟ فقال: نعم، رددت له الرهن، وحينئذٍ سأل القاضي خصمه: هل ردّ لك الرهن؟ فقال: لا.. إذاً نحن على يقين أن ذمة فلان -الذي هو صاحب الدين- مشغولة؛ لأنه اعترف أنه أخذ رهناً، لكن لو أن الراهن قال: أعطيته رهناً في دين، فقال المرتهن: ما أعطاني رهناً، فنقبل قول المرتَهَن؛ لأن الأصل أنه لم يأخذ رهناً حتى يقوم الدليل على أنه أخذ رهناً. إذاً: في إثبات الرهن القول قول صاحب الدين وهو المرتَهَن، وبعد أن يثبُت الرهن، ففي رد الرهن القول قول الراهن؛ لأننا تحققنا من شغل ذمة المرتَهِن، حتى يدل الدليل على أنها برئت ذمته، وأنه سدد أو رد الرهن إلى صاحبه. فكما أنه رد له حقه كاملاً، فيجب عليه كذلك أن يرد الرهن كاملاً على ما اتفقا عليه.
الأسئلة ...... حكم شراء السلعة وجعلها رهناً لقاء قيمتها عند بائعها السؤال: ما الحكم لو بعته سيارة بالتقسيط على أن يعطيني رهناً، فرهنني السيارة نفسها، وأذِنت له في التصرُّف على أن لا يبيعها حتى ينتهي السداد أثابكم الله؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن هذا النوع من البيوع فيه شبهة، وعلى هذا يُقال: إن الرهن وقع على نفس المبيع، وحينئذٍ لم يكن على سنَن الرهن المعروف شرعاً؛ لأن الأصل في الرهن أن يكون بعينٍ يُستوثق بها لقاء الدين، وأن تكون هذه العين منفكة عن أصل التعاقد؛ لأن المقصود من الرهن إمضاء العقد الأصلي، وعلى هذا فإنه يقوم بإلغاء العقد الأصلي، فهو إذا باعه السيارة، وجعل السيارة نفسها رهناً، فإن معنى ذلك: أنه سيُبقي هذه السلعة معه، وإذا تم الأجل وعجز عن السداد ستُباع، وإذا بيعَت فلا شك أنها ستكون أنقص قيمة، ولم يستفد المشتري من السلعة، فيكون قد اشترى العاجل بالآجل مع التفاضل. والشبهة في هذا ظاهرة. فالمقصود من الرهن إمضاء العقد الأصلي، وأن يُعطى الرهن من أجل أن تتم الصفقة الأولى، فإذا صارت الصفقة نفسها هي الرهن، فحينئذٍ خالفت المقصود من الرهن، ولذلك فأصل الرهن إمضاء التجارات. وأكثر توضيحاً نقول: إذا قال له: أبيعك هذا البيت بمليون مثلاً، على أن تدع البيت رهناً عندي، فإنه في هذه الحالة إذا قال له: على أن تسدِّد المليون في نهاية السنة، فإذا لم تسدد سأبيع البيت ثم أسدد وتدفع الناقص، فإذا تم البيع فلن يستطيع أخذ السلعة، ولن يستطيع إمضاء العقد الأصلي، والرهن أصلاً لإمضاء العقد الأصلي، فيبقى البيع نفسه الذي من أجله شُرع الرهن لإتمامه معطلاً بالرهن، أي: أُدخِل الرهن لنقضه خاصة عند العجز عن السداد؛ لأن الإشكال كله عند العجز عن السداد، فإذا حضر نهاية السنة فإنه سيُباع البيت بتسعمائة ألف، فيكون حينئذٍ أوجب عليه (المليون) السابقة، ثم أخذ لقاءها تسعمائة ألف، وخرج الرجل بلا شيء؛ لأنه لا يستطيع أن يؤجر البيت، ولا يستطيع أن ينتفع به طيلة المدة كلها، فصار كالعقوبة عليه لعدم السداد، ثم يلزم بدفع مائة ألف لأجلٍ، وغالباً أن السلعة إذا رُهِنت على هذا الوجه أنها تنقص قيمتها، ولا تبقى على نفس القيمة، فالشبهة في هذا واضحة. وخلاصة الأمر: أن الله عز وجل إنما شرع الرهن من أجل أن يكون هذا إبقاءً وإنفاذاً للعقد الأصلي الذي هو البيع، فإذا اشترى منه سيارة ورهنه داراً، فإن معنى ذلك: أن الدار هذه جُعِلت من أجل إن عجز عن سداد قيمة السيارة، تُسدَّد القيمة من الدار فيتم البيع الأول، فكأن مقصود الشرع أن يتم البيع الأول. فإذا أدخل صورة الرهن بشكل يخالف مقصود الشرع من مشروعيته، فإن هذا ليس على سنَن الرهن المعتبر. وعلى هذا لا يصح أن يكون الشيء مبيعاً مرهوناً، وإنما يكون الرهن بشيءٍ يستوثق به لإتمام الصفقة الأولى، ويدخله شبهة ما ذكرناه من بيع الآجل بالعاجل، على وجهٍ فيه ظلمٌ للمشتري؛ لأنه يمنع من الانتفاع بالسلعة، والأصل أنه إذا اشترى السلعة فمن حقه أن يتصرف فيها. فلو قال له: أبيعك هذه الأرض على أن لا تؤجرها لأحد، وعلى أن لا تبيعها لأحد، فكل هذا يخالف مقتضى الشرع، فالمؤقت بالممنوع كالمطلق به، فهو إذا أقّت الممنوع وقال: لا تبيعه مدة كذا، فإن هذا يخالف مقصود الشرع من كونه إذا اشترى الشيء كان حر التصرف فيه، وعلى هذا فالأظهر عدم صحة هذا النوع من الرهون، والله تعالى أعلم.
مطالبة الراهن للعدل إن فرط في الرهن السؤال: ذكرتم أن للراهن أن يقيم دعوى قضائية على العدل إذا فرَّط، فمن المدَّعِي ومن المدّعَى عليه أثابكم الله؟ الجواب: إذا كان العدل قام على الرهن، وطُلِب منه بيع الرهن عند حلول الأجل، وقبضُ الثمن، وإعطاؤه للمرتَهِن، فباع عند حلول الأجل، ثم أقبض بدون إشهاد، فإن اليقين والثابت أن ذمَّته شُغِلت بقيمة الرهن، هذا ليس فيه إشكال؛ لأنه هو يُقِر ويعترف أنه باع الرهن، وأنه سدّد فلاناً؛ لأن القضاء يفصِّل كل كلمة بمعناها، فهو لما يقول: أعطيت فلاناً، فمعناه: أني بعت الرهن ثم أعطيت فلاناً، فحينئذٍ يُمسك ويؤاخذ على قوله: أعطيت فلاناً؛ لأنه لا يُعطي إلا بعد البيع، فكأنه أقر على نفسه أنه باع وقبض الثمن، وبعد قبضه للثمن أعطى فلاناً، سواءً فصَّل ذلك أو أجمله، فإن أجمله فالإجمال متضمِّن للمعنى البيِّن جملة وتفصيلاً، يؤاخذ به كما يؤاخذ به مفصَّلاً، كما لو قال: بِعتُ السيارة بعشرة آلاف، ثم ذهبت إلى فلان وأعطيته المبلغ، فقد أقر ببيعها بعشرة آلاف وإقباض فلان هذا المبلغ. فنقول: ذمته مشغولة باليقين بعشرة آلاف لصاحب الرهن، هذا يقين وليس فيه إشكال، لكن هل أعطى أو لم يعط، أو أعطى وأخطأ في الإعطاء؟ فربما أعطى شخصاً آخر، وربما أنه أعطى فعلاً ولكن نسي من أعطاه، فيحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً، ونحن لم نطلع على الغيب، ولا نستطيع أن نستجلي حقيقة الأمر، فحينئذٍ نطالبه بالبينة على أنه أَعطَى، فنُحضِر صاحب الدين، ونقول: هل أعطاك فلان العشرة آلاف؟ فإن قال: ما أعطاني، فهناك يقين أن الذمة مشغولة بعشرة آلاف؛ لأنه لو فُتِح لكل عدل أن يقول: لقد أعطيته، ونقول: أعطاه، وانتهى الأمر، فحينئذٍ نكون قد ظلمنا أصحاب الديون، وامتنع أصحاب الديون من الرهن؛ لأنه لا تتحقق الحكمة والمقصود من الرهن، فنقول: إن القول قول صاحب الرهن؛ لأن العدل يعترف بأنه قبض عشرة آلاف ريال، ويدَّعِي، فهو معترف من جهة ومدعي من جهة، يدَّعِي أنه قد أعطاها لفلان، فصارت قضيتان: القضية الأولى: أنه أقر أن في ذمته عشرة آلاف لصاحب الدين، التي هي قيمة الرهن؛ لأنه في بعض الأحيان تكون قيمة الرهن أن يباع بتسعة آلاف أو يباع بثمانية آلاف، فإذا قال: بِعتُه بعشرة آلاف، فقد ثبت شرعاً في مجلس القضاء ويؤاخذ؛ لأن الإقرار في مجلس القضاء يؤاخذ به الإنسان. فإذا قال: بِعتُه بعشرة آلاف، فقد أقر أن ذمته شُغِلت بعشرة آلاف التي هي قيمة الرهن، لصاحبه؛ لأن العشرة آلاف ملك لصاحب الرهن. القضية الثانية: أنه ادعى أنه أعطى فلاناً العشرة آلاف، فنحضر خصمه، وتُقام بينهما الدعوى، فيقال: هل أعطاك؟ فإن قال: ما أعطاني، فنقول للعدل: ألك بينة؟ فإن قال: ما عندي بينة، فنقول: أتحلف بالله؟ فإذا حلَف بالله، انتهت القضية الأولى، فإذا طالب صاحب الدين بحقه، فنقول للمديون: سدد صاحب الدين العشرة آلاف، ثم أقم الدعوى على خصمك الذي هو العدل، وتصل إلى حقك؛ لأنه اعترف وأقر. ففي مجلس القضاء الأول ثبت فيه الإقرار، ومن الممكن لو خاصمه عند قاضٍ ثانٍ فإنه يقول: قد اعترف عند القاضي فلان أنه قد باع بعشرة آلاف، فلو أنكر العدل بعد ذلك، وقال: ضاع وما بعته، أو تلِف، وما بِعته، أو فلان سحب الرهن من عندي، فنقول للراهن: هل هذا صحيح؟ فإن قال: ما هو صحيح، هذا باع وقد اعترف بالبيع عند القاضي فلان، فإذا ثبت أنه فعلاً أقر في مجلس القضاء؛ فإن الإقرار في مجلس القضاء حجة، ويؤاخذ بهذا الإقرار ويُحكم عليه به. فالشاهد: أنهما قضيّتان منفكتان، ويؤاخذ بإقراره؛ لأنه حقٌ متعلِّق للغير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23-11-09, 10:38 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب الرهن [5] مسائل الاختلاف في الرهن من أهم مسائل باب الرهن، ومما يتفرع عليها: قبول قول الراهن في الدين والرهن ورده، وفي كون الرهن مالاً محترماً شرعاً، ومنها: إقرار الراهن بعدم ملكيته للرهن وما يترتب عليه، وإقراره بجناية الرهن على غيره، وأهم أمر ينبغي معرفته في ذلك: من هو المدعي والمدعى عليه. مسائل الاختلاف في الرهن وأنواعها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنِّف رحمه الله تعالى: [ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده]. سبق أن ذكرنا أن هناك مسائل يختلف فيها قول الراهن والمرتَهَن، وبيّنا أنهما يتنازعان في بعض الأمور المتعلِّقة بالرهن، وأنه ينبغي على طالب العلم إذا قرأ باب الرهن وأحكامه ومسائله أن يُلِمَّ بالمسائل التي يُقال لها: مسائل الاختلاف في الرهن. وذكرنا القاعدة عند العلماء: أنه إذا أردنا أن نبيِّن أحكام الاختلاف في الرهن، فالواجب علينا أن نعرف من هو المدَّعِي ومن هو المدّعَى عليه، وبيّنا أننا إذا قلنا: فلانٌ مدَّعَى عليه، فمعناه: أن القول قوله، وإذا قال العلماء رحمهم الله: القول قول الراهن، فمعناه: أن الراهن مدّعَى عليه، وأنه يُقبل قوله، حتى يقوم الدليل على صدق قول من خالفه. وبناءً على هذا: إذا اختلفا في قدر الدين، فقال الراهن: لك علي عشرة آلاف، وقال صاحب الدين: بل لي عليك خمسة عشر ألفاً، فحينئذٍ اختلفا في القدر. والخلاف يكون في الجنس، ويكون في النوع، ويكون في القدر، ويكون في الصفات. فمثلاً: يكون الخلاف في الخمسة عشر ألفاً هل هي ريالات -أصلها فضة- أو (دولارات)؟ فيصبح الخلاف في النوع، فيتفقان على القدر؛ لأن كلّهم يقول: الدين عشرة آلاف، لكن اختلفا هل هي (دولارات) فهي أكثر؟ أو هي ريالات فهي أقل؟ فالمديون يقول: هي من الريالات، والدائن يقول: بل من (الدولارات)، أو من الجنيهات، أو نحو ذلك، فالذي يقول الأكثر لا شك أنه يدَّعِي، والغالب أن الأكثر يكون من المرتَهِن، والأقل يكون من الراهن الذي هو المديون، وعلى هذا يختلفان في قدر الدين، ويختلفان في نوعه، فقد يتفقان في القدر ويختلفان في النوع، فهما يتفقان على أن الدين مثلاً عشرة آلاف من حيث القدر، ويختلفان في النوع كما ذكرنا: هل هي من الذهب جنيهات، أو هي من الفضة ريالات؟ وقد يتفقان على النوع -كالفضة- ويختلفان في القدر، فيقول أحدهما: لي عليك عشرة آلاف، ويقول المديون -الذي هو الراهن-: بل لك علي خمسة آلاف. فحينئذٍ اتفقا على النوع واختلفا في القدر. وفي هذه المسائل يكون المدّعَى عليه هو الراهن، والمدعِي هو المرتَهِن، أي: صاحب الدين. والغالب -كما ذكرنا- أن صاحب الدين يذكر الأكثر، والمديون يذكر الأقل، وحينئذٍ إذا قال الراهن مثلاً: لك علي عشرة آلاف، وقال صاحب الدين: بل لي عليك خمسة عشر، فنحن على يقين أنه أخذ عشرة آلاف، والخلاف فقط في الخمسة؛ لأن الذي يقول: لي عليك خمسة عشر، فإن معناه: أنه يُقر بأن العشرة آلاف ثابتة، وكذلك أيضاً من يقول: لك علي عشرة آلاف، فالقدر المتفق عليه عشرة آلاف، والمختلف فيه الخمسة، وقس على ذلك، فمحل النزاع إذا اختلفا في قدر الدين يكون في الزائد، فإن قال: عشرة آلاف، وقال الآخر: اثنا عشر ألفاً، فالاتفاق على العشرة والخلاف في الألفين. وإن قال: لك علي عشرة آلاف، فقال: بل لي عليك أحد عشر. فحينئذٍ الاتفاق على العشرة، والخلاف في ألف. وهذا الألف الزائد نطالب صاحب الدين بإثباته، ونقول له: ألك بيِّنة؟ فإن قال: ليس عندي بينة، أي: ليس عنده كتابة ولا شهود يشهدون أن الدين أحد عشر، فحينئذٍ نقول: ليس لك إلا يمين المدّعَى عليه، والقول قول الراهن. هذا بالنسبة لمسألة قدر الدين، فإننا نرجع في قدر الدين إلى الراهن؛ لأنه مدَّعَى عليه. وقد سبق أن ذكرنا: أن المدَّعِي والمدَّعى عليه لهما ضابط، فقلنا: إما أن يكون بالنفي والإثبات، كقول الناظم: قيل من يقول قد كان ادَّعى ولم يكن لمن عليه يدَّعى فمن يثبت فهو مدعي، ومن ينفي فهو مدَّعَى عليه، فكيف نثبتها هنا؟ وكيف نطبق هذه القاعدة؟ نقول: إن الذي يقول: لي عليك خمسة عشر فهو مُثبِت ومدعي، وهو صاحب الدين، والذي ينفي هو الراهن الذي يقول: ليس لك علي إلا عشرة آلاف، فهو مدعى عليه. وقيل: من يقول: قد كان، أي: الذي وقع وحصل خمسة عشر هو المدعي، ومعنى قوله: ولم يكن، أي: لم تكن خمسة عشر، إنما كانت عشرة آلاف، هو المدَّعَى عليه وهو الراهن. وعلى هذا ينطبق الضابط الأول، وهو: ضابط النفي والإثبات. وكيف نطبِّق الضابط الثاني وهو الأصل؟ وكيف انتزعنا من هذا الضابط أن الراهن مدَّعى عليه، وأن المرتَهِن وصاحب الدين مدعي؟ نقول: الأمر واضح؛ لأن الأصل براءة ذمة المديون الذي هو الراهن، فالأصل أن الخمسة ليست عليه، والمتفق عليه هو العشرة آلاف، فإذا أثبتنا وتيقنا أن ذمته خالية، فإن ذمته بريئة حتى يثبُت ما يدل على شغلها، ولذلك يقول العلماء والفقهاء في كتبهم: الأصل براءة الذمة، فالأصل أنك غير مديون بالخمسة، والأصل أن ذمتك لا تُشْغل بالخمسة إلا بدليل، فإذا كان يقول: لي عليك دين، فأنت تسلم أن له عليك ديناً، لكن تسلِّم بالعشرة وتُنازع فيما زاد، فحينئذٍ تكون الخمسة الزائدة الأصل براءة ذمتك منها، حتى يدل الدليل على شغلها، وعلى هذا تنطبق الضوابط التي ذكرناها على قول المصنف رحمه الله: (ويقبل قول الراهن) أي: أن قول الراهن هو المقبول، وهو المعمول به في قدر الدين، هذا إذا اختلفا، أما إذا اتفقا فلا إشكال. يبقى السؤال: إذا اتفق القدر واختلف النوع، فما الحكم لو اتفقا في القدر واختلفا في النوع؟ كأن يقول: لي عليك عشرة آلاف جنيهات، فقيمتها أغلى، فقال: بل لك علي عشرة آلاف ريالات، فحينئذٍ يتنازعان، فبعض العلماء يقول: الأصل أن نحتكم إلى العرف. فالعرفُ إن شهِد بصدق أحدهما فالقول قوله، لأن العرف إذا كان بالريالات، فقد ذكرنا قول الناظم: تمييز حال المدعِي والمدّعَى عليه جملـة القضـاء وقــعا فالمدعِي من قوله مجــرد من أصلٍ أو عرفٍ بصدق يشهد فقوله: (أو عرف بصدق يشهد)، فالعرف يشهد بصدق إحدى الدعاوى، فإذا قال له: لي عليك عشرة آلاف من الجنيهات، وقال الآخر: بل من الريالات، والعرف يتعامل بالريالات، فنقول: القول قول من قال بالريالات؛ لأن العرف يشهد بأن الديون تجري بالريالات لا بالجنيهات، فإن كان العرف بالجنيهات أو (بالدولارات)، حُكِم بذلك العرف. هذا مما يستثنى في مسألة قول الراهن، لكن بعض العلماء يقول -كما اختاره المصنف-: إنه يُقبل قول الراهن مطلقاً، لكن لو نُظِر إلى قواعد القضاء التي ذكرناها، فيكون هناك تفصيل، فنقبل قول الراهن إذا شهِد الأصل أو شهِد العرف بصدقه. ...... تابع قبول قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده قوله: (ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده) كما إذا قال له: رهنتك سيارةً، فلم تردها. إذا فرضنا أن الدين عشرة آلاف ريال، فدُفِع سيارة في مقابل الدين، فإذا سدد الراهن، فإنه يجب رد الرهن إليه، فصورة المسألة: أن الراهن إذا سدّد الدين الذي عليه؛ فإن له أن يطالِب بالرهن، ويقول: كما أنني وفَّيت لك بأداء دينك عليّ، وفِّ لي برد الرهن؛ لأن الرهن شُرِع من أجل الاستيثاق، فإذا كان الدين قد أُدِّي؛ وجب رد الحقوق إلى أهلها. إذاً: صورة المسألة: إذا قام الراهن بسداد الدين الذي عليه، وإبراء ذمته، فإن له أن يطالب برد الرهن، مثاله: باع رجل عمارته بمليون، فقال له المشتري: أمهلني سنة، فقال البائع: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي الفلانية، أو عمارتي الفلانية، فقال: قبلت. وقبل انتهاء الأجل سدد المديون والمشتري جميع المليون، فإنه يجب حينئذٍ على صاحب الدين أن يرد الرهن؛ لأن الرهن ملكٌ للراهن المديون، وإنما أُخِذ منه حيطة واستيثاقاً كالوثيقة، احتُفِظ بها حق صاحبها. أما إذا اختلفا فقال الراهن: لم تعطني أرضي، وقال صاحب الدين: بل رددتها إليك، فهل نقبل قول الراهن، أو نقبل قول المرتهِن؟ أو من الذي يُطالب بالبيّنة والدليل على الرد؟ هل نطالب الراهن أو نطالِب المرتَهِن؟ في هذه المسألة ننظر إلى الأصول: فالأصل أن الرهن موجودٌ عند المرتَهِن، فتبين أن الرهن ليس في يد الراهن؛ لأن الكل متفق على أن الراهن قد دفع الأرض للمرتهن، وصاحب الدين -الذي هو المرتهن- يقول: رددت لك، ومعناه: أنه يُسَلِّم بأنه قد أخذ. فإذا جاءك شخصان أحدهم يقول: لي على فلان ألف، فقال الآخر: قد رددتها عليه، فإذا قال: قد رددتها عليه، فمعناه: أنه أقر أن عليه لفلان ألفاً. فهذا ينبغي أن يُلاحظ. فإذا قال صاحب الدين: رددت الرهن إليك، فإننا نقول: اليقين أن الرهن في ذمتك، والأصل أنك مطالب برد الرهن إلى صاحبه؛ لأنك تسلم أن حقك رجع إليك، وهو الدين، وتسلم بأن الراهن قد وضع عندك الرهن. إذاً: نحن على يقين بأن ذمته مشغولة، ونطالِبه بالدليل، كما أنه أقر، والإقرار كما يقولون: أقوى الحجج؛ لأنه شهادة من الإنسان على نفسه. فالقاضي ليس عنده إشكال أن المرتَهِن يقر أن الراهن أعطاه الرهن الفلاني، فما على القاضي إلا أن يبحث أو يطالب المرتَهن -وهو صاحب الدين- بدليلٍ يدل على براءة ذمته، كما أنه على يقين من أنها مشغولة، وحينئذٍ تعكس القضية أو تصوِّرها بصورة ثانية، فتقول: القول قول الراهن. إذاً معناه: أن الرهن في ذمة المرتَهِن، حتى يثبت أنه قد رد ذلك الرهن إلى صاحبه. وعلى هذا قالوا: إذا قال له: قد رددت الرهن إليك، وقال: ما رددت الرهن إليَّ، فحينئذٍ نطبِّق القواعد: وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى (قد كان) أي: صاحب الدين يقول: رددتُ، (ولم يكن) أي: الراهن يقول: ما رددتَ. فإن القول قول الراهن، فتخرَّج على القاعدة التي ذكرناها في الخلاف: أن من ينفي فالقول قوله، ومن يُثبِت يُطالَب بالدليل، وكذلك إذا نظرنا إلى الأصل، فإنه حينما قال له: قد رددت عليه أرضه، فإن الأصل أن ذمته مشغولة برهن الأرض حتى يدل الدليل على براءتها. وعلى هذا تستقيم القاعدتان اللتان سبق ذكرهما، ويصبح الراهنُ مدَّعى عليه، والمرتَهنُ مدَّعياً، وهذا من عدل الله عز وجل بين عباده؛ لأنه لا يمكن أن نضيِّع الرُّهون، وقد تأكدنا وتحققنا أنّ ذِمم أصحاب الديون قد شُغِلت بها. ...... قبول قول الراهن في كون الرهن مالاً محترماً قال رحمه الله: [وكونه عصيراً لا خمراً]. هذه المسألة تُعرَف: بإثبات القيمة ونفي القيمة. فإنه يشترط في الرهن أن يكون له قيمة، أي: أن يكون مالاً محترماً شرعاً. فإن قال قائل: ما الدليل على اشتراطك أن يكون الرهن مالاً محترماً؟ فنقول: إن الله عز وجل ما شرع الرهن إلا من أجل أن يُسدد الدين منه، فالحكمة من مشروعية الرهن أنه إذا عجز المديون عن سداد الدين، فإنه يُباع الرهن ويُسدد منه، فمعنى ذلك أنه ينبغي أن يكون الرهن له قيمة، فإذا لم تكن له قيمة فحينئذٍ تفوت الحكمة التي من أجلها شُرِع الرهن، وعلى هذا قال العلماء: يُشترط في الرهن أن يكون مالاً محترماً شرعاً، أي: له قيمة، وكل شيءٍ له قيمة معتبرة شرعاً، فإنه يوصف بكونه مالاً. مسألة: إذا قال الراهن: أريد منك أن تعطيني ديناً خمسمائة ريال، فقال له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك هذا (الكرتون) من العصير مثلاً، والعصير له قيمة، فقال له: قبلت، فأخذ العصير ووضعه عنده رهناً، فلما تم حلول الدين وأخذ حقه، ادعى صاحب الدين أنه لم يرهنه عصيراً، وإنما رهنه -والعياذ بالله- خمراً، كأن يكون الراهن كافراً، فالكافر الذمي الذي يكون بين المسلمين، قد يستدين منك وتطالبه برهن، فعندهم الخمر لها قيمة، وفي دينهم وشريعتهم لها قيمة، وإن كان لا يصح من المسلم أن يقبله رهناً، لكن ادعى المسلم أن الراهن سواءً كان مسلماً أو كافراً إنما رهنه خمراً، فإذا ادعى المسلم أنه رهنه خمراً، فحينئذٍ يبقى الإشكال: هل نقبل قول الراهن أو نقبل قول المرتَهِن؟ فإن قبلنا قول الراهن أثبتنا المالية للرهن، وإن قبلنا قول المرتَهِن جعلنا الرهن ذا قيمة، مع أنه خمر لا قيمة له، فالمُرتَهِن يريد أن يفوت الرهن فهو يقول: إنما هو خمر، أو يقول: هو ميتة، أو يقول: هو خنزير، بمعنى أنه شيء لا قيمة له؛ لأن الخمر والميتة والخنزير ونحوها مما لا قيمة له لا يأذن الشرع ببيعه؛ ففي الصحيحين من حديث جابر : (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخنزير والأصنام)، فلو قال: إنه ميتة، فمعنى ذلك: أنه لا قيمة له. ومثال ذلك في الميتات: لو قال له: رهنتك شاةً حية، فقال: لا، بل رهنتني شاة محنَّطة ميتة. فحينئذ المحنط من الميتات -كما سبق بيانه في بيع الميتات- ليس له قيمة، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه، إذا كان ميتة غير مذكاة، فلو قال له: محنّط، فمعناه: أنه لا قيمة له، ولو قال له: شاة حية، فإن لها قيمة، أما المحنّط فلا يجوز بيعه ولا شراؤه؛ لأنه ميتةٌ. وبناءً على ذلك أصبح عندنا قولان: قول يقول: أعطيتك رهناً له قيمة، وهذا القول قول المديون، وهو الراهن، وقولٌ يقول: لم تعطني شيئاً له قيمة، إنما أعطيتني شيئاً لا قيمة له، سواءً كان خمراً أو ميتة أو خنزيراً، فما الحكم؟ هل نقبل قول المديون وهو الراهن، ونطالب الآخر الذي هو المُرتَهِن بالدليل والبيّنة، أو العكس؟ قال المصنِّف: يُقبل قول الراهن في كونه عصيراً لا خمراً؛ لأنك تجد أن الراهن يثبت المالية، وهو حق من حقوقه، والمرتَهِن ينفي المالية؛ لأنه يُسقط عن نفسه تبعة أو مسئولية ضمان الرهن، وعلى هذا يقبل قول الراهن؛ لأن العصير له قيمة، والخمر لا قيمة له، وعلى هذا نطبِّق الضوابط التي ذكرناها. وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعَـى فكون الراهن قال: رهنتك شيئاً له قيمة، هذا هو معنى قوله: (كونه عصيراً)، والمرتَهِن يقول: بل رهنتني شيئاً لا قيمة له، فأصبح قول الراهن هو المقبول بالإثبات والنفي، فحينئذٍ الأصل إذا نظرت إلى النفي والإثبات قد تقول: إنه إذا قال له: إنه شيءٌ له قيمة، فالمدعي هو الراهن، وإذا قال: لا قيمة له، فالمدعي هو المرتَهِن، فيكون الجواب حينئذٍ: أن الأصل أن من ارتهن فإنه يرتهن شيئاً له قيمة، فتلغي ضابط النفي والإثبات، وتثبت ضابط الأصل؛ لأنه لا يعقل أن إنساناً يقبل رهناً إلا وله قيمة.. هذا وجه. وبعض العلماء يقول: لا؛ بل الأصل الأول ثابت؛ لأنه في حالة كونه يقول: إنه خمر، أو كونه عصيراً فيه نفي من وجه وإثبات من وجه، والآخر له نفيٌ من وجه وإثبات من وجه، فتعارض النفي والإثبات ورُجِّح بالأصل؛ لأنه في هذه الحالة لو قال: إنه عصير، فهو يثبت المالية وينفي كونه لا قيمة له، وكذلك أيضاً العكس الآخر يثبت كونه لا قيمة له وينفي المالية. وعلى هذا صار نفياً من وجه وإثباتاً من وجه، والآخر نفياً من وجه وإثباتاً من وجه، فرجَّح الأصل ما ذكرناه؛ لأن الأصل في الإنسان إذا جاء يرهن فإنه يرهن شيئاً له قيمة؛ لأن الرهن يقصد منه الضمان، وهل يكون الضمان بما فيه مالية أو لا مالية له؟ الضمان لا يكون إلا بما فيه مالية، وعلى هذا اعتضد قول الراهن، وأصبح القول قوله، وليس بقول المرتَهِن.
إقرار الراهن بعدم ملكيته للرهن قال رحمه الله: [وإن أقر أنه ملك غيره أو أنه جنى قُبِل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكِّه، إلا أن يصدقه المرتَهِن]. قوله: (وإن أقر أنه ملك غيره). هنا مسألة مهمة: لو أن الراهن أعطاك رهناً، فربما يحتال صاحب الرهن بأشياء ليدفع عن نفسه ضرر بيع الرهن، والتصرف فيه، كأن يأتي ويقول: هذا الرهن الذي عندك ملكٌ لفلان، فحينئذٍ أقر بأن هذا الرهن ليس ملكاً له، أو اختصم هو ورجل في الأرض التي وضعها رهناً، فلما حضر عند القاضي قال: الأرض أرض فلان، فحينئذٍ يصبح هناك شيء من الاختلاف: هل نقدِّم كونه رهناً، ونحكم على ما جرى من كونه قدمه رهناً، ونثبت الرهن، ثم نخلِّص صاحب الحق من حقه، ويضمن لصاحب الأرض قيمتها، ويصبح وجهه على صاحب الأرض، أم أننا نقول: إن الأرض ملكٌ للغير، فلا يجوز التصرُّف فيها، فيلغى الرهن وتعود السلعة إلى مالكها؟ هذا أمر محتمل. والمصنف رحمه الله أدخل هذه المسألة هنا لأهميتها، واتصالها بأساس الرهن؛ لأنه حينما ذكر آخر مسألة بكونه عصيراً لا خمراً، فهذا نفي للمالية، فناسب أن يذكر الحيل التي يُقطع بها الطريق عن بيع الرهن وعن سداد الديون، إذ لو فُتح للناس هذا الباب لكان بالإمكان أن يرهن عمارته، ثم بعد ذلك يقول لابن عمه أو قريبه: ادَّعِ أنها ملك لك، ثم يُقِر عند القاضي أنها ملكٌ له، فيتخلّص من ضرر الرهن. فهو عندما رهن ذلك الشيء، وصار الرهن محبوساً لذمة سابقة، وجاءت ذمة لاحقة، ولم يثبت ما يدل على صدقها، لكن لو ثبت ما يدل على صدقها، فهذا أمر آخر، فلو اختصم مع شخص في أرض، فأقام ذلك الشخص شهوداً، وثبت بالشهود أنها لمالكها الحقيقي، فليس هناك إشكال، إنما الإشكال عند حدوث التلاعب والتحايل، وذلك بكونه يُقر بأنها ليست ملكه؛ لأنه إذا أقر أصبح في هذه الحالة عندنا شبهة، فيحتمل أن هذا الإقرار قُصِد منه تفويت الحق على صاحب الدين، وهذا ما يقع كثيراً في الرهونات، فترى المديون -أي: الراهن- يحاول بشتى الوسائل أن لا يُباع الرهن، ويحاول بشتى الوسائل أن يماطل أهل الحقوق في حقوقهم؛ حتى لا يُباع الرهن، وهذا أمر لا تجيزه الشريعة. والأصل أن الرهن ما شرعه الله عز وجل إلا قطعاً للتلاعب في حقوق الناس، وحينئذٍ لا بد من إعمال الأصل الشرعي، فهو إذا أقر، وقال: هذه الأرض التي رهنتها لك هي ملكٌ لفلان، فحينئذٍ عندنا مشكلتان: المشكلة الأولى: أن صاحب الرهن يُطَالَب ببيع هذه الأرض عند عجزه عن السداد؛ لأنها مرهونة، ومعنى ذلك: أنه ما دفع له الدين إلا من أجل أن حقه موثق، وهذه وثيقة بحكم الشرع، قال تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، فالراهن رهن، وقبض المرتَهِن الرهن، فحينئذٍ ثبت أن الرهن لصاحب الدين. المشكلة الثانية: أنه لما أقر لشخصٍ آخر فإن الإقرار حجة، وقد اختصم معه عند القاضي، والقاعدة في الشريعة: أن المقر إذا أقر على نفسه لمدَّعٍ عليه أنه يؤاخذ بإقراره، مادامت شروط الأهلية للإقرار موجودة، فالأصل يقتضي ما دام أنه أقر لزيد من الناس، أن نحكم بأن الأرض ملكٌ لزيدٍ من الناس، فيقع الإشكال: هل نقدم صاحب الدين وقضية الرهن، أو نقدِّم المالك الحقيقي للأرض بإقراره؟ يقول العلماء: في هذه المسألة شبهة، والإقرار حجة، ونسلِّم بذلك، لكن قد صَحِبَتْهُ الشبهة، وإذا صحبته الشبهة وجب سد الذرائع، وعندنا حقان: حق الراهن، وحق من أُقِرّ له في الدعوى الثانية، وحق الراهن سابق، وهو يقيني فليس فيه شبهة، والظاهر والمتبادر والأصل أن المديون لا يرهن إلا ما يملكه، فكونه يسكت ويترك الأمر حتى يخشى بيع رهنه، ويأتي ويُقر لزيدٍ من الناس أو لعمرو من الناس؛ هذا فيه شبهة. فقالوا: نقبل إقراره لكن على نفسه، ونُبقي الرهن على حاله؛ لأن الأصل بقاء يد الرهن، وهو عقدٌ لازم قد تم بين الطرفين، ثم ننظر: فإذا انتهت المدة وسدد الدين، عرفنا أنه رجل أقر بحق، فننزع الأرض منه ونعطيها لمن أقر له، فقُبِل إقراره على نفسه، واستوثقنا بالدين؛ لأن الدين أُدِّي إلى صاحبه، فإن مضت المدة ولم يُسدد، فحينئذٍ الأصل أنها رهن وأنها ملكٌ له، فتُباع، ثم يحكم القاضي بأن فلاناً فوّت على فلان أرضه بقيمته، فحينئذٍ يُلزم بضمان هذه الأرض، فإما أن يُطالَب بشرائها ممن انتقلت إليه، ويرد عين الأرض كما فوّتها على أهلها، وإما أن يضمن قيمتها لصاحبها، وعلى هذا يُقبل إقراره على نفسه، لكن لا يُقبل إقراره ملغياً للأصل الذي ذكرنا.. هذا في الإقرار. لكن لو أن رجلاً استدان مائة ريال، فقال له صاحب الدين: أعطني رهناً، فقام وأخذ مسجلاً على جاره أو أخيه، ثم رهنه دون إذنٍ منه، فمعنى ذلك: أنه اغتصبه الرهن، فلما وضعه في الرهن، ادّعى الأخ أو صاحب المسجِّل عليه عند القاضي فأقر، فحينئذٍ يكون قد أقر بملكية المسجِّل لصاحبه، فيبقى المسجل على الأصل، أي: يبقى رهناً، هذا هو الظاهر، ويكون إقراره فيه شبهة، ثم بعد ذلك نحكم ببيع المسجِّل على الظاهر، مثلما فعلنا في الأرض، ونرد لصاحب الحق حقه، ثم نطالبه بأخذ هذا المسجِّل بقيمته بالغاً ما بلغ، أو يضمنه لصاحبه. فمثلاً: لو بِيع هذا المسجِّل بخمسمائة ريال، والدين مائة ريال، فنأخذ منها مائة ونسدد صاحب الدين، ونرد الأربعمائة لهذا الشخص، ثم نقيم الدعوى الثانية، ونطالبه بشراء المسجِّل ممن أخذه؛ لأن الشراء صحيح، وعلى هذا فولاية القاضي ببيعه كرهن ولاية صحيحة، ثم بعد ذلك نطالبه بشراء المسجل ثانية غالياً أو رخيصاً ويرده إلى صاحبه، فتبقى يد الرهن على ما هي عليه، وضُمِن الحق لصاحبه، وقُبِل الإقرار، فأُعمِلت جميع الحقوق؛ رُد إلى هذا حقه، ورُد إلى هذا حقه، وقبلنا إقراره على نفسه. ونضرب مثالاً آخر يكون فيه الحكم مختلفاً: لو قال له: أعطني مائةً ديناً، فقال له أعطني رهناً، فقال: هذا المسجِّل رهن عندك، فأخذ صاحب الدين المسجِّل، ثم تبيّن أنه ملكٌ لغيره، فادّعى زيد أن فلاناً أخذ مسجِّله ثم احتال عليه ورهنه، فطلبه القاضي، وقال له: هل أخذت من فلان مسجلاً؟ فقال: لا، ما أخذت. فأنكر، فأقام زيدٌ -الذي هو صاحب المسجِّل- البيِّنة وشاهدين عدلين على أن المسجل مسجِّله، فحينئذٍ يحكم القاضي بنزع اليد ورجوع المسجِّل إلى صاحبه، ثم يُطالَب هذا الراهن ببديلٍ عنه يقوم مقامه. إذاً: يفرَّق بين كونه مقراً؛ لوجود شبهة، وحتى لا يتخذ طريقة للتلاعب لبيع الرهن، والرهن يكون استيثاقاً لحقوق الناس التي ضمِنها الشرع بهذا النوع من العقود، وبين كونه منكراً وثبت أن المال ملكٌ للغير؛ وذلك لوجود البينة بعد الإنكار.. هذا بالنسبة لمسألة الإقرار، ومسألة الإنكار. وعليه: فإننا نقبل إقراره على نفسه فقط، ولا يكون ملزِماً لزوال يد الرهن اللازمة. ...... إقرار الراهن بجناية الرهن على غيره قوله: (أو أنه جنى). قديماً كان الرقيق ربما يجني جناية، وإذا جنى جناية ففي بعض الأحيان تكون الجناية في قيمته، ولربما استوعبت الرقيق بكامله، فدُفِع إلى من جنى عليه، وكذلك الدابة، فلو أن الدابة حصلت منها جناية على وجهٍ يوجب الضمان، فنأخذ نفس الحكم، فإذا كان قد ارتهنها، فإنه في هذه الحالة إذا أقرّ بالجناية مثلما إذا أقر بالملكية، فكل القضية في كونه يُدخِل على الرهن يداً غير اليد الأولى، وهذا بالإقرار وليس بالبينة التي هي الشهود، أما لو كانت بالبينة فقد بيّنا الحكم، وهو أنه يصير فيها مُوجِب الضمان، لكن بالنسبة لمسألة إدخال اليد الثانية على اليد الأولى، في صورة ادعاء الملكية، كأن يُقر بأنه ملكٌ لغيره، أو يُقر بأنه جنى.. مثاله: لو رهن رقيقاً، وهذا الرقيق جنى جناية تستوعب قيمته، كأن تكون قيمة الجناية عشرة آلاف ريال، وهي قيمته، فحينئذٍ يقال للمجني عليه: أتريد المال أم الرقبة؟ فإن قال: قبلت الرقبة، فإذا قبل المجني عليه الرقبة، فهذا معناه أن الرهن سيفوت، فإن وقع بإقرارٍ حُكِم كقضية الملكية السابقة، وإن وقع ببيِّنة فلا إشكال.
وجوب رد الحق الذي أقرّ به الراهن إلى صاحبه بعد فك الرهن قوله: (قبل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكِّه). أي: فإن سدد الدين، وفُكّ عن العين الرهن، فحينئذٍ يطالَب برد الحق الذي أقر به إلى صاحبه. مثاله: لو قلنا: استدان مائتين، ثم رهنه ساعة قيمتها خمسمائة، فادّعى رجل أن الساعة له، فأقر الراهن أنها له، فننتظر إلى أن ينتهي الأجل، فإذا سدّد الدين، فنقول: يُفك الرهن، وتُرد الساعة للراهن، ويحكم عليه بإقراره فتُنزع من الراهن وتُرد إلى صاحبها، هذا بالنسبة لقوله: (قُبل على نفسه)، وقوله: (وحُكم بإقراره بعد فكه) بعد رد الرهن وفكِّه.
حكم من رهن مال غيره إذا صدقه المرتهن قوله: (إلا أن يصدقه المرتَهِن). أي: أن بعض الناس تقبل منه ذلك، وتعلم أنه صادق ولو لم يقم بيِّنة، فالرجل الصالح التقي الورع الذي تعامله وتعرفه بالأمانة، ربما أخطأ ورهن مال غيره، وهذا قد يقع، فحينئذٍ إذا أقر لغيره، وقال: هذا المال ليس لي، فحينئذٍ يُحكم بكونه قد رهن ما ليس له، فإن رهن ما ليس له، فبعض العلماء يقول: ننظر إلى الشخص المالك، فإن قبله رهناً فحينئذٍ لا إشكال، كأن يقول له: ما دمت قد أقررت أنه مالٌ لي، فأنا أقبل أن يكون ضماناً لدينك، فكما أنه يجوز أن يضمنه بنفسه، يجوز أن يضمنه بماله، هذا إذا رضي، ويمضي الرهن على هذا، وأما إذا قال: بل أريد مالي، فحينئذٍ ينزع ويطالب ببديل عن ذلك الرهن.
الأسئلة ...... تعارض الأصل والظاهر السؤال: عند الاختلاف متى يُحكم بالظاهر ويُترك الأصل أثابكم الله؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذا سؤال جيد، وفي الحقيقة مسألة تعارض الأصل والظاهر مسألة دقيقة؛ بل تعتبر من أدق مسائل القواعد، وهذا من توفيق الله للسائل، ولا شك أن السائل أحسبه من طلاب العلم، فالسؤال قوي ومركَّز. ومسألة الظاهر ومسألة الأصل نقول فيها: إن الظاهر دائماً يستدل بدلائل وعلامات وصفات معينة، فيُحكَم بكونه ظاهراً، فمثلاً: في قضية النجاسات، إذا دخل الشخص إلى دورة المياه، فإنه يجد الماء على البلاط، فإن كان في المكان المنفصل عن النجاسات، فالظاهر أنه طاهر، وليس هنا قضية أصل وعدمه؛ لأنه توجد صفات مؤثرة ومواضع تقوي شيئاً إما الطهارة وإما النجاسة، فالظاهر يقوم دائماً على الصفات، فإذا دخلنا إلى دورات المياه، فبالنسبة لأماكن الوضوء إذا كانت مفصولة وجرى الماء فيها، فإننا نحكم بكونه طاهراً؛ لأنه ليس ثم دليل على نجاسته. ولكن إن كان الماء في داخل دورات المياه، أي: في مكان قضاء الحاجة، فإن هذه الأماكن الظاهر منها أنها نجسة، فلو طار على الإنسان رذاذ، فإن كان من المكان المحكوم بظاهر الطهارة فيه فهو طاهر، ولا يؤثر، فلو وطئ بقدمه ثم وجد على ثوبه أثر الماء الذي يكون بعد المشي أو المسير، فإنه يحكم بكونه طاهراً؛ لأن الظاهر طهارته، ولو وطئ في موضع النجاسة، أو مثلاً سقط حجر في مكان النجاسة فتطاير الرذاذ، فإن الظاهر إذا أصاب الثوب أنه نجس. إذاً: عندنا في الظاهر الدلالة والعلامة التي يُستند إليها في ظاهر الحال، وليست في الأصل، فإن الأصل له جانب آخر، ويُحكم بالظاهر في مسائل العبادات والمعاملات أيضاً، فالعبادات كما ذكرنا. والظاهر في المعاملات: مثاله: لو أن شخصين اختصما في سيارة، فأحدهم يقول: هي سيارتي، والثاني يقول: بل هي سيارتي، وأحدهما في مقعد القائد والثاني بجواره، فلمن تكون السيارة؟ تكون للذي في مقعد القائد؛ لأن الظاهر يشهد بأنها سيارته، وظاهر الحال يدل على صدق دعواه وكذب دعوى من خالفه، وكذلك أيضاً لو حُكِم بالظاهر في البيت، كرجلين يختصمان في بيت، أحدهما ساكنٌ فيه، والثاني خارج عنه، فنقول: الظاهر أنه بيت من هو ساكن فيه، حتى يقوم الدليل على اليد الخارجة.. هذه كلها تعتبر من مسائل الظاهر. أما مسائل الأصل: فإنها تعرف بالمعاني، فالظاهر -كما ذكرنا- يعرف بالمحسوسات والصفات، ولكن الأصل يعرف بالمعاني، فمثلاً: إذا جئت إلى ماء، وشككت هل هو نجس أو طاهر؟ فتقول: الأصل أنه طاهر حتى يدل الدليل على نجاسته، ولو مشيت في طريق -مثلاً- فوجدت ماءً على الطريق، ثم أصابك منه شيء، فإننا نقول: الأصل طهارته حتى تتحقق أنه نجس؛ لأن الأصل طهارة الأشياء حتى يدل الدليل على نجاستها، ولو كنت مثلاً في البيت، وهناك أطفال وتخشى أن تخرج منهم نجاسة فتنجس فراش البيت، وأردت أن تصلي، فشككت هل أحد منهم دخل الغرفة وهو متنجس فنجسها أو لم يدخل؟ فتقول: اليقين أنها طاهرة، حتى تتحقق أنه دخل ونجسها، ليس دخل فقط، بل دخل وفيه نجاسة وتطايرت النجاسة منه، فبعد التحقق فعليك أن تعدل عن الأصل إلى أصلٍ آخر. إذاً: مسألة الأصل غالباً تتعلق بالمعاني والتقديرات الموجودة في الأشياء، ولكن الظاهر يتعلق بالصفات. وقد يتعارض الأصل والظاهر في مسائل: فبعض الأحيان يقدَّم الأصل على الظاهر، وبعض الأحيان يقدَّم الظاهر على الأصل، وهذه المسألة الكلام فيها طويل، وتحتاج إلى شيء من التحرير، ومن الصعوبة بمكان أن نتكلم عليها في هذه العجالة، ففي بعض الأحيان يُرجَّح الأصل، وفي بعض الأحيان يرجح الظاهر، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما حمل أمامة بنت أبي العاص ، وهو يصلي بالناس، فإنه قدّم الأصل، وإن كان ظاهر أحوال الصبيان أنهم لا يسلمون من وجود أشياء في ثيابهم، ولذلك قدم عليه الصلاة والسلام الأصل وهي الطهارة، ونجد كذلك في بعض السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قدم الأصل وألغى الظاهر، مثال ذلك: السباع ترد على المياه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث)، فقدّم الأصل على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال السباع في البراري أنها تأكل الجيفة والنتن وهي نجسة، والسباع في البوادي الظاهر أنها ترد المستنقعات وتشرب منها، فلما سئل عليه السلام عن الماء وما ينوبه من السباع؟ قال: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث)، فأبقى الأصل وهو طهوريته. وكذلك عندما سُئِل عليه الصلاة والسلام عن بئر بُضاعة وما يُلقى فيه من الحيَّض والنتن، فإن الظاهر أنه لما ألقي فيه الحيض -أي: دم الحيض- وهو نجس، والنتن والقذر، والقذِر يزيل الطهورية إذا غيّر لوناً أو طعماً أو ريحاً، فرجع إلى الأصل، فهنا الظاهر أنه نجس؛ لأن الذي يظهر أنه إذا ألقيت النجاسة فإنها تؤثر، وهذا هو المعروف من الحال، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء)، فرد إلى الأصل. فهذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى شيء من التفصيل والتوضيح، وفي بعض الأحيان تأتي النصوص مقوية لترجيح أحد القولين، وفي بعض الأحيان يُترك الترجيح لأفراد المسائل، ففي في بعض الأحيان الصحابة رضوان الله عليهم يقدِّمون الأصل ويلغون الظاهر، كما في حديث الأعرابي لما جاء إلى المسجد ورفع ثوبه ليبول، والأصل أنه لا يجوز البول في المسجد، فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر، بادروا بالإنكار، والظاهر أنه إذا سكت فإن هذا نوع من الإقرار، فلم يلتفتوا إلى سكوته، وأنكروا عليه حتى أسكتهم، فقال: (لا تزرموه)، فكان الظاهر على حقيقته من أنه لا يريد الإنكار عليه، ففي بعض الأحيان يقدَّم الظاهر، وبعض الأحيان يقدَّم الأصل، وهي مسألة في الحقيقة تحتاج إلى شيء من التحرير. وكثيراً ما يكون الظاهر داخلاً على الأصل فأشبه الاستثناء، وإذا كان داخلاً على الأصل صار كالمخصِّص لذلك الأصل، وكأنه مستثنى، وتعطيه حكم الأصل الطارئ، فكأنه بمثابة الأصلين: الأصل القديم والأصل الطارئ، وحينئذٍ نقدم الأصل الطارئ على الأصل القديم، ففي بعض المسائل يقدم الأصل الطارئ على القديم، وفي بعض المسائل يقدم الأصل القديم على الأصل الطارئ فتصحب حكم الأصل. فمثلاً: إذا رفعت رأسك من الركوع هل تقبض أو تسدل؟ تقول: الأصل الطارئ هو القبض؛ لأنه لما كبر عليه الصلاة والسلام قبض، والأصل القديم أنه في الصلاة لا أتكلَّف الحركة فأقبض، فيتعارض الأصل القديم مع الأصل الطارئ. الشاهد: أن هذه المسائل تحتاج إلى دراسة، وإعطاء قاعدة فيها أمر من الصعوبة بمكان، إلا أن بعض العلماء ذكروا هذا، فقد ذكره الزركشي في المنثور في القواعد، فيرجع إليه في مسألة تعارض الأصل والظاهر، كذلك أيضاً أشار إليها السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الفقه، وكذلك ابن لجين رحمه الله في الأشباه والنظائر، فقد ذكر مسألة تعارض الأصل والظاهر، وهي مسألة جيدة وفيها نصوص، ومن تأمل شروحات الأحاديث المطوَّلة كشرح الحافظ ابن حجر ، فسيجد أنه بعض الأحيان يقول: فيه دليل على تقديم الأصل على الظاهر، وبعض الأحيان يقول: وفيه دليل على تقديم الظاهر على الأصل. ولو تُرِكت كل مسألة كي تُبحث على حدة، فإن ذلك يكون أمعن وأدق في بيان وجه الصواب، والله تعالى أعلم.
حكم بيع الراهن للرهن دون إذن المرتهن السؤال: رجلٌ رهن مجموعة قطع من الأراضي لأحد التجار، ثم بعد مدة بدأ الراهن ببيع هذه الأراضي دون إذن المرتَهِن، علماً بأنه يخبر المشتري بحال هذه الأراضي وأنها مرهونة، وسوف يضمن له المال إذا لم يتم سداد الدين بعد سنتين، فما هي مشروعية هذا البيع، وهل يأثم المشتري أثابكم الله؟ الجواب: هذه المسألة تعرف بمسألة: التصرف في الرهن، والتصرف في الرهن في الأصل لا ينفذ، وبعض العلماء يرى أن التصرف في الرهن إذا كان من الراهن بالبيع يجعله موقوفاً، فإذا تم سداد الدين، وأراد إنفاذ البيع بعد سداده نفذ، كما لو باع مال غيره، كبيع الفضولي، فإنه يبقى موقوفاً على إجازة المالك الحقيقي، ومنهم من يلغيه ويقول: لا يصح، وهذا هو الأشبه، أن الرهن لا يدخله بيع إلا بإذن الطرف الثاني؛ لأن هذا هو الأصل، وهذا هو المقصود من حكمة مشروعية الرهن. وقد سبق بيان هذه المسائل والإشارة إليها في مسائل التصرُّف في الرهن، ويد الرهن، ويد المرتَهِن على الرهن التي تمنع من تصرُّف الراهن فيه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب الرهن [6] ينقسم الرهن إلى قسمين: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، فللمرتهن أن ينتفع به بقدر ما ينفق عليه، ويكون ذلك في المركوب والمحلوب، وقسم لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، وله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الرهن لقاء الدين، وله ثلاث صور: - الأولى: أن ينتفع بالرهن دون إذن الراهن، فهذا لا يجوز بالإجماع. - الثانية: أن ينتفع بالرهن بدون عوض، أو بأقل من عوض المثل، فهذا أيضاً لا يجوز. - الثالثة: أن ينتفع بالرهن بعوض المثل فهذا جائز. الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن المبيع، ففي هذه الحالة يجوز الانتفاع بالرهن بعوض المثل، أو بدون عوض المثل، أو بدون عوض. أقسام الرهن من حيث الكلفة والمئونة وعدمها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ: وللمرتَهِن أن يركَب ما يُركب ويحلب ما يُحلب بقدر نفقته بلا إذن]. هذا الفصل فصلٌ مهم جداً في باب الرهن. والرهون إذا أخذها أصحاب الديون فإنها تنقسم إلى أقسام: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، وهذا الذي يحتاج إلى مئونة وكلفة قد يكون فيه فوائد، مثل الركوب، كالسيارات ونحوها، وبعض الأحيان تكون فيها منافع، كالأنعام التي تحلب كالإبل، والبقر والغنم، ويكون منها الصوف والوبر، فهناك منافع تكون في هذه الأعيان المرهونة. ...... الرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة فالأعيان المرهونة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون من الأعيان التي لا تحتاج إلى مئونة في حفظها، ولا تحتاج إلى كلفة. القسم الثاني: أن تكون من الأعيان التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حفظها. أما بالنسبة لتصوير القسمين ثم الدخول في أحكامهما، فالقسم الأول: هو الذي لا يحتاج إلى مئونة؛ كرجلٍ قال لك: بعني عمارتك، فقلتَ له: أبيع لك هذه العمارة بنصف مليون، فقال لك: قبلت، فقلت له: أعطني ثمنها، فقال: ما عندي الآن ولكن سأعطيك في نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي التي في جدة، وهي الأرض الفلانية، وجعل الأرض بصكِّها رهناً عندك، فالأرض التي رهنها لا تحتاج إلى كلفة، فهذا مثال في العقارات التي لا تحتاج إلى كلفة. ومثاله في المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة: كالسيارات، فإن السيارة لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، فإذا قال لك: أعطني عشرة آلاف ديناً إلى نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك سيارتي، ويأتي بسيارته ويدخلها في مكان آمن. إذاً: هي من جنس المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة، وكذلك لو قال لك: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال لك: أرهن عندك هذا الكيس من الأرز، والكيس من الأرز لا يحتاج إلى كلفة في غالبه وأكثر أنواعه، وكذلك لو قلت له: أعطني ديناً مائة، فقال: أعطني رهناً، فقلت: أرهن عندك هذا (البشت) أو هذا الثوب، و(البشت) أو الثوب لا يحتاجان إلى طعام ولا إلى شراب. إذاً: النوع الأول هو ما لا يحتاج إلى مئونة. ولابد من فهم هذا فهماً جيداً؛ لأن التفصيلات التي ستأتي مهمة جداً في مسألة الرهن؛ ففيها مداخل للربا، ومداخل للقرض الذي جر نفعاً، فنحن نقرر الآن القسمين ونضبطهما بالأمثلة. فالقسم الأول كما ذكرنا: أن يكون الرهن لا يحتاج إلى مئونة ولا كلفة، ومن أمثلته في العقارات: الأراضي، والدور، والعمائر ونحوها، فإنها تُقفل وتصك أبوابها ثم تترك، فهذه لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وهذا في العقارات، أما في المنقولات مثل: الأطعمة، والأكسية، والثياب، والأغذية مثل: البر، والشعير، فهذه كلها لا تحتاج إلى طعام ولا تحتاج إلى مئونة.
الرهن الذي يحتاج الى مئونة وكلفة القسم الثاني: ما يحتاج إلى مئونة وكلفة؛ كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا فيه ما يُحلب ويُركب، وفيه ما يُركب ولا يحلب، وفيه ما يحلب ولا يركب، وفيه ما لا يركب ولا يحلب، فهو على أربعة أنواع: النوع الأول: أن يكون مركوباً محلوباً، فهو يحتاج إلى مئونة وكلفة، ولكن فيه منفعة الركوب، ومنفعة الحليب، ومن أمثلته: الناقة، فإن الناقة تحتاج إلى أن تطعمها وتعلفها، وهي تُركب، فله أن يركب عليها، وهي تُحلَب، فله أن يأخذ من حليبها ودرّها، هذا بالنسبة للنوع الأول من القسم الثاني. النوع الثاني: أن يكون مما لا يحلب ولا يركب، مثل: الأرقاء قديماً، ومثل: التيس من الغنم والفحل من الشياه والغنم، فإنه لا يحلب، وأيضاً لا يركب، والفحل من البقر ليس فيه حليب ولا يمكن أيضاً ركوبه في الغالب، هذا بالنسبة للنوع الثاني، أن يكون مما لا يحلب ولا يركب. النوع الثالث: أن يكون مما يحلب ولا يركب، مثل الشاة، فإذا كان فيها حليب فله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها، وكذلك البقرة فيها حليب وله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها في الغالب، فهذا مما يُحلب ولا يركب. النوع الرابع: أن يكون مما يركب ولا يحلب، كالفحل من الإبل، فإنه يركب عليه ولكن لا يحلب.
حكم الانتفاع بالرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة إذاً: هذا هو القسم الثاني: أن يكون من جنس ما يحتاج إلى مئونة وكلفة من طعام وشراب وقيام عليه. وبهذا نكون قد عرفنا أن الرهن فيه ما يحتاج إلى مئونة وكلفة، وفيه ما لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، فنبدأ بالذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، كالبيوت والدور والأرضين إذا وُضِعت رهناً، فإنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين -الذي هو المرتَهِن- أي منفعة منها إلا بحقها، هذا من حيث الأصل، أو إذنِ صاحبها. ويرد التفصيل في هذا النوع، وهو الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة: فقالوا: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن إذا لم يأذن له صاحب الرهن، مثاله: رجل استدان خمسمائة ألف، ورهن في مقابلها عمارة، فلا يجوز لصاحب الدين أن يسكن العمارة، ولا يجوز له أن يؤجرها للغير، ولا أن ينتفع بأي منفعة موجودة في العمارة، هذا من حيث الأصل. وما هو الدليل على أنه يحرم عليه أن يأخذ ذلك؟ نقول: إن الأصل في الرهن أنه ملكٌ لك أنت أيها المديون، والأملاك لا يجوز أن يؤخذ منها -أي: من منافعها- إلا بإذن أصحابها ورضاهم، فإذا كان صاحب الرهن -وهو الذي أعطاك العمارة- لم يأذن لك بتأجيرها، ولم يأذن لك بمنفعتها، فلا يجوز لك أن تأخذ منها، وهذا بإجماع العلماء. أما لو أذن لك أن تتصرف في هذا المال، وأذن لك أن تنتفع به، فلا يخلو سبب الرهن من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يأذن بحقه، فيقول: أجِّر العمارة، ولكن الأجرة لي، وليست لك، فأذن لك بتأجيرها على أن تكون الأجرة له، فقلت له: أريد أن أستأجرها أنا، فقال لك: انتفع أنت بالعمارة على أن تدفع الأجرة، فالحكم حينئذٍ أنه انتفع بالرهن بإذن صاحبه، فإن أذِن له بعوض فلا إشكال في الجواز، وحينئذٍ تكون إجارة. لكن السؤال: هل الأصل في العمارة أنها رهن أو عين مؤجرة؟ الأصل أنها رهن، وقد ذكرنا في أول باب الرهن يكون لازماً بالقبض، فإذا قبض صاحب الدين الرهن وحازه عنده فإنه يكون لازماً. وإذا لم يقبض الرهن، وأردت أن لا تعطيه الرهن، فإن هذا من حقك؛ لأن الرهن لا يصير لازماً إلا إذا قُبِض، فمثلاً لو قلتُ لك: أعطيك سيارتي، ولم تقبِضها، فمن حقي أن أرجع عن رهن سيارتي؛ لأن الرهن لا يصير لازماً عليّ إلا إذا قبضتَه، وفائدة ذلك: أنه إذا صار لازماً فلن يستطيع صاحبه أن يغيِّره أو يبدِّله، لكن إذا لم يكن لازماً جاز له أن يغير ويبدل. فالعمارة إذا قُبِضت من صاحب الدين فجاء وقال للمديون: أريد أن أستأجر منك العمارة، بدلاً من أن تكون فارغة فأنا أريد أن أسكن فيها وأستأجرها، فقلنا: ذلك، وحينما قلنا بالجواز انتقلت من الرهن إلى الإجارة، فإذا انتقلت من الرهن إلى الإجارة فللعلماء وجهان: قال بعض العلماء: يزول اللزوم للرهن، وتصبح اليد يد إجارة وهي يد ضمان، بخلاف اليد الأولى فإنها يد أمان لا تضمن إلا إذا فرّطت، فإذا انتقلت إلى عين مؤجرة أُلغيت يد الرهن. وفائدة ذلك: أنه إذا استأجرها شهراً، والرهن لسنة، أنه بعد شهر إذا انتهت الإجارة، وأراد صاحب العمارة أن يمتنع من تسليمها رهناً، كان له ذلك؛ لأنه قد زال لزوم الرهن، وعلى هذا يُحكم بزواله لوجود الانتقال في اليد. الحالة الثانية: أن يأذن بغير عوض، فهذا لا يجوز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وكذلك لو انتفع بالرهن بإذن الراهن، لكن بأجرة فيها شيء من المحاباة والمراعاة، فحينئذٍ لا يجوز؛ لأنه دخلت شبهة قرض جر نفعاً.
حكم انتفاع المرتهن بالرهن قوله: (فصلٌ وللمرتَهِن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب). شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان ما يتعلق بالانتفاع بالرهن، ومن المعلوم أن الرهن تكون فيه منافع، وقد يحتاج إلى مئونة يقوم بها الراهن أو المرتَهِن، ومن هنا يرد السؤال عن هذه المنافع التي تكون في الرهن: هل يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن أو لا يجوز؟ وقد سبق أن ذكرنا أن الرهن له أحوال: فتارةً يكون من الأشياء التي لا تحتاج إلى مئونة، وتارةً يكون من الأشياء التي تحتاج إلى مئونة، ثم فصّلنا في النوع الثاني، وهو الذي يحتاج إلى مئونة، فذكرنا أنه منه ما يكون محلوباً مركوباً، ومنه ما يكون مركوباً غير محلوب، ومنه ما يكون محلوباً غير مركوب، ومنه ما يكون غير محلوب وغير مركوب؛ كالأرقاء. والسؤال في هذه المسألة يقوم على قضية انتفاع المرتَهِن بالرهن هل يجوز أو لا يجوز؟ فمثلاً: قد تضع سيارةً عند شخصٍ رهناً لقاء دين، فتقول: يا فلان! أعطني مائة ألف قرضاً إلى نهاية العام مثلاً، فقال لك: أعطني رهناً، فأعطيته السيارة، أو أعطيته أرضاً، أو أعطيته عمارةً رهناً، فالسؤال: هل يجوز أن ينتفع صاحب الدين من رهنك الذي وضعته عنده أو لا؟ وكل الذي سنتكلم عليه الآن مسألة انتفاع المرتهن بالرهن، وهناك قاعدة عامة ثم فروعٌ تفصيلية. أولاً: أجمع العلماء على أن منافع الرهن من سيارة، أو عمارة، أو أرضٍ، أو دابة، ملكٌ للراهن في الأصل، ولا يحل مال المسلم إلا بطبيب نفسٍ منه، فمن حيث القاعدة العامة، وأصول الشريعة، كلها تدل على أن منافع الرهن سواءً كان من العقارات أو المنقولات ليست من حق المرتهن، أي: لا يجوز للمرتهن أن يعتدي عليها، فينتفع بها بحجة أنها رهنٌ عنده؛ بل إن يده يد أمانة كما ذكرنا، وينبغي عليه أن يحفظ الرهن كما هو بمنافعه. أما لو استأذنك فأذنت له، كأن قال لك: هذه العمارة أريد أن أستأجرها منك مدة الرهن، ومدة الرهن شهر، أو سنة، فقال: أريد أن أستأجرها سنة، فدفع العِوض عن المنفعة، فالسؤال: هل يجوز أن يأخذ المنافع إذا أذنت له أو لا يجوز؟ والإجابة على هذا السؤال تستلزم بيان أنواع الأشياء التي تُرهن، ثم نفصِّل متى يجوز أن ينتفع المرتهن إذا أذن الراهن، ومتى لا يجوز أن ينتفع إذا أذِن الراهن أيضاً. والرهن ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يحتاج إلى مئونة، وهذا القسم مثل: الأرضين، والدور، فالعمارة مثلاً إذا وضعتها رهناً لقاء دينٍ أخذته، فإنها تقفل، ثم هي لا تحتاج إلى مئونة، فلا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وإنما تغلق حتى إذا جاء وقت السداد فإن أعطاك الدين وإلا قمت ببيع العمارة، صحيح أنها تحتاج إلى كنسٍ ونحو ذلك إذا كان الإنسان يريد أن ينتفع بها، هذا النوع الذي لا يحتاج إلى مئونة. مثال آخر للذي لا يحتاج إلى مئونة: كأن يقول المرتهن: أريد أن أسكن العمارة، وهو لا يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ أو يقول: أريد أن أسكن العمارة، وهو يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ لذلك حالتان: ...... حكم الانتفاع بالرهن بعوض وبدون عوض الحالة الأولى: كأن يقول: يا فلان! هذه العمارة التي رهنتها عندي، أريد أن أسكنها مدة الرهن، أو شهراً مثلاً، فهل يجوز إذا استأذنك؟ إن لم تأذن له فلا يجوز بالإجماع، لكن لو أذنت له فهل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب: إذا استأذنك وأذنت له أن يسكن بدون عوض، ففيه تفصيل: فإن كان الرهن لقاء دين فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وإن كان الرهن لقاء قيمة مبيع فإنه يجوز الانتفاع به. إذاً: الذي لا مئونة له إذا كانت له منفعة، وطلبها المرتهن، ولم يأذن صاحب الرهن، فلا يجوز بالإجماع. وإن استأذنه وأذن له فعلى صورتين: إما أن يكون بدون عوض، وإما أن يكون بعوض. فإن كان بدون عوض فلا يخلو سبب الرهن: إما أن يكون قرضاً، أو غير قرض، فالقرض: مثل أن تقول له: أعطني مائة ألف وعمارتي رهن عندك، وغير القرض: مثل أن تقول له: بعني أرضك هذه، فيقول: بمائة ألف، فتقول له: اشتريتها منك بمائة ألف إلى نهاية السنة، فيقول: قبلت، ولكن أعطني رهناً، فقلت: هذه عمارتي، أو سيارتي... إلخ. إذاً: الرهن إما أن يكون لقاء دين، أو غير دين، فإن كان لقاء دين، وأذِنت له أن يأخذ المنفعة بدون عوض، فإنه لا يجوز؛ لأنه قرضٌ جرّ نفعاً، وهو من الربا، ووجه ذلك: أن العمارة إذا سكنها شهراً وقيمة أجرتها ألف ريال، فكأنه ديّنك مائة ألف وألفاً، فيكون أخذ فائدة على ذلك القرض؛ لأنك إنما أعطيته لكونك مستديناً منه، فصار قرضاً جر نفعاً. وعلى هذا فالصورة الأولى: إذا كان يريد منفعة الدار أو منفعة الشيء المرهون بدون عوض في لقاء قرضٍ فلا يجوز؛ لأنه يئول إلى قرضٍ جر نفعاً. الصورة الثانية: أن يقول لك: أنا أريد أن آخذ هذه المنفعة وأسكن في الدار بأجرتها، فإذا قال لك: بعوض، أو قلت له: لا أعطيك إلا بعِوض، فأيضاً لا يخلو من ضربين: الضرب الأول: أن يكون بمثلها، بمعنى: أجرة المثل، لا وكس فيها ولا شطط، فيجوز. الضرب الثاني: أن تكون الأجرة فيها شيء من المراعاة والمحاباة، فدخلت شبهة قرضٍ جر نفعاً. إذاً: مسألة الانتفاع بالرهن -سواءً كان بعوض أو بدون عِوض- إذا كان الرهن لقاء دين، فإنه لا يجوز أن يأخذ المرتَهِن العين المرهونة فينتفع بها، أو بعوض دون مثلها، فإنه في هذه الحالة لا يجوز الانتفاع بها أيضاً. أما لو أخذها في رهن الدين بعوضٍ مقابلٍ لمثلها لا ظلم فيه، فإنه يجوز. فالخلاصة: أن الرهن إذا أُعطي لقاء الدين، وكانت فيه منفعة، وطلبها صاحب الدين، فأخذها بعوض مثلها جاز، ولكن إن طلبها بدون عوض، أو طلبها بعوض دون حقها، لم يجز؛ لأنه قرضٌ جر نفعاً. هذا في الحالة الأولى وهي: أن يكون الرهن لقاء قرض.
حكم الانتفاع بالرهن لقاء ثمن المبيع الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن مبيع، مثل أن يبيعك قطعة من الأرض في مخطّط ويشترط رهناً، فتعطيه عمارةً رهناً، فهذه العمارة أعطيت رهناً لقاء قيمة مبيع، فإذا كانت لقاء قيمة مبيعٍ فالمشهور أنه يجوز أن يأخذ المنفعة بدون عوض، وأن يأخذها بعوض مثلها أو دونه؛ لأن شبهة الربا في هذا منتفية، ومن هنا قالوا: كأنه باعه بالثمن المؤجل، ودخول المنفعة لا يضر على أصل الاستحقاق. هذا بالنسبة لحالة ما إذا كان للرهن منفعة وأراد المرتهن أن يأخذها. إذاً: الخلاصة: أنه إذا طلب صاحب الدين منفعة الرهن، فإن طلبها بدون عوض أو بعوض دون حق مثلها في قرضٍ لم يجز، وإن طلبها بعوض مثلها في قرض جاز. وأما في رهن غير القروض، فإن طلبها بعوض مثلها، أو بدون عوض مثلها، أو بدون عوضٍ أصلاً؛ فإنه يجوز.
انتقال العقد من الرهن إلى الإجارة وإذا كنا نقول: إنه يجوز له أن ينتفع بالرهن بعوض بعوض مثله في حالة القرض، فمثال ذلك: رجل أعطاك مائة ألف ديناً فأعطيته عمارة، فطلب منك أن يأخذ منفعتها في الموسم، وأجرة هذه العمارة إذا أجِّرت في الموسم على من يريد استغلالها مثلاً خمسون ألفاً، فإذا أعطاك خمسين ألفاً فإنه يجوز؛ لأنه أخذ الرهن لقاء إجارة، وقد ذكرنا في أول باب الرهن أن يد المرتَهِن تكون يد أمانة، فهو الآن أراد أن يستأجر الرهن، فهل تنتقل يده من يد الأمانة إلى يد الضمان؟ الجواب: نعم؛ لأنه بالإجارة حينئذٍ يصبح ضامناً، فتخرج يده من يد أمانة إلى يد ضمان، فلو تلف شيءٌ في العمارة فإنه يضمنه. هذا بالنسبة إذا قلنا: إنه تنتقل بالإجارة، ويجوز أن يستأجره، وهناك عقدان: العقد الأول: الرهن، والعقد الثاني: عقد الإجارة، سواءً استغرق عقد الإجارة مدة الدين، كأن يكون مدة الدين سنة، وعقد الإجارة سنة، فلا إشكال، أما دون السنة كشهرين، أو مدة الموسم، أو ثلاثة أشهر، ففي هذه الحالة، عندما أخذها إجارةً انتقلت اليد وزالت يد الرهن، وأصبحت عيناً مؤجرة، وإذا انتهت المدة فهل تعود رهناً؟ الجواب: لا، إذا انتهت المدة فإن صاحب العمارة بالخيار، فإن شاء ردها رهناً، وإن شاء رهن غيرها، وفائدة ذلك: أنه ربما ترهن العمارة وقيمتها مثلاً خمسمائة ألف، وخلال الشهرين تصبح قيمتها مثلاً مليوناً، ويكون من الضرر أن تجعلها رهناً، وقد ترهنها وأنت لا تحتاج إلى أن تستغلّها، ثم لما صار الشهر والشهران بانتفاعها بالإجارة طرأ استغلال لك عليها أو حاجة لك عليها، فحينئذٍ بعد انتهاء المدة أنت بالخيار، فإن شئت أن تعيد العمارة أعدتها، وإن شئت أن تدخل عيناً رهناً بدلاً عنها كان لك ذلك، فكأن صاحب الدين هو الذي ضيّع حقه بزوال اليد، وحينئذٍ يزول لزوم الرهن؛ لأننا اشترطنا أن اللزوم يستديم فيه ببقاء اليد. فإذا كانت اليد دخلت عليها الإجارة، وانتقل الرهن من كونه رهناً إلى إجارة؛ فحينئذٍ يزول لزوم الرهن، هذا هو معنى لزوم الرهن. لزوم الرهن: لو أنك رهنت العمارة وقيمتها مثلاً مائة ألف، والدين لثلاث سنوات، وبعد شهر أو شهرين أصبحت قيمتها مليوناً، فتبقى لازمة عليك، أي: تبقى رهناً، ولو أصبحت بالملايين، لكن إذا أدخلت الإجارة عليها ورضي صاحب الدين، فحينئذٍ انفك اللزوم؛ لأنه قد سبق أن ذكرنا أن المذهب -وهذا مذهب طائفة من العلماء- على أن الرهن يلزم إذا قُبِض واستديم القبض، لكن عندما دخلت الإجارة رفعت استدامة اليد، وحينئذٍ ينتقل من كونه لازماً على المديون، إلا أنه بعد انتهاء مدة الإجارة فهو بالخيار، إن شاء أدخله رهناً مرة ثانية، وإن شاء امتنع عن إدخاله، وأدخل عيناً أخرى مكانه، على ما يتفقان عليه. هذا بالنسبة إذا كانت العين لا تحتاج إلى مئونة كالعمائر والأرضين، فخلاصة ما فيها: أن الأصل العام أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يأخذ منفعة من الرهن إلا بإذن صاحبه، فإذا اعتدى على ذلك ضَمِن، ويتفرع تفرّع على هذا لو أنه استأذنه بعوض وكان العوض لمثل العين جاز، سواءً كان في رهن القروض أو غيرها. وإن استأذنه بعوض دونه، أو بدون عوض في عينٍ مرهونة لقاء دينٍ لم يجز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وأما إذا كان في غير رهن القروض، فإنه يجوز؛ لزوال الشبهة الموجبة للتحريم، والقاعدة: أن الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً، فقد منعنا انتفاعه بدون عوض أو بدون عوض المثل إذا كان في القرض؛ لخوف الربا، وذلك منتفٍ في رهن غير القروض، فيصبح جائزاً على الأصل.
انتفاع المرتهن بالرهن المحتاج إلى مئونة إن أنفق عليه القسم الثاني: أن يكون الرهن يحتاج إلى مئونة، فمثلاً: عندك من هذه الدواب: من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فهذه تحتاج إلى مئونة، فهي تحتاج إلى طعام، وتحتاج إلى شراب، ففي هذه الحالة هل يجوز لصاحب الدين أن ينتفع بها؟ هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كانت العين المرهونة تحتاج إلى نفقة، وقال صاحبها: أنا أنفق عليها، وقام بالنفقة على عينه، فلا إشكال، مثلاً جاء وقال لك: أعطني ألف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذه الناقة رهن حتى أسدد، فأخذت الناقة وأصبح كل يوم -كأن يكون جارك- يقوم على الناقة ويعلفها، أو تكون الناقة عنده ورضيت له بذلك على أن يعلفها ويقوم عليها، فهذا لا إشكال فيه، لكن المشكلة إذا كانت العين تحتاج إلى مئونة وصاحبها غير موجود، أو يتعذر على صاحبها أن يقوم بالنفقة عليها، فأنت تريد الرهن أن يكون عندك، وصاحبها في بلد غير بلدك، فغير معقول أنه كل يوم يأتي ويعلفها أو يقوم عليها، وقد يكون في البلد الواحد، ومن المشقة أن يأتي فيعلفها ويقوم عليها، فحينئذٍ إذا كانت العين المرهونة عندك تحتاج إلى نفقة من طعام أو شراب أو نحو ذلك، فلها أربع حالات: الحالة الأولى: أن تكون محلوبة مركوبة، مثل الناقة. الحالة الثانية: أن تكون محلوبة غير مركوبة، كالشاة فإنها تحلب ولكن لا يمكن الانتفاع بالركوب عليها، وكذلك البقرة تحلب ولكن لا يركب عليها. الحالة الثالثة: أن تكون مركوبة غير محلوبة؛ كفحل الإبل، فإنه يُركب ولا يحلب. الحالة الرابعة: أن تكون غير محلوبة ولا مركوبة، مثل فحل الغنم، فإنه غير محلوب ولا مركوب، وكذلك الأرقاء. فهذه أربعة أحوال وفيه هذه المنافع. ويرد السؤال: إذا كان صاحب الدين يُنفق على هذه العين المرهونة وهي الناقة، فهل يجوز له أن ينتفع في حدود نفقته أو لا يجوز؟ ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن الرهن إذا كان يُركب أو يحلب، أو يجمع بين منفعة الركوب والحليب، فإن من حقك إذا أنفقت عليه أن تركبه وتحلب منه بقدر ما أنفقت عليه. مثال ذلك: لو قال لك: هذه الناقة رهنٌ عندك مقابل الألف التي لك عليّ، فقمت على الناقة وعلفتها بما قيمته مثلاً خمسون ريالاً، فحينئذٍ يجوز لك أن تشرب من حليبها بقدر الخمسين، وأن تركب على ظهرها بقدر الخمسين، ويجوز أن تجمع بين الحليب وبين الركوب بقدر الخمسين، فتجعل -مثلاً- ثلاثين للحليب وعشرين للركوب، فتقدر أن ذهابك على ظهرها إلى داخل المدينة والرجوع بعشرين، عشرة ذاهباً وعشرة آيباً؛ وهذا يتقدَّر بالعُرف، ثم حليبها هذا الذي احتلبته في اليوم الذي أنفقت عليها، قيمته ثلاثون، فحينئذٍ تكون الثلاثين مع العشرين مساوية لنفقتك عليها. فتُقدِّر ما أنفقته وتركب وتحلب على قدر ما أنفقت، فإن كان مركوباً تمحّض انتفاعك بالركوب، وإن كان محلوباً تمحّض انتفاعك بالحليب، وإن كان محلوباً مركوباً جمعت بين الأمرين، أو أخذت منفعة من المنفعتين بقدر حصتها من النفقة، هذا من حيث الأصل الذي ذكرناه. والدليل عليه ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)، أي: عليه أن يعلف الدابة، ويقوم عليها في حدود ما أنفق، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، لا يُظلم صاحب الرهن، ولا يُظلم صاحب الدين، ولا تتلف العين؛ لأنها لو تُركت بدون طعام ولا شراب لتلفت. وعلى هذا أخذ المصنف رحمه الله هذا الحكم، فبيّن أنه يجوز للمرتَهِن ومن له الدين أن يركب الرهن وأن يشرب منه بقدر ما أنفق عليه في طعامه وشرابه.
جواز الانتفاع بالرهن المحتاج إلى مئونة بدون إذن الراهن وقوله: (بقدر نفقته بلا إذن). الفائدة هنا أنه لا يحتاج إلى إذن؛ والسبب في ذلك: أن الإذن موجودٌ من الشرع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا إذنٌ شرعي، والله عز وجل يملك العباد وما ملكوا، فالله ملّكنا ذلك، وبيّن أنه إذا رهن أحدٌ عندك عيناً تُركب وتحلب، وأنفقت عليها، وركبت وحلبت بقدر ما أنفقت؛ فقد عدلت وأقسطت، والله يحب المقسطين، ولا تحتاج في ذلك إلى إذن المالك، هذا بالنسبة للشرب والركوب.
حكم انتفاع المرتهن بالرهن غير المحلوب يبقى السؤال: غير المركوب وغير المحلوب إذا احتاج إلى نفقة، فهل يُقاس على المركوب والمحلوب؟ جماهير العلماء على أنه لا يُقاس ولا يُلحق، وحتى الإمام أحمد رحمه الله لما قال بهذه السنة وعمل بها، سُئِل عن غيرها، فخصّص الحديث بما ورد؛ لأن الأصل يقتضي أنه لا يجوز لك أن تنتفع بمال غيرك إلا بإذنه، وبحقه، فلما جاءت السنة تستثني هذا الأصل فيما يُركب ويحلب، بقي ما عداه على الأصل الذي يوجب عدم ملكية المنافع إلا لأصحابها، ولا يجوز لمن له الدين أن ينتفع إلا بإذن المالك الحقيقي.. هذه خلاصة ما ذُكِر. فالحاصل: أنه يجوز في القسم الثاني إذا كان الرهن يحتاج إلى مئونة وكان مركوباً محلوباً، جامعاً بينهما، أو فيه إحدى الخصلتين يجوز لمن له الدين أن ينتفع في حدود ما أنفق. فإن كان غير محلوبٍ ولا مركوب، فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وحينئذٍ يفصل فيه من ناحية إذا أنفق فإنه يحتسب قدر ما أنفق على ذلك المرهون، ثم يطالب المالك الحقيقي بنفقته، كما سيأتي إن شاء الله.
الإنفاق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكان الرجوع إليه قال رحمه الله: [وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع]. قوله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) إذا استأذنه فلا إشكال، وقد ذكرنا المحلوب والمركوب، فالمحلوب والمركوب لا يحتاج إلى إذن، وغير المحلوب والمركوب -كما كان في الأرقاء في القديم ونحوهم- إذا احتاج إلى نفقة، فإنه إذا أنفق عليه بدون إذن صاحبه مع إمكان أن يستأذنه، فإنه لا يُعطى نفقته؛ والسبب في ذلك: أن المطالب في الأصل هو المالك، فكونه لم يستأذن ولم يأمره أحد أن يُعطي بل أعطى تلقائياً، دلّ على أن العطية محض تبرّع، وهذا يسمونه: الاستناد إلى الظاهر؛ لأن المالك الحقيقي موجود، فكونه موجوداً ويمكنه أن يتصل به أو يرسل إليه، أو يأتيه بنفسه ويقول له: إني سأنفق على الرهن فهل تأذن لي؟ فكونه لم يفعل ذلك، هذا يسمونه: دلالة الظاهر، وقد سبق أن ذكرنا الظاهر والأصل، فهذا من الظاهر فيُعمل به، ويقال: هذا محض تبرّع. وقال بعض العلماء: يرجع إلى نيته، فإن كان نوى أنها تُحتسب احتسبت، وإن كان نوى أنها لا تحتسب فإنها لا تحتسب، وتكون محض التبرع. والمراد بقوله: (لم يرجع)، أي: ليس من حقه أن يرجع على المالك الحقيقي فيطالبه، فيقولون: رجع، لم يرجع، وعليه أن يرجع، هذا هو المراد به، أنه إذا دفع مثلاً ما قيمته خمسمائة ريال نفقة، وكان بإمكانه أن يستأذن المالك الحقيقي ولم يستأذنه، فحينئذٍ ليس من حقه أن يرجع ويطالب المالك الحقيقي بالنفقة. ...... النفقة على الرهن عند تعذر الرجوع إلى الراهن قال رحمه الله: [وإن تعذّر رجع ولو لم يستأذن الحاكم]. قوله: (وإن تعذر) أي: إن تعذر عليه أن يرجع إلى المالك الحقيقي، وإن لم ينفق صارت الدابة معرضة للموت، والوقت ضيق، فتعذّر عليه أن يرجع؛ وذلك لصعوبة الاتصال به، أو سافر الراهن، وتعذر أن يتصل به أو يجد وكيلاً عنه، فقام وأنفق، فإنه يرجع؛ لأن الشبهة هنا قائمة، والأصل أن نفقته محسوبة، وقد قلنا هنا: إنه يرجع؛ لأنه لما أنفق هذا المال، فالأصل أن يرجع في ضمانه، هذا هو الأصل، ولما تعذّر عليه الرجوع سقط تأثير الظاهر؛ لأن في الظاهر ما يدل على الشبهة لوجود العذر، وحينئذٍ لا نلزمه، ولا نقول له: يسقط حقك؛ بل نقول: إن من حقك أن ترجع عليه بقدر النفقة. فلو أنفق عليه مثلاً في حدود خمسمائة ريال، وقيمة الرهن عشرة آلاف ريال، والدين تسعة آلاف ريال، فلما انتهى الوقت جاء وسدد تسعة آلاف ريال، وقال له: أعطني الرهن، فقال: بقي خمسمائة تكفّلتُها نفقة على الرهن، فإن قال: لا أعطيك، فحينئذٍ من حقه أن يطالبه، ويقول له: أعطني هذه الخمسمائة وهي تابعة للدين، فيُلزم بإعطائه، ويجب عليه أن يعطيه، سواءً استأذن الحاكم أو لم يستأذنه. وبعضهم يقول: عليه أن يستأذن الحاكم والوالي، والمراد بالحاكم هنا القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فالسلطان ولي من لا ولي له)، فجعل القضاة والحكام إنما يُرجع إليهم إذا تعذّر الرجوع إلى الأصل، فهم يقومون مقام الناس في القيام على مصالحهم، وعلى هذا قالوا: إنه يرجع إلى الحاكم فيستأذنه أولاً ثم ينفق، ولا شك أن الرجوع إلى القاضي متى أمكنه الرجوع إلى القاضي أحوط.
النفقة على الوديعة مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه قال رحمه الله: [وكذا وديعة]. أي: إذا أنفق على وديعة، ومثاله: رجلٌ أعطاك وديعة، فإذا احتاجت هذه الوديعة إلى نفقة، وأمكنك الاتصال به، فإنه يجب عليك أن تتصل به وتستأذنه، وإن لم يمكنك الاتصال به على التفصيل الذي ذكرناه في الرهن، فمن حقك أن تطالبه بنفقتك على وديعته، سواءً قلنا باستئذان الحاكم أو بدونه، وأما إذا أمكنك أن تستأذنه ولم تستأذنه، فإن نفقتك على الوديعة تعتبر محض التبرّع، وليس من حقك أن تطالب بالنفقة. ...... النفقة على العارية مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه قال رحمه الله: [وعارية]. أي: إذا استعار شخصٌ شيئاً، واحتاج هذا الشيء إلى نفقة، فإنه يرجع إلى مالكه الحقيقي ويستأذنه، فإذا لم يستأذنه مع إمكان الاستئذان، فإنه يتحمل مسئولية النفقة، وأما إذا لم يمكنه وتعذر عليه الاستئذان وقام بالنفقة، فإنها تضمن على التفصيل الذي ذكرناه في استئذان الوالي وعدم استئذانه. ...... النفقة على الدواب المستأجرة الهارب صاحبها قال رحمه الله: [ودواب مستأجرة هرب ربها]. وذلك مثل الإبل في القديم، فإذا أستأجرها الإنسان من أجل الركوب، ثم هرب صاحبها، فهذه الدواب ستبقى عندك، وتكون يدك عليها قائمة، يد حفظ، فتحفظها لأخيك المسلم، وبعض العلماء يُلزمك بالحفظ هنا، ولا خيار لك، تُلزم بحفظها، وتقوم عليها حتى يأتي ربها وصاحبها، ثم تنفق عليها منها، فإذا أنفقت عليها منها فلا إشكال، وأما إذا لم تجد منها شيئاً وقمت أنت بنفسك وأنفقت من مالك، فحينئذٍ يكون من حقك الرجوع على مالكها الحقيقي إن جاء يطالبك يوماً من الأيام؛ لأنه تعذر عليك أن تتصل به وتطالبه، فيجوز لك حينئذٍ أن تؤاخذه بضمان؛ لأن هذه العين التي هي الإبل أو الدواب التي تُستأجر للركوب أو نحو ذلك مثل الثيران، فقد كانت في القديم تستأجر للحراثة، وفي زماننا لو كانت السيارة مستأجرة، ثم حصل ظرف لصاحبها وغاب فجأة، وأصبحت السيارة عندك واحتاجت إلى نفقة، أو إلى رعاية، فأنفقت عليها مع تعذر الاتصال بصاحبها، فإنه حينئذٍ إذا رجع طالبته بضمان ذلك الشيء الذي أنفقته على عينه؛ ووجه ذلك: أن هذه العين غُرمها وغنمها على مالكها الحقيقي؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الخراج بالضمان)، فغرمها وغنمها لمن يضمن، أي: يأخذ الغنم وعليه الغرم، فلما كان ربحها له، كذلك أيضاً غرمها ونفقتها وخسارتها وأعباؤها وتكاليفها على مالكها الحقيقي، أما يدك فإنها يد حفظ. ففي هذه الحالة -في العارية، وفي الرهن، وفي العين المستأجرة- إذا لم يتيسر الاتصال بمالكها الحقيقي وكنت معذوراً، جاز لك أن تقوم بالمعروف بالنفقة عليها، ثم تطالبه بضمان ما أنفقت. ...... تعمير المرتهن لخراب الدور والأراضي المرهونة ونحوها قال رحمه الله: [ولو خرِب الرهن فعمّره بلا إذن رجع بآلته فقط]. الخراب: ضد العمار، فلو أن العين المرهونة -كالمزارع، والأرضين ونحوها- أصبحت خراباً، أو اخترب بعضها، فقام المرتهن باستصلاحه، فإنه في هذه الحالة العين والرقبة موجودة، ويمكن أن تبقى وتبقى ماليتها بحالها، بخلاف الإبل والبقر والدواب، فإنه إذا لم تنفق عليها فستموت وتتلف وتذهب ماليتها، فهناك فرق بين الاثنين، ثم في هذه الحالة يكون الدفع هنا دفع إجارة، وفيه مبايعة من جهة المئونة، فيلتزم به فقط بقيمة الآلة التي تم بها الاستصلاح، ولا يطالبه بالفضل، وليس له أن يقايضه على ذلك منفعة، وذلك بالعرف، فتكون مثلاً بناء هذه الدار واستصلاحها بخمسين ألفاً، وتكلفتها بالعرف أربعون ألفاً، وعشرة آلاف تكون ربحاً لمن يقوم باستصلاحها، فهنا ليس له أن يربح، وإنما يكون له فقط أجرة الآلة التي استصلح بها، فيملك فقط المئونة، وليس من حقه أن يقايض على ما فيه مصلحة ونماءٌ زائد. وهذا بالنسبة لمنفعة الاستصلاح، بخلاف منفعة النفقة التي تبقى بها العين، فهنا محض تبرع فيه نوع من الفضل؛ فأرضي إذا انهدمت فإن من حقي أن أبنيها أو لا أبنيها، لكن الدابة إذا ماتت ففي الغالب أنني لا أرضى بموتها، فكونه في هذه الحالة عندما خربت الأرض أتى وعمرها، فأنا قد أرضى أن تسقط وتخرب وتبقى على حالها، لكن الإبل والبقر والغنم التي حياتها وماليتها موقوفة على النفقة لا أرضى بتلفها. فهناك فرق بين الحالتين، فالنفقة في الأولى مستحقة ولازمة، وتبقى المالية عليها، وكأنه محض التصرف الرشيد، وفي موضعه، أن تنفق لبقاء الإبل والغنم والبقر ونحوها من الرقاب المرهونة أو المستعارة أو المؤجرة، لكن في حالة ما إذا كانت العين داراً فانهدمت، أو مزارع مثلاً فعطشت، فأصلح آبارها أو نحو ذلك، فإنه لا يأخذ إلا نفقة الآلات التي بها تحققت المنفعة، وليس من حقه أن يقايض أو يطلب الربح أو النماء الزائد. أما لو استأذن فإنه يملك مطالبته بجميع ما أذن له به، وذلك في حدود الإذن، فلو قال له مثلاً: ابن هذا دورين، فبناهما دورين على نفس الصفة المتفق عليها، فله أن يطالبه بالنفقة كاملة. ...... الأسئلة ...... جواز إدخال الإجارة على الرهن ومباينته لعقد البيعتين في بيعة السؤال: أشكل عليَّ انتقال يد الراهن من الأمانة إلى الضمان، وذلك إذا استأجر الرهن، فهنا ابتدأ بعقد الرهن وانتهى إلى الإجارة، فوسع هنا في هذه المسألة، وحرم في البيوع عن بيعتين في بيعة، وتردد العقد بين البيع والإجارة، فهل من حكمة في التوسيع هنا، والتضييق هناك؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأما بالنسبة لمسألة الرهن وانتقاله إلى الإجارة فليس هو على سبيل التشريك، فينبغي أن يُفرّق بين هذا وبين عقد البيعتين في بيعة، وعقد الإجارة الذي ينتهي بالتمليك عقدان في عقد. أما الرهن مع الإجارة فعقدان منفصلان: الرهن عقد منفصل له شروطه وله ضوابطه، والإجارة عقد مستقل له شروطه وله ضوابطه، فإذا تعاقدا على رهن وأبقيا يد الرهن على ما هي عليه فرهن، وإن رفعا الرهن باختيارهما ورضاهما فهذا جائز، فمثلاً: لو أنني أخذت رهناً منك، ثم جئتني وقلت: يا فلان! أنا محتاج للرهن وأريد أن أنتفع به، فهلا سامحتني وأقلتني، فقلت لك: قد سامحتك، وأخذتَ الرهن، فإنه يجوز بالإجماع. فانتقلت يد الرهن من الرهن إلى عقد آخر، دون أن يجتمعا. لكن العقد في بيعتين في بيعة هنا اجتمع العقدان في عقد واحد، كأن يقول لك: أبيعك هذه الدار بعشرة آلاف حاضرة، أو بعشرين إلى نهاية السنة، وتفترقا قبل التحديد، أما لو حددتما فليس هناك إشكال، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما -كما روي عنه في مصنف ابن أبي شيبة وغيره-: أما إذا بت فلا إشكال. فجمهور السلف رحمهم الله على أنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، وأخذ بإحدى البيعتين، فإنه خرج عن بيعتين في بيعة، وليس هناك خلاف إلا قول سماك ورواية عن طاووس رحمهما الله؛ وذلك لأن العقدين لا يدخلان في عقد واحد إلا إذا افترقا، فإن افترقا، وقد أعطاه البيعتين ولم يحدد، فقد أدخل العقدين في عقد، أما هنا -في عقد الرهن والإجارة- فإنه لم يدخل العقدين في عقد؛ لأن عقد الرهن على حدة، ثم اتفقا على انتقاله من الرهن إلى الإجارة، كما لو اتفقا على أن يعود على صاحبه. إذاً: ليس هناك أي إشكال، فهذا شيء وهذا شيء، ولا يعتبر هذا من تداخل العقود. وهكذا لو قال لك: استأجِر العمارة عشرين شهراً بعشرة آلاف كل شهر، ثم بعد سنة تملكها، فهو ليس بعقد إجارة، وليس بعقد بيعٍ محض، وإنما أدخل البيعتين في بيعة، أو أدخل العقدين في عقد، على القول بأن الإجارة بيع، ولا شك أنها نوع من البيع الذي هو بيع المنافع، فأدخل البيعتين في بيعة من جهة بيع منفعة، وبيع عين، أدخلهما في عقد واحد، وقد استأجرتَ العمارة وفي نيتك أن تملكها، والتزم لك أن يملكَك في نهاية العام، فأدخلتما عقدين في عقد واحد، فالغرر في هذا واضح. وهكذا لو قال له: أبيعك بعشرة حاضرة وبعشرين إلى أجل، وافترقا قبل التحديد، فقد أدخلا الصفقتين في صفقة واحدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في تتمة حديث البيعتين في بيعة: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)؛ وذلك لأنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة وبمائتين إلى أجل، وفارقك قبل أن يحدد، فإما أن يعطيك الوكس وأنت ترجو المائتين إلى أجل، فيقول لك: أريد أن أشتريها بمائة حاضرة، فضيّع عليك المائتين إلى أجل، وأنت تحب أن تكون إلى أجل، وهذا هو أوكسهما، أو أخذها وهو يريد أن يدفعها مائة، ثم قال: هلا خففت عليَّ فجعلتها إلى أجل، فوقع في الربا، فعاوض عن المائة التي في نيته أن يشتري بها إلى المائتين في أجل، فتحقق فيه ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) ، أما لو بتَّ، واشترى بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، كما هو موجود في بيع التقسيط، فليس هذا ببيعتين في بيعة؛ لأنه ليس له أوكسهما ولا الربا؛ ولأن العقد تم على سعرٍ معيّن، فالسلعة قيمتها حاضرة بمائة، وقيمتها إلى أجل بمائتين، ستشتريها بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، فهذا ليس من بيعتين في بيعة في شيء. ولو قلنا: إن كونه يعرض عليه القيمتين في الصفقة يدل على أنه بيعتين في بيعة، لدخلت جميع البيوعات في المساومات؛ لأنه في المساومة يقول له: بعني بعشرين، فيقول: لا، بل بثلاثين، كما لو قال له: بعني بعشرة حاضرة أو بعشرين إلى أجل، فالمعنى في هذا واضح. وعلى هذا لا يُعتبر إدخال الإجارة على الرهن كالبيعتين في بيعة، ولا يعتبر هذا موجباً للإشكال؛ لأن الرهن مستقل وعقدٌ قصد به الاستيثاق على وجه شرعي معتبر، وتم وبت على الصفة المشروعة، ثم اتفق الطرفان على إلغائه وإنشاء عقد الإجارة، وليس هذا من التداخل في شيء، وعليه فإنه يزول الإشكال، والله تعالى أعلم.
حكم تلف الرهن عند المرتهن السؤال: إذا رهن عندي رجلٌ بعيراً، ثم مات هذا الرهن عندي قبل السداد، ثم طالبني به، فما الحكم أثابكم الله؟ الجواب: إذا مات البعير، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يموت بدون تفريط منك، فليس من حقه أن يطالبك، ويدك يد أمانة. الحالة الثانية: أن يموت بتفريطٍ منك، فإنك تضمن، وعلى هذا يفصّل في مسألة ضمان الرهن. مثاله: قال لك شخص: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فأعطاك ساعة أو مسجلاً أو كتاباً، فتلفت الساعة، أو تلف الكتاب، أو تلف المسجل، فإنه لا يضمن إلا إذا فرّط، فإن كان تلف هذه الأعيان بسبب تفريط منه فإنه يضمن، وأما إذا لم يفرِّط في ذلك فإنه لا ضمان عليه، وحينئذٍ تكون يده يد أمانة على التفصيل الذي سبق بيانه، والله تعالى أعلم.
حكم استصلاح الدور المؤجرة من قبل المستأجر السؤال: من كان مستأجراً لدار، وأراد أن يصلح فيها ما خرب، فهل لا بد أن يستأذن من المالك عموماً، أم يصلح مرافقها ويحتسب ما أنفقه من قيمة الإيجار؟ الجواب: إذا استأجرت داراً فليس من حقك أن تتصرف في عين الدار، فتغير فيها أو تُحدث فيها إلا إذا استأذنت مالكها، أما ما يكون من جنس المنافع ومن حقك عرفاً أن تفعله، فإنك تفعله، فإذا كان هذا الذي تفعله فيه ضرر أو فيه زيادة أو نقصاً أو تغيير لصفة العين المؤجرة، فلابد أن تستأذن. فلو استأجرت داراً مكونة من أربع غرف، وكان بالإمكان أن تفتح كل غرفتين على بعضها، فلابد أن تستأذن، ولا تنقل الجدار الحائل إلا بإذن، وكذلك أيضاً لو أردت أن تحدث أشياء، كوضع المسامير في الجدار أو نحوها، فلابد أن تستأذن، فإن لم يأذن لك وفعلت ذلك من عندك، فإنه يجب عليك شرعاً إذا فرّغت الدار أن تسلمها بالصفة التي استلمتها عليها. وهذه مسألة من أعظم المسائل التي يعظم فيها الضرر، وأحبِّذ للخطباء وأئمة المساجد أن يذكِّروا الناس بالله عز وجل، فإن حقوق العيون المؤجرة -في هذا الزمن- ضائعة بين الناس إلا من رحمهم الله، فالمستأجر إذا انتهى وخرج من البيت، أو خرج من الدكان أو العين المؤجرة، فإنه يخرج منها بحالة قد تحتاج إلى استصلاح يقارب نصف قيمة الأجرة، ومما لا يخفى أنه قد تكون هذه العين أو هذه العمارة ملكاً لأيتام، وقد تكون ملكاً لأرامل وقفاً عليهم، ولذلك يعتبر هذا المال الذي أفسده المستأجر في ذمته ورقبته يوم القيامة، فلو أفسد العين المؤجرة، وأحدث وغيّر وتصرّف فيها، فإنه يجب عليه أن يعيدها على الصفة التي استلمها بها، حتى ذكر العلماء الكنيف الذي هو محل قضاء الحاجة، فقد كان في القديم ينزح وينظف، فقالوا: إذا استلمه نظيفاً، فلابد أن يخرج وهو نظيف، بمعنى أنه لا يبقيه بفضلته، وذلك كله من باب التشديد في الحقوق. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الناس في عرصات يوم القيامة تطيش عقولهم من الذنوب والمظالم؛ لأنه يؤتى بالمظالم مثل الخردلة وأدنى من ذلك: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، والله عز وجل قد أمر العباد برد الحقوق إلى أهلها، فهذا حق، فإذا استأجرت العين كاملة فتردها كاملة، وإذا استأجرتها سليمة فتردها سليمة، أما لو أضر بأرضيتها، أو بسقفها، أو بجدارها، أو بأي شيء فيها، فإنه يضمن ذلك ويرده كاملاً إلى صاحبه. فينبغي تنبيه الناس في هذا الأمر؛ لأنها من الحقوق التي تضيع بين الناس، ويُنبَّهون على الأمور التي ينبغي أن يراعيها المسلم مع أخيه المسلم في مثل هذه العقود؛ من ضمان الحقوق، وعدم الظلم، وعدم الأذية، وعدم الإضرار، فليتق الله المسلم في حقوق إخوانه، خاصة الأوقاف المؤجرة؛ لأنها تكون ملكاً لأناس مستحقين؛ كالضعفة والعجزة، وتصرف غلّتها عليهم، فإذا أُفسِدت هذه الأوقاف وضُيِّعت، فحينئذٍ تضيع حقوق من تصرف لهم. والناظر هو المسئول أمام الله عز وجل؛ لأن تساهل الناظر وسكوته يمكِّن المفسد من إفساده، فإذا جاء الناظر ليستلم العين المؤجرة، فعليه أن يطالب المستأجر أن يسلمها كما استلمها، أما أن يتركه يفسد فيها ويغيّر فيها ويعبث على مرأى منه ومسمع، فإذا سلمها سلمها ناقصة، ثم صرف من غلة الوقف لاستصلاحها؛ فهذا ظلم لأصحاب الحقوق، وينبغي التنبه لمثل هذه الحقوق والتنبيه عليها؛ لما فيها من الأذية والإضرار الذي نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، نسأل الله العظيم أن يجنبنا الزلل، وأن يعصمنا في القول والعمل، والله تعالى أعلم.
جواز انتفاع المرتهن بصوف البهيمة إن أذن له الراهن السؤال: هل يدخل في الانتفاع صوف الشاة، فله أن يجزّه ويبيعه أثابكم الله؟ الجواب: ظاهر النص الانتفاع بالحليب والركوب، هذا الذي ورد به النص، سواءً أذن أو لم يأذن، ويبقى فيه الحكم على التفصيل الذي ذكرناه، أما صوف البهيمة وشعرها، فليس من حقه أن ينتفع به بدون إذن إذا أنفق عليها؛ بل يبقى على الأصل من وجوب الاستئذان على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
حكم القراءة في الكتب المرهونة بإذن وعدمه السؤال: إذا كان الرهن كتباً للعلم، فهل القراءة فيها من باب الانتفاع، ويدخل في مسألة القرض الذي جر نفعاً أثابكم الله؟ الجواب: مسألة قراءة الكتب، بعض العلماء يرى أن العلم لا يُملك، فكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس ملكاً لأحد، ولذلك قال تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:57]، فقالوا -بناءً على هذا الأصل-: يجوز أن تقرأ في كتاب الغير ولو لم تستأذنه. ومن ذلك: القصة المشهورة بين سحنون وهو عبد السلام الفقيه المالكي المشهور، وبين أسد بن الفرات ، وأسد بن الفرات من الفقهاء الأجلاء الذين ارتحلوا إلى ابن القاسم في مصر، وكان أسد بن الفرات يريد أن يلقى الإمام مالكاً بنفسه ويسأله، فتوفي الإمام مالك وهو في مصر، فسأل عن أعلم أصحابه، فقيل: ابن القاسم ، فجاء إلى ابن القاسم ، وقال: إني سائلك، فما كان عندك من قول مالك فأخبرني عنه، وما لا قول لـمالك فيه فأخبرني عن الأشبه بقوله، -ويسمَّى: التخريج على القواعد والأصول-، فأفتاه وبيّن ما يُسمى: بالمدونة، ثم رجع إلى المغرب، فجاء سحنون ، وهو عبد السلام ، ويقال: سُحنون و سَحنون، قال الناظم: وسين سَحنون بفتح قد ترام وقد تضم واسمه: عبد السلام الشاهد: أن سحنون جاء إليه وقال له: أعطني مدوّنتك أنقل ما فيها، فقال له: لا أعطيك، فقال: إنه لا يجوز لك أن تخفي هذا العلم عني، فقال له: كتابي، ولي الحق أن أعطيه من أشاء وأمنعه ممن أشاء، فقال: لكن العلم ليس ملكاً لك، فاختصما إلى القاضي، فقال أسد بن الفرات : الكتاب كتابي، والمداد مدادي، والقلم قلمي، يعني: أنا الذي كتبت، وهذا الشيء المكتوب ملكٌ لي، فأنا لا أدعي ملك العلم، ولكني أدعي ملكية الكتاب، والكتاب يُملك، الذي هو الصفحات والأوراق والجلد، والمداد ملكٌ لي، والقلم الذي خط ملك لي، وهذا هو الذي يفرِّعون عليه الآن حقوق الطبع. فقال سحنون : إن العلم لا يُملك، فقال القاضي: إن الكتاب كتابه -ولكن هذا لحكمة من الله، وقل أن يبخل إنسان بالعلم إلا محق الله بركته-، فلما قضى القاضي لـأسد بن الفرات ، ارتحل سحنون إلى ابن القاسم في مصر، فأخبره القصة، فدوّن له مدوّنة أخرى، ورجع عن مسائل في مدوّنة أسد ،وسأل الله أن ينزع البركة من مدوّنة أسد ، فتلِفت وضاعت وما بقيت إلا مدوّنة سحنون إلى يومنا هذا. إذاً: العلم ما يبخل به أحد إلا محقت بركته، نسأل الله السلامة والعافية. فالشاهد: أن مسألة ملكية الكتاب بذاته، إذا قلنا: إن العلم لا يملك؛ كان من حقه أن يقرأ، ويقرأ باستحقاق شرعي خارج عن العين المرهونة، وإن قلنا: إن الكتاب يُملك، فحينئذٍ تكون العين مملوكة، وليس من حقه أن يفتحها ويقرأ إلا بإذن من المالك. وفي الحقيقة: النفس تميل أكثر إلى أن العلم لا يُملك، وهذا هو الذي تقرِّره النصوص وتدل عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - باب الضمان لقد جاء الإسلام بحفظ الكليات الخمس: الدين والمال والنفس والعرض والعقل، ومما يحفظ به المال ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه من الرهن والحوالة والضمان، فهذه كلها عقود يستفاد منها الرفق واستيفاء الحقوق، والضمان هو أحد هذه العقود، والذي يكون بإضافة ذمة إلى ذمة في دين أو عين، ولكي يثق الإنسان من رجوع حقوقه؛ فإنه لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف؛ لأنه لو ضمن غير جائز التصرف لضاع المال. والضمان له أحكام ومسائل عدة بينها أهل العلم. مشروعية عقود الاستيثاق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: قال رحمه الله: [باب الضمان] هنا ثلاثة أبواب مهمة، الباب الأول: الرهن، الباب الثاني: الضمان، الباب الثالث: الحوالة، وإذا تأملت الأبواب الثلاثة حيث جاءت وراء بعضها، ذكر المصنف الرهن، والرهن متصل بالقروض، فالمناسبة واضحة، وبعد أن فرغ من أحكام الرهن دخل في الضمان، وباب الضمان من أهم الأبواب، وتعم به البلوى، والناس دائماً يسألون عن أحكامه، وهو موجود إلى زماننا اليوم، وهو ما يسمى: بالكفالة: كفالة مال، وكفالة وجه، وكفالة حضور، كل هذه مما تعم بها البلوى حتى في زماننا. فباب الرهن، وباب الضمان، وباب الحوالة، ثلاثة أبواب توصف في الفقه الإسلامي بأنها عقود استيثاق، يعني: يتوثق بها في الحقوق. ففي الرهن يستوثق صاحب الحق -المال الذي دفعه، أو العين التي باعها- من حقه بالرهن، وفي الضمان يستوثق صاحب الحق أيضاً بالرجل الكافل، أو الضمين أو الضامن، أو الحميل أو الزعيم، أو الغارم، كلها بمعنىً، يستوثق من حقه، فيقول لك مثلاً: أنا أعطيك مائة ألف، ولكن أعطني كفيلاً، مثلما قال لك: أعطني رهناً، فهنا يقول: أعطني كفيلاً، فهناك استيثاق بالعين، وهنا استيثاق بالأشخاص والذمم، كذلك أيضاً الحوالة فيها نوع استيثاق؛ لأنه إذا عجز عن السداد، فإنه يحيلك على شخص له دين عليه، وقد يكون ليس له دين عليه، فيحيلك لكي تستوثق من حقك وتصل إليه، فهذه ثلاثة أبواب مرتّبة على ترتيب المصنف رحمه الله. فالضمان والكفالة والزعامة والحمالة، كلها بمعنىً، والضمين والحميل والكفيل والزعيم كله بمعنىً، وإن كان في بعض الأحوال يقع تفصيل، فالضمين الغالب أن يكون ضميناً في الأموال، والكفالة تكون في الأموال وتكون في الوجه وفي الأبدان، فتتكفل بإحضار الشخص، وقد تكون في قصاصٍ أو نحو ذلك، هذا بالنسبة للكفيل، وأما بالنسبة للزعيم، فهو الذي يتحمل الأموال الباهضة، فلا يقال: زعيم إلا إذا كان في شيء باهضاً، مثل شيوخ القبائل، وشيوخ العشائر إذا أصلحوا بين الناس في الخصومات، يقول: أنا زعيم، يعني: أنا أضمن ما وقع من الخطأ من طرف على آخر، هذا بالنسبة للزعيم، ومنه قوله تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، يعني: أنا به ضمين، وأنا به كفيل، وأنا أتحمّله، هذا بالنسبة للكفالة. أما فيما يتعلق بالحمالة، فالحميل في لغة العرب في القديم -ولا زال إلى عهد قريب- هو الذي يتحمل الديات، فالحمالة تكون في الديات، وهناك ألفاظ مثل: الصبير، والقبيل، فالصبير والقبيل يشمل هذا كله، يكون صبيراً في الأموال، يكون صبيراً في الأنفس، فيقول: أنا صبير، يعني: الصبير أصله من الشاة المصبورة المحبوسة، كأنها مصبّرة، فكأنه حبس نفسه ورهن نفسه لقاء هذا الحق. والقبيل يكون نداً ويتحمل، وكان هذا موجوداً ولا يزال إلى زماننا هذا -وإن كان بصورة أقل في زماننا- فحينما كان الخير منتشراً بين الناس كانوا يتحملون، ولا يكون للحمالات ولا للضمانات إلا أهلها الذين عُرِفوا بالكرم وبقوة النفس، وهذا فضل من الله يعطيه من يشاء، ويعتبر مثل هذا من السؤدد. لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يعدم والإقدام قتـال فالسيادة والزعامة في الناس لا تكون إلا ببذل الثمن والتضحية، فكان في الناس من يتحمل ويتكفّل، وتجد فيه شهامة وقوة نفس، وجلَداً من أجل أن يتحمل هذه الحقوق، ولا شك أنها مخاطرة، ولذلك يقولون: أولها ملامة: أي: الناس تلومك، وأوسطها ندامة: أي: إذا انتصفت المدة يبدأ الإنسان يندم، عندما يتكفّل على أحد، وآخرها غرامة: أي: أنه بتحمله وضمانه وكفالته سيغرم، ولذلك لا يقوى على هذا إلا من أعانه الله. وهذه الأعمال من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وهي من الشيم المحمودة التي يرفع الله عز وجل أصحابها ويعلي شأنهم في الدنيا والآخرة، ولذلك كم مِن أناس ماتوا وما ماتت مكارمهم، وهم أحياء في مجالس الناس، مع أنهم قد قبروا وماتوا ربما من قرون، ولكن أبقى الله لهم جميل الذكر والثناء الحسن، وبقيت أخبارهم ومآثرهم في قلوب الناس وعلى ألسنتهم جزاءً وفاقاً، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. والعلماء رحمهم الله، ينصون على فضل الكفالات والضمان، لكن على تفصيل في الحقيقة، ففي بعض الأحيان تكون محمودة ومشكورة، ويكون صاحبها مأجوراً، خاصة إذا قصد بها وجه الله عز وجل، ففي بعض الأحيان يعطيك الله الدنيا ويبسط لك من الرزق فتنظر إلى من هو محتاج قد غرِم في دينٍ معقول ومقبول، كإنسانٍ مثلاً استدان من بقالة لطعام أولاده، ثم حضر وقت القضاء، فتحمل مثلاً خمسمائة ريال، وأنت قادر على السداد عنه، فتقول لصاحب البقالة: أنا ضمين لك بهذا المال، أو أنا كفيل، فإن فعلت ذلك فإن الله يأجرك، خاصة إذا كان على أيتام أو على أرامل أو على ضعفة أو نحو ذلك، فإن الأجر في ذلك عظيم، والدين الذي استدان به الغريم دينٌ شرعي، ومقبول من الناحية الشرعية ومن الناحية العرفية، وهذه الكفالة وهذه الحمالة من أحب القربات إلى الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في نفس الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فمن كان في حوائج الناس في مثل هذه الأمور، وعلم أن فلاناً تحمل الحق فأدى ذلك فهو على خير عظيم، وثوابٍ من الله كريم، لكن إن كان هذا الدين على سفَهٍ وطيشٍ، أو كان على حرام، فإنه إذا تاب إلى الله وأناب إلى الله، وأردت أن تتحمل عنه لاستصلاحه واستقامته، وإرادة الخير له في آخرته، فإن الله يأجرك؛ لأنه إذا تاب وندم فقد عفا الله عما سلف، ومن تاب تاب الله عليه، وحينئذٍ إذا غرِم للناس ديوناً، وكان قد أنفقها في حرام ثم تاب ورجع، وأردت أن تتحمل عنه، فإن هذا فيه تفريج كربة يُقصد منها الخير والإحسان. وتارةً لا يكون لك بها أجر، وصورتها أن تكون حميَّة وعصبية، وليست حمية دينية، وإنما من أجل أنه قريب لك، أو من أجل أنه أحرجك أو نحو ذلك، فإذا كان من أجل المحاباة والرياء والسمعة، فهذه لا أجر لك فيها ولا وزر، فإذا كان الإنسان يريد بها المفاخرة في الدنيا، أو نحو ذلك، فإن الله عز وجل يعطيه متاع الدنيا، وهذه ليست مما يدخل في التعبديات، ولذلك لا أجر له ولا وزر، ولذلك لا ينال فيها أجر الآخرة لعدم قصد الآخرة، بل ينال فيها عاجل الدنيا؛ لأنه أراد الدنيا. أما لو كان إنفاقه على وجه أُحرِج به، فمثلاً لو أن قريباً لإنسان جاءه في دين، وأحرجه بأُناس، أو جاء المديون وأدخل عليك بعض القرابة، وأُحرِجت، فأعطيت وأنت مكره، فأنت مأجور وإن كنت مكرهاً، لكن أجرك وأنت راضٍ ليس كأجرك وأنت مكره، لكن تنوي الآخرة، ومن هنا تقاد إلى الجنة بالسلاسل، يعني: بالكره الذي تعرضت له. وعلى هذا فإن الإنسان إذا أُحرج وهو يحب هذا الخير، لكنه في بعض الأحيان تميل النفوس إلى حب الأموال، فإذا أُحرِج من قبل قريب أو نحو ذلك فدفع فإنه في هذه الحالة يكون أجره أقل ممن يدفع بطيبة نفس، لكن إذا دفع في حال الإحراج من أجل تطييب خواطر من أحرجه، فإنه لا أجر له، فيُفرَّق بين كونه ينفق لله عز وجل، حتى قال الحسن البصري رحمه الله، لما سئل عن الرجل يخرج في جنازة رجل لا يحبه، وإنما خرج من أجل أهل حيه، ومن أجل أن يطيب خواطرهم لما أحرجوه، قال: له أجران، أجر الخروج، وأجر تطييب خواطر جيرانه، فأنت إذا أحرجك قريب، فما فعلت هذا إلا من أجله، وما فعلت هذا إلا من أجل صلة الرحم، ففي مثل هذه الصورة يحصل الخلط والغلط عند بعض الأخيار؛ لأنهم يظنون أن هذا من الرياء، والواقع إن كان السبب الحامل في الأصل المودة والقرابة، فهذه محاباة ولا أجر فيها، لكن كونك أنت تحب هذا العمل الصالح وتفعله وأنت ترجو الثواب من الله، ولكنك أُحرجت ودُفِعت إليه فعجّلت هذا الخير لوجود الإحراج، فإنك تؤجر من الوجهين، أجر العمل نفسه، وأجر تطييب خاطر ابن عمك الذي جاءك في وجهه، أو جاءك في شفاعته، فأحببت أن تكرمه وتصل الرحم، فإنك تؤجر على ذلك، وتكون كفالتك من هذا الوجه أجراً لك في الآخرة. ...... حقيقة الضمان والأحكام المترتبة عليه وقوله رحمه الله: (باب الضمان)، الضمان يقوم على إضافة ذمّة إلى ذمة في دين أو عين، وهذا في المطالبة، والمراد بذلك أنه إذا تحمّل رجلٌ ديناً وقال صاحب الدين: ائتني بمن يكفلك، وأتيت وقلت: أنا كفيلٌ له، أو أنا ضمينٌ له، فمعناه أنك تضيف ذمَتك إلى ذمة المديون، وأنت تتحمل سداد الدين إذا لم يسدد المديون، ومن هنا أصبح باب الرهن وباب الضمان متقاربين من حيث المعنى، في كون كلٍ منهما تحفظ به الحقوق ويستوثق به في الديون، فكأن الكفيل يطمئن صاحب الدين، ويتحمل مع المديون وتنشغل ذمته مع ذمة المديون، ولذلك نجد العلماء يقولون: الكفالة ضم ذمةٍ إلى ذمة، فأنت تضيف ذمّتك إلى ذمة المديون، وتعطي صاحب الدين ثقة أنه إذا امتنع المديون من السداد؛ إما لعجزٍ أو لمماطلة أنك تقوم بالسداد عنه، هذا إذا كان الضمان في الدين. وقد يكون الضمان في العين، فمثلاً: لو أن رجلاً قال لرجل: أعطني سيارتك، أريدها لمصلحةٍ معيّنة، أو أريد أن أذهب بها إلى موضع كذا، أو أريدها عارية إلى غد، أو بعد غد فقال صاحب السيارة: أعطني كفيلاً، فتقول: أنا أكفله بأن يرد لك السيارة، وأتحمل ذلك، هنا ضمنته في عين، فالكفالة تكون في ضمان الدين، وتكون في ضمان العين، وقد تتكفل بإحضار الشخص، كأن يقول صاحب الدين للشخص المديون: أعطني كفيلاً يكفل حضورك إذا حضر الأجل، فتقول: أنا أتكفّل بحضور فلان حال المطالبة، أو يوم المطالبة، وقد يكون الضمان بالحضور في الحقوق كالقصاص ونحو ذلك، كما كان يفعله وجهاء الناس، كأمراء القبائل، ومشايخ القبائل إذا وقع على أحد ضمان بحق، فيقول: أنا أتكفل بحضوره، فهذه كفالة. فيقع الضمان في الأموال وغير الأموال، وتقع الكفالة في الأموال وغير الأموال، إلا أن فقهاء الحنابلة رحمهم الله جعلوا الضمان في الأموال خاصة، ولذلك لا يتكلم المصنف هنا إلا حول مسألة الضمان في الأموال، وتركوا باب الكفالة وجعلوها في ضمان الوجه، حينما تقول: في وجهي، أنا آتي به، أو أنا أتحمل إحضاره، ونحو ذلك، وجعلوها في باب الجنايات. يقول رحمه الله [باب الضمان]. أي: في باب الضمان سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام، التي تتعلق في ضم الذمم بعضها إلى بعض، عند المطالبة بالديون، بناءً على هذا إذا تكفّل رجلٌ أو ضمِن الكفيل المكفول، فمعناه أنه إذا حضر الأجل فمن حقك أن تطالب المديون، ومن حقك أن تطالب الكفيل، فأصبحت هناك ذمتان، ذمة المديون، وذمة من كفله، فأنت بالخيار، إن شئت أن تطالب المديون، فحينئذٍ تطالبه ولك الحق؛ لأنه أصيل، وإن شئت أن تطالب الكفيل، أو الضمين، فأنت بالخيار بين الأمرين، أو طالبتهما معاً. ...... عدم صحة الضمان إلا من جائز التصرف قال رحمه الله: [لا يصح إلا من جائز التصرف] لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، ففي الضمانة هناك كفيل وهناك مكفول، والمكفول: وهو الشخص الذي ضممت ذمتك إلى ذمته، وهناك مكفولٌ به: وهو الشيء الذي تكفّلت به وهو سداد الدين، أو إحضار المديون، فهناك كفالة غرم، وهناك كفالة حضور، فإذا جيء وقيل لك: هذا مديون هل تكفله؟ تقول: نعم، يقولون لك: تكفله كفالة غرم، أو كفالة حضور، تقول: أكفله كفالة غرم، بمعنى: أنه إذا لم يسدد أسدد عنه، فهذا نوع من الكفالة، أو تقول: أكفل حضوره، فهذه كفالة حضور، أو تقول: أكفل التعريف به، يعني علي أن أعرِّفك من هذا الشخص الذي أعطيته الدين، أعرِّفك به وباسمه وبأهله، وكذلك موضعه إلى آخره، فإذا قلت ذلك، فمعناه: أنه لابد وأن تتوفر الأهلية في الشخص الضامن والشخص الكفيل، فلا يصح الضمان إلا من جائز التصرف. ...... معنى قول العلماء: جواز التصرف وصحة التصرف ترد كلمتان عند العلماء وهما: جواز التصرف وصحة التصرف، فما معنى جواز التصرف وصحة التصرف؟ كثيراً ما ترد هذه الكلمة خاصة في باب المعاملات. التصرف: بذل الشيء وإعطاء الشيء، وتصرّفك في الشيء يكون إما ببذل عين الشيء، أو يبذل منافعه. أما بذل عين الشيء فهو على حالتين: إما أن تبذله بعوض، كأن تقول: أعطيك هذه السيارة بعشرة آلاف فهذا بيع. وإما أن تبذلها بدون عوض على قصد مرضاة الله عز وجل فهذه صدقة، كأن تقول: هذا الطعام لك، فتكون قد بذلته بدون عوض. وإما على سبيل المحبة، فهذه هدية. أما بذل منفعة العين، فلا تخلو من حالتين: إما أن تبذلها بعوض، كأن تقول: أجرّتك داري، فهذه إجارة، أو تبذل المنفعة بدون عوض، كأن تقول: خذ سيارتي واقض بها غرضك، فهذه عارية. فهذه كلها تصرفات: بعضها تصرفات في الأعيان، وبعضها تصرفات في المنافع، فإذا قال العلماء: لا يصح إلا من جائز التصرف، أي: لا تصح الكفالة إلا من شخص تجوز تصرّفاته المالية، فالناس على قسمين: منهم من أجاز الله تصرفاته المالية، فيبيع ويشتري ويتصدق، ولا أحد يعترض عليه، وهذا هو البالغ العاقل الرشيد غير المحجور عليه. فالبالغ: يخرج الصبي، فالصبي لو جاء وأعطاك ألف ريال هبة منه لا تصح؛ لأنه محجورٌ عليه، والله تعالى يقول: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5]، وقال: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6]، فأمرنا بالحجر على الأيتام، واليتيم: هو الذي لم يبلغ، فدل على أنه لو تصرف اليتيم كأن تصدق بماله، أو وهبه وأعطاه للغير لم تصح هبته ولا صدقته ولا تبرعه. العاقل: فيخرج بذلك المجنون، فلو جاء مجنون نقول: إن المجنون لا تصح تصرفاته كما لو باع أو اشترى. الرشيد: فيخرج بذلك السفيه المحجور عليه، فإن السفيه المحجور عليه في حكم المجنون واليتيم؛ لأنه محجور عليه لحق نفسه، والمحجور عليه يشمل المفلس، على خلافٍ في المفلس هل يكفل أو لا يكفل. توضيح هذه المسألة: فلو كنت قاضياً أو مفتياً وجاءك رجل وقال: فلانٌ يريد أن يكفل فلاناً، فعليك أن تسأل أهذا الكفيل بالغ؟ فإن قالوا: نعم، تقول: يصح، وإن قالوا: ليس ببالغ، بل هو صبي، تقول: الصبي لا يكفل؛ لأنه ليس له حق التصرف في ماله إلا بإذن وليه، وأنتم تعلمون أن الكفالة فيها شيء من التبرع، لأنك حينما تكفل رجلاً بعشرة آلاف ريال، فمعناه أنك ستدفع هذا المبلغ إذا عجز عن السداد، والصبيان والمحجور عليهم لا يصح تبرعهم، كما سيأتي إن شاء الله، فإذن لابد وأن يكون بالغاً، وأن يكون عاقلاً، فلو أن رجلاً مجنوناً سكران، أو خدره رجل، فجاء وكفل إنساناً، وثبت عند القاضي أنه كفل في حال جنونه أو سكره، أو حال كونه مخدراً، فكل ذلك لا يصح فيه الضمان؛ لأن من شرط صحة الضمان أن يكون الضمين وأن يكون الكفيل بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجورٍ عليه. هذا بالنسبة للشخص الذي يكفل، فإذا توفرت الشروط فكان رجلاً بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجور عليه، فمعناه أنه يدخل على الكفالة بأهلية، وهذه الأهلية تجعله ينظر بها إلى المصالح والمفاسد، فإن علم من نفسه أنه يقدر على تحمل هذه الكفالة أقدم عليها، وإن علم من نفسه أنه لا يستطيع تحمّلها أحجم عنها، فإذن لابد وأن تكون عنده الأهلية التي لا يدخل بها الضرر على نفسه وأهله؛ لأنه لو تحمّل حمالة وكفالة لا يطيقها لربما أضر بأولاده، فلو رأيت رجلاً قليل المال تحمّل كفالة بعشرة آلاف، وهو ليس عنده دخل، ولا يستطيع أن يسدد المبلغ كاملاً، فمعنى ذلك أنه إذا تحمل العشرة آلاف فسيغرم، وحينئذٍ يتعرّض أولاده وأهله للضرر، وهذا لا شك أن فيه مفاسد، والشريعة جاءت بدفع المفاسد وجلب المصالح. وعلى هذا قالوا: يشترط في جواز الكفالة أن تكون من شخصٍ صحيح التصرف، أو جائز التصرف والمعنى واحد.
الخيار لصاحب الحق في مطالبة المديون أو الضامن ولو بعد الموت قال رحمه الله: [ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت] قوله: (ولرب الحق) أي: لصاحب الدين أن يطالب من شاء منهما في الحياة وبعد الموت. إذا جاء رجل إلى مؤسسة واشترى منها سيارةً أو أرضاً، وقيمة السيارة أو الأرض عشرة آلاف ريال، وجئت وكفلت هذا المديون، وقلت: أنا كفيل لفلان أنه إذا لم يُسدد أسدد عنه، وثبتت الكفالة من جائز التصرف، فإنه إذا حضر الأجل إلى نهاية السنة -لو فرضنا أن المؤسسة أعطت فرصة للسداد إلى نهاية السنة- فلما انتهت السنة تُخيّر المؤسسة ويُخيّر صاحب الدين بين أمرين، إن شاءت خاطبت المديون وطالبته بالسداد، وإن شاءت خاطبت الكفيل، فلو خاطبت الكفيل فقال الكفيل: اطلبوا من المديون فإن هذا ليس من حقه، بمعنى أنه ليس من حق الكفيل أن يقول: طالبوا فلاناً. بل إن المؤسسة بالخيار إن شاءت طالبت هذا أو طالبت هذا، فإنّ تحمل الكفيل والتزامه للكفالة معناه أنه إذا حضر الأجل فعليه أن يسدد، بشرط أن لا يكون المديون قد سدد وأبرأ عن نفسه. قوله: (في الحياة والموت) أي: من حقهم أن يطالبوا ورثة الكفيل إذا حل؛ لأنه دينٌ مستحق عليه، وحينئذٍ من حقهم أن يطالبوا المديون والكفيل سواءً كانا حيين أو ميتين؛ فالحقوق لا تتغير ولا تتبدل بالحياة والموت؛ لأن ذمته مرهونة ومشغولة بهذا الحق، فلو اتجهت المؤسسة إلى ورثة الميت وطالبتهم بالكفالة التي تحمّلها مورثهم، فإنه من حقها ذلك، كما أن من حقها أن تطالب المديون في حال حياته. ...... براءة ذمة الضامن ببراءة ذمة المضمون عنه لا العكس قال رحمه الله: [فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمت الضامن لا عكسه] (فإن برئت ذمة المضمون عنه) هنا مسألة: الكفالة مبنية على السداد، وحينئذٍ نقول: عندنا أصل وعندنا فرع، فالعلماء رحمهم الله يجعلون المديون -الذي تحمل الدين- أصلاً، وجعلوا الكفيل والضمين -الذي تحمّل أن يسدد- فرعاً مبنياً على الأصل، وبناءً على ذلك قالوا: إذا برئت ذمة المديون الذي هو الأصيل، برئت ذمة الكفيل، وإذا برئت ذمة الكفيل لم يستلزم ذلك براءة ذمة الأصيل. توضيح ذلك: البراءة هنا لها حالتان: الأولى: أن تكون بسبب السداد، فمثلاً لو أن شخصاً استدان عشرة آلاف ريال، فقلت: أنا أكفل هذا في العشرة آلاف التي عليه إلى نهاية السنة، قبل نهاية السنة قام المديون بالسداد، فمعناه أن ذمته قد برئت، فإن برئت حكم الشرع ببراءة ذمتك أنت، لأن ذمتك مضمومة إلى ذمته، فإن كان الدين باقياً وذمته مشغولة به، فأنت ملزمٌ به، وإن برئت ذمته بسداد الدين سقط الالتزام منك، بمعنى أنك لست بملزم، وحينئذٍ تبرأ ذمتك ببراءة ذمة الأصيل. الحالة الثانية، أن تكون بسبب العفو، فمثلاً: لو أن صاحب الدين قال للمديون: عفوت عنك، والمال الذي لي عليك قد أبرأتك منه. فإنه عندما عفا عنه برئت ذمة المديون، فإذا برئت ذمة المديون برئت ذمة الكفيل؛ لأن الفرع مبنيٌ على أصله، وإذا برئت ذمة الأصل برئت ذمة الفرع، وعلى هذا نقول: ليس من حق صاحب الدين بعد ذلك أن يقول: أنا سامحت صاحب الدين وأطالب الكفيل؛ لأن الكفيل لا يُطالب إلا بعد ثبوت الدين واستقراره على الأصيل، فإن برئت ذمة الأصيل برئت ذمة الكفيل لا العكس. قوله: (لا عكسه). مثال ذلك: لو أن رجلاً جاء يستدين منك مالاً، أو يشتري منك أرضاً، فقلت له: أعطني كفيلاً فأحرجك، وجاءك بابن عمك، أو جاءك بقريبٍ لك، واضطررت أن تديّنه على أن قريبك هو الكفيل، وأنت لا تريد الإحراج مع قريبك، فلما تم الدين، قلت لقريبك: أنت في حل من كفالتك، إذا قلت هذا الكلام، فإن هذا لا يستلزم أن المديون تسقط وتبرأ ذمته، وبناءً على ذلك فلك أن تبقي الحق والمطالبة على المديون، ومن هنا قال: إذا برئت ذمة الأصيل برئت ذمة الكفيل لا العكس. أي: إذا برئت ذمة الكفيل لا تبرأ ذمة الأصيل. الخلاصة: أنه إذا برئت ذمة الفرع لا يستلزم هذا براءة ذمة الأصل، وإذا برئت ذمة الأصل استلزم ذلك براءة ذمة الفرع. ...... جواز الضمان مع عدم معرفة الضامن للمضمون عنه أي: لا يشترط معرفة الكفيل للشخص الذي كفله، وبالإمكان أن يكفل شخصاً لا يعرفه ومثال ذلك: لو أنك دخلت على صاحب البقالة فوجدت رجلاً مسكيناً لا تعرفه، ولكن ترى من حاله وسمته ودله ما يدل على الفقر والحاجة، فوجدته يقول له: ادفع حقي، فقال: ما عندي شيء أدفعه، أنظرني إلى نهاية الأسبوع، فقلت له: يا فلان! أنظره، فقال لك: تكفله إلى نهاية الأسبوع وإذا لم يسدد تسدد. قلت له: نعم، أنا أكفله إذا لم يسدد نهاية الأسبوع أسدد عنه. فأنت في هذه الحالة تكفل شخصاً لا تعرفه، فهل يصح ذلك؟ وهل يشترط في الكفالة أن تعرف المكفول؟ الجواب: نعم يصح ذلك، ولا يشترط في الكفالة معرفتك للمكفول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُتِي برجلٍ ليصلي عليه فقال: (أعليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة : يا رسول الله! هما عليَّ) يعني: أنا أتحمل هذين الدينارين أن أعطيهما لصاحب الدين، فانظر إلى أبي قتادة كفل من لا يعرفه، فقبل منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الكفالة، وحينئذٍ فرّع العلماء: أنه لا يشترط في الكفالة معرفتك للشخص الذي تكفل عنه، وأنه يجوز أن تكفل الشخص الذي لا تعرفه، وعلى هذا قالوا: إذا لم يسدد تُلزم بالسداد سواء كنت تعرفه أو لا تعرفه. ...... جواز الضمان مع عدم معرفة المضمون عنه للضامن قال: [ولا له] أي: ولا يعتبر أيضاً معرفة المضمون لك، فهذا الشخص الذي تضمنه لا يشترط أن يكون يعرفك، فلا يشترط أن تعرفه، ولا يشترط أن يعرفك، فبينكما أخوة الإسلام، خاصة إذا قصدت من هذه الكفالة التيسير على المعسر، وتفريج عن كربة المكروب، فإن الله يأجرك، وهذا من أعظم ما يكون من الأجور في الكفالة، بشرط أن لا يدخل الإنسان على نفسه الخطر والضرر والغرر، أما إذا كان على سبيل الرفق بالناس والإحسان إلى الناس، فإن الله سبحانه وتعالى يلطف بصاحبه، ويكون من أعظم ما يكون في الكفالة؛ لأنك تكفل إنساناً دون قصد المحاباة، ولا يدخل عليك على سبيل الإحراج، فأنت لا تعرفه وهو لا يعرفك، ولكن تعلم أن هذا العمل الذي تفعله إنما هو من صالح الأعمال وأجلِّ القربات لذي العزة والجلال، فتقدم عليه رغبة فيما عند الله من الثواب، ورهبة مما عند الله من العقاب؛ لأنك تخشى أن الله يسألك عن هذا المكروب، لماذا لم تفرِّج كربته؟! وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى يقول: (يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب! كيف أُطعمك وأنت رب العالمين، فيقول الله تعالى: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه -يعني وأنت قادر على إطعامه- أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي). فإذا وجد الإنسان إنساناً لا يعرفه، وهو يرى عليه أثر الضعف، وأثر الفاقة والفقر، وأقدم على ذلك فإنه يؤجر. وهكذا لو جاء إلى صاحب بقالة، وقال له: أي شخص تراه محتاجاً أو ضعيفاً أو كبيراً في السن، أو من هذا الحي من جيراني لا داعي أن تذكر لي اسمه، أريد الأجر والثواب، إذا علمت أنه يستدين منك وفيه فاقة وحاجة، فديِّنه واجعل سداده علي، فأنا كفيلٌ له. فأنت تكفل المجهول؛ لأنك قلت له: أي شخص، فهذه كفالة بالمجهول، فحينئذٍ لا يعرفك المدين؛ لأنك قلت له لا تخبر أحداً. فتسدد عنه لله وفي الله، إذاً: كَفِلتَه وهو مجهول لا تعرفه ولا يعرفك، فلا يشترط معرفته لك، ولا معرفتك له، فيجوز لك أن تكفل من يجهلك ومن تجهله. ...... عدم صحة الضمان بدون رضا الضامن قال رحمه الله: [بل رضا الضامن] أي: يشترط رضا الضامن، وعلى هذا لا تصح الكفالة بالإكراه، فلو أن شخصاً أُكره على كفالة شخص وثبت عند القاضي أنه مكره لا تصح الكفالة، بل يشترط الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، فحرّم الله عز وجل أكل المال بالباطل، واشترط الرضا في حل مال المسلم، فأنت إذا كفلت يُشترط أن تكون راضياً بهذه الكفالة، وعلى هذا فإنك إذا كفلت بالرضا أُلزِمت بما تحمّلته والتزمته للناس. ...... صحة ضمان المجهول إذا آل إلى العلم قال رحمه الله: [ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم] المجهول: ضد المعلوم، وضمان المجهول أن تقول: هذا الدين الذي يأخذه فلان منك أنا أتحمله، أو تقول: دَيِّن فلاناً، أو أعطِ فلاناً، أو بِع من فلان، وأنا متحمِّلٌ به، فهو مجهولٌ يئول إلى العلم، وقالوا: إن الدليل على ذلك قوله تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، فإن حمل البعير مجهول؛ لأن حمل البعير كما هو معلوم مجهول النوع ومجهول الصفة، ولكنه يئول إلى العلم؛ لأنه يتقدر بالعرف، ومن هنا قالوا: يجوز أن يضمن المجهول الذي يئول إلى العلم. ...... جواز ضمان العارية قال: [والعواري] والعواري: جمع عارية، فالضمان كما يقع في الدين، يقع في العواري، كما لو جاء شخص يريد أن يستعير سيارة، أو يريد أن يستعير أمتعة، كما يقع في بعض الأحيان، يكون عند الشخص مثلاً أمتعة تصلح لقضاء الأغراض والحوائج، مثل: الأواني للطبخ، أو المفارش للجلوس عليها، فجاء شخص عنده زواج أو عنده مناسبة، وهذا الشخص لا يعرفك ولا تعرفه، لكنه يعرف أن عندك هذه الأشياء، فقال لك: يا فلان! أعطني هذه المفارش، أو أعطني هذه الأواني، فتقول له: لا أعرفك، ولكن ائتني بشخص يتكفّل بضمان حقي، أو برد هذه العارية إذا أعطيتها لك، فحينئذٍ إذا جاء بشخص يعرفه، فقد ضمن العارية. والعارية: هي بذل المنفعة بدون عوض، وتقع أيضاً في المنائح، كما في الإبل والبقر والغنم، كأن يكون عند الشخص الفحل من الإبل والبقر والغنم، فيحتاجه جاره، أو يحتاجه أحد فيقول: أعطني الفحل للضِّراب، فيقول: أعطني كفيلاً، أو أعطني حميلاً، أو أعطني ضامناً، فيضمن المنيحة. وبهذا تُضمن العواري، وكل ذلك جائزٌ ومشروع؛ لأنه كما ضُمنت العين تضمن المنافع. ...... جواز ضمان المغصوب قال: [والمغصوب] أي: يجوز ضمان المغصوب. مثاله: لو أن شخصاً غصب سيارة، فخاصمه صاحب السيارة إلى القاضي، فحكم القاضي بأن على فلان أن يرد الغصب، فقال الغاصب: سأحضِرُ المغصوب بعد يوم أو بعد أسبوع، فقال صاحب الحق: لا أرضى حتى يعطيني كفيلاً، هذا رجل كذاب، أو رجل مماطل، أُريد كفيلاً، فجاء بكفيل يضمن أنه يحضر المغصوب بعد يوم أو بعد أسبوع، فهذا جائز في المغصوبات. ...... حقيقة المقبوض بسوم وصحة الضمان فيه قال: [والمقبوض بسوم] أي: تصح الكفالة في المقبوض بسوم، وهذا يقع في المزادات، كما لو رسا المزاد على عشرة آلاف ريال في شيء من الألبسة، أو الأغذية أو نحوه، مثال ذلك: لو كان من لباس النساء، والرجل ليس معه أهله، فقال: أنا أقبض هذا اللباس، وأريه لأسرتي -لزوجته أو أخواته- فإن أعجبهم أخذته، وإن لم يعجبهم رددته، فهذا قبضه بسوم؛ لأن قيمته حُدِّدت بسوم، وعلى هذا إذا التزم بهذه القيمة، ورضيت أسرته بالملابس فعليه أن يدفع القيمة، وإذا كان الشخص لا تعرفه، فقلت له: أعطيك هذا الفستان أو هذا اللباس، أو هذا الشيء الذي أنت رضيت أن تعرضه على أهلك، ولكن بشرط أن تعطيني كفيلاً، فالمقبوض بسوم ثبتت قيمته والدين فيه ثابت متى ما رضي، وحينئذٍ يصح ضمانه، لكن إذا كان غير معلوم القيمة، ولم يثبت على قيمة فإنه لا يصح ضمانه، إذاً لابد من ضمانه بعد ثبوت قيمته حتى تصح الكفالة بالمعلوم؛ لأنه لو لم يقبض بسوم لم يتحدد ولم تتبين قيمته، بل يكون من ضمان المجهول الذي لا يئول إلى العلم؛ لأنه يحدث فيه نوع من الغرر، وعلى هذا قالوا: لا يُضمَن إلا إذا ثبتت قيمته وعُرِف استحقاقه، فيقول الكفيل لصاحب السلعة: أعطِه هذا الثوب يريه أهله، فإن أعجبهم ورضوا به، فأنا أتحمّل لك أن يعطيك عشرة آلاف قيمته، فإن لم يحضرها لك غداً، أو إن لم يحضرها لك بعد غد، فأنا كفيله أحضِرها عنه، وبناءً على ذلك كفلت، وكانت الكفالة في مقبوضٍ بسوم، وتكفّلتَ على أن تدفع المبلغ الذي ثبت استحقاقه، لكن لو كان غير معلوم القيمة، تكفَل ماذا؟ وكيف سيطالبك؟ وبناءً على ذلك قالوا: لابد أن يكون مقبوضاً بسوم حتى تُعلم قيمته، يعني: يتحدد قيمته. فالمقصود من كلمة: مقبوض بسوم، أن تتحدد القيمة، فخرج المقبوض الذي لم تثبُت قيمته بعد بأن يكون متردداً؛ لأنه يحدث فتنة، فلربما قال له: نعم، هذا قيمته عشرة آلاف، فيقول الكفيل: لا، بل قيمته ثمانية آلاف، فيحدث مثلما يحدث في بيع الغرر، فإذا لم تثبت قيمته وثمنه على شيءٍ معيّن، فإنه لا يصح ضمانه، إنما يصح ضمان المقبوض بسوم وهو الذي حُدِّدت قيمته. ...... حقيقة عهدة المبيع وجواز الضمان فيه قال: [وعهدة مبيع] مسألة العهدة في القديم من صورها أنهم كانوا يبيعون الدواب ويبيعون الأرقاء، ويحتاج هذا المبيع إلى تجربة، فلربما ظهر العيب فيه، فكانوا يعطون العهدة ثلاثة أيام، تأخذ هذا المبيع وتجرِّبه، فإن ظهر به أي عيبٍ رددته عليه ويضمنه، وهذا معروف في زماننا بما يسمّى: بالضمان، فالسيارة إذا اشتريتها تتعهد المؤسسة أنها تضمنها سنة، أنه لو ظهر فيها عيب، مثلاً في محرِّكها، بحيث يكون العيب راجعاً إلى ذات السلعة المبيعة، وناشئاً من ذات الرقبة المبيعة، وليس من تصرُّفِك أنت. فمثلاً يعطيك سيارة، ويقول لك: أنا أضمن لك هذه السيارة سنة كاملة، أنك تقضي عليها مصالحك، وتقودها بالصفة المعتبرة، فإن حدث فيها أي عيبٍ في محرِّكها، أو في هيكلها، راجعاً إلى سوء الصنعة لا إلى سوء الاستخدام، فإنه على هذا الوجه يضمن، وحينئذٍ يصح الضمان، ويتحمّل المسئولية بحيث أنه إذا ظهر بها عيب على هذا الوجه، يستحق أن يُرد المبيع، ويضمن الشخص الذي تحمّل بالضمان. هذا بالنسبة لمسألة الضمان في عهدة المبيع. فرَّع العلماء في زماننا الحاضر على مسألة عهدة المبيع، عهدة السيارات سنة، لكن بعض أهل العلم من المتأخرين ينازع، ويقول: إنما تُعرف العهدة بالمدة التي لا غرر فيها، فلا غرر في المدة الطويلة والأجل الطويل، كالسنوات ونحوها، ولكن الحقيقة هذا النوع من الضمان الموجود في السيارات في العصر الحاضر له وجهٌ من الصحة، وأنه إذا التزم بأن السيارة يستخدمها سنةً، فإن ظهر فيها عيبٌ من الصنعة لا من الاستخدام ضَمِنه، فإن هذا له وجه، ويُعتبر من الضمان الشرعي. الخلاصة أنه لو قال له: أنا أضمن أن هذه السيارة إن ظهر بها عيب تردها لي، هذا إذا كانت مؤسسة أو شركة تتحمل هذا الضمان، وليس عندنا إشكال، لكن في بعض الأحيان يبيعك فرد أو شخص فيقول لك: خذ هذه السيارة وأضمنها لك شهراً، على أنه إذا ظهر فيها عيب من سوء الصنعة تردها لي، لكن أنت لا تثق به، فتقول له: أعطني كفيلاً يضمن أنه إذا ظهر بها عيب أردها عليك. فحينئذٍ يعطيك الكفيل وتصح الكفالة على هذا الوجه. ...... حكم الضمان في الأمانات قال رحمه الله: [لا ضمان الأمانات] يقول رحمه الله: (لا ضمان الأمانات) الأمانات: جمع أمانة، وقد قدّمنا أن اليد تنقسم إلى قسمين: يد ضمان، ويد أمانة، ويد الضمان: أن تأخذ الشيء وتتحمل المسئولية عنه غنماً وغرماً، وإذا حدث بذلك الشيء ضرر فأنت المسئول عن هذا الضرر، فهذا مفهوم يد الضمان، وأما يد الأمانة: فهي أنك لا تضمن إلا إذا فرّطت، وبناءً على ذلك ذكرنا: أنه إذا أخذ شيئاً وكان من جنس ما يُضمن صح الضمان، وإن كان من جنس ما لا يضمن لا يصح الضمان، فالعارية لو أتينا بصورتها في مثال: هي أن يأتي ويقول لك: أعطني سيارتك أذهب بها إلى مكان كذا، أو أستخدمها يومين أو شهراً أو أسبوعاً، هذه عارية، والعارية فيها قولان: الأول: أن اليد فيها يد أمانة، الثاني: أن اليد يد ضمان، والمصنِّف رحمه الله رجّح أنها يد ضمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لصفوان بن أمية رضي الله عنه لما قال له: (أغصباً يا محمد! قال: بل عارية مؤداة) هذا عندما أخذ منه أدرعه ومتاعه لغزوة حنين، وقال في خطبة حجة الوداع: (العارية مؤداة، والمنيحة مردودة، والزعيم غارم، والدين مقضي)، فلما قال: (العارية مؤداة)، يعني: مضمونة، فلو أخذ شيئاً عارية فعليه أن يضمنه، أما الودائع فقلنا: إن الوديعة أمانة، فلو أن شخصاً جاء وأعطى شخصاً ساعة، وقال: هذه الساعة ضعها وديعة وأمانة عندك، قال له: لا بأس قبلتُها أمانة عندي. فلما رضي الشخص الآخر أن يضعها أمانة عنده، فإنه ليس من حق صاحب الساعة أن يقول له: أعطني كفيلاً؛ لأن الكفيل لا يقع في الأمانات؛ لأن يد هذا الرجل يد أمانة وليست بيد ضمان، إلا إذا كان من جنس الأمانات التي تئول إلى الضمان، فهذا استثناه بعض العلماء رحمهم الله حيث قالوا: إن الأمانات التي تئول إلى الضمان يصح فيها الضمان، وذلك في حال ما إذا صارت إلى الضمان أو إذا آلت إلى الضمان. ...... التعدي في الأمانات يوجب الضمان قال: [بل التعدي فيها] قوله: (بل التعدي فيها) فما معنى التعدي فيها؟ يعني: من حقك أن تقول له: هذه الساعة ضعها أمانة عندك، قال: قبلت. فقل له: لكن أحتاج إلى كفيل يكفلك بأنك إذا تعدَّيت فإنك تضمن، فالأصل أن يده يد أمانة، لكن تنتقل إلى الضمان متى؟ إذا تعدَّى فيها، ومثال آخر: إذا أعطيته مائة ألف ريال وديعةً عنده، أو أعطيته كيلو من ذهب وديعة عنده، فقال لك: أنا قبلت أن نضع هذا الذهب وديعةً عندي. فتقول له: أعطني كفيلاً أنك إذا تعدَّيت وتصرّفت فيها فإنك تضمنها، حينئذٍ صارت ضماناً وذلك بعد خروجها من يد الأمانة إلى يد الضمان؛ لأنه إذا تعدى في الأمانة ضمِن، ومن هنا قالوا: لو أعطاه صندوقاً مقفولاً فإنه أمانة، لكن لو فتش الصندوق المقفول انتقل من الأمانة إلى الضمان، فحينئذٍ أنت من حقك أن تقول: هي أمانة، والأمانة لا تضمن، لكني أريد كفيلاً بحيث لو تعدّيت أو فرّطت فيها فهو يكفلك أو يكون ضميناً عنك، فحينئذٍ يصح ويجوز الضمان. ...... الأسئلة ...... جواز ضمان المجهول الذي يئول إلى العلم السؤال: أشكل علي اشتراط تحديد القيمة في المقبوض بسوم مع جواز ضمان المجهول أثابكم الله؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن سؤالك جيد واستشكالك في محله، لكن ينبغي أن تتنبه لمسألة ضمان المجهول، حيث قلنا: يُضمن المجهول إذا آل إلى العلم، ولم نقل: المجهول المطلق، فالمجهول الذي يئول إلى العلم هو الذي يُضمن، صحيح أننا لو قلنا: يُضمن المجهول مطلقاً لما صح ذلك، أما كوننا نقول: المجهول الذي يئول إلى العلم، فهو مجهول ابتداءً لكنه يئول إلى العلم انتهاءً ومآلاً، وعلى هذا فالجهالة فيه مغتفرة؛ لأنها ليست بمستديمة، وإنما يتقيد الحكم بوجود الجهالة المستديمة، أما الجهالة التي تزول فإن وجودها وعدمها على حد سواء؛ لأنها تئول إلى العلم، وعلى هذا لا يستقيم الإشكال إلا إذا كان المجهول لا يئول إلى العلم، وتبقى الجهالة مستصحبة إلى أن تثبُت الكفالة ويُحكم بها، أما إذا آل إلى العلم فإن الجهالة مرتفعة، والله تعالى أعلم.
حكم تصرف المرأة في مالها ومتى يحجر عليها السؤال: هل المرأة تعتبر من المحجور عليهم، وهل لها التصرف في مالها دون استئذان زوجها أثابكم الله؟ الجواب: اختلف أهل العلم في حكم تصرف المرأة بمالها إذا كانت بالغة، فجمهور العلماء وجمهور السلف والخلف على أن من حق المرأة أن تتصرف في مالها، والنصوص دالة على هذا، ولكن خالف في هذه المسألة بعض السلف، كما روي عن شريح وهو قاضي أمير المؤمنين عمر ، وكان قاضياً لثلاثة من الخلفاء، لعمر وعثمان وعلي . أبو أمية شريح الكندي رحمه الله برحمته الواسعة، من أجلاء القضاة وأهل العلم، وهو الذي قضى على علي بن أبي طالب ، فآمن اليهودي لما رآه قضى على أمير المؤمنين، وكان ممن لا تأخذهم في الله لومة لائم. هذا الفقيه يقول: عهِد إليّ عمر أن لا أُجيز لامرأة عطيّتها حتى تحول حولاً أو تلد ولداً، فأخذ منه بعض الفقهاء كما هو مذهب المالكية قالوا: المرأة يجوز لها أن تتصرف في حدود الثلث، والزائد عن الثلث ينظر فيه زوجها، إن كان مصلحة أجازه، وإن لم يكن ثم مصلحة لم يُجِزه، ولذلك يقول بعض فقهائهم في هذه المسألة: وزوجةٌ في غير ثلث تُعترض كذا مريض مات في ذاك المرض حينما بين أصناف المحجور عليهم. فذكر المحجور عليهم في حدود الثلث، فقسموه إلى قسمين: المريض مرض الموت يُحجر عليه فيما زاد عن الثلث، إذا تصرّف فيه بالهبة، والمرأة فيما زاد عن الثلث إذا تصرّفت بالهبة، والسبب في هذا -وقد يستغرب البعض هذا القول، وقد يكون مدخلاً لبعض أمراض النفوس، والواقع أن من نظر في حال السلف يعرف مدخل هذا القول وسببه- أن المرأة في القديم كانت لازمة لبيتها، لا تعرف الخروج ولا تخالط الناس، حتى قالت أم عطية : (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نُخرِج العواتق وذوات الخدور). فالمرأة التي لم تتزوج كانت لا تعرف شيئاً، ماكثة في بيتها، بل منهن من لا تخرج من بيتها إلا إلى بيت زوجها، لا تعرف كيف تبيع، ولا تعرف كيف تشتري، ولا تأخذ ولا تعطي، إنما جاهلة بدنياها عالمة بدينها، إذا ربّت ربّت رجالاً على الصلاح والدين والاستقامة، حتى أُثِر عن بعضهن أنها خرجت ذات يومٍ لحاجة فبكت أنها رأت رجلاً؛ وذلك دليل لما كن عليه من العفة والصلاح والديانة، فكانت المرأة في بيتها ربة بيت تملأ العين، تقوم على حقوق بعلها، وبيتها على أتم الوجوه وأكملها، لا تعرف الرجال، ولا تخالطهم، ولا تخاطبهم، ولا تعرف لا بيعاً ولا شراءً، فمن هنا كانت المرأة غالباً لا تُحسن التصرُّف، ولذلك كانوا يجدون الحرج في اختبار اليتيمات، لقد كانوا يختبرونهن بالغزل وبيع ما يغزلن، فإذا باعت غزلها نُظِر كيف تتصرف في البيع، هل تبيع بمثل القيمة أو بأقل، ثم يُحكم برشدها؛ لأن الله يقول: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6]، فشمل الذكور والإناث. الشاهد أن المرأة كانت على هذه الصفة من الجهل في التعامل، ولذلك تجد بعض من لا يعرف أحكام الشريعة يتمسك بهذا الحكم والقول، ولا يعرف مغزاه، ولا يعرف البيئة التي نشأ فيها هذا القول، فالنساء كنّ لا يعرفن هذه الأمور ولا يخالطن الرجال، ولا يتعاملن بالأخذ والعطاء إلا النزر القليل، وكانت المرأة إذا جاءها المال يُصبح عندها ويمسي وقد جعلته في آخرتها، تتصدق به، وتصل به الرحم، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه أتاها عطاؤها من أمير المؤمنين معاوية ستين ألف درهم وهي صائمة، فوزّعتها من ساعتها، ثم أرادت أن تفطر فلم تجد شيئاً تفطر به، فتقول لها إحدى إمائها: هلا أمسكتِ شيئاً مما جاءك فقالت رضي الله عنها: لقد نسيت هلا ذكرتني. الله أكبر، الله أكبر، كنّ جاهلات بالدنيا، ولكنهن عالمات بالدين، وكانت المرأة عن أُمّة، رضي الله عنهن وأرضاهن، من الذي ثبّت قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الله عز وجل، إنها خديجة بنت خويلد ، تلك المرأة العاقلة الحكيمة، فكانت المرأة عن أمة من الناس. وسفيان الثوري رحمه الله برحمته الواسعة لما توفي والده وهو صغير نشأ يتيماً، فقالت له أمه: يا بني اطلب العلم. فقال: إني أريد أن أسعى لطلب الرزق. يعني أكفيك الرزق، قالت: لا، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. فكانت تغزل وتسهر وتكدح، كل هذا من أجل أن يتعلم ابنها العلم، فصار الإمام سفيان الثوري من أئمة السلف ومن دواوين العلم، فهو الحجة الثبت الذي كان آية في العلم والعمل والصلاح أن المعرفة، هذا الإمام العظيم حسناته في ميزان حسنات أمه الصالحة، فكانت المرأة عن أُمَّة. فالمرأة إذا تصرفت في مالها بالرشد فإن المال مالها والحق حقها، وليس من حق الرجل والزوج أن يتدخل في راتب زوجته، وليس من حقه أن يحجر عليها، ولا يجوز له ذلك؛ لأن المال مالها ولا يجوز أن يضيق عليها ولا أن يظلمها، وبالمناسبة، أنبِّه على أن بعض الأزواج يجرؤ على مال زوجته، حتى إن بعض النساء تعمل في تدريسها وتعليمها، ويطالبها زوجها بمالها كاملاً، وهذا من أكل المال بالباطل، فلا يجوز ذلك إلا إذا كان كما قال الله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، أما ما لم تطِب به النفس، أو جاء عن إكراه، أو جاء عن إحراج، فإنه الحرام الذي حرّم الله ورسوله، ولا يجوز الاعتداء على أموالهن، والأذية والإضرار بهن، وينبغي على المرأة أيضاً أن تتقي الله في إنفاقها، وأن تكون رشيدة في تصرُّفها في المال، وبالمقابل فإنه من حق الزوج إذا نظر من زوجته أنها لا تحسن التصرف في المال أن يأخذ على يدها، مثلاً عندما يكون راتب المرأة خمسة آلاف ريال، ولا يأتي نصف الشهر إلا وهي تستلف وتقترض، وتتحمل الديون، ويجد أن هذه الخمسة الآلاف تصرف في المظاهر والملابس، وكل يوم لها ملبس، وكل يوم لها شيء تتجمل به، فهذا فيه سرَف ومن حقه أن يحجر عليها، أما إذا تصرفت تصرفاً رشيداً، فهذا مالها ولا يجوز أكله بالباطل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

شرح زاد المستقنع - فصل في الكفالة الكفالة لها تعلق بمسألة إحضار الغريم، وتسمى: كفالة الأبدان، وإحضار الغريم إما لتسليم ما عليه من حقوق، وإما لمثوله أمام مجلس القضاء. وتكون الكفالة فيما يتعلق بالحدود والقصاص ممن لديه القدرة على إحضار من عليه الحق، كرؤساء العشائر وأشباههم، والكفالة مشروعة كالضمان؛ لما فيها من حفظ الحقوق للناس، وفي مشروعية الكفالة حكم عظيمة وفوائد جليلة، وبها تجلب المصالح وتدفع المفاسد. وتصح الكفالة في العواري والمغصوبات كما تصح في الأبدان، ولها أحكام عدة تتوقف عليها صحتها كرضا الكفيل وغيرها من الأحكام. الكفالة معناها ومشروعيتها وما يتعلق بها من أحكام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن المصنف رحمه الله تعالى يقول: [فصلٌ: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين] شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان الأحكام المتعلقة بالكفالة، والعلماء رحمهم الله كما تقدم، منهم من جعل الضمان والكفالة والقبالة والزعامة والحمالة بمعنى واحدة، فيقولون: الكفيل والضمين والحميل والصبير والقبيل كلها بمعنى واحد. وعلى هذا قالوا: لا فرق بين الكفالة والضمان، لكن فقهاء الحنابلة والشافعية رحمهم الله يفرِّقون بين الكفالة والضمان، فيجعلون الضمان للأموال. ومن كان عليه دين أو لآخر عليه حق فإنه يمكنك أن تضمن عنه وذلك بأن تضيف ذمتك إلى ذمته. وأما الكفالة، فإنهم في الغالب يجعلونها للحضور، أي: تكون متعلقة بالأبدان والأعيان، وإن كان في بعض الأحوال يُلزَم فيها بالضمان، ولكنهم في الأصل يجعلونها متعلقة بالعين وبالبدن. والكفالة في لغة العرب تطلق بمعانٍ، يقال: كفل الشيء وتكفَّل بالشيء إذا قام به وضمّه إليه، قال تعالى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران:37]، أي: ضمّها زكريا إليه فقام عليها، وقال تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ [القصص:12]، أي يقومون عليه برضاعه وما يتعلق من شأنه. فالكفالة تطلق بهذا المعنى، كما أنها بالتحريك يقال: كَفَل، الكَفَل هو العَجُز من الإنسان، ويطلق الكِفْل بالكسر على الحظ والأجر والثواب، كما قال تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد:28]، أي: حظاً وأجراً، قيل: مضاعفاً. وأما بالنسبة للاصطلاح، فالكفالة: هي التزام رشيدٍ بإحضار من عليه الدين لربه، وكذلك بعض العلماء يضيف إليها: التزام رشيد ببدن من عليه الحق لربه بماله أو ببدنه. ويتعلق بهذا الخلاف المشهور، هل الكفالة تكون فقط في الأموال، أو تشمل الأموال والأبدان، حيث يمكن أن يُضمن أو يتكفَّل بإحضاره للحدود والقصاص؟ كان هذا يقع في القديم، فإذا كان الشخص معتدياً على الغير بحق في عرضه أو في نفسه، فحينئذٍ يجب القصاص، أو يُطالب بحدٍ فيطلب من صاحب الحق أن يذهب إلى أهله أو إلى عشيرته، فيقال: ائتنا بمن يكفل حضورك، فهذا النوع اختلف فيه العلماء والأئمة من السلف رحمهم الله، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. والمصنِّف رحمه الله ذكر أحكام الكفالة بعد الضمان، ويتعلق بها مسألة إحضار الغريم، فإذا كان هناك شخصان لأحدهما على الآخر دين، وقال المدين لصاحب الدين: أمهلني أُسبوعاً أُحضر لك حقك. وغالباً ما تقع الكفالة فيما لو إذا حصل أو حضر وقت السداد، فيقول صاحب الدين: لا أمهلك فيقول له: آتيك بكفيل يتكفل بإحضاري إن غبت، خاصة إذا كان يريد أن يقاضيه، فإنه يحتاج إلى من يكفله للحضور. فيقول: ائتني بمن يكفل حضورك، فحينئذٍ يقول الشخص: أنا متكفِّل ببدنه، أي: متكفِّل بإحضاره. هذه صورة من صور الكفالة، والإحضار إما أن تحضره لصاحب الدين، ويكون عند صاحب الدين قوة يستطيع أن يتوصل بها إلى حقه إذا حضر المدين، وإما أن يطالبك بإحضاره إلى القضاء، فتقول له: أنا متكفِّل إذا لم يسددك الجمعة أن أُحضره يوم السبت إلى مجلس القضاء، فهذه كفالة حضور، فالكفالة كفالة ضمان بالحق، وكفالة حضور، وهذا النوع قال به جماهير السلف رحمهم الله والأئمة والخلف، فيقولون: يشرع أن يتكفل لك الشخص بإحضار من عليه الدين، قالوا: والحاجة داعية إلى ذلك، فإنه ربما احتاج المدين إلى مهلة وإلى وقت، ولا يثق صاحب الدين فيه، ووجود الكفالة فيه يسر على الناس ورحمة وتوسعة، ثم إن المدين قد لا يثق فيه صاحب الدين، وقد تكون الحقوق بين أشخاص ليست بينهم معرفة، فيعطيه كفيلاً أو يحضر له كفيلاً يعرفه، ففي هذا من التوسعة على الناس ما لا يخفى. وقالوا: إن الكفالة لها أصل من السنة في حديث الرجل الذي استدان المال، فقال له صاحب الدين: ائتني بشهيد، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: ائتني بكفيل يكفلك، قال: كفى بالله كفيلاً، فدفع إليه المال -وهذا يظهر لنا صدق الإيمان! وقوة اليقين بالله عز وجل! وصلاح الناس!- فبعض الناس إذا تعامل بالدنيا رماها وراء ظهره، وجعل الآخرة نصب عينيه، فإن قال صدق، وإن وعد وفَّى، فلا يكذب ولا يغش، وإذا أعطى كلمة لا يمكن أن يتراجع فيها، فلما استشهد الله وكفى بالله شهيداً، وجعل الله كفيله، وكفى بالله كفيلاً ووكيلاً سبحانه وتعالى، فمضى ذاك الرجل إلى بلده، ثم لما حضر أو قرب وقت السداد والمطالبة التمس سفينة يركبها فلم يتيسر له ذلك، فلما أعياه الأمر أخذ جذعاً من النخل، ثم احتفره ووضع فيه المال، وكتب فيه اسم صاحبه، ثم وضعها بين ذلك اللوح، ثم ألقاه في البحر، وقال: اللهم! إني قد جعلتك شهيداً وكفيلاً. ثم رمى به في البحر وسأل الله أن يوصله لصاحبه. ثم إن صاحب الدين لما استبطأ الرجل خرج يلتمس حضوره، فكان ينتظر أن يأتيه فإذا به يجد ذلك اللوح، فقال: لو أخذته حتى يكون حطباً لأهلي، فلما جاء به إلى بيته وشطره إذا به يجد الكتاب والمال، فقرأ الكتاب وعد المال فإذا هو حقه كاملاً. ولا شك أن من صدق مع الله صدق الله معه، فما ضر الناس إلا ضعف الإيمان بالله عز وجل، وإلا لو أن القلوب صلحت لله عز وجل، لرأت من تيسيره ومنِّه ووفائه وبره وكرمه سبحانه وتعالى ما لم يخطر لها على بال، ولذلك قال تعالى: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111]، مَن: بمعنى لا، أي: ولا أوفى بعهده من الله. فأخذ الرجل حقه، ثم لما حضرت السفينة على المدين، وهو يشك في كون المال وصل إلى صاحبه، بناءً على أن ذمته مشغولة، فجاء إلى صاحب الدين، وقال له: اعذرني فإني لم أجد مركباً، وجلس يعتذر إليه، فقال له: قد جاءني حقي، ثم ذكر له الخبر، وذكر له القصة. فالشاهد في قوله: ائتني بكفيل. فقال: كفى بالله كفيلاً. فقوله: ائتني بكفيل، هذا أصل من السنة على مشروعية الكفالة، وأخذ به طائفة من العلماء، وترجم له الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وهو أصل عند أهل العلم، ولذلك قال جماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم بمشروعية الكفالة، وإن كان هناك اختلاف في قول عن الإمام الشافعي رحمه الله في مسألة الكفالة أنها لا تصح، وصحح طائفة من أصحابه قوله بجوازها ومشروعيتها. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. وعلى هذا فإن الكفالة مشروعة كالضمان؛ لأن المقصود من الكفالة ومن الضمان حفظ حقوق الناس، ووجود الكفلاء ووجود من يضمن يعتبر شيئاً من الاستيثاق، وعلى هذا تطمئن لحقك، فإنك قد تثق بزيد الكفيل أكثر من ثقتك بغيره، وفي مشروعية هذا النوع من المعاملات لا شك أن فيه حكماً عظيمة وفوائد جليلة كريمة، فبهذا النوع من المعاملات تتحصل المصالح وتدفع المفاسد. والمصنف رحمه الله من دقّته ذكر المسائل التالية: المسألة الأولى ذكر فيها ضمان الديون الواجبة، ومثّلنا لذلك وبيّنا دليل مشروعيته والأصل فيه، ثم بعد أن فرغ من بيان الديون الواجبة والمستقرة شرَع في ضمان الديون التي تئول إلى الوجوب، كما ذكرنا في العارية والأمانات إذا تعدى فيها المتعدي، ثم كذلك أشرنا إلى النوع الثالث من الضمان، وهو ضمان الديون المضافة إلى المستقبل، كقولك: أعط فلاناً ما يحتاجه وأنا ضامنٌ لك. كأن تقول: لصاحب بقالة: إذا أتاك صاحب عائلة، فأعطه ما يحتاج، وأنا أضمن لك نهاية الشهر إن لم يسددك أسددك، فهذا ضمان بما يئول في المستقبل إلى الدين. فعندنا ثلاثة أنواع من الديون: الديون المستقرة الثابتة، كرجل له على آخر مائة ألف، فتقول: أنا أضمنه أن يسددها، في دين ثابت مستقر، والديون التي تئول إلى الوجوب، وذلك كما في العارية إذا تعدى عليها، وكذلك أيضاً في الأمانات إذا تعدى فيها. كذلك النوع الثالث: وهو الضمان فيما يئول إلى الدين مستقبلاً، كما مثلنا بصاحب البقالة، فهذا ضمانٌ بدينٍ في المستقبل فليس بحال ولا ثابت. وعلى هذا بعد أن فرغ من الثلاثة الأنواع شرع في النوع الرابع، وهو مضاف إلى ما قبله، وحقيقته أن تتكفل بضمان الشخص نفسه، أي: تتكفل بإحضار الشخص نفسه لأخذ الحق منه، فإن تكفّلت بإحضاره، فحينئذٍ تكون ملزماً شرعاً بإحضار هذا الخصم أو إحضار هذا المدين لصاحب الحق، على حسب ما وقع الاتفاق بينكما، ومن هنا تكون الكفالة أشبه بالعقد، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فأنت إذا قلت: أنا كفيل بأن أحضِر لك فلاناً في نهاية الشهر إلى مجلس القضاء أو نحو ذلك، فقد ألزمت نفسك، وحينئذٍ يكون عقد الكفالة عقداً إلزامياً، فلا تملك الخروج من الكفالة إلا بصفة شرعية، أو بإذنٍ شرعي يبيح لك أن تخرج من هذا الالتزام. والله تعالى أوجب علينا أن نفي بالعقود، فأنت إذا قلت: أنا كفيله أو أنا متكفِّل به، فأنت ملزم به، ثم تقوم الكفالة على كافل، وهو الشخص الذي يتحمّل، وهي اسم فاعل، فالكافل هو الذي يفعل الكفالة ويقوم بها، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) يعني الذي يقوم بكفالة اليتيم، فالكافل هو الشخص نفسه، والمكفول هو الذي عليه الدين وعليه الحق، أو الذي يجب حضوره إلى مجلس القضاء. وقد يكون المكفول عيناً كما يكون شخصاً، كما تقول: أنا متكفل بإحضار فلان، فقد تتكفل بالعين، والكفالة بالعين مثلما يقع في العواري، كرجلٍ جاء إلى آخر وقال له: أعطني سيارتك أريد أن أذهب بها إلى مكان كذا، فيقول له: أعطيكها ولكن بشرط أن تحضرها لي غداً، فقال له: قبلت، يقول له: أعطني كفيلاً بإحضارك لها غداً، فيأتي الشخص بكفيل ويقول: أنا متكفلٌ بإحضار السيارة لك غداً، فهذه كفالة بعين، فهناك كفالة للشخص وكفالة للعين. إذا قلت: أنا متكفلٌ بإحضاره، أو متكفلٌ ببدنه، أو متكفلٌ بذاته لا إشكال، لكن الإشكال إذا أضفت الكفالة إلى الجزء، فقلت: أنا كفيل برأسه، أو كفيل بيده، أو ك...... حكم الكفالة في الحد والقصاص كفالة البدن في الحقوق كالقصاص، وهذه كانت تقع في القديم، ويحتاج إليها كثيراً، كرجلٍ اعتدى على رجل، وحكم القاضي بالقصاص، فالتمس من الأولياء الذين لهم الحق أن يذهب إلى أهله، ويبرئ ذمته من الحقوق التي عليه، فقال لهم: أريد مهلة أسبوعاً قبل القصاص، أن أذهب إلى أهلي وأستوفي ما عليَّ من الحقوق، وأفعل وأفعل، فأولياء المقتول، أو صاحب الحق الذي له القصاص، قال: أعطني كفيلاً يقوم ويتكفل بإحضارك، فيقول شخص: أنا كفيله، وأنا متكفل بإحضاره. وكثيراً ما كانت تقع هذه الكفالات من الوجهاء، كمشايخ العشائر ونحوهم ممن لهم قوة على الإحضار. هذا النوع اختلف فيه العلماء على وجهين مشهورين: بعض العلماء يقولون: يصح هذا النوع من الكفالة، ومذهب الحنابلة على عدم صحته، فهم يرون أن الكفالة لا تقع إلا في البدن الذي عليه دين، دون الذي عليه حد أو قصاص، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا كان كفيلاً ببدن من عليه الدين فإنه يتحمل عنه كالضمان، لكن إذا كان في قصاص فإنه لا يمكننا أن نقتص من هذا الكفيل. وقد أجاب عنهم من قال بجوازه، وهم طائفة من السلف منهم المالكية، قالوا: إنه لا يكفل إلا من كان قادراً على إحضاره، وفي بعض الأحيان يعجز غيره عن الإحضار، فالناس بحاجة إلى هذا النوع من الكفالة، كما يفعله وجهاء العشائر ونحوهم؛ وذلك لاستطاعتهم، فأنت تريد أن تمهل هذا الخصم، ولكن تريد ما تستوثق به، فإذا وُجِد من يتكفل بإحضاره فلا شك أنه تتحصل بذلك المصالح العظيمة، ثم إننا لا نقتص من الكافل، وإنما نقتص من المكفول، إلا أن فائدة هذا النوع من الكفالة المعونة على إحضاره، والمعونة على الرفق، فإذا رضي أولياء الحق في الحد والقصاص بذلك فلا وجه للمنع. في هذه الحالة تكون الكفالة في بعض الأحيان بإحضار من عليه قصاص إلى مجلس القضاء. كأن تقول: أنا كفيل بإحضاره إلى مجلس القضاء، أو إلى موضع القصاص في يوم كذا، ففي هذه الحالة تكون متكفلاً بالإحضار. هذا بالنسبة لمسألة الكفالة في الحدود والقصاص. نرجع إلى الكفالة التي اختارها المصنف، وهي الكفالة بالبدن في مالٍ مضمون كالدَّين ونحوه، إذا تكفّل بالبدن فإنه يقول: أنا كفيلٌ بحضور فلان، فإذا أحضره إلى مجلس القضاء برئت ذمته، فتكون متعلِّقة بالبدن. قال: [لا حد ولا قصاص] قوله: (لا حد ولا قصاص) أي: لا تقع الكفالة في الحد، ولا تقع الكفالة في القصاص؛ لأنه إذا تعذّر في هذه الحالة إحضار المكفول، فإنه لا يمكننا أن نقتص من الكافل، وعلى هذا قالوا: إنه لا تقع الكفالة لا في الحدود ولا في القصاص، ولكن الفائدة عند من قال بمشروعيتها أنه يلزم بحضور المكفول، وفي هذه الحالة يضغط عليه القاضي، وعند المالكية وجه أنه إذا ثبت عند القاضي أنه قادرٌ على إحضاره ولم يحضره، أو تساهل في إحضاره عزَّره، ولربما اضطر إلى الضغط عليه حتى يحضره، وهذا النوع من الكفالة لا شك أن القول بمشروعيته وجوازه فيه قوة. قوله: لا حد، الحد: هو العقوبة المقدَّرة شرعاً، ويشمل هذا الزنا والعياذ بالله! ففي الزنا عقوبة محددة. والعقوبات في الشريعة تنقسم إلى: عقوبة محددة، وعقوبة غير محددة، فالعقوبات المحددة يصطلح العلماء على تسميتها بالحدود، وسميت بذلك والمناسبة فيها واضحة، وأما بالنسبة للعقوبات غير المحددة، فهذه هي التعزيرات، وهي ترجع إلى نظر القاضي، إذ ينظر فيها إلى حال الجريمة وحال المجرم، والزمان والمكان والمعتدى عليه. القصاص أصله من قص الأثر إذا تتبعه، والقصاص يقع في الأنفس ويقع في الأطراف، ومذهب طائفة من العلماء كما ذكرنا: أنه تجوز الكفالة في الحد وتجوز الكفالة في القصاص. فإذا ضمِن أو تكفّل بإحضاره من أجل أن يقام عليه الحد، أو من أجل أن يقام عليه القصاص فإنه كفيله، وحينئذٍ يحبس مكانه إذا عُلِم أو ثبت عند القاضي تفريطه، أو ثبت عند القاضي تمالؤه مع الخصم على الفرار ونحو ذلك. وفائدتها أنها تعين على الوصول إلى الحقوق وتساعد على ذلك. ...... عدم صحة الكفالة دون رضا الكفيل لا المكفول قال رحمه الله: [ويعتبر رضا الكفيل لا مكفولٍ به] قوله رحمه الله: (ويعتبر رضا الكفيل)؛ لأنه يتحمل المسئولية ويدخل على نفسه الضرر، فلابد وأن يكون راضياً بذلك، وعلى هذا فلا تصح الكفالة بالإكراه، فلو هدده وأكرهه على أن يكفله، فإن الكفالة لا تثبت إذا ثبت ذلك عند القاضي، كرجلٍ مثلاً له على رجل مائة ألف، فقال له: أعطني كفيلاً، أو إذا أحضرت فلاناً من الناس يكفلك فأنا أعطيك هذا الدين، فذهب إلى رجل وهدده، وقال له: إذا لم تكفلني فإنني سأقتلك، فكفله مكرهاً. وإذا ادعى هذا الكفيل عند القاضي أنه أُكرِه على الكفالة، وثبت ذلك عند القاضي فإن الكفالة لا تصح، فالكفالة لا تقع إلا إذا كان الكفيل راضياً بالكفالة؛ لأنه يدخل على نفسه الضرر، فلابد وأن يكون على بينة من أمره. قوله: (لا مكفول به) الشخص الذي يُكْفَلُ أيضاً لا يشترط رضاه، كالوالد يكفل ابنه، سواءً رضي الابن أو لم يرض، ففي بعض الأحيان لا يرضى الابن بكفالة أبيه؛ لأنه يخشى على أبيه الضرر فيمتنع، فرضاه وعدم رضاه غير معتبر، يقولون: إن الرضا غير معتبر في الكفالة بالنسبة للشخص المكفول، سواءً رضي أو لم يرض، إلا أن بعض العلماء استثنى الكفالة من الأب لابنه، فقالوا: إنه في هذه الحالة يدخل الضرر على والده، ومن حقه أن يمتنع؛ لأن الله يقول: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، فلا يكون المكفول سبباً في أذية والده والإضرار به. ...... الحكم إذا مات المكفول أو تلفت العين بآفة سماوية قال رحمه الله: [فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى] قوله: (فإن مات) إذا كنت كفيلاً بإحضار شخصٍ ومات الشخص، فهذا عجز حقيقي، ويستحيل أن تحضره، وحينئذٍ لست مطالباً بهذا الإحضار؛ لأنه يتعذر إحضاره، فتسقط الكفالة وتصبح في هذه الحالة غير مطالبٍ بضمان الدين، وهذا وجه عند بعض العلماء، واختاره المصنف، والمذهب على ذلك، وقال بعض العلماء: بل تتحمل الدين كما لو كان حياً، فموته لا يبرئ ذمّتك، وإنما تبقى الكفالة على السنن المعتبرة حتى يحضر الأجل، ويقام ورثته مقامه وحينئذٍ تتحمّل، ويكون رجوعك إلى ورثته. فإذا حضر الأجل وضمِنت ودفعت الدين، يكون لك وجه المطالبة على ورثته. قوله: (أو تلفت العين بفعل الله تعالى) كأن تكون مثلاً السيارة التي ضمنت رجوعها تلفت بآفة سماوية، وليس بفعل آدمي، كأن يأتي سيل ويجتاحها، ويكون الذي أخذها واستعارها غير مفرط، أما لو فرّط كأن أوقفها في مكان السيل، فإنك تضمن؛ لأنك تضمن تعديه، فإذا أوقفها في أماكن هي عرضة فيه للتلف وللآفات فإنه يتحمّل، وحينئذٍ تكون متحملاً معه؛ لأن ذمتك انضافت إلى ذمته في الكفالة. أما لو أنها تلفت بآفة سماوية، وبشيءٍ لا دخل للآدمي فيه، ولم يكن ثم تفريط، فإنك لا تضمن، وترتفع الكفالة بتعذر إحضار العين. ...... براءة الكفيل بتسليم المكفول عنه نفسه إلى القضاء قال رحمه الله: [ أو سلم نفسه برئ الكفيل] فمثلاً: لو قلت: إذا جاء أول محرم، فإني ألتزم بإحضار المذكور إلى مجلس القضاء، أو ألتزِم بتسليم المذكور إلى صاحب الدين. فلما حضر الأجل جاء المكفول، وسلّم نفسه، فإنه إذا سلّم نفسه سقطت الكفالة، وعليه فلو سلّم نفسه وفر بعد استلامه لم تكن متحمّلاً لشيء؛ لأنه بتسليمه لنفسه تكون قد سقطت الكفالة، وبرئت أنت من هذه الكفالة؛ لأنه إن فرّ بعد تمكِّن صاحب الحق منه، أو فر بعد حضوره إلى مجلس القضاء، فالتفريط ليس منك، ولست بمتحمل مسئوليته، إنما يتحمل ذلك من فرّط فيه حتى فر. وعلى هذا فإنه إذا سلم المكفول نفسه برئ الكافل. ...... حكم تسليم المكفول عنه نفسه قبل الأجل لكن هنا مسألة ذكرها بعض العلماء: وهي فيما لو سلم نفسه، أو قمت بتسليمه قبل الأجل، لو قال: أنا ألتزم بإحضار محمد في أول محرم، فأحضره في شهر ذي القعدة، فبعض العلماء يقول: لا يبرأ الكفيل إلا إذا حل الأجل، وقال بعض العلماء فيه تفصيل: إن كان قد قدمه على الأجل على وجه فيه ضرر على صاحب الدين، فإنه لا وجه لهذا التقديم، وأما إذا لم يكن هناك ضرر على صاحب الدين وأحضره قبل الأجل، فإنه يتحمل المسئولية حينئذٍ، وهذا القول الثاني أوجه وأصح، ويختاره غير واحد من العلماء رحمهم الله. لقد ذكرنا أن باب الضمان وباب الرهن يجتمعان في مسألة الاستيثاق، والحوالة أيضاً تعين على الوصول إلى الحق، ونظراً لتجانس هذه الأبواب، باب الرهن، وباب الكفالة، وباب الضمان، وباب الحوالة، ذكرها المصنف رحمه الله تباعاً.
نصيحة لطلاب العلم بتعلم المسائل المعاصرة لكن هذه المسائل كثيراً منها ما يقع في القديم وبيّناها وتكلمنا عليها، سواءً مسائل الضمان أو الكفالة، لكن في عصرنا الحاضر، بعض المسائل الموجودة التي خُرِّجت على الكفالة القديمة، وكثيراً ما تقع هذه المسائل في الديونات، وتشتهر في المعاملات الموجودة في المصارف، من ذلك ما يسمى: بالضمان البنكي، وخطاب الضمان، والاعتماد المستندي، و(الكمبيالة)، ونحو ذلك من البطاقات التي تُصدَر للاستيثاق بالديون، ونظراً لوجود الحاجة، وتعلقها بالأبواب التي بحثناها، والمسائل التي تعرضنا لها، فإننا نحتاج لبيان هذه المعاملات المعاصرة؛ لأن هذا أمر متصل بالمسائل التي معنا، ولا يمكن لطالب العلم أن يدرس المسائل القديمة، فيقرأ مثلاً عن البر والشعير والقمح، ثم لما يأتي يعايش الناس، وإذا به يجدهم يتعاملون بأشياء وبمسميات غريبة، وقد يقف حائراً، حتى إنه لربما وقف حائراً في معاملة تتعلق به نفسه، فلا يدري ما حقيقة هذا التعامل الموجود، وما موقف الشريعة الإسلامية منه، ولذلك كان لزاماً على طالب العلم أن يدرس هذه المسائل، وأن يعرف حكم الله عز وجل فيها، حتى يكون على بيِّنة من أمرها فيما يتعلق بنفسه، وفيما يتعلق بالناس إذا سألوه ونحن إن شاء الله سنذكر في الدروس القادمة خطاب الضمان، ونبيِّن حقيقته، وتعريفه، وكذلك أيضاً الاعتماد المستندي، والبطاقات، نبين حقيقتها، ثم بعد ذلك نبيِّن هل هي مخرَّجة على الكفالة؟ وإذا تخرّجت على الكفالة، ما الذي يجوز من صورها؟ وما الذي لا يجوز؟ ونفصل إن شاء الله في تلك المسائل سائلين الله عز وجل أن يلهمنا وإياكم السداد والرشاد! وأن يجعل ما نتعلمه ونعلمه خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم. ...... ما يجب على أهل مكة تجاه حجاج بيت الله الحرام أحب أن أنبه على أمر مهم جداً، وهو أنكم تعلمون أن هذه الأيام يعيش الناس فيها موسم الحج، ونظراً لما أكرمكم الله عز وجل به من جوار هذا البيت الذي شرّفه الله وكرّمه، وفضّله على سائر البقاع، وجعله مثابة للناس وأمناً، فالناس ينظرون إليكم نظرة إجلالٍ وإكبار، ومن جاور هذا البيت خليقٌ به أن يحفظ حرمته، وأن يحفظ كذلك لعماره وحجاجه حقوقهم، وأن يكون كأحسن ما يكون عليه المجاور لبيت الله الحرام، خاصة طلاب العلم، فإنهم قدوة للناس، والناس تهتدي بالأخيار، وتهتدي بالصالحين، وكم من سنن أُحْيِيَتْ، وكم من بدعٍ أُمِيْتَتْ حينما حرص الأخيار على بث الخير، والتخلق بآداب الأخيار في الأقوال والأفعال، فظهرت منهم الأقوال الحميدة، والخصال الكريمة، التي تدل على أن وراء هذه الأقوال وهذه الأفعال قلوباً تخاف الله جل جلاله، وترجو رحمته، وإن خير ما ينتظره منكم الحاج والمعتمر في بيت الله الحرام، القدوة الصالحة، وخير ما ينتظره منكم الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن المسلم مطالب بأن يهتدي ويقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف إذا كان بهذا الحال الذي يستوجب عليه الأمر أكثر. فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، والحرص على السنة، والاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اهتدى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الله يرحمه، ويهديه ويوفقه، ولذلك قال تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، فمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه من المهتدين. وهذا الفعل منا يستوجب أموراً: أولها وأعظمها وأكرمها عند الله: الإخلاص، فعلى الإنسان المسلم أن يعامل إخوانه وهو يريد ما عند الله عز وجل، فالحجاج والمعتمرون يحتاجون إلى المعاملة الحسنة، التي يبتغي صاحبها الأجر والمثوبة من الله، فالشخص الذي يتعامل معهم وهو يستشعر أنهم ضيوفٌ على الله، وأنهم أتوا طالبين لرحمة الله، راجين لعفوه ومنِّه وكرمه. فخليقٌ بالمسلم أن يعامل الله سبحانه وتعالى حتى يعظم أجره في ذلك، ولا يزال الرجل بخير إذا أخلص العمل لله، وأراد ما عند الله سبحانه وتعالى، وكم من عملٍ قليل عظَّمْته النية، وبارك الله فيه بإخلاص صاحبه، والكلمة التي تخرج من القلب المخلص تقع في القلوب، وتؤتي ثمارها، ويعظم أجرها، ويرضى عنها ربها. فالكلمة التي تخرج لله وفي الله هي التي تكون في ميزان العبد، أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:9-11]. الأمر الثاني: الحرص على الخلق الحسن: (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وسلموا من زلات جوارحه وأركانه، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يراقب تصرفاته وأفعاله، والله إنهم ينظرون إليكم نظرة قد لا يشعر الإنسان بقدرها، ولكنه لو تتبع مشاعر الحجاج والعمار، لوجدهم يراقبونه في كل تصرفاته، فكم من أمور يراها الحجاج ويراها المعتمرون تثبت من الخير والطاعة والبر، حببت إلى قلوبهم حينما رأوها من جيران بيت الله الحرام، وهذا شيء نعرفه من كلام الناس، ومن كثرة ما تناقلوه، فهم إذا قدموا على الحرمين ورأوا الخير من أهل الحرمين أحبوا الخير واقتدوا بهم، واهتدوا بهم، والعكس بالعكس، والأخلاق هي شيمة المسلم، إذا أراد الله أن يثقل ميزان العبد رزقه الخلق الحسن، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من شيءٍ أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من تقوى الله وحسن الخلق). ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: (تقوى الله وحسن الخلق). وثبت في الحديث الصحيح أنه قال: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، فالعبد إذا حسنت أخلاقه، وطابت شمائله، وكان أليفاً موطأ الكنف، فإن الله عز وجل يثقل موازين حسناته بذلك، ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم مبيّنا فضل هذه الخصلة الكريمة، والخلة الجليلة العظيمة: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)، هؤلاء إخوانكم في الله، وإخوانكم في الإسلام، وإذا لم يتراحم المسلمون فيما بينهم، ولم يحصل بينهم الألفة والمحبة والمودة والأخوة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، فأين تظهر؟! وإذا لم يكن جيران بيت الله الحرام يفعلون ذلك فمن الذي يفعله؟! هم ينتظرون منكم أن تفتحوا لهم صدوركم وقلوبكم بالمحبة والمودة، لا تنظروا إلى الناس بألوانهم، ولا تنظروا إلى الناس بغناهم وثرائهم، ولا تنظروا إلى الناس بمناصبهم ولا بجنسياتهم، ولكن انظروا إلى أخوة الإسلام التي بينكم وبينهم، وتنظر إلى كبيرهم كوالدٍ لك، وتحبهم وتجلهم لله وفي الله، والابتسامة التي تبتسم بها في وجه أخيك المسلم صدقة، فكيف وهم في غربة وبعدٍ عن الأوطان، مع مشقة السفر وعنائه، فإذا جاء ولقي منك الابتسامة، وهو يراك شيئاً كبيراً، كيف تقع هذه الابتسامة في قلبه، الله أعلم كم من مهموم مغموم حينما يرى أخاه المسلم مبتسماً في وجهه، تتبدد عنه أحزانه وأشجانه، الابتسامة التي تراها يسيرة، ولكنها عند الله كبيرة، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق)، فإذا لقيهم المسلم يلقاهم بالابتسامة، ولا يبتسم من أجل الغنى واللون والحسن والنسب، لا، ولكن لله وفي الله، ومن أكمل الناس خلقاً الذي لا تفارق الابتسامة وجهه لأصغر الناس وأكبرهم، وطالب العلم الكامل هو الذي يبتسم للناس جميعاً بالإسلام، لا بأحوالهم، ولا بصفاتهم، ولا بمراتبهم، والله يعلم منه أنه يحب الكبير كما يحب الصغير، فإذا بلغ المسلم هذه المرتبة فهذه نعمة من الله، كذلك الكلمة الطيبة؛ فقد تجد منه ما يجرحك فتقابله بالكلمة الطيبة؛ لأنك تقدر مشاعره في غربته وتعبه ونصبه وعناء السفر، كذلك أيضاً ينتظرون منك الأخلاق الحميدة في تفريج الكربات وستر العورات، ولعل الله عز وجل أن يكف عن وجهك النار بصدقة تتصدق بها على ضيفه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة). وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن امرأة دخلت على عائشة ومعها صبيتان، فاستطعمتها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة تمرة، ثم أخذت التمرة الثالثة تريد أكلها، فلما أدنتها إلى فمها استطعمتها إحدى البنتين، فأعطتها التمرة، فعجِبت عائشة من صنيعها! فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها أخبرته بخبرها، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عائشة أتعجبين مما صنعت! إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك). بتمرة واحدة حجبها الله بها عن النار، فكيف إذا جئت ووجدت أحدهم ضامئاً فسقيته الماء، فأطفأت حر ضمئه، فدعا لك دعوة تسعد بها في دينك ودنياك وآخرتك، كيف إذا رأيت من كان منهم كبير السن فتجده ضائعاً هائماً على وجهه، فتساعده كأنه والدك، وكأنه إنسان قريبٌ منك بأخوة الإسلام، فتضحي لأجله فيُكبِر هذا الشيء منك، فيدعو لك دعوة تكون سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة، ولربما ترى منهم المديون، وترى منهم المعسر، فتفرج كربته، وتعينه على عبادته، فهذا خير كبير وباب عظيم فتحه الله لك، وما عليك إلا أن تحتسب الأجر عند الله عز وجل، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم السداد والرشاد. كذلك أيضاً مما ينبغي الحرص عليه تعليم الحجاج، فإنهم يحتاجون إلى التعليم والتوجيه، خاصة من طلاب العلم، وأهم ما ينبغي الاعتناء به: الإيمان، والتوحيد، والإخلاص؛ لأنه أساس الدين، فلابد من تعليمهم حق الله عز وجل، وأنه لا يجوز صرف حق الله لغيره كالدعاء، و الاستغاثة، والاستجارة، فما الفائدة من أن يأتي يحج وهو يدعو غير الله! وما الفائدة من أن يأتي يحج وهو يستغيث بغير الله! وما الفائدة من أن يأتي ويحج وهو يذبح لغير الله! ويعتقد بغير الله، هذا أمرٌ عظيم ينبغي لطالب العلم أن ينتبه له، فالعقيدة هي أساس الدين الذي لا يمكن أن يقبل الله قول القائل، ولا عمل العامل إلا بتحقيقها، والقيام بحقوقها، وتذكيرهم بحق الله عز وجل. كذلك أيضاً عليك أن تبين لهم صفة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رأيت الجاهل علّمته، وإذا رأيت المخطئ قوّمته وصوّبته، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وأن يتقبل منا ومنكم صالح القول والعمل، والله تعالى أعلم. ...... الأسئلة ...... المبادرة بسداد الدين عن الميت وإن لم يحل أجلها السؤال: إذا ضمن الأبناء دين أبيهم المتوفّى فهل تبرأ ذمته بمجرد ضمانهم، أم بعد سداد الدين، خصوصاً إذا كان الدين على شكل أقساطٍ شهرية تستمر لسنوات، أثابكم الله؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالدين أمره عظيم، وخطبه جسيم، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نفس المؤمن مرهونة بدينة)وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه أُتِي برجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة : هما عليَّ يا رسول الله! -يعني: الدينارين اللذين كانا على الرجل- فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه، قال: فلما لقيني من الغد، قال: ما فعل الديناران؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته)، فلو قال أولياء الميت: نحن نتكفّل بدين ميتنا، فإنه لا تزال نفسه مرهونة حتى يسدد الدين عنه، ولذلك يقول العلماء: من مات حلّت ديونه، حتى ولو كانت أقساطاً فإنها تحل، وتسدد مباشرة، ما دام أنه ترك سداداً يباع ذلك الشيء ويسدد حتى تبرأ ذمته، ويستريح في قبره، قال بعض العلماء: إنه يرهن، والرهين المحبوس، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، أي: مرهونة ومحبوسة، فقوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، قالوا: معناه أنه لا ينعم، ويحبس عن النعيم حتى يسدد دينه، وهذا أمر عظيم جداً، فعلى المسلم أن يبادر بسداد الدين، خاصة إذا توفِّي الميت وترك أشياء يمكن سداد دينه منها، كأن تكون هناك سيولة من نقد، بل حتى ولو ترك مزارع أو بيوتاً فتباع، ويسدد دينه، وتبرأ ذمته؛ لأنه بحاجة إلى ذلك، خاصة إذا كان من الوالدين، فعلى الأولاد أن يبادروا بسداد دينهم، وكان بعض العلماء يقول: إن هذا من أعظم البر بعد وفاة الوالد والوالدة، وهو المبادرة بسداد الديون، وهذا أمرٌ عظيم، وينبغي أن يعتنى به، ونسأل الله العظيم أن يسلمنا، ويسلِّم منا، والله تعالى أعلم.
التشابه بين النذر والضمان من حيث القياس السؤال: هل من الممكن القول بأن النذر في العبادات مشابهٌ للضمان في المعاملات بجامع كون كلٍ منهما التزاماً في الذمة، بيد أن النذر لا تراجع فيه، والضمان من الممكن أن يتراجع عنه أثابكم الله؟ الجواب: النذر لا شك أنه إلزام للمكلّف ما لم يلزمه، والضمان يلتزم فيه ما لا يلزمه في الأصل، وأما مسألة النذر فيلزمه الوفاء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لـعمر : (أوف بنذرك)، فالوفاء بالنذر واجب، ما دام أنه قد استوفى الشروط المعتبرة لانعقاده وصحته. وأما بالنسبة لمسألة الضمان، فالضمان لا يستطيع أن ينفك عنه، فالتشابه بينهما قوي من حيث القياس، لكن الإشكال ليس هنا، الإشكال في جهة نوعية الحق، فإن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق المخلوقين مبنية على المقاصة، فمن ناحية جنس الحقين هناك تفاوت، ولذلك قد يُعترض بأنه قياس مع الفارق في بعض الصور، إذا كان حق الآدمي آكد، والله تعالى أعلم.
عدم جواز ضمان العين المستأجرة بالمال السؤال: هل من حق المؤجر أخذ ضمانٍ على العين المستأجرة، بحيث يتم الخصم من الضمان إذا أخل المستأجر بالعين المستأجرة أثابكم الله؟ الجواب: بالنسبة للعين المؤجرة يضمن الشخص، لكن لا يقول: أعطني مالاً أخصم منه، أو نحو ذلك، إنما يقول: أنا ضمين، أو يأتي بشخص يقول: أنا أكفل أن ترجع لك العمارة كما هي، أو أكفل لك أن فلاناً يرد لك الدكان أو البقالة كما أخذها، فحينئذٍ تكون الكفالة من الشخص، لكن أن يعطيه مالاً وسيولة فلا، وعلى هذا فإنه لا تصح الكفالة إلا على الصفة الشرعية التي ذكرناها، والله تعالى أعلم.
لزوم عقد الإجارة بمجرد العقد السؤال: هل عقد الإجارة يُلزم به الطرفان لمجرد العقد، أم بالشروع فيما وقعت عليه الإجارة أثابكم الله؟ الجواب: عقد الإجارة يعتبر لازماً في قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، لعموم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وبناءً على ذلك لو قال لك شخص: أجِّرني هذه العمارة بمائة ألفٍ شهرين، قلت له: قبلت، وافترقتما عن المجلس، فإنه يلزمك أن تمكِّنه من العمارة، ويلزمه أن يدفع المائة ألف، هذا بالنسبة لمعنى قولنا: إنه لازم، فلو عقدتما العقد وخرج من عندك، ثم قال: لا أريد أن أستأجرها، يلزمه القاضي بالاستئجار، ولو خرجتما وافترقتما، فقلت: لا أريد أن أؤجرك؛ تُلزَم بإجارتها. وهكذا لو استأجرت من شخص شقة بستة آلاف في السنة، وكتبتما العقد، أو قلت له: أجِّرني شقتك بستة آلاف هذه السنة، فقال: قبلت، وتم العقد، فلكما خيار المجلس ما دمتما في المجلس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). والإجارة بيع منافع، فإن افترقتما فحينئذٍ تُلزم بدفع الستة آلاف أجرةً للشقة، ويلزمه أن يمكِّنك من الشقة لأجل أن تسكنها، فلو قال لك: لا أريد تأجيرها وقد رجعت عن كلامي، وكان رجوعه بعد الافتراق، فإنه يُلزم شرعاً بالعقد، هذا معنى قولنا: إن الإجارة عقد لازم، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله ومنهم الأئمة الأربعة، ومن خالف فقال: إنها عقدٌ غير لازم فخلافه شاذ كما أشار إلى ذلك بعض العلماء، والله تعالى أعلم.
الأقوال في قاعدة: النسيان لا يسقط الضمان السؤال: القاعدة التي تقول: النسيان لا يسقط الضمان. هل تشمل من فعل محظوراً من المحظورات ناسياً أثابكم الله؟ الجواب: هذا فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، منهم من قال: يسقط الضمان مطلقاً، ومنهم من قال: لا يسقط الضمان مطلقاً، ومنهم من فصّل. أما الذين قالوا: إن النسيان يُسقط الضمان، فاستدلوا بما ثبت في الصحيح قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج)، فما سُئِل عن شيء قدِّم ولا أُخِّر مما ينسى الإنسان -كما في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في السنن- إلا قال: (افعل ولا حرج)، فلم يوجب عليهم الضمان بالترتيب؛ مع أن الأصل في فعلها أن تكون مرتبة وهي واجبة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم). فأسقط الضمان لهذا الواجب بسبب النسيان، هذا على القول بوجوب الترتيب، كما يختاره طائفة من العلماء رحمهم الله خلافاً للشافعية والحنابلة. القول الثاني: إن النسيان لا يسقط الضمان، فمن نسي وجب عليه أن يضمن، وأكدوا هذا بأن النسيان والخطأ جاريان من باب واحد، ولذلك لو قتل خطأً لأُلزم بالضمان، وهكذا لو نسي فحصل منه حلق للشعر، أو تقليم للأظفار، فإنه يُلزم بالضمان. القول الثالث: التفصيل، فبعض العلماء يفصِّل بين ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه، فالذي يمكن تداركه مثل الطيب وتغطية الرأس، ولبس المخيط، فهذه الأشياء إذا نسيها ولبس عمامة على رأسه وهو محرم، أو نسي ولبس ثوباً وهو محرم، فإنه إذا تذكّر ونزعها أمكنه التدارك، قالوا: في هذه الحالة لا شيء عليه، واحتجوا بحديث صفوان بن يعلى بن أمية -الثابت في الصحيح- عن أبيه: (أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالجعرّانة وعليه جبّة عليها أثر الطيب، فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجلٍ أحرم بالعمرة وعليه ما ترى؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: انزع عنك جبتك واغسل أثر الطيب الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك)، فهذا الرجل أحرم بالعمرة وأخطأ عندما تطيب ولبس الجبة، ومع ذلك لم يُلزم بالضمان. قالوا: هذا محظور يمكن تداركه، فقال له: (انزع عنك جبتك)، فلما نزعها مباشرة أمكنه التدارك، أما لو كان من جنس ما لا يمكن تداركه، كتقليم الأظفار، فلا يمكنه أن يعيد الظفر مرة ثانية، وهكذا بالنسبة لحلق الشعر، لا يمكن أن يرده، فإنه يُلزم بالضمان، وهذا القول يختاره جمعٌ من العلماء رحمهم الله، وهو الأشبه والأقوى، والله تعالى أعلم.
استقبال الحجر الأسود مع التقبيل وإن تعذر أشار السؤال: هل يلزم المحرم أن يستقبل الحجر الأسود بكله عند كل شوط، أم في بداية الشوط الأول أثابكم الله؟ الجواب: الثابت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وغيره، أنه ابتدأ طوافه فاستلم الحجر، ومن هنا وقع منه عليه الصلاة والسلام استقبالٌ للحجر عند ابتدائه، فاستلم الحجر وقبّله، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام عند تعذُّر الاستلام الإشارة، ومن هنا قالوا: يكون استقباله بالتقبيل، أي: يستقبل الحجر ويقبِّل ويكون في حكم المقبِّل، وإذا تعذّّر عليه أن يقبل، فإنه يكتفي بالإشارة، والله تعالى أعلم.
صحة حج من عليه دين مقسط مع الاستئذان من الدائن وعدمه السؤال: إنسان عليه دينٌ مقسّط، فهو يسدد كل قسط في موعده، فهل يصح منه الحج تطوعاً أو فرضاً أثابكم الله؟ الجواب: إذا كان عليه دين، واستأذن من صاحب الدين فلا بأس، إلا أن بعض العلماء رحمهم الله يقولون: الديون المقسطة إن دفع آخر قسطٍ منها وكان عنده سداد بحيث لا يفرِّط، أو لا يعرِّض صاحب الدين لضياع ماله، فإنه يصح منه أن يحج ولو لم يستأذن، وهذا القول له قوة، إلا أن الأول أحوط، والله تعالى أعلم.
حكم الاستئجار للحج السؤال: من حج عن غيره، فهل له أن يأخذ ما زاد من المال الذي حج به أثابكم الله؟ الجواب: هذه داخلة في مسألة الإجارة على الحج، وهي تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: يسمونها: إجارة البلاغ، وإجارة البلاغ أن تتكفل بدفع النفقة ذهاباً وإياباً، وتدفع ثمن الهدي ونحو ذلك مما يكون من مصاريف الإنسان في العرف، فإذا قال الشخص: أنا أحج عن ميِّتك فلان، وأنت تتحمّل مصاريف الزاد، ومصاريف الراحلة والركوب، صحّ هذا النوع من الإجارة، لقول جمهور العلماء رحمهم الله، ولا بأس به. في هذه الحالة، يقوم هذا الشخص بفعل الحج، ويستأجر ويركب ويأكل، وينتفع في حدود المعروف، فإن بذخ وتجاوز وزاد على المعروف فإنه يتحمل مسئولية ذلك الشيء الزائد، مثال ذلك: لو أمكنه أن يركب بخمسمائة ركوب مثله، فركب بسبعمائة، فالواجب عليك دفع خمسمائة، فأنت تتكفل بنفقة الركوب ونفقة الطعام والشراب، وما يحتاج إليه مثله فقط. هذا بالنسبة لمسألة إجارة البلاغ، إلا أن هذا النوع من الإجارة له أحكام خاصة، فيما لو فسد الحج، أو طرأت أمور في داخل الحج توجب فساده أو توفِّي إلى غير ذلك من الأمور التي قد تطرأ، وقد بحث العلماء رحمهم الله جميع هذه المسائل. الحالة الثانية: ما يسمى: بإجارة المقاطعة، وإجارة المقاطعة أشبه بالبيع والشراء كأن يقول لك: أنا أحج عنه بخمسة آلاف، إن زادت فلي ما زاد، وإن نقصت فعلي تكميل ما نقص، وهذا النوع ضعيف، والأشبه عدم جوازه، والصحيح عند العلماء النوع الأول، وهو أن تكون الإجارة على الكلفة. ففي النوع الأول، إذا أعطيته ثلاثة آلاف وذهب وحجّ، وزاد في تكلفة حجه خمسمائة ريال، وكان ذلك بالمعروف، فإنك تُلزَم بدفع الخمسمائة، وتكمِّل له ما نقص، ولو أخذ منك ثلاثة آلاف، فاستكفى بألفين وخمسمائة، لزمه أن يرد الخمسمائة، وإن سامحته وقلت له: خذها، فهذا أمرٌ لا بأس به؛ لأنه مالٌ بطيبة نفسٍ ورضا، والله تعالى أعلم.
جواز الفدية بأنثى الماعز بدلاً عن الشاة السؤال: هل تصح الفدية بأنثى الماعز بدلاً عن الشاة أثابكم الله؟ الجواب: بالنسبة للشاة فيجزئ فيها الذكر والأنثى من الشياه والماعز، إلا أنها في جزاء قتل الصيد فيها تفصيل عند العلماء رحمهم الله، فإن كان الذي قتله من الصيد ذكراً، وجب أن يكون مثله ذكراً، فمثلاً لو قتل ذكر نعامة أو بقر الوحش للزِم ضمانه بالذكر، وهو الثور، وإن قتل الأنثى لزِم الضمان بالأنثى، إلا أن هناك خلافاً إذا كانت الأنثى حاملاً، وكان قتله لحامل، فهل يضمن بقتل الحامل؟ قالوا: إذا كان المقتول حاملاً، فإننا إذا أوجبنا عليه بقرة حاملة، وقلنا له: إنه يذبحها لأن الله يقول: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، هذا الجزاء المثلي يُذبح بمكة ويُتصدق به على فقراء الحرم، فهل إذا قلنا: تكون من الأنثى الحامل، فهل ينحرها إذا كانت بدنة حاملاً، أو بقرةً حاملاً، أم أن الحكم فيه تفصيل؟ من العلماء من قال: إن كانت حملاً وأراد الذبح، فإنه لا يذبحها حاملاً، وأما إذا كان يريدها قيمة تكون عليه مقدَّرة حاملاً، ويدفع قيمتها كما سبقت الإشارة إليه في كتاب المناسك، والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23-11-09, 10:45 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب الحوالة عقد الحوالة من العقود التي أباحها الله لعباده، وهو من المعاملات المالية التي يقصد منها نقل الحق الثابت في ذمة الإنسان إلى شخص آخر، وعلى هذا فالحوالة عقد رفق واستيفاء. ومناسبة ذكر المصنف لباب الحوالة بعد القرض والرهن والضمان والكفالة: لاشتماله على براءة الذمة واستيفاء الحقوق، وباب الحوالة يشتمل على العديد من المسائل والأحكام الهامة التي لابد من فهمها والإجابة بها. تعريف الحوالة لغةً واصطلاحاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الحوالة] الحوالة: مأخوذة من التحول، وأصل مادة التحول في لغة العرب تطلق بمعنى الانتقال يقال: تحول إلى الشيء إذا انتقل إليه. والحوالة تطلق بهذا المعنى في غالب الاستعمال، ولذلك قال بعض العلماء: سمي الحول حولاً؛ لأنه يتحول الإنسان فيه وينتقل، فإذا مر العام ومرت السنة على الإنسان تغيرت أخلاقه وأموره وأحواله، فقد يتغير من الخير إلى الشر وقد يتغير من الشر إلى الخير، ولذلك سمي الحول حولاً من التحول بمعنى الانتقال. وهذا الباب -وهو باب الحوالة- يقصد العلماء رحمهم الله منه: نوع من المعاملات التي أباحها الله عز وجل لعباده، وهي من المعاملات المالية التي يقصد منها نقل الحق الثابت في ذمة الإنسان إلى شخص آخر. ولذلك عرف العلماء رحمهم الله الحوالة اصطلاحاً بقولهم: الحوالة انتقـال الحق من ذمة إلى ذمـة. انتقال الحق: والمراد بالحق هنا الدين المستقر في الذمة، انتقال الحق من ذمة إلى ذمة: إذا كان لإنسان عليك دين عشرة آلاف -مثلاً- فإما أن تقوم بسداده بنفسك وإما أن تحوله إلى شخص آخر لك عليه نفس المبلغ، وحينئذٍ إذا حولت هذا الدين من ذمتك إلى ذمة الآخر الذي لك عليه عشرة آلاف وصف هذا النوع من المعاملات بكونه حوالة، فهي حوالة شرعية ولها أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية. وهذا النوع من العقود يصفه العلماء رحمهم الله: بكونه عقد رفق واستيفاء، أي عقد قصد الشرع منه أن يرفق بالعباد، وذلك من جهة كون الإنسان بدل أن يتكلف بمطالبة من له عليه الدين أحال الشخص الذي له عليه دين إلى شخص آخر. وهذا لا شك أن فيه رفقاً بالعباد، وفيه تيسير عليك وإبراء لذمتك، ووفاء وفكاك من الحقوق. وبناءً على ذلك فهناك مناسبة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي، فالحوالة: معناها خاص في الاصطلاح وأما في اللغة فإن معناها عام؛ لأنها في الحقيقة اللغوية صادقة على كل انتقال، فكل انتقال يوصف بكونه حوالة ويوصف بكونه تحولاً، إلا أن الحوالة في الاصطلاح انتقال مخصوص على وجه مخصوص بكيفية مخصوصة. ...... أدلة مشروعية الحوالة وعلى هذا يرد السؤال: ما هو الدليل على مشروعية الحوالة؟ ثبتت مشروعية الحوالة بدليل السنة وإجماع الأمة: أما دليل السنة: فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية: (فأتْبِعْهُ) . هذا الحديث يدل دلالة واضحة على مشروعية الحوالة وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا أحيل أحدكم على مليء). وقوله عليه الصلاة والسلام (إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) دل على مسائل: المسألة الأولى: وهي مشروعية الحوالة، وأن الإنسان إذا كان له دين على غيره وأحال صاحب الدين على ذلك الغريم الذي له عليه حظ فإن ذلك مشروع وجائز. وأما المسألة الثانية: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم المحال أن يقبل الحوالة في قوله: (فليتبع) فلو طالبك رجل بخمسة آلاف ريال، وقال لك: لي على فلان خمسة آلاف اذهب وخذها، فإنه حينئذٍ -على ظاهر هذا الحديث- يلزمك أن تتبع غريمك. واختلف العلماء في هذا اللفظ وهو قوله: (فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية لـابن ماجة : (فأتْبِعْهُ) هل هو على الوجوب أو على الجواز؟ جمهور العلماء: على أنه للجواز؛ لأنه أمر بعد حظر، ومذهب الظاهرية والحنابلة وطائفة من أصحاب الإمام الشافعي على أنه للوجوب. وهذا هو الصحيح والأقوى أنك إذا أحلت على رجل مليء قادر ولك على إنسان دين فأحالك على ذلك المليء القادر فإنه يجب عليك أن تتبع المليء القادر. كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (على مليء) صفة ومفهوم المخالفة في الصفة: أنك إذا أحلت على معسر أو أحلت على مماطل ومؤذٍ فإن من حقك أن تمتنع. وقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم) فالمماطلة تكون غير مشروعة إذا كان الإنسان قادراً على السداد؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني) أي: القادر أن يسددك. وعلى هذا فلا يجوز للمسلم إذا كان عليه دين أن يماطل في السداد إذا حل الأجل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه إذا ماطل في السداد ولو مرة واحدة وهو قادر فإنه يعتبر فاسقاً؛ لأنها كبيرة، ويوصف بكونه فاسقاً وتسقط عدالته وترد شهادته. وقال بعض الجمهور رحمهم الله: إنه يشترط في الحكم بسقوط العدالة أن يتكرر مطله، فلا يكون مرتكباً للكبيرة في المرة الواحدة، بل لابد وأن يتكرر منه الامتناع والمماطلة. فهذا الحديث دل على مشروعية الحوالة كما ذكرنا، ودل إجماع العلماء على مشروعية الحوالة أيضاً، فقد أجمع أهل العلم رحمهم الله على أن الحوالة مشروعة، وأنه إذا كان عليك دين ولك على شخص دين وأحببت أن تحيل من له عليك الدين على الشخص الآخر الذي تسأله حقك وهو حق متماثل -مستوفٍ للشروط التي سنذكرهـا في الحوالة- فإن ذلك جائز ومشروع. وفي مشروعية الحوالة كما ذكرنا تيسير على العباد؛ لأن الحوالة تتضمن جلب المصلحة ودرء المفسدة، فجلبت المصلحة لك من جهة إبراء ذمتك، ودرأت المفسدة عنك من جهة أذية مطالبة الغير لك. ...... مناسبة ذكر باب الحوالة بعد الأبواب السابقة ذكر المصنف رحمه الله خمسة عقود أولها القرض ثم يليه الرهن ثم يليه الضمان والكفالة ثم بعد ذلك باب الحوالة، وجميع هذه العقود تسمى عقود الرفق، وبعضها يختلف عن بعض لكنها تشترك من جهة إبراء الذمم واستيفاء الحقوق، فأنت إذا نظرت إلى القرض فهو منشأ هذه الأبواب التي ذكرنا فغالباً ما يقع الضمان والكفالة -سواءً كانت كفالة حضور أو كفالة غرم- في الديون، والرهن يتركب على الدين، ثم الحوالة تكون في الديون، وهذه الأبواب كلها جاءت وراء بعضها لوجود المناسبة بينها. ولما كان عقد الحوالة يقصد منه الرفق شابه الأصل وهو القرض، ويقصد منه استيفاء الحقوق أيضاً؛ لأنك لما تحيل على المديون الذي لك عليه دين قصدت أن يستوفي صاحبك حقه من ذلك الدين، فهي من عقود الاستيفاء كالرهن، فإنك إذا وضعت السيارة رهناً أو الأرض رهناً إنما قصدت إذا عجزت عن السداد أن يسدد حقه من تلك العين المرهونة. فهذه الأبواب كلها المناسبة بينها واضحة، وآخرها باب الحوالة لاشتماله على الإبراء. إلا أن باب الحوالة يختلف عن الكفالة -التي كنا فيها في آخر دروسنا- من جهة كون الحوالة ينتقل الحق منك إلى الشخص الذي أحلت عليه، وبناءً على ذلك لا يستحق أن يطالبك بعد الحوالة، لكن في الضمان والكفالة من حقه أن يطالبك أو يطالب من كفلك، ولذلك قلنا: وله مطالبة أيهما شاء. ففي الكفالة إما أن يطالبك أو يطالب من كفلك، وأما في الحوالة، فلا يستطيع، إنما يتوجه مباشرة إلى الشخص الذي لك عليه الحق. وعلى هذا يختلف باب الكفالة عن باب الحوالة من هذا الوجه، وهو أن الحوالة توجب براءة الذمة، ولكن في الكفالة لا يبرأ المكفول إلا إذا أبرأه صاحب الدين على التفصيل الذي سبق بيانه والإشارة إليه. يقول المصنف رحمه الله: [لا تصح إلا على دين مستقر]. ...... أركان الحوالة الحوالة تتركب من أربعة أركان: - الركن الأول: المحيل. - والركن الثاني: المحال. - والركن الثالث: المحال عليه. - والركن الرابع: المحال به. أربعة أشياء: أولاً: المحيل، ثم المحال، ثم المحال عليه، ثم الرابع المحال به. فالحوالة تستلزم الأركان السابقة، فلو فرضنا أن لي عليك عشرة آلاف ريال، ولك على زيد عشر آلاف ريال، ففي الأصل أطالبك بالعشرة والدين الثاني مطالبتك لزيد بنفس العشرة. فإذاً هناك ثلاثة رءوس: من كان له الدين، ثم من عليه الدين، ثم هناك دين ثالث يتعلق به الرأس الثالث الذي قلنا هو زيد. ففي الحوالة تحيلني بالدين الذي عليك -وهو العشرة آلاف- على زيد. فإذاً أركان الحوالة أربعة هي: - محيل وهو أنت. - ومحال وهو أنا. - ومحال عليه وهو زيد. - ومحال به وهو العشرة آلاف. ...... شروط صحة الحوالة هناك شروط لابد من توفرها للحكم بصحة هذه الحوالة:...... أن تكون الحوالة على دين مستقر ذكر المصنف رحمه الله الشرط الأول بقوله: [لا تصح] أي: الحوالة [إلا على دين مستقر]. الديون تنقسم إلى ثلاثة أقسام: - دين لازم ومستقر. - وعكسه دين غير لازم وغير مستقر. - ودين لازم غير مستقر. النوع الأول من الديون: وهو الدين اللازم المستقر: مثلوا له بأروش الجنايات، وقيم المتلفات، وثمن المعاوضات في المبيع المقبوض، هذه ثلاثة أمثلة. المثال الأول: أروش الجنايات: يكون الدين فيها مستقراً؛ رجل اعتدى على رجل ولو كان خطأً، كأن يكون صدمه بسيارته أنه فتلفت رجله أو يده فانشلت، فثبت حكم القاضي بأن عليه نصف الدية، فإذاً يثبت للمجني عليه خمسون ألف ريال التي هي نصف الدية، فإذا حكم القاضي بذلك فمعناه أن المجني عليه يطالب الجاني بدين لازم مستقر. لازم لأن الجناية ثابتة عليه، وهذا الأرش قد جعله الشرع مقابل الجناية. فبوجود السبب ينشأ المسبب، فلا إشكال في ثبوت الجناية، وعليه لا إشكال في ثبوت الحق وهو نصف الدية، فإذاً أصبح لازماً؛ لأنه ليس من حق الجاني أن يقول: لا أعطيك، بل يلزمه ويطالب بها رغماً عن أنفه؛ لأن هذا من جناية يديه ومن كسبه وسعيه. فإذاً أولاً: هو لازم ولا يملك أن يتصالح في الامتناع منه، وثانياً: مستقر لأنه لا يئول إلى السقوط، وليس بمتردد يحتمل أن يبقى ولا يبقى، فإذاً أروش الجنايات يكون الدين فيها لازماً ومستقراً. المثال الثاني: قيم المتلفات: لو أن رجلاً صدم سيارة رجل فأتلفها أو كسر بها شيئاً، فقدر أهل الخبرة ذلك الإتلاف بعشرة آلاف ريال. فإذاً يُلزم بضمان هذا التلف الذي قدر أهل الخبرة أن قيمته عشرة آلاف ريال، فنقول: هذا الدين الذي تعلق بالذمة إذا قضى به القاضي لازم مستقر؛ لأنه ليس بالمتردد الذي يحتمل أن يبقى ويحتمل أن يلغى، فهو ثابت بثبوت الإتلاف، كما ذكرنا في الجنايات. المثال الثالث: كذلك أيضاً ثمن المعاوضات في المبيع المقبوض مثلاً: لو أن رجلاً اشترى منك سيارة بعشرين ألف ريال، قال لك: اشتريت سيارتك هذه بعشرين ألفاً، وقدمنا في البيع أن الإيجاب والقبول هو الصيغة للبيع، فإذا قال: قبلت لزمه البيع، فيبقى خيار المجلس إذا افترقتما وقبض السيارة لزمه أن يدفع ثمنها. فإذاً صار عقداً لازماً لأن البيع لازم، وقد بينا أنه من العقود اللازمة، والعشرون ألفاً التي هي قيمة السيارة مستحقة بالقبض. - أروش الجنايات. - قيم المتلفات. - ثمن المعاوضات في المبيع المقبوض. النوع الثاني: الدين غير اللازم غير المستقر مثاله: كما ذكرنا في المكاتبة رجل قال لعبده: كاتبتك باثني عشر ألفاً تدفع كل شهر ألفاً، لكن الكتابة من حيث هي يحتمل أن يعجز العبد فيعود رقيقاً ويحتمل أن يقوى وتمضي الكتابة، فهي دين غير مستقر. ولذلك يقولون: يشترط في صحة الحوالة أن تكون في الديون المستقرة، فالكتابة من حيث هي تعتبر من الديون غير المستقرة؛ وغير لازمة لأنه في هذه الحالة لو أن الرقيق قال: لا أريد، فإنه من حقه ولا يلزم بالكتابة. كذلك الجعالة لو قال: من عثر على سيارتي فله عشرة آلاف، فقبل العثور على السيارة فإن هذه العشرة آلاف غير مستحقه، ويحتمل أن يعثر عليها فيثبت الدين ويحتمل ألا يعثر عليها فلا يثبت الدين، فهو دين غير مستقر. وغير لازم لأن من حقه أن يفسخ الجعالة قبل، لو أنه قال: من وجد سيارة ضائعة أعطيه عشرة آلاف ثم قال: رجعت، فإن من حقه أن يرجع؛ لأنه عقد غير لازم، فإذاً غير لازم والدين أيضاً غير مستقر، فهذا النوع الثاني من الديون. النوع الثالث: الديون غير اللازمة غير المستقرة، وذلك كما لو قال له: بعتك عمارتي بعشرة آلف على أن لكل واحد منا الخيار ثلاثة أيام، ففي مدة الخيار نقول: البيع لازم من حيث هو، والأصل أنه عقد شرعي صحيح وثابت لا إشكال فيه، ولكن بالنسبة لهذا الدين وهو قيمة العمارة يحتمل أن يرجع أحدهما في مدة الخيار ويحتمل أن لا يرجع، فهو دين غير مستقر. وعلى هذا لما أجازت الشريعة هذه الأنواع الثلاثة من الديون فصّل العلماء رحمهم الله في الحوالة فقالوا: إنها لا تصح إلا في الديون المستقرة. فلا تصح إلا على دين مستقر، فلا تصح بالمكاتبة، ولا تصح -مثلاً- بمؤخر مهر المرأة أو إذا كان قبل الدخول، فلو أن امرأة عقد عليها رجل بعشرة آلاف، فلها عليه عشرة آلاف، لكن إذا لم يدخل بها فهي لا تستحق العشرة آلاف، ولا تستحق المبلغ إلا إذا دخل بها. فيحتمل أن يدخل بها وتستحق العشرة آلاف، ويحتمل أن لا يدخل بها، فلو أرادت أن تحيل على زوجها بهذا الدين لم يصح؛ لأنه في هذه الحالة لم يترك لها استحقاق العشرة آلاف أو استحقاق المبلغ الذي ذكرناه. فإذاً الشرط الأول في صحة الحوالة: أن تكون بدين مستقر، وهذا الشرط راجع إلى الركن الثالث وهو المحال به، فإنه لا تقع الحوالة إلا في ديون مستقرة، فإن كان الدين غير مستقر لم تصح الحوالة. قال رحمه الله: [ولا يعتبر استقرار المحال به] (المحال به): وهو الدين الذي لك على الشخص وتريد أن تحيله على الغير، فمن حقك في هذه الحالة أن تحيل على دين غير ثابت؛ لأن المحال به في الأصل غير ثابت، ويجوز في هذه الحالة أن يعاوض بالمثل. وبناءً على ذلك فرقوا بين الزوج والزوجة، فإن الزوجة إذا أحالت على الدين الذي ليس لها حق المطالبة به إلا بعد الدخول لم تصح حوالتها؛ لأن الدين لم يستقر ولم يثبت، لكن لو أن هذا الدين وهو العشرة آلاف ريال أحال به الزوج فإنه يصح ويعتبر في هذه الحالة صحيحاً. بمعنى: المرأة إذا طالبت الرجل بعشرة آلاف ولم يدخل بها فأحالها على رجل آخر صح؛ لأنه في هذه الحالة لا يشترط استقرار المحال به -يعني نفس الدين الذي للزوجة على الزوج- وإنما من حقه أن يمتنع من الإحالة، فيجوز له عندها أن يحيلها على طرف ثانٍ. زيادة في التوضيح نقول: المحال به وهو الدين الذي تحيل عليه يشترط أن يكون مستقراً حتى لا تغرر بصاحب الحق، لكن عكسه الأمر فيه خفيف، فإن الشخص نفسه إذا كانت المرأة تطالبه بعشرة آلاف، ولم يثبت بعدُ مطالبتها فأحال به ذلك الدين صح؛ لأنه في هذه الحالة حتى لو رجع فإنه يصح له الرجوع، فالأمر فيه أوسع من غيره.
اتفاق الدينين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً قال رحمه الله: [ويشترط اتفاق الدينين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً]. هذا الشرط الثاني من شروط صحة الحوالة: اتفاق الدينين جنساً ووصفاً وقدراً. الجنس: أن يتفق الدينان -الدين الأول الذي تحيل به والدين الثاني الذي تحيل عليه- جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة ودنانير بدنانير ودراهم بدراهم وريالات بريالات ودولارات بدولارات. فلا يصح أن يحيل بذهب على فضة، ولا يصح أن يحيل بريالات على دولارات؛ لأن رصيد الريالات من الفضة ورصيد الدولارات من الذهب، ولا يصح أن يحيل الريالات بالجنيهات ولا العكس؛ لأن رصيد الريالات من الفضة ورصيد الجنيهات من الذهب. فلو أن شخصاً له على آخر ثلاثة آلاف ريال، والمديون له على شخص ثانٍ مبلغ ألف دولار، فالثلاثة آلاف ريال تعادل الألف دولار، فأراد أن يحيل، نقول: لا يصح؛ لأنه في هذه الحالة تدخله شبهة الربا. ولذلك قال العلماء: لا يصح أن يحيل إلا مع اتحاد الدينين جنساً، وهذا راجع إلى مسألة أن الحوالة فيها شبهة بيع الدين بالدين. ولذلك العلماء اختلفوا في الحوالة على وجهين، وبعضهم يقسمه إلى ثلاثة أوجه: قال بعض العلماء: الحوالة من بيع الدين بالدين. فأنت لك عليّ عشرة آلاف دين، وأنا أُحيلك على شخص آخر لي عليه عشرة آلاف، فأصبح من باب بيع الدين بالدين، وهذا الوجه يقول به طائفة من العلماء رحمهم الله. وفائدة هذا الوجه: أنك إذا قلت: إن الحوالة من باب بيع الدين بالدين يثبت فيها خيار المجلس، وتسري عليها أحكام البيوع، ويعتبر عقد الحوالة بناءً على هذا القول مستثنىً من الأصل وخارجاً عن الأصل، وهذا في الحقيقة من أقوى الأقوال في المسألة وهو أنه من بيع الدين بالدين، فإن الذين قالوا: بأنها عقد إرفاق أو عقد استيفاء لم يستطيعوا أن يطبقوا أوصاف الاستيفاء في الأثر. ولذلك إذا أحال على مليء فاحتال فإنه لا يستطيع أن يرجع إليه، فدل على أن الذمة قد انتقلت، وهذا لا يمكن أن يقع في مسألة الاستيفاء كما ذكرنا في الرهونات، وإنما يقع في مسألة البيع. ولذلك القول: بأنها من بيع الدين بالدين من القوة بمكان، والسؤال: إذا كان الشرع قد حرم بيع الدين بالدين فكيف جازت الحوالة؟ قالوا: إن هذا مستثنى من الأصل. ولذلك يجوز إخراج الخاص من العام، فالأصل العام يقتضي عدم جواز بيع الدين بالدين، ولكن جاز في الحوالة لورود إذن الشرع بها ولهذا نظائر؛ فإن الشرع يضع الشيء فتبقى قاعدة ثم يستثني فروعاً منها، وقد يأتي الحكم في الشرع على سبيل العموم ثم يخصص الشرع منه ما شاء. وبناءً على ذلك تكون الحوالة فيها صورة البيع، وعلى هذا فإنهم يقولون: لابد وأن يكون الدينان متفقين جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة، فلا يصح أن يحيل ذهباً على فضة ولا فضة على ذهب، كذلك أيضاً: لابد أن يتفق الدينان صفة؛ لأن الدين يكون معجلاً ويكون مؤجلاً؛ فإذا كان لك على شخص دين إلى نهاية محرم وأحالك على شخص عليه دين مؤجل إلى نهاية محرم صحت الحوالة، فلو قال لك: يا محمد! لي على زيد عشرة آلاف في نهاية محرم، فالعشرة آلاف التي لك عليّ في نهاية محرم أحيلك على الدين الذي لي على زيد؛ صح ذلك لاتفاق الدينين تأجيلاً. وكذلك تعجيلاً فلو أنه أعطاك خمسة عشر ألفاً وحل الأجل في يوم خمسة عشر من ذي الحجة، فجاءك وقال لك: يا فلان! لي عليك خمسة عشر ألفاً أعطنيها، فتقول: أنا لي على زيد من الناس خمسة عشر ألفاً، وقد حلت مثلما حل دينك، اذهب وخذها من فلان فحينئذٍ يصح؛ لأن الدينين اتفقا صفة فالعاجل بالعاجل والآجل بالآجل، لكن لو كان أحدهما مُعجلاً والآخر مؤجلاً لم يصح، فلابد من اتفاقهما تعجيلاً وتأجيلاً. الوصف: معلوم أن الدنانير من الذهب تختلف، فهناك الدنانير المصرية والدنانير الأميرية والدراهم البغلية فيقولون: جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة، ووصفاً وعليه فدراهم مصرية بأميرية لا يصح؛ لأن هذه لها صفة غير صفة هذه، أو دنانير مكسرة بدنانير صحيحة، أو دراهم مكسرة بدراهم صحيحة لا يصح، لكن دراهم صحيحة، بدراهم صحيحة ودنانير صحيحة بدنانير صحيحة يصح. ويدخل في الوصف التعجيل والتأجيل، وبعض العلماء يفرق التعجيل والتأجيل في الوقت كما صنع المصنف فقال: (جنساً ووصفاً ووقتاً). الوقت: هو التعجيل والتأجيل، ولابد في المؤجل أن يتفقا قرباً وبعداً، فلا يصح أن يكون الدينان أحدهما أجله قريب والثاني أجله بعيد، بل لابد وأن يتفق الأجلان حتى تصح الحوالة. قدراً: كعشرة آلاف بعشرة آلاف وخمسة عشر، بخمسة عشر، لكن يجوز أن يحيله بعشرة آلاف على شخص له عليه عشرون، فيقول له: أعطه منها عشرة يصح، ولا يؤثر وجود الفضل والزيادة، وتكون الحوالة في الحق الثابت بالدين الأول، فيقول له: لك عليّ عشرة آلاف ولي على زيد عشرون، اذهب وخذ منها عشرة سداداً لدينك ووفاءً لحقك. قال: [ ولا يؤثر الفاضل ]. كما ذكرنا كأن يحيله بعشرة آلاف على من له عليه عشرون.
أن تكون الحوالة بمعلوم الشرط الثالث من شروط صحة الحوالة: أن تكون بالمعلوم فلا تصح بالمجهول؛ لأنها إبراء للذمم، فلا يصح أن تكون بالمجهولات، لابد وأن يتحقق فيها العلم، خاصة وأننا قلنا: إن فيها شبهة البيع، فعلى القول بأن فيها شبهة البيع؛ فالبيع لا يصح بالمجهول، وقد بينّا اشتراط العلم بالمبيع.
أن تكون الحوالة برضا المحيل الشرط الرابع: رضا المحيل، فإذا أراد أن يحيلك اشترط أن يحيلك برضاه واختياره، ولا يصح دون رضا المحيل مثلاً، لو كان لك على زيد عشرة آلاف وأنت تعلم أن زيداً له على عمرو عشرة آلاف ليس من حقك أن تذهب إلى عمرو مباشرة دون أن يحيلك زيد، فإذاً: يتشرط فيها رضا المحيل، ولا يشترط رضا المحال كما سيأتي. هذه أربعة شروط هي التي تصح بها الحوالة، وقد عبر المصنف بقوله: (ولا تصح) وهذا يدل على أن الشروط شروط صحة؛ لأننا قدمنا أن هناك شروط صحة، وهناك شروط إجزاء، وهناك شروط نفاذ، وهنا قصد المصنف أن يبيّن أن هذا الشرط إذا لم يوجد ولم يتحقق لا نحكم بصحة عقد الحوالة. فإذاً هذه الأربعة شروط لا تصح الحوالة بدونها وهي: - الشرط الأول: أن يكون بدين ثابت مستقر. - الشرط الثاني: أن يكون الدينان متفقين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً. - الشرط الثالث: أن تكون بمعلوم لا بمجهول. - الشرط الرابع: أن تكون برضا المحيل. هذه أربعة شروط لابد من توفرها، أما رضا المحيل: فقد حكى العلماء رحمهم الله الإجماع بهذه الصيغة بلا خلاف، فليس هناك أحد يخالف ويقول: إنها تقع حتى ولو لم يرض، إلا خلافاً شاذاً حكي عن الحسن البصري أحد أئمة التابعين رحمه الله برحمته الواسعة، ولكن جماهير السلف والخلف على هذا القول أنها لا تصح إلا برضا المحيل.
الأثر المترتب على صحة الحوالة قال رحمه الله: [وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل]. (وإذا صحت): الضمير عائد إلى الحوالة. فإذا صحت نقلت الدين والحق إلى ذمة المحال عليه. فإذا كان لك عليّ عشرة آلاف وأحلتك وصحت حوالتي انتقل حقك عليّ إلى ذمة زيد الذي ليّ عليه عشرة آلاف. وبناءً على ذلك يلاحظ أنها إلى البيع أقرب، ولذلك لو أحاله للاستيفاء لم يضر ولا نحكم باللزوم بمجرد الحكم كما ذكرنا في الرهن، وعلى هذا بمجرد وجود الشروط المعتبرة بصحة الحوالة لزمته، وليس من حقه أن يرجع لا المحيل ولا المحال. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) وفي رواية لـابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما: (فأَتْبِعْهُ) وهذا يدل على أنها إذا صحت حينئذٍ نحكم بانتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وأنبه ما على مسألة مهمة ستأتي إن شاء الله، فنحن أخرنا مسائل من العقود المعاصرة التي إن شاء الله سنتكلم عليها بعد باب الحوالة؛ والمشكلة أنه تؤخذ أسماء العقود الشرعية وتوضع على الأشياء ويدعى أنها شرعية، ولذلك أحببنا أن لا نتعرض للمسائل المعاصرة إلا بعد انتهائنا من العقود الشرعية كي نتصورها ونفهمها، حتى إذا جئنا نقول: منهم من يقول: إنها حوالة نقول: أنتم تعرفون أن الحوالة ضابطها كذا وكذا فهل ينطبق الضابط هنا أو لا؟ بمعنى حينما يأتي رجل إلى المصرف ويعطيه عشرة آلاف ريال على أن يحيلها إلى بلد في الخارج بقيمة غير قيمة الريالات -إلى دولارات أو إلى جنيهات- فهذه لا تعتبر حوالة لعدم الاتفاق في الجنس، ثم ليس فيها دين مستقر أيضاً. فما سبق يطلق عليه عامة الناس حوالة ولو جئت تقول: هذا لا يجوز؛ لأنه يشترط فيه التقابض فهو بيع وصرف، قال: لا هذا حوالة والحوالة جائزة شرعاً، فالعقود الشرعية لابد وأن تضبط بما ضبطها به أهل العلم مما استنبط من الكتاب والسنة. إذاً المسألة السابقة ليست من باب الحوالة، وإنما تكون في هذه الحالة وكالة وصرفاً، صرف لأنه صرف العشرة آلاف ريال إلى دولارات أو جنيهات أو إلى أي عملة أخرى، ثم وكل أن يعطى فلان في ذلك البلد، فهي إلى الوكالة أشبه منها بالحوالة؛ لأنه ليس له على الطرف الثاني بالبلد الثاني دين، إذاً ليس هناك دينان فلا يمكن أن ينطبق عليها ضابط الحوالة، فالحوالة التي ذكرها العلماء سبق ذكرها وذكر ضوابطهما، فانظروا كيف يكون الاسم والمسمى في الظاهر شيء، ولكن في الحقيقة والجوهر واللب شيء آخر. ومن هنا ننبه على مسألة مهمة -وإن شاء الله سننبه عليها أكثر- وهي قضية المسائل في المعاملات المعاصرة، لا تتحدث عن أي معاملة معاصرة تريد تخريجها على القديم إلا بعد ضبط القديم، فإذا قالوا: وديعة انظر ما هو ضابط الوديعة عند المتقدمين، وبعد أن تفهم ما هي الوديعة، وما هي حقيقتها عند المتقدمين، انظر في صورة المسألة المعاصر هل استوفت الأوصاف المعتبرة أم لا؟ إذا قال قائل: لو أردت أن أحيل عشرة آلاف من جدة إلى المدينة، فالدين واحد وهو عشرة آلاف بعشرة آلاف فحينئذٍ نقول: هذه المسألة ليست من باب الحوالة؛ لأنه ما مِن دين ثانٍ، يعني أنت الآن تتعامل مع شخص هو نفسه الذي سيفوض شخصاً آخر. وبناءً على ذلك يقولون: إنها إلى الوكالة أشبه منها من الحوالة، وهناك وجه عند اتفاق المبلغ المحال جنيهات أو ريالات أن يعطى حكم الحوالة، وسنبين ذلك عند حديثنا عن أحكام الحوالات بعد الانتهاء من باب الحوالة إن شاء الله تعالى. قال: [نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل] إذا أحلت شخصاً واستوفيت الشروط المعتبرة للحوالة، تكون عندها نقلت الحق وهو العشرة آلاف من ذمتك إلى ذمة من أحلت إليه، وبهذا تكون قد برئت ذمتك؛ لكن بالشروط التي ذكرناها في صحة الحوالة، وأن تكون الحوالة قد استوفي فيها شرط الإلزام، كأن تحيل على مليء، فلو أحلت على مفلس أو أحلت على غير مليء، فإنه لا تبرأ ذمتك ولا يلزم بالاتباع، لكن لو قبل برئت ذمتك. فإذاً من حيث الأصل نقول: إذا استوفت الحوالة شروطها وكانت على مليء واحتال المحال فإنها تبرأ ذمة المحيل. ...... حكم من أحال على مليء افتقر لكن هنا مسألة: نحن ذكرنا أن زيداً لو أحال عمراً على خالد بعشرة آلاف ريال، وخالد غني مقتدر وتمت الحوالة مستوفية للشروط، وبعد يومين أو ثلاثة أيام افتقر خالد أو أصبح معسراً فهل يرجع إلى المحيل؟ الجواب: لا. لأنه إذا تمت الحوالة وكانت في وقتها مستوفية للشروط وحكمنا بصحتها وبلزومها برئت ذمة المحيل مباشرة، وإذا برئت ذمته انقطعت الصلة بينه وبين من يطالبه، فحينئذٍ يكون وجهه على الطرف الثاني وهو المحال عليه. ...... المعتبر في الحوالة رضا المحيل لا المحال عليه قال رحمه الله: [ويعتبر رضاه لا رضا المحال عليه]. أي ويعتبر رضا المحيل؛ لأنه في الحقيقة إذا كان لك عليّ دين وأردت أن أحيلك على شخص آخر فإن الشخص الآخر -الذي هو خالد- الذي لي عليه الدين من حقي أن أحيلك عليه ومن حقي أن أسدد دينك من مالي، فكونك تذهب مباشرة إلى خـالد ليس من حقك ولا تثبت لك به الحوالة، فلو أنك ذهبت مباشرة إلى خالد وقلت: يا خالد لي على محمد عشرة آلاف ريال أريد أن آخذ منك العشرة آلاف التي لمحمد عليك، وأعطاك خالد المبلغ، فإن خالد! يُلزم شرعاً في هذه الحالة بدفع العشرة آلاف إليّ ويضمن؛ لأنني لم أوكله ولم آذن له بصرفها إلى ذلك الشخص الذي له عليّ الدين. إذاً لا تصح الحوالة إلا برضا المحيل، واعتبرناه شرطاً كما ذكرنا وهذا بلا خلاف، وقد نقل هذه الصيغة الإمام ابن قدامة والشوكاني وغيرهما من الأئمة رحمهم الله بلا خلاف أن رضا المحيل معتبر. قال: [لا رضا المحال عليه] في أصح قولي العلماء: أنه ليس من حق المحال عليه أن يمتنع وهو الطرف الثاني -خالد- الذي لي عليه عشرة آلاف، فلو أحلتك على خالد فليس من حق خالد أن يقول: لا، إنما يلزم؛ لأن ذمته مشغولة لي، ولي حق أن أصرفها إلى الغير، فهذا حق مستحق عليه سواءً دفعه لي أو دفعه لغيري، وليس من اللازم أن يرضى. إلا أن بعض العلماء يقول: يشترط رضا المحال عليه. والسبب في هذا: أن للناس كرامة ولهم حقوق، فقد أرضى أن آخذ الدين منك وتكون غريماً لي ولا أرضى بشخص آخر، فقالوا: إذا كان فيه ضرر كعدو يشمت به أو إنسان منّان يتحدث أو يؤذيه أو يضره فمن حقه أن يمتنع من الإحالة. وهذا القول في الحقيقة من جهة مقاصد الشريعة العامة له وجهه، لكن من جهة المعاملات وضوابط المعاملات وأصول المعاملات والقواعد المقررة في شريعتنا في المعاملة ليس من حقه أن يرضى، يعني رضاه أو عدم رضاه ليس بمشترط، بمعنى أننا إذا جئنا إلى وجود الضرر -والقاعدة أن الضرر يزال- وأن الحوالة هنا تضمنت الضرر وقد شرعت للرفق ممكن أن تقول: ويشترط رضا المحال عليه. وإذا جئت تنظر من جهة استيفاء الحقوق أن الرجل ما ظُلم، وأن الحق الذي على خالد سيدفعه لمحمد أو سيدفعه لي على حد سواء، وغاية هذا الأمر أنه نقل الحق من ذمة إلى ذمة وليس في هذا ضرر، فكما أنه مطالب بحق محمد فهو مطالب بحقي هذا يقتضي الجواز، أي: يقتضي أنه يجوز أن يحيله بدون رضاه وكلا القولين له وجهه. ...... لا عبرة في الحوالة برضا المحال قال: [ولا المحتال على مليء]: أي لا يشترط رضاك إذا أُحلت على مليء، وهذا لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) مفهوم قوله: (على مليء) أنك إذا أُحلت على غير مليء فإن من حقك أن تمتنع، فلو قال لك رجل: العشرة آلاف التي لك عليّ أحيلك على زيد وأنت تعرف أن زيداً مفلس، أو أن زيداً مماطل، وأنه مؤذٍ ولا تستطيع أن تستوفي حقك منه فمن حقك أن تمتنع، وهذا صحيح أنه لا تلزمك الحوالة إلا إذا كانت على مليء لا ضرر عليك من الحوالة عليه. ...... عدم نفاذ الإحالة على مفلس إلا برضا المحال قال: [وإن كان مفلساً ولم يكن رضي رجع به]. (وإن كان مفلساً) يعني المحال عليه، (ولم يكن رضي) يعني المحال (رجع عليه) بمعنى أنه إذا رضي ليس من حقه أن يرجع. فإذاً إذا أحلت على مفلس فهناك صورتان: الصورة الأولى: أن لا ترضى، فلو أُحلت على مفلس ولم ترض، ثم ذهبت إلى المفلس فامتنع وأبى، فمن حقك أن ترجع إلى المحيل. والصورة الثانية: أن تحال على مفلس وترضى، فلما رضيت وذهبت إلى المفلس وجدته سيتعبك فرجعت إلى المحيل، فليس من حقك أن ترجع. إذاً الرضا يسقط الحق في الرجوع، فالمحال إذا رضي بالمفلس فإنه ليس من حقه أن يرجع. ...... الحكم فيمن أحيل بثمن مبيع ثم ظهر بطلان البيع قال رحمه الله: [ومن أحيل بثمن مبيع أو أحيل به عليه فبان البيع باطلاً فلا حوالة]. فلو بعت عمارة بخمسمائة ألف ريال، ولما بعتها بهذا المبلغ قبض المشتري العمارة على أن يسدد لك المبلغ في نهاية السنة فالدين ثابت ومستقر، وأردت أن تحيل شخصاً له عليك نصف مليون فقلت له: النصف مليون التي لك عليّ أحيلك على فلان الذي اشترى مني العمارة، فهذه الحوالة صحيحة. فهنا الدينان متفقان جنساً ووصفاً وقدراً ووقتاً وقد رضي المحال على أنه في نهاية السنة سيذهب ويأخذ المبلغ، يصح أن تحيل على ثمن العمارة إذا كنت أنت البائع، ويصح للمشتري منك الذي تطالبه بنصف المليون أن يحيلك على آخر، يعني بثمن العمارة الذي تطالبه به وهو نصف مليون، فيصح لكلا الطرفين البائع والمشتري. البائع يُحيل بدين عليه يؤخذ من قيمة العمارة، هذا بالنسبة للبائع، والمشتري يحيل البائع بدين العمارة وهي نصف مليون على شخص آخر له عليه نصف مليون، هذا بالنسبة لأصل الحوالة، فالمبيع صحيح ولا إشكال فيه، ففي نهاية السنة ذهب صاحب العمارة إلى ذلك الشخص الذي أحلته عليه فأعطاه نصف مليون، فلا إشكال؛ لأن الحوالة تمت وبرئت الذمة. العكس لو أن صاحب العمارة طالبه طرف ثانٍ بنصف مليون فأحال على المشتري، أي: أحال عليك رجل له عليه نصف مليون، فجاء في نهاية السنة وطالبك بنصف مليون وأعطيته إياها، فإذاً صحت من البائع وصحت من المشتري، هذا بالنسبة إذا كان المبيع مستوفياً للشروط. لكن لو وقعت الحوالة في مبيع باطل من أصله كمن باع خمراً أو باع ميتة أو باع خنـزيراً فالثمن غير مستحق في الأصل، فإذا كان الثمن غير مستحق في الأصل فالدين غير ثابت؛ لأننا بينّا أن من شروط صحة الحوالة أن تكون بدين مستقر، والدين إذا كان أصله باطلاً لم تثبت المطالبة. فلو أنه باعه محرم العين بألف ريال، فإن هذه الألف لا تثبت والذمة لا تنشغل بها، فالبيع باطل من أصله وليس هناك دين أصلاً، فلو أحال عليه أو به لم تصح الحوالة. إذاً يُشترط في صحة الحوالة كما ذكرنا أن يكون الدين من حيث الأصل ثابتاً، وإذا كان البيع من أصله باطلاً لم يثبت الدين، وإذا لم يثبت الدين لم تصح الحوالة ويُحكم ببطلانها. هذا بالنسبة إذا بان أن البيع باطل، أو أن المبيع مستحق للغير؛ كرجل باعك عمارة بنصف مليون، وتبين أنه اغتصب العمارة أو أنها ملك لغيره، فالدين غير ثابت، فالحوالة باطلة فلو أحال عليه أو به لم تصح. ...... الحكم فيمن أحيل بثمن مبيع ثم انفسخ البيع قال رحمه الله: [وإذا فسخ البيع لم تبطل ولهما أن يحيلا]. فرق العلماء بين بطلان البيع وفسخ البيع، وفقه المسألة راجع إلى مسألة استقرار الدين، وهي أشبه بالمسألة المتقدمة معنا حينما قلنا ليس من حق الزوجة أن تحيل على زوجها في صداق قبل أن يدخل بها؛ لأن الدين لم يستقر، ومن حق الزوج أن يحيل الزوجة بذلك الدين على شخص آخر؛ لأن من حقه أن يعجل المهر. كذلك هنا فرقنا بين كون البيع باطلاً من أصله بحيث لا يثبت دين، وبين كونه ثابتاً ثم يطرأ الفسخ من المتعاقدين، أو يوجد سبب يوجب الخيار كخيار العيب ونحوه كما سنبينه. لما قلنا للزوج في الحوالة أنه إذا كان الدين مستقراً صحت الحوالة عليه وبه كما ذكرنا، وإذا كان غير مستقر فإنه يصح أن يحيل على طرف ثانٍ في دين غير مستقر فالمرأة -مثلاً- إذا كان مهرها عشرة آلاف ريال فمن حقك أن تعطيها عشرة آلاف ريال قبل الدخول فتعجل لها ذلك، فكما أن من حقك أن تعطيها العشرة آلاف قبل الدخول فمن حقك أن تقول لها: هذه العشرة التي لك عليّ أو أعطيتك إياها مهراً أحيلك على زيد أو على عمرو الذي لي عليه عشرة آلاف؛ فأحلتها وهي تطالبك بدين غير مستقر. فإذاً فقه المسألة كلها في الدين المستقر، وهنا في البيع إذا جاء وقال لها: بعتك عمارتي بعشرة آلاف ريال والعمارة صحيحة وقبضت وثبت الدين صحت الحوالة من البائع ومن المشتري بالتفصيل الذي ذكرناه، فلو أن هذا البيع الذي وقع بين الطرفين تبيّن أنه باطل من أصله، فإذاً لم يثبت استقرار الدين في الذمة فتبطل الحوالة؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، كما لو قال لك: العشرة آلاف التي لك عليّ خذها من زيد وهو ليس له على زيد عشرة آلاف وادعى أن له على زيد عشرة آلاف، فإذاً هي باطلة من أصلها. فهنا إذا بان بطلان البيع فكأنه أحالك على شخص ليس له عليه شيء، لكن لو أن البيع صح ثم إن الطرفين اتفقا على الإقالة؛ فحينئذٍ يفرّق بينهما؛ لأن البيع أثبت الحق وإذا ثبت الحق فكونهما بعد ذلك يريان فسخه المهم أنها تثبت الحوالة كما قلنا: إذا كان مليئاً أثناء الحوالة ثبتت الحوالة، ثم بعد ملئه صار مفلساً، فيكون قد طرأ شيء وهذا لا يؤثر. فإذاً إذا كان البيع بأصله صحيحاً ثم ظهر في المبيع عيب يقع به خيار العيب واستحق الفسخ، فإن الذمة قد شغلت في الأول إن صح البيع، فصح أن يحيل عليه وبه. فكونه بعد ذلك يطرأ ما يوجب الخيار ويختار أحدهما الفسخ هذا أمر لا يلغي العقد؛ فحينئذٍ يصح أن يحيل به وأن يحيل عليه، ففرّق بين كونه باطلاً في أصله وبين كون الطرفين قد اتفقا على فسخه أو على الإقالـة فانفسخ البيع بسببهما. إن شاء الله بالنسبة للدرس القادم وما بعده سيكون الحديث عن المسائل المعاصرة، نتحدث فيها على جملة من المسائل المتعلقة بالحوالة والضمان، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا المعونة، وأن يجعل العلم خالصاً لوجه الكريم موجباً لرضوانه العظيم. وسنبين فيها بعض الفروع والمسائل؛ لأن هذا متصل بموضوعنا، فالفقه قديمه جديد وجديده قديم، فالشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وكوننا ندرس الفقه القديم دون أن يكون هناك إلمام بالمسائل التي سميت بأسماء العقود القديمة حتى نعرف صوابها من خطئها وحقها من باطلها هذا لا شك أنه يكون بمعزل. ولا يخفى أن الإنسان إذا قرأ الفقه وكانت الأمثلة قديمة لم يستطع أن يستوعب، ولن يستطيع أن يستفيد أو يفيد، فلذلك لابد من التعرض لهذه المسائل ومعرفة موقف الشريعة منها. وهذا إن شاء الله وبإذن الله عز وجل سنسير فيه على منهج التصور، فإن كان عندنا عقد قديم نتصوره، وإذا كان عندنا عقد جديد نتصوره؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبعد أن نتصوره بحقيقته وبطريقه المعروفة بعد ذلك يكون التخريج أو ما يسمى بالتكييف الفقهي، وهو معرفة كيفية العقد وصورته الفقهية هل هو مخرج على عقد شرعي؟ يعني إما أن يكون مخرجاً على عقد شرعي قديم أو غير مخرج، فإن كان مخرجاً على عقد شرعي قديم تنتقل إلى مسألة ثانية وهي ما هي شروط هذا العقد القديم؟ وهل استوفى هذا الجديد الشروط القديمة؟ أم حصل تغيير في شروطه وتغيير فيما ذكره العلماء من لوازمه؟ كل ذلك إن شاء الله سنبينه، ونسأل الله تعالى أن يعيننا بحوله وقوته، وأن يلهمنا الرشد والصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ...... الأسئلة ...... الحكم فيما لو أحال المستأجر المؤجر بأجرته قبل استيفاء المنفعة السؤال: علمنا أنه يجوز أن يحيل الزوج زوجته بصداقها قبل الدخول، فهل يماثلها لو أحال المستأجر المؤجر من أجرته قبل استيفاء المنفعة؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: اختلف العلماء رحمهم الله في عقد الإجارة هل الأجرة لازمة بالعقد أو لازمة بالاستيفاء؟ هذان وجهان للعلماء: بعض العلماء يقول: الأجرة لازمة بالعقد، وبناءً على هذا القول تستحق الأجرة بمجرد العقد، ويشمل هذا إجارة المنافع والدور. مثلاً لو استأجرت شقة سنة باثني عشر ألفاً، فإن كل شهر له ألف ريال، قالوا: إن الأجرة تستحق بمجرد العقد، فأشكل على هذا القول كيف تقولون: إن صاحب الشقة يستحق الاثني عشر ألفاً مع أن المستأجر لم يستنفع بعد والمنافع غير موجودة؟ قالوا: تمكين المؤجر للمستأجر من السلعة ينزل فيه المعدوم منزلة الموجود، يعني ما دام خلى بينه وبين الشقة ومكنه منها فمعنى ذلك أنه سيستوفي فينزل المعدوم منزلة الموجود. والوجه الثاني: أن الأجرة تستحق بالاستيفاء، وعلى هذا تستحق شيئاً فشيئاً، فإذا تمت السنة استحق الاثني عشر ألفاً. فائدة الخلاف: لو أعطاك الأجرة مقدماً فحينئذٍ أنت تستحقها شيئاً فشيئاً شهراً فشهراً، وعلى هذا لا تلزمك زكاتها إلا بعد الاستحقاق. وأما إذا قلنا: إنها تستحق بالعقد فينشأ حولها من القبض، فإن قبضت الأجرة تصبح في هذه الحالة تستقبل الحول بالاثني عشر كاملاً، لكن إذا قلنا: إنها تستحق بالمنافع فلكل شهر أجرته ولكل شهر حوله. والله تعالى أعلم.
صيغة انعقاد الحوالة السؤال: هل للحوالة صيغة معينة أم تنعقد بكل ما دل عليها؟ الجواب: الحوالة تنعقد بالصيغة الصريحة، أحلت على فلان، وهذا من صريح الألفاظ، وبعض العلماء أجاز أن تكون بلفظ الوكالة وبالألفاظ التي جرى العرف بها كقولك: خذ حقك من فلان أو خذ مالك عليّ من فلان فلا ذكر هنا للحوالة، لكن هذا يعتبر من الكنايات ورجح شيخ الإسلام رحمه الله وطائفة: أن صيغ العقود لا تتقيد بالألفاظ المخصوصة، وإنما يرد فيها إلى كل عرف بحسبه، فإن فهم الطرفان معنى الحوالة، أخذت حكم الحوالة وإن لم يكن ذلك فلا. والله تعالى أعلم.
حكم إحالة المحال عليه إلى آخر السؤال: هل للمُحال عليه أن يحيل على آخر؟ الجواب: إذا ثبت الدين واستقر فإنه في هذه الحالة يكون الحق للأول ولا يجوز صرفه إلى الثاني؛ لأن الحوالة خارجة عن الأصل، ولذلك تشرع بالحوالة الأولى ولا تنتقل إلى حوالة ثانية لشُبهة البيع كما ذكرنا، وقالوا: خاصة إذا كان من جنس ما يشترط فيه القبض؛ لأن ما يشترط فيه القبض -كما قال العلماء- لا يصح بيعه قبل قبضه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - بعض المعاملات المالية المعاصرة وبطاقة الائتمان [1] الفقه الإسلامي كل ما يتعلق بالمسائل المالية، ومن هذه المسائل ما يتعلق بالقرض والرهن والضمان وغيرها من الأبواب الأخرى. ونظراً لما في الشريعة من المرونة والشمول لكل ما يستجد في حياة الناس، فقد أدرجت تحت هذه الأبواب بعض المعاملات المالية المعاصرة والتي منها بطاقة الائتمان، فبينت ما يتعلق بها من أحكام، وفرقت بين ما يجوز فيها من معاملات وما لا يجوز. توطئة في المعاملات المالية المعاصرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تقدمت معنا جملة من الأبواب التي تتعلق بالمسائل الفقهية المالية، وكان آخرها باب القرض والرهن والضمان والكفالة والحوالة، وهذه الأبواب ترتب بعضها على بعض. وذكرنا أن العلماء رحمهم الله من المحدثين والفقهاء ذكروا القرض؛ لأن الرهن ينبني عليه فأتبعوه بالرهن، وكذلك الكفالة والضمان كلٌ منهما متعلق بالذمم، ومن هنا أتبعوا باب الرهن بباب الضمان. ثم ذكرنا باب الحوالة؛ لأنه يتعلق بالديون وشغل الذمم، فهو طريق لإبراء الذمة بإحالة صاحب الدين على مدينٍ آخر، وذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأبواب. ونظراً إلى أن بعض المعاملات المالية المعاصرة تندرج تحت بعض هذه الأبواب، كان من الأهمية بمكان أن يعتنى ببيان حكمها الشرعي، وما يتعلق بها من مسائل؛ لأن قديم الإسلام جديد وجديده قديم، وحكم الله سبحانه وتعالى في المسائل المالية كحكمه في المسائل المتعلقة بالعبادات، فالإسلام دين كامل، ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيّن حكمها وأصلها، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، فمن كمال هذه الشريعة أنها وفّت للناس لبيان حكم الله عز وجل في كل صغير وكبير، وجليل وحقير. وقد اعتنت الشريعة الإسلامية واعتنى العلماء من المحدثين والفقهاء ببيان الأحكام لكل ما جدّ وطرأ، ولم تقف الشريعة يوماً من الأيام عاجزة أمام مسألة أياً كانت المسألة، وإن قصرت أفهام بعض العلماء عن فهم بعض المسائل، فهذا لا يعني أن الشريعة عاجزة عن بيان الحكم: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115] فكلمات الله تامة، والقواعد التي جاءت بها آيات الكتاب وأحاديث السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد عامة جامعة شاملة، اندرجت تحتها المسائل وأيضاً تبعتها النوازل؛ ولذلك لما شعّ ضياء الإسلام على مشارق الأرض ومغاربها، وكانت الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط ما وقفت يوماً من الأيام عاجزة عن بيان حكم من أحكام الله عز وجل في مسألة أياً كانت المسألة. وعلى هذا كان من الأهمية بمكان لطالب العلم أن يربط بين المسائل المعاصرة والمسائل القديمة، وأن يعرف حكم الله عز وجل في هذه المسائل، وإذا كانت المسألة قد طرأت وجدّت في أي عصر من العصور، خاصة إذا كانت مسألة متعلقة بالمعاملات المالية، فإن على طالب العلم أولاً أن يعرف حقيقة المعاملة أو صورة المسألة، فأول ما ينبغي على طالب العلم في المسائل العصرية مرحلة التصور، ومرحلة التصور تحتاج من طالب العلم أن يسأل أهل الخبرة وأهل المعرفة عن هذه المسائل، فإن كانت المسألة التي طرأت عليك في الفقه متعلقة بالأموال، رجعت إلى من عنده خبرة بمسائل الاقتصاد والمال وسألته، وإن كانت المسألة متعلقة بالطب رجعت إلى الأطباء وسألتهم، وخلال ذلك ينبغي على السائل عند سؤال للمختصين أن يكون سؤاله لأوثق الناس وأعرف الناس وأعلم الناس في كل فن، وقد قرر هذا شيخ الإسلام رحمه الله وأئمة الإسلام الأعلام، أنه يرجع في كل فن إلى أهل العلم به، فإذا سألتهم وبينوا لك حقيقة المعاملة حينئذٍ تصورت، وبعد أن تتصور تكون قد درست الباب الذي تندرج تحته المسألة، فإن كانت المسألة مالية متعلقة مثلاً بباب الشركات تتصور ما هي حقيقة الشركة المعاصرة، وقد بين الفقهاء رحمهم الله في كتبهم كنوزاً عظيمة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها أيما عناية، فتجدهم يذكرون في كل باب أركانه وشروطه وواجباته، وهذه الأمور التي ذكروها إذا أتقنها طالب العلم يستطيع في أي مسألة أن يلمّ بشتاتها؛ لأنه إذا كانت المسألة متعلقة بالشركات -وهي مسألة معاصرة- سألت فاستبانت حقيقة الشركة، وعرفت أطراف الأفراد المشتركين فيها، والمقصودة منها، ومجال التعامل فيها، ثم بعد ذلك رجعت إلى ما قرره العلماء: ما هي أركان هذه الشركة، وما هي الشروط المعتبرة للحكم بصحة الشركة، وما هي الأمور التي ينبغي توفرها للحكم بسلامة عقود الشركات، ثم بعد ذلك تبيّن هل هي جائزة أو غير جائزة. فإذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: يتعلق بالتصور. والأمر الثاني: يتعلق بما يسمى بالتخريج الفقهي. فأنت إذا تصورت الذي أمامك مما جدّ ونزل من المسائل، بعد ذلك تكون عندك الخلفية القديمة للمسائل القديمة التي قعّدها العلماء فتنظر، قالوا: هذا عقد حوالة، وسموه حوالة مثلاً، ترجع إلى باب الحوالة في الفقه، وتسأل: ما هي حقيقة الحوالة أولاً؟ ثم ما هي أركانها؟ وما هي شروطها المعتبرة للحكم بصحتها؟ ثم تنظر في الذي أمامك هل ينطبق عليه تعريف الحوالة الذي ذكره العلماء؟ وما هي الأركان في هذا العقد المعاصر للحوالة المعاصرة؟ فإن وجدته تنطبق عليه الصفات حينئذٍ تفرّع عليه ما ذكره العلماء، وتكون حوالة إلا أنها اختلفت باختلاف الأزمنة والأمكنة، إلا أن الحقيقة والجوهر شيء واحد. هذا بالنسبة لمسألة التخريج. في بعض الأحيان قد تجد أن الاسم شيء والحقيقة شيء آخر، فيقال: هذه وديعة، فترجع إلى أساس الوديعة وضابط الوديعة عند الفقهاء فتجده لا ينطبق على ما يسمونه مثلاً وديعة، فتقول: هذا العقد يسمى في زماننا بالوديعة، ولكنه في الحقيقة قرض وآخذ حكم القروض. فإذاً مسألة الخلط في الفتوى في المسائل المعاصرة، تأتي بقصور في التصور، وهنا أنبّه على أنه إذا كان طالب العلم يريد أن يتكلم في مسألة ينبغي ألا يستعجل، وعلى العالم ألا يستعجل الفتوى في المسألة حتى يرجع لأهل الخبرة؛ لأن عرض الناس وسؤال الناس يؤثر في الفتوى أحياناً؛ فلربما دخل في السؤال عاطفة، أو دخل نوع من التحيل لإقناع العالم بالتحريم، ونحو ذلك من الأخطاء التي قد يقع فيها من يستعجل في فتواه دون الرجوع إلى أهل الخبرة؛ لأنه ليس الهدف أن نتكلم في زيد أو عمرو، إنما الهدف أن نعرف حكم الله عز وجل، وليس الهدف أن ينجرّ الإنسان وراء عاطفته بتحليل أمر أو تحريم أمر يتحمل مسئوليته أمام الله عز وجل، وإنما المهم أن ينصح لله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا الدين وللأمة ببيان حقيقة الحكم الشرعي في المسائل. فإذاً لابد من العناية بهذه الأمور التي حصل فيها الاختلاف وتباينت فيها وجهات النظر بسبب دخول العواطف، وينبغي إذا اخترت أحداً من أهل الخبرة أن يكون معروفاً بالورع والعدالة، وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله وكذلك الإمام ابن فرحون في تبصرة الحكّام: أن الرجوع لأهل الخبرة على حسب الأوثق منهم، ولو كانوا من غير ديننا، كأن يكون من أهل الكتاب وعنده خبرة ولكن يعرف بالأمانة والنصيحة، وقد ذكر هذه المسألة شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية، وبيّن رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطب الحارث بن كلدة ويأمر الصحابة باستطبابه، وكذلك استأجر عبد الله بن أريقط وهو رجل من بني الديل هادياً خريتاً وذلك لمعرفة الطرق، فإذا أعجز الإنسان أن يجد العدل المأمون فلا بأس أن يرجع إلى أمثل أهل الخبرة في كل فنٍ ممن عرف بالإتقان والضبط. وإذا علم هذا فإن المسائل المالية المعاصرة كبطاقة الائتمان أو خطاب الضمان أو الاعتماد المستندي أو الكمبيالات أو الأوراق التجارية أو الحوالات المصرفية، ينبغي أن نفرق في تصورها بين أمرين: الأمر الأول: فهم وتصور ماهية المعاملة وحقيقتها وأركانها وما يتبع ذلك من شروط التعاقد فيها. الأمر الثاني: عدم الخوض في مسألة كيفية العقود بطريقة مفصلة والتي هي من شأن أهل الاختصاص، وليست من شأن طالب الفقه أو طالب العلم. وبناءً على ذلك: سنتكلم إن شاء الله على بطاقة الائتمان. وقد اخترنا جملة من المسائل لتطبيق الأبواب التي ذكرناها سابقاً، فعندنا باب القرض والرهن والضمان والكفالة والحوالة، سنختار لباب القرض والرهن بطاقة الائتمان، وكذلك أيضاً نختار للكفالة والضمان خطاب الضمان، وبعد ذلك نتكلم على جملة من المسائل المتعلقة بالتحويلات أو الحوالات، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا السداد وأن يلهمنا الرشاد، وأن يجعل ما نتعلمه ونُعلِّمه خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا وهو نعم الوكيل. ...... بطاقة الائتمان ...... نبذة تاريخية عن نشأة بطائق الائتمان بطاقة الائتمان نوع من المعاملات المعاصرة، جدّت وطرأت في هذا القرن المعاصر الذي نحن في آخره، فيقال: إنها أول ما نشأت في عام (1918م)، وكان التعامل بها على مستوى الشركات، فكانوا يعطونها لأفرادهم، ويقوم الفرد بالتعامل مع المحلات التجارية بواسطتها على أن تلتزم الشركات بالدفع عنه، وكانت أشبه ما تكون بعقد الوفاء. ثم بعد ذلك تطورت هذه البطاقة في ما يقرب من عام (1950م) إلى عام (1958م)؛ والسبب في هذا أن الكتب التي تكلمت على تاريخها تتكلم بالتاريخ الميلادي، لكن المهم التصور عن نشأتها، في هذه الفترة صدرت بطاقات من هيئات مالية، وكانت هذه الهيئات قد وجدت الجدوى والفائدة في إصدار هذا النوع من البطاقات؛ لأنها تدر أرباحاً وفوائد وعوائد مالية، فدخلت البطاقة إلى البنوك والمصارف في هذه السنوات تقريباً، وصدرت بطاقات مشهورة في هذه الفترة، ثم انتشرت من بلاد الغرب حتى عمّت أكثر أرجاء المعمورة كما هو موجود في زماننا.
تعريف بطاقة الائتمان هذه البطاقات وهي بطاقات الائتمان لم يوضع لها تعريف محدد، إلا أن بعض المجامع العلمية وضعت تعريفاً يعتبر من أنسب التعاريف لهذا النوع من البطاقات، وتعريف بطاقات الائتمان أمر من الأهمية بمكان؛ لأننا ذكرنا أنك إذا عرفت حقيقة المعاملة والعقد المعاصر، أمكنك تخريجه على ما تقدّم من أبواب الفقه، وأيضاً معرفة أركانه وشروطه على التفصيل الذي سنبينه إن شاء الله. فبطاقة الائتمان حقيقتها: مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري، بناءً على عقد بينهما يمكِّنه من شراء السلع والخدمات مِن مَن يعتمد المستند، دون أن يدفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدِر الدفع عنه. إلى هذا الحد يتمّ تعريف البطاقة، إلا أنهم ألحقوا بهذا التعريف جملة وهي: ومن أنواع هذا المستند ما يمكِّن صاحبه من صرف النقود أو سحبها من المصارف. وهذا التعريف نريد أن نقف معه وقفة نتصور بها حقيقة ما يسمى ببطاقة الائتمان، وهذا التصور وهو في الحقيقة تعريف مجمع الفقه الإسلامي لبطائق الائتمان، وهو من أنسب التعاريف وأجمعها وأفضلها ويعطي تصوراً شبه كامل لما يسمى ببطاقة الائتمان. فقالوا: (بطاقة الائتمان مستند) والمستند: هو عمدة الشيء، والمراد بالمستند هنا هو البطاقة، وعُبّر عنه بكونه مستنداً؛ لأن صاحبه يستند إليه في التعامل، وبطبيعة الحال هذه البطاقة تتميز من باب التصور بشعار معين ومعلومات معينة يمكن من خلالها معرفة حساب العميل أو رقم العميل. قالوا: (مستند يعطيه مُصدِرُه) بطاقة الائتمان فيها مصطلحات معروفة عند من يتعامل بها، فهناك شيء يسمى المصدِر، والمصدِر: هو الجهة التي تقوم بإصدار هذا النوع من البطاقات، وتشمل في الغالب البنوك والشركات والمصارف، فقولهم: (مستند يعطيه مُصدِرُه) يعني الجهة التي تلتزم بما في هذه البطاقة مما ذكرنا. قالوا: (لشخص طبيعي أو اعتباري) يعني هذه البطاقة تعطى لطرف ثانٍ، فعندنا في هذه الحالة طرفان: الطرف الأول: المصدِر وهو البنك أو الشركة أو المصنع، وعندنا الطرف الثاني: وهو الذي يستفيد من هذه البطاقة، ويسمى في الاصطلاح حامل البطاقة، ودائماً ما يعبّر عنه بالحامل، يقال: الحامل ويلتزم الحامل وعلى الحامل، والمراد بالحامل العميل، إلا أن هذا العميل جاء في التعريف أنه يشمل نوعين من العملاء الذين يتعاملون بهذا النوع من البطاقات، فقالوا: (لشخص طبيعي أو اعتباري)، الشخص الطبيعي هو أنت أو أنا أو أي شخص زيد أو عمرو من الناس، لكن الذي يهمنا قولهم: (أو اعتباري)، فمن هو الشخص الاعتباري؟ الشخصية الاعتبارية: مصطلح حادث، جدّ وطرأ في العصور المتأخرة، وتعاملوا به في الالتزامات وفي العقود لوجود الحاجة، والشخصية الاعتبارية في الحقيقة ليست شخصية طبيعية -يعني ذاتية وحقيقية- إنما هي شخصية مقدّرة، وتنطبق على الشركات والمجموعات، فلو أن عشرة منّا اجتمعوا واشتركوا في مؤسسة أو شركة، وهؤلاء العشرة تعاقدوا مع عامل مثلاً، فلا تستطيع أن تأتي تقول: اتفق محمد وعبد الله وصالح وزيد وبكر.. وتعدد أسماء المشتركين الذين قد يقاربون المائة في بعض الأحيان، أو أكثر من ذلك، فحينئذٍ يحتاجون إلى مصطلح يجمع هؤلاء كلهم: شركة النور.. شركة الإصلاح.. شركة السماحة.. شركة كذا، فاسم الشركة يعتبر شخصية اعتبارية، بمعنى: أنك لو جئت تقول: اتفقت شركة السماحة مع زيد، فقدرت شركة السماحة كشخص، هذا ما يسمى بالشخصية الاعتبارية، وهي في الحقيقة ليست بشخص معين وليس لها ذات أو حقيقة، وإنما نزلت في الاعتبار على أنها منزلة الشخص الواحد، ولذلك يقول: التزمت شركة السماحة، ففي الحقيقة هذا الاسم لا يلتزم ولا يُلزم، لكنه قدر تقديراً كأنه شخص حقيقي، وهذا ما يسمى بمصطلح الشخصية الاعتبارية. فإذاً: الذي يحمل هذه البطاقة إما شخص بعينه أو شركة أو مجموعة أو نحوها، وهذا ما عبّر عنه بالشخصية الاعتبارية. قالوا: (بناء على عقد بينهما) العقد الذي بين العميل -الذي هو حامل البطاقة- وبين المصدر -وهو البنك الملتزم- يتم على الصورة التالية: يتقدم العميل أو طالب البطاقة إلى البنك أو الشركة أو المؤسسة بطلب هذه البطاقة، وجرت العادة أن يعطى الأنموذج المشتمل على جملة من البيانات والشروط التي فيها التزامات من جهة البنك والتزامات من جهة العميل، وهذه الالتزامات والشروط يتفق عليها الطرفان، فتعطى للعميل ويقرأها، فإذا وافق عليها تقدم بالطلب، وتشتمل على معلومات كاملة، ويدرس هذا الطلب فإما أن يوافق على منحه وإلا فلا. والذي يهمنا أن هناك اتفاقاً، ولابد لطالب العلم أن ينتبه لهذه الأمور كلها؛ لأن طبيعة البطاقة وحقيقتها فيها شيء من الالتزامات، ومعنى ذلك أنه لا يدخل العميل ولا يدخل حامل البطاقة للتعامل بهذا النوع من البطاقات إلا بعد أن يكون على بينة بجملة من الشروط وطبيعة التعامل بهذا النوع من البطاقات.
الالتزامات المناطة بحامل بطاقة الائتمان الالتزام الأول: بأن يقوم بالسحب في حدود مبلغ معين متفق عليه بين الطرفين. الالتزام الثاني: يلتزم هذا العميل أو هذا الحامل للبطاقة بدفع الرسوم التي تتضمن: أولاً: رسوم الاشتراك في البطاقة، وهذا أمر مهم جداً؛ لأنه إذا ثبت أن البطاقة نوع من القرض كانت الرسوم المعجلة أشبه بالفائدة الربوية المعجلة، فلذلك يلزم بالاشتراك، فإذا كنتُ أُريد أن أتعامل معك لماذا تلزمني بدفع قيمة وفائدة من أجل أن أتعامل معك، فأنا في الحقيقة أتعامل معك وتتعامل معي على أساس عقد معين، وعلى أساس منفعة لها قيمة شرعية معينة، فإذا كان العقد الذي بيني وبينك قرض، فالشريعة لا تجيز أن تأخذ على الاقتراض منفعة لا مقدمة ولا مؤخرة. ثانياً: يلتزم بدفع الرسوم التي تسمى برسوم التجديد، وهذه الرسوم ليست بالهينة، مثلاً: إذا كانت البطاقة من النوع الذهبي أو الممتاز، يكون اشتراكها ربما يقارب الألف، وإذا كانت من النوع العادي يقارب خمسمائة، وهذا ليس بالسهل، فهذه البطاقة أدفع عليها رسماً سنوياً لماذا؟! وبأي حق؟! لأن الشريعة عندها قاعدة: لا تجوز للمسلم أن يأخذ مال أخيه المسلم إلا بحق، فأنا حينما آخذ البطاقة وتمضي عليّ سنة فما معنى أن أدفع الرسم السنوي؟! هذا أمر لابد من النظر فيه، لماذا نحن تعرضنا لمسألة العقد، فالعقد يلتزم فيه العميل -حامل البطاقة- بدفع هذه النسبة المعينة الذي يضعها البنك أو يحددها المصدر الذي يقوم بإصدار البطاقة. إذاً: يلتزم أيضاً بدفع الرسوم المتعلقة بتجديد البطاقة على الفترات التي يحددها المصرف أو المصدر لها، فيدفع رسوماً على البطاقة -خمسمائة -مثلاً- على البطاقة الذهبية وثلاثمائة أو مائتين على البطاقة العادية- والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله؟!!)، هذه البطاقة تجديدها على أي أساس؟! ما الذي يكون فيها حتى تجدد؟!! هل فعلاً يقوم المصدِر بتجديد شيء فيها له قيمة محسوسة؟!! فإذا كان تجديد التعهّد بلا اقتراض كان أقبل للفائدة المعجلة. ثالثاً: يلتزم بدفع جميع الفواتير والمستحقات على سحبه بناءً على هذه البطاقة؛ لأنه سيقوم بالسحب بناءً عليها، وإذا قام بالسحب بناء على هذه البطاقة فسيلتزم بكل ما ينشأ عن هذا السحب من قيمة السلع التي اشتراها أو الخدمات التي انتفع بها، فهذه أيضاً رسوم أخرى، وهي رسوم في الأصل وقد تكون مستحقة للمصدر على التفصيل الذي سنذكره. فمثلاً: إذا جاء إلى فندق ونزل فيه، وكلفت إقامته خمسة آلاف، وسجلت في البطاقة، فيلتزم بدفع الخمسة آلاف بطريقة معينة، وليست كما هي فعلاً في الدين، بل يدفع عليها أيضاً رسوم خدمة، فتدفع نسبة إضافية على المبلغ نفسه. رابعاً: يلتزم العميل بدفع قيمة الفواتير المستحقة للاتصالات أو نحوها كما لو كانت هناك تكاليف بريدية أو نحوها. فكل هذه الالتزامات على كاهل العميل، ونحن نأخذ الأغلب أو الأكثر من الشروط؛ لأن الشروط الموجودة في البيانات وحسب الاطلاع على أنواع البطاقات المختلفة، منها ما هو شرط خاص ومنها ما هو شرط عام، فنحن نأخذ أغلب الشروط العامة التي في الغالب تكون موجودة، مثل رسوم التجديد.. رسوم تكاليف البطاقة وسحب البطاقة، فهذه شروط موجودة في البطاقات كلها، لكن هناك أيضاً شروط خاصة، قد يكون المصرف عنده نوع من التعامل أو طريقة للتعامل أو نوع من الرسوم يفرضه على العميل. سادساً: أنه يلزم بتفويض المصدر بصرف العمولة بأي قدر يراه دون اعتراض أو امتناع، فلو فرضنا مثلاً أنه تعامل بالدولارات، فنزل في فندق أو استأجر سيارة أو حافلة أو قطاراً بالدولارات، وهو قد اتفق مع المصرف أو جهة المصدِر بالتعامل بالريالات، فمعناه: أن هناك عملية صرف ما بين المصدِر وما بين الجهة التي قامت ببذل هذه المنفعة أو دفع هذه السلعة المعينة، فلو كانت هذه المنفعة التي قدمت لحامل البطاقة تكلّف -مثلاً- ثلاثة آلاف دولار، ففي طبيعة الحال ستحوّل القيمة إلى الريالات، فيفوّض المصرف أو المصدِر سواء كان بنكاً أو مصرفاً أو شركة للتحويل بالصرف بأي قيمة يراها، أي لو كان الدولار يصرف بأربعة ريالات إلا ربعاً أو بثلاثة ريالات ونصف أو بثلاثة ريالات وربع، فعندنا قيم مختلفة، ويمكن للمصدر أن يصرف بأعلى قيمة؛ لأنه أربح له وأكثر فائدة وعائدة من جهة الخدمات، وهذا دون أي اعتراض، فمثل هذا البند يفرض على العميل، ولا يمكن أبداً أن يراجع في هذا. فإذاً يفوض تفويضاً كاملاً في أن يصرف العملة أو العملات أياً كانت بأي قيمة يراها، سواءً كانت غالية أو رخيصة. هذا أيضاً من الالتزامات، وهو لا شك التزام فيه مخاطرة، وفيه غرر وضرر. كذلك أيضاً هناك التزامات أخرى قد تختلف كما ذكرنا من مصدر إلى آخر، لكن هذه من أهم الالتزامات، وفي بعض العقود يصل البيان إلى ما يقرب من عشرين بنداً. ومما يجدر ذكره أنه من حق المصدِر أن يلغي هذه البطاقة في أي وقت شاء، سواء أشعر العميل أم لم يشعر، لكن لا يحق للعميل أن يلغي هذه البطاقة إلا بعد أن يتصل على المصدِر ويشعره، ويمزّق البطاقة أو يرسلها إلى مكتبها، فلاحظوا الفرق بين الطرفين، فمن جانب المصدِر يمكنه في أي وقت أن يلغيها ولا يحاسبه أحد، أما من جانب العميل فإذا أراد إلغاءها فلابد من إشعار المصدِر، ثم لو أنه ألغاها فإنه يتحمل التبعات والمسئولية الكاملة عن هذا الإلغاء.
الالتزامات المتعلقة بالمصْدِر لبطاقة الائتمان أما الالتزامات من جهة المصدِر، فالمصدِر يلتزم للعميل بالتالي: أولاً: يلتزم له أن يقوم بالدفع عنه، فيقوم عقد البطاقة على التزام البنك بالدفع عن العميل، ومن هنا جاءت شبهة الكفالة وجاءت شبهة الضمان، وأنها بطاقة تأخذ حكم الضمان، لكن هذا أمر يحتاج إلى نظر سنبينه إن شاء الله في التخريج الفقهي، فلو أن العميل قام بشراء سلعة قيمتها خمسة آلاف ريال يلتزم المصرف أو المصدر أياً كان بدفع الخمسة آلاف ريال، لكن المشكلة ليست هنا، فالمصدر الذي يصدر البطاقة له اتفاق مع جهات معينة، فلا يمكن أن تستفيد من هذه البطاقة إلا من خلال متاجر معينة ومحلات معينة، بينها وبين المصدر اتفاق معين، هذا الاتفاق تقوم فيه هذه المحلات التجارية بإبرام عقد آخر مع البنك أو المصرف أو مصدر البطاقة، على أن تمكن من يحمل البطاقة من شراء ما شاء من السلع في الحدود التي اتفق عليها، ثم يفتح هذا المحل حساباً في البنك، وإذا حسبت القيمة لا تحسب كاملة، فلو كانت العملية التي تمت من العميل مع المتجر تكلف خمسة آلاف ريال، وهناك اتفاق على أخذ عمولة للبنك، فالبنك مثلاً يأخذ نسبة معينة -على فرض أنه يأخذ مائتي ريال- فهو لا يعطي الخمسة آلاف كاملة -وهذا أمر مهم جداً- وإنما يعطي أربعة آلاف وثمانمائة ريال تدخل لحساب المحل الذي اتفق معه، أيضاً فلو قلت: إن البطاقة نخرجها على أنه تكفل بدين على أن يقوم العميل بدفع هذا الدين، فإن هذا الدين يؤخذ بصورة ويدفع بصورة أخرى، ومن يتحمل هذه الكفالة أو يلتزم هذا الالتزام يأخذ عمولة، حتى على الطرف الثاني، ولا يمكن أبداً أن نمكِّن المصدِر أو البنك أو المصرف أو أي جهة من التعامل مع هذه البطاقة إلا إذا وضع شعاراً معيناً في التعامل معه، ولا تستطيع أن تقدم هذه البطاقة إلا لمن يعتمد هذه البطاقة، بمعنى: أنه يجب أن يكون بينه وبين المصدِر اتفاق ثانٍ، فالمصدر يلتزم للعميل بأن يمكنه من شراء السلع والخدمات كما سيأتي، ويقوم بالدفع عنه بالطريقة التي يتم الاتفاق بها بين المصدر وبين الطرف الثاني. وفي التعريف قلنا: (مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري بناء على عقد بينهما يمكِّنه) أي: يمكِّن الحامل للبطاقة.
جوانب الانتفاع من بطاقة الائتمان قالوا: (يمكِّنه من شراء السلع والخدمات) هذه العبارة تبيّن محل العقد، فالعقد منصبّ على بطاقة لها فائدتان: الفائدة الأولى: في شراء السلع، والفائدة الثانية: في شراء الخدمات. وهناك فرق بين شراء السلع وبين شراء الخدمات، وكل منهما له مصطلح فقهي خاص، فشراء السلع بيع، وشراء الخدمات إجارة، شراء السلع كأن يدخل بالبطاقة إلى محل يريد أن يشتري ما شاء من الأطعمة أو الأدوية أو الأكسية أو ما شاء من القطع أو الأشياء التي يريدها، فالبطاقة تدخل في عقود البيوعات، وتدخل أيضاً في عقود الإجارات وهذا هو المعبر عنه بشراء الخدمات، إما في سكن أو ركوب أو غير ذلك من المصالح التي تكون من الخدمات في الإجارات، ومن ذلك خدمة السكن في الفندق، فإن نزول العميل في الفندق وبقاءه الليلة والليلتين والثلاث والأربع هذا يسمى إجارة، ودفع العميل المائة أو المائتين أو الألف مقابل السكن ليلة أو ليلتين أو ثلاث، هذا يسمى شراء خدمة سكن، وهناك خدمة تنقل كأن يبرز البطاقة للركوب في قطار أو طائرة أو سفينة أو عبّارة أو سيارة فهذا كله شراء منفعة تمكنه من الانتقال من موضع إلى موضع بقيمة معينة. إذاً البطاقة تقع في البيوعات والإجارات، ويلتزم المصدِر السداد بدفع الثمن في المعاوضات المتعلقة بالبيوعات ودفع الثمن في المعاوضات المتعلقة بالإجارات. قالوا: (مِن من يعتمد المستند) يعني: لا يتعامل بالبطاقة إلا مع من يعتمد المستند، فلو قدّم البطاقة إلى محل لا يعتمدها لا يمكن أن يقبلها، وبطبيعة الحال إذا قُدّمت البطاقة إلى محل تجاري أو شركة نقل أو نحوها فهناك آلة تقوم بفحص البطاقة وأخذ معلومات معينة عنها، كمعرفة مدة صلاحيتها وعدمها وأخذ المعلومات المتعلقة بها، ثم تسجل في الفاتورة، فإذاً (مِن من يعتمد المستند) وفي الاصطلاح من يقوم بالخدمة مثل المحل التجاري أو السوبر ماركت أو نحوه هذا يسمى بالمستفيد.
عقد بطاقة الائتمان عقد مؤجل قالوا: (دون أن يدفع الثمن حالاً) أي أن الفائدة التي يريدها العميل أو العملاء أو حامل البطاقة في الغالب هو الأمن من حمل النقود، خاصة إذا كان في مواضع يخشى فيها من حمل النقود، وكذلك أيضاً سهولة الانتفاع بها دون وجود كلفة أو عبء حمل الأموال أو صرفها، كما لو كان في موضع تختلف فيه العملة عن عملة بلده أو نحو ذلك، فيستفيد العميل من هذه الفائدة دون أن يدفع الثمن حالاً وهو ثمن النقد، إذاً معنى ذلك أن عقد البطاقة عقد مؤجل، وأصبح عقد البطاقة فيه جانبان لابد من التنبه لهما: الجانب الأول: تعاقد حامل البطاقة مع المتجر، وفعلاً قد تعاقد معه؛ لأنه يحدد معه السعر ويحدد معه السلعة التي يريد شراءها وأخذها، أو يحدد نوعية الخدمة التي يريدها، ونوعية السكن الذي يريد أن ينزل فيه، معناه: أن الطرف الأول في العقد هو الحامل، والطرف الثاني هو الجهة التي تتكفل أو تقوم بتمكين العميل من هذه المنافع، وهذا عقد مبرم، ويصبح هذا العقد الذي بين العميل وبين المستفيد الذي هو التاجر أو نحوه، إما عقد بيع إذا كان على السلع، وإما عقد إجارة إذا كان على الخدمات. الجانب الثاني: وهو التزام البنك بالدفع. فإذاً: قالوا: (يمكِّنه من شراء السلع والخدمات مِن مَن يعتمد المستَند دون أن يدفع الثمن حالاً لتضمن المصدر الدفع عنه) اللام للتعليل، أي: امتنع دفع العميل للثمن نقداً وحالاً لوجود التزام من المصدر بالدفع عنه، وبناءً على ذلك فهناك عقد ما بين البنك أو المصرف أو الشركة التي تقوم بإصدار البطاقة وبين المحل التجاري كما ذكرنا لتضمنه التزام المصدِر الدفع عنه، فيلتزم بدفع المال قليلاً كان أو كثيراً وسواء كان بالعملة نفسها أو بغيرها. وبهذا ينتهي التعريف، وتتضح الصورة للبطاقة وطبيعة التعامل بها.
بطاقة ائتمان لسحب النقود فقط لكن قولهم: (ومن هذه المستندات ما يمكِّن العميل من سحب النقود) هناك نوع ثانٍ، هذا النوع الثاني من البطاقات لسحب النقود، أي مع وجود ما ذكر آنفاً هناك منفعة ثانية وهي منفعة سحب النقود، فيمكِّنه من سحب النقود وبنفس الالتزام، فإذا سحب من المصرف يلتزم طبعاً بالسحب في حدود الإطار المحدد المتفق عليه بين الطرفين، سواء كان مع اتحاد العملة أو اختلاف العملة، ويكون في كلتا الحالتين إذا قام بالسحب أو قام بشراء السلعة أو شراء الخدمات هناك أمر مهم جداً وهو أن المصرف أو المصدِر يعطي العميل فترة ما بين خمسة وعشرين يوماً إلى خمسة وخمسين يوماً في الغالب التي هي أعلى حد لتسديد الثمن المقدم، وبعد ذلك إذا لم يتم السداد تحسب الفائدة (1%) أو (2%) عن كل يوم يتأخر فيه عن السداد. فإذاً: عندنا ثلاثة جوانب: بداية التعاقد بالبطاقة، وعندنا طبيعة الاستفادة من البطاقة، وعندنا الأثر المترتب على التعامل بالبطاقة. وطبيعة التعاقد سبق أن بيّناها وبيّنا أصلها، وأنها تشتمل على نوعين من العقود، والعقد الذي يكون بين العميل وبين المصرف مع المستفيد، والعقد الذي يكون ما بين المستفيد وبين المصرف. ثم بيّنا طبيعة الاستفادة التي يستفيدها العميل سواء كان في عقود البيع أو الإجارات، وإن كانت البطاقة من النوع الثاني الذي هو دفع النقود فحينئذ تكون مشتملة على بيع الصرف في بعض الصور، وهو يشتمل على إبدال العملة بالعملة مع وجود القرض، وأما بالنسبة للأثر فالأثر وجود الفوائد الربوية التي تتركب على التأخير عن السداد والدفع.
التخريج الفقهي لبطائق الائتمان أما بالنسبة للجزئية الأخيرة وهي جزئية التخريج الفقهي: هذا النوع من المعاملات هل هو قرض، أم هو حوالة، أم هو كفالة؟ هذا أمر يحتاج إلى نظر، فالبطاقة إذا تأملناها وجدنا فيها الآتي: بالنسبة للعميل: تعاقد مع المحل التجاري أو الشركة التي تقوم بالخدمة، (بعقد بيع أو إجارة) عقد البيع والإجارة من حيث الأصل كونه يشتري السلع أو كونه يشتري الخدمات كأن ينزل في الفندق أو نحوه هذا أمر لا إشكال في جوازه، كونه مثلاً يستفيد في شراء السلع أو كونه يشتري الخدمات هذه أمور إذا كانت من جنس ما أحلّ الله لا كلام لنا فيه، إنما الكلام في مسألة الالتزام؛ لأن المصرف التزم بالدفع عن العميل الحامل، والعميل الحامل التزم بالدفع للمصرف. فعلى هذا عندنا قرض وهو شراء السلعة من المحل بالأجل، وهذا الأجل لا يدفع، بدليل أن الحامل حينما اشترى البضاعة أو اشترى الخدمة؛ كما لو نزل في الفندق أو ركب السيارة أو القطار أو طائرة أو نحو ذلك لم يدفع الثمن حالاً، وإنما أنسأ الثمن وأخّره، وبتأخير الثمن صار بالبيع إلى أجل أو بالبيع المؤجل، وهذا البيع المؤجل لم يلتزم فيه العميل نفسه بدفع المال وإنما أحيل صاحب المتجر أو صاحب المحل على المصرف أو المصدِر. فهنا حصل خلط في بعض الفتاوى المعاصرة قالوا: نعتبر هذا النوع من الضمان ووجه الضمان فيه قالوا: إن البنك أو المصرف تضمن والتزم في ذمته أن يدفع عن العميل، ونحن ذكرنا فعلاً في باب الضمان أنه يجوز أن يضمن الديون المجهولة التي تئول في المستقبل إلى العلم، وهذا يتخرّج على المسألة التي ذكرناها: أن يأتي إلى صاحب البقالة ويقول له: أعط محمداً ما شاء من البضائع، وأنا ألتزم بالدفع عنه إذا لم يسدد، فكأن صاحب البطاقة المصدر الذي هو البنك يقول للمتجر: أعط حامل البطاقة ما شاء في الحدود التي اتفق عليها في البطاقة، وأنا ألتزم بالدفع عنه. إذاً فعلاً هناك نوع من المشابهة من كونها تدخل تحت الضمان؛ لأن المصرف فعلاً تضمن والتزم، وقالوا: بناءً على ذلك هذا أشبه ما يكون بعقد الضمان، وتسري عليه أحكام الضمان أو أحكام الكفالة عند من لا يفرق بين الضمان وبين الكفالة، فإن شئت سميتها كفالة وإن شئت سميتها ضماناً، على نفس التفصيل الذي ذكرناه. إذاً: نريد أن نحدد طبيعة عقد الكفالة هنا، أصبح الكفيل الذي يغرم هو البنك، والمكفول هو حامل البطاقة، والذي تكفل به البنك قيمة التعامل الموجود أو المعاملة التي تمت بين الطرفين، وعلى هذا قالوا: تدخل تحت الكفالة، ومن حيث الأصل الشرعي يبقى السؤال: أنتم تعلمون أن هناك نوعاً من البطاقات يكون فيه للعميل رصيد، والذي هو غطاء للتعامل، فرضاً خمسة آلاف، هذا الغطاء في الحقيقة مثل الرهن، فهذه مسألة ثانية تحتاج إلى بحث، فقالوا: هذا يأخذ حكم الضمان، قالوا: ونعتبر الثمن المدفوع مقدماً الذي هو الغطاء الموجود في الحساب الجاري أو غيره آخذ حكم الرهن، كأن العميل أعطى البنك خمسة آلاف رهناً لسداد الحقوق المستحقة على تعامله. فإذن عندنا جانبان: الجانب الأول: أن البنك لما التزم بالدفع عن العميل صار في حكم الضمان، وتخرّج على مسائل الكفالة. ثانياً: وجود الغطاء البنكي أو المبلغ المدفوع أو الرصيد الموجود للعميل يعتبر بمثابة الرهن. ومن المعلوم أنه يشرع في الديون وجود الرهن، لكن عند العلماء خلاف في مسألة: هل يجوز الرهن أن يكون من الذهب والفضة؟ صحح غير واحد من العلماء أنه يجوز رهن الذهب والفضة والنقود لقاء السداد؛ لأن الله تعالى يقول: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283] وهذا نكرة عامة شاملة لأي شيء كان مرتهناً، ولم يفرق بين النقود وغيرها. ولأن المقصود من الرهن هو الوصول إلى الحق، فإذا كان يجوز في السلع التي تباع من أجل السداد، فلأن يجوز بالنقود التي تسدد فوراً من باب أولى وأحرى؛ قالوا: لأن العلة في الرهن السداد، فأنت إذا استدنت عشرة آلاف وقيل لك: أعط رهناً، إنما قصد من قوله: أعط رهناً حتى يتمكن من بيعه إذا عجزت عن السداد، فقالوا: فبدلاً من أن يبيع إذا عجز عن السداد ويكون الرهن نقوداً لا تحتاج إلى بيع، فيأخذ منها حقه وينتهي. النقطة الثانية: لو قلنا بطبيعة الحال: إنه ضمان واشتمل على الرهن، فهل يجوز الضمان بالرهن؟ هذه مسألة ثانية: هل يجوز أخذ الرهن على الكفالة؟ أي: لو أن شخصاً قال لك: اكفلني في عشرة آلاف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، هل من حقك أن تقول ذلك؟ قال طائفة من العلماء: يجوز أخذ الرهن على الكفالة، ومن حقك أن تطالبه برهن تصل به إلى حقك إذا غرر بك في كفالة، كما أن الأصيل يجوز له أن يأخذ الكفالة. وأنا أميل إلى هذا القول، وإنما ذكرت هذه الأقوال لأنها فعلاً صحيحة؛ أولاً: لما ذكرناه من وجود الأدلة التي تدل على جواز صحة الرهن بالذهب والفضة، وثانياً: جواز أخذ الرهن للكفالة. وإذا ثبت هذا أصبح عندنا تخريجان: التخريج الأول: قالوا: التزام البنك والمصرف بالدفع عن العميل يعتبر في حكم الضمان أو الكفالة على التفصيل الذي ذكرناه: هل هما عقد واحد، أو عقدان؟ التخريج الثاني: يعتبر وضع الغطاء البنكي أو الدفع أو وجود الرصيد بمثابة الرهن المعجل، الذي دفعه العميل ضماناً لحق البنك عند عجزه عن السداد، ويتخرج هذا على مسألتين: المسألة الأولى: جواز أخذ الذهب والفضة رهناً. والمسألة الثانية: جواز أخذ الرهن عن الكفالة. لكن يبقى الإشكال إذا قلنا: إنها كفالة، وقلنا: إنها آخذة حكم الضمان، وفعلاً يسري عليها حكم القرض، ففي هذه الحال عندنا قرض، وعندنا ضمان للقرض، وعندنا رهن يتوصل به إلى هذا الضمان، لكن يبقى الإشكال في أخذ الفائدة على الكفالة، هل يجوز أخذ الفائدة على الكفالة؟ هناك فوائد التزم بها العميل لابد من النظر فيها. الفائدة الأولى: دفع الرسم للاشتراك. الفائدة الثانية: دفع الرسم للسند. الفائدة الثالثة: التجديدات. وهناك فوائد مركبة على الدين عند العجز عن السداد. والواقع بالنسبة لهذه الفوائد: الرسم الذي للدخول، وفائدة التجديد السنوي، وفائدة الرسوم السندية، كل هذا يعتبر من أخذ الفائدة على الدين، ومخرّج على ما ذكرناه من أنه قرض جر منفعة، وقد ذكرنا إجماع العلماء على تحريم القرض الذي جر منفعة، (وأيما قرض جر منفعة فهو رباً) إما رباً صريحاً أو في حكم الربا الصريح فهذه الرسوم في الحقيقة هي عبارة عن فوائد معجلة باسم الرسم أو نحوه، وبدل أن تكون مؤخرة صارت مقدمة أو معجلة، ولأن هذه الرسوم ليس فيها استحقاق شرعي؛ فالعميل لا يأخذ لقاءها شيئاً له قيمة معتبرة شرعاً، وإذا قال قائل: يأخذ لقاءها الدين، نقول: هذا الدين ليس له قيمة؛ لأن الديون لا يجوز أخذ الفوائد عليها، فقد يكون المصدِر أو البنك أو نحوه يرى أن من حقه أن يأخذ على الدين فائدة؛ لأنه يرى أن الفوائد الربوية تعتبر استحقاقاً له على العميل إذا تعامل معه. بعد أن ذكرنا التخريجات كلها، وذكرنا أولاً كونه ضماناً محملاً أو كون هذا الضمان مبني على رهن، ترد هنا مسألة مهمة وهي: أننا صححنا أصول المسائل، فقلنا: إن الضمان مشروع، وقلنا: إن الرهن مشروع، وقلنا: يجوز الرهن بالمال الذي هو الذهب والفضة، قررنا جواز الرهن المتقدم أو الضمان المتقدم، كل هذا قررنا جوازه، لكن لا يعني هذا صحة التخريج، وتوضيح ذلك: أن المبلغ الذي هو غطاء للسداد في الحقيقة المصرف لا يقوم بسحب استحقاقه مباشرة منه، هذا أمر مهم جداً؛ لأن المصرف من فائدته ألا يسدد المبلغ مباشرة؛ لترتب الفوائد على التأخير، والعميل يعتبر بتأخره ملزماً بدفع الفائدة المقررة والعائد المقرر الربوي على الدين بعد فوات الأجل المحدد للسداد، فإذاً مسألة كونه رهناً ليست من كل وجه صحيح؛ لأننا لا نجد المصرف يقول: بمجرد أن تمر خمسة وعشرون يوماً أو خمسة وخمسون يوماً ولم تسدد سنسحب من رصيدك المبلغ وانتهى الإشكال، لا، بل إن لم تسدد بعد الفترة المسموح بها سنحسب عليك فائدة (1%)، ومعنى ذلك أنه لا يعتبر رهناً بصورة الرهن الشرعي، فهو في الظاهر تراه رهناً، لكنه في الحقيقة والتعامل ليس برهن. المسألة الأخيرة وهي المهمة: أن هذا الدين تركّب بعقد فيه التزام أنه إذا لم يسدد فعليه الفائدة، وهذا الالتزام محرم -بغض النظر عن كونه بادر بالتسديد، أو ترتب عليه فائدة أو لم تترتب ولا يجوز للمسلم أن يلتزم ذلك الأمر المحرم؛ لأنه يكون راضياً بالمحرم، وهذا من الربا الذي نص صريح الكتاب والسنة على تحريمه، وبناءً على ذلك لا يجوز الالتزام. وهنا بعض الناس يقول: آخذ العشرة آلاف -والعياذ بالله- ديناً وأسدد في الأمد المحدد. نقول: رضاك بالعقد يعتبر في حكم الفعل للعقد؛ لأن العقد فيه شرط والتزام بمحرم، وبناءً على ذلك يدخل في كتابة الربا المحرم الذي لعن فاعله -نسأل الله العافية-. وعلى هذا خلاصة ما نقول: أولاً: إن بطاقة الائتمان تخريجها الفقهي دين. ثانياً: الضمان فيها ليس بصحيح من كل وجه من جهة الالتزام، ووجه بطلان هذا الضمان أن نقول: إن المصرف التزم بدين كامل بدفع دين ناقص؛ لأنه يدفع إلى المستفيد أقل مما يأخذ من الحامل، وهذا أمر يبطل التخريج بكونه حوالة أو ضماناً؛ لأنه لم يتوفر فيه الشرط الشرعي. ثالثاً: أنه لو كان ضماناً وديناً على الصفة المعتبرة، فوجود شرط الفائدة المركبة أو الرسم المقدم على الدين يدخله في قرض جر نفعاً، وهو محرم بالإجماع. وبهذا يكون الحكم فيه عدم الجواز على التفصيل الذي تقدم بيانه، والله تعالى أعلم وأحكم، وهو المستعان وعليه التكلان.
الأسئلة ...... مدى صحة قياس دفع رسوم اشتراك بطاقة الائتمان بعقود الإجارة السؤال: هل يصح قياس دفع رسوم تجهيز اشتراك البطاقة سنوياً بعقود الإجارة في كون الكل منصباً على المنفعة؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: دفع الرسم تخريجه على أنه إجارة. فما هي حقيقة الإجارة؟ الإجارة: عقد على المنافع بعوض، والمنفعة الموجودة في البطاقة دين، والعوض لقاء الدين لا يصح، فمسألة أن تخرج على أنها إجارة ليست بصحيحة؛ لأنه لم يستأجر البنك من أجل منفعة السكن أو الركوب أو ما في حكمها، وإنما أخذ هذه البطاقة لقاء اقتراض والتزام بالدفع عنه، وهذا ما يدعونا إلى أن نقول: لابد من التصور ومعرفة حقيقة العقد حتى نعرف بعد ذلك هل تخرّج على هذا العقد أو غيره. إذاً: لا يصح ولا يستقيم تخريجها على عقد الإجارة بحال، فأصل الإجارة معلوم ومحل الإجارة معلوم، ولا يعتبر هذا النوع من التعامل من الإجارات، وإنما هو من الديونات وآخذ حكم الدين بالتفصيل الذي ذكرناه. والله تعالى أعلم.
حكم أخذ الأجرة مقابل تحويل الأموال من مكان إلى مكان السؤال: في تحويل العملة من بلد إلى آخر، هل يجوز أخذ الأجرة في مقابل خدمة التحويل؟ الجواب: مسألة التحويل سنفصل فيها، لأن التحويل له صور: بعض الأحيان يحول من مصرف إلى نفس المصرف لفرع آخر، فيكون المصرف له فرع في نفس المكان الذي تحول إليه، وهذا أشبه ما يكون بالوكالة، وحينئذ يكون الوكيل الذي هو الفرع الثاني منزلاً منزلة الأصيل الذي هو الفرع الذي تعامل معك في البلد الآخر. وهناك نوع من الحوالات يحيل فيها البنك أو المصرف أو الشركة إلى مصرف آخر غير المصرف الذي يدفع له، وهذا النوع من الحوالة أيضاً يكون في بعض الأحيان على دين، وتارة يكون على غير دين. كل هذا يحتاج إلى تفصيل وهو مذكور في باب الحوالة. والله تعالى أعلم.
الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية السؤال: ما الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية؟ وما هو القدر الذي يحتاجه طالب العلم منهما أثناء دراسة الفقه؟ الجواب: القواعد الفقهية تخالف القواعد الأصولية، القواعد الأصولية: هي جملة من القضايا الكلية التي يمكن من خلالها فهم النصوص، فلا تتعلق بالمسائل، مثال ذلك لو قلت: الأمر للوجوب، فهذه قاعدة، فإذا وجدت أمراً في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيموا الصلاة) (آتوا الزكاة) تقول: هذا أمر، والقاعدة: أن الأمر للوجوب، هذه قاعدة أصولية، ودائماً أصول الفقه تتعلق بفهم الأدلة، وكيفية الاستدلال منها، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل الذي هو المستفيد، وهذا يقتضي أن تكون هناك قواعد يستخدمها الأصولي فتأتي مثلاً للنص وتقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)[البقرة:21] (يا أيها الناس) عام، والقاعدة في الأصول: أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه، تقول: هذا عام، وتقول: هذا مطلق، والقاعدة: أن المطلق يبقى على إطلاقه، هذا منطوق وهذا مفهوم، إلى غير ذلك من القواعد التي تتعامل بها مع النص لا مع المسائل الفقهية، لاحظ حينما تأتي وتقول: الأمر للوجوب، فلم تأتِ في مسألة وضوء أو تيمم، إنما تتكلم على النص نفسه أن النص يدل على الوجوب، ويستفاد من قولك: إنه للوجوب، أن يأثم التارك ويثاب الفاعل، وأنه ملزم شرعاً بالقيام بما أمر الله عز وجل به، كذلك تقول: هذا نهي، والقاعدة: أن النهي للتحريم حتى يدل الدليل على صرفه عن ذلك الظاهر، فهذه تسمى قاعدة أصولية. وأما بالنسبة للقاعدة الفقهية فهي لا تدرس إلا بعد دراسة الفقه كاملاً؛ لأن القواعد الفقهية مثل الخلاصة التي يستطيع أن يجمع الإنسان بها شتات الفقه، فبعد أن يقرأ الفقه بكامله عبادات ومعاملات، وبعد انتهائه من الفقه بكامله يدرس القواعد، فيأتي ويقول: القاعدة في الشريعة: أن الأعمال بالنيات، وهي نفسها: الأمور بمقاصدها، لاحظ: الأمور بمقاصدها لا تختص بالوضوء ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالحج ولا بالصوم بل تشمل جميع العبادات، فتقول: هذا الوضوء عبادة، والعبادة تجب لها النية، وتقول: الوضوء عمل، والقاعدة: لا عمل إلا بنية، فهنا لاحظ: الوضوء عمل ولا عمل إلا بنية، فأنت تتحدث عن المسألة الفقهية نفسها بخلاف القاعدة الأصولية، القاعدة الأصولية تقول: الأمر للوجوب، إلا أن القاعدة الفقهية قد تكون قاعدة جامعة لأبواب العبادات، وقد تكون قاعدة جامعة لأبواب المعاملات، وقد تكون ضابطاً، وهناك فرق بين القاعدة وبين الضابط، فالضابط يختص بالباب تقول -مثلاً-: الضابط في تأثير النسيان في المحظورات أن يكون مما يمكن تداركه وتلافيه، مثلاً: إذا تطيب المحرم وهو ناسٍ يغسل الطيب، وإذا غطى رأسه وهو ناسٍ يزيله، وإذا لبس الثوب وهو ناسٍ يزيله؛ لأنه لا يبقى أثر، لكن إذا قلم الأظفار أو حلق الشعر أو جامع استوى النسيان والعمد، فإذاً الضابط ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه، فكأنك جعلت هذا الضابط يفرق لك في المسائل العديدة. فالذي لم يقرأ الفقه بكامله لا يستطيع أن يستفيد من هذه القواعد الفقهية، إلا أنه في بعض الأحيان أثناء دراسة الفقه قد تمر بك قواعد فقهية تعينك على فهم الباب أو تعينك على فهم المسألة، ولا بأس أن يستفاد منها وأن يسأل على القاعدة، لكن لا يغرق طالب العلم فيها، إنما يتركها إلى الدراسة المركزة الدقيقة. وقد كنا أيام الطلب نأخذ القواعد الأصولية والفقهية بقدر المسألة، ولا نتوسع فيها؛ لأنك في بداية الطلب تكون متقيداً بالدرس الموجود وتركز عليه وتكرره المرة والمرتين والثلاث والأربع والخمس إلى العشر ولا تملّ، وتقوم وأنت تذكره ويصبح منسوخاً في عقلك، بعد ذلك إذا شئت أن تتوسع في أي شيء تتوسع، والأصل عندك ثابت بإذن الله عز وجل، لكن إذا جئت بمجرد ما تحضر الدرس تذهب إلى المغني أو إلى المجموع وتحضر وتدخل في الخلافات وفي أقوال العلماء وفي فروعهم فلن تستطيع أن تنتج شيئاً، فلا يثبت عندك ما قرأته في الدرس ولا ما قرأته في مطالعتك، فالعلم بالأصول تثبيتها وتكريرها ومراجعتها، والتركيز أثناء الدرس ثم المذاكرة مع طلاب العلم مما يجب أولاً، حتى إذا جمع الله لطالب العلم بين قراءة سابقة مرتين أو ثلاث للدرس، ثم التركيز أثناء الدرس ثم مراجعة بعد الدرس، خاصة المراجعة المنفردة بعد الدرس مباشرة ما أمكن، أو استماع الشريط المرة والمرتين والثلاث ثم مذاكرة مع طالب العلم؛ بإذن الله عز وجل لن ينسى مثل هذا إلا بمشقة وعناء، ويصبح له في كل شهر مراجعة ما استفاده من الشهر، وكل ثلاثة أشهر يرتب له مراجعة دورية متقنة، وبهذا يضبط الفقه، وإذا ضبطت الفقه وجدت حلاوته، والفقه إذا استولى على قلبك ووجدانك فتح الله عز وجل عليك فتوح العارفين، وتصبح تفكر فيه قائماً قاعداً فتجد لذته وحلاوته؛ لأنه مما يزيد الإيمان بالله عز وجل، هذه الأحكام الشريعة النظيفة النزيهة التي جاءت كاملة تامة: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [الأنعام:115] وفي قراءة: (وتمت كلمات ربك) صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115] ، وقال سبحانه: يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57]، فإذا أخذت حكم الله عز وجل من الكتاب والسنة -حكم خير الفاصلين وأحكم الحاكمين- وجدت العجب في كمال حكمة الله عز وجل، وكمال علمه وكمال هذه الشريعة واستيعابها للمسائل، وعندها يصبح الفقه شغلك الشاغل، وإذا نظر الله إليك وقد تعبت في هذا الفقه وتعبت في تحصيله فبإذن الله سيبارك الله في علمك، ويبارك الله عز وجل في فقهك بفضله على قدر تعبك، ومن تعب اليوم فإن الله يبارك له في نشره للعلم غداً، ويرزقه الله آذاناً تصغي إليه، ويرزقه قلوباً تطمئن لفتواه، ولربما يأتيك الرجل الذي لا يعرفك إلا بالثناء ولربما لم يسمعك، ويأتي ويجلس معك ويستمع منك الفتوى، فيقذف الله في قلبه من الطمأنينة والرضا بقولك ما لا يستطيع أحد أن يشتريه بملايين الأموال؛ لأن هذا الشيء بيد الله؛ ولأن (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ، وهذا كله مبني على التعب والجد في التحصيل، ولذلك لن تجد أحداً من أئمة الإسلام ودواوين العلم الأعلام وضع له القبول إلا بعد التعب والعناء والمشقة والتضحية في سبيل هذا العلم، فالفقه يحتاج إلى تعب وعناء. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين، وأن يحيينا على ذلك وأن يميتنا على ذلك، وأن يحشرنا في زمرة أهله والعاملين به، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وإن شاء الله في المجلس القادم سيكون حديثنا عن خطاب الضمان وبعض المسائل المعاصرة، ونسأل الله العظيم التيسير والسداد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - بعض المعاملات المالية المعاصرة وبطاقة الائتمان [2] لقد اعتنت الشريعة الإسلامية ببيان الأحكام لكل ما جدّ وطرأ من المعاملات المالية المعاصرة، وما ذاك إلا لأن قديم الإسلام جديد وجديده قديم، وحكم الله سبحانه وتعالى في المسائل المالية كحكمه في المسائل المتعلقة بالعبادات، فالإسلام دين كامل ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيَّن حكمها وأصلها، ومن المعاملات الطارئة التي تناولتها الشريعة ببيان أحكامها ما يسمى ببطاقة الائتمان وخطاب الضمان. تفصيلات في التخريج الفقهي لأحكام بطاقة الائتمان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فقد كان حديثنا في المجلس الماضي عن نوع من المعاملات التي تعتبر مندرجةً تحت مسائل القرض وأحكامه، وقد بينا مسألة بطاقة الائتمان، وذكرنا حقيقة هذه البطاقة وتعريفها، ثم بينا أركان عقدها، وكذلك تعرضنا للحديث عن تخريج عقد بطاقة الائتمان، وكان حديثنا منصباً على جزئيات من التصور أكثر منها في الأحكام. ونظراً لذلك سنتم الحديث على جوانب مهمة يمكن بها تلخيص التخريج الفقهي والحكم الشرعي لبطاقة الائتمان. ...... أركان البطاقة وأحوال حاملها سبق وأن ذكرنا أن عقد البطاقة يقوم على مُصدِر وهو البنك أو المؤسسة أو الشركة التي تقوم بإصدار البطاقة، كما يقوم عقدها على طرفٍ ثانٍ وهو العميل الذي يوصف بكونه حاملاً للبطاقة، وتقوم بطاقة الائتمان على عقد واتفاقات والتزامات بين هذين الطرفين -المصدر والحامل- إلا أن هناك طرفاً ثالثاً يعتبر وسيطاً بين المصدر وبين العميل -حامل البطاقة- وهذا الطرف الثالث هو المستفيد الذي يكون تاجراً إذا كان حامل البطاقة قد استفاد من البطاقة في شراء السلع، ويكون غير تاجر إذا كان العميل أو حامل البطاقة قد استفاد منها في الخدمات. وعقد بطاقة الائتمان تم تصويره وبيان جزئياته، إلا أن هنا أمراً لابد من بيانه لتصور الحكم الشرعي الذي سبق إيجازه وتلخيصه فيما سبق. ومَن طلب البطاقة أو حمل البطاقة لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون له رصيد لدى المصدر. والحالة الثانية: ألَّا يكون له رصيد. فإن كان له رصيد، فإن المصدر أو البنك أثناء قيامه بتأمين وضمان هذا الحامل في التزاماته، لا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: إما أن يقوم بالسحب من رصيد الحامل للبطاقة للوفاء بالالتزامات والحقوق المترتبة عليه. الحالة الثانية: وإما أن يقوم بتسديد هذه الالتزامات والفواتير والاستحقاقات من عنده، ثم يطالب العميل بالسداد. فحينئذ عندنا الحالة الأولى: أن يكون لحامل البطاقة رصيد في البنك أو المصرف أو الشركة، فإن كان له رصيد إما أن يقوم البنك أو الشركة بالسحب من رصيده لسداد الحقوق التي عليه، وإما أن يقوم بالسداد من عنده ثم تكون هناك مخالصة بين البنك وبين حامل البطاقة.
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات من رصيد الحامل فأما في الصورة الأولى وهي أن يقوم البنك بالسحب من رصيد العميل، فإنه في هذه الحالة تكون طبيعة العقد والتعاقد وكالة: أي كأن البنك وكيلٌ عن صاحب البطاقة في سداد الحقوق والالتزامات التي عليه، مثال ذلك: لو أن حامل البطاقة ذهب ونزل في فندق وكلفه ذلك خمسة آلاف ريال، ثم اشترى جملة من السلع فكلفه ذلك ثلاثة آلاف ريال، فأصبح المجموع ثمانية آلاف ريال، هذه الثمانية آلاف ريال: كنا قد سبق وأن ذكرنا أن التاجر أو صاحب الفندق أو من يتعامل معه الحامل للبطاقة يقوم بإثباتها في فاتورة، ومن ثم تُدخل إلى حسابه، فإذا قام البنك بالسحب من الرصيد، يكون بمثابة الوكيل عن الحامل في سحب ذلك المبلغ المعين للوفاء بالالتزامات التي عليه، وأشبه بالشيك الذي يكتبه صاحب الرصيد للبنك الذي يدفع لفلان كذا وكذا، فهو بمثابة الوكيل، لكن الإشكال ليس هنا، الإشكال أننا لو اعتبرنا البنك أو المصرف وكيلاً عن صاحب الرصيد في الدفع فالأصل يقتضي أن يكون للموكل وهو العميل أو حامل البطاقة الحق كاملاً في التعامل مع هذا الطرف الثاني، وطبيعة العقد ما بين البنك وبين حامل البطاقة تخلي صاحب البطاقة من كثير من الحقوق، منها ما سبقت الإشارة إليه: أنه لو كان العميل قد اشترى بعملة غير العملة المعروفة؛ فإن هناك عقداً -عقد الصرف- يخول ويفوض البنك أن يصرف الريالات بالدولارات بأي سعرٍ كان، وهذا خلاف الوكالة؛ لأن الوكالة تجعل النظر في الأحظ للعميل عند التحويل إلى عملةٍ أخرى لا النظر في الأحظ للبنك أو المصرف، بيد أن التعاقد والأنموذج الذي تم الاتفاق عليه بين الحامل للبطاقة وبين المصدر -البنك- يلزم حامل البطاقة بالرضا بكل صرف قام به المصدر -أعني البنك- وهذا خلاف الوكالة؛ لأن الوكالة في الأصل، يكون الموكل هو الذي له الحق الكامل، هذا أول شيء. الشيء الثاني: لو صورنا هذا العقد على أنه عقد وكالة، لابد أن يوضع في الحسبان الرسم والمبلغ الذي دفعه الموكل للمصدر، فالرسوم التي دُفِعت للبطاقة كرسوم الاشتراك المقدمة ورسوم الخدمة المؤجلة، فهنا رسمان طالب بهما البنك -المصدر- حامل البطاقة، فيمكن أن نعتبر هذا المبلغ الذي طولب به من قبيل أجرة، ومن المعلوم في الفقه أنه يجوز أن يوكل بأجرة، يعني يجوز للشخص أن يوكل غيره على أن يقوم بمهمة ويعطيه أجرةً عليها، مثال ذلك: لو قلت لرجل: اشتر لي بضاعةً من نوع كذا وكذا بخمسة آلاف، وأعطيته خمسة آلاف وقلت له: وهذه مائة أجرة لك على تعبك، حينئذ تكون تفويضاً ووكالة مقيدة بأجرة وهي جائزة ولا إشكال، لكن أين الإشكال فيما نحن فيه؟ أن هذه الرسوم -وهي الأجرة- إذا اعتبرنا العقد الذي بين حامل البطاقة وبين البنك وكالة بأجرة فينبغي أن تسري أحكام الإجارة الشرعية على هذا النوع من الوكالة، فلابد من النظر في شروط صحة الإيجار الشرعي، والتي منها باتفاق العلماء: العلم بالأجرة وبالمنفعة. توضيح هذا الشرط حتى يمكن تطبيقه: أنك لو استأجرت شخصاً لكي يعمل أو يقوم بمنفعة لك فقلت له: اعمل عندي يوماً وأعطيك ما يرضيك لم يجز بالإجماع؛ لأن الذي يرضيه لا ندري كم هو، فقد يكون في ظنك أن المائة ترضيه وفي ظنه أنه لا تعطيه إلا مائة وخمسين فيحدث التشاحن، وبالإجماع لا يجوز أن تكون الأجرة مجهولة، هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: لا يجوز أن تكون المنفعة التي تستأجره لفعلها مجهولة، كأن تقول له: ابن لي جداراً وأعطيك مائةً، فلا تصح الإجارة حتى تحدد طول الجدار وعرض الجدار حتى يصبح كلٌ على بينة، ويعرف ما لهذا الأجير من حق، وما لصاحب العمل من حق، فيعطى كل ذي حقٍ حقه، فهذا منهج الشريعة وهذه قواعد الشريعة الواضحة في التعامل والتي قامت على العدل وإعطاء الحقوق كاملة: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115]، المهم أنك تدفع المال لقاء شيء معلوم، وإذا ثبت هذا فلا يصح أن تكون الإجارة بقيمة مجهولة، ولا يصح أن تكون على عمل مجهول، وفي البطاقة إذا اعتبرنا أن البنك يقوم بالسحب من الرصيد وكيلاً عن صاحب الرصيد فإنه قد أخذ أجرةً على هذا السحب لقاء سحب مجهول، فلا ندري كم قدر تلك السحوبات، ولا ندري هل تكون مثلا في بلدٍ قريب، أو بلد بعيد فالعمل الذي دُفِع الرسم لقاءه مجهول، وقد لا يستخدم البطاقة إلا مرة واحدة، وقد يستخدمها عشرين أو ثلاثين أو أربعين مرة والأجرة واحدة، فهذا مجهول من جهة العمل. ثانياً: مجهول من جهة الأجرة، وتوضيح ذلك أن الأجرة عن البطاقة اشتملت على نوعين من الرسوم: الرسم الأول: وهو الرسم المقدم الذي يكون في حال الاشتراك وهذا قد يعفى منه صاحب الرصيد، فعلاً في بعض الأحوال تعطى البطاقة لمن له رصيد بدون رسم الدخول، لكن بقي الإشكال في الرسم الثاني: وهو رسم الخدمة؛ وقد ذكرناها عند استعراضنا لبعض البنود التي تكون في العقد ويتفق عليها كل من العميل والمصرف عند صرف هذه البطاقة، فذكرنا أن العميل يلتزم بدفع رسم الخدمة على كل عملية، فلو أنه نزل في فندق وكلف نزوله ثلاثة آلاف ريال، فهناك رسم الخدمة، ولو فرضنا أنه (5%)، فثلاثة آلاف ريال سيكون نصيبها ما يقارب من مائة وخمسين، فنحن في هذه الحالة لا ندري بالنسبة في وقتها، فأصبحت الأجرة التي تستحق لعمل البنك مجهولة، فهي وإن كانت معلومة النسبة لكنها مجهولة القدر، وهذا نوع من الجهالة يبطل الإجارة. إذاً فأصبحت الجهالة من وجهين: إذا كان للعميل رصيد وفوّض البنك في السحب من رصيده وفاءً للالتزامات والحقوق التي عليه، هو عقد وكالة بأجرة، إلا أنه شابه جهالة الثمن التي هي الأجرة، وجهالة العمل والمنفعة المستحقة لقاءه. بناءً على ذلك في الحالة الأولى: وهي كون البنك يقوم بالسحب من الرصيد لتغطية الالتزامات تخرج على أنها وكالة بأجرة وفيها ما ذكرنا.
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات من غير رصيد الحامل الصورة الثانية من الحالة الأولى: وهي أن يقوم البنك بالوفاء بالالتزامات من عنده ثم يقسط الحقوق على العميل دفعات على ما يراه أو يتفق مع العميل عليه، ففي هذه الحالة: لا يسحب من الرصيد، ويكون رصيد العميل أشبه بالرهن والغطاء، فلو فرضنا أن العميل له عشرة آلاف ريال أو عشرين ألف ريالٍ والبطاقة يسحب بها في حدود خمسة آلاف ريال، فالخمسة آلاف الموجودة في الرصيد هي في الحقيقة غطاء لعمليات البطاقة التي هي في حدود خمسة آلاف ريال. فيمكن لنا أن نقيّم الصورة الثانية وهي التي لا يتدخل فيها البنك في الرصيد إلا بأمر وإيعاز من العميل، ويكون الرصيد فيها عبارة عن غطاء، وهذا ما سبق وأن سميناه بالرهن؛ لأن الرهن يكون للاستيثاق من أجل أن يوفي منه صاحب الحق إذا لم يسدد وقد سبق شرطه وبيان ضوابطه، وفي هذه الحالة البنك يقوم بالتالي: إذا اشترى العميل بمبلغ ثلاثة آلاف ريال، فالبنك له طرف من التعاقد مع التاجر كما بيناه سابقاً، فهو يدخل لحساب التاجر مبلغ ثلاثة آلاف ريال، دون رسم الخدمة التي طالبه بها البنك، في هذه الحالة: إذا قام البنك بالسداد عن العميل وتوجه للعميل لأخذ ما يستحقه عليه من دفعات، كان طبيعة التعاقد أن البنك التزم بالدفع عن العميل وجعل رصيد العميل غطاءً لوفاء العميل، فلو تأخر العميل أو امتنع من السداد فالأمر يسير حيث يسحب من رصيده، والبنك في مأمن من الإخلالات بهذه الالتزامات التي سبق ذكرها. الآن عرفنا طبيعة العقد، فيبقى السؤال من الناحية الفقهية، لو أن اعتبرنا الرصيد رهناً وغطاءً للعمليات التي يقوم بها العميل بالبطاقة، فالسؤال الأول: ما هو نوع هذا الرهن؟ والجواب: أن الرهن من النقود: أعني الذهب أو الفضة، فهل يجوز أن تُرهن النقود أم أن الرهن يكون في المثمونات دون الأثمان؟ جمهور العلماء يجيزون رهن النقود، ونص على ذلك فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية، وهو مفهوم عبارات الحنابلة: كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وبناءً على ذلك: مذهب الجمهور على جواز رهن النقود، والدليل على ذلك: أننا لو رهنا العقار كالبيت إنما قصدنا ضمان حق صاحب الدين، وسنبيع البيت عند عجز المدين عن السداد ثم نسدد، قال العلماء: فلأن يجوز رهن النقد المباشر من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا جاز رهن البيت والعمارة والدابة والأرض لكي تباع عند عدم الوفاء، فمن باب أولى أن يرهن النقد نفسه، وهذا واضح. إذا ثبت هذا فإن النقود تعتبر رهناً لعملية البطاقة، لكن الإشكال ليس هنا، إنما الإشكال في المسألة الثانية: وهي هب أن الرصيد اعتبر رهنا، فقد تقدم معنا في باب الرهن: أن الرهن الشرعي لا يجوز لصاحب الدين أن يغيره، أو يبدله، أو يتصرف فيه، وهنا عند النظر في المبلغ المدفوع نجد أن البنك قد ضمن مثل الرهن لا عين الرهن. توضيح ذلك: أجمع العلماء من حيث الأصل على أنك لو استدنت من رجل عشرة آلاف ريال، وقال لك الرجل: أعطني رهناً، فأعطيته سيارة عندك، تقدم معنا أن هذه السيارة إذا وضعت عند صاحب الدين فلا يحق له أن يتصرف فيها ولا أن ينتفع بها، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالمحافظة على الرهن، كل ذلك لأجل الخوف من (كل قرض جر نفعاً فهو ربا). إذا ثبت هذا وقلنا: إن الرهن لا يتصرف فيه، فطبيعة الرهن الشرعي أنك تأخذ العين وتردها بعينها، فإذا أعطاك سيارة لا يجوز أن تبدل السيارة بمثلها، ثم تقول له إذا سدد: خذ هذه سيارة مثل سيارتك، بل الواجب أن تضمن له عين سيارته، وهذا ذكرنا فيه الأصول والضوابط وقررنا: أن الرهن يضمن بعينه، فإذا ثبت أن الرهن يضمن بعينه، فالسؤال: الخمسة آلاف التي في رصيد زيد أو عمرو -وهو حامل البطاقة- إذا وضعت في الرصيد: هل الذي يضمن عين النقد الذي دُفِع أم يضمن مثله في القدر؟ الجواب: أنه يضمن مثله في القدر، فليست عين الخمسة آلاف المدفوعة؛ لأن الرهن يتعين وينبغي حفظه بعينه كما ذكرنا، وهنا لا يقصد بعينه إنما يحفظ بقدره ومثله. بناء على ذلك في الصورة الثانية من الحالة الأولى: إذا كان له رصيد، ولا يسحب البنك من الرصيد يعتبر رصيده بمثابة الرهن والغطاء لعمليات البطاقة وإذا كان بمثابة الرهن ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الرهن بالنقود جائزٌ في أصح قولي العلماء وهو قول الجماهير. والمسألة الثانية: أنه يُشكل على هذا أن رهن النقود -الرصيد- لا يضمن ولا يحفظ بعينه، وإنما يضمن بمثله، فخرج عن ثمن الرهن في الشرع، لكن عندنا في هذه الحالة أيضاً إشكال، وهذا الإشكال يقوم على قاعدة: كل قرض جر منفعة فهو ربا، وتوضيحه: أننا سبق وأن ذكرنا في باب القرض أن العلماء مُجمعون على أنه إذا دفع رجل لآخر قرضاً فلا يجوز له أن ينتفع منه منفعة؛ لأن ذلك ذريعة إلى الربا، وقد بينا ذلك وذكرنا ما ورد عن السلف رحمهم الله من تحريم المنافع لقاء القروض، إذا ثبت أن صاحب القرض لا يجوز له أن ينتفع لقاء قرضه، فلو فرضنا أن صاحب البطاقة له رصيد -كما في الصورة التي معنا- وقام البنك بالسداد عنه، فإن صاحب البطاقة يعتبر في هذه الحالة قرض ما بين البنك وما بين العميل، فكأن البنك أقرض العميل قيمة الاستحقاقات التي في بطاقته، والتي فرضنا أنها خمسة آلاف، لكن البنك لم يقبل على دفع خمسة آلاف بدلاً عن رصيد العميل إلا لوجود المنفعة التي سيجنيها من الطرفين: من العميل -وهذا ما سنبينه في الرسوم المؤجلة- ومن التاجر. والسؤال: أين المنفعة التي يستفيدها البنك من التاجر؟ سبق وأن ذكرنا في عقد البطاقة: أن المصدر الذي يصدر البطاقة يلزم العميل ألا يتعامل إلا مع محلات معينة، وتجد شعارات البطاقة التي يريد أن يتعامل بها موجودة، إما في الخدمات وإما في أماكن السلع. إذا ثبت هذا فكأن البنك يقول له: أدينك بشرط أن تشتري من فلان وفلان -المحل الذي سيشتري منه- والبنك مستفيد؛ لأن بينه وبين هذا التاجر أو المستفيد عقداً، مفاده أن كل عملية يقوم العميل بفعلها كأن يشتري بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف فإنه يجب على التاجر أن يدفع للبنك رسم الخدمة، ورسم الخدمة لو فرضناه مثلاً (5%) فمعنى ذلك: أن العملية إذا تمت بخمسة آلاف ريال، وعليها (5%) فمعنى ذلك أن البنك سيستفيد ما مقداره مائتين وخمسين ريالاً، وعلى هذا فتكون حقيقة الأمر: أن البنك ديّن صاحب البطاقة الأربعة آلاف وسبعمائة وخمسين واستفاد المائتين والخمسين التي سيجنيها من التاجر، وأطبقها على العميل خمسة آلاف؛ لأن المسجل عند البنك أنها خمسة آلاف، والذي يسجل في الفاتورة عند التاجر خمسة آلاف، فأصبحت للبنك منفعتان: منفعة من العميل وهذا ما سنذكره إن شاء الله من جهة الربا، ومنفعة من جهة التاجر والمستفيد. فإذاً: الحال في هذه الصورة الثانية: أن يكون البنك بمثابة المقرض للعميل؛ لأنك إذا جئت تكيف المسألة من الناحية العقلية فكون البنك يلتزم بالدفع عن العميل معناه: أنه سيقرض العميل؛ لأن الخمسة آلاف مستحقة على العميل لا على البنك، وفي هذه الحالة تعجل البنك بدفع الخمسة آلاف، والواقع أنه دفع أربعة آلاف وسبعمائة وخمسين واستفاد منها مائتين وخمسين، فهو يستفيد من التاجر، وقد يقال: هذا راجع إلى النظرة التي ينظرها البنك بأنه إذا أعطى العميل البطاقة وعين له المحل الذي يشتري منه يصبح عندها للبنك حق على هذا المحل، ومن حقه أن يستفيد من هذا المحل، طبعاً هذه وجهة نظر، لكن من الناحية الشرعية تعتبر قرضاً جر نفعاً، هذا بالنسبة للتخريج الأول المتعلق ببطاقة الائتمان التي لها رصيد. والخلاصة: إن كان العميل له رصيد في البنك فلا يخلو البنك في تأمينه للحقوق والالتزامات المترتبة على التعامل بالبطاقة من حالتين أو صورتين: إما أن يقوم بالسحب من مال العميل وحينئذٍ هو وكيل مستأجر، والوكالة بأجرة اختل فيها هنا: شرط العلم بالأجرة، والعلم بالمنفعة، فالأجرة مبنية على النسبة وهي معلومة من جهة القدر، لكنها مجهولة من جهة القيمة. كذلك أيضاً شابتها الجهالة: أعني إجارة الوكالة، من جهة جهالة المنفعة التي سيقدمها البنك للعميل، حيث لا يدرى عدد العمليات ولا يدرى هل هي في الداخل أو الخارج وهل هي في المحلات القريبة أو البعيدة، وهذا حاصل ما يقال في مسألة إذا كان للعميل رصيد عند تحرير البطاقة.
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات دون أن يكون للعميل رصيد في الأصل الحالة الثانية: ألا يكون للعميل رصيد، فإذا لم يكن للعميل رصيد، فحينئذٍ يكون البنك قد أعطى العميل البطاقة وألزمه بدفع الحقوق المترتبة عليه في أمد معين، وقام البنك بالتسديد عن العميل، فأنت بالخيار بين أمرين: الأمر الأول: إما أن تعتبر البنك مقرضاً للعميل، فالبنك أقرض العميل وسدد عنه ثم أخذ بعد ذلك حقه بالأقساط كما هو متبع في بعض الأحوال. الأمر الثاني: أن تعتبره كافلاً للعميل، فكفل العميل ثم بعد كفالته للعميل غرم؛ لأن صاحب المحل التجاري لما رأى البطاقة لم يلتفت إلى العميل، وإنما التفت إلى مصدر البطاقة -البنك مثلاً- أنه سيؤمن له حقه، فيكون تخريجها بالكفالة أقوى، وقد سبق وأن شرحنا الكفالة، وبينا أنها ضم ذمة رشيد إلى ذمة آخر في الوفاء والسداد. بناءً على ذلك فتصوير هذا العقد كالآتي عندنا كافل وعندنا مكفول وعندنا شيء تكفل به ذلك الكافل، وإذا جئت تطبق ذلك على واقع الحالة تقول: الكافل: البنك، والمكفول: العميل، والمكفول له: التاجر، والمتكفل به: سداد المبلغ الذي تم الشراء به أو أخذ الخدمات في مقابله. بناءً على ذلك دعونا نطبق مسألة الكفالة: فالبنك تكفل للفندق أو تكفل للتجّار أياً كانوا أن من حمل هذه البطاقة أعطوه في حدود خمسة آلاف، فكيف نخرجها على ما تقدم معنا في مبحث الكفالة؟ سبق وأن بينا أن الكفالة لها صورتان: الصورة الأولى: وهي صورة مشهورة: أن يكون الشخص الذي عليه الدين قد طالبه صاحب الدين، فتأتي أنت وتقول: أنا أكفله أن يسددك في نهاية السنة، في هذه الحالة تكون قد كفلت ديناً ثابتاً مستقراً ولا إشكال. الصورة الثانية: وقد سبق معنا دراستها في آخر باب الكفالة والضمان، وهي الديون التي تئول إلى الضمان في المستقبل. وذكرنا أنه يجوز أن تتكفل بدين مجهول يئول إلى العلم ومسألة الكفالة بالبطاقة على دين مجهول آيلٌ إلى العلم تتخرج عليها، فأنت في مسألة الدين المجهول الذي يئول إلى العلم يجوز أن تأتي لصاحب البقالة وتقول له: ديّن فلاناً، وأعط فلاناً ما يريده وأنا أتكفل بسداد حقه أو أن حقك يعطى لك أو أنه يسددك في نهاية الشهر، فذكرنا هذا وبيناه وضربنا أمثلة على ذلك كأن تأتي وتتكفل نفقة أيتام أو نحو ذلك قلنا: هذا ضمان لدين في المستقبل، وكفالة لدين في المستقبل، فموضوع البطاقة في الصورة التي ذكرناها تتخرج على هذه الصورة؛ لأن الدين حال إحضار البطاقة غير معلوم، ولكنه آل إلى العلم، لكن يجب أن نتنبه إلى أن الكفالة غير الإجارة ففي الإجارة لا يصح أن تقول: المجهول يئول إلى العلم، بينما في الكفالة يصح؛ لأن الإجارة من عقود الغرر، أما الكفالة فمن عقود الرفق، وقد سبق عند كلامنا في بداية أبواب المعاملات المالية: أن هناك فرقاً بين عقود المعاوضات المبنية على الغرر والغبن وبين عقود المعاوضات المبنية على الرفق، وبينا هذا وذكرنا وجه منهج الشرع في كل منهما، ففي الكفالة: كفالة بمجهول يئول إلى العلم، والآن أثبتنا أن البطاقة إذا أُعطيت بدون رصيد لصاحبها، وتكفل البنك بالدفع عنه، وخرجنا على أنها كفالة، فلابد أن نعرف طبيعة هذه الكفالة، هل هي بأجرة أو بدون أجرة؟ هل البنك حينما التزم أن يسدد عن صاحب البطاقة، التزم أن يسدد تطوعاً على سنن الكفالة المعروفة أم أنه التزم أن يسدد لقاء أجرة؟ والجواب: أن البنك لم يسدد إلا لقاء أجرة ورسم مقدم. وتوضيح ذلك: أن البطاقة بدون رصيد جرى العرف على أنها لا تعطى إلا بعمولة، وهذ العمولة هي عبارة عن رسم الاشتراك، ثم عمولة الخدمة بعد ذلك، فأصبح عندنا نوعان من الأجرة تدفع على هذه الكفالة. النوع الأول: الرسم الذي يدفع قبل الدخول وأخذ البطاقة، والنوع الثاني: الرسم الذي يؤخذ على عمليات البطاقة، وهو الذي يسمى في العرف التجاري برسم الخدمة، فإذا ثبت كل هذا فمعنى ذلك: أن عندنا كفالة بأجرة، فيرد السؤال في الحكم الشرعي. إذاً: انتهينا الآن من تكييف عقدها فقهاً وتبين أنها كفالة بأجرة، فهل يجوز أخذ الأجرة على الكفالات؟ هل يجوز لشخص يأتيك ويقول لك: فلانٌ له عليَّ مائة ألف ويحتاج إلى كفيل، فاكفلني سنة أو سنتين وأعطيك ثلاثة آلاف أو أعطيك على كل سنة ألفاً؟ لا يجوز بإجماع العلماء أخذ الأجرة على الكفالة. والسبب في ذلك يتضح ببيان الآتي: أنه لو كفل شخص شخصاً في مال أو دين، وأخذ أجرة على الكفالة فإنه في حال عجز المدين عن السداد يلزم شرعاً أن يسدد عنه، فلو سدد عنه المائة ألف أصبح المكفول مديناً للكافل بمائة ألف بالإضافة إلى المبلغ الذي اتفق عليه كأجرة، فتصبح المسألة: أن الكافل دفع مائة ألف وأخذ مائة ألف وزيادة، والزيادة هي الأجرة، ولذلك أجمع العلماء والسلف والخلف على تحريم أخذ الأجرة على الكفالات؛ لأنها من باب عقود الذرائع الربوية، وليست بالربوية الأصل؛ لأن الربا إما أن يكون أصلاً وإما أن يكون ذريعةً، فهي من عقود الذرائع الربوية، ويتذرع بها ويتوصل إلى الربا، فصارت الكفالةُ بعوض كفالةً لقاءَ الدين، وكأنه أعطاه الدين بالدين مع الفضل، وهو مبلغ الأجرة. إذاً: لو خرجناها كفالةً لا تصح ولا تجوز؛ لأنها كفالة بأجرة، وحُكي الإجماع على عدم جواز الكفالة بأجرة. قال بعض المتأخرين والمعاصرين ومنهم من توفي رحمة الله عليهم: يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، وهذا قول شاذ وباطل، يُحكى ولا يعوّل عليه؛ لأن المعوَّل على مذاهب العلماء والأئمة، والاجتهاد بعد هذا الجمع العظيم من سلفنا الصالح وأئمة العلم ودواوين العلم بأن يأتي شخص ويحدث قولاً جديداً مخالفاً لقول الجماهير، فهذا لا يعد ولا يلتفت إليه، ونحن علينا بما درج عليه السلف. قال الإمام مالك : حق على كل طالب علم أن تكون فيه سكينة ووقار واتباع لأثر من مضى قبله، والله تعالى يقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء:115]، فلا يجوز للمسلم أن ينحرف عن سبيل المؤمنين وسبيل هذه الأمة الصالحة التي مضت على قول، ولا شك أن الحق في قولها؛ لأن الله لا يجمع الأمة على ضلالة. الخلاصة: أنه إذا ثبت هذا فإذاً: إذا قلنا: إن البطاقة لها رصيد تخرج فيها مسألة الرهن والوكالة، وإذا قلنا: إنها بدون رصيد تخرج فيها مسألة الكفالة بأجرة. هذا كل الذي بحثناه الآن في العقد في مبتداه؛ لكن تبقى البطاقة في مآلها ونهايتها، فإن البطاقة في مآلها ونهايتها عليها رسم مترتب على الديونات المستحقة، فإذا نظرنا إلى طبيعة التعاقد فإن البنك والمصْدِر يعطي حامل البطاقة مهلة ما بين خمسة وعشرين إلى خمسة وخمسين يوماً، ليقوم بتسديد الجزء المستحق ثم بعد ذلك تتركب الفوائد الربوية على كل يوم يتأخر فيه عن السداد، وهذا بالإجماع يجعل البطاقة عقداً ربوياً بدون شك. إذاً: عندنا هذه المسائل الأولى التي ذكرناها في أحوال الرصيد وغير الرصيد بحثناها إذا خلت عن الفائدة، يعني لو جاء شخص يقول: نسقط الفائدة الربوية ونجري البطاقة على هذا الوجه لشابه ما ذكرنا، ويبقى الإشكال إذا انضاف إليها علةٌ ثانية مما ذكرناه من وجود الفائدة المترتبة على التأخير، هناك جملة في تعريف بطاقة الائتمان وهي الجملة الأخيرة التي سنتعرض لها وهي السحب بالبطاقة، أو ببطاقة الصرف الموجودة الآن في ظاهر حالها، وبطاقة الصرف هذه إذا لم تؤخذ عليها عمولة مقدمة ولم تؤخذ عليها عمولة مؤجلة فهي جائزة إلا أن هناك إشكالاً قد يرد في مسألة قرض جر منفعة، وتوضيحه أنه لو كان لبطاقة الصرف رصيد، فرضنا عشرة آلاف ريال، والشخص أخذ البطاقة، فقد قررنا أن الوديعة المصرفية تعتبر قرضاً ولا تعتبر وديعة في الأصل، حتى إن المواد التجارية المتعارف عليها في العرف التجاري والنظام الاقتصادي تنص: على أن الودائع المصرفية تعتبر قرضاً ولا تعتبر وديعة، فهي قرض فإذا ثبت أن الوديعة ورصيد الإنسان في البنك يعتبر قرضاً على البنك؛ يرد الإشكال في أنه أقرض ووضع هذا الرصيد لينتفع بنقله وسحبه من موضع غير الموضع الذي وضعه فيه، فهو في الأصل ما أخذ البطاقة -خاصة إذا كان في السفر وغيره- إلا لأنه يريد منفعة ومصلحة في مكان غير المكان الذي صدرت منه فهذه تدخل تحت مسألة كل قرض جرّ منفعة فهو ربا، لكن في الحقيقة فيها وجه للجواز، وأرجو من الله تعالى أن يكون مغتفراً، خاصة وأنه في بعض الأحوال يأتي عرضاً ولا يأتي قصدًا. والباقي من كون الإنسان يسحب في حدود رصيده من كونه لا ضريبة له على ذلك الرصيد إن شاء الله يؤذن بالجواز، إذا كان الإنسان يدفع ويأخذ، سواء سحب رصيده أو سحب عملة من غير الرصيد الأصلي، كأن يكون رصيده من الريالات فيسحب دولارات، فإن سحب من رصيده فلا إشكال، وإن سحب بعملة غير عملة الرصيد فالصرف سيكون في الحال؛ لأنه أعطى الجهاز طلباً لصرف ما قيمته عشرة آلاف أو خمسة آلاف -مثلاً- فالصرف سيكون فورياً، هذا إذا قلنا: إن مجلس العقد الذي هو المجلس الذي يكون فيه الإيجاب والقبول، وذكرنا صحة بيع المعاطاة، فإذا صح التعامل مع الآلة ونزلت منزلة الشخص الذي وضعها أو منزلة المصدر يتخرج على هذا أنه من باب الصرف في مجلس العقد، وحينئذٍ يقوى القول بجواز أن تصرف بالعملة نفسها وبعملة أخرى غير العملة التي أودعت.
خطاب الضمان بعد انتهائنا من مسألة بطاقة الائتمان هناك خطاب الضمان، وباختصارٍ فخطاب الضمان هو في الأصل تعهد والتزام من مصدره لجهة وطرف بينه وبين طالب الخطاب التزامات على أن يقوم البنك بضمان ذلك الشخص للوفاء بهذه الالتزامات. ...... أركان خطاب الضمان أركان خطاب الضمان كما يلي: أولاً: طالب الخطاب وهو الشخص الذي يطلب من البنك أن يكفله بخطاب الضمان. والطرف الثاني: المصدر وهو البنك أو الجهة التي تصدر خطاب الضمان فتلتزم بما فيه من التزامات لبنك أو لشركة ..إلخ. الجهة الثالثة: وهي الجهة المخاطِبة -المكفول له- وهي الجهة التي تطالب صاحب خطاب الضمان بحقوق والتزامات، وهناك ركن رابع في العقد وهو طبيعة الاتفاق الذي يبرم بين هذه الأطراف. فأما طالب خطاب الضمان فغالباً ما يكون مؤسسة أو شركة أو مقاولاً أو نحو ذلك، ويكون على مستوى الأفراد أو المجموعات، والمطلوب منه خطاب الضمان هو المصدِر الذي هو البنك أو الشركة أو المؤسسة أو المصرف. ينقسم هذا الطلب إلى نوعين: النوع الأول: إذا دخل الشخص في مناقصة ورست عليه عملية المناقصة يطالب بخطاب الضمان، لكي يُضمن إمضاؤه للعملية؛ لأنه فَوّت الأطراف الأخر والشركات الأخرى التي تقدمت بالمناقصات، فإذا رست عليه يطالب بضمان ويكون هذا الضمان في حدود مبلغ معين، يضمنه به البنك على أنه سيمضي في العملية وسيتم ما يلزم تجاه العقد المبرم في المناقصة، فإذا رست عليه العملية ووافق وتم هذا، هناك التزامات مبنية على رسوّ المناقصة عليه فيضمنه البنك ليفي بالعقد، فإن أخل قام البنك بالسداد والضمان والدفع عنه على أن تكون هناك مقايضه بينه وبين هذا الطالب. فلو اعترض صاحب المقاولة أو صاحب الشركة وقال للبنك: لا تدفع، لن يلتفت إلى اعتراضه؛ لأن خطاب الضمان ألزم البنك بالدفع للطرف الثالث، فأصبح هناك طرف ثالث صاحب حق، حتى لو اعترض المكفول -طالب خطاب الضمان- وقال: لا، ألغ الكفالة وألغ خطاب الضمان، لم يلتفت إلى معارضته، ودفع الاستحقاق الذي اتفق عليه، وهذا يسمى بخطاب الضمان الابتدائي أو خطاب الضمان المؤقت. النوع الثاني من خطابات الضمان: وهو الخطاب النهائي، وصفته: لو أن مقاولاً دخل في بناء مشروع وهذا المشروع من جهة ما خاصة أو عامة قد يفي به وقد لا يفي، إذ يكون هناك بنود للمقاول ينبغي أن ينفذها لإنجاز المقاولة التي تم الاتفاق عليها، وقد يأتي البناء ناقصاً، فيخل عند ذلك بالتزامات اتفق عليها بين الطرفين، وهذا النقص الذي يقع في الوفاء بالعقود وإمضاء العقود يلزم به من أصدر خطاب الضمان، فيلتزم البنك الذي ضمن المقاول، فإذا ثبت أنه أخل في هذه العملية بحدود مليون أو بحدود نصف مليون كان من حق الطرف الثالث وهو الجهة التي طالبت بالمشروع أن تسحب هذا المبلغ من البنك لقاء خطاب الضمان.
التخريج الفقهي لبطاقة الضمان إذاً: عندنا كفالة في الابتداء وكفالة في الانتهاء، وخطاب الضمان إذا جئنا ننظر إليه مبدئياً كان في حكم الكفالة وإذا جئنا نخرجه تخريجاً فقهياً وجدناه كفالة بأجرة فكأن البنك تكفل أن يضمن فلاناً -المقاول- وأعطاه الخطاب لقاء الأجرة التي دفعها رسماً لخطاب الضمان، وهذه الأجرة في الحقيقة تتخرج على مسألة الكفالة بأجرة، وقد ذكرنا أن جماهير السلف والخلف الذين يبلغون حد الإجماع لا يجيزون الكفالة بأجرة. إذاً: أخذ المبلغ على خطاب الضمان لا يجوز. كذلك أيضاً هناك إشكال ثانٍ في خطاب الضمان، وهو أن البنك إذا دفع ما قيمته مليون ريال لقاء التزاماته بخطاب الضمان فإن العميل مطالب بسداد مليون وفائدة، فهناك أيضاً الفوائد المترتبة على خطاب الضمان فأصبح عندنا أمران: الأمر الأول: الكفالة بأجرة وهذه محرمة. الأمر الثاني: الفوائد المترتبة على أصل الديْن، وهذه أيضاً محرمة؛ لأنها ربا. فهذان الأمران حاصلان في خطاب الضمان. وقد جرت بعض المصارف الإسلامية على أنها لا تأخذ أجرة بناءً على فتوى بعض العلماء التي ذكرناها، وكذلك أيضاً على عدم أخذ الفائدة مؤجلة، وهذا لا شك أنه محمود تؤجر عليه إن شاء الله، وهو إحياء للكفالة الشرعية، إلا أنه بطبيعة الحال أجيز أو أجازت بعض الفتاوى المعاصرة للمصارف الإسلامية أن تأخذ لقاء الاتصالات والكلَفة التي تقوم بها عمولة، فحينئذٍ أصبحت العمولة ليست بكفالة وإنما لقاء الاتصالات ونحوه، وهنا يرد إشكال: إذا كفل أحدٌ ما فلاناً أو فلانة وتحمل لقاء كفالته أموراً هل يجب على المكفول ضمانها؟ هذا أمر لم أجد من العلماء من نص عليه، وأساغه وأجازه إنما المحفوظ أن حق الكافل على المكفول في حدود الالتزام، أما ما زاد على ذلك فلا أحفظ فيه نصاً عن أهل العلم؛ ولذلك أخشى أن يدخل ذلك في الكفالة بأجرة والسبب في هذا واضح؛ لأن طبيعة عقد الكفالة من عقود الإرفاق، ففيه أجر الآخرة أكثر من أجر الدنيا، ولذلك يلتفت فيه إلى الإحسان، لما كان من أبي قتادة في ضمانه لدين الميت عندما امتنع عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه وقال: (كم دينه؟ قالوا: ديناران، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة رضي الله عنه: هما عليّ يا رسول الله! فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم). ففي الكفالة نوع من الإرفاق ونوع من التضحية، فإن دخلت إلى المقاصة والمطالبة فهذا أمر يحتاج إلى إثبات أو تقرير أنها سائغة شرعاً، وهذا الأمر لا أحفظ فيه نصاً أو كلاماً لأهل العلم كما ذكرنا. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه العظيم والله تعالى أعلم.
الأسئلة ...... حكم الاقتراض بعملة والسداد بعملة أخرى السؤال: هل يجوز للمقترض أن يرد القرض بما يعادله بعملة غير التي كان منها القرض؟ وهل هي مماثلة لمن صرف من الجهاز عملةً أخرى غير التي أودعها؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد.. من اقترض من شخصٍ مالاً بعملة، وأراد أن يسدد بعملة أخرى فإنه إذا كان هذا الانصراف من العملة القديمة إلى العملة الجديدة طرأ أثناء السداد واتفق عليه حينما جاء يسدده، هذا الشرط الأول أن يكون ذلك عند السداد. والشرط الثاني: ألا يفترقا إلا وقد أعطى لكل ذي حقٍ حقه، فإن فعل صح ذلك وجاز، والدليل عليه ما ثبت في الحديث الصحيح، من حديث ابن عمر، أنه قال: كنت أبيع الإبل في البقيع، أبيع بالدراهم وأقتضي بالدنانير، وأبيع بالدنانير وأقتضي بالدراهم يعني: أبيعها ديناً بدنانير، فإذا جاء السداد أقتضيها دراهم، وأبيعها بدراهم فإذا جاء السداد أقتضيها دنانير، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا يحل لك أن تفارقه وبينكما شيء)؛ يعني أجاز له، لكن بشرط ألا يتفرقا وبينهما شيء فلو قال له: العشرة آلاف التي عندك أريدك أن تسددها لي بالدولارات قال: إذاً أعطيك الدولار بثلاثة ريالات ونصف، قال: قبلت واتفقا، وفي نفس المجلس أعطاه حقه كاملاً وافترقا وليس بينهما شيء، فهذا في قول جمهور العلماء: جائزٌ ومشروع للحديث الذي ذكرناه، وهو حديث ثابتٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشكال في رواية سماك ، لكن المحفوظ عند أهل العلم على القول الصحيح أنه صحيح وثابت، وعليه فإنه يجوز أن يقع ذلك ولا بأس به، والله تعالى أعلم. بالنسبة لآلة الصرف إذا كنت -على ما ذكرنا- أودعت بالريالات وسحبت بالدولارات أو العكس فإن هذا جائز لكن بشرط أن يكون في نفس الموضع وهو مخرج على مسألة الصرف الفوري، لكن هل الآلة تنزل منزلة الشخص، في بعض الأحيان ممكن أن تنزل لغالب السلامة، ولذلك لما كان الغالب سلامتها، والغالب أنها توفي الحقوق كاملة جاز، مثلاً الآن حينما تشتري المبردات من مكائنها الخاصة، فتشتري بريال شيئاً مبرداً الغالب سلامته، لكن في بعض الأحيان تأخذ الآلة الريال ولا تعطي شيئاً مقابله، والسؤال: لو أنها أخذت ولم تعط فما الحكم؟ يعني لو أنك دفعت ريالاً وامتنعت أن تخرج لك حقك وأنت ترى أمامك الزجاجة هل يجوز كسرها؟ الجواب: نعم، يجوز لك أن تكسر الزجاجة وتأخذ حقك، لكن تضمن قيمة الزجاج الذي كسرت، وعلى ذلك فتنظر الأحظ؛ فإن كانت قيمة المشروب أهون من قيمة الزجاج تقدم على هذا، أما من ناحية شرعية فالغالب في الحقيقة سلامتها، مثال ذلك السيارات التي يخشى أن يحدث فيها ضرر، كالسيارة التي تستعمل للسفر، ربما تنفجر إحدى العجلات أثناء ذلك ويهلك الإنسان، ففيها خوف الضرر، فتقول: هل يجوز الركوب؟ نعم؛ لأن الغالب سلامتها، فالحكم في الشريعة للغالب وللإمام العز بن عبد السلام كلام نفيس وهو: أن الشريعة أناطت الأحكام بالغالب ونوادر الظنون لا يلتفت إليها ولا يعوّل عليها في تقرير الأحكام الشرعية وقد أقر ذلك في كتابه النفيس: قواعد الأحكام ومصالح الأنام والله تعالى أعلم.
حكم إعطاء المكفول للكافل هبة أو عطية مقابل الكفالة السؤال: علمنا عدم جواز الأجرة على الكفالة فهل تجوز الهبة والعطية؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد.. فيجوز للمكفول أن يكافئ من كفله بعد انتهاء الكفالة دون أن يكون بالشرط والمواضعة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه)، كفله وسدد عنه ثم جاءه بعد انتهاء الكفالة وأعطاه الحق الذي سدده عنه ثم قال له: جزاك الله خيراً، وهذه ألف مني لك هدية أو هذه ساعة مني لك هدية أحسنت بارك الله فيك ودعا له بخير فهذا من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن خير الناس أحسنهم قضاء)، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه استسلف بكراً فأراد أن يقضيه فقال الخازن: يا رسول الله! لا أجد إلا خيار الرباعية فقال صلى الله عليه وسلم: أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاءً)، فكان هديه عليه الصلاة والسلام أن يكافئ على المعروف ويرد الحسن بأحسن، ويرد الخير بأخير منه، وهذا هو هدي أهل الخير، قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى)، فإذا قضى الإنسان حقوق الناس بالسماحة واليسر ورد للجميل جميله فهذا هو خلق القرآن وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
حكم انتفاع البنك برصيد بطاقة الصرف في أغراض غير شرعية السؤال: بناءً على القول بجواز بطاقة الصرف ألا يشكل فيه أن المصدر انتفع من الرصيد أثناء بقائه؟ الجواب: نحن نتكلم من حيث الأصل العام، وقد نقرر أصلاً عاماً في البطاقة من حيث هي، أما إذا دخل الإيداع في مسألة الاستعانة به والتقوية به على المحرم فقد سبق وأن ذكرنا حكم ذلك في باب الربا والصرف، وبينا أنه لا يجوز من حيث الأصل الشرعي أن يضع المسلم ماله ليستعان به على الحرام؛ لقوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2]، وهنا في مسألة بطاقة الصرف لو أنك تعاملت مع بنك مأمون ومع بنك يتعامل بالربا، فإنه قد يكون هناك اتفاق بين الطرفين بطبيعة التعامل، فلو جئت تصرف من الطرف الثاني، فإنه في هذه الحالة مما جرى به في غالب الأحوال: أنهم يقاضون بالفائدة ويأخذون مقدار ما سحبت من البنك الثاني يأخذه من البنك الأول مع رسم الخدمة فيصبح في هذه الحالة يتعين عليك الصرف من المصدر، هناك أحكام كثيرة مترتبة على مسائل الصرف فنحن نقرب من حيث الأصل العام مسألة التفصيلات؛ لأن الهدف من هذه الدراسة، إنما هي دراسة لطلاب العلم لكيفية تخريج المسائل النازلة على المسائلة القديمة، أما التفصيل والبحث فهناك فتاوى للمجامع العلمية ومجمع الفقه وهيئة كبار العلماء واضحة جداً في المسائل التفصيلية، ولربما يكون لبطاقة الائتمان الآن فتوى تفصيلية تصدر من هيئة كبار العلماء قريباً إن شاء الله؛ لأنها درست جميع أنواع البطاقات وفصلت في أحكامها؛ لكن نحن نتكلم في مسألة التخريج الفقهي، والذي يهم طالب العلم هنا الدراسة الفقهية، كيف يخرج المسائل النازلة وكيف يبين حكمها، وكيف يطبق القديم على الجديد، وذكرنا هذه الأحكام بالنسبة لبطاقة الصرف إجمالاً. أما من حيث التفصيل فلا يمكنني أن أعطي فتوى في مسألة حتى استفصل تفصيلاً بيناً عن طبيعة التعامل بها، وهذا أمر يحتاج إلى وقت طويل، والله تعالى أعلم.
شرح قاعدة: (ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس) السؤال: نرجو منكم شرح القاعدة التي تقول: ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس؟ الجواب: هذه مسألة من مسائل الأصول، وباختصار الأصل الذي تريد أن تقيس عليه، ينبغي أن يكون معدولاً به عن سنن القياس وهو الشيء المستثنى، فمثلاً الآن عندنا القذف -أعاذنا الله وإياكم- لو أن رجلاً قذف رجلاً بالحرام، فبالإجماع على أنه يطالب بأحد أمرين، إما البينة التي تثبت صدقه أو يجلد حد القذف لما ثبت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته بـشريك بن سحماء فقال صلى الله عليه وسلم لـهلال : (البينة أو حدٌ في ظهرك) . إذاً: خذ القاعدة: إن الأصل في القذف أنه إما أن يثبت القاذف قذفه، وإلا يُجلد الحد، جاءت الشريعة وأخرجت طرفين من هذا الأصل، أخرجت الزوج والزوجة، فإذا قذف الزوج زوجته فإنه يلاعِن، إما أن يأتي ببينة تثبت ما قذفها به أو يلاعنها، هذا اللعان جاء به دليل مخصوص كما في الصحيحين من حديث عويمر العجلاني رضي الله عنه وأرضاه أنه جاء إلى عاصم بن عدي ابن عمٍ له فقال: يا عاصم ! الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلوه، أم يتركه؟ فقال: سل لي يا عاصم! رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فانطلق عاصم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء فقال: يا عاصم! ما ذا قال لك؟ قال: ما جئتني بخير، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألتك، إلى الآن ما نزلت آيات اللعان، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره السؤال عن شيء لم يقع، فلما قال هذه المقالة جمع عويمر ثيابه وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته الرجل، أيقتله فتقتلوه، أم ماذا يفعل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد نزل فيك وفي امرأتك قرآن، فانطلق فأتِ بها، فجاء بها، فتلاعنا). الشاهد: أن الأصل يقتضي إما بينة أو حد القذف؛ لكن اللعان خرج عن سنن القياس، فلو جاء -مثلاً- فقيه أو عالم يقول: إذا قذف الأخ أخاه أو أخته، فإنه يجب اللعان قياساً على الزوج والزوجة بجامع القرابة أي: يجري اللعان بين الأخ وأخيه والقريب وقريبه كما يجري بين الزوج والزوجة بجامع القرابة بين الاثنين، العلة واضحة، والقياس في الظاهر صحيح؛ لكن نقول هنا: الأصل خرج عن القياس، الأقيس دائماً هو الموافق للأصول، فالأقيس الذي مشى على الطريق العام، فاللعان خرج عن القياس، فما خرج عن القياس، فغيره عليه لا ينقاس، هذا معنى القاعدة: أن المعدول به عن سنن القياس لا يقاس عليه غيره، ما خرج عن سنن القياس فغيره عليه لا ينقاس. نسأل الله العظيم أن يجيرنا وإياكم يوم البأس، وأن يحسن لنا ولكم الختام. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

شرح زاد المستقنع - باب الصلح [1] الصلح معاقدة توجب رفع الخلاف ودفعه، وقد شرعه الله سبحانه وتعالى في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء على مشروعيته. وإذا كان الأمر كذلك فإن على من يريد الإصلاح بين الناس أن يراعي حسن القصد، والعمل على تحري العدل وعدم المحاباة، وأن يتجنب وسائل الإحراج والميل ونحو ذلك. تعريف الصلح بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الصلح] الصلح في لغة العرب: قطع النزاع ورفع الخلاف. يُقال: صالح الرجل الرجل، يُصالحه مصالحة، إذا وقع بينهم الاتفاق على رفع الخصومة، ولذلك لا يختلف تعريفه الاصطلاحي عند الفقهاء والعلماء عن المعنى اللغوي. ومن هنا قال بعض العلماء في تعريفه: الصلح: معاقدة توجب رفع النزاع. وقولهم: (معاقدة)؛ لأنها تكون بالاتفاق بين الطرفين، وهما المدّعِي والمدَّعَى عليه، وتكون بين مالك الشيء والأجنبي. وقولهم: (توجب رفع الخلاف): الخلاف: النزاع والخصومات، فيختصم الرجلان في المال، يقول أحدهما: هذا لي، فيقول الآخر: بل هو لي، أو يختلفان في جزئه، كأن يكون شطر أرضٍ، فيقول أحدهم: الأرض كاملة لي، فيقول الآخر بل نصفها لي، ونحو ذلك من الخصومات، فإذا وقع الصلح بين الطرفين، وتراضى الطرفان؛ فإن معنى ذلك أن يرتفع الخلاف والنزاع، وتنقطع الخصومة، ومن هنا قال العلماء رحمهم الله في هذا التعريف: (معاقدة توجب رفع الخلاف). وبعض العلماء يقول: معاقدة توجب رفع الخلاف ودفعه، وهناك فرق بين الرفع والدفع، كما نبه عليه السيوطي في قواعد الفقه، وكذلك ابن نجيم في الأشباه والنظائر، وهو أن الرفع يكون لما وقع، والدفع يكون لشيءٍ لم يقع. فإن الصلح تارةً يُقصد منه رفع الخلاف بين الطرفين، كرجلٍ خاصم رجلاً ووقع النزاع بينهما، فجاء رجلٌ ثالث وأصلح بينهما، فإن الخصومة قد وقعت، ولكنها بالصلح ارتفعت، فيقال: رفع خلاف. وتارةً يكون الصلح قبل النزاع، فإذا جاء رجل إلى رجل، وقال له: هذه الأرض لي، فقال الآخر: بل لي، وقبل أن يقع بينهما الشجار توسّط ثالثٌ فقسمها بينهما، فحينئذٍ يكون دفعاً للخلاف، أي أن الصلح وقع في مرحلة سابقة للخصومة والنزاع. وأياً ما كان فالصلح يقع قبل الخصومة، أي: قبل وقوع النزاع والخلاف والشجار والآثار المترتبة، وقد يقع بعد ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى يدفع بهذا الصلح النزاع، ويدفع أيضاً عن عباده أثر وضرر العداوات والشحناء، وما يكون مترتباً على النزاع بينهم. ...... الأدلة على مشروعية الصلح وقد شرع الله عز وجل الصلح بكتابه، وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية الصلح بين المتخاصمين. ...... الأدلة من الكتاب أما دليل الكتاب فإن الله سبحانه وتعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، فأمر الله عز وجل أن نصلح ذات بين المسلمين، لما في ذلك من خير الدنيا والدين، فندب عباده وحثّهم على ذلك، وقال سبحانه وتعالى مبيِّناً فضل هذا الأمر وعاقبته الحميدة: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، فشهد من فوق سبع سماوات أن جمع القلوب وائتلاف الأرواح بالصلح فيه خير، ثم لما قال سبحانه: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، جاءت كلمة (خير) نكرة. فمن هنا قال بعض أئمة التفسير: إنه لعظم الخير المترتب على الصلح، جاءت بهذه الصيغة؛ لأن النكرة تفيد العموم والكثرة، أي: فيه خير الدين والدنيا والآخرة. وكذلك ندب الله عز وجل إلى الصلح بين الزوجين فقال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]، فأخبر سبحانه وتعالى أنه معينٌ وظهير لمن سلك هذا المسلك المحمود، وهو الصلح بين الناس، فإن الله يعينه ويوفِّقه ويسدِّده، فيعينه على عناء الخصومة، فتجده ينتقل من هذا إلى هذا، فيسهر ليله ويتعب في نهاره، ويكثر الخصوم بين يديه اللغط واللجاج والصياح، وهو مع ذلك صابر مصطبر لعلمه بعظيم الثواب عند الله، فيعينه الله، ثم إذا جاء يتكلم بين المتخاصمين سدّد الله قوله، وقوّم لسانه، لأن المصلح يدعو إلى ما دعا الله إليه من ائتلاف القلوب، فهو محصِّلٌ لمقصود الشرع، وهو داعي الله. وأما من كان مفسداً والعياذ بالله فإنه يدعو بدعوة الشيطان ولذلك يبوء بالخيبة والخذلان، فإذا نظرت إلى أهل الصلح وجدت عندهم من الصبر والتحمل، وبعد النظر، وسداد القول، والرشد، وحسن العاقبة، ما لا تجده عند غيرهم، ولا يزال الناس بخير ما بقي فيهم أمثال هؤلاء. وقد شهد الله من فوق سبع سماوات أن من فضل المجالس أن تُعمر بالصلح بين المتخاصمين، فقال سبحانه وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، فأخبر سبحانه وتعالى أن المجالس إذا عُمرت بالصلح بين الناس، وبالدعوة إلى جمع القلوب، وائتلاف الأرواح؛ فإنها مجالس خير وبر، وأخبر سبحانه وتعالى أنه متكفِّلٌ بثواب أهل الصلح، فقال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [النساء:114]، ولكن بشرط: ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [النساء:114]، أي: طلباً لرضوان الله عز وجل، قال بعض العلماء: فيه دليل على أن الصلح طريقٌ لرضوان الله عن العبد، وهذا أمر لا يُشك فيه، فإنك إن وجدت الرجل معروفاً بجمع القلوب، ويُحبِّب الناس بعضهم إلى بعض، ووجدته يسعى في جمع المفترقين، ولم شمل المتخاصمين، وجدته على خير الأحوال وأفضلها وأصلحها، فالله عز وجل يقول: مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، وعظيماً من الله ليست بالهينة، فالله إذا قال للشيء إنه عظيم فهو عظيم، فلا أعظم من شيءٍ وصفه الله عز وجل بالعظمة، والكبير من الله ليس بالهين، أي: سوف نؤتيه أجراً موصوفاً بالعظم. ولذلك تجد أهل الصلح في القديم، وكذا من يعاصرك من إخوانك ممن عُرف بالصلح ومحبّة جمع القلوب، تجده في عاجل خير الله له من هذا الأجر العظيم. فتجده محبوباً بين الناس، مقبول الشفاعة، مرفوع المكانة، حتى إن أقواماً ماتوا من عشرات السنين، بل من مئات السنين ولا يزال الناس في ذكرهم الحميد بما خلَّفوا من المآثر الكريمة من الصلح بين الناس. فهذه آيات الكتاب كلها تدل على فضل الصلح بين الناس، والله تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10]، فجعلهم كالجسد الواحد، لا يرضى المسلم لإخوانه أن يتفرّقوا، وأن يتقطعوا، وأن يتمزَّقوا، فيتكلَّم هذا في هذا، ويعادي هذا هذا، إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على الخصومة والنزاع.
الأدلة من السنة ودل دليل السنة أيضاً على مشروعية الصلح، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يندب إلى الصلح، ويفعل الصلح، بل قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً)، وهذا الحديث رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، وحسّنه غير واحد من العلماء، وإن كان الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي قد جزم بصحّته، وأُخذ عليه ذلك، لكن العمل عند المحققين أنه حسن لغيره؛ لتعدد الطرق، وكثرة الشواهد، وهو حديث ثابت. فهذه سنة قولية تدل على مشروعية الصلح وقطع الخصومات والنزاعات بالصلح بين الناس، وتقريب قلوب بعضهم إلى بعض. وجاءت السنة الفعلية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمشروعية الصلح، ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه تأخر عن الصلاة بقباء ليصلِح بين حيين من بني عوف) وكان بنو عوف من الأنصار قبلي المدينة، جهة قباء، وكان بينهم شيءٌ من الشحناء والخصومات، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمع بخصومة بينهم إلا سعى للجمع والصلح، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان معتكفاً في المسجد، وأُري ليلة القدر، فتلاحى رجلان، فكشف عليه الصلاة والسلام الستار عن قبته، ثم أشار لصاحب الدين أن يضع شطر الدين، فأصلح بينهما وهو في معتكفه عليه الصلاة والسلام. فالسنة القولية والفعلية دالة على مشروعية الصلح.
دليل الإجماع على مشروعية الصلح وأجمع العلماء وأئمة الإسلام عليهم رحمة الله عز وجل على مشروعية الصلح وفضله، وأن من أعظم وأجل الطاعات وأحبها إلى الله سبحان وتعالى إصلاح ذات البين، وأن فعلها مندوب إليه ومرغَّبٌ فيه، وقد يجب على المسلم في بعض الأحيان أن يُصلِح إذا كان مقبول القول ومأمون الفتنة بالدخول في الصلح، وإذا لم يُصلِح ترتب على عدم صلحه قطيعة الأرحام، أو حصول ضررٍ عظيم كسفك الدماء وانتهاك الأعراض، واغتصاب الأموال، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فإذا غلب على ظنه أنه لو دخل في هذه الخصومة أن الله يصلح ذات بين المسلمين، وأن الله يدفع هذه الشرور وهذه الفتن، وليس ثم ضرر عليه بالدخول؛ فإنه يتعين عليه أن يسعى، ويتعين عليه أن يصلح بين المسلمين.
أنواع الصلح وصوره والصلح أنواع، ويقع على صور، فهناك صلح بين المسلمين والكفار، وهناك صلحٌ بين الفئة العادلة والفئة الباغية، وهو صلحٌ بين المسلمين، وهناك صلحٌ بين الزوجين، وهناك صلحٌ على القصاص والدماء والاعتداءات على الأجساد والأرواح، وهناك صلحٌ بين المسلمين في أمور الأموال، فهذه خمسة أنواع للصلح. فأما الصلح الذي يقع بين المسلمين وبين الكفار؛ فهذا يتكلم العلماء عليه في باب الهدنة، وقد تقدّم في باب الجهاد في سبيل الله وبيّنا فيه أحكامه وما يترتب عليه من مسائل. وأما الصلح بين الفئة العادلة والفئة الباغية، وهم البغاة الذين يخرجون على والي المسلمين وجماعتهم، فيُصلح بينهم وبينه، فهذا يتكلم العلماء عليه وعلى مسائله في باب أحكام البغاة. وأما الصلح في الشقاق والخلاف الذي يقع بين الزوجين، فغالباً ما يُنبّه على جُمَلٍ من أحكامه في مسائل العشرة الزوجية، ومسائل النشوز، ويعتني المفسرون ببيانه في تفسير آية النساء السابق ذكرها. وكذلك أيضاً بالنسبة للصلح الذي يقع على الحقوق المالية، وهذا هو الذي يعتني العلماء بذكره في هذا الموضع، فإذا قال الفقهاء: باب الصلح، أو قال المحدثون: باب الصلح، فغالباً ما يركزون على الصلح في الحقوق المالية كالنزاع في الأراضي والبيوت والدور والمساكن، والنزاع في الحقوق العامة التي تقع في الأموال، فهذا غالباً ما يُعتنى به في باب الصلح، أو كتاب الصلح، فيذكرون فيه مسائله وأحكامه. وأما الصلح عن الدم والقصاص ومسائله والديات؛ فهذه يُنبَّه على جملة من أحكامها غالباً في باب القصاص وباب الديات. ...... مناسبة ذكر باب الصلح بعد باب الحوالة وقول المصنف رحمه الله: (باب الصلح) بعد باب الحوالة يورد سؤالاً: لماذا ذكر المصنف باب الحوالة، ثم أتبعه بباب الصلح؟ وما هي مناسبة باب الصلح لباب الحوالة؟ الجواب: أن باب الصلح فيه شبه من الحوالة؛ لأن الحوالة أن تحيل صاحب الدين على شخص آخر لك عليه حق، كما تقدم بيانه في باب الحوالة، فكأنك صالحت صاحب الحق عن حقه عندك، فحينئذٍ تكون الحوالة فيها شيءٌ من الصلح، ومن عادة العلماء أن يُلحقوا الشبيه بشبيهه، والنظير بنظيره، والمسائل المتقاربة، والأبواب المتجانسة والمتفقة في بعض المعاني، بعضها ببعض، فألحقوا باب الصلح بباب الحوالة، وإن كان بعض أئمة الشافعية رحمة الله عليهم يسلكون مسلكاً آخر، لكن للمصنف رحمه الله عذره من هذا الوجه. ...... الحث على الصلح والصلح إذا وقع فإنه يقوم على طرفين متنازعين، وطرفٍ ثالث يصلح بين الطرفين، وهذا الطرف الثالث تارةً يكون من القضاة والحكام الذين يفصلون في القضايا، وتارةً يكون من غيرهم من عامة الناس. فأما بالنسبة للقاضي، فالقاضي موقفة في الأصل حيادي، ولا ينبغي للقاضي أن يميل لأحد الخصمين دون الآخر، والصلح غالباً يكون فيه شيء من الإضرار بأحد الطرفين، ولذلك كان على القاضي ألا يتدخل إلا بالحكم والفصل في الخصومة، فيعطي كل ذي حق حقه على وفق حكم الشرع؛ لأنه لو كان القاضي يُغرق ويبالغ في مسائل الصلح؛ فإن هذا يُذهب هيبة القضاء، ويُنزِع الثقة من القاضي؛ لأن الناس لا يصلون إلى القاضي غالباً إلا وقد تقرَّح قلب المظلوم من الظلم، فهو يحتاج إلى من ينصره ويعينه، فإذا جاء إلى القاضي فوجد القاضي يهوِّن من دعواه، أو يحاول أن يحط من حقه الذي عند خصمه؛ فإن هذا يُحدث عند الناس شيئاً من ردة الفعل الذي لا تحمد عقباها. ومن هنا فالأصل أن القاضي لا يتدخل بين الطرفين إلا في الفصل، فمثلاً: لو ارتفع الخصمان إلى القاضي فردّهما، أي: ردّ الخصمين، وقال: اذهبا فاصطلحا وامتنع من القضاء، وجاء المظلوم في شدة وفي حال، فإن هذا كما ذكرنا قد يُحدث ضرراً فيجعل المظلوم إذا وصل إلى القاضي ولم ينصف أن يتجه إلى وسائل أخرى للوصول إلى حقه، ومن هنا قال العلماء: الصلح من القضاء يُضَيَّق قدره في حدود. ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاب القضاء المشهور، والذي شرحه الإمام المبارك ابن القيم شرحاً مسهباً يعد من أنفس ما كتب في شرح هذا الكتاب الذي اعتنى العلماء بذكره، وهو كتاب القضاء، وهو كتاب بيّن فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه منهج القضاء، كتبه لـأبي موسى؛ لأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان قاضيه على الكوفة، ولاه القضاء بالكوفة وناحية الشرق، فكتب له هذا الكتاب الذي يسمى بكتاب القضاء، رواه البيهقي وغيره في السنن. وفيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبا موسى برد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن الفصل بينهم يورث الضغينة والشحناء، فأمره أن يرد الخصوم إلى الصلح، ولكن كما ذكر العلماء يُرد بقدر، يعني أن القاضي إذا نظر أن الخصوم عندهم سعة، وبالإمكان أن يصلح بينهم؛ دعا إلى الصلح، وردَّهم إلى الصلح، وإن وجد الأمر يحتاج إلى بتٍّ وفصل؛ فإنه يبت ويفصل. لكن رخصوا للقاضي أن يُصلح بين الخصمين في مواضع: الموضع الأول: أن تستشكل عليه القضية فتصبح غامضة، وأدلتها متشعبة، ولا يستطيع أن يلم هذا الشتات، فحينئذٍ يلتجئ إلى الصلح. فإذا أشكل عليه الحكم ولم يتبين له وجه الحق، والتبست عليه القضية لكثرة الأقوال فيها وكثرة الأدلة، وحصول شيء من التعارض والتضارب الذي لا يستطيع فيه أن يتبين؛ فإنه يرجع إلى الصلح وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا بشرٌ مثلكم وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض). فالقاضي بشر، ومهما أُوتي الإنسان من الذكاء والفهم، فإنه قد يوقفه الله عز وجل في بعض القضايا مكتوف اليدين حتى يعلم فضل الله عليه، وأنه تحت رحمة الله، ومهما أوتي القاضي من علم وفطنة؛ فلا بد وأن يقف في بعض المواقف حائراً بقدرة الله عز وجل حتى يستكين ويذل لله عز وجل، وهذا معروف ومشهور في أخبار القضاة وأقضيتهم، ففي هذه الحالة إذا طغت الخصومة وتشعّبت الأدلة، ورأى القاضي من المصلحة أن يجمع بين الخصمين بالصلح، فحينئذٍ يُصلِح. وأما إذا تبين الحق. بمعنى: عرفنا أن زيداً له على عمرو ألف ريال، وأصبح الأمر لا لبس فيه، فيجب عليه أن يبت الحكم، إلا إذا خاف أن إمضاء الحق يُحدث فتنة أعظم، كما يقع بين ذوي الأرحام. فمثلاً: لو أن طرفين اختصما عند القاضي، وتبيّن للقاضي وجه الحق، كأن اختصموا في دم، أو عرض، وتبين للقاضي أن هذه الفئة ظالمة لهذه الفئة ولكن لو أصدر الحكم وبيّن الحق، فستحدث آثار أسوأ وأعظم من المصلحة المترتبة على قضائه، فإن خاف حصول فتنة عظيمة، أو حصول شحناء فحينئذٍ يصلح، وقد أشار بعض العلماء رحمهم الله إلى هذه الاستثناءات بقوله: والصلح يستدعي له إن أشكل حكم وإن تعين الحق فلا ما لم يخف بنافذ الأحكــام فتنة أو شحناء للأرحـام (والصلح يستدعي له): يعني: أن القاضي يصير إلى هذا الصلح. فيستدعي له الطرفين. (إن أشكل): يعني: غمَض عليه الحكم، (وإن تعين الحق فلا): لأنه إذا تعيّن له الحق، وعُرِف أن فلاناً ظلم فلاناً وتبيّن الحق، فإنه بدخوله في الصلح يوجب الريبة، فكأنه يشفع للظالم، وموقف القضاء دائماً ينبغي أن يكون حيادياً لا يميل فيه القاضي لأحد الخصمين دون الآخر. وقوله: ما لم يخف بنافذ الأحكام.. فتنة أو شحناء للأرحام. ففي بعض الأحوال يكون القضاء بين أقوام جُهَّال، أو بين أقوام بينهم فتنة عظيمة، وقلوبهم مليئة بالشحناء والبغضاء، ولكن رأى القاضي أن الأفضل أن يقرِّب بين الطرفين، وأن يُصلِح بينهم فيعدل عن الحكم بالقضاء إلى الجمع بين الطرفين بذلك، هذا بالنسبة لمسألة الصلح من القاضي ومن في حكمه. أما الصلح من عامة الناس، فالصلح يسعى له العلماء، ففي بعض الأحيان يتدخّل العالم بين طرفين، بين زوج وزوجته، بين عامل ومستأجره، وهكذا يدخل العالم ويدخل طالب العلم، ويدخل الرفيع الذي له شأن كشيخ العشيرة، وأمير القبيلة ونحو ذلك ممن لهم فضل ومكانة، وعندهم عقل وحكمة، وقد يدخل أُناس من عامة الناس عندهم شيء من العاطفة ومحبة الخير للناس، فيختلف أنواع الشفعاء. ...... أمور يجب مراعاتها في الصلح بين الناس فننبه على مسائل: ينبغي لمن يريد أن يُصلح بين الناس أن يراعيها: ...... الإخلاص لله منها: أن يعلم أولاً أنه يتردد بين نيتين إذا دُعي للصلح بين طرفين، فإما أن تكون نيته لله والدار الآخرة، وإما أن تكون للدنيا، فالشخص ينبعث للصلح بين الناس لعلمه بعظيم الثواب عند الله، وهو يستشعر قول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، ويستشعر قول الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207]. فهو يبيع نفسه لمرضاة الله سبحانه وتعالى. فإذا انبعث بهذه النية الصالحة، فإن الله عز وجل يُعظِم له الأجر، ويجعل جميع ما يقع من العناء والتعب والنصب في ميزان حسناته، وهذا بخير المنازل عند الله عز وجل. وكذلك -أيضاً- بحسن النية يُوفَّق إلى السداد، وقل أن يُصلح نيته إلا ألهمه الله عز وجل أصلح الأمور، ومن هنا قال بعض العلماء رحمهم الله: (من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس)، فمن أصلح ما بينه وبين الله بالنية الصالحة في الأمور، أصلح الله ما بينه وبين الناس من الشئون والأحوال. فمن أمثلة ذلك: إذا دخل في الصلح فأصلح ما بينه وبين الله بحسن النية؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس، فعصَم لسانه عن الزلل، وعصم فعله عن الخلل، ووجهه وسدده، وكان له المعين والظهير معيناً على الخير، وظهيراً له على الطاعة والبر، وفي ذلك وردت قصة: اختصمت عائلتان لزوج وزوجة، ثم دخل بينهما مصلحان فلم يوفقا للصلح بينهما، وكانت القضية عند أحد قضاة السلف رحمة الله عليهم، وكان يعلم هذا القاضي أن هناك مجالاً للصلح، ولكن الله لم يوفق الحكمين، فلما رجع الحكمان إليه وأخبراه أنهما لم يوفقا، قال رحمه الله: والله لو حسنت نيتكما لوفّقكما الله؛ لأن الله يقول: إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء:35]. أولاً: فالنية هي الأساس والمنبعث الذي ينبعث به الإنسان للصلح. ثانياً: هذه النية لها عوارض، فمنها حب الشرف، وحب الجاه، فإن الذي يدخل في الصلح ينتزعه الشيطان إلى نية الدنيا؛ لأن الناس يقولون: فلان أصلح بين فلان وفلان، وفلان وجه الخير، وفلان كذا، ينتظر من الخصمين أن لا يجلسا في مجلس فيطرأ ذكر الخصومة إلا قالوا: فلان هو الذي أصلح. فهذا يطلب الرياء والسمعة، ويطلب المدح والثناء، فحظه من تعبه ونصبه ما أراد من الدنيا، وينادي منادي الله يوم القيامة: من كان عمله لغير الله فليذهب وليأخذ أجره ممن عمل له، فإن يوم القيامة لا ينفع فيه الإنسان إلا صدقه: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119]، فالصدق هو الإخلاص. فمن صدق مع الله صدق الله معه، فالصلح إذا دخل الإنسان فيه بنية السمعة هلك، وصرفه الله عز وجل، ولذلك تجده يتأثر في حدود السمعة، فلو كان أحد الطرفين قوياً أو له مكانة، مال إليه والعياذ بالله أكثر من الضعيف، وإذا دخل بنية الرياء والسمعة انحرف عن صراط الله، فإذا كان أحد الخصمين ممن ليس له مكانة في قلبه ضغط عليه وأحرجه، وألجأه إلى أمور لا تُحمد عقباها؛ فهذا لا يأمن أن يكون بصلحه مفسداً، فهو يظن أنه مصلح والواقع أنه -والعياذ بالله- مفسد، وسنبين وجه ذلك، وهو الظلم في الصلح.
الحذر من الحمية والعصبية وكذلك أيضاً: ينبغي لمن يريد أن يصلح بين الناس أن ينتبه للحمية والعصبية، فإنه في غالب الأحوال إذا دخل في الصلح بين القرابة، تنتزعه نوازع الحمية والعصبية، فينبغي أن يحذر منها، وأن لا يجعل العادات والأمور التي هي من شأن الجاهلية محكمة له في صلحه، بل عليه أن يجعل نصب عينيه مرضاة الله، وهذا يستلزم عليه أن يرجع للعلماء، فإذا طرأت قضية بين زوجين، أو طرأت قضية بين متخاصمين، وليس عنده خلفية عن بعض المسائل الشرعية فعليه أن يتصل بالعالم، ويسأل العلماء، ولذلك يقولون: غالباً ما يُوفَّق المصلح إذا سأل العلماء، لأنك إذا سألت العالم -وهذه قاعدة عامة- في الأمور كلها التي تتصل بالعبادات والطاعات والقربات، وما تريده من أمور دينك؛ وفقت،وأنك ما استشرت ولا سألت ولا استفتيت أحداً من أهل العلم وأنت ترجو ما عند الله عز وجل بالرجوع إليه، وعملت بما قال لك إلا بارك الله فيما أتيت، حتى ولو كانت هناك أضرار، فإن الله يدفع عنك أضراراً أكبر منها. وهذه فائدة الرجوع إلى العلماء، ولذلك قالوا: قل أن يشاور ويستفتي أحدٌ العلماء ويخيب في أمره؛ لأن الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، ولم يأمر الله بسؤالهم والرجوع إليهم إلا لخير يعلمه سبحانه وتعالى في ذلك الرجوع وذلك السؤال، ولذلك شهد الله أنه لو رُد الأمر إلى أهله لكان خيراً، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا وقع بينهم شيء رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسار السلف الصالح على ذلك، وكانت الأمة بخير حينما كان الناس إذا طرأت عليهم أمور لا يستبدون بالآراء والأهواء، وإنما يرجعون لأهل العلم، ويقدرون أهل العلم، وعندما كان الناس يحمدون مشورة العلماء ويحبونها كانت البركة، وكان الخير في ذلك.
العلم بالقضية علماً تاماً ومنها العلم بالقضية علماً تاماً كاملاً، فلا تدخل للصلح بين طرفين حتى تكون على إلمام تام بالقضية، وهذا يستلزم منك أن تسمع القضية كاملة. فلا تدخل للصلح بين المتخاصمين، وقد علمت بأطراف من القضية دون أطراف، لأنك أشبه بالحكم بين الخصمين فلا ينبغي أن تسمع من أحدهما دون الآخر، أو تنظر إلى قضايا لأحدهما دون قضايا الآخر. وإذا جاءك خصم وقد فُقئت عينه فلا تعجلن، فلعل خصمه قد فُقِئت عيناه، فلذلك ينبغي أن تسمع القضية كاملة، وحينئذٍ يتحتم عليك قواعد وأصول تنتبه لها، أولاً: تسمع القضية كاملة من الأصل، وهو الشخص المتّهم صاحب الحق المدَّعِي، فتجلس مع الشخص وتسمع منه سماعاً كاملاً، وتعطيه حرِّيته في أن يقول جميع ما عنده، ثم تنتقل إلى الطرف الثاني بكل أمانة ونزاهة، فتسمع جميع ما عنده، ولا تقاطعه إلا إذا حصل استفهام أو سؤال، ولا تحاول أن تشككه فيما يقول، أو تميل للطرف الثاني ضده. فإن كثيراً ما تقع الإِحن في الخصومة والصلح، ولا يوفَّق المصلحان متى ما نظر أحد الطرفين أن المصلح يميل للطرف الآخر دونه، فإذا جاء الطرف الأول وجلس معك وأعطيته حريته، وكنت أثناء جلوسك معه رجلاً عدلاً ترجو مرضاة الله، وتعلم أن الله حمَّلك أمانة ومسئولية أن تسمع سماعاً كاملاً فتعطيه حرِّيته حتى يقول ما عنده، وإذا كان كلامه كثيراً لخّصتَ النقاط التي قالها وراجعته حتى تعرف وتضبط الأمر ضبطاً تاماً. ولذلك إذا جئت للصلح -في هذا الزمان- فلا تُجلس الخصمين مع بعضهما، ولا تسمع منهما وجهاً لوجه، واسمع من كل طرف على حدة، وقل: أريد فلاناً يقول لي جميع ما عنده، فتجلس معه على حدة، ثم تجلس مع الآخر على حدة، وتلخِّص النقاط، فإن أمكنك أن تصلح بينهما دون أن يتواجها فهذا أفضل، وإذا أمكن الصلح وتقليب وجهات النظر فيما قاله هذا وهذا فهو أفضل، خاصة في مسائل الزواج؛ لأن الزوجين إذا جلسا فقالت المرأة سراً من الأسرار، أو قالت عورة من العورات، أو سوءة من السوءات حمَل الزوج عليها في قلبه، فلو حصل صلحٌ في المستقبل ربما انعكست الآثار على هذه الكلمة التي قالتها، ولربما حمل في قلبه أن يعيدها حتى يُضّر بها وينتقم. فينبغي للمصلح أن يكون حكيماً خاصة مع كثرة الجهل في الناس، وعدم وجود شيء من الأدب أثناء الجلوس، فكل يريد أن يكون هو صاحب الكلمة، وكل يريد أن يكون هو المتكلم، وكل يدعي أنه هو المظلوم. فلذلك ينتبه لهذه القضية؛ صحيح أنك تحتاج إلى استفهام لبعض القضايا، وبعض القضايا تحتم عليك أن تجمعهما وجهاً لوجه حتى تعرف الصادق من الكاذب، لكن إذا رُزِقت بصيرة العلم؛ فإنك تستطيع أن تعرف صدق هذا من كذبه، وتعلم أيضاً صدق الطرف الثاني من كذبه من خلال الجلوس لسماع الخصم سماعاً كاملاً، ولا تحاول أثناء كلامه أن تكون مع الطرف الثاني ضده، وإنما يكون كلامك استفهاماً، واستبياناً، فلا يكون تكذيباً ولا تخطئة إلا إذا كان فيه جور وظلم، وأردت أن تذكره بالله عز وجل، فتقول له: يا فلان اتق الله! الدنيا فانية، وهذا الذي تقوله ستحاسب عليه بين يدي الله، فإن الله يقول: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19]، إن كنت صادقاً فإني أصدِّقك، وإن كنت كاذباً وصدّقتك، فإنك لا تحمل وزر من ظلمت فحسب، بل حتى وزري أنا، لأني أصدقك فيما تقول، وتذكِّره وتخوِّفه بالله. فالسماع من الطرفين سماعاً كاملاً يساعد على تصور القضية. وإذا تصوَّرت القضية فلا تخلو من حالتين: إما أن تكون محضة وإما أن تكون مشوبة، والقضية المحضة تكون دينية محضة أو دنيوية محضة، فإذا كانت المسألة دينية محضة رجعت للعلماء، وإذا كانت دنيوية محضة رجعت للعقلاء وأهل البصيرة، ولا مانع أن تستشير بعض أهل العلم إن كان لهم علم وبصيرة بمثل هذه الأمور، وإن كانت جامعة بين الدين والدنيا، فحينئذٍ تجمع بين مشورة العلماء ومشورة أهل الخبرة. فمثلاً إذا وقعت قضية بين شخصين في أمر دنيوي في مسألة تجارة، فتحتاج إلى إنسان عنده خبرة في التجارة، أو بين عامل وصاحب العمل فإنها تحتاج إلى إنسان له خبرة في ذلك العمل، فترجع إلى ديِّن أمين صالح وتسأله حتى تستطيع أن تعرف من المخطئ فتذكِّره بالله ثم تصلح. المقصود هو تصور القضية تصوراً كاملاً ثم حلها عن طريق العلماء إن كانت دينية، أو عن طريق العقلاء إذا كانت دنيوية، أو تجمع بين الأمرين إذا جمعت بين الطرفين.
العدل بين الخصمين كذلك أيضاً مما ينبغي أن يُتنبَّه له في الصلح: أن يُبنى على تقوى الله عز وجل بالعدل بين الطرفين، فإذا دخلت في القضية وأنت ترجو ما عند الله، وتصوَّرتَها تصوراً كاملاً ثم استشرت العلماء وقالوا لك: فلان المخطئ، وفلان المصيب، وفلان أخطأ في كذا وأصاب في كذا، والآخر أخطأ في كذا وأصاب في كذا، وأخذت نتيجة الأمر؛ فحينئذٍ إما أن تحل القضية حلاً وسطاً؛ بالجمع بين الطرفين بالحل الوسط، وهذا ما يكون به الصلح. وأما إذا بينت لكل ذي حق حقه، وأردت أن تفصل بينهم بذلك، فالذي يفعل هذا يسمى حَكَمَاً، وهو الذي يعرف حق كل واحد من الطرفين، ثم يعطي كل ذي حقٍ حقه. لكن المصلح دائماً يُحدِث قولاً وسطاً بين الطرفين، وهذا يستلزم تنازل صاحب الحق عن شيءٍ من حقه، كأن تعرف أن المرأة مظلومة وأن الزوج ظالم، فتذهب إلى الزوج وتبيِّن له ظلمه، وتذهب إلى الزوجة، وتقول لها: نعم أنتِ مظلومة وأنت صاحبة حق؛ لأن الله يقول، ورسوله عليه الصلاة والسلام يقول، لكن يا فلانة هذا زوجك وبعلك، إن صبرت عليه واحتسبتِ فلك الأجر عند الله؛ يا فلانة! الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، فإن صبرتِ صبَّركِ الله، وإن احتسبتِ الأجر عند الله أثابكِ الله، ونحو ذلك من الكلام الطيب؛ فتلين قلبها للعفو، وتجعل قلبها ليناً للإصلاح.. وفي هذه الكلمات مثوبة الله، والأجر من الله، وإذا خرجت من قلب صادق فإنها تقع في الأذن وتقع في القلب، فالكلمة التي تخرج من القلب تلامس شغاف القلب، وينبغي للمصلح أن يتخير الألفاظ المناسبة والعبارات المهذَّبة التي لا تسيء إلى مشاعر الناس، ولا تُجحِف في حقهم.
اختيار الألفاظ المناسبة وعدم الإحراج فإذا عرفتَ الحق وأردت أن يتنازل صاحب الحق عن جزءٍ من حقه حتى يقع الصلح؛ فينبغي أن يكون بطريقة مناسبة، وهذا ما أحببت أن أنبه عليه، فلا ينبغي إحراج الناس، وظلم الضعفاء والإضرار بمصالحهم. في بعض الأحيان يدخل الرجل في صلح بين طرفين، وأحد الطرفين قوي ظالم، والطرف الثاني ضعيف مظلوم، وقد يكون الخصم الضعيف أيتاماً أو أرامل، فيأتي المصلح إلى الضعيف فيستغل نقاط ضعفه، ويضغط عليه من جهة هذه النقاط حتى يتنازل عن بعض حقه، قال بعض العلماء: لا يأمن من يفعل ذلك من الإثم في صلحه. وهذا ليس بصلح، بل ظلم وجور، وإذا أُصلح بينهم على هذا الوجه فإن هذا يعين الظالم على الظلم، ويجعله يتمادى في ظلمه، واليوم ينتهي من هؤلاء الضعفاء ليقع فيمن هو أضعف منهم، أو في غيرهم، ولذلك كان هذا النوع من الإحراج والإلحاح لا يجوز. كذلك أيضاً: إذا فرضنا أن عاملاً اشتغل وكد فأصبح له حق عند صاحب العمل، وصاحب العمل رجل غني وثري، وثبت أن هذا العامل له خمسون ألفاًً عند هذا الرجل الثري الغني الذي لا تضره الخمسون الألف شيئاً، وهذا الرجل جلس السنة والسنتين في عمله وكدِّه وتعبه ونصبه، ولربما كان عليه ديون وحقوق للناس، فنأتي إلى العامل ونضغط عليه حتى يتنازل عن جزء من المبلغ، أو عن جملة من حقوقه، ولربما أُخذت أطراف من قرابته وجماعته ممن يستحي منهم، فأُخذت الأموال بسيف الحياء، فمثل هذا لا يبعد أن يبوء صاحبه بالإثم، وهذا ليس بصلح، بل إفساد ومعونة على الإفساد. فينبغي النظر في أحوال الناس، والنظر في حدود إمكاناتهم وطاقاتهم والأشياء التي يمكن أن يضحوا بها، فما كان في وسعهم سألناهم أن يعفوا، ويكون السؤال بطريقة طيبة مهذبة، لا بطريقة الإلحاح والإزعاج والإحراج، ففي بعض الأحيان يبلغ بالصلح أن الشخص يأخذ أطرافاً أقوياء، لا يمكن أن يرد الشخص شفاعتهم، وفي بعض الأحيان يكون المصلح رجلاً له مكانة وجاه، فإذا جاء إلى ابن عمه وقريبه؛ قال له: طلبتك، وإذا طلبتك فلا تردَّني.. وهذا الكلام لا يصلح! كيف تطلبني شيئاً فيه إجحاف وإضرار بي، ولربما فيه إجحاف بأهلي وعرضي وزوجي وقرابتي، فهذا لا يصلح وينبغي أن يكون هناك شيء من التعقل والبصيرة، فنعرف ماذا نجني إذا أصلحنا، ولو حصلت غلطة أو هفوة أو زلة من رجل معروف في الصلاح والاستقامة، وأقلناه فمن باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، أو علمنا أن الرجل غلط ثم ندم، وممكن أن يُصلح، أو كانت الغلطة في إمكان الشخص أن يعفو عنها، فهذا ممكن، لكن أن ندخل بالإجحاف والإحراج فلا. وأيضاً قد يُختار أشخاص لا يمكن أن يتكلم الإنسان معهم، فقد يأتيه بعمه أو بخاله، فيأتي العم أو الخال ويدخل بكلمات يُحرج بها قريبه، وهذا لا يجوز، وإذا رفض يقول له: أهنتني أمام الناس، ليس لي عندك قدر ولا وجه، فهذا لا ينبغي، ومثل هذه العبارات ينبغي أن تُصرف عن الصلح، وينبغي أن يكون الصلح بشيء من الرضا، فالأخذ بالإحراج لا يجوز، أو أن يستعمِل القوة كأن يكون موظفاً عند مديره، فيأخذ مديره من أجل أن يعفو، فهذا لا يجوز، بل لا يجوز للمدير أن يدخل إذا علم أن في مثل هذا ظلماً؛ لأن هذا إساءة في استخدام مكانة الإنسان، ونعمة الله التي أنعم عليه، فينبغي أن يكون دخول الإنسان بالتي هي أحسن. ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بريرة عندما أُعتِقت فأصبح لها الخيار في البقاء تحت زوجها أو تركه إذا كان عبداً فاختارت بريرة الفسخ، فلقيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألها أن تعود لزوجها، فقالت: (يا رسول الله! أتأمرني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أنا شافع) أي: لا أملك إلا الشفاعة، فما قال لها: من حقي عليك.. أو أحرجها، بل قال لها: (إنما أنا شافع)، أي: لا أُكرهك على عِشرة لا تريدينها، ولا أُكرهك على شيءٍ لا ترغبين فيه. وهذا هو الإنصاف والعدل والقسط الذي أمر الله به، ولذلك يقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1].
سماحة النفس إذا لم يقبل صلحه ينبغي أن يكون الصلح بتقوى الله، وأن يكون في حدود طاقة الناس، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى المصلح إذا لم تقبل شفاعته أن لا يحقد، وأن لا يحمل في نفسه على من رد شفاعته، فإن الإمام مالكاً رحمه الله يقول قولته المشهورة: (ليس كل الناس يستطيع أن يُبدي عذراً) فلربما كان هذا الرجل يحبك ويكرمك. بل إن واحداً من مشايخنا رحمة الله عليهم دخل في قضية فشفع فلم يُشفَّع، وكان الرجل صريحاً معه، فلما رجع قال له بعض طلابه: إن فلاناً أساء برد شفاعتك، فقال له: لا تغتب، والله إني أحببته لصدقه. وهذا شأن العقلاء: إن فلاناً له ظرف كذا وكذا.. وذكر ظرفه.. فالإنسان العاقل الحكيم يقدِّر ظروف الناس، والعالم علِم بعذر هذا الرجل دون أن يحدِّثه الرجل فقدَّر ظرفه، فينبغي لمن رُدَّت شفاعته في الصلح أن لا يحقد وأن لا يحمل في نفسه على من سأله أن يعفو فلم يفعل. وفي الصلح مسائل وأحكام سنتكلم عليها إن شاء الله في الدرس القادم، وأحببت أن يكون هذا المجلس عن مقدمات الصلح؛ لأن أحكام الصلح مرتبط بعضها ببعض، فنظراً لأن هذا الدرس سيكون إن شاء الله آخر الدروس حتى ننقطع للاختبارات، رأيت من المناسب إن شاء الله أن تكون أحكام الصلح مترتبة بعضها على بعض ومتصلة. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.
الأسئلة ...... حكم الكذب والحلف كذباً من أجل الإصلاح بين الناس السؤال: هل يجوز الكذب أو الحلِف كذبا من أجل الإصلاح بين الناس؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: يجوز الكذب للإصلاح بين الناس، لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ليس الكاذب الذي ينمي خيراً أو يقول خيراً)، قال جمهرة الشُّرّاح: المراد بالحديث: (أن ينمي خيراً): أي: يكذب بين المتخاصمين، فيقول لأحدهما: فلان يحبك، فلان يذكرك بخير، فلان يثني عليك، فلان يذكر معروفك، ونحو ذلك من الكلمات، أو يقول للمرأة: زوجك يحبك، وزوجك يريدك، وزوجك يثني عليك، وزوجك يحمد ما كان منك، ونحو ذلك من الكلمات، ولو كانت كذباً فهذا مما يستثنى من المحرم. أما الحلِف بالله فلا يجوز أن يحلِف بالله كاذباً للصلح بين المتخاصمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحديث الصحيح: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك)، فالتورية في الأيمان والكذب فيها لا تجوز، فلا يجوز أن يحلف بالله كاذباً، والحلف بالله كاذباً خاصة في الحقوق يمينٌ غموس، تغمس صاحبها في النار -والعياذ بالله- وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن يحلف بالله كاذباً، وإنما يقول الكلام المعروف الذي يقرِّب من القلوب بالصفة التي ذكرنا، والله تعالى أعلم.
حكم إسقاط بعض الدين على سبيل الصلح السؤال: هل يجوز أن يصطلح صاحب الدين مع المدين أنه إذا سدّد نصف المبلغ أسقط عنه الباقي؟ الجواب: هذه مسألة: إسقاط بعض الديون على سبيل الصلح، ويكون الإسقاط لمعجّل بمعجّل، كأن يحل الدين ويُطالب به، ومؤجّل بمؤجّل، ومعجّل بمؤجّل، ومؤجّل بمعجّل، وكل ذلك إن شاء الله سنتكلم عليه بالتفصيل في المجلس القادم؛ لأن المسألة فيها تشعُّب وكلام كثير. وعن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه أجاز لصاحب الدين أن يقول لمدينه قبل حلول الأجل إذا كان له مائة أن يقول له أعطني الآن تسعين وأُسقط عنك العشرة، فهذا إبراء وإسقاط، وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه المسألة والكلام عليها، والله تعالى أعلم.
أهمية اختيار الحكم الأمثل للإصلاح بين الزوجين السؤال: قول الله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35]، هل يشترط أن يكون الحكمان من أهل الزوجين دون الأجنبي حفاظاً على أسرار الزوجين؟ الجواب: إِذا وجِد من قرابة الزوج وقرابة الزوجة من هو أهل لأن يكون حكماً، فيُقدّم على غيره، كأن يكون عم المرأة، أو خال المرأة، وعم الزوج، وخال الزوج، أو أخو الزوج، أو أخو الزوجة، ونحو ذلك من القرابات ، ويكون الأقرب فالأقرب، ولا شك أن هذا أستر وأحفظ لأسرار الزوجية، وأيضاً في القريب شفقة تحمله غالباً على أن ينظر الأصلح، فإن الأجنبي قد لا يدرك أحوال البنت أو الأخت، ولذلك إذا كان من القرابة؛ فإنه أعلم بمصالح قريبه، وكذلك أيضاً بالمفاسد المترتبة على الخصومة، فلا شك أن القريب مقدَّم على الغريب، وأنه إذا وُجد من أقرباء الزوج أو الزوجة من هو أهلٌ لذلك قُدِّم، لكن لو رُشِّح شخصٌ لعلمه ودينه وصلاحه، وتقواه لله سبحانه وتعالى، وكان يتحقق فيه المقصود، لأن الدَيّن الصالح يحفظ الأسرار، وينصح كما ينصح القريب وأشد، لأنه يخاف الله عز وجل، وقد يكون من صلاحه وخيره واستقامته ما يكون سبباً بإذن الله عز وجل لجمع القلوب وائتلاف الأرواح، وهذا جائز وسائغ، والله تعالى أعلم.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يندرج تحت باب الصلح، أم أن الفقهاء جعلوه مستقلاً عن الصلح؟ الجواب: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من باب الصلح، وإنما هو من باب الإصلاح، والدعوة إلى الخير، وله مبحث مستقل يسمى بمبحث الحسبة، ويتكلم العلماء عليه في باب الحسبة، وليس له علاقة بمسألة الصلح، لكن إذا وقع أثناء الصلح ما يستدعي أن ينصح أحد الطرفين، أو يرغِّب أحد الطرفين في فعل خيرٍ وبر، وترك ضر وشر؛ فإنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد يأتي في باب الصلح ويقوم الصلح عليه، لكن من حيث الأصل، فإن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له قواعده وأصوله في باب الحسبة، ويتكلم العلماء رحمهم الله عليه في الأحكام السلطانية، ويفردونه بمباحث مستقلة، كالإمام الماوردي في كتابه النفيس: الأحكام السلطانية، وكذلك كتاب: معالم القربة في أحكام الحسبة، وكذلك كتاب شيخ الإسلام النفيس: السياسة الشرعية، وكتاب الإمام ابن القيم : الطرق الحكمية. فيشيرون إلى مسائل ومباحث الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي مباحث ومسائل مستقلة، ولا يُدخلونها في باب الصلح لاختصاص الصلح بالحقوق. فالحقوق تنقسم إلى حقوق لله وحقوق للعباد، والصلح في حقوق العباد، ولذلك لا يدخل الصلح في حقوق الله عز وجل. فمثلاً لو أنه وقع شرب للخمر، فشهد شخصان على فلان أنه شرب الخمر، فقيل للشاهدين: نصطلح معكم على إعطاء عشرة آلاف ولا تشهدوا، فهذا ضياع لحق الله عز وجل، ولا يقع به الصلح بإجماع العلماء. وهكذا لو أن شاهداً شهد في قضية، فقالوا له: نعطيك عشرة آلاف على أن لا تشهد، لأن الشهادة فيها حق لله، فحقوق الله لا يدخلها الصلح، وسنبين هذا إن شاء الله في مجال الصلح عند الكلام على ركن: ما يُصالح عنه، والله تعالى أعلم.
وصايا لطلاب العلم السؤال: ما توجيهكم لطلبة العلم وهم على مقربة من الاختبارات أثابكم الله؟ الجواب: أوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل، ومن يتق الله يجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن اتقى الله جعل له من أمره يسراً، فخير ما يُوصَى به المسلم تقوى الله عز وجل التي ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا كانت في يسير إلا باركته، والمسلم يحتاج في كل لحظة وفي كل ثانية من عمره أن يُوصَى بتقوى الله عز وجل، لأنه ما خرج من الدنيا بزادٍ أحب إلى الله عز وجل من هذا الزاد الذي قال الله عنه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]. وأيام الاختبار ينشغل فيها طلاب العلم ويكثُر الهم والغم بالاختبارات. فأول ما ينبغي على طالب العلم: أن يتوكل على الله عز وجل، وأن يفوِّض الأمور إلى الله، وما نزلت بالعبد نازلة، ولا ألمّت به حاجة أو مصيبة، أو كربة أو نكبة، أو هم أو غم، فأَنزله بالله إلا جعل له من ذلك الهم والغم فرجاً ومخرجاً، ويوشك أن يأذن الله لعبده بالفرج من حيث لا يحتسب. الأمر الثاني بعد تقوى الله: التوكل على الله، وتفويض الأمور إليه، ولا يبالغ الإنسان، بل يجعل أموره دائماً مفوضة إلى الله: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44]، قال بعض العلماء: إن الله يبتلي العباد بالهموم والغموم والمسئوليات، حتى تتجه القلوب إلى الله، حتى وأنت بعيد عن أهلك حينما تهتم وتغتم بهم ثم تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله، فهذا أمرٌ يحبه الله ويرضاه، وهذا من توحيد الله، ومن أعمال القلوب التي تقرِّب العبد إلى الله، إنك ما كنت في جميع أحوالك وشئونك مفوض الأمور إلى الله إلا أحبّك الله عز وجل، وأراك قرّة العين وسرور النفس، وبهجة القلب فيما فوّضت الأمر فيه لله عز وجل، فينبغي للمسلم أن يفوِّض الأمر كله لله. ثالثاً: أن لا يعتمد على حوله، ولا قوته، ولا ذكائه، ولا فهمه، ولا تحصيله، فكم من مصيب أخطأ، وكم من جواد كبا، وكم من رامٍ زل في رميته، وكم من متكلِّم هلك بكلامه، فينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولذلك كان من كنوز الجنة هذه الكلمة العظيمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ لأنها تعني البراءة إلى الله من الحول والقوة، والله يحب من عبده أن يضعُف بين يديه، وحق للعبد ذلك، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (أطّت السماء، وحق لها أن تئط)، وقال تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:2]، أذِنَت وذلّت، فالسماوات التي هي من أعظم خلق الله أذنت لله، وانتظرت أمر الله عز وجل: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:2]: أي: حُق لها أن تذِل لله، فأنت تبرأ من حولِك وقوتك وذكائك، وحفظك وتحصيلك، وتتجه لله، وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين). والله قادر أن يعطي الإنسان الذكاء والحفظ، فإذا اغتر بعلمه وبذكائه خذله الله في آخر لحظة من لحظاته، ولربما جاء إلى الاختبار فسلّط الله عليه مرضاً في رأسه، أو سلّط عليه مرضاً في جسده فلا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة، فيتبرأ إلى الله من الحول والقوة، مهما كنت مجداً محصِّلاً مثابراً. كذلك أيضاً ينبغي لطالب العلم أن يرفق بالنفس خلال أيام الاختبارات، ولا يحملها ما لا تطيق من السهر والتعب والنصب، فيعطي النفس حقوقها من الراحة، وطعامها وشرابها، ثم يأخذ ما يريد، فإن الله حمّل المسلم أمانة النفس، فقال عليه الصلاة والسلام لمّا قال سلمان رضي الله عنه لـأبي الدرداء رضي الله عنه: (ولنفسك عليك حق) قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: (صدق سلمان )، أي: إن لنفسك عليك حقاً. فالسهر إلى ساعات متأخرة، وإرهاق النفس، وعدم إعطائها حقوقها في المطعم والمشرب والنوم، لا يجوز، فلا تحمل نفسك ما لا تطيق، ولربما سهر إلى ساعات متأخرة، وأدمن السهر وحمّل نفسه ما لا تطيق، فمرض مرضاً نفسياً، أو مرض مرضاً في جسده، فلا هو أدرك الاختبار، ولا هو أدرك صحة بدنه، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك في الحكمة المشهورة بقوله: (إن المنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع). كذلك أيضاً أوصي طالب العلم إذا دخل إلى صالة الاختبار والامتحان أن يتذكر امتحان الآخرة، فهذا مخلوق ضعيف يمتحنك، ولربما سألك سؤالاً قرأته قبل الاختبار بلحظات، ولكن لا إله إلا الله الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم أين نقاط ضعفك، ويعلم بماذا تجيب، وماذا تقول، وينشر كل ذلك أمام عينيك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فعلى الإنسان وهو داخل على صالة الاختبار في الدعة والسرور والأمور كلها مهيأة من أجل أن يجيب في اختباره براحة وطمأنينة، أن يتذكر الآخرة، وشتان ما بين الحالين: فإنه في الآخرة يأتي وهو فزع خائف وجِل، وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ* وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:18-20]. الإنسان لو قيل له قف أمام الناس وقل كلمتين، ارتعدت فرائصه، ورجفت أقدامه وأصابه الخوف والعي فلا يستطيع في بعض الأحيان أن يتكلم، فكيف إذا دُعي على رءوس الأولين والآخرين، حتى يقول حجّته ويبيِّن طريقه ومحجته؟! اللهم إنا نسألك رحمتك الواسعة، ونسألك بعزتك وجلالك وأسمائك الحسنى وصفاتك، نسألك اللهم بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، أن ترحم في موقف العرض عليك ذل مقامنا. اللهم ارحم في موقف العرض عليك ذل مقامنا. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن قال الله له: صدقت، وقالت الملائكة: صدقت، اذهبوا به إلى الجنة. اللهم إنا نعوذ بك من الفضيحة على رءوس الأشهاد، ربنا لا حول لنا ولا قوة. اللهم إنا نسألك العفو، اللهم إنا نسألك العفو، اللهم إنا نسألك العفو، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
__________________
ذللت طالبا .... فعززت مطلوبا ....
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23-11-09, 10:46 PM
عاطف جميل الفلسطيني عاطف جميل الفلسطيني غير متصل حالياً
حفظه الله من الفتن
 
تاريخ التسجيل: 05-03-06
الدولة: البرازيل
المشاركات: 1,075
افتراضي رد: بيع الأصول والثمار محمد مختار الشنقيطي

شرح زاد المستقنع - باب الحوالة عقد الحوالة من العقود التي أباحها الله لعباده، وهو من المعاملات المالية التي يقصد منها نقل الحق الثابت في ذمة الإنسان إلى شخص آخر، وعلى هذا فالحوالة عقد رفق واستيفاء. ومناسبة ذكر المصنف لباب الحوالة بعد القرض والرهن والضمان والكفالة: لاشتماله على براءة الذمة واستيفاء الحقوق، وباب الحوالة يشتمل على العديد من المسائل والأحكام الهامة التي لابد من فهمها والإجابة بها. تعريف الحوالة لغةً واصطلاحاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الحوالة] الحوالة: مأخوذة من التحول، وأصل مادة التحول في لغة العرب تطلق بمعنى الانتقال يقال: تحول إلى الشيء إذا انتقل إليه. والحوالة تطلق بهذا المعنى في غالب الاستعمال، ولذلك قال بعض العلماء: سمي الحول حولاً؛ لأنه يتحول الإنسان فيه وينتقل، فإذا مر العام ومرت السنة على الإنسان تغيرت أخلاقه وأموره وأحواله، فقد يتغير من الخير إلى الشر وقد يتغير من الشر إلى الخير، ولذلك سمي الحول حولاً من التحول بمعنى الانتقال. وهذا الباب -وهو باب الحوالة- يقصد العلماء رحمهم الله منه: نوع من المعاملات التي أباحها الله عز وجل لعباده، وهي من المعاملات المالية التي يقصد منها نقل الحق الثابت في ذمة الإنسان إلى شخص آخر. ولذلك عرف العلماء رحمهم الله الحوالة اصطلاحاً بقولهم: الحوالة انتقـال الحق من ذمة إلى ذمـة. انتقال الحق: والمراد بالحق هنا الدين المستقر في الذمة، انتقال الحق من ذمة إلى ذمة: إذا كان لإنسان عليك دين عشرة آلاف -مثلاً- فإما أن تقوم بسداده بنفسك وإما أن تحوله إلى شخص آخر لك عليه نفس المبلغ، وحينئذٍ إذا حولت هذا الدين من ذمتك إلى ذمة الآخر الذي لك عليه عشرة آلاف وصف هذا النوع من المعاملات بكونه حوالة، فهي حوالة شرعية ولها أحكام خاصة في الشريعة الإسلامية. وهذا النوع من العقود يصفه العلماء رحمهم الله: بكونه عقد رفق واستيفاء، أي عقد قصد الشرع منه أن يرفق بالعباد، وذلك من جهة كون الإنسان بدل أن يتكلف بمطالبة من له عليه الدين أحال الشخص الذي له عليه دين إلى شخص آخر. وهذا لا شك أن فيه رفقاً بالعباد، وفيه تيسير عليك وإبراء لذمتك، ووفاء وفكاك من الحقوق. وبناءً على ذلك فهناك مناسبة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي، فالحوالة: معناها خاص في الاصطلاح وأما في اللغة فإن معناها عام؛ لأنها في الحقيقة اللغوية صادقة على كل انتقال، فكل انتقال يوصف بكونه حوالة ويوصف بكونه تحولاً، إلا أن الحوالة في الاصطلاح انتقال مخصوص على وجه مخصوص بكيفية مخصوصة. ...... أدلة مشروعية الحوالة وعلى هذا يرد السؤال: ما هو الدليل على مشروعية الحوالة؟ ثبتت مشروعية الحوالة بدليل السنة وإجماع الأمة: أما دليل السنة: فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية: (فأتْبِعْهُ) . هذا الحديث يدل دلالة واضحة على مشروعية الحوالة وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا أحيل أحدكم على مليء). وقوله عليه الصلاة والسلام (إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) دل على مسائل: المسألة الأولى: وهي مشروعية الحوالة، وأن الإنسان إذا كان له دين على غيره وأحال صاحب الدين على ذلك الغريم الذي له عليه حظ فإن ذلك مشروع وجائز. وأما المسألة الثانية: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألزم المحال أن يقبل الحوالة في قوله: (فليتبع) فلو طالبك رجل بخمسة آلاف ريال، وقال لك: لي على فلان خمسة آلاف اذهب وخذها، فإنه حينئذٍ -على ظاهر هذا الحديث- يلزمك أن تتبع غريمك. واختلف العلماء في هذا اللفظ وهو قوله: (فَلْيَتْبَعْ) وفي رواية لـابن ماجة : (فأتْبِعْهُ) هل هو على الوجوب أو على الجواز؟ جمهور العلماء: على أنه للجواز؛ لأنه أمر بعد حظر، ومذهب الظاهرية والحنابلة وطائفة من أصحاب الإمام الشافعي على أنه للوجوب. وهذا هو الصحيح والأقوى أنك إذا أحلت على رجل مليء قادر ولك على إنسان دين فأحالك على ذلك المليء القادر فإنه يجب عليك أن تتبع المليء القادر. كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (على مليء) صفة ومفهوم المخالفة في الصفة: أنك إذا أحلت على معسر أو أحلت على مماطل ومؤذٍ فإن من حقك أن تمتنع. وقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم) فالمماطلة تكون غير مشروعة إذا كان الإنسان قادراً على السداد؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني) أي: القادر أن يسددك. وعلى هذا فلا يجوز للمسلم إذا كان عليه دين أن يماطل في السداد إذا حل الأجل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه إذا ماطل في السداد ولو مرة واحدة وهو قادر فإنه يعتبر فاسقاً؛ لأنها كبيرة، ويوصف بكونه فاسقاً وتسقط عدالته وترد شهادته. وقال بعض الجمهور رحمهم الله: إنه يشترط في الحكم بسقوط العدالة أن يتكرر مطله، فلا يكون مرتكباً للكبيرة في المرة الواحدة، بل لابد وأن يتكرر منه الامتناع والمماطلة. فهذا الحديث دل على مشروعية الحوالة كما ذكرنا، ودل إجماع العلماء على مشروعية الحوالة أيضاً، فقد أجمع أهل العلم رحمهم الله على أن الحوالة مشروعة، وأنه إذا كان عليك دين ولك على شخص دين وأحببت أن تحيل من له عليك الدين على الشخص الآخر الذي تسأله حقك وهو حق متماثل -مستوفٍ للشروط التي سنذكرهـا في الحوالة- فإن ذلك جائز ومشروع. وفي مشروعية الحوالة كما ذكرنا تيسير على العباد؛ لأن الحوالة تتضمن جلب المصلحة ودرء المفسدة، فجلبت المصلحة لك من جهة إبراء ذمتك، ودرأت المفسدة عنك من جهة أذية مطالبة الغير لك. ...... مناسبة ذكر باب الحوالة بعد الأبواب السابقة ذكر المصنف رحمه الله خمسة عقود أولها القرض ثم يليه الرهن ثم يليه الضمان والكفالة ثم بعد ذلك باب الحوالة، وجميع هذه العقود تسمى عقود الرفق، وبعضها يختلف عن بعض لكنها تشترك من جهة إبراء الذمم واستيفاء الحقوق، فأنت إذا نظرت إلى القرض فهو منشأ هذه الأبواب التي ذكرنا فغالباً ما يقع الضمان والكفالة -سواءً كانت كفالة حضور أو كفالة غرم- في الديون، والرهن يتركب على الدين، ثم الحوالة تكون في الديون، وهذه الأبواب كلها جاءت وراء بعضها لوجود المناسبة بينها. ولما كان عقد الحوالة يقصد منه الرفق شابه الأصل وهو القرض، ويقصد منه استيفاء الحقوق أيضاً؛ لأنك لما تحيل على المديون الذي لك عليه دين قصدت أن يستوفي صاحبك حقه من ذلك الدين، فهي من عقود الاستيفاء كالرهن، فإنك إذا وضعت السيارة رهناً أو الأرض رهناً إنما قصدت إذا عجزت عن السداد أن يسدد حقه من تلك العين المرهونة. فهذه الأبواب كلها المناسبة بينها واضحة، وآخرها باب الحوالة لاشتماله على الإبراء. إلا أن باب الحوالة يختلف عن الكفالة -التي كنا فيها في آخر دروسنا- من جهة كون الحوالة ينتقل الحق منك إلى الشخص الذي أحلت عليه، وبناءً على ذلك لا يستحق أن يطالبك بعد الحوالة، لكن في الضمان والكفالة من حقه أن يطالبك أو يطالب من كفلك، ولذلك قلنا: وله مطالبة أيهما شاء. ففي الكفالة إما أن يطالبك أو يطالب من كفلك، وأما في الحوالة، فلا يستطيع، إنما يتوجه مباشرة إلى الشخص الذي لك عليه الحق. وعلى هذا يختلف باب الكفالة عن باب الحوالة من هذا الوجه، وهو أن الحوالة توجب براءة الذمة، ولكن في الكفالة لا يبرأ المكفول إلا إذا أبرأه صاحب الدين على التفصيل الذي سبق بيانه والإشارة إليه. يقول المصنف رحمه الله: [لا تصح إلا على دين مستقر]. ...... أركان الحوالة الحوالة تتركب من أربعة أركان: - الركن الأول: المحيل. - والركن الثاني: المحال. - والركن الثالث: المحال عليه. - والركن الرابع: المحال به. أربعة أشياء: أولاً: المحيل، ثم المحال، ثم المحال عليه، ثم الرابع المحال به. فالحوالة تستلزم الأركان السابقة، فلو فرضنا أن لي عليك عشرة آلاف ريال، ولك على زيد عشر آلاف ريال، ففي الأصل أطالبك بالعشرة والدين الثاني مطالبتك لزيد بنفس العشرة. فإذاً هناك ثلاثة رءوس: من كان له الدين، ثم من عليه الدين، ثم هناك دين ثالث يتعلق به الرأس الثالث الذي قلنا هو زيد. ففي الحوالة تحيلني بالدين الذي عليك -وهو العشرة آلاف- على زيد. فإذاً أركان الحوالة أربعة هي: - محيل وهو أنت. - ومحال وهو أنا. - ومحال عليه وهو زيد. - ومحال به وهو العشرة آلاف. ...... شروط صحة الحوالة هناك شروط لابد من توفرها للحكم بصحة هذه الحوالة:...... أن تكون الحوالة على دين مستقر ذكر المصنف رحمه الله الشرط الأول بقوله: [لا تصح] أي: الحوالة [إلا على دين مستقر]. الديون تنقسم إلى ثلاثة أقسام: - دين لازم ومستقر. - وعكسه دين غير لازم وغير مستقر. - ودين لازم غير مستقر. النوع الأول من الديون: وهو الدين اللازم المستقر: مثلوا له بأروش الجنايات، وقيم المتلفات، وثمن المعاوضات في المبيع المقبوض، هذه ثلاثة أمثلة. المثال الأول: أروش الجنايات: يكون الدين فيها مستقراً؛ رجل اعتدى على رجل ولو كان خطأً، كأن يكون صدمه بسيارته أنه فتلفت رجله أو يده فانشلت، فثبت حكم القاضي بأن عليه نصف الدية، فإذاً يثبت للمجني عليه خمسون ألف ريال التي هي نصف الدية، فإذا حكم القاضي بذلك فمعناه أن المجني عليه يطالب الجاني بدين لازم مستقر. لازم لأن الجناية ثابتة عليه، وهذا الأرش قد جعله الشرع مقابل الجناية. فبوجود السبب ينشأ المسبب، فلا إشكال في ثبوت الجناية، وعليه لا إشكال في ثبوت الحق وهو نصف الدية، فإذاً أصبح لازماً؛ لأنه ليس من حق الجاني أن يقول: لا أعطيك، بل يلزمه ويطالب بها رغماً عن أنفه؛ لأن هذا من جناية يديه ومن كسبه وسعيه. فإذاً أولاً: هو لازم ولا يملك أن يتصالح في الامتناع منه، وثانياً: مستقر لأنه لا يئول إلى السقوط، وليس بمتردد يحتمل أن يبقى ولا يبقى، فإذاً أروش الجنايات يكون الدين فيها لازماً ومستقراً. المثال الثاني: قيم المتلفات: لو أن رجلاً صدم سيارة رجل فأتلفها أو كسر بها شيئاً، فقدر أهل الخبرة ذلك الإتلاف بعشرة آلاف ريال. فإذاً يُلزم بضمان هذا التلف الذي قدر أهل الخبرة أن قيمته عشرة آلاف ريال، فنقول: هذا الدين الذي تعلق بالذمة إذا قضى به القاضي لازم مستقر؛ لأنه ليس بالمتردد الذي يحتمل أن يبقى ويحتمل أن يلغى، فهو ثابت بثبوت الإتلاف، كما ذكرنا في الجنايات. المثال الثالث: كذلك أيضاً ثمن المعاوضات في المبيع المقبوض مثلاً: لو أن رجلاً اشترى منك سيارة بعشرين ألف ريال، قال لك: اشتريت سيارتك هذه بعشرين ألفاً، وقدمنا في البيع أن الإيجاب والقبول هو الصيغة للبيع، فإذا قال: قبلت لزمه البيع، فيبقى خيار المجلس إذا افترقتما وقبض السيارة لزمه أن يدفع ثمنها. فإذاً صار عقداً لازماً لأن البيع لازم، وقد بينا أنه من العقود اللازمة، والعشرون ألفاً التي هي قيمة السيارة مستحقة بالقبض. - أروش الجنايات. - قيم المتلفات. - ثمن المعاوضات في المبيع المقبوض. النوع الثاني: الدين غير اللازم غير المستقر مثاله: كما ذكرنا في المكاتبة رجل قال لعبده: كاتبتك باثني عشر ألفاً تدفع كل شهر ألفاً، لكن الكتابة من حيث هي يحتمل أن يعجز العبد فيعود رقيقاً ويحتمل أن يقوى وتمضي الكتابة، فهي دين غير مستقر. ولذلك يقولون: يشترط في صحة الحوالة أن تكون في الديون المستقرة، فالكتابة من حيث هي تعتبر من الديون غير المستقرة؛ وغير لازمة لأنه في هذه الحالة لو أن الرقيق قال: لا أريد، فإنه من حقه ولا يلزم بالكتابة. كذلك الجعالة لو قال: من عثر على سيارتي فله عشرة آلاف، فقبل العثور على السيارة فإن هذه العشرة آلاف غير مستحقه، ويحتمل أن يعثر عليها فيثبت الدين ويحتمل ألا يعثر عليها فلا يثبت الدين، فهو دين غير مستقر. وغير لازم لأن من حقه أن يفسخ الجعالة قبل، لو أنه قال: من وجد سيارة ضائعة أعطيه عشرة آلاف ثم قال: رجعت، فإن من حقه أن يرجع؛ لأنه عقد غير لازم، فإذاً غير لازم والدين أيضاً غير مستقر، فهذا النوع الثاني من الديون. النوع الثالث: الديون غير اللازمة غير المستقرة، وذلك كما لو قال له: بعتك عمارتي بعشرة آلف على أن لكل واحد منا الخيار ثلاثة أيام، ففي مدة الخيار نقول: البيع لازم من حيث هو، والأصل أنه عقد شرعي صحيح وثابت لا إشكال فيه، ولكن بالنسبة لهذا الدين وهو قيمة العمارة يحتمل أن يرجع أحدهما في مدة الخيار ويحتمل أن لا يرجع، فهو دين غير مستقر. وعلى هذا لما أجازت الشريعة هذه الأنواع الثلاثة من الديون فصّل العلماء رحمهم الله في الحوالة فقالوا: إنها لا تصح إلا في الديون المستقرة. فلا تصح إلا على دين مستقر، فلا تصح بالمكاتبة، ولا تصح -مثلاً- بمؤخر مهر المرأة أو إذا كان قبل الدخول، فلو أن امرأة عقد عليها رجل بعشرة آلاف، فلها عليه عشرة آلاف، لكن إذا لم يدخل بها فهي لا تستحق العشرة آلاف، ولا تستحق المبلغ إلا إذا دخل بها. فيحتمل أن يدخل بها وتستحق العشرة آلاف، ويحتمل أن لا يدخل بها، فلو أرادت أن تحيل على زوجها بهذا الدين لم يصح؛ لأنه في هذه الحالة لم يترك لها استحقاق العشرة آلاف أو استحقاق المبلغ الذي ذكرناه. فإذاً الشرط الأول في صحة الحوالة: أن تكون بدين مستقر، وهذا الشرط راجع إلى الركن الثالث وهو المحال به، فإنه لا تقع الحوالة إلا في ديون مستقرة، فإن كان الدين غير مستقر لم تصح الحوالة. قال رحمه الله: [ولا يعتبر استقرار المحال به] (المحال به): وهو الدين الذي لك على الشخص وتريد أن تحيله على الغير، فمن حقك في هذه الحالة أن تحيل على دين غير ثابت؛ لأن المحال به في الأصل غير ثابت، ويجوز في هذه الحالة أن يعاوض بالمثل. وبناءً على ذلك فرقوا بين الزوج والزوجة، فإن الزوجة إذا أحالت على الدين الذي ليس لها حق المطالبة به إلا بعد الدخول لم تصح حوالتها؛ لأن الدين لم يستقر ولم يثبت، لكن لو أن هذا الدين وهو العشرة آلاف ريال أحال به الزوج فإنه يصح ويعتبر في هذه الحالة صحيحاً. بمعنى: المرأة إذا طالبت الرجل بعشرة آلاف ولم يدخل بها فأحالها على رجل آخر صح؛ لأنه في هذه الحالة لا يشترط استقرار المحال به -يعني نفس الدين الذي للزوجة على الزوج- وإنما من حقه أن يمتنع من الإحالة، فيجوز له عندها أن يحيلها على طرف ثانٍ. زيادة في التوضيح نقول: المحال به وهو الدين الذي تحيل عليه يشترط أن يكون مستقراً حتى لا تغرر بصاحب الحق، لكن عكسه الأمر فيه خفيف، فإن الشخص نفسه إذا كانت المرأة تطالبه بعشرة آلاف، ولم يثبت بعدُ مطالبتها فأحال به ذلك الدين صح؛ لأنه في هذه الحالة حتى لو رجع فإنه يصح له الرجوع، فالأمر فيه أوسع من غيره.
اتفاق الدينين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً قال رحمه الله: [ويشترط اتفاق الدينين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً]. هذا الشرط الثاني من شروط صحة الحوالة: اتفاق الدينين جنساً ووصفاً وقدراً. الجنس: أن يتفق الدينان -الدين الأول الذي تحيل به والدين الثاني الذي تحيل عليه- جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة ودنانير بدنانير ودراهم بدراهم وريالات بريالات ودولارات بدولارات. فلا يصح أن يحيل بذهب على فضة، ولا يصح أن يحيل بريالات على دولارات؛ لأن رصيد الريالات من الفضة ورصيد الدولارات من الذهب، ولا يصح أن يحيل الريالات بالجنيهات ولا العكس؛ لأن رصيد الريالات من الفضة ورصيد الجنيهات من الذهب. فلو أن شخصاً له على آخر ثلاثة آلاف ريال، والمديون له على شخص ثانٍ مبلغ ألف دولار، فالثلاثة آلاف ريال تعادل الألف دولار، فأراد أن يحيل، نقول: لا يصح؛ لأنه في هذه الحالة تدخله شبهة الربا. ولذلك قال العلماء: لا يصح أن يحيل إلا مع اتحاد الدينين جنساً، وهذا راجع إلى مسألة أن الحوالة فيها شبهة بيع الدين بالدين. ولذلك العلماء اختلفوا في الحوالة على وجهين، وبعضهم يقسمه إلى ثلاثة أوجه: قال بعض العلماء: الحوالة من بيع الدين بالدين. فأنت لك عليّ عشرة آلاف دين، وأنا أُحيلك على شخص آخر لي عليه عشرة آلاف، فأصبح من باب بيع الدين بالدين، وهذا الوجه يقول به طائفة من العلماء رحمهم الله. وفائدة هذا الوجه: أنك إذا قلت: إن الحوالة من باب بيع الدين بالدين يثبت فيها خيار المجلس، وتسري عليها أحكام البيوع، ويعتبر عقد الحوالة بناءً على هذا القول مستثنىً من الأصل وخارجاً عن الأصل، وهذا في الحقيقة من أقوى الأقوال في المسألة وهو أنه من بيع الدين بالدين، فإن الذين قالوا: بأنها عقد إرفاق أو عقد استيفاء لم يستطيعوا أن يطبقوا أوصاف الاستيفاء في الأثر. ولذلك إذا أحال على مليء فاحتال فإنه لا يستطيع أن يرجع إليه، فدل على أن الذمة قد انتقلت، وهذا لا يمكن أن يقع في مسألة الاستيفاء كما ذكرنا في الرهونات، وإنما يقع في مسألة البيع. ولذلك القول: بأنها من بيع الدين بالدين من القوة بمكان، والسؤال: إذا كان الشرع قد حرم بيع الدين بالدين فكيف جازت الحوالة؟ قالوا: إن هذا مستثنى من الأصل. ولذلك يجوز إخراج الخاص من العام، فالأصل العام يقتضي عدم جواز بيع الدين بالدين، ولكن جاز في الحوالة لورود إذن الشرع بها ولهذا نظائر؛ فإن الشرع يضع الشيء فتبقى قاعدة ثم يستثني فروعاً منها، وقد يأتي الحكم في الشرع على سبيل العموم ثم يخصص الشرع منه ما شاء. وبناءً على ذلك تكون الحوالة فيها صورة البيع، وعلى هذا فإنهم يقولون: لابد وأن يكون الدينان متفقين جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة، فلا يصح أن يحيل ذهباً على فضة ولا فضة على ذهب، كذلك أيضاً: لابد أن يتفق الدينان صفة؛ لأن الدين يكون معجلاً ويكون مؤجلاً؛ فإذا كان لك على شخص دين إلى نهاية محرم وأحالك على شخص عليه دين مؤجل إلى نهاية محرم صحت الحوالة، فلو قال لك: يا محمد! لي على زيد عشرة آلاف في نهاية محرم، فالعشرة آلاف التي لك عليّ في نهاية محرم أحيلك على الدين الذي لي على زيد؛ صح ذلك لاتفاق الدينين تأجيلاً. وكذلك تعجيلاً فلو أنه أعطاك خمسة عشر ألفاً وحل الأجل في يوم خمسة عشر من ذي الحجة، فجاءك وقال لك: يا فلان! لي عليك خمسة عشر ألفاً أعطنيها، فتقول: أنا لي على زيد من الناس خمسة عشر ألفاً، وقد حلت مثلما حل دينك، اذهب وخذها من فلان فحينئذٍ يصح؛ لأن الدينين اتفقا صفة فالعاجل بالعاجل والآجل بالآجل، لكن لو كان أحدهما مُعجلاً والآخر مؤجلاً لم يصح، فلابد من اتفاقهما تعجيلاً وتأجيلاً. الوصف: معلوم أن الدنانير من الذهب تختلف، فهناك الدنانير المصرية والدنانير الأميرية والدراهم البغلية فيقولون: جنساً كذهب بذهب وفضة بفضة، ووصفاً وعليه فدراهم مصرية بأميرية لا يصح؛ لأن هذه لها صفة غير صفة هذه، أو دنانير مكسرة بدنانير صحيحة، أو دراهم مكسرة بدراهم صحيحة لا يصح، لكن دراهم صحيحة، بدراهم صحيحة ودنانير صحيحة بدنانير صحيحة يصح. ويدخل في الوصف التعجيل والتأجيل، وبعض العلماء يفرق التعجيل والتأجيل في الوقت كما صنع المصنف فقال: (جنساً ووصفاً ووقتاً). الوقت: هو التعجيل والتأجيل، ولابد في المؤجل أن يتفقا قرباً وبعداً، فلا يصح أن يكون الدينان أحدهما أجله قريب والثاني أجله بعيد، بل لابد وأن يتفق الأجلان حتى تصح الحوالة. قدراً: كعشرة آلاف بعشرة آلاف وخمسة عشر، بخمسة عشر، لكن يجوز أن يحيله بعشرة آلاف على شخص له عليه عشرون، فيقول له: أعطه منها عشرة يصح، ولا يؤثر وجود الفضل والزيادة، وتكون الحوالة في الحق الثابت بالدين الأول، فيقول له: لك عليّ عشرة آلاف ولي على زيد عشرون، اذهب وخذ منها عشرة سداداً لدينك ووفاءً لحقك. قال: [ ولا يؤثر الفاضل ]. كما ذكرنا كأن يحيله بعشرة آلاف على من له عليه عشرون.
أن تكون الحوالة بمعلوم الشرط الثالث من شروط صحة الحوالة: أن تكون بالمعلوم فلا تصح بالمجهول؛ لأنها إبراء للذمم، فلا يصح أن تكون بالمجهولات، لابد وأن يتحقق فيها العلم، خاصة وأننا قلنا: إن فيها شبهة البيع، فعلى القول بأن فيها شبهة البيع؛ فالبيع لا يصح بالمجهول، وقد بينّا اشتراط العلم بالمبيع.
أن تكون الحوالة برضا المحيل الشرط الرابع: رضا المحيل، فإذا أراد أن يحيلك اشترط أن يحيلك برضاه واختياره، ولا يصح دون رضا المحيل مثلاً، لو كان لك على زيد عشرة آلاف وأنت تعلم أن زيداً له على عمرو عشرة آلاف ليس من حقك أن تذهب إلى عمرو مباشرة دون أن يحيلك زيد، فإذاً: يتشرط فيها رضا المحيل، ولا يشترط رضا المحال كما سيأتي. هذه أربعة شروط هي التي تصح بها الحوالة، وقد عبر المصنف بقوله: (ولا تصح) وهذا يدل على أن الشروط شروط صحة؛ لأننا قدمنا أن هناك شروط صحة، وهناك شروط إجزاء، وهناك شروط نفاذ، وهنا قصد المصنف أن يبيّن أن هذا الشرط إذا لم يوجد ولم يتحقق لا نحكم بصحة عقد الحوالة. فإذاً هذه الأربعة شروط لا تصح الحوالة بدونها وهي: - الشرط الأول: أن يكون بدين ثابت مستقر. - الشرط الثاني: أن يكون الدينان متفقين جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً. - الشرط الثالث: أن تكون بمعلوم لا بمجهول. - الشرط الرابع: أن تكون برضا المحيل. هذه أربعة شروط لابد من توفرها، أما رضا المحيل: فقد حكى العلماء رحمهم الله الإجماع بهذه الصيغة بلا خلاف، فليس هناك أحد يخالف ويقول: إنها تقع حتى ولو لم يرض، إلا خلافاً شاذاً حكي عن الحسن البصري أحد أئمة التابعين رحمه الله برحمته الواسعة، ولكن جماهير السلف والخلف على هذا القول أنها لا تصح إلا برضا المحيل.
الأثر المترتب على صحة الحوالة قال رحمه الله: [وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل]. (وإذا صحت): الضمير عائد إلى الحوالة. فإذا صحت نقلت الدين والحق إلى ذمة المحال عليه. فإذا كان لك عليّ عشرة آلاف وأحلتك وصحت حوالتي انتقل حقك عليّ إلى ذمة زيد الذي ليّ عليه عشرة آلاف. وبناءً على ذلك يلاحظ أنها إلى البيع أقرب، ولذلك لو أحاله للاستيفاء لم يضر ولا نحكم باللزوم بمجرد الحكم كما ذكرنا في الرهن، وعلى هذا بمجرد وجود الشروط المعتبرة بصحة الحوالة لزمته، وليس من حقه أن يرجع لا المحيل ولا المحال. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) وفي رواية لـابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما: (فأَتْبِعْهُ) وهذا يدل على أنها إذا صحت حينئذٍ نحكم بانتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وأنبه ما على مسألة مهمة ستأتي إن شاء الله، فنحن أخرنا مسائل من العقود المعاصرة التي إن شاء الله سنتكلم عليها بعد باب الحوالة؛ والمشكلة أنه تؤخذ أسماء العقود الشرعية وتوضع على الأشياء ويدعى أنها شرعية، ولذلك أحببنا أن لا نتعرض للمسائل المعاصرة إلا بعد انتهائنا من العقود الشرعية كي نتصورها ونفهمها، حتى إذا جئنا نقول: منهم من يقول: إنها حوالة نقول: أنتم تعرفون أن الحوالة ضابطها كذا وكذا فهل ينطبق الضابط هنا أو لا؟ بمعنى حينما يأتي رجل إلى المصرف ويعطيه عشرة آلاف ريال على أن يحيلها إلى بلد في الخارج بقيمة غير قيمة الريالات -إلى دولارات أو إلى جنيهات- فهذه لا تعتبر حوالة لعدم الاتفاق في الجنس، ثم ليس فيها دين مستقر أيضاً. فما سبق يطلق عليه عامة الناس حوالة ولو جئت تقول: هذا لا يجوز؛ لأنه يشترط فيه التقابض فهو بيع وصرف، قال: لا هذا حوالة والحوالة جائزة شرعاً، فالعقود الشرعية لابد وأن تضبط بما ضبطها به أهل العلم مما استنبط من الكتاب والسنة. إذاً المسألة السابقة ليست من باب الحوالة، وإنما تكون في هذه الحالة وكالة وصرفاً، صرف لأنه صرف العشرة آلاف ريال إلى دولارات أو جنيهات أو إلى أي عملة أخرى، ثم وكل أن يعطى فلان في ذلك البلد، فهي إلى الوكالة أشبه منها بالحوالة؛ لأنه ليس له على الطرف الثاني بالبلد الثاني دين، إذاً ليس هناك دينان فلا يمكن أن ينطبق عليها ضابط الحوالة، فالحوالة التي ذكرها العلماء سبق ذكرها وذكر ضوابطهما، فانظروا كيف يكون الاسم والمسمى في الظاهر شيء، ولكن في الحقيقة والجوهر واللب شيء آخر. ومن هنا ننبه على مسألة مهمة -وإن شاء الله سننبه عليها أكثر- وهي قضية المسائل في المعاملات المعاصرة، لا تتحدث عن أي معاملة معاصرة تريد تخريجها على القديم إلا بعد ضبط القديم، فإذا قالوا: وديعة انظر ما هو ضابط الوديعة عند المتقدمين، وبعد أن تفهم ما هي الوديعة، وما هي حقيقتها عند المتقدمين، انظر في صورة المسألة المعاصر هل استوفت الأوصاف المعتبرة أم لا؟ إذا قال قائل: لو أردت أن أحيل عشرة آلاف من جدة إلى المدينة، فالدين واحد وهو عشرة آلاف بعشرة آلاف فحينئذٍ نقول: هذه المسألة ليست من باب الحوالة؛ لأنه ما مِن دين ثانٍ، يعني أنت الآن تتعامل مع شخص هو نفسه الذي سيفوض شخصاً آخر. وبناءً على ذلك يقولون: إنها إلى الوكالة أشبه منها من الحوالة، وهناك وجه عند اتفاق المبلغ المحال جنيهات أو ريالات أن يعطى حكم الحوالة، وسنبين ذلك عند حديثنا عن أحكام الحوالات بعد الانتهاء من باب الحوالة إن شاء الله تعالى. قال: [نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل] إذا أحلت شخصاً واستوفيت الشروط المعتبرة للحوالة، تكون عندها نقلت الحق وهو العشرة آلاف من ذمتك إلى ذمة من أحلت إليه، وبهذا تكون قد برئت ذمتك؛ لكن بالشروط التي ذكرناها في صحة الحوالة، وأن تكون الحوالة قد استوفي فيها شرط الإلزام، كأن تحيل على مليء، فلو أحلت على مفلس أو أحلت على غير مليء، فإنه لا تبرأ ذمتك ولا يلزم بالاتباع، لكن لو قبل برئت ذمتك. فإذاً من حيث الأصل نقول: إذا استوفت الحوالة شروطها وكانت على مليء واحتال المحال فإنها تبرأ ذمة المحيل. ...... حكم من أحال على مليء افتقر لكن هنا مسألة: نحن ذكرنا أن زيداً لو أحال عمراً على خالد بعشرة آلاف ريال، وخالد غني مقتدر وتمت الحوالة مستوفية للشروط، وبعد يومين أو ثلاثة أيام افتقر خالد أو أصبح معسراً فهل يرجع إلى المحيل؟ الجواب: لا. لأنه إذا تمت الحوالة وكانت في وقتها مستوفية للشروط وحكمنا بصحتها وبلزومها برئت ذمة المحيل مباشرة، وإذا برئت ذمته انقطعت الصلة بينه وبين من يطالبه، فحينئذٍ يكون وجهه على الطرف الثاني وهو المحال عليه. ...... المعتبر في الحوالة رضا المحيل لا المحال عليه قال رحمه الله: [ويعتبر رضاه لا رضا المحال عليه]. أي ويعتبر رضا المحيل؛ لأنه في الحقيقة إذا كان لك عليّ دين وأردت أن أحيلك على شخص آخر فإن الشخص الآخر -الذي هو خالد- الذي لي عليه الدين من حقي أن أحيلك عليه ومن حقي أن أسدد دينك من مالي، فكونك تذهب مباشرة إلى خـالد ليس من حقك ولا تثبت لك به الحوالة، فلو أنك ذهبت مباشرة إلى خالد وقلت: يا خالد لي على محمد عشرة آلاف ريال أريد أن آخذ منك العشرة آلاف التي لمحمد عليك، وأعطاك خالد المبلغ، فإن خالد! يُلزم شرعاً في هذه الحالة بدفع العشرة آلاف إليّ ويضمن؛ لأنني لم أوكله ولم آذن له بصرفها إلى ذلك الشخص الذي له عليّ الدين. إذاً لا تصح الحوالة إلا برضا المحيل، واعتبرناه شرطاً كما ذكرنا وهذا بلا خلاف، وقد نقل هذه الصيغة الإمام ابن قدامة والشوكاني وغيرهما من الأئمة رحمهم الله بلا خلاف أن رضا المحيل معتبر. قال: [لا رضا المحال عليه] في أصح قولي العلماء: أنه ليس من حق المحال عليه أن يمتنع وهو الطرف الثاني -خالد- الذي لي عليه عشرة آلاف، فلو أحلتك على خالد فليس من حق خالد أن يقول: لا، إنما يلزم؛ لأن ذمته مشغولة لي، ولي حق أن أصرفها إلى الغير، فهذا حق مستحق عليه سواءً دفعه لي أو دفعه لغيري، وليس من اللازم أن يرضى. إلا أن بعض العلماء يقول: يشترط رضا المحال عليه. والسبب في هذا: أن للناس كرامة ولهم حقوق، فقد أرضى أن آخذ الدين منك وتكون غريماً لي ولا أرضى بشخص آخر، فقالوا: إذا كان فيه ضرر كعدو يشمت به أو إنسان منّان يتحدث أو يؤذيه أو يضره فمن حقه أن يمتنع من الإحالة. وهذا القول في الحقيقة من جهة مقاصد الشريعة العامة له وجهه، لكن من جهة المعاملات وضوابط المعاملات وأصول المعاملات والقواعد المقررة في شريعتنا في المعاملة ليس من حقه أن يرضى، يعني رضاه أو عدم رضاه ليس بمشترط، بمعنى أننا إذا جئنا إلى وجود الضرر -والقاعدة أن الضرر يزال- وأن الحوالة هنا تضمنت الضرر وقد شرعت للرفق ممكن أن تقول: ويشترط رضا المحال عليه. وإذا جئت تنظر من جهة استيفاء الحقوق أن الرجل ما ظُلم، وأن الحق الذي على خالد سيدفعه لمحمد أو سيدفعه لي على حد سواء، وغاية هذا الأمر أنه نقل الحق من ذمة إلى ذمة وليس في هذا ضرر، فكما أنه مطالب بحق محمد فهو مطالب بحقي هذا يقتضي الجواز، أي: يقتضي أنه يجوز أن يحيله بدون رضاه وكلا القولين له وجهه. ...... لا عبرة في الحوالة برضا المحال قال: [ولا المحتال على مليء]: أي لا يشترط رضاك إذا أُحلت على مليء، وهذا لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) مفهوم قوله: (على مليء) أنك إذا أُحلت على غير مليء فإن من حقك أن تمتنع، فلو قال لك رجل: العشرة آلاف التي لك عليّ أحيلك على زيد وأنت تعرف أن زيداً مفلس، أو أن زيداً مماطل، وأنه مؤذٍ ولا تستطيع أن تستوفي حقك منه فمن حقك أن تمتنع، وهذا صحيح أنه لا تلزمك الحوالة إلا إذا كانت على مليء لا ضرر عليك من الحوالة عليه. ...... عدم نفاذ الإحالة على مفلس إلا برضا المحال قال: [وإن كان مفلساً ولم يكن رضي رجع به]. (وإن كان مفلساً) يعني المحال عليه، (ولم يكن رضي) يعني المحال (رجع عليه) بمعنى أنه إذا رضي ليس من حقه أن يرجع. فإذاً إذا أحلت على مفلس فهناك صورتان: الصورة الأولى: أن لا ترضى، فلو أُحلت على مفلس ولم ترض، ثم ذهبت إلى المفلس فامتنع وأبى، فمن حقك أن ترجع إلى المحيل. والصورة الثانية: أن تحال على مفلس وترضى، فلما رضيت وذهبت إلى المفلس وجدته سيتعبك فرجعت إلى المحيل، فليس من حقك أن ترجع. إذاً الرضا يسقط الحق في الرجوع، فالمحال إذا رضي بالمفلس فإنه ليس من حقه أن يرجع. ...... الحكم فيمن أحيل بثمن مبيع ثم ظهر بطلان البيع قال رحمه الله: [ومن أحيل بثمن مبيع أو أحيل به عليه فبان البيع باطلاً فلا حوالة]. فلو بعت عمارة بخمسمائة ألف ريال، ولما بعتها بهذا المبلغ قبض المشتري العمارة على أن يسدد لك المبلغ في نهاية السنة فالدين ثابت ومستقر، وأردت أن تحيل شخصاً له عليك نصف مليون فقلت له: النصف مليون التي لك عليّ أحيلك على فلان الذي اشترى مني العمارة، فهذه الحوالة صحيحة. فهنا الدينان متفقان جنساً ووصفاً وقدراً ووقتاً وقد رضي المحال على أنه في نهاية السنة سيذهب ويأخذ المبلغ، يصح أن تحيل على ثمن العمارة إذا كنت أنت البائع، ويصح للمشتري منك الذي تطالبه بنصف المليون أن يحيلك على آخر، يعني بثمن العمارة الذي تطالبه به وهو نصف مليون، فيصح لكلا الطرفين البائع والمشتري. البائع يُحيل بدين عليه يؤخذ من قيمة العمارة، هذا بالنسبة للبائع، والمشتري يحيل البائع بدين العمارة وهي نصف مليون على شخص آخر له عليه نصف مليون، هذا بالنسبة لأصل الحوالة، فالمبيع صحيح ولا إشكال فيه، ففي نهاية السنة ذهب صاحب العمارة إلى ذلك الشخص الذي أحلته عليه فأعطاه نصف مليون، فلا إشكال؛ لأن الحوالة تمت وبرئت الذمة. العكس لو أن صاحب العمارة طالبه طرف ثانٍ بنصف مليون فأحال على المشتري، أي: أحال عليك رجل له عليه نصف مليون، فجاء في نهاية السنة وطالبك بنصف مليون وأعطيته إياها، فإذاً صحت من البائع وصحت من المشتري، هذا بالنسبة إذا كان المبيع مستوفياً للشروط. لكن لو وقعت الحوالة في مبيع باطل من أصله كمن باع خمراً أو باع ميتة أو باع خنـزيراً فالثمن غير مستحق في الأصل، فإذا كان الثمن غير مستحق في الأصل فالدين غير ثابت؛ لأننا بينّا أن من شروط صحة الحوالة أن تكون بدين مستقر، والدين إذا كان أصله باطلاً لم تثبت المطالبة. فلو أنه باعه محرم العين بألف ريال، فإن هذه الألف لا تثبت والذمة لا تنشغل بها، فالبيع باطل من أصله وليس هناك دين أصلاً، فلو أحال عليه أو به لم تصح الحوالة. إذاً يُشترط في صحة الحوالة كما ذكرنا أن يكون الدين من حيث الأصل ثابتاً، وإذا كان البيع من أصله باطلاً لم يثبت الدين، وإذا لم يثبت الدين لم تصح الحوالة ويُحكم ببطلانها. هذا بالنسبة إذا بان أن البيع باطل، أو أن المبيع مستحق للغير؛ كرجل باعك عمارة بنصف مليون، وتبين أنه اغتصب العمارة أو أنها ملك لغيره، فالدين غير ثابت، فالحوالة باطلة فلو أحال عليه أو به لم تصح. ...... الحكم فيمن أحيل بثمن مبيع ثم انفسخ البيع قال رحمه الله: [وإذا فسخ البيع لم تبطل ولهما أن يحيلا]. فرق العلماء بين بطلان البيع وفسخ البيع، وفقه المسألة راجع إلى مسألة استقرار الدين، وهي أشبه بالمسألة المتقدمة معنا حينما قلنا ليس من حق الزوجة أن تحيل على زوجها في صداق قبل أن يدخل بها؛ لأن الدين لم يستقر، ومن حق الزوج أن يحيل الزوجة بذلك الدين على شخص آخر؛ لأن من حقه أن يعجل المهر. كذلك هنا فرقنا بين كون البيع باطلاً من أصله بحيث لا يثبت دين، وبين كونه ثابتاً ثم يطرأ الفسخ من المتعاقدين، أو يوجد سبب يوجب الخيار كخيار العيب ونحوه كما سنبينه. لما قلنا للزوج في الحوالة أنه إذا كان الدين مستقراً صحت الحوالة عليه وبه كما ذكرنا، وإذا كان غير مستقر فإنه يصح أن يحيل على طرف ثانٍ في دين غير مستقر فالمرأة -مثلاً- إذا كان مهرها عشرة آلاف ريال فمن حقك أن تعطيها عشرة آلاف ريال قبل الدخول فتعجل لها ذلك، فكما أن من حقك أن تعطيها العشرة آلاف قبل الدخول فمن حقك أن تقول لها: هذه العشرة التي لك عليّ أو أعطيتك إياها مهراً أحيلك على زيد أو على عمرو الذي لي عليه عشرة آلاف؛ فأحلتها وهي تطالبك بدين غير مستقر. فإذاً فقه المسألة كلها في الدين المستقر، وهنا في البيع إذا جاء وقال لها: بعتك عمارتي بعشرة آلاف ريال والعمارة صحيحة وقبضت وثبت الدين صحت الحوالة من البائع ومن المشتري بالتفصيل الذي ذكرناه، فلو أن هذا البيع الذي وقع بين الطرفين تبيّن أنه باطل من أصله، فإذاً لم يثبت استقرار الدين في الذمة فتبطل الحوالة؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، كما لو قال لك: العشرة آلاف التي لك عليّ خذها من زيد وهو ليس له على زيد عشرة آلاف وادعى أن له على زيد عشرة آلاف، فإذاً هي باطلة من أصلها. فهنا إذا بان بطلان البيع فكأنه أحالك على شخص ليس له عليه شيء، لكن لو أن البيع صح ثم إن الطرفين اتفقا على الإقالة؛ فحينئذٍ يفرّق بينهما؛ لأن البيع أثبت الحق وإذا ثبت الحق فكونهما بعد ذلك يريان فسخه المهم أنها تثبت الحوالة كما قلنا: إذا كان مليئاً أثناء الحوالة ثبتت الحوالة، ثم بعد ملئه صار مفلساً، فيكون قد طرأ شيء وهذا لا يؤثر. فإذاً إذا كان البيع بأصله صحيحاً ثم ظهر في المبيع عيب يقع به خيار العيب واستحق الفسخ، فإن الذمة قد شغلت في الأول إن صح البيع، فصح أن يحيل عليه وبه. فكونه بعد ذلك يطرأ ما يوجب الخيار ويختار أحدهما الفسخ هذا أمر لا يلغي العقد؛ فحينئذٍ يصح أن يحيل به وأن يحيل عليه، ففرّق بين كونه باطلاً في أصله وبين كون الطرفين قد اتفقا على فسخه أو على الإقالـة فانفسخ البيع بسببهما. إن شاء الله بالنسبة للدرس القادم وما بعده سيكون الحديث عن المسائل المعاصرة، نتحدث فيها على جملة من المسائل المتعلقة بالحوالة والضمان، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا المعونة، وأن يجعل العلم خالصاً لوجه الكريم موجباً لرضوانه العظيم. وسنبين فيها بعض الفروع والمسائل؛ لأن هذا متصل بموضوعنا، فالفقه قديمه جديد وجديده قديم، فالشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وكوننا ندرس الفقه القديم دون أن يكون هناك إلمام بالمسائل التي سميت بأسماء العقود القديمة حتى نعرف صوابها من خطئها وحقها من باطلها هذا لا شك أنه يكون بمعزل. ولا يخفى أن الإنسان إذا قرأ الفقه وكانت الأمثلة قديمة لم يستطع أن يستوعب، ولن يستطيع أن يستفيد أو يفيد، فلذلك لابد من التعرض لهذه المسائل ومعرفة موقف الشريعة منها. وهذا إن شاء الله وبإذن الله عز وجل سنسير فيه على منهج التصور، فإن كان عندنا عقد قديم نتصوره، وإذا كان عندنا عقد جديد نتصوره؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبعد أن نتصوره بحقيقته وبطريقه المعروفة بعد ذلك يكون التخريج أو ما يسمى بالتكييف الفقهي، وهو معرفة كيفية العقد وصورته الفقهية هل هو مخرج على عقد شرعي؟ يعني إما أن يكون مخرجاً على عقد شرعي قديم أو غير مخرج، فإن كان مخرجاً على عقد شرعي قديم تنتقل إلى مسألة ثانية وهي ما هي شروط هذا العقد القديم؟ وهل استوفى هذا الجديد الشروط القديمة؟ أم حصل تغيير في شروطه وتغيير فيما ذكره العلماء من لوازمه؟ كل ذلك إن شاء الله سنبينه، ونسأل الله تعالى أن يعيننا بحوله وقوته، وأن يلهمنا الرشد والصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ...... الأسئلة ...... الحكم فيما لو أحال المستأجر المؤجر بأجرته قبل استيفاء المنفعة السؤال: علمنا أنه يجوز أن يحيل الزوج زوجته بصداقها قبل الدخول، فهل يماثلها لو أحال المستأجر المؤجر من أجرته قبل استيفاء المنفعة؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: اختلف العلماء رحمهم الله في عقد الإجارة هل الأجرة لازمة بالعقد أو لازمة بالاستيفاء؟ هذان وجهان للعلماء: بعض العلماء يقول: الأجرة لازمة بالعقد، وبناءً على هذا القول تستحق الأجرة بمجرد العقد، ويشمل هذا إجارة المنافع والدور. مثلاً لو استأجرت شقة سنة باثني عشر ألفاً، فإن كل شهر له ألف ريال، قالوا: إن الأجرة تستحق بمجرد العقد، فأشكل على هذا القول كيف تقولون: إن صاحب الشقة يستحق الاثني عشر ألفاً مع أن المستأجر لم يستنفع بعد والمنافع غير موجودة؟ قالوا: تمكين المؤجر للمستأجر من السلعة ينزل فيه المعدوم منزلة الموجود، يعني ما دام خلى بينه وبين الشقة ومكنه منها فمعنى ذلك أنه سيستوفي فينزل المعدوم منزلة الموجود. والوجه الثاني: أن الأجرة تستحق بالاستيفاء، وعلى هذا تستحق شيئاً فشيئاً، فإذا تمت السنة استحق الاثني عشر ألفاً. فائدة الخلاف: لو أعطاك الأجرة مقدماً فحينئذٍ أنت تستحقها شيئاً فشيئاً شهراً فشهراً، وعلى هذا لا تلزمك زكاتها إلا بعد الاستحقاق. وأما إذا قلنا: إنها تستحق بالعقد فينشأ حولها من القبض، فإن قبضت الأجرة تصبح في هذه الحالة تستقبل الحول بالاثني عشر كاملاً، لكن إذا قلنا: إنها تستحق بالمنافع فلكل شهر أجرته ولكل شهر حوله. والله تعالى أعلم.
صيغة انعقاد الحوالة السؤال: هل للحوالة صيغة معينة أم تنعقد بكل ما دل عليها؟ الجواب: الحوالة تنعقد بالصيغة الصريحة، أحلت على فلان، وهذا من صريح الألفاظ، وبعض العلماء أجاز أن تكون بلفظ الوكالة وبالألفاظ التي جرى العرف بها كقولك: خذ حقك من فلان أو خذ مالك عليّ من فلان فلا ذكر هنا للحوالة، لكن هذا يعتبر من الكنايات ورجح شيخ الإسلام رحمه الله وطائفة: أن صيغ العقود لا تتقيد بالألفاظ المخصوصة، وإنما يرد فيها إلى كل عرف بحسبه، فإن فهم الطرفان معنى الحوالة، أخذت حكم الحوالة وإن لم يكن ذلك فلا. والله تعالى أعلم.
حكم إحالة المحال عليه إلى آخر السؤال: هل للمُحال عليه أن يحيل على آخر؟ الجواب: إذا ثبت الدين واستقر فإنه في هذه الحالة يكون الحق للأول ولا يجوز صرفه إلى الثاني؛ لأن الحوالة خارجة عن الأصل، ولذلك تشرع بالحوالة الأولى ولا تنتقل إلى حوالة ثانية لشُبهة البيع كما ذكرنا، وقالوا: خاصة إذا كان من جنس ما يشترط فيه القبض؛ لأن ما يشترط فيه القبض -كما قال العلماء- لا يصح بيعه قبل قبضه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - بعض المعاملات المالية المعاصرة وبطاقة الائتمان [1] الفقه الإسلامي كل ما يتعلق بالمسائل المالية، ومن هذه المسائل ما يتعلق بالقرض والرهن والضمان وغيرها من الأبواب الأخرى. ونظراً لما في الشريعة من المرونة والشمول لكل ما يستجد في حياة الناس، فقد أدرجت تحت هذه الأبواب بعض المعاملات المالية المعاصرة والتي منها بطاقة الائتمان، فبينت ما يتعلق بها من أحكام، وفرقت بين ما يجوز فيها من معاملات وما لا يجوز. توطئة في المعاملات المالية المعاصرة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تقدمت معنا جملة من الأبواب التي تتعلق بالمسائل الفقهية المالية، وكان آخرها باب القرض والرهن والضمان والكفالة والحوالة، وهذه الأبواب ترتب بعضها على بعض. وذكرنا أن العلماء رحمهم الله من المحدثين والفقهاء ذكروا القرض؛ لأن الرهن ينبني عليه فأتبعوه بالرهن، وكذلك الكفالة والضمان كلٌ منهما متعلق بالذمم، ومن هنا أتبعوا باب الرهن بباب الضمان. ثم ذكرنا باب الحوالة؛ لأنه يتعلق بالديون وشغل الذمم، فهو طريق لإبراء الذمة بإحالة صاحب الدين على مدينٍ آخر، وذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأبواب. ونظراً إلى أن بعض المعاملات المالية المعاصرة تندرج تحت بعض هذه الأبواب، كان من الأهمية بمكان أن يعتنى ببيان حكمها الشرعي، وما يتعلق بها من مسائل؛ لأن قديم الإسلام جديد وجديده قديم، وحكم الله سبحانه وتعالى في المسائل المالية كحكمه في المسائل المتعلقة بالعبادات، فالإسلام دين كامل، ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيّن حكمها وأصلها، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، فمن كمال هذه الشريعة أنها وفّت للناس لبيان حكم الله عز وجل في كل صغير وكبير، وجليل وحقير. وقد اعتنت الشريعة الإسلامية واعتنى العلماء من المحدثين والفقهاء ببيان الأحكام لكل ما جدّ وطرأ، ولم تقف الشريعة يوماً من الأيام عاجزة أمام مسألة أياً كانت المسألة، وإن قصرت أفهام بعض العلماء عن فهم بعض المسائل، فهذا لا يعني أن الشريعة عاجزة عن بيان الحكم: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115] فكلمات الله تامة، والقواعد التي جاءت بها آيات الكتاب وأحاديث السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد عامة جامعة شاملة، اندرجت تحتها المسائل وأيضاً تبعتها النوازل؛ ولذلك لما شعّ ضياء الإسلام على مشارق الأرض ومغاربها، وكانت الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط ما وقفت يوماً من الأيام عاجزة عن بيان حكم من أحكام الله عز وجل في مسألة أياً كانت المسألة. وعلى هذا كان من الأهمية بمكان لطالب العلم أن يربط بين المسائل المعاصرة والمسائل القديمة، وأن يعرف حكم الله عز وجل في هذه المسائل، وإذا كانت المسألة قد طرأت وجدّت في أي عصر من العصور، خاصة إذا كانت مسألة متعلقة بالمعاملات المالية، فإن على طالب العلم أولاً أن يعرف حقيقة المعاملة أو صورة المسألة، فأول ما ينبغي على طالب العلم في المسائل العصرية مرحلة التصور، ومرحلة التصور تحتاج من طالب العلم أن يسأل أهل الخبرة وأهل المعرفة عن هذه المسائل، فإن كانت المسألة التي طرأت عليك في الفقه متعلقة بالأموال، رجعت إلى من عنده خبرة بمسائل الاقتصاد والمال وسألته، وإن كانت المسألة متعلقة بالطب رجعت إلى الأطباء وسألتهم، وخلال ذلك ينبغي على السائل عند سؤال للمختصين أن يكون سؤاله لأوثق الناس وأعرف الناس وأعلم الناس في كل فن، وقد قرر هذا شيخ الإسلام رحمه الله وأئمة الإسلام الأعلام، أنه يرجع في كل فن إلى أهل العلم به، فإذا سألتهم وبينوا لك حقيقة المعاملة حينئذٍ تصورت، وبعد أن تتصور تكون قد درست الباب الذي تندرج تحته المسألة، فإن كانت المسألة مالية متعلقة مثلاً بباب الشركات تتصور ما هي حقيقة الشركة المعاصرة، وقد بين الفقهاء رحمهم الله في كتبهم كنوزاً عظيمة ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها أيما عناية، فتجدهم يذكرون في كل باب أركانه وشروطه وواجباته، وهذه الأمور التي ذكروها إذا أتقنها طالب العلم يستطيع في أي مسألة أن يلمّ بشتاتها؛ لأنه إذا كانت المسألة متعلقة بالشركات -وهي مسألة معاصرة- سألت فاستبانت حقيقة الشركة، وعرفت أطراف الأفراد المشتركين فيها، والمقصودة منها، ومجال التعامل فيها، ثم بعد ذلك رجعت إلى ما قرره العلماء: ما هي أركان هذه الشركة، وما هي الشروط المعتبرة للحكم بصحة الشركة، وما هي الأمور التي ينبغي توفرها للحكم بسلامة عقود الشركات، ثم بعد ذلك تبيّن هل هي جائزة أو غير جائزة. فإذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: يتعلق بالتصور. والأمر الثاني: يتعلق بما يسمى بالتخريج الفقهي. فأنت إذا تصورت الذي أمامك مما جدّ ونزل من المسائل، بعد ذلك تكون عندك الخلفية القديمة للمسائل القديمة التي قعّدها العلماء فتنظر، قالوا: هذا عقد حوالة، وسموه حوالة مثلاً، ترجع إلى باب الحوالة في الفقه، وتسأل: ما هي حقيقة الحوالة أولاً؟ ثم ما هي أركانها؟ وما هي شروطها المعتبرة للحكم بصحتها؟ ثم تنظر في الذي أمامك هل ينطبق عليه تعريف الحوالة الذي ذكره العلماء؟ وما هي الأركان في هذا العقد المعاصر للحوالة المعاصرة؟ فإن وجدته تنطبق عليه الصفات حينئذٍ تفرّع عليه ما ذكره العلماء، وتكون حوالة إلا أنها اختلفت باختلاف الأزمنة والأمكنة، إلا أن الحقيقة والجوهر شيء واحد. هذا بالنسبة لمسألة التخريج. في بعض الأحيان قد تجد أن الاسم شيء والحقيقة شيء آخر، فيقال: هذه وديعة، فترجع إلى أساس الوديعة وضابط الوديعة عند الفقهاء فتجده لا ينطبق على ما يسمونه مثلاً وديعة، فتقول: هذا العقد يسمى في زماننا بالوديعة، ولكنه في الحقيقة قرض وآخذ حكم القروض. فإذاً مسألة الخلط في الفتوى في المسائل المعاصرة، تأتي بقصور في التصور، وهنا أنبّه على أنه إذا كان طالب العلم يريد أن يتكلم في مسألة ينبغي ألا يستعجل، وعلى العالم ألا يستعجل الفتوى في المسألة حتى يرجع لأهل الخبرة؛ لأن عرض الناس وسؤال الناس يؤثر في الفتوى أحياناً؛ فلربما دخل في السؤال عاطفة، أو دخل نوع من التحيل لإقناع العالم بالتحريم، ونحو ذلك من الأخطاء التي قد يقع فيها من يستعجل في فتواه دون الرجوع إلى أهل الخبرة؛ لأنه ليس الهدف أن نتكلم في زيد أو عمرو، إنما الهدف أن نعرف حكم الله عز وجل، وليس الهدف أن ينجرّ الإنسان وراء عاطفته بتحليل أمر أو تحريم أمر يتحمل مسئوليته أمام الله عز وجل، وإنما المهم أن ينصح لله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا الدين وللأمة ببيان حقيقة الحكم الشرعي في المسائل. فإذاً لابد من العناية بهذه الأمور التي حصل فيها الاختلاف وتباينت فيها وجهات النظر بسبب دخول العواطف، وينبغي إذا اخترت أحداً من أهل الخبرة أن يكون معروفاً بالورع والعدالة، وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله وكذلك الإمام ابن فرحون في تبصرة الحكّام: أن الرجوع لأهل الخبرة على حسب الأوثق منهم، ولو كانوا من غير ديننا، كأن يكون من أهل الكتاب وعنده خبرة ولكن يعرف بالأمانة والنصيحة، وقد ذكر هذه المسألة شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية، وبيّن رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطب الحارث بن كلدة ويأمر الصحابة باستطبابه، وكذلك استأجر عبد الله بن أريقط وهو رجل من بني الديل هادياً خريتاً وذلك لمعرفة الطرق، فإذا أعجز الإنسان أن يجد العدل المأمون فلا بأس أن يرجع إلى أمثل أهل الخبرة في كل فنٍ ممن عرف بالإتقان والضبط. وإذا علم هذا فإن المسائل المالية المعاصرة كبطاقة الائتمان أو خطاب الضمان أو الاعتماد المستندي أو الكمبيالات أو الأوراق التجارية أو الحوالات المصرفية، ينبغي أن نفرق في تصورها بين أمرين: الأمر الأول: فهم وتصور ماهية المعاملة وحقيقتها وأركانها وما يتبع ذلك من شروط التعاقد فيها. الأمر الثاني: عدم الخوض في مسألة كيفية العقود بطريقة مفصلة والتي هي من شأن أهل الاختصاص، وليست من شأن طالب الفقه أو طالب العلم. وبناءً على ذلك: سنتكلم إن شاء الله على بطاقة الائتمان. وقد اخترنا جملة من المسائل لتطبيق الأبواب التي ذكرناها سابقاً، فعندنا باب القرض والرهن والضمان والكفالة والحوالة، سنختار لباب القرض والرهن بطاقة الائتمان، وكذلك أيضاً نختار للكفالة والضمان خطاب الضمان، وبعد ذلك نتكلم على جملة من المسائل المتعلقة بالتحويلات أو الحوالات، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا السداد وأن يلهمنا الرشاد، وأن يجعل ما نتعلمه ونُعلِّمه خالصاً لوجهه الكريم موجباً لرضوانه العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا وهو نعم الوكيل. ...... بطاقة الائتمان ...... نبذة تاريخية عن نشأة بطائق الائتمان بطاقة الائتمان نوع من المعاملات المعاصرة، جدّت وطرأت في هذا القرن المعاصر الذي نحن في آخره، فيقال: إنها أول ما نشأت في عام (1918م)، وكان التعامل بها على مستوى الشركات، فكانوا يعطونها لأفرادهم، ويقوم الفرد بالتعامل مع المحلات التجارية بواسطتها على أن تلتزم الشركات بالدفع عنه، وكانت أشبه ما تكون بعقد الوفاء. ثم بعد ذلك تطورت هذه البطاقة في ما يقرب من عام (1950م) إلى عام (1958م)؛ والسبب في هذا أن الكتب التي تكلمت على تاريخها تتكلم بالتاريخ الميلادي، لكن المهم التصور عن نشأتها، في هذه الفترة صدرت بطاقات من هيئات مالية، وكانت هذه الهيئات قد وجدت الجدوى والفائدة في إصدار هذا النوع من البطاقات؛ لأنها تدر أرباحاً وفوائد وعوائد مالية، فدخلت البطاقة إلى البنوك والمصارف في هذه السنوات تقريباً، وصدرت بطاقات مشهورة في هذه الفترة، ثم انتشرت من بلاد الغرب حتى عمّت أكثر أرجاء المعمورة كما هو موجود في زماننا.
تعريف بطاقة الائتمان هذه البطاقات وهي بطاقات الائتمان لم يوضع لها تعريف محدد، إلا أن بعض المجامع العلمية وضعت تعريفاً يعتبر من أنسب التعاريف لهذا النوع من البطاقات، وتعريف بطاقات الائتمان أمر من الأهمية بمكان؛ لأننا ذكرنا أنك إذا عرفت حقيقة المعاملة والعقد المعاصر، أمكنك تخريجه على ما تقدّم من أبواب الفقه، وأيضاً معرفة أركانه وشروطه على التفصيل الذي سنبينه إن شاء الله. فبطاقة الائتمان حقيقتها: مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري، بناءً على عقد بينهما يمكِّنه من شراء السلع والخدمات مِن مَن يعتمد المستند، دون أن يدفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدِر الدفع عنه. إلى هذا الحد يتمّ تعريف البطاقة، إلا أنهم ألحقوا بهذا التعريف جملة وهي: ومن أنواع هذا المستند ما يمكِّن صاحبه من صرف النقود أو سحبها من المصارف. وهذا التعريف نريد أن نقف معه وقفة نتصور بها حقيقة ما يسمى ببطاقة الائتمان، وهذا التصور وهو في الحقيقة تعريف مجمع الفقه الإسلامي لبطائق الائتمان، وهو من أنسب التعاريف وأجمعها وأفضلها ويعطي تصوراً شبه كامل لما يسمى ببطاقة الائتمان. فقالوا: (بطاقة الائتمان مستند) والمستند: هو عمدة الشيء، والمراد بالمستند هنا هو البطاقة، وعُبّر عنه بكونه مستنداً؛ لأن صاحبه يستند إليه في التعامل، وبطبيعة الحال هذه البطاقة تتميز من باب التصور بشعار معين ومعلومات معينة يمكن من خلالها معرفة حساب العميل أو رقم العميل. قالوا: (مستند يعطيه مُصدِرُه) بطاقة الائتمان فيها مصطلحات معروفة عند من يتعامل بها، فهناك شيء يسمى المصدِر، والمصدِر: هو الجهة التي تقوم بإصدار هذا النوع من البطاقات، وتشمل في الغالب البنوك والشركات والمصارف، فقولهم: (مستند يعطيه مُصدِرُه) يعني الجهة التي تلتزم بما في هذه البطاقة مما ذكرنا. قالوا: (لشخص طبيعي أو اعتباري) يعني هذه البطاقة تعطى لطرف ثانٍ، فعندنا في هذه الحالة طرفان: الطرف الأول: المصدِر وهو البنك أو الشركة أو المصنع، وعندنا الطرف الثاني: وهو الذي يستفيد من هذه البطاقة، ويسمى في الاصطلاح حامل البطاقة، ودائماً ما يعبّر عنه بالحامل، يقال: الحامل ويلتزم الحامل وعلى الحامل، والمراد بالحامل العميل، إلا أن هذا العميل جاء في التعريف أنه يشمل نوعين من العملاء الذين يتعاملون بهذا النوع من البطاقات، فقالوا: (لشخص طبيعي أو اعتباري)، الشخص الطبيعي هو أنت أو أنا أو أي شخص زيد أو عمرو من الناس، لكن الذي يهمنا قولهم: (أو اعتباري)، فمن هو الشخص الاعتباري؟ الشخصية الاعتبارية: مصطلح حادث، جدّ وطرأ في العصور المتأخرة، وتعاملوا به في الالتزامات وفي العقود لوجود الحاجة، والشخصية الاعتبارية في الحقيقة ليست شخصية طبيعية -يعني ذاتية وحقيقية- إنما هي شخصية مقدّرة، وتنطبق على الشركات والمجموعات، فلو أن عشرة منّا اجتمعوا واشتركوا في مؤسسة أو شركة، وهؤلاء العشرة تعاقدوا مع عامل مثلاً، فلا تستطيع أن تأتي تقول: اتفق محمد وعبد الله وصالح وزيد وبكر.. وتعدد أسماء المشتركين الذين قد يقاربون المائة في بعض الأحيان، أو أكثر من ذلك، فحينئذٍ يحتاجون إلى مصطلح يجمع هؤلاء كلهم: شركة النور.. شركة الإصلاح.. شركة السماحة.. شركة كذا، فاسم الشركة يعتبر شخصية اعتبارية، بمعنى: أنك لو جئت تقول: اتفقت شركة السماحة مع زيد، فقدرت شركة السماحة كشخص، هذا ما يسمى بالشخصية الاعتبارية، وهي في الحقيقة ليست بشخص معين وليس لها ذات أو حقيقة، وإنما نزلت في الاعتبار على أنها منزلة الشخص الواحد، ولذلك يقول: التزمت شركة السماحة، ففي الحقيقة هذا الاسم لا يلتزم ولا يُلزم، لكنه قدر تقديراً كأنه شخص حقيقي، وهذا ما يسمى بمصطلح الشخصية الاعتبارية. فإذاً: الذي يحمل هذه البطاقة إما شخص بعينه أو شركة أو مجموعة أو نحوها، وهذا ما عبّر عنه بالشخصية الاعتبارية. قالوا: (بناء على عقد بينهما) العقد الذي بين العميل -الذي هو حامل البطاقة- وبين المصدر -وهو البنك الملتزم- يتم على الصورة التالية: يتقدم العميل أو طالب البطاقة إلى البنك أو الشركة أو المؤسسة بطلب هذه البطاقة، وجرت العادة أن يعطى الأنموذج المشتمل على جملة من البيانات والشروط التي فيها التزامات من جهة البنك والتزامات من جهة العميل، وهذه الالتزامات والشروط يتفق عليها الطرفان، فتعطى للعميل ويقرأها، فإذا وافق عليها تقدم بالطلب، وتشتمل على معلومات كاملة، ويدرس هذا الطلب فإما أن يوافق على منحه وإلا فلا. والذي يهمنا أن هناك اتفاقاً، ولابد لطالب العلم أن ينتبه لهذه الأمور كلها؛ لأن طبيعة البطاقة وحقيقتها فيها شيء من الالتزامات، ومعنى ذلك أنه لا يدخل العميل ولا يدخل حامل البطاقة للتعامل بهذا النوع من البطاقات إلا بعد أن يكون على بينة بجملة من الشروط وطبيعة التعامل بهذا النوع من البطاقات.
الالتزامات المناطة بحامل بطاقة الائتمان الالتزام الأول: بأن يقوم بالسحب في حدود مبلغ معين متفق عليه بين الطرفين. الالتزام الثاني: يلتزم هذا العميل أو هذا الحامل للبطاقة بدفع الرسوم التي تتضمن: أولاً: رسوم الاشتراك في البطاقة، وهذا أمر مهم جداً؛ لأنه إذا ثبت أن البطاقة نوع من القرض كانت الرسوم المعجلة أشبه بالفائدة الربوية المعجلة، فلذلك يلزم بالاشتراك، فإذا كنتُ أُريد أن أتعامل معك لماذا تلزمني بدفع قيمة وفائدة من أجل أن أتعامل معك، فأنا في الحقيقة أتعامل معك وتتعامل معي على أساس عقد معين، وعلى أساس منفعة لها قيمة شرعية معينة، فإذا كان العقد الذي بيني وبينك قرض، فالشريعة لا تجيز أن تأخذ على الاقتراض منفعة لا مقدمة ولا مؤخرة. ثانياً: يلتزم بدفع الرسوم التي تسمى برسوم التجديد، وهذه الرسوم ليست بالهينة، مثلاً: إذا كانت البطاقة من النوع الذهبي أو الممتاز، يكون اشتراكها ربما يقارب الألف، وإذا كانت من النوع العادي يقارب خمسمائة، وهذا ليس بالسهل، فهذه البطاقة أدفع عليها رسماً سنوياً لماذا؟! وبأي حق؟! لأن الشريعة عندها قاعدة: لا تجوز للمسلم أن يأخذ مال أخيه المسلم إلا بحق، فأنا حينما آخذ البطاقة وتمضي عليّ سنة فما معنى أن أدفع الرسم السنوي؟! هذا أمر لابد من النظر فيه، لماذا نحن تعرضنا لمسألة العقد، فالعقد يلتزم فيه العميل -حامل البطاقة- بدفع هذه النسبة المعينة الذي يضعها البنك أو يحددها المصدر الذي يقوم بإصدار البطاقة. إذاً: يلتزم أيضاً بدفع الرسوم المتعلقة بتجديد البطاقة على الفترات التي يحددها المصرف أو المصدر لها، فيدفع رسوماً على البطاقة -خمسمائة -مثلاً- على البطاقة الذهبية وثلاثمائة أو مائتين على البطاقة العادية- والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرأيت لو منع الله الثمرة عن أخيك فبم تستحل أكل ماله؟!!)، هذه البطاقة تجديدها على أي أساس؟! ما الذي يكون فيها حتى تجدد؟!! هل فعلاً يقوم المصدِر بتجديد شيء فيها له قيمة محسوسة؟!! فإذا كان تجديد التعهّد بلا اقتراض كان أقبل للفائدة المعجلة. ثالثاً: يلتزم بدفع جميع الفواتير والمستحقات على سحبه بناءً على هذه البطاقة؛ لأنه سيقوم بالسحب بناءً عليها، وإذا قام بالسحب بناء على هذه البطاقة فسيلتزم بكل ما ينشأ عن هذا السحب من قيمة السلع التي اشتراها أو الخدمات التي انتفع بها، فهذه أيضاً رسوم أخرى، وهي رسوم في الأصل وقد تكون مستحقة للمصدر على التفصيل الذي سنذكره. فمثلاً: إذا جاء إلى فندق ونزل فيه، وكلفت إقامته خمسة آلاف، وسجلت في البطاقة، فيلتزم بدفع الخمسة آلاف بطريقة معينة، وليست كما هي فعلاً في الدين، بل يدفع عليها أيضاً رسوم خدمة، فتدفع نسبة إضافية على المبلغ نفسه. رابعاً: يلتزم العميل بدفع قيمة الفواتير المستحقة للاتصالات أو نحوها كما لو كانت هناك تكاليف بريدية أو نحوها. فكل هذه الالتزامات على كاهل العميل، ونحن نأخذ الأغلب أو الأكثر من الشروط؛ لأن الشروط الموجودة في البيانات وحسب الاطلاع على أنواع البطاقات المختلفة، منها ما هو شرط خاص ومنها ما هو شرط عام، فنحن نأخذ أغلب الشروط العامة التي في الغالب تكون موجودة، مثل رسوم التجديد.. رسوم تكاليف البطاقة وسحب البطاقة، فهذه شروط موجودة في البطاقات كلها، لكن هناك أيضاً شروط خاصة، قد يكون المصرف عنده نوع من التعامل أو طريقة للتعامل أو نوع من الرسوم يفرضه على العميل. سادساً: أنه يلزم بتفويض المصدر بصرف العمولة بأي قدر يراه دون اعتراض أو امتناع، فلو فرضنا مثلاً أنه تعامل بالدولارات، فنزل في فندق أو استأجر سيارة أو حافلة أو قطاراً بالدولارات، وهو قد اتفق مع المصرف أو جهة المصدِر بالتعامل بالريالات، فمعناه: أن هناك عملية صرف ما بين المصدِر وما بين الجهة التي قامت ببذل هذه المنفعة أو دفع هذه السلعة المعينة، فلو كانت هذه المنفعة التي قدمت لحامل البطاقة تكلّف -مثلاً- ثلاثة آلاف دولار، ففي طبيعة الحال ستحوّل القيمة إلى الريالات، فيفوّض المصرف أو المصدِر سواء كان بنكاً أو مصرفاً أو شركة للتحويل بالصرف بأي قيمة يراها، أي لو كان الدولار يصرف بأربعة ريالات إلا ربعاً أو بثلاثة ريالات ونصف أو بثلاثة ريالات وربع، فعندنا قيم مختلفة، ويمكن للمصدر أن يصرف بأعلى قيمة؛ لأنه أربح له وأكثر فائدة وعائدة من جهة الخدمات، وهذا دون أي اعتراض، فمثل هذا البند يفرض على العميل، ولا يمكن أبداً أن يراجع في هذا. فإذاً يفوض تفويضاً كاملاً في أن يصرف العملة أو العملات أياً كانت بأي قيمة يراها، سواءً كانت غالية أو رخيصة. هذا أيضاً من الالتزامات، وهو لا شك التزام فيه مخاطرة، وفيه غرر وضرر. كذلك أيضاً هناك التزامات أخرى قد تختلف كما ذكرنا من مصدر إلى آخر، لكن هذه من أهم الالتزامات، وفي بعض العقود يصل البيان إلى ما يقرب من عشرين بنداً. ومما يجدر ذكره أنه من حق المصدِر أن يلغي هذه البطاقة في أي وقت شاء، سواء أشعر العميل أم لم يشعر، لكن لا يحق للعميل أن يلغي هذه البطاقة إلا بعد أن يتصل على المصدِر ويشعره، ويمزّق البطاقة أو يرسلها إلى مكتبها، فلاحظوا الفرق بين الطرفين، فمن جانب المصدِر يمكنه في أي وقت أن يلغيها ولا يحاسبه أحد، أما من جانب العميل فإذا أراد إلغاءها فلابد من إشعار المصدِر، ثم لو أنه ألغاها فإنه يتحمل التبعات والمسئولية الكاملة عن هذا الإلغاء.
الالتزامات المتعلقة بالمصْدِر لبطاقة الائتمان أما الالتزامات من جهة المصدِر، فالمصدِر يلتزم للعميل بالتالي: أولاً: يلتزم له أن يقوم بالدفع عنه، فيقوم عقد البطاقة على التزام البنك بالدفع عن العميل، ومن هنا جاءت شبهة الكفالة وجاءت شبهة الضمان، وأنها بطاقة تأخذ حكم الضمان، لكن هذا أمر يحتاج إلى نظر سنبينه إن شاء الله في التخريج الفقهي، فلو أن العميل قام بشراء سلعة قيمتها خمسة آلاف ريال يلتزم المصرف أو المصدر أياً كان بدفع الخمسة آلاف ريال، لكن المشكلة ليست هنا، فالمصدر الذي يصدر البطاقة له اتفاق مع جهات معينة، فلا يمكن أن تستفيد من هذه البطاقة إلا من خلال متاجر معينة ومحلات معينة، بينها وبين المصدر اتفاق معين، هذا الاتفاق تقوم فيه هذه المحلات التجارية بإبرام عقد آخر مع البنك أو المصرف أو مصدر البطاقة، على أن تمكن من يحمل البطاقة من شراء ما شاء من السلع في الحدود التي اتفق عليها، ثم يفتح هذا المحل حساباً في البنك، وإذا حسبت القيمة لا تحسب كاملة، فلو كانت العملية التي تمت من العميل مع المتجر تكلف خمسة آلاف ريال، وهناك اتفاق على أخذ عمولة للبنك، فالبنك مثلاً يأخذ نسبة معينة -على فرض أنه يأخذ مائتي ريال- فهو لا يعطي الخمسة آلاف كاملة -وهذا أمر مهم جداً- وإنما يعطي أربعة آلاف وثمانمائة ريال تدخل لحساب المحل الذي اتفق معه، أيضاً فلو قلت: إن البطاقة نخرجها على أنه تكفل بدين على أن يقوم العميل بدفع هذا الدين، فإن هذا الدين يؤخذ بصورة ويدفع بصورة أخرى، ومن يتحمل هذه الكفالة أو يلتزم هذا الالتزام يأخذ عمولة، حتى على الطرف الثاني، ولا يمكن أبداً أن نمكِّن المصدِر أو البنك أو المصرف أو أي جهة من التعامل مع هذه البطاقة إلا إذا وضع شعاراً معيناً في التعامل معه، ولا تستطيع أن تقدم هذه البطاقة إلا لمن يعتمد هذه البطاقة، بمعنى: أنه يجب أن يكون بينه وبين المصدِر اتفاق ثانٍ، فالمصدر يلتزم للعميل بأن يمكنه من شراء السلع والخدمات كما سيأتي، ويقوم بالدفع عنه بالطريقة التي يتم الاتفاق بها بين المصدر وبين الطرف الثاني. وفي التعريف قلنا: (مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري بناء على عقد بينهما يمكِّنه) أي: يمكِّن الحامل للبطاقة.
جوانب الانتفاع من بطاقة الائتمان قالوا: (يمكِّنه من شراء السلع والخدمات) هذه العبارة تبيّن محل العقد، فالعقد منصبّ على بطاقة لها فائدتان: الفائدة الأولى: في شراء السلع، والفائدة الثانية: في شراء الخدمات. وهناك فرق بين شراء السلع وبين شراء الخدمات، وكل منهما له مصطلح فقهي خاص، فشراء السلع بيع، وشراء الخدمات إجارة، شراء السلع كأن يدخل بالبطاقة إلى محل يريد أن يشتري ما شاء من الأطعمة أو الأدوية أو الأكسية أو ما شاء من القطع أو الأشياء التي يريدها، فالبطاقة تدخل في عقود البيوعات، وتدخل أيضاً في عقود الإجارات وهذا هو المعبر عنه بشراء الخدمات، إما في سكن أو ركوب أو غير ذلك من المصالح التي تكون من الخدمات في الإجارات، ومن ذلك خدمة السكن في الفندق، فإن نزول العميل في الفندق وبقاءه الليلة والليلتين والثلاث والأربع هذا يسمى إجارة، ودفع العميل المائة أو المائتين أو الألف مقابل السكن ليلة أو ليلتين أو ثلاث، هذا يسمى شراء خدمة سكن، وهناك خدمة تنقل كأن يبرز البطاقة للركوب في قطار أو طائرة أو سفينة أو عبّارة أو سيارة فهذا كله شراء منفعة تمكنه من الانتقال من موضع إلى موضع بقيمة معينة. إذاً البطاقة تقع في البيوعات والإجارات، ويلتزم المصدِر السداد بدفع الثمن في المعاوضات المتعلقة بالبيوعات ودفع الثمن في المعاوضات المتعلقة بالإجارات. قالوا: (مِن من يعتمد المستند) يعني: لا يتعامل بالبطاقة إلا مع من يعتمد المستند، فلو قدّم البطاقة إلى محل لا يعتمدها لا يمكن أن يقبلها، وبطبيعة الحال إذا قُدّمت البطاقة إلى محل تجاري أو شركة نقل أو نحوها فهناك آلة تقوم بفحص البطاقة وأخذ معلومات معينة عنها، كمعرفة مدة صلاحيتها وعدمها وأخذ المعلومات المتعلقة بها، ثم تسجل في الفاتورة، فإذاً (مِن من يعتمد المستند) وفي الاصطلاح من يقوم بالخدمة مثل المحل التجاري أو السوبر ماركت أو نحوه هذا يسمى بالمستفيد.
عقد بطاقة الائتمان عقد مؤجل قالوا: (دون أن يدفع الثمن حالاً) أي أن الفائدة التي يريدها العميل أو العملاء أو حامل البطاقة في الغالب هو الأمن من حمل النقود، خاصة إذا كان في مواضع يخشى فيها من حمل النقود، وكذلك أيضاً سهولة الانتفاع بها دون وجود كلفة أو عبء حمل الأموال أو صرفها، كما لو كان في موضع تختلف فيه العملة عن عملة بلده أو نحو ذلك، فيستفيد العميل من هذه الفائدة دون أن يدفع الثمن حالاً وهو ثمن النقد، إذاً معنى ذلك أن عقد البطاقة عقد مؤجل، وأصبح عقد البطاقة فيه جانبان لابد من التنبه لهما: الجانب الأول: تعاقد حامل البطاقة مع المتجر، وفعلاً قد تعاقد معه؛ لأنه يحدد معه السعر ويحدد معه السلعة التي يريد شراءها وأخذها، أو يحدد نوعية الخدمة التي يريدها، ونوعية السكن الذي يريد أن ينزل فيه، معناه: أن الطرف الأول في العقد هو الحامل، والطرف الثاني هو الجهة التي تتكفل أو تقوم بتمكين العميل من هذه المنافع، وهذا عقد مبرم، ويصبح هذا العقد الذي بين العميل وبين المستفيد الذي هو التاجر أو نحوه، إما عقد بيع إذا كان على السلع، وإما عقد إجارة إذا كان على الخدمات. الجانب الثاني: وهو التزام البنك بالدفع. فإذاً: قالوا: (يمكِّنه من شراء السلع والخدمات مِن مَن يعتمد المستَند دون أن يدفع الثمن حالاً لتضمن المصدر الدفع عنه) اللام للتعليل، أي: امتنع دفع العميل للثمن نقداً وحالاً لوجود التزام من المصدر بالدفع عنه، وبناءً على ذلك فهناك عقد ما بين البنك أو المصرف أو الشركة التي تقوم بإصدار البطاقة وبين المحل التجاري كما ذكرنا لتضمنه التزام المصدِر الدفع عنه، فيلتزم بدفع المال قليلاً كان أو كثيراً وسواء كان بالعملة نفسها أو بغيرها. وبهذا ينتهي التعريف، وتتضح الصورة للبطاقة وطبيعة التعامل بها.
بطاقة ائتمان لسحب النقود فقط لكن قولهم: (ومن هذه المستندات ما يمكِّن العميل من سحب النقود) هناك نوع ثانٍ، هذا النوع الثاني من البطاقات لسحب النقود، أي مع وجود ما ذكر آنفاً هناك منفعة ثانية وهي منفعة سحب النقود، فيمكِّنه من سحب النقود وبنفس الالتزام، فإذا سحب من المصرف يلتزم طبعاً بالسحب في حدود الإطار المحدد المتفق عليه بين الطرفين، سواء كان مع اتحاد العملة أو اختلاف العملة، ويكون في كلتا الحالتين إذا قام بالسحب أو قام بشراء السلعة أو شراء الخدمات هناك أمر مهم جداً وهو أن المصرف أو المصدِر يعطي العميل فترة ما بين خمسة وعشرين يوماً إلى خمسة وخمسين يوماً في الغالب التي هي أعلى حد لتسديد الثمن المقدم، وبعد ذلك إذا لم يتم السداد تحسب الفائدة (1%) أو (2%) عن كل يوم يتأخر فيه عن السداد. فإذاً: عندنا ثلاثة جوانب: بداية التعاقد بالبطاقة، وعندنا طبيعة الاستفادة من البطاقة، وعندنا الأثر المترتب على التعامل بالبطاقة. وطبيعة التعاقد سبق أن بيّناها وبيّنا أصلها، وأنها تشتمل على نوعين من العقود، والعقد الذي يكون بين العميل وبين المصرف مع المستفيد، والعقد الذي يكون ما بين المستفيد وبين المصرف. ثم بيّنا طبيعة الاستفادة التي يستفيدها العميل سواء كان في عقود البيع أو الإجارات، وإن كانت البطاقة من النوع الثاني الذي هو دفع النقود فحينئذ تكون مشتملة على بيع الصرف في بعض الصور، وهو يشتمل على إبدال العملة بالعملة مع وجود القرض، وأما بالنسبة للأثر فالأثر وجود الفوائد الربوية التي تتركب على التأخير عن السداد والدفع.
التخريج الفقهي لبطائق الائتمان أما بالنسبة للجزئية الأخيرة وهي جزئية التخريج الفقهي: هذا النوع من المعاملات هل هو قرض، أم هو حوالة، أم هو كفالة؟ هذا أمر يحتاج إلى نظر، فالبطاقة إذا تأملناها وجدنا فيها الآتي: بالنسبة للعميل: تعاقد مع المحل التجاري أو الشركة التي تقوم بالخدمة، (بعقد بيع أو إجارة) عقد البيع والإجارة من حيث الأصل كونه يشتري السلع أو كونه يشتري الخدمات كأن ينزل في الفندق أو نحوه هذا أمر لا إشكال في جوازه، كونه مثلاً يستفيد في شراء السلع أو كونه يشتري الخدمات هذه أمور إذا كانت من جنس ما أحلّ الله لا كلام لنا فيه، إنما الكلام في مسألة الالتزام؛ لأن المصرف التزم بالدفع عن العميل الحامل، والعميل الحامل التزم بالدفع للمصرف. فعلى هذا عندنا قرض وهو شراء السلعة من المحل بالأجل، وهذا الأجل لا يدفع، بدليل أن الحامل حينما اشترى البضاعة أو اشترى الخدمة؛ كما لو نزل في الفندق أو ركب السيارة أو القطار أو طائرة أو نحو ذلك لم يدفع الثمن حالاً، وإنما أنسأ الثمن وأخّره، وبتأخير الثمن صار بالبيع إلى أجل أو بالبيع المؤجل، وهذا البيع المؤجل لم يلتزم فيه العميل نفسه بدفع المال وإنما أحيل صاحب المتجر أو صاحب المحل على المصرف أو المصدِر. فهنا حصل خلط في بعض الفتاوى المعاصرة قالوا: نعتبر هذا النوع من الضمان ووجه الضمان فيه قالوا: إن البنك أو المصرف تضمن والتزم في ذمته أن يدفع عن العميل، ونحن ذكرنا فعلاً في باب الضمان أنه يجوز أن يضمن الديون المجهولة التي تئول في المستقبل إلى العلم، وهذا يتخرّج على المسألة التي ذكرناها: أن يأتي إلى صاحب البقالة ويقول له: أعط محمداً ما شاء من البضائع، وأنا ألتزم بالدفع عنه إذا لم يسدد، فكأن صاحب البطاقة المصدر الذي هو البنك يقول للمتجر: أعط حامل البطاقة ما شاء في الحدود التي اتفق عليها في البطاقة، وأنا ألتزم بالدفع عنه. إذاً فعلاً هناك نوع من المشابهة من كونها تدخل تحت الضمان؛ لأن المصرف فعلاً تضمن والتزم، وقالوا: بناءً على ذلك هذا أشبه ما يكون بعقد الضمان، وتسري عليه أحكام الضمان أو أحكام الكفالة عند من لا يفرق بين الضمان وبين الكفالة، فإن شئت سميتها كفالة وإن شئت سميتها ضماناً، على نفس التفصيل الذي ذكرناه. إذاً: نريد أن نحدد طبيعة عقد الكفالة هنا، أصبح الكفيل الذي يغرم هو البنك، والمكفول هو حامل البطاقة، والذي تكفل به البنك قيمة التعامل الموجود أو المعاملة التي تمت بين الطرفين، وعلى هذا قالوا: تدخل تحت الكفالة، ومن حيث الأصل الشرعي يبقى السؤال: أنتم تعلمون أن هناك نوعاً من البطاقات يكون فيه للعميل رصيد، والذي هو غطاء للتعامل، فرضاً خمسة آلاف، هذا الغطاء في الحقيقة مثل الرهن، فهذه مسألة ثانية تحتاج إلى بحث، فقالوا: هذا يأخذ حكم الضمان، قالوا: ونعتبر الثمن المدفوع مقدماً الذي هو الغطاء الموجود في الحساب الجاري أو غيره آخذ حكم الرهن، كأن العميل أعطى البنك خمسة آلاف رهناً لسداد الحقوق المستحقة على تعامله. فإذن عندنا جانبان: الجانب الأول: أن البنك لما التزم بالدفع عن العميل صار في حكم الضمان، وتخرّج على مسائل الكفالة. ثانياً: وجود الغطاء البنكي أو المبلغ المدفوع أو الرصيد الموجود للعميل يعتبر بمثابة الرهن. ومن المعلوم أنه يشرع في الديون وجود الرهن، لكن عند العلماء خلاف في مسألة: هل يجوز الرهن أن يكون من الذهب والفضة؟ صحح غير واحد من العلماء أنه يجوز رهن الذهب والفضة والنقود لقاء السداد؛ لأن الله تعالى يقول: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283] وهذا نكرة عامة شاملة لأي شيء كان مرتهناً، ولم يفرق بين النقود وغيرها. ولأن المقصود من الرهن هو الوصول إلى الحق، فإذا كان يجوز في السلع التي تباع من أجل السداد، فلأن يجوز بالنقود التي تسدد فوراً من باب أولى وأحرى؛ قالوا: لأن العلة في الرهن السداد، فأنت إذا استدنت عشرة آلاف وقيل لك: أعط رهناً، إنما قصد من قوله: أعط رهناً حتى يتمكن من بيعه إذا عجزت عن السداد، فقالوا: فبدلاً من أن يبيع إذا عجز عن السداد ويكون الرهن نقوداً لا تحتاج إلى بيع، فيأخذ منها حقه وينتهي. النقطة الثانية: لو قلنا بطبيعة الحال: إنه ضمان واشتمل على الرهن، فهل يجوز الضمان بالرهن؟ هذه مسألة ثانية: هل يجوز أخذ الرهن على الكفالة؟ أي: لو أن شخصاً قال لك: اكفلني في عشرة آلاف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، هل من حقك أن تقول ذلك؟ قال طائفة من العلماء: يجوز أخذ الرهن على الكفالة، ومن حقك أن تطالبه برهن تصل به إلى حقك إذا غرر بك في كفالة، كما أن الأصيل يجوز له أن يأخذ الكفالة. وأنا أميل إلى هذا القول، وإنما ذكرت هذه الأقوال لأنها فعلاً صحيحة؛ أولاً: لما ذكرناه من وجود الأدلة التي تدل على جواز صحة الرهن بالذهب والفضة، وثانياً: جواز أخذ الرهن للكفالة. وإذا ثبت هذا أصبح عندنا تخريجان: التخريج الأول: قالوا: التزام البنك والمصرف بالدفع عن العميل يعتبر في حكم الضمان أو الكفالة على التفصيل الذي ذكرناه: هل هما عقد واحد، أو عقدان؟ التخريج الثاني: يعتبر وضع الغطاء البنكي أو الدفع أو وجود الرصيد بمثابة الرهن المعجل، الذي دفعه العميل ضماناً لحق البنك عند عجزه عن السداد، ويتخرج هذا على مسألتين: المسألة الأولى: جواز أخذ الذهب والفضة رهناً. والمسألة الثانية: جواز أخذ الرهن عن الكفالة. لكن يبقى الإشكال إذا قلنا: إنها كفالة، وقلنا: إنها آخذة حكم الضمان، وفعلاً يسري عليها حكم القرض، ففي هذه الحال عندنا قرض، وعندنا ضمان للقرض، وعندنا رهن يتوصل به إلى هذا الضمان، لكن يبقى الإشكال في أخذ الفائدة على الكفالة، هل يجوز أخذ الفائدة على الكفالة؟ هناك فوائد التزم بها العميل لابد من النظر فيها. الفائدة الأولى: دفع الرسم للاشتراك. الفائدة الثانية: دفع الرسم للسند. الفائدة الثالثة: التجديدات. وهناك فوائد مركبة على الدين عند العجز عن السداد. والواقع بالنسبة لهذه الفوائد: الرسم الذي للدخول، وفائدة التجديد السنوي، وفائدة الرسوم السندية، كل هذا يعتبر من أخذ الفائدة على الدين، ومخرّج على ما ذكرناه من أنه قرض جر منفعة، وقد ذكرنا إجماع العلماء على تحريم القرض الذي جر منفعة، (وأيما قرض جر منفعة فهو رباً) إما رباً صريحاً أو في حكم الربا الصريح فهذه الرسوم في الحقيقة هي عبارة عن فوائد معجلة باسم الرسم أو نحوه، وبدل أن تكون مؤخرة صارت مقدمة أو معجلة، ولأن هذه الرسوم ليس فيها استحقاق شرعي؛ فالعميل لا يأخذ لقاءها شيئاً له قيمة معتبرة شرعاً، وإذا قال قائل: يأخذ لقاءها الدين، نقول: هذا الدين ليس له قيمة؛ لأن الديون لا يجوز أخذ الفوائد عليها، فقد يكون المصدِر أو البنك أو نحوه يرى أن من حقه أن يأخذ على الدين فائدة؛ لأنه يرى أن الفوائد الربوية تعتبر استحقاقاً له على العميل إذا تعامل معه. بعد أن ذكرنا التخريجات كلها، وذكرنا أولاً كونه ضماناً محملاً أو كون هذا الضمان مبني على رهن، ترد هنا مسألة مهمة وهي: أننا صححنا أصول المسائل، فقلنا: إن الضمان مشروع، وقلنا: إن الرهن مشروع، وقلنا: يجوز الرهن بالمال الذي هو الذهب والفضة، قررنا جواز الرهن المتقدم أو الضمان المتقدم، كل هذا قررنا جوازه، لكن لا يعني هذا صحة التخريج، وتوضيح ذلك: أن المبلغ الذي هو غطاء للسداد في الحقيقة المصرف لا يقوم بسحب استحقاقه مباشرة منه، هذا أمر مهم جداً؛ لأن المصرف من فائدته ألا يسدد المبلغ مباشرة؛ لترتب الفوائد على التأخير، والعميل يعتبر بتأخره ملزماً بدفع الفائدة المقررة والعائد المقرر الربوي على الدين بعد فوات الأجل المحدد للسداد، فإذاً مسألة كونه رهناً ليست من كل وجه صحيح؛ لأننا لا نجد المصرف يقول: بمجرد أن تمر خمسة وعشرون يوماً أو خمسة وخمسون يوماً ولم تسدد سنسحب من رصيدك المبلغ وانتهى الإشكال، لا، بل إن لم تسدد بعد الفترة المسموح بها سنحسب عليك فائدة (1%)، ومعنى ذلك أنه لا يعتبر رهناً بصورة الرهن الشرعي، فهو في الظاهر تراه رهناً، لكنه في الحقيقة والتعامل ليس برهن. المسألة الأخيرة وهي المهمة: أن هذا الدين تركّب بعقد فيه التزام أنه إذا لم يسدد فعليه الفائدة، وهذا الالتزام محرم -بغض النظر عن كونه بادر بالتسديد، أو ترتب عليه فائدة أو لم تترتب ولا يجوز للمسلم أن يلتزم ذلك الأمر المحرم؛ لأنه يكون راضياً بالمحرم، وهذا من الربا الذي نص صريح الكتاب والسنة على تحريمه، وبناءً على ذلك لا يجوز الالتزام. وهنا بعض الناس يقول: آخذ العشرة آلاف -والعياذ بالله- ديناً وأسدد في الأمد المحدد. نقول: رضاك بالعقد يعتبر في حكم الفعل للعقد؛ لأن العقد فيه شرط والتزام بمحرم، وبناءً على ذلك يدخل في كتابة الربا المحرم الذي لعن فاعله -نسأل الله العافية-. وعلى هذا خلاصة ما نقول: أولاً: إن بطاقة الائتمان تخريجها الفقهي دين. ثانياً: الضمان فيها ليس بصحيح من كل وجه من جهة الالتزام، ووجه بطلان هذا الضمان أن نقول: إن المصرف التزم بدين كامل بدفع دين ناقص؛ لأنه يدفع إلى المستفيد أقل مما يأخذ من الحامل، وهذا أمر يبطل التخريج بكونه حوالة أو ضماناً؛ لأنه لم يتوفر فيه الشرط الشرعي. ثالثاً: أنه لو كان ضماناً وديناً على الصفة المعتبرة، فوجود شرط الفائدة المركبة أو الرسم المقدم على الدين يدخله في قرض جر نفعاً، وهو محرم بالإجماع. وبهذا يكون الحكم فيه عدم الجواز على التفصيل الذي تقدم بيانه، والله تعالى أعلم وأحكم، وهو المستعان وعليه التكلان.
الأسئلة ...... مدى صحة قياس دفع رسوم اشتراك بطاقة الائتمان بعقود الإجارة السؤال: هل يصح قياس دفع رسوم تجهيز اشتراك البطاقة سنوياً بعقود الإجارة في كون الكل منصباً على المنفعة؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: دفع الرسم تخريجه على أنه إجارة. فما هي حقيقة الإجارة؟ الإجارة: عقد على المنافع بعوض، والمنفعة الموجودة في البطاقة دين، والعوض لقاء الدين لا يصح، فمسألة أن تخرج على أنها إجارة ليست بصحيحة؛ لأنه لم يستأجر البنك من أجل منفعة السكن أو الركوب أو ما في حكمها، وإنما أخذ هذه البطاقة لقاء اقتراض والتزام بالدفع عنه، وهذا ما يدعونا إلى أن نقول: لابد من التصور ومعرفة حقيقة العقد حتى نعرف بعد ذلك هل تخرّج على هذا العقد أو غيره. إذاً: لا يصح ولا يستقيم تخريجها على عقد الإجارة بحال، فأصل الإجارة معلوم ومحل الإجارة معلوم، ولا يعتبر هذا النوع من التعامل من الإجارات، وإنما هو من الديونات وآخذ حكم الدين بالتفصيل الذي ذكرناه. والله تعالى أعلم.
حكم أخذ الأجرة مقابل تحويل الأموال من مكان إلى مكان السؤال: في تحويل العملة من بلد إلى آخر، هل يجوز أخذ الأجرة في مقابل خدمة التحويل؟ الجواب: مسألة التحويل سنفصل فيها، لأن التحويل له صور: بعض الأحيان يحول من مصرف إلى نفس المصرف لفرع آخر، فيكون المصرف له فرع في نفس المكان الذي تحول إليه، وهذا أشبه ما يكون بالوكالة، وحينئذ يكون الوكيل الذي هو الفرع الثاني منزلاً منزلة الأصيل الذي هو الفرع الذي تعامل معك في البلد الآخر. وهناك نوع من الحوالات يحيل فيها البنك أو المصرف أو الشركة إلى مصرف آخر غير المصرف الذي يدفع له، وهذا النوع من الحوالة أيضاً يكون في بعض الأحيان على دين، وتارة يكون على غير دين. كل هذا يحتاج إلى تفصيل وهو مذكور في باب الحوالة. والله تعالى أعلم.
الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية السؤال: ما الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية؟ وما هو القدر الذي يحتاجه طالب العلم منهما أثناء دراسة الفقه؟ الجواب: القواعد الفقهية تخالف القواعد الأصولية، القواعد الأصولية: هي جملة من القضايا الكلية التي يمكن من خلالها فهم النصوص، فلا تتعلق بالمسائل، مثال ذلك لو قلت: الأمر للوجوب، فهذه قاعدة، فإذا وجدت أمراً في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيموا الصلاة) (آتوا الزكاة) تقول: هذا أمر، والقاعدة: أن الأمر للوجوب، هذه قاعدة أصولية، ودائماً أصول الفقه تتعلق بفهم الأدلة، وكيفية الاستدلال منها، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل الذي هو المستفيد، وهذا يقتضي أن تكون هناك قواعد يستخدمها الأصولي فتأتي مثلاً للنص وتقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)[البقرة:21] (يا أيها الناس) عام، والقاعدة في الأصول: أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه، تقول: هذا عام، وتقول: هذا مطلق، والقاعدة: أن المطلق يبقى على إطلاقه، هذا منطوق وهذا مفهوم، إلى غير ذلك من القواعد التي تتعامل بها مع النص لا مع المسائل الفقهية، لاحظ حينما تأتي وتقول: الأمر للوجوب، فلم تأتِ في مسألة وضوء أو تيمم، إنما تتكلم على النص نفسه أن النص يدل على الوجوب، ويستفاد من قولك: إنه للوجوب، أن يأثم التارك ويثاب الفاعل، وأنه ملزم شرعاً بالقيام بما أمر الله عز وجل به، كذلك تقول: هذا نهي، والقاعدة: أن النهي للتحريم حتى يدل الدليل على صرفه عن ذلك الظاهر، فهذه تسمى قاعدة أصولية. وأما بالنسبة للقاعدة الفقهية فهي لا تدرس إلا بعد دراسة الفقه كاملاً؛ لأن القواعد الفقهية مثل الخلاصة التي يستطيع أن يجمع الإنسان بها شتات الفقه، فبعد أن يقرأ الفقه بكامله عبادات ومعاملات، وبعد انتهائه من الفقه بكامله يدرس القواعد، فيأتي ويقول: القاعدة في الشريعة: أن الأعمال بالنيات، وهي نفسها: الأمور بمقاصدها، لاحظ: الأمور بمقاصدها لا تختص بالوضوء ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالحج ولا بالصوم بل تشمل جميع العبادات، فتقول: هذا الوضوء عبادة، والعبادة تجب لها النية، وتقول: الوضوء عمل، والقاعدة: لا عمل إلا بنية، فهنا لاحظ: الوضوء عمل ولا عمل إلا بنية، فأنت تتحدث عن المسألة الفقهية نفسها بخلاف القاعدة الأصولية، القاعدة الأصولية تقول: الأمر للوجوب، إلا أن القاعدة الفقهية قد تكون قاعدة جامعة لأبواب العبادات، وقد تكون قاعدة جامعة لأبواب المعاملات، وقد تكون ضابطاً، وهناك فرق بين القاعدة وبين الضابط، فالضابط يختص بالباب تقول -مثلاً-: الضابط في تأثير النسيان في المحظورات أن يكون مما يمكن تداركه وتلافيه، مثلاً: إذا تطيب المحرم وهو ناسٍ يغسل الطيب، وإذا غطى رأسه وهو ناسٍ يزيله، وإذا لبس الثوب وهو ناسٍ يزيله؛ لأنه لا يبقى أثر، لكن إذا قلم الأظفار أو حلق الشعر أو جامع استوى النسيان والعمد، فإذاً الضابط ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه، فكأنك جعلت هذا الضابط يفرق لك في المسائل العديدة. فالذي لم يقرأ الفقه بكامله لا يستطيع أن يستفيد من هذه القواعد الفقهية، إلا أنه في بعض الأحيان أثناء دراسة الفقه قد تمر بك قواعد فقهية تعينك على فهم الباب أو تعينك على فهم المسألة، ولا بأس أن يستفاد منها وأن يسأل على القاعدة، لكن لا يغرق طالب العلم فيها، إنما يتركها إلى الدراسة المركزة الدقيقة. وقد كنا أيام الطلب نأخذ القواعد الأصولية والفقهية بقدر المسألة، ولا نتوسع فيها؛ لأنك في بداية الطلب تكون متقيداً بالدرس الموجود وتركز عليه وتكرره المرة والمرتين والثلاث والأربع والخمس إلى العشر ولا تملّ، وتقوم وأنت تذكره ويصبح منسوخاً في عقلك، بعد ذلك إذا شئت أن تتوسع في أي شيء تتوسع، والأصل عندك ثابت بإذن الله عز وجل، لكن إذا جئت بمجرد ما تحضر الدرس تذهب إلى المغني أو إلى المجموع وتحضر وتدخل في الخلافات وفي أقوال العلماء وفي فروعهم فلن تستطيع أن تنتج شيئاً، فلا يثبت عندك ما قرأته في الدرس ولا ما قرأته في مطالعتك، فالعلم بالأصول تثبيتها وتكريرها ومراجعتها، والتركيز أثناء الدرس ثم المذاكرة مع طلاب العلم مما يجب أولاً، حتى إذا جمع الله لطالب العلم بين قراءة سابقة مرتين أو ثلاث للدرس، ثم التركيز أثناء الدرس ثم مراجعة بعد الدرس، خاصة المراجعة المنفردة بعد الدرس مباشرة ما أمكن، أو استماع الشريط المرة والمرتين والثلاث ثم مذاكرة مع طالب العلم؛ بإذن الله عز وجل لن ينسى مثل هذا إلا بمشقة وعناء، ويصبح له في كل شهر مراجعة ما استفاده من الشهر، وكل ثلاثة أشهر يرتب له مراجعة دورية متقنة، وبهذا يضبط الفقه، وإذا ضبطت الفقه وجدت حلاوته، والفقه إذا استولى على قلبك ووجدانك فتح الله عز وجل عليك فتوح العارفين، وتصبح تفكر فيه قائماً قاعداً فتجد لذته وحلاوته؛ لأنه مما يزيد الإيمان بالله عز وجل، هذه الأحكام الشريعة النظيفة النزيهة التي جاءت كاملة تامة: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [الأنعام:115] وفي قراءة: (وتمت كلمات ربك) صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115] ، وقال سبحانه: يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57]، فإذا أخذت حكم الله عز وجل من الكتاب والسنة -حكم خير الفاصلين وأحكم الحاكمين- وجدت العجب في كمال حكمة الله عز وجل، وكمال علمه وكمال هذه الشريعة واستيعابها للمسائل، وعندها يصبح الفقه شغلك الشاغل، وإذا نظر الله إليك وقد تعبت في هذا الفقه وتعبت في تحصيله فبإذن الله سيبارك الله في علمك، ويبارك الله عز وجل في فقهك بفضله على قدر تعبك، ومن تعب اليوم فإن الله يبارك له في نشره للعلم غداً، ويرزقه الله آذاناً تصغي إليه، ويرزقه قلوباً تطمئن لفتواه، ولربما يأتيك الرجل الذي لا يعرفك إلا بالثناء ولربما لم يسمعك، ويأتي ويجلس معك ويستمع منك الفتوى، فيقذف الله في قلبه من الطمأنينة والرضا بقولك ما لا يستطيع أحد أن يشتريه بملايين الأموال؛ لأن هذا الشيء بيد الله؛ ولأن (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ، وهذا كله مبني على التعب والجد في التحصيل، ولذلك لن تجد أحداً من أئمة الإسلام ودواوين العلم الأعلام وضع له القبول إلا بعد التعب والعناء والمشقة والتضحية في سبيل هذا العلم، فالفقه يحتاج إلى تعب وعناء. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين، وأن يحيينا على ذلك وأن يميتنا على ذلك، وأن يحشرنا في زمرة أهله والعاملين به، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وإن شاء الله في المجلس القادم سيكون حديثنا عن خطاب الضمان وبعض المسائل المعاصرة، ونسأل الله العظيم التيسير والسداد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع - بعض المعاملات المالية المعاصرة وبطاقة الائتمان [2] لقد اعتنت الشريعة الإسلامية ببيان الأحكام لكل ما جدّ وطرأ من المعاملات المالية المعاصرة، وما ذاك إلا لأن قديم الإسلام جديد وجديده قديم، وحكم الله سبحانه وتعالى في المسائل المالية كحكمه في المسائل المتعلقة بالعبادات، فالإسلام دين كامل ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا بيَّن حكمها وأصلها، ومن المعاملات الطارئة التي تناولتها الشريعة ببيان أحكامها ما يسمى ببطاقة الائتمان وخطاب الضمان. تفصيلات في التخريج الفقهي لأحكام بطاقة الائتمان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومَن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فقد كان حديثنا في المجلس الماضي عن نوع من المعاملات التي تعتبر مندرجةً تحت مسائل القرض وأحكامه، وقد بينا مسألة بطاقة الائتمان، وذكرنا حقيقة هذه البطاقة وتعريفها، ثم بينا أركان عقدها، وكذلك تعرضنا للحديث عن تخريج عقد بطاقة الائتمان، وكان حديثنا منصباً على جزئيات من التصور أكثر منها في الأحكام. ونظراً لذلك سنتم الحديث على جوانب مهمة يمكن بها تلخيص التخريج الفقهي والحكم الشرعي لبطاقة الائتمان. ...... أركان البطاقة وأحوال حاملها سبق وأن ذكرنا أن عقد البطاقة يقوم على مُصدِر وهو البنك أو المؤسسة أو الشركة التي تقوم بإصدار البطاقة، كما يقوم عقدها على طرفٍ ثانٍ وهو العميل الذي يوصف بكونه حاملاً للبطاقة، وتقوم بطاقة الائتمان على عقد واتفاقات والتزامات بين هذين الطرفين -المصدر والحامل- إلا أن هناك طرفاً ثالثاً يعتبر وسيطاً بين المصدر وبين العميل -حامل البطاقة- وهذا الطرف الثالث هو المستفيد الذي يكون تاجراً إذا كان حامل البطاقة قد استفاد من البطاقة في شراء السلع، ويكون غير تاجر إذا كان العميل أو حامل البطاقة قد استفاد منها في الخدمات. وعقد بطاقة الائتمان تم تصويره وبيان جزئياته، إلا أن هنا أمراً لابد من بيانه لتصور الحكم الشرعي الذي سبق إيجازه وتلخيصه فيما سبق. ومَن طلب البطاقة أو حمل البطاقة لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون له رصيد لدى المصدر. والحالة الثانية: ألَّا يكون له رصيد. فإن كان له رصيد، فإن المصدر أو البنك أثناء قيامه بتأمين وضمان هذا الحامل في التزاماته، لا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: إما أن يقوم بالسحب من رصيد الحامل للبطاقة للوفاء بالالتزامات والحقوق المترتبة عليه. الحالة الثانية: وإما أن يقوم بتسديد هذه الالتزامات والفواتير والاستحقاقات من عنده، ثم يطالب العميل بالسداد. فحينئذ عندنا الحالة الأولى: أن يكون لحامل البطاقة رصيد في البنك أو المصرف أو الشركة، فإن كان له رصيد إما أن يقوم البنك أو الشركة بالسحب من رصيده لسداد الحقوق التي عليه، وإما أن يقوم بالسداد من عنده ثم تكون هناك مخالصة بين البنك وبين حامل البطاقة.
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات من رصيد الحامل فأما في الصورة الأولى وهي أن يقوم البنك بالسحب من رصيد العميل، فإنه في هذه الحالة تكون طبيعة العقد والتعاقد وكالة: أي كأن البنك وكيلٌ عن صاحب البطاقة في سداد الحقوق والالتزامات التي عليه، مثال ذلك: لو أن حامل البطاقة ذهب ونزل في فندق وكلفه ذلك خمسة آلاف ريال، ثم اشترى جملة من السلع فكلفه ذلك ثلاثة آلاف ريال، فأصبح المجموع ثمانية آلاف ريال، هذه الثمانية آلاف ريال: كنا قد سبق وأن ذكرنا أن التاجر أو صاحب الفندق أو من يتعامل معه الحامل للبطاقة يقوم بإثباتها في فاتورة، ومن ثم تُدخل إلى حسابه، فإذا قام البنك بالسحب من الرصيد، يكون بمثابة الوكيل عن الحامل في سحب ذلك المبلغ المعين للوفاء بالالتزامات التي عليه، وأشبه بالشيك الذي يكتبه صاحب الرصيد للبنك الذي يدفع لفلان كذا وكذا، فهو بمثابة الوكيل، لكن الإشكال ليس هنا، الإشكال أننا لو اعتبرنا البنك أو المصرف وكيلاً عن صاحب الرصيد في الدفع فالأصل يقتضي أن يكون للموكل وهو العميل أو حامل البطاقة الحق كاملاً في التعامل مع هذا الطرف الثاني، وطبيعة العقد ما بين البنك وبين حامل البطاقة تخلي صاحب البطاقة من كثير من الحقوق، منها ما سبقت الإشارة إليه: أنه لو كان العميل قد اشترى بعملة غير العملة المعروفة؛ فإن هناك عقداً -عقد الصرف- يخول ويفوض البنك أن يصرف الريالات بالدولارات بأي سعرٍ كان، وهذا خلاف الوكالة؛ لأن الوكالة تجعل النظر في الأحظ للعميل عند التحويل إلى عملةٍ أخرى لا النظر في الأحظ للبنك أو المصرف، بيد أن التعاقد والأنموذج الذي تم الاتفاق عليه بين الحامل للبطاقة وبين المصدر -البنك- يلزم حامل البطاقة بالرضا بكل صرف قام به المصدر -أعني البنك- وهذا خلاف الوكالة؛ لأن الوكالة في الأصل، يكون الموكل هو الذي له الحق الكامل، هذا أول شيء. الشيء الثاني: لو صورنا هذا العقد على أنه عقد وكالة، لابد أن يوضع في الحسبان الرسم والمبلغ الذي دفعه الموكل للمصدر، فالرسوم التي دُفِعت للبطاقة كرسوم الاشتراك المقدمة ورسوم الخدمة المؤجلة، فهنا رسمان طالب بهما البنك -المصدر- حامل البطاقة، فيمكن أن نعتبر هذا المبلغ الذي طولب به من قبيل أجرة، ومن المعلوم في الفقه أنه يجوز أن يوكل بأجرة، يعني يجوز للشخص أن يوكل غيره على أن يقوم بمهمة ويعطيه أجرةً عليها، مثال ذلك: لو قلت لرجل: اشتر لي بضاعةً من نوع كذا وكذا بخمسة آلاف، وأعطيته خمسة آلاف وقلت له: وهذه مائة أجرة لك على تعبك، حينئذ تكون تفويضاً ووكالة مقيدة بأجرة وهي جائزة ولا إشكال، لكن أين الإشكال فيما نحن فيه؟ أن هذه الرسوم -وهي الأجرة- إذا اعتبرنا العقد الذي بين حامل البطاقة وبين البنك وكالة بأجرة فينبغي أن تسري أحكام الإجارة الشرعية على هذا النوع من الوكالة، فلابد من النظر في شروط صحة الإيجار الشرعي، والتي منها باتفاق العلماء: العلم بالأجرة وبالمنفعة. توضيح هذا الشرط حتى يمكن تطبيقه: أنك لو استأجرت شخصاً لكي يعمل أو يقوم بمنفعة لك فقلت له: اعمل عندي يوماً وأعطيك ما يرضيك لم يجز بالإجماع؛ لأن الذي يرضيه لا ندري كم هو، فقد يكون في ظنك أن المائة ترضيه وفي ظنه أنه لا تعطيه إلا مائة وخمسين فيحدث التشاحن، وبالإجماع لا يجوز أن تكون الأجرة مجهولة، هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: لا يجوز أن تكون المنفعة التي تستأجره لفعلها مجهولة، كأن تقول له: ابن لي جداراً وأعطيك مائةً، فلا تصح الإجارة حتى تحدد طول الجدار وعرض الجدار حتى يصبح كلٌ على بينة، ويعرف ما لهذا الأجير من حق، وما لصاحب العمل من حق، فيعطى كل ذي حقٍ حقه، فهذا منهج الشريعة وهذه قواعد الشريعة الواضحة في التعامل والتي قامت على العدل وإعطاء الحقوق كاملة: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام:115]، المهم أنك تدفع المال لقاء شيء معلوم، وإذا ثبت هذا فلا يصح أن تكون الإجارة بقيمة مجهولة، ولا يصح أن تكون على عمل مجهول، وفي البطاقة إذا اعتبرنا أن البنك يقوم بالسحب من الرصيد وكيلاً عن صاحب الرصيد فإنه قد أخذ أجرةً على هذا السحب لقاء سحب مجهول، فلا ندري كم قدر تلك السحوبات، ولا ندري هل تكون مثلا في بلدٍ قريب، أو بلد بعيد فالعمل الذي دُفِع الرسم لقاءه مجهول، وقد لا يستخدم البطاقة إلا مرة واحدة، وقد يستخدمها عشرين أو ثلاثين أو أربعين مرة والأجرة واحدة، فهذا مجهول من جهة العمل. ثانياً: مجهول من جهة الأجرة، وتوضيح ذلك أن الأجرة عن البطاقة اشتملت على نوعين من الرسوم: الرسم الأول: وهو الرسم المقدم الذي يكون في حال الاشتراك وهذا قد يعفى منه صاحب الرصيد، فعلاً في بعض الأحوال تعطى البطاقة لمن له رصيد بدون رسم الدخول، لكن بقي الإشكال في الرسم الثاني: وهو رسم الخدمة؛ وقد ذكرناها عند استعراضنا لبعض البنود التي تكون في العقد ويتفق عليها كل من العميل والمصرف عند صرف هذه البطاقة، فذكرنا أن العميل يلتزم بدفع رسم الخدمة على كل عملية، فلو أنه نزل في فندق وكلف نزوله ثلاثة آلاف ريال، فهناك رسم الخدمة، ولو فرضنا أنه (5%)، فثلاثة آلاف ريال سيكون نصيبها ما يقارب من مائة وخمسين، فنحن في هذه الحالة لا ندري بالنسبة في وقتها، فأصبحت الأجرة التي تستحق لعمل البنك مجهولة، فهي وإن كانت معلومة النسبة لكنها مجهولة القدر، وهذا نوع من الجهالة يبطل الإجارة. إذاً فأصبحت الجهالة من وجهين: إذا كان للعميل رصيد وفوّض البنك في السحب من رصيده وفاءً للالتزامات والحقوق التي عليه، هو عقد وكالة بأجرة، إلا أنه شابه جهالة الثمن التي هي الأجرة، وجهالة العمل والمنفعة المستحقة لقاءه. بناءً على ذلك في الحالة الأولى: وهي كون البنك يقوم بالسحب من الرصيد لتغطية الالتزامات تخرج على أنها وكالة بأجرة وفيها ما ذكرنا.
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات من غير رصيد الحامل الصورة الثانية من الحالة الأولى: وهي أن يقوم البنك بالوفاء بالالتزامات من عنده ثم يقسط الحقوق على العميل دفعات على ما يراه أو يتفق مع العميل عليه، ففي هذه الحالة: لا يسحب من الرصيد، ويكون رصيد العميل أشبه بالرهن والغطاء، فلو فرضنا أن العميل له عشرة آلاف ريال أو عشرين ألف ريالٍ والبطاقة يسحب بها في حدود خمسة آلاف ريال، فالخمسة آلاف الموجودة في الرصيد هي في الحقيقة غطاء لعمليات البطاقة التي هي في حدود خمسة آلاف ريال. فيمكن لنا أن نقيّم الصورة الثانية وهي التي لا يتدخل فيها البنك في الرصيد إلا بأمر وإيعاز من العميل، ويكون الرصيد فيها عبارة عن غطاء، وهذا ما سبق وأن سميناه بالرهن؛ لأن الرهن يكون للاستيثاق من أجل أن يوفي منه صاحب الحق إذا لم يسدد وقد سبق شرطه وبيان ضوابطه، وفي هذه الحالة البنك يقوم بالتالي: إذا اشترى العميل بمبلغ ثلاثة آلاف ريال، فالبنك له طرف من التعاقد مع التاجر كما بيناه سابقاً، فهو يدخل لحساب التاجر مبلغ ثلاثة آلاف ريال، دون رسم الخدمة التي طالبه بها البنك، في هذه الحالة: إذا قام البنك بالسداد عن العميل وتوجه للعميل لأخذ ما يستحقه عليه من دفعات، كان طبيعة التعاقد أن البنك التزم بالدفع عن العميل وجعل رصيد العميل غطاءً لوفاء العميل، فلو تأخر العميل أو امتنع من السداد فالأمر يسير حيث يسحب من رصيده، والبنك في مأمن من الإخلالات بهذه الالتزامات التي سبق ذكرها. الآن عرفنا طبيعة العقد، فيبقى السؤال من الناحية الفقهية، لو أن اعتبرنا الرصيد رهناً وغطاءً للعمليات التي يقوم بها العميل بالبطاقة، فالسؤال الأول: ما هو نوع هذا الرهن؟ والجواب: أن الرهن من النقود: أعني الذهب أو الفضة، فهل يجوز أن تُرهن النقود أم أن الرهن يكون في المثمونات دون الأثمان؟ جمهور العلماء يجيزون رهن النقود، ونص على ذلك فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية، وهو مفهوم عبارات الحنابلة: كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وبناءً على ذلك: مذهب الجمهور على جواز رهن النقود، والدليل على ذلك: أننا لو رهنا العقار كالبيت إنما قصدنا ضمان حق صاحب الدين، وسنبيع البيت عند عجز المدين عن السداد ثم نسدد، قال العلماء: فلأن يجوز رهن النقد المباشر من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا جاز رهن البيت والعمارة والدابة والأرض لكي تباع عند عدم الوفاء، فمن باب أولى أن يرهن النقد نفسه، وهذا واضح. إذا ثبت هذا فإن النقود تعتبر رهناً لعملية البطاقة، لكن الإشكال ليس هنا، إنما الإشكال في المسألة الثانية: وهي هب أن الرصيد اعتبر رهنا، فقد تقدم معنا في باب الرهن: أن الرهن الشرعي لا يجوز لصاحب الدين أن يغيره، أو يبدله، أو يتصرف فيه، وهنا عند النظر في المبلغ المدفوع نجد أن البنك قد ضمن مثل الرهن لا عين الرهن. توضيح ذلك: أجمع العلماء من حيث الأصل على أنك لو استدنت من رجل عشرة آلاف ريال، وقال لك الرجل: أعطني رهناً، فأعطيته سيارة عندك، تقدم معنا أن هذه السيارة إذا وضعت عند صاحب الدين فلا يحق له أن يتصرف فيها ولا أن ينتفع بها، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالمحافظة على الرهن، كل ذلك لأجل الخوف من (كل قرض جر نفعاً فهو ربا). إذا ثبت هذا وقلنا: إن الرهن لا يتصرف فيه، فطبيعة الرهن الشرعي أنك تأخذ العين وتردها بعينها، فإذا أعطاك سيارة لا يجوز أن تبدل السيارة بمثلها، ثم تقول له إذا سدد: خذ هذه سيارة مثل سيارتك، بل الواجب أن تضمن له عين سيارته، وهذا ذكرنا فيه الأصول والضوابط وقررنا: أن الرهن يضمن بعينه، فإذا ثبت أن الرهن يضمن بعينه، فالسؤال: الخمسة آلاف التي في رصيد زيد أو عمرو -وهو حامل البطاقة- إذا وضعت في الرصيد: هل الذي يضمن عين النقد الذي دُفِع أم يضمن مثله في القدر؟ الجواب: أنه يضمن مثله في القدر، فليست عين الخمسة آلاف المدفوعة؛ لأن الرهن يتعين وينبغي حفظه بعينه كما ذكرنا، وهنا لا يقصد بعينه إنما يحفظ بقدره ومثله. بناء على ذلك في الصورة الثانية من الحالة الأولى: إذا كان له رصيد، ولا يسحب البنك من الرصيد يعتبر رصيده بمثابة الرهن والغطاء لعمليات البطاقة وإذا كان بمثابة الرهن ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الرهن بالنقود جائزٌ في أصح قولي العلماء وهو قول الجماهير. والمسألة الثانية: أنه يُشكل على هذا أن رهن النقود -الرصيد- لا يضمن ولا يحفظ بعينه، وإنما يضمن بمثله، فخرج عن ثمن الرهن في الشرع، لكن عندنا في هذه الحالة أيضاً إشكال، وهذا الإشكال يقوم على قاعدة: كل قرض جر منفعة فهو ربا، وتوضيحه: أننا سبق وأن ذكرنا في باب القرض أن العلماء مُجمعون على أنه إذا دفع رجل لآخر قرضاً فلا يجوز له أن ينتفع منه منفعة؛ لأن ذلك ذريعة إلى الربا، وقد بينا ذلك وذكرنا ما ورد عن السلف رحمهم الله من تحريم المنافع لقاء القروض، إذا ثبت أن صاحب القرض لا يجوز له أن ينتفع لقاء قرضه، فلو فرضنا أن صاحب البطاقة له رصيد -كما في الصورة التي معنا- وقام البنك بالسداد عنه، فإن صاحب البطاقة يعتبر في هذه الحالة قرض ما بين البنك وما بين العميل، فكأن البنك أقرض العميل قيمة الاستحقاقات التي في بطاقته، والتي فرضنا أنها خمسة آلاف، لكن البنك لم يقبل على دفع خمسة آلاف بدلاً عن رصيد العميل إلا لوجود المنفعة التي سيجنيها من الطرفين: من العميل -وهذا ما سنبينه في الرسوم المؤجلة- ومن التاجر. والسؤال: أين المنفعة التي يستفيدها البنك من التاجر؟ سبق وأن ذكرنا في عقد البطاقة: أن المصدر الذي يصدر البطاقة يلزم العميل ألا يتعامل إلا مع محلات معينة، وتجد شعارات البطاقة التي يريد أن يتعامل بها موجودة، إما في الخدمات وإما في أماكن السلع. إذا ثبت هذا فكأن البنك يقول له: أدينك بشرط أن تشتري من فلان وفلان -المحل الذي سيشتري منه- والبنك مستفيد؛ لأن بينه وبين هذا التاجر أو المستفيد عقداً، مفاده أن كل عملية يقوم العميل بفعلها كأن يشتري بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف فإنه يجب على التاجر أن يدفع للبنك رسم الخدمة، ورسم الخدمة لو فرضناه مثلاً (5%) فمعنى ذلك: أن العملية إذا تمت بخمسة آلاف ريال، وعليها (5%) فمعنى ذلك أن البنك سيستفيد ما مقداره مائتين وخمسين ريالاً، وعلى هذا فتكون حقيقة الأمر: أن البنك ديّن صاحب البطاقة الأربعة آلاف وسبعمائة وخمسين واستفاد المائتين والخمسين التي سيجنيها من التاجر، وأطبقها على العميل خمسة آلاف؛ لأن المسجل عند البنك أنها خمسة آلاف، والذي يسجل في الفاتورة عند التاجر خمسة آلاف، فأصبحت للبنك منفعتان: منفعة من العميل وهذا ما سنذكره إن شاء الله من جهة الربا، ومنفعة من جهة التاجر والمستفيد. فإذاً: الحال في هذه الصورة الثانية: أن يكون البنك بمثابة المقرض للعميل؛ لأنك إذا جئت تكيف المسألة من الناحية العقلية فكون البنك يلتزم بالدفع عن العميل معناه: أنه سيقرض العميل؛ لأن الخمسة آلاف مستحقة على العميل لا على البنك، وفي هذه الحالة تعجل البنك بدفع الخمسة آلاف، والواقع أنه دفع أربعة آلاف وسبعمائة وخمسين واستفاد منها مائتين وخمسين، فهو يستفيد من التاجر، وقد يقال: هذا راجع إلى النظرة التي ينظرها البنك بأنه إذا أعطى العميل البطاقة وعين له المحل الذي يشتري منه يصبح عندها للبنك حق على هذا المحل، ومن حقه أن يستفيد من هذا المحل، طبعاً هذه وجهة نظر، لكن من الناحية الشرعية تعتبر قرضاً جر نفعاً، هذا بالنسبة للتخريج الأول المتعلق ببطاقة الائتمان التي لها رصيد. والخلاصة: إن كان العميل له رصيد في البنك فلا يخلو البنك في تأمينه للحقوق والالتزامات المترتبة على التعامل بالبطاقة من حالتين أو صورتين: إما أن يقوم بالسحب من مال العميل وحينئذٍ هو وكيل مستأجر، والوكالة بأجرة اختل فيها هنا: شرط العلم بالأجرة، والعلم بالمنفعة، فالأجرة مبنية على النسبة وهي معلومة من جهة القدر، لكنها مجهولة من جهة القيمة. كذلك أيضاً شابتها الجهالة: أعني إجارة الوكالة، من جهة جهالة المنفعة التي سيقدمها البنك للعميل، حيث لا يدرى عدد العمليات ولا يدرى هل هي في الداخل أو الخارج وهل هي في المحلات القريبة أو البعيدة، وهذا حاصل ما يقال في مسألة إذا كان للعميل رصيد عند تحرير البطاقة.
التخريج الفقهي لبطاقة الائتمان لو قام البنك بتغطية الالتزامات دون أن يكون للعميل رصيد في الأصل الحالة الثانية: ألا يكون للعميل رصيد، فإذا لم يكن للعميل رصيد، فحينئذٍ يكون البنك قد أعطى العميل البطاقة وألزمه بدفع الحقوق المترتبة عليه في أمد معين، وقام البنك بالتسديد عن العميل، فأنت بالخيار بين أمرين: الأمر الأول: إما أن تعتبر البنك مقرضاً للعميل، فالبنك أقرض العميل وسدد عنه ثم أخذ بعد ذلك حقه بالأقساط كما هو متبع في بعض الأحوال. الأمر الثاني: أن تعتبره كافلاً للعميل، فكفل العميل ثم بعد كفالته للعميل غرم؛ لأن صاحب المحل التجاري لما رأى البطاقة لم يلتفت إلى العميل، وإنما التفت إلى مصدر البطاقة -البنك مثلاً- أنه سيؤمن له حقه، فيكون تخريجها بالكفالة أقوى، وقد سبق وأن شرحنا الكفالة، وبينا أنها ضم ذمة رشيد إلى ذمة آخر في الوفاء والسداد. بناءً على ذلك فتصوير هذا العقد كالآتي عندنا كافل وعندنا مكفول وعندنا شيء تكفل به ذلك الكافل، وإذا جئت تطبق ذلك على واقع الحالة تقول: الكافل: البنك، والمكفول: العميل، والمكفول له: التاجر، والمتكفل به: سداد المبلغ الذي تم الشراء به أو أخذ الخدمات في مقابله. بناءً على ذلك دعونا نطبق مسألة الكفالة: فالبنك تكفل للفندق أو تكفل للتجّار أياً كانوا أن من حمل هذه البطاقة أعطوه في حدود خمسة آلاف، فكيف نخرجها على ما تقدم معنا في مبحث الكفالة؟ سبق وأن بينا أن الكفالة لها صورتان: الصورة الأولى: وهي صورة مشهورة: أن يكون الشخص الذي عليه الدين قد طالبه صاحب الدين، فتأتي أنت وتقول: أنا أكفله أن يسددك في نهاية السنة، في هذه الحالة تكون قد كفلت ديناً ثابتاً مستقراً ولا إشكال. الصورة الثانية: وقد سبق معنا دراستها في آخر باب الكفالة والضمان، وهي الديون التي تئول إلى الضمان في المستقبل. وذكرنا أنه يجوز أن تتكفل بدين مجهول يئول إلى العلم ومسألة الكفالة بالبطاقة على دين مجهول آيلٌ إلى العلم تتخرج عليها، فأنت في مسألة الدين المجهول الذي يئول إلى العلم يجوز أن تأتي لصاحب البقالة وتقول له: ديّن فلاناً، وأعط فلاناً ما يريده وأنا أتكفل بسداد حقه أو أن حقك يعطى لك أو أنه يسددك في نهاية الشهر، فذكرنا هذا وبيناه وضربنا أمثلة على ذلك كأن تأتي وتتكفل نفقة أيتام أو نحو ذلك قلنا: هذا ضمان لدين في المستقبل، وكفالة لدين في المستقبل، فموضوع البطاقة في الصورة التي ذكرناها تتخرج على هذه الصورة؛ لأن الدين حال إحضار البطاقة غير معلوم، ولكنه آل إلى العلم، لكن يجب أن نتنبه إلى أن الكفالة غير الإجارة ففي الإجارة لا يصح أن تقول: المجهول يئول إلى العلم، بينما في الكفالة يصح؛ لأن الإجارة من عقود الغرر، أما الكفالة فمن عقود الرفق، وقد سبق عند كلامنا في بداية أبواب المعاملات المالية: أن هناك فرقاً بين عقود المعاوضات المبنية على الغرر والغبن وبين عقود المعاوضات المبنية على الرفق، وبينا هذا وذكرنا وجه منهج الشرع في كل منهما، ففي الكفالة: كفالة بمجهول يئول إلى العلم، والآن أثبتنا أن البطاقة إذا أُعطيت بدون رصيد لصاحبها، وتكفل البنك بالدفع عنه، وخرجنا على أنها كفالة، فلابد أن نعرف طبيعة هذه الكفالة، هل هي بأجرة أو بدون أجرة؟ هل البنك حينما التزم أن يسدد عن صاحب البطاقة، التزم أن يسدد تطوعاً على سنن الكفالة المعروفة أم أنه التزم أن يسدد لقاء أجرة؟ والجواب: أن البنك لم يسدد إلا لقاء أجرة ورسم مقدم. وتوضيح ذلك: أن البطاقة بدون رصيد جرى العرف على أنها لا تعطى إلا بعمولة، وهذ العمولة هي عبارة عن رسم الاشتراك، ثم عمولة الخدمة بعد ذلك، فأصبح عندنا نوعان من الأجرة تدفع على هذه الكفالة. النوع الأول: الرسم الذي يدفع قبل الدخول وأخذ البطاقة، والنوع الثاني: الرسم الذي يؤخذ على عمليات البطاقة، وهو الذي يسمى في العرف التجاري برسم الخدمة، فإذا ثبت كل هذا فمعنى ذلك: أن عندنا كفالة بأجرة، فيرد السؤال في الحكم الشرعي. إذاً: انتهينا الآن من تكييف عقدها فقهاً وتبين أنها كفالة بأجرة، فهل يجوز أخذ الأجرة على الكفالات؟ هل يجوز لشخص يأتيك ويقول لك: فلانٌ له عليَّ مائة ألف ويحتاج إلى كفيل، فاكفلني سنة أو سنتين وأعطيك ثلاثة آلاف أو أعطيك على كل سنة ألفاً؟ لا يجوز بإجماع العلماء أخذ الأجرة على الكفالة. والسبب في ذلك يتضح ببيان الآتي: أنه لو كفل شخص شخصاً في مال أو دين، وأخذ أجرة على الكفالة فإنه في حال عجز المدين عن السداد يلزم شرعاً أن يسدد عنه، فلو سدد عنه المائة ألف أصبح المكفول مديناً للكافل بمائة ألف بالإضافة إلى المبلغ الذي اتفق عليه كأجرة، فتصبح المسألة: أن الكافل دفع مائة ألف وأخذ مائة ألف وزيادة، والزيادة هي الأجرة، ولذلك أجمع العلماء والسلف والخلف على تحريم أخذ الأجرة على الكفالات؛ لأنها من باب عقود الذرائع الربوية، وليست بالربوية الأصل؛ لأن الربا إما أن يكون أصلاً وإما أن يكون ذريعةً، فهي من عقود الذرائع الربوية، ويتذرع بها ويتوصل إلى الربا، فصارت الكفالةُ بعوض كفالةً لقاءَ الدين، وكأنه أعطاه الدين بالدين مع الفضل، وهو مبلغ الأجرة. إذاً: لو خرجناها كفالةً لا تصح ولا تجوز؛ لأنها كفالة بأجرة، وحُكي الإجماع على عدم جواز الكفالة بأجرة. قال بعض المتأخرين والمعاصرين ومنهم من توفي رحمة الله عليهم: يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، وهذا قول شاذ وباطل، يُحكى ولا يعوّل عليه؛ لأن المعوَّل على مذاهب العلماء والأئمة، والاجتهاد بعد هذا الجمع العظيم من سلفنا الصالح وأئمة العلم ودواوين العلم بأن يأتي شخص ويحدث قولاً جديداً مخالفاً لقول الجماهير، فهذا لا يعد ولا يلتفت إليه،