ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-06-10, 07:49 PM
أبو حفص المصمودي أبو حفص المصمودي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-11-07
المشاركات: 20
افتراضي الطعن في حديث لطم موسى ملكَ الموتِ

ينكر بعض الناس صحة حديث " لطم موسى ملك الموت" *، والذي أورده الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله r قال: جاء ملك الموت إلى موسى u فقال له: أجب ربك، قال: فلطم ([1]) موسى u عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور ([2]) فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه ([3]) قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب رب أَمِتْنِي من الأرض المقدسة ومية بحجر([4]) قال رسول الله صلى عليه وسلم : " والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق([5]) عند الكثيب ([6]) الأحمر".
وزعموا أن هذا الحديث مخالف للعقل والشرع، واستدلوا على دعواهم بعدة استشكالات حول هذا الحديث وهي:
ـ أن هذا الحديث جاء في الصحيحين من طريق عبد الرزاق بن همام الصنعاني وهو منسوب إلى التشيع، وقد اختلط في آخر عمره بعدما عمي، ثم إن مداره على أبي هريرة، وقد تفرد به، وقد كان يأخذ عن كعب الأحبار الإسرائيلي ويروي بالمعنى وليس هو من جملة الفقهاء.
ـ كيف لموسى u أن يقفأ عين ملك الموت، وقد جاءه بأمر الله؟ فإن كان قد عرفه فهذا استخفاف منه به، وعدم انقياد لأمر الله؛ وإن لم يكن يعرفه فلماذا لم يقتص الله منه للملك؟
ـ هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عور أو عمى؟
ـ وهل لنبي من أولى العزم أن يكره الموت، في الوقت الذي أحب فيه الصالحون لقاء الله؟
ـ كيف لملك الموت أن يخالف أمر الله في المرة الأولى في تنفيذ قضائه بقبض موسى u، وهل في قضاء الله بالموت على أحد رجعة أو تخيير والآية تقول: ﮋﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮊ(الأعراف: 34).
رامين من وراء هذه الطعون والتساؤلات إلى الطعن في صحة هذا الحديث بما يوجب رده، وإثارة الشكوك حول الأحاديث الصحاح.
وهذا الكلام ساقط من وجوه
نوردها إجمالا فنقول:

1 ـ حديث لطم موسى لملك الموت في أعلى درجات الصحة، رواه الثقات العدول من أئمة الإسلام والحديث، ونسبة عبد الرزاق ـ أحد رواته ـ للتشيع لا تقدح في روايته، وغمز أبي هريرة رضي الله عنه برواية الإسرائيليات إغفال للحق، وقصد غير سبيل المؤمنين، فقد أجمعت الأمة على حفظه، لتواتر عدالته ـ وعموم الصحيح ـ عن الله ورسوله، فلا يسعنا إلا أن نسلم بما صح عن رسول الله r، ولا يرد بمجرد استشكال العقل القاصر.
2 ـ تمثل ملك الموت في صورة بشر أمر غير مستغرب ولا ممتع، فقد دلت نصوص القرآن والسنة على ظهور الملائكة في صورة البشر، بما يخفى حالهم على الأنبياء ـ فضلًا عن عموم الناس ـ ولا يلزم من ذلك خروج الملك عن ملكيته, وفقء موسى لعين ملك الصورة البشرية التي تمثل فيها ملك الموت رد فعل طبيعي، يتصف بالشرعية مع رجل غريب اقتحم بيته بغير إذنه يطلب روحه.
3ـ كراهية الموت أمر جبلي فطر الله الناس، عليه ولو سلمنا بأن موسى u كره الموت ـ مع أن المدقق يرى خلاف ذلك ـ فإن ذلك لا يشينه، فقد سمى الله الموت في القرآن مصيبة وبلاء، وقد أقر النبي r قول الصحابي: " كلنا يكره الموت"، وبين لهم أن كراهية الموت ليست هي كراهة لقاء الله، ونهاهم عن تمني الموت.
ومع كل هذا فموسى u لم يخرج عن بشريته لكونه نبيًّا مرسلًا.
4ـ لطم موسى لملك الموت لا يعد اعتراضًا على قضاء الله لثبوت عدم معرفته لملك الموت ابتداء، دل على ذلك اختياره جوار ربه في المرة الثانية لما خُيِّر بين الموت والبقاء، وليس هذا اضطرابًا في الآجال كما يزعم البعض، فقد سبق في علم الله أن قبض موسى u لا يكون إلا بعد هذه المراجعة والتخيير، وإن لم يطلع ملك الموت على ذلك أولًا.
كان هذا هو الموجز وإليك الجواب بالتفصيل:
أولاً: الحديث في أعلى درجات الصحة، وتلقته الأمة بالقبول والتسليم:
حديث صك الرسول الملكم ـ سيدناموسى u ـ لملك الموت رواه الثقات العدول، أئمة الإسلام والحديث، فقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ([7])، وأحمد في مسنده([8])، وعبد الرزاق في مصنفه([9])، والنسائي في سننه([10])، والبغوي في شرح السنة([11])، وابن جرير في تاريخه([12])، وابن حبان في صحيحه([13])، والحاكم في المستدرك على الصحيحين([14])، وغيرهم.
وقبل أن نعرض للكلام في الحديث، وجب علينا ابتداء أن نذكر نص الحديث ـ الذي هو موضع الإشكال لدى أصحاب الفكر السطحي ـ بنص ألفاظ رواته، ومخرجيه، إذ إن ذلك هو الأساس، الذي ينبني عليه كل ما بعده، ونكتفي في هذا المقام برواية الشيخين (البخاري ومسلم)؛ لكونهما يغنيان في إثبات الصحة.
قال الإمام البخاري:
حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام ـ فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله عليه عينه وقال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة . قال أي رب ثم ماذا؟ قال ثم الموت . قال فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر" . قال: قال رسول الله r: " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر".
وقال الإمام مسلم: كتاب الفضائل، باب فضائل موسى r:
َحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى u فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ - قَالَ - فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ أَىْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ فَالآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r- « فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ ».
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -r-. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r- « جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى u فَقَالَ لَهُ أَجِبْ رَبَّكَ - قَالَ - فَلَطَمَ مُوسَى u عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا - قَالَ - فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِى - قَالَ - فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ إِلَى عَبْدِى فَقُلِ الْحَيَاةَ تُرِيدُ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً قَالَ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ رَبِّ أَمِتْنِى مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r- « وَاللَّهِ لَوْ أَنِّى عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
ومن خلال هذا العرض الموجز لروايات البخاري ومسلم نجد أن الحديث لم يروه من الصحابة إلا أبو هريرة، وأنه كان مرة يصرح في أوله برفعه للنبي r، ومرة كان يستغني عن ذلك بما في آخره من الدلالة على رفعه، وأنه بالوجهين (الوقف والرفع) لم يأت في الصحيحين والنسائي إلا من طريق عبد الرزاق، وهذا في بداية الأمر قد جعل بعض المغالطين يلمز سند الحديث بحجة أن عبد الرزاق متهم بالتشيع، وأن أبا هريرة كان يحمل من كعب الأحبار.
وللجواب عن هذه المغالطات نقول:
ـ إن انفراد الصحابي بالحديث لا يؤثر في صحة الحديث، وجماهير علماء الأمة لا يشترطون تعدد رواة الحديث، وفي هذا المعنى يقول السيوطي في ألفيته:

وليس شرطًا عددٌ ومن شرط
رواية اثنين فصاعدًا غلط

أي: ليس تعدد الرواة شرطًا في صحة الحديث([15]).
وقال الحافظ أبو محمد بن حزم: إذا روى العدل عن مثله خبرًا، حتى يبلغ به النبي r فقد وجب الأخذ به ولزمته طاعته والقطع به، سواء روي من طريق أخرى، أو لم يروَ إلا من تلك الطريق([16]).
وقال الحافظ ابن القيم: ولا تُردُّ أحاديث الصحابة، وأحاديث الأئمة الثقات بالتفرد، فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة، ولم يروه غيره، وقبلته الأمة كلها، ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع، ومن تبعهم في ذلك، أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء، وقد تفرد الزهري بنحو تسعين حديثًا لم يروها غيره، وعملت بها الأمة، ولم يردوها بتفرده([17]).
فإذا كان تفرد مطلق الصحابي بحديث ليس بعلة يرد بها، فكيف بما تفرد به أحفظهم باتفاق، وهو أبو هريرة؟!([18])
قال السيوطي:

والمكثرون في رواية الأثر
أبو هريرة يليه ابن عمر([19])

أما عن كون المنفرد بالحديث أبو هريرة وغمزه بتلقي الحديث من كعب الأحبار الإسرائيلي مع كونه يروي بالمعنى وليس هو من الفقهاء.
فأما الجواب عن تلقيه من كعب الأحبار فمن وجوه:
الأول: أنه لم يثبت قط عن أبي هريرة أنه جعل رواية إسرائيلية ونسبها إلى النبي r على أنها حديث نبوي، ولقد وجد الصحابة والتابعون في أبي هريرة رضي الله عنها صحابيًّا، حافظًا، محققًا، مدققًا، إذا ناقشه أحد ثبت أنه الحافظ، وإذا روجع في مسألة ثبت أنه الراسخ، ولم يجربوا عليه خطأ ولا كذبًا، وإنما وجدوا فيه عكس ذلك، يتحرى ويحتاط، يعظم حديث رسول الله r كل الإعظام([20]).
الثاني: أن الصحابة ـ وعلى رأسهم أبو هريرة ـ مجمعون على الحذر من رويات أهل الكتاب، بل لقد بلغ الأمر بالصحابة أنهم كانوا إذا سألوا أهل الكتاب عن شيء فأجابوا عنه خطأ ردوا عليهم خطأهم ، وبينوا لهم وجه الصواب فيه([21]).
الثالث: أن جمهور المحدثين مجمعون على أن كعب الأحبار من الرواة الثقات، ولم يعلم عليه كذب قط، فقال الذهبي: حسن الإسلام، مدين الديانة، من نبلاء العلماء([22]).
أما غمزه بعدم الفقه: فيكفيه أن حفاظ الأمة ـ منهم ابن حزم وابن القيم ـ لما انتصبوا لترتيب أهل الفتوى جعلوا أبا هريرة مساويًا للخليفتين أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما؛ في الاندراج في الدرجة الوسطى، وهي الطبقة الثانية عندهم([23]).
وأما كون الحديث لم يأت في الصحيحين إلا من طريق عبد الرزاق وهو ملموز بالتشيع، وقد اختلط في أواخر عمره، فالجواب عن ذلك:
أن الحافظ في مقدمة الفتح قد أتى في ترجمة عبد الرزاق بما لا يدع مجالًا لطاعن في أن يرد روايته بشبهة تافهة، فقال عنه: أحد الحفاظ الأثبات، صاحب التصانيف، وثقه الأئمة كلهم، إلا العباس بن عبد العظيم الغبري وحده، فتكلم بكلام أفرط فيه، ولم يوافقه عليه أحد، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: قيل لأحمد: من أثبت في ابن جريج، عبد الرزاق أو أحمد بن أبي بكر البرساني؟ فقال: عبد الرزاق.
وقال عباس الدوري عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف، وقال يعقوب بن أبي شيبة عن علي بن المديني: قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا. وقال ابن عدي: رحل إليه ثقات المسلمين، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وهو أعظم ما ذموه به، أما الصدق فأرجو أن يكون لا بأس به.
قلت (ابن حجر): احتج به الشيخان في جملة من حديث من سمع قبل الاختلاط سمع منه أحمد بن شبويه فيما حكى الأثرم عن أحمد وإسحاق الديري، وطائفة من شيوخ أبي عوانة، والطبراني ممن تأخر إلى قرب الثمانين ومائتين([24]).
فكل منصف يرى أن عبد الرزاق من الحفاظ الأثبات، وأنه موثق عند الأئمة كلهم إلا عباس العنبري الذي جازف في الطعن على عبد الرزاق بما لم يوافقه عليه أحد، وأن ثقات الناس رحلوا إليه، وما نسب إليه من التشيع لا يطعن في عدالته ولا يخرجه عن الصدق، وكونه إن تغير بعد عماه، فالشيخان (البخاري ومسلم) لم يحتجا إلا بالمروي عنه قبل الاختلاط، وأنهما ـ وبقية الستة الذين اتفقوا على الاحتجاج به ـ لم يحتجوا به إلا لما ثبت عندهم وعند الجمهور من كمال حفظه وثقته إلى وقت تغيره، وأن الشيخين لم يحتجا إلا بما رواه الثقات عنه قبل التغير. في الوقت الذي نفى الإمام أحمد عنه تهمة التشيع، وهو من كبار تلاميذه([25]).
ومع هذا كله قد حل لنا هذا الإشكال في وصف حال رواية صاحب البدعة حيث قال: " ذهب الكثير أو الأكثر إلى قبول رواية غير الداعية لبدعته، وهو أعدل المذاهب وأولاها، فإن كتب الأئمة طافحة بالرواية عن غير الدعاة من المبتدعة، وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الأصول وغيرها([26]).
وبعد هذا كله لا شك أن كل من كانت عنده معرفة وإنصاف إذا استحضر مبلغ حفظ الشيخين (البخاري ومسلم) ومعرفتهما بعلم الحديث عند أهل المعرفة به، ثم ضم لذلك ما اتفق عليه الحفاظ الثلاثة؛ ابن الصلاح والنووي وابن حجر، من الجزم بأن جميع ما في الصحيحين من حديث الرواة الذين حدث لهم اختلاط هو من حد يثهم المروي عنهم قبل حدوث الاختلاط لهم.
فإن ذلك يلجئه إلى أن يطمئن لذلك ويجزم به، ويحكم برفض احتمال وقوع شيء من أحاديث المختلطين فيها بعد اختلاطهم، لا الحديث الذي نحن بصدده ولا غيره([27]).
وبعد أن أثبتنا صحة الحديث ينبغي أن ننبه على أن هذه الأحاديث وغيرها من الإيمان بالغيب، وقد قدمنا أنه ثابت عن رسول الله r ورواه الثقات العدول، أئمة الإسلام والحديث، كالبخاري ومسلم، وأحمد والنسائي وغيرهم. وقبلته أمة محمد r بالقبول وآمن به الصحابة، وتلقاه الخلف عن السلف، وبناء على هذا فالواجب علينا في مثل هذه النصوص الصحيحة؛ الإيمان بها كما جاءت، وعدم تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها لمجرد استشكالها، فمن ظهر له المعنى فذاك، وإلا فليتهم عقله وفهمه.
قد سئل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه عن هذا الحديث في جملة من أحاديث الصفات فقال أحمد: كل هذا صحيح، وقال إسحاق: هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي([28]).
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: ونؤمن بأن ملك الموت أرسل إلى موسى u، فصكه ففقأ عينه، كما صح عن رسول الله r، ولا ينكره إلا ضال مبتدع أو ضعيف الرأي([29]).
لذا يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي r، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، ونعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وما جهلناه، وما لم نطلع على حقيقته ومعناه.
ومع هذا فإن جزمنا وتقريرنا بصحة هذا الحديث وصدق ناقليه، لا يمنعنا من الجواب عما أثير حوله من شبهات واعتراضات، وهذا ما نوضحه في الصفحات الآتية إن شاء الله.
ثانيًا: تمثل الملك في صورة بشر غير ممتنع، وخفاء حاله على موسى جعله يدافعه على أنه غريب معتدٍ:
ثبت في الكتاب والسنة أن الملائكة يتمثلون في صور الرجال، وقد يراهم الناس ويظنون أنهم من بني آدم، كما في قصة إبراهيم u: ﮋﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ ﮊ (الذاريات: 24ـ 28)، فلو علم حالهم ابتداء لما وسمهم بالنكارة ولا قدم لهم طعامًا، ولا أوجس منهم خيفة.
وقال تعالى: ﮋﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﮊ (هود: ٧٧ - ٧٩)، وقال تعالى: ﮋﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮊ (مريم: ١٧).
وكذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله r ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي r، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ........ الحديث.
وفيه، قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم([30]).
فمن خلال هذه النصوص نستطيع أن نجزم بأن الملائكة قد تظهر في صورة بشر، وأن أمرهم قد يخفى على الأنبياء وأنفسهم.
وبناء عليه فلا يستغرب أن يخفى حال ملك الموت على موسى كما خفي حال غيره من الملائكة على إبراهيم ولوط ومريم وغيرهم.
ومما يؤيد هذا ما يلى:
1 ـ سياق الحديث، فإنه يدل على أن موسى u حين لطم ملك الموت لم يكن يعرفه، وذلك أنه لما جاءه في المرة الثانية وعرف أنه رسول من عند الله لم يصنع به ما صنع في المرة الأولى، بل سلًَّم الأمر واختار الموت، ولو كان قد عرفه في المرة الأولى لصنع به في المرة الثانية ما صنع في الأولى.
ولهذا يقول ابن حبان: " لو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به([31])
2 ـ وأما كون الملائكة يتمثلون بصور مختلفة، مما أقدرهم الله عليها، كصور الرجال مثلًا، فيراهم بعض الأنبياء فلا يعرفونهم، بل يظنونهم من بني آدم: هذا ما ثبت في الكتاب والسنة، كما في قصة إبراهيم u مع أضيافه، فإنه لم يعرفهم ابتداءً، حتى إنه أوجس منهم خيفة.
ومثله لوط u، فإنه عرف الملائكة حين أتوه في آدميين لم خاف عليهم من قومه.
وقد قال تعالى عن مريم: ﮋﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮊ (مريم: 17، 18).
في السنة ما يدل على هذا أيضًا، كما في حديث جبريل المتقدم ذكره حين أتى إلى النبي r لم يعرفه في أول الأمر، ولا أصحابه.
3 ـ ما المانع أن تقتضي حكمة الله عزوجل أن يتمثل ملك الموت بصورة رجل ويأمره أن يدخل على بغتة ويقول له مثلاً: سأقبض روحك وينظر ماذا يصنع؟ لتظهر رغبة موسى في الحياة وكراهيته للموت فيكون في قص ذلك عبرة لمن بعده وعظة.
وبناء على هذا فإن ملك الموت قد أتى موسى u في صورة بشرية، ولم يعرفه موسى u، فلطمه لأنه رآه آدميًّا قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى u عن نفسه مدافعة أدت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم.
فقد جاء في شريعتنا جواز فقء عين الناظر دارًا بغير إذن صاحبها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي r قال: " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه" ([32])، فما المانع أن يكون ذلك كذلك في شريعة موسى uـ فمن المعلوم أن الشرائع تتفق في بعض الأحكام ـ لاسيما وأن موسى u لم يُلِمْ على هذا الفعل مع أن الأنبياء لا يقرُّون على خطأ، وقد رد الله تعالى لملك الموت عينه؟([33])
فموسى u في داره الباب مغلق والنافذة مغلقة، فجأة وجد رجلاً في البيت، من أين دخل هذا الرجل، وهذا الرجل دخل صائلاً، والصائل هو الذي يهجم على الناس في البيوت أو يهجم على الناس عمومًا، فموسى وجد رجلاً يصول عليه، ويقول له: أجب ربك، أجب ربك، معناها: سلم روحك: يعني يريد أن يقتله: فما كان من موسى u إلا أن دفع هذا الصائل، وَدَفْعُ الصائل مشروع حتى لو أدى الأمر إلى قتل الصائل، فهو جائز؛ لقوله r: "من قُتل دون ماله فهو شهيد"([34]).
فما كان من موسى u إلا أن فقأ عينه، وهذا حد الذي ينظر في بيوت الناس بغير إذن، فضلاً عن أن يدخل بقدميه؛ لجديث سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جُحْر في جحر النبي r، ومع النبي r مدري يحك بها رأسه، فقال: "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"([35]).
فموسى u مع هذا الرجل الصائل، المتهجم على بيته لم يفعل أكثر من الحكم الشرعي، وهو المدافعة التي كان مؤداها فقء العين.
وإلى القول بأن موسى u لم يكن يعرف ملك الموت في المرة الأولى ذهب ابن خزيمة، وابن حبان، والخطابي، والبغوي، والمازري، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وابن كثير، وابن الوزير، والقسطلاني، والمعلمي اليماني، واستحسنه القرطبي([36]).
قال ابن حبان:
" كان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى u عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلاً لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها.... ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، أو الناظر إلى بتيه بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الجمة الواردة فيه... كان جائزًا اتفاق الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيًا بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء، فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، وقال: الآن.
فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به"([37]).
ومن هنا يُعلم أن مجيء ملك الموت كان في صورة يمكن فقء البشر لعينها، هذه الصورة لا تستلزم خروج الملك عن مَلَكِيّته.
وفي هذا المعنى يقول العلامة المعلمي اليماني ـ رحمه الله ـ: الجسد المادي الذي يتمثل به الملك ليس جسده الحقيقي، وليس من لازم تمثله فيه أن يخرج الملك عن ملكيته، ولا أن يخرج ذاك الجسم المادي عن ماديته، ولا أن تكون حقيقة الملك إلى ذاك الجسم كنسبة أو روح الناس إلى أجسامهم، فعلى هذا أو عرض ضرب أو طعن أو قطع لذاك الجسم لم يلزم أن يتألم بها الملك ولا أن تؤثر في جسمه الحقيقي([38]).
قال القاضي محمد العلوي: إن ملك الموت جاء في صورة يمكن فقء البشر لعينها، والمعهود في مجيء الملك للبشر هو مجيئه له على صورة البشر، كما قال تعالى: ﮋﮅﮆﮇﮈﮉﮊ (مريم: ١٧)، وكما أفادته النصوص القرآنية التي ذكر فيها مجيء الملائكة لإبراهيم وللوط وداود. وكذا نصوص الأحاديث التي ذكر فيها مجيء جبريل لنبينا r،وبه تبين أن فقأ العين هنا هو على ظاهره، وأنه وقع في الصورة البشرية التي جاء ملك الموت عليها وهي ممكن فيها ذلك إلا في الصورة الملكية الأصلية النورانية البعيدة عن ذلك، إذ لم يعهد مجيء الملائكة لللبشر فيها. أما رؤية نبينا r لجبريل على صورته الأصلية في السماء مرة وبين السماء والأرض أخرى، فهي خارجة عن مجيء الملك الذي الكلام فيه، وبمجموع هذا الذي قررناه هنا وضح انحلال استشكال صك موسى لعين الملك وحصول فقء عين الملك من أثره([39]).
وختامًا نقول للمشككين: ما المانع أن تقتضي حكمة الله عزوجل أن يتمثل ملك الموت بصورة رجل ويأمره الله أن يدخل على موسى بغته ويقول له مثلاً: سأقبض روحك. وينظر ماذا يصنع؟ لتظهر رغبة موسى في الحياة وكراهيته للموت، فيكون في قص ذلك عبرة لمن بعده.
فعلى هذا فإن موسى لما رأى رجلاً لا يعرفه دخل بغتة وقال ما قال، حمله حب الحياة على الاستعجال بدفعه، ولولا شدة حب الحياة لتأتي وقال: من أنت وما شأنك؟ ونحو ذلك ووقوع الصكة وتأثيرها كان على ذاك الجسد العارض، ولم ينل الملك بأس. فأما قوله في القصة: " فرد الله عليه عينه" فحاصله: أن الله تعالى أعاد تمثيل الملك في ذاك الجسد المادي سليمًا، حتى إذا رآه موسى قد عاد سليمًا مع قرب الوقت عرف لأول وهلة خطأه أول مرة ([40]).
ومن قال: إن الله لم يقتص لملك الموت من موسى، فهذا دليل على جهل قائله، ومن أخبره أن بين الملائكة وبين الآدميين قصاص؟! ومن قال أن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم يقاصصه الله منه، وقد أخبرنا الله تعالى أن موسى قتل نفسًا، ولم يقاصص الله منه لقتله!...
أما القول بأن العين التي فقأها موسى u، إنما هي تمثيل وتخييل، لا عينًا حقيقة؛ لأن ما تنتقل الملائكة إليه من الصور ليس على الحقائق، وإنما هو تمثيل وتخييل، فالجواب عنه: أن هذا يقتضي أن كل صورة رآها الأنبياء من الملائكة فإنما هي مجرد تمثيل وتخييل لا حقيقة لها، وهذا باطل، فإن النبي r قد رأى جبريل على صورته التي خلق عليها سادًّا عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض، ففي الصحيحين من حديث عائشة، أنها سألته عن قوله تعالى: ﮋﮭﮮﮯﮰﮱﮊ (التكوير: ٢٣). ﮋﮍﮎﮏﮐﮑﮊ (النجم: ١٣)، فقال: " إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خَلْقِهِ ما بين السماء إلى الأرض" ([41]).
ولهذا قال القرطبي: هذا القول لا يلتفت إليه؛ لظهور فساده، فإنه يؤدي إلى ان ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة والأدلة القطعية.
ثم إن هذا القول ـ أيضًا ـ لم يُزل الإشكال؛ لأنه يمكن أن يقال: إذا كان قد علم أنه ملك، وأن ذلكن تخييل، فلماذا يلطمه، ويقابله بهذه المقابلة؟! هذا مما لا يليق بالنبي؟([42])
ومن خلال هذا العرض الموجز يمكن القول أن تمثل ملك الموت في صورة البشر أمر غير مستغرب ولا مستنكر، إذ دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك، وأن الملك قد يأتي في صورة لا يعرفها النبي، فكان لطم موسى لرجل دخل بيته بغير إذنه، ولا يعرفه، يطلب روحه، أمر طبيعي له مسوغ شرعي، ثم إن فقء العين غير مستبعد مادام قد وقع على الصورة البشرية التي تصور فيها الملك، ووقوع الصلة وتأثيرها ـ وإن كان على حقيقته ـ وقع على الجسد العارض الذي
تصور فيه الملك، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية ليرجع إلى موسى على كمال صورته فيكون ذلك أقوى في اعتباره.
ثالثًا: كراهية الموت أمر جبلي سماه الله في القرآن مصيبة، وموسى لم يكره الموت، وإن حصل لا يعيبه؛ لأنه لم يخرج على بشريته بنبوته:
تعسر على بعض المغالطين فهم حديث رسول الله r واستشكلوا قول ملك الموت u لرب العزة ـ سبحانه ـ: " لقد أرسلتني إلى رجل يكره الموت "، فلما أعياهم فهمه، جعلوا عقولهم حاكمة على النص بالضعف والنكارة، قالوا: إن عباد الله الصالحين لا يكرهون الموت، فكيف يكرهه نبي من أولي العزم؟!
وهذا أقل ما يقال عنه أنه نظر إلى النصوص بنظرة سطحية، ثم أعمل فيها عقله القاصر.
فمن تأمل في ألفاظ هذا الحديث، ثم تقصى نصوص القرآن والسنة لن يجد غضاضة في وجود جواب على هذه الاستشكالات المتهافتة.
فليس في الحديث ما يدل دلالة قاطعة على أن موسى يكره الموت، بل إن آخر الحديث دل دلالة واضحة على أن موسى آثر جوار ربه على طول البقاء وذلك عندما خُيِّر بين طول البقاء وبين الموت.
وقول ملك الموت في موسى (لا يريد الموت) هو مبلغ علمه من ظاهر ما صدر له منه، حيث قابل أمره له بالإجابة لربه بصكة وفقء عينه. ولكن قد تبين من قول موسى في آخر الحديث (الآن) المفيد لمحبته لتعجيل موته بعد تمكينه من تأخيره إلى غاية أبعد، تبين من ذلك أن موسى في الواقع بخلاف ما تراءى منه ملك الموت من كونه لا يريد الموت.
وقد علم الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية أن كليمه موسى ليس هو كما طنه فيه ملك الموت؛ وإنما هو على الحالة التي اختارها أخيرًا في قوله: فالآن. وعلم الله تعالى بذلك منه الظاهر أنه هو الذي لأجله أمر ملك الموت برجوعه إليه وبتخييره في طول الحياة وتعجيل الموت، وينبغي للمسترشد هنا أن يتذكر بهذا المقال من أحد كبار رسل الملائكة وهو ملك الموت في كليم الله ورسوله موسى نظيره من الملائكة كلهم أو جلهم في أصل البشر آدم u، الواقع في قوله تعالى: ﮋﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﮊ إلى قوله: ﮋﭪﭫﭬﭭﭮﮊ(البقرة: ٣٠)، فهذا الذي ظنه الملائكة بآدم u هو نظير ما ظنه ملك الموت هنا بموسى عليهما السلام، وهذا الذي أجاب الله تعالى الملائكة به في هذه الآية هو عين الجواب لملك الموت هنا المستفاد مما اختاره موسى أخيرًا، وبه يتضح سقوط التمسك بقول الملك هنا في موسى على إشكال هذا المحل من حيث كونه لا يليق بموسى u.
ثم إن عدم انتصاف الله تعالى له من موسى ولو بالعتاب وثناؤه تعالى عليه بعد ذلك في قوله تعالى: ﮋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﮊ (مريم: ٥١). كل ذلك دل على أن الله تعالى يعلم أن ما اعتقده الملك لا حق له فيه في الواقع. وقد تحقق ذلك من جهة أن ما صنعه موسى تأبى رتبته في الرسالة والتكليم اللذين اصطفاه الله بهما أن يسام بقصد الاعتداء فيه، بل اللائق بذلك أن يحمل صنيعه على أنه لم يقصد إلا أن يدافع عن نفسه وعن روحه من ظنه لها لما تسور عليه منزلته بدون إذنه، ورام بسلب روحه في حال كونه لم يعرف أنه ملك الموت، ولا أتاه بعلامة صدقه في كونه جاء من عند الله التي هي التخيير بين الموت والحياة الذي عهد به الله تعالى لأنبيائه قبل قبض أرواحهم كما جاء في الموطأ والصحيحين وغيرهما. وقد قدمنا البيان على أنه لا يلزم من نبوة موسى علمه بكل من يجيء إليه من ملائكة الله([43]).
من أجل ذلك نستطيع القول أن موسى u يكره الموت حقيقة وإنما ذلك خرج من ملك الموت u بمقتضى فهمه لما وجده من رد فعله في المرة الأولى.
ولو سلمنا جدلاً لهؤلاء أن في الحديث دلالة على كراهية موسى u للموت، فإن ذلك لا يقدح فيه u وذلك لأن كراهية الموت أمر جبلي فطر الله الناس عليه ولا يعاب الإنسان على كراهيته للموت. دلت على ذلك شواهد ونصوص متعددة نذكر منها:
1 ـ أن الله سمى الموت في القرآن مصيبة([44]).
قال القرطبي [في الآية رقم 106 من سورة المائدة]: سمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة، قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى، ورزية كبرى، فأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وترك التفكر فيه وإن فيه لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر([45]).
وسماه الله جل وعلا ابتلاء فقال: ﮋﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ: ﮊ (البقرة ١٥٥).
فلا شك لدى كل عاقل أن كراهية المصيبة والبلاء أمر جبلي فطر الله الناس عليه، حتى قال أحد الشعراء في كراهية الموت:

قامت تشجعني هند فقلت لها
إن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذي منع الأبصار رؤيتَه
ما يشتهي الموت عندي من له أدب

وقالت الحكماء: الموت كريه([46]).
2 ـ ومن السنة ما رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله r: إن الله قال: " إن الله تبارك وتعالى: قال من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءت"([47]).
والشاهد من هذا الحديث قوله جل وعلا: " ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته".
قال الحافظ ابن حجر معلقًا على هذا الحديث:
معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روى في قصة موسى، وما كان من لطمة عين ملك الموت وتردده إليه مرة بعد أخرى قال: وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله على العبد ولطفه به وشفقته عليه، وقال الكلاباذي ما حاصله: أنه عبر عن صفة الفعل بصفة الذات أي عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبته للموت، فيقبض على ذلك، قال: وقد يحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت فضلاً عن إزالة الكراهة عنه، فأخبر أنه يكره الموت ويسوءه ويكره الله مساءته، فيزيل عنه كراهية الموت لما يورده عليه من الأحوال فيأتيه الموت وهو له مؤثر واليه مشتاق....
قوله: " يكره الموت وأنا أكره مساءته " في حديث عائشة: " أنه يكره الموت وأنا أكره مساءته "، زاد ابن مخلد عن ابن كرامة في آخره: "ولا بد له منه"، ووقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث وهب، وأسند البيهقي في "الزهد" عن الجُنيد سيد الطائفة قال: الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته وكربه، وليس المعنى أني أكره له الموت؛ لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته. انتهى.
وعبر بعضهم عن هذا بأن الموت حتم مقضي، وهو مفارقة الروح للجسد ولا تحصل غالبًا إلا بألم عظيم جدًّا، كما جاء عن عمرو بن العاص أنه سئل وهو يموت فقال: "كأني أتنفس من خرم أبرة، وكأن غصن شوك يجر به من قامتي إلى هامتي"، وعن كعب أن عمر سأله عن الموت فوصفه بنحو هذا، فلما كان الموت بهذا الوصف، والله يكره أذى المؤمن أطلق على ذلك الكراهة، ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة؛ لأنها تؤدي إلى أرذل العمر، وتنكس الخلق والرد إلى أسفل سافلين([48]).
فدل ذلك على أن المؤمن المقرب من الله جل وعلا يكره الموت، وأن الله تعالى يكره الإساءة إليه، فيحدث الله في قلب عبده من الرغبة فيما عند الله فيجب لقاء ربه، فيحب الله لقاءه.
وبناء على هذا فاستغراب البعض من كراهية موسى u للموت بعدما جاءه ملك الموت ورع باهت وتعسف، فكراهية الموت قد جبله الله تعالى في كل إنسان، وهي من طبيعة بني آدم أن يكره الموت كائنًا من كان، ولا غرابة أن يكرهه موسى عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام لا يخرج عن إنسانيته وبشريته.
3 ـ ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله r: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت؟ فكلنا يكره الموت. فقال: "ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه"([49]).
والشاهد في هذا الحديث قول عائشة: كلنا نكره الموت، وليس هذا قول عائشة وحدها، بل قول عموم الصحابة حال قول رسول الله هذا الحديث.
قال ابن حجر: وقع في رواية حميد بلفظ:" فقلنا يا رسول الله"، فيكون أسند القول إلى جماعة، وإن كان المباشر له واحدًا، وهي عائشة. وكذا وقع في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها وفيها: "فأكب القوم يبكون وقالوا: إنا نكره الموت قال ليس ذلك"، ولابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث الباب، وفيه: "قيل يا رسول الله ما منا من أحد ألا وهو يكره الموت فقال: إذا كان ذلك كشف له"، وأخرجه مسلم عن هداب بن خالد عن همام مقتصرًا على أصل الحديث دون قوله: "فقالت عائشة إلخ"، ثم أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة موصولاً تامًّا، وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة والنسائي من رواية سليمان التيمي كلاهما عن قتادة، وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة....
وقد وقعت هذه المراجعة من عائشة لبعض التابعين، فأخرج مسلم والنسائي من طريق شريح بن هانئ قال: سمعت أبا هريرة فذكر أصل الحديث قال: " فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثًا ان كان كذلك فقد هلكنا"، فذكره قال: "وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت" فقالت: " ليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر ـ بفتح الشين والخاء المعجمتين وآخره مهملة أي فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف ـ وحشرج الصدر ـ بحاء مهملة مفتوحة بعدها معجمة وآخره جيم أي ترددت الروح في الصدر ـ واقشعر الجلد وتشنجت "([50]) بالشين المعجمة والنون الثقيلة والجيم أي تقبضت ـ وهذه الأمور هي حالة المحتضر، وكأن عائشة أخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعًا، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا عن شريح بن هانئ عن عائشة مثل روايته عن أبي هريرة وزاد في آخره: "والموت دون لقاء الله"([51]).
وقال ابن الأثير في النهاية: المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض به الموت لان كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها احب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله؛ لأنه انما يصل إليه بالموت.
وقول عائشة: والموت دون لقاء الله يبين أن الموت غير اللقاء، ولكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب أن يصبر عليه، ويحتمل مشاقه حتى يصل إلى الفوز باللقاء.
قال الطيبي: يريد أن قول عائشة: إنا لنكره الموت، يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت وليس كذلك؛ لأن لقاء الله غير الموت بدليل قوله في الرواية الأخرى: "والموت دون لقاء الله"، لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله.
وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة قال: ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال: ﮋﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﮊ (يونس: ٧). وقال الخطابي: معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحب استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها والكراهة بضد ذلك([52]).
وقال النووي: معنى الحديث: أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعًا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث ينكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه([53]).
ومن خلال هذه العرض الدقيق المفعم لأقوال أهل العلم في هذا الحديث ـ خصوصًا ـ يتبين جهل من جعل هذا الحديث بعينه حجة ليستشكل به على كراهة موسىu للموت، واكتفى بطرف الحديث دون تمامه، ثم غاب عن عقله القاصر مراد رسول الله r من محبة لقاء الله، وبورع باهت وتعنت سخيف ليدلل على نكارة متن الحديث، ليقول إن الصالحين يحبون لقاء الله، فهؤلاء أصحاب رسول الله r والتابعين وشراح كتب الحديث يبينوا للأمة مراد رسول الله r :
ـ فعائشة رضي الله عنها تقول قلنا يكره الموت.
ـ وفي رواية فأكب القوم يبكون، وقالوا: إنا نكره الموت.
ـ وقول أبي هريرة: قيل يا رسول الله ما من أحد إلا وهو يكره الموت، ثم يبين لهم رسول الله r أنه ليس كذلك، وأن كراهية الموت ليست هي كراهية اللقاء، لقول عائشة ـ كما عند مسلم المتقدم ـ والموت دون اللقاء، فتبين أن الموت الذي يكرهه العبد ليس هو اللقاء الذي يحبه المؤمنين.
ـ وقول ابن الأثير: المراد باللقاء المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند الله.
ـ وقول القاسم بن سلام: اللقاء ليس عندي كراهة الموت؛ لأنه لا يكاد يخلو منه أحد، وهو قول النووي كما تقدم.
كل هذا في الوقت نهى فيه خير البرية r عن تمني الموت لضرٍّ أصاب العبد ـ كما جاء عند الشيخين وغيرهماـ من حديث أنس قال: قال رسول الله r: :لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به. فإن كان لابد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"([54]).
فكيف يقال: إن الصالحين يحبون الموت؟! إن الصالحين يحبون لقاء الله، نعم. ولكن ـ كما ذكرنا ـ اللقاء غير الموت، ولما كان الموت وسيلة للقاء الله، ولا يتم اللقاء إلا به، عُبِّر عن الموت باللقاء، فخفي على أصحاب الفكر السطحي.
ومن خلال هذا كله يتبين لنا أننا لم نقف على دليل صريح يؤكد أن موسى عليه السلام يكره، وأكبر دليل يفضح هذه الدعوى أن موسى u لما خير بين الحياة ـ بعدد ما تواري يده من شعر ثور يضعها عليه ـ وبين الموت آثر جوار ربه، فلو كان كما قيل أنه يكره الموت؛ لاختار الحياة، وقول ملك الموت عنه ـ أنه يكره الحياة ـ ، إنما هو ما فهمه من رد فعل نبي الله موسى u من لطمه وفقء عينه ـ لما نزل لقبض روحه وموسى لا يعرفه، فلا مانع من نفي صحة هذا الفهم بدليل أن الله تعالى زكى موسى u فقال: ﮋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﮊ (مريم: ٥١)، ولم يعاتبه فيما جرى بينه وبين الملك لعلمه المسبق U بحال نبيه.
كل هذا في الوقت الذي لا يقدح في الإنسان كراهيته للموت؛ لكون ذلك أمر جبلي فطر الله الناس عليه، وموسى لم يخرج عن بشريته لكونه نبيًّا مرسلاً فلا يمتنع عليه ـ عقلاً ـ كراهيته للموت، كما قدمنا بشيء من التفصيل.
رابعًا: لطم موسى لملك الموت ليس اعتراضًا؛ لاستشكال الأمر عليه ابتداء، وكان الأمر أولاً على الابتلاء والاختبار، لا على الإمضاء:
كان من جملة الطعون الموجهة لهذا الحديث ـ خطأ ـ أن بعض هؤلاء الطاعنين استشكل هذا الحديث من حيث إن موسى u قد لطم ملك الموت، إذ كيف يجوز أن يفعل نبي الله هذا الصنيع بِمَلَكٍ من ملائكة الله، جاءه بأمر من أمره، فيستعصي عليه ولا يأتمر له؟! ثم كيف يخالف الملك أمر ربه فيعود إليه دون أن ينفذ أمره بقبض روح موسى u ؟!
وقد عنون ابن حبان لهذا الحديث بقوله: " ذكر خبر شنَّع به على منتحلي سنن المصطفى r من حرم التوفيق لإدراك معناه"([55]).
ووصف هؤلاء ردَّ فعل موسى u بصك ملك الموت بأنه اعتراض على قضاء الله وقدره.
والحق الذي ينبغي المصير إليه أن صك موسى ملك الموت في المرة الأولى ليس من قبيل الاعتراض كما فهمه المشككون وأصحاب الفكر السطحين وغاية الأمر أن موسى u استشكل عليه الأمر ابتداء لعدم معرفته ملك الموت، فكان تصرف موسى طبيعيًّا لرجل غريب تسور بيته بغير إذنه طالبًا سلب روحه.
يقول الخطابي ـ مقررًا هذا القول ـ :" لما دنا موسى u حين وفاته ـ وهو بشر يكره الموت طبعًا ويجد ألمه حسًّا ـ لطف له ـ أي الله ـ بأن لم يفاجئه بغتة ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرًا وقسرًا، لكن أرسله إليه منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر.... فلما نظر نبي الله موسى u إلى صورة بشرية هجمت عليه من غير إذن، يريد نفسه ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته معرفة، ولا يستيقن أنه ملك الموت ورسول رب العالمين فيما يراوده منه، عمد إلى دفعه عن نفسه بيده وبطشه، فكان ذلك ذهاب عينه، وقد امتحن غير واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم بدخول الملائكة عليهم في صورة البشر، كدخول الملكين على داود في صورة الخصمين لما أراد الله U من تعريفه إياه بذنبه، وتنبيهه على ما لم يرضه من فعله، وكدخولهم على إبراهيم u حين أرادوا إهلاك قوم لوط فقال: ﮋﮡﮢﮣﮊ (الحجر: ٦٢)، وقال: ﮋﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﮊ (هود: ٧٠). وكان نبينا r أول ما بدئ بالوحي يأتيه الملك فيلتبس عليه أمره، ولما جاءه جبريل u في صورة رجل فسأله عن الإيمان لم يثبته، فلما انصرف عنه تبين أمره فقال: " هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم "([56])، فكذلك كان أمر موسى u فيما جرى من مناوشته ملك الموت، وهو يراه بشرًا، فلما عاد الملك إلى ربه U مستثبتًا أمره فيما جرى عليه، رد الله U عليه عينه، وأعاده رسولاً إليه بالقول المذكور في الخبر، ليعلم نبي الله r إذا رأى صحة عينه المفقوءة وعودة بصره الذاهب أنه رسول بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينذٍ لأمره وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك وفق من الله U به، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بدٌّ من لقائه والانقياد لمورد قضائه"([57]).
فالقول بأن هذا اعتراض من موسى قول مغلوط تخالفه الحقائق ومفهوم النصوص السوية المستقيمة.
هذا في الوقت الذي علم موسى u أن الأنبياء مخيرون قبل موتهم بالضرورة، فاستبعد أن يأتيه ملك الموت بهذه الطريقة، وعلى هذه الصفة دون تخيير.
ودلت على ذلك أخبار صحاح عن النبي r منها:
كان رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة ثم يحيا أو يخير" . فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى" . فقلت: إذًا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا، وهو صحيح([58]).
وعنها رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله r:
(ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ". فعلمت أنه خُيٍِّرَ)([59]).
قال الحافظ بن حجر: قوله: (كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير) ولم تصرح عائشة بذكر من سمعت ذلك منه في هذه الرواية وصرحت بذلك في الرواية التي تليها من طريق الزهري عن عروة عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو صحيح يقول "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيَّى أو يخيَّر". وهو شك من الراوي، هل قال: يحيَّى أو يخيَّر([60]).
وبناء على هذه الدلائل الواضحة كان من حق موسى أن يخير عند موته، إذا جاءه الملك، فلما جاءه بغير هذه الصفة التي يعرفها، ولا بما استقر عنده من التخيير قبل الموت استبعد أن يكون هذا ملك الموت، فكيف يقال: إن لطمه كان اعتراضًا أن يقرر أولاً معرفة موسى لملك الموت ابتداء، وأنى له ذلك حين يقف على قول موسى في آخر الحديث ـ لما خير بين طول البقاء وبين الموت في المرة الثانية ـ: "الآن"؟ أي أنه آثر جوار ربه على طول البقاء، وذلك بعد مجيء الملك على الهيئة التي تجعله يتيقن بأن هذا ملك من قبل الله.
والقول بأن موسى قد لطم ملك الموت وهو يعرفه، لأنه لم يخيِّره فيه نظر من وجهين:
الأول: أنه من المستبعد جدًّا أن يصدر هذا الفعل من كليم الرحمن تجاه ملك الموت ـ الذي هو رسول رب العالمين ـ وهو يعرفه، فإن هذا مما ينزه عنه الأنبياء.
الثاني: أن هذا الجواب ليس فيه حسم لمادة الإشكال؛ لأن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنهم : ﮋﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﮊ (التحريم: ٦)، فلماذا خالف ملك الموت أمر الله هنا، فلم يخير موسى u؟
ولهذا قال ابن حجر عن هذا الجواب: " فيه نظر؛ لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لِم أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟!"([61]).
وبناء على هذا الشرط نستطيع أن نرد على قول من قال بأن فعل موسى u كان اعتراضًا على حكم وقضائه.
فإن قيل: إذا كان أجل موسى u قد حضر، فكيف تأخر مدة هذه المراجعة، وقد قال الله تعالى: ﮋﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮊ (الأعراف: ٣٤)؟ وإن كان لم يحضر، فكيف جاء الملك لقبض روحه؟([62])
فالجواب: أن أجل موسى لم يكن قد حضر، فلم يبعث إليه ملك الموت في المرة الأولى؛ لكي يقبض روحه، وإنما بعث إليه اختبارًا وابتلاءً، وليس أمرًا يريد الله U إمضاءه، وإنما هو كأمره خليله إبراهيم u بذبح ابنه ابتلاءً وامتحانًا، فإنه U لم يرد إمضاء الفعل، ولهذا لما عزم إبراهيم u على ذبح ابنه، وتله للجبين، فداه الله بالذبح العظيم.
ولو أراد الله تعالى قبض روح موسى حين لطم ملك الموت لكان ما أراد، كما قال تعالى: ﮋﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﮊ (النحل: ٤٠).
وبهذا أجاب ابن خزيمة([63])، وابن حبان([64])، والخطابي([65])، والبغوي([66])، وابن الجوزي([67])، واستحسنه العراقي([68]).
وخلاصة الجواب: أن أجل موسى قد كان قرب حضوره، ولم يبق منه إلا مقدار ما دار بينه وبين ملك الموت من المراجعتين، فأمر بقبض روحه أولاً، مع سبق علم الله أن ذلك لا يقع إلا بعد المراجعة، والله أعلم([69]).
وهذا ما ذهب إليه ورجحه محدث الديار المصرية الشيخ أبو إسحاق الحويني فقال:
إن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار وأمره أن يقول له: أجب ربك، أمر اختبار وابتلاء، لا أمرًا يريد الله جل وعلا إمضاءه، كما أمر خليله ـ صلى الله علي نبينا وعليه ـ بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه([70]).
إذن فالأقدار مكتوبة في أم الكتاب... والأحداث تتغير وفقًا لما هو مكتوب في أم الكتاب، فنزول ملك الموت، ثم ردِّ موسى له... أمر كتبه الله كما كتب سبحانه كل ما كان بعد ذلك حتى رجوع ملك الموت وقبض روح موسى؛ ليكون الأجل المقدر لموسى هو ما كان في الرجوع الثاني للملك.
وهذا القول ليس بدعًا من أقوال الأئمة المتقدمين فقد قرره ابن حبان في صحيحه فقال: وبذلك يتبين أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، كما أمره أن يقول له: أجب ربك، أمر اختبار وابتلاء لا أمرًا يريد الله جل وعلا إمضاءه([71]).
وبهذا نصل إلى الحقيقة الواضحة الجلية، وهي أن لطم موسى لملك الموت لم يكن من قبيل الاعتراض على قضاء الله وقدره؛ بكونه لم يعرف الملك في المرة الأولى وعدم تخيير الملك له كما يخير الأنبياء، دل على ذلك موقفه في المرة الثانية من اختياره للموت عندما خيِّر، وقال: "فالآن".
كما أن هذا ليس اضطرابًا في الآجال المقدرة، كما وصفه بعض المشككين، وقالوا: إن هذا لا يعارض قوله تعالى:ﮋﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮊ (الأعراف: ٣٤)، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الأقدار مكتوبة، والآجال مؤجلة، ولا تعارض فالمراجعة التي دارت بين ملك الموت، وبين موسى إنما هي أمر قدره الله تعالى ـ وإن لم يطلع ملك الموت على هذا ـ وسبق في علم الله تعالى أن قبض موسى لا يقع إلا بعد المراجعة.

خلاصة القول في سطور
· اتفق الثقات من أئمة الإسلام وعلماء الحديث على صحة حديث لطم موسى ملك الموت، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
· جماهير علماء الأمة لا يشترطون تعدد رواة الحديث مادام الحديث قد جاء عمن يؤمن في دينه واشتهرت عدالته، فانفراد الصحابي بالحديث ـ وما نزل من الثقات العدول ـ لا يؤثر في صحة الحديث.
· لم يثبت قط عن أبي هريرة أنه جعل رواية إسرائيلية ونسبها إلى النبي r على أنها حديث نبوي، ولقد وجد الصحابة والتابعون في أبي هريرة حافظًا ضابطًا مدققًا، إذا ناقشه أحد ثبت أنه الحافظ، وإذا روجع في مسألة ثبت أنه الراسخ، ولم يجربوا عليه كذبًا ولا خطأ.
· يكفي أبو هريرة شرفًا أن حفاظ الأمة ـ كابن القيم وابن حزم ـ لما انتصبوا لترتيب أهل الفتوى جعلوا أبا هريرة مساويًا للخليفتين أبي بكر وعثمان في الاندراج في الدرجة الوسطى، وهي الطبقة الثانية عندهم.
· اتفق أئمة الحديث ونقاده على إمامة عبد الرزاق بن همام الصنعاني في الحديث ونقل الروايةن وأن ما نسب إليه من تشيع لا يطعن في عدالته ولا يقدح في روايته، وأن رواية من هو حال عبد الرزاق في الصحيحين، وممن اختلطوا في آخر حياتهم هي من قبيل روايتهم قبل الاختلاط.
· ثبت في الكتاب والسنة أن الملائكة يتمثلون في صور الرجال، وقد يراهم بعض الناس ويظنوهم من بني آدم.
· لا يمنع أن تقتضى حكمة الله عز وجل أن يتمثل ملك الموت بصورة رجل، ويأمره الله أن يدخل على موسى بغتة؛ ليكون بلاء واختبارًا لموسى، لتظهر رغبة موسى في الحياة، وكراهيته للموت، فيكون في قص ذلك عبرة وعظة لمن بعده.
· فقء موسى لعين ملك الموت أمر طبيعي، وتصرف يتصف بالشرعية في مواجهة رجل غريب اقتحم بيته بغير إذنه يريد نفسه، فدافع موسى عن نفسه مدافعة أدت إلى فقء عين الصورة البشرية التي تمثل فيها ملك الموت.
· فعل موسى مع ملك الموت لا جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، فكان جائزًا باتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج ممن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه.
· الصورة المادية التي تمثل بها ملك الموت ليست هي الصورة الحقيقية لملك الموت، فعلى هذا لو عرض ضرب أو طعن في هذا الجسد لم يلزم أن يتألم بها الملك، أو تؤثر على صورته الحقيقية.
· قول ملك الموت عن موسى أنه يكره الموت هو مبلغ علمه من ظاهر ما صدر له منه، حيث قابل أمره له بالإجابة لربه بصكه وفقء عينه، ولكن قد تبين من قول موسى u في آخر الحديث "فالآن" المفيد لمحبته لتعجيل موته بعد تمكينه من تأخيره إلى غاية بعيدة، فتبين من ذلك أن موسى في الواقع بخلاف ما تراءى منه لملك الموت من كونه لا يريد الموت.
· على افتراض أن موسى كره الموت على الحقيقة، فإن ذلك لا يقدح فيه ولا يشينه، لكونه بشرن والله تعالى فطر البشر على كراهية الموت، فقد سمّى الموت في القرآن مصيبة وبلاء.
· صح عن رسول الله r فيما رواه عن رب العزة أن الله تبارك وتعالى ما تردد في شيء أكثر من تردده في قبض عبده المؤمن، يكره الموت والله يكره مساءته، فدل ذلك على أن العبد المؤمن يكره الموت، ولا غضاضة في ذلك.
· صح عن عائشة وجمع كثير من أصحاب رسول الله r قولهم لرسول الله: (كلنا يكره الموت)، فبين لهم رسول الله أن كراهية الموت ليست هي كراهية لقاء الله تعالى، ولكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله لا يتم إلا بها عُبِّر عن لقاء الله بالموت.
· لا يصح القول بأن فقء موسى عين ملك الموت من قبيل الاعتراض على حكم الله، وذلك لثبوت عدم معرفة موسى بحقيقة ملك الموت في أول مرة.
· لطم موسى لملك الموت رد فعل طبيعي لرجل تسور بيته بغير إذنه ولا يعرفه ويريد نفسه في الوقت الذي علم فيه موسى أن الأنبياء مخيرون قبل الموت، فلما جاء الملك على غير الصفة التي يعرفها موسى صدر منه هذا الفعل.
· إن أجل موسى u لم يكن حضر في المرة الأولى لكي يقيض الله روحه، وإنما بعث الله ملك الموت إليه اختبارًا وابتلاءً، وليس أمرًا يريد الله إمضاءه بين ملك الموت وبين موسى أمر قدره الله تعالى مع سبق علم الله أن أجل موسى لا ينتهي إلا بعد المراجعة، وإن لم يطلع ملك الموت على ذلك أولاً.



* .راجع السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، محمد الغزالي، دار الشروق/ القاهرة ط11، 1996م. أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، ط2، 1383هـ / 1964م. مشكلات الأحاديث النبوية، عبد الله القصيمي، الانتشار العربي، بيروت ط2، 2006م. الدفاع عن الصحيحين، محمد الحجوي، ويليه توضيح طرق الرشاد لحسم مادة الإلحاد في حديث صك الرسول المكلم موسى عليه السلام للملك الموكل بقبض أرواح العباد، محمد بن أحمد العلوي، دار ابن حزم، بيروت ط2، 1424هـ/ 2003م.

[1] . لطم: اللطم ضَرْب الخد وصفحة الجسد ببسط اليد بالكف مفتوحة. انظر لسان العرب، ابن منظور(12/542)، مادة لطم.

[2]. المتن: الظهر في الناس والدواب، ومتن الثور ظهره، لسان العرب، (13/398)، مادة: متن.

[3] . ثم مه: استفهام معناه: ثم ماذا يكون، أحياة أم موت، انظر: شرح صحيح مسلم، النووي، مكتبة نزاز مصطفي الباز، السعودية، ط2، 1422هـ/2001م، (8/3501).

[4] . أي: أدنني من الأرض المقدسة حتى يكون بيني وبينها مقدار رمية بحجر، فتح الباري، ابن حجر، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/1986م، (3/246).

[5]

[6]

[7] .صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعده، (6/805)، رقم (3407). وصحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام (8/3497)، أرقام (6033، 6034).

[8] . أخرجه أحمد في المسند، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، رقم (7634، 8157، 8601، 10917، 19740).

[9] . أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الجامع، باب موسى وملك الموت، رقم (20530).

[10] . أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجنائز، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (4/118) رقم (4089).

[11] . أخرجه البغوي في شرح السنة، كتاب الجنائز، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (1/358).

[12] . تاريخ الرسل والملوك، ابن جرير الطبري، ذكر يوشع بن نون، (1/173).


[13]. صحيح ابن حبان، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق، (14/112)، رقم (6223).

[14] . الحاكم في مستدركه، كتاب تواريخ المتقدمين، ذكر النبي الكليم موسى بن عمران (2/632)، رقم (4107).

[15] . شرح ألفية السيوطي في الحديث، ابن موسى الأتيوبي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط3، 1424هـ ،2003م، (1/28).

[16] . الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الظاهري، دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، (1/135).

[17].إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة ـ بيروت/ط2، 1395هـ / 1975م، (1/295).

[18] . توضيح طرق الرشاد لحسم مادة الإلحاد، محمد بن أحمد العلوي، دار ابن حزم ـ بيروت، ط1، 1424هـ /2003م، ص(179ـ 180).

[19] ـ شرح ألفية السيوطي، الأتيوبي، مرجع سابق، (2/213).

[20] .دفع الشبهات عن السنة النبوية، عبد المهدي عبد القادر، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط1، 1421هـ / 2001م، ص (173) بتصرف.

[21] الإسرائيليات في التفسير والحديث، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط3، 1427هـ /2006م، ص (56) بتصرف.

[22] . سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي مؤسسة الرسالةـ بيروت، ط7، 1410هـ /1990م، (3/489).

[23] . توضيح طرق الرشاد، محمد العلوي، مرجع سابق، (181).

[24] هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث ـ القاهرة، ط1، 1407هـ /1986م، ص (440). وانظر ترجمته في تهذيب الكمال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: بشار معروف، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط1، 1413هـ /1992م، (18/52). سير أعلام النبلاء، الذهبي، مرجع سابق (9/ 563).

[25] .توضيح طرق الرشاد، محمد العلوي، مرجع سابق، ص (183، 184) بتصرف.

[26] .انظر: علوم الحديث، ابن الصلاح، تحقيق: نور الدين عتر، المكتبة العلمية ـ بيروت، ط1، 1401هـ /1981م، ص (104).

[27] توضيح طرق الرشاد، محمد العلوي، مرجع سابق، (186، 187) بتصرف.

[28] .راجع الشريعة، أبو بكر الآجري، مؤسسة قرطبة ـ القاهرة، ط2، 1423هـ /2003م، (2/94). التمهيد، ابن عبد البر، مؤسسة قرطبة ـ القاهرة، 1399هـ /1979م، (7/147، 148).

[29] .أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، سليمان الدبيخي، مكتبة دار المنهاج ـ السعودية، ط1، 1427هـ، ص (533).

[30] . صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، (1/140)، رقم (50). وصحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان..، (1/292)، رقم (93)، واللفظ له.

[31] . صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان، تحقيق: شعيب الأونؤوط، طبعة مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط2، 1414هـ /1993م، (14/112).

[32] . صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الآداب، باب تحريم النظر بيت غيره، (8/3277)، رقم (5538).

[33] أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، سليمان الدبيخي، مرجع سابق، ص (535).

[34] . صحيح البخاري (بشرح الفتح)، كتاب المظالم، باب من قاتل دون ماله، (5/147)، رقم (2480). وصحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره، (2/554)، رقم (354).

[35] . صحيح البخاري (بشرح الفتح)، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر،(11/26)، رقم (6241). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، (8/3277)، رقم (5537).

[36] . أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها، سليمان الدبيخي، مرجع سابق، ص (528).

[37] . صحيح ابن حبان، محمد بن حبان، مرجع سابق، (14/112).


[38] . الأنوار الكاشفة، المعلمي اليماني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1405هـ /1985م، ص (214).

[39] . توضيح طرق الرشاد، محمد بن أحمد العلوي، مرجع سابق، (196).

[40] . الأنوار الكاشفة، المعلمي اليماني، مرجع سابق، ص (215).

[41] . صحيح البخاري (بشرح الفتح)، كتاب التفسير، باب سورة النجم، (8/472)، رقم (4855). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الإيمان، باب معنى قوله عزوجل (ولقد رآه نزلة أخرى)، (2/632)، رقم (432).

[42] . أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، سليمان الدبيخي، مرجع سابق، (538).

[43] . توضيح طرق الرشاد، محمد بن أحمد العلوي، مرجع سابق، ص (203، 204) بتصرف.


[44] . وذلك في قوله: ﮋﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯗﮊ (المائدة: ١٠٦).

[45] .الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار التراث العربي، بيروت، 1405هـ /1985م، (6/352).

[46] العقد الفريد، ابن عبد ربه، الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ القاهرة، ط الزخائر، 2004م، (3/197).


[47] . صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب الرقاق، باب التواضع، (11/349)، رقم (6502).

[48] . فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، مرجع سابق، (11/253ـ 254) بتصرف.

[49] . صحيح البخاري (بشرح الفتح)، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، (11/364)، رقم (6507). وصحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب من أحب لقاء الله، (9/3797)، رقم (6696). واللفظ لمسلم.

[50] . صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، (9/3798)، رقم (6700).

[51] . صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، (9/3798)، رقم (6698).

[52] . فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، مرجع سابق، (11/366 ـ 368) بتصرف.

[53] . شرح صحيح مسلم، للإمام النووي، مكتبة نزار مصطفى الباز، السعودية، ط2، 14422هـ /2001م، (9/3799).


[54] . صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة، (11/154)، رقم (6351). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، (9/3796)، رقم (6688).

[55] . صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان، مرجع سابق، (14/112).

[56] . صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب الإيمان، باب سؤال النبي r عن الإيمان والإسلام والإحسان، (1/140)، رقم (50). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان...(1/292)، رقم (93).


[57] . أعلام الحديث، الخطابي، مركز إحياء التراث الإسلامي ـ مكة، ط1، 1409هـ /1988م، (1/699).

[58] . صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب المغازي، باب مرض النبي r ووفاته، (7/743)، رقم (4437). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة رضى الله عنها، (8/3568)، رقم (6180).

[59] . صحيح البخاري (مع الفتح)، كتاب المغازي، باب مرض النبي r ووفاته، (7/743)، رقم (4435).

[60] . فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، مرجع سابق، (7/743) بتصرف يسير.

[61] . فتح الباري، ابن حجر، مرحع سابق، (6/510).

[62] . انظر شرح صحيح البخاري، ابن بطال، مكتبة الرشد، السعودية، ط1، 1420هـ ، (3/322).

[63] . انظر: طرح التثريب، الحافظ العراقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (3/301).

[64] . انظر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، مرجع سابق، (4/112).

[65] . انظر: أعلام الحديث، الخطابي، مرجع سابق، (1/698).

[66] . انظر: شرح السنة، البغوي، المكتب الإسلامي ـ بيروت، ط2، 1403هـن (5/267).

[67] . انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي، دار الوطن، الرياض، ط1، 1418هـ ، 1997م، (3/445).

[68] . انظر: طرح التثريب، سابق، (3/301).

[69] . انظر: فتح الباري، ابن حجر، مرجع سابق، (6/510).

[70] . إقامة الدلائل على عموم المسائل، أبو إسحاق الحويني الأثري، دار التقوى ـ القاهرة، ط1، 1429هـ/ 2008م، (1/65).

[71] . صحيح ابن حبان، محمد بن حبان، مرجع سابق، (14/112).
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-06-10, 01:57 AM
أبو عاصم الخولي أبو عاصم الخولي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-05-10
المشاركات: 111
افتراضي رد: الطعن في حديث لطم موسى ملكَ الموتِ

جزاك الله خيرا
ولقد قام الشيخ ابواسحاق الحويني حفظه الله بالرد علي من طعن في هذا الحديث في كتابه الماتع

فتاوي ابواسحاق الحويني المسمي اقامة الدلائل علي عموم المسائل
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-06-10, 01:58 AM
أبو عاصم الخولي أبو عاصم الخولي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-05-10
المشاركات: 111
افتراضي رد: الطعن في حديث لطم موسى ملكَ الموتِ

الجزء الاول صفحة50
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ملكُ , موسى , أطل , الموتِ , الطعن , حديث

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:41 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.7

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.